التغيير الديموغرافي في سوريا: هندسة سكانية وواقع يترقّب المواجهة/ رامي شفيق

هندسة سكانية جديدة وسط تغيير ديموغرافي!
2025-12-03
تشير آراء عدد من الخبراء السوريين إلى أن التغيير الديموغرافي الذي شهدته البلاد خلال أكثر من عقد لم يعد مجرد نتيجة جانبية للنزاع، بل أزمة مركّبة امتدت آثارها إلى الملكية والسكن والسجلات الرسمية والهوية الاجتماعية للمجتمعات المحلية، ما يستدعي الاعتراف بحجم المشكلة وإجراء مسوح شاملة لمعرفة نطاقها الحقيقي. ويرى هؤلاء أن تشريعات مصادرة الأملاك، وتعقيدات الوصول إلى الوثائق العقارية، وغياب بيئة آمنة لعودة النازحين، كلها عوامل عمّقت الخلل الديموغرافي، في حين يلفت بعض المحللين إلى استمرار سياسات التضييق والنزوح في مناطق عدّة، وعدم اتخاذ إجراءات فعليّة للحد من هذه الظاهرة أو وقف الانتهاكات المرتبطة بها.
وفي المقابل يؤكد آخرون أن معالجة الأزمة تبدأ بإعادة النازحين إلى مناطقهم، وعدم تحويل المخيمات إلى استقرار دائم، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات وفرص العمل بما يضمن استعادة التوازن السكاني ويعزز شرعية الدولة.
وبعد انقضاء أكثر من عقد على موجات النزوح والتهجير القسري في سوريا، لم يعد مفهوم التغيير الديموغرافي مجرّد تفصيل جانبي في المشهد السوري، بل أصبح واحداً من أعقد وأخطر الملفات التي تهدّد بنية المجتمع وهويته الاجتماعية. وخلال هذه السنوات، شهدت العديد من المدن والبلدات تبدلات عميقة وممنهجة في تركيبتها السكانية، ترافقت مع معضلات قانونية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
مستويات التغيير الديمغرافي
في هذا السياق يشير فضل الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حديثه لـ”963+”، إلى أنّ موضوع التغيير الديمغرافي يتمّ على عدة مستويات، موضّحاً أنّ الخطوات المطلوبة لمعالجة هذا الملف يجب أن تكون متعددة ومتكاملة، لأن التغيير الديمغرافي الناتج عن النزوح والتهجير القسري خلال الخمسة عشر عامًا الماضية معقّد وواسع النطاق، ولم يعد بالإمكان التعامل معه بسطحية. فهو، كما يبيّن، يندرج ضمن المشكلات المركبة مثل قضايا السكن والملكية والسجلات الحكومية المختلفة، وهي ملفات تتداخل فيها عدة حقوق معاً.
ويشير إلى أنّ أول خطوة ضرورية هي إجراء تقييم شامل ومسوح ودراسات واسعة حول حجم التغيير الديمغرافي، مع ضرورة الاعتراف بما حدث بدل إنكار الواقع، باعتبار ذلك أساساً لمعالجته.
ثم استعرض الحاجة الملحّة إلى إصلاح قانوني شامل، لافتاً إلى وجود منظومة كاملة من القوانين التي أصدرها نظام الأسد واستُخدمت في عمليات التغيير الديمغرافي، لا سيما القوانين والمراسيم التي صودرت بموجبها الأملاك والأراضي. واستشهد الغني بتقرير موسّع نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان بعنوان: “أبرز القوانين والمراسيم التي أصدرها النظام السوري للاستيلاء على الملكية”، والذي يؤكد كيف أسهمت تلك التشريعات في دفع الناس إلى بيع ممتلكاتهم أو فقدانها.
كما يؤكد على أهمية تبسيط الوصول إلى السجل العقاري، ومعالجة الإشكالات المتعلقة بالوثائق المفقودة أو التالفة، باعتبارها إحدى العقد الأساسية التي تعيق الحل.
وفي ما يخص إصلاح الخلل الديمغرافي، يشدّد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على ضرورة العمل الجدي لإتاحة عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، أو توفير بيئة صالحة لعودتهم. واستنتج أن هذا الملف يرتبط بشكل مباشر بالعدالة الانتقالية، وبضرورة مساءلة المتورطين في التهجير والتشريد وتغيير الهندسة السكانية، وضمان حقوق الضحايا من خلال جبر الضرر والتعويضات المادية والمعنوية وإجراءات ردّ الاعتبار.
ويلفت الغني إلى أنّ المناطق المتضررة تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، تتضمن التركيز على بناء المساكن والمدارس والمنشآت الصحية، مؤكدًا أن توفير هذه البنية الأساسية يمهّد لعودة الأهالي، إذ لا يمكن للناس العودة دون خدمات تعليمية وصحية.
كما ينوّه المصدر ذاته بأهمية العمل على السلم الأهلي والمصالحة المحلية، وفتح مساحات للحوار بين مختلف المكوّنات لمعالجة رواسب الانقسام الطائفي والمناطقي، مع إشراك منظمات المجتمع المدني للحد من خطاب الكراهية الذي يشكّل عائقًا كبيرًا أمام العودة.
وفي ملف الأمن، يبيّن ضرورة إصلاح القطاع الأمني وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، خاصة في المناطق التي شهدت تغييراً ديمغرافياً، وذلك على أسس مهنية وحيادية.
ويؤكّد أن هذا كله يجب أن يكون ضمن استراتيجية وطنية شاملة تنخرط فيها الدولة والمجتمع، وتساهم وسائل الإعلام في تسليط الضوء على تفاصيلها.
ويخلص فضل الغني في ختام حديثه بالقول إن الخطوات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن تُعدّ معقولة إذا ما قورنت بحجم التحديات الهائل الذي تواجهه سوريا، بما في ذلك تحديات الفساد والبيروقراطية والارتباطات القديمة بالنظام السابق.
ويقدر أن الموضوع معقّد ومترابط الجوانب، مما يجعل التقدم فيه بطيئًا خلال العام الأول، معربًا عن الأمل بأن يشهد العام القادم عملًا أكثر جدية على النقاط التي طُرحت.
أزمات جديدة
في المقابل يرى الكاتب والسياسي السوري محمد أرسلان في حديثه لــ”963+” أنه طوال العام الجاري وهي عمر السلطة الجديدة في دمشق لم تزل أزمة التغيير الديموغرافي في المدن والقرى السورية وآثارها ماثلة للجميع خاصة في مناطق النزوح والتهجير.
ويبيّن أرسلان أن خلال هذه الفترة وقع أزمات جديدة ضد بعض شرائح المجتمع السوري، سيما مع “العلويين في الساحل وحمص وحماة ودمشق”. وشدّد على أن هذه الوقائع لم تهدأ حتى الآن، بل تستمر سياسة التضييق بهدف دفع الأهالي للنزوح وترك منازلهم، في إطار رؤية جديدة تهدف – وفق تعبيره – إلى إعادة تشكيل البنية السكانية في تلك المناطق.
ويشير إلى أن ما حصل مؤخراً في مدينة حمص يُعدّ دليلاً واضحاً على ديمومة الأزمة رغم تكرار الحديث بأن مسؤولية تلك الأحداث تعود لـ”عناصر منفلتة” أو “عشائر غير منضبطة”، كما حدث في السويداء سابقاً.
ويوضح أرسلان أنه، رغم الوعود والحديث النظري، لا يوجد أي إجراء فعلي لمواجهة آثار التغيير الديموغرافي، بل على العكس تزداد عمليات النزوح والتهجير.
ويضيف أن الاتفاقيات الموقّعة مع الكرد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب كانت تقضي بعودة سكان عفرين إلى قراهم بشكل آمن، إلا أن بعض الفصائل المتشددة ما زالت تفرض سيطرتها على عفرين، وتفرض الإتاوات والضرائب، وتستولي على المحاصيل والمنازل، وتقطع الأشجار، وتمنع السكان الأصليين من العودة.
ومن جهة أخرى، يرى أرسلان أن هذه الخطوات كانت من صميم مسؤولية الحكومة السورية، لضمان احتضان شامل لكل أطياف المجتمع السوري، إلا أنها لم تقم بدورها في الحفاظ على النسيج الوطني. ولفت إلى أن هذه السياسات والانتهاكات اليومية تهدد شرعية السلطة القائمة.
ويختم أرسلان بالقول إنه لا يمكن الادعاء بأن هذه السلطة تهتم بإيقاف التهجير والنزوح أو بإعادة بناء النسيج الاجتماعي، لأن هذه القضايا – كما يرى – ليست ضمن أولوياتها.
ويبدو النقاش الموضوعي حول قضية التغيير الديموغرافي في سوريا أوسع من مجرد طرحٍ عابر، وأبعد من محاولة لفهم هذه الإشكالية وأبعادها المختلفة، سواء من الناحية التاريخية المرتبطة بممارسات النظام السابق، أو ما طرأ خلال السنوات الأخيرة، أو ما استجد خلال هذا العام. وتكمن خطورة التغيير الديموغرافي في ما يحمله من تداعيات تمسّ حق الإنسان في الانتماء إلى بيئته الطبيعية واستقراره داخل مجتمعه.
بينما يقول الكاتب السوري فراس علاوي في حديثه لـ”963+” إن الخطوات التي يجب على الحكومة السورية اتباعها لمواجهة آثار التغيير الديمغرافي تبدأ أولاً بإعادة النازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، مع المساهمة في إعادة إعمارها بأسرع وقت ممكن.
ويشير إلى ضرورة عدم تحويل المخيمات إلى أماكن إقامة دائمة، والعمل بدلاً من ذلك على إغلاقها تدريجياً.
كما يشدّد على أهمية إتاحة فرص عمل متساوية لجميع المواطنين السوريين في مختلف المحافظات، الأمر الذي سيُسهم في تشجيع أصحاب المهن على العودة إلى مناطقهم واستئناف أعمالهم.
ويلفت علاوي إلى أن الفترة الأخيرة شهدت عودة جيدة لعدد كبير من النازحين، إلا أنّ العديد من المعوقات ما زالت قائمة، وفي مقدمتها تدمير منازلهم ومنشآتهم التي كانوا يعملون فيها، مبيناً أن هؤلاء يحتاجون إلى إعادة ترميم ممتلكاتهم قبل العودة.
كما يوضح أن تضرر المدارس والمشافي والخدمات الأولية يشكّل عائقاً إضافياً، مؤكداً أن إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه ومرافق صحية وتعليمية، سيسهم في تسريع عودة النازحين ويمنع أي تغيير ديمغرافي محتمل.
ويبيّن علاوي أن عودة النازحين ومنع التغيير الديمغرافي يمنحان الدولة شرعية وطنية، ويساعدان في إعادة هيكلتها بما يعكس تنوعها الديمغرافي وتركيبتها الفسيفسائية.
كما يعتبر أن استقرار السكان في مناطقهم يتيح للحكومة ممارسة دورها وتطبيق قوانينها بشكل أفضل، نظراً لوجود خصوصيات اجتماعية وقانونية تختلف من منطقة لأخرى، خاصة فيما يتعلق بقوانين الأسرة وبعض الحالات الخاصة.
ويخلص علاوي في ختام حديثه على أن إعادة ترتيب المناطق المتضررة وإعادتها إلى ما كانت عليه يجب أن تكون ضمن أولويات الحكومة الجديدة، لما لذلك من أثر مباشر على تحقيق الاستقرار العام واستعادة التوازن الديمغرافي في البلاد.
+963



