سكان الشرقية في مواجهة تنميط جديد: من هم “الشوايا”؟/ دمشق – محمود عبد اللطيف

الثلاثاء 2025/12/02
خلال الأشهر الأخيرة زادت حدة الصور النمطية التي يواجهها أبناء الشرق السوري المقيمين في دمشق. بطريقة أو بأخرى يحاول البعض شيطنة أبناء هذه المنطقة وحصرهم في خانة الهمجية والفوضى من خلال الإشارة إلى مجموعة من التفاصيل أو المشاهد الشاذة التي سجلت خلال المرحلة التي تلت سقوط النظام. وتحولت الصور النمطية بشكل حاد من “المواطن الغشيم”، إلى “المواطن المخيف”، أو مصدر الرعب بالنسبة للبعض. الأمر قد يكون مفسراً في بعض الأحيان، لكنه نتاج طبيعي لسنوات من التنميط التي واجهها سكان المنطقة الشرقية بفعل الموروث المجتمعي الذي رسخت له الأعمال التلفزيونية السورية التي ادعت الكوميديا قبل سقوط النظام.
التنميط قبل وبعد
السير في شوارع العاصمة السورية قد يفضي إلى مواجهة واحدة من حلقات الدبكة التي يعقدها أبناء المنطقة الشرقية في ساحة الأمويين أو في ساحة المرجة. وأفضى سقوط النظام إلى تحول ساحة الأمويين إلى مكان للتنزه بالنسبة لسكان العاصمة بالرغم من وجود مساحات خضراء قريبة منها. والازدحام الذي تشهده الساحة، التي حُملت الكثير من الرمزية منذ العام 2011 نتيجة لقربها من المربعات الأمنية والقصور الرئاسية في عهد النظام، سيفضي بالمارة حتماً لسماع أغنية “لبت.. لبت”، بصوت مرتفع يصدر عن مكبرات الصوت في إحدى السيارات. وتكرار مشهد حلقات الدبكة ربط سكان المنطقة الشرقية بالأغنية التي تستند في لحنها إلى أغنية عراقية صدرت في زمن الحرب مع إيران وتبدأ بـ “يا كاع ترابج كافوري”.
لكن ومن دون موافقة سكان المنطقة الشرقية ارتبطت بهم الأغنية. ويقول عبد الله المصطفى في حديثه لـ “المدن”: “عندما يعرف أي من سكان دمشق الذين احتك بهم أنني اتحدر من دير الزور يبادرني بالقول: يعني أنت من جماعة لبت لبت. وحين سؤالي عن سبب الربط بين سكان المنطقة الشرقية بهذه الأغنية يكون الجواب من قبيل إنها دلالة على مشاركة بعض أبناء العشائر في عمليات عسكرية أو قتال في السويداء والساحل، أو انخراط عدد منهم ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية. ما يعني أن سكان هذه المنطقة من أتباع الحكومة ويجب الخوف منهم. وذلك على الرغم من إن سكان المنطقة الشرقية غالباً من البسطاء الذين يبادرون بالود لجيرانهم ويتعاملون بحسن نية”.
وتضيف فريال الأحمد: “حينما ظهرت هذه الاغنية باتت الجميع يرددها أمامي في عملي. كان الامر مثيراً للضحك باعتبار إنه مزاح في بادئ الأمر. لكن تحول تدريجياً إلى مسألة مزعجة. فالبعض ممن يستخدمها يشير إلى اعتماد سكان الشرقية على العنف أو ممارسة لغة سلطوية على من حولهم باعتبار أن بعض الشخصيات القيادية في البلاد تتحدر من المنطقة الشرقية. لكن الأمر غير صحيح، وليس حالة عامة، ومن الممكن أن تجد أحد من المنطقة الشرقية مزعج لجيرانه أو يمارس الخطاب ذو الصبغة السلطوية على من هم حوله. والأمر يتطابق مع أي شخص يمكن أن يمارس الازعاج أو يمارس هذا النوع من الخطاب أياً كانت المنطقة التي يتحدر منها. وعلى العموم لو سألت سكان المنطقة الشرقية لقالوا لك أن أغنية مثل لبت لبت تعد أغنية هابطة بالنسبة للذوق العام على مستوى اللحن والكلمات. ولمثل هذه الأغاني الشعبية وقتها ربما، لكنها ليست النمط الغنائي العام الذي يطرب له سكان المنطقة الشرقية”.
ويجد أبو يوسف (أحد سكان المنطقة) أن الطريقة التي تم التعاطي فيها مع أحداث السويداء من قبل وسائل الإعلام، ومن قبلها تسجيلات الفيديو التي ظهرت لبعض الأشخاص من المنطقة الشرقية خلال أحداث الساحل، أدت إلى نظرة مجتمعية لأبناء العشائر على إنهم شديدي العنف، وألا مكان للنقاش والعقل والسياسة في حياتهم. وتم تحويل مصطلح “فزعة” (بكل ما يحمله من معان مجتمعية ذات قيمة كبيرة لدى أبناء الشرقية لا ترتبط بـ “فزعات القتال”) إلى مصطلح ذو صبغة دموية”.
ومن وجهة نظر هذا الرجل الخمسيني فإنه لابد من وجود عمل إعلامي توعوي تجاه أبناء المنطقة الشرقية وآلية تفكيرهم وبنية مجتمعاتهم القائمة على جملة من العادات العشائرية والقوانين التي تعتبر أحياناً عابرة للنص الديني وذات بنى متحررة من قيد الموروث المجتمعي الجامد لدى بقية المناطق. فمجتمعات المنطقة الشرقية في بعض القضايا أكثر انفتاحاً وتحرراً من غيرها في بعض القضايا.
وتتحدث غادة الأحمد عن معاناتها سابقاً مع العديد من الصور النمطية التي كانت تواجه سكان المنطقة الشرقية قبل سقوط النظام، وأبرزها أن الغباء أو السذاجة حالة سائدة بين أبناء تلك المنطقة، وأن قلة النظافة والاستحمام من العادات الطبيعية بالنسبة لهم. وغالباً ما كان البعض يسخر من اللكنة التي نتكلم بها ضمن أروقة الجامعة. لكن مع امتداد أيام معاشرة أبناء المجتمعات الأخرى كانت تخف هذه النظرة ومن ثم تختفي من قبل المقربين. ولا يعني ذلك أن هذه النظرة تختفي من قبل الآخر، بل إن البعض كان يستغرب أنني غير محجبة، وآخرون كان يستغربون أساساً إنني ارتدي بنطالاً وقميصاً كبقية النساء اللواتي أعيش في محيطهن. وهذا يعني أن سنوات طويلة عانى منها أبناء المنطقة الشرقية من الصور النمطية لابد من أن تنتهي لا أن تتطور الصور النمطية ونتحول من مجموعة من السذج إلى مجموعة من الدمويين أو الفوضويين بسبب وجود بعض الأشخاص الذين يعتبرون أن ممارسة الدبكة في ساحة من ساحات دمشق نوعاً من التعبير عن الفرح، أو أحياناً مشاكسة المارة ممن يعتبرون أن الشوايا مكانهم خارج دمشق.
من هم الشوايا.. ؟
السؤال الأكبر يحضر حول كلمة “شوايا”. من هم؟ وما معنى الاسم، وكيف ولماذا ظهر ليوسم به سكان المنطقة الشرقية؟ وبالبحث بالمصادر التاريخية وسؤال الكبار بالسنّ، يبدو أن هناك عدة أسباب منها ما هو غير علمي أو منطقي، كمحاولة البعض إرجاع الاسم إلى فرضية ابن خلدون الذي يقول في مقدمته الشهيرة: “ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الأغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم، فالتقلب في الأرض أصلح بهم، ويسمون شاوية، ومعناه القائمون على الشاه والبقر، ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيبة”. وهكذا يصبح النص حجة لدى البعض للتمييز بين البدو والشوايا، على أساس تربية الجمال والمواشي. لكن هذا التوصيف يبدو فضفاضاً، ويمكن أن يطبق على مربي المواشي في المغرب العربي، وفي بريطانيا، وفي الصين، فيصبحوا على هذا الأساس من الشوايا، بما يخرج اللفظ من كونه اسم يطلق على سكان الشرق السوري.
ويذهب البعض إلى إلباس مصطلح الشوايا لبوساً تاريخاً أكثر قدما. وتقول بعض المصادر التاريخية أن المسمى ظهر أول مرة في اللغتين الآشورية والسريانية القديمتين. كان سكان الممالك القديمة يطلقون على سكان حوض الفرات لفظ “شاويو”، ومعناه “الكريم والمضياف”. لكن حصر ربط صفة الكرم بشريحة من القبائل العربية سينسف مضرب المثل العربي في الكرم في حكاية “حاتم الطائي”. كان الأخير بدوياً وتحولت قبيلته “طيء”، بجزء كبير منها إلى الحالة المدنية حينما أصبح غالبيتها من الحضر الذين سكنوا القرى والمدن الكبرى (أكبر انتشار لها جنوب شرق مدينة القامشلي). وستختص واحدة من سمات الشخصية العربية بشريحة ضيقة من القبائل على حساب ما يروى عن كرم البدو وقبائل الجزيرة العربية.
تقوم بعض تفسيرات الاسم على إرجاع الأمر إلى المهنة. توجد في الأدبيات الدمشقية مهنة تحمل اسم “الشاوي”. وكان ممتهنها يشرف على نظافة قنوات الري ونقل مياه الشرب من نهر بردى إلى المنازل. والشاوي في منطقة عمله هو بمثابة ضابط الأمن المائي للمنازل والحقول الزراعية. وكان من مهامه أن ينظم عمل قنوات الري وكميات التدفق وأوقاته. وسبب الاستناد إلى هذه المهنة يعود إلى أن الشوايا هم من قبائل البدو التي انتقلت إلى حياة الحضر من خلال التجمعات السكانية المتعددة الأحجام، التي بنيت على ضفتي الفرات. وانتقلوا من العمل في الرعي إلى الزراعة والاعتماد على “الشوايات”، بمعنى قنوات الري الصغيرة لإتمام أعمالهم. وبات الفرد منهم “شاوياً”، بالمعنى الدمشقي للكلمة. وفي الوقت نفسه هناك من يرجع الكلمة إلى أصل استخدام كلمة “شاوي”، في الكويت. وهو الشخص الذي يقوم برعي مواشٍ لا يملكها مقابل أجر متفق عليه مع المالكين. لكن المسمى يجانب الصواب أيضاً لذات الأسباب التي تنفي احتمالية إعادة المسمى لـ “الشاوي الدمشقي”. فمن غير المنطقي تعميم مسمى مهني محدود على شريحة مجتمعية واسعة تسكن ما يقارب ثلث الأراضي السورية.
وكانت المنطقة الشرقية قد شهدت عدة ثورات ضد الإنكليز والفرنسيين في العقود الأولى للقرن العشرين. ومن بين هذه الثورات تلك التي انطلقت ليل 16 أيلول من العام 1921، والتي تعد أول تحرك عسكري واسع ضد الاحتلال الفرنسي بعد معركة ميسلون. ولمواجهة الأمر دفعت القوات الفرنسية بقوات تضمنت كتائب من السنغاليين والجزائريين، المجندين في صفوفها. ونتيجة لشراسة النيران التي أطلقت على بعض القرى، لجأ الثوار إلى معارك يمكن وصفها بـ “حرب استنزاف”. وأطلق العناصر الجزائريين لقب “الشاوية”، على الثوار في خطوة شبهتهم بأبناء قبيلة “الشاوية” الجزائرية التي كانت تثور على القوات الفرنسية في بلادها. والوصف كان نتيجة للملابس التي يرتديها الثوار أو لطريقة القتال والإغارات البرية التي نفذوها آنذاك. وقد كان احتكاك سكان المدينة بالمجندين بالجيش الفرنسي، من عرب وسنغاليين، سبباً لوصفهم بشاوي وشاوية وشوايا). فقد كان الفرنسيون على سبيل المثال يشرحون معنى “الشاوية” على أنهم مجموعة من الهمج والبرابرة الذين يحاربون فرنسا.
ويقول فايز الجدوع إن جده كان يكرر دوماً أن اسم “شوايا” لم يكن يطلق على كل أبناء العشائر، حتى يمكن القول إن أبناء العشيرة الواحدة ليسوا كلهم شوايا. لقد كان توصيفاً أطلقه الفرنسيون، والتقطه السكان لاحقاً وبدأوا بتداوله. ثم أخذوا بتعميمه على سكان الريف عموماً حتى ممن لم يشتركوا في القتال آنذاك، وورثه أبناء الريف”. وبالمقاربة يبدو أن الجذر التاريخي، الأقرب للمنطق والعقل لمسمى “الشوايا”، يأتي من هذه الثورة. ولعله الأقرب إلى العاطفة والشعور الجمعي لسكان المنطقة الشرقية. لكن التنميط الذي لاحق الـ”شوايا”، من قبيل التخلف المجتمعي وعدم الاهتمام بالنظافة الشخصية. والعادات البالية وصولاً لوصفهم بممارسة الجنس مع الحمير، حوّل لفظ “شوايا”، من إيجابية توصيف الثوار ضد الاحتلال إلى سلبية وسم سكان ثلاث محافظات من سورية بعدد هائل من النمطيات. وهذا شكّل خطاب كراهية ضدهم، ولم يكن ليواجهه سكان المنطقة غالباً إلا بخطاب كراهية مضاد
المدن



