الشيفرات العميقة في الاستراتيجية التركية تجاه سوريا الجديدة/ علي أسمر

2025.12.05
تعيش العلاقات التركية–السورية اليوم منعطفًا غير مسبوق منذ أكثر من عقد، بعدما دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة إثر طيّ صفحة النظام السابق وصعود قيادة انتقالية برئاسة أحمد الشرع.
في تقديري، قرأت أنقرة التحول السوري بسرعة لافتة، وتعاملت معه بوصفه فرصة تاريخية لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر استقرارًا. ولعلّ هذا الإدراك المبكر يفسّر وتيرة التحركات التركية منذ الأيام الأولى للتنسيق مع السلطة الجديدة في دمشق، سواء عبر استئناف العلاقات الدبلوماسية أو عبر تقديم دعم مباشر للحكومة الساعية إلى تثبيت مؤسساتها في بيئة ما بعد الصراع.
سياسيًا، بدت تركيا أكثر الأطراف الإقليمية انفتاحًا على القيادة السورية الجديدة. وقد تجلّى ذلك في إعادة فتح سفارتها في دمشق أواخر 2024، ثم استقبال الرئيس الشرع في أنقرة مطلع 2025، وهي خطوة تعكس رغبة تركية واضحة في ترسيخ شرعية الحكومة الانتقالية دوليًا وعربيًا. كما برزت أنقرة كطرف رئيسي في الدفع نحو إنهاء عزلة سوريا الخارجية، سواء من خلال التصريحات الرسمية المطالِبة برفع العقوبات التي تعوق تعافي الاقتصاد السوري، أو عبر تحركات دبلوماسية مشتركة مع قوى عربية مؤثرة لإعادة دمج سوريا في محيطها الطبيعي. وقد ظهر هذا جليًا في الحراك الذي سبق مشاركة الشرع في اجتماعات الأمم المتحدة خلال 2025، وكذلك في التسهيلات غير المعلنة التي مهّدت لزيارته إلى واشنطن نهاية العام ذاته. أعتقد أن تركيا أرادت من خلال هذا المسار أن تُظهر للعالم أنها ليست طرفًا نزاعيًا في الملف السوري، بل شريكًا في بناء دولة مستقرة تتجاوز التشظي الذي عاشته البلاد لسنوات.
أما على الصعيدين العسكري والأمني، فقد اتخذت أنقرة خطوات تتجاوز المواقف السياسية إلى دعم عملي مباشر لقدرات الحكومة السورية الجديدة. فقد طلبت دمشق رسميًا مساعدات عسكرية لتعزيز الدفاعات السورية عقب موجة الاضطرابات في الجنوب خلال صيف 2025، واستجابت تركيا بسرعة عبر تقديم التدريب والاستشارة الفنية والمساهمة في إعادة بناء الجيش الوطني على أسس احترافية. وفي تقديري، وجدت أنقرة في هذا الطلب فرصة لترسيخ مقاربة أمنية جديدة: دعم سوريا في مواجهة أي تهديدات داخلية أو خارجية، مقابل ضمان ألّا تتحول الجغرافيا السورية مجددًا إلى مصدر تهديد لأمنها. وفي هذا الإطار، شجعت تركيا اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني الجديد، مع توجيه تحذيرات صارمة ضد أي توجهات انفصالية. ويبدو لي أن هذه المقاربة المزدوجة – دعم الجيش السوري والحفاظ على خطوط تركيا الحمراء – مكّنت أنقرة من لعب دور ضامن فعلي لعملية إعادة الاستقرار من دون الدخول في صدام مباشر مع أي مكوّن داخلي.
وفي الجانب التقني والبنى التحتية، لعبت تركيا دورًا محوريًا في إعادة تشغيل مرافق حيوية تضررت بشدة خلال العقد الماضي. إذ سارعت إلى إرسال فرق هندسية لإصلاح شبكات الكهرباء والمياه في المناطق الشمالية، ثم بدأت بتزويد بعض المناطق بالكهرباء المستوردة من تركيا ريثما تستعيد سوريا قدرتها على التوليد المحلي. كما عملت فرق مشتركة على وضع خطة شاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية، شملت محطات الكهرباء والطرق والجسور وشبكات النقل الداخلي. وكان لافتًا توجه أنقرة لربط سوريا بشبكات الطاقة الإقليمية عبر مشاريع الغاز والكهرباء، فضلًا عن دعم مشاريع استراتيجية مثل إعادة تأهيل مطار دمشق الدولي وتحديثه بالتعاون مع مستثمرين إقليميين. وتعكس هذه المشاريع تصورًا تركيًا لسوريا بوصفها شريكًا لوجستيًا في شرق المتوسط، لا مجرد جار يحتاج إلى مساعدات.
اقتصاديًا، شهدت المرحلة الجديدة ازدهارًا ملحوظًا في التبادل التجاري بين البلدين، حيث تضاعفت قيمة الواردات السورية من تركيا خلال الأشهر الأولى من 2025 بدافع حاجة السوق السورية إلى مواد البناء والسلع الأساسية بأسعار مناسبة نسبيًا. وفي تقديري، وجدت أنقرة في إعادة الإعمار السورية فرصة اقتصادية كبيرة، لكنها كانت تدرك في الوقت ذاته أن ازدهار الاقتصاد السوري شرط أساسي لاستدامة الاستقرار. ولهذا رعت تركيا – مع شركاء خليجيين – حزمة استثمارات ضخمة مخصّصة للبنية التحتية السورية، وأسهمت شركات تركية كبرى في التخطيط لمشاريع إعادة الإعمار من طرق وجسور ومساكن. كما أسس البلدان مجلسًا اقتصاديًا مشتركًا لتنظيم المشاريع وتسهيل التبادل التجاري، إضافة إلى التفاوض على اتفاق شراكة اقتصادية شاملة تعزز الاندماج طويل الأمد بين أنقرة ودمشق. ولا يمكن تجاهل أثر تحسّن الأوضاع على ملف اللاجئين، إذ عاد مئات الآلاف من السوريين من تركيا إلى بلدهم تدريجيًا، مدفوعين بتحسن المناخ الأمني وعودة النشاط الاقتصادي.
ثقافيًا واجتماعيًا، اتخذت تركيا مقاربة تعتمد على القوة الناعمة لإعادة بناء الروابط المجتمعية بين الشعبين. فقد استأنف معهد يونس إمره نشاطه في دمشق، ووسّعت وكالة “تيكا” مشاريعها الإنسانية والتعليمية، إضافة إلى مشاركتها في ترميم مواقع أثرية ذات قيمة رمزية في التراث السوري. كما افتتحت مؤسسات تعليم تركية مدارس وبرامج تدريب مهني تستهدف الشباب السوري، وهو ما أراه مؤشرًا على رغبة أنقرة في الاستثمار في رأس المال البشري السوري بما يخدم مستقبل العلاقة بين البلدين. ولا يمكن إغفال أهمية الجالية السورية في تركيا التي لعبت دور جسر ثقافي واجتماعي بين البلدين طوال سنوات الأزمة، ثم تحولت اليوم إلى رافعة بشرية لمرحلة إعادة البناء.
يبدو أن العلاقة بين أنقرة ودمشق تتجه نحو صياغة تحالف طويل الأمد قائم على مقايضة واضحة: أمن سوريا ووحدة أراضيها مقابل تفكيك أي تهديدات محتملة لتركيا، وازدهار الاقتصاد السوري مقابل انخراط تركي واسع في مشاريع إعادة الإعمار. صحيح أن تحديات مثل ملف قسد ومحاولات أطراف خارجية عرقلة الاستقرار قد تبقى عائقًا، لكن من الواضح أن الإرادة السياسية لدى الطرفين أكبر من هذه العقبات. وإذا استمر المسار الحالي بالوتيرة ذاتها، فإننا أمام مرحلة ستعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للمشرق نحو مزيد من الاستقرار والتكامل.
تلفزيون سوريا



