إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 02 كانون الأول 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

———————————————-

تحديث 02 كانون الأول 2025

———————————–

شهادات عن تهجير بدو السويداء: بيوت مسلوبة وخيام نزوح وعودة معلّقة/ نديم خوري

02.12.2025

ما حدث لعشائر البدو لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزء من دائرة أعنف وأوسع تشمل مجموعات وقُرى متعدّدة. فالمنطقة تعيش منذ سنوات في ظلّ فراغ أمني، وتعدّد للفصائل المحلّية، وغياب سلطة مركزية فعّالة، إضافة إلى تاريخ طويل من التوتّرات بين بعض القرى والعشائر، بسبب الخطف والثأر والتنافس على طرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي.

تبدو أحياء عشائر البدو ومناطقهم في السويداء شبه خاوية، تنتظر عودة سكّانها الذين هُجّروا في تمّوز/ يوليو الماضي، بعد موجة عنف غير مسبوقة ضربت المحافظة.

جاءت الأحداث في سياق أوسع من التوتّرات المتراكمة بين الفصائل الدرزية المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام، وسيادة اقتصاد موازٍ وشبكات نفوذ مسلّحة تنشط منذ سنوات في المنطقة.

بدأت الشرارة الأولى بخطف تاجر درزي على طريق دمشق، ما أدّى إلى سلسلة من عمليّات الخطف المضاد، وسرعان ما انزلقت إلى اشتباكات مسلّحة وضعت المدنيين في قلب دائرة النار.

تفاقم الوضع مع اقتحام قوّات “الحكومة الانتقالية” للمحافظة، بمؤازرة فصائل عشائرية يوم 13 تمّوز/ يوليو، لتدخل في مواجهة مباشرة مع الفصائل المحلّية الدرزية. أسفرت المواجهات عن مئات القتلى والجرحى، قبل أن تتوسّع لتطلق موجات تهجير طالت الدروز والبدو.

ردّ انتقامي وتهجير جماعي

استمرّت المواجهات بين قوّات الحكومة الانتقالية والفصائل المحلّية لأربعة أيام بتواترٍ متقطّع، قبل إعلان وقف إطلاق النار وانسحاب تدريجي للقوّات في 17 تمّوز/ يوليو.

 لكنّ الردّ الانتقامي كان سريعاً، إذ شنّت مجموعات مسلّحة من الفصائل الدرزية هجمات مباغتة على منازل البدو في مناطق متعدّدة، نتج عنها قتل واحتجاز وتهجير.

مهجّرون وعودة غير مضمونة

يقول أسعد (اسم مستعار)، مدرّس من حيّ البدو في شهبا، يُقيم حالياً في أحد فنادق دمشق: “عند الساعة العاشرة صباح الخميس، هجموا بشكل جماعي على منطقتنا. قُتل ستّة من أفراد عائلتي، وأمرونا بمغادرة بيوتنا فوراً”.

 احتمت عائلات بالمساجد، ولجأ آخرون إلى بيوت معارفهم. تقول أمّ محمّد، سيّدة بدوية من مدينة شهبا، تُقيم في أحد مراكز الإيواء في درعا: “أعطونا الأمان قبل بيوم، لكن بعد ساعات هجموا وذبّحوا الناس. احتمينا بالمسجد ننتظر حدا يخلصنا، وأقاربي لجأوا لجيرانهم الدروز”.

وفي شهادة أخرى تقول نادية (اسم مستعار) من المنطقة نفسها: “دخل علينا ابن جارنا وهو حامل سلاح وطردنا. ولما قلتله نحنا أهل وجيران، سبّني وهددني… نحنا شو ذنبنا؟ نحنا مدنيين قاعدين ببيوتنا”.

تكشف رواية الشابّ الدرزي (و. أ) صعوبة ضبط الفصائل أثناء الهجوم: “اتّجهتُ لحماية المدنيين ونقلهم إلى معابر درعا. وعندما دخلت حارة البدو لم أستطع العبور من كثرة الجثث. رأيت امرأة مقطوعة الرأس”.

أُدرجت هذه الروايات كما قالها أصحابها، مع الإشارة إلى أنه تعذّر التحقّق منها بشكل مستقلّ، بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة خلال الأحداث وبعدها.

إلى متى في “سكن مؤقت” ؟

انتهت الاشتباكات بتهجير آلاف العائلات، إذ اضطرّ نحو 70 ألفاً من أبناء العشائر البدوية إلى النزوح نحو درعا ودمشق وريفها، تاركين منازلهم وأراضيهم وجثث أقاربهم خلفهم. وشهدت منطقة أمّ الزيتون لاحقاً، عمليّات تبادل للجثث بين الطرفين في إطار اتّفاقات تهدئة محدودة.

اليوم، تزدحم مراكز الإيواء في درعا وبعض مناطق دمشق بمئات العائلات البدوية، في البداية استُضيفوا في مدارس غير مجهّزة، قبل أن تُخليها الإدارة مع بدء السنة الدراسية، ما دفعهم إلى نصب خيام في الحقول وعلى أطراف المدن.

في دمشق، فُتح عدد من المراكز، واستضيف قسم منهم في فنادق في منطقة السيّدة زينب، بينما لجأ آخرون إلى أبنية قيد الإنشاء أو مبانٍ حكومية وخاصّة تبرّع أصحابها باستخدامها.

يقول أسعد: “نحن في مراكز مؤقتة غير مريحة. بعضنا في الخيام وبعضنا الآخر في مدارس وأبنية حكومية، هناك عائلات درزية ومسيحية نزحت معنا وتمّ تعيين بعض أفرادها في وظائف تدريس مؤقتة، لكنّ أوضاعنا صعبة وغير مستقرّة”.

ومع بداية الشتاء، تتضاعف الأزمة، يقول أبو خالد (اسم مستعار)، راعٍ من المقوس، يُقيم حالياً في درعا: “الشتا شديد علينا. عطونا بطانيتين ونحن خمسة. ما عم نلاقي شغل ولا نأمّن مصروفنا اليومي. انذلّينا والله”.

تعاني العائلات أيضاً من ضعف الرعاية الصحّية وتكدّس السكّان في مساحات صغيرة، خصوصاً النساء والأطفال، بينما تبقى العودة رهناً بالقدرة على توفير أمان حقيقي، يقول أبو خالد:”لا عودة بلا أمان. طول عمرنا جيران ومشاكلنا بتنحل. ما بعرف شو صار، بس طالما السلاح منتشر ما فينا نرجع”.

ترك التهجير البدو يجهلون مصير بيوتهم وممتلكاتهم، وتتركّز تجمّعاتهم في المقوس والحروبي والمشورب وحيّ البدو في شهبا، وتشير الشهادات إلى أن المنازل واجهت ثلاثة مصائر: إمّا حماية من الجيران وإمّا استيلاء من مجموعات مسلّحة وإمّا السرقة وإمّا الحرق.

يقول أسعد: “جزء قليل من المنازل بقي بحماية الجيران، لكن في بيوت استولت عليها العصابات وسرقتها، وفي بيوت انحرقت”، أما أبو خالد فيقول عن بيته: “أمّنت جاري على البيت والحلال قبل ما نرحل، وبعده عم يطمّني إنو كل شي بعهدته”.

روايات أخرى تحدّثت عن بيع الأثاث علناً، يقول (ع. ه) من عشائر شهبا: “شفت أثاث بيتي مصوّر ومعروض للبيع بصور على صفحة فيسبوك بمعرض مفروشات في شهبا. وصاحب المعرض جارنا”.

وتعرّضت المواشي أيضاً للسرقة، وتُباع اليوم في السوق السوداء بأسعار متدنيّة، بينما تتعدّد الجهات المسلّحة، ولا تُعرف هويّة المسؤولين عن السرقات بدقّة.

ما حدث لعشائر البدو لم يكن حادثاً معزولاً، بل جزء من دائرة أعنف وأوسع تشمل مجموعات وقُرى متعدّدة. فالمنطقة تعيش منذ سنوات في ظلّ فراغ أمني، وتعدّد للفصائل المحلّية، وغياب سلطة مركزية فعّالة، إضافة إلى تاريخ طويل من التوتّرات بين بعض القرى والعشائر، بسبب الخطف والثأر والتنافس على طرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي.

ورغم أن التركيز الإعلامي غالباً ما يُبرز رواية كلّ طرف بصورة منفصلة، تشير الوقائع الميدانية إلى انتهاكات متبادلة، وخسارات بشرية ومادّية طالت الدروز والبدو وسكّان القرى على حدّ سواء. وفي ظلّ سيادة السلاح وتداخل الولاءات، يُترك المدنيون — من جميع المكوّنات — في موقع الخسارة الأكبر.

عودة معلّقة… ووساطات بلا أفق

يطالب المهجرون بالعودة إلى منازلهم، شرط ضمان الأمن ووجود جهة ضابطة محايدة، يقول أسعد: “البدو متمسكين بأراضيهم وملتزمين بتوجيهات الحكومة، بس ما راح نرضى نظل هيك”.

لكنّ انتشار السلاح وتعدّد القوى المسلّحة، ورفض الفصائل المحلّية وساطات خارجية — آخرها الوساطة الأميركية–الأردنية — يجعل العودة مؤجّلة إلى أجل غير معلوم. في المقابل، تطالب الفصائل الدرزية باستعادة قراها التي تقول إنها ما تزال “محتجزة” من قِبل الأمن العامّ.

ما زالت المنطقة مفتوحة على احتمالات غير مستقرّة، إذ لا يبدو أن أيّ طرف قادر على فرض حلّ شامل، فيما تستمرّ معاناة آلاف العائلات في خيم النزوح، بانتظار عودة معلّقة على توازنات السلاح والتهدئة الهشّة.

درجت

———————————–

استفزاز إسرائيل لسوريا.. هل انسدّ طريق التفاهم؟/ عمر كوش

تحديث 02 كانون الأول 2025

تعيش سوريا أجواء احتفالية مع اقتراب الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد البائد، ويأمل غالبية السوريين في أن تنعكس نجاحات السياسة الخارجية على أوضاعهم المعيشية، وتفتح الباب أمام تعافي بلادهم وإعادة إعمارها.

لكن ما ينغص احتفالات السوريين هو إسرائيل، التي لم تتوقف عن اعتداءاتها وتوغلاتها في الأراضي السورية منذ اليوم الأول لسقوط النظام. وكان آخرها العملية العسكرية على بلدة “بيت جن”، التي شهدت تصدي أهالي البلدة لقوات جيش الاحتلال، وأسفرت عن مقتل 13 شخصا من الأهالي، واعترف جيش الاحتلال بإصابة ستة عناصر، بينهم ضابطان وجندي إصابتهم خطيرة.

طريق التفاوض

منذ البداية، أرسلت الإدارة السورية الجديدة رسائل طمأنة لكل دول الجوار والعالم بأنها لن تشكل تهديدا لأي منها، وأنها تبحث عن الاستقرار والأمن الداخلي، لكن إسرائيل لم تكترث بذلك، واستمرت في انتهاكاتها للسيادة السورية. ومع ذلك اتبعت الإدارة السورية دبلوماسية ذكية، وقبلت بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية.

أرادت الحكومة السورية من المفاوضات التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل مشابه لاتفاقية فض الاشتباك عام 1974. وعُقدت خمس جولات من المفاوضات بين الطرفين، ثم سادت توقعات خلال الأسابيع الماضية بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني جديد بين الطرفين خلال الزيارة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، حيث تحدث بعض مسؤولي الإدارة الأميركية عن قرب إنجاز هذا الاتفاق، إلا أن الزيارة انتهت دون أن يتمّ الإعلان عن التوصل إلى أي اتفاق.

لم يتأخر الطرف الإسرائيلي في الإعلان عن انسداد طريق التفاوض، حيث أرجعت هيئة البث الإسرائيلية أسبابه إلى وجود خلافات بين دمشق وتل أبيب، تلك التي ظهرت خلال اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، وتتعلق بشكل رئيسي برفض إسرائيل مطالب سوريا بانسحاب قواتها من المواقع التي احتلتها منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، والعودة إلى حدود اتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974 تحت إشراف الأمم المتحدة، ووقف الانتهاك والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.

تربط حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية انسحاب قواتها من الأراضي السورية التي احتلتها، بالتوصل إلى اتفاق سلام كامل بين الطرفين، من دون أن تبدي أي استعداد لإعادة هضبة الجولان التي تحتلها منذ عام 1967.

الاستفزاز الإسرائيلي

تستغل إسرائيل فائض القوة الذي تملكه من أجل فرض شروطها على سوريا المنهكة من إرث نظام الأسد البائد، وهو أمر ترفضه الإدارة السورية الجديدة، التي اختارت طريق الحوار والتفاهم السياسي من أجل تطبيع علاقاتها مع دول العالم.

يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتمكن من إخفاء انزعاجه من احتضان المجتمع الدولي الإدارةَ السورية الجديدة، وخاصة بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، والترحيب الذي حظي به من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فلجأ كعادته إلى التصعيد، وقام بجولة استفزازية في المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل بعد الإعلان عن فشل المفاوضات مع سوريا.

أراد نتنياهو أن تكون جولته بمثابة رسالة لإظهار غطرسته، فضلا عن أنها تشكل اعتداء سياسيا سافرا، يضاف إلى سلسلة الاعتداءات والتوغلات الميدانية التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية، وأفضت إلى احتلال أرض سورية تزيد مساحتها على 450 كيلومترا مربعا، فضلا عن احتلال الجولان منذ 1967، وفرض حضوره الأمني على المنطقة الجنوبية، الممتدة من العاصمة دمشق وصولا إلى الحدود الجنوبية، والجنوبية الغربية من سوريا.

تكمن خطورة جولة نتنياهو ليس فقط في استعراضيتها الظاهرة، بل فيما تحمله من أطماع توسعية في سوريا، لذلك أراد أن يصحب معه عددا من وزراء حكومته، وكبار قادة جيشه واستخباراته، حيث رافقه حشد كبير منهم، ضم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان الفريق إيال زامير، ورئيس جهاز الشاباك ديفيد زيني، ورئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ، وقائد الجبهة الشمالية رافي ميلو، وقائد فرقة 210 يائير فلاي.

كما ضمّ وزير الخارجية جدعون ساعر، وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر. إضافة إلى منسّق أعمال الحكومة في المناطق اللواء غسان عليّان، الضابط الدرزي، الذي كان يقود لواء غولاني قبل إصابته في كمين نفّذته “كتائب القسام” عام 2014.

لم يتوقف التصعيد أو الاستفزاز الإسرائيلي بعد جولة نتنياهو، بل تواصل عبر قيام سرب من 8 مقاتلات إسرائيلية باختراق الأجواء السورية، حيث حلّقت فوق المنطقة الجنوبية، ومحافظتي حمص وحماة وسط البلاد، وصولا إلى الساحل السوري بالقرب من الحدود التركية. ثم أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن عزمها إطلاق برنامج يهدف إلى تدريب 17 شابا درزيا من السويداء على “إطفاء الحرائق بشكل مهني”.

اللافت والمثير للسخرية أن يوصي وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، المعروف بعنصرية مواقفه وتطرفه وكراهيته لكل العرب، بتزويد السويداء بسيارة إطفاء، كـ”خطوة إنسانية رفيعة”. ولا شك أن بن غفير لا يمتلك أي حس إنساني، كي يقوم بعمل من هذا النوع، وأن ما يريده من هديته ليس إخماد الحرائق في سوريا، بل إشعال المزيد منها، وافتعال الفتن والاقتتال.

لم يتوقف نتنياهو عن خطواته التصعيدية، بل هاجم الرئيس أحمد الشرع، واتهمه بأنه “بدأ يفعل كل ما لن تقبله إسرائيل”، وادعى أنه “عاد منتفخا من لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب… ويريد جلب قوات روسية إلى الحدود”، الأمر الذي يشي بعدم رضا الحكومة الإسرائيلية عن عودة الاتصالات بين روسيا وسوريا، وخاصة الاجتماع الأخير الذي ضم مسؤولين عسكريين سوريين وروسا في دمشق، وأعقبه قيام وفد مشترك سوري روسي بجولة ميدانية واسعة، شملت نقاطا ومواقع عسكرية في جنوب سوريا.

الإصرار الإسرائيلي

تريد إسرائيل إبقاء المنطقة الجنوبية من سوريا منزوعة السلاح، وخالية من التواجد العسكري السوري، وذلك كي تبقى بمثابة منطقة أمنية، تشرف عليها.

ولعل هذا الإصرار الإسرائيلي يقابله رفض سوري، لذلك جاء التصعيد الإسرائيلي بعد انسداد أفق التفاوض كي يشكل تحديا كبيرا للحكومة السورية؛ لأن وقف التفاوض يزيد من التوتر على الحدود السورية الإسرائيلية، ويهدد جهود إعادة الاستقرار بعد سنوات من الصراع في سوريا وعليها.

وقد يأخذ التصعيد الإسرائيلي منحى عسكريا، وما يخفف من حدته هو أن المفاوضات السورية الإسرائيلية تحظى باهتمام إقليمي ودولي.

تتذرع إسرائيل بأنها تريد من المنطقة الجنوبية في سوريا أن تشكل حزاما أمنيا لها، وأنها “مصممة على منع تكرار 7 أكتوبر/تشرين الأول من أية جهة حدودية بما في ذلك سوريا”، حسبما صرح نتنياهو، الذي زعم أن إسرائيل لديها “مخاوف حول حلفائها الدروز في السويداء”.

يكشف واقع الحال أن لإسرائيل أهدافا أخرى من المنطقة الجنوبية بعيدة عن الأمن وحماية الأقليات، ذلك أن سوريا المنهكة يتركز همها الأساسي على تأمين الاستقرار، ولن تشكل تهديدا لأي من جيرانها، حسبما أعلن الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة. كما أن السويداء محافظة سورية، وأهلها جزء أصيل من الشعب السوري، والأجدى بنتنياهو أن يهتم بدروز فلسطين وأن يمنحهم حقوقهم، وألا يستخدمهم وقودا في حروبه العدوانية ضد الفلسطينيين والعرب.

يفرض الإصرار الإسرائيلي على إبقاء المنطقة الجنوبية منزوعة السلاح تحديات كبيرة على المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، فقد أكد الرئيس الشرع “أنه من الصعب الحديث عن منطقة كاملة منزوعة السلاح”، وتساءل بشكل محق عن الجهة المسؤولة عن أمنها في حال حدوث فوضى فيها، وعن إمكانية استخدامها كمنصة من بعض الأطراف لمهاجمة إسرائيل نفسها.

الموقف السوري

هناك خشية لدى حكومة اليمين المتطرف، وكذلك لدى المؤسستين العسكرية والأمنية في إسرائيل، من أن التقارب بين الولايات المتحدة وسوريا، خاصة بعد لقاء الرئيسين ترامب والشرع في البيت الأبيض، قد يفرض عليها تقديم تنازلات ميدانية في المناطق التي احتلتها في سوريا، ولا تريد تقديمها لحساباتها التوسعية.

يتفهم الوسيط الأميركي للمفاوضات رفض الحكومة السورية الطلبات الإسرائيلية. وقد كشف الرئيس الشرع أن “الولايات المتحدة، والعديد من الأطراف الدولية، معنا في هذه المفاوضات”، وأن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم وجهة نظرنا أيضا”. وتوقع أنه “سيدفع بأسرع ما يمكن من أجل التوصّل إلى حل لهذا الأمر”.

لكن واقع الحال يشي بأن ترامب لم يمارس أي ضغط على حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية كي تتوقف عن اعتداءاتها المتكررة، وأن تكفّ شرها عن سوريا.

الواضح هو أن الحكومة السورية تسعى إلى الفصل بين الاتفاق الأمني الهادف إلى عودة إسرائيل إلى اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في عام 1974، واتفاق السلام، الذي يستوجب إرجاع هضبة الجولان المحتلة إلى السيادة السورية، بالإضافة إلى رسم العلاقة بين سوريا وإسرائيل على المدى البعيد.

أما في المرحلة الراهنة فإن السوريين، وبعد عقود من الإنهاك والتصحر السياسي والاقتصادي والتفكك الاجتماعي، بحاجة إلى مرحلة للتعافي والتقاط الأنفاس.

على العكس مما كان يسود في بعض التحليلات، فقد اتضح أن الحكومة السورية غير مستعجلة للركوب في قطار التطبيع مع إسرائيل، التي لا تكف عن وضع عراقيل كثيرة أمام استعادة سوريا استقرارها وأمنها بعد سقوط نظام الأسد البائد، وأن لا حدود لمخططات إسرائيل وأطماعها التوسعية التي “قد تصل إلى ميونخ”، حسبما قال الشرع لصحيفة واشنطن بوست، وبالتالي، فإن ما تريده إسرائيل من الإدارة السورية فعليا يتجاوز اتفاق سلام، ويشبه في الحقيقة اتفاق إذعان وتفريط بالأرض.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

المزيد من آراء الكاتب

الجزيرة

————————-

هجوم بيت جن يكشف التباين الأميركي الإسرائيلي في سوريا/ أغيد حجازي

2 ديسمبر 2025

بعد اشتباكات بيت جن بين مجموعة من أهالي القرية جنوب سوريا وبين قوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة بهدف اعتقال شبّان من القرية، والتي أدّت إلى إصابة ستة جنود إسرائيليين واستشهاد 13 سوريًا، شهدت سوريا احتجاجات واسعة تنديدًا بالعدوان الإسرائيلي.

وتزامنت هذه الاحتجاجات مع ذكرى انطلاق “عملية ردع العدوان” التي أدّت إلى إسقاط نظام بشاد الأسد، ما منحها رمزية مضاعفة؛ إذ تصاعد خلالها حرق العلم الإسرائيلي وصدحت دعوات “الجهاد ضد إسرائيل” في عدد من المدن.

ورغم حِدّة المشهد، التزم الموقف الأميركي الصمت منذ وقوع الحادثة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر وحتى الأول من كانون الأول/ديسمبر، وهو صمت بدا لافتًا في ظل حساسية المنطقة. غير أنّ زيارة المبعوث الأميركي توماس باراك إلى سوريا ولقاءه الرئيس أحمد الشرع في دمشق غيّرت المشهد جذريًا، وتلتها مباشرة تصريحات لترامب وتسريبات لموقع “أكسيوس” والقناة 12 الإسرائيلية، جميعها أظهرت انحيازًا واضحًا لصالح سوريا في مواجهة إسرائيل.

هذا الموقف الأميركي غير المسبوق يفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة الجوهرية حول سبب تغيّر الموقف الأميركي تجاه ما تقوم به إسرائيل في سوريا، وحول ما إذا كان هناك بالفعل “صراع أميركي إسرائيلي خفي حول مستقبل سوريا”.

إصابة جنود إسرائيليين، حرق الأعلام، والدعوات العلنية لمواجهة إسرائيل، “عوامل كافية لقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية”. وتاريخيًا، لم تتخلّ الولايات المتحدة عن انحيازها لإسرائيل سياسيًا أو عسكريًا أو إعلاميًا، حتى في أكثر اللحظات حساسية.

لكن ما حصل خلال الأيام الماضية كان مختلفًا. ورغم حادثة بيت جن وما تلاها، خرج رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب ليعلن أنه “راضٍ جدًا عن النتائج التي تحققت في سوريا”، مشيدًا بـ”العزيمة في سوريا” ومعتبرًا أن الرئيس الشرع “يعمل بجد لضمان أمور جيدة” وأن سوريا وإسرائيل “ستتمتعان بعلاقة طويلة ومزدهرة”.

تقرير “أكسيوس” كشف أن تصريحات ترامب جاءت ردًا مباشرًا على أحداث بيت جن، وأن الإدارة الأميركية تعتبر أن “العمليات الإسرائيلية في سوريا تضرّ بالمفاوضات الرامية للوصول إلى اتفاق أمني إقليمي”.

أما القناة 12 الإسرائيلية فنقلت عن مسؤول أميركي قوله إن “سوريا لا تسعى إلى تصعيد عسكري مع إسرائيل”، مؤكدةً أن “الوضع على الحدود السورية الإسرائيلية مختلف جذريًا عن الحدود اللبنانية”. وأوضحت القناة أن واشنطن طلبت من نتنياهو “التوقف عن التصعيد”، لأن الاستمرار به “قد يحوّل النظام المستقبلي في سوريا إلى عدو دائم لإسرائيل”.

ما سبق يعني بشكل مباشر أن واشنطن تضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها في سوريا، وهو أمر لم تفعله لا في غزة ولا في لبنان ولا في إيران، بل كانت شريكة فيها. هذا التمييز في الحالة السورية يستدعي قراءة أعمق، ويمكن تفسيره من عدة زوايا.

سعي أميركي لاحتكار النفوذ داخل سوريا بدلًا من إسرائيل

قد يكون الموقف الأميركي نابعًا من رغبة واضحة في أن تكون سوريا ساحة نفوذ أميركي مباشر لا إسرائيلي. هذا ما تؤكده الإشارات المتزايدة حول فتح العلاقات سورية أميركية، والشراكة الأمنية والعسكرية للإدارة السورية مع القيادة الوسطى الأميركية في عمليات مكافحة داعش بعد انضمام دمشق إلى التحالف الدولي، إلى جانب الحديث عن قواعد أميركية إضافية واستثمارات مرتقبة.

ومن الممكن أن هذا التوجه الأميركي يأتي أيضًا بطلب خليجي تركي، أي تحويل سوريا إلى نموذج يشبه دول الخليج من حيث وجود قواعد أميركية دائمة وإبعاد إسرائيل عن المشهد العسكري.

لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبتين أساسيتين:

    الوجود الروسي العسكري

    روسيا حاضرة بقواعد ثابتة، أبرزها قاعدة “حميميم” الجوية، والوجود البحري في اللاذقية. هذا يمنع أن تتحول سوريا بسهولة إلى منطقة نفوذ أميركي كامل، ويجعل أي تغيير استراتيجي مرتبطًا بتفاهمات تنافسية بين موسكو وواشنطن.

    الأطماع الإسرائيلية ومشروع “إسرائيل الكبرى”

    هل تقبل إسرائيل، أو هل يمكن إجبارها، على الانسحاب من المشهد السوري في ظل توجهات نتنياهو التوسعية، ومشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يروّج لها منذ سنوات؟ وهل تتخلى إسرائيل عن حلم “ممر داوود” ونفوذها في الجنوب السوري لصالح النفوذ الأميركي؟

الموقف الإسرائيلي من حادثة بيت جن

اللافت أن نتنياهو حتى الآن لم يُعلّق على حادثة بيت جن، فيما شنّ وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي هجومًا على الحكومة السورية، معتبرًا أن “الجهة المهاجمة ليست تنظيمًا لبنانيًا معروفًا، بل عشرات الجهاديين من تنظيم القاعدة الذي يقوده الجولاني”.

وأشار شيكلي بأن “ردّ حكومة الجولاني في دمشق لم يترك مجالًا للشك، إذ وصفت وزارة الخارجية العملية بأنها عدوان صهيوني بربري، فيما أشادت وزارة الإعلام والمتحدث باسم الرئاسة بالمقاومة البطولية لأهالي بيت جن” واعتبرتها “نموذجًا وطنيًا لمواجهة الاحتلال”، لافتًا إلى أن “مظاهرات عفوية خرجت في دمشق والسويداء ودرعا تحت شعار بيت جن فخر سوريا”.

وأضاف الوزير أنه حذّر قبل عام من “عدم الاحتفال بسقوط الأسد رغم كونه طاغية قاسيًا”، معتبرًا أن “الفراغ الذي نشأ قد يستبدل “التهديد الشيعي” المعروف بتهديد “سنّي جهادي” واسع وخطير لا يقل عنه”.

وأورد شيكلي أن الدلالات الاستراتيجية للحادثة هي أن “الحدود السورية انتقلت من وضع ميليشيات موالية لإيران إلى وضع جبهة مفتوحة مع نظام إرهابي جهادي سنّي يحمل سمات أيديولوجية مطابقة لحماس، وأن نظام الجولاني سيعمل على تحويل الصراع مع إسرائيل إلى ركيزة رئيسية في بناء شرعيته الوطنية”، وفق قوله.

وأشار كذلك إلى أن تركيا بقيادة أردوغان، الذي وصفه بـ”الدكتاتور ذي الرؤية العثمانية الجديدة، تقف خلف الجولاني”، معتبرًا أن “دمشق عام 2025 تشبه غزة عام 2008، لكن في ظروف ميدانية أصعب، ومع عمق استراتيجي كبير وقدرة وصول إلى موانئ المتوسط، ودعم مباشر من قوة إقليمية”.

وختم شيكلي بالقول إن إسرائيل “لم تعد تواجه تنظيمًا إرهابيًا، بل دولة عدو جديدة لها جيش واقتصاد وتحالفات استراتيجية”، داعيًا الجيش الإسرائيلي ومنظومة الأمن إلى “الاستعداد وفق ذلك”، ومشيرًا إلى أن “احتلال جبل الشيخ السوري ومنطقة العزل كان خطوة ضرورية”، لكنه شدّد على ضرورة فهم أن “الجبهة السورية قد تتطور، وباحتمال عالٍ، إلى ساحة حرب جوهرية”.

من خلال تصريحات شيكلي، يُفهَم أن إسرائيل تنظر إلى سوريا نظرة مختلفة تمامًا عن الرؤية الأميركية التي تدفع نحو اتفاق أمني وتسعى لانضمام الحكومة السورية الحالية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، في حين تُفضِّل تل أبيب فرض سيطرة أمنية وتوسّعًا واحتلالًا داخل الأراضي السورية.

هل التحول الأميركي تكتيكي؟

من الوارد أن يكون موقف واشنطن ظرفيًا وتكتيكيًا، مرتبطًا بملف محدد يعمل عليه ترامب، وقد يتغير لاحقًا مع تغيّر الظروف. فالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط لطالما عُرفت بالبراغماتية الشديدة والتي تسمح بتقلبات في الموقف ما دامت تخدم الهدف النهائي.

في المحصلة، فإن أحداث بيت جن لم تكن مواجهة محلية عابرة، بل كشفت عمق التباين الأميركي الإسرائيلي حول مستقبل سوريا. واشنطن تبدو حريصة على منع تل أبيب من فرض أمر واقع جديد يهدد مسار التسوية الذي تعمل عليه، بينما ترى إسرائيل أنها تمتلك الحق المطلق في التحرك داخل سوريا دون قيود. أما دمشق، فوجدت نفسها لأول مرة منذ سنوات تستفيد سياسيًا من لحظة اشتباك عسكري مع إسرائيل، عبر موقف أميركي لا يمكن تجاهله.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما يجري اليوم يشكّل بالفعل بداية لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا؟ أم أننا أمام لحظة سياسية استثنائية، متفق عليها ضمنيًا، ستتبدّل سريعًا مع أول تغيّر في الظروف؟

الترا صوت

———————————–

تمدد بلا كوابح.. كيف تصنع عمليات “رأس الرمح” وقائع جديدة في الجنوب السوري؟/ عزيز موسى

2 ديسمبر 2025

في الجنوب السوري يُعاد رسم الواقع الجغرافي على إثر الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية اليومية، إذ باتت المنطقة تشكل علامة فارقة في معادلة الأمن السورية، في ظل الدفع بقوات اللواء 55 احتياط المعروف بلواء “رأس الرمح” التابع للفرقة 210 في الجيش الإسرائيلي، إلى قلب واحدة من أكثر الجبهات هشاشة وحساسية في المنطقة.

هذا الانتشار ليس خطوة روتينية ولا مجرد نشاط ميداني عابر، بل هو إعلان عن إعادة هندسة قواعد التعامل مع الجبهة الشمالية بالنسبة لإسرائيل، فاختيار لواء يُستخدم عادة في العمليات ذات الطابع الهجومي السريع ليكون رأس الحشد داخل عمق الجنوب السوري والذي نشط سابقًا في قطاع غزة، يكشف عن تحول في العقل الأمني الإسرائيلي يتمثل بالانتقال ما هو أبعد من الاكتفاء بالضربات الجوية والعمليات المظلية المحدودة.

وهو ما أكدته العملية الأمنية الأخيرة التي قامت بها قوات إسرائيلية في 28 تشرين الثاني في قرية “بيت جن” في ريف دمشق، التي أحدثت تطورًا خطيرًا بالانتقال نحو اشتباك مباشر بين مجموعة من الشبان والقوات المتوغلة أدى لارتقاء 13 مدنيًا وإصابة 6 جنود إسرائيليين بينهم ضباط، في ظل تبريرات متعددة استخدمتها إسرائيل للقيام بعمليتها.

حدود تُعاد كتابتها

يعتقد الباحث والكاتب السياسي، د. محمد البحيصي، أنه منذ اللحظة الاولى لسقوط النظام السابق  في سوريا بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ مخططاته عبر التدمير المنظم للقدرات العسكرية السورية، ومن ثم انتقل إلى توسيع احتلاله وسيطرته في العمق السوري لتوسيع المنطقة العازلة، ومن ثم الضغط باتجاه منطقة منزوعة السلاح تحت عنوان “عدم السماح بتكرار السابع من أكتوبر”، نتيجة لذلك عملت إسرائيل على احتلال مساحات واسعة من الأراضي السورية على الرغم من كل التطمينات التي أطلقتها الإدارة السورية الجديدة، إلا أن إسرائيل رفضت أية مساع للانسحاب، بل عملت على توسيع عملياتها تحت مسمى “الضربات الاستباقية”.

فيما يرى الكاتب السياسي، جعفر خضور، أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية بدأت بالتحول في سوريا منذ عام 2018 من خلال النظرة التي رأت أن التهديد الأمني يأتي من خلال اختلال موازين القوى لصالح حلفاء سوريا سابقًا وخاصة إيران على المدى الطويل، بالتالي عملت على الانتقال من الاستراتيجية القائمة على الردع و”المقصود به هنا ردع سوريا من فتح جبهة الجولان”، دون التفريط بالرؤية الإسرائيلية التي تضمنت الحفاظ على الخطوط الحمراء التي تعني بالنسبة لإسرائيل سيطرة النظام السابق على قواه العسكرية والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام  1947.

ويضيف أن العمليات الأخيرة التي حصلت في سوريا خاصة في الجنوب، تُعد ترجمة للتحول في العقيدة العسكرية باتجاه استراتيجية “المنع الاستباقي” بدلًا من الردع، بهدف إبعاد أي تهديد خطير، إذ حافظت إسرائيل نسبيًا على استراتيجية “الحرب بين حربين” لجهة عدم الإخلال بقواعد الاشتباك مع سوريا، وبقيت متمسكة بالضربات الاستباقية تمهيدًا للتدخل.

توسع تحت غطاء الأمن

تتركز أنشطة قوات “رأس الرمح” في تمشيط الجنوب السوري والاقتحامات، تدمير الذخائر، تفكيك البنية التحتية العسكرية المهجورة أو المتروكة، وإقامة حضور دائم، هذا الحشد وما رافقه من عمليات بحث ليس اعتباطيًا، هو استجابة لسقوط التوازن ولفراغ أمني نجم في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، ما منح إسرائيل فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك والوجود في الأراضي السورية، ليس بوصفها محتلًا فحسب بل كجزء من عقيدة دفاع استباقي تهدف إلى تحييد أي تهديد محتمل من الجنوب السوري أولًا.

يشير الدكتور البحيصي إلى أن هذه العمليات تأتي في سياق مشروع “إسرائيل الكبرى” القائم على التوسع في المنطقة وزيادة الاحتلال، من هنا يمكن فهم طبيعة وأهداف إسرائيل في استغلال ما يسمى “حماية الأقليات” في سوريا، وبالتالي العمل على فرض سيطرة أمنية والتوسع العسكري بإنشاء القواعد العسكرية وتكثيف عمليات استهداف القرى، بما يتيح حرية الحركة في الجنوب السوري، ويخدم فكرة إنشاء ممر آمن “ممر داوود” يصل إلى شرق سوريا، ومحاولة عزل الجنوب السوري بشكل كامل.

وما ساعد على ذلك هو استثمار لحالة الهشاشة التي تعاني منها سوريا، لتبرز هذه المشاريع و تصبح واقعًا من خلال استثمار الفوضى، وإقامة معادلة جديدة تقوم على التفاوض من موقع القوي وفرض الشروط على سوريا، هذا ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: “هناك مصلحة لسوريا لا تقل عن مصلحة إسرائيل في التوصل إلى ترتيبات أمنية تخدم الطرفين”، ليعود وزير الدفاع يسرائيل كاتس ويؤكد على استبعاد عملية السلام مع سوريا في الوقت الحالي.

فيما يؤكد الكاتب خضور، أن التحولات التي تطرأ في المشهد السوري أبرزت الهشاشة الأمنية السورية، وتعديل إسرائيل لأولويات عقيدتها الأمنية في الجنوب، إذ تعمد لإدماج متدرج للقوة العسكرية والأمنية بما يعيد تشكيل الجغرافيا السورية انسجامًا مع رؤية المشروع الإسرائيلي، مع الأخذ بعدة مؤشرات تتعلق بالسيطرة على منابع المياه والتلول الاستراتيجية من قواعد ونقاط مراقبة، والترميز السيادي وبرمجة الواقع الاجتماعي، عبر تثبيت واقع التوغلات والحواجز داخل القنيطرة.

ويضيف خضور أن التركيز الإسرائيلي على إعادة حشد اللواء 55 “رأس الرمح”، يؤشر إلى نقطتين أساسيتين، الأولى تتعلق بأهمية الجبهة الشمالية ضمن حسابات إمكانية انبعاث التهديد وكأنه قدر لا فرضية قابلة للدراسة والفحص، أما النقطة الثانية فتتمثل بـأن إسرائيل مستمرة في العمل لضمان منطقة عازلة ولو تجاوزت مسافة حدود هي تريدها، كما حدث عند تجريف ثكنة (سرية م/ط)، في منطقة “كوم محيرس” على عمق 12 كم على طريق القنيطرة – دمشق، والعملية الأمنية اللاحقة في بيت جن، بما يعكس السعي الإسرائيلي للتعامل مع سوريا الجديدة كساحة أليفة مع مخططاتها ومحاولة “تبديد فكرة الدولة السورية الموحدة”.

خيارات محدودة

لم يعد توغل “رأس الرمح” في عمق الجنوب السوري مجرد خبر عابر أو مناورة عسكرية، بل صراع على الجغرافيا وتحديد النقاط وتثبيت الحضور، إذ يؤكد الدكتور البحيصي أنه على الرغم من التزام دمشق باتفاقية فصل القوات لعام 1974 والتي كانت إسرائيل قد أعلنت انهيارها بعد سقوط النظام السابق، تبدو خيارات دمشق محدودة وتنحصر في بيانات الإدانة وفي محاولات إشراك الجانب الروسي في ترتيبات أمنية في جنوب غرب سوريا بعد أن رفضت إسرائيل أي وجود تركي في المنطقة، إضافة للجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة والسعودية وقطر للدفع باتجاه التزام إسرائيل باتفاقية فض الاشتباك، وهو ما لا تقيم له إسرائيل وزنًا حتى الآن حتى لو تواجدت قوات روسية في النقاط التي كانت تتمركز فيها سابقًا وبتنسيق أميركي، إلا أن هذا لا يمكن أن يخدم المخططات والأهداف الإسرائيلية استراتيجيًا.

فيما يختم الكاتب خضور أن ما أن ما يجري اليوم في الجنوب السوري يتجاوز كونه إعادة تموضع أو فرض وقائع عسكرية بالقوة، بل هو عمل ممنهج يهدف إلى تهيئة المسرح لحرب واسعة تمنح إسرائيل تفوقًا عملياتيًا واستخباريًا، ومع اندفاع تل أبيب نحو القضم التدريجي وإعادة رسم الجغرافيا وفق مصالحها، تجد دمشق نفسها أمام مسار شديد الضيق والتعقيد، في مشهد تُعاد فيه رسم خطوط الأمن وحدوده وأدواره.

الترا سوريا

———————————–

 المقاومة الشعبية في سوريا/ عبد الله مكسور

2025.12.02

تاريخياً، لم تكن المقاومة الشعبية مجرد ردّ فعل مباشر على غياب الدولة أو تراجع قدرتها، بل شكلت دائماً لحظة انكشافٍ للحدود التقليدية بين المجتمع والبنية السياسية الحاكمة، أي بين السلطة والناس. يمكن القول إنها حالة هجينة، يتقاطع فيها العفوي بالمنظّم، والأخلاقي بالبراغماتي، والفعل المدني بالفعل المسلح. يمكن النظر إليها أيضاَ كأرشيف متجدد لخيارات الشعوب حين تُدفع نحو الزاوية، وحين تصبح الحياة اليومية نفسها مساحة اشتباك. هذا المنطق برز في جغرافيات مختلفة من منطقتنا حيث استُولِدت المقاومة من هشاشة الدولة وضغط الاحتلال.

وفي أماكن متنوعة من العالم تبرز نماذج أخرى. ففي البلقان، تولدت المقاومة الشعبية من فراغ سياسي متعدد الجنسيات. وفي أميركا اللاتينية، انبثقت من التفاوت الاجتماعي ومن مواجهات مستمرة ضد أنظمة قمعية أو تدخلات خارجية. أما في جنوب إفريقيا فقد تشكلت من شبكة طويلة من العصيان المدني والمقاومة الأخلاقية ضد بنية استعمارية عنصرية.

هذا الاشتباك بين بنية الدولة الغائبة أو المقيّدة، وبين المبادرة المجتمعية التي تنمو من الأسفل وتتضخم باضطراد أفقياً وعمودياً تبعاً لظروف مختلفة، يفسر في ظل الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات المستمرة وراء خطوط فض الاشتباك في سوريا، الحديث والإشارة عن مقاومة شعبية قد تنشأ في الجنوب السوري، هذه الإشارات ليست رسمية وإنما تصدر من أشخاص يخرجون على شاشات التلفاز من دون صفات رسمية- للترويج والترديد بأن المقاومة الشعبية هي أكثر التجارب التاريخية قدرة – في الواقع السوري الحالي- على إعادة تعريف معنى القوة. لأنها ليست جيشاً، وليست حركة سياسية بالمعنى النظامي، لكنها تحمل روح الاقتراح الدفاعي المُحمَّل بكثير من المولِّدات النابعة من هشاشة المجتمع نفسه، والقادر على تحويلها بشكل أو بآخر إلى مصدر قوة.

سهم الباشان

في سوريا اليوم، خصوصاً في جنوبي العاصمة دمشق وامتداد هذه الجغرافيا نحو الجولان، تتخذ هذه الإمكانية طابعاً أكثر تعقيداً من أي نموذج آخر. ليست البلاد فقط خارجة من عباءة نظام شمولي دكتاتوري عمره أكثر من نصف قرن، بل إنها تواجه فراغاً أمنياً في واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الإقليم. ومنذ إعلان إسرائيل –رسمياً – عن عملية “سهم باشان”، لم يعُد الجنوب السوري منطقة حدودية قابلة للضبط، بل مختبراً مفتوحاً لفرض معادلة جديدة بعد إسقاط اتفاق وقف إطلاق النار أو فض الاشتباك الموقع عام 1974.  هذه المعادلة تمثلت بالذهاب نحو خيار الدخول البري وإن بدا في كثير من الأحوال موضعياً لكنه يحمل دلالات الاستدامة وفق المنطق الصهيوني. فضلاً عن إصرار تل أبيب على وضع مشروع إسرائيل الكبرى على الطاولة ومركزه الرئيسي تحويل الجولان السوري المحتل ومحيطه العام إلى منطقة تدار أمنياً بقرار أحادي إسرائيلي، مع تكثيف الغارات على عمق البنية العسكرية السورية ومنع وجود أي قوات سواء كانت سورية أو حليفة لدمشق في مناطق عديدة من البلاد.

إدارة الفراغ

من منظور المقاربات المقارنة، ما تفعله إسرائيل في هذا الاتجاه يشبه إلى حد بعيد جهود القوى الاستعمارية القديمة في إدارة الفراغ بدلاً من ملئه. بخاصة في حالة عدم وجود قوى منظمة تستطيع ضبط المشهد، بمعنى آخر خلق واقع أمني لا تستطيع الدولة الناشئة الجديدة في سوريا أن ترد عليه، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهله. ورغم أن هذا النموذج كان فعالاً في مراحل معينة من التاريخ، إلا أنه أثبت هشاشته حين واجه مقاومة محلية قادرة على توظيف الجغرافيا والذاكرة والتماسك الاجتماعي. هنا بالتحديد يبرز مثال بيت جن في ريف دمشق. فالاشتباك الذي وقع لم يكن جزءاً من قرار سياسي سوري، ولا من استراتيجية دفاعية رسمية، بل مما يمكن تسميته الذاكرة الدفاعية القديمة التي تحركت حين اقترب التهديد من البيوت. أسلحة فردية، مجموعات صغيرة، وتصرف غريزي أمام قوة معتدية متوغلة.

إمكانية المقاومة الشعبية

هذا المشهد دفع بإعادة دوائر الحديث عن فكرة المقاومة الشعبية، لكن إن مقومات نشوء مقاومة شعبية في الجنوب السوري تبدو حاضرة لكنها غير مكتملة. فالمنطق العسكري يقول إن البيئة الجغرافية القاسية لجبل الشيخ والقنيطرة قادرة على خلق كلفة ميدانية لإسرائيل. والبنية الاجتماعية، بقوتها العشائرية، قادرة على تعبئة سريعة لا تحتاج إلى مؤسسات كبيرة. فضلاً عن حضور الرمزية الوطنية لسوريا الخارجة من حرب طويلة في ذهنية المجتمع المحلي على امتداده. يمكن أن تتحول إلى عامل تعبئة نفسي وروحي، كما حدث في الانتفاضات الفلسطينية مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات بين المثالين. لكن في المقابل، هناك معادلات واقعية لا يمكن تجاوزها. فالدولة السورية الجديدة تبني شرعيتها على الاستقرار، لا على المواجهة. هذا وفقاً للتصريحات الرسمية الصادرة منذ الثامن من ديسمبر لعام 2024. فضلاً عن أن المنطقة بكاملها من الخليج إلى تركيا إلى أوروبا وأميركا لا تريد حرباً أو على الأقل لا تدفع باتجاه ذلك. أما إسرائيل، فهي تتحرك اليوم بوعي تام لما يعنيه ظهور مقاومة جنوبية مسلحة، نسخة سورية من تجربة جنوبي لبنان، بآلامها واستنزافها وارتداداتها السياسية.

ورغم كل هذا الواقع، تُظهر التجارب العالمية أن المقاومة الشعبية لا تُولد بمرسوم ولا تنتظر إذناً من أحد، بل تنبثق حين تتقاطع ثلاث لحظات حاسمة. أولها عندما يصبح الاحتلال أو التهديد الوجودي قابلاً للّمس لا التحليل، وثانيها عندما تتشكل في القرى المستهدفة رغبة غريزية شاملة في حماية معناها قبل حجارتها كي لا تتحول إلى فراغ تديره قوة قسرية محتلة، وثالثها حين يتراكم الاحتجاج ليغدو تنظيماً، ثم يتحول التنظيم إلى قدرة عملية على الرد. في تلك اللحظة يتشكل ذلك الفعل الذي تحدّثت عنه فلسفات عديدة بوصفه الدفاع الأخير للإنسان حين تُغلق أمامه أبواب التاريخ والحاضر، دفاع لا يطلب اعترافاً بقدر ما يستمد شرعيته من رفضه أن يُمحى. وفي جوهر هذه النقاط جميعاً يكمن قانون واحد يقوم على مقولة واضحة: حين يتعرض الإنسان لتهديد يُلغيه، يصبح الفعل المقاوم ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة تفرضها الحياة نفسها.

في الجنوب السوري اليوم، تبدو الشروط التي تُنبت عادةً المقاومة الشعبية وكأنها تتجمع ببطء تحت السطح، متقاربةً إلى الحدّ الذي يجعل الاحتمال ممكناً حتى لو لم يكن مرغوباً من القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية. فاللحظة السورية تحمل رهانات الاستقرار ولا تشجع على المواجهة، لكن الوقائع الميدانية تُظهر أنّ السياسة لا تستطيع دائماً تعطيل قوانين الجغرافيا أو كبح استجابات المجتمع حين يستشعر الخطر.

المعادلات الهشة

الجنوب اليوم يواجه احتلالاً مباشراً وتوغلات برية وتغييرات قسرية في البنية الأمنية، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى فرض معادلة تُفرغ القرى من قدرتها على الصمود، وتمنح جيشها حرية الحركة من دون كلفة. غير أن التجارب العالمية تشير إلى أن مثل هذه المعادلات تظل هشة حين تتجاهل أن المجتمع نفسه قادر، عند لحظة معينة، على إنتاج صيغة دفاعية لا تخضع لمنطق الدول. بخاصة عندما تفشل الحرب الخاطفة في فرض واقع دائم. وسلوك إسرائيل في الجنوب السوري يبدو أقرب إلى محاولة خاطفة لم تنجح حتى اللحظة في تثبيت استسلام محلي. لذلك يُلاحظ اتجاه المجتمع نحو البحث عن أدوات استدامة الرفض، ولو كانت أولية ومحدودة الموارد.

هنا تُطرح إمكانية نشوء مقاومة شعبية سورية في الميزان. من جهة، هناك عوامل تساعد على ظهورها: الجغرافيا الوعرة، التماسك الأهلي، الشعور بالتهديد الوجودي، وذاكرة طويلة من التعامل مع الاحتلال في محيط الجولان. ومن جهة أخرى، هناك معوّقات ثقيلة: رغبة الدولة في تجنب الحرب، رغبة المجتمع الدولي في استقرار هش، وحرص إسرائيل على منع تكرار نماذج أخرى عبر سعيها لنزع السلاح المحلي منذ الأيام الأولى للتوغلات أو فرضه شرطاً أساسياً في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي استضافتها عواصم مختلفة. هذا التوازن الدقيق يجعل نشوء المقاومة ليس قدراً محسوماً ولا وهماً مستحيلاً، بل احتمالاً يعتمد على شكل السلوك الإسرائيلي في الأسابيع والأشهر المقبلة، وعلى قدرة السلطات السورية على ضبط المجال من دون خنق ردود الفعل الطبيعية للسكان.

في هذه المنطقة الرمادية، حيث لا يمكن للسلطة أن تفرض منطقها كاملاً ولا لقوة الاحتلال أن تضمن سيطرتها بلا مقاومة، تنشأ تلك اللحظة التي تُعرف بأنها مسافة الولادة: حين تقف الشعوب أمام خيار لم تختره، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى إنتاج ردّ يمنع تحويل القرى إلى ممرات للآليات ومختبرات للعقاب الجماعي. ومع كل غارة جديدة، وكل محاولة اقتحام، وكل تهديد بنزع السلاح، يزداد احتمال أن تتجاوز ردود الفعل المحلية حدود الاحتجاج إلى ما هو أعمق.

شهادة جندي إسرائيلي

في ظل غياب الرواية السورية عمّا حدث، تحضر أمامنا شهادة جندي إسرائيلي شارك في هجوم بيت جن، يقول لصحيفة يسرائيل هيوم إن المهمة بدت في بدايتها بسيطة ومضبوطة الإيقاع: ” ألقينا القبض على المطلوب من الجماعة الإسلامية خلال ثماني دقائق، وكل شيء كان يسير على ما يرام حتى لحظة الاشتباك”. يتابع أن الطلقات الأولى جاءت متقطعة، “لكن فجأة جاءتنا نيران من خمسة محاور دفعة واحدة”، موضحاً أنها كانت نيران رشاشات وأسلحة خفيفة تُطلق من أسطح المنازل ونوافذ البيوت ومن مسافات قريبة جداً. ويضيف: “خلال لحظات وجدنا لدينا جريحين، ثم اكتشفنا أن قوة أخرى تتعرض للنيران ولديها إصابات ولا تستطيع الإخلاء”.

الجندي يشرح أن وحدة الاستطلاع الإسرائيلية “شغّلت كل ما يمكن من وسائل الغطاء” الإشارة هنا إلى مروحيات قتالية، طائرات، مدفعية، قذائف إنارة، وقناصة، لكن ذلك لم يُلغِ حالة عدم اليقين التي خيّمت على القوة. ثم يتابع: “كانت هناك لحظات لم نعرف فيها كيف سنخرج من المكان، لكننا عدنا بسرعة إلى التركيز ورددنا بإطلاق النار”، مشيراً إلى أن عملية الإخلاء أدت إلى إصابة قائد سرية ونائبه وضابط آخر في الكتيبة. اللحظة المفصلية وفقاً لشهادة الجندي كانت عندما رفعوا الجرحى إلى المروحيات: “نظرتُ إلى المؤقت في معصمي، فوجدته يشير إلى ساعة وأربع وثلاثين دقيقة منذ بدأ الاشتباك”. يصف القتال بأنه استمر نحو ساعة، لكنه “كان يمكن بسهولة أن يتحول إلى معركة تدوم يومًا كاملًا”، نظرًا لوجود “عشرات المسلحين” يطوقون المنطقة. ويختم شهادته بالإشارة إلى أن ما واجهوه في بيت جن لم يكن كميناً عابراً، بل “قوة منظّمة تعرف أرضها جيداً وتقاتل داخل بيئتها”. وهنا تتكشف، من دون أن يقصد، معالم ما يشبه مقاومة شعبية متجذرة في المكان، قادرة على فرض معادلة مختلفة تماماً في أي مواجهة مقبلة. وفيما لو حدث تنظيمها سيكون لها ارتدادات كبيرة ربما على السلوك الإسرائيلي باتجاهات مختلفة.

بقراءة استراتيجية لشهادة الجندي، نجد أنها تكشف تحوّلاً عسكرياً بالغ الدلالة: فلم تعد المواجهة التي وقعت في بيت جن حدثاً تكتيكياً، بل لحظة تظهر فيها بشكل جلي حدود القوة النظامية عندما تدخل بيئة تعرف نفسها جيداً. فخطة الاقتحام الخاطفة انهارت خلال دقائق أمام نيران متقاربة ومتزامنة، يشير ذلك إلى معرفة دقيقة بالأرض وقدرة  الطرف الآخر على استغلالها. الإرباك، تعدد محاور الاشتباك، وصعوبة الإخلاء. كلها عناصر تدل على أن الاشتباك الذي وقع لم يكن عفوياً بل نتاج بنية محلية قادرة على التحشّد السريع. ووفق هذا المنطق تتحول العملية من “اعتقال محسوب” إلى اختبار لإمكانية نشوء مقاومة شعبية قادرة على تعطيل أفضل الجيوش تجهيزاً لكن كلفتها قد تكون عالية إذا ما تمت إدارتها بشكل حصيف.

تلفزيون سوريا

———————————–

عريس بيت جن/ سمر يزبك

02 ديسمبر 2025

في بلدة بيت جن، الواقعة على تخوم مدينة القنيطرة، حيث تقاطعت الجغرافيا السورية لحظةً مع ذاكرة شعب قاوم الاستعمار ومحاولات التجزئة، سقط حسن السعدي شهيداً في اليوم نفسه الذي كان يُفترض أن يُزفَّ فيه عريساً. لم يكن في ساحة خلاف سياسي، ولا ضمن حشد تعبوي طائفي كالحشود المتناثرة اليوم كالفطر السامّ. كان فقط، وببراءة، واحداً من أبناء المكان الذين تحكمهم غريزةُ حبِّ البيت والحفاظ عليه قبل أيّ خطاب آخر.

ما حدث في بيت جن لا يكشف فقط عنف دولة الاحتلال وتوحّشها والإبادة، فهذا لم نعد نناقشه وندهش له، بقدر ما يبيّن لنا ما هو أعمق: أن المجتمع، مهما بدا مفكّكاً ومنهكاً بانقساماته الداخلية، يحتفظ في طبقات تكوينه بقوة خام تظهر حين تقترب النار من العتبة. واستشهاد حسن ورفاقه ذلك اليوم ليس روايةً عن بطولة فردية بقدر ما هو اختبار لنظرية اجتماعية مهملة: أن الفعل البطولي يولد من بنية المجتمع قبل أن يولد من وعيه السياسي، وأن اللحظة الخاصة، لحظة عريس يرتّب يومه الأخير، يمكن أن تتحوّل رمزاً عامّاً حين يضع حياته في المكان الذي يرى أنه ينتمي إليه.

توجد هنا طبقة أعمق من الهُويَّة لا تصنعها السلطة أو المعارضة، ولا يمكن للطوائف ولا للقبائل احتكارها. إنها القدرة الغامضة للمجتمع على استعادة ذاته، على تذكِّر ما يجمعه حتى في أشدِّ لحظات الانقسام. لم تكن المقاومة هنا مجرّد تضحية من بضعة شباب، بقدر ما كانت علامةً على أن البنية الاجتماعية، بكل ما فيها من إرهاق وندوب وجروح لم تعد خفيّةً، ما زالت قادرةً على إنتاج معنىً مشتركٍ يُلغي في لحظةٍ الحدود الداخلية كلّها. الخطر الخارجي لا يجمع السوريين بالشعارات، وإنما عبر كشفه حقيقةً صامتةً: أنّ الانقسام حالة سطحية، بينما الانتماء إلى المكان متجذّر في العمق. وفي اللحظة التي تصبح فيها الأرض معيار الحياة والموت، يكتشف السوريون، من دون أن يقصدوا، أن ما يربطهم أعمق بما لا يُقاس ممّا فرّقهم.

يبقى السؤال: هل استطاعت لحظة الشهادة حقّاً توحيد السوريين وتجاوز لحظة الانقسام؟ الجواب: لا، لكن بالتأكيد، عدم قدرة العدو الخارجي اليوم على توحيد السوريين لا يُحمِّل المجتمع وزر العجز، بقدر ما يكشف طبيعة المرحلة التي يعيشها. فالمجتمع السوري اليوم لا يرفض الوحدة في أعماقه، لكنّه لم يعد يمتلك لغةً مشتركةً يفهم بها الخطر نفسه؛ لأنّ كل طرف يرى التهديد من زاوية تجربته الخاصة، ومن جرحه، ومن ذاكرته السياسية.

ليس الانقسام هنا دليلاً على موت الحسّ الوطني، بقدر ما يدل على أنّ الوجدان الجماعي تعرّض لصدمة طويلة عطّلت آليات الاستجابة المشتركة. يحتاج المجتمع إلى وقتٍ ليستعيد القدرة على قراءة الخطر بعيون واحدة، كما يحتاج إلى حدثٍ يؤسِّس لمعنى جديد للوطنية خارج إطار السلطة والمعارضة، وخارج الأطر الطائفية والعرقية كلّها. وفق هذا التأويل، يمكن القول إن المجتمع السوري لم يتحّد بالكامل لأن الخطر الخارجي وحده لا يكفي. يحتاج الناس إلى حكاية رمزية تعيد لهم القدرة على رؤية بعضهم في المرآة نفسها. واستشهاد العريس، بما يحمله من دلالة على تضحية غير مؤدلجة وغير منتمية لأيّ جهة، يشكّل أساساً لهذه الحكاية: هي لحظة يموت فيها شخص من أجل “المكان نفسه” الذي يخصّ الجميع، لا من أجل سردية جهة بعينها.

بهذه القراءة، يصبح التشظّي الراهن مرحلةً انتقاليةً تعيد خلالها الجماعات الصغيرة تعريف علاقتها ببعضها وبالأرض. وما فعله هؤلاء الشباب، ومن بينهم الشهيد يوم عرسه، في منطقه الرمزي، يقدّم للسوريين مقدّمةً جديدةً للعقد الاجتماعي تنطلق من حقيقة بسيطة وبدائية: أنّ حياة الفرد لا تنفصل عن حياة الجماعة، وأنّ الموت الذي يجمع قد يكون أصدق من الحياة التي تفرّق. ومن هنا يمكن الادّعاء أن رحلة العودة إلى ثقافة التعايش تحتاج إلى أن تبدأ من هذه الرموز الصغيرة، لا من مشاريع الوحدة الكبرى، وأنّ استشهاد هؤلاء الشباب ليس حدثاً عابراً، بقدر ما كان إشارة أولى إلى أن المجتمع، رغم انهياره الظاهر، ما زال يعرف الطريق إلى نفسه.

العربي الجديد

———————————

هل توسعت الحرب نحو سوريا؟/ محمد عايش

كل العقلاء في العالم العربي ظلوا طيلة العامين الماضيين يقولون، إن الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة ليس لها علاقة بهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وإنما هي مقدمة لمشروع الهيمنة الاسرائيلية والأجنبية على المنطقة بأكملها، وإن قطاع غزة ليس سوى حلقة في مسلسل التركيع الذي يُراد تنفيذه، وإن غزة ليست سوى البداية، وبينما كان العقلاء يقولون ذلك كان الموهومون واللاهثون وراء الكراسي يتأملون أن ينالوا الرضا الإسرائيلي والأمريكي، إذا تركوا غزة تموت وحدها.

ربما أدرك بعضُ الموهومين، خلال الأيام القليلة الماضية، أن الحرب لم تكن تقصد غزة وحدها، وإنما كان القطاع هو الحلقة الأولى فقط في تلك الحرب، وشاهد العربُ جميعاً أن الاعتداءات الإسرائيلية تتوسع في كل الاتجاهات، بما في ذلك سوريا، التي لم تُطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل منذ أربعة عقود، لا خلال فترة حكم بشار الأسد ولا والده، ولا بعد سقوط نظامهما، ومع ذلك فهذا كله لم يكن كفيلاً بأن يحمي السوريين من هذه الحرب الإسرائيلية.

بات واضحاً أن اسرائيل تخوض حرباً شاملة في المنطقة، وقطاع غزة ليس سوى جزء يسير من هذه الحرب، التي لا تستثني الضفة الغربية ولا لبنان ولا سوريا، وليس معلوماً ما إذا كانت ستتوسع أكثر خلال الشهور والسنوات المقبلة، خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث صراحة وعلانية في مقابلة تلفزيونية عن مشروع «إسرائيل الكبرى»، الذي يقوم أصلاً على التهام ثماني دول عربية، منها اثنتان بشكل كامل وكلي والست دول الباقية بشكل جزئي. الإسرائيليون بدؤوا يتحدثون مؤخراً، وأكثر من أي وقت مضى، عن توسع الحرب في سوريا واشتعالها أكثر، وذلك على الرغم من وجود توغلات واعتداءات يومية وعمليات ضم للأراضي واعتقالات، خلال الشهور الماضية، حيث فقدت سوريا مساحات واسعة من أراضيها لصالح الاحتلال الإسرائيلي خلال الشهور الـ11 الماضية، وكان الواهمون يقولون، طيلة الفترة الماضية، «إن علينا الالتفاف لبناء البلد من جديد بعد سنوات من الحرب» لكنهم لم يكونوا يدركون أن اسرائيل لن تتركهم يبنون البلد، بل تريد التهام ما تيسر منه. الوزير الإسرائيلي المتطرف عميحاي تشيكلي، رجّح أن تتطور الجبهة السورية إلى ما سماه «مسرح حرب كبيرة»، وذلك بعد أن تصدى السوريون إلى توغل إسرائيلي كبير في ريف دمشق، واشتبكوا مع القوات الإسرائيلية، مسجلين أول مواجهة من نوعها بعد عشرات التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية. وقال تشيكلي وهو وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، في تدوينة نشرها على شبكة إكس، «إن تبادل إطلاق النار بين القوات الإسرائيلية ومسلحين في قرية بيت جن جنوب سوريا يوم الجمعة، هو حادث حاسم يمثل بداية حقبة جديدة». ووصف تشيكلي المسلحين الذين دارت معهم الاشتباكات بأنهم «جهاديون من نظام الجولاني التابع لتنظيم القاعدة». وأضاف: «لم نعد نواجه جماعة إرهابية، بل دولة عدو جديدة، لها جيش واقتصاد وتحالفات استراتيجية. من المهم إدراك أن الجبهة السورية من المرجح أن تتطور إلى ساحة حرب مهمة».

هذه التصريحات على لسان الوزير الإسرائيلي وغيرها الكثير، تعني في نهاية المطاف، أن الحرب الإسرائيلية توسعت، ولم تعد تتوقف على قطاع غزة، وإنما هي في الضفة الغربية ولبنان وسوريا أيضاً، وهي مرشحة لمزيد من التوسع، بينما العربُ يتفرجون ويصطفون على الطابور بانتظار أن يصل إليهم الاسرائيلي، بل أن المشهد العربي أشبه بممالك الأندلس قبل سقوطها عندما كانت كل دولة تظن أنها بمنآى عن الخطر، بل ذهب بعضهم للتحالف مع عدوهم على أمل البقاء والإفلات. ليس أمام العرب اليوم سوى اتخاذ موقف موحد، يبدأ بتفعيل الجامعة العربية وإحيائها بعد موتها، ومن ثم إحياء العمل العربي المشترك، والتحرك دولياً كوحدة واحدة وليس كدول منفردة، وبعد ذلك يتوجب على العرب وهم «أمة واحدة» أن يؤمنوا بأن لديهم ما يكفي من أوراق ضغط وقوة يُمكن استخدامها في ردع إسرائيل والتصدي لبعض السياسات الدولية الداعمة للاحتلال، وأوراق القوة هذه تبدأ من النفط والثروات الطبيعية، ولا تتوقف عندها، بل تمتد إلى كثير من العوامل التي يُمكن أن تجعل من العرب كتلة دولية وسياسية قوية ومهمة.

كاتب فلسطيني

القدث العربي

—————————-

هل تعود إيران إلى سوريا من بوابة “الجنوب”؟/ مصطفى رستم

 تكثف طهران مساعيها الدبلوماسية لترتيب أوراقها من جديد في المنطقة عبر شركاء إقليميين

الثلاثاء 2 ديسمبر 2025

ملخص

يبدو أن جرح طهران في المنطقة يتعافى سريعاً، وتتوقع تقارير من داخلها ترميم منشآتها النووية بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة، وتوسيع شبكات التجسس مع احتمال الانتقال إلى شن هجمات في العمق الإسرائيلي، في حين تحاول كسب التوترات في الجنوب السوري لصالحها.

لا تشيح إيران بنظرها عن “الجنوب” سواء في لبنان أو سوريا، أراض كانت يوماً تحت نفوذها المباشر خسرتها بعد سلسلة انهزامات واختراقات أمنية متوالية، آخرها سقوط نظام الأسد. وإن كان الإيرانيون ما يزالون يرنون إلى عودة جديدة فإن التوغل الإسرائيلي في سوريا والقصف المتواصل على الأراضي اللبنانية يبقى ذريعة تقدمها تل أبيب على طبق من فضة لطهران، لتعيد معها إحياء “مشروع المقاومة” من جديد، في المقابل تتذرع إسرائيل بحماية حدودها الشمالية من خطر محدق.

وتشير المعلومات إلى تكثيف النشاط الإيراني لضخ الدماء في “مشروع المقاومة” بما تبقى لها من أذرع في اليمن والعراق، وتنتظر ساحات قريبة من الحدود الإسرائيلية “قبلة حياة” حتى تعود لنشاطها مجدداً بإشعال فتيل البارود عبر وكلاء تحت راية درء أطماع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي ينتقل من حرب إلى أخرى هرباً من المحاكمة، ويضع بلاده بحالة حرب دائمة.

خفض التصعيد

وتكثف طهران مساعيها الدبلوماسية إلى ترتيب أوراقها من جديد في المنطقة عبر شركاء إقليميين، إذ جمع لقاء طارئ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره الإيراني عباس عراقجي في طهران، “بهدف وقف فوري للتوسع الإسرائيلي الذي يزعزع الاستقرار في كل من سوريا ولبنان”، بحسب بيان مشترك لهما.

ويشرح الباحث التركي في شؤون السياسة الخارجية علي أسمر في حديثه حول أهمية هذه الزيارة، التي تأتي في سياق الدور التركي الإيجابي في خفض التصعيد في سوريا، في وقت تعد إيران وإسرائيل دولتين فاعلتين في الساحة السورية، وتحاولان التدخل عبر بوابة الأقليات.

ويقول أسمر إنه “في ظل الرعاية التركية والأميركية، توجد مفاوضات سورية – إسرائيلية، وتوجد كذلك مفاوضات سورية – إيرانية برعاية تركية، لكن ليس من باب منح دور جديد لطهران، بل من باب الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، حيث إيران غير مقبولة في سوريا الجديدة إلا شكلياً، لذلك أعتقد أن تركيا تحاول إقناع إيران وإسرائيل بأن سوريا الجديدة غير قابلة للزعزعة، وإذا لم تدعم طهران وتل أبيب هذه المرحلة الجديدة، فعليهما في الأقل عدم عرقلة الدعم التركي والعربي والغربي”.

ويرجح الأسمر أن الوزير سيناقش مسار “تركيا بلا إرهاب”، “إذ نعلم جيداً أن هناك فرعاً من حزب العمال الكردستاني يتبع للمعسكر الإيراني، ولذلك فإن هذه الزيارة تحمل أبعاداً أمنية أكثر منها سياسية، والمطلوب من إيران في الملف السوري أن تكون متفرج فقط من دون أي دعم لفلول النظام أو دعم مقاومة ضد إسرائيل”.

إيران لاعب متفرج

وتوغلت إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد في الأراضي السورية مستهدفة قدرات الجيش السوري، ودمرت أسلحته الاستراتيجية بنسبة 80 في المئة عبر ما يناهز ألف غارة جوية، وكسرت خطوط اتفاق فض الاشتباك الموقع بين دمشق وتل أبيب في سبعينيات القرن الماضي، واجتاحت مواقع في القنيطرة وصولاً إلى جبل الشيخ، القمة الاستراتيجية المطلة على ثلاث دول، سوريا ولبنان وفلسطين.

وجاء القصف الإسرائيلي على بلدة بيت جن، جنوب غربي العاصمة دمشق والواقعة على سفح جبل الشيخ في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ليوقع ضحايا مدنيين بينهم نساء ورجال، سبقته عملية برية لدورية أمنية بهدف اعتقال ثلاثة شبان من أبناء البلدة، مما أسفر إلى اشتباكات مع السكان المحليين حاولوا التصدي للتوغل، وأدى ذلك إلى انسحاب القوة وقصف المكان بالمسيرات.

في المقابل، قالت حكومة تل أبيب إن العملية هدفت إلى توقيف مشتبه بهم ينتمون إلى تنظيم “الجماعة الإسلامية”، ينفذون “أنشطة إرهابية ضد مدنيين في دولة إسرائيل”، بحسب بيان للجيش الإسرائيلي.

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني دعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح من وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، معتبراً أن “ما حدث في بلدة بيت جن يعكس سلوكاً عدوانياً ممنهجاً يهدد الاستقرار الإقليمي”، في حين أكد التزام بلاده باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل.

ويرى الباحث التركي أن “وجود إيران في سوريا يفتح شهية إسرائيل لتنفيذ ضربات قوية تجاه الداخل السوري، ولهذا تحاول تركيا مساعدة سوريا عبر فرض معادلة متوازنة بين إيران وإسرائيل داخل الساحة السورية، وإذا تغير النظام في إيران يوماً ما، فمن الممكن رسم دور جديد لطهران في سوريا. أما في ظل النظام الحالي، فوجودها مرفوض”.

بؤر التوتر الداخلية

بالأثناء يتعافى جرح طهران سريعاً، وتتوقع تقارير من الداخل ترميم منشآتها النووية بعد الضربات الأخيرة وتوسيع شبكات التجسس مع احتمال الانتقال إلى شن هجمات في العمق الإسرائيلي، في حين تحاول كسب التوترات في الجنوب السوري لصالحها.

ويتوقع خبراء في حال أراد “نظام الملالي” إعادة المياه لمجاريها في سوريا، فلن يكون الوضع كما السابق، في وقت يجيب الباحث المشارك في المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، مصطفى النعيمي عن سؤالنا حول محددات عودة العلاقات السورية – الإيرانية، ويرى أن “عودة العلاقات” لا تعني إقامتها من جديد بقدر ما تعني إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقات ورسم محددات جديدة لنفوذ كل طرف ومصالحه في ظل التغيرات الإقليمية بما في ذلك ملف السلام، إضافة إلى العلاقات الدولية كالضغوط الغربية ووضع الأولويات السورية كمنطلق لأية إعادة تعريف لتلك العلاقة، بشرط أن تؤطر ضمن نطاق “العلاقات الأمنية الحذرة” في المرحلة الأولى.

ويصف الباحث المختص بالشأن الإيراني النعيمي العلاقات بين سوريا وإيران بـ”التحالف الراسخ على مدار عقود في حقبة الأسد المظلمة، وقد لعبت إيران الدور الحاسم في دعم النظام البائد، ومن المرجح جداً أن تكون الضرورة الوطنية السورية لمنع استثمار إيران في بؤر التوتر الداخلية أو دعم الميليشيات هي المحدد الرئيس والمحوري للعلاقات مع إيران في مرحلة ما بعد الأسد، لكن تختلف الأولويات السورية جذرياً، مما يفرض نموذجاً جديداً للعلاقة مع طهران”.

ويردف “تسعى الحكومة الجديدة إلى كسب التأييد الشعبي والشرعية الدولية، وكلاهما يتطلب إعادة توحيد الدولة ونزع سلاح الميليشيات وإخراج القوى الأجنبية التي أسهمت في الحرب ضد السوريين. وبكل الأحوال شكل سقوط النظام البائد زلزالاً استراتيجياً للنفوذ الإيراني في المنطقة، وخصوصاً في سوريا التي كانت تعتبر ‘العمق الاستراتيجي’ و’القاعدة الأمامية’ لما يسمى ‘محور المقاومة’ بناء على هذا التغير الجذري، تظهر سيناريوهات عدة محتملة لمستقبل علاقة إيران بسوريا ومصير الاتفاقات المبرمة”. ويجزم الباحث النعيمي بأن الانسحاب المنظم والتكيف البراغماتي، هو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

وأضاف قائلاً إن “هذا السيناريو يفرض على إيران القبول بالواقع الجديد والعمل على تقليل خسائرها عبر الحوار المباشر أو غير المباشر وستعمل الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع إلى إعلان بطلان معظم الاتفاقات العسكرية والاستراتيجية المبرمة مع النظام السابق كعقود الاستثمار في الطاقة والاتصالات، وخطوط الائتمان بناء على حجج قانونية كعدم تصديق مجلس الشعب وشرعية كونها اتفاقات احتلال اقتصادي بنيت وفق ضرورات إيرانية في ظروف الحرب الاستثنائية، وقد بدأت الحكومة الجديدة في إعداد مذكرة تعويضات ضد إيران بعد مشاركتها في الحرب على السوريين”.

في المقابل تسعى إيران إلى حماية مصالحها الاقتصادية الأقل وضوحاً، مثل العقارات والوجود الديني والمراكز الثقافية، والضغط للاعتراف بالديون بحسب ما يتوقع الباحث النعيمي، وهي “نفقات تكبدتها طهران لدعم النظام السابق”. ويبقى مصير النفوذ عبر الميليشيات الذي سيتمثل بالانسحاب التدريجي، مما سيجبر إيران على سحب غالبية ميليشياتها المعرفة سورياً، لكنها قد تحاول الإبقاء على خلايا استخبارية أو قنوات إمداد مالية محدودة.

وتسعى طهران من خلال البراغماتية إلى التواصل مع الحكومة السورية الجديدة لتجنب القطيعة الكاملة، على أساس أن التعاون الأمني المشترك (مثلاً في مجال مكافحة الإرهاب) لا يزال ضرورة بالنسبة إلى حكومة دمشق، في ظل استمرار التهديدات في مرحلة بناء الدولة الجديدة على أسس وطنية خالصة لمواجهة التحديات الدولية.

————————————

 إدارة ترامب تُحذر من تحول الإدارة السورية إلى خصم لإسرائيل

الثلاثاء 2025/12/02

وجّه مسؤولون أميركيون انتقادات لنهج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا، بينما حذّر مسؤول آخر من تحويل النظام السوري الجديد إلى عدو لإسرائيل بسبب التحركات الإسرائيلية.

قلق أميركي

ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أميركيين كبار، قولهم إن إدارة الرئيس دونالد ترامب أعربت عن قلقها المتزايد من الغارات والعمليات التي تنفذها إسرائيل داخل الأراضي السورية، وحذّرت من أن هذه التحركات قد تعرض الاستقرار في سوريا للخطر، وتقوض العمل الجاري لدفع اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب.

وأوضح أحد المسؤولين للموقع، إن الإدارة الأميركية تحاول إيصال رسالة “واضحة” إلى نتنياهو بضرورة وقف العمليات “التي ستقوده إلى تدمير نفسه سياسياً”، كما حذّرت من أن استمرار ذلك “قد يحول الحكومة السورية الجديدة إلى خصم، ويُفشل فرصة دبلوماسية نادرة”.

الوضع يختلف عن لبنان

في غضون ذلك، قال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة طلبت من نتنياهو التوقف عما يفعله في سوريا، في إشارة إلى عمليات التوغل والانتهاكات.

وقال المسؤول للقناة (12) الإسرائيلية، إن ما يقوم به نتنياهو في سوريا قد يؤدي إلى تحويل النظام السوري إلى خصم لإسرائيل، محذراً من تبعات استمرار هذه التحركات، مؤكداً أن سوريا لا تسعى لإحداث مشكلات مع إسرائيل، وأن الوضع في البلاد مختلف عن الوضع في لبنان.

وأمس الاثنين، وجّه ترامب تحذيراً للحكومة الإسرائيلية من اتخاذ أي إجراءات قد تُعرقل مسار الانتقال السياسي في سوريا.

وقال ترامب في منشور على منصة “تروث سوشال”، إن الولايات المتحدة تفعل ما بوسعها من أجل ضمان أن تواصل الحكومة السورية العمل على بناء بلد مزدهر، مؤكداً أن بلاده راضية عن النتائج التي تحققت في سوريا.

وفيما أكد الرئيس الأميركي ضرورة حفاظ إسرائيل على حوار قوي مع سوريا، قال ترامب إن الرئيس السوري أحمد الشرع يبذل جهوداً حثيثة لضمان تحقيق نتائج إيجابية ولبناء علاقة طويلة ومزدهرة بين سوريا وإسرائيل.

وشدد على وجود فرصة تاريخية الآن كي تتمتع سوريا وإسرائيل بعلاقة طويلة الأمد، مؤكداً على ضرورة أن لا يحدث شيء يتعارض مع بناء الدولة السورية المزدهرة.

—————————–

 “جلسات تأديب” واختفاء معتقلين.. تفاصيل جديدة عن سجون “الحرس الوطني” في السويداء

2025.12.02

عقب وفاة الشيخ رائد المتني، إثر تعرضه للتعذيب خلال اعتقاله على يد ميليشيا “الحرس الوطني” المدعومة من الشيخ حكمت الهجري، تشهد محافظة السويداء توتراً متصاعداً.

وعلى خلفية وفاة الشيخ المتني، أفادت مصادر خاصة في السويداء، لموقع تلفزيون سوريا، بأن مقار الحرس الوطني تحولت خلال الشهرين الماضيين إلى مراكز احتجاز، تُمارس فيها أساليب عنف ضد الموقوفين، خصوصاً للأشخاص المحسوبين على الحراك السلمي، أو عناصر التشكيلات العسكرية القديمة التي كانت مناهضة لنظام الأسد المخلوع.

وتشير مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا إلى أن الشيخ رائد المتني احتُجز في غرفة منفصلة، نظراً لمكانته الاجتماعية ضمن الطائفة الدرزية، لكن ذلك لم يمنع استخدام أساليب تعذيب وضغط نفسي بحقه.

وفي الوقت نفسه، أوقف معه عدد من الشبان المتهمين بالتواصل مع الحكومة السورية، وتعرضوا للضرب والإهانات والتهديد بنقلهم إلى مقار أخرى أكثر تشددًا.

وتشمل أساليب التعذيب المستخدمة داخل مقار الحرس الوطني وفقا للمصادر:

    الضرب المبرح والتعليق لساعات طويلة.

    الحرمان من النوم والطعام.

    الترهيب بأدوات حادة ووسائل لا تترك آثاراً واضحة.

    فصل الموقوفين لمنع تبادل المعلومات.

    منع التواصل الكامل مع العائلات.

كما أشارت المصادر أن عنصرين كانا معتقلين مع المتني نُقلا إلى مقر آخر بعد “جلسات تأديب” عنيفة، ولا يزال مصيرهما مجهولاً حتى اللحظة.

تصدّعات داخل المدينة..  وإبعاد شخصيات عن المشهد

الاعتقالات والتوترات الأمنية، لم تجري بمعزل عن تحولات أوسع داخل السويداء، فوفق المصادر، بدأت تشكيلات عسكرية قديمة كانت تنشط في المحافظة تبتعد تدريجياً عن الدائرة المقربة من الشيخ حكمت الهجري، في محاولة للنأي بنفسها عن ممارسات الحرس الوطني أو تجنب الصدام معه.

وتبعا للمصادر، فإن تشكيلات مثل “قوات شيخ الكرامة”، وحركة “رجال الكرامة”، اتخذت مقار منفصلة عن الجهات المقربة من الهجري، كما ضعف دور هذه التشكيلات بشكل ملحوظ داخل المحافظة. 

وفي هذا السياق، يبرز اسم القيادي السابق لحركة رجال الكرامة الشيخ يحيى الحجار، إذ جرى إبعاده عن حركة “رجال الكرامة” منذ البدء بتشكيل ما يسمى بـ “الحرس الوطني”.

وتشير المعلومات إلى أن الشيخ يحيى الحجار إلى جانب عدد من الشخصيات المحلية، ملاحق من قبل الحرس الوطني ويخضع لضغوط مباشرة، في محاولة لإبعاده بشكل كلي عن المشهد وفق المصادر.

ويرى عدد من الناشطين في السويداء والذين تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، أن ممارسات الحرس الوطني بإبعاد القيادات القديمة يعكس محاولة متنامية للميليشيا لفرض مركزية قسرية داخل المحافظة وإقصاء القيادات العسكرية والاجتماعية التي لا تنسجم مع توجهاتها.

مشيرين إلى أن هذا الإقصاء المتدرج يخلق شرخاً داخل القوى المحلية، ويضعف القاعدة التقليدية التي بنت عليها السويداء توازنها

حالة غليان تتسع في المحافظة ومخاوف من الحراك الشعبي

وفاة المتني، وما رافقها من معلومات عن تعذيب، جاءت في لحظة حساسة تشهد فيها السويداء حالة غليان شعبي بسبب تدهور الوضع الأمني، وتصاعد الاستفزازات من قبل ميليشيا الحرس الوطني.

ووفق المصادر تشمل استفزازات الحرس الوطني، (إصلاق الرصاص في الهواء لتهريب السكان، تهديد ما يصفهم بـ العملاء والخونة، إضافة إلى احتكار المحروقات والمساعدات).

وتؤكد مصادر من داخل المدينة أن الاحتقان الشعبي بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الساعات الأخيرة، لكن مع حالة القمع التي تفرضها ميليشيات الحرس الوطني، يتخوف الأهالي من أي حركة شعبية قد تُواجه بالاقتتال الداخلي.

وتصاعدت مخاوف الأهالي من تبعات الحراك الشعبي، بعد الاعتداء على مواطن في صلخد بالضرب، على خلفية منشور نشره على صفحته الشخصية في “فيس بوك”، انتقد فيه آلية توزيع المحروقات، وموجهاً اتهامات للحرس الوطني بالفساد والمحسوبية بتوزيع المحروقات.

———————–

لجنة التحقيق في أحداث السويداء تُمدد عملها وتنفي وجود مقاتلين أجانب

2 ديسمبر 2025

كشف رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، حاتم النعسان، عن عائق رئيسي يواجه عمل اللجنة، تمثل في منعها من دخول مدينة السويداء لإجراء تحقيقات ميدانية مباشرة.

وقال النعسان في تصريحات لموقع “نورث برس”: “جماعات مسلحة خارجة عن القانون فرضت أمرًا واقعًا على سكان المدينة، ومنعتهم من التواصل معنا”، مشيرًا إلى أن اللجنة تواصلت دون جدوى مع شخصيات وجهات ذات تأثير لتسهيل دخولها.

وأكد أنها ما تزال تحاول الدخول لمواصلة عملها، مشددًا على وجود “تفاعل واسع” من السكان، وأن اللجنة “جادة بمتابعة التحقيقات حتى النهاية”.

وفي سياق متصل، أعلن النعسان أن عمل اللجنة قد تمدد لمدة شهرين إضافيين على أن تنهي مهامها بنهاية العام الجاري. وأوضح أنها تعمل حاليًا على “استكمال السردية بشكل كامل ضمن المهلة المحددة”، مؤكدًا أنها جمعت حتى الآن “عددًا كبيرًا من الإفادات، وشكلت سردية كاملة” حول الأحداث.

وأشار إلى أن اللجنة اعتمدت منذ انطلاقها منهجية شملت التواصل المباشر مع الأهالي واستقبال الشهادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أجرت تحقيقات موسعة واستمعت إلى إفادات من سكان السويداء والنازحين منها إلى مناطق عدة.

وردًا على ما تم تداوله عن مشاركة مقاتلين أجانب، نفى النعسان ثبوت ذلك للجنة “حتى الآن”، قائلًا: “لم ترد في الإفادات أو السرديات الموثقة أي إشارة مؤكدة” لهذا الوجود. وتعهد بإطلاع وسائل الإعلام على أي أدلة جديدة قد تظهر لاحقًا.

وسبق أن أعلنت اللجنة، خلال مؤتمر صحفي عُقد الشهر الماضي في وزارة الإعلام بدمشق، عن توقيف عدد من الأفراد العاملين في وزارتي الدفاع والداخلية، بعد ثبوت ارتكابهم “مخالفات” خلال الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، وإحالتهم إلى القضاء المختص لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكد النعسان، أن اللجنة تعمل بدقة وحيادية وبكامل الاستقلالية، دون تعرضها لأي ضغط أو توجيهات من أي جهة في الدولة، مشيدًا في الوقت ذاته بالتعاون الكبير من وزارتي الدفاع والداخلية أثناء عملها.

————————–

======================

تحديث 01 كانون الأول  2025

—————————

 عن رسائل مجزرة بيت جن/ محمود علوش

2025.11.30

عشية ذكرى تحرير سوريا من نظام بشار الأسد، أرادت إسرائيل أن تُذكّر السوريين مرة أخرى بأنها وريثة الأسد في إدامة معاناتهم، وبأنها مصمّمة على إفساد فرحتهم بالتحرير. وفي البُعد الأخطر للمجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق، يتجلى بوضوح أن اندفاعة المشروع الاحتلالي الإسرائيلي في جنوبي سوريا لم تعد تقف عند حدود محددة. ويبدو ذلك نتيجة لحقيقتين صارتا واضحتين تمامًا: الأولى أن إسرائيل تتعامل مع سقوط نظام الأسد كفرصة تاريخية لتحقيق أطماعها التوسعية في سوريا عبر استغلال فراغات ما بعد التحول، والثانية أنها ترى في هذا السقوط كارثة جيوسياسية وأمنية على حدودها الشمالية، فتسعى جاهدة لاحتوائها من خلال تفريغ التحول السوري من مضمونه الجيوسياسي الحقيقي.

ومع ذلك، فإن المقاومة المسلحة التي أبداها أهالي بيت جن أمام التوغل الإسرائيلي الأخير في بلدتهم تستحق التوقف الطويل. إنها ترسل رسائل تحذيرية قاطعة إلى إسرائيل مفادها أن سياستها الاحتلالية في سوريا لها ثمن، وأن هذا الثمن سيزداد بمرور الوقت حتى يتحول إلى معضلة جديدة لا تقل خطورة عن معضلة سوريا ما بعد الأسد. سيحاول الإسرائيليون، كعادتهم، توظيف المجزرة لتعزيز سرديتهم الأمنية في سوريا، لكن ما حدث يقلقهم فعلاً وإن تظاهروا بغير ذلك. فاستعداء المجتمعات المحلية في الجنوب السوري عبر إراقة الدماء وترسيخ الاحتلال يخلق بيئة أكثر استعدادًا للمقاومة، وقابلة للتطور والتنظيم المسلح مع مرور الزمن. وفراغ الدولة الذي تحرص إسرائيل على إدامته في الجنوب السوري لن تملأه وحدها على الإطلاق.

لدى إسرائيل خبرة طويلة، أكثر من غيرها، في نشوء مثل هذه البيئات المقاومة. ففي جنوبي لبنان غرقت لما ينوف على عقدين في استعداء المجتمعات المحلية، فمُنيت في النهاية بكارثتين استراتيجيتين: الأولى نشوء حزب الله الذي استمد قوته من طول أمد الاحتلال حتى صار معضلة مستمرة حتى اليوم، والثانية الهزيمة المُذلّة التي أجبرتها على الانسحاب عام 2000 وانهيار مشروعها المتمثل في جيش لحد الجنوبي. ومن المؤكد أن دوائر صنع القرار الأمني والعسكري والسياسي الإسرائيلية تأخذ سيناريو «جنوب لبنان آخر» في سوريا على محمل الجد، وربما تدفع باتجاهه كغطاء لإطالة أمد احتلال الجنوب وتحقيق طموحاتها التوسعية. لكن أكثر ما تُتقنه إسرائيل في هذه المنطقة هو فن صناعة الأعداء، الذي صار جزءًا من مبررات وجودها ذاته، غير أنها سرعان ما تجد نفسها في مأزق التعامل الطويل الأمد مع هؤلاء الأعداء.

مع أن سوريا تمر بلحظة ضعف وانكشاف خطيرة أمام الطموحات الإسرائيلية التوسعية كنتيجة طبيعية للتحول الكبير الذي شهدته، إلا أن الواقع السوري يظل أشد تعقيدًا وتحديًا أمام إسرائيل من الواقع اللبناني. فإلى جانب البيئة المقاومة التي يولّدها الاحتلال في الجنوب، والتي تتماهى أكثر مع عموم الواقع السوري مقارنة بلبنان، فإن محاولات إسرائيل ملء فراغ الدولة في الجنوب السوري أكثر كلفة وصعوبة بكثير لاعتبارات عديدة، أبرزها الجغرافيا الشاسعة، والعداء مع النظام الجديد في دمشق، والشرعية المجتمعية القوية التي يحظى بها هذا النظام في الجنوب على وجه الخصوص. وعلاوة على ذلك، فإن السرديات الأمنية التي تسوّغ بها إسرائيل عدوانها على جنوب سوريا لا تلقى تأييدًا دوليًا واسعًا؛ فالمجتمع الدولي، بما فيه معظم الدول الغربية، يرى في السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة عدوانًا غير مبرر يولّد مخاطر عليها أكبر بكثير مما يحقق مصالح أمنية أو جيوسياسية.

يُنظر إلى تصعيد إسرائيل الأخير لنهجها العدواني في سوريا، خصوصًا بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس ترامب في البيت الأبيض، على أنه رد مباشر على الزيارة ومحاولة للضغط على دمشق كي تقبل بالشروط الإسرائيلية في أي اتفاق أمني محتمل. ومع أن نتنياهو صرّح مؤخرًا بأن «حاجة سوريا إلى اتفاق أمني أكبر من حاجة إسرائيل إليه»، إلا أن هذا التصريح مخادع وإن بدا واقعيًا في الظاهر. فسوريا لا تحتاج اتفاقًا إلا إذا كان وفق المبادئ التي حددتها بنفسها، ويخدم مصالحها الوطنية العليا، ويُنهي العدوان الإسرائيلي ومطامعها على المدى البعيد قبل القريب. أما اتفاق بشروط إسرائيلية فسوريا في غنى تام عنه، وسيكون ضرره أفدح بكثير من ضرر التعايش المؤقت مع بيئة الحرب التي تفرضها إسرائيل.

وإسرائيل نفسها، رغم نشوة الاستقواء الحالية، لا تستطيع تحمّل كلفة حرب طويلة الأمد، ولن يطول الأمر حتى تكتشف من جديد أن ما تُتقنه حقًا هو صناعة الأعداء فقط.

يتعامل الرئيس أحمد الشرع مع التحدي الإسرائيلي في الجنوب بهدوء استراتيجي وصبر طويل، بالتوازي مع صياغة سياسة خارجية تعزّز قدرة سوريا على مواجهة هذا التحدي بفعالية. لم يكن هذا النهج خيار ترف أبدًا، بل استجابة موضوعية لمتطلبات مرحلة التحول الدقيقة، في ظل الأفخاخ المنصوبة وسطوة الطبيعة العدوانية الإسرائيلية التي تعتاش طموحاتها على الحرب، وتسعى إما إلى جرّ الشرع إلى اتفاق بشروطها أو إلى حرب تتيح لها تحقيق أهداف أكثر خطورة في سوريا. قد لا يُثمر هذا النهج على المدى القريب معالجة جذرية للتحدي، لكنه يظل في الوقت الراهن الخيار الأقل كلفة والأكثر حكمة لسوريا في ظرفها الحالي.

—————————

 عملية بيت جن: نقطة تحوّل في المشهد الأمني وقواعد الاشتباك/ مهيب الرفاعي

الاثنين 2025/12/01

تتعامل إسرائيل مع الساحة السورية بوصفها مسرح عمليات متعدد الطبقات، يجمع بين القوة الجوية، والمناورة البرية المحدودة، والاستخبارات المعمّقة، بهدف فرض معادلة ردع جديدة في الجنوب السوري بعد انهيار النظام المركزي وصعود فاعلين محليين يصعب إخضاعهم للردع التقليدي. تبقى الضربات الجوية ركيزة العقيدة الإسرائيلية، وتندرج ضمن عمليات الاستهداف الديناميكي التقليدي التي تعتمد على معلومات آنية لضرب أهداف تظهر سريعاً، أو ضمن جهود تفكيك القدرات التي تستهدف بنى تحتية تُعدّ جزءاً مما تعتبره إسرائيل منظومة تهديد مستقبلي، مثل ضربات ديسمبر 2024 التي أعقبت سقوط نظام الأسد حيث دمرت الضربات الجوية القدرة البحرية والبرية والجوية السورية. وتشمل هذه الضربات عمليات القتل الموجّه باستخدام الطائرات المسيّرة والقنابل الدقيقة، في إطار ما تصفه المؤسسة العسكرية بعمليات الصيد البشري ضد قادة الخلايا المسلحة.

ثم توسعت إسرائيل في تنفيذ غارات برية قصيرة، اجتازت بها خط وقف النار 1974 ( خط برافو وألفا) بالاعتماد على الاقتحام السريع والانسحاب الخاطف وصب حواجز طيارة، بهدف اعتقال أشخاص، أو تمشيط قرى حدودية، أو تنفيذ تطهير موضعي لمناطق يُعتقد أنها تُستخدم لإخفاء أسلحة أو تحركات معادية. وترتكز هذه الغارات على مبدأ السيطرة النارية الذي يهدف إلى منع أي تمركز سوري أو محلي قد يتحول إلى بؤرة اشتباك لاحقاً. تساند ذلك منظومة استخباراتية تعتمد على جمع الإشارات والرصد الكهروضوئي، إضافة إلى عمليات اختراق الطيف الإلكتروني التي تنفذها وحدات الحرب الإلكترونية لتعطيل اتصالات الجماعات الناشئة ، مثل جماعة المقاومة السورية أو التقليدية مثل الجماعة الإسلامية ( على اعتبار انها سنية و لها أصول في لبنان)،  وإرباك مراكز القيادة والسيطرة السورية؛ وتعمل هذه المنظومة على بناء ما يسمّى البصمة الاستخباراتية لكل جماعة مسلحة، ما يمكّن من مراقبتها واستهدافها مبكراً؛ لتكون عملية بيت جن فجر الجمعة 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تتويجاً لهذا الجهد الاستخباراتي.

أما القصف المدفعي والصاروخي، فيأتي كأداة ردع تكتيكي ووسيلة لتنفيذ قمع شامل لأي مصدر نيران محتمل أثناء العمليات البرية الموازية؛ عند رصد أي نشاط هجومي باتجاه الجولان أو مواقعه العسكرية. ويتكامل ذلك مع إجراءات تأمين الحدود التي تشمل مكافحة التسلل، ورصد طرق التهريب، وإدارة البيئة الحرارية للحدود عبر أجهزة مراقبة ليلية متقدمة.

ويبرز في هذا السياق تحدٍّ جديد بالنسبة لإسرائيل يتمثل في ظهور مجموعات مقاومة سورية محلية، لا ترتبط بإيران أو حزب الله، وتعمل خارج أي هرمية تنظيمية واضحة. وتتعامل إسرائيل مع هذه المجموعات باعتبارها فاعلين مسلحين غير منظمين، ما يجعل الاشتباك معهم يتسم بطابع مبعثر وغير قابل للتوقع، ويزيد احتمالات التصعيد المفاجئ خلال أي توغل بري.

 يتشكل لدينا هنا نموذج عملياتي هجين تقوده إسرائيل يجمع بين الضربات الدقيقة، والغارات البرية المحدودة، والسيطرة الإلكترونية، والاستخبارات المستمرة، وفرض قواعد اشتباك مرنة. والهدف النهائي هو منع تشكّل هندسة أمنية جديدة في الجنوب السوري تسمح للإدارة السورية الجديدة أو للجماعات المحلية ببناء قدرة قتالية مستقرة تُغيّر معادلات التوازن على حدود الجولان.

عملية بيت جن

لم يحدث التوغّل الإسرائيلي في بيت جن، الذي انتهى بمواجهة قاتلة، خلّفت أكثر من 13 قتيل سوري، وإصابة وتشريد العشرات، وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، في فراغ ولا يمكن تفسيره بوصفه مجرد عملية تكتيكية فاشلة أفضت إلى خسائر في العدد والعائد الإسرائيلي.  يمثّل هذا الاقتحام، والاشتباكات التي تلته، أول اختبار ضاغط في المشهد الأمني الجديد الذي نشأ بعد سقوط بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وصعود الرئيس أحمد الشرع، الذي تسعى إدارته إلى إعادة بناء السلطة في جنوب يتّسم بسنوات من التفكك، واستقلالية الميليشيات، والشبكات العابرة للحدود، ومنظومة استخباراتية أعيد تشكيلها. وما جرى في بيت جن هو أكثر من اشتباك محلي؛ إذ إنه اللحظة الثالثة التي كشف فيها خط ما بعد الأسد الحدودي عن تقلباته ( بعد عمليات التوغل في كويا ونوى في درعا) ، وقنواته الاستخباراتية المتنافسة، وولاءاته المتحركة، والدرجة التي باتت فيها إسرائيل مستعدة لتحويل التوغلات عبر الحدود من أعمال استثنائية ونادرة إلى أدوات روتينية لصياغة الواقعين السياسي والعسكري على الأرض. كما يكشف الاشتباك عن تطور العقيدة الإسرائيلية داخل سوريا، بوجود مقاربة أمنية مزدوجة المسارات تجمع بين عمليات دقيقة ضد أفراد وخلايا وبين رسائل استراتيجية أوسع تهدف إلى التأثير في سلوك الحكومة السورية الناشئة، وتحديد ما تعتبره إسرائيل أفعالاً مقبولة وما قد يدفعها إلى العقاب أو التصعيد.

من العمل السري إلى التوغّل العلني

يجب فهم عملية بيت جن ضمن إطار عملية “سهم باشان” الأوسع التي أطلقت بعد سقوط الأسد بهدف توسيع النفوذ والسيطرة الإسرائيلية في جنوب سوريا، بما يشمل كتلة جبل الشيخ، والقنيطرة، وريف دمشق الغربي  والمناطق العازلة المجاورة؛ و التي تهدف  إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب السوري ، ومنع أي قوة عسكرية أو استخباراتية من الترسخ قرب الجولان، سواء كانت جماعات محلية أو أجهزة سورية جديدة أو وكلاء لإيران وحزب الله، وتقوم على استباق التهديدات قبل تشكلها عبر الضربات الدقيقة والتوغلات المحدودة، وفرض قواعد اشتباك تجعل الجنوب السوري منطقة رخوة لا تسمح بقيام تهديد مستقبلي. يمثل هذا النهج تحولاً حاسماً في الفلسفة العسكرية الإسرائيلية؛ فقبل كانون الأول/ديسمبر 2024، اعتمدت إسرائيل بصورة أساسية على الضربات الجوية، والاغتيالات الدقيقة في عمق دمشق ومحيطها، والاختراق الاستخباراتي العميق لتوجيه مسار الأحداث في سوريا، مركزة على تقويض البنية التحتية الإيرانية وتعطيل لوجستيات حزب الله. أما بعد انهيار النظام، فقد أعادت إسرائيل ضبط نمط عملها نحو مقاربات أكثر جرأة، عبر توغلات برية عبر الحدود، وعمليات اعتقال، ونفوذ تكتيكي في العمق السوري، وإجراءات مستمرة لمنع الجماعات المسلحة أو الفاعلين السياسيين أو الأجهزة الأمنية الناشئة من ترسيخ وجود معادٍ على طول الجبهة. تمثل بيت جن حالة اختبار نادرة تواجه فيها هذه المقاربة البرية الموسعة فاعلين سوريين مسلحين منغرسين في الأرض، ما كشف حدود قدرة إسرائيل على فرض السيطرة في الاشتباك القريب. وقد أدت المقاومة غير المتوقعة، التي انتهت بتعطيل مركبة هامر وإصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين وانسحاب قسري، ليس فقط إلى تعطيل العملية، بل إلى كشف هشاشة بنيوية في الاستراتيجية الأمنية في الجنوب السوري في مرحلة ما بعد الأسد.

برز بُعد أكثر خطورة بعد ادعاء جيش الاحتلال بأن أفراداً يعدون مخططات حربية في التخطيط لهجمات، أو في مقاومة التوغّل الإسرائيلي، قد يكونون تابعين لقوات استخبارات الرئيس أحمد الشرع؛ وقد يكونون تابعين للجماعة الإسلامية، بوصفها جماعة مقاومة ممتدة إلى   الجنوب السوري ولها ارتباطات في عدة قرى منها كناكر وبيت سابر وبيت جن. وإذا ما ثبت ذلك، فسيشكل قطيعة مع التفاهمات الضمنية التي حكمت التفاعل الإسرائيلي السوري بعد سقوط الأسد، لا سيما مع استحالة التوصل إلى اتفاق أمنى مع الاحتلال. فبالنسبة لإسرائيل، يشكل تورط أجهزة الدولة السورية أو أفراد منها في اشتباك مسلح مع قواتها خطاً أحمر، خاصة وأن حكومة الشرع كانت قد أشارت في البداية إلى رغبتها في استقرار الحدود وتجنب المواجهة واستعادة الأراضي المغتصبة ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر. وقد ألمح مسؤولون إسرائيليون بالفعل إلى أنه في حال تأكد هذا التورط، فإن إسرائيل ستصعّد بقوة، وستستبدل عمليات الاعتقال البرية بضربات بعيدة المدى تستهدف البنية التحتية العسكرية السورية وربما شبكات استخبارات يُعتقد أنها مرتبطة بهجمات ضد جنود إسرائيليين في نقاط التل الأحمر وجباتا الخشب أو مجتمعات درزية في قرية حضر وقرية حرفا القريبتين من بيت جن. وسيشكل ذلك أول مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل والحكومة السورية الجديدة، محطماً السردية التي تقول إن مرحلة الشرع الأولى ستكون مرحلة ضبط النفس. وما إذا كانت دمشق قد أمرت بذلك أم أن وحدات محلية تصرفت باستقلالية لا يغير من الأمر شيئاً؛ ففي المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي، الدولة السورية مسؤولة في النهاية عن إدارة الجبهة الجنوبية وبالتالي عليها تقديم ضمانات ان الجنوب خالٍ من إل عمل مضاد أو مقاومة محتملة ضد تل ابيب؛ وهذا بالفعل ما قامت به قوات الأمن الداخلي عند مداهماتها لعدة مقرات للجماعة الإسلامية في كناكر بريف دمشق الغربي، وتطويقها لمسار تهريب السلاح في المنطقة.

مواجهة تكتيكية ذات تداعيات استراتيجية

تكشف أحداث بيت جن كيف يمكن أن تتحول مهمة اعتقال روتينية بسرعة إلى اشتباك معقد في بيئة يهيمن عليها مجتمع طوّر شبكات دفاعية ذاتية خلال أكثر من عقد من الصراع. فقد دخلت قوات لواء 55 الإسرائيلي العاملة تحت الفرقة 210 البلدة لاعتقال أعضاء من الجماعة الإسلامية، الذين يُعتقد أنهم يخططون لهجمات على أهداف إسرائيلية ودرزية. ووفق الرواية المحلية، فقد تم اعتقال 3 أشخاص، لكن بعد وقت قصير اندلع إطلاق نار من مسافة صفر، استُهدفت القوة المقتحمة وتركوا وراءهم مركبة هامر وتم تعطيلها، كما استخدمت المروحيات والطائرات المسيّرة، ونفذت الطائرات الحربية ضربات مخططاً لها مسبقاً، واستُخدمت الدبابات لقمع مواقع يُشتبه بأنها مصدر النيران. وتحولت العملية، التي توقعها المخططون الإسرائيليون أن تنتهي سريعاً، إلى معركة استغرقت ساعتين وأسفرت عن إجلاء جنود مصابين وانسحاب تحت النار. تعد هذه الحادثة “استثنائية” بالنسبة للجيش الإسرائيلي لأنها تقوّض افتراضاً راسخاً مفاده أن جنوب سوريا، الضعيف والمفكك والمنهك، سيكون آمناً، ولن يقدم مقاومة مؤثرة أمام العمليات البرية الإسرائيلية.

اللافت في اشتباك بيت جن أن المقاتلين الذين اشتبكوا مع القوة الإسرائيلية لم يكونوا جزءاً من شبكات تابعة لإيران، ولا من خلايا حزب الله، ولا من بقايا ميليشيات عهد الأسد، بل من سكان محليين ومجموعات دفاع مجتمعي وتشكيلات سورية متجذرة تكوّنت خلال الفراغ الذي أعقب انهيار النظام. وهذا الأمر شديد الأهمية لأنه يقدم فاعلاً لا-مركزياً، بلا هيكل قيادي هرمي، ومتجذراً اجتماعياً وجغرافياً، فاعلاً لا يمكن ردعه بضربات دقيقة أو عبر استهداف قادة. وعلى عكس الميليشيات المرتبطة بدول أو وكلاء خارجيين، تمثل مجموعات المقاومة المحلية منظومة أمنية عضوية، تُحدد قراراتها اعتبارات المجتمع المباشرة وليس حسابات جيوسياسية؛ وهذا يعقد التخطيط الإسرائيلي، لأن العمليات الإسرائيلية قد تؤدي إلى انتفاضات محلية متسلسلة أو تعبئة جماهيرية أو انتقام مجتمعي، خاصة عندما يسقط مدنيون جراء الغارات. كما أن صعوبة التمييز بين المدنيين والمقاتلين في مثل هذه البيئات (لا سيما البيئات المفتوحة على الحدود ويسهل فيها امتلاك السلاح) تخلق معضلات تشغيلية لإسرائيل، التي تعتمد أهدافها السياسية الاستراتيجية جزئياً على تجنب أعمال تؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء عبر الحدود.

جغرافيا مهمة واستثنائية

تضخم الأهمية الجغرافية لبيت جن تداعيات المواجهة؛ فالبلدة الواقعة على السفوح الشرقية لجبل الشيخ تتمركز فوق أحد أكثر التضاريس حساسية واستراتيجية في الريف الجنوبي الغربي من البلاد، إذ تشرف على طرق تهريب نحو لبنان (من جهة شبعا) والقنيطرة (عبر الطرقات الوعرة مع جباتا الخشب)، وتقع بجوار مواقع إسرائيلية في الجولان المحتل، وتوفر غطاء طبيعياً للحركة السرية ونقل السلاح وانتشار الجماعات المسلحة. ومنذ سقوط الأسد، تنظر إسرائيل إلى بيت جن باعتبارها نقطة اشتعال محتملة تتقاطع فيها الأجهزة الاستخباراتية السورية الناشئة وشبكات المقاومة المحلية ومجموعات التهريب والخلايا الإسلامية. وتعكس مداهمات إسرائيل عبر عامي 2024 و2025، التي شملت اعتقال نحو 45 سورياً ما يزال مصيرهم مجهولاً، محاولة لصياغة البيئة قبل أن تتصلب في شكل معادٍ؛ لتكون العملية التي وصفتها إسرائيل بأنها استباق لهجمات على الدروز والقوات الإسرائيلية، جزءاً من صراع طويل حول تعريف الأمن في هذه الجبهة الجبلية.

الردع وحماية الاقليات

إن التبرير العلني لإسرائيل، حماية المجتمعات الدرزية في حضر وقواتها الموجودة في تل أحمر ومنع هجمات تطاول الأقلية الدرزية والقوات العسكرية الإسرائيلية ،  يخاطب الجمهورين الداخلي والإقليمي؛ على اعتبار ان الدروز الإسرائيليون يشكلون مجتمعاً له حضور سياسي، وتقدم إسرائيل نفسها باعتبارها حامية للدروز في جنوب سوريا، ما يدعم سرديتها الأخلاقية حول عملياتها عبر الحدود. لكن هذه السردية انهارت سريعاً في الساحة السورية بعد انتشار صور وتقارير عن مقتل 13 مدنياً، بينهم خمسة من أسرة واحدة، وتدمير منازل واسعة النطاق ونزوح كثيف. وتصوير الإعلام السوري الرسمي للحادثة بوصفها مجزرة يزيد الضغط على الإدارة السورية الجديدة للرد عسكرياً أو سياسياً، خاصة وأن شرعيته تعتمد إلى حد كبير على إعادة بسط السيادة وحماية المدنيين بعد سنوات من الحرب والانهيار. وعليه، قد تجد إسرائيل أن سرديتها، الفعالة داخلياً، ارتدت عليها استراتيجياً عبر الحدود.

تكشف اشتباكات بيت جن تغيّرات عميقة في الهيكل الأمني للجنوب السوري من خلال عدة محاور. أولاً، الوجود البري الإسرائيلي داخل سوريا لم يعد بلا منافسة؛ فقد أظهرت مجموعات المقاومة المحلية قدرة وإصراراً. ثانياً، قد تتحول إسرائيل من عمليات الاعتقال البرية إلى الاعتماد المتزايد على القوة الجوية والطائرات المسيّرة والضربات البعيدة لتقليل المخاطر. ثالثاً، قد تجد حكومة الشرع نفسها منجذبة نحو المواجهة، حتى لو فضّلت ضبط النفس، لأن لامركزية الجماعات المسلحة المحلية في الجنوب السوري تجعل التحكم في التصعيد أمراً بالغ الصعوبة. رابعاً، لم يعد الجنوب السوري يُعرّف من خلال الثنائية القديمة إسرائيل-إيران التي حكمت العقد الماضي (من خلال العمليات في مثلث الموت والريف الغربي)؛ بل بات فسيفساء من الفاعلين المتنافسين وغير المنتمين أصلا لأي محور. خامساً، تتطور ديناميات الصراع نحو نموذج هجين يجمع بين توغلات عبر الحدود، ومقاومة محلية، وغموض استخباراتي، وعمليات مشتركة بين المسيّرات والطائرات الحربية، منظومة أكثر تعقيداً بكثير من سوريا قبل عام 2024.

بيت جن ليست استثناء

في المحصلة، عملية إسرائيل في بيت جن ليست استثناءً، بل مؤشراً بنيوياً على الواقع الحدودي الجديد الذي يتشكّل في مرحلة ما بعد الأسد. فهي تكشف هشاشة العقيدة العملياتية الإسرائيلية الموسعة، وعدم قابلية التنبؤ في النظام السياسي الأمني السوري الناشئ، والقدرة المتنامية لمجموعات المقاومة المحلية، وخطر أن تؤدي حتى العمليات المحدودة إلى تصعيد على المستوى الوطني. وإذا ثبتت مشاركة أجهزة استخبارات سورية، فقد تؤدي الضربات الانتقامية الإسرائيلية التي وُعد بها إلى أول مواجهة مباشرة بين الحكومة السورية الجديدة والجيش الإسرائيلي، ما سيعيد تشكيل الخريطة الاستراتيجية لسنوات. وبالتالي يجب فهم بيت جن باعتبارها الفصل الافتتاحي لهندسة أمنية جديدة في جنوب سوريا، مشهد تصبح فيه كل قرية، وكل طريق تهريب، وكل خلية استخبارات، وكل مجموعة دفاع مجتمعي جزءاً من صراع أوسع حول معنى السيادة والردع والقوة في بلاد الشام بعد سقوط نظام الأسد.

ما يهم هو أن بيت جن بجغرافيتها وارتباطاتها تشكل خطراً حقيقياً على أمن التوسّع الإسرائيلي في   مناطق جبل الشيخ، وبالتالي ربما يرغبون في إخلاء هذه المنطقة وتهجير سكانها بأي طريقة وتحت أي ذريعة، كونها القرية ذات الكثافة السنية الأقرب إلى وجود القوات الإسرائيلية في منطقة التل الأحمر ووجود الدروز في قرى حضر غرباً، وعرنة وبقعسم والريمة وقلعة جندل شرقاً. تسعى إسرائيل إلى ضبط هذه المنطقة بحيث يكون الإشراف الأمني والعسكري فقط من الجانب الإسرائيلي. ربما يقودنا هذا إلى الحديث عن دور للإدارة السورية الجديدة للتوصل إلى حل عبر الدبلوماسية السورية والضغط لتمرير اتفاق أمنى؛ او العمل على ضبط الوضع الأمني في الداخل كونه مسؤولية محلية ولا يمكن القبول أن تقوم إسرائيل بتنفيذ عملية أمنية لتحييد وضبط السلاح والجماعات المؤدلجة والموالية لدول اقليمية (في سياقات أوسع) وسحب الأهلية من الإدارة السورية في ملف أمن الجنوب.

المدن

————————-

 الجيوبوليتيك السوري وأطماع نتنياهو التوسعية/ عبد الله الأسعد

2025.11.30

سوريا ذات الموقع الجيوسياسي المتوسط تمثل قلب العالم المتحضر فمنها نشأت حضارة الكتابة واستخدام الأرقام والترميز والصفقات التجارية والانطلاق للعالم بأسره، الذي جعلها نقطة انطلاق لحضارات متعددة وهدفا لجحافل الغزو المغولي والفرنجي والأوربي والصهيوني الطامعة بخيراتها وبموقعها الحيوي، وبما تحتويه سوريا من موارد طبيعية سطحية من أراض زراعية وتنوع حيوي وثروة مائية فضلا عن موارد طبيعية باطنية كالنفط والغاز والفوسفات وأملاح ومياه جوفية، وتأتي قوة الدولة السورية الكامنة في تنوع اقتصادها وتكامله.

الواقع الجيوسياسي للجمهورية العربية السورية الصغيرة بحجمها والكبيرة بتأثيرها، تمثل قلب العالم ونقطة ارتكاز الشرق الأوسط والقلب الجيوسياسي لمنطقة لبلاد الشام؛ فهي تتوسط الطرق بين المراكز الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط و هذه المراكز: هي هضبتا فارس والأناضول – وصحراء نجد – وبلاد ما بين النهرين – ووادي النيل.

وكما هو معروف تاريخياً، شكلت بلاد الشام مسرحاً لصراعات القوى التي سيطرت على تلك المراكز. ولا يختلف اليوم عن الأمس كثيراً. فإيران وتركيا والسعودية، مدعومةً بغالبية دول الخليج العربي، وفي مقدمتها قطر ومصر، هي الأطراف الإقليمية المؤثرة في الأزمة السوريا، ولو بدرجات متفاوتة.  وأن كانت سوريا الآن نقطة ارتكاز الشرق الأوسط لكل الاسباب التي ذكرتها فمحافظة درعا نقطة ارتكاز سوريا نظرا لموقعها الجيوسياسية والجيبوليتيكي _ بشكل عام في سوريا، عدد من المحاور الجيوبولتيكية الأساسية، أهمها الواصل بين دمشق وحلب. هذا المحور بمثابة القلب الداخلي لبلاد الشام كلها، وليس فقط سوريا. ينفتح هذا المحور بشكل كبير على المؤثرات الإقليمية عبر محورين جيوبولتيكيين أساسيين آخرين، هما

أولا ً-الهضبة الحلبية: التي تشكل الهضبة التي تتوسطها مدينة حلب، وتتوضع في القسم الشمالي من البلاد، حصناً طبيعياً، وهي امتداد لهضبة الأناضول في آسيا الصغرى.

ثانيا ً-الجسر الحوراني: هو سهل حوران في القسم السوري الجنوبي، فهو أشبه بجسر يربط دمشق وما وراءها حتى حمص بالمنطقة الشمالية للأردن، وما وراءها حتى العقبة، وبدايات شبه الجزيرة العربية.

الأهمية الجيوسياسية ( الجيوبولتيكية ) لحوران العسكرية:

بعد الثامن من كانون الأول 2024 شنت إسرائيل هجوما على سوريا مستهدفةً مكامن القوة العسكرية وتخريب البنى التحتية والمفاصل الأساسية في القدرة العسكرية والاجتماعية وصنع أدوات جديدة لها في الجنوب بأسماء مختلفة تهدف على الانفصال عن الوطن الأم سوريا.

ومن أهم الأهداف الأستراتيجية التي جعلت من حوران عقدة الطرق الهامة وجود طريقان إلى درعا: الطريق القديم الذي يربط المدينة بدمشق العاصمة ويمرّ بمعظم القرى والبلدات الريفية، فضلاً عن الطريق الخارجيّ – الأوتوستراد – الدوليّ الحديث وهذا يسبب تهديدا استراتيجيا كبيرا للعاصمة السورية دمشق.

تتميّز أرض حوران بكونها سهليةً ومنبسطة، وهذا الأمر كان يعقّد كثيراً مهمة الأعمال القتالية وصعّوبتها، ويحتاج القتال فيها لتقديم تضحياتٍ كبيرةً من أجل تغيير المعادلة القتالية، ولا سيّما أن من لمن يستطيع التمسك برؤوس الجبال والتلال في تلك المنطقة، كتل الشعار وتل أيوبا والتلال الحمر وتل الحارّة وتل أحمر الغربي وتل السقري وتل الجابية.

إن أكثر يسيل لعاب نتنياهو وفريقه اليميني المتشدد في مناطق سهل حوران هو ميزاتها الجيوعسكرية الحاكمة من التلال العسكرية مثل تل مرعي الواقع بالقرب من قرية دير العدس وبموقعه الاستراتيجي الهام في جنوبي سوريا ويشكل نقطة وصل رئيسية بين محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا، وتل الجموع الهام بقربه من مدينة نوى ولقدرته على توفير غطاء ناري كثيف. وتل الجابية وتل الحارة بينما يعتبر تل الجموع مهماً لقربه من مدينة نوى ولقدرته على توفير غطاء ناري كثيف، وتل أم حوران الذي يقع في الريف الغربي، وهو أحد التلال العديدة التي تحيط بمدينة نوى وتعتبر من كبرى مدن حوران.

تأتي الأهمية المائية ومخزون حوض نهر اليرموك المائي الواقع ضمن نطاق إقليم البحر المتوسط الجغرافي الذي يتمتع بمناخ دافئ وشبه جاف، ويعد حوض اليرموك مصدراً مائياً حيوياً لسوريا والأردن، وله أهمية استراتيجية كبيرة لقربه من مرتفعات الجولان المحتلة ولأنه أحد روافد نهر الأردن الرئيسية يساهم الحوض بشكل كبير في توفير المياه للزراعة والاستخدامات المنزلية في كلا البلدين. ورغم اتفاقيات تنظيم تقاسم المياه، واجهت إدارة مخزون الحوض تحديات بسبب التوترات السياسية والتغيرات المناخية، مما أدى إلى تذبذب في حجم المياه المستفاد منها وتضرر الأمن المائي لبعض الدول، ومن ميزات ذات الأهمية المائية بأنه مصدر حيوي للمياه هو نهر اليرموك، الذي ينبع من جبل الشيخ وهضبة حوران، مصدراً رئيسياً للمياه لسوريا والأردن.

حوران البالغة نحو 4000كم2، وعدد سكان ما يقارب مليون وأربعمئة ألف نسمة. تمتاز موقعاً ذو أهمية جيوسياسية بالغة الأهمية حيث تشكل حوران منطقة جغرافية وديمغرافية متجانسة تمتد من جنوبي دمشق العاصمة إلى الحدود الأردنية، ودمشق لا تبعد عن الحدود الأردنية أكثر من 100كم، ومفتوحة على الاردن بحدود 370كم مما يسهل دعم كافة العمليات اللوجستية، يضاف إلى ذلك منطقة اللجاة ذات الطبيعة الوعرة والامتداد الواسع  المنطقة التي قهرت كل الغزاة على مر التاريخ خاصة بقوة شكيمة أهلها وأهل بصر الحرير  المسماة عمود حوران والتي تعتبر امتداد للجاة، وتشكل بنفس الوقت صلة الوصل بين الجنوب السوري وبين ريف دمشق وهي بهذا تكون ممرا آمنا عسكريا ومدنيا، كما تمتد حوران بين جبل الشيخ وهضبة الجولان في الغرب والجنوب الغربي، والبادية من الشرق. من الجنوب الأردن ومن الغرب القنيطرة والجولان المحتل ومن الشرق محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية ومن الشمال محافظة ريف دمشق.

الأهمية الجيوسياسية (الجيوبولتيكية) لريف دمشق الغربي الجنوبي:

يعد موقع الريف الغربي الجنوبي من سوريا ذو أهمية جغرافية استراتيجية فريدة فهو يعتبر صلة الربط بين ريف القنيطرة الشمالي، والجنوب اللبناني حيث تقع بعض القرى الحدودية مثل بلدة بيت جن ومزرعة بيت جن على مقربة من قرية شبعا اللبنانية، وتجاور مباشرة خط التماس مع الحدود الإسرائيلية، وتعتبر ممر إمداد رئيسي بين الجنوب اللبناني ومناطق المعارضة السورية في الغوطة الشرقية والغربية، مثل كناكر وخان الشيح وزاكية، ولم يقتصر مواقع البلدات بالريف الغربي على البعد اللوجستي فقط، بل امتدت إلى البعد الأمني والإقليمي: فمثلاً موقع بيت جن المتاخم لمنطقة شبعا المتنازع عليها، وقربها من جبل الشيخ المحتل، جعلا منها نقطة ضغط محتملة في أي تحول استراتيجي في الجنوب السوري، يضاف إلى ذلك سهولة التحكم في طرقاتها، التي كانت تمكن من فك أو خنق أي امتداد ميداني بين الجنوب والوسط.

في الختام: لابد من القول بأن مسرح العمليات بين الجيشين السوري والإسرائيلي هي على طول الجبهة الجنوبية المحاذية للجولان السوري المحتل حيث كانت معظم الفرق والألوية والكتائب القتالية في القطاعين الشمالي والجنوبي، ومقار قيادات الجبهات ذات المواقع الهامة متل مدينة الصنمين، وزاكية وأزرع والحراك، ونوى، وإنخل، ودرعا، ومعسكرات الدفاع الجويّ في السهوة، وسرايا الهجانة على الحدود مع الأردن.

—————————

 بيت جن.. المقاومة المحلية وإعادة تشكيل معادلة الجنوب/ عدي محمد الضاهر

2025.12.01

فور اشتعال الاشتباكات في بيت جن يوم الجمعة، أعلن الجيش الإسرائيلي أن هدف عمليته كان اعتقال مطلوبين يُشتبه بانتمائهم إلى الجماعة الإسلامية، في ضوء معلومات استخبارية تشير إلى نشاطهم في المنطقة. لكن ما بدا في البداية عملية اعتقال محدودة، سرعان ما تحوّل إلى مواجهة عنيفة بعدما تصدّى الأهالي لقوات الاحتلال، ما أسفر عن سقوط ثلاثة عشر شهيداً وأكثر من خمسة وعشرين جريحاً من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. هذه الحصيلة الدموية دفعت الحكومة السورية إلى إدانة العملية ووصْفِها اعتداءً مباشراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد، محذّرة من أن مثل هذه الممارسات لا يمكن أن تقود المنطقة نحو الاستقرار. وفي المقابل، برّر مسؤول عسكري إسرائيلي العملية بالقول إن ما جرى يؤكّد “أهمية الدفاع ضمن المناطق العازلة” والحاجة إلى استمرار وجود قوات الاحتلال قرب حدود الجولان لضمان أمن مستوطناته، ما يكشف الفرق الشاسع بين القراءة الإسرائيلية للعملية والقراءة السورية لها.

المقاومة المحلية

لكن الأهم مما قيل سياسياً هو ما حدث على الأرض فعلياً: مقاومة محلية، عفوية وغير منظمة، استطاعت في ساعات قليلة أن تربك تقديرات القوة الإسرائيلية وتحوّل ما يفترض أنه “توغل موضعي” إلى حدث ذي دلالات استراتيجية. رفض الأهالي الانصياع، وتصادمهم المباشر مع القوات المقتحمة، خلقا صورة غير مرغوبة لتل أبيب في لحظة حساسة، لأن أيّ احتكاك مع المدنيين يفتح الباب على سلسلة من التداعيات التي يصعب السيطرة عليها، وهو ما يدفع إسرائيل إلى إعادة تقييم جدوى عمليات مماثلة مستقبلاً. فمن منظور استراتيجي، ظهور مقاومة مدنية قادرة على تعطيل قرار عسكري محكم هو عامل مقلق، لأن الجيش الإسرائيلي يعتمد عادة على فكرة “العمليات السريعة منخفضة الكلفة”، وهو ما لم يتحقق في بيت جن.

هذه العملية، بمشهدها الدموي وتداعياتها السريعة، أعادت إلى الواجهة عنصر الخطورة في “الفراغات الشعبية” داخل سوريا. فعلى مدى سنوات، راهنت إسرائيل على أن الجنوب السوري منطقة يمكن إدارتها أمنياً من خلال ضربات جوية وتوغلات تكتيكية، دون توقع رد فعل اجتماعي واسع. غير أن ما حدث في بيت جن يشير إلى احتمال إعادة تشكّل وعي محلي مقاوم، لا يستند إلى تنظيمات كبرى أو فصائل ذات تمويل خارجي، بل إلى ردّ فعل أهلي مبني على رفض مباشر للمساس بالبلد ، وهذا تحديداً ما يشكّل مصدر قلق إسرائيلي، لأن التعامل مع المدنيين الغاضبين أصعب بكثير من التعامل مع مجموعات مسلحة معروفة التنظيم والهيكلية.

اتفاق أمني قريب

وفي إطار تحليل أوسع، فإن توقّع اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا في الأسابيع المقبلة لم يعد فكرة بعيدة، بل بات سيناريو عملياً يعكس رغبة الطرفين في تجنّب انفجار مفاجئ في الجنوب السوري. إسرائيل، بعدما تبيّن لها أن أي عملية برية صغيرة قادرة على إثارة موجة غضب شعبي، ستجد نفسها مضطرة إلى خفض سقف أهدافها الأمنية والاكتفاء بترتيبات مرحلية تقوم على “إدارة المخاطر” بدلاً من “فرض السيطرة بالقوة”. أما دمشق، فهي تدرك أن ضبط الجنوب وإعادة الاستقرار إليه يتطلبان منع الاحتلال من استخدام الفراغ الأمني كذريعة للتوغّل، وبالتالي فإن التفاهم  حتى لو كان عملياً وغير معلن  قد يكون خياراً يحقق مصلحة مشتركة للطرفين.

وتزداد أهمية هذا السيناريو إذا أخذنا في الاعتبار التحركات السياسية الأميركية الأخيرة تجاه سوريا، بالتزامن مع ما يُتداول حول ترتيبات سياسية جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، والتي تعطي انطباعاً بأن دمشق في مرحلة إعادة ترتيب داخلية تحتاج فيها إلى تهدئة الجبهات. هذه البيئة السياسية، عندما تتقاطع مع مأزق إسرائيل الأمني، تجعل الاتفاق الأمني يبدو نتيجة طبيعية لتلاقي مصالح مؤقتة. فإسرائيل تريد منع انفجار شعبي بالقرب من حدودها، وسوريا تريد الحد من الخروقات العسكرية التي تستنزف قدراتها وتربك أولوياتها.

مستقبل الجنوب السوري ونقطة التحول

من هنا، يمكن القول إن عملية بيت جن فتحت الباب أمام نقاش مختلف حول مستقبل الجنوب السوري. فهي لم تُظهر فقط هشاشة فكرة “التوغلات التأديبية”، بل كشفت أن المجتمع المحلي في سوريا حتى بعد سنوات من الحرب ما يزال قادراً على إنتاج ردود فعل سياسية وأمنية من خارج الأطر الكلاسيكية. وعندما يدرك الجيش الإسرائيلي أن أفعاله يمكن أن تُترجم إلى موجة غضب غير قابلة للضبط، يصبح خيار “الاتفاق الأمني” بديلاً عقلانياً عن التصعيد.

ولعل الدلالة الأعمق لما جرى تتمثل في أن بيت جن تحوّلت في ساعات قليلة من بلدة صغيرة إلى “نموذج تحذيري” يذكّر إسرائيل بأن القوة العسكرية ليست كافية لحسم المعادلات في مناطق ذات حساسية اجتماعية وجغرافية عالية. ففي كل مرة يُقتل فيها مدني أو تُستهدف بلدة، تنفتح احتمالات انتقال الاحتجاج من مستوى محلي إلى مستوى وطني، وهو ما تخشاه تل أبيب أكثر من أي مواجهة تقليدية. فهذا النوع من التفجّرات الشعبية قادر على خلق بيئات مضطربة لسنوات، كما حدث في مناطق أخرى من المنطقة.

إن ما يظهر بوضوح هو أن الجنوب السوري يدخل مرحلة جديدة: ميدان تتقاطع فيه رغبة إسرائيل في الهدوء مع رغبة دمشق في تثبيت السيطرة، لكن بينهما يقف المجتمع المحلي الذي يبدو أنه لم يعد مستعداً لإبقاء دوره هامشياً. ولهذا السبب، فإن أي اتفاق أمني قادم  إن حدث  لن يكون فقط خطوة سياسية، بل اعترافاً ضمنياً من إسرائيل بأن المعادلة تغيّرت، وأن بيت جن ليست مجرد حادثة، بل نقطة تحوّل لها ما بعدها.

المقاومة غير المسيسة

وتكتسب المقاومة المحلية غير المسيسة التي ظهرت في بيت جن أهمية خاصة في التحليل الإستراتيجي، لأنها تمثل نموذجاً لفعل جماعي ينبثق من البنية الاجتماعية مباشرة، لا من أطر حزبية أو تشكيلات عسكرية منظمة. هذا النوع من المقاومة يُعدّ من أكثر العوامل إرباكاً للفاعلين الدوليين والإقليميين، لأنه لا يخضع لمنطق القيادة الهرمية ولا يمكن التنبؤ بسلوكه ضمن قواعد الصراع التقليدي. وتظهر حساسيته في كونه يشكّل قوة “تحت مؤسسية” قادرة على قلب التصوّرات الأمنية بسرعة، إذ يعكس قدرة المجتمع على إنتاج ردود فعل مستقلة تتجاوز الحسابات التي تبنيها القوى المتصارعة حول البيئة المحلية. ويمتلك هذا النوع من الفعل تأثيراً مضاعفاً، لأنه لا يمنح الخصم فرصة لوصمه بخطاب سياسي أو أيديولوجي، الأمر الذي يجعله أكثر قدرة على حشد التعاطف الداخلي والخارجي.

وتاريخياً، أثبتت التجارب أن المقاومة المحلية غير المؤطرة حزبياً قادرة على إحداث تحولات في مسار النزاعات أكبر مما تفعله التنظيمات العسكرية التقليدية. فعلى سبيل المثال، شكّلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) نموذجاً بارزاً لفاعلية المقاومة المجتمعية العفوية، حيث لم تكن تقودها جهة سياسية مركزية بقدر ما كانت تعتمد على مبادرات محلية، وحراك مجتمعات الأحياء والقرى، والقدرة على تحويل الاحتكاكات اليومية إلى ضغط سياسي ممتد. وقد دفعت هذه الانتفاضة إسرائيل إلى إعادة تقييم بنيتها الأمنية في الأراضي المحتلة، وأسهمت في تغيير المناخ الدولي والإقليمي الذي سبق اتفاق أوسلو. هذا المثال التاريخي يبرهن أن الفعل الشعبي غير المسلّح وغير المؤدلج يمكن أن يؤدي إلى تغييرات ملموسة في الحسابات الإستراتيجية، لا بسبب قوته المادية، بل بفعل عدم قابلية ضبطه ضمن أطر السيطرة التقليدية.

أخيراً فإن ما ظهر في بيت جن لا يمكن اعتباره حادثة عابرة، بل مؤشراً على أن المجتمع السوري ما يزال قادراً على إنتاج أشكال من المقاومة المدنية تحمل تأثيرات سياسية مباشرة. هذه المقاومة، بما تملكه من استقلالية ومرونة، تفرض على الأطراف الإقليمية إعادة النظر في مقاربتها للجنوب السوري، وتمنح دمشق ورقة قوة غير تقليدية، لأنها تعبّر عن قدرة الشعب على التحشّد خارج المحددات الرسمية. وفي ظلّ هذه المعطيات، يصبح لزاماً على إسرائيل وغيرها من الفاعلين إدخال العامل الشعبي غير المسيس في حساباتهم الأمنية، باعتباره عنصراً لا يقل وزناً عن الجغرافيا العسكرية أو التوازنات الإقليمية.

تلفزيون سوريا

—————————

 ما لم يُفهم بعد من قصة بيت جن/ محمد إيهاب الشبيب

2025.12.01

في الساعة 3:40 فجراً من يوم الجمعة 28 تشرين الثاني 2025، دخلت قوة إسرائيلية من الفرقة 210 تتبع للواء الاحتياط 55 إلى بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي، في عملية قالت تل أبيب إنها استهدفت اعتقال ثلاثة شبان منتمين إلى “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس”. ما بدأ كعملية اعتقال، تحوّل سريعاً إلى اشتباك بعد تصدي “أهالي البلدة” و”مسلحين محليين” للقوة المتوغلة، حيث جرى تطويق الآلية وتعطيلها، وكادت القوة تتعرض للأسر وفق شهادات محلية.

اعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي بإصابة ستة من جنوده وضباطه، بينهم ثلاث إصابات خطرة، قبل أن ينسحب تحت حماية نيران المروحيات والمسيرات والمدفعية، ثم دمّر الآلية المُعطلة بغارة جوية حتى لا تبقى غنيمة. على الطرف الآخر، أعلن الدفاع المدني السوري سقوط 13 شهيداً و24 جريحاً، بينهم ستة من عائلة واحدة قُصف منزلها وهي نائمة.

وصف بيان الخارجية السورية الهجوم بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان”، في حين أشارت تقارير دولية إلى أنه من أكثر الهجمات دموية منذ توسّع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري أواخر 2024، حيث يسيطر على مناطق تقدر بمئات الكيلومترات ويكثّف التوغلات البرية والطلعات الجوية.

بيئة بلا ردع… وولادة جماعات جديدة

ليست عملية بيت جن الأولى من نوعها. البلدة الواقعة على سفوح جبل الشيخ شهدت خلال الأشهر الماضية عمليات تفتيش واعتقال متكررة، اعتُقل خلالها أكثر من سبعة شبان من دون معرفة مصيرهم. الجنوب السوري أصبح اليوم خارطة معقدة، فإسرائيل فرضت واقعاً جديداً بتمركزها في مواقع منزوعة السلاح سابقاً، وتسييرها دوريات شبه يومية تحت ذريعة “ملاحقة عناصر مسلحة”.

ويأتي ذلك في لحظة إقليمية مشتعلة من لبنان إلى غزة واليمن، ما يجعل الجنوب السوري ساحة حساسة لأي نشاط عسكري.

في قلب هذه البيئة ظهرت “جبهة المقاومة الإسلامية – أولي البأس” كإحدى الجماعات التي تشكلت فوق فراغ السلطة وتعدد الأذرع الإقليمية، لتضيف طبقة جديدة من الخطورة على خط الجولان المحتل.

من هي “أولي البأس”؟

تُظهر دراسات متخصصة أن الجماعة ظهرت أواخر 2024 باسم “جبهة تحرير الجنوب”، قبل أن تعيد تقديم نفسها مطلع 2025 باسمها الحالي، مستخدمة شعاراً قريباً من أيقونية حزب الله، وخطاب “محور المقاومة” ذاته تجاه إسرائيل والوجود التركي والغربي.

الاسم نفسه – “أولي البأس” – مستلهم من حملة إعلامية لحزب الله عام 2024، وتكرر في خطابات قياداته. تربط مراكز أبحاث عدة الجماعة مباشرة بشبكة التهديد الإيرانية وتعتبرها جزءاً من محاولة إعادة نسخ نموذج “وكلاء المقاومة” بعد سقوط نظام الأسد، ضمن شبكة تمتد من لبنان إلى العراق واليمن.

بمعنى آخر، نحن أمام جماعة عقائدية–عسكرية تتحرك على تخوم الجولان تحت شعار “المقاومة”، لكنها عملياً تفتح جبهة بالوكالة فوق أرض مرهقة أصلاً بالخراب.

تسجيل صوتي… خطاب يتجاوز الدولة

في 8 تشرين الثاني 2025، نشر المتحدث العسكري للجماعة، أبو القاسم، تسجيلاً صوتياً هاجم فيه الحكومة السورية الجديدة وحلفاءها، وقدم نفسه كبديل عن الدولة قائلاً: ” توعد بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية في المكان والزمان المناسبين” وأَضاف أن “المقاومة الإسلامية بكافة تشكيلاتها على أهبة الاستعداد وأنها تراقب بدقة مسار الاعتداءات الأخيرة” وأردف “الرد لن يكون بقصف ولا بصواريخ ولا مسيرات” بل إنهم “يعلمون كيف يدخلون أرضهم وكيف يضربون العمق ويسقطون الأركان”. هذا الخطاب يستهدف ليس مواجهة إسرائيل فحسب، بل جرّ سوريا إلى نمط عمل أمني–سري لا يخضع لأي مساءلة.

وبعد قصف بيت جن، قالت الجماعة في بيان إن العدوان “لن يمر دون رد قريب”، متعهدة “بتحرير سوريا وفلسطين”. اللغة المستخدمة – “قلعة المقاومة العربية”، “لن نستسلم”  تحمل بصمة خطاب محور المقاومة.

أين المشكلة؟

رغم إدانة العدوان الإسرائيلي واعتباره انتهاكاً صارخاً للسيادة السورية، إلا أن المشكلة لا تقتصر على الاحتلال وحده، فجماعة “أولي البأس” تعمل خارج الدولة، وتقدّم نفسها فوق مؤسساتها، وترتبط بمحور إقليمي يستخدم سوريا كساحة لا كهدف. كما أنها تجرّ الجنوب السوري إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في لحظة حساسة للغاية، حيث تُترجم تل أبيب أي نشاط على الجولان بوصفه جزءاً من “حصار متعدد الجبهات”، وترد عليه بسياسة “الدفاع ما وراء الحدود”.

بهذه الطريقة تصبح بقايا الوجود الإيراني في سوريا من الجماعات العقائدية وربما داعش أيضاً أفضل ذريعة لتوسيع التوغلات والقصف، كما حصل في بيت جن.

السيادة مسؤولية تجاه الناس

إدانة العدوان الإسرائيلي واجب أخلاقي وسياسي، لكن حماية السيادة لا تتم عبر جماعات تعمل خارج الدولة وتفرض نفسها ممثلاً للشعب من دون تفويض. السوريون في بيت جن وغيرها من حقهم رفض الاحتلال، لكن من حقهم أيضاً ألا تتحول قراهم إلى ساحات تجارب لجماعات تقول إنها “مقاومة” في حين تدفع القرى  ثمن الرد الإسرائيلي.

الدفاع عن سوريا يمر عبر مشروع وطني واضح، لا عبر جماعات عابرة للدولة، فبائع وهم “تحرير فلسطين وسوريا معاً” عبر تسجيلات صوتية، وهو يعلم أن الرد سيقع على رؤوس المدنيين، لا يختلف كثيراً عن الذي يضغط على زر القصف من الطرف الآخر.

ويبقى اسم بيت جن شاهداً جديداً على فراغ الدولة وخطر الوكلاء، وعلى حاجة السوريين إلى مظلة سيادية حقيقية لا تتركهم بين احتلال يقتلهم وجماعات تتاجر بدمهم.

تلفزيون سوريا

——————-

من البر إلى الجو.. كيف ستدير إسرائيل توغلاتها بعد عملية “بيت جن”/ أحمد الكناني

1 ديسمبر 2025

أحدثت المقاومة الشعبية في بلدة بيت جن، بمنطقة جبل الشيخ، فجر الـ 28 من تشرين الثاني/ نوفمبر، تغيرًا في الحسابات العسكرية لإسرائيل، التي اعتبرت إطلاق النار على عناصر جيشها خرقًا أمنيًا، وفشلًا استخباراتيًا من حيث تقدير الموقف الميداني، إذ أصيب نتيجة لمقاومة أهالي البلدة 6 جنود إسرائيليين بينهم ضباط بإصابات بالغة، وبناء عليه أعلنت مصادر إسرائيلية بأن الجيش سيغير من تكتيكاته العسكرية من أجل عدم تعريض قواته البرية لأي خطر في الجنوب السوري.

بالتزامن مع المجزرة التي ارتكبتها المدفعية، والطيران الإسرائيلي في بيت جن وراح ضحيتها 20 مدنيًا، بينهم أطفال ونساء، نشرت القناة الـ 13 الإسرائيلية عن مصادر عسكرية بأن الجيش بدأ يناقش تقليل الاعتقالات في الجنوب السوري، وتنفيذ عمليات الاغتيال من الجو، فيما كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية عن تكتيك عسكري جديد للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وذلك عبر لقاءات أجرتها الصحيفة مع قائد الكتيبة “595” وضابط عملياتها، وثلاث مجندات مختصات بجمع المعلومات قرب الحدود الثلاثية بين سوريا وإسرائيل والأردن، والذين أشاروا إلى استخدام طائرات مسيّرة تكتيكية وقريبة المدى، لجمع معلومات ميدانية مباشرة عن الجنوب، إضافة إلى تحديد “الارتفاع الأنسب” للطيران الحربي في حال استخدامه وفقًا للظروف الميدانية.

وضعية الطيران

مجرد انتقال الجيش الإسرائيلي من الاعتماد على القوات البرية في تنفيذ المهام إلى الطيران بكافة أشكاله، يعني أن ما جرى في بيت جن هو ضربة عسكرية موجعة، وغير مسبوقة، دفعت الجيش الإسرائيلي إلى تغيير أسلوبه القتالي بشكل كامل، دون اللجوء إلى اتخاذ تدابير عسكرية برية أكثر احترازية في عملياته.

يشير الخبير العسكري محمد عباس محمد إلى أن اعتماد القوات الإسرائيلية على الطائرات في عملياتها العسكرية يعني أنها فقدت زخمًا كبيرًا في الجنوب السوري، إذ أنها تستند بشكل رئيسي على القوات البرية في تثبيت نقاطها، وعمليات الاعتقال، وإقامة الحواجز العسكرية بين المدن، ونصب نقاط التفتيش، وعليه شكلت أحداث بيت جن محاذير كبيرة من حيث عدم نشر القوات البرية في المناطق المدنية تجنبًا لما حصل في البلدة الجبلية، لافتًا إلى أن ذلك لا يعني غياب فاعلية الطيران المسير، كونه يشكل سلاحًا تقنيًا فعالًا أقل تكلفة من حيث الخسائر البشرية، إضافة إلى أنه يقوم بالعديد من مهام القوات البرية، من حيث القصف، الإسناد الناري، الرصد، وتمهيد الطريق للطيران المروحي، وتحديد الإحداثيات لنيران المدفعية.

على الرغم من الأهداف التي يحققها سلاح الجو بكافة أشكاله، إلا أن إسرائيل تعي ضمنيًا أن نتائج حادثة بيت جن عقدت من تنقلاتها واستراتيجيتها جنوبًا، كون ذلك سيؤدي لخفض وتيرة الاعتقالات العشوائية للشبان في البلدات، وفرض إجراءات أمنية ومحاذير أكبر في حالات التوغل، وزيادة المخاوف الأمنية في القرى المحيطة بالقاعدة العسكرية في قمم جبل الشيخ، واستنفار النقاط العسكرية المتمركزة في مناطق حوض اليرموك وريف القنيطرة، تجنبًا لعمل يستهدفهم، وبالتالي سينفذ الطيران عمليات استطلاعية مكثفة، مقابل تخفيض التواجد الإسرائيلي البري، وهو ما يمكن أن يكون شرارة أولية تجاه ضرورة التوافق على حل أمني بين الأطراف المعنية، لأن حالة الاستنفار مرهقة لإسرائيل على المدى الطويل.

توغل عبر الجو

يشير الخبير العسكري محمد إلى أن الاعتماد على الطيران كاستراتيجية عسكرية لا يعني غياب عمليات التوغل البرية للقوات الإسرائيلية، إذ يمكن أن تستخدم الطائرات كغطاء للقوات البرية لتحقيق مهامها، إضافة لاستخدام الطيران المروحي العامودي في العمليات الخاصة للجيش الإسرائيلي، وتنفيذ الإنزال داخل الأراضي السورية كما جرى في رخلة، ويعفور بريف دمشق، ويبقى للطيران المسير الدور الرئيسي في الرصد والاستطلاع، وتأمين وسائط نارية غير مباشرة للقوات العسكرية.

إلا أنه في حال اعتمدت القوات الإسرائيلية على الطيران في التوغل البري، لن يكون ذلك بالأمر السهل لاعتبارات أمنية متعلقة بطبيعة المنطقة الجنوبية، والتجمعات البشرية هناك، خلافًا لعمليات الإنزال السابقة داخل ثكنات عسكرية بريف دمشق والتي كانت بعيدة نسبيًا عن السكان، ورغم ذلك لا يبدو الأمر مستبعدًا إلا أنه لن يكون بوتيرة مشابهة للتوغلات البرية المصحوبة بالعربات، إضافة إلى أن إسرائيل ستضطر إلى تفعيل قاعدتها الجوية لها في جبل الشيخ كمنصة أساسية في عمليات القادمة في الجنوب السوري.

تكلفة إسرائيلية

بالنظر إلى نوع الطيران المستخدم في العمليات الإسرائيلية، يشير الخبير العسكري محمد إلى أن إسرائيل لن تستخدم أي من الطائرات الحربية f15 أو f35، إلا في حال تواجد هدف كبير وصيد ثمين بالنسبة لها يستدعي هذه الطائرات التي استخدمتها في الهجوم على إيران، وبالتالي من المستعبد استخدامها في سوريا، وعليه يبقى اعتماد الطيران قائمًا على المروحيات، والمسيرات التي ستكون الرئيسية في تنفيذ الأهداف العسكرية لقلة تكلفتها التصنيعية، وتنفيذها لمهام الاستطلاع والمراقبة، والمهام النارية، كما يتم استخدامها في عمليات الاغتيال المباشر.

من المحتمل أن تعتمد إسرائيل بشكل كبير على المسيرات الحربية في تنفيذ الاغتيالات جنوب سوريا وفقًا لما كشفته وسائل إعلام عبرية، إلا أن ذلك يترتب عليه العديد من المخاوف الإضافية، إذ سبق لإسرائيل أن اعتقلت وأوقفت مدنيين لمجرد الاشتباه بهم، ويُخشى أن تعتمد ذلك في اغتيالاتها للسوريين، خاصة وأنه من غير المحتمل إعادة سيناريو التوغل في القرى الجنوبية لاعتقال مطلوبين من بيوتهم، كما حدث في بيت جن.

الترا سوريا

——————————-

مندوب سوريا بالأمم المتحدة: الرد على إسرائيل سيقود إلى حرب مفتوحة

مندوب سوريا بالأمم المتحدة: التصعيد العسكري مع إسرائيل يخدم مصلحة تل أبيب

2025-12-01

قال مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، اليوم الاثنين، إن أي رد عسكري مباشر على الاستفزازات الإسرائيلية قد يدفع المنطقة إلى حرب مفتوحة.

وأكد علبي، أن التصعيد العسكري مع إسرائيل يخدم مصلحة تل أبيب لا مصلحة الشعب السوري، معتبراً أن دمشق حققت مؤخراً مكاسب سياسية واقتصادية على الساحة الدولية.

وأشار إلى أن “ما تقوم به الحكومة السورية الانتقالية منذ اليوم الأول للتحرر من نظام الأسد هو العمل على إعادة بناء البلاد واستعادة دورها الإقليمي والدولي”، مشيراً إلى أن ”هذا المسار لا يروق لإسرائيل”، وفق ما نقلته قناة “الجزيرة“.

وأوضح أن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة وحضوره جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب العلاقات التي بنتها سوريا مع المجتمع الدولي خلال فترة قصيرة، تمثل أسبابا إضافية لزيادة التوتر، قائلاً إن “إسرائيل لا تريد سوريا قوية”.

وأشار علبي إلى أن الاستفزازات الإسرائيلية، بما في ذلك ما حدث مؤخراً في قرية بيت جن بريف دمشق، تأتي كرد فعل على النجاحات التي حققتها سوريا، مؤكداً وجود ضغوط سياسية وقانونية تُمارس على تل أبيب لعزلها ومحاصرة تحركاتها.

وبيّن المندوب السوري أن سياسة ضبط النفس التي اتّبعتها دمشق في مواجهة تلك الاستفزازات دفعت عدداً من أعضاء مجلس الأمن إلى انتقاد إسرائيل علناً، معتبراً أن هذا النهج كان عاملاً أساسياً في تدفق الاستثمارات على سوريا وبناء الثقة مع المجتمع الدولي، “خاصة وأن الحكومة السورية حكومة وليدة”.

وحذّر علبي من الانجرار وراء أي مواجهة مباشرة، قائلا إن “إسرائيل تتمنى أن ننجرّ إلى الاستفزازات للقضاء على مكتسباتنا السياسية والاقتصادية”، مشددا على أن الحكومة السورية “حريصة على حماية الشعب” ولن تستجيب لمثل هذه المحاولات.

وتطرق المندوب السوري إلى العلاقات مع واشنطن، مؤكداً أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد لسوريا أن تنجح وتستقر لأسباب متعددة، من بينها التحكم بتدفق اللاجئين، ومواجهة نفوذ إيران وحزب الله، إضافة إلى تأثر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وبينهم تركيا، بأي تطورات داخل سوريا”.

وفي ما يتعلق بالاتهامات التي توجهها إسرائيل لدمشق حول دعم “عناصر إرهابية”، وصف علبي تلك المزاعم بأنها “واهية ومتعارضة”، مشيراً إلى أن الحكومة تواصل العمل على استقرار الأمن الداخلي.

كما أوضح أنه “من المبكر الحديث عن سلام مع إسرائيل قبل زوال الاحتلال”، لافتاً إلى أن القرار في هذا الملف “يعود للشعب السوري”، ومذكّرا بأن الرئيس الشرع كان واضحاً في قوله إن الهدف أولاً هو التوصل إلى “اتفاق أمني” مع إسرائيل، ثم “لكل حادث حديث”.

وقبل يومين، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب هجوم بريف محافظة دمشق جنوبي غربي سوريا يهدف إلى تجنب إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: صراع نفوذ أم إعادة تموضع.. إسرائيل تحشد في الشمال

وكانت قد قالت الصحيفة، إن السبب وراء صمت نتنياهو يعود إلى القلق من ردّة فعل الولايات المتحدة، ولا سيما ترامب، الذي يسعى إلى بلورة اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا ضمن جهوده الأوسع للتوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط، وربما لتقريب فرصه بالحصول على جائزة نوبل للسلام.

وأشارت إلى أنه رغم خطورة الحدث الذي وقع في بلدة بيت جن بريف محافظة دمشق واحتمالات التصعيد الاستراتيجي، لا تزال القيادة السياسية في إسرائيل ملتزمة الصمت.

ولفتت الصحيفة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يصدر أي بيان حتى الآن، كما تجنّب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، المعروف عادة بنشاطه الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، التعليق على التطورات.

وبحسب “يديعوت أحرونوت”، فإن تجنّب استفزاز ترامب ليس الاعتبار الوحيد، إذ تحاول إسرائيل أيضاً تجنّب إغضاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ظل تزايد التدخل التركي في الساحة السورية.

وتخشى إسرائيل، بحسب الصحيفة، من أن يؤدي أي توتر مع الحكومة السورية الانتقالية والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى دفع أنقرة نحو مواجهة أوسع، وهو سيناريو تعمل تل أبيب على تفاديه.

وأضافت “يديعوت أحرونوت” أن عنصر المفاجأة في العملية قد يكون لعب دوراً في ارتباك المؤسسة الإسرائيلية، سواء بسبب ثغرات استخباراتية أو نتيجة تسريب تحركات القوات.

وأعربت الجهات الأمنية الإسرائيلية، كما نقلت الصحيفة، عن قلق بالغ من ما تعتبره “تقاعساً” من قبل الشرع في مواجهة نشاط عناصر من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” داخل سوريا.

ونوهت الصحيفة إلى أن إسرائيل وجهت رسائل حادة لدمشق بعد عملية بيت جن، حيث شدد مسؤولون أمنيون على أن الحادث أثبت ضرورة منع تمركز أي قوات معادية قرب الحدود، معتبرين أن الحديث عن اتفاق سلام مع سوريا يبدو مستحيلاً في ظل حالتها الراهنة من عدم الاستقرار.

ورغم هذا الموقف الأمني المتشدد، قالت “يديعوت أحرونوت” إن القيادة السياسية لم تعقد أي مشاورات طارئة يوم أمس الجمعة عقب الاشتباك، بل واصل وزير الدفاع يسرائيل كاتس نشاطاته اليومية.

وفجر يوم الجمعة الماضي، قتل ثلاثة عشر شخصاً وأصيب 24 آخرون، جراء هجوم إسرائيلي بريف محافظة دمشق جنوبي غربي سوريا، وفق ما أفاد به مراسل “963+”.

وقال المراسل إن الجيش الإسرائيلي شن هجوماً على بلدة بيت جن بريف محافظة دمشق، واشتبك مع مسلحين قبل أن يستخدم لاحقاً الطيران المسيّر في هجومه على البلدة.

+963

———————————–

 ما أسباب صمت نتنياهو وحكومته بعد العدوان على بيت جن السورية؟

2025.11.29

يسود الصمت في القيادة السياسية والعسكرية لدى الاحتلال الإسرائيلي، منذ العدوان الذي شنه جيشه على بلدة بيت جن السورية، والذي خلّف 6 إصابات في صفوف مقاتليه من المجندين والضباط.

وبحسب صحيفة “يديعوت أحرنوت”

الإسرائيلية، فقد كانت حادثة تبادل إطلاق النار التي أسفرت عن تلك الإصابات، أن تتحول إلى تصعيد عسكري حقيقي على الفور، ولكن الصمت يسود أوساط القيادة السياسية.

وتمضي الصحيفة قائلة: “مرّ أكثر من يوم على الحادث الخطير في جنوبي سوريا، والذي أصيب فيه ستة مقاتلين من جيش الدفاع الإسرائيلي في اشتباك مع (إرهابيين). ورغم أن هذا الحدث قد يتطور سريعاً إلى تصعيد عسكري وكارثة سياسية-استراتيجيّة، فإن القيادة الإسرائيلية التزمت الصمت. لم ينشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ردّه على الحادث بعد، كما لم يُعلّق وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي يُشارك موقفه باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتضيف: “في هذه الأثناء، أصدر جيش الدفاع الإسرائيلي بياناً آخر حول هذا الموضوع، يتضمن تسجيلات صوتية من لحظات الدعم الجوي للمقاتلين في أثناء المواجهة والإنقاذ. يقول المقاتل على الأرض: أريدكم أن تطلقوا النار على المنازل، مسلحون يطلقون النار علينا. فيرد عليه المقاتل بالتأكيد: “نحن نطلق النار باتجاه المنازل”.

3 أسباب للصمت الإسرائيلي

وترى الصحيفة أن التفسير الرئيسي المحتمل للصمت الإسرائيلي حيال الحادثة في سوريا، هو عدم إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ما يزال يسعى إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا في إطار مساعيه لإحلال السلام في الشرق الأوسط والحصول على جائزة نوبل للسلام.

السبب الثاني لذلك الصمت، هو تجنب إزعاج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبلاده – التي تزيد من تدخلها في سوريا. بالنسبة لإسرائيل، فإن المواجهة المباشرة مع القيادة السورية قد تجبر الأتراك على التدخل، وهذا أمر لا ترغب فيه إسرائيل.

التفسير المحتمل الثالث، وفق الصحيفة، هو “المفاجأة الاستخبارية التي فاجأت إسرائيل في هذه الحادثة”.

مجزرة إسرائيلية في بلدة بيت جن

وفجر أمس الجمعة، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مجزرة راح ضحيتها 13 شهيداً ونحو 25 مصاباً في بلدة بيت جن بريف دمشق الجنوبي الغربي.

وأفاد مراسل تلفزيون سوريا بأن مروحيات جيش الاحتلال ومدفعيته قصفت بيت جن الواقعة على سفوح جبل الشيخ، وجاء القصف بعد اشتباكات بين الأهالي ودورية لجيش الاحتلال الإسرائيلي توغلت داخل البلدة واعتقلت 3 شبان، قبل أن تنسحب منها وتتمركز في تلة باط الوردة على أطراف البلدة.

وكشفت “القناة 13” الإسرائيلية أن جيش الاحتلال يدرس اعتماد استراتيجية “الاغتيالات الجوية” لمواجهة ما وصفها بـ “التهديدات الأمنية” في سوريا، وذلك عقب إصابة 6 من جنوده في اشتباكات بلدة بيت جن.

———————–

هيئة البث العبرية: واشنطن تسعى لـ”تهدئة” بين إسرائيل وسورية عقب واقعة بيت جن/ بيروت حمود

30 نوفمبر 2025

“كان” عن مصدر: واشنطن تحاول تهدئة النفوس بين إسرائيل وسورية

الولايات المتحدة تدرس ابتعاث مسؤولين لسورية بينهم مورغان أورتاغوس

في إطار مساعيه الرامية لاصطناع الذرائع التي يبرّر بها عدوانه المتواصل على سورية، منذ احتلاله قمّة جبل الشيخ الاستراتيجية عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، زعم الاحتلال الإسرائيلي عبر وسائل إعلامه، اليوم الأحد، أنّ من اعتقلهم في عدوانه على بلدة بيت جن في ريف دمشق، فجر أول أمس الجمعة، “اعترفوا خلال التحقيق بعلاقتهم مع حماس وإيران وحزب الله”.

وفي حين لا يُعرف مصير عشرات المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ولا تحت أي ظروف قاهرة يُحقق معهم، وما إذا كانوا يُخضعون للتعذيب النفسي والجسدي والتجويع، كالمعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين المحتجزين في ظروف كارثية، أو حتّى إذا ما أُكرهوا على الاعتراف بما لا علاقة لهم به، فإنّ الزعم بأنّ “معتقلي بيت جن اعترفوا خلال التحقيق” نقلته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية “كان 11” عمّن قالت إنه “مصدر من إحدى دول المنطقة مطلع على تفاصيل اعتقال عناصر الجماعة الإسلامية”، مع العلم أنّ الجماعة الإسلامية في لبنان أصدرت بياناً نفت فيه أن تكون لها أيّ علاقة بأي نشاط خارج لبنان، مستغربة الزج باسمها في العدوان الإسرائيلي على بيت جن، الذي أدانته واستنكرته.

وتابعت “كان 11” زعمها أنّ “المعتقلين اعترفوا أنهم حصلوا على تمويل من الأطراف المذكورة بهدف التسلّح لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل”. وفي الإطار، نقلت “كان” عن المصدر ذاته قوله إنّ “الولايات المتحدة تحاول تهدئة النفوس بين إسرائيل وسورية، عقب الحادثة”، في إشارة للعدوان على بيت جن الذي خلّف 13 شهيداً سورياً وعشرات الجرحى، بحسب حصيلة وزارة الصحة السورية، فيما أُصيب ستة جنود إسرائيليين بجروح تراوحت بين الخطيرة والمتوسطة.

وفي الصدد، أفادت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية، بأنّ الولايات المتحدة تدرس إرسال عدد من المسؤولين، بينهم مورغان أورتاغوس، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، بهدف تحقيق الاستقرار في سورية. ولفتت إلى أنّ إسرائيل تصرّ حالياً على أنّ جيشها لن يتخلّى عن احتلاله جبل الشيخ طالما لم يجرِ التوصل إلى اتفاق شامل مع سورية، يتخطى حتّى السعي لصوغ اتفاق أمني بين الجانبَين.

فرنسا تطالب إسرائيل باحترام سيادة سورية بعد عدوان بيت جن

كما طالبت فرنسا، اليوم الأحد، إسرائيل، بـ”احترام سيادة سورية وسلامة أراضيها”، بعد عدوانها على بلدة بيت جن بريف دمشق. وجاء ذلك وفق منشور عبر “إكس” للقائم بالأعمال الفرنسي في سورية جان فافر.

وقال فافر إنّ فرنسا “تؤكّد أهمية حفظ وحدة ‎سورية وسيادتها واستقرارها وفقاً للقانون الدولي واتفاقية فضّ الاشتباك (المبرمة بين الجانبَين عام 1974)”، معرباً عن قلق باريس “إزاء المعلومات التي تشير إلى سقوط ضحايا مدنيين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في بلدة بيت جن”، كما دعا “جميع دول المنطقة إلى الانخراط في الجهود الجارية لتمكين سورية من أن تصبح مركزاً للسّلام والأمن والاستقرار لصالح الشعب السوري والمنطقة بأكملها”.

ويحاول الاحتلال تثبيت إحكام قبضته على قمة جبل الشيخ، التي احتلها بعد إسقاط نظام الأسد، لما تتمتع فيه من مزايا جغرافية تمكّنه من إطباق المراقبة والتتبع وصولاً لدمشق ومساحة واسعة من لبنان. إلى ذلك، وصف وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، في مقابلة مع التلفزيون السوري الرسمي، التوغلات العسكرية الإسرائيلية في أراضي بلاده بـ”المستفزة”. وشدد في تصريحات لقناة “الإخبارية السورية”، مساء الجمعة، على أنّ دمشق “لن تذهب إلى ما تريده إسرائيل”، موضحاً أن الأخيرة تحاول عبر التوغلات العسكرية “استفزاز الدولة السورية”، وأضاف: “نحن في موقع لا يسمح لنا أن نذهب إلى ما تريده إسرائيل من خلال استفزازاتها”، معتبراً أن “منطق الغرور والقوة لدى إسرائيل يعمي بصرها”.

————————–

 “هآرتس”: عمليات إسرائيل في لبنان وسوريا تخدم طموحات نتنياهو

الاثنين 2025/12/01

رأت صحيفة “هآرتس العبرية إن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في سوريا، تهدف إلى إبقاء إسرائيل في حالة حرب دائمة، خدمةً للطموحات السياسية للحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو، وتوفير الغطاء الأمني اللازم لطلب العفو الذي يطالب فيه.

الأهداف الإسرائيلية

وقالت الصحيفة إن اغتيال رئيس هيئة أركان حزب الله هيثم علي طبطبائي، والضربات اليومية على “أهداف” في لبنان، والاستعداد لحملة برية ضده، إلى جانب اعتقال ناشطين سوريين في الجولان السوري، وتطوره إلى اشتباكات فعلية، يُظهِر رغبة ظاهرية لدى تل أبيب في إظهار الحزم لإزالة التهديدات على أمن إسرائيل.

لكنها اعتبرت أنه بوجود صعوبة في اكتشاف سياسة منسقة أو استراتيجية واضحة حول العمليات الإسرائيلية، يُمكن استنتاج أن لهذه الخطوات هدفاً خطِراً واحداً هو إبقاء إسرائيل في حالة حرب دائمة تخدم الطموحات السياسية للحكومة ورئيسها، وتوفر الغطاء الأمني اللازم لطلب العفو الذي يمكن أن يؤدي إلى المصادقة عليه.

ولفتت إلى أن إسرائيل تتمتع على حدودها الشمالية بامتيازات استراتيجية غير موجودة في قطاع غزة، إذ توجد في سوريا ولبنان، أنظمة حكم تُعلن علناً وباستمرار عدم رغبتها في حرب مع إسرائيل، معتبرةً أنها ليست مجرد تصريحات تهدف إلى طمأنة إسرائيل والولايات المتحدة.

جمع السلاح في لبنان

وقالت إن لبنان وقّع مع إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار، بينما رئيسه جوزاف عون رسّخ مبدأً تاريخياً يدعو إلى توحيد السلاح الموجود داخل البلد تحت السيطرة الحصرية للدولة، كما أن الحكومة في بيروت اتخذت قراراً يقضي بتكليف الجيش اللبناني، لأول مرة في تاريخه، بجمع الأسلحة من المنظمات غير الحكومية، وعلى رأسها حزب الله والتنظيمات الفلسطينية.

وأضافت أن الجيش اللبناني يقوم فعلاً بجمع هذا السلاح في جنوب لبنان، لكن الوتيرة بعيدة عن تلبية تطلعات إسرائيل، وأن هناك شكاً كبيراً في قدرته على إكمال المهمة ضمن المهلة المتفَق عليها في نهاية العام الجاري.

وذكرت الصحيفة العبرية أن الرئيس اللبناني يُرجع البطء إلى رغبته في منع صدامات عنيفة بين الجيش، المحدود القدرات، وبين “حزب الله”، بينما ما زال الحزب يحتفظ بكمية كبيرة من السلاح، والتي يمكنه توجيهها، ليس فقط ضد إسرائيل.

في مقابل ذلك، ترى إسرائيل والولايات المتحدة أن الضغط العسكري والتهديدات بالحرب سيدفعان الرئيس اللبناني إلى التخلي عن نهج الحوار السياسي مع حزب الله وإجباره، على مواجهة مباشرة معه، وفق “هآرتس”.

الضغط الإسرائيلي

واعتبرت “هآرتس” أن الضغط العسكري مليء بالتناقضات العملياتية والسياسية إذ أن معظم نشاط إسرائيل في لبنان يتم عبر ضربات جوية، في حين تُسيطر في الوقت ذاته على 5 مواقع في جنوب لبنان، قيمتها محدودة، بينما تُستخدم بين أمور أُخرى كورقة تفاوض مع بيروت.

وعلى الرغم من ذلك، فإن إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة، لا تكتفي بالمحادثات حول الترتيبات الأمنية وترسيم الحدود البرية وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين المحتجَزين في إسرائيل، إنما تطالبان بإجراء مفاوضات مباشرة، وإعادة تشكيل لجنة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، بحيث تشمل سياسيين لبنانيين، وليس فقط عسكريين وخبراء، وانضمام لبنان إلى اتفاقات “أبراهام”، مشيرةً إلى أن هذه الطموحات تستند إلى ورقة العمل التي قدمها توم باراك، المبعوث الخاص السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون سوريا ولبنان.

وينص اقتراح باراك على أن توقف إسرائيل هجماتها على لبنان لمدة شهرين، يجري خلالهما التفاوض حول هذه النقاط، إلى جانب إقامة “منطقة منزوعة السلاح” بين لبنان وإسرائيل، فيما رفضت إسرائيل مقترح الانسحاب بالتدريج من النقاط الخمس، وعودة السكان اللبنانيين إلى منازلهم.

بالنسبة لحزب الله، فإنه يرفض التخلي عن سلاحه بالكامل، بينما أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، يؤكد مراراً أن الاتفاق ينصّ على أن “الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبنانية هما الجهتان المسلحتان الوحيدتان المصرح لهما بالعمل في جنوب لبنان”.

ووفق “هآرتس”، فإن قاسم يُفسّر أن الاتفاق لا يُلزمه بالتخلي عن سلاحه في الشمال، أو الموافقة على إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب.

وقالت الصحيفة العبرية إن الحكومة اللبنانية تبنت مهمة تتجاوز نص الاتفاق كثيراً، إذ تبنت مبدأ “وحدة السلاح” تحت سيادة الدولة، وهو ما يعني التزامها، ليس فقط بتدمير منشآت تصنيع السلاح التابعة لحزب الله، بل أيضاً جمع سلاحه في جميع أنحاء البلد.

وكان الرئيس عون قد أوضح بصورة صريحة للأمين العام للمجلس القومي للأمن الإيراني علي لاريجاني، أنه لا ينوي التراجع عن هذا المبدأ، وأنه يتوقع من إيران مساعدته في تنفيذه، وحث حزب الله على التعاون مع الحكومة.

التهديد الإسرائيلي

وقالت الصحيفة إن لبنان يُدرك جيداً معنى التهديد الإسرائيلي بتوسيع القتال، كما يدرك تبعات صدام عنيف مع حزب الله

والذي يُمكن أن ينحدر نحو حرب أهلية، لكنها رأت أن السؤال هو ما إذا كانت إسرائيل تدرك تلك التبعات.

وأضافت أنه في حال كانت العمليات الهجومية تهدف إلى تسريع تنفيذ الاتفاق، فهذا يعني أن إسرائيل تؤمن بقدرة الجيش اللبناني على إنجاز المهمة، وأن المطلوب فقط قرار سياسي، وهو قرار تبنته الحكومة فعلاً، ويحظى بدعم الرأي العام.

كما يُثير التهديد الإسرائيلي بتوسيع الحرب تساؤلات بشأن ما إذا كانت إسرائيل قادرة على نزع سلاح حزب الله بنفسها، لكن حروب إسرائيل في لبنان وغزة والضفة أثبتت أن النزع الكامل للسلاح هدف شبه مستحيل من دون اتفاق سياسي، بحسب “هآرتس”.

جمود مع دمشق

بالنسبة لسوريا، فإن الوضع مشابه للبنان، إذ لا تسمح إسرائيل للجيش السوري بالانتشار في جنوب الجولان، بينما تقوم هي هناك بعمليات ضد تنظيمات تسعى للتمركز، فيما المفاوضات حول الترتيبات الأمنية مع دمشق مجمدة، كما دخلت السلطة في سوريا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وكذلك أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أنه سيكون مستعداً للانضمام إلى اتفاقات “أبراهام”، “في الأوضاع المناسبة” التي لم يحددها.

وقالت الصحيفة إن الجيش السوري لايزال ضعيفاً، وإن هناك عشرات الميليشيات لم تنضم إليه بعد، فيما داخل المناطق التي “تُهم” إسرائيل جنوب سوريا، ما زالت تعمل قوى انفصالية كالميليشيات الدرزية والقبائل البدوية المسلحة وفصائل إسلامية متعددة.

وأضافت أن الوجود العسكري الإسرائيلي في الجولان السوري يساعد تلك التنظيمات لأنه يُثير انطباعاً بالاحتلال المباشر، وقد يشجع على اندلاع انتفاضة، وهو مصطلح بدأ يترسخ في الخطاب المحلي في تلك البلدات.

وأكدت “هآرتس” أن مصلحة إسرائيل الحيوية هي السماح للجيش السوري بالانتشار في المنطقة كشريك في منع ترسّخ تلك التنظيمات المعادية، لكن سلطة الشرع تُعتبر في إسرائيل جهة مشبوهة.

وفيما تطالب إسرائيل، سوريا، بالعمل ضد تلك التنظيمات في جنوب الجولان، ونزع السلاح من المنطقة جنوب دمشق، لا تسمح لها في الوقت عينه، بإدخال قوات، ولا تشرح من سيكون مسؤولاً عن مواجهة التنظيمات التي قد تنشأ هناك.

وبينما سيطرة إسرائيل على الأراضي تعطي انطباعاً بوجود “حزام أمني” فعّال، رأت “هآرتس” أنه من الأفضل استخلاص العبر من الأحزمة الأمنية السابقة التي أقامتها إسرائيل في لبنان وغزة.

—————————-

 السويداء بين الولاء والتمرد.. الحرس الوطني يفرض قواعد اللعبة/ وليم الحلبي

الاثنين 2025/12/01

في السويداء، كل حدث يحمل دلالاته الخاصة وكل خطوة تؤثر في بنية المجتمع الداخلية، فالحملة الأمنية الأخيرة التي شنّها ما يُعرف بـ”الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري، لم تكن مجرد سلسلة اعتقالات عابرة، بل جاءت كإعلان عن مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ داخل الطائفة الدرزية، ومحاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي والاجتماعي في محافظة لطالما اعتادت على التوازن بين الطاعة والتمرّد والقدرة على إدارة الشؤون المحلية باستقلالية واضحة عن أي سلطة خارجية.

منذ الإعلان عن الاعتقالات، بدا المشهد مختلفاً وغير مسبوق. رجال دين وناشطون وشخصيات اجتماعية وجدوا أنفسهم داخل دائرة اتهام ثقيلة، مرتبطة بالتواصل مع حكومة دمشق الجديدة، وهو ما فُسّر على أنه محاولة لخلق خرق سياسي داخل المحافظة.

لكن ما بين السطور يُكشف عن أمر أعقد من مجرد تهمة فالقصة تتعلق بتحديد هوية اللاعب المقبول على المسرح المحلي وتثبيت حدود النفوذ داخل المجتمع.

حملة أمنية خاطفة

السبت الماضي، وتحديداً في ساعات الظهيرة، تسربت معلومات عن حملة اعتقالات واسعة شنها الحرس الوطني واستهدف فيها شخصيات دينية كانت منذ فترة وجيزة محسوبة بشكل كامل على الشيخ حكمت الهجري، ومن أبرز هذه الشخصيات الشيخ رائد المتني الذي كان في ما مضى يتحكم بالقرار العسكري للهجري، ويرافقه الشيخ ماهر فلحوط والشيخ مروان رزق. ويعلم أهالي السويداء ثقل هذه الأسماء لدى الشيخ الهجري، لكن مع تشكل ما يعرف بالحرس الوطني، اختفى هؤلاء الأشخاص بشكل كامل عن المشهد وظهر مكانهم قيادات عسكرية جديدة كالشيخ طارق خويص وطارق المغوش إضافة إلى ضباط قدامى في الحرس الجمهوري التابع للنظام السابق، كالعميد جهاد الغوطاني الذي يقود الحرس الوطني اليوم.

حملة الاعتقالات تلك بدأت بسرية تامة، لكن مع انكشافها وخروج شريط مصور لتعذيب وإهانة الشيخ المتني، سارعت غرفة عمليات الحرس الوطني للخروج ببيان توضح فيه أسباب الأعتقال والاتهام الذي لحق بالأسماء التي تم اعتقالها، علماً بأن الحملة لم تكن مجرد إشعارات أو استدعاءات، بل عمليات ميدانية مكتملة الأركان.

أحد الشهود الذين تحدثوا لـ”المدن” عن الحملة، وصف اللحظة التي اعتُقل فيها الشيخ رائد المتني قائلاً: “كنت بالقرب من المنزل عندما بدأ تطويق الحرس الوطني للمنزل بالكامل، بحدود خمسة عشر عنصراً مسلحين دخلوا بسرعة وأخرجوا الشيخ بعد دقائق، في مشهد صادم لم يسبق أن اعتاده أهل السويداء”.

وأضاف الشاهد أن طريقة التعامل مع رجل دين بهذه الصرامة، وانتشار فيديوهات إهانة للشيخ، أثارت غضباً شعبياً، معتبراً أن هذه الطريقة غير مألوفة في البيئة الاجتماعية المحافظة وأنها تجاوزت الأعراف التقليدية التي تحكم التعامل مع رموز الدين.

الهجري يفتح جبهات سياسية متعددة

رغم أن التهمة الرسمية هي التواصل مع الحكومة السورية، إلا أن كثيرين داخل السويداء يشككون بهذه الرواية. فهناك من يعتقد أن الأشخاص الذين جرى اعتقالهم أقرب إلى الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للدروز في فلسطين، والذي يمثل ثقلاً روحياً لا يمكن تجاهله.

ووفق هذا التصور، فإن الحملة ليست عن الاختراق السياسي، بل عن رسم حدود المرجعيات وتسوية الحساب مع كل من يحاول بناء ولاء خارج عباءة الهجري. معنى آخر: الاعتقالات قد تكون موجهة ضد النفوذ الروحي المنافس لا ضد دمشق.

وبعد ساعات من الاعتقالات اتجهت الحملة إلى منزل الشيخ سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي لدى حكومة دمشق، في خطوة رفعت منسوب التوتر أكثر، حيث نشر عبد الباقي فيديو للحظة اقتحام عناصر الحرس الوطني بيته وأعلن نيته الرد، ما جعل المشهد أكثر تعقيداً، إذ أصبح الصراع ليس بين الحرس الوطني والأفراد فقط، بل بين أجهزة أمنية محلية ومرجعيات دينية، وكل طرف يمتلك شبكة علاقات وقدرة على التأثير في الشارع.

صدمة أهالي السويداء

مزاج الشارع كان متأثراً بشكل واضح. فهناك شعور بالصدمة والخوف من أن يتحول الخلاف السياسي والروحي إلى صراع داخلي أوسع. ويشعرالأهالي بأن الاعتقال بهذه الطريقة يمثل كسراً لحرمة رجال الدين، وأن الطريقة التي نُفذت بها الحملة جاءت دون أي توافق أو تشاور مع القوى الاجتماعية في المحافظة، ما أثار موجة من القلق حول إمكانية تعميق الشرخ الداخلي، كما ان انتشار فيديوهات تعرض الشيخ المتني للإهانة ساهم في إشعال شعور بالغليان وعكس حجم الاستياء الشعبي من هذه الخطوة.

يبدو أن السويداء دخلت مرحلة جديدة تختلف تماماً عن ما قبلها، مرحلة يُعاد فيها رسم موازين القوى بين المرجعيات المحلية وشبكات النفوذ، وتُختبر فيها قدرة المجتمع على إدارة خلافاته الداخلية. فالحملة الأخيرة لم تكن مجرد اعتقالات، بل خطوة سياسية كبرى تحمل في طياتها رسائل واضحة لكل من يحاول تحدي سلطة الأمر الواقع التي فرضتها أحداث تموز/يوليو الماضي، وتعيد فتح نقاش حول تعريف الشرعية داخل الطائفة وطبيعة العلاقات بين القوى المختلفة في المحافظة.

المدن

——————–

دمشق وبيروت: هل تريد إسرائيل التفاوض/ عبد الوهاب بدرخان

01 ديسمبر ,2025

دلّت الإدانات العربية الواسعة لإسرائيل بعد التوغّل في بلدة بيت جن في ريف دمشق على استشعار خطر غير عادي، بسبب طبيعة الموقع وسقوط عدد كبير من القتلى من أبناء عائلات البلدة. حصلت وتحصل توغلات يومية في مناطق الجنوب السوري، وبات الإسرائيليون يصفون دخولهم وإقامة حواجز والتحكّم بحركة المواطنين واعتقال عدد منهم بأنها «عمليات اعتيادية». هذه المرّة الثانية التي يأتون فيها لاعتقال أشخاص من بيت جن، الأولى كانت في حزيران (يونيو) الماضي، بذريعة أنهم ربما يفكّرون في «التوغّل البري لمستوطنات الجولان»، وفقًا لشروح قدمها وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى لجنة في الكنيست قبل ساعات من العملية. وفي هذه الجلسة قال إن هناك يمنيين «حوثيين» يستعدون للهجوم على إسرائيل انطلاقًا من سوريا. هذا نموذج للسياسي الكاذب الذي بالكاد يصدّق نفسه، لكن حروب العامين الماضيين أظهرت أن الكذب أحد أسلحة إسرائيل لإضفاء «مشروعية» على جرائمها. والمشكلة في مَن صدّقها ولا يزال يدعمها، ولو بالصمت.

مكمن الخطر في هذه الواقعة أنها أرادت إخضاع بلدة وترمي إلى إخضاع بلد، أو أكثر، بتطبيق قاعدة «عدم السماح لأي جهة بأن توجد قرب الحدود». إنه هاجس «7 أكتوبر» الذي يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون لابتزاز بعضهم بعضًا، ولابتزاز واشنطن وغيرها، فيما هم يتهربون الآن من فتح ملفّه للتحقيق، أو يحاولون للمرّة الأولى في تاريخهم التلاعب المسبق بهذا التحقيق. وأصبح مؤكدًا أن طريقة تعامل الحكم السوري الحالي مع اعتداءاتهم تزعجهم، إذ اعتمد، مرغمًا وليس مخيّرًا، عدم المواجهة العسكرية، وكرّر طوال الشهور الماضية أن سوريا «لا تريد أن تكون تهديدًا لأي دولة».

ربما توقّع الإسرائيليون، أو أرادوا، أن تجنّد دمشق ما يتوفّر لديها من مقاتلين لمحاربتهم، ولو فعلت كما في الساحل والسويداء، لكانوا أنزلوا هزيمة بالحكم الجديد لإسقاطه بُعَيد انتصار، واستطرادًا لمدّ احتلالهم إلى دمشق وأبعد منها. ليس هناك ما يؤكد أنهم تخلّوا عن هذا الهدف، سواء لأن الخلل الكبير في ميزان القوى لا يزال يغريهم، أو لأن سوريا ركن أساسي في «الشرق الأوسط الجديد» الذي وعدوا أنفسهم به، ويرون الآن أن الأمريكيين ينافسونهم عليه.

غداة سقوط النظام السابق، ووسط صمت وتجاهل دوليين، دمّرت إسرائيل أكثر من 80% من القدرات الدفاعية السورية، واحتلت المنطقة العازلة (بموجب اتفاق 1974) ثم توسّعت. لذلك وافقت دمشق على التفاوض عندما توسّط الأمريكيون لرعايته وحددوا له هدفًا هو «اتفاق أمني»، ولم يلحّوا على «التطبيع» لأن سوريا «غير مؤهلة» له حاليًا. اعتقدت دمشق أن التفاوض يمكن أن يدور على مبادئ مثل «عدم الاعتداء» المتبادل، أو «احترام متبادل للسيادة على الأراضي». لكن إسرائيل لم تهتم بمبادئ أسقطتها لتوّها، فما تسعى إليه استثمار لحظة ضعف سوريا لفرض إرادتها بـانتزاع اعتراف سوري بـ«السيادة الإسرائيلية على الجولان» امتدادًا إلى المنطقة العازلة، جعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح ولا سلطة للدولة السورية عليه، وقبول دمشق بأن تكون لإسرائيل علاقة نفوذ مع الدروز في السويداء وكرد «قسد» في الشمال الشرقي…

على الرغم من محاولة واشنطن أن تبدو إيجابية و«حسنة النيّة» تجاه دمشق، واستقبال الرئيس السوري في البيت الأبيض، إلا أن إدارة ترامب لم تسحب تبرير «الضرورات الأمنية» الذي قدّمته إدارة بايدن لتدمير إسرائيل الترسانات السورية، كما أن ترامب ليس في وارد التراجع عن اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، وإذا كان المبعوث توم برّاك يدافع عن وحدة سوريا فإن سكوت رئيسه وإدارته عن محاولات إسرائيل علنًا العبث بهذه الوحدة (عبر مسألة الأقليات) يطرح تساؤلات عن النيات الحقيقية للسياسة الأميركية تجاه سوريا.

إخفاق المفاوضات السورية / الإسرائيلية في التوصّل إلى «اتفاق أمني» للتعامل بكل الضمانات الممكنة مع الوضع الراهن على حدود، لا بدّ أن يكون موضع مراقبة عن كثب من جانب الدولة اللبنانية فيما هي تراهن بقوّة على خيار التفاوض (غير المباشر) مع إسرائيل. فدمشق لم تتردّد حتى في التفاوض المباشر، ولم تكن هناك أي معارضة في سوريا لأيّ تفاوض، ومع ذلك لم تحرز اتفاقًا يمكن أن يريح نسبيًا وضعها الداخلي. وقد لمس المفاوض السوري استحالة الاتفاق لأن إسرائيل تدفعه إلى التخلّي عن النقاط الجديدة التي احتلتها بعد «8 ديسمبر 2024» تاريخ سقوط النظام الأسدي. وبالنسبة إلى لبنان فإن إسرائيل ــ وواشنطن ــ ترجئ أي تفاوض معه إلى ما بعد المواجهة المقبلة، وهو سيواجه الاستحالة ذاتها لأن إسرائيل تريد البقاء في التلال الخمس التي تحتلها، باعتبارها امتدادًا لجبل الشيخ الذي احتلته في الجانب السوري، كما أنها ستسعى إلى فرض «المنطقة العازلة» التي جرفت ما فيها من عمران وأراضٍ زراعية.

*نقلا عن “الوطن”

————————–

جنرال إسرائيلي: لتل أبيب هدفان رئيسيان في سوريا

نشرت صحيفة يسرائيل هيوم مقالا تناول فيه كاتبه الحملة العسكرية الخفية في سوريا التي بدأت بعد سقوط نظام بشار الأسد، مشيرا إلى أن هدفها يتجاوز مجرد “مكافحة الإرهاب”.

فبعد الانهيار المفاجئ للنظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، تحركت الحكومة الإسرائيلية بسرعة وأمرت الجيش بالسيطرة على المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية، يوضح اللواء (احتياط) غيرشون هاكوهين.

وكشف هاكوهين، في مقاله، أن القوات الإسرائيلية تعمل منذ ذلك الحين داخل الأراضي السورية انطلاقا من 10 مواقع متقدمة تمتد من جبل الشيخ إلى جنوب الجولان بالقرب من سفوح نهر اليرموك.

وقال إن القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات عسكرية استخباراتية دقيقة لإحباط ما يسميه “النشاط الإرهابي” في القرى داخل نطاق عملها، بما في ذلك مناطق خارج المنطقة العازلة الرسمية.

وأشار إلى أن وجود القوات الإسرائيلية يواجه عداء واضحا في القرى والبلدات السورية، مثل بيت جن، حيث وقع فجر الجمعة اشتباك مع مسلحين أسفر عن إصابة 6 جنود.

وبحسب وكالات الأنباء، فقد أسفر الهجوم الإسرائيلي عن مقتل 20 شخصا وإصابة 24 آخرين.

مما يعكس -برأي الكاتب- تحولا جذريا في بيئة المنطقة مقارنة بفترة ما بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، حين كانت القرى غير مسلحة ولم تشكل بيئة خصبة للشبكات المناهضة لإسرائيل.

ووصف هاكوهين الوضع الحالي في جميع أنحاء سوريا بأنه مختلف تماما. فخلال الحرب السورية غمرت الأسلحة من جميع الأنواع، وليس الأسلحة الخفيفة فحسب، القرى والبلدات، حتى أصبح احتكار القوة المسلحة خارج سيطرة الحكومة الرسمية، مما خلق بيئة غير مستقرة ومعقدة.

وأوضح أن النشاط العسكري الإسرائيلي داخل سوريا يخدم هدفين رئيسيين، أحدهما مباشر والثاني إستراتيجي. فالمباشر يرمي إلى منع “التهديدات والفوضى” من الوصول إلى الحدود الإسرائيلية.

أما الإستراتيجي، فيهدف -وفقا للكاتب-، إلى التأثير على تشكيل الاتجاهات طويلة الأمد في سوريا والتي لها تداعيات طويلة الأمد على المصالح الإستراتيجية لإسرائيل، وذلك قبل أن تبرد ما يشبهها “بتدفقات الحمم البركانية” هذه وتتصلب لتصبح واقعا جديدا دائما، وهو ما يتجاوز عمليات “مكافحة الإرهاب” المباشرة.

ويشير الكاتب إلى أن سوريا أصبحت ساحة للصراع على النفوذ العالمي، وأن الوجود المستمر للجيش الإسرائيلي في المنطقة يحمل أهمية إستراتيجية مرتبطة بمفهوم “الدفاع النشط” الذي يركز على العمليات الاستباقية خارج الحدود.

المصدر: يسرائيل هيوم

——————-

 طائرات الاحتلال الإسرائيلي تواصل تحليقها فوق بيت جن وتدفع الأهالي إلى النزوح

2025.11.30

تشهد بلدة بيت جن بريف دمشق الجنوبي، حركة نزوح جديدة من جراء مواصلة مروحيات الاحتلال الإسرائيلي تحليقها في سماء البلدة، وتحرّك آليات عسكرية إسرائيلية في محيطها.

وأفاد مراسل تلفزيون سوريا بحركة نزوح بعض العائلات من بيت جن، مساء أمس السبت، بعد سماع أصوات آليات عسكرية قرب البلدة وتحليق مكثّف لطائرات مروحية تابعة للاحتلال.

وأوضح المراسل أن الآليات انطلقت من مواقع لجيش الاحتلال في منطقة “التلول الحمر”، باتجاه المزارع والحقول القريبة من بيت جن، ما دفع ببعض العائلات للنزوح إلى قرية “مزرعة بيت جن” تخوفاً من تصعيد عسكري إسرائيلي جديد.

 مجزرة إسرائيلية في بلدة بيت جن

وفجر يوم الجمعة الفائت، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة راح ضحيتها 13 شهيداً ونحو 25 مصاباً في بلدة بيت جن الواقعة على سفوح جبل الشيخ بريف دمشق.

وأفاد مراسل تلفزيون سوريا بأن مروحيات جيش الاحتلال ومدفعيته قصفت بيت جن وجاء القصف بعد اشتباكات بين الأهالي ودورية لجيش الاحتلال الإسرائيلي توغلت داخل البلدة واعتقلت 3 شبان، قبل أن تنسحب منها وتتمركز في تلة باط الوردة على أطراف البلدة.

وكشفت “القناة 13” الإسرائيلية أن جيش الاحتلال يدرس اعتماد استراتيجية “الاغتيالات الجوية” لمواجهة ما وصفها بـ “التهديدات الأمنية” في سوريا، وذلك عقب إصابة 6 من جنوده في اشتباكات بلدة بيت جن.

إصلاح أضرار العدوان

ومنذ صباح أمس السبت، باشرت الفرق المختصة إصلاح الأضرار التي لحقت بمنازل المدنيين والبنى التحتية في بيت جن، وذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تحليقاً مكثفاً لطائرات الاحتلال.

وقال مراسل تلفزيون سوريا إن ورشات الكهرباء والمياه دخلت إلى البلدة لإعادة ترميم ما خلفته عمليات التوغل والقصف الإسرائيلي من أضرار في البنى التحتية في بيت جن.

وأضاف أن الأهالي بدؤوا حملة تنظيف لإزالة آثار الدمار الناتج عن عدوان الاحتلال على بلدتهم، وسط تكاتف الجهود لإعادة الحياة إلى طبيعتها، لافتاً إلى أن هذه الجهود تأتي وسط استمرار تحليق طائرات الاحتلال الإسرائيلية في سماء البلدة، حيث يستمر ذلك لليوم الثاني على التوالي.

———————

 ميليشيا “الحرس الوطني” تشن حملة اعتقالات وتدهم منزل قائد أمن السويداء

2025.11.30

شنّت ميليشيا “الحرس الوطني” التابعة للشيخ حكمت الهجري في السويداء، حملة أمنية اعتقلت فيها عدداً من المواطنين ودهمت منزل قائد أمن المدينة سليمان عبد الباقي، وسط انتشار واسع لعناصرها داخل السويداء وعلى الطرقات الرئيسية.

وذكرت مصادر محلية

أن “الحرس الوطني” شنّ حملة أمنية واسعة، اليوم السبت، اعتقل خلالها ما لا يقل عن 10 أشخاص عرف منهم الشيخان رائد المتني ومروان رزق، وعاصم وغاندي فخر الدين، إضافة إلى سليمان وعلم الدين زيدان.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي، تسجيلاً مصوراً يظهر تعرض الشيخ المتني للإهانة والضرب في أثناء اعتقاله من قبل عناصر “الحرس”، ما أثار حالة من الغضب والاستهجان في الشارع السوري.

وخلال الحملة أيضاً، اقتحمت ميليشيا “الحرس” مساء السبت، منزل أسرة مدير الأمن الداخلي في مدينة السويداء سليمان عبد الباقي، وفق تسجيل مصوّر بثه عبد الباقي عبر حسابه على فيس بوك، يظهر لحظة اقتحام المنزل وبداخله نساء وأطفال.

وبحسب المصادر، فإن الحملة تُعدّ الأولى من نوعها في السويداء منذ إعلان تشكيل “الحرس الوطني” الذي أصدر بدوره بياناً، زعم فيه أن حملة الاعتقالات ترتبط بما وصفها “مؤامرة دنيئة وخيانة عظمى تورّطت فيها مجموعة من المتخاذلين والعملاء”.

وادعت الميليشيا في بيانها أن المعتقلين كانوا على تواصل مع الحكومة السورية و”بعض الأطراف الخارجية بهدف تنفيذ خرق أمني داخلي خطير يمهّد لهجوم بربري” على السويداء، على حد وصفها.

استياء من “الحرس الوطني” في السويداء

وخلال اليومين الماضيين، شهدت مدينة السويداء حالة توتر متزايدة بعد سلسلة حوادث أمنية أثارت استياء الأهالي، وسط اتهامات مباشرة لعناصر ميليشيا “الحرس الوطني” بالتواطؤ.

وقالت مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا، إن ثلاثة مسلحين مجهولين أقدموا قبل يومين على تنفيذ عملية سلب بالقوة استهدفت مدنياً حيث تمّت سرقة سيارة تويوتا دبل كابين إلى جانب مبلغ مالي يُقدّر بـ 2000 دولار أميركي، وذلك تحت تهديد السلاح وفي وضح النهار.

وأضافت المصادر أن هذه الحادثة هي الثانية من نوعها، إذ شهدت منطقة ظهر الجبل شرقي المدينة، محاولة سلب ثانية تعرّض خلالها شاب لمحاولة اعتراض من قبل مسلحين مجهولين أطلقوا النار على سيارته ما أدى إلى تلفها، قبل أن يتمكن من الإفلات منهم دون إصابات.

الأهالي عبّروا عن غضب واسع، معتبرين أن انتشار ميليشيا الحرس الوطني في محيط المنطقة لم يسهم في ضبط الأمن، بينما ذهب بعض السكان لاتهام عناصره بالتساهل أو التواطؤ، خاصة أن الحوادث تقع في نطاق انتشارهم من دون أي تدخل فعلي.

ويؤكد سكان ظهر الجبل أن الفراغ الأمني يتسع يوماً بعد يوم، في حين تتزايد اعتداءات العصابات التي تستغل غياب المحاسبة، ما يهدد بتوتر أكبر قد يدفع الأهالي إلى اتخاذ إجراءات ذاتية للدفاع عن ممتلكاتهم.

—————————

مدير الأمن الداخلي في السويداء، سليمان عبد الباقي يكشف تفاصيل اقتحام منزله بالسويداء ويتوعد بمحاسبة المعتدين

2025.11.30

كشف مدير الأمن الداخلي في السويداء، سليمان عبد الباقي، عن تفاصيل اقتحام منزله في مدينة السويداء أمس السبت من قبل مجموعة مسلحين.

وأكد عبد الباقي وقوع اعتداء واسع من قبل مسلحين يتبعون ميليشيا “الحرس الوطني” التابعة للشيخ حكمت الهجري، شمل نهب محتويات المنزل الذي يقطنه نساء وأطفال، وإتلاف بعض الممتلكات قبل الفرار.

وأضاف عبد الباقي على حسابه في منصة “فيسبوك”، أن المسلحين خطفوا زوج شقيقته، الشاب راغب غيث، واعتدوا عليه بالضرب، وسرقوا مجوهراته، كما حاولوا التغطية على جرائمهم عبر الاستيلاء على أجهزة تسجيل المراقبة لمنع كشف هويتهم.

فلتان أمني في مدينة السويداء

وأشار إلى أن السويداء أصبحت تشهد حالات متكررة من الخطف والسرقة وتعاطي المخدرات، وأن هذه “العصابات” لا تتوقف عن استخدام الأسلحة في الشوارع وإرهاب المدنيين، مستعرضة سلوكها العدواني دون رادع، وفقاً لتصريحاته.

وأكد عبد الباقي أن جميع خطواته تهدف إلى حماية المدنيين، وأنه قادر على الحسم ميدانياً إذا اقتضت الضرورة، لكنه شدد على أن رسالته تتكرر باستمرار للكشف عن الخونة والمجرمين ومحاسبتهم ومواجهتهم قانونياً، مؤكداً أن هذه العمليات لن تمر دون محاسبة قريبة.

وختم عبد الباقي بالتأكيد على أن صبر العائلة قد اختُبر، وأن الأيام المقبلة ستشهد استعادة الأمن والأمان في المدينة، مع اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه المعتدين والمخالفين.

اعتقالات في السويداء

وشنّت ميليشيا “الحرس الوطني” حملة أمنية اعتقلت فيها عدداً من المواطنين وسط انتشار واسع لعناصرها داخل السويداء وعلى الطرقات الرئيسية.

وذكرت مصادر محلية أن “الحرس الوطني” شنّ حملة أمنية واسعة، اعتقل خلالها ما لا يقل عن 10 أشخاص، عرف منهم الشيخان رائد المتني ومروان رزق، وعاصم وغاندي فخر الدين، إضافة إلى سليمان وعلم الدين زيدان.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي تسجيلًا مصوراً يظهر تعرض الشيخ المتني للإهانة والضرب أثناء اعتقاله من قبل عناصر “الحرس”، ما أثار حالة من الغضب والاستهجان في الشارع السوري.

“الحرس الوطني” يدّعي إحباط “مؤامرة أمنية” في السويداء

أصدرت ميليشيا “الحرس الوطني” بياناً زعمت فيه أنها أحبطت ما وصفتها بـ”مؤامرة أمنية خطيرة” في السويداء.

ووفقًا للبيان، فإن المجموعة المزعومة تورّطت بالتنسيق مع جهات في دمشق وبعض الأطراف الخارجية، بهدف تنفيذ خرق أمني داخلي يستهدف أهالي المنطقة، بما في ذلك النساء والأطفال، مقابل “حفنة من الأموال الملوثة بالخيانة”، على حد تعبير البيان.

وأضاف البيان أن هذه المؤامرة تمثل “طعنة في خاصرة السويداء” و”محاولة لضرب صمود أهله وإرادتهم الحرة”.

وادعى البيان أن قوات “الحرس” تمكنت من تحديد جميع المتورطين والمشتبه بهم، ونفذت عملية وصفها بـ”الدقيقة والحاسمة”، أسفرت بحسبه عن إلقاء القبض على ما سماهم “الخونة والمتآمرون” وتسليمهم إلى ما وصفه بـ”القضاء المختص”.

وبحسب البيان فإن هذه العملية تشكل “رسالة لكل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الجبل أو التآمر على أهله”، مضيفاً أن الميليشيا ستقطع “اليد التي تمتد بالخيانة” ولن تسمح لأي “مؤامرة أن تنال من عزيمة رجالها أو كرامة أهالي جبل باشان”.

استياء من “الحرس الوطني” في السويداء

وخلال اليومين الماضيين، شهدت مدينة السويداء حالة توتر متزايدة بعد سلسلة حوادث أمنية أثارت استياء الأهالي، وسط اتهامات مباشرة لعناصر ميليشيا “الحرس الوطني” بالتواطؤ.

وقالت مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا، إن ثلاثة مسلحين مجهولين أقدموا قبل يومين على تنفيذ عملية سلب بالقوة استهدفت مدنياً، حيث تمّت سرقة سيارة تويوتا دبل كابين إلى جانب مبلغ مالي يُقدّر بـ 2000 دولار أميركي، وذلك تحت تهديد السلاح وفي وضح النهار.

وأضافت المصادر أن هذه الحادثة هي الثانية من نوعها، إذ شهدت منطقة ظهر الجبل شرقي المدينة محاولة سلب ثانية، تعرّض خلالها شاب لمحاولة اعتراض من قبل مسلحين مجهولين أطلقوا النار على سيارته ما أدى إلى تلفها، قبل أن يتمكن من الإفلات منهم دون إصابات.

———————

السويداء: «الحرس الوطني» ينفذ اعتقالات… والمرجع الديني الدرزي في إسرائيل يحذر من «انقسام داخلي»

هبة محمد

شنّ «الحرس الوطني» التابع لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري في السويداء جنوبي سوريا، حملة أمنية واسعة، اعتقل خلالها أكثر من خمسة مواطنين وتم دهم منزل مدير الأمن الداخلي في المدينة سليمان عبد الباقي، متحدثا عن إحباط «مؤامرة» تورّطت فيها مجموعة من «المتخاذلين» بالتنسيق مع دمشق.

وحسب مصادر محلية فإن «الحرس الوطني» شنّ حملة دهم واسعة اعتقل خلالها ما لا يقل عن 5 أشخاص، عرف منهم الشيخ رائد المتني ومروان رزق، وعاصم وغاندي فخر الدين، إضافة إلى سليمان وعلم الدين زيدان.

بينما تداول ناشطون ورواد وسائل التواصل الاجتماعي مقطعا مرئيا يظهر تعرض الشيخ المتني للإهانة والضرب أثناء اعتقاله من قبل مسلحين، ما أثار موجة من الغضب بين السوريين.

مدير الأمن الداخلي في السويداء، سليمان عبد الباقي، أوضح في تصريح خاص لـ «القدس العربي» أن عصابات الخطف والسرقة والمخدرات وفلول النظام هي الجهة المتحكمة بقرار المحافظة، بدعم مباشر من شيخ العقل حكمت الهجري.

كما أوضح أنّ الجهات الرسمية حاولت، قبل الحملة الأخيرة، معالجة الوضع في السويداء بكل الطرق لضمان سير عمل مؤسسات الدولة وفرض القانون وتحقيق العدل، إلا أن العصابات الخارجة عن القانون بقيادة الهجري ترفض أي وجود للدولة وتسعى لترسيخ نفوذها عبر شبكات الخطف والسرقة والمخدرات للسيطرة على مصير الأهالي.

وأضاف أن الدولة قادرة على دخول المحافظة لكنها تفضّل تجنّب إراقة دماء المدنيين، مشيرا إلى أن «الدولة تعمل على احتواء التصعيد رغم القدرة على دخول السويداء». وأضاف: «سندخلها قريبا إذا توقفت الخيارات السلمية».

وأشار إلى وجود تواصل مع «الشرفاء داخل المحافظة الذين يعملون على تقليص نفوذ الهجري المدعوم من عصابات الخطف والمخدرات» مؤكدا على وجود «خطوات ومحاولات تُبحث بعيدا عن الصراع والدماء، غير أن الخيارات النهائية ستقود إلى دخول الدولة وأجهزتها إلى المدينة».

وكان عبد الباقي قد كشف عن تفاصيل اقتحام منزله في المدينة مساء السبت، موضحا عبر صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك» أن مجموعة مسلحة تتبع لـ «الحرس الوطني» نفذت الهجوم، في حادثة وصفها بأنها اعتداء واسع استهدف منزلا يقيم فيه نساء وأطفال.

وأوضح أن المسلحين نهبوا محتويات المنزل وأتلفوا بعض الممتلكات قبل أن ينسحبوا، لافتا إلى أنهم اختطفوا زوج شقيقته، الشاب راغب غيث، واعتدوا عليه بالضرب وسرقوا مجوهراته.

وأضاف أن المهاجمين حاولوا التغطية على فعلتهم عبر الاستيلاء على أجهزة تسجيل المراقبة بهدف منع التعرف على هوياتهم.

وأشار في منشوره إلى أن السويداء باتت في الفترة الأخيرة تشهد تصاعدا في عمليات الخطف والسرقة وتعاطي المخدرات، موضحا أن هذه «العصابات» لا تتردد في استخدام الأسلحة داخل الشوارع لإرهاب المدنيين، فيما تواصل فرض سلوكها العدواني من دون رادع، وفق تعبيره. وشدد على أن جميع الخطوات التي يتخذها تهدف إلى حماية المدنيين واستعادة الأمن، مؤكدا في الوقت نفسه قدرته على الحسم ميدانيا عند الضرورة. لكنه أوضح أن الأولوية بالنسبة له هي مواجهة المعتدين ضمن إطار قانوني، وكشف «الخونة والمجرمين» ومحاسبتهم، مشيرا إلى أن هذه الاعتداءات «لن تمر من دون محاسبة قريبة».

وختم بالقول إن صبر العائلة بلغ حدّه بعد الاعتداء الأخير، متوقعا أن تشهد الأيام المقبلة إجراءات حاسمة لإعادة الاستقرار إلى المدينة ووضع حدّ للتجاوزات والمخالفات.

في حين قال مسؤول شبكة أخبار «السويداء 24 « ريان معروف لـ «القدس العربي» إن مدينة السويداء شهدت السبت حملة أمنية نفذها الحرس الوطني، تضمنت حملة اعتقالات طالت ما لا يقل عن خمسة أشخاص، وسط انتشار أمني واسع على الطرقات الرئيسية وفي المدينة.

وأكد المتحدث اعتقال كل من «رائد المتني وعاصم أبو فخر» بينما «انتشرت مقاطع فيديو مهينة سجّلتها العناصر الذين اعتقلوا المتني، أقدموا فيها على ضربه وإهانته، في مشاهد أثارت استياءً واسعاً في الأوساط المحلية».

وفي ساعات المساء استمرت الاعتقالات وطالت عدة أشخاص من بينهم ماهر فلحوط أحد المقربين من المتني، الذي بادر إلى تسليم نفسه بعد مداهمة منزله في بلدة عتيل.

وشملت المداهمات أيضاً منازل أشخاص قالت مصادر محسوبة على الحرس الوطني إن لديهم ارتباطات أمنية مع الحكومة السورية في دمشق، فيما لم تُعرف الحصيلة النهائية لحملة الاعتقالات.

ويعرف المتني حسب المصدر، بأنه أحد المسؤولين عن فصيل المجلس العسكري الذي تشكل عقب سقوط النظام العام الماضي وتلاشى دوره خلال الأشهر الماضية.

في المقابل أصدر» الحرس الوطني» بيانا رسميا أشار إلى «معلومات مؤكدة وموثوقة تكشف عن مؤامرة دنيئة وخيانة عظمى، تورّطت فيها مجموعة من المتخاذلين والعملاء الذين باعوا ضمائرهم ورهنوا شرفهم، بالتنسيق مع حكومة الإرهاب في دمشق وبعض الأطراف الخارجية».

واعتبر أن هذه «المؤامرة» كانت تهدف إلى «تنفيذ خرق أمني داخلي خطير يمهّد لهجوم بربري يستهدف أعراضنا ونساءنا وأطفالنا وأرضنا الطاهرة، مقابل حفنة من الأموال الملوثة بالخيانة».

كما ذكر البيان أنه «تم كشف خيوط المؤامرة كاملة، وتحديد المتورطين والمشتبه بهم» مشيراً إلى تنفيذ «عملية دقيقة وسريعة وحاسمة» أسفرت عن إلقاء القبض على من وصفهم البيان بالخونة والمتآمرين و«تسليمهم إلى القضاء المختص».

واستدعت هذه الأحداث موقفا من الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في فلسطين موفق طريف إذ حذّر مما سمّاه الانقسام الداخلي في السويداء، واعتبر أن ذلك سيلحق مزيدا من الخسائر بالطائفة.

————————

 تقرير عبري: إسرائيل تعيد رسم خريطة النفوذ في سوريا

الأحد 2025/11/30

قالت صحيفة “إسرائيل هيوم” إن الوجود الخفي للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية لم يعد مقتصراً على ملاحقة التهديدات المباشرة، بل بات عاملاً مؤثراً في تشكيل الاتجاهات داخل سوريا، وهي اتجاهات تنعكس – بحسب الصحيفة – على مصالح إسرائيل الاستراتيجية بعيدة المدى.

سيطرة مبكرة بعد سقوط الأسد

وبحسب الصحيفة، فإنه بعد سقوط نظام الأسد سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى قراءة المشهد السوري بدقة، وأصدرت أوامر عاجلة للجيش بالسيطرة على المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، استعداداً لمرحلة جديدة من التحولات.

ومنذ ذلك الحين، يعمل الجيش الإسرائيلي داخل سوريا انطلاقاً من نحو عشر نقاط استيطانية تمتد من جبل الشيخ حتى جنوب الجولان قرب سفوح اليرموك، في إطار نشاط عسكري لم يعد استثنائياً بل أصبح روتينياً خلال العام الماضي.

وذكرت الصحيفة أن القوات الإسرائيلية أحبطت خلال العام الماضي خلايا تابعة لـ”حماس”، وأخرى من تنظيم “داعش”، إلى جانب خلايا موجّهة إيرانياً، معتبرة أن هذه العمليات لا تحمي الجبهة الشمالية فقط، بل تشارك في رسم ملامح المرحلة السورية المقبلة.

وتعمل القوات على تنفيذ مداهمات استخباراتية لإحباط النشاط في القرى الواقعة ضمن نطاق عملياتها، بما يشمل مناطق تقع خارج المنطقة العازلة.

بيت جن… الاشتباك المتوقع

ولم يكن الهجوم الأخير في قرية بيت جن مفاجئاً، وفق الصحيفة. فالقرية، الواقعة في وادٍ ضيق على سفوح جبل الشيخ، تُعد من المناطق الحساسة التي شهدت اشتباكات سابقة، وقد أسفر حادث الجمعة عن إصابة ستة جنود إسرائيليين خلال تبادل إطلاق النار مع مسلحين محليين.

وتشير الصحيفة إلى أن سكان بيت جن ومزرعة بيت جن المجاورة – ويبلغ عددهم نحو 20 ألف مسلم سني – كانوا من مؤيدي نظام الأسد خلال سنوات الحرب، ما يجعل المنطقة أكثر تعقيداً من منظور أمني.

تحولات ما بعد الحرب

وترى “إسرائيل هيوم” أن سوريا اليوم تعيش حالة “تحول متدفق خارج السيطرة”، بعد انهيار الجيش السوري وتوزع السلاح بكثافة في القرى والبلدات، ولم يعد امتلاك القوة المسلحة حكراً على الحكومة.

وتشبه الصحيفة التحولات السورية الحالية بـ”تيارات الحمم المنصهرة خلال ثوران بركاني”، مشيرة إلى أن مهمة إسرائيل مزدوجة تتمحور في منع تدفق هذه التيارات نحو الجولان، والتأثير على الاتجاهات المتشكّلة داخل سوريا قبل أن تتصلب وتتحول إلى واقع دائم.

تجاوز مكافحة الإرهاب

وتعتبر الصحيفة أن الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا يتجاوز مكافحة الإرهاب، فالدولة السورية – بعد تفكك السلطة المركزية – أصبحت ساحة صراع نفوذ عالمي، حيث يبرز الدور التركي بشكل متصاعد، ما يدفع إسرائيل إلى تعزيز حضورها شرق الجولان.

كما يشمل الدور الإسرائيلي، وفق المصدر العبري، تقديم مساعدات إنسانية للسكان المحليين، بهدف خلق بيئة أكثر قابلية للتعاون، وضمان استمرار النفوذ الإسرائيلي في المناطق الحدودية.

جذور العقيدة القتالية

وتعيد الصحيفة المفهوم العملياتي الإسرائيلي الحالي إلى التكتيكات التي طورتها “فرق الليل الخاصة” عام 1938 خلال فترة الانتداب البريطاني، والتي اعتمدت على العمليات الاستباقية خارج الأسوار، التوغل في عمق القرى العربية، وفرض ما يُعرف بـ “الدفاع النشط”.

وترى إسرائيل هيوم أن هذا المفهوم هو الذي يقود اليوم عمليات الجيش في سوريا، حيث تسعى تل أبيب إلى إبقاء الجبهة الشمالية تحت عينها المباشرة، وتشكيل الواقع الأمني والسياسي في المدى الطويل قبل أن يستقر على صيغة قد لا تخدم مصالحها.

——————

===================

تحديث 29 تشرين الثاني 2025

—————————

الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد: المقاربات الدولية وإعادة تشكيل السيادة والأمن المحلي/ نوار شعبان

نشر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر ,2025

مقدمة

يشهد الجنوب السوري، في مرحلة ما بعد سقوط النظام أواخر عام 2024، عملية إعادة تموضع داخل المشهد السياسي والأمني لسورية الجديدة، إذ أدّى الفراغ الذي نتج عن انهيار الهياكل السلطوية القديمة إلى جعل هذه الجغرافيا نقطة اختبار مبكرة، لمدى قدرة الحكومة الانتقالية على بسط سيادتها الفعلية. ومع بدء المشروع المؤسسي لإعادة بناء الدولة، برز الجنوب السوري، ولا سيّما محافظتَي القنيطرة والسويداء، بوصفه مجالًا تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الإقليمي مع مساعي القوى الدولية لإعادة توزيع النفوذ وصياغة ترتيبات تتجاوز ما استقرّ عليه اتفاق فك الاشتباك الموقّع عام 1974. وفي هذا السياق، لم تعد التحركات الخارجية في الجنوب مجرّد زيارات رمزية، بل تحوّلت إلى أدوات فعّالة داخل سباق متسارع لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، قبل نضوج ترتيبات أوسع بين الحكومة الانتقالية والفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين، حول شكل إدارة الجنوب ومستوى الضمانات الأمنية وحدود التدخل الخارجي.

يأتي هذا التقييم في لحظة مفصلية من مسار التحوّل السوري، حيث يشهد الجنوب حالة تراكب نادرة بين تحولات السلطة في الداخل، وإعادة هندسة الخرائط الأمنية من الخارج. فمنذ سقوط النظام القديم لم يعد الجنوب مجرّد هامش جغرافي بعيد عن مركز القرار، بل تحوّل إلى مجال اختبار رئيسي لمعادلات السيادة الجديدة في الدولة السورية، وإلى ساحة تتقاطع فيها مقاربات أربع لقوى دولية وإقليمية فاعلة، هي روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل. وفي هذا السياق، لم تعد التحركات العسكرية والدبلوماسية والإغاثية في الجنوب السوري مجرد وقائع متفرقة، بل باتت حلقات متداخلة ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف وظيفة الجنوب وحدود دوره في منظومة الأمن الإقليمي.

تستند هذه الورقة إلى مقاربة ترصد مشهد التحركات الدولية، بوصفه مشهدًا مركبًا من مسارات متوازية ومتعارضة في آن واحد، فالجولة الروسية في محيط القنيطرة تعبّر عن محاولةٍ لتثبيت إرث عسكري قديم داخل جغرافيا سياسية جديدة، في حين يعكس الحضور الأميركي المتجدد في دمشق توجّهًا نحو ربط تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار، بتعديل قواعد الأمن الحدودي مع إسرائيل. في الوقت ذاته، تعمل تركيا على توسيع حضورها المدني في القنيطرة، عبر الأذرع الإغاثية، ضمن استراتيجية ناعمة لبناء نفوذ مجتمعي طويل الأمد، في حين تسعى إسرائيل إلى تكريس واقع ميداني جديد في الجولان والمنطقة العازلة يرسّخ مفهوم الهندسة الأمنية للحدود، ويحوّل الجنوب إلى نطاق أمني خاص محكوم باعتبارات الاحتلال أكثر مما هو خاضع لاعتبارات الدولة السورية.

ولا يمكن فهم هذه التحركات بعيدًا عن المشهد الداخلي المتحوّل في الجنوب، حيث تتشكّل سلطات محلية، وتتقاطع مطالب الفاعلين الاجتماعيين مع حسابات القوى الخارجية الساعية إلى استثمار الفراغات الأمنية والإدارية. من هنا، لا يكتفي هذا التقييم بوصف التحركات الدولية في بعدها الظرفي، بل يسعى إلى تحليل ما تكشفه من تحولات أعمق في مفهوم السيادة في الدولة الانتقالية، وقراءة كيفية إعادة تشكيل السلطة المحلية في الجنوب، واستشراف مآلات الوجود الدولي في هذه المنطقة الحساسة. وترتكز الورقة على ثلاثة محاور مترابطة: رصد المقاربات الدولية الأربع المتنافسة على الجنوب، تحليل أثر هذه المقاربات في بنية السيادة ووحدة الإقليم، ثم تفكيك المشهد الداخلي بما يحمله من ديناميات تفاوض وضغط ومقاومة، وصولًا إلى بلورة استنتاجات وتوصيات عملية.

أولًا: مشهد التحركات الدولية – أربع مقاربات متنافسة على جنوب واحد

المقاربة الروسية: تثبيت الإرث القديم داخل جغرافيا جديدة

شهد السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 حدثًا لافتًا، تمثّل في إجراء جولة ميدانية مشتركة لوفد عسكري روسي-سوري في محيط القنيطرة[1]. جاءت الجولة مفاجئة، وأضفى ذلك عليها طابعًا استكشافيًا أقرب إلى إعادة تقييم جغرافي-عسكري لمواقع كانت قد تمركزت فيها روسيا في عهد النظام السابق. وشملت الجولة الوقوف في محيط تل النصرية الذي شكّل قاعدة روسية مهمة، في سنوات ما قبل سقوط نظام الأسد، وزيارة منطقة حيران التي كانت مقرًا لضباط روس خلال مرحلة العمليات المشتركة. وامتدّت الجولة أيضًا إلى ثكنة صافر في تل الأحمر، إضافة إلى مراقبة تلال الزنيري وتل الجموع المطلة مباشرة على خطوط التماس مع الاحتلال الإسرائيلي[2].

ويعكس هذا النشاط الروسي محاولات موسكو الاستمرار في الانخراط في ملفات الجنوب، رغم التحولات العميقة التي طرأت على السلطة في دمشق. فالمواقع التي شملتها الجولة ليست مجرد نقاط انتشار سابقة، بل تمثّل عقدًا استراتيجية ترتبط بمصادر المياه، وشبكات السيطرة القريبة من الحدود، ومواقع الإشراف على الحوض الجغرافي الممتد حتى خط وقف إطلاق النار. ويشير اختيار هذه النقاط تحديدًا إلى رغبة روسيا في إعادة رسم صورة الحضور العسكري في الجنوب، وتحديد ما يجب تثبيته أو إعادة هندسته ضمن ترتيبات ما بعد الأسد.

وتشير هذه الجولة إلى أنّ موسكو ما تزال ترى في الجنوب السوري ملفًّا ذا أهمية إستراتيجية، من دون أن تنفرد بإدارته أو تعتبره مجالًا حصريًا لها، إذ أسهم تزايد التقاطعات الدولية في هذه الجغرافيا في إعادة تنشيط اهتمامها بالمنطقة. وكانت روسيا قد دفعت باتجاه صياغة “نظام أمني”، يقوم على ضبط التوازنات جنوب سورية، ومنحها ذلك مجالًا تفاوضيًا ضمِن لها استمرار دورها كوسيط أساسي في الترتيبات الحدودية والتفاهمات العسكرية في الجنوب السوري، إبّان عهد النظام السابق. وتأتي الجولة الحالية لتؤكد سعيها للمحافظة على هذا الدور في لحظة انتقال سياسي معقدة، ويميل هذا التحرّك إلى إظهار رغبة روسيا في منع تشكّل فراغ أمني، يمكن أن تستثمره إسرائيل التي وسّعت تدخلها العسكري بعد سقوط النظام، أو الولايات المتحدة التي كثّفت من حضورها الدبلوماسي والأمني في الجنوب. ومن خلال إعادة تفعيل قنوات التنسيق مع الجانب السوري الجديد، تسعى موسكو إلى تثبيت موقعها في المعادلة الأمنية المقبلة، بغية الحفاظ على الحدّ الأدنى من مصالحها الاستراتيجية، وعلى قدرتها على التأثير في مخرجات أي تسوية محتملة تخصّ الحدود، والمياه، وانتشار قوى الفصل الدولية.

التحرك الأميركي في دمشق: نحو مقاربة أمنية واقتصادية جديدة

شهد منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 وصول وفد أميركي رفيع من الكونغرس إلى دمشق، في زيارة حملت طابعًا تفاوضيًا واضحًا، إذ ركّزت الزيارة على الملفات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بمرحلة ما بعد سقوط النظام. وقد ضم الوفد أعضاء من لجان برلمانية معنية بالسياسة الخارجية والأمن القومي، الأمر الذي يعكس حجم الاهتمام المؤسسي في واشنطن بمسار إعادة هيكلة الدولة السورية وتحديد موقعها داخل منظومة الترتيبات الإقليمية الجديدة. وتناولت الاجتماعات مع القيادة السورية الانتقالية عددًا من المحاور الحساسة، أبرزها آليات التعامل مع العقوبات الأميركية، وخاصة قانون قيصر، وتأثيراته المباشرة على البنية الاقتصادية الناشئة وعلى القدرة الحكومية على ضبط الأمن الداخلي[3].

يتّضح من طبيعة الملفات المطروحة أن واشنطن تتحرك باتجاه إدماج دمشق ضمن مبادرات التهدئة الإقليمية، في سياق يتشابك فيه الأمن الحدودي مع إسرائيل مع مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة[4]. وتراهن الإدارة الأميركية على ربط أي تخفيف للعقوبات بجملة من الالتزامات الأمنية والسياسية، ومن ضمن ذلك ضبط الحدود الجنوبية، والتعامل مع التحديات المتصلة بانتشار السلاح، وتثبيت استقرار محافظات الجنوب. ويبدو أن تعليق أجزاء من عقوبات قيصر خلال الفترة الأخيرة يرتبط مباشرة بتقييم واشنطن لمدى استعداد الحكومة الانتقالية لتنفيذ خطوات إصلاحية، تتيح تحريك الاقتصاد وتسهيل عمل مؤسسات الدولة من دون الإخلال بالمسار الأمني الجاري رسمه.

وتتزامن هذه المقاربة مع سياسة أميركية أوسع، تقوم على إعادة إدراج سورية ضمن شبكات التطبيع الإقليمي، في إطار مقايضات متعددة المستويات تشمل ملفات تتجاوز الساحة السورية نفسها. وتتبلور هذه السياسة في مقاربة ترتبط بإعادة صياغة التحالفات في شرقي المتوسط وإعادة تشكيل منطلقات العلاقة بين تل أبيب وأنقرة، وربط ذلك بمسار أمني مزمع في الجنوب السوري، يقوم على إعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك المؤطر عام 1974 بصيغة معدّلة تتناسب مع الظروف الجديدة. وفي هذا السياق، تحمل الزيارة الأميركية إلى دمشق رسالة واضحة، مفادها أن الانخراط السوري في ترتيبات أمنية جديدة مع إسرائيل سيُواجَه بخطوات اقتصادية مشجّعة، من قبيل التخفيف التدريجي للعقوبات، ومنح تسهيلات تنموية تساعد الحكومة الانتقالية في تجاوز أعباء المرحلة الأولى من إعادة الهيكلة.

وتكشف هذه التطورات أن واشنطن لم تعد تتعامل مع دمشق بوصفها ملفًا معزولًا، بل كحلقة مهمة في معادلة إقليمية تهدف إلى إنتاج توازنات مستقرة بعد عقد من الصراع. فالمعادلة الأميركية الحالية تقوم على صيغة مزدوجة: دعم الاستقرار الداخلي عبر أدوات هجينة، وضبط الأمن الحدودي عبر ترتيبات تفاوضية، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في جنوب سورية ضمن إطار تفاهمات مرنة قابلة للتطوير. وبذلك، تتشكل ملامح سياسة جديدة تتجاوز منطق العزلة والعقوبات المفتوحة نحو إدارة مشروطة تهدف إلى إدماج سورية تدريجيًا، ولكن وفق شروط تحددها واشنطن وتحرص على ربطها بالتسوية الأمنية في الجنوب. وتبرز أهمية هذه الزيارة عند النظر إلى انعكاساتها على الجنوب السوري تحديدًا، إذ تسعى واشنطن إلى جعل هذا الإقليم مساحة اختبار أولى لجدوى المقاربة الجديدة التي تربط بين تخفيف العقوبات وبين قدرة الحكومة الانتقالية على تثبيت الاستقرار في مناطق التماس وضبط الحدود ومنع تشكل فراغ أمني قد تستثمره أطراف إقليمية أخرى. ويظهر أن الجنوب بات يمثل لدى الولايات المتحدة مؤشرًا تشغيليًا لقياس مدى قدرة الدولة الناشئة على إدارة الملف الأمني بحساسية عالية، تراعي الاعتبارات الإسرائيلية من جهة، وتستجيب لمتطلبات بسط السلطة المركزية من جهة أخرى. وبذلك تتحول المقاربة الأميركية من متابعة عامة لمسار التحول السياسي، إلى متابعة مركزة على الجنوب بوصفه الحلقة التي تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتُختَبر فيها فعالية سياسات إعادة الهيكلة، الأمر الذي يجعل تأثيرات الزيارة أبعد من بعدها الدبلوماسي، لتغدو عاملًا مباشرًا في رسم معادلات الاستقرار ومستويات الحضور الأمني وشروط التنمية في محافظات الجنوب خلال المرحلة المقبلة.

الحضور التركي المدني في القنيطرة: إعادة تشكيل النفوذ عبر مسارات الإغاثة

على خطٍ موازٍ للتحركات العسكرية والسياسية الدولية في الجنوب السوري، برز في الأسابيع الأخيرة تصاعد ملموس في حضور المنظمات الإغاثية التركية، ولا سيما هيئة الإغاثة الإنسانية (IHH)، داخل عدد من بلدات وقرى القنيطرة؛ حيث نفّذت الهيئة برامج دعم إنساني شملت توزيع مساعدات غذائية على مئات العائلات ذات الاحتياجات المباشرة، إلى جانب تنظيم أنشطة إضافية في القرى الجنوبية ركّزت على تقديم السلال الغذائية ووجبات الضيافة والمساعدات الطارئة، في خطوةٍ هدفت إلى معالجة الفجوات المتزايدة في الاستجابة الإنسانية بالمنطقة[5]. والجدير بالذكر أن هذا ليس النشاط الأول لهيئة الإغاثة، حيث سبق أن قامت بنشاطات مماثلة منذ بضعة أشهر، في عدة بلدات بمحافظة القنيطرة [6].

يحمل هذا النشاط الإغاثي دلالات تتجاوز الإطار الخيري المباشر، إذ يُظهر توجّهًا تركيًا لإعادة إدماج وجودها المدني في الجنوب السوري بعد انهيار بنيات النظام السابق، وظهور احتياجات واسعة في المناطق التي استقبلت موجات نزوح من معاقل المعارضة السابقة. ويشكّل الجنوب، بتركيبته الاجتماعية المتنوعة وارتباطه الحدودي، مجالًا ملائمًا لمثل هذا النوع من التدخل الناعم الذي يتيح لأنقرة تعزيز حضورها المجتمعي من دون الانخراط في ترتيبات أمنية مباشرة، وفي الوقت نفسه يمنحها مساحة تنافسية مع القوى المتدخلة الأخرى، ولا سيما روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر في ضوء افتتاح IHH مكتبًا تمثيليًا في دمشق، في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 [7]، وهو تطور يشير إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق بين أنقرة والحكومة الانتقالية في ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار المبكر. ويعكس هذا الافتتاح وجود توجّه تركي نحو توسيع قنوات التواصل مع المؤسسات السورية الجديدة، مستفيدًا من حاجة البلاد إلى دعم إنساني منظم، ومن رغبة السلطة الانتقالية في كسر جزء من العزلة الدولية التي رافقت مرحلة ما بعد سقوط النظام.

تُظهر مجمل هذه التحركات ملامح مقاربة تركية أكثر هدوءًا وأقلّ حضورًا ميدانيًا في الجنوب، بحكم غياب أدواتها العسكرية المباشرة في هذه الجغرافيا، الأمر الذي يدفعها إلى توظيف شبكاتها المدنية والإغاثية، بوصفها أدوات تأثير مهمة داخل بيئة تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإسرائيلية. وتبدو أنقرة في هذا السياق كأنها تعوّل على نقل عناصر من تجربتها المدنية في شمال سورية ضمن الحدود التي تسمح بها الظروف الحالية، بما يتيح لها الحفاظ على موطئ قدم غير صدامي، ويمنحها قدرة نسبية على متابعة توازنات الجنوب ومخرجاتها، من دون الانخراط في منافسة مباشرة مع القوى الأكثر حضورًا في هذه الساحة. فمن خلال الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في القنيطرة، تعمل أنقرة على ترسيخ صورة فاعل إقليمي قادر على سدّ الفراغات الخدمية، في المناطق التي شهدت تبدلات ديموغرافية واجتماعية واسعة خلال السنوات الماضية.

الجولة الإسرائيلية في الجولان والمواقع الحدودية وردّ الخارجية السورية: تثبيت واقع جديد ومواجهة دبلوماسية

شهد الجنوب السوري في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 تحركًا إسرائيليًا لافتًا، تمثل في جولة ميدانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل المستوطنات والمواقع السورية التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية بعد انهيار النظام السابق[8]. شملت الجولة نقاطًا ممتدة على طول السياج الأمني في الجولان المحتل، إضافة إلى مواقع داخل المنطقة العازلة التي وسّعت إسرائيل نطاق وجودها فيها منذ أواخر عام 2024. وأظهرت طبيعة الجولة أن تل أبيب تسعى إلى تثبيت حدود أمر واقع جديدة، تتجاوز نصوص اتفاق فكّ الاشتباك لعام 1974، مستفيدة من الهشاشة الأمنية التي رافقت مرحلة الانتقال السياسي في دمشق.

وتشير هذه الخطوة إلى استمرار مقاربة إسرائيلية تقوم على “الهندسة الأمنية للحدود”، وهي مقاربة تستهدف إعادة تعريف العمق الأمني الإسرائيلي، ليس عند حدود خط وقف إطلاق النار فحسب، بل داخل الجغرافيا السورية نفسها. فقد رفعت تل أبيب مستوى قواتها في الشريط الفاصل، وعززت بنيتها التحتية العسكرية، وأعادت توزيع نقاط المراقبة بما يمنحها قدرة أعلى على الرصد والسيطرة. وتواصل الإصرار على تحويل هذه المواقع إلى “مكتسبات أمنية”، ضمن أي تسوية قادمة، ولا تبدي استعدادًا للانسحاب الكامل منها إلا في إطار صفقة شاملة ترتبط بتسوية سياسية كبرى.

في مقابل ذلك، جاء ردّ دمشق سريعًا، عبر بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية السورية في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 [9]، وقد وصف البيان الزيارةَ بأنها زيارة غير شرعية، تشكّل اعتداءً صريحًا على سيادة البلاد وانتهاكًا مباشرًا لخطوط وقف إطلاق النار. وأعاد البيان تأكيد أن التحركات الإسرائيلية تمثّل محاولة لفرض أمر واقع جديد يتعارض مع قرارات مجلس الأمن، وأن الإجراءات المتخذة في الجنوب السوري تفتقر إلى أي أساس قانوني. وجددت دمشق مطالبتها بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي السورية كافة، مشيرة إلى أن استمرار الاحتلال في توسيع وجوده ضمن “المنطقة الصفراء” يهدف إلى فرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب، وتكريس واقع احتلالي طويل الأمد.

ويكشف هذا التفاعل بين التحرك الميداني الإسرائيلي والموقف السياسي السوري عن مشهد أوسع يتّسم بتداخل الأجندات الإقليمية والدولية في الجنوب السوري؛ حيث تسعى تل أبيب إلى تثبيت معايير جديدة للحدود، في حين تحاول الحكومة السورية الانتقالية تأكيد حدود المقبول سياديًا، وتجنب تكريس أي واقع يمكن أن يقيد خياراتها التفاوضية في المستقبل. وتأتي هذه التطورات في لحظةٍ تتكثف فيها الضغوط الدولية والمسارات التفاوضية حول ترتيبات الأمن الحدودي، مما يجعل الجنوب ساحة لتقاطع الإرادات بين القوى الإقليمية والدولية، في مرحلة إعادة رسم التوازنات في المرحلة الانتقالية.

ثانيًا: تحليل العمق – ماذا تعني هذه التحركات لمفهوم السيادة في الدولة الانتقالية؟

تكشف التحركات الدولية المتسارعة في الجنوب السوري عن سباق إقليمي ودولي، لإرساء قواعد ما بعد الأسد، في لحظة يتراجع فيها مدى قدرة الدولة السورية على فرض رؤيتها السيادية على كامل الجغرافيا الجنوبية. فالتوسع الإسرائيلي داخل الشريط الممتد جنوب دمشق، مقرونًا بتعزيز وجود عسكري وبنية مراقبة متقدمة، يعيد إنتاج واقع تجزيئي يتجاوز ما فرضته دمشق في أي مرحلة سابقة. ويقف هذا التوسع على تماس مباشر مع مقترحات أمنية تهدف إلى إعادة رسم وضع الجنوب عبر تقسيمه إلى نطاقات متباينة من حيث الوضع القانوني، بين مناطق خاضعة لسيطرة إسرائيلية فعلية، وأخرى مقيدة بضوابط إشراف دولي، إضافة إلى مساحات يُفترض أن تكون منزوعة السلاح أو محظورة على الطيران. ويفضي هذا النمط من الطروحات إلى تقويض مبدأ السيادة الشاملة للدولة السورية، وتحويل الجنوب إلى فضاء تُدار فيه الترتيبات الأمنية من الخارج أكثر مما تُبنى داخليًا.

وفي موازاة الدور الإسرائيلي، تتحرك موسكو وواشنطن ضمن مسارات متقاطعة ذات طابع تفاوضي، ما يجعل الجنوب ساحة فرعية للمحادثات المتعلقة بهيكلة الأمن الإقليمي. فالجولات الدبلوماسية والعسكرية التي أطلقتها كل من روسيا والولايات المتحدة تأتي في سياق البحث عن ترتيبات تتيح تجميد التوتر، مع الحفاظ على هامش يسمح لكل طرف بتثبيت نفوذه في المرحلة الانتقالية. ويُضاف إلى ذلك الدور المتنامي الذي تمارسه تركيا عبر شبكاتها الإغاثية وتحالفاتها المحلية، حيث تعمل أنقرة على ترسيخ نفوذ مجتمعي، يضمن لها حضورًا ثابتًا في فضاء تعتبره امتدادًا لنفوذها السياسي والاجتماعي. ويمس هذا المسار بدوره جوهر قدرة دمشق على التحكم في معادلات إعادة الإعمار وتوزيع الموارد، لا سيما في المناطق التي شهدت تغيّرات سكانية واسعة خلال السنوات الماضية.

يؤدي هذا التشابك المتعدد المستويات إلى إعادة تشكيل الجنوب السوري، بوصفه مجالًا تتنافس فيه مشاريع النفوذ، أكثر من كونه فضاءً يخضع لتصور الدولة المركزية. فكل طرف يسعى إلى تثبيت مواضع قوته قبل انطلاق أي مسار تسوية سياسية، وتتبلور في الخلفية ترتيبات تُعيد تعريف الصلاحيات الأمنية والدور السيادي للدولة السورية. ومن شأن هذا التفاعل أن يؤسس لواقع جديد قد تنفصل فيه أجزاء من الجنوب وظيفيًا عن الحكومة المركزية، ما يهدد وحدة البلاد على المدى البعيد، ويجعل أي تسوية مستقبلية رهنًا بتفاهمات خارجية أكثر من كونها نتاج عملية سياسية داخلية.

ثالثًا: المشهد الداخلي في الجنوب – إعادة تشكّل السلطة المحلية بين تفكك المركز وتنافس الفاعلين

يشهد الجنوب السوري، بالتزامن مع التحركات الدولية المتسارعة، إعادة تشكّل داخلية تتسم بدرجة عالية من التعقيد؛ إذ يبرز المشهد المحلي اليوم بوصفه نتاجًا مباشرًا لانهيار منظومة الحكم السابقة وتراجع قدرة الدولة المركزية على فرض نموذج إداري-أمني موحّد. وقد أدّى هذا الانهيار إلى ظهور فواعل محلية جديدة، بعضها يمتلك شرعية اجتماعية متجذّرة، وبعضها تشكّل ضمن ظروف أمنية معقدة، في حين تحاول الحكومة الانتقالية بناء حضورها المؤسسي، في بيئةٍ يغلب عليها التنافس على السلطة والموارد، وليس الاندماج الطوعي ضمن مؤسسات الدولة الناشئة.

في السويداء، أفرزت التحولات ما بعد سقوط النظام حالة من “الاستعصاء الأمني”، قادتها تشكيلات محلية ذات امتداد اجتماعي واسع، أبرزها مجموعات “الحرس الوطني” واللجان العسكرية المرتبطة بالمرجعيات الدينية والاجتماعية. وقد استفادت هذه التشكيلات من تفكك أجهزة الأمن السابقة ومن انسحابها من المشهد، لتفرض أنماطًا من الضبط الذاتي تعتمد على شبكات النفوذ المحلي، وعلى مطالب سياسية ترتبط بإدارة الموارد، والحد من تغوّل السلطة المركزية، والحفاظ على خصوصية الهوية المحلية. وتُظهر أنماط انتشار هذه المجموعات، ومن ضمنها الحواجز المستجدة وخطوط السيطرة داخل المناطق الحضرية والريفية، أنّ السويداء دخلت مرحلة متقدمة من “اللامركزية الواقعية”، حيث تميل السلطة المحلية إلى التفاوض مع دمشق، لا الامتثال الكامل لقراراتها. ويأتي التصعيد المسلح الأخير، في منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر[10] ، ليكشف حدود قدرة الحكومة الانتقالية على فرض نموذج أمني موحد من دون معالجة التوترات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة داخل المحافظة، إضافة إلى ضرورة إدماج الزعامات المحلية في ترتيبات الأمن القادمة تجنبًا لظهور جيوب نفوذ منفصلة.

أما القنيطرة، فيتشكّل مشهدها المحلي ضمن بيئة شديدة الحساسية، بحكم موقعها الحدودي وطبيعة التحولات التي رافقت مرحلة ما بعد سقوط النظام. فقد أدّى انهيار منظومات الأمن والإدارة السابقة إلى بروز ملامح فراغ مؤسسي ترتّبت عليه ديناميات محلية متسارعة، شملت لجانًا أهلية ومبادرات مدنية تسعى إلى تنظيم الشؤون اليومية للسكان في سياق انتقال لم تتبلور فيه بعد بنية حكومية متماسكة. وتتقاطع هذه التحولات الداخلية مع تأثيرات إقليمية مباشرة، أبرزها نشاط المنظمات الإنسانية التي تتحرك استجابة للاحتياجات المتزايدة في المنطقة، وكذلك الإجراءات الأمنية الإسرائيلية داخل الشريط الفاصل، وما تفرضه من واقع ميداني ضاغط على مسار تشكل السلطة المحلية[11].

وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة السورية الانتقالية على تعزيز حضورها التدريجي عبر وحدات الشرطة المدنية الناشئة، بهدف إعادة بناء منظومة ضبط أمني، تعتمد على القنوات الرسمية وتستوعب المبادرات المحلية ضمن إطار مؤسسي واضح. وتنتج عن تداخل هذه العوامل بيئة معقدة، يتجاور فيها أكثرُ من مستوًى للسلطة، مبادرات اجتماعية محلية نشأت لسد الفجوات الخدمية، ومحاولات حكومية لترسيخ الهياكل الرسمية، إلى جانب تقييدات ميدانية مرتبطة بالواقع الحدودي مع إسرائيل. وتكشف هذه الصورة عن حاجة ملحّة لإعادة هندسة منظومة الحكم المحلي، بما يضمن دمج الجهود الأهلية مع مؤسسات الدولة الانتقالية، وتقليص أثر العوامل الخارجية على مسارات الاستقرار في المحافظة.

إن التفاعل بين هذه المستويات المتوازية يعيد تشكيل الجنوب، بوصفه فضًاء سياسيًا وأمنيًا متعدد العقد، لا يخضع لمنطق هرمي واضح، بل لمنطق التوازنات المتغيرة بين الفاعلين المحليين والدوليين. ويؤدي هذا التشظي البنيوي إلى تآكل قدرة الدولة الانتقالية على فرض مركزية القرار، خصوصًا في ظل تنافس القوى الإقليمية على تثبيت مواقع نفوذ طويلة الأمد قبل اكتمال مسار التسوية الشاملة. ويفتح استمرار هشاشة السلطة المحلية الباب أمام مشاريع خارجية تستند إلى فكرة “المنطقة العازلة”، أو “المنطقة المنزوعة السلاح”، أو “المنطقة المحمية دوليًا”، وهي مفاهيم بدأت بالظهور في الخطاب الدبلوماسي حول الجنوب السوري.

بذلك، يتّضح أن المشهد الداخلي لا يمثّل مجرد خلفية للتحركات الدولية، بل يشكّل عاملًا محددًا في مساراتها، إذ تسعى كل قوة خارجية إلى استثمار الفراغات والاختلالات المحلية لتعزيز موقعها التفاوضي. وفي المقابل، تجد الحكومة الانتقالية نفسها أمام ضرورة صياغة مقاربة أمنية-سياسية مزدوجة:

    مقاربة تعمل داخليًا على احتواء الفاعلين المحليين ضمن إطار مؤسسي قابل للحياة.

    مقاربة خارجية ترفض تحويل الجنوب إلى منطقة تجريب ترتيبات أمنية مفروضة لا تعبّر عن الإرادة الوطنية.

ومن دون معالجة هذا البعد الداخلي، سيبقى الجنوب ساحةً مفتوحةً لإعادة توزيع النفوذ، ما يجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية رهنًا بالتفاهمات الدولية أكثر مما هو نتاج عملية بناء دولة فاعلة ذات سيادة.

رابعًا: المسارات المتوقعة لتطور الوجود الدولي في الجنوب السوري

لا يسعى هذا القسم إلى تقديم تنبؤات حتمية، بقدر ما يهدف إلى استشراف المسارات الأرجح لتطور الوجود الدولي في الجنوب السوري، خلال الفترة القريبة المقبلة. ويستند هذا الاستشراف إلى توازن القوى الراهن، وإلى طبيعة التحركات الروسية والأميركية والتركية والإسرائيلية، إضافة إلى ديناميات المشهد الداخلي في محافظتَي السويداء والقنيطرة، وما يشهده من إعادة تشكّل مستمرة في بنية السلطة المحلية.

مسار الضبط الدولي المحدود تحت مظلة الدولة السورية

يقوم هذا المسار على افتراض نجاح مسار تفاوضي تدريجي، تقوده الحكومة الانتقالية مع كلٍّ من موسكو وواشنطن، مع مراعاة المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالحدود والأمن، بما يفضي إلى ترتيبات أمنية مرحلية تضبط الحركة العسكرية في الجنوب، من دون مساس صريح بالشكل القانوني للسيادة السورية. في هذه الحالة، يجري تحديث إطار اتفاق فك الاشتباك الموقّع عام 1974 عبر إدخال آليات مراقبة تقنية وقانونية أكثر تقدّمًا، وربما يتم توسيع ولاية قوات المراقبة الدولية، من حيث الصلاحيات والمتابعة الميدانية، لا من حيث الانتشار الجغرافي. ويحافظ هذا المسار على حضور دولي واضح في الجنوب، لكنه يبقيه محصورًا في وظيفة الضمان الأمني، في حين تستمر دمشق في تولّي إدارة مدنية وأمنية في معظم مناطق الجنوب. وتزداد قابلية هذا المسار للتحقق، كلّما نجحت الحكومة الانتقالية في استثمار حاجة الأطراف الدولية إلى الاستقرار، وربط أي التزامات أمنية تجاه إسرائيل بحوافز ملموسة في ملفي العقوبات وإعادة الإعمار.

مسار استمرار تعدد مراكز النفوذ وترسيخ التوازن الهش

يفترض هذا المسار تعثر الوصول إلى اتفاق أوسع، واستمرار كل قوة رئيسية في تثبيت موطئ قدم خاص بها داخل المشهد الجنوبي. تحتفظ إسرائيل بانتشار عسكري معزَّز في الشريط الفاصل والمناطق التي تمددت إليها بعد سقوط النظام، وتواصل روسيا إدارة نقاط انتشارها في محيط القنيطرة، وتحافظ الولايات المتحدة على حضور أمني وسياسي غير مباشر، من خلال أدوات العقوبات والتنسيق الاستخباري والتسهيلات الاقتصادية المشروطة، وتستمر تركيا في توسيع نفوذها المجتمعي عبر الأذرع الإغاثية والمؤسسات المدنية. في ظل هذا التعدد، يتحول الجنوب إلى منطقة توازن هشّ، بين قوى خارجية متنافسة، مع هامش مناورة محدود للحكومة الانتقالية التي تجد نفسها مضطرة إلى إدارة شبكة معقدة من التفاهمات الثنائية المؤقتة. ويزيد هذا المسار من احتمالية الانزلاق إلى أزمات موضعية أو مواجهات محدودة كلّما اهتزّ هذا التوازن، أو تبدّلت أولويات أي من الفاعلين الإقليميين والدوليين.

مسار الترسخ التدريجي لواقع الفصل الوظيفي

يمثل هذا المسار الاحتمال الأكثر خطورة على وحدة المجال السياسي السوري. وهو ينطلق من فرضية استمرار الهشاشة الداخلية وفشل مسارات التفاوض، بما يسمح بتراكم وقائع ميدانية تكرّس فصلًا وظيفيًا شبه كامل للجنوب عن الدولة المركزية من دون إعلان رسمي عن ذلك. في هذا السياق، يتحول الانتشار الإسرائيلي إلى وجود طويل الأمد داخل نطاقات محددة تمارس فيها تل أبيب سيطرة أمنية مباشرة أو غير مباشرة، وتحتفظ روسيا بحضور عسكري يوازي دور الوصيّ الأمني، وتبقى كل من تركيا والولايات المتحدة فاعلين غير مباشرين عبر بوابات الإغاثة والاقتصاد والأمن. ومع مرور الوقت تتحوّل الترتيبات المؤقتة إلى بنية شبه دائمة، وتُدار شؤون الجنوب وفق منطق تعدد السلطات، مع بقاء السيادة السورية في مستوى رمزي أو قانوني أكثر منها سيادة فعلية على الأرض. وعلى المدى البعيد، يهدد هذا المسار بإضعاف موقع الدولة في أي مفاوضات لاحقة حول الجولان والجنوب، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج نموذج الفصل الوظيفي في مناطق سورية أخرى.

خاتمة واستنتاجات

تكشف القراءة التحليلية لمشهد الجنوب السوري خلال مرحلة ما بعد سقوط النظام أن هذه الجغرافيا دخلت طورًا جديدًا من إعادة التشكل جذريًا، يتقاطع فيه الانكشاف الداخلي مع إعادة توزيع النفوذ الخارجي؛ حيث أظهرت التحركات الروسية والأميركية والتركية والإسرائيلية أنّ الجنوب لم يعد مجرد منطقة حدودية، بل أصبح مجالًا لإعادة هندسة توازنات الأمن الإقليمي، وفضاءً يتنافس فيه الفاعلون الدوليون والمحليون على إعادة تعريف السيادة السورية وإعادة صياغة دور الدولة الانتقالية في إدارة الحدود والمجال العام. وفي ظل هشاشة البنية المركزية وتقدّم الفواعل المحلية، يتعرّض الجنوب لخطر التحول إلى منطقة ذات وضع أمني وسياسي خاصّ، ما قد يؤسّس لسوابق قد تعاد تجربتها في مناطق سورية أخرى.

وتبيّن مجريات المرحلة أن الدولة السورية الناشئة تواجه تحدّيًا مزدوجًا، يقوم على استيعاب الفاعلين المحليين الذين راكموا حضورًا موازيًا للدولة خلال سنوات الصراع، والتعامل في الوقت نفسه مع القوى الخارجية الساعية إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد داخل الجنوب. ويظلّ الخطر الأكبر ماثلًا في إمكانية تكريس ترتيبات أمنية تنتقص من منطق السيادة، وما قد ينجم عن ذلك من سوابق قابلة لإعادة الإنتاج بشكل يهدد وحدة البلاد ووظيفتها الإقليمية. ويدفع هذا الواقع إلى ضرورة بلورة مقاربة وطنية، تستند إلى استعادة المجال العام وإعادة تنظيم العلاقة مع المجتمعات المحلية، وفق منظور مؤسسي لا يسمح بقيام مراكز قوة موازية، سواء أكان ذلك في السويداء أم القنيطرة، مع الحفاظ على مساحات التواصل الأهلي والمدني التي تعزز الاستقرار ولا تُستثمر خارجيًا.

وتبرز أهمية إعادة بناء القدرة الدفاعية للدولة بصورةٍ تتناسب مع خصوصية الجنوب، بما يمنع انزلاقه إلى معادلات أمنية مفروضة من الخارج، ويحول دون تحوّله إلى منطقة اختبار دائمة للضغوط الإسرائيلية أو لسباقات النفوذ الدولية. وبالتوازي، تكتسب الدبلوماسية العربية وزنًا تصاعديًا، في حماية وحدة الجنوب، ضمن إطار إقليمي رافض لظهور مناطق منزوعة السيادة أو محميات أمنية متعددة الولاءات. وتؤكد هذه المعطيات أن معالجة ملفّ الجنوب لا يمكن أن تنفصل عن عملية إعادة بناء الدولة السورية بصورة أشمل، تشمل إصلاح القطاع الأمني واستعادة الهيكل الإداري ووحدة القرار، بما يحدّ من التشظي الوظيفي، ويمنع بقاء الجنوب ساحة مفتوحة للتجريب أو لإعادة رسم الخرائط من خارج الإرادة الوطنية.

[1] وفد عسكري روسي يجري جولة استطلاعية في القنيطرة السورية، الشرق الأوسط، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، شوهد في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/YlC6z

[2] Syrian Russian military delegation tours border area with Israel, Enab Baladi, Published on 18 November 2025, Seen on 21 November 2025, https://shorturl.at/Ou8VJ

[3] وفود روسية وتركية وأمريكية تصل إلى دمشق لبحث ملفات أمنية رفيعة المستوى، القاهرة 24، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، شوهد في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/ZeKZp

[4] مضامين مقترح الاتفاق الأمني بين سورية وإسرائيل وتداعياته، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21 أيلول/ سبتمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/HSh9C

[5] مقابلة أجراها الباحث مع مصدر خاص في الجنوب السوري، بتاريخ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

[6] “الإغاثة الإنسانية” التركية توزع مساعدات في القنيطرة السورية، وكالة الأناضول، 7 أيار/مايو 2025، الرابط: https://shorturl.at/kINeT

[7] بيان من هيئة الاغاثة الإنسانية İHH: تم افتتاح مكتب دمشق، هيئة الإغاثة الإنسانية، 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، شوهد في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط:  https://shorturl.at/vDms8

[8] نتنياهو أجرى زيارة للمنطقة العازلة في سوريا، برفقة وزير الأمن يسرائيل كاتس، ووزير الخارجية غدعون ساعر، رئيس الأركان ورئيس الشاباك، وقادة فرق عسكرية في الجيش، سجل، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، شوهد في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://x.com/sijilsy/status/1991160501225632122

[9] بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية، في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://x.com/syrianmofaex/status/1991172116167921978

[10] استمرار الاشتباكات في محافظة السويداء السورية، الشرق الأوسط، 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، شوهد في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/S1H9H

[11] مقابلة أجراها الباحث بتاريخ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، مع ناشط في الشأن والخدمات المدنية في القطاع الأوسط من القنيطرة.

تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

سوريا: هل يمكن «ردع العدوان» الإسرائيلي؟

تحديث 29 تشرين الثاني 2025

حسب مصادر محلية سورية فقد توغّلت قوة إسرائيلية بعربات «هامر» في بلدة بيت جن، التي تبعد قرابة 10 كيلومترات عن الحدود مع الجولان المحتل، أمس الأربعاء، وبعد اعتقالها ثلاثة أشخاص قام بعض أهالي البلدة بمحاصرة إحدى العربات والاشتباك معها مما أدى لإصابة عدد من عناصرها (اعترف الاحتلال بإصابة 6 عسكريين فيما ذكرت مواقع إخبارية إسرائيلية أن 13 جنديا أصيبوا بينهم ضابطان وجندي جراحهم خطيرة).

إثر ذلك بدأت القوات الإسرائيلية بقصف جويّ ومدفعي على منازل السكان، مما أدى لاستشهاد 13 مدنيا بينهم نساء وأطفال، وإلى أكثر من 25 جريحا، وإلى حالة نزوح كبيرة من المنطقة، وانتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة عن تشييع جثامين الضحايا وسط حالة غضب وحزن عارم، وكذلك لقطات لاحتراق الآلية العسكرية.

تزامنت المجزرة الإسرائيلية مع احتفالات جماهيرية في المدن السورية بمناسبة عملية «ردع العدوان» التي صادفت ذكراها السنوية الأولى، أول أمس الخميس، ومع مناورات أطلقتها الفرقة 210 الإسرائيلية منذ 3 أيام في اتجاه المناطق السورية، إلى جانب الفرقة 91 المسؤولة عن الحدود اللبنانية.

قدّمت إسرائيل روايتها عن الهجوم بالقول إن قواتها دخلت الحدود مع سوريا لاعتقال «مطلوبين من الجماعة الإسلامية»، وهو تنظيم لبناني طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من وزيري خارجيته وخزانته بحث إدراجه في قائمة «تنظيمات الإرهاب الأجنبية»، وهي حجة أمنية واهية وبائنة الافتعال، فيما عرض المتحدث باسم جيش الاحتلال ما سمّاه «مشاهد من الغارات التي شنّها سلاح الجو في منطقة قرية بيت جن بجنوب سوريا بعد الاشتباك مع العناصر الإرهابية، والتي أسفرت عن تصفية الإرهابيين من مسافة صفر»، وفي ذلك ما فيه من بؤس الدعاية الحربية التي لا يستقيم معها الإعلان عن قصف جويّ يسفر عن مقتل أشخاص «من مسافة صفر».

يبدو الهجوم الوحشيّ الأخير استكمالا للمناورات التي قادها رئيس الأركان إيال زامير والتي مهّدت عمليا لما حصل، وهو ما يتوافق أيضا مع مجريات التوغّل الأخير داخل سوريا الذي قام به رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، رفقة قادته العسكريين والأمنيين والسياسيين الكبار، وهدد خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع.

واجهت الدورية المتوغّلة مقاومة لم تتوقعها من الأهالي مما يدلّ، أولا، على اعتبار جيش الاحتلال هذه التوغّلات اليومية صارت جزءا من روتينه العسكري ـ الأمنيّ، ويدلّ، ثانيا، على سوء تقدير قوات الاحتلال للعامل الإنسانيّ الذي لا يمكن أن يقبل بهذه الانتهاكات اليومية، ولا يمكن أن «يطبّع» مع حالة الإذلال والاستهانة بحيوات الناس وأرزاقهم وكراماتهم.

تكشف المجزرة الإسرائيلية الأخيرة، بداية، عن سياق سياسيّ لها يتعلّق بالغضب الإسرائيلي الناتج عن التقارب الأمريكي ـ السوري الذي مثّلته زيارة الشرع إلى واشنطن ولقاءه الرئيس دونالد ترامب، وليس هذا الغضب، في المحصلة، سوى جزء من امتزاج عاملين إسرائيليين متناقضين: شعور الحصانة والقوة الفائضة والاقتناع بإمكانية إخضاع الأطراف الأضعف منها في المنطقة، والإحساس بالضعف تجاه أمريكا، القادرة، في ظل الشخصية الخاصة لترامب، على جرح هذه الحصانة والقوة الفائضة وإخضاع إسرائيل لاستراتيجياتها للمنطقة والعالم، التي ترجّحها قدرات الدول العربية الخليجية، وأهمية الحفاظ على مصالح دول أخرى حليفة لها، كما هو الحال مع تركيا.

ويكشف تصدّي السوريين لقوة الاحتلال، الذي فاجأ إسرائيل وكشف عنجهيتها التي لا تشبع إلى القتل، العنصر الحرج في فكرة القوة الفائضة، كما يكشف لدى فئة غالبة بين السوريين، أن الانتقال من «ردع العدوان» الذي أدى لسقوط نظام طاغوتيّ لم يكن أحد يعتقد بإمكانية انهياره، إلى «بناء الدولة» وأولوياتها في التنمية والعدالة والبناء، وتحييد المخاطر، بما فيه الخطر الإسرائيلي الجاثم على الجميع، لا يتناقض مع «ردع العدوان» الإسرائيلي بالمعنى الأهليّ الذي حصل.

القدس العربي

—————————

 إسرائيل توحد جبهتي لبنان وسوريا: صراعات الخارج تنفجر بالداخل/ منير الربيع

السبت 2025/11/29

من شأن العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جنّ أن تسهم في تعقيد المشهد الإقليمي أكثر فأكثر، خصوصاً على الساحتين السورية واللبنانية.

قبل أيام، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن هناك مجموعات إسلامية، وأخرى محسوبة على الحوثيين، تستعد لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من جنوب سوريا. كان القصد واضحاً، أن توجه إسرائيل اتهامات إلى مجموعات إسلامية تدور بفلك دمشق، واتهامات أخرى لمجموعات محسوبة على إيران. ذلك لا ينفصل عن المواقف الإسرائيلية اليومية عن استكمال حزب الله لعمليات تهريب الأسلحة والصواريخ عبر سوريا.

تأتي العملية الإسرائيلية في توقيت حساس، على مسافة أيام من مهلة منحتها إسرائيل وأميركا للدولة اللبنانية كي تسحب سلاح حزب الله. وهي المهلة نفسها التي تريد فيها واشنطن الوصول إلى اتفاق سوري إسرائيلي، وبين دمشق وقسد.

عملت إسرائيل على تعطيل الاتفاق الأمني مع دمشق، وأوقفت مسار المفاوضات. لا تزال تصرّ على منع تطوير العلاقة السورية الأميركية، ويصر المسؤولون الإسرائيليون على تسريب مواقف بأنهم لا يثقون بأحمد الشرع. وهناك قراءات أخرى تفيد بأن مصلحة إسرائيل هي تقسيم سوريا وشرذمتها أو إبقائها ضعيفة، من خلال تغذية الصراعات الداخلية سواء في السويداء، أو في شمال شرق سوريا، أو في الساحل. ويأتي ذلك في ظل سعي الأميركيين إلى إبرام اتفاق بين دمشق وتل أبيب، وبين دمشق وقسد، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد حصول مواجهة بين القوات السورية من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى. خصوصاً في حال اختارت إسرائيل الدخول في معركة عسكرية ضد حزب الله.

تحاول إسرائيل اختراع أي مبرر لتنفيذ عمليات التوغل في جنوب سوريا. سابقاً، كانت تدخل الدوريات الإسرائيلية بلا أي مواجهة أو تصدّ. أما ما حصل في بيت جن، فيمكن أن يشكل تحولاً في المسار، الذي ينتج مقاومة شعبية تتصدى للقوات الإسرائيلية. وهذا نموذج يمكن أن يتوسع أو يتعمم، ويمكن لدمشق أيضاً أن تدعمه لاحقاً، كي لا تدخل في مواجهة مباشرة كدولة ضد إسرائيل. في المقابل، هناك وجهات نظر أخرى تعتبر أن طهران لا تزال لديها بعض المجموعات في الجنوب السوري، ولا سيما في بيت جن وحضر وغيرهما، وهي قد تدفع بها لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، في حال قررت اسرائيل توسيع عملياتها العسكرية ضد حزب الله أو استهداف إيران.

تل أبيب تريد اتهام الجميع. وهي تحمل سوريا مسؤولية تهريب الأسلحة لصالح حزب الله، علماً أن السلطات السورية تعمل على منع التهريب وتصادر الكثير من شحنات الأسلحة. لكن الإسرائيليين يعتبرون أن دمشق تترك هامشاً لتمرير الأسلحة للحزب كورقة ابتزاز لإسرائيل تستخدمها سوريا في مفاوضاتها للوصول إلى اتفاق أمني بين الجانبين، وتدفع إسرائيل إلى تلبية بعض المطالب السورية. لا تبدو إسرائيل في وارد التنازل ولا التراجع عن النقاط التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد، كما أنها ترفض العودة الى الالتزام باتفاق فض الاشتباك الذي أقر في العام 1974.

الأخطر، أن هذه العملية تأتي في ظل تنامي التهديدات الإسرائيلية حول شن عملية عسكرية ضد حزب الله، وسط معلومات وصلت إلى مسؤولين لبنانيين بأن العملية العسكرية الإسرائيلية ستكون جوية وبرية، وستسعى فيها إسرائيل إلى احتلال أراض جديدة وتثبيت نقاط في مواقع استراتيجية. من هنا، تبرز مخاوف كثيرة من احتمال لجوء إسرائيل إلى تنفيذ عملية باتجاه الأراضي اللبنانية انطلاقاً من الأراضي السورية، وخصوصاً من جهة بيت جن، لأنه منها بإمكان القوات الإسرائيلية أن تصل إلى بلدة شبعا، ما يعني فصل الشريط الجنوبي الأمامي عن الشريط الثاني. ومن بيت جن أيضاً، يمكن للقوات الإسرائيلية أن تتقدم باتجاه البقاع الغربي للتوغل أكثر في العمق اللبناني، وفصل البقاع عن الجنوب، وقطع كل طرق الإمداد سواء من سوريا باتجاه لبنان، أو من البقاع باتجاه الجنوب.

كل هذه التفاصيل الميدانية، لا تنفصل عن التطورات السياسية والديبلوماسية. فلبنان وسوريا، يشكلان مسرحاً لتشابكات وتقاطعات إقليمية ودولية. دول عديدة تسعى للاحتفاظ بأدوار أو نفوذ لها في الساحتين. لكل دولة، حساباتها، مصالحها، رؤيتها وشروطها. فلبنان يتعرض لضغوط دولية كبيرة تتصل بضرورة تقديم تنازلات كبرى لإسرائيل لتجنب الحرب. وذلك من خلال التقدم في مسار سحب سلاح حزب الله. الأميركيون منحوا اللبنانيين مهلة حتى نهاية السنة الحالية لإنجاز عملية نزع السلاح، لكنهم يعلمون أن ذلك غير ممكن. لذلك، فالمطلوب بالنسبة إليهم وإلى الإسرائيليين هو أن يخرج لبنان وحزب الله بمواقف واضحة تشير إلى التخلي عن العمل العسكري، والاستعداد لتسليم السلاح وفق جدول زمني واضح، وإرساء استقرار طويل الأمد مع إسرائيل، لتجنب الضربة أو التصعيد. وهذا ما يرفضه حزب الله بشكل كامل.

ومن بين الضغوط التي يتعرض لها لبنان، هي أن كل أشكال المساعدات أو الدعم أو المؤتمرات التي كان يفترض أن تعقد لدعم الجيش، أو لدعم إعادة الإعمار متوقفة كلياً، بانتظار سحب السلاح وإقرار الإصلاحات المالية والإدارية.

عملياً، يبرز تطابق في وجهات النظر الأميركية والسعودية في لبنان وسوريا. كذلك فإن تركيا ليست بعيدة عن التطابق في وجهات النظر مع أميركا والسعودية في سوريا. في المقابل، هناك دول أخرى تبدو مخالفة لهذا السياق. أبرزها، فرنسا، ومصر. ولا يمكن إغفال دور إيران، التي خسرت نفوذها في سوريا، لكنها تتمسك بنفوذها بلبنان. وهو ما يتأكد من خلال مواقف المسؤولين الإيرانيين الأخيرة، والتي تشير إلى رفض التنازل وتؤكد الدعم الكامل لحزب الله.

لبنانياً، تحركت مصر على خط مبادرتها في محاولة لتجنب التصعيد وكي تحفظ دورها في لبنان، وهي تنطلق من تجربة مؤتمر شرم الشيخ واتفاق وقف النار في غزة. نسقت القاهرة تحركها مع إيران ومع فرنسا. كما حاولت القاهرة التنسيق مع أميركا والمملكة العربية السعودية وقطر، في مسعى منها لإعادة تنشيط عمل الخماسية التي كانت معنية بلبنان، لتوفير ظروف انتخاب رئيس للجمهورية وانجاز الاستحقاقات الدستورية.

يأتي ذلك في ظل المعلومات التي تشير إلى التحضير لعقد اجتماع ثلاثي في باريس بين مستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط آن كلير لوجاندر، مع المسؤول السعودي يزيد بن فرحان مع الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس. هذا الاجتماع يستبق زيارة أورتاغوس إلى بيروت الأسبوع المقبل للمشاركة في اجتماع الميكانيزم. والذي بحسب المعلومات، سيكون اجتماعاً حاسماً للإطلاع على التقرير الثالث للجيش اللبناني حول تطبيق خطته لحصر السلاح، وكيف سيعمل في المرحلة المقبلة في منطقة شمال الليطاني. وحسب المعلومات، فإن أورتاغوس تحمل رسالة تحذير واضحة، حول ضرورة إسراع الجيش بعملية سحب السلاح، واستكمال تطبيق كل الإجراءات اللازمة لمنع إدخال الأسلحة أو الأموال للحزب.

على الرغم من التحضير لهذا الاجتماع في باريس، إلا أن فرنسا لم تخف عتبها على الأسلوب الأميركي. إذ يعتبر الفرنسيون أن واشنطن تحاول قطع الطريق على أي دور للفرنسيين ضمن لجنة الميكانيزم، وأن التنسيق ينحصر بين الأميركيين والإسرائيليين فقط. بينما هناك معطيات تفيد بسعي أميركي إسرائيلي إلى التخلي عن الميكانيزم لصالح مفاوضات ثلاثية أميركية- إسرائيلية- لبنانية.

انطلاقاً من هذا العتب الفرنسي، وشعور باريس بمحاولة استبعادها من لبنان وسوريا معاً، يحصل تقاطع فرنسي مع مصر، وحتى مع إيران، حول ضرورة تثبيت الحضور في المنطقة، لا سيما أن فرنسا لا تزال تترك الباب مفتوحاً للمفاوضات الأوروبية مع إيران. وقبل أيام زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الفرنسية للبحث في تجديد المفاوضات، والتفاوض أيضاً على تبادل مساجين بين البلدين. مصر أيضاً تسعى إلى تحسين العلاقات مع إيران. وهي سعت للعب دور تفاوضي بينها وبين الولايات المتحدة. والأكيد أن مصر وفرنسا غير راضيتين عن مسار التقدم السريع في تطور العلاقات الأميركية السورية، لأن فرنسا تشعر بأنها ستكون مستبعدة عن سوريا كما هناك محاولات لاستبعادها من لبنان.

بالتأكيد أيضاً، أن مصر وفرنسا لن تنسجما مع التوافق الأميركي السعودي التركي في سوريا. وهو سيكون له انعكاسات على لبنان لاحقاً. وهذا ما يتبدى من خلال رد الفعل التركي من قبل وزارتي الخارجية والدفاع برفض اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وقبرص من دون التنسيق مع أنقرة ودمشق.

في مواجهة الضغوط الخارجية التي يشهدها لبنان، فإن سوريا تشهد ضغوطاً داخلية، وهي تتجلى في التحركات والاحتجاجات الشعبية التي حصلت في الساحل، والمرشحة لأن تتطور، خصوصاً في ضوء تصريحات الشيخ غزال غزال حول المطالبة بالفيدرالية واللامركزية السياسية، أو في التحركات المستمرة في السويداء، والتي تطالب بالمطالب نفسها، إلى جانب استمرار التعثر مع قسد.

هذه الضغوط الداخلية التي تتعرض لها دمشق، يمكن لجهات خارجية عديدة أن تستغلها في حال لم تنجح السلطة في سوريا بمعالجة الأسباب واحتضان الجميع على قاعدة تأسيسية لعقد اجتماعي جديد. هنا يُرفع شعار “حماية الأقليات” والذي تستخدمه إسرائيل دوماً، كما ترفعه فرنسا ومصر بتصريحات علنية على ألسنة المسؤولين فيهما. فذلك لا ينفصل عن وجود اتصالات لفرنسا وإيران مع هذه الأقليات، وقد شهدت بيروت قبل فترة لقاءات تنسيقية عديدة فيما بينهم.

عملياً، تقف المنطقة ولا سيما لبنان وسوريا أمام شهرين دقيقين، وفي غاية الخطورة. واشنطن تضغط في سبيل إنجاز الترتيبات التي تريدها. ترتيبات تتوافق مع إسرائيل في مكان وتختلف معها في مكان آخر. دول عديدة تحاول الدخول على الخطّ، لكن الأكيد أن أميركا في النهاية هي التي ستقرر من تختار لمشاركتها في نسج أي صيغة. إلى أن تتبلور الصورة والصيغة، فإن أحداثاً مشابهة لعملية اغتيال هيثم الطبطبائي، ولعملية بيت جن ستتكرر.

المدن

——————————–

 التوتر في الجولان: بين تهويل كاتس وردّ الفعل الشعبي المفاجئ

السبت 2025/11/29

في ظل غياب أي مسار دبلوماسي واضح بين دمشق وتل أبيب، وتحوّل الوضع في جنوب سوريا إلى معادلة أمنية هشّة، جاءت تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمام لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست، لتعيد رسم خريطة التهديدات في الخطاب الإسرائيلي تجاه سوريا.

تهويل لا أساس له على أرض الواقع

لم تكن المزاعم حول وجود مجموعات مسلحة تخطط لشن هجوم على الجولان جديدة بذاتها، بل تأتي في سياق مألوف من التصعيد الكلامي الذي تُستخدم فيه احتمالات التهديد كأداة تبرير مُسبقة لأي عمليات عسكرية مقبلة.

لكن ما يلفت هذه المرة هو التزامن غير العادي بين الحديث عن “ميليشيات إيرانية تُخطط لغزو بري”، وزعم وجود “الحوثيين في سوريا”، وبين توغل عسكري إسرائيلي مفاجئ وعنيف في بلدة بيت جن، على بعد كيلومترات قليلة من خط وقف إطلاق النار الفاصل مع الجولان المحتل.

وقال المحلل والخبير العسكري، العقيد أكرم عبد الجواد في حديثه لـ”المدن”، إن “تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي تُعد تهويلًا لا أساس له على أرض الواقع، فالسكان المحليون في مناطق مثل الجولان لن يسمحوا مطلقًا بوجود إيراني أو حوثي أو أي قوة أجنبية في قراهم، بعد معاناتهم الطويلة من الوجود الإيراني طوال 14 عامًا”.

ورأى أن الهدف الإسرائيلي الحقيقي من هذه التصريحات هو الضغط على الحكومة السورية لدفعها إلى اتفاق أمني أو حتى سلام شامل وتطبيع، وهو ما ترفضه دمشق رفضًا قاطعًا ما دامت هضبة الجولان محتلّة، وقد أكد مجلس الأمن أخيراً، بدعم من روسيا والصين، أن الجولان أرض سورية، ما يُشكّل عائقًا جوهريًّا أمام أي اتفاق سلام في ظل استمرار الاحتلال، بحسب عبد الجبار.

وأكد على أن وجود الحوثيين في الجولان مستبعدٌ جدًّا، بل مستحيل، تمامًا كالوجود الإيراني، الذي لا يمكن أن يُفرض في مناطق يرفضه سكانها ويتصدون له صراحةً، وبالتالي، لا وجود فعليًّا لأي قوات إيرانية أو حوثية في تلك المناطق، ولا يمكن أن يكون، طالما يقف السكان المدنيون سدًّا منيعًا في وجه أي تواجد أجنبي مهدّد.

ويرى مراقبون أن الحديث عن الحوثيين في سوريا، من الناحية العملية، لا يستند إلى أي دليل ميداني أو تقارير استخباراتية مُوثَّقة، إذ لا وجود لتشكيلات يمنية منظمة تعمل داخل الأراضي السورية، سواء في الجنوب أو في أي منطقة أخرى، وقد أقرّت مصادر غربية وعربية على حد سواء بأن أي مشاركة يمنية، إن وُجدت، فهي فردية وبعيدة كل البُعد عن أي تنسيق ميداني أو لوجستي.

أما احتمال تنفيذ ميليشيات مدعومة من إيران لغزو بري في الجولان، فهو سيناريو مُبالغ فيه إلى حد غير مبرر، لا من حيث القدرات التسليحية أو اللوجستية لتلك المجموعات في جنوب سوريا اليوم، ولا من حيث المصلحة الاستراتيجية الإيرانية.

وبحسب المحللين، فإن طهران تعلم أن فتح جبهة بهذا الحجم من دون غطاء سياسي وعسكري دولي، ومن دون توافق داخلي سوري قوي، سيعني مواجهة مفتوحة مع إسرائيل وربما مع قوى غربية، من دون ضمان أي مكاسب فعلية على الأرض.

كما أنها لا تملك مصلحة في توسيع دائرة الحرب في سوريا الآن، بل على العكس، تسعى إلى تثبيت نفوذها في مناطق محددة، لا إلى استفزاز مواجهة تُهدّد بنسف ما تراكم لها من مواقع.

أما تصريح كاتس بأن “إسرائيل ليست على المسار الصحيح للتوصل إلى اتفاق أمين أو تطبيع مع دمشق”، فهو تعبير دقيق عن واقع مُرّ في الداخل الإسرائيلي: فالمساعي التي رافقت انهيار نظام الأسد الفعلي، والتي توقعت أن تُفتح أبواب دمشق أمام تطبيع سريع مقابل ضمانات أمنية، أثبتت فشلها.

تصريحات كاتس: التوقيت والدلالات

وفي هذا الصدد، قال الباحث السياسي أحمد زيتون في حديثه لـ”المدن”: “تثير تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حول (مجموعات مسلحة داخل سوريا تفكر في مهاجمة الجولان)، جملةً من الأسئلة حول توقيتها ودلالاتها، خصوصًا في ظل واقعٍ سوري جديد اتسم بانهيار النظام السابق وتفكك منظومة النفوذ الإيراني والروسي التي هيمنت على البلاد لسنوات، وفي ضوء هذا التحول، تبدو قراءة خلفيات الخطاب الإسرائيلي ضرورية، لفهم ما إذا كانت التصريحات تستند فعلًا إلى معطيات أمنية أم أنها جزء من توظيف سياسي داخلي”.

وأضاف: “مع سقوط النظام السوري وانسحاب إيران وروسيا، وجدت إسرائيل نفسها أمام بيئة حدودية غير مألوفة تتسم معالمها بما يلي: غياب الدولة المركزية التي كانت على الرغم من خصومتها– تحافظ على حدود مضبوطة منذ 1974، ⁠ظهور تشكيلات محلية ومناطقية بعضها نشأ بدافع الحماية الذاتية، وبعضها مسلح ومفتوح الولاءات، ⁠فراغ أمني في الجنوب السوري يجعل أي تحرك صغير قابلًا للتضخيم أمنياً”.

وفي هذا السياق، يصبح حديث كاتس عن “مجموعات مسلحة تفكر في مهاجمة الجولان” أقل ارتباطًا بوجود عدو استراتيجي منظم، وأكثر ارتباطًا بتخوف إسرائيل من فوضى ما بعد الدولة، وفق زيتون.

وفي رد على سؤال: هل تستند تصريحات كاتس إلى معلومات استخباراتية؟ أوضح زيتون أنه “من المرجح أن لدى إسرائيل مراقبة دقيقة للجنوب السوري، وأنها ترصد  تحركات مجموعات محلية مسلحة غير منضبطة، ⁠محاولات تشكيل أطر عسكرية جديدة قرب القنيطرة، صراعات داخلية بين قوى سورية ناشئة، لكن من غير المرجح أن تكون هناك قوة متماسكة قادرة على تهديد الجولان بهجوم منظم، إذ لا توجد الآن بنية عسكرية سورية متبقية قادرة على شن عمليات كبيرة”.

وتابع: “غالبًا ما تحتوي هذه التصريحات على تهويل، لسببين: تبرير استمرار التعبئة العسكرية الإسرائيلية رغم فشل تل أبيب في حسم جبهات أخرى، وخلق رواية تهديد متعدد الجبهات تفسّر الجمود الإسرائيلي وتمنع الضغط الدولي لوقف العمليات العسكرية”.

ووفق زيتون، فإن انسحاب القوى الخارجية وسقوط النظام لم يفتح أمام إسرائيل بالضرورة بابًا للتفاهم مع السلطة السورية الناشئة، بل على العكس: القوى المحلية الجديدة لا تحمل وزن الدولة ولا تمتلك التزامات سياسية يمكن لإسرائيل التعويل عليها، و⁠إسرائيل تفضّل التعامل مع حدود رخوة ومجزأة بدل سلطة مركزية قد تعيد بناء الجيش السوري وتشكّل تهديدًا طويل الأمد، إضافة إلى أن أي تطبيع مبكر مع سلطة سورية ناشئة قد يُضعف قدرتها على فرض شروط أمنية لاحقًا، ولذلك، موقف كاتس ليس رفضًا لدمشق فحسب، بل رفضًا لأي بنية حكم سورية جديدة قبل أن تتضح معالمها.

هل سيناريو الهجوم على الجولان واقعي؟

وفق المعطيات الحالية في سوريا بعد سقوط النظام، فإنه لا توجد قوة سورية موحدة تمتلك القدرة على شن هجوم واسع، المجموعات المسلحة في الجنوب منقسمة ومحدودة التسليح، ⁠فتح أي جبهة مع إسرائيل يحتاج دعمًا إقليميًا، وهو غير متوفر بعد خروج إيران وروسيا، وبالتالي فإن الحديث عن “غزو بري للجولان” هو أقرب إلى السيناريو الإعلامي منه إلى التخطيط العسكري.

ماذا عن وجود الحوثيين في سوريا؟

بعد خروج إيران من سوريا، يفقد الحديث عن الحوثيين أي أساس واقعي، فالوجود الحوثي كان مرتبطًا مباشرة بالمنظومة الإيرانية، ومع تفككها “لا توجد بنية لوجستية أو سياسية تسمح بوجودهم، ⁠ولا مسار إقليمي يربط اليمن بسوريا، ولا مصلحة للحوثيين أنفسهم في فتح ساحة بعيدة لا تخدم أهدافهم المحلية”.

ومن هنا، فإن حديث كاتس عن الحوثيين جزء من صياغة “محور تهديد واسع” حتى إن لم يكن له أساس ميداني، بحسب محللين وباحثين.

تصريحات كاتس تشر إلى أن إسرائيل تستثمر الفوضى في سوريا لتضخيم خطر الجولان وتبرير استمرار سياساتها العسكرية، في حين لا توجد قوى سورية بعد سقوط النظام تمتلك القدرة على تهديد إسرائيل في الجولان بشكل حقيقي.

كما أن ⁠غياب إيران وروسيا يزيل معظم الأسباب التي كانت تدفع إسرائيل للتوتر من الجبهة السورية، وهو ما يجعل الخطاب الأمني الإسرائيلي اليوم ذا طابع سياسي أكثر منه استخباراتي.

والأهم أن ⁠الحديث عن الحوثيين غير واقعي تمامًا، ويعكس رغبة إسرائيل في توسيع “جبهة الرواية” لا جبهة الواقع، وتحاول الإيحاء بأنها تقف أمام تهديدات جديدة، في حين أن التهديد الحقيقي يأتي من ضعفها في الجبهات التي تواجهها بالفعل، وليس من سوريا المنهكة سياسيًا وعسكريًا.

الهدف: ضغوط أمنية وسياسية على سوريا

دمشق، حتى في ظل التحوّل الجذري في موازين القوى الداخلية، لا تزال ترى في الجولان جزءاً من سياستها الوطنية، وليست مستعدّة لتقديم تنازلات تمس بسيادتها أو تُضعف موقفها أمام الداخل، خصوصًا في ظل استمرار سيطرة إسرائيل على أراضٍ استراتيجية ووجود ميليشيات محلية مرتبطة بها في الجنوب.

من جهته، قال الدكتور عماد العلي، الباحث والمحاضر في جامعة برلين الحرة في حديثه لـ”المدن”: “من المؤكد أن تصريحات الوزير الاسرائيلي كاتس تهدف لممارسة ضغوط أمنية وسياسية على سوريا بعد وصول المفاوضات بين الجانبين بشأن الملفات الأمنية لطريق مسدود، في حين أن تصريحاته عن تحركات عسكرية لجماعات مرتبطة بالحوثيين وإيران لمهاجمة مناطق في الجولان ليست واقعية، لأن إيران وأذرعها العسكرية تبدو تحت الضغط منذ أشهر، كما أنها فقدت قوتها وتأثيرها في سوريا منذ سقوط حليفها نظام الأسد قبل عام”.

من منظور آخر، تبدو هذه التصريحات خطيرة، لأنها قد تثير بلبلة وحالة من عدم اليقين داخل القيادة السورية الجديدة التي تحاول ضبط الأوضاع الأمنية بأسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة ممكنة أيضاً، ومن ناحية ثانية، تحاول إسرائيل بهذه التصريحات توصيل رسالة للمجتمع الدولي وللولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص بأنها تتعرض للتهديد من الجبهة السورية، حيث ترغب إسرائيل بممارسة واشنطن ضغطاً أكبر على دمشق للقبول بشروطها في المفاوضات حول الاتفاقية الأمنية، بحسب العلي.

ويمكن عموماً افتراض أن إسرائيل تسعى لتثبيت الوضع الحالي في منطقة السويداء وتعمل على فرض أمر واقع هناك يحقق مصالحها الخاصة، وهي تلعب على الوتر الطائفي بسوريا لتحقيق ذلك، ومن المؤكد أن القيادة الإسرائيلية غير سعيدة بتأكيدات دمشق بأن السويداء وأهلها جزء أصيل لا يتجزأ من التراب السوري.

وأعرب العلي عن اعتقاده بأن “القيادة السورية التمسك بموقفها المبدئي وعدم التنازل عن أي مبدأ وطني لأن ذلك لن يصب في مصلحتها على المستوى الداخلي، وهذا يضعها أمام طريق واحد فقط متمثل بالعمل لتفعيل الحوار الوطني الحقيقي وحل الملفات العالقة وبناء المؤسسة العسكرية لتكون قادرة عن الدفاع عن الوطن أمام العربدة الإسرائيلية والتحديات الخارجية عموماً”.

أحداث بيت جن: محاولة لاختبار الوضع الميداني

هذا الفشل في “إدارة الانتقال” وفق الرؤية الإسرائيلية، يزيد من توتّر النخبة الأمنية في تل أبيب، التي تبحث عن مبررات لاستمرار التدخل المباشر، في وقت تشهد فيه جبهات أخرى، في قطاع غزة ولبنان، تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة، ويصعب فيها تحقيق اختراق عسكري حاسم.

وفي هذا السياق، يُمكن فهم التوغل الأخير في بلدة بيت جن غربي دمشق، ليس كرد فعل على “تهديد وشيك”، بل كمحاولة لاختبار الوضع الميداني في عمق جنوب سوريا، خصوصًا بعد الانسحاب شبه الكامل لقوات النظام من بعض المواقع الحدودية، وغياب أي هيكل أمني موحّد في المنطقة.

لكن ما لم تُحسب له إسرائيل حسابًا، هو أن هذا التوغل، رغم عنفه، قوبل برد فعل شعبي من الأهالي لم يُسبق له مثيل في السنوات الأخيرة: تصدي مباشر، وتكبيد الاحتلال خسائر ووقوع إصابات بين عناصره، في حين أن الاعتقالات في صفوف المدنيين لم تُخفف من حدة الغضب، بل زادت من تعقيد الصورة الأمنية.

هذا التفاعل غير المُوجّه من أي جهة سياسية، قد يكون بمثابة إنذار جديد لإسرائيل: فالاستقرار في الجولان لم يعد مرتبطًا فقط بحسابات الأجهزة الأمنية، بل أيضاً بقدرة المجتمعات المحلية على المبادرة، خصوصًا تلك التي تعيش على خط التماس مباشرة، وتدرك أن أي تطبيع أمني لا يشملها أو يتجاهلها، سيكون زوالاً لا ثبات عليه.

أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد شكّل الهجوم على بيت جن – خصوصًا مع سقوط ضحايا مدنيين – منعطفاً في طبيعة الاستجابة. فالتنديد العربي لم يقتصر على بيانات روتينية، بل شمل تحركات دبلوماسية مباشرة في مراكز القرار، فيما بدا وكأن هناك إدراكاً جديداً بأن إسرائيل تختبر حدود التفاهمات غير المكتوبة في سوريا، وقد تسعى لفرض واقع جديد بقوة السلاح قبل أن تتشكل أي معادلة سياسية نهائية.

هذا التحوّل قد لا يُغيّر الموازين على الأرض فوراً، لكنه يخلق بيئة أقل تقبلاً لأي تصعيد إسرائيلي مقبل، ويُجبر تل أبيب على المراهنة على وقت أطول، وتكلفة أعلى، لأي خيارات ميدانية.

ووسط كل ذلك، فإن التصريحات الإسرائيلية حول تهديدات مُتخيّلة أو مُبالغ فيها ليست جديدة، لكن توقيتها الآن، وارتباطها بعمليات ميدانية حقيقية، تشير إلى مرحلة انتقالية دقيقة: إسرائيل تعيد تعريف أولوياتها في سوريا، وسوريا، شعباً وأرضاً، تُجيب ليس بالخطاب بل بالميدان من خلال التكاتف والتضامن الشعب في وجه الاحتلال وممارساته المتكررة، ومن الواضح أن أحد الطرفين، على الأقل، بدأ يُخطئ في تقدير ردود الفعل.

المدن

————————–

 عملية بيت جن: محاولة إسرائيلية لنسف الاتفاق الأمني مع دمشق؟/ محمد الشيخ

السبت 2025/11/29

لم يكن التوغل الإسرائيلي في بيت جن تفصيلاً من عملية إظهار الهيمنة على الأرض بالقوة العسكرية، والتي ينتهجها الاحتلال من خلال التوغلات اليومية جنوب البلاد، إنما كانت جزءاً من صورة أوسع، من تصعيد إسرائيلي على المستويين الإعلامي والسياسي خلال اليومين الماضيين، ضد السلطة في سوريا، بهدف ترسيخ واقع قواعد الاحتلال الموجود في الجنوب، في انقلاب واضح على التفاهمات الأولية السابقة المرتبطة بالاتفاق الأمني مع دمشق.

فرض واقع الاحتلال

ما حصل في قرية بيت جن، فجر أمس الجمعة، لم يكن استثنائياً لجهة تعرض دوريات الاحتلال لما يشبه “المقاومة الشعبية” الرافضة للتوغلات الإسرائيلية في جنوب غرب البلاد، ورد الاحتلال بقصف جوي وبري عشوائي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، إذ واجهت دوريات الاحتلال مقاومة مماثلة في بلدتي الجبيلية وكويا في ريف درعا الغربي، قبل نحو 7 أشهر، وسقط على إثرها 15 شهيداً من المدنيين والشبّان المسلحين الذي تصدوا للتوغلين.

لكن الاختلاف، إضافة لجرح جنود إسرائيليين، كان السردية الإسرائيلية السياسية والإعلامية التي استبقت العملية في القرية، إذ زعم وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس وجود مجموعات مسلحة داخل سوريا تفكّر في غزو مستوطنات مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وأن الأجهزة الأمنية “تأخذ هذا السيناريو بالحسبان ضمن تقديرات الدفاع عن الحدود الشمالية”. وادعى أن الحوثيين من بين القوات الناشطة في سوريا، وتُعدّ تهديداً لاحتمال تنفيذ اجتياح بري للمناطق الشمالية.

بدورها، زعمت هيئة البث الإسرائيلية أن حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية تعمل منذ أسابيع على بناء قوة عسكرية كبيرة داخل سوريا، وهو ما نفته الحركة. كما ادعت أن الحكومة السورية على علم بهذه التحركات، وأنها وعيّنت مبعوثاً لتسهيل التواصل بين قيادة “الجهاد الإسلامي” والسلطات السورية.

ما بين عملية بيت جن وما سيليها من عمليات مماثلة داخل العمق السوري، والتصعيد السياسي والإعلامي، تظهر محاولة إسرائيلية لترسيخ سردية مزعومة هي أن احتلال شريط بعمق 7 كيلومترات داخل الأراضي السورية كان هدفه حماية أمن مستوطنات الجولان المحتل، وأن الاتفاق الأمني مع سوريا بشروط دمشق، لن يحل المشكلة. وفي هذا السياق قد نشهد رداً إسرائيلياً على جرح عدد من الجنود بحيث لا يخترق ربما الفيتو الأميركي غير المعلن على الغارات الجوية في سوريا لاسيما استهداف دمشق، كما حدث في السابق.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديث لـ”المدن”، أن التصعيد الإسرائيلي ضد سوريا مرتبط بالسياق التفاوضي حول الاتفاق الأمني مع دمشق، وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن واللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويضيف علوش أن تل أبيب لجأت إلى هذا التصعيد في محاولة لفرض اتفاق أمني بالشروط الإسرائيلية، على ألا يقتصر على ترتيب أمني على أساس اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، إنما دفع دمشق إلى مسار سلام بين الجانبين في نهاية المطاف.

وفيما يؤكد أن هذا التصعيد يقوّض فرض الوصول إلى اتفاق أمني مع دمشق في المستقبل المنظور، أوضح أن الموقف الأميركي سيكون حاسماً في هذا العملية، وأن الولايات المتحدة تريد إيجاد سياق لمعالجة المطالب الإسرائيلية في سوريا، بحيث لا يؤدي الموقف الإسرائيلي إلى تصعيد التحديات على السياسة الأميركية في سوريا، لاسيما أن أهداف تل أبيب تتعارض مع أهداف واشنطن هناك.

نسف الاتفاق الأمني؟

ما تريده إسرائيل من الشرع هو اتفاق أمني بشروطها، وهو عدم الانسحاب من قمة جبل الشيخ والمواقع المحتلة في المنطقة العازلة عند الحدود مع الجولان، إلا من بعض المواقع في حالة الوصول إلى اتفاق سلام شامل فقط بين دمشق وتل أبيب، في حين يرفض الشرع أي اتفاق من دون انسحاب إسرائيلي إلى حدود 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، على أساس اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع استبعاده لأي مفاوضات تتعلق باتفاق سلام شامل مع إسرائيل.

وما يصدر عن لسان المسؤولين الإسرائيليين يوحي بأن الطريق نحو التوصل إلى اتفاق أمني أصبح مسدوداً، حيث قال كاتس إن إسرائيل “ليست على المسار الصحيح” للتوصل إلى اتفاق أمني أو تطبيع للعلاقات مع دمشق، فيما يشير التصعيد الإسرائيلي إلى محاولة لنسف كافة التفاهمات الأولية المتعلقة بمسار المفاوضات المتعلقة بالاتفاق، وإغلاق الطريق أمامها.

لكن علوش يعتقد أن الفرص أمام احياء مسار المفاوضات لم تنتهِ بعد، ويرجح أن تشهد الفترة المقبلة زخماً أميركياً من أجل ذلك قبل نهاية العام.

من جانبه، يرى الخبير في العلاقات السورية- الإسرائيلية خالد الخليل، أن التصعيد الإسرائيلي يعتبر مؤشراً خطيراً على محاولة فرض واقع احتلالي في منطقة الجنوب السورية يشبه الضفة الغربية، وضربة استباقية للانقلاب على التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال جلسات مباشرة تفاوضية سابقة للوصول إلى اتفاق أمني.

ويضيف الخليل لـ”المدن”، أن هناك صدمة إسرائيلية من التقارب والانفتاح الأميركي على الإدارة الجديدة في سوريا، وتريد فرض وقائع ميدانية والحصول على مكاسب تفاوضية بحيث يكون لها اليد العليا في تشكيل المعادلة الأمنية الجديدة في المنطقة، وذلك في إطار الهندسة الأميركية الإقليمية الجديدة.

ويلفت إلى أن إسرائيل تريد اختلاق حرب إلى الجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، في إطار استمرار رئيس وزراء الاحتلال نيامين نتنياهو بالشغب العسكري في المنطقة، لأسباب شخصية بحتة، كما يشير إلى أن الأشهر الـ10 المتبقية من عمر حكومة اليمين المتطرف ستكون حُبلى بالمفاجآت.

—————————–

عملية بيت جن… هل التصعيد الإسرائيلي مرتبط برفض دمشق التنازل عن مناطق محتلة؟

تل أبيب عرضت في المفاوضات اتفاق تفاهمات أمنية مع بقاء احتلالها لـ10 مواقع… أو اتفاق سلام من دون الجولان

تل أبيب: نظير مجلي

28 نوفمبر 2025 م

في وقت تؤكد فيه إسرائيل أن توغل قواتها في بلدة بيت جن السورية، في الساعات الماضية، جاء نتيجة عملية أمنية لمكافحة تنظيمات إرهابية، يقول محللون إن السبب الحقيقي وراء هذا التوغل يكمن في فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين دمشق وتل أبيب، التي حاولت فيها إسرائيل فرض إرادتها بضم أراضٍ سورية، وفقاً لمبدأ «السلام بالقوة».

وبحسب هؤلاء المحللين، عرض المفاوضون الإسرائيليون خيارين على حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع: إما التوصل إلى اتفاق سلام كامل تتنازل فيه دمشق عن أراضي الجولان المحتلة منذ عام 1967، وإما اتفاق تفاهمات مرحلي تُبقي فيه إسرائيل احتلالها لعشر نقاط في عمق الأراضي السورية من جبل الشيخ شمالاً وحتى الحدود الجنوبية.

وقد كشف عن جوهر هذا الخلاف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في تصريحاته الأخيرة التي قال فيها إنه يستبعد وجود «اتجاه للسلام» مع سوريا؛ ففي جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في البرلمان (الكنيست)، الأربعاء، قال كاتس إن «سوريا تطالب بتنازل إسرائيل عن الجولان، وهذا مستحيل».

ولكن كاتس أضاف حججاً تذرع بها للإبقاء على قوات الجيش الإسرائيلي وتنفيذ عملياته الحربية في العمق السوري، قائلاً إن «هناك قوى داخل حدودها (داخل سوريا) تفكر في غزو بلدات الجولان واستخدامها نقطة انطلاق لتنفيذ هجوم على البلدات الإسرائيلية (يقصد المستوطنات في الجولان)».

وذكر بين هذه القوى عدة تنظيمات إسلامية؛ بينها الحوثيون وميليشيات إيرانية وكذلك «داعش» و«حماس» وجماعات إسلامية أخرى، معتبراً أنها جميعها تشكل تهديداً «لغزو بري لشمال إسرائيل».

وقد أثارت هذه التصريحات استهجاناً حتى في تل أبيب؛ فكتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه «لم يسبق لإسرائيل أن تحدثت عن محاولات من جماعة الحوثيين اليمنية للعمل ضد إسرائيل من الأراضي السورية. ولا تتوفر أي معلومات عن نشاط في سوريا للحوثيين الذين سبق لهم إطلاق صواريخ ومسيّرات على إسرائيل خلال العامين الماضيين رداً على حربها لإبادة قطاع غزة».

وأثار كاتس مجدداً مسألة الدروز في سوريا، قائلاً إنها مسألة «تثير قلق المسؤولين الإسرائيليين»، وهدد بأن «لدى الجيش الإسرائيلي خطة جاهزة، وإذا حدثت غارات على جبل الدروز (جنوب سوريا) مرة أخرى، فسنتدخل مرة أخرى، بما في ذلك إغلاق الحدود».

وبموازاة ذلك، كان الجيش الإسرائيلي قد عزز وجوده في المنطقة الواسعة التي احتلها في العمق السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد، وتبلغ مساحتها 450 كيلومتراً مربعاً، إضافة إلى احتلال جميع قمم جبل الشيخ وبناء 10 مواقع عسكرية كبيرة فيها. وبعد أن كان سلاح الجو الإسرائيلي شن هجوماً شاملاً على مطارات سوريا وقواعدها العسكرية، فور سقوط النظام قبل نحو السنة، وقضى خلالها على 85 في المائة من قدراته الدفاعية، واصل شن الغارات على مناطق متفرقة في سوريا من دير الزور إلى حمص ومن حلب إلى درعا، ونفذ عمليات اجتياح لاعتقال من يسميهم «مشبوهين بالإرهاب». كما تدخل الجيش الإسرائيلي في الصراعات الداخلية في الجنوب السوري بحجة الدفاع عن الدروز، وطالب بممر إسرائيلي من الجولان إلى السويداء، التي تقطنها غالبية درزية.

وقسمت إسرائيل الجنوب السوري إلى منطقتين؛ الأولى كانت عبارة عن حزام أمنى على طول الحدود بعمق 5 – 7 كيلومترات، ويحظر فيه دخول أي مسلح، والثانية منطقة منزوعة السلاح ولا تدخلها آليات ثقيلة للجيش السوري وتمتد من دمشق وحتى درعا. وقد نفذت إسرائيل اعتداءات متفرقة في هذه المناطق الحدودية في وقت كانت فيه وفود تفاوض رفيعة بين البلدين تجتمع في عواصم مختلفة بإشراف وسطاء (مثل الولايات المتحدة وتركيا وأذربيجان).

ويرى محللون أن الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة كانت جزءاً من أدوات التفاوض، والضغط لفرض تنازلات على دمشق.

وفي الأسابيع الأخيرة استقدمت إسرائيل القوة 55 في الجيش الإسرائيلي، المعروفة بقوات الكوماندوز، وتم جلبها من منطقة خان يونس في قطاع غزة، لتنفذ عمليات على نمط ما قامت به في القطاع وفي بنت جبيل اللبنانية أيضاً. واقتحمت هذه القوات، فجر الجمعة، بلدة بيت جن بريف دمشق جنوب سوريا بقوات كبيرة لغرض اعتقال 3 أشخاص تشتبه بأنهم يشاركون في الإعداد لعمليات ضد إسرائيل. وبعد أن قامت باعتقالهم وهم على فراشهم في البيوت، وبدأت في مغادرة البلدة، تم إطلاق الرصاص عليها. ونتيجة لهذا الإطلاق المفاجئ أصيبت القوات بالصدمة والهلع، وغاصت ناقلة جنود في الوحل، وهربت القوة الإسرائيلية تاركة وراءها «جيب هامر» عسكرية ضخمة تعمل كالدبابة، لكنها دمرتها من الجو حتى تمنع وقوعها بأيدي المسلحين.

وقد أعلن الجيش أن 6 من جنوده وضباطه أصيبوا في الحادث، جراح اثنين منهم بالغة، وثالث متوسطة. فيما أعلن السوريون عن مقتل 13 مواطناً، وأصروا على أن القصف الإسرائيلي استهدف مواطنين مدنيين لا غير. وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليته «اكتملت. جميع المطلوبين اعتُقلوا، وتم القضاء على عدد من (العناصر الإرهابية)»، لافتاً إلى أنّ «قوات الجيش منتشرة في المنطقة، وستواصل العمل ضد أي تهديد يستهدف إسرائيل ومواطنيها». ومع أن الإسرائيليين قالوا إن المصابين هم «مخربون» ينتمون إلى «الجماعة الإسلامية»، أكدت مصادر محلية أنه لا يعرف عن المعتقلين أي ارتباط تنظيميّ أو أمنيّ، بل إنهم من المدنيين العاملين في الزراعة وتربية المواشي.

وباشرت القوات الإسرائيلية تنفيذ هجمات حربية انتقامية بعد هذه الحادثة، ففي القنيطرة، استهدفت قوات الاحتلال تل أحمر شرق ريف المحافظة بعدد من قذائف المدفعية، وجدّدت توغلها بريف المحافظة عند مفرق أم باطنة في ريف القنيطرة الشمالي، حيث توغّلت 3 آليات عسكرية بالمنطقة. وقالت إسرائيل إن لديها «بنك أهداف» للرد على إصابة جنودها في بيت جن.

—————————

واينت”: إسرائيل نقلت رسائل قاسية للشرع وتجهّز الردّ على هجوم بيت جن

29 نوفمبر 2025

الاحتلال يروّج لوجود مسلّحين من الجماعة الإسلامية لتبرير عدوانه

ذكر موقع واينت العبري، اليوم السبت، أن إسرائيل نقلت رسائل قاسية إلى الرئيس السوري أحمد الشرع بعد اشتباكات بيت جن الواقعة على بُعد نحو 11 كيلومتراً من الحدود مع هضبة الجولان المحتلة، بين قوات الاحتلال والأهالي والتي لحق بها عدوان إسرائيلي، مشيراً إلى أنّ الاحتلال يعمل على إعداد سلّة من الردود المحتملة، فيما لفتت مصادر أمنية إسرائيلية إلى أن تل أبيب لا ترى حالياً دليلاً على انخراط عناصر الحكومة السورية فيما حدث.

وليل الجمعة السبت، استشهد 20 سورياً وأصيب آخرون في قصف إسرائيلي جاء بعد إصابة ستة من جنود وضباط الاحتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بينهم ثلاثة بجروح خطيرة، في اشتباك مع شبان من البلدة تصدّوا لتوغل قوات الاحتلال في جنوب سورية. وقال الموقع إن الاشتباك اندلع إثر خروج قوات من الواء 55 (رأس الحربة) في مهمة لاعتقال سوريين ينتمون لـ”الجماعة” في قرية بيت جن، وفق المزاعم الإسرائيلية، مع العلم أن المصادر المحلية تؤكّد أنّ الاشتباك وقع بعد توغّل قوات الاحتلال بالمنطقة ومحاولة اعتقال سوريين، وهو ما تفعله في المنطقة منذ حوالى عام بعد سقوط نظام بشار الأسد. وشددت المصادر الإسرائيلية على أن الاشتباك “يعكس خطورة السماح بتمركز جهات معادية على مقربة من الحدود”، وأنه “لا يمكن التوصل إلى اتفاق في هذه المرحلة، لأن سورية دولة غير مستقرة”. وأكدت أن الأهم من كل ذلك، هو أن ما حدث يؤكد أنه “لا ينبغي لإسرائيل الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها (عقب سقوط نظام الأسد)، وخاصة من جبل الشيخ”، في إشارة إلى المزايا الاستراتيجية الفريدة التي تتمتع بها قمة الجبل السوري لا سيما على المستوى الأمني.

وبحسب الرواية التي يروّج لها الاحتلال في إعلامه بخصوص وجود وجود مسلّحين في المناطق الحدودية لتبرير اعتداءاته واحتلال مواقع سورية استراتيجية، وتنفيذ مخططه بإنشاء منطقة منزوعة السلاح له نفوذ فيه؛ بحسب رواية الاحتلال إذاً، فإن الاشتباك الاستثنائي في جنوب سورية كان ضد عناصر “الجماعة الإسلامية” التي وصفها بأنها حركة سنية لبنانية تأسست كذراع لجماعة الإخوان المسلمين في لبنان عام 1964، وانتشرت لاحقاً إلى سورية، قبل أن تؤسس جناحها العسكري في الثمانينيات، ويبدأ الأخير مذّاك بالتعاون مع التنظيمات المعادية لإسرائيل، وعلى رأسها مع “حماس” في لبنان وسورية، ومع حزب الله في لبنان.

أمّا الجناح العسكري للجماعة، وفق رواية الموقع الإسرائيلي، فهو “قوات الفجر”، الذي شارك في عمليات ضد إسرائيل خلال الحرب التي شنتها الأخيرة على غزة ولبنان، إلى جانب حماس، و”محور المقاومة” الذي تقوده إيران، لكن لم يوضح أين وكيف شارك. ووفق الموقع، “لدى قوات الفجر مواقع عسكرية في جنوب لبنان وبنى تحتية عسكرية على الحدود السورية-اللبنانية، وكذلك في منطقة بيت جن، حيث وقع الاشتباك”، مشيراً إلى أن” هذه القوات تجند عناصر محددة وتُعد لاعباً مؤثراً نسبياً في الجبهة الشمالية”. ونوّه إلى أن جيش الاحتلال شن خلال الحرب ضربات ضد عناصر الجماعة وبناها التحتية العسكرية سواء في سورية أو لبنان. وواضح أنّ الرواية الإسرائيلية مرسومة بالكامل لتناسب مخططات الاحتلال ومطامعه في سورية.

من جهة ثانية، استغربت “الجماعة الاسلامية” في لبنان، في بيان اليوم السبت، “ما تم تداوله عبر وسائل إعلام عدة، لجهة زجّ الاحتلال الإسرائيلي باسم الجماعة في خبر اعتدائه على بلدة بيت جن السورية، واتهامها بالقيام بأنشطة في البلدة المذكورة”، وشجبت “الاعتداء الإسرائيلي على البلدة وعلى أهلها الآمنين”. وشددت الجماعة على أنه “ليس لديها أي نشاط خارج لبنان، وأنها ترفض الزج باسمها في أي أعمال ليس لها أية علاقة بها”، كما أكدت “الالتزام بما التزمت به الدولة اللبنانية في اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال، والعمل في ظلّ سلطة القانون والمؤسسات”.

واللافت أنّ تبرير العدوان الإسرائيلي في بيت جن، والذي يتوافق مع تحرّكات قوّات الاحتلال اليومية ومطامعها جنوبي سورية منذ سقوط الأسد، جاء متزامناً مع القرار الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع الأسبوع، والذي صنّف الإخوان المسلمين في لائحة “الإرهاب”، وهو ما شكّل فرصة للاحتلال لاختلاق رواية المسلّحين في بيت جنّ، وهذا ما ينعكس في ما عبّر عنه الموقع الإسرائيلي بالإشارة إلى أن قرار ترامب يقيّد الجماعة ويحدّ من نشاطاتها، إذ تتهمها الولايات المتحدة بـ”تحريض الشباب المسلمين على التطرف وبالإضرار باستقرار الشرق الأوسط”، حيث جاء قرار ترامب في سياق مخاوف متزايدة في إدارته من نشاط الجماعة على الصعيد العالمي. وفي الصدد، أشادت إسرائيل من جهتها بقرار ترامب، فيما قال رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إن “إسرائيل سبق أن حظرت أجزاء من التنظيم، ونحن نعمل على استكمال الخطوات اللازمة”.

إلى ذلك، شهدت مختلف محافظات سورية، أمس الجمعة، مظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي على جنوب البلاد، وفي إطار الاحتجاج، أحرق سوريون أعلام إسرائيل في العاصمة دمشق، فيما نُظّمت بالتوازي تظاهرات ضد إسرائيل في بيت جن، وأخرى في الريف الغربي لمدينة حماة، وفي حمص كذلك، حيث هتف المحتجون “يا صهيوني إسمع إسمع، الشعب السوري لا لن يركع”. من جهته، هاجم وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، إسرائيل في مقابلة مع القناة السورية “الإخبارية”، واتهمها بأنها “تحاول زعزعة الدولة من خلال الهجمات العسكرية”، ووصف إسرائيل بأنها “تحدٍّ لسورية”، مشابه لـ”داعش، وقوات سورية الديمقراطية، وبقايا نظام الأسد، وحزب الله، وإيران”.

—————————

===================

تحديث 28 تشرين الثاني 2025

—————————

الجنوب السوري.. مفتاح الحل أم بوابة الحرب؟/جو حمورة

ما هو دور الجنوب السوري في الحل والحرب؟

2025-11-28

ليس الجنوب السوري اليوم مجرد مساحة على خريطة النزاعات، بل هو مسرح مفتوح للصراعات الاستراتيجية، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والدولية مع الانقسامات المحلية، ويصبح كل طريق، وكل قرية، وكل تلة عنصراً في لعبة مصيرية قد تحدد مستقبل سوريا كلها. درعا، القنيطرة، السويداء… كل متر فيها يحمل احتمالات متعددة، بين ترتيب استراتيجي يعيد رسم حدود السلطة، وبين فتيل قد يشعل مواجهة شاملة، ليس على الأرض السورية فحسب، بل في نطاق كامل من النفوذ الإقليمي.

السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تتصرف بعقلية بقاء صارمة. السلطة هي الهدف الأعلى، وكل شيء آخر يُقاس بمعيار السيطرة المطلقة على الدولة. الشرع لا يسعى إلى شرعية شعبية أو دور إقليمي فخم، بل إلى ضمان استمرارية حكمه، وحتى إذا اقتضى الأمر قبول إعادة انتشار القوات الروسية في الجنوب، فهو لا يمانع طالما يضمن الأمر له فرض هيبة الدولة وسط الفوضى المحلية، أو حتى شكل من أشكال التوازن مع إسرائيل. هذه المرونة الاستراتيجية تمنح الشرع هامشاً للمناورة، وتوضح أن الهدف ليس مجرد حماية مؤسسته، بل إدارة الجنوب بوصفه منطقة حساسة تتحكم في مسار السياسة السورية المستقبلية.

أحداث الجنوب السوري المتصاعدة، من الاشتباكات بين العشائر البدوية والجماعات الدرزية في السويداء ودرعا، إلى التقدم البري الإسرائيلي في الكثير من القرى السورية، كانت العامل الحاسم الذي دفع الشرع إلى التفاوض على اتفاق أمني مع تل أبيب. الهدف واضح: ضبط الحدود، منع أي تصعيد، وخلق استقرار نسبي في الجنوب، قبل أن يمتد الخطر إلى دمشق نفسها. هذا التوجه، رغم ضرورته الأمنية، لم يكن مرحباً به لدى أنقرة، التي ترى في أي اتفاق مباشر مع إسرائيل تجاوزاً للحدود التقليدية لنفوذها الإقليمي، ويهدد مصالحها في سوريا، خصوصاً بعد فترة من النفوذ التركي المكثف على السلطة السورية الجديدة.

في المقابل، إسرائيل ترى في الجنوب فرصة استراتيجية لا تُعوَّض. الحدود، الممرات، المراكز الاستراتيجية، وحتى وجود الأسلحة الثقيلة، كلها عناصر قابلة لإعادة ترتيبها. التقدم البري الإسرائيلي في القرى السورية ليس مجرد مناورة عابرة، بل اختبار دقيق للحدود، وفرض واقع جديد على الأرض، يظهر أن الجنوب تحت المراقبة، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تواجه الرد المباشر. من منظور تل أبيب، السيطرة على الجنوب ليست هدفاً تكتيكياً فحسب، بل أداة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية، وتأمين خطوط النفوذ الحيوية في مواجهة أي تحركات سورية غير متوقعة.

في هذا السياق، تتعمق العلاقات بين الدروز في السويداء وإسرائيل بشكل لافت. التواصل الأمني والاستخباراتي، وتبادل المعلومات حول مناطق النفوذ، أوجد شبكة مستقلة تعمل على الأرض بعيداً عن دمشق. هذه العلاقات، التي بدت سطحية منذ سنة، تتحول تدريجياً إلى شريان استراتيجي يسمح لإسرائيل بخلق مناطق آمنة، ويضمن للقيادة الدرزية الحفاظ على مصالحها، من حماية نفسها إلى فرض النفوذ في الداخل ومناطق تواجدها. الجنوب هنا ليس مجرد أرض نزاع، بل جسر بين مصالح محلية وأجندات إقليمية، بين البقاء والحرب، بين نفوذ الدولة وامتداد القوى الأجنبية، ويصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الشرع على إدارة التحالفات غير التقليدية من أجل بقاء النظام الجديد.

لكن المشهد المحلي لا يقل سخونة. الاشتباكات المتفرقة، الاغتيالات، والتوترات المستمرة، تجعل أي ترتيب هشاً معرضاً للانفجار في أي لحظة. الجنوب السوري يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الحكومة الانتقالية على فرض هيبة الدولة، وقياس مدى التحكم في الفوضى، وبين الوقت الذي تستغرقه إسرائيل لفرض واقعها على الأرض، وبين مدى قدرة الشرع على التفاوض والمناورة بحذر استراتيجي.

هنا تظهر النظرة الاستراتيجية بوضوح. الجنوب ليس مجرد مشكلة أمنية داخلية، بل عامل حاسم في الحسابات الإقليمية. أي اتفاق أمني مع إسرائيل يفرض على دمشق نمطاً جديداً من الإدارة المحلية، كضبط الحدود، تقييد السلاح الثقيل، الحفاظ على الاستقرار في السويداء ودرعا، وترك هامش محدود للنفوذ التركي، كل ذلك ضمن ترتيب دقيق يعكس واقع القوة الجديدة. في الوقت نفسه، أي فشل أو انفلات في الجنوب قد يتحول إلى شرارة حرب إقليمية، حيث تتقاطع مصالح الجميع على الأرض نفسها.

التوازنات الإقليمية تضيف طبقات إضافية من التعقيد. إسرائيل تتحرك بحذر تكتيكي، تركيا تراقب بقلق، روسيا موجودة كعنصر استقرار محدود، وكل القوى الكبرى والإقليمية الأخرى تضغط لتفادي انزلاق الجنوب إلى حرب شاملة. كل هذه التحركات تجعل من الجنوب نموذجاً مصغراً للعبة أكبر، إعادة تعريف الدولة السورية، إعادة ضبط النفوذ، وتحويل الفوضى المحتملة إلى ترتيب استراتيجي، أو إلى صراع مفتوح إذا لم تُحسن الحسابات.

في النهاية، الجنوب السوري ليس مجرد ساحة نزاع بل اختبار للبقاء، وجسر بين مصالح الدولة الجديدة وأمن إسرائيل، وبين مصالح الدروز ورغبتهم في حماية مجتمعاتهم عبر تحالفات واقعية مع تل أبيب. هل سيكون مفتاح الحل؟ أم بوابة الحرب؟ الإجابة ستُكتب على الأرض، في القرى التي تتقدم إليها القوات الإسرائيلية، في الاتفاقات شبه السرية بين الدروز وإسرائيل، كما بين الشرع وإسرائيل، وفي كل خطوة سياسية يتحول فيها التوازن الدقيق بين البقاء والسيطرة والفوضى إلى احتمال مفتوح على الكثير من الاحتمالات، بين السلام والحرب، بين الاستقرار والانفلات.

الجنوب السوري اليوم ليس مجرد تحدٍ داخلي إذاً، بل نموذج حي لتحولات المنطقة. السلطة الجديدة تسعى للبقاء عبر التفاوض والتسوية، إسرائيل تسعى لضمان الأمن، والدروز يوازنون بين البقاء والمصالح المحلية، بينما القوى الإقليمية الكبرى ترصد كل خطوة. هنا، في هذا المثلث المتوتر، قد يولد الحل، وقد تشتعل الحرب، والنتيجة ستحدد ليس فقط مستقبل سوريا، بل معادلات القوة الإقليمية كلها.

*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+

+963

—————————

===================

تحديث 27 تشرين الثاني 2025

—————————

 السويداء بين خيارين/ عدنان علي

2025.11.27

رغم أن مشاهد رفع صور بنيامين نتنياهو وأعلام إسرائيل في محافظة السويداء السورية ليست جديدة مع الأسف، فإنّ ظهورها بتلك الكثافة في “مسيرة السيارات” كان صادماً لمعظم المواطنين السوريين، خصوصاً أن حدّة التوتر مع الحكومة في دمشق يُفترض أنها تراجعت، ولا توجد أحداث ساخنة في السويداء يمكن أن يستند إليها من يريد تبرير مثل هذه التصرفات، التي لا يمكن تبريرها بأي ذرائع في جميع الأحوال.

وخلال الفترة التي أعقبت أحداث السويداء بعد شهر تموز الماضي، شهدنا مثل هذه المشاهد المستفزة التي تكررت في مسيرات يوم السبت، قبل أن تتراجع وتختفي تقريباً مع توقف أو عدم انتظام تلك المسيرات، في وقت تواصلت فيه جهود الحكومة والجهود الإقليمية برعاية الولايات المتحدة لإيجاد مخارج للوضع في السويداء.

وذلك بالتزامن مع مبادرات من جانب الحكومة أو لفتات حسن نية مثل إرسال رواتب الموظفين، وتقديم المزيد من الخدمات، وتأمين طريق السويداء-دمشق، إضافة إلى المساعدة في تحرير بعض المختطفين في المحافظة.

ومع هذه الأجواء، كان من المنطقي توقع خطوات إيجابية مماثلة من جانب الفئة المتحكمة بالقرار في السويداء -أي تحالف الشيخ الهجري والفلول- أو على الأقل عدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية، إفساحاً في المجال لإنضاج الحلول المطروحة.

    هذا التطور قد يخرج تلك الفئة التي تختطف قرار أهل السويداء من كل الحسابات الوطنية، ويكشف زيف تمثيلها لمصالح المحافظة، بوصفها مجرد فئة رخيصة تستجدي التدخل الإسرائيلي مقابل رفض أي حوار مع الحكومة الوطنية في دمشق..

لكن “مسيرة السيارات” الأخيرة أثارت تساؤلات حول دوافعها، ويمكن مقاربة تفسيرها من زاويتين رئيسيتين:

    الأولى أنها قد تكون جاءت كرد فعل على الزيارة الأخيرة للرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة وما رافقها من مؤشرات إيجابية باتجاه تخفيف العقوبات، الأمر الذي قد تكون بعض الأطراف في السويداء قد اعتبرته تراجعاً في خياراتها السياسية، فاختارت الرد بإظهار تقارب معلن مع إسرائيل.

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن زيارة مسؤولين إسرائيليين للأراضي السورية جاءت أيضًا في سياق ردود فعل على تلك التطورات.

وعلى أي حال، فإن هذا التطور قد يخرج تلك الفئة التي تختطف قرار أهل السويداء من كل الحسابات الوطنية، ويكشف زيف تمثيلها لمصالح المحافظة، بوصفها مجرد فئة رخيصة تستجدي التدخل الإسرائيلي مقابل رفض أي حوار مع الحكومة الوطنية في دمشق، ورفض التعامل الإيجابي حتى مع الحلول التي ترعاها جهات إقليمية أو دولية، بما فيها الولايات المتحدة، إذ تضع كل أوراقها في سلة حكومة نتنياهو المتطرفة والمنبوذة دولياً بسبب جرائمها في قطاع غزة التي يندى لها جبين الإنسانية.

وبهذا الخيار، تكون تلك الفئة قد حكمت على نفسها بالعزلة، ليس فقط عن الحالة الوطنية السورية، بل حتى عن أهل السويداء ومصالحهم الحقيقية التي يصعب تخيلها بمعزل عن بقية أبناء الوطن في سوريا، إذ تبيعهم الأوهام بالاستقلال اعتمادًا على دعم مزعوم من إسرائيل التي تحتل أرضاً سورية وتواصل اعتداءاتها اليومية على الأراضي السورية.

وفي الوقت الذي يلوذ فيه هؤلاء بحكومة الاحتلال ويوجهون لها الشكر ويرفعون صور رئيس حكومتها المجرم نتنياهو وأعلام الاحتلال، فإنهم في الوقت نفسه يطلبون من الحكومة في دمشق مختلف الخدمات: من وقود وطحين ورواتب للموظفين وتأمين الطريق الدولي بين السويداء ودمشق، دون أن يكفّوا عن اتهام هذه الحكومة بالإرهاب والتكفير والتطرف.

وهذا السلوك الأرعن لا يبشّر أهل السويداء بأي مستقبل مشرق، بل يعدهم بمزيد من البعد عن إخوانهم في وطنهم سورية، وبمزيد من المعاناة لتأمين احتياجاتهم الأساسية التي لا تزال الحكومة -التي يشتمها هؤلاء- هي من يوفرها لهم، مع استمرارهم في التعامل السلبي مع كل الحلول المطروحة، وتمنّيهم أن تنشأ ظروف مجهولة تؤدي إلى إضعاف الحكومة في دمشق أو حتى سقوطها نهائيًا، لتعود إلى الحكم صيغة تحالفات جديدة من الفئات التي اعتبرت نفسها مهزومة برحيل النظام السابق، تحت رعاية اسرائيلية.

إلا أن هذه السيناريوهات لا تحظى بدعم واقعي، خصوصاً أن العام المنصرم شهد تحسناً في موقع الحكومة السوريّة دولياً وإقليمياً، إلى جانب مؤشرات على قرب تخفيف العقوبات الأميركية.

وبعد مرور عام كامل على تسلّم النظام الحالي للحكم، نجد أنه حقق العديد من الإنجازات على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولا أحد في المجتمع الدولي  -بما في ذلك الولايات المتحدة- يراهن على أي قوى أخرى غير الموجودة في السلطة اليوم.

وهذه السلطة سوف تحظى بمزيد من عوامل القوة مع استكمال رفع العقوبات الأميركية المتوقع مع نهاية العام الجاري، لتبدأ بعدها آثار التحسن بالظهور تدريجياً في حياة المواطنين.

وهو ما قد يعزز التوجه نحو الاستقرار ويقلل تأثير الجهات التي تتبنى خيارات تصعيدية في السويداء، الأمر الذي قد يدفع الأهالي إلى إعادة الانخراط في الإطار الوطني العام بالتوازي مع تحسن الظروف المعيشية وعودة مسار التعافي، خصوصاً أن النهج الحالي للفئة المتحكمة في قرار السويداء يثير مخاوف داخلية في المحافظة، ويعمّق الفجوة بين تلك الجهات وبين البيئة المحلية، ويبتعد عن المصالح العملية لأهالي المحافظة الذين تبقى علاقتهم اليومية بالخدمات الأساسية مرتبطة بالدولة السورية، فضلا عن شعورهم بالانتماء الوطني لبلدهم والذي لا يمكن طمسه برغم كل هذا الضجيج حول المظلومية، الحقيقي منه والمفتعل.

تلفزيون سوريا

———————————–

نتنياهو منتفخاً في سورية/ أحمد مظهر سعدو

27 نوفمبر 2025

بدلاً من أن تتوقف إسرائيل، ولو نسبيّاً، عن ممارسة تعدّياتها اليومية على الأراضي السورية، بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع واشنطن، وما جاء به من دعم أميركي، ووعود كثيرة، بالحفاظ على وحدة بلاده، وإعادة الإعمار، ولجم التدخلات الإسرائيلية المستمرّة في الشأن السوري، عمل رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عبر محاولاتٍ عديدة تصعيداً للوضع على الأراضي السورية، حيث بدأها بـ”زيارة” استفزازية، وبالزي العسكري، إلى الأراضي السورية، التي سبق أن احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى موسكو، وكان في هذا يريد أن يرسل رسائل عديدة، منها أنه لن يتأثر بكل التصريحات الأميركية الداعمة للسوريين، بل هو ما زال في حيز إصراره على الاحتلال لتلك المناطق في الداخل السوري، خصوصاً المنطقة العازلة، ومن ثم قمّة جبل الشيخ، لكن الأدهى والأمرّ والأكثر استفزازاً ما نطق به يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، عندما قال إن الرئيس السوري أحمد الشرع “عاد منتفخاً من واشنطن”. وأنه ( نتنياهو) لن ينسحب من الأراضي التي احتلها بعد “8 ديسمبر” (2023)، وهو لم يعد يريد اتفاقاً أمنيّاً، مع دمشق، بل “اتفاق سلام كامل وشامل”.

ويبدو أن من عاد منتفخاً نتنياهو نفسه، وليس الرئيس أحمد الشرع، خصوصاً أنه يدرك تمام الإدراك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن إلا أن يكون إلى جانب إسرائيل، وأن ما يسمّى الأمن القومي الإسرائيلي هو الأهم للأميركان، من أي أمن آخر في المنطقة، لأي دولة عربية أو مسلمة.

إذاً، يمكن القول، على هذا الأساس، إن كل الوعود الأميركية لدمشق، باتت خلّبية، بما يخص العلاقة مع إسرائيل، وأهمية الوصول إلى اتفاق أمني، أو تفاهم يؤدّي إلى هدوء على الجبهة السورية الإسرائيلية، وعودة الأراضي إلى أهلها السوريين.

كان نتنياهو، كما يتمظهر في حالة المشهد، وما زال يعيش حالة الانتفاخ وفرط القوة، التي حققها له الأميركان، إبّان عدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية، وكذلك على جنوب لبنان، وأيضاً على إيران، وأن كل ما قيل عن إمكانية انسحاب إسرائيلي من أراضٍ احتلتها إسرائيل أخيراً تبخّرت، بدعوى أن نتنياهو، كما قال، يريد اتفاق سلام. وربّ سائل يسأل عن أي سلام يتحدّث نتنياهو؟ حيث بات يدرك أن من المستحيل، ضمن الظروف الحالية وفرط القوة التي يمتلكها، الوصول إلى أي اتفاقٍ قد يؤدّي إلى انسحاب حقيقي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران 1967، حيث يمتلك نتنياهو في جيبه اعترافاً أميركيّاً منذ ولاية ترامب الأولى بضم الجولان إلى إسرائيل، علاوة على حالة الدولة السورية، وكذلك العرب كافة، في غياب أي مشروع عربي حقيقي وجدي، لمواجهة إسرائيل ووقف تعدّياتها وعربدتها في المنطقة العربية، ثم تهافت الجميع نحو إقامة علاقات مع الكيان الإسرائيلي، وصولاً إلى مشروع السلام الإبراهيمي.

لم تستطع كل الدول العربية، ولا النظام العربي الرسمي، وقف حرب الإبادة التي جرت فصولاً ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، ولا تمكّنت من منع عدوان إسرائيل على قطر، ولا هي بصدد وقف العدوان المستمرّ على لبنان ولا على سورية. كل هذا المشهد يدركه نتنياهو تمام الإدراك، وهو اليوم يفاوض بالنار الدولة السورية وغير السورية، ويتمنّع عن الدخول أو الوصول إلى تفاهمات أمنية مع دمشق، ويقول إن سورية هي من تحتاج إلى اتفاق أمنيّ مع إسرائيل، وليست إسرائيل من تحتاج إليه مطلقاً، بينما هو يتاجر باحتمالات تكرار “7 أكتوبر” جديدة على حدود مفترضة مع سورية، ضمن حالة تخويف واستنفار محلي وعالمي ضد سورية. بينما سورية ما زالت تترقّب وتتلهف إلى رفع عقوبات قيصر، وما برحت تناشد العالم، لوقف التعدّيات الإسرائيلية على أراضيها، وهي التي أعلنت غير مرّة أنها ليست بصدد فتح معارك مع أحد، لا إسرائيل ولا سواها، وهذا ما قاله الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مرّات.

يشعر نتنياهو اليوم بانتفاخ ما بعده انتفاخ، وهو يقرأ بعمق وصلف واقع السوريين والعرب، وما زال يصر على كل متطلباته غير المعقولة أبداً، خصوصاً ما يتعلق بالحديث عن إخلاء جنوب سورية من كل السلاح الثقيل، لتكون سورية الجنوبية ساقطة عسكريّاً قبل الدخول في أي معركة عسكرية، كما يصرّ نتنياهو على البقاء في قمّة جبل الشيخ الاستراتيجية، ويرفض أي حلول ثالثة، أو جزئية، وهو ما زال يزاود بمسألة السلام الدائم من دون أن يجد من يمنعه من كل هذه العربدة إقليميّاً أو دوليّاً.

تريد سورية بعد واشنطن بناء دولتها، ووحدة جغرافيتها، وإعادة الإعمار، وتريد أن يكون العام المقبل (2026) عام التنمية في سورية، لكن إسرائيل لا تريد ذلك، ولا توجد أي جدية اميركية من أجل الضغط على إسرائيل لإنفاذ أية اتفاقية، إلا وفق شروطها الصعبة والمستحيلة، ومنها أيضاً فتح ممرّ تسميه إسرائيل ممرّاً إنسانيّاً، كما تقول، يفتح الطريق نحو السويداء.

وحكومة دمشق عاجزة كما يبدو عن قطع الطريق على نتنياهو، عبر إيجاد توافق ما مع السويداء والجنوب. ولا حتى مع شمال شرق سورية، الذي ما يزال يشكل عبئاً ثقيلاً على عملية البناء والوحدة لدى السوريين.

إلى أين تتحرّك سورية بعد تصريحات نتنياهو ومواقفه المتشنجة والمعربدة ضد سورية والحكم في دمشق؟ وهل هو اختبار إسرائيلي لدمشق؟ وهل تستطيع دمشق تجاوز هذا الاختبار بنجاح؟ وهل يمكن أن نصدّق أميركا ترامب بوعودها للسوريين، وللرئيس أحمد الشرع خصوصاً؟

العربي الجديد

———————–

كاتس: جماعات مسلحة بسوريا تفكر في غزو هضبة الجولان

تل أبيب: «الشرق الأوسط»

27 نوفمبر 2025 م

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال اجتماع لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، الأربعاء، إن هناك جماعات مسلحة داخل سوريا تفكر في غزو هضبة الجولان، وفق ما نشرت صحيفة «تايمز اوف إسرائيل».

وأضاف كاتس أن إسرائيل «ليست على مسار» التوصل إلى اتفاق أمني أو تطبيع مع دمشق، وأنها تتحضر لسيناريوهات قد تحاول فيها القوات السورية أو ميليشيات مختلفة داخل البلاد مهاجمة المستوطنات الإسرائيلية أو تهديد المجتمع الدرزي السوري مجدداً.

وأشار إلى أن «الحوثيين»، يدرسون إمكان القيام بغزو بري لهضبة الجولان، وفق التقرير نفسه.

من جانبها، انتشرت القوات الإسرائيلية على مدار الفترة الماضية في تسع نقاط داخل جنوب سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، معظمها ضمن منطقة عازلة تراقبها الأمم المتحدة على الحدود بين الدولتين، بما في ذلك نقطتان على الجانب السوري من جبل الشيخ (جبل حرمون).

وأوضحت إسرائيل أن «القوات تعمل في مناطق تمتد حتى نحو 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية؛ بهدف حماية المستوطنات الإسرائيلية وتأمين الأسلحة التي قد تشكل تهديداً إذا وقعت في أيدي قوات معادية، بما في ذلك (حزب الله) اللبناني أو ميليشيات أخرى مدعومة من إيران».

تقع هضبة الجولان في الزاوية الجنوبية الغربية من سوريا وتبعد 60 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة دمشق، وتقدَّر مساحتها الإجمالية بـ1860 كيلومتراً مربعاً.

احتلت إسرائيل نحو 1250 كيلومتراً مربعاً من الهضبة أثناء حرب يونيو (حزيران) عام 1967 والتي بات يطلق عليها «نكسة حزيران»، ثم ضمتها فعلياً في عام 1981، وهو إجراء لم تعترف به الأمم المتحدة التي استمرت في عدِّها أرضاً سورية محتلة.

—————————

 “كاتس”: لسنا على المسار الصحيح للتوصل إلى اتفاق أمني أو تطبيع مع دمشق

2025.11.27

زعم وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال اجتماع لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست، أن هناك حاليا مجموعات مسلحة داخل سوريا تفكر في الهجوم على مرتفعات الجولان.

وقال كاتس حسب ما نقلت هيئة الإذاعة الإسرائيلية (كان) اليوم الخميس إن إسرائيل “ليست على المسار الصحيح للتوصل إلى اتفاق أمني أو تطبيع مع دمشق، وتستعد لسيناريوهات تحاول فيها القوات السورية، أو الميليشيات المختلفة داخل البلاد، مهاجمة إسرائيل أو تهديد المجتمعات الدرزية السورية مرة أخرى”.

وأضافت الهيئة أن “كاتس” أبلغ اللجنة أن الحوثيين من بين القوات العاملة في سوريا، في حين تدرس الميليشيات المدعومة من إيران غزوا بريا لمرتفعات الجولان.

المفاوضات السورية مع إسرائيل

وقبل أيام قالت هيئة البث الإسرائيلية، إن المفاوضات مع ⁧‫سوريا⁩ وصلت إلى طريق مسدود، في ظل مساعي وسطاء دوليين لعقد اتفاق أمني بين الاحتلال الإسرائيلي والحكومة السورية الجديدة بناء على اتفاق عام 1974.

وأضافت الهيئة، أن “المفاوضات مع سوريا تجمدت بعد خلاف حول الانسحاب من الجنوب السوري”، وهي المناطق التي توغلت فيها قوات الاحتلال بعد يوم الثامن من كانون الأول 2024 إثر سقوط نظام الأسد.

وأشارت إلى أن‏” إسرائيل لا ترغب في التوقيع على (اتفاق أمني) بل (اتفاق سلام) مع سوريا”، مبينة أن حكومة الاحتلال أبدت استعدادها للانسحاب فقط عند توقيع اتفاق سلام كامل مع ⁧‫سوريا.

وأكّدت الهيئة أن “إسرائيل ترفض طلب الشرع الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام ⁧‫الأسد”.

—————————

 لتلبية الاحتياجات.. توقيع مذكرة اتفاق بين محافظة السويداء ومنظمة “زوا

2025.11.27

أعلن محافظ السويداء مصطفى البكور، أمس الأربعاء، توقيع مذكرة اتفاق مع منظمة “زوا” الدولية، بهدف تنفيذ حزمة مشاريع خدمية وتنموية لتلبية احتياجات السكان في عدد من بلدات المحافظة بحسب ما ذكر عبر قناته الخاصة على “تلغرام”.

وقال البكور إن الأعمال المقررة في منطقة المشنف تشمل إعادة تأهيل بئر الدياثة، وتوزيع مدافئ متعددة الوقود و450 كغ من ثفل الزيتون لنحو 750 عائلة. ويشمل البرنامج أيضاً دعم 600 مزارع بالمدخلات الزراعية والحيوانية، وتنفيذ تدريبات على الزراعة الذكية مناخياً لنحو 350 مستفيد، إضافة إلى تدريب 500 امرأة على تصنيع المنظفات من النباتات الطبية، بالتوازي مع إعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي.

ويمتد الاتفاق إلى منطقة القريا، حيث ستتم إعادة تأهيل بئرين في بلدة بكا وتزويدهما بمحولات كهربائية في منطقة القريا – صلخد، إلى جانب توزيع المدخلات الزراعية والحيوانية لصغار المزارعين، ليستفيد منها نحو 1840 مزارعاً.

كما يتضمن البرنامج تنفيذ توزيعات شتوية في القرى المستضيفة للنازحين من الريفين الغربي والشمالي للسويداء، وتشمل نحو 425 عائلة ستحصل كل منها على مدفأة متعددة الوقود و450 كغ من ثفل الزيتون لمدة ثلاثة أشهر.

تعزيز التعاون الإنساني في محافظة السويداء

شهدت محافظة السويداء، قبل ثلاثة أيام، سلسلة تحركات لتعزيز التعاون الإنساني، تمثّلت بثلاثة لقاءات رسمية جرى خلالها توقيع مذكرات تفاهم وخطط دعم مع بطريركية أنطاكية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة “ساماريتنز بيرس”. ركّزت هذه التفاهمات على تلبية احتياجات الأهالي في ظل الظروف الراهنة، وتقديم دعم شامل للسكان المتضررين، في محاولة لتخفيف الضغوط المعيشية المتزايدة ورفع مستوى الخدمات المقدّمة للمجتمع المحلي في المحافظة.

توترات أمنية وخروق لوقف إطلاق النار

أما عن الحالة الأمنية فشهدت محافظة السويداء خلال الأيام الأخيرة توترات أمنية متقطعة رافقت النقاشات الدائرة حول تثبيت وقف إطلاق النار، وسط معلومات رسمية عن تسجيل خروق في بعض المحاور الريفية. ورغم الإعلان عن ترتيبات تهدف إلى تهدئة الأوضاع، بقيت التحذيرات مستمرة من احتمال تجدد الاستهدافات المتبادلة في أكثر من نقطة داخل المحافظة.

—————————

===================

تحديث 26 تشرين الثاني 2025

—————————

حدود التناقض الأميركي الإسرائيلي في سورية/ مروان قبلان

26 نوفمبر 2025

بعد نحو عام على سقوط نظام الأسد، يمكن القول إنه بات بالإمكان تمييز سياسة أميركية واضحة في سورية. التردّد والتحفّظ اللذان اتسم بهما السلوك الأميركي غداة وصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم في دمشق أخذا يتراجعان، منذ مايو/ أيار الماضي، لصالح مقاربة تقوم على الانفتاح والتعاون، عندما وافق الرئيس ترامب على لقاء الرئيس أحمد الشرع، على هامش القمة الأميركية – الخليجية في الرياض. صحيحٌ أن واشنطن استجابت لضغوط تركية – خليجية للانفتاح على إدارة الشرع، لكن رؤية الولايات المتحدة إلى مصالحها هي التي أملت، في النهاية، عمق (واتجاه) التغيير الذي طاول سياساتها السورية. تقوم المقاربة الأميركية في سورية على ركيزتين أساسيتين: شخصيّة، تتجسّد في إعجاب الرئيس ترامب بالقوة بمعناها التقليدي، وتفضيله التعامل مع قادة “أقوياء”، مثله، بحسب زعمه. وسياسيّة، تقوم على حسابات الربح والخسارة، والفرص والمخاطر التي يوفرها التغيير السوري. أما المخاطر فتتمثل في أن بديل نظام الشرع قد يكون الفوضى أو نظاماً أكثر تطرّفاً، أو، وهذا احتمال ضعيف جداً، عودة إيران وحلفائها.

في المقابل، يوفر نظام الشرع فرصة لتحقيق جملة من الأهداف الأميركية، أولها أنه يضع سورية، ذات الموقع الاستراتيجي الفريد، لأول مرة في المعسكر الأميركي منذ 1954 عندما أبرمت دمشق في عهد الرئيس هاشم الأتاسي صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، تم تنفيذها في عهد الرئيس شكري القوتلي، بعدما رفضت أميركا وبريطانيا إمدادها بالسلاح بسبب معارضة سورية حلف بغداد، وعدائها لإسرائيل. ثانياً، مساهمة سورية في احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، بعدما تحوّلت من حليف لطهران إلى خصم لها، عبر تشديد الرقابة على طرق تهريب السلاح والمال إلى حزب الله، الذي بات إضعافه ونزع سلاحه متطلباً رئيساً من متطلبات تنفيذ رؤية ترامب للمنطقة بعد حروب “طوفان الأقصى”. ثالثاً، ترى واشنطن في إدارة أحمد الشرع الشريك المثالي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبقية الفصائل المتطرفة، وفق الرؤية التي وضعها وأشرف على تنفيذها ديفيد بترايوس، مدير “سي آي إيه” السابق، وقائد القوات الأميركية في العراق، في ذروة الصراع مع تنظيم “دولة العراق الإسلامية”، فرع القاعدة العراقي الذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي. خلال تلك الفترة نجح بترايوس في دحر التنظيم من خلال إنشاء، دعم، وتسليح الصحوات (جماعات عشائرية سنية). يقول بترايوس في محاضرة عام 2015 إن أفضل طريقة لدحر تنظيم متطرّف تكمن في دعم خصم له من جنسه (الحالة المثالية أن يكون فرعاً منشقّاً عنه)، فأشد الخصومات، وأكثرها مرارة، هي التي تنشأ داخل التنظيمات الأيديولوجية التي تتصارع على التمثيل، والشرعية، وتفسير النصوص، و”الصفاء الأيديولوجي” (لاحظ مثلاً علاقة البعثين السوري والعراقي، وشيوعيي الصين والاتحاد السوفييتي). وقد صارت هذه الأطروحة مركزية في دراسات التطرّف والاعتدال (Deradicalization). الهدف الرابع الذي تسعى واشنطن لتحقيقه، من خلال دعم حكومة مركزية قوية في دمشق، ضمان أمن إسرائيل لأن فوضى السلاح على الجانب الآخر من الحدود تمثل خطراً عليها، وفق رؤية واشنطن، التي تأمل أيضاً بإبرام اتفاق أمني يؤدّي لاحقاً إلى معاهدة سلام بين سورية وإسرائيل. وهذا يعني إنجازاً شخصيّاً كبيراً للرئيس ترامب، وخطوة كبرى نحو ترتيب أوضاع المنطقة تحت المظلة الأميركية، بما يساهم في إضعاف نفوذ روسيا والصين فيها.

العقبة الكؤود التي تقف أمام تنفيذ رؤية ترامب السورية، للمفارقة، هي حكومة إسرائيل التي ترى أنه ليس في وسعها، بعد أحداث 7 أكتوبر (2023)، السماح بوجود قوى جهادية على حدودها، أو استبدال النفوذ الإيراني بالتركي في سورية. لذلك شرعت، منذ سقوط نظام الأسد، في تقويض حكم الشرع، باعتداءاتها المستمرّة على الأراضي السورية، واحتلال مزيد منها، والعمل، بالقوة النارّية، على تشكيل منطقة منزوعة السلاح، تمتد بين دمشق والحدود. فوق ذلك، استغلّت إسرائيل الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الشرع في التعامل مع أحداث الساحل والسويداء لتعزيز الانقسام الداخلي، والحيلولة دون بسط دمشق سلطتها على كامل أراضيها. التناقض، هنا، جوهري إذاً بين واشنطن، التي يبدو أنها تتّجه إلى تبني حكومة الشرع “حليفاً” إقليمياً في مواجهة إيران و”داعش” خصوصاً، وإسرائيل التي ترى في الشرع وإدارته تهديداً لها. السؤال المهم هنا: هل تستطيع واشنطن حل هذا التناقض، وكيف؟ وماذا لو صارت سورية أحد ملفات الصراع بين تياري “أميركا أولاً” و”أميركا وإسرائيل أولاً” الذي يحتدم في معسكر ترامب؟

العربي الجديد

—————————

 “معاريف”: الاتفاق الأمني مع سوريا يخدم مصالح إسرائيل

الأربعاء 2025/11/26

وصفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية المسار السريع الذي يسير فيه الرئيس السوري أحمد الشرع بـ”المبهر”، مؤكدةً على ضرورة أن تأخذ إسرائيل بالاعتبار المكانة المفضلة التي يتلقاها الشرع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

زيارة الشرع للبيت الأبيض

وقالت الصحيفة العبرية إن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض، كانت حدثاً تاريخياً في علاقات سوريا والولايات المتحدة، مضيفةً: “يبدو الأمل الوحيد الآن لاستقرار سوريا وضمان بقاء إيران خارج” سوريا.

وأضافت أن الأشهر الأخيرة شهدت تقدماً في منظومة العلاقات بين الدولتين بوتيرة مبهرة، موضحةً أن الغرفة التجارية السورية ومجلس الاعمال السوري– الأميركي الذي شُكّل أخيراً، يعملان بنشاط على الدفع بالأعمال الاقتصادية إلى الأمام.

وتابعت أن مندوبي كبرى شركات الطاقة زاروا سوريا، وشركة “ماستر كارد” عادت للعمل فيها، وكذلك شركة “فيزا كارد” في طريقها لذلك، كما أن شركتي “غوغل” و”ميتا” في اتصالات متقدمة مع السلطات السورية.

ولفتت الصحيفة إلى أن التعاون على المستوى الاستخباري قائم بين البلدين، حيث عملت دمشق ضد اهداف لـ”داعش” والمواقع حيث تم تخزين سلاح إيراني، مؤكدةً على ضرورة عدم الاستخفاف بذلك بعد إعلان الشرع عن انضمامه الى التحالف الدولي ضد “داعش”.

تحديات ثقيلة

واعتبرت “معاريف” أن مسألة العقوبات التي فُرضت على سوريا سابقاً، لم يتم تسويتها بسبب معارضة أعضاء من الكونغرس بمن فيهم جمهوريون، وهي لا تزال تشكل حجر عقبة هام لجذب استثمارات مكثفة الى سوريا، بينما وعد ترامب برفعها قبل نهاية السنة الحالية.

وأضافت أن الشرع يواجه في الميدان السوري، تحديات ثقيلة الوزن لتوسيع حكمه في الدولة، يكمن في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تحظى بدعم أميركي وتريد الحفاظ على طابع حكم ذاتي، فيما لاتزال مسألة الدروز والعلويين والبدو على حالها في غرب وجنوب البلاد.

ووصفت المسار السريع الذي يسير فيه الشرع بـ”المبهر”، مشيرةً إلى أن التوقعات منه جدير أن تكون واقعية.  ولفتت إلى أن قسما كبيراً من خطواته خصوصاً تلك المتعلقة بالإجراءات ضد “داعش” والجهاديين، تثير معارضة في أوساط قسم ممن يحيطون به، كما أن هناك تحذيرات في واشنطن من محاولات لاغتيال للشرع.

مكانة الشرع لدى ترامب

وقالت الصحيفة إن إسرائيل ملزمة الأخذ بالاعتبار المكانة المفضلة التي يتلقاها الشرع من ترامب، إضافة إلى كونه مدعوم من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وأضافت أن “الائتمان من جانب ترامب ذو مغزى وجدير بإسرائيل أن ترتبط به”، وأن الاتفاق الأمني مع سوريا، هام للولايات المتحدة وللشرع ولإسرائيل أيضاً.

وذكرت أن الثقة المتزايدة بالنفس لدى الشرع ظهرت في تصريحاته تجاه إسرائيل ومطالباته حول الاتفاق، مؤكدةً أن اتفاقاً يرتب التزامات إسرائيل وسوريا وفق اتفاق فصل القوات لعام 1974 يخدم مصالح إسرائيلية، ومن الضروري توقيعه في أقرب وقت ممكن، فيما أشارت إلى أن الأوراق المتبقية في يد إسرائيل لا تزال تمنح مجال مناورة.

—————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى