التعليم بعد غزة، إثر التعليم بعد أوشفيتز: أدورنو، الذاكرة، «علّة وجود الدولة»، والنظرية النقدية/ ديرك موسز

04-12-2025
أولئك الذين تدفعهم شهوة عمياء إلى القتل، لطالما رأوا في الضحايا مُطارِدين أرغموهم على دفاع يائس عن النفس؛ وكثيراً ما رأت أعظمُ الإمبراطوريات في جارها الأضعف تهديداً لا يُطاق قبل أن تنقضّ عليه.
– ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، جدلية التنوير
أمضيتُ هذا الصيف شهرَين بصفتي زميلاً زائراً في معهد أبحاث السلام في فرانكفورت، مقيماً بجوار جامعة غوته. وكانت الأنشطة واللقاءات الأكاديمية والاجتماعات تقتضي أن أعبر الحدائق المجاورة للوصول إلى حرم (فيستِند) الجذّاب، المُحاذي للمقر السابق لشركة «إي جه فاربن»، ذلك المبنى الضخم الذي اكتمل بناؤه عام 1930 على يد أكبر شركة كيميائية وصيدلانية في العالم آنذاك. وقد اشتُهرت «إي جه فاربن» بتعاونها مع النظام النازي، بما في ذلك أوشفيتز، حيث زوّدته بمادة «زيكلون ب» واستغلّت السجناء في العمل القسري كعبيد في مصنعها الكيميائي الضخم داخل المعسكر.وبعد أن استولت القوات الأميركية على المبنى واتخذته قاعدة عسكرية، مُنح مع أراضيه إلى الجامعة بعد الحرب الباردة.
بدا لي فوراً أنّ هذا الحرم الجامعي يختلف عن كثير من مؤسسات التعليم العالي الأُخرى في ألمانيا؛ إذ تنتشر في أرجائه الواسعة معالم تكريمية لإرث مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية – أي معهد الأبحاث الاجتماعية الشهير – من ساحة ثيودور أدورنو إلى المبنى اللامع المخصّص لأبرز امتداداته البحثية وهو مركز دراسات النظم المعيارية. ولا غرابة أن يقع عنوانه في شارع ماكس هوركهايمر 2، على مرمى حجر من نُصب أدورنو؛ ذلك الصندوق الزجاجي الكبير الذي يحتضن المكتب المُتخيّل للفيلسوف.
يُوظف هذا الاعتراف والتخليد في إعادة تأهيل ألمانيا ما بعد الاشتراكية القومية (النازية) عبر تلميعٍ بارع للذاكرة بدلاً من محوها؛ فالجامعة التي شُيّد مبناها المركزي على يد شركة ضالعة في أسوأ جرائم النازية تُكرِّم اثنين من الأكاديميين اليهود اللذين أُجبرا على الفرار من ألمانيا – وكان هوركهايمر قد خسر منصبه الجامعيّ – ثم عادا إلى فرانكفورت لاستئناف بحثهما النقدي، وهي تحتفي بهما بصفتهما يهوديَين وليس ماركسيَين؛ فهذه الصفة وحدها هي التي تُتيح لألمانيا التبرئة التي تُنشدها. وإن وجود الإرث الفكري اليهودي في الحرم يُلخص الهوية الألمانية ما بعد المحرقة النازية، ويُمكِّن من قيام جامعة مشروعة أخلاقياً. هكذا تتقاسم اللوثة النازية ونقيضها المكان، في توتر صريح لا يستطيع حلَّه سوى نظام معياري واثق من نفسه.
وكما يُصرِّح السياسيون الألمان في خطب البوندستاغ خلال الذكرى السنوية لتأسيس إسرائيل، بالنظر إلى المشروع الإبادي النازي، فإن الغاية التاريخية لألمانيا لا يمكن أن تتمثل سوى في دعم إعادة بناء الحياة اليهودية في ألمانيا وإسرائيل. وبفضل هدية الصداقة من إسرائيل – وبعودة هوركهايمر وأدورنو إلى الجامعة – نالت ألمانيا ومؤسساتها الأكاديمية فرصة تاريخية ثانية على المسرح الدولي. أمّا مبدأ المستشارة السابقة أنجيلا ميركل القائل بأنّ ضمان أمن إسرائيل جزءٌ من «علّة وجود الدولة» الألمانية (Staatsräson)، فيُعبّر عن الدور الجوهري لإسرائيل في تمكين هوية الجمهورية الاتحادية واستقرارها.
«دراسة سوسيولوجية عن الوعي السياسي لطلبة فرانكفورت»
لم يكن معظم هذا البنيان قائماً في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين زرتُ حرم بوكِنهايم القديم لأُجري مقابلة مع المدير السابق لمعهد الأبحاث الاجتماعية، لودفيغ فون فريديبورغ (1923–2010)، خلال عملي على أطروحة الدكتوراه. كان فون فريديبورغ قائد غوّاصة ألمانية وابن قائد البحرية الألمانية إبّان الحرب، وقد أخبرني أنّه انجذب لاحقاً إلى البحث الاجتماعي النقدي لفهم تجربته الذاتية. سافرت إلى فرانكفورت لأتحدّث معه حول كتاب شارك في تأليفه مع يورغن هابرماس وآخرين عام 1961 بعنوان الطلبة والسياسة (Student und Politik)، وهو دراسة واصلت المسار البحثي التجريبي الذي بدأه الجيل الأول من المُنظّرين النقديين. وكان العنوان الفرعي للكتاب هو: دراسة سوسيولوجية عن الوعي السياسي لطلبة فرانكفورت. أجرى المؤلفون سبراً لتوجّهات الطلبة السياسية الديمقراطية، فجاءت نتائجها باعثة على القلق والتفكير. إذ تبين أن غالبية الطلبة الذين وُلدوا خلال الحرب لم يكونوا مُلتزمين التزاماً حقيقياً بالديمقراطية، وأن الباحثين شككوا في استعداد هؤلاء الشباب الألمان الغربيّين للدفاع عن المؤسسات الجمهورية إذا ما صعدت قوى مناهضة للديمقراطية من جديد. وقد لاحظ هابرماس أن كثيراً من الطلبة كانوا يتبنّون آراءً سياسية براغماتية وربما سُلطوية، تخلو من أي «دوافع طوباوية». وخلص فون فريديبورغ إلى أن هؤلاء الشباب لم يستَخلصُوا أي دروس من تجربة بلادهم مع القومية-الاشتراكية (النازية)، بل كانوا أسرى «إكراه الاستهلاك» ومفتونين بـِ«صناعة الثقافة». ومن ثمّ كان من الضروري أن يتبنّى التعليم مقاربة «نقدية»، وهو المشروع الذي حاول فون فريديبورغ تطبيقه عندما تولّى منصب وزير التعليم في ولاية هسّن عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بين عامَي 1969 و1974، فقد أضاف إلى المدارس الثانوية ذات المسار الثلاثي (الأكاديمي والمتوسط والمهني) مدارس ثانوية شاملة.
استند هذا التحليل، بطبيعة الحال، إلى أعمال هوركهايمر وأدورنو، ولا سيما كتابَيهما جدلية التنوير (1944/1947) والشخصية السُلطوية (1950)، وهي دراسة إمبيريقية جماعية بدأها أدورنو في جامعة كاليفورنيا- بركلي، ضمن مشروع «دراسات في التحيّز». وقد شغل هاجس النزعة السلطوية في ألمانيا الغربية كلاً من هابرماس – الذي أصبح مساعداً لأدورنو في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين – وفون فريديبورغ وزملائهما، وهي قضية سبق أن أبرزها عضو آخر سابق في المعهد، فرانتس ل. نيومان (1900–1954) في كتابه الدولة الديمقراطية والدولة السُلطوية (1957). وقد أثارت موجة من الحوادث المُعادية للسامية في أرجاء ألمانيا الغربية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة عام 1959، فضلاً عن تزايد شعبية السياسة اليمينية المتطرّفة، حميّة أدورن؛ فخرج عبر الإذاعة في ذلك العام ليشرح للمُستمعين «معنى أن نعمل على تجاوز الماضي»، مندّداً بالرغبة العامة في طيّ صفحة التاريخ القريب أو «وضع خطٍّ تحته» على حد تعبير الألمان. ومن خلال التذكير بأنّ «القوميّة-الاشتراكية ما زالت حيّة»، جادل أدورنو بأن «النهوضات الفاشية المُقنّعة ستجلب الحرب والمعاناة والحرمان تحت نظام قمعي» ما لم تُواجَه القوى الكامنة خلف النازية. ثم توسّع في هذه الموضوعات بعد ست سنوات في محاضرة إذاعية أُخرى بعنوان «التعليم بعد أوشفيتز». وقد غدت هذه النصوص مرجعية كلاسيكية في الجمهورية الاتحادية، حيث أسهمت على مدى عقود في تشكيل برامج (إعادة) التعليم الهادفة إلى تحصين الشباب الألمان ضد النازية.
جدلية (إعادة) التعليم
تذكّرت هذه المقالات وأنا أنتظر زملائي عند نُصب أدورنو، الذي أصبح الموقع المفضّل للقاءات الجامعية. وقد تناثرت فوق مكتبه المحفوظ داخل صندوق زجاجي في تمثيلٍ للانكباب على العمل، وكأن الفيلسوف قد غادر مكتبه لبرهة إلى مطعم شتورم أوند درانغ القريب. تساءلتُ: ماذا كان سيقول لي أدورنو لو كان يجلس هناك الآن؟ كيف كان سيُقيّم ردود فعل الدولة والجامعات الألمانية على احتجاجات الطلبة المؤيدة لفلسطين، المتواصلة منذ أواخر عام 2023، في ضوء ازدواجيته تجاه حركة الطلبة في أواخر ستّينيات القرن العشرين؟ ماذا كان سيقول عن تدمير إسرائيل لغزة، وعن مبدأ «مبرر الدولة» لدى الحكومة الألمانية، أي دعمها غير المشروط تقريباً لإسرائيل؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، التي يطرحها كثيرون اليوم، علينا أن نعود إلى نص «التعليم بعد أوشفيتز».
بطبيعة الحال، يبدو أن جزءاً مُعتبراً من النص أصبح مُتقادماً اليوم، بسبب اعتماده الكثيف على كتاب فرويد قلق في الحضارة لتفسير تراكم الإحباط المجتمعي بوصفه مصدر الإمكانية الفاشية، وهو ما يكشف عن نفور أدورنو من الفعل الاجتماعي العامّي والغوغائي، إذ كان يرى أن الفلاحين و«الرعاع» من الطبقة العاملة يُمثّلون مشكلة كبرى، حتى أنه دعا إلى «نزع البربرية عن الريف». في الوقت نفسه، ظلّت كثير من أفكار النص نابضة بالحياة ومُفعمة بالبصيرة. فعلى الرغم من أن أدورنو أكد فرادة الهولوكوست كحدث تاريخي وأخلاقي لا نظير له، لكنه في الوقت نفسه لاحظ أن البربرية – وهو المصطلح العتيق الذي استعمله في إحالة إلى سؤال روزا لوكسمبورغ الشهير، الذي وجهته إلى الأوروبيين عام 1915: الاشتراكية أم البربرية؟ – كانت أوسع نطاقاً من أوشفيتز. إذ أن كمونها – أي البربرية – جوهري في الحضارة البرجوازية ذاتها، ومن هنا جاءت جدلية التنوير. يُشير أدورنو في المقالة إلى أن القنبلة الذرية «تنتمي إلى السياق التاريخي نفسه للإبادة الجماعية»، وأن هذه الأخيرة «متجذّرة في بعث القومية العدوانية التي نمت في كثير من البلدان منذ أواخر القرن التاسع عشر». وفي محاضراته في العام السابق (الميتافيزيقا: المفهوم والإشكاليات) أدرج أدورنو فيتنام ضمن هذا الإطار، ورأى أنهما معاً (القنبلة والعدوان على فيتنام) يشكّلان «وحدة جهنّمية». منطقياً إذن، لم تكن معاداة السامية مجرد تحيزٍ واحدٍ، بل ارتبطت بما سمّاه هو وهوركهايمر «تفكير التَذكَرَة»، بما يعني أنها مقترنة ببُغض جماعات أُخرى. وكما كتبا في جدلية التنوير، فالضحايا ليسوا قابلين للاستبدال فحسب، بل يمكن أن يتحولوا إلى جلاّدين أيضاً متى شعروا أنهم يُمثّلون المعايير السائدة ويستطيعون فرضها.
«إن عمى معاداة السامية، وافتقارها إلى القصد الواعي، يُضفي قدراً من الصدق على تفسير هذه الحركة بوصفها صمّاماً لتنفيس الغضب. الذي يُفرَّغ على من هم ظاهرون وعُزّل. وكما أن الضحايا قابلون للاستبدال بحسب التشكيلة: مشرّدون، يهود، بروتستانت، كاثوليك، كذلك يمكن لأي منهم أن يحلّ محل القاتل، في الشهوة العمياء نفسها للقتل، متى ما شعر بالقدرة على تمثيل المعيار».
بتفكيره على منوال صديقه فالتر بنيامين، فهم أدورنو البربريّة النازية على أنها مُنبثقة من النظام ككل -كجزء من كارثة تاريخية واحدة- تجلّت في صور متعدّدة. وبهذا المعنى الحاسم، يختلف أدورنو عن الرأي الألماني السائد الذي يرى في المحرقة النازية جريمة مضادة للتنوير، مدفوعة فقط بمعاداة السامية – أو بـِ«انقطاعة حضارية» كما كتب دان دينر- الأمر الذي يُفهم منه أن الدرس الأساسي الواجب تعلّمه من إبادة النازيين هو محاربة معاداة السامية وحدها. من هذا المنظور، فإن إدراج فكر أدورنو ضمن أيديولوجية ألمانيا السائدة بخصوص استثنائية المحرقة النازية لا يُنصف تعقيد موقفه ولا راهنيته المُلحّة اليوم.
أمرٌ قطعي جديد
في كتابه الجدليّة السلبية، الصادر عام 1966، أعلن أدورنو عن «أمر قطعي جديد»: داعياً الناس إلى «تكييف أفكارهم وأفعالهم على نحو يحول دون تكرار أوشفيتز، أو حصول ما يشبهه» ولم يكن يُشير إلى المحرقة النازية وحدها، بل إلى النظام الذي يُنتج «معسكرات الاعتقال» و«التعذيب بوصفهما مؤسسات مستدامة»، كما قال لطلَبته في محاضراته قبلها بعام. وقد واصل هذا النظام إنتاج معسكرات الاعتقال ومؤسسات التعذيب المستمر منذ ذلك الحين – في أماكن مثل أبو غريب، وشينجيانغ، ودارفور، وغزة اليوم. هذه الرؤية، التي توسّع فيها مُنظّرون مثل زيغمونت باومان، ألهمت جوناثان غليزر لإخراج فيلم منطقة الاهتمام، بما فيه من تصوير صادم للتجاهل المُتعمّد الذي سمح لأوشفيتز بالحدوث.
لم يكن أدورنو يتوهّم بأن التعليم قادر على تغيير الظروف المادية التي أدت إلى أوشفيتز وهيروشيما وفيتنام، لكنه كان يأمل بأن يُساعد الألمان، على الأقل، في مقاومة أي أوامر بربرية تصدر عن رؤسائهم. وعلى الرغم من رفضه لِـ«النَفسنة» (أي نزعة التفسير النفسي للأمور)، إلا أنه رأى أن تعليماً سليماً بعد أوشفيتز يُمكن أن يرسخ «تأملاً نقدياً للذات»، كعلاج مضاد للنُزعات السُلطوية في البُنى الشخصية للألمان. وقد شدّد على «البرود» باعتباره سمة عامة للمجتمعات البرجوازية، لكنها سمة أشدّ وضوحاً في ألمانيا؛ تلك اللامبالاة بمصير الآخرين، التي لولاها لما أمكن لأشفيتز أن يقع. وعلى غرار ألكسندر ومارغريت ميشرليش في كتابهما الشهير العجز عن الحِداد (1967)، لفت أدورنو الانتباه إلى جوانب أُخرى من بُنية هذه الشخصية، وفي مقدمتها المُثل الثقافية لـِ«الصلابة» و«الفحولة» المُتجسدة فيما سمّاه «الشخصية المُتلاعبة»، التي يدفعها هوس التنظيم، في مواجهة ضرورات الواقعية السياسية الرهيبة، إلى تنفيذ مشاريع إبادة جماعية. ورأى أن المَيل إلى «القضاء على الآخرين» بلا رحمة من أخطر سمات هذه الفئة التي كانت شائعة الانتشار في ألمانيا الغربية.
أمّا «المقاومة» الضرورية – وهو المصطلح الذي استعمله أدورنو في مقاله – تجاه هذه المعايير الثقافية فكانت تقتضي إخضاعها لما سمّاه «المعالجة النقدية». وهنا خص بالذكر «مفهوم علّة وجود الدولة المُعتَبر» لما ينطوي عليه من إمكانات بربريّة، إذ رأى أن هذا المفهوم الذي « يضع حق الدولة فوق حقوق أعضائها»، يمتلك القدرة على جعل «الرعب» واقعاً. والخلاصة: إن تدريب الأفراد على مقاومة «علّة وجود الدولة» كان جزءاً جوهرياً من أي تعليم مُلائم بعد أوشفيتز. ربما تأثّر أدورنو في استنتاجه هذا بإليانوره شتيرلِنغ (المولودة باسم أوبنهايمر في هايدلبرغ عام 1925، والمتوفاة عن ثلاثة وأربعين عاماً في 1968)، التي انتقدت في مقالة نشرتها في دي تسايت عام 1967 الرأي المُتنامي القائل إن معاداة السامية قد اختفت. فاستناداً إلى استطلاعات «التجربة الجماعية» التي أجراها معهد الأبحاث الاجتماعية بين 1950 و1951، لاحظت شتيرلينغ الإمكانات المُعادية للديمقراطية نفسها التي كان هابرماس وفون فريديبورغ قد رصداها في كتاب الطلبة والسياسة. وبما أنّ جيران البلاد رأوا الإمكان ذاته، فقد جادلت شتيرلينغ بأن الجمهورية الاتحادية مُلزمة بإثبات «ديمقراطيتها وإنسانيتها» عبر اتخاذ «رموز ومحاكيات». وكان لليهود دور مهم في هذا السياق: «ينطبق هذا… أيضاً على مُحاباة السامية التي يُروّج لها بنشاط في الجمهورية الاتحادية. فهي في الحقيقة لا تتعلّق باليهود بقدر ما تتعلق بمبرر الدولة والسياسة الخارجية»، وبالنسبة إلى شتيرلينغ أيضاً، كانت «علّة وجود الدولة» مدفوعة بالمصالح الألمانية أكثر من انشغالها برفاه اليهود.
«لن يتكرّر أبداً»: البربرية الألمانية المتحضّرة
الآن، وقد بات مشهد التدمير الإبادي الإسرائيلي لغزة يواجه ألمانيا – كما تشهد على ذلك منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، بل وحتى كُتّاب صهاينة متشدّدون مثل ديفيد غروسمان، ناهيك عن عدد لا يُحصى من الأكاديميين والمنظّمات الحقوقية قبلهم – يُطرح السؤال: ماذا يُمكن لمقالة أدورنو أن تُعلِّم قادة البلد؟ أخصُّ بالذكر الطبقة السياسية، إذ بينما تبلغ نسبة معارضة الحملة الإبادية 80 بالمئة بين المواطنين والمواطنات الألمان، تواصل الحكومة الألمانية، مدعومةً بقطاعات واسعة من الصحافة والوسطَين الثقافي والأكاديمي، إرسال الأسلحة إلى إسرائيل وتقديم الدعم الدبلوماسي لها، رغم – بل وربما بسبب – الإجراءات القضائية الدولية المتعلقة بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ومن دون هذا الدعم ما كان لإسرائيل أن تشنّ حربها الإبادية. وبذلك القدر، هي مشروع أميركي وألماني أيضاً. وما تزال الحملة الإبادية مستمرة، على الرغم من القلق المتزايد في ألمانيا إزاء حملة التجويع التي تُنفّذها إسرائيل، ورغم التعليق المحدود الذي فرضته الحكومة الألمانية على شحنات الأسلحة في مطلع آب (أغسطس) 2025. وكما في السابق، يواصل المسؤولون الحكوميون على مختلف المستويات قمع المعارضة الشعبية لهذه السياسات بذريعة التصدّي لدعم حركة حماس، وباسم «عُلة وجود الدولة».
والواقع أنّ المشكلات التي شخصها أدورنو قبل أكثر من خمسين عاماً ليست حاضرة اليوم فحسب، بل نُقلت، في جدلية ملتوية، إلى الحاضر عبر سياسة رسمية للذاكرة تزعم تمثيل الدروس التي لقّنها: «لن يتكرّر أوشفيتز أبداً». غير أنّ الاستمراريات لا يمكن إغفالها: كالبرود الصادم للنُخب الألمانية المسيحية إزاء معاناة الفلسطينيين؛ والتكرار غير النقديّ، بل المُبالَغ فيه، لسرديات الحكومة الإسرائيلية في الإعلام الألماني السائد – رغم بعض الاستثناءات – والدعوات إلى إجراءات عسكرية قاسية لدعم تدمير غزة، بصرف النظر عن الاعتبارات الإنسانية. وتتجسّد هذه المواقف في خطاب مُرعب لوزيرة الخارجية السابقة أنالينا بيربوك بتاريخ 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، إذ برّرت قتل المدنيين الفلسطينيين بترديد ذرائع إسرائيلية واهية، قائلةً: «… لقد أوضحنا مراراً وتكراراً أنّ الدفاع عن النفس يعني، بطبيعة الحال، ليس فقط مهاجمة الإرهابيين، بل القضاء عليهم أيضاً. وأنّه عندما يختبئ إرهابيو حماس خلف الناس، خلف المدارس، فإننا نخوض مياهاً عكرة للغاية. لكننا لا نتراجع أمام ذلك. ولذلك أوضحتُ في الأمم المتحدة أنّ المواقع المدنية قد تفقد وضعها المحمي إذا أساء الإرهابيون استخدامها. هذا هو موقف ألمانيا، وهذا ما نعنيه حين نُشير إلى أمن إسرائيل».
إنّ مزيج البرود والاستعلاء الأخلاقي – أي الحفاظ على المظاهر اللائقة وسط القسوة – يُجسّد نمطاً ألمانياً مميّزاً. فبالنسبة إلى بيربوك وسائر الطبقة السياسية الألمانية، يُمثّل إنجاز «علّة وجود الدولة» بهذه الطريقة صفحة مجدٍ في التاريخ الألماني.
ويمكن أيضاً تلمّس «تفكير التذكرة»، القائم على جمع الأعداء في خانة واحدة، والذي يربط بين ناشطي «الوعي التقدمي» و«ما بعد الاستعمار» و«البيئة» والمُتظاهرين من أجل فلسطين، بوصفهم عدواً داخلياً مشتركاً يتجسّد في شخص غريتا تونبرغ، التي ظلّت شخصية محبوبة إلى أن ربطت الخيوط المادية بين الصناعة الألمانية وأزمة المناخ وفلسطين. عندها بدأت حملةُ شيطَنتها في الصحافة الألمانية، ولا سيما عبر مقالة تشهيرية نُشرت في مجلة دير شبيغل في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، كاشفةً عن قُبح ديماغوجي صارخ.
وأخيراً، هناك جهاز شرطة برلين الذي أبرز نفسه باعتماد عُنف مُفرط وغير مبرر. فقد انتشرت على نطاق واسع مقاطع مصوَّرة صادمة تُظهر عناصره وهم يضربون رؤوس مُتظاهرين سلميّين – بمن فيهم نساء وأطفال – ويقتادونهم قسراً إلى صفوف من العربات المُنتظرة. ولو وقعت مثل هذه المشاهد في مينسك أو بكّين، لأدانتها السُلطات الألمانية، عن حق، بوصفها سُلطوية ومُعادية للديمقراطية. لكن، عوضاً عن ذلك، أشادت الصحافة الألمانية بالشرطة، مُعتبرةً إياها ضحيةً لمُتظاهرين مُتعصِّبين.
وقد أُضفيت الشرعية على هذه التجاوزات عبر سياسة ذاكرة مُتمركزة حول الدولة، ومُشبعة بتمجيد الذات، وهي سياسة تبلوَرَت خلال العقدَين الماضيَين تحت راية ما يُسمّى «ثقافة الذاكرة الإنسانية»؛ تتعامل هذه السياسة مع أيّ احتجاج على السلوك العسكري الإسرائيلي بوصفه تعبيراً عن «كراهية» يجب التصدّي لها تحت الشعار المُحوَّر: «لن يتكرر أبداً—الآن». وهكذا، تبدو السُلطات الألمانية، شأنها شأن نظيرتها الإسرائيلية، وكأنها ترى في الحركة الاحتجاجية المُناهضة للإبادة حملةً إبادية ضد اليهود في كل مكان، فهي ما تزال تفكّر ضمن تصنيفات فولكِش-إثنيّة. وسواء أكان هذا الاعتقاد صادقاً أم ذريعة للهجوم على المُهاجرين المُسلمين، فإن الأثر القمعي يبقى واحداً. وبهذا الاستخدام المقلوب لمقولة أدورنو «لن يتكرر أوشفيتز أبداً»، تتحول العبارة إلى نقيض ما أراده صاحبها: أداة في خدمة «علّة وجود الدولة» بدل أن تكون وسيلة لمقاومتها.
نظام معياري أكثر مما ينبغي
ولعل من أبرز المؤشّرات على هذه المشكلة هو مركز دراسات النُظم المعيارية في جامعة غوته بفرانكفورت. فقد أصدر أربعة من أعضائه، من بينهم يورغن هابرماس، بياناً في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 بعنوان «مبادئ التضامن»، دافعوا فيه عن الهجوم الإسرائيلي على غزة باعتباره «مُبرَّراً من حيث المبدأ»، وشجبوا الحوادث المُعادية للسامية في ألمانيا. غير أنّ امتناعهم عن نقد قمع المُتظاهرين وحملة القصف المُفرط التي شنّها الجيش الإسرائيلي، أعاد إلى الأذهان هواجس كتاب الطلبة والسياسة بشأن الطلبة السُلطويين والمُعادين للسامية، في إيحاء منهم بأنّ مُتظاهري اليوم ليسوا سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المُحرِّضين المُعادين للسامية. وقد يُقال إنّ بيانهم كان مفهوماً في ضوء فظائع حماس، والخوف الذي عبّر عنه عدد كبير من اليهود بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ولأن الاستراتيجية الإسرائيلية لم تكن قد اتضحت لكثيرين في تلك المرحلة المبكِّرة، أي بعد خمسة أسابيع فقط. لكن، حتى وفقاً لهذا التفسير المُتساهل، تبقى المشكلة في الصمت المدوي منذ ذلك الحين؛ فكما ترتكب الخطايا بالفعل المباشر، هناك أيضاً خطايا ترتكب بالامتناع. ولم يصدر عن هؤلاء الباحثين أي بيان مماثل بشأن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، رغم أن قواتها قتلت ما لا يقل عن ستّين ضعفاً من المدنيين الذين قتلتهم حماس، واستقطبت بذلك انتباه المحاكم الدولية والمنظّمات الحقوقية. وكان لافتاً أن هابرماس، الذي عبّر صراحة عن تحفظه إزاء إعادة عسكرة ألمانيا رداً على الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا، لم يُدلِ بأي تصريح عن الدعم العسكري الألماني لإسرائيل.
علاوة على ذلك، كانت أشد موجات القصف الإسرائيلي قد وقعت قبل صدور بيان «مبادئ التضامن»، فجاء الردّ النقدي من أكاديميين وأكاديميات ألمان (وكنتُ أحد الموقّعين) ليكشف سريعاً الطابع التوظيفي والقمعي والعنصري لاستدعاء تهمة معاداة السامية في مواجهة الاحتجاجات المُناهضة للإبادة. ومنذ ذلك الحين، بدا في نظر هابرماس وزملائه أنّ نية الإبادة لا تُنسب إلا إلى حماس، بينما يُوصَف سلوك إسرائيل، في أسوأ الأحوال، بأنه «غير متّسق مع القانون الدولي»، على حد تعبير نيكول دايتلهوف، أستاذة دراسات السلام في فرانكفورت وإحدى الموقِّعات على البيان، في مقابلة بتاريخ 13 تموز (يوليو) 2025. وهو ما يُعدّ تطبيقاً مُتساهلاً على نحو لافت للمعايير القيَمية، لا سيما أن منظّمات إسرائيلية غير حكومية أصدرت بعد أسبوعين فقط تقارير تتحدث عن الإبادة في غزة، وذلك عقب أشهُر من تحذيرات مسؤولي الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية غير الحكومية، وأعداد متزايدة من الباحثين والباحثات في دراسات الإبادة، داخل إسرائيل وخارجها.
إن تمسُّك النخبة الفكرية والسياسية الألمانية اللا-نقدي بمفهوم أمن إسرائيل الدائم يقوّض الأُسس التي قام عليها النظام المعياري للجمهورية الاتحادية؛ الأُسس التي بناها أسلافُهم بشقّ الأنفُس: دولة القانون، والقانون الدولي، والنظام الدولي القائم على القواعد.
في المقابل، استخلص منظّرون نقديون آخرون دروساً مختلفة، فسارعوا إلى الاعتراض على بيان مركز دراسات النظُم المعيارية، مُصرّين على التضامن المُتكافئ مع السكّان المدنيين الفلسطينيين. وكذلك فعل ناشطو وناشِطات جامعة غوته، الذين نظّموا حلقة دراسية خاصة بهم في الفصل الصيفي لعام 2025 لتثقيف أنفسهم، لأن أساتذتهم – كما أخبروني – لم يُقدّموا لهم درووساً تُعينهم على فهم الهمجية التي يشاهدونها يومياً على شاشات هواتفهم؛ «الإبادة المنقولة في بث حي»، حيث يُقتَل يومياً من الأطفال ما يكفي لملء صفٍ دراسي كامل. سألوني إن كنتُ أستطيع تقديم جلسة حول مفهوم الإبادة، فوافقتُ على الفور، والتقيتُ بنحو أربعين طالباً وطالبة متحمّسين لمناقشة النصوص والقضايا. ومع أني خرجتُ من القاعة مبهوراً بتفاعُلهم، لكني كنت مثقلاً بالإحباط من جامعةٍ تسوّق نفسها بوصفها موطن النظرية النقدية، بينما لا تملك ما تُقدّمه فعلياً في هذا المجال، لانشغال قادتها – كما وصف أدورنو نُخب ألمانيا في «التعليم بعد أوشفيتز» – بـ«القلق من إثارة استياء بعض السُلطات».
والمغزى ليس أنّ المُتظاهرين الألمان من الطلبة على صواب في كل ما يقولونه؛ فأنا أُخالف بعض الآراء التي عبّروا عنها. وينطبق الأمر نفسه، بالطبع، على طلبة 1968 الذين واجه بعضهم أدورنو لرفضه حماسهم الثوري وشعورهم بأنه لا يُمارس ما يعظُ به – بل إن أقلّية صغيرة منهم انزلقت نحو الإرهاب – لكن، في المجمل، كانوا مُحقِّين في معارضة حرب فيتنام، وفي رفض السُلطوية والوحشية التي مارسها جهاز الشرطة، والرقابة الحكومية، وتواطؤ الصحافة اليمينية التي حرّضت على العنف ضد مُعارضي «علّة وجود الدولة» آنذاك. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، كانوا قد أنجزوا ما سمّاه هابرماس بتفاؤل «اللَبرلَة الأساسية» للجمهورية الاتحادية.
المغزى هو أنّ الطلبة الذين يشهدون اليوم على المعاناة الهائلة للفلسطينيين في غزة، إنما يشيرون إلى جريمة لا تكتفي النُخب الألمانية بالتعامي عنها فحسب، بل تتعمّد إنكارها: جريمة الاحتلال الاستعماري المستمر، بما ينطوي عليه من استغلال وتهجير وإبادة عاناها غيرُ الأوروبيين على أيدي الأوروبيين قروناً طويلة. إذ يختزل مفهومُ «الاستعمار الاستيطاني» هذه الرؤية، فيُشير إلى الموت البطيء الناجم عن عنف منخفض الحدّة، في ظِل حُكم استعماري طويل الأمد، ولقد فصل الحكّام الألمان، بدافع نفعي محض، هذا التاريخ العميق عن المحرقة النازية ليبتكروا شرّاً مُغايراً تماماً وأعظم شأناً: المحرقة النازية بوصفها جريمة كراهية كبرى ناجمة حصراً عن تحيّز استثنائي هو معاداة السامية. إنّها الإبادة «المُطلقة»، كما يُصرّ دان دينر، الذي اقترح في كتابه ذكريات متعارضة (2007) لاهوتاً سياسياً للغرب العلماني، معتبراً أن المحرقة النازية أصبحت مصدر المقدّس في أوروبا بعد تقويض التنوير. غير أنّ مثل هذه التبريرات لتفوُّق الغرب تنهار إذا ما نُظِر إلى المحرقة النازية بوصفها تجسيداً محدداً للتوسُّع الإمبريالي الدموي، على نحو الذي طرحه رافاييل لِمكين في كتابه حُكم المحور في أوروبا المُحتلّة (1944)، حيث صاغ فيه لأول مرّة مصطلح الجينوسايد.
وللحفاظ على تراتبية الشر، لجأت النُخب الثقافية الألمانية، ومعها الأكاديميون المتواطئون، إلى شَيطَنة فكر «ما بعد الاستعمار» باعتباره دعاية إرهابية، بدلاً من مواجهة السياق التاريخي الذي مهّد لهجوم حماس الدموي في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وقد تصدّر دان دينر هذا الخط من الجدل، زاعماً أنّ فكر «ما بعد الاستعمار» يعود في أصله إلى حركة التحرُّر الوطني المُناهضة للاستعمار في الهند، ذات الميول المؤيّدة للنازية. وبالفعل، استضافه مركز دراسات النظُم المعيارية في تموز (يوليو) 2024 ضمن سلسلة «مدرسة فرانكفورت» ليتحدّث عن معنى الاستعمار: النظرية النقدية بوصفها تناقضاً في المصطلح.
«لا يفعلون شيئاً سوى الصراخ»
يتجلّى الصدام حول مفاهيم الشرّ بأوضح صوره في الحُرم الجامعية، حيث تُستفَزّ الحساسيات البرجوازية الهشّة من هتافات المُتظاهرين ومُطلَقيّتها؛ فيتذمّر البرجوازيون الأخيار: «إنهم لا يفعلون شيئاً سوى الصراخ»، لكنّي أتساءل: ما الذي يُعدّ، برأيهم، ردّاً «صحّياً» على الإجرام المستمر في غزة؟ ومهما تكن التسمية الأدق للقتل الجماعي المنظّم، فإنّ معارضة دعمِ حكومتهم له، في ضوء التاريخ الألماني، ليست سوى درسٍ تلقّاه المُتظاهرون في المدرسة، ويسميه الأساتذة بـ«الشجاعة المدنية».
غير أنّ سوء الفهم الألماني لمقال أدورنو «التعليم بعد أوشفيتز» لا يكشف عن الغياب الفاضح للشجاعة المدنية في الفشل بالدفاع عن المُتظاهرين وحقوقهم السياسية الأساسية فحسب، بل أيضاً عن تجنيد السياسيين والصحافة لطاقاتٍ اجتماعية هائجة ضدّهم باسم «الشجاعة المدنية». فالمواطن الألماني بعد المحرقة يُطبِّق «علّة وجود الدولة» كما لو كان يسنُّ القانون لنفسه، مُستشعراً من جديد «قوّة تمثيل المعيار» بالطريقة المروّعة التي حذّر منها هوركهايمر وأدورنو عام 1944. أمّا صحيفة بيلد الصفراء، فتُشهِّر بالأكاديميين المُدافعين عن حق الطلبة في التظاهُر، واصفةً إيّاهم بـ«الجناة الجامعيين»، وكأنّهم إرهابيون. وفي الوقت نفسه، يُخطِّط السياسيون لمعاقبتهم، مُعتبرين الجامعات بؤراً لتفريخ «كراهية إسرائيل»، رغم أن الدراسات تُظهِر أنها من أقل البيئات معاداة للسامية في ألمانيا. وبدلاً من مواجهة هذه القضايا – أو حتى الجُرأة على مناقشتها – تحوّلت إدارات الجامعات إلى ثلّة من الجلّادين المنفذين، طوعاً أو اضطراراً، لـ«علّة وجود الدولة». فقد ألغت كلّ من جامعة ميونيخ والجامعة الحرّة في برلين فعّاليات كان من المقرّر أن تستضيف المُقرِّرة الخاصة للأُمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي؛ وفي الحالة الأخيرة بعد تهديد علَني من عمدة برلين. وهذان مثالان فقط من بين عشراتِ حالات الإلغاء أو التهميش التي طالت أكاديميين محلّيين وأجانب، من بينهم يهود، وثّقها «أرشيف الصمت».
ماذا كان أدورنو سيفعل حيال كلّ هذا؟ على الأرجح، كان سيبقى متردّداً؛ فمع أنّه لم يكن مرتاحاً لتآكُل الحرّية الأكاديمية، فإنّ نفوره المهني من «الغوغاء» – وهو شعور شاركه فيه باحثون مُهاجرون آخرون مثل حنّة آرنت – كان سيدفعه إلى إظهار قدر من التفهُّم للسُلطات. فهو، في نهاية المطاف، من طلب من فون فريديبورغ استدعاء الشرطة حين احتلّ الطلبة المعهد مطلع عام 1969. ومع أنّه لم يزُر إسرائيل قط، رغم الدعوات المتكرّرة من غيرشوم شولِم، لكنه أبدى قلقه على مصيرها خلال حرب 1967، كما أيّد فكرة قيام دولة يهودية بعد المحرقة النازية، ولم يُظهِر كذلك اهتمامًا يُذكر بالدراما الكبرى لعملية تفكيك الاستعمار داخل الإمبراطوريات الأوروبية العالمية، ناهيك عن منظّريها أمثال فرانز فانون؛ إذ امتلك، على حد وصف المؤرّخ مارتن جاي، «وعياً لا-استعماريّاً». وعلى عكس ما قد يؤمَل، لا شيء يوحي بأنّه كان سيعترف بحقوق الفلسطينيين.
أمّا الروح الحيّة اليوم، فهي أقرب إلى زميل سابق آخر في المعهد، هو هربرت ماركوزه، الذي كان مُقيماً آنذاك في كاليفورنيا. تتجلّى هذه الروح في أعضاء هيئة التدريس الذين وجّهوا الدعوة إلى فرانشيسكا ألبانيزي، وفي الشبكات الأكاديمية شبه السرّية التي تعمل تحت وطأة الرقابة والانتقام، وفي الجيل الجديد من المُنظِّرين النقديين الذين يجترئون على تفسير كل ما يجري بلغة العِرق والاستعمار؛ وبالطبع في الطلبة المُتظاهرين ضد الإبادة الجماعية. هؤلاء، لا هابرماس، هم من يُجسِّدون «النزعات الطوباوية» و«الوعي النقدي» اللذَين كان أدورنو وزملاؤه ينشدونهما لدى الطلبة الألمان عام 1961.
ما غاب عن تلامذة أدورنو الألمان المُضلَّلين هو أنّ فهمَ أُستاذهم للشرّ المُعاصر- المتجلّي في معسكرات الاعتقال والتعذيب المُستمر والإبادة الجماعية – يتوافق بالضبط مع منظورات «ما بعد الاستعمار» التي يُهاجمونها. فقد رأى أدورنو إمكانية الجريمة الجماعية كامنةً في كل إيديولوجيا قومية، وكان ليجد من العبث إعفاء القومية اليهودية، وتطبيقها في غزة، من تحليله. كما كان ليجد علامات البربرية في ألمانيا اليوم واضحة لا تُخطئها العين؛ من تحميل سكّان غزة ذنباً جماعياً، والإنكار الفجّ لوقوع مجاعة منظَّمة هناك؛ إلى عودة مثُل الصلابة العسكرية، وتكاثر الشخصيات الانتهازية، وتمجيد «علّة وجود الدولة» و«السياسة الواقعية»؛ وكذلك هوس السُلطات الألمانية بـ«إنهاء» المُتظاهرين المُناهضين للإبادة عبر إطلاق العنان للشرطة ضدهم، ووصمهم بمُعاداة السامية، والسعي إلى ترحيل غير المواطنين منهم. إنّ ما أقلقَ أدورنو في 1966 ما يزال حاضراً في 2025، لكنّه يُبرَّر اليوم من خلال استغلال مُحرَّف لمقاله «التعليم بعد أوشفيتز».
«التعليم بعد غزة» في ألمانيا؟
اقتضت مهمة أدورنو، كما وصفتها حنّة آرنت، مواجهة «شمولية الانهيار الأخلاقي» تحت النازية، أي تورّط كلّ مؤسسة ألمانية تقريباً في الجريمة الجماعية. ومن دون الوقوع في فخّ مساواة الحالتَين، فإنّ مهمّتنا اليوم هي التساؤل عن معنى «التعليم بعد غزة» في ضوء الانهيار الأخلاقي لألمانيا الرسمية إزاء الحملة الإبادية الإسرائيلية هناك، وسياسة التطهير العرقي في الضفة الغربية. ويتطلّب إدراك هذا الواجب مُساءلة الكيفية التي طُبّق بها «التعليم بعد أوشفيتز» منذ خطاب أدورنو الإذاعي عام 1966، ولا سيما كيف تحوّل شعار «لن يتكرّر أبداً» إلى إذنٍ مفتوح لعنف الدولة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. فـ«التعليم بعد غزة» يعني التطبيق الصحيح، ولكنه يعني أيضاً تجاوز «التعليم بعد أوشفيتز».
كتب أدورنو في مقاله الشهير: «لا أستطيع أن أفترض لنفسي رسمَ خُطة لمثل هذا التعليم ولو في خطوطها العريضة»، لكنّه أضاف أنّه يستطيع «الإشارة إلى بعض مراكزه العصبية». وبينما أتأمّل اليوم مسألة «التعليم بعد غزة»، شاهدتُ أحد هذه المراكز على شاشة التلفزيون؛ اللاهوتي والرئيس الألماني السابق يواخيم غاوك، وهو يُجهش بالبكاء في برنامج لانز بتاريخ 24 تموز (يوليو) 2025، عند عرض صور المجاعة المنظّمة في غزة. غير أن المفارقة كانت أنّ دموعه انهمرت على إسرائيل المثالية التي تراءى له أنها نبذَته، لا على عشرات آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين قتلتهم، ولا على عشرات الآلاف الآخرين الذين شوَّهتهم للأبد. لقد بكى من أجل إسرائيل، ومن أجل جراحه العاطفية، لا من أجل معاناة مليونَي مدني. فإسرائيل هذه عجزت عن أداء دورها في تبرئة الألمان من المحرقة النازية عبر هبة الصداقة، لأنّ اليهود لا يمكنهم أداء هذه التبرءة إلّا بصفتهم ضحايا فاضلين، لا جُناة فاعلين. وإذا كان ثمّة حدث يكشف الانحراف العاطفي في «ثقافة التذكُّر» و«علة وجود الدولة» في ألمانيا اليوم، فهو هذا بعينه.
مركزٌ عصبيٌّ آخر يتمثّل في الدور الذي أدّته «الحضارة الغربية»، التي سمحت لألمانيا بالعودة إلى صفوفها بعد المحرقة النازية عبر تحمُّل عبء الذاكرة وإقامة شراكة عسكرية وأمنية وثيقة مع إسرائيل. غير أن لهذه الحضارة بُعداً عنصرياً، كما عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مُخاطباً «أصدقاءنا في العالم المُستنير» في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بقوله: «إنها معركة بين أبناء النور وأبناء الظلام، بين الإنسانية وقانون الغاب» أي بين المُتحضّرين والهمَج، وهي ثُنائية مُشفَّرة ضمناً، ولكن دوماً، بوصفها مواجهةً بين البيض وغير البيض.
تبقى ألمانيا جزءاً من هذه الثنائية ما دامت تدعم إسرائيل بلا شروط، إذ إنّ «علّة وجود الدولة» يُمثّل بطاقة دخولها إلى الغرب، كما أدركت إلينور شتيرلينغ قبل ستة عقود. وهكذا تنقل ألمانيا عنصريتها التقليدية باسم الأُمّة الأوروبية البيضاء، ولكن هذه المرّة بضمير مرتاح: من خلال إدانة المُهاجِرين بسبب تعاطفهم مع الفلسطينيين. ويُجسّد يواخيم غاوك هذه الذهنية في كتابه الصادر في 2023 بعنوان صدمات: ما الذي يُهدّد ديمقراطيتنا من الداخل والخارج، حيث يُهاجم التربية المُناهضة للعنصرية وفكر «ما بعد الاستعمار».
كما سار عالم الاجتماع الألماني ولفغانغ إسباخ على هذا المنوال عندما أعلن عن «فشل اندماج» المُهاجرين بعدما احتفل بعضهم في برلين، على ما يُزعم، بفظائع حماس في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وقال إن «جعلهم متحضِّرين أمر صعب». وحين سألته إن كان الموت بوسائل مُتحضّرة (القنابل الإسرائيلية) أفضل من الموت بوسائل همجية (فظائع حماس)، دافع إسباخ عن الخيار الأول قائلاً: «يكتب هيغل في مكانٍ ما أنّه مع اختراع البارود اختفى الغضب الفردي في النزاع. لقد جعل البارود من الشجاعة الذهنية الأمر الأساسي. وبهذا أُتيح أن تكون الشجاعة ممكنةً من دون شغف شخصي، إذ إنّ المرء عند استخدام البنادق يُطلق النار في العموم ضد عدو مُجرَّد لا ضد أشخاص بعينهم». وبغضّ النظر عن أن القتل الإسرائيلي لم يكن خالياً من الشغف – فقد أقسم كثيرٌ من الإسرائيليين منذ البداية على الانتقام والثأر بل والتدمير الكامل، ونشروا عدداً لا يُحصى من مقاطع الفيديو على منصّات التواصل يسخرون فيها من ضحاياهم الفلسطينيين – فإن حصيلةُ القتلى حينذاك كانت تُقارب عشرة أضعاف ما وقع في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وهكذا يُصبح العنف المُتحضِّر، الذي هو دائماً أكثر كفاءة وفعّالية واتساعاً، أمراً مقبولاً إذا ما قُدِّم بوصفه وسيلة للقضاء على مصادر العنف الهمَجي، وبذلك يوجَّه مسار التطوّر التاريخي من ظلام الشرق إلى نور الحضارة.
تكشف هذه الحجج والمواقف العاطفية عن عوائق أمام بناء «التعليم بعد غزة» بنجاح. فقد آلت نتائج «التعليم بعد أوشفيتز» في ألمانيا إلى التزام خصوصي أكثر منه التزاماً كونياً بمنع الفظائع (أي الهمجية)؛ لقد تمّ تهميش الروما وغيرهم ممّن استُغلّوا وقُتلوا في أوشفيتز، فلم يشملهم شعار «لن يتكرر أوشفيتز أبداً»، رغم مواقف أدورنو. وقد تمخَّض هذا الخيار عن نشوء «علّة وجود الدولة»، الذي يعني في جوهره أن ألمانيا تسعى، بالأساس، إلى ضمان الأمن الدائم لـ«الشعب اليهودي»، كما يُصاغ في خطابات السياسيين والصحافيين الألمان، سواء كان هذا الشعب داخل ألمانيا أو في إسرائيل أو في العالم أجمع. وكما قالت بيربوك: «علينا أن نفعل كل ما بوسعنا حتى لا يضطرّ اليهود مجدداً للاختباء خوفاً على حياتهم، سواء في إسرائيل أو في أي مكان آخر».
وقد أفضى هذا التفسير الخصوصاني لأدورنو إلى خطاب لا-ليبرالي يصعب التوفيق بينه وبين الروح الأدورنية. فقد كتب شتيفان-أندرياس كاسدورف، رئيس تحرير صحيفة تاغسشبيغل السابق ورئيس مجلس أُمناء جمعية أصدقاء متحف ياد فاشيم الألمانية في القدس، في 13 أيار (مايو) 2023: «إسرائيل وألمانيا مدعوّتان إلى هذا الإيمان، جماعة مصير واحدة، فريدة: شعب الجلّادين ودولة الضحايا، مُرتبطان إلى الأبد» داعياً الألمان إلى الاستمرار في الإيمان بـ«معجزة» بقاء إسرائيل على مدى 75 عاماً، رغم محاولة الحكومة اليمينية المتطرّفة القيام بما يشبه الانقلاب دستوري. وحتى في 18 آب (أغسطس) 2025، وبعد أن صار الإجرام المُتمثِّل في تدمير غزة أمراً مُعتَرفاً به على نطاق واسع ومُقَرّاً به بمرارة، صرّح رئيسا مؤسستَي ألكسندر فون هومبولت وخدمة التبادل الأكاديمي الألمانية قائلَين: «نحن نقف في تضامن لا يتزعزع إلى جانب الدولة والشعب والعِلم في إسرائيل».
أبناء الظلام
على صعيد الممارسة، تستثني النُخبُ الألمانيةُ حمايةَ اليهود المُعارضين للصهيونية أو الما-بعد صهيونيين؛ لأنّ اليهود الصهاينة وحدهم، في نظرها، قادرون على تبرئة الألمان عبر «هبة الصداقة» بين «شعوب» مُتَصوَّرة فولكياً-إثنياً، بما يُعيد تأكيد الهوية الألمانية البيضاء. أمّا الآخرون، فيُبدون تضامناً مع مجتمعات المُهاجرين التي تُجسِّد ملامح قيام ألمانيا ما بعد البَياض. إنّ التضامن والدفء تجاه الإسرائيليين واليهود الصهاينة ذوي التوجُّهات اليمينية اليوم، ولا سيما بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) يُقابلهما برود ولامُبالاة، بل وعداءٌ صريح تجاه الفلسطينيين وغيرهم، بمن فيهم اليهود الذين يُبدون تعاطفاً مع الفلسطينيين.
لنأخذ، على سبيل المثال، المصير المروّع لهند رجب، الطفلة الفلسطينية ذات الخمس سنوات التي مُزِّقت إرباً داخل سيارة بعد أن أطلقت عليها دبّابة إسرائيلية 335 طلقة في 29 كانون الثاني (يناير) 2024 بغزة، رغم اتصالها الهاتفي المذعور الذي توسلت فيه لإنقاذ حياتها. تكاد هند لا تُعرف في ألمانيا، بينما تظلّ آن فرانك أيقونةً للذاكرة بعد عقود أولى من المجهولية؛ فقد عُلِّقت صورتها هذا الصيف على لوحاتٍ إعلانية في أنحاء فرانكفورت للترويج لسلسلة فعّاليات رسمية ترعاها مؤسسة تعليمية تحمل اسمها. أمّا صورة هند فلَم أرَ لها أثراً، لا في المعارض، ولا حتى على المُلصقات الباهتة التي يُلصقها الناشطون على أعمدة الإنارة في المدن الألمانية. بطبيعة الحال، من المُبكِّر جداً توقُّع اعتراف رسمي بها، لكن نداءها الرهيب متاحٌ -نظرياً- للتدريس، والتفريغ الصوتي لمكالمتها متوفّر على يوتيوب، ويُمكن لتلاميذ المدارس الألمانية أن يتعرّفوا على القصّتَين معاً.
إن استحالة هذا الاحتمال لا تعود فقط إلى العنصرية ضد العرب؛ بل هناك سببان آخران؛ الأول: أنّ مقتل هند يُجسّد نوعاً من الشر الذي أفرزه سوءُ استخدام مفهوم «التعليم بعد أوشفيتز» في ألمانيا؛ شرٌّ يطمَس ويُكرر في الوقت نفسه جريمة تقع في سياق انتقام إبادي نمطي متكرّر في تاريخ الحُكم الاستعماري. أمّا مصير آن، في المقابل، فيُمثِّل ذلك الشر الآخر – والأخطَر، بحسب الزعم – المتمثِّل في المحرقة النازية. والسبب الثاني هو حقيقة مروّعة لا يجرؤ أحد على البوح بها؛ فوفقاً لـ«علّة وجود الدولة» الألمانية، تُعدّ هند، شأنها شأن سائر الأطفال الفلسطينيين الذين قد ينجون من الإبادة، تهديداً مُحتمَلاً للشعب اليهودي في المستقبل؛ لأنها، بوصفها فلسطينيّة، تنتمي إلى شعبٍ مُستعمَر يرفض التخلّي عن حقّه في تقرير مصيره.
وفقاً للمنطق الأعوج لـ «علّة وجود الدولة»، إذن، يجب أن تموت هند وأمثالها لسببَين: الأول ألّا يُهدّدوا يوماً ما، في مستقبل مُتخيَّل، أطفالاً مثل آن، فباختفاء الفلسطينيين فقط يُمكن لليهود أن يشعروا بالأمان؛ والثاني أن تكبر آن وأمثالها لتُبرِّئ يوهن وكاترينا وأمثالهم من المحرقة النازية عبر هبة الصداقة؛ أي لتوحيد الدول الإثنية بصورة فريدة ودائمة، كما حثّ كاسدورف. ولا يمكن أن تتحقق هذه التبرئة إذا صُوِّر اليهود أيضاً كجُناة إلى جانب كونهم ضحايا. لذا يُنظر إلى وجود هند في حدّ ذاته كمُهدِّم للشرعية الأخلاقية لإسرائيل كدولة إثنو-قومية يهودية، ومقوِّض لقدرتها على أن تكون وسيلة للكفّارة الألمانية. ولهذا تُعارض الحكومة والشرطة، بل وحتى بعض السياسيين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مبادرات جديرة بالثناء أطلقها بعض رؤساء البلديات الألمانية لاستضافة أطفال فلسطينيين مصدومين بحاجة إلى رعاية؛ فهؤلاء الأطفال يُمثِّلون، في نظر كثيرٍ من اليهود، مخاطر أمنية مُستقبلية، كما يُجسِّدون الخوف من «معكوسيّة الضحية والجلّاد»، تلك الخرافة الألمانية التي تحفظ الثُنائيات الآمنة. وبذلك يُعدّ الفلسطينيون تهديداً سواء أكانوا أمواتاً أم أحياءً، صغاراً أم كباراً، أصحّاء أم مشوّهين؛ ويبقون في نظر كثيرين أبناء الظلام.
استمراريات استعمارية
نظراً إلى أنّ المحرقة النازية قد أصبحت أساساً للأخلاق الغربية – وهو موضوع لمقال آخر – فليس في وِسع القادة الألمان والأوروبيّين الاعتراف بالإنسانية الكاملة لأيّ طرف يرَونه كتهديد لإسرائيل، إذ يُعدُّ نذيراً لأوشفيتز آخر. فبالنسبة إليهم، يُمثل الفلسطينيون احتمالاً نازياً أكبر من الألمان أنفسهم، على الرغم من الدعم الذي يحظى به حزب البديل من أجل ألمانيا. وقد دلّل فريدريش ميرتس على ذلك خلال زيارته إلى البيت الأبيض، حين سُئل عن معاداة السامية في ألمانيا فأجاب بأنها «مستوردة» بواسطة المهاجرين من الشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس تُبرِّر النُخب الغربية تدمير غزة رغم المعارضة الشعبية، فتقمع الاحتجاجات، وتُقيّد حرية التعبير، كل ذلك لضمان ألّا يُهدِّد الفلسطينيون إسرائيل مجدداً، ولمنح اليهود شعوراً بالأمان في أوروبا.
إن الإيماءات الرمزية، مثل الاعتراف بدولة فلسطين أو التقييد لعدد محدود من شحنات السلاح، تهدف قبل كل شيء إلى تجنّب المساس بالاستثمار المادي الضخم للغرب في موقعه الاستراتيجي في الشرق الأوسط، تلك «الطليعة الغربية» كما وصفها مُحرِّر دي فيلت أُلف بوشارت، وفي الوقت نفسه إلى تهدئة الغضب الشعبي. وقد صرح المستشار ميرتس بوضوح دال بأن إسرائيل تقوم بـ«الأعمال القذرة» بالنيابة عن الغرب. كما يشرح الأنثروبولوجي الأُسترالي غسان الحاج فهذا نموذج استعماري كلاسيكي يسمح للمتروبول «النظيف» بأن يُحصّن نفسه من الآثار الملوِّثة للعنف اللازم لقمع المقاومة على أطراف الإمبراطورية المتوسّعة باستمرار. إنه اعتراف جُزئي بالشروط الاستعمارية الكامنة في إمكانية الغرب: أي أن ثروته وقوّته الدولية ليستا سوى ثمرة جزئية لقرون من التوسُّع الإمبريالي. ومن هذا المنظور، فإن التمدُّد الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية – مهما كانت خصوصيات القومية اليهودية – يأتي امتداداً مباشراً لذلك التاريخ. ويستمرّ التعاون الألماني مع الجهازَين العسكري والأمني الإسرائيليَين في جوهره؛ بيعاً وشراءً للتكنولوجيا العسكرية، وتبادُلاً للمعلومات الأمنية. ولا يمكن إدراكُ المعنى الكامل لهذه الأيديولوجيا الحضارية الغربية إلا من خلال «وعي استعماري» في التحليل.
إن أيّ تضمين للوعي الاستعماري في ثقافة الذاكرة الألمانية – حتى لو اقتصر على إدراج إشارات إلى الاستعمار في مواقع التذكُّر في معسكرات الاعتقال – سيصطدم حتماً بتفسير الدولة الألمانية لعبارة «لن يتكرّر أوشفيتز أبداً». لهذا أعلن وزير الثقافة المُعيَّن حديثاً، فولفرام فايمر، عن مفهوم جديد لمواقع التذكُّر، يستبعد صراحةً التاريخ الاستعماري ويُعيد تأكيد فرادة المحرقة النازية وقداستها. وعندما اقترحت كلوديا روث، سلفه، توسيع مهام هذه المواقع لتشمل جوانب أُخرى من التاريخ الألماني، قوبل اقتراحها برد فعل بارد. واعترض يوزف شُستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، قائلاً: «كل من يعتقد في ألمانيا اليوم أنّ إحياء ذكرى المحرقة النازية يجب أن يُدرج ضمن إطار أوسع، فهو مُخطئ». من الواضح أنّ شُستر لم يطّلع على «التعليم بعد أوشفيتز» ولا على الجدلية السلبية. لكن، على أي حال، يبدو أن هناك قلّة قليلة من الألمان قد فهموا حقاً ما كان أدورنو يحاول قوله لهم.
شقوق في الجدار
لقد أدّى الغضب العام تجاه السياسة الألمانية في غزّة إلى تشبُّث أشدّ بـ«علّة وجود الدولة». فكأنما شُستر ألهمها، فأصدرت إحدى مؤسسات التذكُّر، وهي مؤسسة تذكارات بوخنفالد وميدلباو-دورا، دليلاً داخلياً من 57 صفحة لموظّفيها يُصنِّف شعارات ورموزاً فلسطينيّة مناهضة للحرب – حتى الدعوة إلى وقف إطلاق النار – على أنها مُعادية للسامية، إلى جانب شعارات ورموز النازية الجديدة. وعندما سُرِّب الدليل إلى وسائل التواصل في يوليو (تموز) 2025 لم تنفِ المؤسسة محتوياته، بل اكتفت بالقول إنّه «منشور داخلي لموظّفي قسمَي التعليم والأمن». وكان مدير المؤسسة، ينس-كريستيان فاغنر، قد كتب في السابق نصوصاً ينتقد فيها مفهوم «ما-بعد الاستعمار» في سياق المحرقة النازية. وبذلك بلغ توظيف ذاكرة المحرقة النازية في الدفاع عن السلوك العسكري الإسرائيلي الإبادي، باسم سلامة اليهود والهوية الألمانية، مُنتهاه المنطقي في ذلك الدليل المُشين الصادر عن المؤسسة.
في هذا السياق، تتعرّض منذ سنوات مبادرات منبثقة من المجتمع المدني والمجال الأكاديمي الألماني، تتناول الاستعمار وما-بعد الاستعمار، لهجمات شرسة كلما اعتُبرت تهديداً لـ«علّة وجود الدولة» ما-بعد المحرقة. فعندما برهن الباحث الأدبي مايكل روثبرغ أنّ «الذاكرة متعددة الاتجاهات» تُشكِّل عنصراً أساسياً في ثقافة تذكُّر ناضجة، لأنّ الذكريات علائقية بطبيعتها، شنّت الصحافة الثقافية الألمانية حملةً ضده أواخر 2020 وبدايات 2021. وبعد فترة وجيزة، حين اقترحتُ أن هذا التعاطي قد يعكس محاولة لفرض «تعاليم» ذاكِريّة لا-ليبرالية من قِبَل نُخب مسيحية ألمانية تبنّت خطاب الذاكرة النقدي لتلبية توقُّعات نُظرائها من الحلفاء الأساسيين، ردّ عليّ ناقد بارز – وبأسلوب مُستفز – بأن ما أقوله يُذكِّره بـ بروتوكولات حكماء صهيون. قيل إنه لا توجد «تعاليم» ولا «إيديولوجيّة دولة»، لكن إياك والنيل من «علّة وجود الدولة»! في المقابل، تُنكِر كريستين بلات، مديرة المركز الوحيد لدراسات الإبادة الجماعية في البلاد (معهد أبحاث الشتات ودراسات الإبادة الجماعية بجامعة بوخوم)، في تصريحات حديثة لصحيفة دي تزايت، وقوع إبادة جماعية في غزة، عازلةً نفسها عن مجتمع دراسات الإبادة الجماعية الدولي. وخلال هذا العام خسر المؤرخ يورغن زيمّر – الذي نشر أبحاثاً عن إبادة الهيريرو وعلاقته بأوشفيتز – تمويلاً بلدياً لمبادرة بحثيّة حول إرث الاستعمار في هامبورغ.
لا شكّ في أن ثمّة شقوقاً بدأت تظهر في جدار «علّة وجود الدولة»؛ فالساسة والصحافيون يُدركون قناعات الرأي العام الألماني بشأن غزة. لكن بدلاً من أن يُقاوموا «علّة وجود الدولة» كما حثّهم أدورنو، تراهم يسعَون إلى سدّ تلك الشقوق. لقد كان أدورنو مُتفائلاً حين اعتقد أن «التعليم بعد أوشفيتز» قادرٌ على الصمود أمام توجيهات وآثار نظامٍ يعرف جيداً تجلّياته البربرية. غير أن مدراء هذا النظام هم من يستحوذون على الثقافة – بل ويستغلّون حتى الأفكار المتمردة على السائد – لقمع المعارضة وخدمة أغراضهم، بما في ذلك تدمير غزة. وليس الريف الألماني وحده ما يحتاج إلى «نزع البربرية»؛ فالمصطلح كان يُشير لدى أدورنو عام 1966 إلى الناخبين القوميين. غير أنّ فئة سياسيةً أُخرى تبدو اليوم بحاجة إلى هذا النزع: طبقة سياسية تريد «جعل الآخرين حضاريين»، فيما هي غير راغبةٍ وغير قادرةٍ على مُعارضةِ أو حتى إيقافِ الحملة الإبادية التي تُنفّذها إسرائيل في غزة تحت غطاء التنوير.
*****
ديرك موسز هو مؤرخ وعالم سياسة أسترالي، وأستاذ في سيتي كوليج في نيويورك، ومحرر دوريّة أبحاث الجينوسايد. نُشر هذا المقال في عدد شهر أكتوبر من مجلة برلين ريفيو، وتنشر الجمهورية.نت ترجمته العربية بالاتفاق مع الكاتب والناشر.
*****
ترجمة: الجمهورية.نت
موقع الجمهورية



