تظاهرات اللاذقية ما يمكن البناء عليه في هذه التجربة -مقالات وتحليلات مختارة-

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
الأحداث التي جرت في الساحل السوري
————————
حمص الكاشفة أزمة وطنية/ رانيا مصطفى
28 نوفمبر 2025
نَجَت حمص، الأحد الفائت، من المجزرة، الجريمة التي أجَّجت العنف كانت جنائية حسب التصريحات الحكومية، وكُتِبت بدم الضحيتين، وهما من عشيرة بني خالد، عباراتٌ طائفية بقصد التضليل عن هوية الفاعل. وحيث يتأهَّب الحاقدون والطائفيون من صنَّاع المحتوى على وسائل التواصل لاستغلال كلِّ حدث، دعا هؤلاء إلى فزعةٍ لتكسير ممتلكات السوريين العلويِّين في حيّ المهاجرين، شرقي حمص، القريب من موقع الجريمة. حاولت قوات الأمن العام منع توسّع أحداث الشغب ضدّ العلويين إلى مناطق مجاورة، من دون القدرة على لجمِها، واجتمعت عشائر المدينة مع الحكومة في دارة المحافظ بعد الظهر، وقرَّروا سحبَ فتيلِ الفتنة ببيان لعشيرة بني خالد ينفي أن تكون دوافع الجريمة طائفية، وبيانٍ آخر لذوي الضحايا يوكل السلطات في المدينة عملية التحقيق وكشف الفاعلين. لا وفيَّات مؤكّدة خلال أعمال العنف تلك والحمد لله، لكنّ تخريباً طاول عشرات المنازل والسيارات والمحال التجارية في منطقة فقيرة نسبياً.
انتهى الحدث في حمص، وبدأت تداعياته في اليوم التالي، بعد دعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، الشيخ غزال غزال، العلويين إلى التظاهر والمطالبة بالفيدرالية، في استغلال لمظالم مجتمع كامل يتعرّض للاستباحة اليومية، قتلاً وتخريباً للممتلكات والأراضي الزراعية وخطفاً للنساء من دون استجابة أو محاسبة من السلطات. كان التعاطي الأمني الحكومي لافتاً في حماية تظاهرات العلويين، الثلاثاء، خصوصاً مع خروج تظاهرات سنية تهتف بدورها بشعارات طائفية بحق العلويين، ما حال دون وقوع ضحايا؛ لكنَّ مؤسّسات الدولة الأمنية لا تقوم بواجبها في باقي الأيام، في محاسبة الجناة ولا في ضبط السلاح المنفلت، الذي يمرّ على الحواجز الأمنية، ويهدّد العلويين يومياً في حمص والساحل ويقتل ما يزيد عن 20 شخصاً شهرياً في حمص وحدها. تمّ نزع السلاح لدى العلويين ضمن عمليات تمشيط دقيقة، وفي معظمها ألقى المقاتلون السلاح في رغبة منهم بفتح الصفحة لحياة جديدة والقطع مع نظام الأسد.
وبغض النظر عن إشكالية بعض شعاراتها، وعن دعوة غزال إليها، كانت تظاهرات العلويين السلمية تعبيراً عن اليأس من غياب الدولة، ومما يعتبرونه سلوك السلطة المتحيّز ضدّهم، سواء في سياق محاكمات مرتكبي مجازر الساحل، واستمرار الخطاب التحريضي من دون حساب، أو من خلال تقرير وزارة الداخلية الذي أنكر خطف النساء العلويات، ووصمهنَّ بالعار الاجتماعي، في تجاهل تامّ لتقارير حقوقية وأممية توصي الحكومة بمعالجة ظاهرة خطف النساء العلويات التي تعتبر جريمة منظّمة.
لم يتبلور العلويون في سورية ضمن طائفة بالمعنى السياسي، وليسوا كذلك حالياً، وكانت مشاركة فئات واسعة منهم، ومن باقي السوريين، في دعم نظام الأسد وضدّ الثورة، بدافع تخويف النظام لهم من حكم سنّي سيهمِّشهم، وبالتالي استطاع نظام الأسد استقطابهم واستغلالهم إلى حدِّ بعيد، الأمر الذي لم يعمل عليه مجمل الخطاب المعارض؛ بل، وبكثير من الاستسهال، وافق خطاب النظام بوصفه الثورة بالطائفية السنية السلفية الجهادية، وأن نظام الأسد علوي، اعتماداً على الكثرة العددية لضباط الصف الأول في الجيش والأمن، والتركيبة الطائفية للقطع العسكرية الأكثر تطرُّفاً. ولم تتغيّر صورة الثورة في أذهان مؤيدي الأسد، وقد أتت بحكم إسلامي سني، وتعزز هذا الشعور بعد المجازر المستمرة والاستباحة المتنقلة. وكما قادت مجازر السويداء إلى تطييفٍ سياسي كبير، وتدخلات إسرائيلية نصّبت شيخ العقل حكمت الهجري زعيماً لدروز السويداء، تبدو الساحة السياسية مفتوحة اليوم أمام غزال ليتزعم العلويين، وبدعم من حلفائه في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو فلول نظام الأسد ومن طهران وحزب الله، في تطييف سياسي يستغل حالة اليأس والخوف الدائم التي يعيشها العلويون في غياب دور الدولة في المساواة بين مواطنيها وأديانهم، وتمييع مسار العدالة الانتقالية من قبل السلطة، وقد عيَّنت هيئة خاصة لها بمرسوم رئاسي فوقي، لا يشرك الخبرات السورية، ولا ذوي الضحايا، ولا المجتمعات المدنية والمحلية، والعلويون جزء منها.
مضت تظاهرات الثلاثاء على خير، وبدا أنه بمقدور السلطات أن تأخذ دورها حين تشاء، وقد حُسب لها حمايتها للتظاهرات. إلا أن خروج السوريين في شارعين طائفيين في مواجهة بعضهما بعضاً، وبعد عام إسقاط نظام الأسد، يُنذر بدرجة التأزم الوطني. الحلّ ليس بالتنديد بتظاهرات العلويين، والقول إنَّهم فلول وخونة، وتجاهل مطالبهم وحقهم في التعبير عنها، وكذلك ليس بالقول إنَّ تظاهرات السنة تكفيرية، وتجاهل مخاوفهم من عودة نظام الأسد بأشكال جديدة. إن غياب مسار العدالة الانتقالية الجدّي، قاد إلى تعميم فكرة أن العلويين متورِّطون ويجب الانتقام منهم جماعياً، وأن السنة ضحايا. هذه المقولة تتبنَّاها نخبٌ سياسية وناشطيَّة في الساحة السورية تؤيِّد الحكم الجديد، واختارت أن تتماهى مع خطابه، وتبرر كل سلوكه، والواقع أنَّها سقطت في فخِّه الطائفي، في تصنيفها السوريين ضمن مكونات طائفية، لا باعتبارهم مواطنين. هذا تجلّى خصوصاً في إعادة تدوير مجرمي حربٍ شاركوا في المجازر ضد السوريين بأشكال مختلفة، ومنهم فادي صقر ومحمد حمشو وغيرهما، والدفع إلى القول إنَّ حكم الأسد بإجرامه كان حكم الأقلية، وإن السلطة الجديدة تمثّل حكم الأكثرية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية أسعد الشيباني.
لم تبد السلطة الجديدة رغبة حقيقية في فتح مسار جدِّي للعدالة الانتقالية، بما تهدف إليه بطيّ صفحة جرائم نظام الأسد، إذ لا يثق سوريُّون كثيرون بالمسار الذي تبنَّته، والذي لا يشمل إلا جرائم الأسد؛ لذلك كان البديل الانتقامات العشوائية، ووصم العلويين بالفلول. لا تطوي ثقافة الانتقام الصفحة، بل تفتح على جراح جديدة وتضيعُ الحقيقة؛ كما أن مسار العدالة الانتقالية لا يقتصر على محاسبة كبار المجرمين المتورّطين بالدم في نظام الأسد، بل يجب أن يشمل كلَّ الانتهاكات التي جرت خلال السنوات الماضية، بما فيها جرائم النهب ودعم المليشيات، وفكرة المصالحة المجتمعية يجب أن تكون في صلبها، عبر فتح حوارٍ بين السوريين، ومكاشفة تشارك فيها كلُّ فئات المجتمع المدني والأهلي، ومنها النقابات والمنظمات المجتمعية والمحاكم الأهلية، وأن تتضمَّن اعترافَ المتورطين وتعويضَ المتضررين، وبالتالي كشف الحقيقة، بما يسمح بأن يشارك الضحايا في الصَّفح عن صغار المتورِّطين بالجرائم، وأن تكون المحاكمات علنيَّة وشفافة، بما تحمله من رمزية لردع تكرار الجرائم، ولتوحيد سردية ما حصل لدى كل السوريين.
تعاكس السلطة بعقليَّتها كلَّ هذا المسار، وتعمِّم ثقافة المنتصر، الطائفي، بدلاً منه؛ وحين تأتي الاستجابة من الأطراف طائفيةً، درزية كانت أو علوية أو كردية أو غيرها، هذا يعزِّز طائفية السلطة ولا يفكّكها، إذ يعتبرها ممثِّلة للأغلبية من العرب السنة، بدلاً من تعرية هذا الخطاب، وفضحِه، بأنَّها تلهي السوريين بالخطاب الطائفي، كما فعل نظام الأسد، فيما هي سلطة أقلية، ويبدو الطابع العائلي سمةً لها، وتسعى إلى احتكار السيطرة وإبعاد كلِّ السوريين عن دوائر القرار، والاستئثار بعوائد الاستثمارات لمصلحة محاسيبها، وتتَّخذ قراراتٍ مجحفة بحق السوريين، ضمن سياسة نيوليبرالية فجّة وبدائية، تطيحُ مؤسسات الدولة ودورها في تقديم الخدمات والرعاية للسوريين، وتوجيه أولويَّاتها باتجاه المناطق المتضرِّرة من الحرب، وكذلك الغالبية، من المفقَرين.
العربي الجديد
————————
فردية أم جهد منسق.. ما وراء الأحداث الأمنية الأخيرة في سوريا؟/ علاء الدين خضر وديانا جرار
شهدت سوريا هذا الأسبوع حوادث أمنية وأحداث عنف ومظاهرات بعدد من المناطق، أبرزها في مدينة اللاذقية شمال غربي البلاد حيث طالب محتجون بالإفراج عن متهمين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات في عهد النظام المخلوع، كما رفعوا شعارات طائفية وأخرى تطالب بالفدرالية.
ووفق محللين، فإن القاسم المشترك بين الحوادث الأمنية أنها وقعت بمناطق معروفة بتداخلها الطائفي، مما أثار مخاوف من امتدادها واستغلال أطراف خارجية لها، رغم تأكيد السلطات استبعادها البعد الطائفي لتلك الحوادث والتحركات وتركيزها على حماية المتظاهرين وصون حرية الاحتجاجات.
جريمة حمص
البداية كانت من حمص وسط البلاد حيث أعلنت السلطات الأحد الماضي العثور على رجل وزوجته مقتولين بمنزلهما في بلدة زيدل، مع تعرض جثة الزوجة للحرق وكتابة عبارات بموقع الجريمة تحمل طابعا طائفيا.
ووُجهت عبر وسائل التواصل اتهامات لعلويين بالوقوف وراء هذه الجريمة، مما أشعل موجة عنف في عدد من مناطق مدينة حمص التي تضمّ أحياء سنيّة وأخرى علويّة.
وعقب جريمة زيدل، شهدت أحياء بحمص انتشارا لقوات الأمن الداخلي والجيش السوري، بعد توترات أمنية وإطلاق نار عشوائي وعمليات اقتحام منازل وتخريب محال تجارية مما دفع أجهزة الأمن لإرسال تعزيزات أمنية إلى البلدة وعدد من المناطق جنوبي حمص.
ورغم تأكيدها أن التحقيقات الأولية ترجح وجود دافع جنائي وليس طائفيا خلف جريمة زيدل، أعلنت وزارة الداخلية السورية فرض حظر التجول في عدد من أحياء ومناطق حمص وذلك منعا لاستغلال الحادثة لإثارة الفتنة الطائفية، كما علقت دوام المدارس يوم الاثنين الفائت بسبب الأوضاع الأمنية في المدينة، قبل أن تعلن أن الأمور تسير نحو الاستقرار.
وتُعرف محافظة حمص بتداخلها الطائفي، إذ يعيش فيها مزيج من المكونات، وأكدت الحكومة مرارا أن حماية الأقليات ضمن أولويات الدولة.
مظاهرات وإطلاق نار باللاذقية
وأمس الثلاثاء، أعلنت وزارة الداخلية السورية إصابة عنصرين من قوات الأمن وعدد من المدنيين جراء إطلاق نار خلال احتجاجات شهدتها مدينة اللاذقية شمال غربي البلاد، للمطالبة بالإفراج عن متهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات في فترة الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية عبد العزيز الأحمد -في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا)- إنه “أثناء قيام عناصرنا بحماية الوقفة الموجودة عند دوار الزراعة داخل مدينة اللاذقية تعرضوا إلى إطلاق نار مباشر من جهة حي يقطنه ضباط مرتبطون بالمؤسستين الأمنية والعسكرية التابعة للنظام البائد”.
وأوضح الأحمد أن إطلاق النار أدى إلى إصابة عنصرين من الأمن الداخلي وعدد من المدنيين المشاركين في الوقفة.
وجاءت هذه الفعالية ضمن احتجاجات في عدد من مناطق الساحل السوري وحمص وحماة طالب المشاركون فيها بالإفراج عن معتقلين معظمهم من الطائفة العلوية وبإرساء نظام حكم فدرالي.
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد صرح لوسائل الإعلام في وقت سابق بأن وحدات الأمن الداخلي أمّنت التجمعات الاحتجاجية في بعض مناطق الساحل السوري لمنع أي حوادث طارئة تستغلها الجهات التي تروّج للفوضى، حسب تعبيره.
هجوم جديد بالسويداء
وأفاد مصدر أمني سوري، أمس الثلاثاء أيضا، بمقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة اثنين آخرين في ريف السويداء جنوبي البلاد.
وقال المصدر لوكالة “سانا” إن مجموعات خارجة عن القانون استهدفت حاجزا أمنيا في ريف السويداء الغربي مما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة آخرين بجروح، في حين أوضحت وزارة الداخلية عن تعامل وحداتها مع مصدر النيران، مما أدى إلى “وقوع قتلى وجرحى في صفوف العصابات”، وفق تعبيره.
وأدانت الوزارة في بيان لها “الاعتداء الإرهابي الذي نفذته عصابات خارجة عن القانون”، مؤكدة أن هذه الاعتداءات تهدف فقط إلى زعزعة الأمن واستقرار حياة المدنيين في محافظة السويداء.
وبدأت الاضطرابات في السويداء ذات الغالبية الدرزية، بمواجهات بين عشائر بدوية ومسحلين دروز، في يوليو/تموز الماضي وتدخلت القوات الحكومية السورية لاحتواء المواجهات لكنها تعرضت للاستهداف من المجموعات المسلحة المحلية وكذلك من إسرائيل، مما اضطرها للانسحاب، قبل التوقيع على عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار ما يزال آخرها ساريا رغم تكرار انتهاكه من طرف جماعات مسلحة تستهدف الجيش والعناصر الأمنية.
وأسفرت اشتباكات يوليو الماضي عن مقتل المئات من مدنيين وعسكريين، وأفادت تقارير بوقوع انتهاكات شملت إعدامات ميدانية وتهجير آلاف السكان.
تنسيق عالي المستوى
وقال المحلل العسكري السوري فايز الأسمر إن الاعتصامات الاحتجاجية أمس الثلاثاء، التي دعا إليها رئيس ما يعرف بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” غزال غزال، في مناطق متداخلة طائفيا باللاذقية وطرطوس وأرياف حماة الغربية، تحولت إلى “وقفات تحريضية” أثارت النعرات الطائفية وهددت السلم الأهلي.
وأضاف الأسمر للجزيرة نت أن قوات الأمن قامت بما وصفه “بتدخل انضباطي إيجابي” يُحسب لها بهدف حماية المحتجين ومنع انزلاق الوقفات إلى صدامات طائفية، غير أن بعض هذه القوات تعرض لاعتداءات وإطلاق نار من قبل “عصابات فلول النظام البائد”.
وقال المحلل العسكري إن ما جرى الأسبوع الجاري يحمل -وفق تقديره- دلالات على “تنسيق عالي المستوى” بين جهات إقليمية وما وصفها بمليشيات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على مناطق شمال وشرق البلاد، و”مليشيات الهجري” في السويداء جنوبا، إلى جانب كبار ضباط فلول النظام في الداخل والخارج، مع دعم من إيران وحزب الله، بهدف تأجيج الفتن الطائفية وفرض حالة من الفوضى الأمنية لإرباك الحكومة السورية وإثقال كاهلها.
استثمار خارجي
بدوره، قال الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان إن الحكومة السورية ما تزال قادرة على ضبط الموقف رغم الأحداث المتتالية التي تحاول -وفق تعبيره- الاستثمار في الفوضى وتأجيج النعرات الطائفية والإثنية في عدد من المناطق.
وأوضح علوان للجزيرة نت أن ما يجري “لم يخرج عن السيطرة، ومن المستبعد أن يتطور إلى ذلك”، لكنه حذّر في المقابل من استمرار الاستثمار الخارجي في هذه التوترات، الأمر الذي قد يعرقل -بحسبه- عملية بناء “سوريا الجديدة كما يريدها السوريون”. وأضاف أن المواقف الإقليمية والدولية الداعمة من الممكن أن تتردد في ظل اتساع المشكلات الداخلية.
وبشأن ما إذا كانت الأحداث الراهنة مجرد حوادث فردية أم نتيجة جهد منسق، أكد علوان أن “ما يحدث هو جهد منسق بكل تأكيد”، لافتا إلى أن هذا الجهد يسعى لخلق حوادث جديدة أو استثمار حوادث جنائية عابرة وتحويلها إلى أدوات للتجييش وإثارة الهلع.
وأشار إلى أن التضخيم الإعلامي لعب دورا محوريا في رسم صورة غير واقعية لما يجري، قائلا إن “ما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي أضخم بمرات مما يحدث على الأرض”، واصفا ذلك بأنه استثمار إعلامي متعمد يهدف إلى إظهار الدولة عاجزة عن ضبط المشهد.
وتبذل الحكومة السورية الجديدة جهودا مكثفة لضبط الأمن في البلاد، منذ الإطاحة في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بعد 24 عاما في الحكم.
وختم علوان بالتأكيد على أن هذا لا يعني غياب المخاطر تماما، إذ توجد -بحسب تقديره- جهات داخلية وخارجية ستواصل محاولات التشويه والتحريض وخلق الأزمات، مما يتطلب يقظة أكبر للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
المصدر: الجزيرة
—————————
مثلث الساحل: مخلوف وحسن وملحم.. من يبتلع الآخر؟
الخميس 2025/11/27
مع انطلاق عملية “ردع العدوان” في أواخر عام 2024، وانهيار البنية المركزية للنظام في معظم أنحاء البلاد، دخلت اللاذقية مرحلة غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فبعد عقود طويلة كانت خلالها “المدينة المحروسة” التي تخضع لأقسى أشكال الرقابة الأمنية، شهدت للمرة الأولى تراجعاً واضحاً في هيمنة أجهزة المخابرات، مما خلق فراغاً سياسياً مكشوفاً وولّد صدمة اجتماعية واسعة.
في الأيام الأولى، استقبلت المدينة قوات الأمن العام و الجيش السوري الجديد وسط حالة من الذهول والارتباك، تخللتها مظاهرات صغيرة ذات طابع احتفالي في بعض الأحياء الساحلية، على أمل أن يؤدي دخول القوات الجديدة إلى تفكيك المنظومة الأمنية القديمة التي أحاطت بالساحل لعقود.
لكنّ الهدوء الهش لم يدُم طويلاً؛ إذ تعرّضت قوات الأمن العام لهجمات منسّقة شنتها مجموعات مسلّحة من فلول النظام السابق، يُعتقد أنها كانت تعمل تحت قيادة مقداد فتيحة، أحد أبرز قادة الميليشيات الموالية للنظام المخلوع.
استهدفت هذه الهجمات نقاط انتشار القوات الجديدة في المناطق الوعرة، خصوصاً في محيط جبلة والأرياف الجبلية، الأمر الذي أدى إلى خسائر وبثّ حالة من الاضطراب في المدينة.
ردّت القيادة الجديدة سريعاً، لكن طبيعة التمرد استدعت تعبئة أوسع؛ فأعلنت القيادة العسكرية نداء “الفزعة”، لتتجه أرتال عسكرية ضخمة من إدلب، وحماة، وحمص، ودمشق نحو الساحل.
وبحلول أوائل عام 2025، كانت هذه القوات المشتركة قد تمكنت من إخماد التمرد المسلّح، مُرسِّخة سيطرتها على الساحل ومعيدة تشكيل المشهد الأمني في مدينة اعتادت أن تكون مغلقة بإحكام.
المطلب المدني
سبق استعادة السيطرة الأمنية خطوةٌ سياسية مهمّة تمثّلت في زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى اللاذقية في أوائل عام 2025. كانت هذه الزيارة بمثابة رسالة مباشرة إلى المجتمع المحلي: أن السلطة الجديدة حاضرة، وأن مستقبل الساحل لن يُترك للفراغ أو للاجتهادات المسلحة.
وفي موازاة ذلك، كشف الفراغ السياسي عن قلقٍ واسع داخل المجتمع العلوي بشأن مستقبل الهوية والضمانات السياسية في سوريا ما بعد النظام. ومع تراجع سلطة المركز، بدأ مطلب اللامركزية يبرز على السطح كمطلب سياسي أساسي، يُنظر إليه باعتباره ضمانة وجودية للمجتمع الساحلي في المرحلة الجديدة.
بلغ هذا التحوّل ذروته في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حين دعا الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، إلى وقفة احتجاجية في اللاذقية للمطالبة بتطبيق اللامركزية، إطلاق سراح المعتقلين وتقديم ضمانات سياسية واضحة للساحل.
استجاب مئات المتظاهرين لهذه الدعوة، ونزلوا إلى دوّار الزراعة و دوّار الأزهري رافعين لافتات سياسية صريحة، في مشهد لم تشهده المدينة منذ عام 2011.
تدخّلت قوات الأمن بإطلاق النار في الهواء لتفريق الحشود، ووقعت احتكاكات بين متظاهرين يطالبون باللامركزية وآخرين موالين للسلطة الجديدة. ومع ذلك، عملت قوى الأمن العام على حماية المتظاهرين ومنع انزلاق الاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة، في مشهد اعتُبر أول اصطدام سياسي علني تشهده اللاذقية منذ انطلاق الاحتجاجات الوطنية قبل أكثر من عقد.
بعد يوم واحد فقط على هذه المظاهرات، خرج رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ــ ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد ــ بتصريحات لافتة دعا فيها أبناء الطائفة العلوية إلى عدم الانجرار وراء الخطاب الطائفي أو الوقوع في فخ الفتنة، مطالباً إياهم بانتظار ما أسماه “ولادة إقليم الساحل” مع بداية عام 2026.
وقال مخلوف في منشور على “فيسبوك”: “من يعتقد أن ما جرى في حمص وما تلاه من حراك شعبي صدفة فهو واهم. هذه الخطوات الأولى تقود إلى عواقب وخيمة. وحذّر من أن “هناك مستفيدين مما يجري”، داعياً الطائفة إلى عدم الانخداع حتى لا تكون ــ على حدّ وصفه ــ “كبش فداء مرة أخرى”.
كلام مخلوف جاء في ظل تسريبات وسيناريوهات متداولة عن صفقات تُدار في الكواليس بين قوى دولية، حيث تحدّثت مصادر عن لقاء جمعه في موسكو بماهر الشرع، شقيق الرئيس الجديد، إلى جانب معلومات عن اجتماع غير مباشر ضمّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع كفاح ملحم و كمال حسن بإدارة روسية.
هذه الأسماء تتصدّر اليوم قائمة المرشحين للعودة إلى الساحل أو لعب أدوار سياسية فيه، مع ترجيحات تميل لصالح كفاح ملحم. ومعلوم أن الحسن وملحم حاولا التنسيق مع مجموعات في الساحل لفرض أمر واقع، خارج عن سيطرة الدولة السورية وفي هذا المجال تحدثت مصادر عن تنسيق الحسن وملحم مع ضباط محسوبين على النظام السابق يقيمون حالياً في لبنان، وقد أوفدا قبل فترة ضابطاً من قبلهم للقائهم والتنسيق معهم حول المرحلة المقبلة في الساحل السوري. جهات عديدة قد تسعى للاستثمار في التشظي الذي تعيشه سوريا، كما أن إسرائيل يمكنها أن تستغل أي نقطة ضعف لإضعاف سوريا أكثر.
إلّا أن طرفاً ثالثاً بدأ يفرض حضوره بقوة: الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الذي يُنظر إليه اليوم باعتباره صاحب الكلمة المؤثرة في الشارع العلوي، والمرجعية التي تملك القدرة على ترجيح كفّة القبول أو الرفض لأي صيغة سياسية مقبلة للساحل.
الماضي يحدد الحاضر
في منتصف آذار/مارس 2011، بدت اللاذقية وكأنها تعيش خارج المشهد السوري المتفجّر. مدينة هادئة، تحرسها رقابة أمنية كثيفة، ومجتمع اعتاد مراقبة السياسة من بعيد أكثر مما اعتاد النزول إلى الشارع. لكنّ هذا الهدوء لم يدم طويلاً. فخلال أيام قليلة فقط، بدأت الهمسات تنتشر في الصليبة والرمل الجنوبي والشيخ ضاهر.
مقاطع مصوّرة من درعا تتنقّل عبر الهواتف، وأحاديث خافتة تدور في المنازل والمقاهي حول سؤال لم يُطرح في المدينة منذ أكثر من نصف قرن: هل يمكن للّاذقية أن تهتف؟
ومع خروج الهتافات الأولى ــ ولو صدرت عن عشرات فقط ــ بدا المشهد وكأن المدينة تعبر فجأة من زمنٍ راكد إلى زمن جديد بالكامل. لم يكن ذلك مجرد تجمع عابر، بل اختراقاً لحاجز تاريخي صلب ظلّ يحكم اللاذقية لعقود طويلة.
تكسير الصمت
خرجت أولى المظاهرات من حيّ الصليبة، قبل أن تمتد سريعاً إلى الشيخ ضاهر وساحة اليمن والكورنيش. كانت تجمعات صغيرة ومتقطعة، لا تتجاوز عشرات في بعض الأحيان، لكنها حملت وزناً سياسياً غير مسبوق: هذه أول مظاهرات مدينية تشهدها اللاذقية منذ عقود طويلة من الصمت المفروض.
رفعت الهتافات الأولى شعارات بسيطة لكنها حاسمة: “سلمية”، “حرية”، “الشعب السوري ما بينذل”. شعارات خرجت من مدينة لطالما تعاملت مع السياسة بوصفها خطراً لا يقترب منه أحد.
إلى أن أجهزة الأمن استجابت بسرعة: انتشار حواجز جديدة داخل الأحياء، اعتقالات طاولت شباناً من دون مذكرات رسمية، واستخدام الرصاص الحي في بعض النقاط القريبة من ساحة اليمن والكورنيش. كان واضحاً أنّ النظام يتعامل مع أي صوت ناشئ في اللاذقية على أنه خطر يجب احتواؤه فوراً.
ورغم أنّ المظاهرات لم تتخذ طابعاً يومياً شاملاً، فإنّ حضورها المتقطّع خلال أسابيع آذار ونيسان، أحدث تصدّعاً حقيقياً في بنية الصمت التاريخي للمدينة.
اللحظة الفاصلة
في آب/أغسطس 2011، تحوّل حيّ الرمل الجنوبي إلى نقطة الانفجار الأبرز في اللاذقية. خلال ساعات قليلة، فُرضت على الحيّ إجراءات عسكرية غير مسبوقة: طوق أمني كامل، حواجز إضافية، إغلاق المداخل الرئيسية، ثم دخول المدرعات إلى عمق الشوارع المكتظة بالسكان. وفي اليوم التالي، بدأت عمليات قصف متقطع أجبرت آلاف العائلات على النزوح نحو الشاطئ والمناطق المحيطة.
البعد الطائفي كان حاضراً بشكل واضح: حيّ ذو غالبية سنّية يتعرّض لحملة عسكرية داخل مدينة يغلب عليها الطابع العلوي.
وبعد أيام من العملية، كان واضحاً أن هجوم الرمل الجنوبي شكّل نقطة اللاعودة في تاريخ الاحتجاج داخل اللاذقية. توقّفت المظاهرات تماماً، وانكمش الحراك المدني الذي كان قد بدأ بالكاد قبل أسابيع. دخلت المدينة مرحلة “الخوف الكامل”، حيث تماهى الدور الأمني مع الدور العسكري، وصار النزول إلى الشارع بعد تلك اللحظة ضرباً من المستحيل.
كانت هذه الحادثة، بكل عنفها ورمزيتها، الجرح الذي سيبقى مفتوحاً في ذاكرة اللاذقية ــ اللحظة التي خرجت فيها المدينة من زمن الاحتجاج… لتدخل زمن الحرب.
نهاية المظاهرات
مع بداية عام 2012، كان واضحاً أن زمن المظاهرات في اللاذقية قد انتهى، لا بقرارٍ معلن، بل بفعل انتقال المشهد من الشارع إلى الجبهات. فقد تحوّل مسرح المواجهة تدريجياً من قلب المدينة إلى الريف المحيط: جبل الأكراد، سلمى، الحفّة والقرى المتمددة على السفوح الشرقية. تلك المناطق، ذات الطوبوغرافيا الوعرة، أصبحت خطوط تماس أساسية بين قوات النظام والفصائل المسلحة التي تقدمت نحو الجبال المطلة على الساحل.
تغيّرت اللاذقية بصورة جذرية. المدينة التي خرج منها في ربيع 2011 صوتٌ خافت ثم خُنق بسرعة، تحوّلت خلال شهور قليلة إلى مدينة خلفية للحرب. نزول المدنيين إلى الشارع لم يعد خياراً مطروحاً ولا ممكناً.
الحواجز العسكرية انتشرت على المداخل والأحياء، ومعها نقاط تفتيش تابعة لفصائل محلية موالية للنظام. وبرزت ظاهرة “الشبّيحة” كقوة أمنية غير رسمية لكنها فاعلة، تتدخل في الشؤون اليومية وتفرض حضورها في كل تفصيل من تفاصيل الحياة المدنية.
خلال هذه السنوات، أُغلقت اللاذقية بالكامل على نفسها. لم تعد جزءاً من “زمن الثورة” كما كانت خلال أسابيع قليلة في 2011. تحوّل كل ما حدث في ذلك الربيع إلى “حدث لا يُكرر”، ذكرى قصيرة ومحمّلة بالخوف، تلاشت سريعاً أمام واقع الحرب والانقسامات الطائفية وتغوّل القوى المسلحة.
كانت اللاذقية بين عامي 2012 و2015 مدينة تعيش الحرب من دون أن تخوضها مباشرة: مكبوتة سياسياً، محروسة أمنياً ومحكومة بتوازن هش بين السلطة والميليشيات. في هذا المناخ، تعاظم نفوذ المجموعات المسلحة المحلية (الشبيحة) الذين تحولوا خلال سنوات قليلة إلى سلطة موازية تمتلك نفوذاً أمنياً واقتصادياً.
سيطروا على قطاعات واسعة من السوق، فرضوا إتاوات على الأنشطة التجارية، وتدخلوا في الخلافات العائلية والبلدية، حتى باتت بعض الأحياء تُدار عملياً بقرارات قادة المجموعات، لا بقرارات المؤسسات الرسمية.
هذا التمدد لم يكن مجرد فائض قوة، بل تعبير عن تفكك التوازن القديم الذي حكم العلاقة بين السلطة والمدينة لعقود طويلة. ونتيجة لذلك، عاشت اللاذقية بين 2016 و2023 حالة يمكن وصفها بـ”الهدوء المتوحّش”: هدوء قسري، محكوم بالخوف، تغذّيه قوة السلاح من جهة والانهيار الاقتصادي من جهة أخرى.
واليوم، تقف اللاذقية بعد التحرير على حافة مرحلة جديدة تماماً.
مدينة بُني تاريخها السياسي على الصمت والتوتر، تجد نفسها أمام لحظة نادرة: إمّا أن تعود إلى صمتها القديم، محكومة بمنطق القوة والخوف… أو تتحول أخيراً إلى فضاء سياسي مفتوح يستعيد فيه الناس صوتهم، وتبدأ فيه المدينة بكتابة تاريخها بيدها، لا بتاريخٍ يُفرض عليها من فوق.
لقد وصلت اللاذقية إلى نقطة لا يمكن العودة بعدها بسهولة. فإمّا أن تخطو نحو مستقبل سياسي مختلف، أو تغرق مرة أخرى في الظل الذي رافقها طوال قرن. وفي هذا المفترق، يبدو أن المدينة ــ بكل تناقضاتها وذاكرتها الثقيلة ــ باتت أقرب من أي وقت مضى إلى التغيير.
المدن
——————————–
ما يمكن البناء عليه في تجربة تظاهرات الساحل/ إياد الجعفري
2025.11.28
أهم ما يمكن البناء عليه في الملابسات والحيثيات التي أحاطت بتظاهرات المحتجين في مدن الساحل السوري، قبل يومين، هو كيفية تعاطي السلطات مع هذه التجربة الاحتجاجية السلمية، التي قد تكون الأولى من نوعها، من حيث الحجم والنوع.
فتعاطي جهاز الأمن العام، بصورة خاصة، كان موفقاً إلى درجة كبيرة. كذلك كان تعاطي وزارة الداخلية مع تداعيات جريمة زيدل. ويوحي ذلك بوجود قرار من رأس هرم السلطة بدمشق، بعدم تكرار الأخطاء الكارثية التي تم الوقوع فيها، في أحداث الساحل بآذار، أو في أحداث جرمانا وصحنايا في نهاية نيسان، ولاحقاً في السويداء، بمنتصف تموز الفائت. وهو أمر يجب التركيز عليه، لا لجهة مديح السلطة، بل لجهة التأكيد على مسار إيجابي بدأت تسير باتجاهه، وتشجيعها على الذهاب أبعد فيه.
كذلك، يجب البناء على السلمية التي اعتمدها المحتجون إلى درجة كبيرة، رغم بعض التجاوزات المحدودة التي لم تنتقص من المشهد السلمي العام. وذلك في الضفة المقابلة لبعض الأخطاء المحدودة التي يمكن تفهمها في أداء الأمن العام خلال تأمين تلك الاحتجاجات، والناجم عن انعدام الخبرة التراكمية في هذا المجال.
هاتان النقطتان: أداء الأمن العام والداخلية بشكل عام، وسلمية المحتجين، يجب التوكيد عليهما، ليكونا حجر أساس يمكن بالبناء عليهما، تطوير خبرة مجتمعية من جهة، وأخرى أمنية من جهة أخرى، لتفكيك احتمالات العنف والعنف المضاد، وصولاً إلى مرحلة متقدمة من حل المشكلات السياسية الداخلية، باستخدام أدوات الاحتجاج والضغط السياسي السلمي. في المقابل، يجب أن تتحمّل السلطة بوصفها تدير “الدولة”، لمسؤولياتها في تقبّل تعرّضها لهذا الضغط، من حين لآخر، بوصفه شكلاً من أشكال الممارسة السياسية، التي ثار السوريون في عام 2011، جراء كبتها وتشويه مساراتها.
وفيما تذهب معظم التعليقات من جانب ناشطين ومراقبين حيال احتجاجات الساحل وما قبلها، وما يمكن أن يتلوها، باتجاه التركيز على التفاصيل السلبية في هذه التجربة، نعتقد من جانبنا، أنه يجب التركيز على الإيجابي منها، والعمل على الترويج له، وتكثيف الأضواء عليه. ففي أداء الأمن بصورة خاصة، والداخلية بشكل عام، بعيد انفلات “الفزعة” العشائرية في حمص، تبدت “الدولة”، بدرجة متقدمة من الحيادية، مقارنة بالتجارب الثلاث السابقة (الساحل، جرمانا، السويداء). وكان جلياً أن السلطات المعنية حريصة على تفكيك البعد الثأري والطائفي لملابسات الحدث، وتطويق احتمالات انهيار السلم الأهلي، بأقصى سرعة ممكنة. وهنا، يمكن كتابة الكثير عن مسؤولية السلطة أساساً في الوصول إلى هذا المشهد، قبل العمل على “إطفاء حرائقه”. وهذا صحيح جزئياً،
وخاطئ جزئياً أيضاً. أما وجه الصحة فيه، فيتعلّق بالممارسات السابقة للسلطة التي كان فيها درجة ملحوظة من الارتكاز على استثارة “الحس المذهبي” للأكثرية. إلى جانب مسارها الذي ذهبت فيه، لتأسيس الحكم بصورة احتكارية. أما وجه الخطأ، فهو عدم ملاحظة تغيّر أداء السلطة بعد أحداث السويداء تحديداً. وهو تغيّر كان تدريجياً، لكنه ملحوظ. وإن لم يرتقِ إلى درجة تغيير مسار تأسيس الحكم، إلا أنه كشف أن السلطة تعلّمت ألا تقع مجدداً في فخ مواجهة الأزمات مع المختلفين معها من السوريين، بأدوات عنفية. وهو أمر يجب الرهان عليه، والبناء عليه مستقبلاً، نحو المزيد من التشييد، باتجاه مشاركة سياسية أكبر. وقبل ذلك، يجب أن تكون احتجاجات الساحل رسالة للسلطة يجب أن تقف عندها ملياً للتدبّر في المشكلات التي تعاني منها هذه الفئة من السوريين، والعمل على حلحلتها. وأهم تلك المشكلات، الجرائم شبه اليومية التي تستهدف أفراداً من أبناء الطائفة العلوية. ونحن ندرك أن بناء منظومة أمنية جديدة قادرة على ضبط المشهد الأمني بصورة كلية، أمر يتطلب المزيد من الوقت. وكما هو معلوم، ففي البلدان الخارجة من نزاعات أهلية، يتطلب إعادة بناء المنظومة الأمنية، عدة سنوات. ومن هذا المنطلق، نجد نجاح الأمن العام، إلى حد كبير، في تأمين احتجاجات الساحل، تقدماً يجب الترحيب به. لكن الطريق ما يزال طويلاً للوصول إلى المرحلة التي يصبح فيها الأمن مضبوطاً، بالصورة المأمولة. وهذه المهمة الأسمى للسلطة اليوم، لأنها ركيزة استقرار السلم الأهلي الهش، وأساس إعادة الإعمار، باعتبار الأمن شرطاً لجذب الاستثمار الخارجي، بصورة نوعية.
على المقلب الآخر، يجب الإشادة بسلمية المحتجين، بوصفها تعبيراً عن تعلّم الحاضنة السابقة للنظام البائد، عدم جدوى العنف المسلح، كوسيلة لتغيير الأوضاع أو تحسينها. وهنا أيضاً يمكن كتابة الكثير عن الهتافات الطائفية التي رافقت الاحتجاجات، أو المطالب ذات الطابع الانفصالي أو التقسيمي. لكن، يجب أن نقرّ كسوريين، أننا غير موحدين حول سردية واحدة لما حدث في سوريا، قبل 8 كانون الأول 2024. كما أننا غير موحدين حول تصوّر لسوريا المستقبل، بعد هذا التاريخ. كما أننا بجميع مكوناتنا، انتكسنا إلى درجة غير مسبوقة من انتماءاتنا ما دون الوطنية. هذا الإقرار ضروري، لتفهّم كل سوريّ للسوري الآخر المختلف عنه. ومحاولة خلق حوار وطني – مجتمعي، قبل السياسي. وهنا، ما دامت السلمية تحكم الاحتجاج والتظاهر، فيجب تقبّله، وحمايته، بوصفه حقاً، لا رفاهية. لا من منطلق حقوقي – سياسي، بل من منطلق نفسي – سياسي. فأي فئة من السوريين، تُحرم من حق التعبير عن أوجاعها وتطلعاتها، فستُدفع نحو المزيد من الاحتقان، الذي هو الأساس لانفجار العنف. والعكس صحيح. فالقدرة على التعبير، أياً كانت سقوفه، مرفقاً بالسلمية، يخفف الاحتقان. وإن تم التعامل معه بحكمة وبصيرة، فإنه قد يكون الأساس لحوار وطني – مجتمعي، كما أسلفنا. قبل الحوار الوطني – السياسي، الذي يجب الوصول إليه بالضرورة.
تلفزيون سوريا
——————————–
ملاحظات على هامش مظاهرات الساحل | سنجق عرض | حسام جزماتي
———————————–
السلطة الجديدة على المحك: هل تنقذ حمص أم تتركها تنزلق؟/ بثينة عوض
الثلاثاء 2025/11/25
“نحن أطفال حمص العلوية نطالب بحماية دولية، ونقف ضد القتل والسبي والتجويع… نحنا مع الشيخ غزال غزال”. لافتةٌ ترفعها طفلة صغيرة، موقعة بتاريخ 25/11/2025. وبجوارها يقف شاب يحمل لافتة أخرى كُتب عليها: “من حمص الزهراء الأرمن… نحن مع الاعتصام السلمي. ندعم بصوتنا لأجل كرامتنا والحياة العادلة”.
وقد أُضيف أسفلها بخط آخر، مطالبات تتعلق بالحماية الدولية والمطالبات بالفيدرالية، فيما كانت الحشود في مدن الساحل تهتف: “يا حمص نحنا معاكِ للموت!”.
كان المشهد ـ بكل رمزيته ـ مألوفاً للسوريين الذين خرجوا قبل سنوات في وجه النظام البائد من قلب ساحة حمص، على وقع حنجرة الساروت التي هتفت للثورة وأشعلت وجدان المدن.
اليوم، تتفاعل الأحداث من جديد مع اقتراب ما يسميه المحتجون “موعد التحرير”، وسط تسجيلات مصورة تُوثق خروج متظاهرين يحتجون على ممارسات الحكم الجديد. وترافق ذلك مع أصوات رصاص في بعض المناطق، بحسب ما تُظهره المقاطع المتداولة، إضافة إلى منع المعتصمين في جبلة من الوصول إلى مركز المدينة…. والحديث عن سقوط ضحايا في اللاذقية على دوار الزراعة حيث تجمع المئات.
بداية الحكاية
بدأ المشهد الأخير من زيدل، البلدة الواقعة شرق مدينة حمص، حيث عُثر على جثتَي زوجين من أبناء عشيرة البدو. الجريمتان كُشفتا في ظروف تحمل إيحاءات طائفية واضحة؛ من حرقٍ للجثة إلى كتاباتٍ على الجدران توحي برسالة مقصودة. لم يمر الخبر كحادثة جنائية عابرة، بل هز المدينة سريعاً، وأعاد إلى ذاكرة السوريين مشاهد الانشقاق الطائفي في عام 2011 وما تلاه من أعوام دامية.
وبعد ساعات قليلة فقط، خرجت مجموعات غاضبة من أبناء العشيرة، وهاجمت الحي العلوي في المدينة. اشتعلت سيارات، وسُجلت إصابات، وارتفعت المخاوف من انزلاقٍ أكبر يُعيد إنتاج دوامة الفتنة. أمام هذا المشهد، فرضت السلطات حظر تجول، ثم مددته عدة مرات، في محاولة لاحتواء احتقانٍ بدا أنه يفوق قدرة الإجراءات الأمنية التقليدية.
غير أن رد الفعل الشعبي لم يتخذ شكل الانتقام فحسب، بل تحول ـ على نحو مفاجئ ـ إلى فرصة لتحركٍ من نوعٍ مختلف… تحركٍ أراد كثيرون من خلاله كسر الحلقة الطائفية لا تدويرها.
غزال غزال
في ذروة التوتر، خرج الشيخ غزال غزال بدعوةٍ علنية موجهة إلى السوريين جميعاً، من دون استثناء منطقة أو طائفة. دعا الرجل إلى اعتصامات سلمية شاملة، محذراً من الانجرار خلف ردات الفعل الطائفية، ومؤكداً أن جريمة زيدل ـ مهما كانت بشاعتها ـ لا يجوز أن تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الانقسام ولا إلى شرارة لفتنة جديدة.
الدعوة لم تكن “محلية” بأي معنى، ولم تُصغ لأهالي حمص وحدهم، بل خُصصت للساحل ودمشق ودرعا والسويداء وسائر المدن السورية، كأن غزال غزال أراد أن يقول إن الشرخ الطائفي إذا فُتح في مكانٍ واحد، فسينعكس على الجميع. صحيح أن المحرك المباشر كان أحداث حمص، لكن الرسالة حملت مضموناً واسعاً: السوريون جميعاً مهددون حين يُفتح الباب للثأر الطائفي.
وما حدث لاحقاً كان مفاجأة بمقاييس اللحظة السورية: فقد خرجت تظاهرات سلمية في حمص، ثم في طرطوس واللاذقية، في مشهد غير مألوف منذ سنوات طويلة. تجمّع المتظاهرون يهتفون ضد الطائفية، ويطالبون بالعدالة، وبإيقاف الانزلاق نحو فوضى قد لا تُبقي ولا تذر. ورغم الاستنفار الأمني في مدن الساحل، لم تُغلق الشوارع بالكامل، بل بدا أن الأجهزة تتعامل بحذر مع مشهد لم تختبره منذ زمن.
الدعوة التي أطلقها غزال غزال لم تكن تهدف إلى تبريد لحظة غضب عابرة؛ بل حملت رؤية سياسية ضمنية، حين طرح الرجل اللامركزية الإدارية والسياسية كضمانة لعدم تفكك البلاد ولإعادة توزيع السلطة بما يخفف الاحتقان. وهو موقف يعيد إلى الأذهان ما قاله سابقاً الشيخ حكمت الهجري في السويداء، حين دعا إلى اللامركزية قبل أن تتطور مطالب محافظته لاحقاً نحو نماذج من الإدارة الذاتية و”الاستقلال الإداري”.
بهذا الخطاب، دخل غزال غزال إلى المشهد السوري ليس بوصفه رجل دينٍ فحسب، بل كصوتٍ يحاول إعادة صياغة مفهوم “المسؤولية المشتركة” في واحدة من أكثر اللحظات الوطنية حساسية منذ سنوات.
ويبقى السؤال: لماذا تبدو حمص تحديداً الاختبار الأوضح لسورية؟
أولاً: التنوع الطائفي… مرآة البلد كله
فحمص لم تتشكل يوماً على نسيج واحد، بل قامت على تركيبة معقدة تضم السُنة والعلويين والمسيحيين والبدو والأرمن. وكل حي فيها يشبه قطعة من الخريطة السورية الكبرى. لهذا، فإن أي اهتزاز داخل المدينة لا يُقرأ كحدث محلي معزول، بل كمؤشر وطني على مزاج البلاد واستقرارها ومستقبل العيش المشترك فيها.
ثانياً: الجغرافيا… قلب الوصل وحلقة التوازن
تقع المدينة على خطوط مفصلية تربط دمشق بالساحل، والشمال بالبادية، والداخل بالشرق. ولذلك، فإن أي اضطراب فيها ينعكس تلقائياً على حركة المحافظات وعلى توازن القوى، بل وعلى استقرار الساحل السوري نفسه. من يسيطر على حمص يملك ـ عملياً ـ مفاتيح الحركة بين أهم محافظات البلاد.
ثالثاً: ذاكرة 2011… المدينة التي حملت لقب “عاصمة الثورة”
لم تكن حمص مجرد مدينة خرجت فيها احتجاجات عام 2011؛ كانت أحد أكثر مراكز الحراك السلمي زخماً وتأثيراً، قبل أن تتحول لاحقاً إلى بؤرة اشتباك عنيفة. ومن هنا نشأت رمزيتها: إذا انهارت حمص، انهار معها جزء من فكرة سوريا الواحدة. وإذا تماسكت ـ رغم الجراح ـ دل ذلك على إمكانية إعادة بناء التوازن الوطني.
ما بعد التحرير
رغم أن السلطة الجديدة في سوريا كانت قد استعادت السيطرة على مدينة حمص بعد سقوط نظام الأسد قبل نحو عام فقط، بقيت البنية الاجتماعية هشة، ولم تُترجَم جهود إعادة تنظيم الإدارة المحلية وإطلاق مشاريع الإعمار الأولى إلى عودة فعلية للثقة بين الأحياء والطوائف. لذلك، ما إن وقعت جريمة زيدل حتى انكشفت الشقوق الكامنة سريعاً، وكأن المدينة كانت تقف على سطحٍ يبدو متماسكاً من الخارج، لكنه هش ومتصدع في العمق.
غير أن المشهد الأبرز خلال الأسبوع الأخير لم يكن التوتر وحده، بل عودة الشارع السوري إلى الفعل السياسي السلمي. فالتظاهرات التي خرجت في حمص واللاذقية وطرطوس لم ترفع شعارات سياسية مباشرة، لكنها رفعت ما هو أكثر حساسية وخطورة: رفض الطائفية، المطالبة بالمحاسبة والدعوة إلى عدالة واحدة فوق جميع الطوائف.
هذا النوع من الخطاب ليس مألوفاً في بيئة أثقلها الفقر والإنهاك الأمني، لكنه يكشف عن أن السوريين ـ رغم كل الظروف ـ ما زالوا يرون في الشارع مساحة ممكنة حين تُغلق في وجوههم المسارات الأخرى.
أما خروج تظاهرات في الساحل تحديداً، فقد حمل دلالات مضاعفة. فهذه المناطق، التي ارتبطت طويلاً في الخطاب الإعلامي بوصفها “معقلاً للموالاة”، خرجت هذه المرة لتقول بصوت واضح: الأمن الطائفي ليس ضمانة… والعدالة حق لا يمكن تجزئته أو مصادرته.
حمص كاختبار
ما يجري في حمص يشكل اختباراً مباشراً لقدرة السلطة الجديدة في سوريا على إدارة التنوع. فالمؤسسات الرسمية مطالَبة اليوم بإثبات أنها قادرة على حماية المواطنين بلا استثناء، ودون أي محاباة طائفية أو مناطقية. وأي تقصير أو غياب للعدالة في كشف ملابسات جريمة زيدل ومحاسبة مرتكبيها سيعيد فتح الباب أمام خطابٍ خطير مفاده “كل طائفة تحمي نفسها”، وهو خطاب يهدد بنسف ما تبقى من العقد الاجتماعي السوري الهش.
التظاهرات التي خرجت في حمص والساحل كشفت، في المقابل، أن المجتمع ـ رغم الإنهاك الاقتصادي والأمني ـ لا يزال قادراً على إعادة إنتاج لغة سياسية غير عنيفة. وهو مؤشر إيجابي، لكنه يحتاج إلى حماية سياسية وقانونية كي لا يتحول إلى لحظة عابرة تُجهض سريعاً تحت وطأة الخوف أو الضغوط.
ويمتد الاختبار أيضاً إلى الخطاب الديني والقيادات المحلية؛ فدعوة الشيخ غزال غزال قدمت نموذجاً لمقاربة دينية وسياسية جديدة تجمع بين: التهدئة، العدالة، اللامركزية ورفض الطائفية.
وهذا النوع من الخطاب قد يشكل، إذا ما استمر وتوسع، قاعدةً بديلة لإدارة الأزمات في مناطق أخرى تشهد توترات مشابهة.
الجدل حول اللامركزية عاد بقوة بعد دعوة غزال، تماماً كما حدث سابقاً في السويداء بعد تصريحات الشيخ حكمت الهجري. لكن اليوم هناك بعدٌ إضافي: مطالب الأكراد، حيث صرح قائد “قسد” مظلوم عبدي بأنهم يدعون إلى “دولة لامركزية مدنية وعادلة، تُحترم فيها الحقوق القومية وتُمنح المناطق صلاحيات فعلية في إدارة شؤونها”؛ أي ليس انفصالاً وإنما توزيع صلاحيات أوسع.
وهنا السؤال المطروح اليوم أكثر حساسية: هل تستطيع السلطة الجديدة في سوريا، وهي التي أعلنت تبني اللامركزية نظرياً، أن تستوعب نموذجاً عملياً يُخفف التوترات ويعيد توزيع الصلاحيات؟ أم أن المركزية الصلبة ستبقى الخيار الوحيد الذي يُراهن عليه، رغم كلفته السياسية والاجتماعية؟
السيناريوهات… إلى أين تتجه حمص؟
أولاً: سيناريو التهدئة المنظمة
وهو السيناريو الأكثر أملاً، ويتحقق إذا جرى الاعتقال الفعلي للمتورطين في جريمة زيدل، وأُعلن ذلك بشفافية للرأي العام، بالتوازي مع استكمال خطوات المصالحة بين الأحياء، واستخدام الدعوات السلمية كأداة ضغط إيجابية على السلطة الجديدة لضمان العدالة ومنع تكرار الاحتقان.
تحقق هذا المسار قد يجعل من حمص نموذجاً قابلاً للتكرار في إدارة التوتر الطائفي داخل سوريا.
ثانياً: سيناريو التهدئة الظاهرية مع احتقانٍ مكتوم
وهو أخطر من المواجهة المفتوحة، لأن الغضب يبقى كامناً تحت السطح، ما يجعل انفجاره لاحقاً أكثر عنفاً وأقل قابلية للسيطرة. في هذا السيناريو، تبدو المدينة هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل توترات لا يمكن التنبؤ بلحظة انفجارها.
ثالثاً: سيناريو الانزلاق الطائفي
وهو السيناريو الذي تتخوف منه غالبية السوريين: توسع الاحتكاكات، ظهور مجموعات مسلحة صغيرة وفقدان السيطرة الأمنية على الأرض.
هذا السيناريو ـ إن وقع ـ لن يبقى محصوراً بحمص، بل سيمتد حتماً نحو الساحل ودمشق ومناطق أخرى شديدة الحساسية، بحكم الترابط الجغرافي والاجتماعي والسياسي.
لماذا تُوحدنا حمص… أو تفرقنا؟
لأن المدينة ليست مجرد “نقطة على الخريطة”، بل عقدة وصل بين كل ما يجعل سوريا بلداً واحداً: الجغرافيا، الاقتصاد، الطوائف، الذاكرة والرمزية الوطنية.
فحين تتوحد حمص، تتراجع احتمالات الانقسام الوطني؛ وحين تتصدع، تشعر البلاد كلها بأنها تقف على الحافة. هذا ليس توصيفاً رمزياً ولا مبالغة عاطفية. إنه واقع أثبتته تجربة 2011–2014، ويعيد تأكيده ما يجري اليوم.
ما بعد حمص
لا مبالغة في القول إن ما يحدث في حمص خلال هذه الأيام سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في سوريا. فالجريمة لم تعد جريمة فردية، والتوتر لم يعد حالة محلية، والاعتصامات لم تعد رد فعل عابر.
هناك مشهد وطني جديد يتشكل: تداخل بين المطالب المدنية، والدعوات الدينية، واللحظة الطائفية، وذاكرة الحرب، والخوف العميق من تكرار الماضي. وفي قلب هذا كله، تقف حمص كمختبر مفتوح، هل يستطيع السوريون إعادة بناء الثقة؟ هل تستطيع السلطة الجديدة إثبات أن القانون فوق الجميع؟ هل يستطيع الشارع إنتاج حركة سلمية مستدامة دون انزلاق؟ وهل تستطيع البلاد أن تتعلم من درس حمص قبل أن يتكرر في مدن أخرى؟
الإجابات ليست جاهزة بعد.
لكن المؤكد أن سوريا تُكتب اليوم من قلب حمص… وما سيحدث هنا لن يبقى هنا.
المدن
———————-
جريمة حمص والسلم الأهلي في سورية/ عمر كوش
27 نوفمبر 2025
أثارت جريمة قتل رجل وزوجته سوريين في بلدة زندل جنوبي حمص صدمة لدى الأهالي، خصوصاً بعد أن تعمّد مرتكبوها حرق جثة الزوجة بعد قتلها، وكتابة عبارات طائفية على جدران منزل الضحيتين، ما يشي أن غرضهم إشعال فتنة طائفية، وضرب السلم الأهلي، ليس في محافظة حمص وحدها، بل في عموم سورية.
استدعت الجريمة فورة غضب، أعقبها فلتان أمني، وحدثت اعتداءات على الممتلكات والسكان في عديدٍ من الأحياء التي يسكنها أبناء الطائفة العلوية، فيما استنفرت قوى الأمن، وفرضت حظراً للتجوال في عدة أحياء في حمص. ووجه العقلاء والوجهاء نداءات إلى عدم الانجرار إلى المستنقع الذي أراده من يقفون وراء الجريمة، وطالبوا الأهالي بالتحلّي بضبط النفس، والابتعاد عن أي ردات فعل، وترك التحقيقات في يد قوى الأمن الداخلي، كي تقوم بمسؤوليتها لضبط الجناة وفرض الأمن.
تضاف الجريمة إلى سلسلة الجرائم والانتهاكات التي وقعت منذ التمرّد الذي قاده فلول نظام الأسد البائد في الساحل السوري في بداية مارس/ آذار الماضي، وكذلك أحداث جرمانا وأشرفية صحنايا، وما شهدته محافظة السويداء من جرائم قتل وتهجير واختطاف. كما أن توقيت الجريمة يحمل دلالات إضافية، كونها ارتكبت بعد بدء محاكمات متهمين بارتكاب جرائم خلال أحداث الساحل، وفي وقتٍ تحاول فيه سورية دخول مرحلة من التعافي على المستوى الأمني، وتطمح في تحقيق مسار من الاستقرار الذي استهدفته هذه الجريمة.
لا يمكن اعتبار الواقعة مجرّد جريمة جنائية ذات طابع فردي ومعزول، كما لا يمكن اعتبارها جزءاً من “اقتتال أهلي” متواصل، بحسب ما تزعم بعض أصوات طائفية وأصحاب عقليات ناقمة، لأن الحيثيات والمؤشّرات المحيطة بها، إضافة إلى طريقة تنفيذها، والعائلة المستهدفة فيها الجريمة التي تنتمي إلى عشيرة بني خالد، تشير بشكل قاطع إلى أنها استهدفت ضرب النسيج الاجتماعي، وزعزعة السلم الأهلي عبر تفجير بيئة اجتماعية تعدّدية، تعايشت تاريخياً في إطار مسكوني من العيش المشترك، وتشكلت خلاله علاقات وتفاعلات شكلت سدّاً أمام مساعي الانقسام ومحاولات التفتيت، الأمر الذي جسّده استنكار الجريمة من ممثلي جميع مكونات محافظة حمص ووجهائها، سنةً وعلويين ومسيحيين، ومطالبتهم بأن لا تشكل هذه الجريمة منطلقاً لضرب التعايش السلمي فيما بينهم، خاصة أن محافظة حمص لم تشهد في تاريخها أي صدام بين أهاليها، على الرغم من محاولات نظام الأسد تحويل المدينة إلى قنبلة موقوتة، يمكنه استخدامها حينما يريد، وذلك عبر تقسيم أحياء المدينة على أساس طائفي، حيث حصر سكان الأحياء القديمة بأهلها من السنّة، فيما تعمد إسكان العلويين في الأحياء الجديدة، والأمر نفسه ينسحب على العاصمة دمشق ومدن أخرى، خصوصاً في الساحل السوري.
لا جدال في أن مسؤولية توفير الأمن والأمان لكل السوريين على عاتق السلطات السورية، المفترض أن تزيل حالة الرعب التي يعيشها سوريون علويون في محافظات الساحل وحمص وحماة، لأن من حقهم العيش في ظل دولة القانون، مثلهم مثل سائر المكونات الأخرى، ولن يتحقق ذلك في ظل الفلتان الأمني الذي لا يميز بين الطوائف والإثنيات.
تطرح الجريمة وسواها من الجرائم المشابهة، خصوصاً التي ارتكبت في مناطق الساحل والسويداء، ضرورة معالجة الوضع الأمني في عموم الداخل السوري، والبدء باتخاذ خطوات ملموسة من أجل حماية السلم الأهلي والتنوع الاجتماعي، وتحقيق مسار العدالة الانتقالية. والأهم هو البدء بسحب السلاح المنفلت خارج نطاق أجهزة الدولة، حيث أظهرت الوقائع في حمص أن قوى الأمن الداخلي السوري وقفت عاجزة في بعض الشوارع عن ضبط عناصر مسلحة أطلقت النار عشوائياً في بعض الأحياء، ما يعني أن هناك واقعاً أخطر وأعمق من رد فعل غاضب وانفعالي على جريمة تجب معالجته سريعاً، ذلك أن الأمور قد تنفلت في حوادث أخرى مشابهة في المستقبل، يصعب ضبطها، وتقود إلى انتهاكات وخيمة.
كشفت الأحداث في مناطق سورية عديدة بعد سقوط نظام الأسد أن أصحاب السلاح المنفلت يستغلون البيئة الأمنية الهشة من أجل إشعال اقتتال طائفي، لذلك يتخوّف سوريون كثير من انفجاره في أي لحظة. ويساعد على ذلك ما شهدته عدة مناطق، منذ أحداث الساحل، من حوادث اعتداء وانتقام، تضمّنت أحياناً تصفيات، طاول بعضها شخصيات كانت متورّطة في ارتكاب جرائم خلال عهد نظام الأسد البائد، كالاعتقال والتعذيب والاعتداء على الحقوق. وفي ظل عدم الاحتكام إلى القانون والتأخر في تحقيق العدالة الانتقالية، يصعب التحقق من خلفية جميع هذه الانتهاكات وحيثياتها وهويات مرتكبيها، خصوصاً مع انتشار الفوضى الأمنية، لكن المؤكد أن عديداً من حالات الانتقام وتصفية الحسابات، على اختلافاتها، حدثت وما زالت تحدُث، بوتيرة متفاوتة بين يوم وآخر وبين محافظة وأخرى.
المشكلة أن السلطة السورية تسعى إلى معالجة الوضع الأمني، وما يشوبه من أعمال عنف متكرّرة، بشكل مرحلي، وبالابتعاد عن مسار العدالة الانتقالية، وهو ما لا يضمن حماية السلم الأهلي، لأن العدالة الانتقالية، فضلاً عن أنها مطلب قطاع واسع من السوريين، تهدف إلى معالجة آثار الماضي المؤلمة من أجل الانطلاق نحو بناء المستقبل، وبنتيجتها يتحقق السلم الأهلي، بوصفه الحاصل المكمّل للعدالة الانتقالية، وحجر الزاوية لأي مجتمع يريد الاستقرار، والضمان لمنع الصراعات الداخلية. ولا يعني السلم الأهلي فقط غياب النزاع الداخلي، بل أيضاً يمنح المجتمع درجة كبيرة من التماسك والثقة المتبادلة والاعتراف بالمواطنة المشتركة.
لقد شكلت السلطة السورية الجديدة لجنة للسلم الأهلي بعد أحداث الساحل، لكن المطلوب أبعد من تشكيل اللجان والهيئات، أن تبذل جهوداً حثيثة من أجل استعادة الثقة، وبناء السلم الأهلي، عبر إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، والتصدّي لكل أنواع العنف، وضمان التعايش السلمي ضمن الإطار المسكوني السوري، الذي يؤسّس لوطن يتسع للجميع، بالتوازي مع عمليات العدالة الانتقالية، بغية معالجة الأسباب الجذرية، وبما يجعل الباب مفتوحاً أمام استعادة السلم الأهلي، وجعله مستداماً. إضافة إلى إشراك السوريين في مسؤولية بناء دولتهم ووطنهم، والتعامل معهم وفق مبدأ المواطنية المتساوية.
العربي الجديد
————————–
إما الدولة السورية أو بلد الطوائف والمجازر/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/11/25
ما حدث يوم الأحد في مدينة حمص خطير، وإن أمكن تطويقه وتفادي الأسوأ. أهم ما في الأمر ليس الحدث نفسه، بل السياق الذي أتى فيه، والأسوأ الذي لم يحدث، لكن لا يُعرَف ما إذا كان ممكناً تفاديه لاحقاً، أو حتى ما إذا كانت نية تفاديه ستحضر مستقبلاً. بدأت الأحداث بجريمة قتل في بلدة زيدل المجاورة لحمص، ووُجدت في مسرح الجريمة عبارات طائفية (يا علي.. يا حسين). ثم “بعد وقوع هذه الجريمة النكراء، حدثت بعض التجاوزات من قبل أهالي المغدورين، تمثلت بإحراق ممتلكات وتعطيل طرقات رئيسية في المدينة”، حسب تصريح مدير قسم شرطة البياضة في مدينة حمص لـ”المدن”. والممتلكات المُشار إليها هي في أحياء يقطنها علويّون، حيث شهدت تلك الأحياء عمليات حرق ممتلكات وتكسير ونهب.
قبل يوم من جريمة زيدل عُثر في حمص على جثتي شابين (علويين)، وقبل مقتلهما بيومين قُتلت سيدة وجرح زوجها بهجوم مسلّح استهدفهما في حي عكرمة القديمة، وبفرق ساعات عن رجل آخر وجِد مقتولاً في وادي الذهب (حمص أيضاً). القائمة تطول إذا تتبعنا الانتهاكات اليومية التي تعرّض ويتعرّض لها أشخاص من منبت علَويّ، وهذا بالطبع لا يبرر جريمة طائفية مقابلة، مع التنويه بأن التصريحات الصادرة عن وزارة الداخلية تفيد بأن جريمة زيدل جنائية، وأغلب الظن أن الشعارات الطائفية استُخدمت للتمويه على كونها جنائية.
لكن لا يفيد في هذا السياق التأكيد على انتفاء البعد الطائفي، أو ما أشار إليه البعض على السوشيال ميديا لجهة أن العلويين لا يستخدمون شعار (يا حسين) ولا يكتبون بالدم، والشيعة لا يستخدمون شعار (يا علي). فالعمليات الانتقامية التي طالت الممتلكات كان وارداً أن تتطور إلى ما هو أسوأ بفعل الأجواء المواتية للاشتعال، بحيث تكفي شرارة صغيرة إذا لم تكن هناك جاهزية مستمرة للإطفاء.
السياق بأكمله غير مطمئن، وإذا توخّينا الدقة ثمة إحساس مستمر بسهولة الانتقال من انتظار المجازر إلى حدوثها. الحوادث التي أشرنا إليها قبل جريمة زيدل تعزز الإحساس بالخطر، لكن المساهمة الفعّالة تأتي من جانبين، أولهما أن أية جريمة من هذا القبيل لم يُعامَل مرتكبوها بالحزم الواجب، متضمناً إظهار الحزم إعلامياً لكي يؤدي وظيفة عمومية، مع التنويه بأن الانفلات الأمني-الطائفي في حمص بدأ تقريباً مع بداية العام، ويُنظر إليه على نطاق واسع كتمهيد لمجازر الساحل. الجانب الآخر يتعلق بالمساهمة الإعلامية، في وسائل الإعلام التقليدية أو السوشيال ميديا، حيث تسود خطابات طائفية، ومعظمها صريح لجهة عدم ممانعة الإبادة الطائفية، إن لم يكن مشجّعاً على ارتكابها.
قسمٌ من الفالتين الطائفيين في الإعلام والسوشيال ميديا مقرَّب من السلطة، على نحو لا يمكن فهمه إلا بأنه يمثّل وجهة نظرها التي لا تستطيع إعلانها صراحة، والبعض يفسّر ذلك بكونه نوعاً من التهاون الذي يبديه جزء من السلطة إزاء جزء آخر أشدّ تطرّفاً. في كل الأحوال، ساهمت السلطة صراحةً منذ مجيئها في تشجيع الخطابات الطائفية عبر الحديث المتكرر عن “المكوّنات”، ويُقصد بها الطوائف. وساهم مسؤولون منها، بشكل متكرر أيضاً، في الحديث عن الأكثرية التي تعني من المنظور نفسه الأكثرية المذهبية السنية.
آخر المتكلّمين عن “المكوّنات” كان المتحدث باسم وزارة الداخلية الذي قال يوم أمس تعقيباً على أحداث حمص: “نعوّل على وعي أهلنا في حمص وندعو كافة المكوّنات السورية لتكون كما عهدناها”. وثمةّ من يُقابل اعتراضنا على الاستخدام المستمر لهذا الخطاب بالقول إن صناعة الطائفية ليست جديدة، وكانت تحدث في العهد البائد بصمت. لكن صناعة الطائفية بصمت أيام الأسد لا تقتضي صناعتها علناً لاحقاً، واعتبار العلنية نوعاً من التقدم إلى الأمان. فالعلنية، كما شهدناها خلال ما يقرب من سنة، كانت تعني التشجيع على المزيد من الطائفية، لا الكشف عما هو موجود بهدف التخفيف منه، وعلى طريق الخلاص من آثاره.
جدير بالذكر أن السلطة التي تتحدث عن المكوّنات تعني بها الأقليات، لتوحي بأنها مشروع ذمّية سياسية، مع إشهار الرفض الصريح للمحاصصة الطائفية. لن يكون هناك فهم مغاير للجمع بين المكوّنات ورفض المحاصصة، إذا لم يكن هيمنة الأكثرية المذهبية. هذا الجمع يختلف جذرياً عن رفض المحاصصة من منطلق الانحياز للدولة المعاصرة، لأن الدولة الحديثة بطبيعتها عقد اجتماعي مغاير للجماعات الأهلية التقليدية، ويقوم أولاً على تعاقد الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات، قبل النظر في منح أية حقوق خاصة للجماعات.
يُكثِر أنصار السلطة والمسؤولون فيها من التحدث عن الدولة وباسمها، وكأن الدولة هي السلطة، ومن ثم هي الهيمنة. في حين أن الدولة المطلوبة هي اختصاراً دولة القانون الذي يتعاطى مع جميع السوريين كأفراد لهم حقوق وواجبات متساوية ومتكافئة، والتركيز على الأفراد ضروري مرة أخرى، وفي الحالة السورية على نحو خاص، للقول إن أية سياسة من سياسات العقاب الجماعي، المباشر أو غير المباشر، الصريح أو المبطّن، هي سياسة مضادة لفكرة الدولة من أساسها، حيث يُفترض بالأخيرة أن تعاقِب المدانين، وأن تحمي الأبرياء.
تجريم “طوائف” بأكملها كما حدث، ويحدث، من خلال مقرَّبين من السلطة يشير إلى اتجاه مناقض تماماً للدولة. الذين يفعلون هذا لا يفعلونه بوقاحة فحسب، بل إنهم يحاولون إسكات الأصوات المعترضة عليهم بزعم أن هذه الأصوات تحابي الأقليات، أي أنهم يتبنّون تجريم مجموعات بأكملها كنهج إقصائي أيضاً، وبحيث لا يكون ثمة مكان للمنادين بمشروع الدولة. لا يمكن بأي حال النظر إلى هؤلاء كجزء من تركة الأسد الطائفية، فهم يطرحون أنفسهم على النقيض من الأسد، وهم حقاً كذلك إذا نظرنا إليه كخصوم للأسد من الطينة ذاتها وعلى نحو طائفي صريح.
لا غرابة في أن يكون تجريم أية مجموعة، ولو رمزياً، بمثابة بديل عن العدالة الانتقالية المطلوبة، فهذا أيضاً يصبّ في منحى تقويض الدولة السورية المأمولة، بما أن العدالة تتعاطى مع الأفراد لا الجماعات. وتقويض الدولة، بخطاب المكوّنات والجماعات، مدخل للعنف المباشر أو المعنوي، فالانتماء إلى جماعة ما ليس نقيصة أو مدعاة للتفاخر بحد ذاته، خصوصاً في دولة تحترم الأفراد. أما عندما توضع الجماعات في حقل السياسة فلا بد من أن تكون عُرضة للنقد، وحتى للشتيمة، لأن الخلاف السياسي، بتدرّج لغة المنخرطين فيه، لا يتعاطى بالمقدّسات بطبيعة الحال، ولن يُعفي أية مجموعة من النقد إلا على سبيل التقية أو النفاق. حتى المناداة بفصل الدين عن الدولة هناك من يتبنّاها من باب الغيرة على الدين، فلا يُنزَل به إلى مستويات الخصومة السياسية المختلفة.
ليست الدولة كلمة، ولا مفهوماً للغلبة والهيمنة. الدولة هي ما افتقدتْه سوريا من قبل والآن. الخيار واضح وبسيط، فإما المضي في اتجاه الدولة أو الحفاظ على خطاب يقسم البلد إلى طوائف وعشائر. بقي أن نشير إلى أن هذا كله يُفترض أن يكون دون السياسة، بمعنى أن الخلاف السياسي هو ابن الدولة الحقّة أيضاً، لا ابن الطوائف والعشائر.
المدن
—————————–
اعتصامات الساحل: غضبٌ مكبوت يطلب طريقاً وطنياً!/ أحمد علي
الخميس 2025/11/27
ليست اعتصاماتُ الساحل السوري خبراً عابراً ولا مشهداً طارئاً أو مفاجئاً في شريط الأحداث؛ بل نافذة مفتوحة على وجعٍ تراكم قبل أن ينفجر دفعة واحدة.. وبين من يصرّ على قراءتها كاستجابة لنداء رجل دين، ومن يسارع إلى اتهامها بالطائفية أو “المشروع التقسيمي”، تضيع الحقيقة الأوضح، وهي أن الذين ملؤوا الساحات هم أبناء الفواتير المستحيلة، والرواتب المتهالكة، والخوف من غدٍ مجهول وغير آمن.
من السهل أن تُختزل اعتصامات الساحل في جملة طائفية، أو في استثمار حادثة زيدل في حمص، أو في قراءة كل شيء من زاوية “مشروع تقسيم وفيدراليات”، ومن السهل أكثر أن يُقال إن ما يجري مؤامرة أو لعبة أجهزة وترتيب دولي يجري التحضير له على الأرض. لكن الأصعب، والأكثر أمانة، هو أن نرى هذه الاعتصامات بوصفها مرآة لحالة سوريا متفجرة تحت السطح، حالة تعبر عنها الحالة المعيشية الخانقة، والقلق الأمني، وانعدام الأفق، والإحساس العميق بالمهانة لدى فئات من الشعب.
لهذا، فإن هذا المقال يحاول أن يقترب من هذا الغضب، يفككه بهدوء وبعقل بارد، ويسأل: ماذا تقول هذه الاعتصامات فعلاً؟ ما الذي تريده؟ هل الشارع هو الجواب الوحيد أمام السوريين اليوم؟ وكيف يمكن أن تتحول الاعتصامات من نداء وجع إلى خطوة في طريق نضال وطني مدني جامع؟
شرارة في لحظة احتقان
جريمة زيدل في ريف حمص، بكل ما حملته من رسائل طائفية خطيرة، كانت بلا شك شرارة قوية في لحظة محتقنة، لكن النار التي اشتعلت في النفوس أقدم من تلك الليلة، وأعمق من أن تفسَّر بجريمة واحدة أو بخطبة شيخ هنا أو هناك.
دعوات بعض رجال الدين للنزول، أو محاولة بعض الناشطين والإعلاميين ودعاة التمثيل ركوب الموجة، هي حقيقية وموجودة، لكنها أشبه بصوت عالٍ يركب موجة تشكّلت من قبل. والذي يختزل الاعتصامات بأنها “استجابة لشيخ” يتجاهل أن الأهالي كانوا، قبل الدعوة وبعدها، يعانون من القتل والتهجير والخطف إلى جانب ارتفاع أسعار الكهرباء والاتصالات والخبز والمحروقات، ويعانون من فصل الموظفين، ومن الخوف اليومي من انفجار أمني جديد.
بكلام واضح، الدعوة من رجل دين أو حادثة طائفية أو فيديو على وسائل التواصل يمكن أن تكون شرارة، لكنها لا تصنع حدث كالذي نتحدث عنه هنا. الاعتصامات هي معبّر عن حالة، لا صانع لها، ومن يرفض رؤية ذلك، إنما يفضّل أن يحارب العناوين عوضاً عن مواجهة الأسباب.
وجع معيشي متراكم
خلف الهتافات والشعارات، هناك قصة بسيطة يرويها السوري أينما كان، لا كهرباء تكفي، لا دخل يكفي، لا أمان حقيقي، ولا ثقة بسلطة تتخذ القرارات من فوق ثم تطلب من الناس الصمت والصبر. ففي الساحل كما في الداخل، يرى جزء من الناس أن السلطة الحالية ورثت امتيازات السلطة السابقة، لكنها تريد أن تُحمّلهم وحدهم ثمن الخراب؛ مرة باسم “الإصلاح”، ومرة باسم “المرحلة الانتقالية”، ومرة باسم “من يحرر يقرّر” في حين هي تتعامل معهم كطوائف لا كمواطنين.
وهذه الخلفية المعيشية ليست تفصيلاً، فحين تُرفع أسعار الكهرباء والاتصالات والخبز، وحين يشعر الموظف أن عمله مهدّد في أي لحظة، وحين يخاف الناس من عودة الاعتقالات والخطف والانتقام والثأر، يصبح الشارع، مهما كان ثمنه، أقل كلفة من البقاء في البيت. وليس ضرورياً أن يعلن المحتجون كل هذه الأسباب على المكشوف، ولا أن يصيغوها في بيان سياسي متكامل؛ فمن لديه عقل يعرف أن الناس لا تغامر بحياتها لأجل “نكتة فيدرالية” أو “هوَس شيخ”؛ بل لأجل العيش الكريم، وخبز الغد، وأمان الأبناء.
“الفيدرالية”.. بحثاً عن حل تائه!
في الاعتصامات الأخيرة في الساحل، برزت شعارات عن اللامركزية وإطلاق سراح الموقوفين ووقف القتل، إلى جانب حديث عن “الفيدرالية” لدى بعض المشاركين. هنا تحديداً اختلطت الأوراق لدى كثيرين، فهل نحن أمام مطلب سياسي عميق بتغيير شكل الدولة؟ أم أمام كلمة تُستخدم كوعاء للغضب؟
في الخطاب السوري الأوسع، تُطرَح اللامركزية اليوم بوصفها خياراً لإنقاذ الدولة من التفكك، عبر توزيع السلطة بين المركز والمستويات المحلية؛ أي ترى فيها “طوق نجاة” لترميم الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن هذا النقاش النظري شيء، وما يقصده المتظاهر البسيط حين يهتف بـِ “اللامركزية” أو حتى “الفيدرالية” شيء آخر غالباً. بالنسبة له، هذه الكلمات ليست مشروعاً دستورياً مكتمل التفاصيل، بل وعدٌ مبهم بأن “شيئاً ما” سيحصل فينقذه من هذا الجحيم اليومي.
الأمر يشبه سؤالُ السوري البسيط في العام 2011 عن معنى “الحرية” التي يهتف لها، فيجد نفسه، بعفوية، يتحدث عن الخبز والمازوت والرواتب، في حين كانت النخب تتكلم من فوق عن “الدولة المدنية” و”الانتقال الديموقراطي” و”إسقاط النظام” بلغة لا تشبه حياة الناس ومدى معرفتهم. اليوم تتكرّر الحكاية تقريباً، فالنخب تتجادل حول الفيدرالية واللامركزية السياسية، في حين أنَّ المتظاهر يريد باختصار حياة كريمة لا يميزه فيها عن الآخر شي، يريد خدمات متناسبة مع دخله، وعملاً لا يُفصل منه تعسفاً، وابناً لا يُعتقل لأنه من طائفة معيّنة.
لهذا تبدو الفيدرالية، في وعي جزء من المحتجين، تكثيفاً لكل أنواع الغضب، أكثر منها مشروعاً سياسياً ناضجاً، وهو تكثيف قد يكون غير موفق، بل خطِراً أحياناً، لأنه يفتح الباب لتأويلات طائفية ويستفز ردّات فعل غوغائية تكسر تمثال أحد قادة الثورة السورية الشيخ صالح العلي أو سلطان باشا الأطرش كما حدث قبل أشهر في السويداء، ظنّاً أن تكسير الرموز يحمي “الوحدة الوطنية”. وفي الحقيقة، هذا النوع من “الوطنية” لا يحمي إلا الخطاب الطائفي الذي يزعم أصحابه أنهم يواجهونه.
هل الشارع هو الجواب؟
هل النزول إلى الشارع اليوم خيار صحيح؟ تاريخ الاحتجاج في سوريا يقول إن الناس لا تلجأ إلى التظاهرة والاعتصام إلا حين تُغلق أمامها كل قنوات التعبير الأخرى، فمن حق السوري أن ينزل إلى الشارع، وأن يرفع صوته، وأن يطالب بحقه في حياة كريمة وأمان حقيقي. وهذا حق، وليس منّة من أحد على أحد.
لكن صحيح أيضاً أن السياق الأمني والسياسي شديد التعقيد، فهناك سلاح منتشر، وانعدام ثقة عميق بين مكونات المجتمع، وإرث ثقيل من القتل والاعتقال والتخوين. ولذلك، يمكن لأي هتاف أن يتحول إلى شرارة صدام أهلي إذا جرى استثماره من جهات متطرفة أو من أجهزة تريد إعادة إنتاج خطاب احترفته السلطة السابقة ووظفته لعقود.
لهذا يبدو واجباً التفكير في بدائل موازية لا تلغي الشارع، لكنها تخفف من احتمالات تحول الاحتجاج إلى صدام طائفي أو أمني.. لماذا لا تُفتح قنوات تواصل حقيقية ودائمة بين السلطة والمجتمع، من خلال مجالس محلية منتخبة فعلاً، وجلسات حوار علنية، وفضاءات نقاش تُنقل على الإعلام، بدلاً من أن يبقى الشارع الخيار الوحيد، في ظل ظرف أمني هشّ؟ لماذا لا يُعترف بأن الاحتجاج، إذا أُدير بعقل، يمكن أن يكون صمامَ أمان لا تهديداً؟
نحو نضال وطني ديمقراطي جامع
الردّ الحقيقي على الطائفية لا يمكن أن يكون طائفياً، ولا يمكن أن نواجه جريمة تحمل طابعاً طائفياً بهتافات طائفية معاكسة، أو باعتصامات مغلقة على طائفة بعينها؛ بل الردّ الجدي يكون بالانخراط في نضال وطني مدني ديموقراطي جامع، لا يختزل السوريين في هويات ما قبل وطنية، بل يعيد بناءهم كمواطنين متساوين في دولة قانون ومؤسسات.
والتجربة السياسية الحالية في دمشق، بكل تعقيداتها وخطواتها المترددة نحو برلمان جديد وانتقال سياسي، تحمل في طياتها إمكانين متعاكسين، إمكان أن تكون بداية طريق إلى دولة جامعة، وإمكان أن تتحول إلى إعادة إنتاج لمركزية خانقة وإقصاء للفئات والمناطق الأضعف، وبطبيعة الحال إذا وقع الاختيار على المسار الثاني، فسيكون هذا عملياً دفعٌ للناس نحو الشارع، ونحو شعارات من نوع الفيدرالية والكانتونات، وربما ما هو أبعد من ذلك.
ولهذا، فمن الضروري جداً أن تضع السلطة الحالية في ذهنها، بخلاف ما فعلته السلطة السابقة، أن احتجاج الناس يأتي أولاً وثانياً وثالثاً من وجعهم الحقيقي، ومن الاستهانة بهذا الوجع، ومن استمرار التعامل مع السوريين وسوريا كطوائف ومناطق، ومن التغاضي عن ممارسات طائفية لبعض الأجهزة وبعض البيئات الاجتماعية الموتورة والتي لم تستجيب لدعوات السلطة بأن الثورة انتهت وبأن عقلية الثأر يجب أن تنتهي. وتجاهل هذه الحقيقة هو الطريق الأقصر إلى انهيار ما تبقى من الدولة السورية، وفتح الباب واسعاً أمام صراعات أهلية لا تبقي ولا تذر.
كلمة أخيرة
في هذا المنعطف التاريخي الذي تشهده البلاد، الصمت جريمة بحق سوريا والسوريين ومشروعهم الوطني ببناء دولة قانون ومؤسسات، ولذلك فإن النخب السورية الوطنية – السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية – مطالَبة برفع الصوت عالياً في وجه الخطاب الطائفي والممارسات الطائفية، سواء صدرت من جهات مقربة من السلطة أو من معارضيها أو من جماعات محلية غاضبة. فليس مقبولاً اليوم أن تُترك الساحات للمتطرفين وحدهم، ولا أن يُحتكر الكلام باسم “الطائفة” أو “المكوّن” من قبل من يستثمرون في الخوف والانتقام.
ختاماً، اعتصامات الساحل هي جرس إنذار جديد، جرسٌ يذكّر بأهمية أن توضع البلاد على السكة الصحيحة للانتقال المبني على الحوار الوطني الجامع والشراكة، ويذكّر أيضاً بأهمية تحويل الغضب إلى نضال مدني طويل النفس، بدلاً من أن يترك ليتبخر في الشوارع أو يتحول إلى وقود لصدامات أهلية جديدة.
المدن
———————————–
تظاهرات الساحل: محاولة تصعيد أخيرة لثالوث الهجري-عبدي-غزال؟/ محمد الشيخ
الأربعاء 2025/11/26
لا يمكن النظر إلى ما جرى من مظاهرات في الساحل السوري من دون مقاطعتها مع تصريحات زعيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي ورفع العلم الإسرائيلي وصور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والشيخ حكمت الهجري في مدينة السويداء والمطالبة باستقلال المحافظة الجنوبية.
ثالوث الهجري- غزال- عبدي
والأسباب الداعية لتلك النظرة كثيرة، لكن أحدها هو أن مظاهرات الساحل جاءت بدعوة من زعيم ما يسمى “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى” الشيخ غزال غزال، الذي يشكّل مع شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري وعبدي، ثالوثاً تلتقي معظم أهدافه في طريق واحد لاسيما المطالبة بالفيدرالية واللامركزية عبر تشكيل أقاليم منفصلة قائمة على أساس طائفي وقومي تمزّق الجغرافيا السورية الواحدة، إضافة إلى تنسيق الثلاثة لتحركات مشتركة سياسية وعسكرية في أوقات سابقة ضد السلطة في دمشق.
قبل يومين، أدلى عبدي بتصريحات طالب فيها بإشراك الدروز والعلويين في المفاوضات الجارية بين “قسد” والحكومة السورية حول تطبيق اتفاق 10 آذار/مارس، في محاولة فُهمت على أنها لرفع سقف المفاوضات مع دمشق، قبل أن يقابلها موالو الهجري بتظاهرة حملت العلم الإسرائيلي وصور نتنياهو والهجري جالت في شوارع مدينة السويداء، وهجمات على مواقع الأمن السوري، قبل أن تكتمل الصورة بدعوة غزال للتظاهرات.
المحاولة الأخيرة
وتتزامن تلك التحركات في وقت حسّاس تنتظر فيه الدولة السورية الوليدة استحقاقات مهمة أبرزها تصويت الكونغرس الأميركي على رفع عقوبات قيصر بشكل كامل بعد نحو أسبوعين، وزيارة وفد من سفراء الدول الـ15 في مجلس الأمن إلى دمشق، ووفد من البنك الدولي والبنك الاحتياطي الأميركي، وفق ما تشير إليه المعلومات.
لذلك، فإن توقيت الدعوة للتظاهرات، وإن كانت في بعض مطالبها محقة وعلى الدولة السورية تنفيذها والعمل عليها بجدية مثل وقف الانتهاكات بحق العلويين ووقف التهميش الحاصل ضدهم وإعادة آلاف الموظفين بعد فصلهم، إلا أن تزامنها مع تحركات الهجري وعبدي تطرح تساؤلات حول الأهداف البعيدة لهذا الثالوث الآن واختيارهم هذا التوقيت الحسّاس.
ويرى الباحث والمحلل السياسي فراس علاوي أن الأطراف الثلاثة تريد الضغط على الحكومة السورية في هذا الوقت الحساس، بعد أن “أفلست” من الدعم الدولي، وأدركت أن الدول التي ممكن أن تكون داعمة لهم مثل إيران وإسرائيل، قد تنصلت من ذلك.
وأضاف علاوي لـ”المدن”، أن عبدي يريد إرسال رسالة، إلى الحكومة السورية بأن لديه تحالفاً من الأقليات وثقلاً ديمغرافياً والتفاوض معها على هذا الأساس، وإلى الخارج بأنه لديه ثقلاً سياسياً ويجب مشاركتهم في حكم سوريا.
ويرجح أن تصعيد هذا الثالوث اليوم، هو محاولة أخيرة للحصول على مكتسبات في سوريا، قبل خطوة أميركية متوقعة قادمة لدعم الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، لافتاً إلى أنه ربما نشهد مفاوضات بين الحكومة وهذه الأطراف برعاية دولية، إلى جانب ضغط أميركي لمنع زعزعة الاستقرار في سوريا.
من جانبه، يرى الباحث السياسي درويش خليفة أن تزامن هذه الوقائع وتسارعها لا يمكن فصله عن عامل الوقت، مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لتطبيق اتفاق 10 آذار/مارس بين الرئيس السوري أحمد الشرع وعبدي، مضيفاً أن بعض المكونات السورية الرافضة للسلطة بعد دحر النظام المخلوع، بدأت تنسّق تحركاتها بوتيرة مدروسة، ما يرجّح احتمالات تصعيد منسّق قبل رأس السنة الحالية.
ما المطلوب من الدولة السورية؟
وواقع الحال، أن من خرج في تظاهرات الساحل لم يكن يلبي دعوة غزال بالضرورة المطلقة، فما جرى من مجازر هناك في آذار/مارس الماضي، ومثلها في السويداء في تموز/يوليو، إلى جانب حوادث القتل التي تستهدف العلويين في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، والتهميش الحاصل بحقهم، عمّقت مخاوف العلويين حول مستقبلهم في ظل الدولة الجديدة، وكان الشارع هو السبيل الوحيد للتعبير عن ذلك.
وإن كان الأمن السوري قد تعامل بمسؤولية بحمايته هذه التظاهرات ما حال دون التصعيد، لكن لا يمكن إغفال أن هناك تظاهرات مضادة مؤيدة للسلطة الحالية خرجت في ذات المناطق، وهنا يكمن الخطر الأكبر، شارع مقابل شارع، وتصعيد مقابل تصعيد، وصولاً إلى نتائج قد تقود البلاد نحو حرب أهلية في نهاية المطاف، واستجلاب تدخل دولي نتائجه لن ترضي أياً من المكونات.
ولتلك الأسباب وغيرها، يرى خليفة أن على الدولة السورية التحرّك العاجل وإطلاق مبادرة سياسية–مجتمعية تهدف إلى استعادة الثقة وبناء شراكة وطنية حقيقية مع مختلف المكونات، بما يعزز شعورها بالانتماء إلى سوريا الموحدة.
ويشمل ذلك، بحسب خليفة، إطلاق عملية سياسية شاملة بضمانات دولية، تبدأ بحوار وطني عام تكون مخرجاته ملزمة للقيادة السياسية، يليها الشروع الجاد في مسار العدالة الانتقالية، وصياغة دستور جديد يضمن الحقوق الأساسية والحريات العامة والفردية، ويؤسس لمحاسبة كل من انتهك حرمة الدم السوري وأسهم في زعزعة الاستقرار.
وحذّر من تداعيات خطاب الانفصال على سوريا ومجتمعها المنهك بفعل صراع استمر 14 عاماً، مرجحاً أن تتكاثر مثل هذه الدعوات في حال استمر التعثّر في إيجاد حلول جذرية لأزمة السويداء، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام المزيد من التدخلات الخارجية ويهدد البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد، ويدفعها نحو مسارات خطرة لا تصب في مصلحة أي من مكوناتها.
—————————-
مظاهرات الساحل السوري… وما تحمله من رسائل/ حايد حايد
01 ديسمبر 2025
قد تكون مظاهرات الساحل التي اجتاحت محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة الأسبوع الماضي محدودة، ولكنها كشفت عما يتجاوز ما يوحي به الإقبال المتواضع الذي شهدته.
كانت تلك المظاهرات التعبير الأوضح عن حجم الإحباط لدى الطائفة العلوية منذ تولي السلطات الانتقالية الحكم في البلاد، وصرخة تعلن أن الاحتقان بلغ غايته وأن المظالم المتراكمة داخل مناطق العلويين في سوريا قد بلغت حد الانفجار.
لم تبرُز الاحتجاجات بسبب مطالبها التي نادت بالأمن والتوظيف والمساواة في المعاملة وحسب، وإنما أيضا بسبب طريقة تعامل قوات الأمن معها، التي وصفها مراقبون بأنها كانت احترافية ومدروسة وتركز على خفض التصعيد. وفي بلد طالما كان ضبط الحشود فيه يعني الإكراه واللجوء إلى العنف، فإن ما شهدته تلك المظاهرات كان تحولا جذريا يستحق التقدير.
باختيارها السماح للتجمعات بالاستمرار بدلا من قمعها، نجحت السلطات في احتواء الموقف. غير أن الهدوء كان حذرا وهشا. وما لم تعمل السلطات على إيجاد حلول جدية للضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية الكامنة التي دفعت الناس إلى الشوارع، فإن لحظات الهدوء هذه لن تدوم طويلا.
وانطلقت شرارة المظاهرات بدعوة من غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي المُشكّل حديثا، الذي حث على الاعتصامات السلمية للمطالبة بوقف العنف والدفع نحو الإصلاح. وجاءت دعوته إثر هجمات انتقامية على الأحياء العلوية في حمص انخرط فيها مسلحون من قبيلة بني خالد، بعد مقتل زوجين من الطائفة السنية في بلدة زيدل، وهي جريمة وصفت بأنها طائفية. وخلق هذا الهجوم الطائش المتسرع على أحياء بأكملها صدمة كبيرة في أوساط العلويين، وعمّق شعورهم بالضعف والهشاشة.
بيد أن حمص لم تكن السبب الحقيقي، وإنما كانت الشرارة فقط. ومنذ شهور عديدة، تعاني مناطق العلويين من انعدام الأمن، حيث تشهد عمليات خطف وقتل وحلقات انتقامية. وفي الوقت نفسه، فُصل عشرات الآلاف من العلويين على حين غرة من الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية بعد سقوط النظام السابق، مما ترك عائلاتهم بلا أي مصدر للدخل أو الدعم. وما زاد الطين بلة الشعور المتزايد بالتهميش السياسي وعدم اليقين بشأن العملية الانتقالية والاتجاه الذي تسير نحوه.
وانعكس ذلك في اللافتات التي رفعها المتظاهرون. ودعا بعضها إلى استعادة الأمان والمساءلة، ورُفعت مطالب بإعادة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم. بينما طالبت لافتات أخرى باللامركزية الإدارية والفيدرالية. تحكي هذه المطالب قصة مجتمع لا يرفض الانتقال السياسي، لكنه يتساءل عما إذا كان له مكان ضمن هذا الانتقال أصلا.
تعاملت السلطات مع الاحتجاجات بطريقة مغايرة كليا لما كان سائدا في عهد الأسد. فقد أكدت منذ البداية على التزامها بحماية الحق في التجمع السلمي. وانعكس هذا الالتزام في سلوك جهاز الأمن العام، حيث انتشرت القوات بأعداد كبيرة إلا أنها تجنبت الاحتكاك مع المتظاهرين أو التصعيد.
وسمحت تلك القوات للمظاهرات بالمضي، ولم تتدخل إلا عند اندلاع الاشتباكات. ووصف أهالي اللاذقية وطرطوس حضور قوات الأمن بأنه مدروس ومنضبط، وهو تحول لافت في بلد لم تُقابَل فيه المعارضة إلا بالقوة الغاشمة على مر عقود طويلة.
ساعد هذا الانضباط في الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، التي كانت محدودة في حجمها أصلا ولم تستمر طويلا. غير أن الشوارع شهدت مظاهرات مضادة مؤيدة للحكومة في عدة مدن، من بينها طرطوس، حيث اندلعت اشتباكات متفرقة قبل أن تتدخل قوات الأمن.
أما أخطر أعمال العنف خلال الاحتجاجات فقد كانت من نصيب اللاذقية، حيث ألقى المسؤولون باللوم على جماعات مسلحة مرتبطة بشبكات النظام السابق في إطلاق النار وتخريب مركبات الشرطة، مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف المدنيين وعناصر الأمن على حد سواء. وبحلول الليل، تفرقت معظم تلك التجمعات.
تسلط المظاهرات، وردود الفعل التي أثارتها، الضوء على ديناميكيات تمتد إلى ما هو أبعد وأعمق من الأحداث نفسها؛ ثمة تحول بدأ ينضج داخل المجتمعات العلوية. فقد بلغ الإحباط حدا تغيرت فيه الحسابات الخاصة لتلك المجتمعات، فتكلفة الصمت اليوم تفوق تكلفة الكلام.
وعلى الرغم من تواضع نسبة المشاركة، فإن الاحتجاجات المنسقة عبر مدن متعددة توحي بظهور شخصيات قادرة على حشد شرائح من المجتمع، وإن بأعداد خجولة في الوقت الحالي.
من جانبها، ثمة ما يشير إلى أن السلطات تدرك أكثر فأكثر التكلفة السياسية الباهظة للعنف، وتدرك في الوقت نفسه الحاجة إلى اتخاذ تدابير أمنية وقائية. وقد تجلى ذلك في حجم الانتشار الأمني وقرار الاعتماد على وحدات منضبطة مدرَّبة بدلا من المجندين الجدد الأكثر عرضة لاقتراف الانتهاكات.
لكن العبرة الأساسية تؤكد أن الانضباط وحده لا يكفي. لا يمكن لأحد أن ينكر أن السماح باستمرار الاعتصامات وعدم التصدي لها لعبا دورا هاما في تجنب المواجهة الفورية، إلا أن المظالم التي دفعت الناس إلى الشوارع في المقام الأول ما زالت بلا حل. وإذا لم تتمكن السلطات الانتقالية من معالجة الأسباب العميقة للسخط، فسوف يستمر مرجل الغضب بالغليان منذرا باندلاع اضطرابات أوسع نطاقا.
ليست مظاهرات الساحل رفضا للسلطات الانتقالية، بل هي خارطة طريق للإصلاحات التي تحتاجها البلاد إذا كانت تأمل في استعادة استقرارها. إنها تدق ناقوس الخطر لكن الأوان لم يفت بعد، إذ ينبغي قراءتها كتحذير وفرصة في آنٍ واحد. فرسالة الشوارع كانت واضحة ولا تحتمل التأويل: لا يمكن الاستمرار بالمسار الحالي، وتكلفة التقاعس عن إيجاد حلول جذرية آخذة في الارتفاع، وهامش الخطأ يضيق بسرعة.
وفي الوقت نفسه، تتيح هذه اللحظة للسلطات فرصة حقيقية كي تثبت أن النظام السياسي الذي تبنيه يختلف اختلافا جذريا عن النظام الذي حل محله. وهذا يتطلب أكثر من بضعة رسائل، إنه يتطلب حكومة متجاوبة، وشفافية في اتخاذ القرارات، وحماية متساوية لكل المواطنين على اختلاف أطيافهم ومشاربهم وانتماءاتهم.
قدمت المظاهرات تحذيرا ووجهة ومهلة نهائية. والكرة الآن في ملعب السلطات الانتقالية: هل ستأخذ تلك المظاهرات بالاعتبار وتتخذ خطوات جدية قبل حلول الأزمة التالية، أم إنها ستكتفي بالاستعداد لها؟
المجلة
——————————-
الساحل السوري ليس كانتونًا: وهم الحكم الذاتي في بلد فسيفسائي/ علي قاسم
التاريخ لا يرحم من يعبث بوحدة سوريا… لقد عاش السوريون معًا لمئات السنين رغم اختلافاتهم ولم تكن الطائفية يومًا هي الحاكمة.
الخميس 2025/11/27
لماذا لا يصلح التقسيم؟
الحكم الذاتي في سوريا ليس حلاً، بل وصفة للتفكك، خاصة في ظل التركيبة الديموغرافية المتشابكة التي تجعل تطبيقه ضربًا من الجنون السياسي. واليوم، وبينما تعيش سوريا حالة انتقالية صعبة تتطلب التماسك والتوحد، يعود الحديث عن الحكم الذاتي ليطفو على السطح، مدفوعًا بتجارب شمال شرق البلاد، حيث فرضت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نموذجًا إداريًا خاصًا بها. وبينما يطالب البعض بتكرار هذا النموذج في مناطق أخرى، مثل الساحل السوري، فإن هذا الطرح لا يبدو واقعيًا ولا قابلًا للتطبيق دون أن يحمل في طياته بذور تفكيك الدولة.
من حق أبناء الطائفة العلوية أن يخرجوا للتظاهر، وأن يطالبوا بوقف الاعتداءات بحقهم، وبإطلاق سراح المعتقلين من أبنائهم. هذا حق مدني وإنساني لا جدال فيه. لكن الخطورة تكمن حين يُستغل هذا الحق لتمرير مشاريع سياسية مشبوهة، كأن يُدفع هؤلاء إلى تبني فكرة الحكم الذاتي في الساحل، في فخ تنصبه لهم قسد أو أطراف أخرى تسعى لتفتيت سوريا.
دعونا نرسم خريطة قرى الساحل السوري، من الشمال وحتى الحدود اللبنانية. سنجد قرى وبلدات تتداخل فيها الطوائف والإثنيات والأعراق بشكل لا يسمح بأي فصل إداري أو سياسي منطقي. الأرمن في كسب، التركمان في عشرات القرى، الأكراد في الحفة وسلمى ودورين والمارونيات، المسيحيون موزعون في عشرات القرى وفي طرطوس واللاذقية، جزيرة أرواد يقطنها السنة، والعلويون في معظم المناطق. هل يمكن تقسيم هذه الفسيفساء إلى كيانات ذاتية الحكم؟ وهل نمنح كل حي أو شارع حكومته الخاصة؟ في اللاذقية مثلًا، نمنح حي الأزهري والرمل الشمالي للعلويين، ونمنح المسيحيين شارع الأمريكان لإقامة حكم ذاتي، والرمل الجنوبي وحي الصليبة ومشروعه للسنة؟ هذا ليس مشروع حكم ذاتي، بل وصفة لحرب أهلية.
الحل لا يكمن في تقسيم سوريا. يمكن اعتماد لامركزية إدارية موسعة تسمح بإدارة محلية فعّالة ويمكن تعزيز التمثيل السياسي للمكونات المختلفة شرط ألّا يتحول ذلك إلى محاصصة طائفية
في شمال شرق سوريا، حيث فرضت قسد نموذجًا للحكم الذاتي منذ عام 2014 مستندة إلى سيطرة عسكرية ودعم دولي، فإن التجربة لا تصلح للتعميم. ورغم أن هذا النموذج أتاح بعض الاستقرار المحلي، إلا أنه خلق أيضًا توترات مع المكونات العربية والآشورية والتركمانية، التي شعرت بالتهميش. الاتفاق الأخير بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن الدولة السورية، يعكس إدراكًا متأخرًا بأن الحكم الذاتي لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا.
عبدي، الذي أُسقط من يده وأُجبر بضغط من الرئيس ترامب على الدخول في تفاوض واتفاق مع الحكومة السورية، يحاول الالتفاف عن طريق تحريض الدروز والعلويين للمطالبة بحكم ذاتي؛ ليس تعاطفًا معهم، بل لخلق حالة من الفوضى، متجاهلًا أن هذه المطالب لو تحققت ستشكل مرحلة انتقالية قصيرة قبل أن تندلع النزاعات وتتحول إلى حرب أهلية من جديد.
يجب أن نقبل حقيقة أن الجغرافيا والديمغرافيا السورية عائق أمام الفدرلة. سوريا ليست بلدًا شاسعًا يمكن تقسيمه إلى أقاليم مستقلة. إنها بلد صغير المساحة، لكنه غني بالتنوع الديني والعرقي. في دمشق، يعيش السنة والمسيحيون والعلويون والدروز جنبًا إلى جنب. في حلب، تتداخل الأحياء بين العرب والأكراد والشركس. في الجنوب، تتجاور القرى الدرزية والسنية والمسيحية. أي محاولة لتطبيق الحكم الذاتي ستصطدم بجدار الديمغرافيا، وستحوّل كل حي إلى ساحة نزاع على الهوية والسيادة.
وكما تشير تقارير عديدة، فإن الفدرالية واللامركزية تثير قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية، إذ يخشى كثيرون أن تكون مجرد قناع لمشروع تقسيمي. حتى اللامركزية الإدارية، التي تبدو خيارًا أكثر اعتدالًا، تحتاج إلى ضمانات قوية كي لا تتحول إلى بوابة لتفكيك الدولة.
التاريخ لا يرحم من يعبث بالوحدة. لقد عاش السوريون معًا لمئات السنين، في تحاب وتآخي، رغم اختلافاتهم. لم تكن الطائفية يومًا هي الحاكمة، إلى أن زرع الاستعمار الأوروبي فتنة التقسيم في العقول. ورغم الشعارات الكبيرة التي رفعها حزب البعث عن القومية العربية، إلا أن الواقع كشف عن تعميق للانقسامات الطائفية خلال فترة حكم، لا تجاوزها.
اليوم، لا يمكن لسوريا أن تتحمل مزيدًا من التجارب الفاشلة، كما في تجربة الوحدة مع مصر وتجربة البعث. الحكم الذاتي ليس حلاً، بل خطر يهدد وحدة البلاد. وإذا كان البعض يرى فيه وسيلة لحماية الأقليات، فإن الحماية الحقيقية لا تأتي من الانعزال، بل من بناء دولة مدنية عادلة، تضمن الحقوق للجميع دون الحاجة إلى كيانات منفصلة.
الحل لا يكمن في تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية أو إثنية، بل في صياغة عقد اجتماعي جديد، يعترف بالتنوع، ويؤسس لمواطنة متساوية. يمكن اعتماد لامركزية إدارية موسعة، تسمح بإدارة محلية فعّالة، دون أن تمس بوحدة الدولة. ويمكن تعزيز التمثيل السياسي للمكونات المختلفة، دون أن يتحول ذلك إلى محاصصة طائفية.
ما ينطبق على الساحل ينطبق على كل سوريا: لا يمكن تقسيم بلد بهذا التنوع دون أن يتحول إلى ساحة صراع دائم. الوحدة ليست شعارًا، بل ضرورة وجودية. والحكم الذاتي، مهما بدا مغريًا للبعض، هو طريق محفوف بالمخاطر، لا سيما في بلد لم يتعافَ بعد من جراح الحرب.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب
——————–
تظاهرات الساحل اختبار آخر لسوريا الجديدة/ إبراهيم خولاني
شهدت مناطق في الساحل السوري، في 25 من تشرين الثاني، تظاهرات من أبناء الطائفة العلوية دعا إليها الشيخ غزال غزال، مفتي منطقة اللاذقية السابق، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الذي أُسس في بدايات عام 2025 بعد سقوط النظام البائد.
وقد رفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإفراج عن المعتقلين، وإعادة الموظفين والعسكريين المفصولين إلى وظائفهم، ووقف حالات الخطف أو القتل. وهي مطالب يمكن وصف جزء منها بأنها مطالب محقة، وتعكس شعورًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة بأن الواقع الذي يعيشونه اليوم وصل إلى درجة صعبة، سواء على مستوى الأمان الشخصي أو شروط المعيشة أو حضور الدولة بوصفها مرجعية قانونية.
لكن هذه التظاهرات لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي تعيشه سوريا منذ سقوط النظام البائد؛ فالمشهد السوري، على الرغم من دخوله مرحلة ما بعد النظام، لا يزال يعيش إرثًا ثقيلًا من الانقسامات المجتمعية، ومن الجراح المفتوحة التي طالت كل أطرافه. لذلك، تبدو أي حركة احتجاجية، وإن بدت مطالبها محدودة أو غير ذات أهمية لجزء كبير من السوريين، بمنزلة اختبار سياسي وأمني واجتماعي لسوريا: أبدأت فعلًا دخول مرحلة جديدة، أم إنها ما تزال تتحرك فوق الأرض نفسها التي فُجّرت بها النزاعات والمظالم المتراكمة خلال السنوات الماضية.
يمكن قراءة مطالب المتظاهرين في الساحل من زاويتين متداخلتين: الأولى اجتماعية اقتصادية؛ الثانية سياسية.
على المستوى الاجتماعي، يعيش جزء كبير من أبناء الطائفة العلوية حالة انهيار اقتصادي وفقر شديد؛ فالمناطق الساحلية التي اعتمدت عقودًا من الزمن على الوظائف الحكومية والمؤسسات الأمنية والعسكرية لم تُطوّر لنفسها قاعدة اقتصادية حقيقية، بسبب سياسات النظام البائد الذي أبقى هذه المناطق في حالة اعتماد شبه كامل على الدولة، بهدف ضمان استمرار ولائها له. وقد حرمت هذه السياسة المجتمعَ المحلي هناك من تكوين المهارات ووجود فرص عمل، وجعلت سقوط النظام يترك فراغًا اقتصاديًا كبيرًا لا يمكن ملؤه بسهولة.
أما على المستوى السياسي، فإن جزءًا واسعًا من أبناء الطائفة العلوية يمر بمرحلة إعادة تعريف موقعه أمام الدولة الجديدة، بعد أن كان سنوات طويلة يُستخدم بوصفه أداة لحماية النظام، أو بتعبير أدق لحماية عائلة الأسد، ولمّا يستطع أن يدرك أن بات خارج ما كان يظنها دولة. ومع سقوط نظام الأسد، دخلت الطائفة في حالة اضطراب داخلي؛ فمن ناحية تشعر بعبء الجرائم التي ارتكبها النظام باسمها، ومن ناحية أخرى تخشى انتقامًا جماعيًا أو إقصاءً سياسيًا، وبين هذين الهاجسين خرجت التظاهرات.
لكن قراءة هذا المشهد لا تكتمل من دون النظر إلى ردة فعل كثير من السوريين الذين استقبلوا هذه التظاهرات بالشك بأحقية مطالبها؛ فالسوريون الذين عانوا القصف والاعتقال والحصار والتهجير، وقُتّل أبناؤهم على يد الأجهزة الأمنية التي استندت في معظمها إلى عناصر من الطائفة العلوية، يجدون صعوبة في تقبّل خطاب المظلومية الذي يقدمه المحتجون. ليس لأن مطالبهم غير محقة، بل لأن الذاكرة الجمعية السورية لا تزال مثقلة بآلام لا يمكن تجاوزها بسهولة؛ فقد ترك النظام البائد جروحًا اجتماعية عميقة، فهناك مدن قد دُمّرت بالكامل، وهناك عائلات اختفى أفرادها في المعتقلات، وهناك مجتمعات هُجّرت وصودرت مقدراتها. لكن في مقابل ذلك، خسر العلويون آلافًا من شبابهم الذين زُجّوا في حرب لم تكن حربهم، حتى باتت بعض قراهم شبه خالية من الشباب. هذا الواقع المأساوي خلق فجوة نفسية واجتماعية لا يمكن ردمها إلا عبر عملية مصارحة وطنية تُبنى على قانون عادل وشفاف، لا على منطق الغلبة أو الانتقام.
ما يزيد حساسية الموقف أن محاولة الانقلاب التي قادها ضباط وعناصر من بقايا النظام في الساحل في آذار/ مارس 2025، والتي راح ضحيتها مئات من عناصر الأمن العام، تركت في الذاكرة السورية جرحًا إضافيًا. فقد كان الهدف من تلك المحاولة خلط الأوراق وجرّ الحكومة الجديدة إلى مواجهة دامية مع المدنيين، وإظهارها بمظهر الطرف الذي يستهدف منطقة بعينها بدافع الانتقام. وعلى الرغم من أن الدولة تعاملت لاحقًا مع الوضع بمسؤولية وفتحت تحقيقات وشرعت في محاسبة المتورطين، فإن الردود الشعبية الأولى كانت غاضبة وغير منضبطة، وسقط بسببها ضحايا أبرياء، ما جعل الجروح أكثر تعقيدًا، والمشهد أكثر هشاشة مما يُظن.
وقد تعاملت الحكومة السورية الجديدة مع التظاهرات بحكمة وهدوء، إذ لم تُسجّل أي اعتداءات على المتظاهرين، وتولت قوات الأمن حمايتهم، فيما أكد مسؤولون أن حق التظاهر مكفول، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع السوريين. هذه المقاربة، التي تختلف جذريًا عن ممارسات النظام البائد، تمثل خطوة مهمة في تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، ولكن السؤال الأهم: هل يكفي ذلك؟ فبناء الدولة بعد عقود طويلة من الاستبداد يحتاج إلى ما هو أكبر من حماية التظاهرات، ويحتاج أيضًا إلى تفكيك البنى الطائفية التي أسس لها النظام البائد، ويحتاج إلى إدارة عادلة لملفات الشرطة والجيش والمفصولين والمعتقلين، كما يحتاج إلى خلق اقتصاد قادر على استيعاب مئات الآلاف من الشباب من كل المناطق والطوائف.
بوصفي واحدًا من أبناء الطائفة السنيّة، أقول إن مسؤولية الأكثرية في هذه المرحلة أكبر من مما هي عليه الآن، فبعد سنوات طويلة من الحرب والإقصاء والدماء هناك مسؤولية أكبر يجب أن يتصدر لها السوريون الذين وصولوا إلى مناصب في الدولة الجديدة على اختلاف مواقعهم، تتمثل في قيادة مشروع وطني جامع؛ فالثورة التي اندلعت من أجل الحرية والعدالة والدولة المدنية لا يمكن أن تتحول إلى مشروع إقصاء. وفي سوريا الجديدة، لا بد للأكثرية من أن تتحلى بقدر أعلى من الصبر والحكمة، لأنها الآن الطرف الذي يخشى منه الآخرون، ولأنها الطرف الأقدر، من حيث العدد والتأثير، على بناء صورة الدولة القادمة. لذلك، فإن التعامل مع مطالب المحتجين في الساحل يجب أن يكون عبر تشكيل لجان قانونية مستقلة تفرّق بين المذنب والبريء، بعيدًا عن أي مقاربة طائفية أو أيديولوجية، فمن ثبت تورطه في الجرائم فمكانه القضاء، ومن لم يثبت عليه شيء فمن حقه العودة إلى عمله الذين كان مصدر رزقه الوحيد.
هذه المقاربة قد تكون مثالية وقد يصعب تطبيقها؛ فليس من السهل على من تشرد أو هُجّر أو اعتُقل أو شاهد كل ما حل بالشعب السوري أن ينسى ما حدث، لكن الجهاد ليس في صد الصائل فحسب، بل الجهاد الأكبر في تطبيق قول الله في القرآن الكريم “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”، وقوله “كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين”، وقوله “من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”، وقوله “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وقوله، “ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وقوله “والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”.
إن هذه المقاربة ضرورية لمنع أي توظيف خارجي يريد إعادة إشعال الفتنة الطائفية في البلاد. فهناك أطراف لا تريد لسورية أن تنهض دولة موحدة، وتبذل جهدًا كبيرًا لإبقاء المجتمع السوري في حالة قلق ونزاع دائم، ما يمنع قيام عقد وطني شامل، أو دولة وطنية قوية ومتماسكة. ولن تحقق سوريا ذلك أو تصل إلى الاستقرار إلا إذا تحاور أبناؤها وتصارحوا واعترف المخطئ بأخطائه وسوء خياراته. ولن تُغلق النوافذ أو الأبواب أمام التدخل الخارجي إلا بتماسك قوي ومتين للجبهة الداخلية، وبسيادة حقيقة للقانون يشعر كل مواطن بأنها فوق الجميع. وعندما يجد السوريون من كل المكونات بأن صوتهم مسموع، وأنهم شركاء في إدارة الدولة لا رعايا فيها، يمكن إغلاق الثغرات التي تسعى إليها القوى الخارجية لتمزيق البلاد.
أخيرًا، فإن التظاهرات الأخيرة في مناطق العلويين ليست مجرد حدث احتجاجي محدود، بل مؤشر على مرحلة سياسية جديدة تبحث فيها كل الأطراف عن مكانها في سوريا ما بعد النظام. وهي أيضًا اختبار لمدى قدرة السوريين حكومة وشعبًا على تجاوز رواسب الماضي وبناء دولة لا يكون فيها الانتماء الطائفي وثيقة تزكية، بل يكون المواطن فيها قيمة عليا تُحترم حقوقه ويُحاسب لوحده على أفعاله، مصداقًا لقوله تعالى “ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وزر أخرى”.
عنب بلدي
—————————-
كيف ينظر السوريون إلى احتجاجات الطائفة العلوية؟/ ملاذ قاسم آغا
حمص- شهدت المناطق ذات الغالبية من الطائفة العلوية في مدينة حمص والساحل السوري وريف حماة الغربي هدوءا بعد احتجاجات، دون تسجيل حالات اعتقال للمشاركين في عموم سوريا، وذلك بعد توترات أمنية في حي الزهراء إثر مقتل رجل وزوجته حرقا في بلدة زيدل بحمص وكتابة عبارات طائفية في موقع الجريمة.
وشهد الحي ذو الغالبية العلوية، أول أمس الثلاثاء، الاحتجاجات الرئيسية عند تقاطع شارع الستين، حيث طالب المتظاهرون بإطلاق سراح من وصفوهم بـ”المعتقلين”، ودعم الأمان، وبالحكم الفدرالي واللامركزية الإدارية، وسط إطلاق بعض الشعارات الطائفية التي تشير إلى أبناء الطائفة.
في حديث للجزيرة نت، قالت براءة علّام، وهي إحدى سكان حي الزهراء، إن “الاحتجاج بدأ بتحريض خارجي، ومن الواجب في مثل هذه التصرفات أن تكون بشكل واع أكثر. وجاءت التحركات استنكارا للتوترات الأمنية التي شهدها الحي في اليومين الماضيين بعد حادثة قرية زيدل”.
رفض التقسيم
وترى علّام أن هناك وسائل عديدة لإيصال الصوت “أفضل من الاحتجاج وتأجيج الموقف والعبث بأمن المنطقة”. ورفضت مطالب التقسيم أو الفدرالية التي رُفعت في عدة لافتات، وأكدت أنهم “لا يمثلون الطائفة العلوية، فمن نادى بذلك لا يمثّل سوى نفسه”.
ومن سكان الحي ذاته، أوضح الشاب الثلاثيني فادي زروفي أن مطالب الاحتجاجات ركزت على عودة الحياة لطبيعتها، وتسريع التحقيق مع الموقوفين عبر محاكمة المجرمين والإسراع بإطلاق سراح الأبرياء منهم، مؤكدا أن سوريا “بلد قانون”. وتوقع أن تتواصل التحركات أياما أخرى باعتبارها “سلمية”، مشيرا إلى أن التحريض الحاصل “كبير”.
وأكد زروفي للجزيرة نت أنه لم يتعرض أي من المحتجين للاعتقال أو الضرب، وتعامل الأمن الداخلي بأسلوب جيد معهم واستوعب الموقف بشكل كامل.
من جانبه، قال الصحفي أحمد العاقل، من أبناء الطائفة العلوية ويسكن في حي الزهراء، إن الاحتجاجات التي حدثت في عموم سوريا جاءت بعد دعوات على وسائل التواصل، انطلقت ليل الاثنين الماضي. واعتبر أن مطالب الفدرالية واللامركزية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، لأن “المناطق في حمص تعيش حالة من التداخل الطائفي الذي لا يمكن تقسيمه، وكذلك في الساحل وعموم البلاد”.
وصرح للجزيرة نت بأنه لم تسجل أي حالة احتكاك بين المدنيين في حمص، مؤكدا أن الاحتجاج جرى وفُض سلميا. واختصر مطالب الأهالي في توفير الأمان، وضرورة بقاء أجهزة قوى الأمن الداخلي في الزهراء والأحياء الأخرى لتعزيز الأمن.
وبخصوص ما تم ترويجه على وسائل التواصل الاجتماعي حول استمرار الاحتجاجات لأيام قادمة، لا يرى أحمد العاقل ذلك “في ظل رغبة كبيرة من سكان المنطقة أن تعود الحياة لطبيعتها”. وأكد عدم تسجيل مقتل أي شخص من الطائفة العلوية خلال الأيام الماضية أو
مسيرات مؤيدة
أما أبو جميل الأبرش، وهو من سكان أحياء حمص القديمة، الذين خرجوا الثلاثاء دعما لوحدة الأراضي السورية والحكومة، فقال للجزيرة نت “لا نعلم كيف يطالبون بإطلاق سراح المعتقلين والمجرمين ممن تلطخت أيديهم بالدماء من الجيش وأجهزة المخابرات في النظام المخلوع، هؤلاء جميعهم مجرمون، أما عن الأبرياء، فلم يتم التعرض لأي منهم”.
وعن مطالب اللامركزية، يضيف الأبرش “جاءت لإدارة 3 أحياء فقط ضمن مدينة كاملة، كيف يمكن تطبيق الفدرالية في أحياء ضمن مدن تعيش نسيجا طائفيا متنوعا مع عدة طوائف أخرى”.
من ناحيته، قال أبو عدي، وهو رجل خمسيني من مدينة حماة وشارك في مسيرة مؤيدة للحكومة في ساحة العاصي، للجزيرة نت “نريد السلام والاستقرار، كفى نزاعات في كل حين، ومطالبات خارجية بالتقسيم، نريد العودة كشعب واحد يسعى إلى بناء سوريا من جديد”.
وأضاف “رغم رفع المحتجين في الساحل شعار أن الشعب العلوي واحد، وعدم حمل العلم السوري ضمن احتجاجاتهم، نقول لهم إن شعارنا منذ بدايات الثورة هو الشعب السوري الواحد، وما زلنا نعمل على هذه القيم. حرية التعبير التي يمارسونها اليوم هي نتاج حراك ثوري لا يمكن التخلي عن مبادئه”.
وعبّر عبد الرحمن، وهو شاب من المشاركين في مسيرات حماة، عن غضب الشارع السوري نظرا لتسمية الموقوفين في السجون بموجب أحكام قضائية قانونية بـ”المعتقلين” في لافتات الاحتجاج، ودعا إلى “تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية -بالسجناء- لأنهم لا يزالون قيد التحقيقات، فهم ليسوا معتقلي رأي، أو معتقلين سياسيين، بل معظمهم مجرمون”.
موقع الجريمة في مدينة حمص(الجزيرة نت) واصلت قوات الأمن الداخلي السوري فرض د حظر التجول في أحياء عدة بمدينة حمص، هذا اليوم الاثنين وذلم لليوم الثاني على التوالي، بعد مقتل رجل وزوجته، وذلك منعا لاستغلال الحادثة لإثارة الفتنة الطائفية.
موقع جريمة القتل في بلدة زيدل بمدينة حمص (الجزيرة)
تجاوزات
لم تختلف مطالب احتجاجات أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري وفي عدة قرى بريف حماة الغربي، في حين تم رصد حرق المحتجين العلم السوري في اللاذقية، وسط رصد شعارات تدعو العلويين إلى توسيع رقعة المشاركة تحت شعار “واحد.. الشعب العلوي واحد”.
من جهة مقابلة، خرجت مسيرات واسعة مؤيدة للحكومة السورية ووحدة الأراضي، ورفضا للتقسيم، ورفض المطالب التي تنادي بتحرير السجناء والموقوفين بتهم الإجرام ضد الشعب السوري في سنوات الثورة، أيا كانت طائفتهم.
وشهدت اللاذقية وجبلة مشاجرات بين المؤيدين والمحتجين، أسفرت عن إصابات طفيفة في صفوف المدنيين جراء التراشق بالحجارة. واستمرت المسيرات المؤيدة في الساحل وحمص وحماة والعاصمة دمشق، حتى ساعات الليل المتأخرة.
ولاقى مقطع فيديو مسجّل لعنصر من قوى الأمن الداخلي -يقف تحت الأمطار لحماية احتجاجات أبناء الطائفة العلوية في طرطوس– رواجا كبيرا وتفاعلا إيجابيا بين جميع أوساط الشعب السوري. وذهبت معظم التعليقات إلى أن هذه الحرية التي يعيشها اليوم المطالبون بالتقسيم والحكم اللامركزي، والتعبير عن رأيهم أمام قوات أمنية للمرة الأولى في البلاد، هي نتاج لتضحيات السوريين الذين نادوا -طوال 14 عاما- بوحدة الشعب وأراضيه.
المصدر: الجزيرة
————————–
سوريا الجديدة.. من يدفع فاتورة السلم الأهلي؟/ فيصل علوش
27 نوفمبر 2025
شهد بعض أحياء مدينة حمص وعدة مدن ومناطق أخرى في الساحل السوري تظاهرات احتجاجية (25/11/2025)، حملت مطالب وشعارات متنوعة؛ من المطالبة بحماية المدنيين ووقف حالات الخطف والقتل والاعتداءات بحق الطائفة العلوية، والإفراج عن الموقوفين الذين احتجزوا بعد سقوط النظام البائد، إلى المطالبة باللامركزية، وحصر السلاح بيد الدولة والأجهزة الأمنية، قابلَ بعضها مظاهرات مضادة مؤيدة للحكومة، سُجّل في عدد منها حوادث احتكاك واشتباك مباشر بين الجهتين، وسط انتشار مكثف لقوى الأمن الداخلي، وتأكيد مسؤولين في الداخلية السورية بأن الوزارة تكفل حق المواطنين في التظاهر وحرية التعبير، على أن يكون هذا “تحت سقف القانون ودون الإخلال بالسلم الأهلي”، محذرين من “الانجرار وراء دعوات خارجية للفتنة”.
ولقد اشتركت المظاهرات والمظاهرات المضادة بترديد هتافات ذات طابع طائفي وتعبوي، ما زاد من التوتر والاحتقان وجعل الأمور مرشحة للانزلاق نحو مزيد من التصعيد. وفي الواقع، فإن الاعتداءات التي حصلت في حمص، ومن ثم خروج المظاهرات والمظاهرات المضادة، إلى جانب الاستعصاء في ملف السويداء وتطبيق اتفاق “خارطة الطريق” الثلاثي الذي وقع بشأنها، وكذا الأمر في ملف “قسد” وتعثر تطبيق اتفاق العاشر من آذار، تُعدّ كلها تجليات وأعراض لأزمة وطنية عامة يمكننا أن نسجل إزاءها الملاحظات التالية:
1ـ مؤكدٌ أنه أمر إيجابي أن يتمكن الناس من الخروج في مظاهرات سلمية، والتعبير عن رأيهم ومطالبهم دون خوف، وهذا مشهد غير مألوف حقًا في الحياة السياسية السورية، ويُسجّل للسلطة الجديدة، وخصوصًا أنها سعت كذلك إلى توفير الحماية للمتظاهرين. ولكن الأهم من ذلك، كما أعتقد، هو البحث في الأسباب والسياسات التي اتبعت ودفعت الناس إلى النزول إلى الشارع. فالعلويون لم يخرجوا إلى الشارع إلا مكرهين وبعد أن طفح الكيل بهم، فلقد كانوا عُرضة للتمييز والتهميش والاستباحة على مدى الشهور السابقة، أقلّه منذ المجزرة المروعة التي تعرضوا لها في آذار/ مارس الماضي. وهم يطالبون اليوم بالمساواة والعيش الآمن والكريم لهم. ومن أبسط حقوق البشر أن يخرجوا للتعبير عن مطالبهم المعيشية والسياسية، وهذا حق كفله الإعلان الدستوري نفسه الذي وضعته السلطة، على رغم كلّ المآخذ والملاحظات التي سُجلت عليه.
2ــ موجة الاعتداءات وأعمال الحرق والتخريب التي قامت بها حشود مسلحة، وطالت مساكن وسيارات ومحال تجارية في أحياء سكنية ذات غالبية علوية، عقب جريمة بلدة زيدل في ريف حمص، (التي تكشّف أنّ “دوافعها جنائية وليست طائفية”، كما أكدت الداخلية السورية)، تشير إلى مدى هشاشة الوضع الأمني، فعندما يمكن لجريمة قتل أن تتحوّل إلى شرارة تشعل شهوة الاتهام والانتقام والعقاب، كاشفة عن استعداد مسبق لدى جماعات محددة إلى الضرب عرض الحائط بالقانون والأجهزة الأمنية المعنية، واللجوء إلى العنف والانتقام بنفسها، خارج أي إطار قانوني أو مؤسسي، ليس من الجاني فحسب، إنما من جماعة أخرى بعينها، على خلفية طائفية، فإن مثل هذا السلوك يشكل دلالة على خلل عميق في ممارسة السلطة لدورها، لأن ما يساعد هذه الجماعات على القيام بذلك هو كونها تملك السلاح، ولا تغض السلطة النظر عن هذا فقط، إنما تشدّ في عضدها، معتبرة أنها تشكل حاضنة اجتماعية لها، وسبق لها واستخدمتها في “فزعاتها العشائرية” السابقة. وفي المقابل، فإن أبناء الطائفة المستهدفة لا يملكون السلاح الآن، وعندما تحصل عمليات خطف وقتل ضدهم، (وقد حصلت خلال الأشهر الأخيرة عشرات الجرائم والانتهاكات)، فمطلوب منهم إما الصمت، وإما اللجوء إلى القوى الأمنية التي لا تكترث لأمرهم غالبًا. وهكذا، فهم من يقع عليه بشكل رئيسي دفع فاتورة الحفاظ على السلم الأهلي، بوصفهم “الأقلية المستضعفة والمدانة” في جميع الأحوال، ومن دون أن يقابل ذلك أي ضمان فعلي لحمايتهم، أو محاسبة المعتدين عليهم.
3ــ وبالمعنى السابق، فإن الشيخ غزال غزال، ليس هو من استطاع تحريك الشارع (العلوي)، بقدر ما فعلت ذلك السلطة ذاتها عبر النهج الذي اتبعته والممارسات التي قامت بها أجهزتها أو الجهات المحسوبة عليها، والتي هيأت كل الأسباب والمقدمات اللازمة لحدوث الاحتجاج والتظاهر.
وعندما طالب الشيخ بالفيدرالية واللامركزية السياسية فقد تحدث عنهما بوصفهما مقترحين لحماية الحقوق، له وللآخرين، أو كصيغة تقدم “ضماناتٍ متبادلة تحفظ للناس حقوقهم وكرامتهم، بدل أن تُترك معلّقة على حسن نوايا السلاح”. علمًا أن أغلب الأكراد والدروز والعلويين باتوا يتقاطعون الآن حول مطلب إقامة نظام لامركزي في البلاد، فيما تتحفظ دمشق عليه خشية أن يفضي إلى التقسيم، على رغم اتضاح أن ما يمكن أن يؤدي إلى “ترجمة” هذه الخشية هو الإصرار على التمسك بالنظام المركزي وليس العكس.
4ــ وإذا قال البعض إن «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، الذي يترأسه الشيخ غزال، ليس قوة وطنية سورية أصيلة، إنما قوة انفصالية طائفية تريد تمزيق البلد، فإن السؤال الذي لا مفر من مواجهته هو؛ كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف باتت قوة كهذه تستطيع حشد الناس بالألوف وراء شعاراتها وأهدافها؟ صحيح أن الإجابة الوافية على هذا السؤال تحتاج إلى البحث في كثير القضايا والجوانب المتصلة بما خلفه الحكم الأسدي والاستبداد على الحياة السياسية السورية على مدى عقود وعقود، إنما المهم الآن هو الجواب عن السؤال التالي: هل تم هذا بفعل فلول النظام وإمكاناتهم وألاعيبهم وحدها، أم بفضل ممارسات وأخطاء الحكومة؟ ومنها تلكؤها في تحقيق العدالة بحق كل من ارتكب جرائم في أحداث الساحل، وتأخرها كذلك في تطبيق مسار العدالة الانتقالية ليرتاح أولياء الدم، ويرتاح الناس في الساحل أيضًا.
وقد يضيف البعض محقًا إنه يقع على عاتق المتظاهرين أن يدركوا أن الشعارات الطائفية تضعف من موقفهم، ولا تدعم حقهم المشروع في الاحتجاج، في حين أن الشعارات الوطنية الجامعة، هي التي تُطمئن الجميع وتفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية الشاملة. لكن، وفي كل الأحوال، فإن الاحتجاجات السلمية هي فرصة لتقديم برامج ومطالب هذه القوة السياسية أو تلك، (أو تعريتها إن شئتم)، مثلما هي فرصة كذلك أمام السلطات الحاكمة للتعرف على وجع الناس ومطالبها، لعلها تسعى لتلبيتها. فالأوطان لا تُبنى على اللون الواحد فقط، ولا بالمديح والتطبيل لأهل السلطة فحسب، إنما تبنى على تعدد الألوان والآراء، وأولها الرأي المختلف طبعًا، إضافة إلى ضرورة المراجعة والنقد والمساءلة.
5ــ السلطة القائمة، بصفتها وموقعها القانوني والسياسي، هي التي تتحمل المسؤولية الأولى والأساسية عن عدم إطلاق عملية سياسية جادّة تتكفل بإيجاد مقاربات وحلول؛ سواءً للمشاكل المطروحة الآن، أم لمختلف القضايا العالقة والمتراكمة عبر عقود، بما فيها البحث في شكل الدولة المطلوبة، ونظام الحكم الأفضل للبلاد. علمًا أنه كان من المفترض أن يتم نقاش ذلك كله في المؤتمر الوطني العام، الذي تم “سلقه على عجل”!
وفي الواقع، إن الأمر يقتضي تصحيح هذا الخطأ والتوجه مرة أخرى نحو عقد هذا المؤتمر، على أن يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية السورية من دون استثناء أو إقصاء، وأن يبحث في صيغة يمكن أن تفضي إلى حل سياسي شامل في البلاد، لأن هذا الحل يكمن هنا في دمشق، ولن نجده في أية عاصمة أجنبية؛ لا في واشنطن ولا في موسكو ولا في بكين. وعدم اللجوء إليه هو الذي يفتح الباب على مزيد من التدخلات الخارجية، وعلى مزيد من الاستقطاب الطائفي والقومي والديني في البلاد، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ومن دوامات للاحتراب والعنف والدماء.
الترا سوريا
——————————
تحولات الشارع السوري.. من الطوطم إلى الفكرة/ أحمد عسيلي
شهد الساحل السوري الأسبوع الماضي حدثًا غير مألوف في ذاكرة السوريين المعاصرة، خروج مجموعات من أبناء الطائفة العلوية في مظاهرات متفرقة داخل بعض الساحات والمدن الصغيرة، دون أن يترافق المشهد مع إطلاق نار أو سقوط قتلى أو استخدام للعنف المفرط كما اعتدنا في سنوات سابقة (وهذه هي الحالة الطبيعية)، اقتصر الأمر على تدافع محدود ومناوشات لفظية وإصابات طفيفة، لكن الرسالة الأساسية كانت واضحة: للمرة الأولى منذ زمن طويل، يستطيع جزء من السوريين أن ينزلوا إلى الشارع بمظاهرات مضادة للسلطة، و بحماية أجهزة الدولة، دون الخوف من أن يُقتلوا أمام الكاميرات، هذا التطور دفع كثيرين لاستعادة بدايات الثورة السورية، حين كان الموت جزءًا من المشهد نفسه، لا مجرد احتمال.
لكن الأهم من الحدث، كان الطريقة التي تلقى بها السوريون هذا الخروج، وخصوصًا في البيئات المؤيدة للسلطة الحالية، فعلى خلاف السنوات السابقة التي شهدت خطابًا دمويًا مباشرًا ضد أي تحرك شعبي، بدا أن جزءًا كبيرًا من المؤيدين ركّز هذه المرة على نبذ العنف واحترام حق التظاهر، حتى عندما وُجهت اتهامات سياسية تقليدية للمتظاهرين، اختفت تقريبًا الدعوات التي اعتاد السوريون سماعها: لا حديث عن “السحل”، ولا أمنيات بعودة البراميل المتفجرة، ولا تحريض مفتوح على القتل، بقيت الانتقادات ضمن حدود الاختلاف السياسي، لا ضمن منطق الإلغاء والإبادة.
هذا التحول اللغوي ليس تفصيلًا، إنه دليل على أن لغة العنف تراجعت إلى الخلف لمصلحة مفردات أكثر نضجًا، وهذا ما لم يكن متخيّلًا قبل أعوام قليلة فقط، حتى حين ارتبطت هذه المظاهرات بدعوة الشيخ غزال غزال المعروف بقربه من رموز النظام السابق، بقيت الاتهامات في إطار الشك السياسي، لا في إطار تخوين وجودي شامل.
أما التحول الثاني، وهو الأعمق والأهم، فيتعلق بتركيبة العقلية السياسية السورية نفسها، لطالما قامت السياسة في منطقتنا على ما سمّاه ابن خلدون “عقلية العصبية”، الانتماء لشخص، لطوطم، لرمز يتجسّد فيه الولاء وتُختزل فيه الفكرة، لم نصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها الدفاع عن قيمة أو مبدأ بمعزل عن الشخص الذي يمثّله، هكذا جرى بناء السياسة العربية لعقود، وهكذا تشكّلت معظم الانتماءات الجماعية.
لكن ما حدث هذا الأسبوع يوحي بأن بذورًا جديدة بدأت بالظهور، بذور ولاء لمبدأ، لا لشخص ، لقيمة سياسية، لا لزعيم ، لحق في التظاهر، لا لشيخ أو قائد، هذا ما تحدث عنه جان توشار في كتابه المهم “تاريخ الأفكار السياسية” عند قراءته للديمقراطية الأثينية: الانتقال من عصبية الشخص إلى عصبية الفكرة، من تمجيد الفرد إلى التمسك بالقيم المشتركة التي تنظم حياة الجميع، بدا هذا التحول واضحًا في النقاشات التي دارت داخل المجتمعات، حيث باتت شرعية الفكرة لا الشخص هي معيار الحكم على أي موقف، أوضح مشهد عليها، كان تباهي بعض مؤيدي السلطة الحالية حتى الأشد تطرفًا للرئيس الشرع، بخروج مظاهرات تندد بالرئيس نفسه وتصفه بـ”الإرهابي”، دون أن تتعرض لأي هجوم، هذه المباهاة تدل على صعود أهمية فكرة الحق بالاختلاف عن رمزية الشخص نفسه، تغير أشبه بالبذرة التي ما زالت بحاجة لرعاية فائقة كي تنضج وتحقق هذا التحول المهم والحقيقي في نقل العصبية تلك، لكن يجب أن نعيها ونعي تحولاتها جيدًا كي نستطيع فعلًا إنضاجها.
أما النقطة الثالثة فهي ما ظهر من خلافات داخل الشارع السوري نفسه، وداخل كل معسكر على حدة، فبعد المظاهرات الأولى، خرجت مجموعة صغيرة من الشباب السنّي المتطرف لتطلق شتائم طائفية بغيضة، لكن اللافت أن هذه المجموعة لم تحظَ بأي قبول اجتماعي، بل واجهت إسكاتًا من الأمن نفسه، في المقابل، خرج الشارع السنّي في مظاهرات واسعة رافعة شعارًا واحدًا: “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”. هذه المظاهرات ضمّت مختلف الأعمار والطبقات، وحملت رسالة واضحة بأن الوطنية ليست ملكًا لفئة دون أخرى، وأن الرد على التطرف يأتي من المجتمع نفسه.
وفي داخل البيئة العلوية نفسها، ظهر تيار أيضا أكثر نضجًا: شخصيات محلية وفعاليات اجتماعية أعلنت صراحة رفضها لخطاب غزال غزال، مؤكدة أنه لا يملك أي شرعية ليتحدث باسم الطائفة، وأن زمن “الممثل المفروض” قد انتهى، هذا الصوت حاول أن يوازن بين الواقع المؤلم الذي يعيشه العلويون اليوم من مضايقات قد تصل في بعض الحالات إلى جرائم، وبين الحاجة إلى ألا يجري احتكار صوتهم من أي جهة، أو تحويل معاناتهم إلى أداة في يد أي فرد أو جهة سياسية، كما أكدت هذه الفعاليات أن حماية العلويين هي أولًا مسؤولية الدولة، باعتبارهم مواطنين يعيشون على أرضهم، وهذا أيضًا تحول ممكن العمل عليه لتشكيل تيارات سياسية عابرة للطوائف تكسر حدة الاصطفاف الحاصل حاليًا.
السلم الأهلي لا يتحقق فقط بالأمن، بل أيضًا عبر دور اجتماعي حقيقي يعالج الجراح القديمة ويعيد بناء الثقة مع باقي السوريين، فالتاريخ السوري مثقل بالندوب التي تحتاج إلى مداواة، لا إلى إنكار أو استغلال.
في المحصلة، ما حدث هذا الأسبوع لم يكن مجرد مظاهرات، بل اختبار صغير لوعي جديد يتشكّل داخل المجتمع السوري: وعي يرفض العنف، يعيد الاعتبار للفكرة بدل الشخص، ويكشف أن الشارع، وليس الأفراد، هو المعيار الحقيقي لاتجاه البلاد.
عنب بلدي
—————————
علويون في سوريا إلى الشارع… احتجاجات غير ناضجة أو مؤشر على تحوّل عميق؟/ عزام اليوسف
استفاقت زيدل (قرية في محافظة حمص تبعد عن مركز مدينتها 5 كيلومترات سرقاً)، صبيحة 23 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، على رجل وزوجته ينتميان إلى عشيرة بني خالد، مقتولَين في منزلهما، وأشيع أنّ عبارات طائفيةً كُتبت على جدران المنزل، ليبدأ مسلسل التحشيد والتحريض على الأحياء العلوية في حمص؛ حرق وتخريب وتكسير وترويع واعتداءات على السكان، في سياق ليس بجديد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتعلن بعدها وزارة الداخلية السورية أنّ جريمة زيدل جنائية وليست طائفية.
أثارت الحادثة استياءً لدى الكثير من السوريين، وتمت الدعوة إلى اعتصامات سلمية في عموم مناطق العلويين يوم الثلاثاء 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، خرج عشرات الآلاف في أكثر من 42 منطقةً في سوريا في مظاهرات احتجاجية متفرّقة.
من جهتها، أكدت وزارة الداخلية السورية أنها أمّنت الاحتجاجات لمنع أيّ حوادث طارئة، وأنّ بعض الاحتجاجات بدأت بغطاء سلمي لكنها تحولت إلى “تحريض طائفي ممنهج”، بحسب قائد الأمن الداخلي في اللاذقية، هلال الأحمد، الذي أشار إلى رصد خلايا إجرامية تابعة لفلول النظام البائد، أشعلت الفوضى واعتدت على القوات الحكومية وآلياتها الرسمية.
في السياق، تكلم المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، مع المحتجين في مدينة حمص، واستمع إلى مطالبهم، ومن جملة ما ورد في معرض ردّه على إحدى السيدات التي طالبت بحلّ مشكلة العسكريين المعتقلين منذ هروب الأسد: “لو بدنا نقتلهم كنا قتلناهم… ولكن طالما في أسرى بالسجون يعني في عدالة”.
دعوة أو سياق؟
وبرغم أنّ دعوة الاعتصام كان قد أطلقها رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الشيخ غزال غزال، لكنّ كثيراً ممن استطلعهم آراءهم رصيف22، كانوا مصرّين على أنّ الخروج هو للمطالبة بوقف المجازر المتزايدة وخطف النساء والفلتان الأمني وخطاب التحريض والكراهية الذي أدى إلى استباحة حيوات مواطنين سوريين تبعاً لانتمائهم الطائفي.
كذلك استطلعنا آراء عدد من المتظاهرين في اللاذقية عند دوار الزراعة ودوار الأزهري، وفي مدينة طرطوس عند دوار السعدي، وأجمعت الشهادات على أنّ الأمن العام كان متواجداً بكثافة، ولم يزعج أحداً من المتظاهرين، وكان غرضه الحماية، وهو تطور لافت عن أول مظاهرة بعد سقوط الأسد أمام مبنى محافظة طرطوس مطلع العام الحالي، حين حصل اعتداء على المعتصمين من قبل شبّيحة السلطة أمام أعين الأمن العام الذي اكتفى بالمراقبة، بحسب سامر (31 عاماً)، وهو خرّيج كلية الاقتصاد ومن طرطوس.
وبحسب حسان (27 عاماً)، من مدينة طرطوس، فقد خرج الناس برغم الخوف والتهديدات، وبرغم اختلافهم في الكثير من النقاط مع الشيخ غزال غزال، لكنّ “منسوب القهر المرتفع دفع العلويين للنزول إلى الساحات، وكانت المشاركة أكثر من المتوقع، برغم أنّ توقيت الواحدة ظهراً يعني أنّ الطلاب في المدارس والموظفين في دوائرهم الرسمية، ناهيك عن هطول المطر…”. ويؤكد حسان، عدم تسجيل أيّ اعتداء على المتظاهرين في طرطوس.
في الجانب الآخر، كانت هناك عند دوار النجمة في طرطوس، تجمعات تمجّد رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، “الأمر الذي ذكّرنا بالهتافات المؤيدة لبشار الأسد”، يقول حسان.
إسكات الخطابات الطائفية
في اللاذقية، يقول الصحافي والباحث السوري كمال شاهين، لرصيف22، إنّ الأمن العام في نقطتَي التظاهر في دوار الزراعة ودوار الأزهري حيث كان حاضراً، كان متعاوناً مع المعتصمين الذين تولّوا تنظيم السير، وبقوا لمدة ساعتين: “حاول أحد الأفراد استفزاز المعتصمين بحمل راية التوحيد والاحتشار بينهم، لكنّ الأمن العام أبعده. حصل ذلك أمامي، كذلك قدمت عربتان BTF واقتربتا من الجمهور، لكنّ الأخير امتصّ الأمر واستقبلهما بعبارة ‘واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد’، والعبارة واضحة؛ السوري وليس العلوي”.
كانت الشعارات متنوعةً، بين المطالبة بوقف الانتهاكات بحق أبناء الطائفة العلوية، ووقف عمليات خطف النساء والفتيات وإعادتهنّ والكشف عن مصير العسكريين الموقوفين الذي سيكملون عاماً كاملاً دون عرضهم على أي محكمة. يضيف حسان: “لم تكن هناك أي خطابات طائفية باستثناء قول ‘يا علي’، وهو شعار لا يحمل أي معنى إقصائي أو عدائي ضد أي طرف، برغم عدم موافقة الكثير من المتظاهرين على طرح هذا الشعار في الاعتصام”.
في هذا السياق، تقول جوليا (40 عاماً)، وكانت متواجدةً لمدة ساعتين في المظاهرة عند دوار الأزهري في مدينة اللاذقية: “حمل بعض الأولاد لافتات طائفيةً كُتب عليها ‘لبيك يا علي’، لكنّ بقية المعتصمين اقتربوا منهم قائلين لهم: ‘قولوا هتافات للوطن ومطالبكم… ممنوع شعارات طائفية'”. وتستطرد: “لم يخلُ الأمر من بعض الهتافات الطائفية، لكن في كل مرة كان هناك من يسكتهم”.
تضيف جوليا أنّ الهتافات كانت متركزةً حول “بدنا نرجع لحياتنا الطبيعية. نريد إرسال أولادنا وبناتنا دون أن نقلق على مصيرهم، وإعادة المخطوفات ووقف خطف النساء وإخراج الفصائل من الساحل، والأمن والأمان والعدالة”.
فيدرالية… غير ناضجة
طالبت بعض المظاهرات بإقامة نظام فيدرالي لا مركزي، وركزت وسائل الإعلام على هذا الشعار ووضعته بالخط العريض بحسب سامر، الذي شارك في اعتصام طرطوس، ويؤكد أنه كان ضد هذا الشعار باعتباره غير منطقي وغير ممكن على أرض الواقع، ويشرح: “المشكلة أنّ جمهور السلطة يرى أنه صاحب فضل على أفراد الطائفة العلوية لأنه تركهم على قيد الحياة، وسيتم استغلال الأمر إعلامياً للتحريض وتخوين المظاهرات على أنها دعوات تقسيم وانفصال، كذلك أيّ كلمة طائفية سيجري اصطيادها والتركيز عليها للتعمية على أي مطالب أخرى محقّة مثل ضبط السلاح المنفلت والتحريض الطائفي وإيقاف خطف النساء. لقد دار هذا الحديث قبل اعتصام الثلاثاء وهذا ما حصل”. ويشدد سامر على أنّ حساسية العلويين من التعامل معهم كطائفة لا تزال موجودةً، وبرغم وجود رغبة في الخروج من واقع القتل والخطف والإذلال بأي طريقة حتى بـ”فيدرالية”، فكثيرون لا يتفقون مع الطرح ولا يرونه حلّاً.
يتجسد ذلك في شهادة رهام، وهي كاتبة تعيش في طرطوس، تقول إنّ المظاهرات قد لا تمثّلها بالضرورة، وتشرح لرصيف22: “لأنّ دوافعها في كثير من الأحيان ليست نابعةً من وعي مدني أو شعور بالمواطنة، ولا من فهم واضح للحقوق والواجبات. جزء كبير مما حدث يبدو مدفوعاً باعتبارات طائفية، أو نتيجة تحريض ظرفي، أو بسبب تراكم أزمات معيشية خانقة جعلت الناس تنفجر. وهذا لا يقلل من وجعهم، لكنه يجعل الحركة ذاتها غير ناضجة بما يكفي لتعكس تطلعات وطنيةً حقيقيةً أو مشروعاً واضحاً للتغيير. السبب قد يكون محدوداً أو منحازاً، لكن النتيجة –أي خروج الناس- تبقى ذات دلالة مهمة، وهذا ما يجعل الموقف الداخلي تجاهها متناقضاً”.
اعتقالات وتكسير وتحريض
تلت المظاهرات اعتداءات بالحجارة والعصي من قبل مؤيّدي السلطة على المتظاهرين في اللاذقية وحمص، وليلاً تم اقتحام الأحياء التي تقطنها الطائفة العلوية وتخلله تكسير سيارات ومحال وشتائم طائفية كما في شارع بنت الشاويش في اللاذقية، وشارعَي عكرمة والحضارة في حمص، ومنعت المسيرات الجوّالة الليلية الأهالي من النوم خشية تكرار ما حدث في آذار/ مارس الأسود.
وفي اليوم التالي، نُشرت أخبار عن استدعاء الأمن العام مخاتير القرى على خلفية الاحتجاجات، وتنفيذ حملة مداهات واعتقالات، ونشر أقارب أحد المتظاهرين في جبلة “وليد حماد”، عن اعتقاله من قبل الأمن العام: “داهمته ثلاث سيارات واختفت سيارة وليد الخاصة بعدها”، فيما نفت الشرطة وجوده لديها، كما تواردت أنباء مشابهة عن اعتقالات متفرقة.
تشويه الحراك
من جهة أخرى، يرى سامر في محاولة جمهور السلطة تشويه صورة الاحتجاج، تقليداً أسدياً أصيلاً، عبر التركيز على الهتاف الطائفي وتجاهل رايات وخطابات وشتائم طائفية باتت يومية على الجانب الآخر، “وإظهار السلطة بصورة صاحبة الفضل على المتظاهرين لأنها لم تقتلهم كما فعل الأسد.. وأنهم يحسدون العلويين على ظروف التظاهر هذه، محاولين إظهار الموضوع على أنه إنجاز للسلطة على حساب الجوهر الأساسي للاحتجاج ويدلّ على وقف الانتهاكات”.
وبرغم تعامل الأمن “الممتاز” وفق تعبيره، لكنه يجد نقاطاً مثيرةً للقلق، فقد حاول بعض الأشخاص تخريب النصب التذكاري للشيخ صالح العلي أمام مبنى محافظة طرطوس، ليمنعهم الأمن بعدها، وتنشر السلطة بياناً تنفي فيه شائعات تحطيم النصب، دون كتابة جملة تدلّ على التوصيف التاريخي بأنه أحد رموز الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي.
يتقاطع ما سبق مع حديث مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، عن محاولة العديد من القنوات العربية القول إنّ احتجاجات الساحل تطالب بإخراج فلول النظام من السجن.
تعقيد طبقات الخوف والألم
في حين تقرّ رهام، كاتبة من طرطوس في حديثها إلى رصيف22، بأنّ الواقع السوري عموماً معقّد لدرجة تجعل من الصعب اتخاذ موقف واضح وصريح من أي حدث: “كل خطوة في هذا البلد، مهما بدت بسيطةً، تحمل وراءها طبقات من الألم والذاكرة والخوف والانقسام والشك. لذلك، حين أشاهد المظاهرات، أشعر بمزيج من المشاعر: بفرح لأن الناس نطقت أخيراً، وخوف من أن يتم استغلالهم أو جرّهم إلى صراع جديد، وقلق من أن تطغى العصبيات على المطالب، ووعي بأنّ الطريق إلى التغيير ليس مجرد تجمّع في شارع، بل يحتاج إلى وعي وحرية ومسؤولية وتشارك حقيقي بين جميع السوريين”.
وتختم رهام، بأنّ المظاهرات في الساحل مؤشر على شيء يتحرك في العمق، “لكنها ليست بعد التعبير الناضج الذي يمكنني أن أرى نفسي فيه. وربما هذا هو جوهر الموقف السوري اليوم: خليط من الأمل والحذر، من الفرح والريبة، ومن الرغبة في التغيير والخوف من نتائجه”.
رصيف 22
————————
مخلوف عن تظاهرات الساحل: لا تكونوا كبش فداء مرة أخرى
الأربعاء 2025/11/26
دعا رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، الطائفة العلوية إلى عدم الانجرار وراء الطائفية والوقوع في فخ الفتنة، وانتظار ولادة إقليم الساحل في الأشهر الأولى من العام 2026.
عواقب وخيمة
وقال مخلوف على صفحته في “فايسبوك”، إن “من يعتقد أن حادثة حمص وما تلاها من حراك شعبي صدفة فهو واهم، لأنها الخطوات الأولى التي ستقودنا إلى عواقب وخيمة”، لافتاً إلى أن هناك مستفيدين من هذه الأحداث، كما دعا الطائفة إلى عدم الانخداع كي لا يكونوا “كبش فداء مرة أخرى”.
وأضاف أن “هذه التحركات لن تجلب إلا البلاء لأن الوقت لم يحن بعد”، وأن الأسابيع القليلة والأشهر المقبلة ستكون خطيرة ومليئة بالمفاجآت، داعياً العلويين إلى الصبر والانتظار.
وأشار إلى أن نتيجة هذا الحراك واضحة، ولم تحقق شيئاً من مطالب الطائفة مثل تحرير إقليم الساحل وطرد الفصائل، وتحرير المعتقلين، وإعادة الموظفين، مضيفاً بأنه لن يسمح “بتكرار ما حصل في مجزرة الساحل مرة أخرى”.
وزعم أن هذا الحراك أدى إلى “سقوط 20 قتيلاً و100 جريج واعتقال المئات، وتخريب بعض المتاجر والتهجير من بعض المنازل وتعزيز النعرة الطائفية واستقدام الآلاف من المقاتلين الجدد إلى الساحل”.
معركة “قسد”
ودعا مخلوف إلى التفكّر بتوقيت الحراك في الساحل الآن قائلاً: “ألم تفكّروا لماذا جاء الحراك بهذا التوقيت بالتحديد. هل يمكن أن تتحركَ كل هذه المناطق بمجرد كلمة الشيخ غزال قبل ليلة واحدة فقط؟”، موضحاً أن توقيت الحراك “جاء ليخلط كل الأوراق التي تم ترتيبها من قبلنا، والتي أعلنا عنها سابقاً وهي إنقاذ أهلنا الجياع الذين هم بأمس الحاجة إلى المساعدة؟”.
كما زعم مخلوف أن ما يعمل عليه أعمق بكثير، وهو إخراج عشرات آلاف المعتقلين وسحب الفصائل الأجنبية وفك الحصار وإلغاء الحواجز، “فالمكاسبُ كانت كبيرةً جداً لأهلنا في الساحل”.
وقال “هل تساءل أحدكم من أين ألقى الشيخ غزال كلمته وتحت رعاية من؟ هل فكرتم يوماً لماذا كلما اشتدّت المعارك بين دمشق وقسد تهدأ فجأةً وتشتعل في مناطق أخرى في سوريا؟
وأضاف “لن نسمح لأهلنا العلويين في الساحل أن يكونوا وقوداً للمعركة الحتمية القادمة بين قسد ودمشق، والتي ستكون طاحنة ومرعبة ومُدمّرة ولن يقدر أحد على تأجيلها”.
ودعا أهل الساحل إلى الالتزام بالمنازل لـ15 شهراً دون أي حراك “لأن الفرج قريب بإذن الله بعد الأشهر الأولى من السنة القادمة، والتي ستكون بداية ولادة إقليم الساحل بقوة الله، وبداية الحل للجميع”.
ويأتي منشور مخلوف بعد تظاهرات شهدها الساحل السوري، أمس الثلاثاء، طالبت بإخراج المعتقلين والفيدرالية، ووقف الانتهاكات ضد الطائفة العلوية، وذلك بعد دعوة للاعتصام وجهها رئيس ما يسمى “المجلس الإسلامي العلوي” غزال غزال.
——————————–
وجهاء في حمص يرفضون مظاهرات تدّعي التحدث باسم العلويين/ جانبلات شكاي
انتقد وجهاء عدد من أحياء العلويين في مدينة حمص، التظاهرات التي دعا إليها رئيس «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر» غزال غزال، مؤكدين «وقوفنا الثابت مع الدولة السورية ومؤسساتها».
وشهدت مدن سورية، الثلاثاء الماضي، موجة احتجاجات خرجت استجابةً لدعوة الشيخ غزال بعد تجاوزات وأعمال تخريب بحق أملاك علويين داخل مدينة حمص عقب جريمة قتل في بلدة زيدل في ريف المحافظة.
وتناقلت صفحات التواصل بياناً آخر صادرا عن وجهاء بعض أحياء حمص من العلويين جاء فيه: «نحن أهالي عكرمة، النزهة، الحضارة، ووادي الذهب نؤكد وقوفنا الثابت مع الدولة السورية ومؤسساتها، وتمسّكنا بسيادة القانون كضمانة لأمن مدينتنا واستقرارها ونعلن بشكل واضح أنّه لا نقبل بأي مظاهرات تدّعي التحدث باسم الطائفة العلوية، فهذه الطائفة لا يمثّلها أفراد، ولا تُستدرج إلى فوضى أو شعارات شخصية».
وذكر البيان أنهم «يرفضون محاولات بعض الأطراف الخارجية التي لا تسعى إلا لإقحام الطائفة والمدينة في صراع جديد غايته سياسية بحتة ولا تمتّ لمصلحة حمص بصلة، شاكرين وزارة الداخلية على تعاملها المسؤول في ضبط الوضع، وعلى حمايتها للجميع رغم الاستفزازات ومحاولات التشويش من قبل بعض الخارجين عن القانون، ومؤكدين أن الحكومة السورية الجديدة ستنصف الجميع، وأن القانون سيُطبّق دون تهاون على كل من يحاول العبث بأمن حمص».
واعتبر الصحافي والناشط السياسي سامر ضاحي في تصريح لـ «القدس العربي» أن «اختزال المواطنة في هويات طائفية يعيق أي إمكانية لبلورة عقد وطني جامع».
وتحدث أن «وجود نمط في التعاطي مع المكونات غير العلوية يعتمد بحكم الأمر الواقع على شخصيات دينية أو زعامات اجتماعية غير منتخبة، كما في حالة الدروز والمسيحيين، بما يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع محكومة بقنوات تمثيل غير مدنية، ويُضعف فرص بناء حياة سياسية حديثة، وهذا النمط ألقى بظلال أثقل على المكوّن العلوي، حيث غابت البنى المدنية والسياسية القادرة على التعبير، وباتت الساحة فارغة ليتصدر رجال دين المشهد، لا نتيجة خيار جماعي لأبناء الطائفة، بل بفعل الفراغ المؤسسي».
ورأى ضاحي أنه ورغم محاولات البعض الدفع نحو تشكيل «زعامة روحية للعلويين»، إلا أن الخصوصية الاجتماعية للجماعة، كالانتشار الجغرافي الواسع، والتداخل الأهلي الكبير مع مكونات أخرى، تجعل نموذج «الزعامة الروحية» بلا قواعد اجتماعية، وبهذا تختلف عن حالة السويداء مثلاً، ولا يتناغم الأمر مع تطلعات النخب المدنية من أبناء العلويين التي ترى نفسها جزءاً من فضاء وطني أوسع لا تريد التخلي عنه.
وأكد أنه لا يمكن مقارنة الحالة العلوية مع حالة شمال شرق سوريا، فلا توجد أي صيغة محلية لمؤسسات سياسية وتنظيمية حقيقية، باعتبار أن نموذج شمال شرق لا يزال يدمج المكونين العربي والكردي في مؤسسات الإدارة الذاتية.
وانتقد عميد الخارجية في الحزب السوري القومي الاجتماعي وعضو لجنة التواصل في «الكتلة الوطنية السورية» طارق الأحمد، جهود دفع سوريا إلى دولة طائفية.
وقال في تصريحه لـ «القدس العربي» إننا كحزب سوري قومي اجتماعي نعتقد أن تقسيم البلاد على أساس مذهبي وطائفي وإثني وعرقي هو أكبر وصفة لتدمير الدولة وتدمير الشعب السوري لدرجة عدم إمكانية قيامه مرة أخرى.
واعتبر أن هذا أخطر تحدّ تواجهه سوريا، وهو حتى أخطر من أي احتلال آخر، وهو أمر يجب التصدي له، ونعمل على التصدي له، ونحمل سلطة الأمر الواقع المسؤولية عن تطييف المجتمع السوري والنظر إليه كطوائف.
وفي تعليقه على التظاهرات الأخيرة في الساحل السوري رأى الأحمد أنه بات هناك نوع من التحول والتجاذب والمزاودة بين مجموعات ممن كانوا من المتنفذين أو من بين رجال الأعمال أو السياسيين ويدعون اليوم أنهم يمثلون الطائفة العلوية ويريد كل منهم أن يقول إنه هو المخلص، وكأن القضية أصبحت قضية علوية أو طائفة سنية أو درزية.
وتابع: أن كل ما سبق هو خارج السياق الحقيقي للصراع السوري، والذي كان دوما بين أنظمة دكتاتورية وفاسدة وشعب يريد أن يبني دولته العلمانية الديمقراطية الحضارية والتي يمكن أن تكون من أجمل الدول في العالم.
واعتبر الأحمد أن تقديم الوضع على أسس طائفية هو نوع من التعمية ووضع للأمور في غير مكانها ودفع المسألة السورية في اتجاه قضايا فرعية مع وجود تشجيع من دول غربية وغيرها سمحت وشجعت باستقبال كل من قدم نفسه على أنه يتحدث باسم طائفة أو عشيرة، وهؤلاء في الغالب من خارج إطار العمل السياسي ومن غير المعروفين، بينما أغلقت الأبواب أمام ساسة من أحزاب وقوى سياسية تاريخية ولها باع طويل في العمل السياسي.
وأردف قائلاً: سواء الشيخ غزال أو غيره، ممن نكن لهم كامل الاحترام، لكن مشروع أن يقود الحالة السياسية في سوريا شيخ أو كاهن أو زعيم قبيلة، فهو الوصفة الحقيقية لأزمات تولد أزمات في المستقبل، وهذا ما يجب أن يكون واضحاً ضمن الوعي الكامل للسوريين.
وختم الأحمد بالقول: ليست هناك قضية للعلويين ولا للدروز ولا للسنة ولا لغيرهم، وإنما هناك قضية للسوريين، وهذه تحل من خلال طرح حل يستند إلى تطبيق القرار الأممي رقم 2254 بعد وضع خريطة طريق له عبر حوار سياسي يتم فيه تمثيل للأحزاب وهيئات المجتمع المدني والتكتلات السياسية العابرة للطوائف لكن الممثلة للجميع، وهذا ما تطرحه الكتلة الوطنية السورية التي نمثلها.
—————————————–
بيان عن مظاهرات الساحل السوري
ديسمبر 1, 2025
شهد الساحل السوري وبعض مناطق حمص وحماة مظاهرات هي الأولى من نوعها، وقد أتت ردا على نهج السلطة المذهبي والاستباحة المستمرة لتلك المناطق وعمليات القتل والخطف والسبي الممنهج، مما حول حياة الناس الى جحيم على كل الصعد اولها الصعيد الاقتصادي من فقدان الوظائف دون تعويض.. الخ، والاجتماعي بحيث أصبح الانتماء لتلك المناطق تهمة يستحق عليها المواطن الموت كحد اقصى أو الضرب والاهانة بحجة مولاتهم للنظام الساقط ، في حين عقدت السلطة الحالية الصفقات مع ذلك النظام البائد بشكل غير مباشر ومباشر بدءً من خروج بشار الاسد وعائلته وضباطه الكبار من سوريا الى تسوياتها مع المجرمين من ازلامه كفادي صقر وسواه بينما تنتقم من المواطنين الفقراء وتدفعّهم ثمن سياسات النظام السابق فتنكل بهم وتضطهدهم وتحرق ارزاقهم، وحتى الجبال لم تسلم من أذيتهم فأحرقوها.
هذه الممارسات بدأت بعد فترة قصيرة من سيطرة الفصائل الدينية المتطرفة العسكرية والسياسية على الحكم، وبلغت ذروتها في شهر آذار الماضي عندما ارتكبت المجازر الجماعية ، ولم يتوقف مسلسل القتل هناك بل امتد الى مجازر في محافظة السويداء ومناطق متعددة من الجغرافيا السورية بحيث تحول إلى نهج للسلطة الراهنة، وإن حاولت التنصل من مسؤوليتها تجاه ما يجري من تفلت امني وارتكابات اجرامية متعمدة متكئة على غطاء ودعم خارجي أتى بها الى السلطة.
وجاءت مظاهرات الساحل عقب دعوة الشيخ غزال غزال، وإن لم تكن نتيجة لها ،وإنما بسبب الظلم الذي وقع على الاهالي، لكنه استثمر بوجع الناس عندما حمّل بعض مواليه كلمات ذات بعد مذهبي وسياسي كالفدرلة.
وهو الشيخ الذي لم يدافع يوما عن فقير أو مظلوم، والآن يعمل وفق أجندة خارجية تبحث عن دور في سوريا من بوابة الساحل السوري والصراع مع روسيا بدم ابناء المنطقة .
ومن الطبيعي أن تأتي دعوات التظاهر تحت غطاء ديني في الساحل وسواه باعتباره نتيجة لبنية السلطة السياسة الحالية الدينية المتطرفة وخطابها المذهبي، الذي دفع ويدفع بقية أطياف الشعب السوري إلى استخدام ذات الخطاب بوجهها وهي خطابات مرفوضة ومستنكرأياً كان مطلقها.
أما بشأن مواجهة السلطة للتظاهرات والاعتصامات فهي تتبع أسلوبا جديداً قديما بدفع الموالين لها إلى الصدام المباشر والاشتباك مع المتظاهرين المعارضين بالتظاهر المضاد تحت شعارات مذهبية ( شارع مقابل شارع ) بينما أدواتها الأمنية تقف متفرجة لتتدخل في حال اتسع الصدام والعنف الاهلي لأنها تخشى استخدام أذرعها العنفية سواء القوات الحكومية أو البداوة ( مجازر السويداء) أو المجموعات الدينية الراديكالية المنفلتة ( مجازر الساحل ) بعد أن وضعت سوريا تحت البند السابع.
إن استمرار السلطة الحالية في سياسات احتكار السلطة والثروة والمذهبة وتهميش قوى المجتمع ككل واعتمادها على كتلتها الصلبة -متصارعة داخلياً حسب الولاءات الاقليمية- واتباعها الذين توزع عليهم المغانم حسب الولاء لا للكفاءة هو إعادة لنهج النظام السابق الاستبدادي الذي ثار عليه السوريين، ولكن هذه المرة يأخذ شكل الاستبداد الديني _المذهبي مما يؤدي في ظل الانقسام المجتمعي والاحتقان السياسي الى تمزيق سوريا ، هذا الوضع يتطلب حلا جذريا .
ونحن نرى في قيام دولة المواطنة المتساوية والقانون بما فيها العدالة الانتقالية للجميع والعدالة الاجتماعية والاقتصادية هو الحل الملائم لوقف التمزيق والتهتك الوطني والاعمال الانتقامية بعد الحرب الدامية، وهو ما يجب أن نناضل من أجله كقوى سياسية مدنية ويسارية وفعاليات اقتصادية ومجتمعية.
نعم لدولة المواطنة المتساوية والقانون والعدالة .
لا لسيطرة رجال الدين على السياسة والمجتمع.
لا لخطاب التحريض والكراهية سواء المذهبي أو القومي.
لا للقتل تحت اي مسمى نعم للعدالة الانتقالية للجميع.
نعم لمحاكمات عادلة تطال كل من تلطخت يداه بدم السوريين من كل الاطراف.
واطلاق سراح كل من تثبت براءته من كل الأطراف .
حزب العمل الشيوعي في سوريا
28/11/2028
——————————-
الساحل يرفض “وصاية قسد” و “رهان الفلول.”
27/11/2025
وهي على أبواب الذكرى الأولى للنصر وسقوط نظام الاستبداد، تتأرجح سورية الجديدة على حافة هاوية، قد تودي بلحمتها الوطنية. كانت أحداث حمص مسوّغاً لرغبة “قسد” مشاركة العلويين والدروز في التفاوض مع الحكومة، معلنة تعمّق المشاريع الخارجية لتفترس ما تبقّى من النسيج الموحّد، وليضع الجميع أمام خياري النهوض وطناً سيداً موحّداً، أو الغرق في مستنقع الكيانات الهشّة والمبتورة.
وجاءت احتجاجات الساحل الأخيرة، لتبرهن أنها لم تكن مجرّد تململ عابر، بل محاولة لاستغلالها كورقة ضغط طائفية من قبل أطراف تسعى للتفكيك والفتنة. إلا أن حماية الأمن العام للتظاهر ومنع انفلاته، قد أجهض تلك الأجندات ورهاناتها، وحوّله مطلباً مشروعاً يعبّر عن حرية تكفلها الدولة وتدافع عنها، فكان واحداً من إنجازات الثورة، هذا الإجراء كان انتزاعاً سيادياً حاسماً لورقة التمثيل من أيدي القوى الساعية لـتأجيج الصراع، محوّلاً طموحها إلى قضية وطنية خالصة.
وفي هذا التحوّل يُضرب رهان مشاريع الوكالة؛ فعلى الرغم من دعوة “غزال غزال” للتظاهر، وارتفاع المطالب الشعبية محميّة بقوى الأمن العام، وقد حيّاها المتظاهرون، انهار وَهْم الاستقواء بمشاريع المكوّنات الخارجية. لقد أجهض هذا التحرّك سيناريو الصدام الطائفي، مكرّساً المطالب الاجتماعية، ومتمايزاً عن دعوات التفكيك في السويداء، حيث أقدم “الهجري” على رفع علم إسرائيل وصورة نتنياهو، مصعّداً موقفه ضد الدولة باستعراضات فلوله ومهرّبيه مطالباً بالانفصال، ممّا كشف عمّن يسعى لتخريب السلم الأهلي وتقويض الوحدة.
ألاعيب “قسد” محاولة لاختطاف الإرادة الوطنية، لتجعل من نفسها منسّقاً وناطقاً باسم الدروز والعلويين وبعض الكرد، فتثقّل دورها على الطاولة، وترفع سقوف مطالبها، باستخدام التحشيد الداخلي والخارجي وقوداً لإطالة أمد التلاعب بمصير السوريين، في وقت يعمل الجميع لإسقاط قانون “قيصر”، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تتخلّص من كونها داعية “روجافا” في الجزيرة السورية، فتتملّص من ارتباطها بحزب العمال الكردستاني الإرهابي، وتتابع حَبْكَ تحالفات منظورة ومستورة مع كل ما يحقّق أوهامها. إن الدور المحوري لقسد يمثل تحدّياً وجودياً للسيادة بالتمسّك بـاستقلالية عسكرية، وفرض شروطها ومطالبها باسم كل المكوّنات، ومحاولة تدويل دورها أو تعريبه، والتلويح بـمشروع التفكيك المعرقِل لنهوض سورية وتحويلها مناطق نفوذ بقشرة دولة وهميّة. ولن تكون النواتج غير شلّ مسارات التعافي الاقتصادي، وعرقلة إنجاز العدالة الانتقالية، وتأخير صياغة عقد اجتماعي جديد يلملم الشتات؛ بخلط أوراق المشكلات الداخلية وابتزاز الحكومة بشروط جديدة بينما يقترب تنفيذ استحقاق 10آذار.
رَفْعُ المحتجّين سقف مطالبهم، كان مناسبة لإعلان الدولة الجديدة ضمانها وحمايتها للحرّية التي نادى بها ثوّار 2011 وواجهها النظام بالرصاص. وما تظاهرات الساحل واحتجاجاته إلا تجسيد لسورية المستقبل، سورية المتنوّعة إثنياً ودينياً التي تنهض بردم هوّة فقدان الثقة والشكّ. فكلّ القضايا المطلبية تُطرح، والقضايا الدستورية والحقوقية تناقش، من شكل الدولة إلى تفاصيل الحقوق والواجبات. فاللامركزية الإدارية، مثلاً، سدّ منيع ضدّ التفتيت، لكنها تتطلّب ثقة متبادلة لتتحوّل ركيزة دستورية للوحدة لا مقدّمة للانفصال كالفيدرالية! أمّا التأخّر بالعدالة الانتقالية وجبر الضرر، فيدفع للمطالبة بإطلاق سراح قادة الفلول والمجرمين والكبتاغونيين.
إن التباطؤ ببناء جسور الثقة والعدالة، سيقود إلى التفكّك، وسيجد السوريون أنفسهم يعيشون بشبه دولة بلا قرار، لا يمتلكون سوى عريشة للوهم، وشبح كيان عجز عن حماية مصيره لفشله في بناء سلم أهلي، جوهره قيام سورية دولة مواطنة وقانون وكرامة وعدالة وحرّية.
رئيس التحرير
حزب الشعب الديمقراطي السوري
———————————-
بين الطائفة والدولة: قراءة في احتجاجات الساحل/ عزيز موسى
30 نوفمبر 2025
لم تكن الاعتصامات والتظاهرات التي خرج بها مواطنون في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر في عدّة محافظات سورية (اللاذقية، طرطوس، حمص، حماه) مجرّد حدث طارئ، بل جاءت على خلفية أسباب متعددة، حملت شعارات مثّل الجزء الأكبر منها مطالب محقّة تتعلق بإيقاف عمليات القتل، الخطف، وتحقيق العدالة والمساواة، إلّا أن هذا التحرك يعكس ما هو أبعد من تظاهرات محدودة في الأسباب والانعكاسات.
لتفسير خلفية هذه التظاهرات والاعتصامات وأبعادها، لا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى صورة ضيقة أو تأويلات محدودة، بل تحتاج إلى تحليل السياق من منظور شامل باعتبارها إشكالية مركبة، تجمع بين المسار التاريخي، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت بهذا الاتجاه.
إرث الانقسام ومطالب مدفوعة بالخوف
منذ سقوط النظام السابق تعاني سوريا من إرث ثقيل من الانقسامات المجتمعية والتحديات السياسية والاقتصادية، وجراح لم تلتئم تتعلق بقضايا المعتقلين والمفقودين والضحايا، والأكثر خطورة هو ما عمل عليه النظام السابق طوال عقود على إنشاء بنى أمنية وعسكرية وسياسية اعتمد فيها على مبدأ التنوع الظاهري في المشاركة، هذا النهج ساهم في ترسيخ “علاقة ملتبسة” بين النظام والطائفة العلوية، إذ تم تقديم الأخيرة كحاجز دفاعي وحزام حماية، مما خلق صورة نمطية تربط بين بقاء النظام وبقاء الطائفة، وأدّى إلى إعادة إنتاج خطاب طائفي عابر للأجيال، كما استخدم النظام أدوات تتمثل بالإفقار، التوجيه القسري، بث الخوف وفق معادلة وهمية تتمثل بأن انتهاء النظام يعني انتهاء هذه الطائفة.
يمكن مقاربة المطالب التي خرج بها المتظاهرون من ثلاثة مداخل أساسية: اجتماعية، اقتصادية، سياسية، فعلى المستوى الاجتماعي تعيش فئات واسعة من أبناء الطائفة العلوية حالة من الخوف والشعور بالاغتراب والهجوم المستمر، مما دفع الكثير إلى الاحتماء بانتمائهم الضيق نتيجة هذه الهجمات، والتي تعود بشكل أساسي عمليات الشيطنة المستمرة وما حصل في الساحل السوري في 7-8 آذار كنقطة تحوّل، على خلفية قيام مجموعات مسلحة وما يطلق عليهم “فلول النظام السابق” بالترتيب لهجمات على الحواجز الأمنية والعسكرية التي تتبع للإدارة السورية بهدف خلط الأوراق وكمؤشر على حركة تمرّد أو اتقلاب، تم تبنيها من قبل بعض الشخصيات، مما أدى إلى وقوع مئات الضحايا من عناصر الأمن العام.
وما حصل على إثرها من قيام عناصر تتبع لوزارتي الدفاع والداخلية ومجموعات سًميت “بالفصائل المنفلتة” بالقيام بهجمات، أدت لوقوع وارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة تحمل طابعًا طائفيًا بحق مئات الضحايا من المدنيين، وهو ما أكدته اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في الأحداث وعدة تقارير لمنظمات دولية، في ظل غياب عنصر الانضباط المؤسسي.
على المستوى الاقتصادي، يعيش جزء كبير من أبناء الطائفة العلوية في حالة من الانهيار الاقتصادي والفقر المدقع، إذ أن اعتماد المواطنين في أغلب المناطق الساحلية كان على الوظائف الحكومية والمؤسسات العسكرية والأمنية نتيجة سياسات النظام السابق، الذي عمل على تأطير وحصر الحياة الاقتصادية للطائفة ودفعه باتجاه هذه القطاعات، إضافة لتغييب المنشآت الصناعية في مناطق مليئة بالطاقات والثروات مما حرم المجتمعات المحلية من تكوين مهارات حرفية أو صناعية بما أدى بدوره إلى وجود حالة من الفراغ الاقتصادي الكبير والتي لا يمكن ملؤها أو التعامل معها بسهولة.
أما على المستوى السياسي، فيمكن القول أن جزءًا كبيرًا من أبناء الطائفة يمر بمرحلة إعادة التعريف ضمن بناء الدولة الجديدة، في ظل حالة من التهميش والاستلاب السابقة بعد أن تم تصويرها كأداة حماية وظيفية في ظل النظام السابق، بالتالي يرى أبناء الطائفة أنفسهم اليوم في موقع المدافع عن اتهامات وعرضة للعقاب الجماعي على جرائم قام بها أفراد وجماعات تنتمي في المصلحة للنظام السابق.
ذاكرة مثقلة تعيق المصالحة
هذا المشهد لا يمكن فصله عن ردة فعل العديد من السوريين الذين رأوا عدم أحقية هذه المظاهرات في الوقت الذي عانت منه العديد من المدن والمناطق القصف والتهجير والحصار، وعمليات الاعتقال التعسفي، وقتل أبنائهم على يد الأجهزة الأمنية، التي يرون أنها كانت قائمة على أبناء الطائفة العلوية وحدها، وهو ما أدى لإيجاد صعوبة في تقبّل المطالب في ظل ما تحمله الذاكرة الجمعية لدى فئات واسعة من السوريين من تبعات ممارسات النظام السابق وآلامه.
هنا تبرز قضية تعدد المظلوميات التي يعاني منها الشعب السوري، إذ ترك النظام السابق انقسامات عميقة في البنى الاجتماعية تتطلب عملية معالجتها مسارًا تراكميًا وبناء للثقة، فهناك مدن ومناطق تم تدميرها بالكامل، وعائلات لم يُعرف مصير أفرادها، ومجتمعات تم تهجيرها ومصادرة ممتلكاتها. في المقابل، عانى المجتمع العلوي من زج آلاف الشباب بحرب لم تكن حربهم، وتهميش وتغييب متعمد لكل النخب والحراكات ومحاسبتها واعتقال من يعارض منها وتصفيتها، هذه المأساة خلقت العديد من الفجوات الاجتماعية والسياسية في جسد المجتمع، والتي لا يمكن معالجتها إلًا من خلال مسار كامل من المصارحة الوطنية، والاحتكام إلى القانون في محاسبة المجرمين، لا من خلال زيادة حدة الانقسام والتخوين، ولا بالسماح بشيوع خطاب الغلبة والثأر والانتقام بحق فئات واسعة تحاسب لانتمائها الطائفي فقط.
معضلة التمثيل
تبرز أيضًا إشكالية التمثيل للطائفة العلوية من خلال شخصيات دينية كالشيخ غزال غزال، الذي يُقدّم نفسه على أنه ممثل للطائفة باعتباره “رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” ومفتي منطقة اللاذقية سابقًا الذي دعا إلى ما أسماه “اعتصام الكرامة”، إذ لم تجد الطائفة العلوية طوال القرن الماضي مرجعية موحّدة تمثلها وهذا يعود إلى سببين أساسيين، الأول يتعلق بسياسات التهميش التي انتهجها النظام السابق بمنع وجود أية مرجعية لهذا المكون بهدف إبقائه في حالة من الخوف والتشتت والإبقاء على استثمارها، أما السبب الثاني فيتعلق بالانقسام الموجود ضمن الطائفة نفسها، إذ تزخر بالعديد من المفكرين والنخب والشخصيات المدنية التي يمكن أن تؤدي أدوارًا فاعلة في المجتمع والدولة، إلّا أن هذه الشخصيات بقي القسم الأكبر منها بعيدًا عن المشهد بسبب “خطاب التخوين” والإقصاء الذي تقوده في الكواليس شخصيات وأطراف متعددة ضد أي محاولة للانفتاح أو التقارب مع السلطة في سوريا، وغياب قيام السلطة بخطوات من شأنها أن تساهم في طمأنة هذا المكوّن مع استمرار السماح لتيارات ومجموعات متنوعة بمهاجمة الطائفة.
ينطوي التناقض بالنسبة للشيخ غزال كشخصية دينية اتجهت للانخراط بالعمل السياسي ومحاولة تصدير حصرية التمثيل لطائفة تتعدد فيها الاتجاهات والرؤى، وهو ما أكده بحديث صحفي برفض كل محاولات التواصل معه من قبل السلطة وغيرها، إذ كان من الممكن أن يقوم الشيخ غزال بتكثيف دوره على المستوى الاجتماعي والإنساني ومساندة النخب السياسية والمدنية في المحافظات، وبروز تناقض آخر يتمثل في الدعوة لتحقيق مبادئ المواطنة والعدالة والسعي نحو دولة مدنية وفي الوقت ذاته المناداة بالانتماء الضيق الطائفي.
من الخطاب إلى الفعل.. الانتقال نحو مؤسسات عادلة وشاملة
اتسم التعامل مع هذه الاعتصامات والتظاهرات بالهدوء وتقدير الموقف من قبل الإدارة السورية، إذ تم نشر عناصر للأمن الداخلي في معظم التظاهرات لحمايتها، وتلافي وقوع الاعتداءات التي بقيت في الحد الأدنى لها ضمن “المظاهرات المضادة”، كما لم يتم تسجيل أية اعتداءات على المتظاهرين من قبل القوات الأمنية التي تولّت الحماية، إضافة لزيارة المتحدث باسم وزارة الداخلية لعدد من التظاهرات في محافظة حمص والسماع للمطالب بشكل مباشر والتأكيد على ضمان حرية الرأي والتعبير، وزيارة قام بها وزير الداخلية أنس خطاب في اليوم التالي لمحافظات حمص واللاذقية وطرطوس ولقائه بالمسؤولين وممثلين عن المجتمعات المحلية، ومن ثم مشاركة الرئيس الشرع عبر الفيديو لاجتماع جرى بين محافظ اللاذقية ولجان الأحياء في المدينة لبحث آليات السلم الأهلي والعيش المشترك.
هذه الخطوات ضرورية في بناء العلاقة بين المجتمع والدولة، إلّا أن السؤال الأبرز يبقى في الآليات التنفيذية ومدى القدرة على تحقيق الخطوات في الواقع، وضرورة الخروج من عباءة الخطاب إلى آليات فعلية تضمن مسار العدالة بما يحقق الاستقرار المجتمعي من جهة، وتشارك بها مختلف المكونات الاجتماعية والطائفية والعرقية من جهة أخرى، إذ أن عملية بناء الدولة الحديثة على مبادئ التعددية والمشاركة الفعّالة هي عملية طويلة تحتاج إلى تفكيك البنى الطائفية والتركيز على الهوية الوطنية الجامعة بإجراءات فعلية أبعد من حماية التظاهرات وحرية التعبير والرأي على أهميتها، وإدارة عادلة ودقيقة لملفات الجيش والشرطة والمفصولين فليس كل من كان ضمن هذ المؤسسات هو “مجرم” أو مما يسمى “فلول النظام”، مع ضرورة محاسبة من ارتكب الجرائم، والسعي إلى خلق اقتصاد قادر على استيعاب آلاف الشباب وتدريبهم.
إن التعامل مع المطالب التي خرج بها المحتجون يتطلب مقاربة دقيقة تقوم على فهم المعادلة المركبة لهذه الاعتصامات بوصفها مطالب لكل السوريين لا طائفة معينة، يبدأ من إعادة النظر بإقامة مؤتمر حوار وطني حقيقي، ووضع ترتيبات لدستور عصري يحترم قيم المواطنة للجميع دون تمييز على أسس (طائفية، عرقية، إثنية)، وتحقيق العدالة عبر آليات قانونية حقيقية وفتح قنوات التواصل المباشر دون تمييز على أساس إيديولوجي أو طائفي، والمحاسبة القضائية لمن يثبت تورطهم بأفعال جرمية، وضرورة تحوّل في الخطاب بعيدًا عن شد العصب الطائفي واتهامات التخوين والإقصاء بحق المكونات، إضافة لإطلاق اليد لتأسيس الأحزاب السياسة الوطنية بعيدًا عن النزعات (العشائرية، الطائفية)، ومن جهة أخرى عدم توفير البيئة المناسبة لاستغلال أطراف خارجية تسعى لتحقيق أهدف سياسية تعمل من خلالها لاستغلال الانقسام والتجزئة بشكل أكبر.
الترا سوريا
————————–
مؤكداً على حفظ الأمن وحرية التعبير.. وزير الداخلية يزور حمص والساحل السوري
2025.11.27
أكد وزير الداخلية السوري أنس خطاب، حرص الوزارة على صون حرية التعبير التي يكفلها القانون والدستور، مع الحفاظ على الأمن ومنع إثارة الفتن والفوضى، والحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة، وذلك خلال زيارته محافظات حمص وطرطوس واللاذقية.
وأوضح الوزير الخطاب في حديث مع وكالة الأنباء السورية (سانا)
مساء أمس الأربعاء، أنه زار مدينة حمص برفقة عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي حسن صوفان، وكان في استقبالهم المحافظ عبد الرحمن الأعمى وقائد الأمن الداخلي في المحافظة العميد مرهف النعسان.
وقال الخطاب: “تفقدنا موقع الجريمة النكراء التي حدثت في منطقة زيدل، والتي راح ضحيتها رجل وزوجته، برفقة فريق مختص من إدارة المباحث الجنائية، واطّلعنا على نتائج التحقيقات عن كثب، ونثمّن الدور الكبير لقيادة الأمن ووعي أهل حمص في تهدئة الأوضاع ووأد الفتنة”.
وأضاف: “توجهنا بعدها إلى محافظة طرطوس، حيث التقينا المحافظ وقائد الأمن الداخلي في المحافظة، وناقشنا الأوضاع العامة في ضوء الاحتجاجات الأخيرة، وحُسن تعامل عناصر الأمن مع المحتجين، وأكدنا على ضرورة الحفاظ على الهدوء والاستقرار في ظل الأوضاع الراهنة… واختتمنا الجولة في مدينة اللاذقية واستمعنا إلى مختلف المطالب والهواجس التي طالب فيها المحتجون؛ سعياً في حلها عبر المؤسسات المختصة”.
جريمة زيدل واحتجاجات حمص والساحل السوري
وفي 23 من الشهر الجاري، شهدت بلدة زيدل بريف حمص الجنوبي جريمة قتل مروعة، طالت رجلاً وزوجته، في حين شهدت مدينة حمص حالة من التوتر عقب الجريمة، لكن قوى الأمن الداخلي سارعت إلى تنفيذ انتشار مكثف في الأحياء الجنوبية ومحيط البلدة؛ بهدف ضبط الموقف ومنع استغلال الجريمة وللحفاظ على الاستقرار.
كما شهدت بعض مناطق الساحل يوم الثلاثاء الفائت تجمعات احتجاجية، حيث أمنت قوى الأمن الداخلي هذه التجمّعات لمنع أي حوادث طارئة تستغلّها الجهات التي تروّج للفوضى في إطار حرص وزارة الداخلية على حفظ حق التعبير عن الرأي للجميع تحت سقف القانون، ودون الإخلال بالسلم الأهلي.
—————————–
احتجاجات في سوريا تطالب بالإفراج عن متهمين بارتكاب جرائم في عهد الأسد
أقيمت وقفات احتجاجية اليوم الثلاثاء في عدد من مناطق الساحل السوري وحمص وحماة، حيث طالب المشاركون المنتمون للطائفة العلوية خلالها بالإفراج عن أبنائهم المعتقلين، والمتهمين من قبل الحكومة السورية بارتكاب جرائم وانتهاكات أثناء فترة نظام الأسد المخلوع.
وأفاد مسؤول في دائرة العلاقات الإعلامية بوزارة الإعلام للجزيرة بأن وحدات الأمن الداخلي تواصل انتشارها في الساحات العامة بمحافظة اللاذقية وعدد من مدن الساحل لتأمين سير الاحتجاجات.
وأوضح أن هذه التحركات الشعبية جاءت ردا على احتجاجات مشابهة شهدها الساحل، طالبت الحكومة بعدم التساهل مع من ثبت تورطهم في جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري.
وقال المسؤول في وزارة الإعلام السورية للجزيرة إن الداخلية السورية شددت على عناصرها بـ”ضرورة حماية المتظاهرين وضمان حقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم”.
احتجاجات في دوار الأزهري وسط اللاذقية للمطالبة بالإفراج عن معتقلين ينتمون للطائفة العلوية (الفرنسية)
تأمين التجمعات
وفي تصريحات للمتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا لوسائل الإعلام، فقد قال إن وحدات الأمن الداخلي أمّنت التجمّعات الاحتجاجية في بعض مناطق الساحل السوري لمنع أي حوادث طارئة تستغلّها الجهات التي تروّج للفوضى.
وأضاف أن “وزارة الداخلية تحفظ حق التعبير عن الرأي للجميع، على أن يكون هذا التعبير تحت سقف القانون ودون الإخلال بالسلم الأهلي”.
وتابع “الجهات التي تروّج وتسوّق للفوضى في مناطق الساحل كلها موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن الواقع المعيشي لأهلنا في الساحل”.
وبناء عليه، دعا المتحدث باسم الداخلية السورية “أهلنا في الساحل إلى عدم الانجرار وراء مخطّطات لا يريد أصحابها سوى توريط المنطقة في دوّامة عدم الاستقرار”.
جنائي أم طائفي؟
وتأتي هذه المظاهرات غداة أحداث عنف طائفي شهدتها مدينة حمص في وسط البلاد، تضاف إلى سلسلة اضطرابات مماثلة شهدتها سوريا في الأشهر الماضية، عقب سقوط عائلة الأسد، بعد 50 عاما من الإمساك بمقاليد البلاد بيد من حديد.
فقد عُثر الأحد على زوجين مقتولين في بيتهما في بلدة زيدل قرب حمص (وسط)، وقد أُحرقت جثة الزوجة، كما عُثر في مكان الجريمة على عبارات ذات طابع طائفي، بحسب الشرطة.
ووُجهت اتهامات لعلويين بالوقوف وراء هذه الجريمة، مما أشعل موجة عنف في عدد من مناطق المدينة التي تضمّ أحياء سنيّة وأخرى علويّة.
وقام شبان من العشائر البدوية بأعمال تخريب طالت مساكن وسيارات ومتاجر في أحياء ذات غالبية علوية، قبل أن تفرض السلطات حظرا للتجوال لاحتواء الوضع.
وكانت وزارة الداخلية قالت أمس الاثنين إن جريمة حمص التي أشعلت فتيل هذه الأحداث “ذات منحى جنائي وليست ذات منحى طائفي”.
من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية للجزيرة إن الأمن الداخلي ألقى القبض على أكثر من 120 من المشتبه في تورطهم في الأحداث الأخيرة في حمص، مضيفا أنهم سيقدَّمون للعدالة.
المصدر: الجزيرة + وكالات + الصحافة السورية
———————–
سوريا: تظاهرات بحماية الأمن وتوجّس من الشعارات الطائفية
الثلاثاء 2025/11/25
علّق بعض الكتاب والفسابكة، على ما يجري من تظاهرات في بعض مدن الساحل السوري، هنا مختارات منها.
رشا عمران
مع كل متظاهر مدني وضد كل سلطة تستخدم العنف وضد كل رمز ديني. الله يحمي أهل الساحل.
فؤاد م فؤاد ·
محزن ما يحدث هذه الأيام في سوريا.
ارتفاع منسوب التوتر والتفكك الاجتماعي يصل الى درجات عالية ومنذرة بأخطار.
لا التظاهرات ولا أنشطة المجتمع المدني الخجولة ولا الاحتجاجات الكلامية من جهة أو التطمينات والتسويفات، الكلامية أيضاً، من جهة ثانية، يمكن أن تسد إلا بضعة ثقوب في هذا الغربال السوري.
وحدها الحكومة المؤقتة يمكن أن تفعل ذلك، وحدها السلطة القائمة يمكنها أن تصل بالناس – لو ارادتْ- الى ما يشبه بر أمان في نهاية مرحلتها المؤقتة – إن صدقتْ- وتسليم ممثلي الشعب مقاليد حياتهم. وحدها السلطة القائمة – فيما لو قررتْ أن تتصرف كدولة – يمكن لها أن تنزع فتيل انفجار قادم.
هل لهذا الكلام من معنى؟ لا أدري
هل لهذا الكلام أن يصل إلى مكان أو أحد؟ لا أدري
هي فقط “صرخةٌ في وادٍ، قد تذهبُ اليوم مع الريح”.
بطرس معوض
دعوات للاستقلال عن المركز في سوريا بعد انتهاء دكتاتورية والإتيان بأخرى والدعوات هذه ستطال المنطقة بكل دولها المصطنعة!
ماهر الجنيدي
لا أعتقد أن التفاف مكوّن أو فئة أو تيار أو حراك حول “فرد” هو عمل حصيف. فما بالكم إذا كان هذه الشخص رجل دين، أو عسكرياً.
إنها وصفةٌ جاهزة للانتكاس إلى استبادٍ مردّه احتكار التأويل، أو إلى عصابٍ جماعيّ تنتجه القداسة.
الأجدى دوماً هو الالتفاف حول مطالب وبرامج.
هادي العبدالله
الحرية اللي كانوا ضدها وحاربوها هي اللي حمتهم اليوم.. عن مظاهرات الساحل السوري وحمص..
أسعد المحيميد
مظاهرات اليوم في بعض مناطق الساحل. والتي كانت بحماية رجال الأمن العام الأبطال والأوفياء للوطن والشعب. تثبت أن سوريا الجديدة هي من حمت المتظاهرين. وأن من حق المواطن التظاهر. والتعبير عن رأيه تحت سقف الوطن والقانون. وبدون شعارات طائفية. وهناك مطالب محقة. لكن بالنسبة للمعتقلين. لا يمكن الإفراج عنهم إلا بعد إحالتهم للقضاء. وكل من ثبت تورطه بقتل الشعب السوري. يجب أن يحاسب. والقضاء هو الفيصل. التظاهرات السلمية يضمنها القانون. لكن كل من استعمل العنف يجب أن يحاسب. وعلى الأمن العام، أخذ الحيطة والحذر. من استغلال البعض لهذه التظاهرات من أجل إشعال شرارة الفتنة. الحكمة وترجيح لغة العقل والحوار هي صمام الأمان. والمطلوب من كافة مكونات الشعب السوري، التمسك بالثوابت الوطنية وعدم الانجرار وراء الفتنة. والمرحلة تتطلب من الجميع، رفع الصوت الجامع والموحد. والذي يحافظ على السلم الأهلي. عشتم وعاش الوطن.
نبال النبواني
متلنا متخبي وسط هالهمجية كلها، بعد فيه عنده أمل جنب عمود مصدي من أعمدة هالوطن، لا بهمه شيخ دين لا من طائفته ولا من أي كوكب مريخي، متلنا قلبي عليه قلبي علينا 💔
أحمد القاسم
ما يجري اليوم من تظاهرات وهتافات طائفية، ودعوات للانفصال والفدرلة، يفرض علينا أن نضع الأمور في نصابها. وأن نقول بوضوح إن هذا الطريق لا يشبه سوريا ولا يشبه أحلام أهلها، فالهتاف الذي يزرع الانقسام خيانة لمعاناة الناس وخدمة لمشاريع تعبر الحدود ولا تريد لهذا البلد خيراً وما نشهده من استغلال الرموز الدينية وتسييسها بطريقة استفزازية. هو لعب بالنار ومحاولة لإشعال فتنة لا يربح فيها أحد وفي الوقت نفسه. لا يمكن تجاهل أن الدولة استطاعت في حمص منع الدم واحتواء الفتنة واعتقال المعتدين والوعد بتعويض المتضررين، هي خطوات يجب الاعتراف بها، إلا أن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤولية تقصير كبير في تأخرها عن إصدار قانون واضح وصارم لتجريم الطائفية كما جرمت الأسدية، فالتأخر في ضبط هذا الملف فتح الباب أمام من يريد، تحويل الشارع إلى ساحة تصفيات طائفية، بينما الأصوات التي تطالب اليوم بإطلاق معتقلين من طائفة معينة تتجاهل آلاف المعتقلين من كل المكونات. وما نراه من قدرة الناس على التظاهر بحرية وحماية الأمن لهم، هو ثمرة وعي سوري صلب ولذلك فان واجب اللحظة هو دعم الاحتجاج السلمي ومحاسبة أصحاب الهتاف الطائفي وإغلاق أبواب الانفصال والفدرلة والوقوف في وجه أي مشروع يريد تفتيت سوريا التي لا تحمينا إلا وحدتها.
المدن
————————
المجلس الإسلامي العلوي في سوريا يدعو إلى فض التظاهرات
الثلاثاء 25 تشرين الثاني 2025
دعا المجلس الإسلامي العلوي في سوريا المحتجين في ساحات الساحل السوري إلى فض المظاهرات، مشيداً باعتصاماتهم السلمية ومطالبتهم بحقوقهم.
وفي بيان نشر، مساء الثلاثاء، توجه المجلس الإسلامي العلوي للمتظاهرين بالقول: «لقد خرج صوتكم اليوم واضحاً وقوياً جلياً، يحمل رسالة سلمية راقية أرادها الجميع منذ اللحظة الأولى. ورغم كل محاولات الاعتداء والانتهاكات التي طالت المعتصمين، ورغم سقوط الضحايا والجرحى، بقي موقفكم ثابتاً، وإرادتكم موحّدة، وصورتكم نقية كما بدأت».
وشدد على الحفاظ على «السلمية» في التظاهر، مضيفاً: «ما دام صوتنا محمولاً على الحكمة والهدوء، فلن تتمكن البنادق من إرهابنا، ولن يكسر الظلم عزيمتنا».
وتابع البيان أنّ «الكلمة انتصرت على السلاح وهذا ما قمتم به اليوم ليس حدثاً عابراً، بل خطوة صلبة وكلمة ثابتة أمام العالم أجمع، وشرارة أولى لمرحلة لا تُقبل فيها الإهانة ولا التهميش».
واختتم البيان بدعوة المتظاهرين للعودة إلى منازلهم قبل غياب الشمس، بشكل منظم وهادئ، ولتبقى صورة المتظاهرين «حضارية، موحدة، وفاعلة».
وتوافد السوريون في محافظات الساحل إلى الساحات استجابة لدعوة المرجعية الروحية العليا للطائفة العلوية ورئاسة المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر أمس، للاعتصام السلمي للمطالبة بوقف الانتهاكات وإخلاء سبيل الموقوفين في السجون.
وشهدت ساحة الزهراء في مدينة حمص، ودوار الزراعة والأزهري في محافظة اللاذقية، توتراً شديداً، حيث قامت قوات الأمن السورية باعتقال عددٍ من المتظاهرين السلميين.
—————————–
سوريا: تجمّعات تطالب باللامركزية في 3 محافظات وأخرى داعمة للسلطات
هبة محمد
شهدت محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص، مظاهرات طالبت باللامركزية والإفراج عن الموقوفين، قابلتها تحركات أخرى مؤيدة للحكومة، وسط انتشار مكثف لقوى الأمن الداخلي ومحاولات لاحتواء تصاعد الاحتقان على خلفية أحداث أمنية شهدتها حمص خلال الأيام الماضية، فيما أثار مشهد حماية عناصر الأمن للمظاهرات في الساحل تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تعليقات رحبت بما اعتبرته تحولا لافتا ووصفت المشهد بأنه غير مألوف في الحياة والذاكرة السورية خلال العقود الماضية.
جريمة زيدل
وجاء ذلك في أعقاب جريمة قتل في بلدة زيدل في ريف حمص راح ضحيتها رجل وزوجته، ما أثار موجة غضب واسعة في المدينة. وتحوّل غضب عشائر البدو إلى احتجاجات امتدت إلى أحياء سكنية في حمص شهدت أعمال تخريب، طالت أبناء من الطائفة العلوية.
وعلى إثر ذلك، دعا الشيخ غزال غزال، رئيس «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، إلى اعتصامات.
وشهد حي الزهراء في مدينة حمص احتجاجا شعبيا مرتبطا بالأحداث الأخيرة في المدينة، حيث شدد المتظاهرون على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة والأجهزة الأمنية وتأمين المدنيين في الأحياء التي شهدت اضطرابات خلال اليومين الماضيين.
والتقى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، بالمحتجّين في حمص، مؤكدا في مقطع مصور متداول أن الوزارة تكفل حق المواطنين في التظاهر وحرية التعبير، وتتعهّد بحمايتهم.
وفي اللاذقية، تجمع المحتجون عند دوّار الزراعة ودوّار الأزهري وسط حضور أمني كثيف، رافعين لافتات تندد بالعنف وتطالب بتعزيز اللامركزية والإفراج عن المعتقلين من قوات الجيش والشرطة، الذين احتجزوا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وشهدت المظاهرة مناوشات واحتكاكات مع أشخاص رفعوا علم الثورة وحاولوا تنفيذ وقفة مضادة داعمة للحكومة، ما زاد من التوتر في المدينة. كما خرجت مظاهرة أخرى في حي العمارة بمدينة جبلة جنوب اللاذقية، رفع المشاركون فيها شعارات تطالب بالحماية وبالإفراج عن المعتقلين، وسط استنفار أمني واسع.
مدير العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية، نور الدين بريمو، قال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن دوّاري الزراعة والأزهري شهدا قرابة الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم اعتصاما دعا إليه غزال، للمطالبة ـ وفق وصفه ـ بـ«حماية دولية وفدرالية وحماية للعلويين». وأضاف أن الاعتصام امتد أيضا إلى مواقع متفرقة في ريف جبلة.
وأوضح أنه فور بدء التحركات، انتشرت قوى الأمن الداخلي في محيط الاعتصامات، وعملت على حماية النقاط الحيوية والأملاك العامة، لافتا إلى أن بعض المعتصمين قاموا بالتعدي على ممتلكات عامة وعلى عدد من سيارات الشرطة، ما استدعى تعزيز الطوق الأمني. وفي المقابل، توافد متظاهرون من جنوب المحافظة والأحياء القريبة للتنديد بالاعتصام، الأمر الذي ساهم في تصاعد الاحتقان في موقعين متقابلين داخل المدينة.
وتابع أن الموقف أخذ منحى أكثر توترا مع ارتفاع الهتافات ذات الطابع الطائفي، قبل أن يتطور إلى رشق الحجارة ووقوع اعتداءات متبادلة بين المجموعتين، رغم محاولات ناشطين من المجتمع المحلي وعناصر قوى الأمن الداخلي تهدئة الأجواء ومنع تفاقم الاشتباك. وأشار إلى أن وجود جهات عملت على تأجيج التوتر وإشعال الموقف.
وحسب بريمو، فإن نقطة الانفجار حدثت بعد قيام مجهولين بإنزال العلم السوري من فوق دوار الزراعة وتمزيق أطرافه، لتتبعها مباشرة حادثة إطلاق نار من قبل مجهولين في اتجاه تجمعات المدنيين وعناصر قوى الأمن الداخلي، ما أدى إلى تفاقم المواجهات وارتفاع مستوى الخطر في محيط الاعتصام. وعلى إثر ذلك، أطلقت قوى الأمن العام النار في الهواء لفض الاشتباك وتفريق الحشود، فيما تم استقدام تعزيزات أمنية إضافية إلى دواري الزراعة والأزهري وبقية المداخل المؤدية إلى مناطق التوتر لضبط الوضع ومنع امتداد المواجهات إلى أحياء أخرى. وعلى خلفية التوترات، نفَّذت قوى الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية انتشاراً ميدانياً في عدد من المواقع الرئيسية بالمدينة، وذلك ضمن خططها الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، والمحافظة على سلامة المواطنين والممتلكات العامة والخاصة.
وبينت قيادة قوى الأمن الداخلي في اللاذقية في بيان لها أن هذا الانتشار جاء بهدف تأمين التجمعات، والحفاظ على سلامة المواطنين والممتلكات، وضمان انسيابية الحركة المرورية في المدينة.
وأكدت قيادة قوى الأمن الداخلي التزامها الكامل بحماية حرية التعبير في إطار القانون، والعمل وفقاً للأنظمة المعمول بها لضمان الأمن والاستقرار، بما يصون الحقوق ويحفظ النظام العام.
وبينت أن الجهات التي تروّج وتسوّق للفوضى في مناطق الساحل كلها موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن الواقع المعيشي لأهلنا في الساحل، لافتة إلى أن ترديد عبارات طائفية في بعض التجمّعات يوضّح الغاية التي تمت الدعوة على أساسها، وهو لا يعبّر عن حقيقة المطالب التي يسعى إليها أهلنا في الساحل.
وقال البيان: بناءً على ذلك ندعو أهلنا في الساحل إلى عدم الانجرار وراء مخطّطات لا يريد أصحابها سوى توريط المنطقة في دوّامة عدم الاستقرار.
وشدد على أن الدولة السورية هي الضامن الوحيد لمطالب جميع أبناء الشعب السوري، مشيراً إلى أنه لا يمكن التعامل مع هذه المطالب عن طريق سيناريوهات الفوضى والدعوات التي يعرف أهلنا بالساحل غايات أصحابها. فيما أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن «حق التظاهر والتعبير مكفول لكل السوريين بدماء مليون شهيد سوري قدمتهم الثورة السورية العظيمة، وأن الدولة السورية هي الضامن الوحيد لمطالب جميع أبناء الشعب السوري، محذراً من الانجرار وراء دعوات خارجية للفتنة».
وقال المتحدث باسم الداخلية عبر قناته على تليغرام: نحن اليوم في مدينة حمص، وقمنا بعدة جولات برفقة قادة الأمن الداخلي ضمن المدينة، وكانت هناك زيارات لعدد من الأهالي الذين شهدوا أحداثاً مؤسفة من جميع المكونات، وتم التواصل معهم وطمأنتهم، وكانت هناك حوارات مثمرة وإيجابية، ولم يحصل أي اعتداء، بل بالعكس أشكر أهلنا في حمص على حفاوة استقبالهم وكرمهم.
وأضاف: حق التظاهر والتعبير مكفول لكل السوريين بدماء مليون شهيد سوري قدمتهم الثورة السورية العظيمة، ووزارة الداخلية معنية بحفظ هذا الحق وعلى مسافة واحدة من جميع المكونات السورية، وننصح أهلنا بعدم الانجرار وراء دعوات خارجية تبغي الفتنة وإفساد النسيج المجتمعي، وقد تولد ردات فعلٍ، الكل بغنى عنها.
وبخصوص التجمعات الاحتجاجية في بعض مناطق الساحل أوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية في تصريحات لقناة الإخبارية السورية أن قوى الأمن الداخلي أمّنت هذه التجمّعات لمنع أي حوادث طارئة تستغلّها الجهات التي تروّج للفوضى، مجدداً التأكيد على أن الوزارة تحفظ حق التعبير عن الرأي للجميع على أن يكون هذا التعبير تحت سقف القانون، ودون الإخلال بالسلم الأهلي.
مشهد غير مألوف في الذاكرة السورية
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مرئية وصوراً تظهر عناصر من قوى الأمن العام وهم يحمون مظاهرة خرجت في طرطوس ضد الدولة، إذ أظهرت التسجيلات انتشاراً أمنياً يحيط بالمتظاهرين ويوفّر لهم الحماية أثناء تحركهم. ولاقت هذه المقاطع ترحيباً واسعاً على منصات التواصل، ودفعت عدداً من الشخصيات العامة إلى التعليق على المشهد الذي وصفوه بـ «غير المألوف» في الحياة السورية خلال العقود الماضية.
وفي هذا السياق، كتب السياسي السوري البارز جورج صبرا قائلا: رغم وجود الكثير مما يقال عن أهداف المظاهرات، التي جرت اليوم وشعاراتها ومطالبها، فقد نجحت السلطة في التعامل معها أصولا وكما يجب فوفرت لها الحماية اللازمة وحرية التجمع والتعبير. وكان هذا المشهد الجديد مفاجأة سارة في الحياة العامة السورية، افتقدته لعقود طويلة، وحققه انتصار الثورة.
المحامي السوري البارز ميشال شماس كتب بدوره: مظاهرات اليوم في الساحل لم تكن لتحصل لولا إسقاط نظام الأسد الإجرامي، أن يتمكن الناس من التعبير عن مطالبهم في تظاهرات سلمية، دون خوف أو قيد، هي من أسمى أهداف ثورة الشعب السوري في سبيل الحرية والكرامة.
وأضاف: إذا كان من واجب السلطة الجديدة أن توفّر الحماية لكل متظاهر، وقد فعلت ذلك ويُحسب لها، فإن من واجب المتظاهرين أيضا اليوم وغداً أن يدركوا أن الشعارات الطائفية لا تحميهم، بل تضعف حقهم وتجرّد احتجاجهم من معناه الوطني. فالهتاف الذي يرفع الجدران بين الناس لا يبني بلداً، ولا يفتح باباً للمستقبل.
وتابع: ما يحمي المتظاهرين هو التمسك بالشعارات الوطنية الجامعة، تلك التي تُطمئن الخائف، وتفتح الطريق أمام المصالحة، وتعيد للناس الثقة بأن صوت الشارع هو صوت كل السوريين. فلنتذكر أن قوة أي حراك أو مظاهرة هي رفع علم الوطن، وصورة غياث مطر وخليل معتوق وعبد العزيز الخيّر ورفاقهم، والوردة وعبوة الماء التي حملها في وجه العنف. هذه الرموز لم تكن طقساً عابراً، بل كانت رسالة واضحة بأن الحرية تُنتزع بالسلمية والكرامة لا بالكراهية.
ودعا المتظاهرين إلى حمل «شعارات الأيام الأولى، فهي مرآة اللحظة التي جمعتنا على حلم واحد، قبل أن تتشظى الأصوات وتتفرّق المسارات، آن الأوان لكي تستعيدوا ذلك الصوت النقي، لعلّه يعيد «الواحد واحد» إلى معناها الأصلي… شعبا واحدا يسعى لحريته وكرامته دون استثناء».
—————————-
الشيخ غزال غزال: ما حدث في الساحل بداية لشرارة لن تنطفئ
المجلس الإسلامي العلوي الأعلى: أي اعتداء يمسنا لن نسكت عنه
2025-11-27
قال رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال، اليوم الخميس، إن “المظاهرات التي شهدها الساحل السوري بداية لشرارة لن تنطفئ”.
وأضاف في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، أن “أي اعتداء يمس المكون العلوي لن يسكت عنه وسيقابل بطوفان، ولن يتنازل العلويون حتى تحقيق جميع مطالبهم”.
وأشار إلى أن “الرسالة التي أراد العلويون توجيهها وصلت إلى العالم أجمع عن حجم المعاناة والانتهاكات التي تمارسها عليهم سلطة الأمر الواقع”.
وأكد أنهم “يشددون على مطالبهم الأساسية في إطلاق سراح المعتقلين، الآلاف من المدنيين والعسكريين المغيبين في السجون”.
وأردف أن “أبناء الطائفة العلوية يؤكدون على ضرورة وقف آلة القتل والخطف، وعلى حقهم في تقرير المصير بالفيدرالية واللامركزية”.
وأوضح أنهم “لن يقبلوا بإمارة إسلامية سياسية مركزية تذبحهم على الهوية”، متابعاً “أتوجه بالشكر إلى كل من وقف إلى جانب المظاهرات التي خرجت في الساحل السوري، وخصوصاً أبناء الطائفة الدرزية في جبل الباشان”.
اقرأ أيضاً: حمص.. توترات أمنية وأعمال عنف تهدد السلم الأهلي
ويوم الثلاثاء الماضي، خرجت مظاهرات شعبية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة غربي سوريا، للمطالبة بوقف عمليات القتل والاختطاف وإطلاق سراح المعتقلين.
وجاءت المظاهرات استجابة لدعوة أطلقها رئيس المجلس الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال، للخروج في احتجاجات رافضة “لعمليات القتل التي تطال أبناء الطائفة”.
وقال مراسل “963+”، إن المئات تظاهروا في اللاذقية وطرطوس وجبلة والقرداحة، للمطالبة بوقف عمليات القتل وإطلاق سراح المعتقلين.
وتظاهر المئات في مناطق ريف القرداحة وجبلة، وقرى وبلدات بمنطقة سهل الغاب بريف حماة الغربي، وأحياء في مدينة حمص بينها الزهراء وعكرمة.
وجاءت الدعوات للتظاهر بعد أعمال عنف تخللها إحراق للمنازل والممتلكات بأحياء يقطنها سكان من الطائفة العلوية، بمدينة حمص.
وشهدت أحياء المهاجرين والأرمن والزهراء والعباسية والنزهة وعكرمة والنازحين وعشيرة، في مدينة حمص يوم الأحد الماضي، أعمال عنف وإحراق لمنازل مدنيين من قبل مسلحين من أبناء قبيلة بني خالد، بعد مقتل رجل وزوجته من أبناء القبيلة على يد مجهولين في بلدة زيدل.
——————-
الأمن السوري يطلق النار لتفريق احتجاجين متنافسين في اللاذقية
مطالب بـ”الإفراج عن المعتقلين وإيقاف القتل والخطف” والأمن يتجنب الصدام مع المحتجين
أ ف ب
الثلاثاء 25 نوفمبر 2025
تعد هذه التظاهرات، وهي الأكبر في المناطق ذات الكثافة العلوية منذ سقوط الأسد، استجابة لدعوة نشرت على مواقع التواصل من قبل “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”.
قال شهود ومسؤولون إن قوات الأمن السورية أطلقت النار اليوم الثلاثاء لتفريق احتجاجين متنافسين في مدينة اللاذقية الساحلية التي تشكل الأقلية العلوية غالبية سكانها.
وشهدت سوريا أحداث عنف طائفي عدة منذ الإطاحة بالرئيس بشار الأسد الذي ينحدر من الأقلية العلوية في هجوم شنته قوات المعارضة عام 2024 وصعود حكومة يقودها السنّة إلى السلطة.
وذكر شهود أن مئات المحتجين العلويين تجمعوا للمطالبة بنظام سياسي لا مركزي في سوريا والإفراج عن رجال يقولون إن السلطات الجديدة في البلاد اعتقلتهم ظلماً، ثم تجمع أنصار للحكومة وبدأوا بتوجيه السباب إلى العلويين.
وبعد نحو ساعة من بداية تظاهرة العلويين، سمع دوي طلقات نارية عند دوار الزراعة، وهو أحد ساحتين تجمع بهما المحتجون، وفقاً لشاهدين ومقاطع مصورة تحققت منها “رويترز”.
وأظهر أحد المقاطع المصورة التي تسنى التحقق منها رجلاً ممدداً بلا حراك على الأرض وقد أصيب بجرح في الرأس، ولم ترِد أنباء رسمية بعد عن وقوع إصابات.
وردد المتظاهرون الذين احتشدوا في دوار الأزهري وسط اللاذقية هتافات من بينها “الشعب السوري واحد”، “يا عالم إسمع إسمع… الشعب العلوي ما بيركع”، فيما رفع آخرون لافتات تطالب بـ”الإفراج عن المعتقلين”.
وقال مدير العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية نور الدين البريمو إن قوات الأمن أطلقت النار في الهواء لتفريق المحتجين المتنافسين، مضيفاً أن مجهولين أطلقوا النار أيضاً على المدنيين وعلى قوات الأمن.
ولم يقدم مزيداً من التفاصيل، لكن شهوداً أفادوا بأن الاحتجاجين انفضا بحلول فترة ما بعد الظهر.
احتجاج سلمي
وكان رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى غزال غزال دعا أمس الإثنين إلى التظاهر، وحث العلويين على الاحتجاج السلمي.
وتأتي هذه التظاهرات غداة أحداث عنف طائفي شهدتها مدينة حمص في وسط البلاد، تضاف إلى سلسلة اضطرابات مماثلة شهدتها سوريا خلال الأشهر الأخيرة، عقب سقوط عائلة الأسد بعد 50 عاماً من الإمساك بمقاليد السلطة في البلاد بيدٍ من حديد.
وعُثر أول من أمس الأحد على زوجين مقتولين داخل بيتهما في بلدة زيدل قرب حمص (وسط)، وقد أحرقت جثة الزوجة، وكتبت في مكان الجريمة عبارات ذات طابع طائفي، بحسب الشرطة.
ووجهت اتهامات لعلويين بالوقوف وراء هذه الجريمة، مما أشعل موجة عنف في عدد من مناطق المدينة التي تضم أحياء سنية وأخرى علوية.
وقام شبان من العشائر البدوية بأعمال تخريب طاولت مساكن وسيارات ومتاجر في أحياء ذات غالبية علوية، قبل أن تفرض السلطات حظراً للتجوال لاحتواء الوضع.
وقالت منى (25 سنة) خلال مشاركتها في التظاهرة “نطالب بالحرية والأمان، وإيقاف القتل والخطف الذي يحصل، وما جرى في حمص أخيراً ليس مقبولاً أبداً”. وأضافت “نريد فيدرالية للساحل، وحمص وحماة وطرطوس والغاب. ما يهمنا، الحرية لنا”.
ولم تصطدم قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية المنتشرة في المكان مع المحتجين.
وفي مدينة جبلة الساحلية، سمعت أصوات إطلاق نار أثناء تظاهرة مماثلة، بحسب مراسل وكالة الصحافة الفرنسية.
وتعد هذه التظاهرات، وهي الأكبر في المناطق ذات الكثافة العلوية منذ سقوط الأسد، استجابة لدعوة نشرت على مواقع التواصل من قبل “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”.
وفي وقت لاحق مساء أمس الإثنين، أكدت وزارة الداخلية أن جريمة حمص التي أشعلت فتيل هذه الأحداث “ذات منحى جنائي وليس طائفياً”.
وقتل ما يقارب 1500 علوي على يد قوات مرتبطة بالحكومة في مارس (آذار) الماضي بعدما نصب موالون للأسد كميناً لقوات الأمن، وذكرت “رويترز” أن عشرات العلويات خطفن بعد ذلك، إلا أن السلطات تنفي ذلك.
وتعهد الرئيس السوري أحمد الشرع بأن يكون حاكماً لجميع السوريين، لكن الحرب الأهلية المستمرة منذ نحو 14 عاماً ونوبات العنف التي شهدتها البلاد خلال عام 2024 أثارت مخاوف من مزيد من الاضطرابات.
————————-
بين إرث الاحتقان وفرصة إعادة بناء السلم الأهلي.. حادثة زيدل في حمص/ نوار شعبان
2025.11.26
شهدت محافظة حمص في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، واحدة من أكثر الحوادث صدمة منذ تحرير المدينة قبل عام، بعدما هزّ الرأي العام خبر الجريمة التي ارتُكبت بحق رجل وزوجته من عرب بني خالد في بلدة زيدل.
لم يكن وقع الجريمة صادماً بسبب بشاعتها فحسب، بل لأنّها أعادت إلى الواجهة ذاكرة المدينة المثقلة بتاريخ طويل من التوترات الاجتماعية والسياسية، التي تراكمت خلال سنوات حكم النظام السابق.
فسرعان ما انتشر الخبر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والتجمعات المحلية، وبدأت ردود الفعل الشعبية تتشكل بوتيرة متسارعة، وسط حالة غضب عارم وطلب جماعي للعدالة والمحاسبة.
خلال ساعات قليلة، تحرك عدد من أبناء عشيرة بني خالد نحو حييّ المهاجرين والعباسية، حيث تسكن غالبية من الطائفة العلوية، تسبّب ذلك باشتباكات محدودة وحالات اعتداء على ممتلكات مدنية، شملت حرق سيارات وتخريب واجهات منازل ومحال تجارية.
ورغم أن هذه الأفعال جاءت كرد فعل انفعالي على الجريمة، فإنها حملت في طياتها مؤشرات حساسة ترتبط بالذاكرة الطائفية للمدينة، وهو ما جعل المشهد أكثر خطورة مقارنة بحوادث الاعتداء الفردي أو الجرائم الجنائية المعتادة.
في هذا السياق المتوتر، بدا واضحاً أن المسألة لم تكن مجرد رد فعل غاضب، بل كانت انعكاساً لاحتقان اجتماعي غير مُعالج، ظل كامناً في بنيات المدينة منذ سنوات طويلة.
فقد ترك النظام السابق وراءه إرثاً عميقاً من الاستقطاب الطائفي، اعتمد فيه على تقسيم المجتمع المحلي وتعزيز الانقسامات الأهلية كوسيلة للسيطرة، ومع أن حمص تجاوزت مرحلة النزاع والعنف الواسع، فإن آثار تلك السياسة بقيت حاضرة، تتجلى في لحظات الانفعال الجماعي على شكل مشاعر خوف وتوجس وعدم ثقة متبادلة بين مكونات المجتمع.
لكن المشهد لم يترك ليستفحل، فبعد اندلاع الأحداث مباشرة، تدخلت قوات الأمن الحكومية بشكل سريع ومدروس، وتم إرسال وحدات إلى الأحياء المتوترة بهدف حماية السكان والممتلكات ومنع تمدد المواجهات إلى مناطق أخرى.
لم يكن التدخل أمنياً صرفاً، بل جاء بصفته إجراءً وقائياً يهدف إلى الفصل بين التجمعات ومنع تطور الموقف نحو صدام أهلي واسع، هذا التحرك السريع لعب دوراً محورياً في احتواء الموقف وطمأنة السكان.
إلى جانب الإجراءات الأمنية، تحركت محافظة حمص والجهات الإدارية والدينية والعشائرية بشكل متوازٍ، فانعقدت اجتماعات متتالية ضمت وجهاء بني خالد ووجهاء الأحياء المتضررة وشخصيات اجتماعية ومدنية من مختلف المكونات، بهدف ضبط الإيقاع الشعبي واحتواء الغضب ومنع تصعيده.
وخلال هذه اللقاءات، أظهرت العشائر موقفاً مسؤولاً وواضحاً، إذ أكدت أن الجريمة فردية لا تمثل العشيرة أو المجتمع، وأن الرد على الظلم لا يكون عبر الاعتداء على أبرياء أو تدمير ممتلكاتهم. وقد شكّل هذا الموقف نقطة تحول أساسية في إعادة تهدئة الشارع.
ومع تزايد المخاوف من توسع الأحداث، أعلنت المحافظة فرض حظر تجوال شامل لمدة 12 ساعة، من الخامسة مساءً حتى الخامسة صباحاً، ليُمدد في اليوم التالي في بعض الأحياء الجنوبية حتى الخامسة مساءً.
أثبت القرار فاعليته، إذ أتاح للسلطات الوقت اللازم للسيطرة على الموقف، وامتصاص التوتر ومنع التجمعات الغاضبة، ما حال دون تكرار المشاهد التخريبية أو تجدد الاشتباكات، كما ساعد الإغلاق الليلي على إعادة التوازن النفسي للسكان، وخلق مساحة للتفكير الهادئ بدلاً من الاحتكاك الانفعالي.
الأهم من ذلك، أن تعامل السكان مع الحظر والإجراءات الرسمية عكس مستوى ناضجاً من الوعي الاجتماعي، فعلى الرغم من حالة الغضب والحزن، التزم معظم أبناء حمص بتعليمات السلطات، وشارك كثير من الوجهاء وأصحاب التأثير المحلي في حملات تهدئة، داعين إلى تغليب صوت القانون والعقل على الانفعال.
هذا السلوك لم يكن مجرد طاعة لتعليمات حكومية، بل كان تعبيراً عن إدراك جمعي بأن المدينة لا يمكن أن تتحمل تكرار نماذج الاقتتال الأهلي التي عاشتها سابقاً، وأن الحفاظ على السلم المجتمعي مسؤولية مشتركة لا تقع على الدولة وحدها.
ومع انحسار التوتر تدريجياً، انتقل النقاش في حمص من متابعة تفاصيل الحادثة إلى مراجعة السياق الذي يجعل المجتمع قابلاً للاشتعال بهذه السرعة، فالجريمة بحدّ ذاتها، رغم بشاعتها، لا تكفي لتفسير التحول السريع نحو ردود فعل جماعية ذات طابع مناطقي أو طائفي، ما يشير إلى تراكمات اجتماعية أعمق لا يمكن تجاهلها.
هنا برزت الحاجة إلى الاعتراف بوجود احتقان بنيوي داخل المدينة، يمكن تلمّسه في الخطاب الشعبي، وفي مستوى الريبة المتبادلة بين بعض المكونات، وفي أثر الذاكرة الجماعية التي لم تُشفَ بعد.
ولا يعود هذا الاحتقان إلى لحظة واحدة، بل إلى إرث سياسي وثقافي تركه النظام السابق، الذي بنى جزءاً كبيراً من استراتيجيته على إدارة المجتمع عبر التفتيت الطائفي وتعميق المخاوف المتبادلة.
ومع أن مرحلة ما بعد التحرير فتحت الباب لإعادة بناء الدولة والعلاقات الاجتماعية، فإن هذا الإرث بقي حاضراً، يتحرك تحت السطح، ويظهر عند كل صدمة عامة أو حدث جنائي يأخذ طابعاً رمزياً، لذلك لم يكن ما جرى في زيدل حدثاً معزولاً، بل مؤشراً على هشاشة اجتماعية تحتاج إلى معالجة طويلة الأمد.
والحديث عن هذا الواقع ليس انتقاصاً من حمص أو محاولة لوصمها، بل هو ممارسة ضرورية للمسؤولية الجماعية، فالمجتمعات التي تختار الإنكار غالباً ما تعيد إنتاج أزماتها، بينما المجتمعات التي تواجه مشكلاتها بصراحة تمنح نفسها فرصة للتعافي. الخطر الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بوجود التوتر، بل في تجاهله أو إخفائه تحت عبارات مطمئِنة، لأن أي محاولة للحل لا تنطلق من تشخيص واضح ستظل سطحية وسريعة التآكل.
ومن دون هذا الوعي، تبقى الإجراءات المتخذة قصيرة المدى سواء كانت أمنية أو إدارية غير كافية لمنع تكرار المشهد مستقبلاً، أما عندما يصبح الاعتراف جزءاً من الخطاب العام، فتنفتح أمام المدينة مسارات أكثر استدامة، مثل تعزيز قنوات التواصل بين المكونات الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة على أساس المواطنة لا الانتماء، وتصحيح السرديات التي غذّت الانقسام لسنوات.
وهنا يبرز الدور المزدوج للمجتمع والدولة، فالأحداث الأخيرة أظهرت أن البنية العشائرية والاجتماعية في حمص، التي كثيراً ما وُصفت بصورة نمطية، يمكن أن تتحول إلى قوة تهدئة وحماية، كما ظهر في تدخل الوجهاء وضبط الشارع ومنع الانجرار إلى الثأر الجماعي.
وفي المقابل، أثبتت مؤسسات الدولة قدرتها على التحرك السريع والمنظم، ما أعاد جزءاً مهماً من ثقة المواطنين بقدرتها على حماية الجميع دون تمييز.
ومع أن معالجة الحدث ميدانياً مثّلت خطوة ناجحة، فإن النجاح الاستراتيجي يكمن فيما بعدها، أي تفكيك الجذور التي تسمح لهذا النوع من التوتر بالظهور، وإطلاق مسار عدالة ومحاسبة شفاف، وتطوير خطاب إعلامي مسؤول، وتعزيز ثقافة الحقوق المتساوية.
فحمص، بما تحمله من تنوع ديني واجتماعي واسع، تمتلك فرصة لتكون نموذجاً وطنياً في بناء التعايش والثقة، إذا أُحسن الاستثمار في الدروس التي كشفتها هذه الأزمة.
لقد تجاوزت حمص هذا الامتحان القاسي بأقل قدر ممكن من الخسائر، لا بفعل التدخل الأمني وحده أو سرعة القرارات الحكومية فقط، بل لأن مجتمعها اختار أن يكون شريكاً في حماية مدينته، فقد أظهر سكّانها، بمختلف مكوّناتهم، استعداداً لتغليب التهدئة والمسؤولية على الانفعال، وإدراكاً بأن الانزلاق إلى ردود فعل انتقامية لا يفتح باب العدالة، بل يكرر مآسي الماضي. وهذا الوعي المجتمعي شكّل الدرع الحقيقي الذي منع اتساع دائرة التوتر.
إن مستقبل حمص لن يُصنع بقرارات فوقية فقط، بل بقدرتها على تحويل التجربة الأخيرة إلى حافز لإعادة بناء الثقة بين المكوّنات، وتعزيز حضور الدولة العادلة، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة. فالحلول المستدامة لا تبدأ بالإنكار، بل بالفهم الدقيق للأسباب، حتى لا تعود المدينة إلى الدائرة ذاتها كلما وقع حدث مشابه.
بهذا المعنى، لم تكن أحداث زيدل مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مكاشفة جماعية قد تشكل نقطة انطلاق نحو مشروع أكبر: أن تصبح حمص مدينة قادرة على احتضان اختلافاتها، ومعالجة جراحها، وصناعة عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة وكرامة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
تلفزيون سوريا
————————-
إصابات بإطلاق نار خلال احتجاجات في اللاذقية
أعلنت وزارة الداخلية السورية إصابة عنصرين من قوات الأمن وعدد من المدنيين جراء إطلاق نار خلال احتجاجات شهدتها أمس الثلاثاء مدينة اللاذقية شمال غربي البلاد، للمطالبة بالإفراج عن متهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات في فترة الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية عبد العزيز الأحمد -في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية (سانا)- إنه “أثناء قيام عناصرنا بحماية الوقفة الموجودة عند دوار الزراعة داخل مدينة اللاذقية تعرضوا إلى إطلاق نار مباشر من جهة حي يقطنه ضباط مرتبطون بالمؤسستين الأمنية والعسكرية التابعة للنظام البائد”.
وأوضح الأحمد أن إطلاق النار أدى إلى إصابة عنصرين من الأمن الداخلي وعدد من المدنيين المشاركين في الوقفة.
وجاءت هذه الفعالية ضمن احتجاجات في عدد من مناطق الساحل السوري وحمص وحماة طالب المشاركون فيها بالإفراج عن معتقلين من الطائفة العلوية وبإرساء نظام حكم فدرالي.
وذكر المسؤول الأمني أن هذه الوقفات “ظهرت في بدايتها بغطاء احتجاجي ثم تحولت سريعا إلى منصات تحريض طائفي ممنهج تسعى إلى زرع بذور الانقسام وإحداث شرخ في المجتمع المحلي”.
وأشار إلى أن المتظاهرين طالبوا بالإفراج عمن وصفهم بمجرمي حرب ضالعين في أعمال دموية وانتهاكات جسيمة.
اتهامات لفلول الأسد
وذكر الأحمد أن قوات الأمن رصدت “مجموعات مرتبطة بخلايا إجرامية تابعة لفلول النظام البائد عملت على تأجيج الفوضى والتحريض، وقامت بالاعتداء على عناصر الشرطة والمهام الخاصة وشرطة المرور، كما أقدمت على تخريب وتحطيم عدد من الآليات الرسمية”.
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد صرح لوسائل الإعلام في وقت سابق بأن وحدات الأمن الداخلي أمّنت التجمعات الاحتجاجية في بعض مناطق الساحل السوري لمنع أي حوادث طارئة تستغلها الجهات التي تروّج للفوضى، حسب تعبيره.
وأضاف أن وزارة الداخلية “تحفظ حق التعبير عن الرأي للجميع، على أن يكون هذا التعبير تحت سقف القانون ودون الإخلال بالسلم الأهلي”.
وأشار إلى أن “الجهات التي تروّج وتسوّق للفوضى في مناطق الساحل كلها موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن الواقع المعيشي لأهلنا في الساحل”.
وتأتي هذه المظاهرات غداة أحداث عنف طائفي شهدتها مدينة حمص في وسط البلاد تضاف إلى سلسلة اضطرابات مماثلة شهدتها سوريا في الأشهر الماضية عقب سقوط نظام الأسد.
المصدر: الجزيرة + وكالات
———————–
الهيئة العلمائية الإسلامية تؤكد وحدة سوريا وتدعو للوعي ورفض الفتن والتقسيم
2025.11.27
أصدرت الهيئة العلمائية الإسلامية لأتباع مذهب أهل البيت في سوريا بيانًا مصورًا عبر صفحتها الرسمية اليوم الخميس، في ظل الأحداث الأخيرة التي شهدتها سوريا.
وقالت الهيئة في بيانها إنه “في ظل ما جرى في الأيام الثلاثة الماضية في سوريا، تؤكد تمسكها بوحدة سوريا شعبًا بكل مكوناته وأطيافه وألوانه، وأراضيها ضمن حدودها المعترف بها دوليًا، وسيادة حكومتها على كامل أراضي الجمهورية العربية السورية، غير منقوصة، وأن الدولة هي المعنية الأولى بحفظ دماء وكرامات وأموال السوريين جميعًا، والحفاظ على الأمن الداخلي والسلم الأهلي بين جميع المكونات، ودفع أي خطر داخلي أو خارجي يهدد سوريا أرضًا وشعبًا”.
تأكيد وحدة سوريا ورفض الفتن والتقسيم
أكدت الهيئة على أهمية التعاون مع الدولة عبر كافة مؤسسات المجتمع المدني وشرائح المجتمع وعقلائه الحريصين على سوريا بكل أطيافها ومكوناتها.
وعبرت الهيئة عن “رفضها القاطع لأي خطاب أو سلوك فتنوي يزرع العداوة بين السوريين، ويباعد بين قلوبهم وصفوفهم، ويحرضهم على الصراع فيما بينهم، مما يهدد الأمن والسلم الأهلي ويعيد البلاد إلى حالة الاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد”.
وقالت إن الخلافات والعداوات، إذا انتشرت بين السوريين، فإنها تضر بهم جميعًا، دولة وشعبًا، وتشوه صورة سوريا في العالم، وتعرقل رفع العقوبات الدولية المعلقة، كما تمنع تدفق الأموال والاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة بالشكل اللائق بسوريا وأهلها.
دعوة السوريين للحذر من الشائعات والتعاون مع الدولة
ودعت الهيئة جميع السوريين إلى توخي الحذر الشديد في التعامل مع الأخبار والشائعات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قد تشوه الأحداث أو تختلقها في بعض الحالات لإشعال الفتنة، مشيرة إلى أن هذه الشائعات غالبًا ما تكون مدفوعة بأيدي معادية تسعى للإضرار بسوريا وأهلها وحكومتها.
كما دعت إلى التحلي بالوعي في ردود الأفعال، وألا يسمح السوريون للأعداء باستدراج البلاد إلى مواقف سلبية تؤدي إلى سفك الدماء أو إتلاف الأموال وكرامة أي مواطن سوري.
وقالت الهيئة إنه يجب إحالة أي حالات فردية إلى الجهات الأمنية والسياسية المعنية، وأن تعمل مؤسسات المجتمع المدني وأفراده بالتنسيق مع الدولة لمعالجة مثل هذه الأمور وتهدئة المشاعر المتأججة بفعل الشائعات والدعايات المغرضة قبل أن تتفاقم الأمور كما حدث في الأيام الماضية.
وأكدت رفضها لمشاريع تقسيم سوريا التي تسعى لها دول معادية، مشيرة إلى أن هذه الدول تحرك أدواتها الخبيثة من خلال أفراد ومؤسسات ومواقع التواصل الاجتماعي.
كما أكدت أخيرا رفضها أيضا لأي تدخل خارجي أو الاستقواء به من قبل أي طرف سوري ضد إخوانه في الوطن، ودعت كافة الأطراف والمكونات السورية للتباحث والتفاهم فيما بينهم، والبناء على القواسم المشتركة ومعالجة الخلافات عبر تقديم التنازلات المتبادلة، واستعادة الثقة التي أضرتها سنوات الحرب الطويلة، حفاظًا على سوريا وأهلها من أي سوء يراد بها أو بهم.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد التقى وفدًا من وجهاء وأعيان الطائفة الشيعية في سوريا في نهاية شهر آذار الفائت، وأفادت مصادر حكومية حينها أن اللقاء استمر لأكثر من ساعتين، نوقشت فيه القضايا التي تخص الطائفة الشيعية ومستقبلها في سوريا.
————————
========================



