سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوارعام على انتصار الثورة في سوريا

أسامة القاضي: رفع العقوبات يعيد إلى سورية مكانتها الدولية/ ميسون محمد

09 ديسمبر 2025

بعد عام على سقوط الأسد، وفي ظل المتغيرات السياسية أخيراً، وبدء مسار دولي لرفع العقوبات عن سورية، تتزايد التساؤلات عما إذا كانت هذه الخطوات تعكس بداية تحوّل.

التحول الاقتصادي الحقيقي هو الخطوة الأولى لنهضة سورية، لأنه يمهّد لمرحلة إعادة الإعمار، أم أنها مجرّد إشارات سياسية مؤقتة؟ في هذا الحوار، يجيب المستشار الاقتصادي، أسامة القاضي، عن أبرز الأسئلة المتعلقة بآفاق الاقتصاد السوري، وأولويات الحكومة، والعلاقة بين الانفتاح الاقتصادي والسيادة الوطنية، ودور السوريين الموزعين في الدول في دعم مسيرة النهوض الوطني، خصوصاً بعد النجاحات التي حققوها في بلدانهم الجديدة، والخبرات التي اكتسبوها، ورؤوس الأمول التي جمعوها.

ـ كيف تقيّم رفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من زاوية اقتصادية؟ هل يمهّد ذلك لانفتاح حقيقي على عملية إعادة الإعمار، أم أنه مجرّد خطوة رمزية لإضفاء شرعية سياسية على الحكومة الجديدة؟

رفع العقوبات عن الرئيس ووزير الداخلية خطوة باتجاه تطبيع العلاقات الدولية مع الدولة السورية. كل خطوة بهذا الاتجاه تعطي إشارة إيجابية وتحسّن من مناخ الاستثمار، وتؤكّد أن المزاج الدولي يميل إلى دعم إدارة سورية الجديدة. هذا يمنح شعوراً أكبر بالاستقرار، ويشكل حافزاً للمستثمرين للإقدام على الاستثمار في سورية. رفع هذه العقوبات يعني عملياً عودة سورية إلى المجتمع الدولي بعد عزلة قرابة ستة عقود، ومن الطبيعي أن تفتح هذه الخطوات شهية شركات إعادة الإعمار على المشاركة الفعلية في بناء البلاد. إنها ليست مجرد حركة رمزية، بل خطوة ستترجم عملياً بزيادة عدد الشركات المنخرطة في عملية الإعمار.

ـ ما الأولويات الاقتصادية العاجلة التي يجب أن تركز عليها الحكومة السورية لتجنّب تكرار أزمات الفساد والاحتكار التي أنهكت البلاد طوال السنوات الماضية؟

يجب أن تنطلق الأولويات الاقتصادية العاجلة من رؤية تنموية واضحة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية: التعليم الفني، والتصنيع، والتكنولوجيا. والمقصود بالتعليم هو الفني تحديداً، لأن سورية بحاجة إلى كوادر ماهرة قادرة على النهوض بعملية الإنتاج. أما التصنيع، فليس مقصوراً على الصناعات الثقيلة، كالسيارات والمحرّكات، بل يشمل أيضاً التصنيع الزراعي، الذي يمكن أن يكون رافداً مهماً للدخل القومي، ومحرّكاً لتطوير القطاع الزراعي نفسه. وهنا تأتي أهمية إدخال التكنولوجيا في الزراعة والصناعة والخدمات، وفي كل مؤسسات الدولة عبر الرقمنة وتطبيقات الحكومة الإلكترونية، لتقليص البيروقراطية والاستفادة من تجارب ناجحة مثل التجربة السعودية.

كما يجب أن تقوم الرؤية التنموية على مبدأ التنمية المتوازنة بين القطاعات والمناطق، بحيث لا يُهمَل أي قطاع من الصحة أو التعليم أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو السياحة، ولا تُترك الأرياف والمناطق البعيدة من دون خدمات متكافئة مع المدن الكبرى. وعندما تتوافر الخدمات بالمستوى نفسه في المحافظات كافة، من درعا إلى دمشق، ومن الرقة إلى حلب، سيخفّ الضغط الداخلي والهجرة من الريف إلى المدينة.

ولتجنّب الفساد والاحتكار، يجب أن يُبنى الإطار العام على الشفافية والحوكمة الرشيدة وفق المعايير المعتمدة دولياً، وأن تخضع مؤشرات مثل سيادة القانون، والشفافية، ومكافحة الفساد لتقييم طرف ثالث مستقل كمنظمة الشفافية الدولية. وجود هذه المؤسسات وفتح مكاتب لها في سورية سيكون خطوة ضرورية نحو اقتصاد سليم. فالاقتصاد القائم على آليات السوق الحرّة والعرض والطلب لا يمكن أن يزدهر في ظل الاحتكار، والحوكمة الرشيدة هي الضمانة لخفض الفساد إلى الحد الأدنى.

ـ هل تعتقد أن المناخ الدولي الحالي مهيّأ فعلاً لجذب الاستثمارات إلى سورية، أم أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يزال مبكراً في غياب الضمانات السياسية والشفافية؟

أرى المناخ الدولي الحالي مهيّأ جداً لاقتناص فرصة الاستثمار في سورية. فضعف معدلات النمو في عدة دول ودخول بعضها في توترات سياسية يدفع كثيرين إلى البحث عن أسواق جديدة، وسورية تمثل في هذا السياق سوقاً واعدة وبِكراً.

إضافة إلى ذلك، هناك تبنٍّ حقيقي من السعودية لدعم نهضة الاقتصاد السوري، وسيساهم هذا الدعم الإقليمي في جذب الاستثمارات العربية والأجنبية معاً. وقد جرى، في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، تسجيل نحو 11,800 شركة جديدة وأكثر من 1,300 مصنع في سورية، وهو مؤشر على تزايد اهتمام السوريين أنفسهم بالاستثمار المحلي. ومع دخول شركات جديدة إلى السوق، ستُنشأ فرص عمل جديدة، وسيرتفع دخل العمّال، ما يزيد من القدرة الشرائية، ويحفّز المستثمرين الآخرين على الدخول في الدورة الاقتصادية. إنها حلقة إيجابية متكاملة يمكن أن تشكل نقطة انطلاق حقيقية لمرحلة الإعمار.

ـ كيف يمكن تحقيق توازن بين حاجات الاقتصاد السوري للانفتاح على الخارج وضرورة الحفاظ على قرار اقتصادي وطني مستقل لا يخضع للضغوط الدولية؟

لا يوجد أي تضارب بين الانفتاح على الخارج والقرار الاقتصادي الوطني المستقل. الهدف الأساسي إيجاد فرص عمل للسوريين والارتقاء بمستوى مهنيتهم، وإعادة ترميم اقتصادٍ تم تشويهه خمسة عقود، على أن تصل نسبة الطبقة الوسطى إلى 70% بحلول عام 2035. هذا التوجه، المبني على أولويات التنمية في التكنولوجيا والتعليم والتصنيع والزراعة والتنمية المتوازنة، يضمن عدم إهمال أي قطاع، ويرتقي بمستوى الأرياف والمحافظات لتكون جميعها على السوية الخدمية نفسها.

القرار الوطني لا يعني العزلة. فسنغافورة مثلاً فيها أكثر من 40 ألف شركة أجنبية، ومع ذلك حافظت على استقلالها الاقتصادي وحققت نهضة باهرة. وكذلك كوريا الجنوبية، التي تحتضن أكثر من 60 ألف شركة أجنبية، ومع ذلك طوّرت صناعة وطنية عملاقة مثل سامسونغ وكيا.

الانفتاح على العالم لا يتعارض مع السيادة، بل يعزّزها عندما يُسهم في رفع المستوى المعيشي والخدمي للمواطن وضمان أمنه الشخصي والاقتصادي. الاستقلال الحقيقي ليس في الانغلاق، بل في القدرة على اتخاذ قرارات تخدم مصلحة المواطن وتجعله يعيش بكرامة.

ـ في ضوء الواقع المعيشي الصعب للسوريين داخل البلاد وخارجها، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه النخب الاقتصادية السورية في المهجر في دعم عملية النهوض الوطني بشكل فعّال ومستدام؟

دور النخب الاقتصادية في المهجر محوري للغاية. يمكننا الاستفادة من خبراتهم وعلمهم وشبكات علاقاتهم الدولية، فضلاً عن تحويلاتهم المالية التي تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني. حتى زياراتهم سورية تشكل حراكاً اقتصادياً ملموساً من خلال الطلب على الخدمات والفنادق والمطاعم وقطاع النقل والترفيه، ما يعني نمواً فعلياً في السوق المحلية. وعندما يشعر المغترب بإمكانية الاستقرار، ولو على المدى القصير أو المتوسّط، يبدأ بشراء منزل أو بترميم منزل عائلته، وينعكس ذلك كله إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

الأهم  أن شبكة علاقات رجال الأعمال السوريين في الخارج يمكن أن تكون أداة جذب لشركاء أجانب للاستثمار في سورية، وأحياناً تكون هذه العلاقات أكثر قيمة من رؤوس الأموال نفسها.

ومن الضروري تسهيل كل المعاملات الاستثمارية وتطبيق سياسة النافذة الواحدة كما نصّ عليها القرار رقم 114، لتقليل التعقيدات البيروقراطية وتحفيز مشاركة المستثمرين السوريين والعرب والأجانب في عملية البناء الاقتصادي.

ختاماً

تتضح في المقابلة أعلاه رؤية أسامة القاضي واقعية تستند إلى قراءة دقيقة للتحولات السياسية والاقتصادية الراهنة. فهو يرى أن رفع العقوبات ليس مجرّد إجراء رمزي، بل بوابة لعودة سورية إلى المشهد الدولي، وأن بناء الاقتصاد الجديد يجب أن يرتكز على التعليم الفني، والتكنولوجيا، والحوكمة الرشيدة. كما يؤمن بأن الانفتاح الاقتصادي لا ينتقص من السيادة بل يعزّزها، وأن مشاركة السوريين في المهجر تمثل حجر الأساس في مشروع الإعمار الشامل. رؤية تجمع بين التفاؤل والحذر، وتؤكد أن مستقبل سورية الاقتصادي مرهون بقدرتها على تحويل هذه الفرص السياسية إلى نهضة إنتاجية حقيقية.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى