تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 09 كانون الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

——————————————

تحديث 09 كانون الأول 2025

——————————–

أسامة القاضي: رفع العقوبات يعيد إلى سورية مكانتها الدولية/ ميسون محمد

09 ديسمبر 2025

بعد عام على سقوط الأسد، وفي ظل المتغيرات السياسية أخيراً، وبدء مسار دولي لرفع العقوبات عن سورية، تتزايد التساؤلات عما إذا كانت هذه الخطوات تعكس بداية تحوّل.

التحول الاقتصادي الحقيقي هو الخطوة الأولى لنهضة سورية، لأنه يمهّد لمرحلة إعادة الإعمار، أم أنها مجرّد إشارات سياسية مؤقتة؟ في هذا الحوار، يجيب المستشار الاقتصادي، أسامة القاضي، عن أبرز الأسئلة المتعلقة بآفاق الاقتصاد السوري، وأولويات الحكومة، والعلاقة بين الانفتاح الاقتصادي والسيادة الوطنية، ودور السوريين الموزعين في الدول في دعم مسيرة النهوض الوطني، خصوصاً بعد النجاحات التي حققوها في بلدانهم الجديدة، والخبرات التي اكتسبوها، ورؤوس الأمول التي جمعوها.

ـ كيف تقيّم رفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من زاوية اقتصادية؟ هل يمهّد ذلك لانفتاح حقيقي على عملية إعادة الإعمار، أم أنه مجرّد خطوة رمزية لإضفاء شرعية سياسية على الحكومة الجديدة؟

رفع العقوبات عن الرئيس ووزير الداخلية خطوة باتجاه تطبيع العلاقات الدولية مع الدولة السورية. كل خطوة بهذا الاتجاه تعطي إشارة إيجابية وتحسّن من مناخ الاستثمار، وتؤكّد أن المزاج الدولي يميل إلى دعم إدارة سورية الجديدة. هذا يمنح شعوراً أكبر بالاستقرار، ويشكل حافزاً للمستثمرين للإقدام على الاستثمار في سورية. رفع هذه العقوبات يعني عملياً عودة سورية إلى المجتمع الدولي بعد عزلة قرابة ستة عقود، ومن الطبيعي أن تفتح هذه الخطوات شهية شركات إعادة الإعمار على المشاركة الفعلية في بناء البلاد. إنها ليست مجرد حركة رمزية، بل خطوة ستترجم عملياً بزيادة عدد الشركات المنخرطة في عملية الإعمار.

ـ ما الأولويات الاقتصادية العاجلة التي يجب أن تركز عليها الحكومة السورية لتجنّب تكرار أزمات الفساد والاحتكار التي أنهكت البلاد طوال السنوات الماضية؟

يجب أن تنطلق الأولويات الاقتصادية العاجلة من رؤية تنموية واضحة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية: التعليم الفني، والتصنيع، والتكنولوجيا. والمقصود بالتعليم هو الفني تحديداً، لأن سورية بحاجة إلى كوادر ماهرة قادرة على النهوض بعملية الإنتاج. أما التصنيع، فليس مقصوراً على الصناعات الثقيلة، كالسيارات والمحرّكات، بل يشمل أيضاً التصنيع الزراعي، الذي يمكن أن يكون رافداً مهماً للدخل القومي، ومحرّكاً لتطوير القطاع الزراعي نفسه. وهنا تأتي أهمية إدخال التكنولوجيا في الزراعة والصناعة والخدمات، وفي كل مؤسسات الدولة عبر الرقمنة وتطبيقات الحكومة الإلكترونية، لتقليص البيروقراطية والاستفادة من تجارب ناجحة مثل التجربة السعودية.

كما يجب أن تقوم الرؤية التنموية على مبدأ التنمية المتوازنة بين القطاعات والمناطق، بحيث لا يُهمَل أي قطاع من الصحة أو التعليم أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو السياحة، ولا تُترك الأرياف والمناطق البعيدة من دون خدمات متكافئة مع المدن الكبرى. وعندما تتوافر الخدمات بالمستوى نفسه في المحافظات كافة، من درعا إلى دمشق، ومن الرقة إلى حلب، سيخفّ الضغط الداخلي والهجرة من الريف إلى المدينة.

ولتجنّب الفساد والاحتكار، يجب أن يُبنى الإطار العام على الشفافية والحوكمة الرشيدة وفق المعايير المعتمدة دولياً، وأن تخضع مؤشرات مثل سيادة القانون، والشفافية، ومكافحة الفساد لتقييم طرف ثالث مستقل كمنظمة الشفافية الدولية. وجود هذه المؤسسات وفتح مكاتب لها في سورية سيكون خطوة ضرورية نحو اقتصاد سليم. فالاقتصاد القائم على آليات السوق الحرّة والعرض والطلب لا يمكن أن يزدهر في ظل الاحتكار، والحوكمة الرشيدة هي الضمانة لخفض الفساد إلى الحد الأدنى.

ـ هل تعتقد أن المناخ الدولي الحالي مهيّأ فعلاً لجذب الاستثمارات إلى سورية، أم أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يزال مبكراً في غياب الضمانات السياسية والشفافية؟

أرى المناخ الدولي الحالي مهيّأ جداً لاقتناص فرصة الاستثمار في سورية. فضعف معدلات النمو في عدة دول ودخول بعضها في توترات سياسية يدفع كثيرين إلى البحث عن أسواق جديدة، وسورية تمثل في هذا السياق سوقاً واعدة وبِكراً.

إضافة إلى ذلك، هناك تبنٍّ حقيقي من السعودية لدعم نهضة الاقتصاد السوري، وسيساهم هذا الدعم الإقليمي في جذب الاستثمارات العربية والأجنبية معاً. وقد جرى، في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، تسجيل نحو 11,800 شركة جديدة وأكثر من 1,300 مصنع في سورية، وهو مؤشر على تزايد اهتمام السوريين أنفسهم بالاستثمار المحلي. ومع دخول شركات جديدة إلى السوق، ستُنشأ فرص عمل جديدة، وسيرتفع دخل العمّال، ما يزيد من القدرة الشرائية، ويحفّز المستثمرين الآخرين على الدخول في الدورة الاقتصادية. إنها حلقة إيجابية متكاملة يمكن أن تشكل نقطة انطلاق حقيقية لمرحلة الإعمار.

ـ كيف يمكن تحقيق توازن بين حاجات الاقتصاد السوري للانفتاح على الخارج وضرورة الحفاظ على قرار اقتصادي وطني مستقل لا يخضع للضغوط الدولية؟

لا يوجد أي تضارب بين الانفتاح على الخارج والقرار الاقتصادي الوطني المستقل. الهدف الأساسي إيجاد فرص عمل للسوريين والارتقاء بمستوى مهنيتهم، وإعادة ترميم اقتصادٍ تم تشويهه خمسة عقود، على أن تصل نسبة الطبقة الوسطى إلى 70% بحلول عام 2035. هذا التوجه، المبني على أولويات التنمية في التكنولوجيا والتعليم والتصنيع والزراعة والتنمية المتوازنة، يضمن عدم إهمال أي قطاع، ويرتقي بمستوى الأرياف والمحافظات لتكون جميعها على السوية الخدمية نفسها.

القرار الوطني لا يعني العزلة. فسنغافورة مثلاً فيها أكثر من 40 ألف شركة أجنبية، ومع ذلك حافظت على استقلالها الاقتصادي وحققت نهضة باهرة. وكذلك كوريا الجنوبية، التي تحتضن أكثر من 60 ألف شركة أجنبية، ومع ذلك طوّرت صناعة وطنية عملاقة مثل سامسونغ وكيا.

الانفتاح على العالم لا يتعارض مع السيادة، بل يعزّزها عندما يُسهم في رفع المستوى المعيشي والخدمي للمواطن وضمان أمنه الشخصي والاقتصادي. الاستقلال الحقيقي ليس في الانغلاق، بل في القدرة على اتخاذ قرارات تخدم مصلحة المواطن وتجعله يعيش بكرامة.

ـ في ضوء الواقع المعيشي الصعب للسوريين داخل البلاد وخارجها، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه النخب الاقتصادية السورية في المهجر في دعم عملية النهوض الوطني بشكل فعّال ومستدام؟

دور النخب الاقتصادية في المهجر محوري للغاية. يمكننا الاستفادة من خبراتهم وعلمهم وشبكات علاقاتهم الدولية، فضلاً عن تحويلاتهم المالية التي تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني. حتى زياراتهم سورية تشكل حراكاً اقتصادياً ملموساً من خلال الطلب على الخدمات والفنادق والمطاعم وقطاع النقل والترفيه، ما يعني نمواً فعلياً في السوق المحلية. وعندما يشعر المغترب بإمكانية الاستقرار، ولو على المدى القصير أو المتوسّط، يبدأ بشراء منزل أو بترميم منزل عائلته، وينعكس ذلك كله إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

الأهم  أن شبكة علاقات رجال الأعمال السوريين في الخارج يمكن أن تكون أداة جذب لشركاء أجانب للاستثمار في سورية، وأحياناً تكون هذه العلاقات أكثر قيمة من رؤوس الأموال نفسها.

ومن الضروري تسهيل كل المعاملات الاستثمارية وتطبيق سياسة النافذة الواحدة كما نصّ عليها القرار رقم 114، لتقليل التعقيدات البيروقراطية وتحفيز مشاركة المستثمرين السوريين والعرب والأجانب في عملية البناء الاقتصادي.

ختاماً

تتضح في المقابلة أعلاه رؤية أسامة القاضي واقعية تستند إلى قراءة دقيقة للتحولات السياسية والاقتصادية الراهنة. فهو يرى أن رفع العقوبات ليس مجرّد إجراء رمزي، بل بوابة لعودة سورية إلى المشهد الدولي، وأن بناء الاقتصاد الجديد يجب أن يرتكز على التعليم الفني، والتكنولوجيا، والحوكمة الرشيدة. كما يؤمن بأن الانفتاح الاقتصادي لا ينتقص من السيادة بل يعزّزها، وأن مشاركة السوريين في المهجر تمثل حجر الأساس في مشروع الإعمار الشامل. رؤية تجمع بين التفاؤل والحذر، وتؤكد أن مستقبل سورية الاقتصادي مرهون بقدرتها على تحويل هذه الفرص السياسية إلى نهضة إنتاجية حقيقية.

العربي الجديد

———————————

عام من التبرّعات… فجوة تمويلية تاريخية أمام حجم الدمار/ جمعة حجازي

09 ديسمبر 2025

بعد أكثر من عقد ونصف على الحرب التي مزّقت الجغرافيا السورية وأتت على بنيتها التحتية، تفيد تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي بأن تكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 400 و500 مليار دولار، في وقت يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج أكثر من 16.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة. هذه مؤشرات على حجم التحدّي الذي يواجه بلداً يحاول أن ينهض من تحت الركام.

وسط هذا المشهد القاتم، برزت ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ سورية الحديث، حيث جمعت حملات تبرّع محلية أكثر من 600 مليون دولار خلال أشهر قليلة، في مشهد يصفه خبراء التنمية بأنه “صحوة مجتمعية” تتحدّى منطق الانتظار، وتكسر معادلة الاعتماد الكامل على الدولة أو المانحين الدوليين. لم تكن هذه الصحوة مجرّد رد فعل عاطفي عابر، بل كانت تعبيراً عن إرادة عميقة للتغيير، ورغبة جامحة في المشاركة في صنع المستقبل، ورفضا واضحا للبقاء في دائرة الانتظار. لقد أصبح المجتمع السوري شريكا فاعلا في عملية البناء، يدرك حجم التحدي ويعرف حدود إمكاناته، لكنه يرفض أن يكون مجرّد متفرج على مشهد الدمار.

تبرّعات تعبر المحافظات

شهدت الأشهر الماضية حملات تبرّع شعبية واسعة في مختلف المحافظات السورية، تميزت بمشاركة “الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء”، في إحياء واضح لروح التضامن والتكافل الاجتماعي. وقد نجحت هذه الحملات في جمع مبالغ كبيرة، وإنْ تكن قطرة في بحر الدمار. لقد تجاوزت هذه الحملات في مفهومها العمل الخيري التقليدي، لتصبح مشاريع تنموية مصغرة، تدار بكفاءة محلية، وتستجيب لاحتياجات حقيقية، وتُدار بشفافية ملحوظة. هذا التحول في النموذج الفكري للعمل الأهلي هو الأهم في قراءة هذه الظاهرة، فهو يشير إلى نضج مجتمعي، وإلى ظهور نموذج تنموي جديد، قائم على المبادرة المحلية، والمساءلة المجتمعية، والشفافية في الإدارة.

بدأت الشرارة من حمص في 13 أغسطس/ آب، حين أطلق مؤتمر “أربعاء حمص” حملة جمعت نحو 13 مليون دولار، قبل أن تتحوّل المبادرة إلى موجة اجتاحت المحافظات السورية. ففي حماة، جمعت حملة “الوفاء لحماة” أكثر من 210 ملايين دولار، بينما جمعت إدلب عبر حملة “الوفاء لإدلب” حوالي 208 ملايين دولار. وفي ريف دمشق، حملت حملة “ريفنا بيستاهل” شعار إعادة الحياة إلى التعليم، فجمعت 76 مليون دولار. أما درعا، فقد أطلقت حملة “أبشري حوران” التي حصدت 44.3 مليون دولار، فيما جمعت دير الزور 30 مليونا عبر حملة “دير العز”. وحتى المناطق محدودة الموارد، كمنبج والباب، دخلتا السباق بمبالغ بلغت 11 مليونا للأولى و1.2 مليونا للثانية. وهذه الأرقام ليست مجرّد إحصائيات جافة، بل هي قصة شعب يرفض الاستسلام، ومجتمع يصر على المشاركة في كتابة مستقبله، وجماعات محلية تثبت أن التغيير يبدأ من القاعدة. لم يكن هذا النموذج في العمل استثناء، بل جزء من تحوّل أعمق في فكر العمل الأهلي، من النموذج الخيري التقليدي إلى النموذج التنموي المستدام، من ثقافة “العطاء” إلى ثقافة “الاستثمار في المستقبل”، من منطق “الإغاثة” إلى منطق “التمكين”.

إطار مؤسّسي

أُطلق في سبتمبر/أيلول 2025 صندوق التنمية السوري كياناً مركزيّاً مستقلاً بموجب مرسوم رئاسي، بهدف توحيد الجهود التمويلية المحلية والدولية لإعادة الإعمار. وقد شهد إطلاقه في قلعة دمشق إعلان تبرّعات وتعهدات أولية بلغت 80 مليون دولار. يمثل الصندوق محاولة مؤسّسية لجمع هذه الطاقات المجتمعية المبعثرة تحت مظلة واحدة، وتحويلها من مبادرات محلية متفرّقة إلى استراتيجية وطنية متكاملة. لكن هذا التحوّل المؤسّسي يواجه تحدّيات كبرى، أبرزها كيفية الحفاظ على ديناميكية العمل الأهلي ومرونته، مع ضمان الشفافية والمحاسبة التي تتطلبها العملية على المستوى الوطني.

ولضمان نجاح الصندوق وتميّزه، لا بد من أن يعتمد على عدة ركائز أساسية، تبدأ بالعدالة المكانية من خلال نهج “البرمجة القائمة على المنطقة”، لضمان توزيع الموارد ليس على أساس المحسوبيات، بل وفق مؤشرات موضوعية مثل مستوى الضرر والحرمان والفرص التنموية. وتمثل هذه الركيزة تحدّياً كبيراً في بيئة مثل سورية، حيث التباين الكبير في مستوى الدمار بين منطقة وأخرى، والتفاوت في القدرات بين محافظةٍ وأخرى. تتمثّل الركيزة الثانية في المشاركة المجتمعية عبر آليات “التخطيط المحلي التشاركي”، حيث تصبح المجالس المحلية والمجتمع المدني شريكاً في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ. وليست هذه المشاركة ترفا، بل هي شرط لنجاح أي مشروع تنموي، فالمجتمعات المحلية هي الأدرى باحتياجاتها، وهي الأقدر على مراقبة تنفيذ المشاريع في بيئتها.

التحدّي الأكبر

يعد بناء ثقة المانحين والمجتمع التحدّي الأكبر الذي يواجه صندوق التنمية السوري. لقد أكّدت تجربة العراق الكارثة التي يؤدّي إليها غياب الشفافية، بينما أثبت النموذجان، الألماني والياباني، أن الشفافية هي الوقود الذي يغذّي استمرارية التمويل. في سورية، حيث مورست أقسى أشكال الفساد عقوداً أيام النظام البائد، يصبح بناء الثقة مهمة شاقة تتطلب أكثر من مجرد وعود. إنها تتطلّب إنشاء آليات رقابة مستقلة حقيقية، قد تشمل لجان إشراف، تضم ممثلين عن المجتمع المدني، ونشر تقارير دورية علنية عن أداء الصندوق واستخدام الأموال، والتعاقد مع شركات تدقيق محاسبية دولية. وليست هذه الإجراءات كمالية، بل هي ضرورة حتمية في بيئة يشكك فيها الناس بكل شيء، ويتوجّسون من أي مبادرة جديدة.

ومن نافل القول، يجب أن تتجه الرؤية الاستراتيجية إلى الصندوق نحو إيجاد اقتصاد منتج وقادر على النمو المستدام. يعني هذا توجيه التمويل نحو القطاعات الأساسية التي تعيد بناء مقوّمات النشاط الاقتصادي، وليس فقط تقديم الإغاثة. إعادة تأهيل شبكة الكهرباء، على سبيل المثال، ليست مشروعاً خدمياً فحسب، بل هي شرط أساسي لإعادة تشغيل الورش والمصانع والمزارع. كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسّطة، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ينشئ فرص عمل جديدة ويرفع مستوى الدخل الأسري. هذا التوجه الإنتاجي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة عملية إعادة الإعمار، فالإعمار ليس مجرّد إعادة بناء لما تهدم، بل هو عملية إعادة تأهيل للاقتصاد والمجتمع معا.

ويمثل صندوق التنمية السوري رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والمستدامة، حيث يتخطى دوره مجرد وسيلة تمويلية ليصبح أداة محورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري وتنويع قاعدته الإنتاجية. فمن خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإستراتيجية، كالطاقة المتجدّدة والصناعات التحويلية والزراعة الحديثة، يسهم الصندوق في بناء نموذج تنموي قائم على المعرفة والابتكار. كما يلعب دوراً محورياً في تعزيز التكامل بين القطاعين، العام والخاص، وتشجيع ريادة الأعمال، وبناء القدرات المحلية في إدارة المشاريع الكبرى. وباعتباره منصّة وطنية جامعة، يعمل الصندوق على تحقيق التكامل بين المشاريع المحلية الصغيرة والمبادرات التنموية الكبرى، ما يضمن تحقيق أثر تنموي متراكم ومستدام عبر مختلف القطاعات والمحافظات. ويجعل هذا النهج المتكامل من الصندوق أداة فاعلة لتحقيق التنمية المتوازنة، ويسهم في بناء سورية الجديدة القائمة على اقتصاد منتج ومجتمع مشارك وحوكمة رشيدة.

التجارب الدولية والدورس المستفادة

لعل من أبرز الدروس المستفادة تنوع النماذج وعدم وجود وصفة واحدة تناسب الجميع، حيث يتوقف النجاح على السياق الوطني والقدرة على التعلم من الآخرين. ففي النموذجين، الألماني والياباني، لم تكن إعادة البناء الشامل بعد الحرب العالمية الثانية، إعادة إعمار ألمانيا واليابان مجرّد ترميم للبنى التحتية المدمّرة. لقد ارتكزت على خطّة مارشال التي وفرت الدعمين، المالي والفني، ولكن الأهم كان تبنّي حوكمة رشيدة وإدارة شفافة للموارد. لم يقتصر الأمر على إعادة بناء المصانع والجسور، بل جرى استثمار كبير في بناء رأس المال البشري عبر التعليم والتكنولوجيا، ما مهد الطريق لتحولهما إلى قوتين صناعيتين عالميتين. يُبرز هذا النموذج أهمية وجود خطة وطنية شاملة وضرورة الجمع بين الدعم الخارجي والإرادة المحلية لتحقيق تعاف سريع ومستدام. أما رواندا فقدّمت نموذج المصالحة الوطنية أساساً للتنمية بعد الإبادة الجماعية المروّعة عام 1994. لم يكن التركيز على البناء المادي فحسب، بل انطلق النهوض من المصالحة الوطنية حجر أساس. اعتمدت رواندا على الاستثمار في الزراعة والتعليم، وعملت بقوة على تعزيز الحوكمة الرشيدة لضمان استدامة التنمية. انتقلت رواندا من دولة تمزّقها الصراعات إلى واحدة من أكثر اقتصادات أفريقيا ديناميكية، ما يثبت أن إعادة البناء الحقيقية تبدأ بإصلاح النسيج الاجتماعي وبناء الثقة بين أفراد المجتمع.

وفي تجربة البوسنة والهرسك، كان التنسيق الدولي بعد الحرب الأهلية، استفادت البوسنة والهرسك من صندوق ائتماني دولي بلغ رأسماله 150 مليون دولار، أنشئ بالتعاون الوثيق مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأهيل البنى التحتية الحيوية، مثل الطرق وشبكات المياه والطاقة. رغم نجاحه في إطلاق عملية الإعمار، إلا أن هذه التجربة أظهرت تحدّياً كبيراً يتمثل في الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية، ما قد يحد من القدرة على قيادة الأولويات التنموية محليا. يذكّر هذا الدرس بأهمية التنسيق مع المجتمع الدولي، لكنه يحذّر من تحوّل هذا الدعم إلى إعاقة للاستقلالية الاقتصادية.

أما الدروس من التجارب المتنوعة في أوغندا وهايتي والعراق فتقدم نماذج متنوعة؛ ففي أوغندا (NUSAF) ركز صندوق أوغندا على التنمية بقيادة المجتمع المحلي في شمال البلاد بعد الحرب، مع إشراك قوي للسكان في تحديد الأولويات، ما عزّز ملكيتهم للعملية التنموية.

توضح التجارب الدولية أن إعادة الإعمار الناجحة تتطلب أكثر من مجرد تمويل. فالنجاح مرهون ببناء مؤسّسات شفافة وخاضعة للمساءلة، واعتماد رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في صلب العملية، وتحقيق مشاركة مجتمعية حقيقية. البيئة السياسية والقانونية المستقرة هي الحاضنة الأساسية التي تتيح للصناديق التنموية تحقيق أهدافها، وإلا تتحوّل إلى قنوات جديدة لهدر الموارد وإعادة إنتاج الأزمات.

لعل الدرس الأهم الذي تقدّمه التجربة السورية في إعادة الإعمار هو ذلك التحول النوعي في دور المجتمع الأهلي، من مجرّد رد فعل عاطفي على كارثة ما، أو ما يُعرف محليا بـ”الفزعة”، إلى شريك استراتيجي في عملية التعافي. لقد أثبتت حملات التبرع المحلية التي انتشرت في موجة وطنية عابرة للمحافظات أن المجتمع لم يعد مجرّد متلقٍ للمساعدات، بل أصبح فاعلا أساسيا في رسم ملامح المستقبل. لم يحدُث هذا التحوّل بين ليلة وضحاها، بل نما من رحم المعاناة والإحباط من بطء الخطط الرسمية وتعقيد المسارات الدولية، فحين تجاوزت التبرّعات الشعبية 600 مليون دولار، لم تكن هذه الأرقام مجرّد مؤشّر على القدرة المالية للمجتمع، بل كانت رسالة واضحة أن الشعب السوري يمتلك إرادة البناء، وأنه مستعدٌّ لتحمّل مسؤولية مستقبله.

غير أن هذه الطاقة المجتمعية الهائلة تواجه خطر التبدّد إذا لم تُحفظ في قنوات مؤسّسية واضحة، فالمبادرات الأهلية، رغم أهميتها، تبقى محدودة بمكانيّتها وزمانيّتها، وعرضة للتشتت في غياب رؤية وطنية موحّدة. هنا تبرز الحاجة إلى نموذج تكاملي يجمع بين مرونة العمل الأهلي وشمولية التخطيط المركزي، بين حماسة المجتمع واحترافية المؤسسة. هذا النموذج التكاملي هو الضمانة لتحويل هذه الطاقات من مجرّد ومضات عابرة إلى استراتيجية دائمة للتغيير والبناء.

تحويل هذه الطاقات من مبادرات متفرّقة إلى استراتيجية وطنية يتطلب بناء جسور الثقة عبر الشفافية الرقمية، حيث تصبح كل عملية تبرّع مرئية، وكل مشروع قابلا للمتابعة، وكل قرار خاضعاً للمساءلة. كما يتطلّب إرساء آليات رقابة مجتمعية حقيقية تتيح للمواطن العادي أن يكون رقيباً على أداء المؤسّسات، وشريكاً في تصحيح المسار. ليست هذه الآليات ترفا في مرحلة إعادة الإعمار، بل هي ضرورة حتمية، فالشكوك حول نزاهة إدارة الموارد كانت دائماً أحد أهم معوقات التنمية في سورية. فإعادة بناء الحجر، رغم تكلفتها الباهظة، تبقى أهون من إعادة بناء الثقة، فالحجر ينهض بوفرة الأموال. أما الثقة فتبنى بشق الأنفس، عبر مسار طويل من الوضوح والمحاسبة والشفافية. وهي المعركة الأصعب التي ستحدّد مصير سورية الجديدة، سورية التي يتشارك في بنائها كل أبنائها، من خلال عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة الحقيقية والمسؤولية المتبادلة. إنها معركة تستحقّ أن نخوضها، لأن مستقبل سورية يستحق البناء.

العربي الجديد

—————————————-

الكونغرس يتحرك نحو إلغاء عقوبات “قيصر” عن سوريا

يتجه الكونغرس الأميركي لرفع مجموعة من العقوبات الصارمة التي فرضت على سوريا في عهد رئيسها السابق بشار الأسد خلال أسابيع.

وذكرت وكالة رويترز أن مجلسي الشيوخ والنواب أدرجا إلغاء ما يُسمى بعقوبات “قيصر”، وهي خطوة يُنظر إليها على أنها أساسية لإنعاش الاقتصاد السوري، في نسخة توافقية من قانون تفويض الدفاع الوطني، وهو مشروع قانون سنوي شامل لسياسة الدفاع كُشف عنه في وقت متأخر من يوم الأحد.

ويلغي هذا البند في مشروع قانون الدفاع، المكون من 3 آلاف صفحة، قانون قيصر لعام 2019، ويشترط تقديم تقارير منتظمة من البيت الأبيض تُثبت أن الحكومة السورية تُحارب مُسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وتُحافظ على حقوق الأقليات الدينية والعرقية داخل البلاد، ولا تتخذ أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مُبررة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل.

ومن المتوقع إقرار قانون تفويض الدفاع الوطني بنهاية هذا العام، وأن يُوقّع عليه الرئيس دونالد ترامب، الذي يُسيطر أقرانه الجمهوريون على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ويقودون اللجان التي صاغت مشروع القانون.

وفي رسالة بمناسبة الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية، أصدر أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بيانا عبروا فيه عن دعمهم لرفع عقوبات قانون قيصر، وتعهدوا بمواصلة العمل من أجل ازدهار الشعب السوري.

وأعلن ترامب اعتزامه رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا خلال اجتماع مع الرئيس أحمد الشرع في مايو/أيار الماضي. وعلّقت إدارته العقوبات مؤقتا. لكن من غير الممكن رفع عقوبات قيصر، وهي العقوبات الأشد صرامة، نهائيا إلا بموجب قانون يصدره الكونغرس.

وشكّلت العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام انتعاش الاقتصاد السوري، ويُعتبر رفعها دليلا على نجاح الحكومة السورية الجديدة.

وفرض قانون قيصر لعام 2019 عقوبات واسعة النطاق على سوريا استهدفت أفرادا وشركات ومؤسسات مرتبطة بالأسد، الذي حكم سوريا من عام 2000 حتى إطاحته في 2024.

وسُميت هذه العقوبات بالاسم الرمزي لمصور عسكري سوري سرب آلاف الصور المروعة التي توثق التعذيب وجرائم الحرب التي ارتكبتها حكومة الأسد.

المصدر: وكالات

——————————–

 إصلاحات مالية ورفع عقوبات.. هل تدخل سوريا مرحلة إنقاذ اقتصادي حقيقية؟

سوريا استفادت من قرارات عدد كبير من الدول برفع العقوبات الاقتصادية

الرياض – العربية

09 ديسمبر ,2025

شهدت الساحة الاقتصادية السورية أحداثاً متسارعة خلال العام الماضي في محاولة لتعويض التدهور الذي حدث على مدار سنوات طويلة من حكم آل الأسد والذي ازدادت حدته خلال فترة الحرب التي استمرت نحو 14 عاماً.

وبعد عزلة دولية كبيرة وعقوبات اقتصادية غير مسبوقة عادت سوريا للنظام المالي الدولي من خلال التواصل مرة أخرى مع صندوق النقد والبنك الدولي والأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العالمية، بالإضافة إلى المشاركة في الفعاليات الاقتصادية المحلية والإقليمية واستقبال المستثمرين للترويج للفرص الاستثمارية الجديدة في سوريا.

وتسعى الحكومة السورية لتنفيذ سلسلة من الإصلاحات المالية والنقدية لإنقاذ الاقتصاد الذي عاش في عزلة دولية لفترة طويلة أدت إلى غياب أي مؤشرات اقتصادية تعبر عن واقع سوريا بالإضافة إلى هجرة الشركات للأسواق بسبب العقوبات والفساد وانهيار العملة والتدهور الأمني في البلاد.

البداية كانت من التواصل مرة أخرى مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة فنية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في سوريا، وهو التعاون الذي يمكن أن يتطور في مراحل مقبلة لصياغة برنامج شامل بين سوريا وصندوق النقد.

رفع العقوبات

واستفادت سوريا من قرارات عدد كبير من الدول برفع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها، ولكن الأهم هو إلغاء “قانون قيصر” الذي يفرض عقوبات أميركية على سوريا والذي اقترب الكونغرس الأميركي من المصادقة على إنهاء العمل بها بعد تجميد سابق للعقوبات.

ووصف حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، ما يحدث بشأن رفع العقوبات المفروضة على سوريا بـ “المعجزة”، مؤكداً على تعاون سوريا مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ شهر أبريل الماضي لدعم استقرار العملة وتطوير السياسة النقدية.

وقال الحصرية: “صندوق النقد سيعمل معنا في بعض المبادرات وسيقدم لنا المساعدة الفنية لكننا لم نتوصل بعد إلى برنامج معهم”.

وبعد زيارة من صندوق النقد الدولي إلى سوريا مؤخراً، تم إصدار بيان تضمن الإشادة بما تنفذه السلطات السورية من إصلاحات اقتصادية ومالية مكنت من وضع الاقتصاد السوري على مسار التعافي الاقتصادي.

وأعلن صندوق النقد أنه تم الاتفاق مع سوريا على برنامج مكثف للتعاون خلال المرحلة المقبلة، وذلك بعد الانتهاء من تقييم الوضع الاقتصادي ومناقشة أولويات السلطات في مجال الإصلاح الاقتصادي وبناء القدرات.

العودة إلى “سويفت”

وبالإضافة إلى ذلك عادت سوريا إلى النظام المالي الدولي، حيث أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي منذ أيام عن إرسال أول رسالة “سويفت” إلى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك.

وتمثل تلك الخطوة أهمية كبيرة حيث تحتاج سوريا إلى إجراء تحويلات مع المؤسسات المالية الغربية من أجل إدخال مبالغ ضخمة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد الذي دمرته الحرب.

وقال الحصرية إن رفع العقوبات عن القطاع المصرفي انعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد المحلي، حيث انخفض التضخم بشكل ملموس، وتحسنت قيمة الليرة السورية.

ونظام “سويفت” هو شبكة مراسلة آمنة وموحدة عالمياً تسمح للبنوك والمؤسسات المالية بتبادل المعلومات والتعليمات المالية، وخاصة لعمليات التحويلات الدولية.

العملة السورية الجديدة

تتضمن خطط الإصلاح الاقتصادي إصدار عملة سورية جديدة بعد الانهيار التاريخي لليرة التي تراجع سعرها من مستوى 50 ليرة للدولار في عام 2011 إلى نحو 15 ألف ليرة عند سقوط بشار الأسد قبل عام، لترتفع الليرة حالياً إلى مستوى 11 ألف ليرة للدولار.

وأعلن مصرف سوريا المركزي عن طباعة عملة سورية جديدة من 6 فئات، لكن الجديد أنها ستكون خالية من الصور والرموز لتودع الليرة السورية صورة حافظ الأسد الرئيس الأسبق ونجله بشار.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي إنه سيتم إزالة صفرين من قيمة العملة السورية الاسمية، في خطوة تهدف إلى تبسيط التعاملات النقدية وتعزيز الثقة بالعملة المحلية.

وأوضح الحصرية أن العملة الجديدة ستُطبع لدى أكثر من جهة، لضمان الجودة والأمان والسرعة في عملية الإصدار، مشدداً على أن المصرف “سيقوم بكل ما يلزم للتخلص من آثار العملة القديمة”، بما في ذلك سحب الفئات المتقادمة تدريجياً من السوق.

وقال الحصرية إن العملة السورية الجديدة ستصدر بست فئات لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.

وأشار إلى أنه ستواكب إطلاق العملة الجديدة إجراءات مدروسة من قبل المركزي السوري، لضبط السيولة والحفاظ على استقرار الأسعار، تشمل مراقبة السوق النقدية، وضبط حركة الكتلة النقدية المتداولة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لضمان عدم حدوث تضخم أو مضاربات نتيجة طرح الفئات الجديدة.

وقال الحصرية إن إطلاق العملة السورية الجديدة سيسهم في معالجة جانب من مشكلة نقص السيولة، وخصوصاً من خلال استبدال الأوراق التالفة، وضخ أوراق نقدية حديثة أكثر جودة وتحملاً.

التحول الرقمي

تطوير القطاع المالي تضمن أيضاً الإعلان عن خطة شركة “فيزا” لتدشين عملياتها في سوريا، وذلك بعد الاتفاق مع مصرف سوريا المركزي على خارطة طريق لتطوير منظومة للمدفوعات الرقمية.

وقالت شركة “فيزا” إنها ستعمل مع المؤسسات المالية المرخصة في سوريا لتطوير أساس متين وآمن للمدفوعات، ويشمل ذلك إصدار بطاقات الدفع وتفعيل المحافظ الرقمية وفقاً للمعايير العالمية، لضمان الأمان والجاهزية الفورية للتعاملات الدولية.

وأوضحت الشركة أنه بالنسبة للتجار، فستساعد “فيزا” في تفعيل منظومة قبول المدفوعات الرقمية عبر منصة “فيزا” لقبول المدفوعات، التي توفر حلول قبول منخفضة التكلفة ومفتوحة مثل الدفع عبر الهاتف الذكي والرموز السريعة “QR”، لبناء شبكة شاملة ومتاحة.

وأكدت الشركة أن هذه الخطوات تعود بالفائدة على الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والتي تشكل ركيزة الاقتصاد المحلي، مما يمكّنها من الانخراط بشكل كامل في الاقتصاد الرقمي والمساهمة في خلق فرص العمل.

وأكد عضو جمعية المحللين الماليين في سوريا فراس حداد، أن تطوير منظومة الدفع الإلكتروني أصبح ضرورة ملحّة لانتقال سوريا إلى الاقتصاد الرقمي، خاصة في ظل مشكلات السيولة الحادة التي تعاني منها البلاد.

وأوضح حداد في مقابلة مع “العربية Business” أن سوريا خاضت تجارب سابقة في الدفع الإلكتروني عبر بعض البنوك العامة والخاصة، إلا أن تفعيل منظومة السوق مؤخراً جعل البيئة أكثر جاهزية لاستقبال أنظمة دفع متطورة.

وأكد حداد أن التعامل مستقبلاً مع أنظمة دفع دولية مثل “فيزا كارد” يتطلب توفر ثلاثة شروط أساسية: وجود مصارف محلية مرخصة تعمل كوسيط مع الشركات الدولية، وبنية تحتية تقنية قوية تشمل أجهزة الدفع وشبكات الاتصالات، إضافة إلى رفع العقوبات عن البنك المركزي وعودته الكاملة إلى نظام “سويفت”.

وحول إمكانية عودة خدمات “فيزا” إلى سوريا في 2026، أوضح حداد أن الأمر يعتمد على توافق المصالح بين الأطراف كافة، مشيراً إلى أهمية تحويلات السوريين في الخارج التي تُقدّر بنحو 2 مليار دولار سنوياً ولا تصل غالباً عبر قنوات رسمية.

وأضاف أن الدفع الإلكتروني قد يشهد انطلاقة أولية من خلال منصات افتراضية وربط خدمات QR بالهاتف المحمول، تمهيداً لإصدار البطاقات الكاملة لاحقاً.

سوق دمشق

تعمل الحكومة السورية على تطوير سوق دمشق للأوراق المالية، بالإضافة إلى إصدار تشريعات جديدة لتطوير آليات العمل في السوق المالية السورية بعد سنوات من الجمود.

وقال رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، عبدالرزاق قاسم، إن الهيئة تخطط لتطوير القطاع عبر أدوات مالية جديدة وتحديث البيئة التشريعية.

وأضاف أن الهيئة بالتعاون مع وزارة المالية تعمل حالياً على خطة لتطوير قطاع الأوراق المالية تعتمد على مرتكزات أساسية أبرزها تنويع الأدوات من خلال إصدار تشريع خاص لصناديق الاستثمار، وإعداد مشروع قانون للصكوك الإسلامية كأولوية قصوى وأداة تمويل أساسية للمشاريع المستقبلية، وزيادة عدد الشركات المساهمة العامة بوصفها إحدى ركائز النمو الاقتصادي.

وأكد أن الهيئة تعمل على تحديث تشريعاتها ومراجعة قانون تأسيس الهيئة وأنظمة عملها بهدف دعم بيئة التداول وتنظيم سوق دمشق للأوراق المالية وفق المعايير الحديثة.

وأوضح أن الهيئة تمكنت من إعداد نظام جديد لحوكمة الشركات ينسجم مع المعايير العالمية، ويهدف إلى تحسين أداء الشركات وتعزيز حقوق المساهمين عبر ضمان المعاملة المتساوية بينهم.

وفيما يتعلق بتوسيع عدد الشركات المدرجة في السوق، لفت قاسم إلى ضرورة توفير محفزات تشريعية مثل الإعفاءات الضريبية أو إلزام المشاريع الاستثمارية الكبيرة باتخاذ شكل شركة مساهمة عامة.

وفي مطلع يونيو الماضي عادت حركة التداول في سوق دمشق للأوراق المالية بعد توقفها نحو 6 أشهر.

وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية، عند إعادة افتتاح السوق: “الاقتصاد السوري بدأ في التحرك والانتعاش، وسوق دمشق للأوراق المالية ستكون شركة خاصة ومركزاً حقيقياً لتطوير الاقتصاد السوري، وسنعمل على مواكبة التطورات الرقمية”.

وأضاف برنية أن “رؤيتنا الاقتصادية تقوم على العدالة والإنصاف وريادة القطاع الخاص وجذب الاستثمار، وسنعمل على تيسير العمل وهناك فرص استثمارية واعدة”.

وقال برنية إنه يتم زيادة أيام التداول في سوق دمشق للأوراق المالية لتكون خمسة أيام، بدلاً من ثلاثة أيام.

وكان التداول في سوق دمشق قد توقّف بتاريخ 5 ديسمبر 2024، وذلك بسبب الحاجة إلى تقييم الوضع التشغيلي والمالي للشركات المساهمة، واستكمال الإفصاحات حول حجم الأضرار والخسائر التي لحقت بها، إضافة إلى الحد من مخاطر التلاعب وتهريب الأموال.

——————————–

سورية توقع اتفاقيات جديدة مع شركات سعودية لتطوير حقول النفط والغاز/ نور ملحم

09 ديسمبر 2025

وقّعت الشركة السورية للبترول أربع اتفاقيات مع شركات سعودية متخصّصة في النفط والغاز، وذلك خلال مراسم رسمية أُقيمت في مبنى وزارة الطاقة صباح اليوم الثلاثاء. وتأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الحكومية الهادفة إلى تطوير قطاع الطاقة وتعزيز التعاون مع الشركات الإقليمية، وهي جزء من مساعي الحكومة السورية لإعادة تأهيل البنية الإنتاجية للقطاع النفطي والغازي، وإدخال تقنيات جديدة تخدم خطط زيادة الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

وقالت مصادر في وزارة الطاقة السورية إن الاتفاقيات شملت تعاوناً واسعاً مع شركات سعودية متخصصة، حيث وُقِّعَت اتفاقية مبادئ أساسية مع شركة “ADES” لتطوير عدد من حقول الغاز وإنتاجها في سورية، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة الإنتاج خلال المرحلة المقبلة. كذلك وُقِّعَت اتفاقية مع شركة “ARGAS” لتقديم خدمات المسح الجيوفيزيائي والدراسات الجيولوجية. وفي الإطار نفسه، شملت التوقيعات اتفاقية مع شركة “TAQA” لتوفير حلول متقدمة ومتكاملة لبناء البنية التحتية لحقول النفط والغاز وصيانتها، اعتمادًا على أنظمة تشغيل وتطوير حديثة.

أما شركة “Arabian Drilling”، فقد وقّعت اتفاقية مبادئ لتقديم خدمات الحفر والصيانة الداعمة لعمليات الاستكشاف، وهو ما يعزز قدرات قطاع الطاقة السوري في مشاريع التنقيب المستقبلية. وقال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، إن لدى سورية خمس مناطق جديدة واعدة لاستكشاف الغاز في الساحل الغربي، موضحاً أن الدراسات الأولية تشير إلى فرص إنتاجية تحتاج إلى استثمارات وتقنيات متقدمة لتطويرها.

وأضاف قبلاوي لـ”العربي الجديد” أن الغاز يمثل “المفتاح الأول لإعادة تشغيل عجلة الكهرباء والصناعة”، مؤكداً أن الخطة الموضوعة ستضيف نحو 5 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال فترة تراوح بين عشرة أشهر وسنة، وهو ما يعني مضاعفة الإنتاج الحالي تقريباً في حال تنفيذ المشاريع وفق الجدول المحدد. وتستند المعطيات الرسمية إلى تقديرات احتياطيات الغاز المؤكدة في سورية، التي بلغت نحو 8.5 تريليونات قدم مكعب وفق بيانات عام 2015.

ويبلغ متوسط الإنتاج اليومي من الغاز غير المصاحب للنفط نحو 250 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 58 في المائة من إجمالي الإنتاج، بينما يشكل الغاز المصاحب للنفط 28 في المائة من الإنتاج، ويأتي معظمه من مناطق شرق الفرات، التي لا تزال خارج السيطرة الحكومية، وبالتالي لا يدخل إنتاجها ضمن حسابات الشركة السورية للبترول. أما غرب الفرات، وهي المنطقة التي تعمل فيها الشركة حالياً، فينتج نحو 10 آلاف برميل نفط يومياً بمزيج من الخفيف والثقيل والمكثفات، إلى جانب 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، يُستخدم معظمها لتشغيل محطات الكهرباء، فيما يُستورَد الغاز الإضافي لتغطية النقص في التوليد.

ورغم تواضع هذه الأرقام مقارنة بالإمكانات الطبيعية لسورية، إلا أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة واضحة، حيث بدأ العمل التقني فعلياً على رفع الإنتاج بطريقة منظمة وسريعة، بما يعكس الأثر المتوقع للاتفاقيات الجديدة على القطاع. بدوره، يرى الخبير الاقتصادي المختص في قطاع الطاقة، ممدوح الأشقر، أن هذه الاتفاقيات تأتي في وقت بالغ الحساسية بالنسبة إلى طموحات سورية في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد.

وأكد الأشقر لـ”العربي الجديد” أن “قطاع الطاقة كان يوماً العمود الفقري لاقتصاد سورية”، وأن ما تُخطّط له الحكومة اليوم من إعادة تأهيل للبنية التحتية للنفط والغاز قد يكون الخيار الاستراتيجي الوحيد لإعادة إنتاج الكهرباء والصناعة بأقل كلفة وأسرع وقت ممكن. وأضاف أن “التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توقيع الاتفاقيات أو بدء أعمال التنقيب، بل في بناء إطار تنظيمي وتقني يسمح بتحويل الاحتياطيات والوعود إلى واقع ملموس، بما يشمل إصلاح البنية التحتية، تحديث شبكات التوزيع، وتأمين التمويل الكافي، وهي متطلبات تراها دمشق أولوية وطنية”.

وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوسع تتبعه الحكومة السورية عبر توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع دول وشركات في مجالات الطاقة والخدمات، بهدف تحسين الواقع الخدمي ورفع مستوى المعيشة. وعلى الرغم من استمرار التحديات المرتبطة بالعقوبات وصعوبة التمويل، تأمل دمشق أن تمثل هذه الخطوات بداية لإعادة تنشيط قطاع الطاقة واستعادة جزء من دوره في الاقتصاد الوطني.

العربي الجديد

———————————

تحدبث 08 كانون الأول 2025

——————————-

سورية: رفع العقوبات الأميركية يغير قواعد اللعبة/ نور ملحم

08 ديسمبر 2025

بعد عام على التحرير السياسي الذي أنهى حكم بشار الأسد وأعاد توحيد مؤسسات الدولة، دخلت سورية مرحلة اقتصادية جديدة أنهت عقداً من الانكماش والحصار. فقد مثل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض، مايو/ أيار الماضي، رفع العقوبات الأميركية بالكامل، نقطة تحول سياسية واقتصادية فتحت الباب أمام أولى مؤشرات التعافي، من تحسن سعر صرف الليرة، إلى عودة الحركة التجارية وبدء نقاشات حكومية حول مشاريع كبرى في الطاقة والبنية التحتية. وعلى مدى السنوات الماضية، شكلت العقوبات منظومة ضغط شلت الاقتصاد السوري، إذ تجاوزت 2800 عقوبة طاولت قطاعات النفط والطاقة والمصارف والتجارة، وتسببت بانهيار الإنتاج النفطي من 380 ألف برميل يومياً إلى أقل من 30 ألفاً، وبسقوط الليرة وتوقف آلاف المصانع وارتفاع معدلات التضخم. ومع خسائر اقتصادية تقدر بنحو 530 مليار دولار وفق “إسكوا” والبنك الدولي، بدا رفع العقوبات أول فرصة لفتح نافذة اقتصادية جديدة تعيد لسورية قدرتها على التقاط أنفاسها بعد عقد من الاختناق.

قرار يبدل قواعد اللعبة

ويرى الخبير الاقتصادي عمار اليوسف، أن رفع العقوبات يشكل تحولاً رمزياً يعيد الثقة لاقتصاد أنهكته الحرب، ويفتح نافذة لتنشيط الاستثمارات العربية في قطاعات حيوية. ويؤكد أن التعافي لن يكون سريعاً، لكنه ممكن مع الإرادة السياسية والإصلاحات التي تعيد ترتيب بيئة الأعمال، مستفيداً من المقومات البشرية والجغرافية التي تمتلكها سورية. ويوضح الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، أن تجميد العقوبات كسر العزلة المالية وفتح قنوات التحويلات والتمويل، ما سمح باستعادة جزء من الأصول المجمدة، وانعكس مباشرة على المؤشرات النقدية، حيث تحسنت الليرة بنحو 16% وتزايدت التدفقات المالية، ما عزز الثقة بالسوق.

وفي السياق نفسه، يشير عميد كلية الاقتصاد، علي كنعان، إلى أن رفع العقوبات يمهد لإعادة دمج البنوك السورية في النظام المالي العالمي عبر فتح نظام سويفت، متوقعاً تدفق نحو 10 مليارات دولار، بينها أموال البنك المركزي المجمدة، وهو ما سيكون له أثر حاسم على استقرار سعر الصرف وتمويل مشاريع إعادة الإعمار. ويصف أستاذ الاقتصاد زياد عربش، رفع العقوبات بأنه فرصة تاريخية قد لا تتكرر، مؤكداً ضرورة استثمارها سريعاً لإحياء طاقات اقتصادية معطلة تتجاوز 80%. ويدعو إلى خطة عاجلة لإعادة تشغيل المنشآت وجذب تحويلات المغتربين واستثمارات عربية ودولية، عبر شراكات استراتيجية ومناطق صناعية وتجارية خاصة تخلق قيمة مضافة وتوسع قدرة التصدير. ويقدر باحثون أن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة قد يراوح بين 8 و12 مليار دولار خلال عامين، إذا توفرت بيئة أعمال مستقرة وإرادة إصلاحية واضحة.

تحولات سياسية ودبلوماسية

يشكل التقارب السياسي والدبلوماسي المحيط بسورية، وعلى رأسه لقاء ترامب بالرئيس أحمد الشرع في الرياض، ثم لقاء في واشنطن، مؤشراً على إعادة صياغة العلاقات الأميركية – السورية بعد سنوات من القطيعة. هذا التحول تزامن مع حراك سعودي وقطري وتركي هدفه دعم مسار تسوية سياسية اقتصادية أوسع، ومع أصوات أوروبية بدأت تطالب بمراجعة أنظمة العقوبات لما تسببت به من تعقيد للأزمة الإنسانية وإعاقة لجهود الإعمار. ويرجع الخبير الاقتصادي أيمن الديوب هذا الانفتاح إلى اقتناع دولي بأن العقوبات عمقت الانقسام والفقر والهجرة، وقوضت مسار بناء الدولة، معتبراً أن رفع القيود يمنح الحكومة أدوات للتواصل مع المناطق الخارجة عن سيطرتها عبر حلول اقتصادية مباشرة.

ويشير الديوب إلى أن تحسن المؤشرات المعيشية يرتبط مباشرة بانخفاض الجريمة وتهدئة التوترات، إذ يؤدي تحسن العملة وخلق الوظائف إلى تخفيف دوافع الهجرة والاقتصاد الموازي. كذلك يساعد التعافي الاقتصادي، برأيه، على إعادة هيكلة الأجهزة الإدارية والأمنية وفق مقاربات تركز على حماية المدنيين والاستقرار الاجتماعي. ومع بدء مرحلة ما بعد العقوبات، تستعيد سورية موقعها الجيوسياسي، لكونها عقدة ربط بين أسواق تركيا والعراق والأردن ولبنان والخليج، ما يعزز قيمتها الاستراتيجية ويفتح المجال لشراكات إقليمية جديدة. ويتوقع الديوب أن تشهد الفترة المقبلة عودة تدريجية لملايين اللاجئين مع تحسن الظروف الداخلية، الأمر الذي يخفف الضغط عن الدول المضيفة ويعيد التوازن الديمغرافي في الداخل، ويمهّد لتعاون أوسع في مجالات الطاقة والنقل والإعمار.

تدفق تمويلات دولية

وأعاد رفع العقوبات فتح الباب أمام تدفق تمويلات دولية ضخمة لإعادة الإعمار تقدر بين 250 و400 مليار دولار، ستتجه إلى قطاعات إنتاجية وخدمية تمتد من الطاقة والاتصالات إلى البنية التحتية والمرافئ والمناطق الصناعية. ويرى خبراء أن دخول التكنولوجيا الحديثة، من الطاقة المتجددة إلى أنظمة النقل والاتصالات المتطورة، يشكل أحد التحولات الحاسمة في إعادة دمج سورية بالاقتصاد العالمي. لكن هذا المسار، كما يحذر اقتصاديون، لا يمكن أن ينجح دون شفافية عالية وإدارة رشيدة ومكافحة فعالة للفساد، وهي متطلبات ما زالت مرتبطة بإرث ثقيل من سنوات الحرب. ويمثل رفع العقوبات نقطة تحول تتجاوز الاقتصاد إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بمواطنيها والعالم. ورغم التحديات الهائلة، فإن التدفقات الاستثمارية وعودة القنوات الدبلوماسية وانطلاق مشاريع البنية التحتية ترسم ملامح مرحلة جديدة تتجه فيها سورية نحو نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً واستقراراً، في انتقال لن يقاس بالأسابيع، بل بمؤشرات واضحة تشير إلى انتهاء زمن الحصار وبداية فصل بناء لا يقل أهمية عن التحرير نفسه.

العربي الجديد

—————————-

سنة أولى اقتصاد: التصدير في سورية محاصر والبنوك مقيدة/ نور ملحم

08 ديسمبر 2025

شهد العام الاقتصادي الأول في عهد الرئيس السوري أحمد الشرع مرحلة انتقالية حساسة سعت خلالها الحكومة إلى إعادة ترتيب المشهد الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الانكماش والاضطراب. ارتكزت السياسات على تثبيت مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتنشيط بيئة الاستثمار، وتحسين حركة التجارة، وتطوير الأطر القانونية والمؤسسية. ورغم الزخم السياسي والاقتصادي المصاحب لبداية المرحلة الجديدة، بقيت النتائج متفاوتة، وأفرزت مساراً هشاً يراه الخبراء بحاجة إلى مزيد من الاستقرار والوضوح. وركزت الحكومة في عامها الأول على دعم القطاعات الإنتاجية الأساسية، مثل الزراعة، والصناعات التحويلية، والطاقة، لتعويض جزء من الخسائر الناتجة من الحرب وتدهور البنية التحتية. لكن الناتج المحلي الإجمالي ظل دون نصف المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة، نتيجة نقص الاستثمارات الأجنبية وتعطل مساحات واسعة من القدرة الإنتاجية.

يقول الخبير الاقتصادي أنس فيومي لـ”العربي الجديد”: “الاقتصاد السوري يمر بمرحلة انتقالية مهمة، شهدت بعض التحولات الإيجابية مثل رفع العقوبات الغربية والأميركية، وتحسن حركة المعاملات المالية والتجارية، وعودة النشاط المصرفي تدريجياً، بما في ذلك افتتاح فروع للبنوك وتحسين الخدمات المصرفية، إضافة إلى محاولات إدخال أنظمة الدفع الإلكترونية”. وشهدت السنة أيضاً إطلاق برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفتح المجال أمام الاستثمار المحلي والعربي، لكن حجم المخاطر السياسية والاقتصادية ظل مانعاً رئيسياً أمام تدفق استثمارات أجنبية مباشرة، ما جعل الحكومة تعتمد على تمويلات محدودة من صناديق الدولة. كذلك عملت على رفع رواتب القطاع العام وتحسين بعض الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، مع تقدم ملحوظ في إعادة تأهيل محطات التوليد.

قطاع مصرفي مقيد

وواجه القطاع المصرفي قيوداً واسعة بسبب نقص السيولة واحتياطات النقد الأجنبي، ما حد من قدرة المصارف على الإقراض وتمويل النشاط الاقتصادي. وحاولت السلطات ضبط التعامل بالعملات الأجنبية وتثبيت سعر الصرف، لكن الإجراءات بقيت دون سياسة نقدية متماسكة أو أدوات قادرة على امتصاص الاختلالات في السوق. ويقول الدكتور محمد خير لـ”العربي الجديد” إن “تثبيت سعر صرف الليرة عند حدود 11 ألفاً للدولار في منتصف 2025 لم يكن نجاحاً نقدياً، بل هدنة مالية بين الحكومة ومكاتب الصرافة التي احتجزت الكتلة النقدية السورية، ما أدى إلى عجز المصارف عن توفير السيولة”.

ويضيف أن “استعادة الثقة بالعملة ليست مسألة إجراءات مالية فقط، بل مسألة سردية وطنية. فالدولة الجديدة ما زالت تبحث عن شكلها، ولذلك بقيت الليرة تبحث عن وزنها. وارتفاع أسعار الكهرباء والاتصالات لم يترجم إلى خدمات أفضل، وتحول الاقتصاد إلى شبكة من الرسوم والإتاوات تحت عنوان إعادة الإعمار، بينما يتسع نطاق الفقر”. ورغم محاولات ضبط الأسعار، بقيت الأسواق رهينة التضخم وتقلبات سعر الصرف. والاعتماد الواسع على الاستيراد جعل الأسعار تتحرك مع أي توتر في سوق القطع. وأكد فيومي أن تقييم التحسن الاقتصادي غير ممكن دون بيانات رسمية دقيقة، مضيفاً أن الوزارات لم تنشر حتى الآن مؤشرات واضحة حول الناتج المحلي، التضخم، أو ميزان المدفوعات.

التصدير محاصر والنقل يتحسن

وبقي الميزان التجاري سلبياً نتيجة ضعف الصادرات وارتفاع كلفة الواردات، فيما يواجه المصدرون، وفق مدير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، فراس غفير، عقبات داخلية، كتهالك البنية التحتية للنقل، وارتفاع تكاليف الشحن، وخارجية، مثل العقوبات وتأخير المعابر ورفض أساطيل النقل القديمة. ويؤكد غفير أن اعتماد الصادرات على مواد أولية مقابل واردات مصنّعة يفاقم العجز التجاري. وبالتوازي، نشطت الدبلوماسية الاقتصادية عبر اتفاقيات مع دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة، بينما أقرت الحكومة حزمة قوانين لتحسين بيئة الأعمال وتنظيم الجمارك والضرائب وإنشاء صناديق لدعم الإنتاج وإعادة الإعمار وتعزيز الصادرات.

في المقابل، شهد قطاع النقل تحسناً تدريجياً بعد فتح الطرق الرئيسة وتأهيل شبكات متضررة، وأكد وزير النقل يعرب بدر أن “العمل على استعادة خدمات النقل يسير وفق خطة مرحلية، مع التركيز على البنية التحتية المتضررة، وأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى وقت، خصوصاً في ما يتعلق بشبكة الطرق والمواصلات الحديدية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات النزاع”. وأضاف لـ”العربي الجديد” أن الحكومة تسعى لإنشاء طرق بمواصفات عالية وتأهيل الشبكات القائمة لتكون أكثر أماناً وكفاءة، إلى جانب تطوير شبكة خطوط حديدية قادرة على نقل البضائع والمواطنين بشكل فعال، مشدداً على أن “الاستثمار في النقل لا يقتصر على إعادة فتح الطرق، بل يشمل تطوير منظومة متكاملة تضم الطرق السريعة والجسور وخدمات النقل العام والبنية اللوجستية لضمان حركة اقتصادية مستدامة وتحقيق ربط حقيقي بين المحافظات والمناطق المحررة، ما ينعكس إيجاباً على التجارة الداخلية وتدفق الاستثمارات”.

ووفق خبراء ومراقبين، فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية نقدية واضحة، واستعادة الثقة بالليرة، وإصلاح النظام المصرفي، والسيطرة على التضخم. كذلك يشددون على ضرورة إصدار بيانات اقتصادية دقيقة لتقييم الأداء، في ظل تقديرات دولية تشير إلى ناتج محلي لا يتجاوز 9 مليارات دولار مقابل 68 ملياراً قبل الأزمة. ويؤكدون أن غياب البيانات يشكل عائقاً أساسياً أمام التخطيط ووضع سياسات اقتصادية فعالة.

————————————-

سورية: عام على الجمهورية الثالثة/ عدنان عبد الرزاق

08 ديسمبر 2025

حتى تاريخه، وبعد مضي عام بالتمام والكمال على تحرير سورية، تبدو منطقة هروب بشار الأسد وانهيار نظامه بتلك الصورة المذلة والسريعة، أمراً يجوز فيه غير احتمال وتأويل وتفسير، فالذي جرى كان، وبأبسط الألفاظ، خروجاً عن كل التوقعات وأعظم من أقصى أحلام أكثر السوريين تفاؤلاً، لكنه ودونما دخول بسيناريوهات السقوط وأسبابه وفواعله، ها هو قد حصل ومرّ عليه عام، ليكون تتويجاً لتضحيات وعذابات السوريين ليبدؤوا مرحلة جديدة ببناء جمهوريتهم الثالثة، بعد أول جمهورية تلت الاحتلال الفرنسي والثانية بعد الانفصال عن مصر وما يقال عن ثورة حزب البعث.

ويبدو أن الجمهورية الثالثة مختلفة عن سابقتيها، بل وربما عن الذهنية والتراكم السوريين، السياسي والاقتصادي وحتى العلاقات، أو هكذا يبدو خلال العام المنصرم على الأقل، إذ باتت سورية وبعد هروب “النظام الاشتراكي البعثي” لا شرقية ولا غربية، بل تحاول السلطة في دمشق، إعادة تعريف سورية، هوياتياً واقتصادياً وسياسياً، آخذة من شعارات كبيرة، كالاقتصاد الحر والانفتاح على الجميع والانخراط بالنظام العالمي، المالي والاقتصادي وحتى السياسي، أدوات لتسريع الاندماج وإلغاء العقوبات والبدء مع الجميع من مبدأ، تحرير سورية يجب ما قبله وعفا الله عمّا مضى.

وبعيداً عمّا قد ينتج عن ذاك “الانفتاح على الجميع” من عقابيل أو اختلاط وتضارب، بيد أن النتائج حتى اليوم، تبدو جيدة إن لم نقل أكثر، فأن تعرف السلطة بدمشق طريقها لواشنطن ويزور رئيسها البيت الأبيض لتزال بعد ذاك العقوبات وتتحسن المعاملات المالية، فهذا إنجاز يحسب للدبلوماسية السورية، وأن تؤاخي بين الأضداد لتمد، بالوقت نفسه، الجسر من جديد مع روسيا ويزور الرئيس أحمد الشرع موسكو، فذاك يعظّم من الإنجاز. وهكذا على صعيد دول المنطقة وما يقال عن اختلاف بالسياسات بين تركيا والسعودية ومصر أو بين دول الجوار ذاتها، بما فيها دول الخليج العربي التي كانت وجهة سلطة دمشق الأولى وكان للرياض والدوحة، الأثر الأهم ربما، بتسريع الانفتاح والدعم الإسعافي بُعَيد التحرير، لتقف سورية على قدميها وتبتعد عن حافة الثأرية والحرب الداخلية أو الانهيار المجتمعي والاقتصادي.

رجل يحمل كمية من الليرات السورية ويغادر البنك المركزي في دمشق. 21 مايو 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)

قصارى القول: ثمة ملاحظات جلية وكبيرة يمكن تسجيلها على الاقتصاد السوري خلال عام، مع تبدلات يمكن وصفها بالمكملة لصيرورة الأحداث المتسارعة، رغم أنها تحمل من الغرائبية ما يحسب للحكم السوري الجديد.

أول تلك المشاهدات أن الاقتصاد السوري عاش عاماً كاملاً من دون موازنة عامة للدولة، بل لم يشفع، اقتصادياً وعلمياً، أن نكتفي بما أعلنته رئاسة الوزراء “أيام الحكومة الانتقالية الثانية” أنها ستعتمد على مبدأ الموازنة الاثني عشرية للسنة المالية 2025 بالاستناد إلى جزء من اثني عشر جزءاً من اعتمادات السنة المالية السابقة.

ببساطة لأن الموارد اختلفت وكذا الإنفاق، الجاري والاستثماري، وتبدلت معهما، بواقع النهج الجديد، طرق الدعم والأجور والتعاطي الخارجي، ما يحيل القياس أو العمل وفق جزء اثني عشري من موازنة سابقة، تبرير أو تسويق، ليس إلا، بأن الحكومة تعمل وفق رؤية وليس خبط عشواء.

والحال ذاته ينسحب على موازنة العام المقبل التي توقع وزير المالية، محمد يسر برنية خلال مقابلة تلفزيونية (20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي) أنها ستشهد فائضاً قليلاً، من دون أن يحدد قيمة تلك الموازنة أو حتى تقر من البرلمان أو يصدر بها مرسوم على اعتبار عدم وجود برلمان بسورية وقتذاك.

وعدم وجود موازنة عامة يعني ارتجالاً، ويعني غياب رقابة، ويعني فيما يعني أيضاً، إشارات استفهام وتعجباً حول الموارد والنفقات، ومن ثم قانون قطع الحسابات الذي يقول لنا ماذا نُفّذ وأين تم الاتفاق وما هي نسبة العجز أو الفائض.

وربما ثاني المشاهدات خلال العام الأول من عمر سورية ما بعد الأسد، كان نسف هوية سورية الاقتصادية المختلطة بالسابق، بين التخطيط المركزي والاقتصاد الاجتماعي، ليتم ومنذ الأيام الأولى لوصول إدارة الحكم الجديد، إعلان اقتصاد السوق الحر.

وبعيداً عن مخاطر التحول بالصدمة وما قد ينتج عنه من آثار، شكلية وبنيوية، على اقتصاد مهدم جراء الانفتاح ومنافسة عرجاء، أو على شعب يعيش أكثر من 90% منه تحت خط الفقر، عرفت الجمهورية الثالثة إدارة الاقتصاد بعيداً عن الانهيار، بل وأحدثت تحولات تحسب لها، سواء على صعيد توفير السلع والمنتجات وحوامل الطاقة، أو على مستوى تحسين مستوى المعيشة وزيادة الأجور، أو وهو الأهم، حماية المنشآت والمؤسسات من الانهيار وإعلان الإفلاس.

ورغم أن الوقت مبكر لإطلاق الحكم على نجاعة النهج الجديد، بيد أن ما بين أيدينا من دلائل، ربما يؤكد صوابية القرار السوري الاقتصادي الذي جازف بقرار الانفتاح بخطوة تشبه المجازفة بالحرب على نظام الأسد وتحرير سورية، من دون أن يمد يده للمؤسسات المانحة أو المقرضة ويضع سورية الجديدة تحت وطأة الإملاءات أو وصفات المؤسسات المالية الدولية.

وتأتي خطوة تثبيت سعر الصرف، بعد تحسنه المباشر إبان التحرير، من الملاحظات التي تحسب لدمشق، فأن تعرف إدارة الحكم أو السلطة النقدية طريقة لمنع انهيار العملة السورية التي تفقد، عملياً وواقعياً، جميع مبررات الصمود واستمرار التداول بواقع نفاد كامل الاحتياطي النقدي بالمصرف المركزي وتراجع الإنتاج والتصدير، لحدود صفرية ربما، فهذا إنجاز وإن اعتمد على حوامل سياسية أو دعم خارجي أو اتكأ على عامل الثقة وآمال السوريين على المستقبل وليرتهم.

ليأتي قرار تبديل العملة بعد حذف أصفار، والتي قد نرى تداولها اليوم، خلال الذكرى الأولى للتحرير، خطوة متممة لهوية الجمهورية الثالثة، وإن فيها وعليها بعض المخاوف، على اعتبار سعر صرف العملة ومكافحة التضخم لا يتعلقان بشكل ولون وأرقام وحدة العملة النقدية، بقدر ما يرتبطان مباشرة بثقة المتعاملين والمدخرين ووجود المصارف وسهولة التعامل والتحويل، وبما تستند عليه من أرقام احتياطي وصادرات وعائدات سياحة.

وآخر الملاحظات الجليّة وأهمها ربما، هو الاستثمار وما قيل عن جذب سورية لنحو 30 مليار دولار، أو بصيغة أدق، التعاقد لجذب هاتيك المليارات والتي لا شك، لأن رأس المال محق وليس جباناً، تنتظر البيئة والمناخ وعوامل الجذب والاستقرار.

وقلنا أهم الملاحظات لأن سورية لن تبدأ بالعد التصاعدي وبدء دوران عجلة الإنتاج وحركة الاقتصاد والنمو، من دون ضخ الأموال بعروق اقتصادها المهدم والمنهك، لأن الاعتماد على الموارد المحلية أو حملات التبرع التي رأيناها، خلال الأشهر الأخيرة، هي إسعافية وتقي سورية من الانهيار وتساعد اللاجئين والنازحين بترميم منازلهم وتأهيل المؤسسات الضرورية، لكنها لا تبني اقتصاداً يوازي الانفتاح السياسي أو حجم الآمال التي تبثها السلطة للشعب الفرح اليوم.

كما من الملاحظات الثانوية أو المساندة التي جاءت كضرورة سيرورة وانفتاح، رأينا المعارض المستمرة، القطاعية والثنائية مع دول أخرى، وتابعنا زيارات واتفاقات ومؤتمرات إعمار، إلى جانب إعادة هيكلة لشكل وبنية سورية الجديدة. والتي مجتمعة، تساند وتسرّع إن جاءت تالية للملاحظات الرئيسية وبمقدمتها تحقيق الاستقرار والأمان وخلق بيئة سورية جاذبة، بالتوازي مع بناء الثقة ومكافحة الفساد والتفاعل مع الخارج.

نهاية القول: واقعياً ووفق ما جرى ومتوقع أن يجري بالاستناد على الواقع والوقائع، يمكن القول، ورغم التحديات الماثلة والمخاطر المتوقعة جراء توحيد سورية جغرافياً، إن الجمهورية الثالثة حققت انفتاحاً سياسياً ودبلوماسياً يؤهلها لشراكات استراتيجية ومستدامة، بل وعودة سورية لمركز استراتيجي بالمنطقة، يوازي تراكمها الحضاري وما تكتنزه من ثروات وخبرات ورأسمال بشري.

وسرعة التحول، إن سارت الأمور من دون انفجارات أو تدخل خارجي، ستتعدى التوقعات التي صدرت قبل عام، وقت دخل الثوار دمشق فاتحين، فوقتها أو بعد ذاك بقليل، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن سورية بحاجة إلى أكثر من 50 عاماً على الأقل، لاستعادة المستويات الاقتصادية إلى مرحلة ما قبل الحرب، معتمداً على حجم الخسائر الهائلة خلال معارك الثورة والتحرير المقدرة بنحو 800 مليار دولار وعلى تراجع الناتج الإجمالي بنسبة 50% ونسبة الفقر من 33 إلى 90%، من دون أن يأخذ التقرير الأممي المهني بالاعتبار، أن نجاح سورية قرار دولي ومشيئة إقليمية وتصميم داخلي، والتي عندهم، تسقط التوقعات العلمية أو تخيب على أقل تقدير.

————————————

 في الذكرى الأولى للتحرير.. إلغاء “قيصر” قاب قوسين أو أدنى/ إدلب – أحمد العقلة

الاثنين 2025/12/08

في تطور تاريخي يُنهي واحدة من أقسى فصول العقوبات الاقتصادية في العصر الحديث على سوريا، يتجه الكونغرس الأميركي نحو إلغاء كامل لقانون قيصر، نهاية الشهر الجاري.

وقال مصدر خاص من واشنطن، لـ”المدن”، إن الوثائق المتاحة تكشف أن هذا الإجراء ليس مجرد تخفيف للعقوبات، بل إعدام كامل للقانون الذي فُرض عام 2020 على نظام بشار الأسد، مما جعل سوريا أكثر الدول تعرضاً للعقوبات في تاريخ الولايات المتحدة.

وأوضح المصدر أن الإلغاء يشمل نقاطاً حاسمة: إلغاء كامل ونهائي للقانون دون آلية لعودة العقوبات تلقائياً (Snapback)، ودون ربطها بأي شروط مستقبلية تقيّد سوريا كدولة. كما يتضمن إرفاق تقرير لمدة أربع سنوات يلتزم فيه البيت الأبيض برصد الوضع في سوريا ورفع تقييم دوري إلى الكونغرس.

وفي النص، يُشار إلى أن الرئيس الأميركي “قد يأخذ بعين الاعتبار” استخدام صلاحياته الحالية لفرض إجراءات موجهة على أفراد محددين، إذا لم يلتزموا بالمعايير المذكورة، دون منح صلاحيات جديدة. هذه الفقرة ليست قانون عقوبات جديداً، بل تصريح سياسي غير ملزم، أشبه بالبيانات التي يصدرها مجلس الشيوخ للتعبير عن موقف، لا لفرض منظومة عقاب جديدة على دولة بأكملها.

إعدام قانون قيصر

وتابع: “بمعنى آخر، يُعدم قانون قيصر تماماً، ولا يوجد في النص ما يُشير إلى قيصر 2”. ما تبقى هو مجرد تذكير سياسي بأن واشنطن تحتفظ دائماً بأدواتها ضد الأفراد الذين يختارون تخريب السلام، لا ضد الشعوب التي تبحث عن حياة كريمة. وأُدرجت الصياغة النهائية للإلغاء ضمن، حزمة قوانين الدفاع الأميركية، مع توقع التصويت عليها نهاية هذا الأسبوع في الكونغرس. وبحسب مصادر برلمانية، فإن حجم التوافق الحزبي يجعل النتيجة شبه محسومة، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة بعنوان: سوريا بلا قيصر، وسوريا بلا عقاب جماعي.

في الشارع السوري، بدأ الكثيرون يطلقون على هذا اليوم اسم “يوم التحرير الاقتصادي”، إذ يمثل اليوم الذي تحررت فيه لقمة السوري من المقصلة المالية، وانتقلت فيه البلاد من خانة “الدولة المحروقة بالعقوبات”، إلى “الدولة القابلة للتعافي والاستثمار”.

وبدأت رحلة التحرر من قيصر فعلياً في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لحظة الانتقال من “سوريا الأسدية المعاقبة” إلى “سوريا الجديدة قيد التحرير”. منذ ذلك اليوم، انطلقت هندسة معقدة من الضغوط الدبلوماسية شاركت فيها عواصم الإقليم مثل الدوحة والرياض وأنقرة، بالتنسيق مع واشنطن، لفتح مسار جديد يقطع مع مرحلة الأسد ويمنح السوريين فرصة للتعافي الاقتصادي”.

سياسة الشرع قلبت المعادلة

ولفت المصدر إلى أنه “في قلب هذه المعادلة، برزت سياسة الرئيس أحمد الشرع؛ سياسة هادئة لكنها حاسمة، نسجت تناغماً نادراً مع أولويات واشنطن، وخلقت توازناً قوى بين مصالح الإقليم ومتطلبات الأمن الأميركي، دون التفريط بسيادة سوريا أو مستقبل شعبها”.

وقال: “لم يكن الطريق معبداً. داخلياً، حاولت بعض الفئات اللعب على وتر الطائفية لتمزيق الشارع السوري وإسقاط (النظام الحديدي الجديد)، عبر إعادة إنتاج خطاب الكراهية والانقسام”. فيما إقليمياً، ظلت الأطماع الإسرائيلية حاضرة، تسعى لاقتناص ما يمكن من الأرض والقرار السوري تحت غطاء الفوضى والعقوبات. لكن الشرع، بحسب المصدر، “نجح في قلب هذه الموازين: احتوى النزعات الطائفية وفتح أفق دولة مواطنة لا مزارع طوائف، وأدار معارك السياسة بحنكة جعلت سوريا تتحول من ملف أمني إلى فرصة استثمار في الاستقرار الإقليمي”.

ونوه إلى أن “المنعطف الأكبر في معركة إعدام قيصر، كان لقاء الرئيس أحمد الشرع مع النائب براين ماست، الذي وُصف طويلاً بأنه أكبر عقبة  أمام إلغاء القانون داخل الكونغرس”.

خلال الاجتماع، الذي كان جوّه متوتراً في البداية، قلب الشرع الطاولة بموقف حاسم قائلاً: “نحن هنا لا لنغرق في الماضي، بل لنعمل من أجل هدف نبيل لشعبي، ولأمن منطقتكم ومنطقتنا معاً.” في تلك اللحظة، تغير مسار النقاش، حيث رد ماست قائلاً: “حان للشعب السوري وللمنطقة أن ينعموا بالسلام، لا أن يظلوا رهائن لصراعات لا تنتهي”.

—————————-

 تعديل في الكونغرس يلغي قانون قيصر ويهدد تسليح الجيش اللبناني

لاثنين 2025/12/08

يتّجه الكونغرس الأميركي إلى مناقشة مشروع تعديل على “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA)، يُلغي بالكامل عقوبات “قانون قيصر” المفروضة على سوريا، ويُعيد رسم شروط المساعدات العسكريّة للبنان، ويُشدِّد المتابعة الاستخباريّة لتدخّل القوى الخارجيّة في النزاع السوداني. ويُتوقَّع أن يُطرَح التعديل على التصويت خلال هذا الأسبوع.

إلغاء “قانون قيصر” مقابل شروط على دمشق

وتنصّ المادة “8369” من التعديل على إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيّين في سوريا لعام 2019” إلغاءً كاملًا.

وفي المقابل، يُلزِم التعديلُ رئيسَ الولايات المتحدة، في غضون 90 يومًا كحدٍّ أقصى من تاريخ صدور القانون، ثم كل 180 يومًا ولمدّة أربع سنوات، بتقديم تقرير غير سرّي، مع ملحق سرّي عند الضرورة، إلى لجان رئيسيّة في مجلسَي النواب والشيوخ، يشهد فيه عمّا إذا كانت الحكومة السوريّة تقوم بسلسلة خطوات محدَّدة، أبرزها:

    اتخاذ إجراءات ملموسة وملحوظة للقضاء على التهديد الذي يمثّله تنظيم “داعش” وسائر الجماعات الإرهابيّة، بما فيها تنظيم “القاعدة” وفروعه، بالتعاون مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور “داعش”،

    إزالة، أو اتخاذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة ومؤسّسات الدولة والأمن،

    احترام حقوق الأقليّات الدينيّة والإثنيّة، بما يشمل حريّة العبادة والعقيدة، وتأمين تمثيل عادل ومنصف في الحكومة بما في ذلك الوزارات والبرلمان،

    الامتناع عن القيام بإجراءات عسكرية أحادية وغير مُستفَزّة ضد الجيران، بما في ذلك دولة إسرائيل، مع مواصلة السعي إلى اتفاقات أمنيّة دوليّة عند الاقتضاء،

    اتخاذ خطوات ملموسة وذات مصداقيّة لتنفيذ “اتفاق 10 آذار/مارس 2025” الذي تمّ التفاوض عليه بين حكومة سوريا و”قوّات سوريا الديمقراطيّة”، بما في ذلك دمج قوّات الأمن وتكريس التمثيل السياسي،

    تعزيز مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما يتماشى مع المعايير الدوليّة، وعدم تمويل أو مساعدة أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعة للعقوبات، بما في ذلك المنظّمات الإرهابيّة، على نحو يضرّ بالأمن القومي للولايات المتحدة أو حلفائها وشركائها في المنطقة،

    ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليًّا منذ 8 كانون الأوّل/ديسمبر 2024، بما يشمل المسؤولين عن المجازر بحق الأقليّات الدينيّة،

    اتخاذ خطوات يمكن التحقّق منها لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدّرات، وعلى رأسها “الكبتاغون”.

ويُلزِم التعديلُ الرئيسَ الأميركي بإبلاغ الحكومة السوريّة بنتائج هذا التقرير.

وفي حال تعذّر عليه تقديم “شهادة إيجابيّة” حول التزام دمشق بهذه المعايير في فترتَي تقريرٍ متتاليتين، “يجوز له” أن ينظر في فرض عقوبات موجّهة على أفراد، استنادًا إلى الصلاحيّات القائمة، إلى أن يتمكّن من تقديم شهادة إيجابيّة لاحقًا.

مساعدات لبنان: ربط بالدور ضد “حزب الله” واحتمال تعليق الدعم

في ما يتعلّق بلبنان، يُعدِّل التعديلُ البند المتعلّق بالدعم الأميركي للقوّات المسلّحة اللبنانيّة، بحيث يُضاف إليه نصٌّ واضح بأنّه “لا يجوز استخدام هذا الدعم إلّا لتعزيز قدرة القوّات المسلّحة اللبنانيّة على مواجهة التهديد الذي يمثّله حزب الله اللبناني وأي منظّمة إرهابيّة أخرى تُهدِّد أمن لبنان وجيرانه”.

كما يُمدَّد العمل بالبرنامج الحالي، عبر استبدال تاريخ “31 كانون الأوّل/ديسمبر 2025” بتاريخ جديد هو “31 كانون الأوّل/ديسمبر 2026”.

وتحت عنوان “تعزيز الشراكة الأمنيّة مع الأردن ولبنان”، يكلِّف التعديلُ وزيرَ الدفاع الأميركي السعي، استنادًا إلى الصلاحيّات القائمة، إلى تقديم مساعدات تشمل التدريب، والمعدّات، والدعم اللوجستي، والإمدادات، والخدمات، لكلٍّ من حكومتَي الأردن ولبنان، وذلك من أجل:

    دعم وتعزيز جهود القوّات العسكريّة الأردنيّة،

    وزيادة قدرات القوّات المسلّحة اللبنانيّة بهدف نزع سلاح “الجماعة الإرهابيّة المدعومة من إيران، أي حزب الله”.

ويُلزَم وزيرُ الدفاع، بالتنسيق مع القيادة المركزيّة الأميركيّة ووزارة الخارجيّة، بأن يقدّم في موعد أقصاه 30 حزيران/يونيو 2026 تقريرًا إلى لجان الدفاع في الكونغرس، يشرح فيه خطّة وزارة الدفاع لتقديم هذه المساعدة. ويتضمّن التقرير، في الحدّ الأدنى:

    وصفًا للصلاحيّات المعمول بها لتقديم المساعدة لكلٍّ من الأردن ولبنان،

    توضيح الأهداف الاستراتيجيّة للمساعدة، والفجوات في القدرات التي تسعى إلى معالجتها، والوحدات المستفيدة في القوّات المسلّحة في البلدين،

    تحديد فرص نقل معدّات عسكريّة، بما في ذلك الطائرات والأنظمة غير المأهولة، من مخزون وزارة الدفاع لتعزيز قدرات القوّات الأردنيّة،

    وضع إطار أو معايير لقياس تقدّم القوّات المسلّحة اللبنانيّة في “نزع سلاح حزب الله”، مع عرض خيارات لتعليق المساعدة إذا تبيّن أنّ هذه القوّات “غير مستعدّة للتحرّك” في هذا الاتجاه.

بهذا، يربط التعديلُ استمرارَ المساعدات العسكريّة للبنان بمدى استعداد الجيش اللبناني للدخول في مواجهة مع “حزب الله” على مستوى سلاحه، ما يفتح الباب أمام إمكانية تعليق الدعم إذا اعتبر البنتاغون أنّ شروط التحرّك غير متوافرة.

السودان: تعزيز تقاسم المعلومات حول التدخّل الأجنبي في الحرب

وفي ما يخصّ السودان، تنصّ المادة “6714” من التعديل على إلزام مدير “وكالة الاستخبارات المركزيّة” (CIA)، في غضون 90 يومًا من صدور القانون، وبالتشاور مع رؤساء عناصر أخرى في مجتمع الاستخبارات الأميركي، بوضع خطّة تهدف إلى:

    مشاركة المعلومات الاستخبارية ذات الصلة، إن وُجدت، حول الجهود الأجنبيّة الرامية إلى استمرار أو توسيع النزاع في السودان، مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الإقليميّين، بما في ذلك خفض درجة سريّة تلك المعلومات أو رفع صفة السريّة عنها عند الحاجة،

    تعزيز جمع وتحليل المعلومات الاستخباريّة بما يُمكِّن الحكومة الأميركيّة من مواجهة هذه الجهود الأجنبيّة، حمايةً للأمن الوطني الأميركي وللاستقرار الإقليمي.

وبينما ينتظر أن يُحسَم مصير التعديل في جلسات التصويت المقبلة، يَظهر أنّه يفتح مسارًا جديدًا في مقاربة واشنطن للملفّات السوريّة واللبنانيّة والسودانيّة، من بوّابة قانون الدفاع والاشتراطات المتزايدة على الشركاء في المنطقة

————————-

سوريا بين اقتصاد السقوط والصعود… ماذا عن الأعوام القادمة؟/ محمد مصطفى عيد

الاثنين 8 ديسمبر 2025

بعد عامٍ على سقوط نظام الأسد وعام على التحرير، يبدو الحديث عن الاقتصاد السوري محاولةً شاقةً لا تختلف كثيراً عن المشي في أرض لم تُرفع ألغامها بعد.

خلال التقصّي، واجهتُ قدراً كبيراً من الصمت والحذر؛ أحد المطلعين في الداخل قال لي بصراحة إن “المرحلة في الحديث عن الاقتصاد السوري مدجّجة بالألغام”، وإن النقد حتى لو كان بنّاءً لم يعد مرغوباً، فالتصنيفات جاهزة دائماً.

في هذا المشهد المرتبك، يتشكّل اقتصادٌ هشّ في مرحلة انتقالية مضطربة، تغذّيه قوى متضاربة وتعيد رسم ملامحه كل يوم. الفقر يتسع، طبقة طفيلية تنمو، البطالة تتضاعف، والبنية الإنتاجية التي كانت يوماً ما عماد الحياة الاقتصادية باتت أطلالاً تنتظر إعادة تعريف.

وسط هذا الضباب، يخرج صوتٌ من داخل المؤسسة الرسمية نفسها، ليكشف ما هو أبعد من المؤشرات الاقتصادية. مستشار وزير الاقتصاد لشؤون السيولة والنقد، جورج خزام، كتب على صفحته الشخصية في فيسبوك إن إدارة الاقتصاد “لا تحتاج إلى حامل نوبل ولا خرّيج السوربون”، بل إلى مسؤول يسمع صوت البطون الخاوية ويشعر بآلام الصناعيين والمزارعين وأصحاب الورشات والمستهلكين والعاطلين عن العمل. في عباراته نقد صريح لفسادٍ ما زال يُقوّض أي محاولة إصلاح، ولمنظومة قرارات اقتصادية -كما يقول- تربح فئةً على حساب أخرى، غالباً لصالح المستوردين والمتنفذين. بالنسبة له، فإن حماية المصلحة العامة هي الطريق الوحيد لبناء اقتصادٍ جديد، مهما صدمت تلك الحماية مصالح الشبكات التي استفادت طويلاً من الفوضى.

من “وقف النزيف” إلى تحديات البناء

هذا الصوت من الداخل يفتح نافذةً على واقع اقتصادي معقد، يتطلب تشريحاً دقيقاً من خبراء ومحللين. ويؤكد أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي في الرياض، الدكتور عماد الدين المصبح، في حديثه لرصيف22، أن الحديث عن الواقع الاقتصادي السوري بعد مرور عامٍ تقريباً على التغيير الكبير الذي شهدته البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، يستدعي تحرّي الدقة في توصيف ما يوصف بـ”التحسن النسبي”.

ويوضح المصبح أن “المرحلة الراهنة لا تعبّر عن انتعاشٍ حقيقي بقدر ما تمثل انتقالاً مفصلياً من حالة الانهيار المستمر إلى مرحلة ‘وقف النزيف الاقتصادي'”. وتدعم البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية هذا التوجه، حيث سجلت سوريا نمواً إيجابياً طفيفاً بنسبة 1% في عام 2025 بعد سنوات من الانكماش، مما يشير إلى كبح الحركة التنازلية التي استمرت عقداً من الزمن.

ويلفت المصبح إلى أن “الإنجاز الأبرز في هذا السياق يتمثل في كبح جماح التضخم الذي انخفض بشكل حاد من مستوياتٍ قياسية تجاوزت 118% ليستقر عند خانة الآحاد في مطلع 2025، مدفوعاً بعودة تدفق السلع عبر الممرات التجارية واستعادة الليرة السورية قدراً من الاستقرار النسبي أمام الدولار، حيث تعافت من مستوياتها المتدنية التاريخية”. ويضيف: “بالتوازي مع ذلك، بدأ قطاع الطاقة في التقاط أنفاسه مع ارتفاع إنتاج النفط الخام ووجود خطط لتوسيع القدرات التكريرية، ورغم أنها أرقام لا تزال دون مستويات ما قبل الأزمة، إلا أنها خطوة حيوية لتقليل فاتورة الاستيراد. كما شهد القطاع الزراعي حراكاً إيجابياً بفضل الانفتاح التجاري، رغم القيود التي يفرضها الجفاف والتدهور البيئي في المنطقة”.

فجوة إعادة الإعمار وأزمة السيولة

رغم هذه المؤشرات الإيجابية الأولية، يحذّر المصبح من أن “الاقتصاد السوري يصطدم بجدار من التحديات البنيوية الهائلة، تأتي في مقدمتها فجوة إعادة الإعمار التي قدّر البنك الدولي تكلفتها بمئات المليارات من الدولارات، وخاصةً في ما يتعلق بالبنية التحتية والمساكن”.

ويكمل: “ويترافق هذا العبء المالي مع واقع اجتماعي قاسٍ، حيث لا تزال معدلات الفقر تلامس سقف 90%، مع انخفاضٍ حاد في نصيب الفرد من الدخل القومي وبقاء معدلات البطالة عند مستويات حرجة، وتتعقد المشكلة الاقتصادية في ظل أزمة السيولة الحادة التي يعاني منها النظام المصرفي، نتيجة استمرار تجميد الأصول في الخارج والتعقيدات القانونية، مما يعيق تمويل الاستثمارات”.

التشرذم الجغرافي-الاقتصادي: ثلاثة نظم موازية

من جهته، يقدم الباحث الاقتصادي محمد علبي تشخيصاً للهيكل الاقتصادي السوري بعد عامٍ من السقوط. يقول لرصيف22: “بعد عام واحد على السقوط، تبدو الصورة الاقتصادية أبعد ما تكون عن مشهدٍ موحد أو قابل للقياس بمعايير دولة واحدة. فالسلطة المالية ما تزال مبعثرة، ولا يمكن الحديث عن سياسة نقدية أو موازنة عامة تعمل على مستوى وطني شامل”.

ويشرح علبي أن الاقتصاد السوري “عملياً، يستمر في حالة ‘تقسيم ما بعد الحرب’، مع ثلاثة نظم موازية تتجاور أكثر مما تتفاعل: اقتصاد الحكومة المركزية بما تبقى من مؤسسات مالية ومصرفية، اقتصاد شمال غرب البلاد حيث تشكّلت منظومة جباية وإدارة نقدية مستقلة نسبياً، واقتصاد شرق الفرات الذي يدير الكثير من موارد الطاقة والزراعة كما التجارة الداخلية وفق ترتيبات مختلفة عن الطرفين الآخرين”.

ويضيف: “هذا التشرذم ينعكس مباشرةً على المؤشرات الكلية، فلا توجد قاعدة بيانات موحدة، والقدرة على ضبط حركة السيولة أو تنظيم التدفقات التجارية عبر البلاد محدودة جداً، في حين تستمر المعاملات بالتسعير بالدولار أو بعملات بديلة بحسب المنطقة. ويظل النشاط الاقتصادي محدوداً بحدود جغرافيا النفوذ: مناطق تعود تدريجياً نحو تشغيل محدود للصناعة والخدمات، وأخرى تعتمد على الريوع والوساطة وبعضها التهريب كنشاط رئيسي، بينما تبقى القدرة الإنتاجية الوطنية في أدنى مستوياتها منذ عقود”.

غياب أدوات الاستقرار

يرى علبي أنه “رغم تراجع حدّة الاضطرابات الأمنية مقارنةً بسنوات الحرب، لم يتحوّل ذلك إلى تعافٍ اقتصادي فعلي، لأن غياب السلطة المالية الموحدة يعني غياب أدوات الاستقرار: لا سياسة نقدية واحدة، ولا موازنة عامة قادرة على إعادة توزيع الموارد، ولا إطار ضريبي يمكنه استعادة الثقة أو توسيع القاعدة الإنتاجية. وعليه، فإن العام الأول بعد السقوط لا يشير إلى بداية دورة انتعاش، بل إلى استمرار الاقتصاد في وضعٍ انتقالي هش، تتكدّس فيه آثار الانقسام على حساب أي تحسن ملموس في معيشة السكان”.

اقتصاد “مُمَأسَس” على الفساد

لتحليل تعقيدات الحاضر، يغوص علبي في جذور الماضي، مؤكداً أن “الاقتصاد السوري قبل السقوط لم يكن مجرد اقتصاد يعاني فساداً وتشويهاً في السياسات، بل كان مشبوكاً عضوياً بشبكات أمنية وسياسية شكّلت الإطار الحقيقي لاتخاذ القرار الاقتصادي”.

وبرأيه فإن هذا الشكل من ‘الاقتصاد المُمأسس أمنياً وسلطوياً’ أعاد إنتاج نفسه خلال سنوات الحرب بصيغ أكثر خشونة: تهريب منظم، ريوع حدودية، وحماية لنشاطات غير قانونية مقابل تثبيت النفوذ. ولذلك، فإن انهيار المنظومة الحاكمة لا يعني آلياً تفكّك هذه الشبكات، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكّلها بأسماء جديدة ما لم تُواجه بإصلاح مؤسسي وأمني متزامن، لا بمجرد حزمة قوانين اقتصادية تقنية.

بين المركزية وفقدان الثقة

بدوره، يقدم الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي، تحليلاً للتحديات المؤسسية التي تواجه الاقتصاد السوري. يقول لرصيف22: “بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة إعادة هيكلة اقتصادية سريعة، لكن هذه المرحلة كشفت عن غياب مؤسسات مالية فاعلة وقادرة على قيادة الاقتصاد”.

وبحسبه فالسلطات الجديدة أصدرت سلسلةً من المراسيم الرئاسية التي أعادت تشكيل الحوكمة الاقتصادية للدولة، حيث تم تأسيس مجلس أعلى للتنمية الاقتصادية وصندوقين وطنيين (الصندوق السيادي وصندوق التنمية)، إلا أن هذه المؤسسات الناشئة تواجه تحديات هيكلية كبيرة. المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه المؤسسات الجديدة تعاني من مركزية القرار الاقتصادي، حيث تم استبعاد وزارات حيوية مثل وزارة المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية من المجلس الأعلى، مما يقلل من الإدخال المؤسسي الأوسع ويثير مخاوف بشأن الشفافية والاستقلالية. يقول: “البنية المؤسسية الحالية تفتقر إلى الوضوح الكافي، حيث تتضارب المراسيم الرئاسية حول تكوين المجلس الأعلى، مما يشير إلى ضعف في عملية صياغة التشريعات الرئاسية والقدرة على تنفيذها بفعالية”.

من السحب المقيّد إلى سوق الأرصدة البنكية

يحلل الجزماتي أزمة النظام المصرفي بالقول: “فقدان الثقة في النظام المصرفي السوري أصبح واقعاً ملموساً بعد سقوط النظام، وذلك نتيجةً لسياسات تقييدية اتخذها البنك المركزي السوري. في شباط/ فبراير 2025، فرض البنك المركزي حدوداً صارمة على السحب النقدي، حيث سُمح للعملاء بسحب 200 ألف ليرة سورية فقط (حوالي 20 دولاراً) في الأسبوع، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الاحتياجات اليومية للأسر أو تكاليف التشغيل للشركات”.

ويضيف: “هذه القيود أدت إلى تجميدٍ فعلي للودائع، مما خلق ما يُعرف بـ’سوق الأرصدة البنكية’ حيث يضطر المودعون اليائسون إلى بيع أرصدتهم المجمدة بخصومات كبيرة تصل إلى 25% أو أكثر لتجار لديهم سيولة نقدية. هذا النظام أعمق من ذلك: فقد أثار عدم المساواة بين الذين يستطيعون تحمل الخسائر والذين لا يستطيعون، وعمّق عدم الثقة العام في البنوك”.

من التهريب إلى المخدرات

يكشف الجزماتي عن جانبٍ مظلم من الاقتصاد السوري، قائلاً: “كشفت الدراسات أن نظام الأسد السابق كان متورطاً بعمق في تجارة المخدرات، حيث تم حجز أكثر من 200 مليون حبة ‘كبتاغون’ في أربعة أشهر فقط بعد سقوط النظام، وهو رقم يعادل 20 مرة ما كان يُبلّغ عنه سابقاً. هذا يعكس حجم الاقتصاد غير الرسمي والمشروع الذي يحل محل الإنتاج الشرعي”.

ويضيف: “الإنتاج المحلي السوري يعاني من ضعفٍ شديد بسبب عوامل متعددة: أولاً، البنية التحتية الاقتصادية تضررت بشكل كبير خلال سنوات الصراع، مما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة البناء. ثانياً، الاقتصاد غير الرسمي والموازي أصبح مهيمناً، حيث يعتمد الكثيرون على التهريب والأنشطة غير القانونية بدلاً من الإنتاج الشرعي”.

الطريق إلى الأمام مشروع سياسي-مؤسسي متكامل

يؤكد الدكتور المصبح على أن “بناء اقتصاد سوري مستدام يتطلب العمل وفق منهجية متكاملة، تبدأ بتعبئة التمويل الخارجي الذي تعهد به المجتمع الدولي، شريطة ربطه بإصلاحات هيكلية وإدارية وقانونية صارمة، مع التركيز في مرحلة التثبيت الحالية على استعادة الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والتعليم”.

ويضيف: “ولا يمكن لهذا التمويل أن يحقق أهدافه دون توحيد السياسات النقدية والمالية، وإعادة دمج الاقتصادات المحلية المشتتة في سوق وطنية واحدة تحت مظلة مؤسساتية موحدة. وأخيراً، تبرز الحاجة الملحة للانتقال من اقتصادٍ يعتمد على الاستقرار والمساعدات إلى اقتصادٍ منتج، وذلك عبر تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تأهيل رأس المال البشري، وخلق بيئة استثمارية جاذبة تستوعب البطالة وتدفع عجلة النمو الحقيقي”.

من جهته، يرى الباحث علبي أن “إعادة هيكلة الاقتصاد السوري ليست عملية تقنية منفصلة، بل مشروع سياسي-مؤسسي يقتضي أولاً تحديد نموذجٍ تنموي واضح ينطلق من سؤال الدور المتوقع للدولة: منظم أم مالك أم شريك؟ وما القطاعات القادرة فعلاً على قيادة النمو في المدى المتوسط؟”.

ويشرح أن هذا “يستدعي إطاراً دستورياً واقتصادياً جديداً يضمن استقلالية السياسة النقدية، ويضع قواعد لإدارة الثروات الطبيعية واللامركزية المالية، إلى جانب حزمة تشريعية حديثة تشمل قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، الإفلاس، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعقود والمشتريات العامة وفق معايير شفافة قابلة للرقابة”.

حقل ألغام اقتصادي

أخيراً، فإن الحديث عن الاقتصاد السوري اليوم، إذاً، ليس توصيفاً تقنياً لواقع مالي، بل قراءةً في ولادةٍ جديدة محفوفة بالمخاطر. جرحٌ تشخيصه مهم، لكن علاجه يحتاج إلى إرادة سياسية موحدة وموارد واستقرار لم تتوفر بعد.

فالخبراء الثلاثة يشيرون إلى أن الخروج من النفق يحتاج إلى معادلةٍ صعبة: إنهاء التشرذم وبناء مؤسسات موحدة وشفافة، كشرطٍ أساسي لتحقيق الاستقرار الكلي وتحفيز القطاع الإنتاجي. ولذلك يظل الاقتصاد السوري كمن يمشي في حقل ألغام؛ خطوةٌ صحيحة قد تفتح باباً، وخطأٌ واحد كفيل بإعادة كل شيء إلى نقطة الصفر.

رصيف 22

———————————-

اقتصاد بائس ومجتمع متعب: واقع الطبقة الوسطى بعد عام على سقوط الأسد/ قصي زهر الدين

8 ديسمبر 2025

بعد عامٍ واحد على سقوط النظام في سوريا، تبدو خريطة البنى الاجتماعية والاقتصادية في البلاد أمام إعادة تشكل واسعة، يتداخل فيها إرث السنوات الماضية مع التغيرات السياسية العميقة التي تشهدها البلاد. ومع أن الحديث العام غالبًا ما ينصب على موازين القوى السياسية ومشروع الدولة الجديدة، إلا أن مستقبل سوريا في المدى القريب والبعيد يعتمد إلى حد كبير على مصير الطبقة الوسطى، تلك الفئة التي لطالما شكّلت العمود الفقري لأي مجتمع، ورافعة أساسية للتنمية والاستقرار والسلوك المدني.

اليوم، ومع مرور عام على انتهاء النظام الذي حكم البلاد لعقود، تقف الطبقة الوسطى على مفترق طرق. فقد كانت هذه الفئة طوال سنوات الحرب والصراع الداخلي الأكثر تآكلًا، إذ خسرت مصادر دخلها، وتقلّص نفوذها، وتراجعت قدرتها الشرائية، ووجد الكثير من أبنائها أنفسهم ينزلقون نحو الطبقة الفقيرة، بينما هاجر آخرون بحثًا عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية، تستعيد هذه الطبقة شيئًا من حضورها، لكنّها تواجه تحديات جديدة ترتبط بوضع اقتصادي هش، وبنية دولة قيد البناء، وواقع اجتماعي متعب.

انحسار الطبقة الوسطى: بين الحرب وسقوط النظام

لم تكن الطبقة الوسطى في أفضل أحوالها قبل سقوط النظام. فقد أدّت سنوات الحرب الطويلة، وتضخم الأسعار، وانهيار الليرة، وغياب أي سياسات وقائية، إلى تآكل دخل معظم الأسر التي كانت تُصنَّف ضمن هذه الفئة. فقد خسر الموظفون قيمة رواتبهم، بينما تعرّض أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى ضرر هائل بسبب الركود، والقيود الأمنية، والفساد، وتقطّع سلاسل التوريد.

ومع نهاية النظام، لم تكن هذه الفئة تقف على أرضية صلبة. بل كانت منهكة اقتصاديًا، ومبعثرة اجتماعيًا، ومترددة سياسيًا، ومحكومة بذكريات تجربة قاسية. هذا الإرث لعب دورًا حاسمًا في طبيعة حضورها بعد التغيير.

عام على السقوط: ماذا تغيّر وما الذي بقي؟

لم يكن سقوط النظام بوابة مباشرة لتحسن أوضاع الطبقة الوسطى، رغم انتهاء القمع السياسي الذي طالما قيّدها. فقد دخلت البلاد في مرحلة انتقالية معقدة، تداخل فيها انخفاض الدعم الدولي، وتردد المستثمرين، وبطء إطلاق المشاريع العامة. وعلى الرغم من ازدياد الحريّات وعودة جزء من الأنشطة الاقتصادية، فإن البنية التحتية الاقتصادية، من مصارف ومؤسسات إنتاج وخدمات، كانت تحتاج إلى سنوات لإعادة البناء.

يقول الباحث الاقتصادي، فراس مهنا، لموقع “الترا سوريا”: “خلال العام الأول من السقوط، برزت ثلاث سمات أساسية في واقع الطبقة الوسطى: أولًا استمرار الهشاشة الاقتصادية، إذ ما تزال الطبقة الوسطى تعاني من تضخم شديد في الأسعار، انخفاض فرص العمل ذات الدخل الثابت، وغياب منظومة حماية اجتماعية فعالة، بالإضافة إلى بطء عودة القطاعات الإنتاجية”. وأضاف: “ورغم الانفتاح النسبي للأسواق ومحاولات الحكومة الانتقالية إطلاق برامج دعم، فإن القدرة الشرائية لمعظم الأسر تبقى محدودة، ما يجعل هذه الفئة قريبة جدًا من خط الفقر”.

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن النقطة الثانية تتمثّل في “بروز مشاريع صغيرة جديدة، حيث شهد العام الأول بعد سقوط النظام موجة من المبادرات الاقتصادية الصغيرة، خصوصًا في المدن الكبرى، حيث اعتمد أبناء الطبقة الوسطى على الورشات العائلية والمتاجر صغيرة”، لافتًا إلى وجود “أنشطة خدمية مثل التعليم الخاص، الترجمة، التصميم، الصيانة ومشاريع منزلية تعتمد على التجارة الإلكترونية”، معتبرًا أن “هذه الاستراتيجيات جاءت كبديل عن الوظائف الرسمية التي لم تُستعد بعد، وعن القطاع العام الذي ما يزال قيد إعادة الهيكلة”.

أما النقطة الثالثة، فتتلخص من وجهة نظر مهنا بـ”ضرورة عودة دور الطبقة المتعلمة، فالقيمة الحقيقية للطبقة الوسطى لطالما كانت مرتبطة بدرجة تعليمها”. وأضاف “بعد سقوط النظام، ظهرت الحاجة الماسّة إلى المدرّسين، والمهندسين، والخبراء القانونيين، والصحافيين، والأطباء، لتأسيس مرحلة جديدة من الإدارة والخدمات”. ورأى أنه “على الرغم من ضعف الدخل النسبي، فإن هذه الفئة استعادت جزئيًا دورها التأسيسي في المجتمع، بعد أن حوصرت لسنوات تحت هيمنة الأجهزة الأمنية وبيروقراطية النظام السابق”.

استراتيجيات جديدة للتكيف

إذًا قد بات واضحًا أن الطبقة الوسطى طوّرت مجموعة من استراتيجيات التكيف التي مكّنتها من الاستمرار رغم الظروف شبه المستحيلة، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات:

    العمل المتعدد: أصبح شائعًا أن يعمل الشخص في وظيفتين أو ثلاث في الوقت نفسه، غالبًا في مجالات غير مرتبطة بتخصصه؛ هذا التكيف القاسي يهدف إلى تعويض تدهور الدخل وارتفاع الأسعار.

    الاقتصاد المنزلي: حيث ازداد الاعتماد على الطبخ المنزلي وبيعه، بالإضافة إلى أعمال الحياكة والتطريز، إعادة تدوير الملابس، التعليم من المنزل. وقد أصبحت هذه الأنشطة مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر.

    الهجرة الجزئية: لا يزال خيار الهجرة قائمًا، لكنه اتخذ شكلًا جديدًا: أحد أفراد الأسرة يعمل في الخارج ويرسل حوالات، بينما يبقى الآخرون داخل البلاد. هذه الاستراتيجية ساعدت آلاف الأسر على البقاء ضمن حدود الطبقة الوسطى.

    التحالفات المجتمعية: ظهرت شبكات دعم جديدة بين العائلات والجيران، تقوم على تبادل الخدمات بدل المال، كتبادل الدروس، والصيانة المنزلية، ومشاركة النقل.

    الثقة المتزايدة بالمجتمع المدني: مع غياب مؤسسات الدولة الكاملة، أصبح للمبادرات المدنية المحلية حضور متصاعد، سواء في الدعم التعليمي، أو تدريب الشباب، أو تقديم المساعدات الأساسية.

أما عن السؤال الأهم والمتعلق بمصير الطبقة الوسطى في سوريا، فإن المستقبل القريب لهذه الفئة يعتمد على مدى قدرة الدولة الانتقالية على إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتحفيز الاستثمارات، واستعادة الثقة. ومع ذلك، يقول الباحث مهنا إنه من أجل تحقيق ذلك وتجنب هذه الفئة “الفناء” في ظل التدهور الاقتصادي اليوم، يمكن رسم مسارين لإنقاذ الطبقة الوسطى.

ووفقًا لمهنا، فإن أول هذين المسارين هو “سيناريو الانتعاش التدريجي”، موضحًا أن تحقيقه يعتمد على “نجاح البلاد في تثبيت الأمن وجذب استثمارات عربية وغربية”، فيما يربط المسار الثاني بـ”إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية عن طريق إصلاح النظام الضريبي”، متوقّعًا أن “تستعيد الطبقة الوسطى جزءًا مهمًا من قوتها خلال خمس سنوات إذا توافرت البيئة المناسبة”.

إعادة تشكيل شاقة

يرى الحاج زكريا أبو محمد، وهو أحد تجار الحرير في دمشق، في حديثه لـ”الترا سوريا” أنه “إذا بقيت البلاد في حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي، فسيظل حجم الطبقة الوسطى محدودًا، وستظل أقرب إلى طبقة فقيرة موسّعة، لتفقد ماهيتها الاقتصادية كفئة شعبية تعيش على الحد الأدنى من الدخل”. وأضاف: “لقد لمسنا تطورًا جيدًا في عمليات البيع والشراء، لكن زبائننا المحسوبين على الطبقة المتوسطة باتوا من النادرين”.

بينما اعتبر المواطن يحيى برهان أنه “في حال عادت الصراعات أو فشلت مرحلة الانتقال، فإن الطبقة الوسطى قد تتلاشى تقريبًا، مع ازدياد الهجرة واستمرار تآكل الدخل، ناهيك عن البطالة المستفحلة”، وتابع مستدركًا: “صحيح أن الليرة السورية منذ سقوط النظام بدأت تستعيد عافيتها ببطء، لكن ما يؤزم الموقف توافر كل شيء إلا السيولة المادية”.

بعد عام على سقوط النظام، تبدو الطبقة الوسطى في مرحلة إعادة تشكيل شاقة. فهي ليست في حالة صعود، لكنها ليست في انهيار كامل. إنها فئة تقاوم، تتأقلم، وتبتكر طرقًا للبقاء، رغم ضعف الموارد، وغياب الاستقرار، وتحديات الانتقال السياسي. وليس غريبًا القول إن مصير هذه الطبقة سيكون مفتاحًا لفهم مستقبل سوريا: فإذا انتعشت، انتعشت البلاد. وإذا تآكلت، سيبقى المجتمع السوري عالقًا بين الفقر والصراعات، دون قاعدة صلبة يمكن البناء عليها.

الترا سوريا

———————————

قفزة قياسية في تحويلات السوريين بالخارج.. 4 مليارات دولار منذ سقوط النظام

الدعم الكبير من المغتربين ساهم في تعزيز الاستقرار المالي وتحريك سعر الصرف

الرياض – العربية

08 ديسمبر ,2025

بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، يشهد الاقتصاد السوري تحوّلاً ملحوظاً مدعوماً بتحويلات السوريين في الخارج التي بلغت نحو 4 مليارات دولار، وفقاً لتقديرات حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية في مقابلة مع “العربية Business”.

وقد ساهم هذا الدعم الكبير من المغتربين في تعزيز الاستقرار المالي، وتحريك سعر الصرف، وتحسين مؤشرات التضخم، فيما تتطلع سوريا لإعادة الاندماج في النظام المصرفي العالمي بعد سنوات من العقوبات القاسية.

يقول الحصرية إن تحويلات المغتربين بلغت نحو 4 مليارات دولار منذ انهيار النظام، ما يمثل دفعة قوية للاقتصاد المحلي.

وأضاف أن هذه الأموال ساهمت في تعزيز السيولة بالدولار وفتحت المجال لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.

السياسة المصرفية بعد رفع العقوبات

وفيما يتعلق بالسياسة المصرفية قال الحصرية إن رفع بعض العقوبات ساهم في عودة النظام المصرفي للاندماج مع القطاع المصرفي العالمي.

وأوضح الحصرية أن التركيز الحالي ينصب على إدارة القطاع المالي وفق رؤية متكاملة، بعيداً عن القرارات العشوائية، لحماية ودائع البنوك الخاصة وتعزيز الثقة بالنظام المالي.

تحسن سعر الصرف والتضخم

ولفت إلى أن الليرة السورية شهدت تحسناً بنحو 30%، مع تذبذب محدود ضمن “حدود صحية” بحسب المحافظ، لتكون أكثر استقراراً بعد سنوات من الانخفاض الحاد.

وكشف عن تراجع معدل التضخم في سوريا من 170% عشية سقوط النظام إلى 15% حالياً، ما يعكس تحسّن القدرة الشرائية واستقرار الأسواق المحلية.

أفق المستقبل

ويتوقع حاكم مصرف سوريا المركزي أن يؤدي استمرار التحويلات ودعم المغتربين إلى تعزيز النشاط الاقتصادي، وزيادة اندماج البنوك السورية مع النظام المالي العالمي، وجذب استثمارات جديدة.

كما يعمل المصرف المركزي السوري – وفق الحصرية – على تحديث نظم المدفوعات الإلكترونية بالتعاون مع شركات عالمية كـ “ماستر كارد” و”فيزا”، مما يسهم في تسهيل العمليات المالية وتعزيز الشفافية.

ويظهر الاقتصاد السوري بعد عام من سقوط نظام الأسد بوادر تحسن حقيقية، مدعوماً بالتحويلات الضخمة من المغتربين وإصلاحات مصرفية تدريجية، ما يفتح الطريق نحو استقرار مالي نسبي وفرص اقتصادية أكبر في المستقبل القريب.

——————————-

===================

تحدبث 07 كانون الأول 2025

——————————-

بين فليت وبرّاك…هل تسهم أمريكا في ولادة المعجزة الاقتصادية السورية؟/ د. أسامة القاضي

ديسمبر 7, 2025      

في حزيران/ يونيو 1962، ألقى الجنرال جيمس فان فليت، الذي قاد القوات الأمريكية في كوريا خلال جزء من الحرب الكورية، خطابًا في مجلس الشؤون العالمية بلوس أنجلوس بعنوان “معجزة  نهر الهان”

الجنرال فان فليت قال عن كوريا الجنوبية: “إنها الدولة الأكثر إثارة في آسيا. هنا يمكن لـ “الخبرة” والعمل الجاد والتفاني والتنظيم والإدارة أن تبني أي شيء يتم بناؤه في اليابان أو إيطاليا أو ألمانيا أو حتى الولايات المتحدة، وتصدره بسعر سيكون تنافسيًا في جميع أنحاء العالم”.

لعب الجنرال الأمريكي جيمس فان فليت دورًا حاسمًا في التنمية الاقتصادية لكوريا الجنوبية من خلال مناصرته لكوريا الجنوبية بعد انتهاء خدمته العسكرية وتأسيسه الجمعية الكورية.

فقد كان الجنرال فليت بعد خدمته في الحرب الكورية من أبرز دعاة الاستثمار الأجنبي والتحالف القوي بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، حيث قاد وفداً مؤثراً من المديرين التنفيذيين الأمريكيين إلى كوريا الجنوبية عام 1962 أيام جون كينيدي للمساعدة في تخطيط المشاريع الصناعية وتعزيز النمو الاقتصادي.

أدى التزامه المتواصل بكوريا إلى إنشاء جائزة فان فليت السنوية، تقديرًا للمساهمات البارزة في العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

قاد الجنرال جيمس فان فليت وفدًا من 28 مديراً تنفيذيًا أمريكيًا إلى كوريا الجنوبية عام 1962 لتقديم التوجيه بشأن التصنيع بغرض تسهيل تخطيط المشاريع الصناعية التي تدعمها الحكومة الأمريكية والقطاع الخاص.

كان أحد الموقعين الخمسة الأوائل على تأسيس جمعية كوريا في 1957، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بتعزيز العلاقات الودية بين شعبي الولايات المتحدة وكوريا، وكان له دورٌ محوري في جمع التبرعات والدعوة إلى تقديم مساعدات أمريكية لكوريا خلال فترة تقاعده، حيث شغل منصب رئيس المؤسسة الأمريكية الكورية (AFK) في خمسينيات القرن الماضي.

تكريماً لما قدمه من جهود رائعة، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية جائزة فان فليت السنوية، لتكريم الأفراد والمنظمات التي قدمت مساهماتٍ قيّمة للتحالف بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا، بما في ذلك التعاون الاقتصادي.

أعتقد أن السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا توماس برّاك يسير على خطى فان فليت في دعمه للشعب السوري وإيمانه القوي بضرورة إعطاء فرصة النهوض الاقتصادي لشعب مكلوم عانى من ويلات الطاغية الأسد وحلفائه، وبينما استغرقت الحرب الكورية ثلاثة سنوات أو 1128 يوماً (25 يونيو 1950 إلى 27 يوليو 1953) استغرقت حرب سوريا 14 عاماً، أو 5014 يوماً .

قام السيد برّاك بدعم الشعب السوري في رفع العقوبات الاقتصادية وبدعم من المملكة العربية السعودية وتركيا التي هو سفير فيها، كما عمل على تسهيل الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في سابقة تاريخية منذ تأسيس الكيان السوري، حيث كانت للزيارة وقع كبير في أروقة السياسة الأمريكية.

أعتقد، للمضي في نفس الطريق، أنه ربما سيقوم السيد برّاك بتأسيس منظمة المجتمع السوريSyrian Society كمنظمة غير ربحية تُعنى بتعزيز العلاقات الودية بين شعبي الولايات المتحدة وسوريا، حيث يكون له دورٌ محوري في جمع التبرعات والدعوة إلى تقديم مساعدات أمريكية لسوريا، كما يمكن تأسيس المؤسسة الأمريكية السورية ويترأسها بعد تقاعده American-Syrian Foundation (ASK).

وربما ينبغي اقتراح من الخارجية السورية تسمية جائزة توم برّاك السنوية على الإدارة الأمريكية، لتكريم الأفراد والمنظمات التي قدمت مساهماتٍ قيّمة للتحالف بين الولايات المتحدة والجمهورية العربية السورية، بما في ذلك التعاون الاقتصادي.

كما كان الجنرال فليت وراء المعجزة الاقتصادية الكورية “معجزة ضفاف نهر الهان”، سيكون السيد برّاك وراء المعجزة الاقتصادية السورية بمساعدة الأشقاء على رأسهم المملكة العربية السعودية والأصدقاء على رأسهم تركيا.

سوريا شهدت حرباً ضد شعبها خلال 14 عاماً وسبقها تدمير للاقتصاد وتأخير في تنميته على مدى خمسين عاماً، وكذلك كوريا واجهت حرباً مدمرة من عام 1950 إلى عام 1953، ثم انتعاشاً غير واعد وبطيء في السنوات التي تلت ذلك، ولكن بفضل همة شعبها ووقوف الغرب والأمريكيين خصوصاً ممثلين في السيد فليت خلفها، شهدت كوريا الجنوبية من عام 1961 إلى عام 1996 فترة من التنمية الاقتصادية السريعة، تحولت خلالها إلى مجتمع صناعي مزدهر.

باتت كوريا الجنوبية واحدة من النمور الآسيوية الأربعة إلى جانب تايوان وسنغافورة وهونج كونج، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1996 أصبحت الدولة العضو التاسعة والعشرون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تتألف إلى حد كبير من الدول المتقدمة.

ارتفعت صادرات كوريا الجنوبية بشكل مذهل، حيث كانت تشكل فقط 32.82 مليون دولار أمريكي عام 1960، إلى 10 مليارات في عام 1977، ثم 542.2 مليار في عام 2019، ومن ثم ارتفعت في 2024 إلى مستوى تاريخي مسجلة 638 مليار دولار أمريكي.

أما نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، فقد كان 67 دولارًا أمريكيًا فقط في عام 1953، لكنه ارتفع 546 ضعفاً! إلى 36,624 دولارًا أمريكيًا في عام 2024.

السؤال: هل يستفيد صنّاع الاقتصاد السياسي السوري من تجربة كوريا الجنوبية ونحقق “المعجزة الاقتصادية السورية” بمساعدة الأشقاء والأصدقاء، ويعيننا عليها الأمريكيون ممثلين بالسيد توم برّاك كما فعل السيد فليت مع الكوريين؟

ماذا لو استفادت سوريا من كوريا الجنوبية، كما استفادت هي من تجربة ألمانيا كما عبّرعن ذلك تشانج ميون، رئيس وزراء جمهورية كوريا الجنوبية الثانية عام 1961، قائلاً “من أجل تحقيق ما يسمى “معجزة ضفاف نهر الهان” التي يمكن مقارنتها بألمانيا، يجب أن نتحلى بالتقشف والاجتهاد الذي يتمتع به الألمان”.

فهل تفعلها أمريكا على يد برّاك مع السعودية وباقي الأشقاء وتركيا وباقي الأصدقاء بهمة الشعب السوري وتوفيق الله، ويرتفع ناتج الدخل القومي السوري بصورة خارقة كما ارتفع ناتج الدخل القومي لكوريا الجنوبية من 4 مليار دولار 1960 إلى 1.83 تريليون دولار عام 2023؟!

الثورة السورية

——————————-

 غاز الساحل السوري وموقعه: ابتزاز روسي وتقدّم أميركي/ إياد الجعفري

الأحد 2025/12/07

شهد الأسبوع الفائت مجموعة تطورات وتصريحات وتسريبات، من الصعب تجاهل الرابط بينها، حتى لو لم يكن مباشراً أو مقصوداً، إلا أنه يرسم لوحة واضحة المعالم لتدافع قوى دولية وإقليمية على موطئ قدم مرتبط بخطوط الطاقة، المُنتظر مرورها عبر الساحل السوري. وفي لوحة التدافع هذه، تبدو روسيا في موضع الدفاع المرفق بالابتزاز، فيما تندفع الولايات المتحدة لقيادة حراك إقليمي، لو كُتب له النجاح، فإنه سيُحلّق بسوريا إلى مواضع متقدمة على خرائط إنتاج وتمرير الطاقة.

بدأت مجموعة التطورات تلك، بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع وفد شركة شيفرون الأميركية، بدمشق، قبل أيام، لبحث فرص التعاون في استكشاف النفط والغاز بالساحل السوري. والملفت، كان حضور ممثلين عن شركة “يو سي سي” القابضة القطرية، للاجتماع. فالشركة المذكورة، كانت قد قادت تحالفاً يضم شركات أميركية وتركية، في مذكرة تفاهم تاريخية وُقّعت في 29 أيار/مايو الفائت، بدمشق، لإنشاء عدد من محطات الكهرباء والطاقة الشمسية، بقيمة 7 مليارات دولار. وقد تم توقيع العقود التنفيذية لمذكرة التفاهم هذه، مطلع الشهر الفائت، وبدأت عمليات التنفيذ.

في اليوم التالي للقاء الشرع مع وفد شيفرون الأميركية، مرّ تصريح ملفت لنائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، خلال لقاء إعلامي، قال فيه إن القواعد والوجود الروسي يلعبان دوراً مهماً في استقرار الوضع بسوريا. هذا التصريح سبق بيومين فقط، نشر تحقيق رويترز الذي تحدث عن مشروعَي التمرد المسلح في الساحل السوري، لكلٍ من كمال حسن، رئيس المخابرات العسكرية في النظام البائد، ورامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد. ويعمل الرجلان من منفاهما في موسكو.

 ووفق رويترز، تعلم السلطات الروسية بمشروعَي حسن ومخلوف، وقد التقت بصورة غير رسمية ومنفصلة، مع ممثلين عن الرجلين منذ بضعة أشهر. ورغم أن موسكو لم تتبنَ المشروعَين أو أحدهما، لكنها لم تعرقلهما أيضاً، بل على العكس، أرسلت رسالة تشجيع، حينما قال الروس لممثلي حسن ومخلوف: “نظموا أنفسكم ودعونا نرى خططكم”. وتذهب رواية “رويترز” إلى أن اهتمام موسكو بالمشروعَين تراجع مؤخراً، خصوصاً بعد زيارة الشرع للعاصمة الروسية، في تشرين الأول/أكتوبر الفائت. ورغم ذلك، نجد أن تحقيق رويترز تضمن معطيات وافرة الدقة مصدرها أشخاص يعملون داخل مشروعَي التمرد أو على إطلاع عليهما. ومن الملفت أن نشر هذه المعطيات جاء بالتوازي مع التحرك الأميركي نحو الثروة الباطنية للساحل السوري، وموقعه الاستراتيجي المحتمل كمنصة لتصدير الطاقة نحو أوروبا. وهما الثروة والموقع اللذان كانا تحت سطوة الروس، حتى سقوط نظام الأسد.

تزامن ما سبق مع قرار الاتحاد الأوروبي بالتوقف التدريجي عن استيراد الغاز الروسي بحلول أواخر 2027، مما يستدعي من الأوروبيين تكثيف سعيهم لتوفير البدائل. وتتقدم سوريا كمصدر وممر، قد يكون ذا جدوى مرتفعة. وهو ما تراهن عليه واشنطن، وفق ما يوحي به مؤشر آخر تمثّل في تصريح نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، قبل أيام، بأن سوريا والعراق يعملان على تسريع خطوات إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، بدعم أميركي وفي إطار جهود إقليمية ودولية أوسع لتعزيز ربط الطاقة بين البلدين.

وهكذا يصبح من الصعب تجاهل القراءة التي مفادها أن روسيا تبتز السلطات في دمشق. فموسكو لم تستضف قيادات النظام البائد، إلا كي يكونوا خطة باء، يمكن استخدامها في حال عدم التوصل إلى تسويات مقبولة مع القيادة السورية، حيال المصالح الروسية في سوريا. ووفق ما رشح بعيد زيارة الشرع لموسكو، قبل شهرين، فقد تم الاتفاق على بقاء القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم.

لكن التفاوض حول باقي الاتفاقات السابقة، لا يزال جارياً. وكما نعلم، فروسيا تملك اتفاقيات موقّعة مع النظام البائد، تمنحها حق التنقيب والاستكشاف في الساحل السوري. وهو “حق” أعاقت العقوبات الغربية تنفيذه، إلى جانب رغبة روسيا في تحييد ثروات الساحل وموقعه عن خرائط الطاقة وأنابيبها، خدمة لدعم تنافسية غازها المصدّر إلى الاتحاد الأوروبي. تحييد ما عاد من الممكن الاستمرار فيه. كما أنه ما عاد ذا معنى بعد الحرب الروسية- الأوكرانية، وقرار الأوروبيين التخلص من حاجتهم للغاز الروسي تدريجياً. لذا قد يكون المطلب الروسي هذه المرة، موطئ قدم في ثروات الساحل وموقعه المحتمل على خطوط أنابيب الطاقة، مقابل عدم المساهمة في تعكير صفو استقرار سوريا، عبر أدوات النظام البائد.

هذه الخلاصة قد تعني أننا أمام سيناريوهين: “حرب” أمنية لتحييد تأثير أدوات النظام البائد في الساحل السوري. وهي “حرب” تتطلب أعلى درجات الاحتراف، من دون التورط في انتهاكات شبيهة بما وقع في آذار/مارس الفائت. أو السيناريو البديل، بالوصول إلى تسويات مقبولة مع الروس، شريطة ألا يبقى التهديد المتمثل في منفيي نظام الأسد، متاحاً للابتزاز من حين لآخر، من جانب موسكو. ولا بد أن واشنطن ودولاً إقليمية وازنة بالمشهد السوري، تعمل بالفعل على تحقيق ذلك، بالتعاون الأمني والسياسي مع السلطات السورية. لكن يبقى أن التحدي الأمني لدمشق، سيبقى التحدي الأكبر في الفترة المقبلة.

———————————-

إلغاء “قيصر” المنتظر… قُبلة استثمارية على جبين سوريا/ هيام علي

متخصصون: البنى التحتية ستكون المستقطب الرئيس لأموال الأجانب التي جذبتها البلاد حتى الآن

الأحد 7 ديسمبر 2025

بمجرد إعلان إلغاء “قيصر”، فإنه لن يفتح الطريق لتنفيذ الاستثمارات التي جرى إعلانها فقط، إنما سنشهد تدفقاً لموجات غير متوقعة من الاستثمارات، وقد تأخذ طابعاً دولياً في بعضها.

يبدو أن حديث الساسة السوريين بدأ يشير بصورة أوضح من أي وقت مضى إلى أن سوريا قد تبدو مقبلة فعلاً على مرحلة نمو وتطور، ففي وقت أعلن فيه الرئيس أحمد الشرع جذب بلاده لاستثمارات تقدر بـ28 مليار دولار خلال مشاركته في مؤتمر للاستثمار بالرياض، عاد وتحدث خلال لقاء له مع المنظمات السورية في واشنطن أن “العقوبات في مراحلها الأخيرة، وأن الفرصة التي أتت إلى سوريا نادرة وعليها استثمارها”، في حين قال وزير الخارجية أسعد الشيباني ومن واشنطن أيضاً إن “عام 2026 سيكون عام التنمية وستكون البلاد بلا عقوبات”.

وعلى رغم أن عدداً من المتابعين للشأن السوري يؤكدون أن الاستثمارات الأهم التي ستتوجه إلى سوريا لم يجر إعلانها بعد، وأن إلغاء قانون قيصر سيكون نقطة تحول كبرى في تدفق الاستثمارات الدولية والإقليمية إلى سوريا، فإن رقم الـ28 مليار دولار الذي أعلن كاستثمارات تمكنت دمشق من جذبها يشكل فرصة حقيقية للبدء بإعادة الإعمار والنهوض بقطاع البنى التحتية التي تشكل قاعدة ومنطلق النمو في البلاد.

وكان البنك الدولي، وفي أحدث تقرير حول سوريا له، قدر الأضرار المادية المباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار، منها 52 مليار دولار تمثل إجمالي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وحدها، مشيراً إلى أنه، وفي أفضل تقدير متحفظ، تحتاج سوريا إلى 216 مليار دولار، تتوزع بين 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.

ووفقاً للتقرير، فإن الكلفة التقديرية لإعادة الإعمار تشكل نحو 10 أضعاف إجمالي الناتج المحلي المقدر لسوريا لعام 2024، وتراوح كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة ما بين 140 و345 مليار دولار، مما يبرز حجم التحدي والحاجة الماسة إلى الدعم الدولي.

مختصون تحدثوا لـ”اندبندنت عربية” حول أن رقم الاستثمارات “28 مليار دولار” الذي تمكنت سوريا من جذبه حتى الآن سيذهب بمعظمه إلى قطاع البنى التحتية، بخاصة الكهرباء والغاز والنفط والنقل والسكن، معتبرين أن الرقم جيد في ظل ظروف البلاد الصعبة بعد 14 عاماً من النزاع والدمار والحصار، بينما لا يزال قانون قيصر جاثماً على صدرها.

وأشاروا إلى أنه بمجرد إعلان إلغاء قانون “قيصر”، لن يفتح الطريق لتنفيذ الاستثمارات التي جرى إعلانها فقط، إنما سنشهد تدفقاً لموجات غير متوقعة من الاستثمارات، وقد تأخذ طابعاً دولياً في بعضها، مشيرين إلى أن الوقت قد حان لاستثمار الموقع الجغرافي والتجاري الذي تتمتع به سوريا.

إلى ذلك، توقعت مصادر تحدثت لـ”اندبندنت عربية” أنه مع التطورات السياسية المتسارعة التي قد تفضي إلى إلغاء قانون “قيصر” بعد إزالة اسم الرئيس السوري ووزير داخليته من قوائم الإرهاب، قد تكون سوريا مقبلة على مرحلة بناء كبيرة، وقد لا تبدو الـ28 مليار دولار التي أعلنها الرئيس السوري أحمد الشرع إلا مقدمة لعشرات المليارات الأخرى “إن لم تكن مئات” التي يمكن أن تأخذ طريقها إلى سوريا، البلد المرشح ليكون مركز عبور لخطوط نقل النفط والغاز وأيضاً خطوط الإنترنت وكثير من المشاريع التكنولوجية والرقمية ذات البعد الإقليمي والدولي.

مذكرات جدية وليست زوبعة إعلامية

اعتبر رجل الأعمال السوري المغترب ياسر أسعد أن التوجه الاستثماري صوب سوريا لا يكمن فقط في كمية الأموال التي يمكن أن تستقطبها، بل في نوعية وجنسية الاستثمارات والأبعاد الإقليمية وربما الدولية لهذه الاستثمارات، واصفاً سوريا بالدولة البكر والغنية بالمواد الأولية “كثير منها غير مستثمر وربما غير مكتشف حتى الآن”، مما يجعل الاستثمار فيها مجزياً ومهماً بل و”ملهماً”، بحسب وصفه.

وأكد أن “من المتوقع أن يكون هناك تنوع مهم في جنسيات الاستثمار المقبل على سوريا، فالسعوديون والإماراتيون والقطريون حجزوا استثمارات كبرى بمليارات الدولارات، وإن كنت أعتقد أن سمة الاستثمار في سوريا ستذهب لتكون ذات طابع دولي، بمعنى قد نشاهد، وعلى سبيل المثال، استثمارات أميركية مهمة في سوريا، تحديداً في قطاع الطاقة وصناعة الرقائق، ولننتظر فقط الاستثمارات التي ستوجه إلى غاز الساحل أو آبار النفط التي ما تزال بكراً في الجزيرة السورية، وبالتالي نحن أمام حقيقة تقول إن الاستثمار الأجنبي سيكون محورياً في أية خطة يتم تبنيها لتعافي الاقتصاد السوري، بل هذا ما يفسر “ما قاله الرئيس الشرع بأن سوريا ستلجأ إلى التنمية من بوابة الاستثمار”.

وتابع “هنا لنسأل السؤال التالي: ما هي الاستثمارات التي يمكن أن نتوقعها في بلد يمتلك احتياطات كبيرة من رمال السيليكا عالية النقاوة التي تصنف ضمن أفضل الأنواع، وتتجاوز نسبة نقاء أكسيد السيليكون فيها 98 في المئة؟”.

وأكد في حديثه أن النشاط السياسي المتسارع لقادة البلاد الجدد سيكون له انعكاسات مباشرة على الاستثمار في سوريا، وقد تكون فرصها الكبرى في طريقها للتحقق فعلاً.

وأوضح “لا تملك سوريا ترف أن توصف مذكرات التفاهم الاستثمارية التي وقعتها بأنها زوبعة إعلامية، كما يحاول بعضهم القول، ولا أعتقد أن المستثمرين الذين جاؤوا إلى سوريا وأعلنوا مشاريعهم، وبعضهم بدافع من حكومات بلدانهم، لديهم نية عدم التنفيذ”، مشيراً إلى أن من يزور دمشق سيكتشف أن لقاءات العمل واستكشاف فرص الاستثمار لا تتوقف ليل نهار.

وأعرب عن أمله أن تتمكن الحكومة السورية من ترتيب بيئة الاستثمار بصورة متقنة، وألا يجد المستثمر أي منغصات عند قدومه، فالمال يحتاج إلى بيئة مثالية ليعمل وينمو، مشيراً إلى أن خيار البلاد طريق التنمية عبر الاستثمار خيار موفق، ومن شأنه خلق فرص عمل واسعة وكبيرة، وتحقيق ذلك يحتاج، مع إتمام إلغاء العقوبات والنجاح في قانون قيصر، إلى الجدية في تحقيق ما وصفه بالأمن الاقتصادي والاستثماري، أي أن “العبرة في التنفيذ” أولاً وأخيراً.

ترجمة الأموال عبر بناء مناخ استثماري متطور

المستشار في مجال الطاقة زياد عربش، قال إنه كان لافتاً جداً إعلان الرئيس السوري جذب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر الـ10 الماضية، ولعله من المهم التركيز على أن الاستثمار هو الطريق الأمثل الذي اختارته سوريا لإعادة الإعمار بدل الاعتماد على المساعدات.

وأشار إلى أن الاستثمارات المعلنة تشمل قطاعات عدة، وعلى رأسها مشاريع البنية التحتية مثل الطاقة وتطوير مشاريع حيوية كشبكة المترو في دمشق وتوسعة مطار دمشق، إلى جانب استثمارات سعودية وإماراتية وتركية في مجالات عدة كالكهرباء والعقارات والموانئ وغيرها.

وبحسب عربش، فإن رقم الاستثمارات المعلن يعكس طموحاً كبيراً وانفتاحاً اقتصادياً جوهرياً بعد سنوات طويلة من الحرب والتدمير، لكنه، وعلى المستوى العملي، قد يغلب على عدد من المشاريع الطابع الرمزي، فقد لا تصل نسبة العقود الموقعة إلى نصف هذا الرقم، وذلك لأسباب عدة، أولها أن طبيعة الظروف المحيطة بالمشروع وعوائده قد تتغير فلا يقلع المستثمر، أو إذا كان هناك رهان على تعديل البيئة الناظمة والقانونية (لتصبح كلفة المشروع مغطاة بالكامل بالأرباح المتوقعة) ولم يجر ذلك حتى الآن، أو لجوء بعضهم للاستعراض والتباهي من دون أية جدية، وربما يكون هناك شكوك حول التمويل.

لكن بالمقابل، يقول عربش، “علينا أن ننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، فهناك عديد من المشاريع التي جرى الشروع بها وتحتاج إلى متسع من الوقت لنرى بوادر النتائج، إذ استلم عديد من الشركات مواقع العمل، ومنها من بدأ بتوظيف الكوادر العالية استعداداً للإقلاع”.

وأوضح أن هناك اتفاقات كبيرة تخص قطاع الطاقة، ومنها اتفاق بقيمة 7 مليارات دولار مع ائتلاف من الشركات القطرية والتركية والأميركية لاستعادة وتنشيط قطاع الكهرباء والطاقة في البلاد، وهو قطاع حيوي لإعادة الإعمار، مضيفاً أن بناء قطاع الكهرباء يعد أساسياً لأن الطاقة هي العمود الفقري لتشغيل الصناعات السورية، والنهوض بقطاع الخدمات، وتطوير البنية التحتية بصورة عامة، وأن عدم قدرة الدولة على بناء قطاع كهرباء قوي ومستدام سيجعل تقدم إعادة الإعمار محدوداً، وحتى غير ممكن.

المختص السوري أوضح أنه مع وجود اتفاق بقيمة 7 مليارات دولار مع شركات قطرية وتركية وأميركية، يجب أن تبدأ الدولة بترجمة هذه الأموال في بناء قطاع الكهرباء والطاقة واعتبارها من أولويات إعادة الإعمار، تليها المشاريع الحيوية للبنية التحتية مثل الطرق والموانئ وشبكات النقل، التي تسهم في تنشيط الاقتصاد وجذب المستثمرين، والأهم هو خلق مناخ استثماري مستدام يحمي الاستثمارات ويضمن استمراريتها.

عربش شدد في سياق حديثه على ضرورة الاستثمار في تطوير البنية التحتية الاجتماعية مثل الصحة والتعليم بصورة تتكامل مع البنية التحتية الاقتصادية، ليشكل قاعدة صلبة للنمو والتنمية المستدامة.

لكن من أين يجب أن تبدأ الدولة لترجمة هذه الأموال؟ يقول عربش موضحاً “من خلال خلق مناخ استثماري مستدام بحيث يحمي الاستثمارات، وتتكامل فيه البنية التحتية الاجتماعية مع الاقتصادية لتحصيل النمو والتنمية المستدامة”، متوقعاً أن تبرز الحاجة لأن تلعب المؤسسات دوراً محورياً في تنظيم وتحفيز الاستثمارات، خصوصاً عبر تفعيل الأطر القانونية والضريبية، وتحسين البيئة التنظيمية لجذب المستثمرين.

وأكد في هذا السياق دور الرافعة التكنولوجية باعتبارها عنصراً أساسياً في تحديث القطاعات الاقتصادية، من خلال اعتماد تقنيات ذكية في قطاع الطاقة والبنية التحتية، وتحسين كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية.

عربش أشار إلى أن مفاهيم اقتصاديات المكان ستأخذ أهمية متزايدة عبر استغلال الموارد المحلية والمميزات الإقليمية لتعزيز التنمية المتوازنة، والاستفادة من موقع سوريا الجغرافي كممر تجاري مهم بين الشرق والغرب، فهذه العوامل مجتمعة ستسهم في تحقيق إعادة إعمار أعمق وأكثر استدامة خلال عام 2026 وما بعده.

 أولويات الاستثمار في سوريا

الاستشاري في قطاع الأعمال سعد بساطة قال من جانبه إن الاستثمارات التي استطاعت سوريا جذبها حتى الآن تشكل فرصة جيدة لتعزيز البنية التحتية وتحسين سوية الاقتصاد، بخاصة إذا وجهت بصورة فعالة ومخططة لها بصورة جيدة، متحدثاً في هذا السياق عن مشروع دراسة إعمار سوريا الذي وضعته الإسكوا عام 2016، الذي قدر في حينه كلفة إعادة الحياة الطبيعية بزهاء 200 مليار دولار، وتصاعد الرقم إلى ما يقارب 300 مليار دولار حالياً، مشيراً إلى أن الاستثمار لا يغطي سوى 10 في المئة من الكلف الكلية، وهذا لا يمكن أن نستهين به.

الاستشاري السوري أضاف أنه مع التحسن الملاحظ في الظروف السياسية وظهور بوادر بإلغاء قانون “قيصر”، يعتقد أن ذلك سيؤدي حكماً إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية التي ستجد طريقها إلى قطاعات البنى التحتية والصناعة والخدمات، وبالمحصلة فإن زيادة الاستثمارات ستسهم في تعزيز الاقتصاد وتحسين البنية التحتية وتحسين الظروف المعيشية للسكان.

وأوضح أن أولويات الاستثمار في سوريا يجب أن تتركز في البنية التحتية بما في ذلك الطرق والجسور لتعزيز النقل والاتصالات، والمطارات والموانئ لتعزيز التجارة الدولية، والطاقة التي تحتاج إلى محطات توليد وأنظمة توزيع ونقل، أيضاً المياه والصرف الصحي لضمان حصول المواطن على المياه النظيفة والصرف الصحي الآمن، أما في مجال الصناعة فينبغي أن تكون أولوية الاستثمارات بما يساعد في تطوير الصناعات التحويلية، مثل صناعة النسيج والملابس والصناعات الغذائية التي تمتلك فيها سوريا قيماً مضافة عالية، وأيضاً الصناعات الثقيلة مثل صناعة الحديد والصلب والأسمنت، إذ يمكن ضخ مئات الملايين من الدولارات، في حين تحتاج الزراعة إلى استثمارات تساعدها في الميكنة وتحسين وسائل الري والالتفات إلى الزراعات العضوية.

أما قطاع الخدمات فيراه “الاستشاري السوري” محل أولوية للاستثمار، بخاصة قطاع السياحة الذي يحتاج إلى استثمارات كبيرة لرفع قدراته على الاستقطاب الخارجي، خصوصاً في ظل امتلاك سوريا لمقومات سياحية قائمة على التنوع والخصوصية، في حين يبدو قطاع التكنولوجيا مرشحاً لجذب استثمارات كبيرة ونوعية، وهو ما بدأت بوادره تظهر فعلاً من خلال الاتفاقات التي وقعتها سوريا على المستوى الإقليمي والدولي.

بساطة أشار في حديثه إلى مجموعة مزايا يجب أن تتصف بها الاستثمارات على المدى الطويل، من أبرزها الاستدامة بما في ذلك الاستثمارات في الطاقة المتجددة والبيئة، والابتكار بما في ذلك الاستثمارات في البحث والتطوير والابتكار التكنولوجي، بجانب التنمية البشرية، وخصوصاً في التعليم والصحة.

ولفت إلى أن “هناك تحديات لا يمكن أن نغفلها ونحن نتحدث عن جذب الاستثمارات، وإضافة إلى التحديات السياسية، هناك تحديات اقتصادية كبيرة تواجه سوريا وقد تؤثر في فعالية الاستثمارات، أضف إلى ذلك التحديات الأمنية، إذ لا تزال هناك جيوب عدم استقرار في بعض المناطق في سوريا، وقد تؤثر في الاستثمارات والنشاط الاقتصادي”.

استهداف مباشر للبنى التحتية

من أهم المشاريع التي يمكن الحديث عنها توقيع اتفاقات استثمارية بـ14 مليار دولار مع عدد من الشركات العربية والأجنبية، وغالبها ذو صبغة دولية، وشملت 12 مشروعاً استراتيجياً في مجالات البنية التحتية والنقل والتطوير العقاري، وأبرزها تطوير مطار دمشق الدولي باستثمار قدره 4 مليارات دولار، وإنشاء مشروع مترو دمشق بملياري دولار، إضافة إلى إنشاء أبراج سكنية بقيمة 2.5 مليار دولار.

وفي يوليو (تموز) الماضي، عقد في دمشق المنتدى الاستثماري السوري – السعودي، الذي أسفر عن توقيع 47 اتفاقاً ومذكرة تفاهم بقيمة تصل إلى 6.4 مليار دولار.

كما تم التوقيع في شهر مايو (أيار) الماضي على مذكرة تفاهم مع تحالف من شركات رائدة في مجال الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، والشركات هي: شركة “أورباكون القابضة” القطرية من خلال شركتها “يو سي سي” القطرية، وشركة “بور إنترناشونال” الأميركية، وشركة “جاليون إنيرجي” وشركة “جنكز إنيرجي” التركيتين.

——————————-

 سوريا تستعيد بوصلتها الضائعة: الاقتصاد الحرّ ينطلق/ ناظم عيد

الأحد 2025/12/07

تبنت الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق اقتصاد السوق “الحر” كخيار استراتيجي، معلنة بذلك إحدى أبرز محطات التحول العميق الذي بدأ في 8 كانون الأول 2024.

ويأتي هذا الإعلان بوصفه خطوة كبرى و”موقف دولة” طال انتظاره لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، منذ إطلاق ميخائيل غورباتشوف مشروع “البيروسترويكا” وما تبعه من انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي وانحسار المنظومة الاشتراكية معه.

ضبابية مزمنة

والواقع أن الاقتصاد السوري لم يكن اشتراكياً يوماً، فلهذا النمط استحقاقات ثقيلة عجزت عنها الدولة. ولم يكن رأسمالياً لأن الاصطفاف السياسي فرض نفسه عنوة بين معسكرين.

بل كان اقتصاداً غير منتج، هجين، متفلّت من كل اشتراطات التماهي شكلاً وتطبيقاً، مع سلسلة طويلة من فصول “فوات المنفعة” المفترضة في الانتماء الصريح. فالأدبيات الاقتصادية العالمية ترفض سياسات “التغميص باتجاه اليسار والانعطاف نحو اليمين”.

بعد العام 2005 أمعنت مقصورة قيادة الدولة أكثر في خلط أوراق اقتصادها، وأدخلته في متاهة أكثر تعقيداً عندما أعلنت اقتصاد السوق الاجتماعي نهجاً مبتكراً، وكان في الواقع ملتبساً أشغل الجميع بتفسير دلالاته لا بمقتضاه.

في تلك الأجواء الضبابية تسلل إلى عمق البيئة الاقتصادية السورية نمط اقتصادي غريب، لا عام ولا خاص، بل “خاص” بدأ يتبلور ويتضخّم تحت عناوين “الليبرالية عند الحاجة” التي مارسها النائب الاقتصادي عبد الله الدردري، صلة الوصل والوسيط النشط بين رأس النظام وبيوت المال في سوريا وما حولها.

على مثل هذه الأرضية تضخمت استثمارات الطبقة “الامتيازية” وتعزز استحكامها بالسوق على المستويين الإنتاجي والتجاري والخدمي عمومًا، ليغدو التوصيف الدقيق لحقيقة الاقتصاد أنه “رأسمالي متوحش” دفع فاتورته من بقي في هذه البلاد من ملايين السوريين.

تصويب سلس

كان إعلان الدولة الجديدة عن نهج الاقتصاد الحر كخيار دولة، تصويباً لمسارات مختلّة على مرّ عقود طويلة، وإجلاء الالتباس المزمن الذي طالما حيّر العالم في الطريقة المناسبة للتعامل مع سوريا. ليكون من الطبيعي والأفضل عزلها.

وإن كانت إحدى أكبر الهواجس القائمة في مرحلة التحوّل هي تلك المتعلقة بالآثار الاجتماعية المتوقعة على الشريحة الأوسع من المجتمع، فإن الحقيقة الأكيدة أنه لم يبق ما يمكن أن يلفح السوريين ولم يحصل، فقد عبروا برزخ  التبعات الصعبة المفترضة للتحول خلال حقبة الفقر المدقع التي عاشوها على مرّ السنوات الماضية. وهذا سيقفز بهم مباشرة إلى خانة حسنات النمط الاقتصادي الجديد.

تلقّف الفكرة وتطبيقاتها

تلقى السوريون انعكاسات إيجابية مباشرة لنمط اقتصادهم الجديد بمجرد تحرير بلادهم. وكانت أولى الإشارات تدفق سلعي ووفرة في أسواقهم لم يشهدوها منذ أكثر من عقد من الزمن، والأهم أسعار متهاودة بنسبة 50%، إلى جانب تعدد الخيارات في قوام السلّة الاستهلاكية.

كما تراجع سعر صرف الدولار من عتبة 16 ألف ليرة سورية في السوق السوداء ووصل إلى ما دون 9 آلاف ليرة سورية، وتحوّل الطلب على الليرة أكثر من الطلب على الدولار.

وتوالت – كما الحلم – تدفق وفود رجال الأعمال والأخرى الرسمية لاستكشاف سوريا الجديدة التي شرعت للتو أبوابها أمام الجميع.

جرأة الاتتقال

يسترجع الخبير الاقتصادي والمالي أنس الفيومي، معالم النهج الاقتصادي الغامض الذي ساد في سوريا خلال العقود الماضية. حتى عندما قيل أن الاعتماد سيكون على اقتصاد السوق الاجتماعي كان هذا الاعتماد يفتقد لأدوات كثيرة يفترض أن تتوفر لدى الدولة والأفراد، وأن تهيأ لها مقومات النمو واستمراره.

ويتساءل الفيومي سؤال العارف في حديثه إلى “المدن”: هل كانت العلة في الأدوات أم بالقرار أو من يصدره والجرأة على العمل ضمن نهجه دون مساءلة من جهات أمنية أو رقابية.

المهم وفقاً للخبير المالي والاقتصادي، أمام هذه الفوضى السابقة ومع أول خطوات التحرير كان لا بد من اتخاذ القرار الجريء بالتوجه نحو الاقتصاد الحر، مع ما يخلقه هذا التوجه ضمن المقومات المتوفرة في حينه والقدرة على تقبله وتبنيه من اهتزاز قوي في بنية الاقتصاد.

لكن المراهنة كانت على أن فترة الاهتزاز لن تطول وسرعان ما سيجد النهج مقومات استقراره والانطلاق الجيد نحو مستقبل اقتصادي قوي مستقر مع توفر الدعم الخارجي والعلاقات الجيدة مع الدول الأخرى ومؤسسات التمويل.

متطلبات

هنا يلفت الفيومي إلى أن ‏حماية الملكيات الفردية ووسائل الإنتاج ودعم تأسيس الشركات وتسهيل عملها وخلق سوق منافس شريف وتحديد الأسعار بناء على قاعدة العرض والطلب.. إلى آخر ما يميز اعتماد الاقتصاد الحر ومبادئه الأساسية.

يتطلب بالطرف المقابل فريق عمل إشرافي قوي من الوزارات المعنية لمنع الوقوع في مخاطر محتملة كسيطرة الشركات الكبيرة القوية على السوق وتهميش دور المشاريع المتوسطة والصغيرة، وتقليل الهوة بين طبقات المجتمع عبر تحسين الدخل.

والأهم ألا تكون الغاية هي تحقيق الربح فقط على حساب الدور الاجتماعي المنوط بالدولة، والتي لا يجوز لها أن تغفله وخاصة في المراحل الأولى لهذا الانتقال الصعب.

مسؤولية قطاع الأعمال

وهنا يأتي دور غرف الصناعة والتجارة بتشكيل فرق عمل على تواصل دائم مع الفريق الحكومي لضبط حركة الإنتاج والسوق والتكاليف ووضع الحكومة بصورة أي خطورة محتملة لكافة السلع ولاسيما السلع الأساسية.

إذ ‏لا شك في أن المرحلة القادمة ليست سهلة وتحتاج لعمل جاد من الأفراد والمؤسسات بشفافية تامة من أجل اتخاذ القرار وصحته وتوقيته المناسب وتأثيره على المجتمع المتعب بعد سنوات كانت صعبة جدا عليه.

من جانبه يرى الأكاديمي الخبير الاقتصادي الدكتور محمد علي، أن ثمة ملامح واضحة تم إرساؤها على الأرض، على مستوى تحول سوريا من نظام اقتصادي مغلق إلى اقتصاد السوق الحر.

ويعتبر أن تحرير الاستيراد واعتماد مبدأ المنافسة هو ألف باء مثل هذا التحول بكل ما حمله من تنوع في المنتجات والسلع وجودتها، وتنوع الأسعار بناء على هذه المعطيات.

وجزم علي في حديثه من “المدن” بأن تحرير الاستيراد ستكون له انعكاسات بالغة الإيجابية ستظهر تدريجيًا على صعيد تحفيز الاستثمار والإنتاج المحلّي، ومن ثم المنافسة بالأسعار والجودة مع ماهو مستورد.

سوق العملة والمصارف

يشير د. علي إلى ملمحٍ أساس من ملامح التحول نحو أدبيات السوق الحر، وهو التغيرات التي طرأت على سعر صرف الليرة السورية.

فمصرف سوريا المركزي أعلن منذ بداية التحرير أن استراتيجيته تعتمد آلية التعويم المدار، أي بناء على ظروف العرض والطلب ومن ثم التدخل عند تخطي سعر الصرف حدود غير حقيقية أو في حالات المضاربة، وذلك من أساسيات التحول إلى الاقتصاد الحر. وبالفعل قد تحسن سعر صرف الليرة السورية مع بدايات العام 2025.

وإن كان سعر صرف الليرة قد انخفض نسبياً في الشهرين الأخيرين، فإن ذلك يبدو طبيعياً في ظروف الاقتصاد الحر، فالليرة تحتاج إلى تعافي منظومة الإنتاج المحلي لتحقق مكاسب أمام الدولار، وهذه الحيثية تبدو مثار اهتمام حكومي، وثمة مساع واضحة باتجاه الارتقاء بمنظومة الإنتاج المحلي ومعالجة العجز في الميزان التجاري السوري.

والمهم في سياق التعاطي مع المسألة النقدية، إعلان الحكومة منذ البداية أنه لن يكون هناك تمويل بالعجز، والتمويل بالعجز كان السبب المباشر لحالة التضخم الذي حصل سابقاً.

كما شرعت الحكومة بتحرير وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهذا من الملامح  المهمة للتحول. ورسمت الحكومة والمصرف المركزي رؤية لهيكلة المصارف العامة.

ويعول اليوم على إعادة تفعيل نظام سويفت في سوريا وإعادة إدماجها في النظام المالي العالمي بشكل كامل خلال الفترة المقبلة.. طبعًا بعد إلغاء قانون قيصر.

نحو الاندماج المفقود

ويتفاءل علي بأن كل الإجراءات الجارية ستساعد سورية على الاندماج بالاقتصاد العالمي، في حال استمرت جهود الدعم الدولية، باتجاه إدراج سوريا في مجموعة العمل المالي وإزالتها من القوائم السوداء.

والسماح بترميم الفجوة التقنية وإعادة توطين كل ما تحتاجه التنمية بمختلف مساراتها، وترميم كل ماله علاقة بالبنية التحتية بما في ذلك البنية التحتية الرقمية..

كل ذلك سيؤدي إلى تحسين بيئة الإنتاج السوري وتحسين الصادرات وتصحيح العجوزات في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، لكن هذا يحتاج إلى وقت فالاقتصادات لا تُبنى في ليلة وضحاها..

كل ما تم إنجازه في سياق تطبيقات إعلان التحول نحو اقتصاد السوق الحر في سوريا، والإجراءات التطبيقية التي تمت، تعني فيما تعنيه، وفقًا للخبير محمد فإن الانتاج سيبدأ مسيره التصاعدي مع تحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار في كافة القطاعات، وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى زيادة الطلب على القوة العاملة وامتصاص فائض سوق العمل

——————————-

الشرع يدعو رجال الأعمال القطريين للاستثمار في سورية

07 ديسمبر 2025

قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، إن ما تشهده سورية حالياً من إعادة إعمار يتيح العديد من الفرص الكبيرة للاستثمار في قطاعات متنوعة، مثل الزراعة والصناعة والطاقة والعقارات، وغيرها من القطاعات الاقتصادية الأخرى، داعياً رجال الأعمال القطريين إلى “الاستثمار في سورية والدخول في استثمارات ومشروعات، وإقامة شراكات استراتيجية بين الشركات القطرية والسورية”.

وأكد الشرع، خلال لقاء مع وفد غرفة تجارة وصناعة قطر وعدد من رجال الأعمال القطريين في الدوحة، أمس السبت، “عمق العلاقات التاريخية” التي تجمع بين بلاده وقطر، لافتاً إلى أن “هذه العلاقات الأخوية القوية بين البلدين هي الاستثمار الحقيقي”. وبحث اللقاء علاقات التعاون بين البلدين في المجالات التجارية والاقتصادية، ودور القطاع الخاص في تعزيز هذه العلاقات وتنميتها، خصوصاً أن سورية تشهد حالياً مرحلة إعادة إعمار واسعة.

من جهته، أشاد رئيس مجلس إدارة غرفة قطر، الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني، بـ”العلاقات الأخوية الوثيقة التي تربط بين البلدين والشعبين”، مؤكداً حرص رجال الأعمال القطريين على الاستثمار في سورية واهتمامهم الواضح بالسوق السوري. وقال إن غرفة قطر تعمل حالياً على الإعداد لتنظيم زيارة لوفد كبير من رجال الأعمال القطريين إلى سورية قريباً بهدف تعزيز علاقات التعاون مع القطاع الخاص السوري، والاطلاع على الفرص الاستثمارية المتاحة، والتباحث في بناء شراكات وتحالفات تجارية بين الطرفين.

وأشار النائب الأول لرئيس مجلس إدارة غرفة قطر، محمد بن طوار الكواري، إلى أن رجال الأعمال القطريين “لديهم ثقة كبيرة بالمناخ الاستثماري في سورية حالياً، ويرون أن الوقت مناسب جداً للاستثمار هناك”. وشدد النائب الثاني لرئيس مجلس إدارة غرفة قطر، راشد بن حمد العذبة، على أهمية تطوير قوانين الاستثمار، بحيث “تقدم مزايا محفزة للمستثمرين للقدوم إلى سورية مثل التملّك الحر وغيرها من المزايا التنافسية”.

ودخلت العلاقات الاقتصادية بين قطر وسورية مرحلة ازدهار غير مسبوقة بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وبلغت الاستثمارات والمساعدات القطرية أكثر من 10 مليارات دولار في أقل من عام، مع تركيز على الطاقة. وأطلقت قطر حملة دعم طاقي فورية بدءاً من مارس/ آذار 2025، بتزويد محطة دير علي بـ400 ميغاواط يومياً من الغاز الطبيعي عبر الأردن، مما رفع ساعات التغذية الكهربائية من ساعتين إلى أربع ساعات في 11 محافظة. وفي المرحلة الثانية في يوليو/ تموز الماضي، أضيفت 400 ميغاواط أخرى عبر خط أنابيب أذربيجاني من تركيا إلى حلب وحمص، بتمويل من صندوق قطر للتنمية الذي صرف 760 مليون دولار على إصلاح الشبكة الكهربائية السورية.

ولم تقتصر المساهمة القطرية على الطاقة، إذ منحت قطر 87 مليون دولار في مايو/ أيار 2025 لرواتب القطاع العام السوري لثلاثة أشهر، وساهمت مع السعودية بـ15.5 مليون دولار لسداد ديون سورية تجاه البنك الدولي. وفي الاستثمار الخاص، وقّعت شركات قطرية اتفاقيات بـ1.5 مليار دولار لمشروع “بوابة دمشق” الإعلامي السياحي، و250 مليون دولار لمصنع ألبان وعصائر، مع خطط لشراكات في البناء، والاتصالات، والمياه.

العربي الجديد

——————————–

القمّة الخليجية وحدود دعم سورية/ مالك ونوس

07 ديسمبر 2025

ربما كانت دول الخليج العربية من أكثر الدول التي تنفّست الصعداء بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشّار الأسد، بسبب وجع الرأس الذي أصابها، 14 سنة، نتيجة سياساته وتحالفاته وحربه على الشعب السوري، وتسبّبه بالتوتر والقلاقل في المنطقة والمحيط، وبسبب المشكلات اللاحقة لتجارته في الحبوب المخدّرة وإغراق الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج، بها. لذلك سارعت هذه الدول إلى دعم السلطة الجديدة، معنوياً ومادياً، بعدما اتضحت علائم الحكم فيها، وبعد تنصيب أحمد الشرع رئيساً للبلاد. وإذا كانت العقوبات الدولية التي فُرضت على النظام السابق قد حالت دون تدفق الدعم المادي والاستثمارات من دول الخليج إلى سورية، فإن أي لوم لا يقع على هذه الدول، بقدر ما تُلام السلطة الجديدة بسبب عدم تنفيذها الإجراءات والشروط التي طُلبت منها لكي يعود المجتمع الدولي ويتعامل معها دولةً طبيعية، تتلقّى المساعدات وتصبح أرضيتها مناسبة لقدوم الاستثمارات، وتعبّد الطريق للتعافي وإعادة الإعمار.

يأتي هذا الكلام، بعد اختتام قمة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، قبل أيام في المنامة، وتجديدهم في بيانها الختامي دعم سورية، وتأكيدهم أهمية احترام سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها ورفض التدخلات في شؤونها. وفي ما يخص إعادة توحيد أراضيها واستقرارها ووقف التوتر بين أبناء الشعب، دعا البيان “جميع الأطراف السورية إلى تغليب لغة العقل والحوار، ونبذ دعوات الانقسام، وتعزيز التكاتف بين أبناء الشعب السوري بما يسهم في استكمال مسيرة بناء الدولة السورية الجديدة”. وعن الاعتداءات الإسرائيلية، شدّد البيان على سوريّة هضبة الجولان، ودان الاستيطان الإسرائيلي فيها، كذلك دعا إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي احتلتها القوات الإسرائيلية أخيراً، ودعا المجتمع الدولي إلى القيام بدوره في هذا الإطار. وبينما رحب بجهد السعودية لدفع الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات عن سورية لدعم اقتصادها، رحب، في المقابل، بالخطوات التي اتخذتها دول خليجية للاستثمار في سورية، وتشغيل بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية وغيرها.

وليس هذا الأمر جديداً، فمن منطلق المساهمة في حل الأزمة السورية، خلال حكم الرئيس المخلوع بشّار الأسد، طرحت دول الخليج، وعدة دول عربية، مبادرات كثيرة لتغيير سلوك الأسد من أجل حل هذه الأزمة والدخول في سياق التسوية السياسية. غير أن الأسد كان يمتنع عن التزام هذه الاتفاقات، وفي مرّات كثيرة، كان ينقلب عليها، ومنها محاولة إعادة تأهيله، وإرجاع كرسي سورية في جامعة الدول العربية إلى نظامه. ثم الاتفاق أخيراً، وعظيم الأهمية، الذي أطلقه الأردن ضمن مسار وأجندة للأولويات وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة”. لكن الدول العربية، بعدما تأكّدت لها صعوبة إعادة تأهيل الأسد بسبب انقلابه، وعدم التزامه كل الاتفاقات معه، نفضت أياديها منه، وكانت عملية ردع العدوان التي كانت بداية نهاية نظامه.

… بعد مرور سنة على إسقاط نظام الأسد، حري السؤال عن حدود الدعم الخليجي المتواصل لسلطة دمشق، من أجل مساعدة البلاد على التعافي، عبر الدخول في مسار التسوية السياسية لأزماتها، من أجل البدء بإعادة بناء الاقتصاد والعمران، بعد تأهيلها قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، وكذلك إقفال الملفات العالقة التي تحتاج الجرأة للبتّ بها، خصوصاً تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية الذي يمكن أن يسير بالبلاد نحو تخفيف التوتر والمصالحة الوطنية. وفي هذا السياق، يبرز موضوع الاتفاق مع الفاعلين في السويداء وشرق الفرات وشمال شرقه، عبر التوافق على مطالبهم الخاصة بالكونفدرالية أو اللامركزية، علاوة على طريقة إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش. ومؤكّد أن دول الخليج لن تتوقف عند حد، إيماناً منها بضرورة التسوية في سورية التي تحتاجها هي من أجل الاستقرار في المنطقة العربية التي تشهد بؤر توتر كثيرة، تعد سورية البؤرة الأكثر قابلية للتسوية هذه الفترة، إذا اتفق أبناؤها بمساعدة الدول العربية التي أبدت استعدادها لاستمرار المساعدة في كل المجالات. وتحتاج دول الخليج ذلك وتريده، نتيجة ما عانته من مشكلاتٍ تسبب بها نظام الأسد، الذي أثبت سلوكه الشاذّ القدرة الكبيرة على التأثير في الدول المحيطة، على الرغم من الضعف الذي كان عليه.

من جهة أخرى، لدى الدول الخليجية هموم داخلية كثيرة تحتاج أن توليها الاهتمام المطلوب من أجل التصدّي لها، من أجل استكمال مشاريع التحديث التي شرعت فيها، والتي تشكل تحدّياً وجودياً لها. وهو ما برز في البيان الختامي لقمة المنامة، وخصوصاً التركيز على الخطوات الاتحادية، من أجل الانتقال من “مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد”، تنفيذاً لمقترح ملك السعودية الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، وما تتطلبه هذه الخطوة من سعي خطوات الترابط والتكامل وتنسيقها، وتعزيز أمنها المشترك، خصوصاً مع أهمية هذا الأمر للتصدي للتهديدات الكبيرة التي تطاول دول المنطقة، وجديدها أخيراً العدوان الإسرائيلي على قطر، وتهديد قادة الكيان الإسرائيلي دول المنطقة. ومن هنا جاء التنويه في القمة بما بذلته الدبلوماسية القطرية، وما تبذله، من أجل إخماد بؤر التوتر، وتثمين دورها في اتفاق السلام في الكونغو الذي وُقّع في الدوحة، في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

ما زالت مشكلات كثيرة تشغل السوريين، وتحتاج زمناً طويلاً حتى تجد طريقها للحل، ومنها على سبيل المثال مشكلة النازحين واللاجئين الذين قالت عنهم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تقرير لها قبل أيام إن عودتهم لا تخفف الكارثة الإنسانية في البلاد، بسبب حاجة من عاد إلى سورية، ومن بقي في مخيمات النزوح، للمساعدات الإنسانية الضرورية، خصوصاً أن المناطق التي عاد إليها أكثر من ثلاثة ملايين نازح ولاجئ، مناطق متضرّرة، ونسبة كبيرة من منازلها غير صالحة للسكن، وتعاني من غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية وعدم توفر المياه والمدارس والمراكز الصحية، وهو ما يعد تحدياً أمام الحكومة لإيجاد السبل من أجل التغلب على هذه المشكلات.

لا يمكن لدول الخليج الاستمرار في انتظار السوريين إلى ما لا نهاية، للشروع بالتسوية السياسية من أجل الانتهاء من تهيئة الأرضية المناسبة التي تسير بالبلاد نحو التعافي الذي يتوقف على تنفيذ الشروط التي وضعها المجتمع الدولي من أجل رفع العقوبات، وبالتالي، دخول الاتفاقات الاقتصادية والتجارية الموقعة مع الحكومة السورية حيز التنفيذ، بعد السماح بحركة الرساميل الدولية نحو سورية. وحتى ذلك الوقت، ليس معروفاً متى يبدأ مسار التسوية. ولهذا، قد يحتاج الأمر من دول الخليج جعل دبلوماسيتها تتدخل لتعجيل التسوية، على غرار ما فعلت الدبلوماسية القطرية في الكونغو ونجحت.

العربي الجديد

—————————————–

===================

تحدبث 06 كانون الأول 2025

——————————-

سوريا 2026: هل يُولَد اقتصاد جديد؟/ عبد الرحمن أياس

06 ديسمبر ,2025

بعد سنة على سقوط نظام آل الأسد، تبدو صورة الاقتصاد السوري مركّبة إلى حدّ التناقض. الأرقام قاسية إلى حد اليأس، لكن خريطة الاستثمارات والتحوّلات المؤسسية تفتح نافذة ضيّقة لاحتمال تعافٍ مختلف عمّا عرفته سوريا منذ استقلالها.

وفق تقديرات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي السوري بنحو 50 إلى 65 في المئة مقارنة بعام 2010، ما أعاد مستوى التنمية إلى ما يشبه منتصف التسعينات. تكلفة إعادة الإعمار المقدَّرة تقارب 216 مليار دولار، أي ما يوازي نحو 10 أضعاف الناتج الحالي. أكثر من 16.7 مليون سوري يحتاجون إلى نوع من المساعدة، فيما يعيش نحو 90 في المئة من السكان في الفقر، ويُتوقَّع للاقتصاد أن ينمو بنسبة تقارب واحداً في المئة فقط عام 2025.

وسط هذا الركام، جاءت لحظة سقوط النظام القديم فرصة لإعادة توزيع أوراق النفوذ الاقتصادي. على وقع تخفيف واسع للعقوبات المفروضة على سوريا زمن آل الأسد، تحركت بسرعة الدول الخليجية، ومعها تركيا. المملكة العربية السعودية أعلنت حزمة استثمارات بنحو 6.4 مليارات دولار تشمل قرابة 2.93 مليار دولار في العقارات والبنى التحتية، وأكثر من 1.07 مليار دولار في الاتصالات والتكنولوجيا. وتكفّلت الرياض والدوحة تسديد متأخّرات سوريا لدى البنك الدولي، البالغة نحو 15.5 مليون دولار، ما فتح الباب أمام مؤسّسات التمويل الدولية للعودة عبر أول منحة بحوالى 146 مليون دولار لقطاع الكهرباء.

وأُعلِن في دمشق عن حزمة مشاريع تقارب 14 مليار دولار تقودها شركات إماراتية وقطرية: توسعة مطار دمشق الدولي بنحو أربعة مليارات دولار، ومشروع مترو للعاصمة بنحو ملياري دولار، إلى جانب أبراج سكنية وتجارية بحوالى ملياري دولار أخرى. ووقّعت سوريا عقداً لمدة 30 سنة مع شركة “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية لتطوير محطة الحاويات في اللاذقية باستثمار يبلغ نحو 230 مليون يورو، ثم اتفاقاً مع “موانئ دبي العالمية” لتطوير مرفأ طرطوس كميناء متعدّد الأغراض ومنطقة لوجستية باستثمار يقارب 800 مليون دولار.

في الطاقة، يبرز مشروع “الممر الغازي” التركي- الأذري- القطري لتزويد سوريا الغاز عبر كليس (تركيا)، بكميات تراوح بين 3.4 وستة ملايين متر مكعّب يومياً (نحو 1.2 مليار متر مكعّب سنوياً) إلى جانب 500 ميغاواط من الكهرباء التركية، ما يتيح إعادة تشغيل محطات بقدرة تصل إلى ألف و200 ميغاواط ومضاعفة التغذية إلى 10 ساعات يومياً في بعض المناطق.

في المقابل، تبدو الاستثمارات المحلية أكثر تواضعاً: عودة تدريجية لصناعيي حلب وعدرا، وإصلاح ورش نسيج وغذاء ومعادن بتمويل من رؤوس أموال سورية عائدة من الخليج وتركيا، وتحرّك للاغتراب السوري في مشاريع صغيرة في تكنولوجيا المعلومات والخدمات. ويهدف إصدار قانون استثمار جديد وتفعيل هيئة الاستثمار إلى تبسيط الإجراءات وتقديم حوافز، لكن وزن رأس المال المحلي لا يزال أقل بكثير من ثقل المال الخليجي والتركي في رسم خريطة القطاعات الكبرى.

في خلفية ذلك كله، يطفو سؤال الاقتصاد المستند إلى الشريعة. سوريا ليست أرضاً بكراً في هذا المجال: قانون المصارف الإسلامية المطبق منذ عام 2005، ومصارف مثل “الشام” و”البركة”، وعلاقة مجدَّدة مع البنك الإسلامي للتنمية، تشكّل بنية تحتية جاهزة لتوسيع التمويل الإسلامي. عملياً، أكثر ما يناسب سوريا اليوم ليس نموذج “أسلمة كاملة” على الطريقة السودانية – التي أثبتت هشاشتها – بل نموذج هجين: نظام مصرفي يعزّز التمويل الإسلامي، ودولة تموّل جزءاً كبيراً من إعادة الإعمار عبر صكوك سيادية بدلاً من السندات الربوية، وتفعيل مؤسّسي للزكاة والأوقاف كأدوات للحماية الاجتماعية وتمويل السكن الشعبي والمشاريع الصغيرة، مع بقاء قنوات تقليدية للتعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي والأسواق العالمية.

في المحصلة، تقف سوريا اليوم على حافة خيارين اقتصاديين متناقضين: إما أن يتحوّل تدفّق الاستثمارات، والانفتاح على أدوات التمويل الإسلامي، وربط البلاد بشبكات الطاقة الإقليمية إلى منصة لإعادة بناء اقتصاد منتج يعيد توزيع الدخل ويولّد وظائف، وإما أن تنزلق البلاد مجدداً إلى اقتصاد ريعي تُعَاد فيه هندسة الامتيازات لمصلحة نخب جديدة، فيما تبقى غالبية السوريين على هامش الوعود الكبرى. إن قدرة الحكومة الجديدة على فرض قواعد شفافة، ومأسسة كل من الصكوك والأوقاف والزكاة، واستعادة الثقة المهدرة بين المواطن والدولة، ستكون المحدِّد الحقيقي لما إذا كان هذا العقد الاقتصادي الجديد سيمنح السوريين بداية مغايرة، أم سيعيد تدوير أزماتهم بلغة وشعارات مختلفة.

*نقلا عن “النهار”

——————————-

الحرة”: اهتمام واشنطن بملف الغاز السوري بات يتخذ بعداً استراتيجياً

وجود شركة أميركية في دمشق يفتح الباب أمام تساؤلات حول الاستثمارات المقبلة

2025-12-05

قالت قناة “الحرة“، اليوم الجمعة، إن اهتمام واشنطن بملف الغاز السوري بات يتخذ بعداً استراتيجياً جديداً، مع بروز الساحل السوري كإحدى أبرز مناطق الاكتشافات الغازية المحتملة في القرن الحادي والعشرين.

وأوضحت القناة أن ما كان يُنظر إليه سابقاً كملف ثانوي في منطقة مضطربة، بات يرتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي ودور الولايات المتحدة في شرق المتوسط.

وبحسب “الحرة”، أثار الإعلان حول لقاء جمع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بوفد من شركة “شيفرون” الأميركية والشركة السورية للنفط موجة واسعة من التساؤلات، بينها ما إذا كانت واشنطن تمهّد بهدوء لفتح قطاع الطاقة السوري أمام الشركات الأميركية، وما إذا كانت سوريا تستعد للدخول في خريطة الغاز الإقليمية بعد عقود من الابتعاد عن الاستثمار الغربي.

ونقلت “الحرة” عن شركة “شيفرون”، رداً على استفسار حول ماهية اللقاء الذي جمع الشرع مع وفد الشركة لتجيب الأخيرة، أنها “تُراجع باستمرار الفرص الجديدة، لكنها لا تُعلّق على المسائل ذات الطبيعة التجارية”.

وقالت خبيرة الطاقة والنفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتايان، لـ”الحرة”، إن زيارة “شيفرون” تعد بمثابة ضوء أخضر أميركي، إذ لا يمكن فصلها عن تبدّل السياسة الأميركية في المنطقة.

وأضافت، أن زيارة “شيفرون” تأتي في سياق يوفر دعماً أميركياً يسمح للشركات الأميركية بالنظر في أسواق كانت تُعد معادية سابقاً، معتبرة أنها إشارة سياسية للدخول إلى سوريا.

وتوضح هايتايان، وفق “الحرة”، أن الحضور القوي لـ”شيفرون” في مصر وإسرائيل وقبرص يجعل التوسع شمالاً نحو الساحل السوري خطوة طبيعية، خاصة أن معظم المناطق البحرية السورية ما تزال غير مستكشفة.

وأشارت القناة إلى أن أهمية هذا الملف بالنسبة للأميركيين تأتي من كون شرق المتوسط أصبح خلال سنوات قليلة جزءاً أساسياً من معادلة أمن الطاقة الأوروبي، الشريك الاقتصادي والأمني الأهم لواشنطن.

ورغم غياب الاستثمار البحري، تمتلك سوريا، كما تنقل القناة، شبكة واسعة من الحقول البرية في تدمر والجحّار والمهر وآراك والشاعر والسويدية، التي شكّلت أساس إنتاج الغاز قبل الحرب.

وتشير بيانات ما قبل 2011 إلى احتياطي يُقدّر بـ 8.5 تريليون قدم مكعب، لكن الإنتاج انخفض من 8.7 مليارات متر مكعب عام 2011 إلى 3 مليارات فقط عام 2023.

ويوم الثلاثاء الماضي، بحث الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، مع شركة “شيفرون” الأميركية فرص استكشاف النفط والغاز في الساحل.

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن الشرع عقد اجتماعاً تمهيدياً جمع الشركة السورية للبترول وشركة “شيفرون” الأميركية.

وقالت “سانا”، إن الاجتماع الذي عقده الشرع مع الشركة الأميركية بُحث خلاله فرص التعاون في مجال استكشاف النفط والغاز في السواحل السورية.

وأشارت الوكالة إلى أن الاجتماع عقد بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، ووزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، إلى جانب وفد من شركة “شيفرون”.

——

===================

تحدبث 04 كانون الأول 2025

——————————-

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في منظور الاقتصاد السياسي: معادلات الريع والتقريرية ونمط ممارسة السلطة/ مسلم عبد طالاس

04-12-2025

        أصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية مؤخراً المرسوم رقم 244 القاضي بإحداث هيئة مستقلة باسم «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك»، بمرتبة وزارة وتتبع مباشرة لرئيس الجمهورية. من المنظور الإداري البحت، يبدو هذا الإجراء طبيعياً، بل قد يُعدّ خطوة إصلاحية تهدف إلى مركزة القرار وتخفيف الروتين وزيادة كفاءة أداء قطاع اقتصادي حيوي وتحسين تحصيل الإيرادات. لكن من منظور الاقتصاد السياسي، تُثار الشكوك حول الدوافع الكامنة وراء هذا التحوّل، إذ تلوح في الأفق شبهة الريع؛ ومتى حضرت هذه الشبهة، حضرت معها تلقائياً شكوك الفساد وشبكات المحسوبية وبشكل خاص في السياقات التسلطية. لذا يجدر بنا النظر في الأمر بعمق للحكم على المآلات التي قد يُفضي إليها هذا المرسوم.

        تُبنى هذه المادة على فكرة مفادها أن القرار الذي ينطوي على منح السلطة المركزية درجة عالية من التقريرية بشأن كتلة ريعية ضخمة، لا يمكن أن يُقارب بالمنظور الإداري فقط، بل بمنظور الاقتصاد السياسي للفساد والتسلط. أي أن  جذور الخلل ليست في «السلطة» مجردة ولا في «الريع» وحده، بل في درجة التقريرية وحجم الريع حين يرتفعان معاً. عند هذه النقطة، يبدأ النظام السياسي-الاقتصادي في إنتاج تشوهاته تلقائياً.

        في الاقتصاد السياسي تُستخدَم التقريرية (Discretion) للدلالة على الحيّز الذي يستطيع صاحب السلطة أن يتخذ فيه قرارات تتعلق بتخصيص الموارد، أو منح الامتيازات، أو صياغة السياسات، من دون قيود مؤسسية واضحة أو قواعد مُلزِمة. هي درجة حرية القرار حين لا تكون الإجراءات مُحددة مسبقاً بما يكفي، فيُصبح الحكم الشخصي – سواء للوزير، أو المدير، أو الحاكم – هو العامل الحاسم. أي أن التقريرية هي اتساع المجال المتروك للتفضيلات الفردية لصاحب القرار عند تنفيذ سياسة عامة أو توزيع مورد اقتصادي، في غياب معايير موضوعية يُمكن التحقق منها أو في ظلّ ضعف آليات المراقبة والمساءلة.  كلما اتسعت التقريرية، أصبح القرار أقل خضوعاً للضوابط وأكثر اعتماداً على التقييم الشخصي، وهذا يفتح الباب لعدم اليقين، ولإمكانات النفوذ غير الرسمي، ولتحويل القرار إلى مورد في ذاته.

        الريع مفهوم دقيق، وغالباً ما يختلط في الوعي العام بالربح، مع أن بينهما هوّة واضحة، فالريع اقتصادياً هو دخل يُحصَّل من مورد نادر أو امتياز احتكاري، من دون مساهمة إنتاجية إضافية، والقيمة تأتي من السيطرة على شيء لا يستطيع الآخرون الوصول إليه بسهولة: قطعة أرض في موقع استثنائي، أو امتياز حكومي، أو رخصة احتكار، أو مورد طبيعي مثل النفط، حيث يتدفق الدخل في هذه الحالة حتى لو لم يُبذل جهد إنتاجي يوازيه. إذن، الريع أشبه بعائد على «الوصول» أكثر من كونه عائداً على «العمل». أمّا الربح فهو فائض القيمة الناتج عن نشاط إنتاجي أو تجاري.

        يتحقق الربح عندما يَبتكر المُنتِج، يُخفض التكاليف، يَرفع الكفاءة، أو يُقدّم سلعة أو خدمة يرى الناس أنها تستحق دفع الثمن مقابلها، ويرتبط الربح بالمخاطرة والاستثمار، وبمحاولة تقديم ما هو أفضل أو أرخص أو أسرع. أمّا الفارق الجوهري فهو أن الريع يقوم على امتياز، فيما يقوم الربح على تنافس. ففي الريع، يتحدد الدخل بمدى القدرة على احتكار مورد أو الحصول على دعم سياسي. بينما في الربح، يتحدد الدخل بمدى القدرة على خلق قيمة في سوق مفتوحة نسبياً. النتيجة أن الاقتصادات التي يغلب عليها الريع تميل إلى الجمود، في حين تميل الاقتصادات التي يغلب عليها الربح إلى الابتكار والحركة.

        في النظم التسلطيّة، يتعامل الحاكم مع الريع كأداة سياسية قبل أن يكون مورداً اقتصادياً، فالريع هنا يتحوّل إلى مادة لاصقة للولاءات، وتوزيعه على شبكات محسوبة يخلق نخبة مرتبطة ببقاء السلطة، ويرسخ بين الفاعلين الاقتصاديين شعوراً بأن مستقبلهم مرهون باستمرار النظام، في المقابل، تتغذّى السلطة على هذا الاعتماد. وما دام الريع يتدفق، يغدو خفض أهمية التمثيل السياسي ممكناً، وتُصبح المشاركة العامة في شرعية الحكم أقل وزناً. وغياب الضرائب الواسعة يُقلل من مطالبة المجتمع بالرقابة على الدولة، لأن القاعدة التاريخية «لا ضرائب بلا تمثيل» تعمل أيضاً بالعكس: فحين لا يدفع الناس، لا يطالبون بالكثير. والمحصلة شبكة سلطة مشدودة بخيوط اقتصادية لا تقوم على الإنتاج بل على التحكم في الوصول إلى المنافع. وكلما زادت القدرة على التحكم في منافذ الريع، زادت قدرة النظام على البقاء. وكلما ترسّخ هذا النمط، تضاءلت فرص بناء مؤسسات مستقلة أو اقتصاد منتج.

        حين تتسع التقريرية، تُصبح القرارات عُرضة للتغيّر وفق العلاقات والولاءات والضغوط، لا وفق قواعد عامة. وعندما يكون الريع كبيراً، يُصبح كل قرار تقريري قناة مُحتملة للحصول على مكسب كبير من دون إنتاج، واجتماع هذين العاملين يخلق بيئة حاضنة للفساد. لكن حين تكون التقريرية محدودة أي أن المؤسسات تُقيّد القرار، وتُحدد مسارات واضحة للمنافسة يُصبح الريع – حتى وإن كان مرتفعاً – قابلاً للإدارة. وإذا كان الريع صغيراً، فحتى مع قدر معيّن من التقريرية، يظل نطاق الفساد ضيقاً لأن العوائد ببساطة ليست مغرية بالقدر الكافي. الاضطراب يظهر عندما تجتمع القدرة على تقرير الاستثناء مع موارد كبيرة يمكن منحها عبر الاستثناء ذاته، عندها يتشكّل ما يشبه اقتصاد الوصول، حيث يُصبح النفوذ أهم من الكفاءة، ويُصبح القرب من مركز القرار أثمن من أي استثمار منتج.

        ضمن السياق أعلاه يُصبح السؤال ما هي درجة التقريرية وحجم الريع الذي يوفره القرار244؟

        رغم أنه لا يمكننا قياس حجم الريع الناتج عن القرار، لكننا نستطيع تقدير الأهمية النسبية للأنشطة الاقتصادية التي يُمكن تخضع للريع. وفي حالتنا هذه، يدور الموضوع حول التعامل مع العالم الخارجي. واقتصادياً يُمكن تصور حجم هذا التعامل من خلال نسبة الصادرات والمستوردات إلى الناتج المحلي (الدخل القومي)، وهو مؤشر لحجم الاقتصاد الكلي. وتُشير الإحصاءات إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960-2022 تجاوزت نسبة التعامل مع العالم الخارجي الـ 50 بالمئة. ولو أخذنا في الاعتبار خصوصية الغنى الريعي في قطاع التعامل مع العالم الخارجي والمعابر يُمكن أن نتصور الحجم الهائل للريع الذي يُمكن تحقيقه من هذا القطاع، فالمعابر الحدودية لا تُنتج نوعاً واحداً من الريع بل أنواعاً متعددة تتشابك في المكان نفسه، والسلطة التقريرية عند المعبر تولّد ريعاً قائماً على القرار: من يعبر؟ وما الذي يُسمح بدخوله؟ وبأي شروط؟ والموقع الحصري للمعبر يُنتج ريعاً احتكارياً، لأن السوق لا تملك طريقاً بديلاً. ويتحوّل تدفّق السلع الأساسية إلى مورد سياسي، لأن التحكم بالغذاء والدواء والوقود يعني التحكم بالسوق وبالضغوط الاقتصادية الممكنة. وفوق ذلك كله تتشكل شبكات من المسؤولين والوسطاء والتجار، تعيش على تبادل المنافع والامتيازات.

        في سوريا إرث ثقيل من السلطة المركزية ذات السلطة التقريرية العالية في سياق ضعف حاد أو غياب شبه كامل للمؤسساتية وسيادة القانون. وقد فاقم الدمار الاقتصادي الناتج عن الحرب هذا الوضع وعزز الأنشطة الريعية المتعلقة بالتهريب وتجارة المعابر. وحتى الآن في سوريا بعد سقوط نظام الأسد ليس هناك توجه واضح نحو بناء مؤسسات قوية ودعم سيادة القانون واستقلال القضاء والرقابة والشفافية.  أي أن التقريرية في سوريا مرتفعة لأنها جزء من بنية سياسية مركزية ترسّخت قبل الحرب، ثم تعمقت بعدها. فالدولة تُسيطر على معظم الموارد في اقتصاد ضعيف، وتمنح المسؤولين قدرة واسعة على اتخاذ قرارات غير مُقيّدة بقواعد ثابتة. إن تركّز السلطة في قمة ضيقة يجعل الوصول إلى صانع القرار أهم من أي إنتاج أو كفاءة، فيتحول القرار نفسه إلى مورد اقتصادي. ومع ضعف المؤسسات وغياب المنافسة، يمتزج الريع بالتقريرية ليُنتج فساداً بنيوياً يصعب إصلاحه من دون تغيير طريقة عمل السلطة نفسها.

        من هذا المنظور جاء القرار 244، الذي يربط هيئة مباشرة برئاسة الجمهورية ويُحصّنها من أجهزة الرقابة المختلفة، إضافة إلى تعيين أحد مقربي الدائرة العائلية للرئيس على رأسها، ليدعم الاتجاه السائد وزيادة درجة التقريرية وهندسة مصادر ريع ضخمة. والغاية في النهاية هي تعزيز هيمنة السلطة وتسلطها باستخدام آلية توزيع الريوع عبر شبكات المحاسيب والموالين.

موقع الجمهورية

————————–

وحدة اقتصادية في بلاد الشام/ جواد العناني

04 ديسمبر 2025

مضت سنوات عديدة منذ آخر مرة زرت فيها سورية، وكان ذلك في عام 2010، أي بعد 15 سنة من الغياب. أما لبنان فقد زرتها أكثر من ذلك وآخرها عام 2020. وقد عانى هذان البلدان من تقلبات حادة، واهتزازات عنيفة، وحروب مدمرة، أنهكت اقتصاديهما بفعل التهديدات الخارجية، وعدم التفاهمات والنزاعات الداخلية، وقد قمت الأسبوع قبل الماضي بزيارة البلدين لمدة قصيرة، والتقيت بعض المسؤولين فيهما، وأتيحت لي الفرصة للتجول في كل من دمشق وبيروت.

الطريق من عمان إلى الحدود السورية مرت سهلة، والمرور عبر نقطة الحدود الأردنية ميسرٌ. ولكن الذي فاجأني أن الحدود السورية كانت مرتبة، والاستقبال من قبل رجال الأمن كان حفياً باسماً، وإن بدا واضحاً أنهم لم يعتادوا على مثل هذا العمل سابقاً. وأصروا على استقبالي في صالة الزوار مرحبين، والمكان الذي جلسنا فيه نظيف وأعيد ترميمه حديثاً. وعبرنا الحدود من غير رشوة أو نقود داخل الجواز كما كان الأمر سابقاً. وعبرنا إلى طريق دمشق حيث مررنا بنقطتي تفتيش فقط. واكتفى رجال الأمن فيهما بالاطلاع على جوازاتنا والسماح لنا بالمرور من غير تعويق.

ونزلنا بأحد الفنادق المتميزة في دمشق حيث توفرت الخدمة الجيدة. وفي المساء قمت مع زميل لي بالسير في الأسواق حيث وجدت الناس أكثر استبشاراً بالمستقبل وإقبالاً على الخروج من المنازل والجلوس في المطاعم والمقاهي. وتشعر بأن هذا الشعب المتميز الراغب في الحياة بدأ يمارسها. وشعرت كأنني أعيش قصة فتية الكهف، وقد خرجوا بورقهم ليختاروا الطعام، وليمارسوا حياتهم.

وفي اليوم التالي التقيت مع حاكم المصرف المركزي السوري، الدكتور عبد القادر حوصرية، وقلت له إنني شاهدت له مقابلة على إحدى القنوات السورية يشرح فيها الخطط المستقبلية لإعادة بناء الجهاز المصرفي السوري، وبناء المؤسسات الحديثة التي تتطلبها الآن إدارة هذا القطاع المهم، ولتمكين المصرف المركزي من خدمة الحكومة في برامجها التنموية، وإعادة تدفق الحياة في شرايين الاقتصاد. ورحب بي حيث اكتشفت أنه يعرفني، وأننا التقينا سابقاً في مناسبتين، وتحدث بحماس عن برامج المصرف المركزي، ولكنه قال لي: لماذا لا نفكر في إنشاء وحدة اقتصادية بين سورية والأردن ولبنان، حيث نخلق مفهوم المواطنة الاقتصادية الواحدة في الدول الثلاث من غير أن نغير شيئاً في الدول، من حيث الترتيبة السياسية، وآلية صنع القرار، أو إلغاء الحدود، بمعنى أننا نريد أن يكون مواطنو الدول الثلاث مواطنين اقتصاديين فيها، وليسوا مواطنين سياسيين.

ولما سمعت ذلك تذكرت أبا فراس الحمداني في قصيدته “أراك عصي الدمع ” حيث يقول “وقلبت أمري لا أرى لي راحة”، فإن وافقت أو رفضت فقد أكون مخطئاً، ولكن الفكرة سكنت دماغي، ولم يكن من السهل عليّ تناسيها وأبقيتها في مخزون العقل حتى أزور لبنان. ووصلنا لبنان وكانت بالنسبة لي صدمة، فالحدود مبانيها قديمة بحاجة إلى صيانة كاملة، والطرق داخل منطقة الحدود بالية مهترئة ومطباتها كثيرة. ولكن ذلك لم يكن ليؤثر في مشاعرنا تجاه لبنان الحبيب، واستمر السير حتى وصلنا الفندق، وكان كل شيء داخله يناقض ما رأيناه على الحدود. ومررنا بالمناطق القريبة من المطار مثل الكارنتينا، حيث آثار التدمير الإسرائيلي حية واضحة، مثل وضوح الضربة الإسرائيلية على القصر الرئاسي في جبل قاسيون بدمشق.

ووجدت أهل لبنان الصابرين غير متفائلين كعادتهم، وهم يخشون أن كل العقوبات التي عانت منها سورية سوف ترفع تدريجياً عن سورية وتفرض على لبنان. وعلى خلاف ما رأينا في دمشق فإن شوارع بيروت لم يكن فيها تلك الحركة المعهودة. هناك صمت عالٍ يدوي في فضاء بيروت، وواضح جداً أن معظم المواطنين فيها يعانون من تراجع القيمة الشرائية لرواتبهم. وأن في لبنان مشكلة مستعصية، ولكن هذا لم يؤثر كثيراً في سعر العقار الذي حافظ على قيمته وصار مستودعاً لمدخرات اللبنانيين الذين لم يعودوا يثقون بإجراءات مصرف لبنان المركزي بعد ما أشيع عن ممارسات خطيرة من قبل حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. ولذلك صار الملاذ الآمن لكثير من أصحاب الفوائض المالية هو الاستثمار في العقار، خاصة في الأماكن ذات القيمة التجارية المتقدمة.

وبدأت بعد عودتي إلى عمان بالطائرة من بيروت بتجميع الأرقام عن أهم المؤشرات والثوابت في الدول الثلاثة. فوجدت كما هو متوقع أن الأرقام لكل من سورية ولبنان كثيرة التقلب، خاصة في الأعوام العشر الأخيرة. وقد وجدت صعوبة في معرفة الناتج المحلي الإجمالي، وعدد السكان، والصادرات، والواردات. ونسبة النمو السكاني، وغيرها من الأمور. البلد الوحيد من بين الدول الثلاث ذو الأرقام المستقرة والمقبولة هو الأردن، ولكنني استعنت ببعض الدراسات والأرقام لكي أقدر هذه الأرقام كمعدلات، رغم التذبذب السنوي في كل من سورية ولبنان. ومن هنا، قلت: ماذا لو أصبحنا وحدة اقتصادية غير سياسية، فهل بالإمكان تحمّل ذلك؟ وهل ستقف الدول المناوئة والمعادية مثل إسرائيل مكتوفة الأيدي على هذا التطور؟ والجواب الواضح هو: بالطبع لن يقفوا ساكتين، حتى ولو أنهم هم الذين يريدون لهذه الدول أن يتحول اهتمامها من الأبعاد السياسية إلى النشاطات الاقتصادية. ولكنهم عندما يقولون ذلك، فإنهم يريدون لإسرائيل أن تكون جزءاً من هذا الجهد. وأنا لا أعتقد أن لإسرائيل مكاناً، ولكن المكان الذي يجب أن يحفظ ويبقى للمستقبل حتى تحين الفرصة، فهو لفلسطين. ويجب أن يكون إعلان مشروع المواطنة الاقتصادية مفتوحاً لدولة فلسطين عند ترجمتها إلى واقع، ولكن هذا لا يعني إغلاق الباب أمام التعامل مع فلسطين حتى تصبح دولة، ولكن ضمن ضوابط لا تسمح لإسرائيل بالتغلغل منها.

يبلغ سكان الأردن وسورية ولبنان حسب الإحصاءات المتاحة حوالي 43 مليون نسمة، 26 مليوناً في سورية، وحوالي 12 مليوناً في الأردن، وحوالي 6 ملايين في لبنان. أما مساحة تلك الدول فتبلغ حوالي 278 ألف كيلو متر مربع. ما يجعل معدل الكثافة السكانية حوالي 140 شخصاً لكل كيلو متر مربع. حيث تقل هذه إلى 120 في الأردن، وترتفع إلى 140 في سورية، وتصل إلى 577 شخصاً لكل كيلو متر مربع في لبنان. أكثر تركيز سكاني في الدول الثلاثة هو في الأردن حيث يبلغ تعداد سكان العاصمة حوالي نصف سكان الأردن. أما من حيث السكان المدنيين عموماً مقابل سكان الريف فإن نسبة القاطنين في المدن داخل الأردن تشكل 85.7% من السكان، وفي لبنان حوالي 83%، أما في سورية فتبلغ حوالي 54% فقط.

ولو نظرنا إلى مساحات الدول والسكان، فإن المواطنة الاقتصادية لن تُحدث خللاً في التكوينة الديمغرافية وتوازناتها في أي من الدول الثلاث. ولكنها ستفتح المجال لانتقال العمالة ورؤوس الأموال وترفع من الإنتاجية الاقتصادية لهذه الدول. وما أوردته من أرقام في هذا المجال ليس إلا الجزء اليسير مما جمعته عنها. فهناك أرقام المديونية الخارجية، وأرقام معدلات الاستثمار، وأرقام الصادرات والواردات، ولكن هذه المتغيرات كلها لن تبقى على حالها كما هي الآن.

ولعل هناك شواهد تاريخية حديثة تقول إن أهل هذه الدول الثلاثة قد صاروا مواطنين اقتصاديين لدى بعضهم البعض. فاللبنانيون لجأوا للأردن في سبعينيات القرن الماضي حيث نشطوا وعملوا، وكذلك حال السوريين الذين وصلوا إلى الأردن منذ اندلاع الثورة في سورية عام 2011، ولكنهم عملوا مواطنين اقتصاديين، وهناك انتقالات للأيدي العاملة في المواسم، مثل موسم قطاف الفاكهة وموسم الحصاد والمواسم السياحية. ولا ننسى الهجرة للأردنيين والفلسطينيين بعد احتلال العراق دولة الكويت، حين عاد للأردن أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن. هذا بخلاف الهجرة عام 1948 من فلسطين إلى الأردن وسورية ولبنان. كل هذا الدفع السكاني أثبت أن هذه الدول الثلاثة لا تزال تحكي نفس اللغة، ويتقبل بعضها البعض طالما بقي التعاون اقتصادياً وليس سياسياً. وما دمر العلاقات في معظم الأحيان هو محاولة السيطرة السياسية من دولة ما على دولة أخرى.

المشروع بحد ذاته يتمتع بتوفير القوى البشرية المطلوبة، ويوفر أسواقاً أكبر للمنتجات والخدمات. ويفتح الباب على زيادة السياحة والاستثمارات، ويقلل من فرص الاحتكاك الاجتماعي بين المجموعات السكانية داخل الدول، ولا حاجة للتدليل المفصل لما هو مدروس دراسة وافية، حيث يثبت أن التكامل الاقتصادي يأتي بفوائد كثيرة على الدول. ولا يعني أن المواطنة الاقتصادية بين الدول المقترحة هو مشروع مغلق، بل إن هذه المجموعة مطالبة بأن ترتب أمورها مع الدول العربية المحيطة بها مثل دول الخليج عبر المملكة العربية السعودية والعراق عبر الأردن وسورية ومصر عبر الأردن، ومستقبلاً مع كثير من المناطق الاقتصادية. ولكن هناك تحديات أهمها الاحتلال الإسرائيلي لأراض سورية ولبنانية، وسعي إسرائيل لخلق نماذج تخدم مصالحها وتسهل هيمنتها، وثانيها هو إتمام عمليات إعادة الإعمار خاصة في سورية ولبنان وقطاع غزة. ولكن الفكرة يجب أن تلقى جدية أكثر مما يبدو على السطح. والشكر للدكتور عبد القادر حوصرية على الفكرة الإبداعية.

العربي الجديد

———————————–

سوريا تشهد انخفاضاً في معدلات التضخم والعملة الجديدة ستكون من 8 فئات

أعلن حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، أن العملة الوطنية الجديدة ستتألف من ثماني فئات نقدية، مؤكداً أن العمل على إصدارها قد بلغ مرحلة متقدمة.

وقال حصرية لوكالة “رويترز” اليوم الخميس، إن الاقتصاد السوري يشهد نمواً أسرع بكثير من تقديرات البنك الدولي البالغة 1 في المئة لعام 2025، وذلك بفضل تدفق العائدين إلى البلاد، مما يسهم في دعم خطط البلاد لإعادة إطلاق عملتها، مؤكداً على الانخفاض الكبير في معدلات التضخم.

ورحب حصرية باتفاقية مع شركة “فيزا” لإنشاء أنظمة دفع رقمية، مضيفاً أن البلاد تعمل مع صندوق النقد الدولي لتطوير أساليب لقياس البيانات الاقتصادية بدقة.

ووصف حصرية خلال حديثٍ للوكالة، ما يحصل على صعيد التعامل مع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بـ”المعجزة”.

محادثات مع صندوق النقد الدولي

كشف حصرية عن استئناف التواصل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ شهر نيسان الماضي، وقد تركزت المحادثات حول السياسة النقدية، والاستقرار المالي، والمالية العامة، ومجالات أخرى.

وأوضح أن الصندوق سيعمل مع الجانب السوري في “بعض المبادرات” وسيقدم “مساعدة فنية”، مؤكداً في الوقت ذاته أنه “لم نتوصل بعد إلى برنامج معهم”.

وأفاد الحاكم بأن المصرف المركزي يجري “مناقشات استراتيجية للمضي قدماً في مجال العملة وأنظمة الدفع”، كما يعمل على “إيجاد أساليب للحصول على تقديرات دقيقة للناتج المحلي الإجمالي”.

——————————-

 مصرف سوريا: رفع العقوبات “معجزة” والتضخم يتراجع بمعدلات كبيرة

سوريا تتعاون مع صندوق النقد والبنك الدولي لضمان استقرار العملة

الرياض – العربية

04 ديسمبر ,2025

قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية، إن ما يحدث بشأن رفع العقوبات المفروضة على سوريا يعتبر “معجزة”.

وأضاف الحصرية، في تصريحات اليوم الخميس، أنه من المتوقع صدور قرار من الكونغرس الأميركي بإلغاء قانون قيصر في وقت قريب.

وأوضح أن سوريا تتواصل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ شهر أبريل الماضي، حيث ينصب التركيز على استقرار العملة والسياسة النقدية.

وتابع حاكم مصرف سوريا المركزي: “ناقشنا استراتيجية للمضي قدماً في مجال العملة وأنظمة الدفع وأمور أخرى”.

وأشار إلى أن المحادثات تناولت السياسة النقدية والاستقرار المالي والمالية العامة ومجالات أخرى.

وقال الحصرية: “صندوق النقد سيعمل معنا في بعض المبادرات وسيقدم لنا المساعدة الفنية لكننا لم نتوصل بعد إلى برنامج معهم”.

وأضاف حاكم مصرف سوريا المركزي أن الفترة الحالية تشهد انخفاضاً كبيراً في معدل التضخم بسوريا.

——————————-

قطاع الأسمنت في سوريا يستكمل خارطته الاستثمارية

أعلنت الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، عن استكمال وضع الخارطة الاستثمارية لقطاع الأسمنت في سوريا، التي تعتمد على شراكات مع مستثمرين محليين وإقليميين.

وذكر مدير عام الشركة، محمود فضيلة، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا) اليوم، الخميس 4 من كانون الأول، أن شركة “عمران” عملت خلال الفترة الماضية على طرح كل المعامل التابعة لها للاستثمار والتشغيل.

وأضاف أنه تمت دراسة عروض عشرات الشركات المتقدمة لها من داخل وخارج سوريا ليستقر الأمر على “العطاءات” الأكثر جدوى فنيًا وماليًا مع الحفاظ على الأصول التي ستعود إلى الدولة بعد انتهاء فترات الاستثمار المحددة، ما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التنافسية للمنتج السوري

وكشف فضيلة أنه تم استثمار معمل “طرطوس” من قبل شركة إماراتية، ومعمل “الرستن” من قبل شركة محلية، إضافة إلى استثمار معمل “حماة” من قبل شركة “فيرتكس” العراقية التي ستقوم بتأهيل خط الإنتاج الثالث ليصل إنتاجه إلى عشرة آلاف طن يوميًا خلال خمس سنوات، في حين ما زال معملا “المسلمية” المدمر بحلب و”عدرا” بريف دمشق مطروحين للاستثمار.

وتشهد صناعة الأسمنت في سوريا حراكًا استثماريًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة، مع دخول شركات عربية وخليجية على خط تأهيل وتطوير معامل الأسمنت الحكومية والخاصة، وتأهيل الكوادر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذه المادة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية والمنازل.

ويأتي طرح معامل الأسمنت للاستثمار ضمن خطة لتعزيز البنية التحتية الصناعية، ورفع كفاءة الإنتاج وتأهيل الكوادر، ونوه فضيلة إلى أهمية تحقيق توازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة، ولا سيما في المناطق التي شهدت سابقًا ارتفاعًا في نسب التلوث.

تحديات قطاع الأسمنت

تعد صناعة الأسمنت تعد من الصناعات الأساسية في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، خاصة مع الدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية وقطاع البناء، بحسب ما قاله الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في وقت سابق لعنب بلدي.

وواجهت صناعة الأسمنت العديد من المشكلات والعقبات، أهمها ارتفاع تكلفة الوقود التي شكلت نحو 65% من التكاليف الإجمالية، وارتفاع تكاليف الصيانة وصعوبة تأمين قطع التبديل، إضافة إلى معوقات تتعلق بتسويق وتوزيع المادة، وتضارب القرارات المتعلقة بالمخططات التنظيمية وضوابط البناء وتعليماته التي كانت تؤثر على حجم الطلب، بالإضافة إلى مشكلة التلوث والأثر البيئي لهذه الصناعة.

وأضاف عياش أن صناعة الأسمنت في سوريا تتمتع بالعديد من المزايا التنافسية، أهمها توفر المواد الأولية، فوفقًا لبيانات مؤسسة الأسمنت والعمران، توجد في سوريا خامات الأسمنت الرئيسة (الحجر الكلسي، البازلت، اللاتيريت) في مواقع متجاورة ضمن مناطق عديدة، وتكفي احتياطيات هذه الخامات في المواقع المدروسة لصناعة الأسمنت بطاقة خمسة ملايين طن سنويًا، لمدة 75 عامًا.

من جانبه بين مدير مؤسسة الإسمنت، لوكالة “سانا”، أن أن قطاع الإسمنت يواجه حاليًا تحديات تتعلق بتأمين مادة الفيول اللازمة لتشغيل الأفران، ما دفع المستثمرين إلى إنشاء مجموعات تشغيل تعتمد على الفحم خلال مدة انتقالية تقدر بعام واحد، يتم خلالها استيراد مادة “الكلينكر” من عدة دول مثل السعودية وتركيا والعراق، لضمان توفير الإسمنت في السوق المحلية وفق المواصفة القياسية السورية.

خطوة إيجابية لسد الفجوة

يرى الخبير الاقتصادي، الدكتور مجدي الجاموس، وفق ما ذكره لعنب بلدي، أن توجه أن الحكومة الانتقالية في سوريا اليوم نحو استقطاب بعض الدول العربية والإقليمية، يأتي في إطار تفاهمات سياسية، ما يجعل بعض المعامل ذات الأهمية الاقتصادية تُطرح كجوائز ترضية لهذه التفاهمات.

وأشار إلى أن الحكومة تسعى نحو تكوين اقتصاد استثماري وبيئة جاذبة لرؤوس الأموال الخارجية، بمعزل عن الواقع المتردي للبنية التحتية، أكثر من اعتمادها على الإنتاج المحلي أو ترميم المؤسسات القائمة.

ويعتبر الجاموس أن طرح معامل الأسمنت للاستثمار خطوة إيجابية، حتى لو كانت على حساب القطاع العام المحلي، بالنظر إلى الحاجة الكبيرة لهذه المادة في مرحلة إعادة الإعمار أو ترميم المنازل، إذ يقدّر الطلب على الأسمنت في السوق السورية من 10 إلى 15 مليون طن سنويًا، ولا يغطي الإنتاج المحلي مع المستورد سوى أقل من 50% من هذه الحاجة.

وتتطلب الفجوة الكبيرة تشغيل عدد أكبر من المعامل، وإعادة استثمار المعامل القائمة رغم ضعف بنيتها التحتية ونقص مصادر الطاقة مثل الكهرباء، بما يسمح بخلق منتج تنافسي في مواجهة الأسمنت المستورد منخفض السعر.

وأكد الجاموس أهمية أن تتضمن الاتفاقيات الاستثمارية مع الشركات العربية والأجنبية الحفاظ على الخبرات السورية وإعادة تأهيلها، ودمجها مع الخبرات الأجنبية، لتكون جزءًا فاعلًا في المرحلة المقبلة، والحفاظ على إنتاجية ما تبقى من معامل أسمنت تتبع للقطاع العام الحكومي.

تأثير الاستثمارات على السعر

رغم العلاقة الطردية بين ارتفاع الطلب والسعر، بحسب القوانين الاقتصادية، يعتقد الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أن ارتفاع الطلب على مادة الأسمنت في سوريا، لن يؤثر بشكل كبير على ارتفاع سعره في السوق.

ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة، أهمها أن الطلب المتزايد قادر على استيعاب أي تغيرات سعرية، حتى في حال حدوث ارتفاع في الأسعار (وهو أمر غير مرجح برأيه)، ووجود استيراد من دول مجاورة يفرض سقفًا معينًا للأسعار على المستثمر الالتزام بها.

كما أن دخول بعض المعامل إلى الاستثمار سيخلق حالة تنافسية جديدة، ما يساعد على ضبط الأسعار أو حتى خفضها.

ويُعزز ذلك الإجراءات الحكومية المصاحبة، مثل الضوابط الأمنية وخفض أو إلغاء الضرائب على الأسمنت، مما يقلل التكلفة الإجمالية ويجعل السعر أكثر تنافسية. وأي ارتفاع للأسعار، سيكون ضمن حدود معقولة ومتوازنة مع زيادة الطلب على المنتج، وفق الجاموس.

رغم التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع الأسمنت في سوريا، من ضعف البنية التحتية إلى نقص مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف التشغيل، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر استقرارًا وكفاءة، من خلال الاعتماد على شراكات استراتيجية واستثمارات مدروسة، مع التركيز على الكوادر المحلية كركيزة أساسية لاستدامة القطاع ودوره الحيوي في مرحلة إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية.

عنب بلدي

——————————-

لوموند”: تراجع الدعم الدولي يهدّد مسار عودة اللاجئين ويُفاقم تدهور الوضع الصحي

4 ديسمبر 2025

مع مرور عام على سقوط نظام الأسد وعودة آلاف اللاجئين والنازحين، تتكشف فجوة هائلة بين الاحتياجات الإنسانية والتمويل الدولي المتراجع. إذ لم تُموّل سوى نسبة محدودة من خطط الإغاثة، ما يهدد قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والإسكان. وأمام هذا العجز، تحذّر الهيئات الأممية من لحظة حرجة قد تُقوّض التعافي، فيما تتكاثر المؤشرات على نظام خدمي يقترب من الانهيار، بحسب تقرير لصحيفة “لوموند” الفرنسية.

تفتتح “لوموند” تقريرها مشيرةً إلى أنه مع خروج البلاد من 14 عامًا من الحرب، وبعد عام واحد من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تواجه عودة ملايين اللاجئين والنازحين داخليًا مجموعة من العوائق والتحديات، مضيفة أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قدّر في 17 تشرين الأول/نوفمبر أن حزمة المساعدات البالغة 3.2 مليار دولار لسوريا لعام 2025 لم تُموّل إلا بنسبة 25%.

وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن هذه الخطة صُممت لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحًا لـ10.3 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد، حتى في ظلّ مواجهتها أزمة زراعية. كما حذّر المكتب الأممي في تموز/يوليو من أنه “من الضروري في عام 2025، وفي هذه اللحظة المحورية من تاريخ سوريا، أن يستجيب المجتمع الدولي بسرعة وفعالية لاحتياجات الشعب السوري من خلال زيادة دعمه المالي”.

وعلى صعيد القطاع الطبي، أعادت “لوموند” التذكير بأن منظمة الصحة العالمية أشارت في تشرين الأول/أكتوبر إلى أنه لم يُموّل سوى 20% من الاحتياجات المقدرة بـ565 مليون دولار لهذا العام، لافتةَ إلى أن ذلك أدى إلى تراجع توفير الرعاية الصحية.

وتنقل الصحيفة الفرنسية عن طبيب التخدير ورئيس منظمة “مهاد”، وهي منظمة غير حكومية فرنسية تعمل في البلاد منذ بداية الحرب عام 2011، يعرب زياد العيسى، أن  7.4 مليون شخص شهدوا بالفعل انخفاضًا في إمكانية حصولهم على الأدوية والعلاجات في الأشهر الأخيرة. وأضاف العيسى أن المنظمة أنشأت 41 منشأة طبية هناك، معربًا عن أسفه قائلًا: “الوضع كارثي”.

وأضاف العيسى: “غالبًا ما يجد السوريون العائدون إلى مدنهم أو قراهم أنقاضًا. فعندما تكون المستشفيات لا تزال تعمل، فإنها تفتقر إلى الكوادر والمعدات والأدوية الأساسية، وتواجه انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي”.

فك الارتباط الفرنسي

وفقًا لنائب مدير مركز عمليات الطوارئ الصحية العامة في وزارة الصحة، أسامة الحسين، فإن 30% من المستشفيات والعيادات العامة، والبالغ عددها 638 مستشفى وعيادة، إما معطلة أو تعمل جزئيًا فقط؛ 140 منها معطلة تمامًا أو متضررة أو مدمرة أو تعاني من نقص في الكادر الطبي. ويوضح تقرير “لوموند” أن راتب الطبيب لا يتجاوز 140 دولارًا، ويبقى راتب الممرضة ثابتًا عند 30 دولارًا، لافتةً إلى أن دخل العديد من العاملين لا يكفي في مجال الرعاية الصحية لتغطية تكاليف المواصلات إلى أماكن عملهم.

كما أن هناك نقصًا في المعدات الأساسية: أجهزة المراقبة، وأجهزة التخدير، وأجهزة الأشعة السينية. ويوضح الدكتور الحسين لـ”لوموند”: “نواجه أيضًا نقصًا حادًا في أدوية السرطان: 80% من المرضى لا يحصلون على العلاج”، بما في ذلك جهاز العلاج الإشعاعي الوحيد الذي يعمل موجود في دمشق، ويضيف الحسين: “نفتقر إلى أدوية الأمراض المزمنة وعلاجات العلاج المناعي”.

من جانبها، أعربت القائمة بأعمال ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، كريستينا بيثكي، عن أسفها في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر قائلةً: “بدون دعم متوقع وممتد لسنوات، قد ينهار النظام الصحي في الوقت الذي يصبح فيه التعافي في متناول اليد”.

أما الرئيس التنفيذي لمنظمة “مهاد”، ميجو ترزيان، فيقول لـ”لوموند”: “لقد شعرت الدول الأوروبية بنقص التمويل الحكومي للمساعدات الإنسانية، والذي تفاقم بشكل كبير بسبب التوقف المفاجئ للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهذا هو الحال في جميع أنحاء العالم”.

وأضاف ترزيان: “خفضت الحكومة الفرنسية مساعداتها بنسبة 46% في عام 2024، ثم بنسبة 40% على الأقل في عام 2025. وتتبع ألمانيا، التي تُعدّ، إلى جانب فرنسا، اللاعب الرئيسي في مجال المساعدات الإنسانية في أوروبا، نفس النهج”. ومنذ بداية العام، اضطرت منظمة “مهاد” إلى إغلاق ثلاثة مراكز لغسيل الكلى في شمال شرق سوريا، وهي آخر المراكز التي لا تزال تعمل في المنطقة.

وتشير الصحيفة الفرنسية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بحاجة إلى 575 مليون دولار في عام 2025 لتغطية احتياجاتها في سوريا، لكنها لم تتلقَّ سوى 26% من هذا المبلغ بحلول تشرين الثاني/نوفمبر، في حين يُتوقع أن يصل عدد اللاجئين العائدين إلى البلاد إلى 1.5 مليون لاجئ بحلول نهاية العام.

وقالت المتحدثة باسم المفوضية في سوريا، سيلين شميت، لـ”لوموند”: “عندما واجهنا صعوبات مالية، قررنا التركيز على المجالات ذات الأولوية: تسهيل النقل لضمان عودة كريمة للاجئين، وتوزيع المساعدات المالية على العائلات، ومراكزنا المجتمعية التي تدعم السكان المحليين، وإعادة بناء مكاتب السجل المدني، وحماية الطفل، ومنع العنف القائم على النوع الاجتماعي”.

ووفقًا للصحيفة ذاتها، اضطرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى اتخاذ خيارات صعبة. توضح ذلك شميت بالقول: “اضطررنا إلى تعليق أو الحد من برامجنا، مثل مساعدة إعادة بناء المنازل وإنشاء المشاريع الصغيرة”، مضيفة “اضطررنا إلى إغلاق المراكز المجتمعية، التي انخفض عددها من 123 إلى 71”.

وتابعت: “هناك قطاعات ننسحب منها بالكامل، مثل التعليم والصحة. لم نعد نُجدّد المدارس، ولم نعد نُعيد بناء المستشفيات. وينطبق الأمر نفسه على المياه والصرف الصحي. وهذا يُولّد احتياجات في هذه المجالات، حتى مع مشاركة جهات أخرى”.

ومع ذلك، تشير “لوموند” في ختام تقريرها إلى أن المفوضية الأممية تعتبر نفسها محظوظة نسبيًا. وتضيف شميت: “في بداية العام، توقعنا أن يكون التمويل أقل بكثير. أعتقد أننا في سوريا ما زلنا نستفيد من كرم مانحينا. ويعود ذلك أيضًا إلى الضجة الإعلامية التي أحدثناها، مؤكدين على الأهمية التاريخية لهذه الفترة. إذا أردنا عودة مستدامة للاجئين، فعلينا الاستثمار. وإلا، فلن يتمكن الناس من البقاء ويخاطرون بالرحيل مرة أخرى”.

———————————

شراكة استراتيجية بين «مصرف سوريا المركزي» و«فيزا» لتحديث منظومة المدفوعات

المرحلة الأولى تُركّز على إصدار بطاقات الدفع وتفعيل المحافظ الرقمية

دمشق: «الشرق الأوسط»

4 ديسمبر 2025 م

أعلن «مصرف سوريا المركزي» وشركة «فيزا» العالمية، عن اتفاق على خريطة طريق استراتيجية لبناء منظومة متكاملة للمدفوعات الرقمية في سوريا؛ تستهدف تسريع اندماج البلاد في الاقتصاد الرقمي العالمي وتعزيز الشمول المالي، عبر خطة تدريجية للتحول من البنية التقليدية إلى بنية حديثة تعتمد المعايير الدولية.

وتستعد «فيزا» لإطلاق عملياتها في سوريا، والعمل مع «مصرف سوريا المركزي» والسلطات والمؤسسات المالية المرخصة؛ لتطوير بنية تحتية قوية وآمنة للمدفوعات الإلكترونية، وتأسيس منظومة «جاهزة للمستقبل» تدعم نمو الاقتصاد الرسمي وتزيد مستويات الشفافية، وفق ما ذكرت في بيان.

وذكر البيان أن العمل سيتركز في المرحلة الأولى على التعاون مع البنوك والمؤسسات المالية لإصدار بطاقات دفع حديثة وتفعيل المحافظ الرقمية، بالاعتماد على معايير عالمية وتقنيات الترميز، بما يضمن أمان المعاملات وجاهزيتها الفورية للتعاملات الدولية وربط المستهلكين والتجار بالشبكات العالمية.

وفي قطاع التجزئة، ستعمل «فيزا» على توسيع شبكة قبول المدفوعات الرقمية داخل السوق المحلية، من خلال منصة «فيزا لقبول المدفوعات»، التي توفر حلولاً منخفضة التكلفة ومفتوحة، مثل الدفع عبر الهاتف الذكي و«الرمز السريعة (كيو آر)». ويستهدف هذا المسار تمكين التجار، خصوصاً الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، التي تُعدّ ركيزة الاقتصاد المحلي، من الانخراط في الاقتصاد الرقمي بشكل كامل والمساهمة في خلق الوظائف وتوسيع قاعدة الأعمال.

كما تشمل خريطة الطريق الاستثمار في برامج لبناء القدرات وتطوير المواهب المحلية في مجال المدفوعات الرقمية، عبر مبادرات تدريبية وشراكات تعليمية؛ تستهدف تهيئة كوادر وطنيين قادرين على إدارة وتشغيل وتطوير المنظومة الجديدة. وستركز «فيزا» أيضاً على دعم رواد الأعمال والشركات الناشئة في قطاع «التكنولوجيا المالية (فينتك)»؛ للمساهمة في ابتكار حلول دفع جديدة، مستفيدة من منصة ذات ثقة عالمية، وربطهم بشبكة شركائها الإقليميين والدوليين.

وقال الدكتور عبد القادر حصرية، حاكم «مصرف سوريا المركزي»، إن «الرؤية التي قدمتها شركة (فيزا) ترسم خريطة طريق راسخة لتسريع جهودنا في تحديث المنظومة المالية، وتعزيز الشفافية، وتزويد شعبنا وشركاتنا بالأدوات الضرورية لتحقيق الازدهار»، مضيفاً أن «هذه الشراكة تمثل انطلاق مرحلة جديدة حافلة بالأمل والفرص الواعدة للاقتصاد السوري».

من جانبها، قالت ليلى سرحان، نائب الرئيس الأول لشركة «فيزا» لمنطقة شمال أفريقيا وبلاد المشرق وباكستان، إن «نظام دفع موثوقاً وواضحاً يعدّ أساساً للتعافي الاقتصادي ومحفزاً مهماً لبناء الثقة اللازمة لجذب الاستثمارات بشكل أوسع إلى البلاد». وأضافت أن «هذه الشراكة تعني اختيار مسار جديد، حيث يمكن لسوريا تجاوز سنوات طويلة من الاعتماد على البنية التحتية التقليدية، وتبني منصات مفتوحة وآمنة تدعم التجارة الحديثة وتربط السوق المحلية بالاقتصاد الرقمي العالمي».

————————————-

 من دمشق إلى أوروبا: الطريق يمرّ عبر “معايير الكربون

دمشق – هناء غانم

الخميس 2025/12/04

أخضعت “الإسكوا” صناعيين سوريين ومعهم خبراء اقتصاد، لجلسة عصف ذهني مضنية إلى حدٍ ما في فندق غولدن مزة وسط العاصمة السورية دمشق، اعتراها فصل حتمي للحواس لزوم تخيّل قوام خريطة الطريق الجديدة الواصلة بين دمشق وأوروبا.

وكان الاجتماع الذي عقد أمس أمام شاشة كبيرة حملت عنواناً قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يختصر معركة اقتصادية عالمية تُعاد صياغتها بعنوان “آلية تعديل الكربون عبر الحدود”.

وإن كانت الورشة من تنظيم الإسكوا، إلا أن ممثلي الأخيرة كانوا حاملين رسالة تفضي إلى كشف حساب مع المستقبل. كلماتها وجملها المفتاحية “الدول تغيّرت، القواعد تبدّلت، والاتحاد الأوروبي لم يعد يفتح أبوابه لأي منتج لا ينسجم مع سياساته البيئية والاقتصادية الجديدة”.

قواعد جديدة للّعبة

وضع رئيس قسم التكامل الإقليمي في الإسكوا الدكتور محمد الشمنقي، ما يمكن اعتباره نقاط حاسمة على الحروف في رسالة صريحة مفادها: أن هذه السياسات لم تعد اختيارية، فالعالم يتغيّر بسرعة، ومن لا يتأقلم سيجد نفسه خارج الأسواق.

وكان حديثه الخاص إلى “المدن” امتداداً لمشهد عالمي مضطرب، تصفه الإسكوا بـ”الحرب التجارية الجديدة”، حيث تُعيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رسم حدود التجارة بأدوات من نوع آخر: معايير الكربون، الرسوم المناخية، والمنشأ البيئي.

وبعد أن عُرضت الرسوم البيانية على الشاشة، ظهر بوضوح أن التحدي ليس حسابات جمركية فحسب، بل إعادة صياغة كاملة لأدبيات الإنتاج.

وفي استراحة قصيرة، تبادل رجال الأعمال نظرات توجّس صريحة، هل يمكن للمنتجات السورية أن تعبر الحدود مجدداً؟ وهل يمكن للمصانع المحلية الالتزام بمعايير صارمة لم تتعامل معها من قبل؟

وفيما يشبه التفكير بصوت عالٍ، عبّر مدير غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي بصراحة عن هواجس الحضور، لافتاً إلى أن كل الدول تحمي منتجاتها، لكن لا بدّ من التفاوض بذكاء للاحتفاظ بالأسواق القريبة على الأقل.

فالاتفاقيات التفضيلية موجودة، ولكن وضعها القانوني غامض، وهذا تحدٍّ إذا أردنا الانضمام للمنظمات العالمية.

وكان حديث خربوطلي مزيجاً بين الواقع والتحذير، لأن الطريق نحو أوروبا لم يعد بذلك الوضوح الذي كان من قبل، حين كانت القارة تستورد نحو 40 في المئة من صادرات سوريا.

اقتصاد يبحث عن هوية

وتابع ممثل الإسكوا حديثه إلى “المدن”  ليُكمل الصورة، لكن هذه المرة بنبرة تنطوي على شيء من العتاب: “إعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحجارة، إنها حاجة إلى سياسات مبتكرة، لا إعادة إنتاج الماضي”.

ثم أضاف: الاتحاد الأوروبي لم يعد يكتفي بالشعارات، يريد التزامات قابلة للتطبيق، والشركات السورية التي ترغب بالتصدير يجب أن تلتزم بالمعايير الجديدة مهما بدت معقّدة.

كلام ممثل الاسكوا خلال الاجتماع عكس قناعة واضحة بأن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق: إما اقتصاد جديد يقوم على الشفافية والمعايير، أو بقاء طويل خارج الأسواق العالمية. ليمسي التكيّف مع سياسات الاتحاد الأوروبي والاستفادة من هذه التجارب مطلوباً قبل فوات الأوان

——————-

===================

تحدبث 03 كانون الأول 2025

——————————-

السياسة الاقتصادية ومسألة العدالة الاجتماعية في سورية/ سمير سعيفان

03 ديسمبر 2025

قرار الحكومة السورية رفع أسعار الكهرباء أخيراً إلى حدّ كبير جداً، لتصبح أغلى من أسعار جميع دول المنطقة، رغم أن المستهلك السوري لا يملك القدرة على الدفع، ورغم محدودية ساعات توفر الكهرباء، ومثلها جرى رفع أسعار خدمات الموبايل والإنترنت، رغم رداءة الخدمات وغيرها. فهذا الرفع الكبير جداً والمفاجئ، في الظروف السائدة في سورية اليوم، مع عدم قدرة مئات آلاف العائلات السورية على دفع قيمة فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة، ولم تتبع الحكومة الرفع التدريجي الذي يتناسب ويتواقت مع تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وارتفاع مستويات الأجور وتحسّن دخول معظم السوريين، إضافة لمجمل القرارات الاقتصادية للحكومة السورية وتصريحات مسؤوليها، كلها تطرح مسألة العدالة الاجتماعية في السياسة الاقتصادية السورية الجديدة، وهي مسألة جوهرية في مجمل السياسة الاقتصادية في أي دولة ومجتمع.

ويوضح أن الحكومة الحالية المشغولة بالدبلوماسية الخارجية واجتذاب المستثمرين والاستثمارات، لا تولي العدالة الاجتماعية واحتياجات المواطن العادي الأهمية التي تستحقها، وكأنها تعدها منتجاً يتحقق من خلال مجرّد فتح الأبواب أمام المستثمرين، إضافة إلى الدعم السياسي الخارجي، ولا تستلزم اهتماماً خاصاً في أثناء رسم السياسة الاقتصادية، ما يعكس خللاً له مخاطر كبيرة حاضراً ومستقبلاً، مثلاً قوبل هذا الرفع الأخير لأسعار  الكهرباء والإنترنت بغضب شعبي واسع، وسيتم التعبير عنه مستقبلاً بأشكال مختلفة فردية وجماعية. وقد خفضت الحكومة أسعار المشتقات النفطية بنسبة 25% لامتصاص أثر رفع أسعار الكهرباء ولكن لم يكن لهذ التخفيض أثر يذكر على تخفيض غضب معظم المواطنين السوريين.

قرار رفع أسعار الكهرباء موجّه للمستثمرين بأن الأسعار ستكون مجزية، وحتى لو كان لا بد من هذا القرار فهذا ليس أوانه، وعقد إقامة خمسة آلاف ميغاوط الذي أبرم أخيراً يحتاج ثلاث سنوات كي يبدأ إنتاجها، وبالتالي ثمّة وقت، ولكن الأمر الذي أراه ذا تأثير سلبي جداً توجّه الحكومة اليوم وليس غداً لتحويل توزيع الكهرباء لشركات خاصة بحيث تشتري الكهرباء المنتجة من محطات الدولة حالياً، وتكليف القطاع الخاص بالتوزيع والجباية وبالأسعار التي جرى الإعلان عنها، وبالطبع ستحدد الدولة سعر بيع الكيلواط للشركة بحيث يتيح لها تحقيق ربح. وهذا قرار مستعجل آخر لم يحن أوانه بعد، لأنه سيضع أعباءً على كاهل معظم المواطنين لا طاقة لهم به، رغم أن الحكومة تستطيع أن تجد حلولاً مؤقتة أخرى ريثما تتحسّن الأوضاع الاقتصادية، فتكاليف التشغيل هي ما تحتاج الحكومة حالياً لاسترداده، لإنتاج كيلواط ساعي هي أقل بكثير مما أعلنت عنه الحكومة. ولكن هذه الحكومة يبدو أنها لا تعبأ بآلام معظم المواطنين ولا تلقي بالاً لاحتجاجاتهم وردات فعلهم، فعيونها شاخصة على المستثمرين فقط.

ثمة رأي واسع بأن على السلطة في سورية اليوم إعادة النظر بقرار رفع أسعار الكهرباء، ووضع منهج برفع تدريجي للأسعار لا يثقل كاهل معظم المواطنين، واستمرار الحكومة بتحمّل هذا الوضع إلى حين بدء تحسّن دخول السوريين، وهذا ممكن في رأي خبراء.

لنعد إلى مسألة العدالة الاجتماعية في السياسة الاقتصادية، إذ تعلن السلطة الحالية تبنيها لاقتصاد السوق الحر، وهذا توجّه يلقى موافقة واسعة بين السوريين، بعيداً عن سيطرة رأسمالية الدولة السابقة، وقد نصّ الإعلان الدستوري المؤقت في المادة 11 على أن الاقتصاد الوطني يهدف إلى “تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين”.، غير أن السياسة الفعلية تتجه نحو سياسة اقتصادية ليبرالية، وتتّجه إلى التخلي عن أدوار كثيرة تقوم بها الدولة العصرية، ويشير نشاط وزارات الدولة إلى اهتمام كبير بالاستثمار والمستثمرين، والاستعداد لمنحهم كل المزايا والتسهيلات، وعلى نحو مبالغ فيه، وأسرعت الحكومة بإعلانها عن توجهها من خلاله الأدوار التي يقوم بها القطاع العام الاقتصادي، وتلك التي لا يقوم بها، وتضع قواعد لمعالجة القطاع العام الواسع حسب الرؤية.

وقد أصدرت الحكومة قانوناً جديداً للاستثمارات، وأقامت مهرجانات خطابية للإعلان  عن استثمارات،  وبدأت بالترخيص لمشاريع جديدة، بطرق تفتقر للشفافية، وخصوصاً في قطاع العقارات والسياحة، موجّهة إلى ذوي الدخل المرتفع، ولم يصدر شيء موجّه لذوي الدخل المحدود أو لجيل الشباب، ولم تعلن الحكومة عن أي برامج للمناطق المدمّرة، وهي واسعة جداً، ولم تعلن أي برامج تحضيراً لعودة النازحين ولا اللاجئين، بينما أصدرت قانون ضريبة دخل جديداً يتوقع دخوله حيز التنفيذ مطلع 2026 يفرض ضريبة متدنية على أرباح الشركات وفق شريحتين 10% و 15% فقط، وهذا سيدفع الحكومة إلى رفع أسعار خدماتها الاحتكارية، بينما ضرائب أرباح الشركات هي في تركيا 35% والأردن 20% ومصر 22%والجزائر 26% والمغرب 34%،  وألمانيا 30% وفي فرنسا 25% وفي إيطاليا 24%، ثم مع معدلات تهرّب ضريبي واسع في سورية، فإن إيرادات الخزينة العامة من ضرائب الأرباح  ستكون محدودة، ما يعني عدم قدرة الخزينة على تمويل التعليم والصحة لغير القادر على الدفع، ولن يمكنها حتى التحضير لبرامج إعادة إعمار المناطق المدمرة وغيرها، وسيعني هذا تدهور العدالة الاجتماعية والميل الى رأسمالية متوحّشة من جهة يسيطر فيها قطاع الأعمال غير السوري لأنه الأقوى.

إذا كان اقتصاد السوق الحر هو الخيار، ففي العالم اليوم أنماط كثيرةً منه، ويمكن جمعها في اتجاهين رئيسين في السياسة الاقتصادية الاجتماعية:

الأول: اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تتبناه دول أوروبا ودول كثيرة، والذي يتضمن سياسات تصحح اختلالات السوق في إعادة توزيع الدخل، حيث توزع السوق الحرة الليبرالية الدخل بين المواطنين على نحو متفاوت جداً، بحيث يحصل قليلون على كثير بينما يحصل كثيرون على القليل، ما يزيد من استقطاب الثروة ويرافقه استقطاب اجتماعي، وتتولى السياسات الاجتماعية تخفيف آثار هذا التفاوت بسياسات تصحيحه. وتطبق دول الخليج ما هو أبعد بكثير من تقديم خدمات التعليم والصحة لمواطنيها، حيث تساعدها مداخيل النفط المرتفعة على ذلك.

وتقوم فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعي على ضمان حصول كافة فئات المجتمع على خدمات التعليم والصحة والكهرباء والإنترنت، بغضّ النظر عن مستوى دخولهم وقدرتهم على الدفع، وإلا انقسم المجتمع إلى دائرة ضيقة تحصل على التعليم والصحة والضوء والمعرفة، ودائرة كبيرة تعاني الجهل والمرض والعتمة. وتقدّم هذه الدول التعليم الحكومي مجاناً بكل مراحله، مع وجود قطاع تعليم خاص، وتضمن حصول كل مواطن على خدمات الصحة عبر شركات التأمين او عبر المساعدة الاجتماعية لغير القادرين على الدفع، أو خدمات الكهرباء والانترنت فهي تشكل جزءا صغيرا من متوسط الدخل. وبالطبع، تشمل سياسات اقتصاد السوق الاجتماعي حزمة أخرى من سياسات سوق العمل وتنمية دور النقابات وسياسات تنمية القطاع التعاوني وسياسات توسيع قاعدة الملكية، بما يسهم في توسيع قاعدة توزيع الدخل وغيرها من سياسات تشكل مع بعضها حزمة متضامنة.

الثاني: اقتصاد السوق الليبرالي الذي يغفل الجانب الاجتماعي، ويعده عبئاً يؤثر سلباً على النمو، ويقوم على قاعدة أن لا يحصل المواطن على أي شيء بدون دفع، لا طبابة ولا ثقافة ولا رياضة، فهذه كلها منتجات تكلف مالاً، وعلى المستفيد منها أن يدفع مقابل هذه الخدمة، ومن لا يملك مالا لن يحصل على شيء، وتتبع العديد من الدول هذه السياسة مع قدر محدود من السياسات الاجتماعية، وقد عاد هذا الاتجاه الى النمو منذ ثمانينيات القرن العشرين، ونما اتجاه تحرر الدولة من الكثير من مهامها الاقتصادية والاجتماعية وانطلقت موجة الخصخصة، ومنح القطاع الخاص حرية أكبر تحت شعار “تشجيع الاستثمار لتكبير الكعكة” وتم تقليص معدلات الضريبة على أرباح القطاع الخاص وفرضوا بدلاً منها ضريبة القيمة المضافة (VAT)، وهي ضريبة على الإنفاق يدفعها المواطن، بما يعني دفع الضرائب مرتين، مرة حين قبض الأجر، وأخرى حين  الإنفاق، أي يخففون العبء الضريبي على الأرباح مقابل فرض ضرائب إضافية على المواطن العادي.

العربي الجديد

——————————-

 سيف قيصر.. الخصم والحكم/ بشار الحاج علي

2025.12.03

منذ اللحظة التي أُقرَّ فيها قانون “قيصر”، لم يعد هذا القانون مجرد إطار تشريعي عابر، بل أصبح رمزًا واضحًا للهيمنة الأميركية على سوريا والمنطقة بأسرها. الهدف الرسمي الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية كان حماية حقوق الإنسان وفرض تغييرات سياسية داخل الدولة السورية، ولكن الواقع على الأرض كشف أن القانون تحوّل إلى أداة ضغط دائمة، تُستخدم ليس فقط لمعاقبة النظام السابق ولا حتى الحكومة السورية، بل لضمان أن أي دولة أو جهة ترغب في إقامة علاقات اقتصادية أو سياسية مستقلة مع سوريا تظل تحت السيطرة الأميركية.

أصبح القانون بذلك سلاحًا متعدد الاستخدامات، يمارس الضغوط السياسية والاقتصادية ويهيمن على كل خطوة استراتيجية لأي طرف يتعامل مع دمشق.

الأمر الأكثر تعقيدًا هو الشروط الجوهرية التي تربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ دمشق لما يُسمى “الالتزامات المطلوبة”!

هذه الشروط تشمل مجالات متعددة، سياسية وأمنية واقتصادية، من بينها الإفراج عن سجناء محددين، والسماح بوجود مراقبة دولية على الأنشطة العسكرية والأمنية، وتقديم تسهيلات لإعادة الهيكلة الاقتصادية بما يخدم مصالح واشنطن في المنطقة. على الورق تبدو الشروط محددة وواضحة، لكنها في التطبيق العملي مفتوحة للتفسير الأميركي، حيث يمكن لأي خطوة تُنفذها دمشق أن تُقرأ على أنها غير كافية أو جزئية، بحسب مصالح الإدارة الأميركية المتغيرة أو التوازنات الداخلية في الكونغرس.

هذا التناقض يضع الحكومة السورية في موقف هش، يجعل أي تقدم ملموس عرضة للتقويم الانتقائي، ويؤكد أن العقوبات ليست مجرد أداة قانونية بل وسيلة مستمرة للضغط السياسي.

الجانب الأكثر صعوبة وعبثية في هذا القانون يكمن في آلية الرقابة نفسها. من يفرض العقوبات هو نفسه الذي يقرر مدى الالتزام بها!

فالكونغرس، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، ووزارة الدفاع، ووكالات الاستخبارات، وأجهزة رقابية متعددة، كلها تشارك في تقييم مدى التزام الحكومة السورية بالشروط المطلوبة. هذا التعدد ليس مجرد تعقيد إداري، بل يعكس استراتيجية متعمدة لتحويل القانون من أداة تقويم إلى أداة ضغط مستمرة. الخصم هنا يصبح الحكم، مما يلغي أي إمكانية لنزاهة التقييم، ويجعل أي خطوة إيجابية من دمشق خاضعة لإعادة تفسير مستمرة بحسب المصلحة الأميركية. وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ “عبثية العقوبات”: لا يوجد معيار مستقل لتقييم الجهد المبذول، ولا جهة خارجية محايدة يمكنها أن تضمن مصداقية عملية التحقق، وبالتالي يظل القانون أداة للهيمنة أكثر من كونه أداة للتفاوض أو للعدالة السياسية.

حتى إذا نفّذت دمشق جميع الشروط المطلوبة بالكامل، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا حصولها على أي تخفيف ملموس للعقوبات. فالإدارة الأميركية تحتفظ بحق تفسير الخطوات المنفذة بأنها جزئية أو محدودة، وهو ما يسمح بفتح باب التفاوض وفق مصالحها الاستراتيجية وحدها!

هذه المرونة الأميركية تجعل أي وفاء بالشروط على الأرض عملية محفوفة بالمخاطر، حيث يمكن لأي تقدم اقتصادي أو سياسي أن يُقرأ على أنه غير كافٍ، ما يترك دمشق في حالة من عدم اليقين المستمر. وبذات الوقت يصبح القانون أداة ضغط دائمة، تحافظ على الهيمنة الأميركية، وتحول أي تحرك اقتصادي مستقل إلى لعبة سياسية خطرة تتطلب دائمًا التحقق من رضا واشنطن.

القرار النهائي حول مدى التزام الحكومة السورية بالشروط المطلوبة ليس بيد جهة واحدة، بل يتوزع على شبكة معقدة من المؤسسات الأميركية، تشمل الكونغرس الذي يمكنه ممارسة ضغوط سياسية داخلية لتحديد مدى التخفيف وفق الاعتبارات الحزبية والانتخابية، ووزارة الخارجية التي تركز على الأبعاد الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية، ووزارة الخزانة التي تتحكم بالعقوبات الاقتصادية والمالية المباشرة وغير المباشرة، ووزارة الدفاع التي تقيّم أي نشاط عسكري محتمل وتأثيره على مصالح الولايات المتحدة، ووكالات الاستخبارات التي تقدم تقييمات دقيقة وشاملة، وأجهزة رقابية متعددة تقوم بتحليل المعلومات بشكل متقاطع.

هذا التعدد، بدل أن يكون وسيلة للشفافية، يحول القانون إلى شبكة معقدة للتحكم بالعقوبات، ويجعل أي خطوة إيجابية من دمشق مرهونة بتوافق داخلي أميركي أكثر من كونها ردّ فعل على الالتزام بالشروط.

تجربة قانون قيصر — وهو يمثل أهم العقوبات الأميركية — تُظهر أن أي نظام رقابي داخلي من قبل صانع العقوبات يعكس تضاربًا جوهريًا. الخصم لا يمكن أن يكون الحكم، وإلا فقدت العملية أي مصداقية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى آلية مراقبة مستقلة، دولية أو متعددة الأطراف، تكون قادرة على تقييم الالتزامات السورية بشكل موضوعي وشفاف، بعيدًا عن المصالح الأميركية المباشرة. بدون هذه الآلية ستظل العقوبات أداة ضغط مستمرة، تهيمن على سوريا وكل من يحاول بناء علاقات مستقلة، وتجعل أي خطوة إيجابية على الأرض خاضعة لتفسير سياسي انتقائي.

يمكن القول إن النظام الحالي للعقوبات الأميركية يحول أي تحرك دبلوماسي أو اقتصادي من قبل دمشق إلى عملية محفوفة بالمخاطر، حيث يُقرأ كل تقدم صغير أو أي خطوة إصلاحية على أنها ناقصة أو مشروطة بمصالح واشنطن الداخلية.

هذا الواقع يكشف جوهر عبثية القانون، ويؤكد أن العقوبات الأميركية ليست مجرد أداة لحماية الحقوق أو لتحقيق التغيير السياسي، بل هي سلاح سياسي متكامل يستخدم للسيطرة على المنطقة، وتحويل أي دولة أو جهة تسعى للتعاون مع سوريا إلى رهينة للمصالح الأميركية.

السؤال المحوري الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لأي دولة الالتزام بشروط أميركية متغيرة باستمرار، من دون وجود جهة مستقلة تحكم على الالتزام بموضوعية؟

الإجابة تكشف حقيقة النظام الحالي للعقوبات، وتؤكد ضرورة تطوير آليات رقابة حقيقية تحفظ الحقوق الاقتصادية والسياسية لأي دولة، بعيدًا عن الابتزاز السياسي المستمر.

إن استمرار الوضع الحالي يعني أن العقوبات ستظل أداة ضغط دائم، وأن أي تقدم سياسي أو اقتصادي سيكون دائمًا رهينة للتقديرات الأميركية، ما يحوّل كل محاولة للتعاون الدولي إلى مسرح سياسي يتجدد فيه الابتزاز والهيمنة بلا توقف.

في النهاية، يمكن القول إن قانون قيصر لم يعد مجرد قانون، بل أصبح نموذجًا لما يمكن أن يتحول إليه أي إطار تشريعي عندما يتحكم الخصم بالرقابة والتقييم بنفسه.

هذه الدروس السياسية يجب أن تكون محور أي نقاش مستقبلي حول العقوبات الدولية، فهي توضح الحاجة الملحة لإنشاء آليات مراقبة مستقلة تضمن أن أي عقوبة أو إجراء دولي يتم تقييمه بعدالة وموضوعية، بعيدًا عن مصالح صانع العقوبات، بما يحفظ الحد الأدنى من العدالة الدولية ويمنع استخدام القانون كسلاح دائم ضد الدول والشعوب.

تلفزيون سوريا

——————————-

المواطن السوري بين شظف العيش ورهانات المستقبل/ فؤاد عبد العزيز

03 ديسمبر 2025

يرى المراقب من بعيد تحسينات اقتصادية أجرتها السلطة الجديدة في سورية، من خلال زيادة رواتب العاملين في الدولة، والقرارات المتعلقة بتوفير الخبز والمحروقات بشكل دائم وفتح باب الاستيراد وتوقيع مذكرات تفاهم استثمارية عديدة وزيادة ساعات التغذية الكهربائية وبدء مسار رفع العقوبات.

تبدو للوهلة الأولى وكأنها لا بد قد أحدثت فارقاً كبيراً في تحسين حياة الناس المعاشية، لكن أول ما يلفت انتباه زائر سورية في هذه الأيام حالة الفقر الشديد التي يبدو عليها الناس، بينما من يعيشون في سورية يقولون إن شيئاً كبيراً لم يتغير في حياتهم على صعيد الوضع المعيشي، فما كانوا عاجزين عن شرائه أيام النظام البائد لا زالوا عاجزين عن شرائه بعد سقوطه، بل يؤكدون أن نسبة الفقر زادت، بسبب تسريح السلطة الجديدة موظفين كثيرين في سلك الجيش والأمن والشرطة وقطاعاتٍ عديدة، وعددهم يقدر بعشرات آلاف، ما دفع هؤلاء إلى سوق العمل في وقت يعاني فيه هذا السوق من بطالة شديدة لم تكن قادرة على استيعاب العاطلين القدامى.

قد يختصر المشهد السابق كلاماً كثيراً يمكن قوله عن سبب عدم تحسن حياة الناس المعاشية في أعقاب سقوط النظام، إلا أنه، بكل تأكيد، لا يلخص كل المشهد، فهناك أسباب كثيرة سوف تحاول هذه المطالعة التوقف عندها، وقد نخلص إلى أن الوضع الاقتصادي للسوريين بالفعل يزداد سوءاً، لكن السؤال: ما مدى مسؤولية السلطة الجديدة عن هذا الواقع؟

لعب النظام السابق، أكثر من 50 عاماً، من أجل تسكين مشكلات الناس وعدم الدفع بها للخروج إلى العلن، على دعم ثلاثة قطاعات تشكل، في جوهرها، أساس الحياة المعيشية، وهي الخبز والمحروقات والكهرباء.

كان يدّعي أن تكلفة دعم هذه القطاعات الثلاثة يكلف خزينة الدولة نحو 20 مليار دولار سنوياً. وبلغة أبسط لو قسمنا هذا الرقم على عدد الأسر في سورية والمقدر بنحو خمسة ملايين أسرة، فإن حصتها من الدعم تبلغ أربعة آلاف دولار سنوياً، بما يعادل أكثر من 350 دولاراً شهرياً، أي تقريباً ضعف متوسط دخل الموظف الحكومي قبل 2011، والذي كان يبلغ بحدود مائتي دولار شهرياً. فهل هذا الكلام دقيق؟

لا يوجد أية بيانات رسمية حقيقية يمكن الاستناد إليها للتحقق من الرقم السابق، وكل ما هو متاح تصريحات لمسؤولين في النظام السابق، والمفارقة أن الأرقام كانت تختلف بين مسؤول وآخر وبنسبة تزيد عن مائة بالمائة، فبعضهم على سبيل المثال كان يقول إن تكلفة الدعم لهذه المواد تبلغ نحو عشرة مليارات دولار سنوياً. وأفاد أحد مسؤولي النظام قبل سقوطه بعدة أشهر بأن دعم الخبز يكلف الدولة سنوياً نحو 13 تريليون ليرة سورية، ما يعادل وفقاً لسعر الصرف الرائج في حينها أقل من مليار دولار، علماً أن النظام كان يستورد أكثر من 70% من حاجته من القمح من الأسواق الخارجية، بعد أن كانت سورية تنتج ضعف حاجتها من القمح قبل 2011، وهو ما يلغي فرضية الدعم الهائل بمليارات الدولارات التي كان النظام السابق يتحدّث عنها في تلك الفترة.

أما المحروقات، فقد كان يبيعها وفق سلسلة طويلة من الأسعار تختلف بين فئة وأخرى، بعضها مخصّص للسيارات وبعضها مخصّص للأفران وأخرى للفعاليات التجارية والصناعية، بالإضافة إلى ما كان يسميه مازوت التدفئة. وفي العموم لم تكن المحروقات متوفرة على نحو متواصل، الأمر الذي أوجد سوقاً سوداء لها، كانت تباع فيها الأسعار بضعف الأسعار العالمية.

وعندما تسلمت السلطة الجديدة إدارة البلاد، رفعت سعر ربطة الخبز إلى أربعة آلاف ليرة سورية، أي نحو عشرة أضعاف، كما حدّدت أسعار المحروقات وفقاً للأسعار العالمية، لكن ارتفاع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، بالمقارنة مع فترة النظام السابق، جعل أسعار المحروقات تنخفض بنحو 30%، خصوصاً مع التخفيض الذي صدر منتصف الشهر الماضي (نوفمبر/تشرين الثاني).

ولا بد من الإشارة إلى أن الحد الأدنى للأجور زمن نظام بشار الأسد كان  278,910 ليرة سورية. وهو أقل من 20 دولار وفقاً لسعر الصرف الرائج آنذاك، بينما أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في يونيو/حزيران الماضي مرسوماً يقضي بزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين بنسبة 200%. وبموجبه، أصبح الحد الأدنى العام للأجور 750 ألف ليرة سورية شهرياً، ما يعادل 60 دولاراً.

من خلال الأرقام السابقة، يمكن القول، نظرياً، إن الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أفراد، كانت تحتاج أيام النظام السابق إلى نحو 70 ربطة خبز في الشهر، ثمنها نحو 35 ألف ليرة، بينما أصبحت تكلف اليوم نحو 280 ألف ليرة، أي أن ثمن الخبز أيام النظام السابق كان يكلف الأسرة التي تتقاضى الحد الأدنى، أقل من ربع دخلها الشهري، أما حالياً فأصبح يكلف نحو 40% من دخلها الشهري .

وفي ما يخص الكهرباء، معروف أن ساعات الوصل أيام النظام السابق لم تكن تتجاوز الساعتين إلى أربع ساعات في اليوم، ومع ذلك كان يتحدث عن أكثر من مليار دولار دعماً سنوياً، بينما قبل العام 2011، كان يتحدث عن رقم يتجاوز العشرة مليارات دولار سنوياً، علماً أنه لم يكن يستورد المحروقات، إنما كان الإنتاج المحلي من النفط والغاز يغطّي حاجة جميع محطات التوليد في البلد.

صعوبات أخرى

يؤكد أغلب السوريين أن أسعار المواد الاستهلاكية انخفضت كثيراً بعد سقوط النظام، وبنسبة قد تصل إلى 50% لبعض المواد، بسبب انفتاح الأسواق، وغياب مظاهر “البلطجة” تحت مسمّى “الترفيق” والتي كانت تمارسها حواجز الفرقة الرابعة التابعة لشقيق رئيس النظام السوري الهارب، ماهر الأسد. كما دخلت بضائع كثيرة من دول الجوار مع حالة الانفتاح التي شهدتها البلاد بأسعار أقل بكثير من أسعار المواد في السوق المحلية، بسبب الصعوبات والعراقيل الكثيرة التي كان يفرضها النظام السابق على استيراد المواد، ما أدّى إلى فورة كبيرة في الاستهلاك بعد سنوات عديدة من الحرمان، الأمر الذي شعر معه المواطن السوري بأن أوضاعه المعاشية لم تتغير عن السابق، من دون أن يحسب حساب أن مشترياته هي التي زادت.

وبحسب إحصائيات دولية، تعاني سورية من نسب فقر كارثية، إذ يعيش 90% من السكان تحت خط الفقر، وتضاعف الفقر المدقع إلى 66%، في حين تبلغ معدلات البطالة 25%، ويعتمد نحو 75% من المواطنين على المساعدات الإنسانية، إذ تقول أرقام برنامج الغذاء العالمي، إن نحو 12 مليون سوري، يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وبالنظر إلى هذا الواقع ، الحكومة الحالية غير قادرة على إحداث فارق كبير في الحياة المعاشية للسوريين ، بسبب اتساع الفجوة بين الدخل والنفقات، لأن الأرقام تتحدث عن حاجة الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أفراد إلى أكثر من ثمانية ملايين ليرة شهرياً (نحو 700 دولاراً)، بحسب دراسة حديثة لصحيفة قاسيون الصادرة عن حزب حركة الإرادة الشعبية، أي أن متوسّط الدخل الشهري لا يزال لا يغطي سوى أقل من 20% من حاجة الأسرة.

رؤية الحكومة

تحاول القيادة الحالية إعادة تعريف هوية الاقتصاد السوري، منتقلة من نموذج مركزي بيروقراطي إلى اقتصاد السوق الحر، في محاولة لإنقاذ البلاد من الانهيار الكامل، والانخراط من جديد في النظام المالي والاقتصادي العالمي. وهي بالأساس ورثت اقتصاداً مدمّراً وبنية تحتية منهارة، وقطاع عام فاسداً، وعملة ضعيفة وتضخماً وفقراً واسعاً وبطالة وهجرة عقول وكفاءات، وشبكات فساد واقتصاد حرب يحاول أن يقاوم أي إصلاح، هذا فضلاً عن العقوبات والعزلة الدولية، والديون والالتزامات المتراكمة من الماضي، والانقسامين، الاقتصادي والجغرافي، داخل البلاد، وتحدّي تمويل إعادة الإعمار التي تقول الأرقام إنه يحتاج إلى أكثر من مائتي مليار دولار. تواجه الحكومة هذا كله وسط توقعات شعبية كبيرة، بينما الإمكانات محدودة.

وبالنظر إلى ما أنجزته السلطة في أقل من عام على توليها إدارة البلاد، برفع العقوبات واستعادة الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والوقود، أولوية سياسية واجتماعية، وتثبيت سعر الصرف ضمن هامش محدود من التذبذب، بالإضافة إلى إعادة هيكلة مؤسّسات الدولة، يمكن القول إن الحكومة تمضي ضمن خطة مدروسة وغير عشوائية، تهدف، بالدرجة الأولى، إلى بناء أرضية تسعى من خلالها لمغازلة المستثمرين لجذبهم إلى البلاد، كونها كما اتضح، لا تعوّل عليهم فحسب، إنما تراهن عليهم، من أجل إعادة إنعاش الحياة الاقتصادية في سورية، بعدما أعلن أكثر من مسؤول، وبينهم الرئيس أحمد الشرع، عن أنهم لا ينوون الاقتراض من المؤسسات الدولية. وهو رهان يراه بعضهم محفوفاً بالمخاطر، أو لعل مخاطره بدأت تتضح منذ البداية، عبر رفع أسعار الكهرباء، من عشر ليرات إلى 600 ليرة للكيلو واط الواحد، أي 60 ضعفاً، بينما تقول الحكومة إن تكلفة الكيلو واط عليها تبلغ أكثر من 1600 ليرة، أي أنها لا تزال تدعم السعر بنسبة 60%. كما أن رفع أسعار خدمات الاتصالات الخليوية بنحو 200%، يعتبر مؤشّراً آخر على هذه المخاطر، إذ يرى مراقبون كثيرون أن هذا الرفع إنما هو امتثال لشروط المستثمرين الذين ينوون الدخول إلى هذه القطاعات، من أجل ضمان عوائد على استثماراتهم، خوفاً من عجز الحكومة عن الاستمرار في عمليات الدعم، بينما يسهل، من جانب آخر، عمليات التحصيل من المواطنين.

الرهان على المستقبل

يبدو أن من يديرون الاقتصاد السوري في الفترة الراهنة يميلون، في مواجهة الجرائم الاقتصادية التي خلفها نظام الأسد البائد، إلى نظرية العلاج بالصدمة، وهي تعني تحرير الاقتصاد بشكل مفاجئ من خلال رفع الدعم وخفض الإنفاق الاجتماعي، بالإضافة إلى خصخصة الأصول المملوكة للدولة على نطاق واسع.

هناك دولٌ كثيرة استخدمت طريقة العلاج بالصدمة لمواجهة تحولاتها الاقتصادية، منها تشيلي في عام 1975، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قام به أوغستو بينوشيه، الذي قام بخفض الضرائب، وتحرير التجارة، وخصخصة الخدمات، وخفض الإنفاق الاجتماعي، وتحرير الاقتصاد من الرقابة، وهو ما تسبب على المدي القصير في بطالة جماعية وفقدان القوة الشرائية، لكن على المدى الطويل، أصبح معدل النمو السنوي للفرد في تشيلي بين عامي 1985 و1996 نحو 5%، وهو أعلى بكثير من بقية دول أميركا اللاتينية. ونجحت بوليفيا في 1985 في معالجة التضخم المفرط من خلال أسلوب العلاج بالصدمة، بعدما كانت تعاني من معدلات فقر مرتفعة، ومديونية كبيرة، ثم دخلت في موجات عنيفة من التضخم الجامح جعلت الدولار الواحد يُصرف في السوق السوداء بنحو خمسة آلاف بيزو بوليفي في عام 1983، ثم بنحو عشرة آلاف بيزو في 1984، ثم بنحو 50 ألف بيزو من العام نفسه، ثم ارتفع الدولار ليصل إلى 250 ألف بيزو بحلول ديسمبر/كانون الأول 1984 وبلغ نحو مليوني بيزو في يوليو/تموز 1985. ففي عام فقط ارتفعت أسعار الصرف بأكثر من 30 ضعفاً.

وفي منتصف 1985 أصدر الرئيس البوليفي آنذاك صكاً قانونياً فرض سياسات اقتصادية نيوليبرالية من أجل إنهاء أزمات بوليفيا المزدوجة المتمثلة بالديون الدولية والتضخم، وخلال بضعة أشهر انخفض التضخم إلى ما بين 10 و20%، ثم تراجعت معدلات البطالة إلى مستويات كبيرة في الأعوام التالية.

تجرية بولندا تستحق الاهتمام أيضاً في هذا المجال، بعد خروجها من المعسكر الشيوعي في العام 1992، إذ نجحت بالخروج من أزماتها الاقتصادية على المدى الطويل، لكنها دفعت ثمناً باهظاً على المدى القصير، تمثل بارتفاع معدل البطالة والفقر وانهيار الصناعة الوطنية.

وهناك أمثلة فاشلة على تطبيق نظرية العلاج بالصدمة، أبرزها ما حصل في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتي انهار اقتصادها بالكامل، ولم تنجح بضبط الأوضاع إلا بعد إعادة الدولة السيطرة على كثير من الأصول ووسائل الإنتاج التي كانت قد باعتها للقطاع الخاص بأسعار بخسة. وفي الحالة السورية، هناك من يرى أنها لا تشبه النماذج السابقة الذكر، وبالذات من حيث الظروف التي تعرضت لها البلد خلال سنوات الثورة الـ14 الماضية، والتي أدت إلى دمار هائل في المدن والأرياف بالإضافة إلى هجرة أكثر من نصف السكان، داخلياً وخارجياً.

بمعنى آخر، يجب ألّا يبدأ علاج المشكلة في سورية بالتحوّل من نمط اقتصادي كانت تسيطر وتتحكم به السلطة، إلى نمط اقتصادي أكثر انفتاحاً وتحرّراً، إنما يجب أن تكون أولوية الحكومة هي مشاريع إعادة الإعمار وإعادة المهجرين إلى مدنهم وقراهم، وهذا يتطلب في البداية البحث عن مشروع اقتصادي يشبه مشروع مارشال في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، قبل البحث عن تحرير الاقتصاد، ولا بأس أن يكون بالتزامن معه. ولهذا يرى اقتصاديون كثيرون أن من أبرز العيوب والمخاطر من تطبيق العلاج بالصدمة في السياق السوري ارتفاع التضخم وانهيار القوة الشرائية، إذ سوف يؤدي رفع الدعم وتحرير الأسعار إلى قفزات حادة في الأسعار، ما يزيد من معدلات الفقر والجوع، فضلاً عن أن ضعف الإنتاج المحلي يعني أن الأسعار سترتفع من دون أن يقابلها تحسّن في الأجور.

العلاج بالصدمة سوف يفيد فئة صغيرة (من يملكون رؤوس الأموال أو النفوذ) وفي المقابل، الطبقة الوسطى والفقيرة سوف تنهار تماماً. وهذا ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وانعدام ثقة بين الشعب والحكومة. ويحتاج العلاج بالصدمة إلى شبكة حماية (دعم نقدي، تأمين بطالة، برامج فقر). وفي سورية هذه البنية شبه غائبة، لذا ستكون الصدمة مدمّرة اجتماعياً.

لهذا يرى كثيرون أن البديل الأنسب بدلاً من العلاج بالصدمة هو القيام بإصلاح تدريجي منظم عبر إعادة بناء مؤسّسات الدولة والرقابة أولاً، ودعم الإنتاج المحلي قبل فتح السوق، ورفع الدعم تدريجياً مع تقديم بدائل نقدية مباشرة. وأخيراً، مكافحة الفساد قبل الخصخصة.

العربي الجديد

————————-

 الزيتون السوري في أسوأ مواسمه.. مناخ متقلب واقتصاد منهك يضغطان على المزارعين/ خالد الخطيب

2025.12.03

شهد موسم الزيتون في سوريا خلال العام الحالي تراجعًا كبيرًا في حجم الإنتاج، في واحدة من أسوأ المواسم خلال العقد الأخير، متأثرًا بعوامل مناخية واقتصادية متشابكة. ورغم استمرار محافظة حلب في تصدر قائمة المحافظات المنتجة للزيتون، فإن الانخفاض العام شمل مختلف المناطق، ما انعكس مباشرة على دخل المزارعين والأسواق المحلية، وفق ما أكده مزارعو الزيتون ومسؤولون في قطاع الزراعة لموقع تلفزيون سوريا.

مزارعو الزيتون: إنتاج ضعيف وتكاليف مرهقة

يقول أبو حسين، وهو مزارع يملك بستان زيتون في ريف عفرين شمال حلب، إن موسم هذا العام كان “الأكثر انخفاضًا منذ سنوات”، فالثمار كانت صغيرة الحجم وناضجة قبل أوانها بسبب الجفاف وقلة الأمطار، ويضيف أن نقص الرطوبة وارتفاع الحرارة جعلا عملية العناية بالبساتين أكثر كلفة، ما دفع عددًا من المزارعين إلى تخفيض الخدمات الزراعية أو الاستغناء عنها كليًا، الأمر الذي أثر لاحقًا على الإنتاج.

أما محمود الأحمد من منطقة اعزاز شمالي حلب، فيصف الموسم بأنه “موسم الخسارات المتتالية”، موضحًا أن الناتج لا يغطي التكاليف عند معظم المزارعين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات والمبيدات، ويضيف أن الحرارة العالية والتقلبات المفاجئة أدت إلى نضج مبكر للثمار، ما خفض كمية الزيت القابلة للاستخراج، محذرًا من أن استمرار الظروف نفسها قد يهدد مستقبل هذا القطاع الحيوي.

ويجمع المزارعون على أن ضعف الدعم الحكومي وارتفاع تكاليف الخدمات الزراعية جعلت العناية بالبساتين عبئًا لا قدرة للكثيرين على تحمله، في وقت يشهد فيه السوق المحلي ارتفاعًا إضافيًا في الأسعار، ما يدفع بعض التجار للتوجه نحو منتجات أقل جودة أو مزج الزيت بمواد أخرى، في ظل رقابة ضعيفة.

أسعار مرتفعة وتخوف من الغش

بلغ سعر تنكة زيت الزيتون (16 كغ) نحو 1,250,000 ليرة سورية، ما يعادل 100 دولار، في حين تتجاوز أسعار الزيت عالي الجودة عتبة 100 دولار، ويحتفظ كثير من المزارعين بمحصولهم من الزيت على أمل ارتفاع الأسعار لاحقًا، أو باعتباره “أصلًا ماليًا” مع مرور الوقت، وهي ممارسة باتت شائعة بسبب الظروف الاقتصادية الحالية.

تراجع الإنتاج بهذا الشكل قد يجعل أسعار الزيت قابلة لمزيد من الارتفاع خلال الأشهر المقبلة، في ظل انخفاض العرض وارتفاع التكاليف، ما يشكل عبئًا إضافيًا على المستهلكين الذين تقلصت قدرتهم الشرائية إلى مستويات قياسية.

توزع الإنتاج.. حلب أولًا رغم التراجع العام

تقول مديرة مكتب الزيتون في وزارة الزراعة عبير جوهر لموقع تلفزيون سوريا إن إنتاج الزيتون في سوريا قُدر هذا الموسم بنحو 412 ألف طن، أي بانخفاض يصل إلى 45% مقارنة بالموسم السابق.

وتوضح أن حلب جاءت في المرتبة الأولى بكمية إنتاج بلغت نحو 110 آلاف طن، يُخصص 15–20% منها لزيتون المائدة، بينما يذهب نحو 80% لإنتاج الزيت، وقدرت الوزارة إنتاج الزيت بنحو 66 ألف طن.

ورغم التراجع الكلي، تشير جوهر إلى أن جودة الزيت قد تكون أفضل من مواسم سابقة نتيجة لعدم توفر ظروف انتشار ذبابة ثمار الزيتون هذا العام، بشرط أن تتم عمليات القطاف والنقل والعصر وفق المعايير الفنية الصحيحة.

وتقدر جوهر كلفة إنتاج كيلوغرام واحد من الزيتون بنحو 1 دولار، مع الإشارة إلى أن 40% من التكاليف تذهب لعملية القطاف وحدها، أما كلفة إنتاج كيلوغرام من زيت الزيتون فتتراوح بين 3.5 و4 دولارات، وهي أرقام تعتبر مرتفعة قياسًا بدخل المزارعين.

وتوضح مصادر متابعة للأسواق التجارية في سوريا أن الإنتاج الحالي، رغم انخفاضه، ما يزال كافيًا لتغطية الاستهلاك المحلي بسبب تراجع متوسط الاستهلاك الفردي من 5–6 كغ سابقًا إلى 2–3 كغ فقط حاليًا، نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض دخل المواطن السوري، بحسب ما أكدته المصادر لموقع تلفزيون سوريا.

أسباب مباشرة لانخفاض الإنتاج

تؤكد جوهر أن التغيرات المناخية في منطقة المتوسط أثرت هذا العام على معظم الدول المنتجة للزيتون، وليس سوريا وحدها، فقد أدت قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة في فترات حساسة إلى انخفاض الإنتاج بنسبة تقترب من 45%، يضاف إليها أن معظم الزراعة بعلية بنسبة 85% ولا تعتمد على الري الكامل.

كما ساهمت الحرائق الواسعة التي شهدتها مناطق الساحل وريف حمص وحماة الغربي في القضاء على عدد كبير من الأشجار، ما زاد من حدّة التراجع في الإنتاج، إلى جانب ما يُعرف بـ“سنة المعاومة” التي تتناوب فيها أشجار الزيتون بين موسم ضعيف وآخر قوي.

اقرأ أيضاً

524

بين الواقع الصعب ومحفزات الدعم.. ما فرص انتعاش زراعة حلب في الموسم المقبل؟

الزراعة: خطط لتحسين السلسلة الإنتاجية ومراقبة المعاصر

تشير جوهر إلى أن استراتيجية وزارة الزراعة ترتكز على تطوير سلسلة إنتاج الزيتون من البستان إلى المعصرة، عبر:

. دعم المزارعين وتقديم إرشاد فني لعمليات التقليم والري والمكافحة.

. توفير غراس زيتون موثوقة ومتوافقة مع البيئة المحلية.

. إلزام المعاصر بتطبيق المواصفة القياسية السورية رقم 4083 بهدف إنتاج زيت عالي الجودة.

كما تشكل الوزارة لجانًا مركزية وفرعية لمراقبة عمل المعاصر في المحافظات، وضمان التصريف الآمن للمخلفات وتحسين جودة الإنتاج، وهو ما تسعى الجهات الرسمية لمتابعته بشكل مستمر خلال الموسم.

يمثل تراجع الإنتاج إلى النصف تحديًا كبيرًا لقطاع الزيتون في سوريا، الذي يعد أحد أهم الموارد الزراعية للبلاد ولأكثر من مليون شخص يعتمدون عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. وبين ضغوط المناخ، وارتفاع التكاليف، وغياب الدعم الحقيقي، يقف المزارعون أمام موسم صعب قد يمتد تأثيره لسنوات، في وقت تتصدر فيه حلب المشهد الإنتاجي رغم الظروف القاسية.

——————————-

أزمة الاتصالات في سورية… أسعار باهظة وخدمة رديئة/ جمعة حجازي

03 ديسمبر 2025

تشهد سورية موجة غضب عارمة على منصّات التواصل الاجتماعي بعد قرار رفع أسعار خدمات الاتصالات بشكل كبير، من دون أن يترافق ذلك مع تحسين بالخدمات.

البيان الرسمي لوزارة الاتصالات الذي أخلت فيه مسؤوليتها عن هذه الزيادات، وحجّتها أن الشركتين “خاصتان ومستقلتان مالياً وإدارياً”، يصطدم مع واقع الأرباح الخيالية التي تعلن عنها هذه الشركات، ومعاناة المواطن السوري الذي يدفع ثمناً باهظاً مقابل خدمات متواضعة. لا تعكس هذه الأزمة فقط اختلالاً في موازين الرقابة، بل تكشف عن فجوة رقمية متسعة بين سورية ومحيطها العربي.

وعند مقارنة واقع خدمات الاتصالات في سورية مع نظيراتها في الدول العربية، تظهر فجوة صادمة من حيث الكلفة والجودة. تشير البيانات المتاحة إلى أن سورية تسجل أدنى سرعة إنترنت بين الدول العربية المذكورة (3.31 ميغابت/ ثانية) مع أعلى كلفة للميغابت (8.00 دولارات)، ما يعني أن المستخدم السوري يدفع أعلى سعر مقابل خدمة هي الأضعف من حيث الجودة. بينما تقدم مصر أفضل قيمة ممكنة للمستهلك، حيث تحقق أدنى كلفة للميغابت (0.10 دولار)، مدعومة بسرعة إنترنت جيدة (80 ميغابت/ ثانية)، مقابل اشتراك شهري منخفض (ثمانية دولارات). ودول الخليج تسيطر على صدارة السرعات، حيث تتفوق الإمارات بأعلى سرعة إنترنت (310.05 ميغابت/ ثانية)، تليها قطر ثم السعودية. ورغم ارتفاع الاشتراك الشهري فيها، تظل كلفة الميغابت معقولة مقارنة بالسرعة العالية المقدّمة.

حبر على ورق

على الورق، يبدو الإطار القانوني المنظم لقطاع الاتصالات في سورية متكاملاً إلى حد كبير. فقانون الاتصالات السوري ونظام الهيئة الناظمة للاتصالات يمنحان الوزارة والهيئة التابعة لها صلاحيات رقابية واسعة. تنص المادة الخامسة من قانون الاتصالات على أن من مهام الهيئة الناظمة “تسعير الخدمات” و”حماية المستهلكين والمستخدمين الآخرين من إساءة استغلال مقدمي الخدمة، ولا سيما أولئك الذين يتمتعون بوضع مهيمن في السوق”. كما تلزم المادة 42 “المرخص لهم ذوي الوضع المهيمن في السوق بالالتزام بالحدود العليا والدنيا للأسعار التي تعتمدها الهيئة”.

بوجود مشغلين اثنين فقط، هما “سيرياتيل” و”MTN سورية”، تنطبق عليهما صفة “الوضع المهيمن” بشكل واضح، ما يعني أن أي قرار بتعديل الأسعار يجب أن يخضع لموافقة ورقابة الهيئة الناظمة. إلا أن الواقع يشير إلى غير ذلك. فمع احتجاج المواطنين على قرارات رفع الأسعار، يأتي بيان وزارة الاتصالات مُخلياً مسؤوليتها، ومحيلاً الأمر إلى أن “الشركتين خاصتان ومستقلتان مالياً وإدارياً”. هذا التناقض بين النص القانوني والممارسة الفعلية يضع علامة استفهام كبرى حول جدية الرقابة وفعالية الإطار التنظيمي.

الأرباح الطائلة… تناقض يفضح التبريرات

في تناقض صارخ مع تبريرات “عدم كفاية الموارد”، تكشف البيانات المالية للشركتين عن أرباح خيالية: فشركة سيرياتيل أعلنت عن صافي ربح بلغ 489 مليار ليرة سورية عن النصف الأول من عام 2025 فقط، كما أعلنت عن توزيع أرباح نقدية على مساهميها بنسبة مذهلة بلغت 8.840%. بينما شركة MTN سورية: حققت صافي ربح قدره 114 مليار ليرة سورية خلال الفترة نفسها. هذه الأرقام تضع تبريرات الشركات بارتفاع التكاليف التشغيلية والحاجة للقطع الأجنبي موضع شك كبير، وتكشف عن تناقض صارخ بين تصريح “عدم الكفاية” وأرقام “الوفرة”. الأكثر إيلاماً أن البيانات المالية المنشورة للشركتين تؤكد بشكل قاطع على “مبدأ الاستمرارية”، مشيرة إلى أن إدارتي الشركتين “متأكدتان من أن الشركة لديها الموارد الكافية لتساعدها على الاستمرار بالعمل في المدى المستقبلي المنظور”. هذا التناقض بين تصريح “عدم الكفاية” وأرقام “الوفرة” يثير الاستفهام حول الجهة التي تتحكم فعلياً بقرارات التسعير، وأين تذهب عوائد هذه الأرباح الطائلة إذا كانت عملية التطوير متعثرة.

من خلال المشاهدات المباشرة للمستخدمين، يبدو أن قطاع الاتصالات في سورية يعاني من تحديات على صعيدي السعر والجودة: وشكاوى من انخفاض حجم البيانات حيث يشكو مستخدمون من تخفيض شركة “سيرياتيل” حجم البيانات في الباقات مع الإبقاء على السعر نفسه، حيث أصبحت باقة الـ10 جيغابايت الشهرية التي كانت متاحة بسعر 25 ألف ليرة سورية، تُباع حالياً بحجم 1.5 جيغابايت فقط بالسعر نفسه، ما يشكل ارتفاعاً فعلياً في السعر ونقصاً في القيمة المُقدمة للمستهلك.

ويمثل مشهد الاتصالات في سورية لوحة معقدة تجسد التناقض الصارخ بين الطموحات الرسمية المعلنة والواقع اليومي المتردي. فبينما تتصدر المشاريع الرقمية الضخمة مثل “سيلك لينك” و”برق نت” و”ميدوسا” الواجهة الإعلامية، تظل هذه المبادرات حبيسة المخططات والدراسات الأولية، تعاني من ضبابية التمويل وغياب الجدول الزمني الواضح. هذا الفاصل بين الخطاب الرسمي والتنفيذ الفعلي يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذه المشاريع في ظل غياب الشفافية والمحاسبة. على الأرض، تواجه عملية التطوير تحديات هيكلية تعوق تقدمها، حيث تتحرك المشاريع بوتيرة بطيئة وغير متناسقة. فبينما تشهد بعض المبادرات مثل مشروع “أوغاريت 2” تقدماً ملموساً في تحديث البنى التحتية البحرية، تبقى مشاريع أخرى رهينة التعقيدات البيروقراطية وانتظار الاستثمارات. كما أن المشاركات الإقليمية في المعارض مثل “سورية هاي تيك” و”GITEX”، رغم أهميتها الرمزية، تبقى غير كافية لسد الفجوة الرقمية المتسعة مع المحيط الإقليمي.

النتيجة النهائية لهذا الواقع المتناقض تظهر جلية في المعاناة اليومية للمواطن السوري، الذي يجد نفسه محاصَراً بين شقين: أسعار باهظة تلتهم جزءاً كبيراً من دخله، وخدمة متدنية الجودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات العصر الرقمي. كما أن الأرباح الخيالية التي تعلنها شركات الاتصالات تزيد مشاعر الإحباط والغبن لدى المستخدم، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول عدالة توزيع عوائد هذا القطاع.

تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة

لقرار رفع الأسعار تأثيرات مضاعفة تتجاوز كونه عبئاً مباشراً على دخل الفرد:

• عامل مضاعف للتضخم يزيد تكاليف التشغيل للشركات الصغيرة والأعمال الحرة التي تعتمد على الإنترنت، ما قد يدفعها لرفع أسعار سلعها وخدماتها.

• تعميق الفجوة الرقمية جعل خدمة الإنترنت ترفاً يقتصر على القادرين مالياً ويحرم شرائح كبيرة من الوصول إلى التعليم عن بُعد، والخدمات الحكومية الإلكترونية، وفرص العمل عبر الإنترنت، ومصادر المعرفة.

• عزلة رقمية بينما تتسارع وتيرة التحول الرقمي في دول الجوار، تزداد الهوّة اتساعاً في سورية، ما يقوّض سياسات الحكومة السورية نفسها التي تدعو إلى التحول الرقمي والدفع الإلكتروني.

ويمثل الوضع الحالي لقطاع الاتصالات في سورية نموذجاً مصغّراً لأزمة الحوكمة والعدالة الاجتماعية. التناقض الصارخ بين أرباح الشركات بالمليارات ومعاناة المواطنين من أسعار باهظة وخدمة رديئة، إلى جانب غياب الرقابة الفعالة والمنافسة العادلة، يخلق حلقة مفرغة تدفع بالمجتمع إلى مزيد من العزلة والتهميش. والحل الجذري يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة هيكلة القطاع، وفرض رقابة صارمة على الأسعار، وكسر احتكار الشركات لضمان حق كل مواطن في الوصول إلى خدمة اتصالات عادلة وبأسعار معقولة. آن الأوان لمراجعة شاملة تعيد التوازن إلى هذا القطاع الحيوي، وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. يمكن القول إن سياسة وزارة الاتصالات السورية تجاه أسعار الخدمات وجودتها تقف على مفترق طرق حاسم، تتجاذبه ثلاثة مسارات رئيسية:

• مسار التنصل الظاهري والمسؤولية القانونية: يُظهر رد الوزارة الأولي على أزمة الأسعار تناقضاً صارخاً. فمن جهة، تتخذ الوزارة موقفاً علنياً بالتنصل من مسؤولية تحديد الأسعار، مبررة ذلك بأن الشركتين “خاصتان ومستقلتان مالياً وإدارياً” . غير أن هذا الموقف يتجاهل الإطار القانوني النافذ، الذي يخول الهيئة الناظمة للاتصالات سلطة تسعير الخدمات وفرض حدود دنيا وعليا للأسعار، خاصة على الشركات ذات “الوضع المهيمن” في السوق، وهو الوصف الذي ينطبق على شركتي سيرياتيل وMTN بشكل واضح. هذا التناقض يضع مصداقية السياسة التنظيمية للوزارة على المحك.

• مسار التبرير بالعجز والواقع المالي للشركات: تستخدم الوزارة والشركات حجّة “عدم كفاية الموارد الذاتية” و”العجز عن التطوير الجدي” لتبرير رفع الأسعار. إلا أن هذه التبريرات تتهاوى أمام الأرباح الطائلة التي أعلنت عنها الشركتان، حيث بلغ صافي ربح “سيرياتيل” 465 مليار ليرة و”MTN” 130 مليار ليرة للنصف الأول من عام 2025 فقط. هذا الفجوة بين خطاب “العجز” وبيانات “الوفرة” تثير تساؤلات جوهرية حول المبررات الحقيقية لسياسة التسعير.

• مسار الإصلاح المعلن والوعود المستقبلية: في محاولة لاحتواء الغضب، تبدي الوزارة إرادة إصلاحية، حيث طالبت الشركتين بوضع إطار تنفيذي لتحسين جودة الخدمة خلال 60 يوماً، مع خريطة أولويات وجدول زمني . كما أعلنت عن العمل على خطّة شاملة لإعادة هيكلة القطاع، تشمل تحديث البنية التحتية وتوسيع الوصل الدولي، بل والحديث عن إصلاحات قانونية تفتح الباب لمشغلين جدد لكسر احتكار السوق الحالي.

ختاماً، عدالة سياسات الاتصالات وجودة خدماتها في سورية لن تتحققا بوعود مستقبلية فقط، ولا بمزيد من التبريرات. تقتضي المعادلة الحقيقية الشفافية الكاملة في حيثيات تحديد الكلفة والربح، وتطبيق القانون بصرامة لتحقيق التوازن بين استدامة الشركات والقدرة الشرائية للمواطن، والإسراع بخطوات كسر الاحتكار الفعلي لخلق بيئة تنافسية حقيقية تكون ركيزتها الأساسية هي جودة الخدمة والقيمة العادلة، وليس تحصيل الأرباح على حساب خدمة أساسية في حياة الناس.

العربي الجديد

—————————-

سوريا تعيد تشغيل 1600 مصنع في أقل من عام

قرارات جديدة ستصدر قريباً لدعم المصنعين في سوريا

الرياض – العربية

03 ديسمبر ,2025

كشف معاون وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد ياسين حورية، عن عودة أكثر من 1600 منشأة صناعية للعمل بعد تحرير سوريا في ديسمبر الماضي، منها نحو 300 منشأة دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي، ولا سيما في محافظتي حلب وريف دمشق.

وقال حورية إن القرارات الحكومية الأخيرة، مثل إعفاءات الرسوم الجمركية على تجهيزات المصانع وتسهيلات الترخيص وفتح الاستثمار في المناطق الصناعية شكلت عاملاً رئيسياً في تشجيع المصنعين على إعادة تشغيل منشآتهم.

وأضاف أن الرؤية الاقتصادية للحكومة اليوم ترتكز على سوق حرة تنافسية، مع توفير حماية مؤقتة للصناعة خلال مرحلة التعافي فقط؛ بهدف الوصول إلى صناعة سورية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً دون الحاجة إلى قيود حمائية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تحسم الجدل حول موعد طرح العملة الجديدة

اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تحسم الجدل حول موعد طرح العملة الجديدة

وتابع معاون وزير الاقتصاد: “نريد أن نخوض معركة التصدير، ويجب أن يخشى العالم من جودة المنتج السوري لا أن نخشى نحن من المنتجات القادمة”.

وأوضح أن هناك قرارات جديدة ستصدر قريباً لدعم المصنعين تشمل تعديلات على القرارات المنظمة للتراخيص الصناعية لتوفير مرونة أكبر للاستثمار داخل المدن الصناعية وخارجها.

وشهدت الصناعة السورية تحولاً تدريجياً حيث سجلت وزارة الاقتصاد والصناعة 1389 طلباً لاستيراد خطوط الإنتاج للمصانع الجديدة منذ ديسمبر 2024 وحتى نهاية أغسطس الماضي.

——————————

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى