إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةانتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريحل الأخوان المسلمينسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات، تحليلات واحداث واحتفالات تحديث 09 كانون الأول 2025

لمراجعة هذا الملف اتبع الراط التالي:

عام على انتصار الثورة في سوريا

عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات وتحليلات مختارة


تحديث 09 كانون الأول 2025

——————————–

مقالات وتحليلات

——————————–

 بعد عام: أين كانت سوريا وأين صارت؟/ سميرة المسالمة

الثلاثاء 2025/12/09

بعد عام واحد من الحكم، يمكن القول أن السلطة الجديدة في سوريا، تمكنت من تأمين كثير من الخدمات الأساسية للمجتمع السوري، في مجال التعليم والصحة والخدمات البلدية والإدارية، وضمنها البدء بإعادة تأهيل البني التحتية، من الكهرباء والاتصالات والمواصلات والطرق، ومحاولاتها إدارة عجلة الاقتصاد، والانتقال به من اقتصاد موجّه (تحكمه رموز فاسدة، وهو معيارياً لا ينتمي إلى أي من تعريفات الاقتصادات العالمية، بما في ذلك ” الاقتصاد الاشتراكي”)، إلى اقتصاد السوق الحر وفق خطوات متمهلة. وأيضاً، محاولة رفع مستوى معيشة السوريين من خلال الالتفات إلى واقع الدخل المتدني، ومحاولة موازنته مع متطلبات الاحتياجات اليومية.

هذه التقدمة لا تتعلق ببذل المديح للحكومة الانتقالية. فهذا واجبها، أو تلك هي مهمتها. بيد إن هذا الحديث معني بلفت الانتباه، لدى مناقشة الوضع السوري، إلى عدد من المسائل، أهمها، أن سوريا التي حكمها نظام الأسد القمعي منذ نحو 54 عاماً بكل مقدراتها لم يبق منها شيء، أو يمكن القول إنها بدأت مع تحريرها في 8 كانون الأول 2024 من الصفر، أو ما دون ذلك، في كل شيء. أي أنها مجرد أثر لمؤسسات متهاوية، بالنظر لكل ما مر بها، وبالتحديد طوال 14 سنة من حرب وحشية على الشعب السوري.

تبعاً لذلك، فإن الحديث لا يتعلق ببلد طبيعي يجري العمل على تطويره. لأنه واقعياً يفتقر للإمكانيات والموارد المادية والتقنية، علماً أن جزءاً كبيراً من ذلك يتعلق بالدعم الخارجي، وحصد نتائج رفع العقوبات المفروضة على سوريا عملياً، ما يقي البلد من حال انهيار أجهزة الدولة كاملة، ويمكّنها من حل التعقيدات الداخلية، والتحديات الخارجية التي تمثلها الاعتداءات والتدخلات الإسرائيلية فيها، التي تعرقل مسار تكون الدولة الموحدة، واستنهاض الاقتصاد والسلم الأهلي.

ومع كل الظروف المحيطة بالسلطة الجديدة التي تثقل كاهلها، يمكن القول إن القيادة السورية تقدمت في المجالات الخارجية، نسبة للصعوبات والتعقيدات والتحديات التي تواجهها، لكن ذلك، لا يغطي على أنها لا تزال داخلياً تحتاج لبذل جهود كبيرة في مجال تحديد هوية النظام السياسي، وتعزيز المشاركة السياسية، في الإدارة وفي تقرير الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى صعيد التمثيل الشعبي، وتعزيز الثقة بين السوريين، من دون أي تمييز، من أي نوع كان.

مع ذلك يحتسب للقيادة السورية -سواء كان ذلك بفعل طبيعة المتغيرات الدولية في المنطقة، وتغيير خريطة النفوذ المستقبلية التي وضعتها دول كبرى، أو بجهودها الديبلوماسية، أو كلاهما خدم الآخر- أنها استطاعت فك عزلة سوريا على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي، إذ باتت في العام الماضي بمثابة الدولة الأكثر نشاطاً على صعيد العلاقات الخارجية، مع الدول، وغيرت من صورة سوريا والسوريين أصحاب الثورة إزاء الرأي العام العالمي. وهو الأمر الذي تمت إدارته من القيادة السورية، بحكمة ومرونة وتمكّن، آخذة بالاعتبار أهمية الانفتاح على العالم، لتعزيز قدرة سوريا على الخروج من حال التدهور الذي كانت تعيشه، ومنح السوريين الأمل بفرصة العيش الكريم، واستعادة ثقتهم بذاتهم وبمكانتهم. وهذا تحديداً ما يحتفل به كل السوريين، ويعبرون عن فرحهم به في الساحات العامة والشوارع، مدركين أن وحدتهم هي السبيل لتحصين سوريا إزاء التحديات الخارجية، خصوصاً الإسرائيلية منها.

على الصعيد الإقليمي، يعد رفض سوريا التسليم بضم الجولان للاحتلال الإسرائيلي، وتأكيد ثبات موقف سوريا بشأن حقها في استعادة أرض الجولان السوري المحتل، وبالتمسك بخطوط الهدنة لعام 1974، ومساندة الشعب الفلسطيني بحقه في إقامة دولة له، بقيادة ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، بمثابة نقاط القوة التي تسببت بقلق إسرائيلي تجاه الحكم الجديد، بدلالة محاولات اسرائيل التدخل في الشأن الداخلي، بالوسائل السياسية والعسكرية، من مدخل طائفي، أو من مدخل الادعاء بضرورات أمنها القومي، أو من مدخل محاولاتها فرض التسليم بضم الجولان السورية، وهي المحاولات التي صدتها القيادة السورية، بموقف واضح، وصريح، وبالاعتماد على الأطراف العربية والدولية والإقليمية المساندة لمنح سوريا فرصة استعادة نفسها كدولة طبيعية في المنطقة.

المهم الآن، أن إنجازات أو نجاحات القيادة السورية على الصعيد الخارجي، يفترض أن تتحصن وأن تقوى، وأن ينطلق ذلك من النجاحات الداخلية، على صعيد بناء الدولة والمجتمع، كي تضمن استمراريتها وتطورها، بما يخدم سوريا المستقبل، وبما يعزز ثقة الشعب ببلده ودولته، التي خطت بثبات خطواتها الأولى نحو الاستقرار والانفتاح.

 لهذا، كل شيء ينبغي أن يصدر، بعيداً عن الأوهام والشعارات الكبيرة، ومن حقيقة أن سوريا بلد محدود الإمكانيات، ومستنزف حتى العظم، سواء بسبب إدارة نظام الأسد لملف الداخل السوري واجرامه بحق السوريين، أو اصطفافاته التدميرية مع إيران في ملف العلاقات الخارجية. لذا، فإن رأسمال البلد الحقيقي الآن يكمن في موارده البشرية، وفي سعيه ليكون على خلاف ما عرفه جيرانه لعقود مضت، كما كان حاله مع لبنان على سبيل المثال لا الحصر. أي أن تكون سوريا دولة استقرار  في المنطقة، إسوة بدول صغيرة أخرى. وهذا ما يجعلنا نقدر عالياً تعزيز السلطة السورية الجديدة سياساتها المنفتحة على دول المنطقة والعالم، بالتساوق مع حقيقة أن القوة الحقيقية لأي سلطة تنبع من قدرتها على تمتين وحدة الشعب، وتحقيق عدالة التمثيل والمشاركة، وبسط الأمن والأمان في كامل الأراضي السورية، في دولة مؤسسات وقانون ومواطنين. فهذا وحده ما يقوي سوريا ويستثمر في نجاحاتها الخارجية.

المدن

—————————-

عام على سقوط نظام الأسد/ بكر صدقي

بدأت احتفالات سلطة دمشق ومؤيديها باستعادة عملية ردع العدوان يوماً بيوم، منذ بدايتها في 27 تشرين الثاني 2024، وصولاً إلى السيطرة على العاصمة دمشق في صباح الثامن من كانون الأول، مع إعلان فرار رأس النظام المخلوع بشار الأسد. من الواضح أن إعلام السلطة، ووسائل إعلام عربية مؤيدة لها، قد استعدا جيداً لهذه المناسبة لصناعة مناخ يوحي برسوخ السلطة وشعبيتها وشرعيتها الداخلية والخارجية. فتم تصدير زيارة مجلس الأمن الدولي بكامل أعضائه كما لو كان مباركة للسلطة وتشجيعاً لها للمضي قدماً، ووقتت قناة «العربية» تسريباتها الخاصة بجولة بشار الأسد رفقة «مستشارته» لونا الشبل في الغوطة الشرقية، بما تضمنتها من كلام مخجل، مع الذكرى السنوية، لتذكير السوريين بحجم الإنجاز الذي تحقق بالتخلص من نظام التفاهة الأسدي، ليترك للمعلقين إجراء المقارنة المضمرة مع «رئيس المرحلة الانتقالية» وهي لصالح الثاني بكل المقاييس. وربما كان من طرائف أخبار وسائل الإعلام هذه خبر عن «أكبر اجتماع شعبي في مدينة القرداحة منذ سقوط النظام المخلوع»! للاحتفال بالذكرى السنوية. فبغض النظر عن علاقة أهالي القرداحة مع النظام المخلوع، من الصعب أن يقتنع المرء بأنهم راضون بالحكام الجدد، وبخاصة بعد مجازر الساحل في شهر آذار الفائت، والانتهاكات المتفرقة التي لم تتوقف إلى اليوم، دع عنك أن يحتفلوا!

ويركز مؤيدو السلطة، في جردة الحساب لعام من حكمها، على ما يصفونه بالإنجازات، ويحتل مركز الثقل فيها أمران، الأول «تحرير سوريا» من نظام الأسد، والثاني «الإنجازات الدبلوماسية الباهرة» بالانفتاح على المجتمع الدولي والنجاح في «إقناعه» برفع العقوبات، كما في إسقاط صفة الإرهاب عن هيئة تحرير الشام وأبرز قادتها.

«التحرير» موضوع خلافي بين السوريين. لا بد من الاعتراف أن هناك فئة من السوريين تطابق بين سقوط النظام و»التحرير» المنسوب إلى تحالف ردع العدوان بقيادة هيئة تحرير الشام وأحمد الشرع بالذات. هذه الفئة متمسكة بالسلطة القائمة مدفوعة غالباً بالخوف من العودة المحتملة لنظام الأسد. ومن أجلهم نشرت «رويترز» تقريراً جديداً بشأن مجموعتين من «الفلول» تعمل على التحضير لعمل عسكري بهدف استعادة السلطة، واحدة بقيادة ضابط المخابرات السابق كمال حسن، والثانية بقيادة رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، مع «غرف عمليات سرية» وملايين الدولارات لتجنيد علويين، ومستودعات سرية في الجبال خزن فيها النظام السابق كميات من الأسلحة!

لا تتعلق هذه الملاحظة بتكذيب محتويات التقرير، بقدر ما تتعلق بالتضخيم الإعلامي لخطر مفترض يهدف إلى «رص الصفوف» في التمسك بسلطة دمشق بصرف النظر عن أدائها، ومحاولة لإسكات أي نقد موجه إليها. إذ أن هناك ما يشبه الإجماع لدى السوريين، بمختلف اصطفافاتهم، في أن النظام المخلوع قد انتهى إلى غير رجعة. العلويون بصورة خاصة دفعوا ثمناً باهظاً بعد «تمرد الفلول» بقيادة مقداد فتيحة في شهر آذار، وكان تمرداً محدوداً تمكنت السلطة من احتوائه بسهولة. فلا أحد يريد تكرار تلك التجربة حتى لو أطلق كمال حسن ورامي مخلوف أو أحد غيرهما تمرداً مشابهاً. بالمقابل لاقى نداء الشيخ غزال غزال للتظاهر السلمي، ودعوته لنظام فيدرالي تجاوباً واسعاً يمكن الاستدلال به للإشارة إلى مدى المظالم التي تعانيها الطائفة من انتهاكات يومية وصرف من الوظيفة الحكومية وإذلال على يد فصائل محسوبة على وزارة الدفاع. ولا يمكن لفقاعات إعلامية كـ»احتفال» أهالي القرداحة المزعوم أن تغطي على حجم الاستياء في صفوف العلويين الذي عبرت عنه تلك المظاهرات السلمية.

أما بشأن «الإنجاز الدبلوماسي الكبير» فمن الغريب نسبه إلى براعة مفترضة للشرع والشيباني في «إقناع» الدول. فبصرف النظر عن قدراتهما الشخصية بهذا الخصوص، لا تقوم العلاقات بين الدول على هذا الأساس، وإن كانت الصفات الشخصية مما قد يعزز أو يقلص الاستفادة من الفرص المتاحة. لم يعد سراً أن عملية «إعداد» هيئة تحرير الشام وتأهيلها قد بدأت قبل سنوات من قبل البريطانيين، فلم يفاجأ أحد بزحفها نحو دمشق، في أعقاب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله مباشرةً، إلا جمهور السوريين بمختلف تموضعاتهم السياسية. ولم تمض إلا أيام قليلة إلا وبدأت الوفود الدولية تأتي إلى دمشق للـ»تعرف» إلى السلطة الجديدة والتعبير عن «توقعاتها». كذلك ليس سراً دور ولي العهد السعودي في إقناع الرئيس الأمريكي بالتعاطي المباشر مع أحمد الشرع وصولاً إلى استقباله في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. ثم إن كل العلاقات الدبلوماسية للسلطة الجديدة مع المجتمع الدولي هي أعباء عليها أكثر من كونها مكاسب، فهي تثقلها بمطالب تلك الدول ذات المصالح المتباينة، فضلاً عن علاقة بعضها بالشؤون الداخلية. فعلى هذه السلطة أن ترضي واشنطن وموسكو في الوقت نفسه، وأنقرة وتل أبيب معاً، مع تدخل إسرائيل في شأن الدروز في الجنوب، وتركيا في شأن قوات سوريا الديمقراطية من جهة، وفي شأن فصائل «الجيش الوطني» في مناطق انتشار القوات التركية من جهة أخرى. كل هذا في كفة، ومهمة مكافحة الإرهاب في إطار التحالف الدولي لمكافحة داعش في كفة ثانية ثقيلة جداً لأن هذه المهمة تنطوي على مخاطر اقتتال داخل صفوف فصائل يدين لها أحمد الشرع بتنصيبه رئيساً لسوريا في «مؤتمر النصر» وما زالت خارج سيطرة دمشق على رغم انضوائها نظرياً في إطار وزارة الدفاع.

إذا كان ثمة إنجاز للسلطة خلال العام المنصرم من حكمها فهو الإنجاز الإعلامي الذي نجح إلى حد كبير في خلق جمهور موال وفي صناعة كاريزما للشرع لدى فئات واسعة من الجمهور. لكنه يبقى إنجازاً هشاً ما لم يتم تعزيزه بتحسن ملموس في الشروط الحياتية للبيئة الموالية، أما البيئات المعارضة فيحتاج الأمر إلى عقل دولة لا يبدو أنه متوفر إلى الآن لدى السلطة القائمة.

القدس العربي

——————————

 مركز أبحاث أميركي يرصد مسار سوريا بعد سقوط الأسد ويحدد أبرز مخاطر المرحلة

ربى خدام الجامع

2025.12.09

بعد عام على انهيار نظام الأسد، يقدم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأميركي قراءة معمّقة لمرحلة انتقالية شديدة الحساسية تحدد مستقبل سوريا. فبرغم تراجع العنف، والانفتاح الدبلوماسي، والتحسن الاقتصادي النسبي عقب رفع العقوبات الأميركية، يرى المركز أن نافذة التحول الديمقراطي ضيقة ولا يمكن الركون إلى دوامها ما لم تتخذ الحكومة خطوات عاجلة لتثبيت الاستقرار.

توثّق زيارة فريق المركز إلى دمشق صورة معقدة تجمع بين الأمل الشعبي واتساع حرية التعبير من جهة، وبين تحديات بنيوية من جهة أخرى، أبرزها هشاشة البيئة الداخلية، تصاعد الانقسامات الطائفية، وبروز نفوذ “حكومة الظل” داخل مؤسسات الدولة. كما تشير الدراسة إلى فجوة متزايدة بين الحكومة والمواطنين، وبطء إعادة الإعمار، رغم الحراك الاستثماري الخليجي والعلاقات الدولية التي تسعى الحكومة لترسيخها.

يحذّر المركز من أن نجاح الانتقال مرهون بقدرة الحكومة على تقديم رؤية واضحة، وتوسيع قاعدة الحكم، وتعزيز المصالحة والعدالة، والوفاء بالاحتياجات اليومية للسوريين. فبينما يفتح الانفتاح الخليجي والتحولات الإقليمية نافذة نادرة لـسوريا جديدة، فإن عدم معالجة التوترات المجتمعية وتمركز السلطة وبطء الإصلاحات قد يجعل هذه النافذة قصيرة العمر، ويقوّض فرص الاستقرار على المدى الطويل.

وتتناول الدراسة الأميركية تحديات المرحلة الانتقالية في عموم البلاد، لكنها تتجاهل بشكل لافت تناول قسد أو البنية العسكرية والسياسية القائمة في شمال شرقي سوريا، مكتفية بإشارات عامة إلى مناطق سيطرة الكرد دون الخوض في مستقبل الإدارة الذاتية أو شبكة التحالفات التي تحكم وجودها.

يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار التغطية الصحفية للواقع السوري بعد عام على سقوط الأسد، لذا لا يعتبر نشرها تبنياً لموقف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي تجاه سوريا أو تماهياً مع مقترحاته المطروحة.

بعد عام على انهيار نظام الأسد، ما يزال مصير العملية الانتقالية معلقاً ما بين أمل الشعب السوري الصامد والتحديات الجسيمة التي فرضتها سنوات من النزاع المدمر وعقود من الحكم الاستبدادي، بيد أن النافذة المشرعة أمام تحقيق عملية انتقال ناجحة لن تظل مفتوحة على مصراعيها على الدوام، لذا يتعين على الحكومة الانتقالية حتى يكون النجاح حليفاً لها أن تعطي الأولوية لمساعيها في نزع فتيل التوتر الطائفي، وتوسيع سلطات الحكم خارج الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري أحمد الشرع، ومضاعفة الجهود لكسب مصداقية للحكومة في الداخل، وهنا يلعب أصحاب المصلحة من الدول الخارجية وخاصة في الخليج دوراً مهماً وذلك عبر تأكيد شفافية المساعدات والجهود المبذولة للاستثمار في سوريا، مع ضمان سلامتها وصحتها من الناحية الفنية والتنسيق لها بشكل جيد.

في أواسط شهر تشرين الثاني، أمضى فريق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بضعة أيام في دمشق وما حولها، حيث التقينا بعدد كبير من أصحاب المصلحة، بينهم مسؤولين في الحكومة السورية الانتقالية وممثلي منظمات المجتمع المدني السوري والمنظمات الإنسانية والساعية لترسيخ الاستقرار، ووكالات الأمم المتحدة وصحفيين ومستثمرين سوريين وخليجيين. وكان من بين السوريين الذين التقينا بهم أشخاص عاشوا في دمشق طوال فترة النزاع، وآخرون انتقلوا من محافظة إدلب إلى العاصمة بعد الإطاحة بالأسد، وغيرهم ممن عادوا من دول الجوار والشتات.

يبدي أغلب السوريين تفاؤلهم بالمستقبل، فلقد سارعت الحكومة الجديدة لإقامة علاقات مع كبرى دول العالم لإنهاء العزلة الدولية التي فرضت على سوريا، ووصلت تلك الحملة إلى ذروتها عندما أصبح أحمد الشرع أول رئيس لسوريا يزور المكتب البيضاوي في تشرين الثاني 2025. كما تراجع العنف في البلد، إذ انخفض لأدنى مستوى قياسي له في تشرين الثاني 2025، وبعد أن أعلن الرئيس ترامب عن رفع العقوبات عن سوريا، تحسنت الظروف الاقتصادية فيها. كما دعمت الحكومة إمدادات الكهرباء في أهم المراكز بالمدن، وأعلن صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد السوري بدأ يُظهر أمارات التعافي بعد زيارة فريقه لدمشق. أي أن هنالك فرصة سانحة أمام الاستثمار في كل تلك الأمور الإيجابية لوضع سوريا على مسار الاستقرار.

انهيار الأسد والفرص التي فتحها رحيله

فُتحت صفحة جديدة في تاريخ سوريا، بعد أن أنهى الهجوم الخاطف الذي خلا من الدماء والذي شنته هيئة تحرير الشام في كانون الأول الماضي حكم آل الأسد الاستبدادي الذي امتد لخمسة عقود ونيف، ما مهد الطريق أمام بناء “سوريا جديدة”. أي أن سقوط الأسد خلق فرصاً حقيقية أمام التغيير والإصلاح في البلد، كونه مكن الشعب السوري من السعي لبناء سوريا للجميع، حيث يمكن لكل أبناء وبنات هذا الشعب الغني بتنوعه أن ينجحوا ويحققوا الازدهار. وكانت للحكومة الانتقالية بصمة دبلوماسية ناجحة بشكل لافت، بعد أن أقامت علاقات مع أهم القوى الإقليمية والدولية. ولهذا فإن هنالك عناصر كثيرة للعملية الانتقالية في سوريا تبعث على الأمل في الداخل، وأولها صمود الشعب السوري، ووجود مستوى غير مسبوق من حرية التعبير والاجتماع، والاستعداد بشغف كبير للتعلم من تجارب العمليات الانتقالية الأخرى، مع حسن طوية أبداها أهم أصحاب للمصلحة، وخاصة في الخليج. وعليه، فإن هذه الفرص تعد مفتاح نشر الاستقرار في سوريا، وما يترتب على ذلك من آثار إيجابية على المنطقة ككل.

حرية التعبير والمجتمع المدني النابض بالحياة

فور عودتنا إلى دمشق للمرة الأولى منذ عام 2011، فوجئنا بالمستوى الكبير من حرية التعبير بلا أي وجل من التبعات والعواقب أو أي تخوف من وجود عنصر مخابرات يترصد في كل مكان، فكل من التقينا بهم تحدثوا بصراحة عن آمالهم وخيباتهم في الحكومة الحالية. وصارت ثلة متنوعة من منظمات المجتمع المدني تجتمع بشكل دوري لتجري مناقشات حية في صالون بيت فارحي، وهي دار عربية تعود للقرن التاسع عشر سكنتها عائلة دمشقية مرموقة من يهود السفارديم، وتقع تلك الدار في المدينة القديمة بدمشق. وفي أحد المؤتمرات التي أقيمت للمؤثرين السوريين، وعند مطالبة أحد مسؤولي الحكومة المؤثرين والمؤثرات بإظهار التقدم الذي تحقق في سوريا، رد أحد صناع المحتوى بالقول بإنه لا يعنيه “التطبيل للحكومة”، بل إظهار وجه سوريا الحقيقي والتحديات التي تكتنفها. وفي أثناء المسير في سوق الحميدية بدمشق عصر أحد الأيام، وبخ أحد الأصدقاء السوريين عناصر الأمن الذين يرتدون الزي الأسود المعروف ويحملون بنادق كبيرة وذلك لأنهم منعوا وصول الناس إلى أحد المعالم التاريخية الشهيرة في تلك المدينة، بسبب وجود مسؤول رفيع المستوى هناك، إذ قال لهم ذلك الصديق: “لماذا تقطعون الطريق؟ إننا لم نتخلص من ديكتاتور لنأت بآخر”، فما كان منهم إلا أن تعاملوا بأدب مع تلك الشكوى على الرغم من رفضهم لما قاله، وهكذا تابعنا طريقنا لتناول طعام الغداء. أما في سوريا الأسد، فيرجح القبض على شخص كهذا، ثم اختفاؤه إلى الأبد.

يبدي السوريون أيضاً صموداً وعزماً على إعادة بناء حياتهم، فمن يملك القدرة المالية على القيام بذلك بدأ لتوه بإعادة بناء بيته، حتى وسط دمار مطبق أو في ظل عدم توفر الخدمات العامة الأساسية، وفي عدة أماكن، شاهدنا ذلك المشهد المؤثر لقطع الإسمنت التي وضعت منذ فترة قريبة وسط ركام أبنية يبدو أنها غير صالحة للسكن، كما بدأ المتطوعون بإزالة الردم، في حين أطلق أصحاب المشاريع مبادرات لإعادة تدوير نحو أربعين مليون طن من الركام الإسمنتي في عموم البلد، وذلك لأن: “الردم يدر مالاً” كما أخبرنا أحد السوريين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على روح المبادرة والمغامرة لدى الشعب السوري. كما أن حملات جمع التبرعات التي حظيت بترويج إعلامي كبير في عدة مدن سورية تمكنت من جمع ملايين الدولارات من أجل إعادة الإعمار، وكان من بين المتبرعين مغتربون، فقد أثبت هؤلاء بأنهم أحد العناصر المهمة لانتعاش سوريا وتعافيها، بما أن المستثمرين من المغتربين يرفدون النشاط الاقتصادي في المجتمعات التي لا تصلها المساعدات الدولية.

الدروس المستفادة

عمل مسؤولو الحكومة السورية الانتقالية على دراسة عمليات انتقالية أخرى، وتحدثوا عن “الدروس المستفادة” من لبنان ورواندا وجنوب أفريقيا، ناهيك عما تعلموه من تجربة الإخوان المسلمين في مصر في عام 2011 بما أن تلك التجربة تعطي لمحة وافية عما تعلموه، إذ ذكروا أن الإخوان المسلمين في مصر كانوا من السذاجة بدرجة دفعتهم لارتكاب خطأ في تقدير مكانتهم بين أبناء وبنات الشعب المصري، وذلك عندما اعتقدوا أنهم يتمتعون بشعبية أكبر من شعبيتهم على أرض الواقع بكثير، وذلك لأن نسبة كبيرة من الشعب المصري لا تؤيد الإخوان، وهذا ما جعل مسؤولي الحكومة السورية يشددون على أهمية كسب دعم الشعب السوري وتأييده، وذلك عبر كسب ثقته، والمخيف في هذا السياق حديثهم عن وصول الحكومة السورية الجديدة إلى السلطة بالقوة العسكرية وعلى يد مقاتلين متمرسين، مما جعلهم لا يخشون من قدرة الجيش على الإطاحة بالحكومة الجديدة، كما حدث مع الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

الدور الخليجي

تحتل سوريا المستقرة موقعاً محورياً في رؤية الدول الخليجية للتنوع الاقتصادي وللشرق الأوسط الجديد القائم على نوع من الاندماج على المستوى الاقتصادي بحيث يتم مد الجسور من الخليج إلى أوروبا عبر بلاد الشام، خاصة بعد تخلص تلك الدول من ألد خصومها خلال النزاع السوري. واليوم، أصبح أصحاب المصلحة في الخليج، وخاصة في السعودية وقطر، يلعبون دوراً بناء في سوريا وذلك عبر التركيز على نشر الاستقرار فيها، فضلاً عن الدعم المادي الذي قدمته تلك الدول لدفع رواتب موظفي القطاع الحكومي، والعمل على ترسيخ الحكومة الجديدة في سوريا. ولقد أسهم الدعم الخليجي لقطاع الطاقة السوري في تحسين إمدادات الكهرباء في أهم مراكز المدن، حتى مع استمرار معاناة السوريين من أسعار الكهرباء المرتفعة. كما قدمت العناصر الفاعلة الخليجية مساعدات إنسانية عاجلة لسد أي فراغ يحصل في هذا المضمار، ومن بين تلك المساعدات تلك التي وُجهت لمناطق الساحل السوري عقب حرائق الغابات.

وبخلاف ما حدث أيام النزاع، أصبحت الجهات المانحة الخليجية اليوم تسعى لتنسيق مساعداتها التنموية مع الأمم المتحدة، آخذة بالحسبان الحاجة لوجود خبرات تقنية عالية في البيئة السورية المعقدة بعد النزاع. كما تلعب تلك الدول دور الجسر بين الأمم المتحدة والحكومة الانتقالية التي ما برحت تضمر شكوكاً تجاه وكالات الأمم المتحدة والدور الذي لعبته أيام حكم الأسد. لذا وبدلاً من تشتت الدعم، أعلن دبلوماسي خليجي من دمشق عن رفد سوريا بالمساعدات عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ولكن بعض المسؤولين في المنظمات غير الحكومية تبرموا من ذلك بسبب صعوبة التعامل مع الجهات المانحة الخليجية، وعللوا ذلك ببطء الرد، وضرورة وجود علاقات شخصية قبل كل شيء.

تتبنى دول الخليج نهجاً يركز على الاستثمار في سوريا، وهذا النهج يتقاطع مع استراتيجية الحكومة الانتقالية ويتعشق بها، غير أن بعض المشاريع الاستثمارية المقترحة مثل مشروع ميترو دمشق ما تزال غير محبذة في هذه الفترة الهشة بما أن 70% من الشعب السوري ما يزال يعتمد في معيشته على المساعدات الإنسانية.

هل المرحلة الانتقالية في خطر؟

ثمة عدد من العقبات التي يمكن أن تعترض سبيل نشر الاستقرار في سوريا، إذ إن حالات الفتنة الطائفية الكبيرة تؤكد على عمق حالة التشكيك بالعملية الانتقالية بين شريحة متنوعة من الشعب السوري، ناهيك عن أن البلد مايزال مقسماً. ثم إن الخبرة المحدودة للحكومة الانتقالية في مجال التعددية والسيطرة اللامركزية يمكن أن تدفع سوريا نحو أحضان الاستبداد من جديد. وفي الوقت ذاته، فإن التوقعات الشعبية التي لم تتحقق في مجال التعافي والانتعاش قد تؤدي للوصول إلى مستويات خطيرة من التشكيك والانتقاد والسخرية، بل وحتى لتجدد النزوح من سوريا. وهذه التحديات في حال عدم معالجتها يمكن أن تحول سوريا إلى مصدر لانعدام الاستقرار من جديد في المنطقة كلها.

حالات التوتر الطائفي 

ما تزال العملية الانتقالية في سوريا هشة وتكتنفها تحديات تهدد بحرف البلد عن مساره في حال عدم معالجتها، إذ منذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 3400 إنسان في أحداث عنف طائفي، كان آخرها في حمص حيث وقعت أعمال عنف بين السُّنة والعلويين. وموجة العنف الواسعة التي استهدفت العلويين في الساحل خلال شهر آذار والاشتباكات بين البدو السنة والطائفة الدرزية في السويداء في شهر تموز الماضي تؤكد عمق الانقسامات في المجتمع السوري، كما أن حالات الظلم الصريحة التي تظهر في التعامل اليومي بين الناس تبدو مقلقة هي أيضاً وتذكر المرء بمدى تفسخ النسيج الاجتماعي السوري. إذ خلال تناولنا لطعام الغداء في أحد المطاعم الدمشقية الفاخرة، حدثنا أحد الزملاء عن حادثة تعرضت فيها نادلة علوية لمضايقة من زبون سني وذلك عندما رفض تقديمها للخدمة له، وذكرت صحفية علوية تعرضها لتشويه في سمعتها عندما وصفت بأنها من فلول النظام البائد، على الرغم من أنها كانت تدعم بالسر الإعلام المستقل أيام حكم الأسد.

تسببت أحداث الفتنة الطائفية بانتكاس المساعي التي تحاول دمج مناطق سيطرة الأقليات، وخاصة في شمال شرقي سوريا حيث يسيطر الكرد، وفي السويداء الخاضعة لسيطرة الدروز في الجنوب، إذ يمكن القول بإن التقدم في عمية الدمج قد توقف في أحسن الأحوال، نظراً لغياب الثقة بين الحكومة الانتقالية وزعماء الأقليات، وفي ظل غياب التدابير اللازمة لبناء الثقة بهدف ضمان مشاركة الأقليات، يمكن أن تصبح سوريا أكثر عرضة للتدخل الخارجي بعد أن متنت الأقليات علاقاتها بعناصر فاعلة خارجية.

حكومة الظل

تسبب الانهيار السريع لنظام الأسد على يد هيئة تحرير الشام بتدفق كبير للموظفين البيروقراطيين الذين كانوا مقيمين في إدلب، وهكذا نزل الآلاف ممن عملوا لدى الحكومة المحلية بإدلب إلى دمشق ليتولوا مناصب في مختلف الوزارات، كما شكلوا تكتلهم السلطوي داخل الحكومة الانتقالية. وفي ظل هذه المنظومة الناشئة، تركزت السلطة بأيدي قلة من الناس لم يعلن عن مناصبهم الرسمية كما لم يتولوا حقائب وزارية، وهذا ما جعل كثيرين يصفون هؤلاء بـ”حكومة الظل”. إذ في بعض الوزارات، تتركز السلطة الحقيقية بيد عناصر من حكومة الظل هذه، فمثلاً، ثمة من يقول بإن هنالك إعادة هيكلة للاقتصاد السوري تديرها لجنة سرية مؤلفة من أفراد يحملون أسماء وهمية، بدلاً من هؤلاء الذين يشغلون مناصب رسمية.

بالعموم، يمكن القول بإن هذا التدفق الإدلبي تسبب بظهور مشكلتين رئيسيتين وهما: صراع ثقافي مع أهالي دمشق بعد اصطدام أهالي إدلب المتشددين دينياً بنسبة أكبر من الدمشقيين بثقافة دمشق القائمة على التعددية، كما أن تشددهم في إتباع تعاليم الإسلام لم يتوافق مع الإلتزام الليبرالي بالدين الإسلامي الذي يبديه الدمشقيون. أما التحدي الثاني فيتمثل بالشقاق الذي ظهر بين ما يسمى بـ”أبناء الثورة” الذين خاضوا المعارك لإسقاط الأسد وغيرهم ممن لم يشاركوا في القتال بصورة مباشرة. وهذا ما جعل بعض الأدالبة الموجودين في دمشق يشعرون بالتفوق مع مطالبتهم بمعاملة خاصة في بعض الأحيان ، وقد تجلى ذلك في مرة من المرات برفض أحدهم دفع مخالفة مرورية. إلا أن الحكومة أعلنت عن سعيها لمكافحة الفساد، حيث أمر أحمد الشرع في آب الماضي بإغلاق مكتب شقيقه الأكبر بعد أن اتهم باستغلال اسم عائلته لتحقيق مصالح شخصية.

تمركز السلطة

بعيداً عن النفوذ الإدلبي الساحق، تركزت السلطة داخل الحكومة الانتقالية الجديدة في شخص الرئيس ووزارات سيادية معينة، وهنالك دائرة ضيقة مقربة من السلطة العليا في الحكومة تتمتع بقدر كبير من السلطات، فقد ظهرت وزارة الخارجية على وجه الخصوص كمركز مهم للسلطة، كونها نصبت ممثلين عنها في كل الوزارات كما عينت أتباعاً لها في كل المحافظات والمناطق بسوريا، وهذا ما أثار قلق أحد المراقبين والذي رأى في ذلك نواة لتشكيل خليفة لحزب البعث. وعلى الرغم من أن مسؤولي الحكومة يتحدثون عن خططهم لإقامة نظام سياسي قائم على مشاركة أكبر، يصف ناشطون من المجتمع المدني مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في شباط 2025 وانتخابات مجلس الشعب “بالمسرحية الهزلية”، خاصة بعد عدم صدور أي تلميح من الحكومة بخصوص موعد منحها تراخيص للأحزاب السياسية.

البناء في دولة أفرغت من مضامينها

ورثت الحكومة الانتقالية بيروقراطية أفرغت من محتواها بعد عقود من المحسوبية والحكم الاستبدادي، إذ يخبرنا أحد عناصر هيئة تحرير الشام أنهم لدى وصولهم إلى وزارة الخارجية، وجدوا طبقات من الغبار قد كست المكاتب التي بقيت لسنوات بلا أي عمل، كما بقي مركز الدراسات الاستراتيجية مدمراً طوال خمس سنوات، وهنالك وزارات بأكملها لم يكن يعمل فيها سوى موظف واحد أو موظفين. ولهذا أطلقت الحكومة الجديدة عملية ناجحة للبحث عن الكفاءات في الخارج، وهدفها استقطاب أصحاب المهارات العالية الذين يقيمون خارج البلد وذلك حتى يشغلوا مناصب مهمة داخل البلد. إلا أن هذه العملية تعوزها الشفافية نظراً لعدم الإعلان بشكل صريح عن وجود شواغر في تلك المناصب، ويخبرنا المعارضون بأن السلطة لا تعين في هذه المناصب إلا من تربطهم علاقات مع هيئة تحرير الشام أو من “يمكن السيطرة عليهم” والتحكم بهم.

عملية إعادة إعمار بطيئة وغير متكافئة

ما تزال معظم أنحاء سوريا ترزح تحت الحطام، كما أن الخدمات العامة لا تصل لأجزاء واسعة من البلد، وخاصة في الريف. وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن كلفة إعادة إعمار سوريا تصل إلى 216 مليار دولار، بيد أن سقوط الأسد تزامن مع انهيار المساعدات الدولية، ما يعني بأن عمليات إعادة الإعمار ستبقى أدنى من المطلوب إلى حد كبير، فخطة الاستجابة الإنسانية التي قدمتها الأمم المتحدة لسوريا والتي خصصت لها 3.2 مليارات دولار لم يصلها تمويل إلا بنسبة 25% فقط، وفي ظل هذا الطلب الهائل على إعادة الإعمار، ترتفع أجور عمال البناء المهرة بشكل كبير، ولا تتوفر معدات البناء المتخصصة. وتشتكي بعض المنظمات التي تحاول تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار من القيود الخانقة التي تفرضها الحكومة الانتقالية ومن تركز السيطرة في يدها بشكل واضح، كونها لا تمنح الموافقة لتلك المشاريع، وهذه العقبات أحبطت السوريين الذين علقوا آمالاً كبيرة على الحكومة الجديدة وقدرتها على تسريع وتيرة إعادة الإعمار.

وبالمقابل، فإن غياب إعادة إعمار يؤخر عودة اللاجئين، إذ منذ أيلول 2025، أصبح أهم ما يمنع اللاجئين في دول الجوار من العودة هو عدم توفر مساكن تؤويهم، وذكر بعض السوريين بأن الوقت مايزال مبكراً على عودة اللاجئين بما أن سوريا ما تزال تعاني نقصاً في المساكن وضغطاً كبيراً على الخدمات العامة، غير أن البطء في عودة اللاجئين يفاقم خطورة التحديات التي تكتنف عملية إعادة الإعمار، بما أن أغلب من يتمتعون بالمهارات المطلوبة لتنفيذ عمليات إعادة الإعمار مايزالون غير راغبين بالعودة.

قصور في التعاطي مع الشعب في الداخل

تحدث كثير ممن أجرينا مقابلات معهم عن خيبة أملهم بالحكومة، واستشهدوا بوجود بون شاسع ما بين التواصل الكبير الذي أجرته الحكومة الانتقالية مع العناصر الفاعلة الدولية، وفشلها في التواصل مع جمهورها في الداخل، فقد ألقى الشرع عدة خطب وجهها للشعب السوري منذ توليه السلطة، وركز فيها على بناء الشرعية مع العناصر الفاعلة الدولية. ولقد كنا في زيارة لدمشق في أثناء زيارة الشرع للمكتب البيضاوي، وسمعنا هناك بأن اتخاذه لخطوات مثل الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة أو العمل على خفض النزاع مع إسرائيل يهدد بخلق حالة نفور كبيرة تجاهه بين أوساط جمهوره ومن بينهم الفصائل الأشد تطرفاً التي تتبع لهيئة تحرير الشام.

وعلاوة على ذلك، تهدد الاستراتيجية الخارجية لهذه الحكومة بزيادة توقعات الشعب السوري تجاه حدوث تحسن سريع بمعيشتهم اليومية، قبل أن يحين الوقت لتحقيق ذلك فعلاً، نظراً لفشل هذه الحكومة في تواصلها مع شعبها بشأن وجود تحديات مستمرة تعترض سبيل تحقيق ذلك. إذ في الوقت الذي روجت الحكومة لوصول استثمارات بقيمة 28 مليار دولار إلى البلد في غضون ستة أشهر فحسب، فإن معظم تلك الصفقات لم تتم بعد، وبالنسبة للسوريين الذين يعانون التضخم وضعف الخدمات العامة، وارتفاع نسبة البطالة، فإن الإعلان عن تلك الاستثمارات يخلق حالة من التفاؤل والأمل بشيء لم يتحقق، وهذا ما يحطم مصداقية الحكومة.

توصيات

إن العملية الانتقالية في سوريا هي من سيحدد مصير الشرق الأوسط نظراً للأهمية الجيوستراتيجية التي يتمتع بها هذا البلد بما أنه محور استقرار المنطقة. ويمكن القول إنه بعد مرور سنة على سقوط الأسد، حققت الحكومة الانتقالية تقدماً مهماً، إذ حصدت مصداقية على المستوى الدولي، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تلبية طموحات الداخل السوري، لذا، وحتى يصبح النجاح حليفاً لها، يتعين على الحكومة الانتقالية أن تستعرض الإنجازات الملموسة التي حققتها في مجال إعادة الإعمار والمصالحة والحكم الرشيد.

كما يجب على الحكومة الانتقالية أن تتخذ الخطوات التالية لتحقيق النجاح في العملية الانتقالية، وهي:

    الإعلان عن رؤية واضحة لمستقبل سوريا: إذ يجب على الحكومة الانتقالية أن تزاوج ما بين رؤيتها واستراتيجيتها القائمة على التعامل والتواصل على عدة مستويات بحيث تمد يدها للشعب السوري كله على اختلاف قومياته وطوائفه وتنوعها، كما يجب على أحمد الشرع أن يعتمد على دعوته لتوحيد سوريا وأن يبني عليها وذلك عبر التوجه بخطابات دورية للشعب كله، وقد تحدث أحدهم عن إمكانية استفادة الحكومة الانتقالية من أسلوب زيلينسكي في الخطابة عبر تبني الشرع لهذا الأسلوب.

    الخروج بخطة انتقالية ذات معايير وجدول زمني ومخرجات واضحة تشمل الحكومة كلها: يكتنف النهج الحالي مخاطر وتشوشاً كبيراً، في وقت تحتاج البيئة السورية المعقدة بعد النزاع إلى خطة انتقالية قائمة على تنسيق عال تشمل الحكومة بأكملها، وهذه الخطة يجب أن تحدد الأهداف الرئيسية لكل قطاع إلى جانب تحديد معايير ومؤشرات قابلة للقياس، بالإضافة إلى تحديد جداول زمنية منطقية لتنفيذ تلك الخطة. كما لا بد من الخروج بخطة واضحة لتقسيم العمل بين الوزارات تفادياً لأي تكرار أو قيود، مع تعيين قيادات فنية واضحة تتمتع بسلطة تمكنها من تنفيذ تلك الخطط.

    توسيع سلطات الحكم خارج نطاق الدائرة الإدلبية الضيقة بما يمكن مجموعة أوسع من التكنوقراط من العمل في مختلف الوزارات: ويمكن لتلك الجهود أن تشتمل على عملية استقطاب للتكنوقراط المهرة العائدين من الغربة، وتشكيل طبقة جديدة من الخبراء الفنيين القادرين على إعادة بناء البلد، مثل إقامة وكالة حكومية سورية للخدمة المجتمعية (على غرار الوكالة الحكومية الأميركية) تعمل على استقطاب طيف واسع من السوريين بهدف بناء سوريا الجديدة.

    إعطاء الأولوية للحوار ولمساعي المصالحة على مستوى المجتمع: ويشمل ذلك الاستفادة من قطاع المجتمع المدني السوري الذي ينبض بالحياة والذي توسع كثيراً وذلك للبناء على تجارب المصالحة بعد النزاع المستفادة من بيئات أخرى. كما يمكن للحوار العابر للطوائف والذي يركز على الاحتياجات المشتركة أن يسهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي في المجتمعات المختلطة. كما من الضروري مساعدة المنظمات غير الحكومية السورية على رأب الصدع في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، بما أن ذلك كان ضرورة منذ أيام حكم الأسد.

    الخروج بآليات شفافة للعدالة الانتقالية قابلة للمساءلة: لابد من معالجة الصدمات والجراح الغائرة التي خلفها نظام الأسد حتى تترسخ المصالحة في البلد، إذ لا وجود لسلام بلا عدل، ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال السعي لتحقيقه عبر سبل نزيهة وشفافة وقابلة للمساءلة والتي تشمل تدابير قضائية وغير قضائية لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت على نطاق واسع، وكذلك جرائم الحرب والانتهاكات التي ارتكبت بشكل كبير خلال الحرب والحكم الاستبدادي. وإن المحاكمة التي أقيمت منذ فترة قريبة في حلب بخصوص العنف الطائفي الذي استهدف العلويين في الساحل تمثل خطوة أولى مهمة على هذا الطريق، ولكن حتى يتعافى البلد كله وتشفى جراحه، لابد من محاسبة المجرمين على ما ارتكبوه من جرائم خلال حكم الأسد. يذكر أن إدارة ترامب اتخذت قراراً تاريخياً يقضي برفع العقوبات عن سوريا ومنحت الحكومة الجديدة فرصة لإنعاش سوريا، ولتحقيق الوعد الذي قطعته من خلال استراتيجيتها القائمة على نشر الاستقرار من خلال الاستثمار في سوريا، يجب على الولايات المتحدة القيام بالآتي:

    إعادة فتح السفارة الأميركية بدمشق: لإبداء الالتزام بنشر الاستقرار في سوريا، وتمتين قنوات التواصل مع كبار المسؤولين في الحكومة السورية، ولتسهيل التعامل مع رواد الأعمال السوريين ومنظمات المجتمع المدني.

    تشجيع مسؤولي الحكومة السورية على إقامة بيئة استثمارية ملائمة: فبالتعاون مع مؤسسات مجموعة البنك الدولي مثل المؤسسة المالية الدولية والوكالة متعددة الأطراف لضمان الاستثمار، يتعين على الولايات المتحدة تشجيع قانون الاستثمار الجديد على تعزيز الشفافية في الاستثمارات الدولية وتسهيل تعامل القطاع الخاص في مجال إنعاش سوريا وتعافيها مع الابتعاد عن إعادة تشكيل رأسمالية المحسوبية التي كانت سائدة في حقبة الأسد.

    دعم مساعي الأمم المتحدة في تنسيق جهود الجهات المانحة الدولية: إذ من دون وجود منصة فعالة لتنسيق جهود الجهات المانحة، ستصبح مساعي إعادة الإعمار محكومة بضعف الكفاءة والفاعلية وبالتكرار كما يمكن أن تفشل فشلاً ذريعاً، لذا حتى تنجح مساعي نشر الاستقرار في سوريا، لابد للمساعي الوليدة التي تبذلها الأمم المتحدة أن تعمل على إنشاء منصة مخصصة لكبار الجهات الداعمة بحيث تتعاون تلك الجهات سوية على حل المشكلات الرئيسية إلى جانب تنسيق عملياتها وأمور تمويلها.

    الضغط على الحكومة لتلتزم بالتعددية السياسية: إن سن قانون يشرعن وجود أحزاب سياسية من شأنه ترسيخ الحريات السياسية التي لا تنالها الشعوب إلا بشق الأنفس، كما يمكن لذلك أن يعزز عملية التمثيل، وأن يساعد على تفادي ظهور حالات أخرى تسهم في زعزعة استقرار البلد بسبب العنف بين الطوائف، بما أن الاستقرار السياسي عنصر أساسي لنجاح أي استراتيجية تعتمد على الاستثمار.

    تسهيل قيام اتفاق مع السويداء: وهذا يتطلب الضغط على الزعماء المحليين وعلى الحكومة السورية بهدف التوصل إلى اتفاق حول اللامركزية، مع ضمان جاهزية الجانب الإسرائيلي لوقف تدخلاته عبر الحدود، والعودة لتنفيذ اتفاق فض الاشتباك الموقع في عام 1974.

 تلفزيون سوريا

—————————————

سورية خارجياً في عام/ عمر كوش

09 ديسمبر 2025

إن كان من الممكن تقديم جردة حساب في سورية، بعد مرور عام على الخلاص من نظام الاستبداد، فإن مياهاً كثيرة جرت خلاله، وحدثت تغيرات على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث تمكنت السلطة الجديدة من تحقيق عديد من الإنجازات والنجاحات على مستوى السياسة الخارجية.

اللافت أن أولى نتائج إسقاط نظام الأسد تجسّدت في الترحيبين، العربي والدولي، بالخلاص منه، وتجسّدت في الترحيب بالتحوّل الجيوسياسي الذي حدث، وعبّر عنه بتدفق دولي وعربي كبيرين إلى دمشق، التي غدت قبلة وفود عربية وأجنبية عديدة، اختلفت حساباتها وأهدافها ما بين دعم دول الإقليم، وفي مقدمتها قطر وتركيا والسعودية والأردن، غير المشروط للشعب السوري ولإدارته الجديدة، ودعم دول الغرب المشروط للتغيير الحاصل، والذي وصل أحياناً إلى حدّ التدخل بالشأن الداخلي، والمساس بالسيادة السورية، ولا يغيب عن ذلك مطامح النفوذ والسعي إلى الحفاظ على المصالح، كما لم تغب الحسابات الدولية المرتبطة بالتنافس وتثبيت الحضور.

عربياً

أبدت دول الخليج العربي والأردن استعدادها للتعاون مع السلطة الجديدة من أجل المساهمة في تعافي البلاد، ومساعدتها على تأمين حاجيات السوريين المعيشية، وإعادة أعمار ما دمره نظام الأسد، ودعم مشاريع التنمية، وكذلك فعلت تركيا، فيما توجس قادة دول عربية أخرى مما جرى في سورية، ولا يزال الشك يسكنهم حيال نيات التغيير الحاصل فيها، على خلفية تضرر بعض القوى والأنظمة السياسية من التغيير الحاصل، أو خشية آخرين من تأثر دولهم بالنموذج السوري في التغيير، وممكنات نجاحه وانتقاله إليها.

تقاطع الاحتضان العربي والترحيب الدولي مع صورة سورية الجديدة، المغايرة تماماً للتي كانت في العقود الخمسة من نظام الاستبداد، حيث اتبعت السلطة الجديدة نهجاً واقعياً في سياستها الخارجية، قوامه الانفتاح والحوار والتفاهم مع دول العالم والمحيط، وبناء علاقات متوازنة معها، تنهض على تقاطع المصالح، والقطع مع سياسة الدخول في المحاور الدولية المتصارعة، كي لا تشكّل سورية عامل عدم استقرار في المنطقة، في إطار سعيها إلى الحصول على اعتراف دولي، واكتساب شرعية خارجية في ظل مشهد دولي وإقليمي معقد، لم تتفكك عقده برحيل نظام الأسد البائد.

أولت السلطة السورية الجديدة، منذ البداية، أهمية خاصة لعودة سورية إلى محيطها العربي، بالنظر إلى حاجتها الملحّة إلى الدور العربي من أجل تذليل التحديات والعقبات الكثيرة التي تواجهها في المرحلة الانتقالية. وتلاقى مسعاها مع إرادة قادة عرب أيدوا التغيير السوري، خاصة قادة دول الخليج، الذين لم يوفروا جهداً من أجل مساعدة سورية، والعمل على إنجاح التغيير الحاصل فيها ودعم استقرارها، حيث ساهمت تصريحات المسؤولون السوريون بشأن رغبتهم بإقامة علاقات متينة مع الدول العربية، وخصوصاً مع السعودية، وتأكيد رغبتهم في الاستفادة من رؤية السعودية 2030، في إشاعة أجواء إيجابية بين البلدين. ولم تتأخّر السعودية بدورها عن أرسال وفد أمني إلى دمشق، تلاه زيارة وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في ديسمبر/ كانون الأول 2025. أما السلطة السورية فسارعت إلى تأكيد توجّهها العربي عبر زيارة وزير خارجيتها أسعد الشيباني، رفقة وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات، الرياض في الأول من يناير/ كانون الثاني 2025، في أول زيارة خارجية له. تلتها زياراته إلى كل من قطر والإمارات والأردن، ثم  زار وفد برئاسة الشيباني تركيا التي كانت أول دولة أرسلت وزير خارجيتها هاكان فيدان إلى دمشق، وسبقتها زيارة رئيس استخباراتها إبراهيم كالن.

كان لافتاً أن يكون أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أول زعيم عربي يزور دمشق في 30 يناير/ كانون الثاني، بعد تنصيب أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية في سورية، وكانت زيارته بمثابة أول اعتراف دولي بالرئيس الشرع. وعكست الموقف القطري المميز إلى جانب الشعب السوري وثورته، والذي لم يتغيّر منذ البداية حتى سقوط نظام الأسد.

أرسلت السلطة الجديدة رسائل طمأنة عديدة إلى دول الجوار، وتلقف الأردن سريعاً التغير الحاصل في سورية، بالنظر إلى أنه كان يخوض حرباً ضد المخدّرات التي كان كل من نظام الأسد والمليشيات الإيرانية يهرّبونها عبر الحدود السورية مع الأردن، الأمر الذي يفسّر أبرام الأردن اتفاقاً أمنياً مع سورية في أول زيارة لوزير الخارجية السوري إلى عمَّان، في بداية يناير/ كانون الثاني 2025، تضمن تشكيل لجنة أمنية مشتركة لتأمين الحدود، ومكافحة تهريب المخدّرات والأسلحة.

وظّف قادة السعودية وقطر، إلى جانب القادة الأتراك، علاقاتهم المميزة من الإدارة الأميركية مع أجل حثها على قبول التحوّل السوري الجديد، ورفع العقوبات الأميركية عن سورية، وتوّج هذا المسعى في 14 مايو/ أيار الماضي بلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض، وأعلن ترامب إثره رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سورية، ومنحها فرصة كي تتعافى وتستقر.

العدوانية الإسرائيلية

كانت إسرائيل، إلى جانب إيران، أحد المتضررين من التغيير الحاصل في سورية، وقصفت الأصول العسكرية للجيش السابقة منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، فيما راح قادة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل يهاجمون السلطة الجديدة، ويطلقون تحذيراتهم المتكررة لها. وأفضت سلسلة الاعتداءات والتوغلات الميدانية، التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية، إلى احتلال أرض سورية تزيد مساحتها على 450 كيلومتراً مربعاً، إلى جانب القصف الإسرائيلي الذي طاول أماكن سيادية في دمشق، بما فيها محيط القصر الجمهوري، فضلاً عن الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري منذ 1967، وفرض حضوره الأمني على المنطقة الجنوبية، الممتدة من العاصمة دمشق وصولاً إلى الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية من سورية.

لم يكن أمام السلطة الجديدة سوى أن تعتمد النهج الواقعي في سياستها الخارجية في التعامل مع إسرائيل، بغية “كفّ شرّها” كما قال الوزير أسعد الشيباني، فانخرطت معها في مسار تفاوضي، بوساطة أميركية، أسفر عن عقد عدة جولات تفاوضية.

استغلت إسرائيل فائض القوة الذي تملكه من أجل فرض شروطها على سورية المنهكة من إرث نظام الأسد البائد، وهو أمر ترفضه الإدارة السورية الجديدة، حيث تريد إسرائيل إبقاء المنطقة الجنوبية في سورية منزوعة السلاح، وخالية من الوجود العسكري السوري، كي تبقى بمثابة منطقة أمنية، تشرف عليها، وتتذرّع بأنها تريد من هذه المنطقة أن تشكل حزاماً أمنياً لها.

دولياً

أبدت السلطة الجديدة منذ البداية رغبتها في تأسيس علاقات دولية جديدة، قوامها الاحترام المتبادل والمصالح المتقاطعة. وكان الأمل يحدوها في أن يساهم المجتمع الدولي بمساعدتها في إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية المدمّرة، التي يعاني غالبية سكانها من وطأة الفقر الشديد وتبعات النزوح واللجوء. وعبّرت الإدارة الجديدة في أكثر من مناسبة عن أنها ستتّبع سياسة متوازنة في علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، في إطار سعيها إلى تصفير المشكلات معها، والقطع مع سياسة المحاور التي كان يتبعها نظام الأسد، وأفضت إلى تغلغل النظام الإيراني في مختلف تفاصيل الدولة السورية، وسعي روسيا إلى تحويل سورية قاعدة متقدّمة لهم في الشرق الأوسط، وإطلالة هامة على البحر الأبيض المتوسط، فيما اختلفت الأمور جذرياً بعد إسقاط نظام الأسد.

أرسلت معظم دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة وفودها إلى دمشق بعد أسابيع من إسقاط نظام الأسد، وهروبه إلى موسكو، وكانت البداية زيارة مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، باربرا ليف، دمشق في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ثم زار كل من وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، ونظيرها الفرنسي، جان نويل بارو، دمشق في 3 من يناير/ كانون الثاني 2025، وتبعتها زيارة وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني. وزار الرئيس الشرع باريس في 7 مايو/ أيار 2025، في أول زيارة له إلى أوروبا منذ إطاحة نظام الأسد. ولم تتأخر روسيا في التواصل مع السلطة الجديدة، حيث زار نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، دمشق في نهاية يناير/ كانون الثاني 2025، تبعها إجراء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس أحمد الشرع، أكد فيه استعداد بلاده للمساعدة في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي بسورية، وعلى أثرها وصلت شحنة من الأموال السورية التي سبق وأن طبعتها روسيا عندها.  وتوّجت الاتصالات السورية الروسية بزيارة الرئيس الشرع موسكو في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، التي أعلنت إعادة رسم العلاقات السورية الروسية وفق محدّدات وأسس جديدة مبنيّة على الواقعية السياسية، وتأخذ في الاعتبار التوازن بين المصالح والواقعين الجيوسياسيين، الإقليمي والدولي، ووجدت مسوّغاتها فيما يفرضه واقع الحال السوري والظروف الإقليمية والدولية، والوزن الذي تتمتّع به روسيا دولياً، على الرغم من أن النظام الروسي كان أحد أكبر داعمي نظام الأسد، وارتكبت قواته انتهاكات جسيمة بحق السوريين خلال قتالها دفاعاً عن نظام الأسد البائد.

الواضح أن السلطة الجديدة أرادت من زيارة الشرع موسكو تأكيد معادلة أن خيار تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة ودول الغرب لا يعني، بالضرورة، إعلان العداء لروسيا، وإنما يأتي استجابة لتموضع جيوسياسي تقتضيه مصلحة سورية وشعبها. ووفق هذا المنطلق، حضرت الدبلوماسية السورية أيضاً في عديد من الملتقيات والمؤتمرات الدولية، حيث شارك وزير الخارجية أسعد الشيباني في مؤتمري دافوس وباريس لدعم المرحلة الانتقالية في سورية، ومنتدى ميونخ للأمن. واتخذت الديبلوماسية السورية خطوات في اتجاه إعادة تموضع موقع سورية على الخريطة الدولية، وجرى رفع العقوبات الأوروبية، وإعادة العلاقات الديبلوماسية مع دولٍ عديدة، وتبادل فتح السفارات. إضافة إلى حضور الشرع القمة العربية الطارئة لمناقشة الوضع غي غزّة، ثم حضر اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وكان أول رئيس سوري يلقي كلمة في الأمم المتحدة منذ عام 1067. ثم شارك بعدها في قمة المناخ (COP 30) في مدينة بيليم بالبرازيل.

زيارة واشنطن

توّجت زيارة الرئيس الشرع التاريخية واشنطن نجاحاً كبيراً للسياسة الخارجية السورية، وحققت نتائج مهمة على أكثر من صعيد. وكان لافتاً استعجال الولايات المتحدة إصدار قرار من مجلس الأمن، قضى برفع العقوبات المفروضة على الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، وتبعه إصدار وزارة الخزانة الأميركية قراراً بإزالة اسميهما من قائمة العقوبات. وفور انتهاء اللقاء بين ترامب والشرع، أعلنت الوزارة تمديد تعليق قانون قيصر (يفرض عقوبات على سورية) ستة أشهر إضافية. وهو ما اعتبر حافزاً لدفع الكونغرس إلى المضي في استكمال إجراءات إلغاء القانون، وإزالة جميع العقوبات الأميركية التي أثقلت كاهل السوريين، وشلّت الاقتصاد السوري برمته. وقبل أن يغادر الشرع واشنطن، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، أن الحكومة السورية أضحت شريكاً “أساسياً” للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الأمر الذي يشكل خطوة ضمن مسارٍ أوسع تسعى منه سورية إلى القطع مع ماضيها، وإعادة تثبيت موقعها فاعلاً داخل النظامين الإقليمي والدولي.

أظهرت زيارة الشرع واشنطن بطلان ما ساد في تحليلاتٍ ذهبت إلى التكهن بأن السلطة الجديدة ستوقع اتفاق إذعان مع إسرائيل بدفع أميركي، واعتبرته ثمناً مقابلاً للانفتاح الأميركي عليها، واتضح أن الحكومة السورية غير مستعجلة من أمرها بخصوص التطبيع مع إسرائيل، بل وتمكّنت من الفصل بين اتفاق أمني واتفاق سلام، إذ أن غايتها وقف الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية عليها عبر التوصل إلى اتفاق أمني مشابه لاتفاقية فض الاشتباك عام 1974، ويستوجب انسحابها من كل الأراضي التي احتلها بعد سقوط نظام الأسد. أما اتفاق سلام مع إسرائيل فإنه يتطلب إعادة الجولان المتحل إلى الجسد السوري، ولذلك فشلت المفاوضات، وبدأ رئيس حكومة اليمين المتطرّف الإسرائيلية نتنياهو بشنّ هجوم على الرئيس الشرع بعد انتهاء زيارته الناجحة واشنطن، وراح يجدّد تحذيراته واستفزازاته. والواضح أن قادة الكيان الصهيوني لن يكفّوا شرّهم عن سورية، وسيستمرّون في وضع عراقيل كثيرة أمام استعادة سورية استقرارها، لأنه لا حدود لمخطّطاتها وأطماعها التوسّعية التي “قد تصل إلى ميونخ”، حسبما قال الشرع لصحيفة واشنطن بوست، وما يريده هذا الكيان فعلياً يتجاوز اتفاق سلام، ويصل في الواقع إلى مصاف اتفاق إذعان وتفريط بالأرض.

الحاصل أن السلطة الجديدة، بعد عام من سقوط نظام الأسد، تمكنت من القطع مع  سنوات من العزلة والقطيعة مع غالبية المجتمع الدولي، في محاولتها إيجاد موقع مناسب لسورية ضمن منظومته، مستفيدة من رغبة قوى إقليمية ودولية تثبيت الاستقرار في المنطقة، ويسكنها هاجس حاجتها إلى توفير بيئة دولية مساعدة، من أجل تمكينها من إنعاش الاقتصاد السوري، والشروع في مرحلة إعادة الإعمار للنهوض بالبلد.

المأمول أن تنعكس النجاحات التي حققتها سياسات السلطة الخارجية على سياستها الداخلية التي تواجه تحدّيات كثيرة، وأن تستثمر لتحويل المخاطر إلى فرص، وبما ينعكس في تحسين ظروف معيشة السوريين وتقوية اقتصاد بلدهم، وإرساء مقوّمات دولة المؤسسات والقانون، وبناء مؤسّسات تمثيلية جامعة، تسهم في تشكيل هوية سياسية جامعة، وتأسيس دولة تعاقدية تقوم على المواطنة المتساوية.

العربي الجديد

————————————-

 بؤس السردية مقابل عظمة النصر/ حسان الأسود

2025.12.09

من بين مجموعة كبيرة من الإعلانات عن برامجَ احتفاليةٍ وفعّالياتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط نظام الاستبداد الأسدي في 8 من كانون الأول ديسمبر 2024، لفت نظر كاتب هذه السطور إعلانٌ يقول: “تدعوكم مديرية الشؤون السياسية في محافظة درعا لحضور ندوة بعنوان: أكان نصرًا إلهيًا أم توافقًا دوليًا”، وتحدد المكان في صالة المركز الثقافي بمدينة درعا وتحدد الزمان يوم الأحد في السابع من كانون الأول قبل ذكرى النصر بيوم واحد. بصرف النظر عن أسماء المحاضرين الذين نكنّ لهم كل الاحترام والتقدير، فإننا نركّز النقاش ليس على عنوان الندوّة فحسب، ولا على طبيعة النصر موضوعها فقط، بل وبالدرجة الأولى على الذهنية السائدة في التعامل مع الواقع السوري المستجدّ بعد التحرير.

أوّل ما يسترعي الانتباه في العبارة استعارتها من خطابات حسن نصر الله الزعيم السابق لميليشيا حزب الله اللبناني، وكأنّ العربيّة على رحابتها قد ضاقت بما وسعت عن إيجاد العبارات لوصف هذا النصر! أو كأنّ المثال المقتدى به كان ناصعًا مشرقًا في نقائه، عادلًا صادقًا في انتمائه، مخلصًا وفيًا للقضيّة التي كان يدّعي نصرتها! أو كأنّ الجمهور المخاطب بها مشابه لذلك الجمهور على ما بينهما من فوارق لا تخفى على أحد! بعد ذلك تأخذنا الطرافة في العبارة لتحليل طبيعة النصر ذاته، خاصّة من ناحية حامله الأساسي، فنجد أنّ الحدّ الرئيس والجوهري في معادلة النصر قد غُيّب تمامًا عن العنوان، ولا نعرف هل سيغيب كذلك عن الندوة التي قد تتم وتُنجز قبل نشر هذا المقال. الشعب الذي ثار قسم منه بوجه أعتى آلة طغيان عرفتها المنطقة، الشعب الذي صبر جزء منه على العيش تحت سلطة النظام المخلوع وفي ظل وطأة إرهابه اللامتناهي واللامحدود، الشعب الذي تهجّر قسم منه وتشرّد في أربع جهات الأرض وعاش في الخيام وقضى في البحار والغابات والطرقات. هذا الحّد الأصيل الغائب عن المعادلة هو العامل الأول في تحقيق النصر، وهو الفاعل الرئيس في الوصول إليه.

أهمّ من هذا وذاك، العقلية التي تتدبّر الأمور كلّها في الخطاب العام ممن هم في صفوفٍ داخل السلطة وخارجها. مستويات التبرير السياسي لدى بعض كبار الشخصيات مثل ممثل سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة خلال حديثه عن جولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفقة قادة أمنيين وعسكريين إلى جنوب سوريا مثلًا، ومستويات التبرير الإعلامي عند بعض المثقفين والإعلاميين والشخصيات المهمة على مستوى المكانة العلمية أو الفنية أو الاقتصادية لأي خلل أو خطأ أو تجاوز في التعامل مع قضايا كبيرة وحسّاسة، طبيعة الهجوم على أيّ انتقاد يقدّمُ ولو كان للصالح العام أو مهما كان صاحبه، تجعلنا نفتّش عن أسباب العطب في الخطاب ذاته. ما دامت أشكال التفكير واحدة أو متقاربة، وما دام جوهر الخطاب واحدٌ أيضًا، رغم اختلاف المنابت والطبقات والانتماءات لأصحابه، فهل مردّ ذلك إلى بيئة التفكير الحاضنة، أم إلى اتحاد مصالح الأفراد والجماعات المنضوية تحت سقف المنظومة الجديدة؟ ثمّة حالة معقّدة من كل هذا وذاك، فبعض الشخصيات التي كانت تجاهر بالعداء لجبهة النصرة ومن بعدها لهيئة تحرير الشام ولقائدها، الرئيس الحالي، هي في الصفوف الأولى من حملة هذا الخطاب ومن أشرس المدافعين عن الحكم الراهن.

وبالعودة إلى نص الإعلان عن الندوة المذكورة، هل يحق لنا أن نتساءل: هل كان الله غائبًا عن نصرة السوريين طيلة أربعة عشر عامًا لينصرهم في معركة ردع العدوان، وهل يمكن تصوّر ارتباط النصر بهذا العنصر العسكري فقط، أي بالشعرة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير وكانت تتويجًا لنضالاتٍ وتراكماتٍ استمرت عقدًا ونصفَ العقدِ من الزمن، وما المعيار الذي يمكن من خلاله قياس العنصر المعنوي الذي يتعلّق بمساحة الإيمان، التي هي بطبيعتها فردية، لنعرف آليات تحقق النصر الإلهي؟ ثم إذا كان النصر إلهيًا، فهو نصر الله وليس نصر السوريين، فلماذا نحتفل به؟ أليس في كل هذا خروج عن طبيعة الأشياء ومنطقها السليم، حيث يُنسب لله ما هو ليس بحاجة إليه! القول بإلهيّة النصر على الطغيان فيه إساءة للخالق عزّ وجلّ من جهة، لأنّه يجعله في مكانة مساوية للشر الناتج عن استبداد عباده، وفيه إساءة للناس الذين كانوا وقود النصر طيلة هذه السنوات كلها. ليس الله بعاجز عن منع الشر الكامن في البشر حتى يكون بحاجة للانتصار عليه، وليس الشر الكامن في البشر ندًا لله جلّ وعلا لنصف النصر بأنه إلهي.

في جانب آخر من المشهد السوريالي، نقرأ ما نُسب للشيخ سهيل جنيد عضو مجلس الإفتاء الأعلى ومفتي حمص من تبريرٍ لإلغاء فعالية أوركسترا الموسيقار العالمي مالك الجندلي لتكتمل لدينا الصورة، فالشهداء الذين ” كرامتهم أمانة في أعناقنا ودماؤهم آية من آيات الله لا تُكرّم بالمعازف” حسب رأي الشيخ سهيل، هم ذاتهم كانوا يغنون ويرقصون في هذه الساحات قبل استشهادهم، وهم ذاتهم الذين ألفوا الأغاني ولحّنوها وغنّوها وعزفوا لأجلها. الشيخ حرّ في رأيه، لكنّ الدولة التي هي ملك لكل السوريين والسوريات يجب أن تعرف أنّ الموسيقى والفن ركن من أركان الثقافة، وعنصر عظيمٌ من عناصر الحضارة، فكم من فتوى أو رأي ديني أو موقف سياسي أو حتى حاكم طواهم النسيان، في ما تزال قصائد كثيرة ومسرحيات عديدة ومقطوعات موسيقية ثرّة ولوحات فنيّة جمّة حاضرة في الوجدان الإنساني وستبقى على مدار الأيام؟ هذا مشهد قاتم من اللوحة الكليّة، ونحن نضيء عليه لنقول إنّه لا يمثل الحالة السورية كلها ولا جلّها، وإنّه لا يختصرها بتنوّعها وألوانها وثرائها وجمالها الأخّاذ.

أخيرًا، وقي مشهد غرائبي آخر نقرأ إعلان الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا عن قرار منع الاحتفال بذكرى التحرير الأولى وسقوط نظام الأسد يومي 7 و8 من كانون الأول / ديسمبر 2025 بحجّة الأمن. فإذا كانت هذه الإدارة تعتبر ذاتها جزءًا من الحيثية التي عارضت النظام البائد، فلا مبرر لها مع كل ما لديها من قوات عسكرية وأمنية لتتعذّر بحجّة الأمن، أما إن كانت تعتبر الأمر لا يعنيها، أو أنها تلعب بهذه الورقة لتضغط على الحكومة المركزية في دمشق، فإنها تكون كمن يهدر ما له من رصيد شعبي، إن وجد، بأيديها. الفرحة عند كل السوريين غامرة، وكل من يمنعهم من الاحتفال يتحوّل بنظرهم إلى عدّو، أو بأفضل الأحوال إلى مناصر للنظام البائد الذي لا عودة له لأنّ الساقط لا يعود. فأيّ حماقة هذه التي ترفع الحواجز بين السوريين أكثر مما تهدمها؟ بؤس الخطاب الرائج في فضائنا السوري لا يتناسب البتّة وعظمة النصر الذي تحقق، فإما أنّ نغيّر خطابنا أو لنستعدّ للعنة التاريخ.

تلفزيون سوريا

——————————————–

سورية في العهد الجديد: مسار العدالة الانتقالية/ إبراهيم دراجي

نشر في 8 كانون الأول/ديسمبر ,2025

الملخص التنفيذي

تقدّم هذه الدراسة قراءة تحليلية للسنة الأولى من مسار العدالة الانتقالية في سورية، عقب سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، في سياقٍ تتقاطع فيه تحديات إعادة بناء الدولة مع إرث طويل من الانتهاكات الواسعة والعنف السياسي الممنهج. وتستند الدراسة إلى المعايير الدولية وإلى تجارب الدول الخارجة من الصّراعات، وذلك بغية تقييم ما تحقّق وما تعثّر، في المرحلة التأسيسية للعملية الانتقالية في سورية.

وفي هذا المسار، صدر الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي رسّخ بعض المرتكزات الأساسية، من خلال إلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية، وتثبيت مبدأ عدم تقادم جرائم التعذيب، وإنشاء هيئات وطنية معنيّة بالحقيقة والمساءلة والمفقودين. وشهدت السنة الأولى إجراءات عملية شملت رفع القيود الأمنية، وإعادة المفصولين، ومعالجة أوضاع الطلبة المنقطعين، والبدء باستعادة الحقوق العقارية والتوثيق المنهجي لملفات المفقودين.

مع ذلك، تكشف الحصيلة عن فجوات بنيوية عدّة، أبرزها غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، وعدم وجود لجنة حقيقة وطنية، ومحدودية مشاركة الضحايا، إضافة إلى ضعف القدرة المؤسساتية وسط بيئة سياسية وأمنية هشّة وأزمة اقتصادية خانقة. وتخلص الدراسة إلى أنّ ما تحقق يشكّل نواة مهمة لمسار واعد، لكنه يحتاج إلى إطار موحَّد ورؤية تنفيذية قابلة للقياس، لضمان انتقال فعلي يطوي صفحة الماضي ويضمن عدم إعادة إنتاجها.

المقدّمة

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من العنف الممنهج، والقمع السياسي، والانتهاكات الواسعة التي وصلت إلى كلّ بيت سوري تقريبًا؛ دخلت سورية، في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، مرحلة تاريخية جديدة، مع سقوط النظام السابق وبداية تشكّل الجمهورية السورية الجديدة. كان ذلك الحدث، بالنسبة إلى ملايين السوريين، محطة انتقالية معقّدة؛ إذ لم يُنهِ سقوط النظام تلقائيًا آثار ما تراكم من جراح وأضرار، ولم يمحُ ذاكرة الخوف والمآسي التي رافقتهم منذ انطلاق ثورتهم في آذار/ مارس 2011. وقد وجد السوريون أنفسهم أمام حقيقة مزدوجة: تبدّل في البنية السياسية من جهة، وانكشاف حجم المأساة من جهة أخرى، بما تحتويه من مقابر جماعية، وسجون محطمة، ووثائق رسمية تُثبت أن الانتهاكات لم تكن حوادث معزولة، بل سياسة دولة متكاملة.

على هذه الأرضية الثقيلة، برزت العدالة الانتقالية منذ اللحظة الأولى، بوصفها ضرورة مؤسسية وأداة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولم تعُد العدالة مطلبًا رمزيًا أو شعارًا أخلاقيًا، بل صارت شرطًا وجوديًا لتأسيس شرعية الجمهورية الوليدة؛ فالمجتمعات الخارجة من العنف الجماعي لا تتعافى تلقائيًا، ولا يمكنها أن تبني مستقبلًا من دون معالجة جذرية لإرث الماضي. وفي سورية تحديدًا، حيث عشرات آلاف المخفيين، ومئات آلاف المعتقلين والناجين من التعذيب، وملايين النازحين واللاجئين، يصبح الحق في الحقيقة وفي الإنصاف وفي ضمانات عدم التكرار جزءًا من النسيج الذي ستتشكل عليه هوية الدولة الجديدة.

ولأنّ السنوات الطويلة من القمع لم تخلّف ضحايا فقط، بل دمّرت مؤسسات الدولة وحرفت وظائفها، فقد جاء الانتقال السياسي محمّلًا بمهمة مزدوجة: استعادة الثقة بالعدالة، وإعادة بناء البنى القانونية والأمنية والإدارية، على أسس مهنية قائمة على سيادة القانون. ومن ثمّ، صار السؤال الأهم في هذه المرحلة: كيف يمكن تحويل العدالة الانتقالية من مطلب مجتمعي إلى منظومة وطنية؟

حملت السنة الأولى بعد سقوط النظام بذور الإجابة: خطوات دستورية، وإحداث مؤسسات جديدة، وفتح الملفات المغلقة للمفقودين، وبرامج أوليّة لجبر الضرر، وإصلاحات في الأمن والقضاء. لكنها كشفت أيضًا عن ثغرات كبيرة وتحديات بنيوية، ستُحدد، في السنوات المقبلة، شكل العدالة الممكنة، وحدود ما تستطيع الدولة والمجتمع إنجازه.

ومن ثم، تتناول هذه الدراسة قراءة شاملة لما تحقق خلال السنة الأولى، وما كان ينبغي تحقيقه وفق المعايير الدولية، وما لا يزال يعوق مسار البناء، في محاولة للاقتراب من السؤال المركزي: كيف تُترجم تضحيات السوريين إلى منظومة عدالة تعيد للناس حقوقهم وللدولة معناها؟

تناقش المادة محاور عدة: الوضع عشية السقوط؛ ما كان ينبغي فعله وفق المعايير والسوابق الدولية؛ ما تمّ القيام به؛ تقييم ما تم القيام به؛ التحديات التي تعوق مسار العدالة الانتقالية؛ ما يفترض القيام به مستقبلًا…

لقراءة المادة كاملة يرجى تحميل المادة

تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

سقوط عائلة الأسد الذي تأخَّرَ جداً: في جمع وطرح أعمارنا المهدورة/ نائلة منصور

09-12-2025

        ولدت أختي في 2 كانون الثاني (يناير) 1979، وتوفيت في باريس في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2024، عن 45 عاماً و10 أشهر، بعيدةً عن أمي التي لم تستطع مغادرة دمشق إلا قبل يوم من جنازة ابنتها؛ وَدَّعتها في تابوتها. لم أكُن قد رأيتُ أمي منذ ست سنوات بسبب منع سفر فُرِضَ كإجراء أمني اعتباطي متعلق بقضية إدارية. أقمنا مناسبة الأربعين لراحة نفسها في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، يوم سقوط النظام، بعد خروج عفوي إلى ساحة الجمهورية في باريس لنبكي سقوطَ الصخرة عن صدورنا. حاولنا، حاولتُ أن أُشقلبَ كل الرموز والإشارات لذلك اليوم كي أُسبِغَ شيئاً من المعنى على رحيل أختي، العبثي شديد الظلم في تبكيره: في سفرها إلى الأبدية قررت أن تمنحنا هذه الهدية العظيمة، هي التي كانت تقول إن أهم عامل في سرطانها الخبيث هو حُكْم الأسد والحياة التي عشناها في سوريا القاسية.

        في تشرين الأول (أكتوبر) 1980 كان عُمر أختي سنة و10 أشهر، وكنت في السابعة من عمري. جاء عناصر أمن، لم أعد أذكر من أي فرع أمني، وانتظروا أبي في البيت عدة ساعات قبل أن يصل ويعتقلوه. كانت أختي في بيت جدتي. بعد الاعتقال، ذهبنا أنا وأمي لننضم إليها، كنا نمشي لأن بيت جدتي في العباسيين وبيتنا في التجارة، غير بعيد. بدت لي المسافةُ سِفرَ الخروج، كنتُ أرتجفُ مثل ورقة شجر من الخوف، ولكني لم أكن أخاف على أمي، كنتُ مدركة على نحو ما أننا لا يجب أن نخشى اعتقالها، ربما كان لدي من الوعي ما يكفي لأفهمَ أنها ليست مُسيَّسة تَسيُّسَ أبي، لا أعرف. ولكن أختي ومنذ ذلك اليوم التصقت بأمي التصاقاً مرضياً، ممتصَّة كل مخاوفها وهواجسها، وطَوَّرت لنفسها هاجسها الخاص؛ أن تُعتقَلَ أمي. كانت تُرافقها إلى العمل، وتنام معها في السرير نفسه، وترافقها إلى السجن لزيارة أبي، ورفضت أن تلتحق بأي روضة قبل المدرسة الرسمية خوفاً من الابتعاد عن أمي التي قد تُعتقَل في أي لحظة. كانت دائماً تُفاوض مريم، جدتنا أمَّ أمنا، وتقول لها إنها مستعدة لتقشير الثوم وتكنيس المطبخ طوال النهار مقابل ألا تغادر البيت.

        في النصف الأول للثمانينيات كنّا نزور أبي في سِجنَي القلعة والشيخ حسن، قبل أن ينتقل إلى سجن عدرا المدني حتى خروجه من السجن. في إحدى زياراتنا لسجن الشيخ حسن بالقرب من مقبرة الباب الصغير شمال غرب المدينة القديمة، نَسيَتْ أمي إذنَ الزيارة فتركتنا عند باب السجن تحت أعين زائرين آخرين لتأتي بالإذن من البيت، كنّا نحصلُ عليه من أمن الدولة بالقرب من السبع بحرات قبل يوم أو يومين. ظلت أختي الصغيرة تبكي وتجهش حتى رجعت أمي، لم يقترب أحد لمواساتها، لا الزائرون ولا العناصر على باب السجن، كنتُ أنا وحدي الطفلةَ ذات التسع سنوات التي تُحاول مواساتها وعناقها لتهدأ، وفي غياب أمها حاولتُ أن أكون الأم ولكني كنتُ أنا أيضاً طفلةً خائفة. ذلك المشهد لن يفارقني حتى مماتي، وشمٌ من نار طُبِعَ على جلدينا حين أدركنا أننا ينبغي أن نلتحم لننجو، التصقنا بأمنا كذلك لننجو معها ولكن لُحمتنا نحن الاثنتين كانت لُحمةَ من فَهمِ أن بلدنا قسوةٌ وعنفٌ خالصان، وأن لا شيء يُحلّي تلك القسوة أو يُطرِّيها إلّا وجودنا معاً وتضامُننا والضحكات الصغيرة التي نتشاركها.

        كبرنا واشتد عودنا وبقينا نزور السجون حتى أواخر 1994، ونراقب انتظارَ أُمِّنا وانتظارَ جدتنا، أُمّ والدنا. كنّا مقتنعين اقتناعاً خلاصياً أن ذلك الانتظار هو الأخير، وأننا بعده سنبدأ حياة جديدة نُكافَأ فيها على صبرنا، غادرنا سوريا تِباعاً لنتمّمَ دراساتنا العليا، ثم عدت مع عائلتي لنستقر في دمشق؛ انتظرتنا أمي، ثم انتظرت أختي لتُنهي دراستها وتعود.

        اندلعت الثورة في 2011، لم نصدق. كانت أرواحنا كلنا، أبي ذا الاثنين والسبعين عاماً، أمي ذات الواحد والستين عاماً، أنا ذات الثمانية والثلاثين عاماً، وأختي ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، كانت أرواحنا كلنا متوقدة أملاً أن نرى هذا النظام يسقط عن أجسادنا، وانتظرنا… دخلت أمي في ماراتون انتظار جديد؛ أن يسقط في رمضان، بعد الجمعة العظيمة واقتراب ثوار الغوطة من الزبلطاني، بعد جمعة كذا، بعد زيارة المبعوث الفلاني، إلخ، كانت تنتظرُ أي إشارة تأتي من التحليلات السياسية التي تنتظرها أيضاً بعد انتظار الكهرباء (قضت آخر عشر سنوات من حياتها في العتمة). كانت تنتظر أختي، ولكن تستبقيها في فرنسا ريثما تتضح الأمور ويسقط الأسد، انتظرنا بعد الكيماوي. انتظرت أمي، انتظرتْ الأولاد، أولادي، حتى يرجعوا من مدارسهم كاملين لا أشلاءً بسبب القذائف التي تستهدف دمشق، انتظرت أن نجد حلاً كي نخرج من البلد لننقذ الأولاد من احتمال الموت، وبقيت تنتظر، انتظرَتنا أختي هذه المرة حتى نصل إلى باريس ليخفَّ قلقها علينا ويهدأ هاجسُ اعتقال الأحبّة الذي عاشته وعاد بقوة، هذه المرة كنتُ أنا من تخشى عليه من الاعتقال. انتظرت أمي بعدها 10 سنوات لنجتمع، ثم جاء كوفيد وانقطعت السبل بيننا، فانتظرَتْ انتهاء الجائحة. انتهت الجائحة وظهرَ مرضُ أختي، بدأت صلوات أمي وانتظارها شفاءَها. ناضلت أختي كي تعيش معنا ونشهد معاً سقوط نظام الطاغية، كنتُ أعتقد أن التحامَنا القديم سيشفيها من مرضها لنعيش سويةً مع أهلنا مرة أخرى، فنحن في الحقيقة لم نَعِش كلّنا معاً سوى خمس سنوات غير متصلة طوال 53 عاماً من زواج والدينا.

        في نهاية المطاف لم تَنجُ أختي، توفيت قبل سقوط النظام بأربعين يوماً. وفي يوم أربعينها كنا منفعلين وغير مصدقين لهذا السقوط المفاجئ، وكنا قبل كل شيء حزينين على هذا الفوات، فواتنا، وعلى الظلم الكبير في أن تموت أختي، التي كانت تبكي أمام سجن الشيخ حسن، قبل أن تشهدَ تلك اللحظة. والتحقت بها أمي، المنتظرة الأبدية، بعد عشرة أشهر. توفيت في 12 آب (أغسطس) 2025 عن عمر خمسة وسبعين عاماً. أما أنا فأعيدُ ترتيب الأرقام والأعمار والتواريخ، علَّ معنىً ما يتجلى أمامي وسط كل هذا العبث.

        أحاول أن أتلمَّسَ الشكل الجديد لسوريا التي لا تُشبه في شيء نصفَ عائلتي التي رحلت. كل هذا الدم الذي تدفَّقَ بعد سقوط الأسد، وهذه البشاعة التي شهدناها، وسيولة سوريا التي لا شكل لها، ولا تشبه سوريا التي لنا، سوريا نصف المُتخيَّلة، نصف الحقيقية التي ثبّتناها كهوية؛ أمي وأختي وأنا، وكميثاق في انصهارنا معاً.

        تَندَّرنا طويلاً في عائلتي حول ارتباط ولاداتنا بأحداث سياسية: ولدَ نبيل في 1948 ونالَ البكالوريا في 1967 مُخيَّباً حيث لم يدخل تل أبيب منتصراً بعد تدريبه السريع على السلاح، ولدت لمى في حزيران 1967 فكنا نلقبها بنكسة، ولدت سوسن عام 1979 في عام الانقلابات الكبرى المُغيِّرة للتاريخ في الشرق الأوسط، ولدت زكية أثناء أيلول الأسود، ولدت نسرين في تشرين الثاني 1973 وكانت على وشك أن تُسمَّى انتصار، ولدت لمى عام 1982 قبيل اجتياح إسرائيل لبيروت، ولد جاد قبل اغتيال الحريري وتسونامي اليابان بقليل في نهاية 2004، ولدت راما أثناء حرب إسرائيل على لبنان عام 2006.

        ولكننا لم نتيقّظ للحظةٍ أن مولد أعزَّ أحبتنا ومماتهم قد لا يتجاوزان حدود سنوات حكم آل الأسد.

موقع الجمهورية

————————————–

 سوريا “تحتفل”: لتجاوز عزلات سايكس بيكو وإنجاز الوحدة الوطنية/ منير الربيع

الثلاثاء 2025/12/09

لم يستفق السوريون من “سكرة” الفرح بعد. سنة مرّت على ما كانوا يتخيلونه حلماً غير قابل للتحقيق، لكنه أصبح واقعاً. وهم في معرض التعبير عن فرحهم ما زالت عيونهم تشخص نحو المستقبل وما يحمله. أحداث كثيرة “نغّصت” على السوريين فرحتهم، أبرزها أحداث الساحل والسويداء والمجازر التي ارتكبت فيهما، من دون الوصول إلى مصالحة جدية بعد، تعيد دمج كل مكونات سوريا في بنيتها السياسية وبتركيبة الدولة وفي إعادة بنائها، بالإضافة إلى ملف شمال شرق سوريا الذي لا يزال عالقاً، ولا بوادر لحلّه قريباً بطريقة سلمية.

تبقى هذه الجروح الغائرة في الجسد السوري أخطر ما يواجهه المجتمع السوري أو الدولة السورية.

احتفلت سوريا بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد. غالبية المحافظات خرجت للمشاركة بالاحتفال، لكن مركزية المشهد كانت في دمشق. تلك العاصمة التي تمثل مرتكزاً جيوسياسياً في المنطقة على مرّ التاريخ، منذ معركة عين جالوت أو معركة اليرموك إلى اليوم. والأخطر أن دمشق هذه، لطالما شكلت عنواناً للصراع من أجل السيطرة عليها. وهو يتجدد اليوم من خلال شعور “الأكثرية- الطائفة” بأنها استعادت حقاً كان مسلوباً منها، مع محاولات كثيرة لتطييف الدولة من خلال تطييف العاصمة، ووصف الحكم في سوريا بأنه لـ”السنّة”، أما أبناء المكونات الأخرى فهم من المستلحقين في الحكم وآلية تشكيل الدولة. هذه النزعة تأتي كرد فعل على ما سمي طوال العقود الماضية بأن سيطرة الأقليات على السلطة في المنطقة.

في حال استمر هذا التنازع وتصاعد، فهو بالتأكيد يشكل خطراً وجودياً يهدد وحدة الكيان السوري.

ثمة من يعتبر أن سوريا كدولة وطنية موحَّدة تبقى أمام خيارين، إما أن تكون قيد التشكل عبر دمج مختلف القوى في بناء الدولة والمشاركة السياسية. وإما أن تكون محفوفة بمخاطر السقوط، في حال استمرت الصراعات التي تأخذ بعداً قومياً، أو طائفياً، أو مذهبياً، وبمعنى نزاع الأقليات مع الأكثرية.

هناك نظرة تتكون في دمشق عن نهاية “سوريا السايكس-بيكوية” والتي بموجبها جرى تقسيم المشرق العربي، وهو ما يعود إليه المبعوث الأميركي توم باراك دوماً في تصريحاته حول مساعي أميركا لتصحيح أخطاء دول الاستعمار. وهو ما تحاول دمشق أن تلعبه اليوم من خلال تعزيز العلاقات بينها وبين تركيا، وبينها وبين السعودية وصولاً إلى حد إعادة إحياء خط الحجاز القديم. إذ تكمن أهمية سوريا في استراتيجية موقعها، لأن من يجلس في دمشق سيكون قادراً على التأثير في حواضر وعواصم كثيرة: الأردن، فلسطين، لبنان وحتى بغداد. لذلك، دول كثيرة تريد الحفاظ على مواطن نفوذها في دمشق، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، التي تسربت أخبار عن نيتها بناء قاعدة عسكرية في جنوب دمشق.

تبدو الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارة دونالد ترامب أكثر المهتمين بسوريا في هذه المرحلة، وتمنحها الفرصة، مع مواصلة السعي لإلغاء قانون قيصر من قبل الكونغرس، منتصف الشهر الجاري. تتقاطع الولايات المتحدة في نظرتها تجاه سوريا مع المملكة العربية السعودية، تركيا، قطر ودول أخرى. لكن الاستراتيجية الأميركية في عهد ترامب تركز على التعاون والتحالف بين هذه القوى، في محاولة لتقويض أدوار أوروبا على المستوى العالمي. ففي الحرب الروسية الأوكرانية يراهن ترامب على علاقته ببوتين وعلى دور تركيا. وفي الملف الإيراني يستند إلى الدور السعودي- القطري. الأمر نفسه الذي يعتمده في فنزويلا من خلال اتصاله الشخصي بالرئيس الفنزويلي نيقولاس مادورو، أو من خلال مطالبة رجب طيب أردوغان بمساعدته أيضاً.

بالنظر إلى هذه المعادلة، من الواضح أن واشنطن التي وضعت استراتيجية جديدة للأمن القومي، مع استعدادها للتفرغ لمواجهة تحديات في مناطق أخرى من العالم، تريد للشرق الأوسط أن يستقر تحت نفوذها ويكون موالياً لمشروعها. وهي بذلك تريد منح الأدوار لحلفائها مثل تركيا أو دول الخليج، ومن خلال إشرافها المباشر لتثبيت ما تراه استقراراً، عبر إشراف قوات أميركية على كل ما تتم صياغته في المنطقة. وهنا لا يمكن فصل هذا المسار عن التشدد الأميركي في رفض التجديد لقوات اليونيفيل في لبنان، لا سيما أن نتيجة إنهاء عمل اليونيفيل تعني إنهاء النفوذ الأوروبي، ولا سيما الفرنسي. فيما يظهر التنسيق الأميركي، الخليجي، التركي حول ملفات المنطقة ككل، ولا سيما غزة، لبنان وسوريا.

تبقى سوريا أمام تحديات كثيرة، أولها تحدي الوحدة الداخلية، من خلال الوصول إلى حل سياسي للمشاكل في الجنوب، الساحل، وشمال شرق البلاد. وفيما تحتاج سوريا إلى الاستقرار، والذي بدوره يشكل ضرورة لكل دول المنطقة، ربطاً بالمشاريع الإقليمية والدولية، واعتمادها كنقطة تقاطع لخطوط التجارة ومجالات تصدير النفط والغاز، بالاضافة إلى جعلها نقطة ارتكاز محورية تتأثر بها دول الجوار.

وتبقى إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي لا يريد تثبيت الاستقرار فيها، ولذلك هي لا تزال ترفع سقف شروطها للتهرب من توقيع الاتفاق الأمني، كي تتمكن تل أبيب من الاستمرار في التلاعب بالواقع الداخلي السوري، وتغذية الصراعات بين المكونات، خصوصاً بين الأقليات والأكثرية. وهو طبق قد يكون مغرياً لدول كثيرة، تبحث عن مواطن نفوذ أو مصالح على الساحة السورية.

لا يمكن إغفال أن روسيا بدورها تريد استقراراً في الساحل السوري، بناء على تفاهمات مع الشرع، وسط ترجيحات بأن هذه التفاهمات والحرص على الاستقرار، هو الذي دفع بجهات عديدة إلى تسريب كل المعلومات المتعلقة بالتحضير من قبل شخصيات في النظام القديم، للاستثمار بتحركات سياسية أو اجتماعية أو عسكرية في منطقة الساحل. ويضاف هذا إلى استمرار جهات دولية أخرى بمحاولة زعزعة الاستقرار، في إطار مواجهتها للنفوذ الروسي من أوروبا إلى سواحل البحر المتوسط.

وعليه، يبدو الرئيس السوري أحمد الشرع، كمن يعمل على توزيع مناطق النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، برعاية من الولايات المتحدة الأميركية، ليتضح أن المصالح ومناطق النفوذ موزعة، وخصوصاً في الساحل السوري، حيث أبقى على المصالح الروسية عسكرياً واقتصادياً. وأعطى لفرنسا حصة في ميناء طرطوس. بينما تركيا وبتفاهم مع السعودية وقطر تسعى إلى تثبيت الحكم والاستقرار في سوريا، بالإضافة إلى تمتعها بدور بارز لإدارة الوضع ومساعدة الدولة الناشئة، عبر التواصل مع الروس، الأميركيين، وحتى الإيرانيين.

المدن

———————————

 ليكن احتفالاً شخصياً بذكرى سقوط الأسد/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/12/09

بعد تردد حسمت الأمر؛ ليكن احتفالاً شخصياً بذكرى سقوط الأسد، ولا ضير في الخروج مرة عن مقتضيات مقالات الرأي. أذكّر نفسي بأنني بدأت الكتابة في السياسة من المدخل الشخصي، حدث ذلك قبل عشرين عاماً، إذ نشرت مقالاً في ملحق نوافذ/جريدة المستقبل، بعنوان: بعد أن انقضى نصف العمر الذي لم أعشه! كان صريحاً في النص أن المقصود هو عمري، وأعمار السوريين غير المُعاشة تحت حكم عائلة الأسد. وكان ذلك المقال فاتحة لمقالات، شبه منتظمة في الملحق نفسه لسنوات، عملت فيها على قراءة جذرية لمؤسسة سلطة الأسد.

لكنني لا أغامر في التأكيد على أن الأمر بدأ شخصياً أيضاً، فقد كنت أسوة بالملايين أنتظر من “البيولوجيا” أن تتولى التغيير، فالأسد الأب كان مريضاً، وكان من المحتمل وقتَ وفاته أن لا يتم التوريث كما أعدّ له. لكن التوريث حدث، ولم أكن للحظة مخدوعاً بشعارات التوريث، وهذا لا يعني إدانة سوريين أقنعوا أنفسهم بأن الوريث مختلف عن أبيه نحو الأفضل. شعرت بالتوريث كأنه إهانة شخصية لي، تبدأ من أن لا تشهد حياتي سوى حكم عائلة الأسد.

شاركتُ، نقاشاً أو إعداداً، في بعض المنتديات التي افتُتحت في بداية عهد الوريث، وشهدتُ إغلاقها مع الإجهاز على ما سُمّي “ربيع دمشق”. ورأيت أيضاً أول تمثال للأسد الأب وقد تعرّض للإهانة والتشويه، كان ذلك في مدينة القامشلي التي ذهبت إليها في منتصف آذار 2004 رفقة العديد من النشطاء تضامناً مع الانتفاضة الكردية. رتّب لنا الصديق مشعل التمو، الذي لم يكن قد أصبح شهيداً، العديدَ من اللقاءات مع فعاليات في القامشلي والحسكة، من بينها أذكر لقاءً مع مثقفين بادر فيه واحد منهم إلى القول مستنكراً: لماذا أتيتم؟! ثم أردف بتأثّر: أكان يجب أن يصير دمنا في الأرض كي نراكم؟

كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان حدثاً فاصلاً في سوريا أيضاً، فماكينة الاغتيال ذاتها تشددت أكثر إزاء حرية الرأي في سوريا. واستطاعت الماكينة أن تستقطب، طوعاً لا كرهاً، أقلاماً تواظب على شتم القيادات اللبنانية المناوئة لوصاية الأسد على لبنان. وهكذا صادف أمثالي اللوم والغضب من هؤلاء، بما لا يقل أحياناً عن تحذيرات جهاز مخابرات هنا وآخر هناك. لم تكن مواجهة ذلك نوعاً من الشجاعة، أنحاز دائماً إلى وصفها بالعناد.

في الأصل، جئت من كتابة الأدب، ومن فضائل الكتابة في الأدب أنها تعلّمنا عدم السؤال عن الجدوى المباشرة كما يفعل السياسيون. في الواقع ثمة وجهان يبدوان متناقضين للوهلة الأولى؛ أولهما الإيمان العميق بجدوى الكتابة، وثانيهما عدم انتظار هذه الجدوى. بعد عشر سنوات من الكتابة في السياسة سأُسأل، في لقاء مع الجمهور ضمن مهرجان سيت في فرنسا، عن الجمع بين الكتابة الأدبية والسياسية؟ فأجيب إن ما يبدو تناقضاً في الظاهر يجد حلّه عند الذين يعتقدون أن الكتابة هي فعل حرية. أضيف الآن بعد عشرين عاماً أن هذا النوع من الكتابة يتطلّب إحساساً شخصياً بالكرامة، لا يلبث أن يتحول إلى حساسية عامة إزاء ما يمسّ كرامة الإنسان.

ما سبق ليس امتيازاً شخصياً، فعلى الأرجح تعلّمتُه من هنا وهناك، وتعلّمت معه شيئاً عن كرَم الكتابة. تعلّمت معنى التغيير والاستمرار معاً، وفي الوقت نفسه صرت أكثر انتباهاً إلى كرم أجيال سبقت، تحديداً هؤلاء الذين آمنوا بالحرية، وتصدّوا لحكم الأسد بين منتصف السبعينات ومنتصف الثمانينات. أتحدث عن ألوف النساء والرجال الذين لم ينتظروا تكريماً من أحد على قناعاتهم، ولم يُكتب التاريخ الذي ينصفهم، لأن الذين يكتبون التاريخ حتى الآن مفتونون بمظاهر القوة والنجاح السريعين.

بخلاف ما يراه عبيد القوة، أفكّر في الذكرى الأولى لسقوط الأسد في أننا نجحنا، نحن الذين لا نملك سوى كلمتنا، والتي هي للمفارقة ما يخشاه “الأقوياء” في كل زمان ومكان. لقد اعتدنا خلال 14 عاماً على عبيد القوة الذين ما أن ننتقد مظهراً من مظاهر العسكرة حتى ينبري أحدهم بمطالبتنا بتشكيل فصيل عسكري والقتال بدلاً مما يرون أنها ثرثرة لا طائل منها، هم أنفسهم الذين خلال السنة الأخيرة لم يتوانوا عن هجاء أصحاب الرأي بذريعة أن النصر أتى به العسكر لا أصحاب الكلمة، وأن “مَن يحرر يقرر”. يتناسى هؤلاء، أو لعلهم لا يعرفون أصلاً، أن الثورة بدأت بالكلمة، وبحناجر المتظاهرين التي أصابت الأسد بالرعب.

في أحسن الروايات عن “التحرير”، يظهر أن قوات الأسد لم تحارب عشية السقوط، لأنه سلطته كانت منهارة. ولا يلزم الكثير من النباهة، لكن يلزم القليل من النزاهة، من أجل الإقرار بأن انهيار الأسد كان نتاج عملية قضم مديدة، ساهم فيها الكثير من السوريين، ممّن حملوا السلاح وممن لم يحملوه. أما القليل من الوفاء والإنصاف تجاه الثورة أولاً فيقتضي النظر إلى إسقاط الأسد كفرحة شخصية لمَن يشاء من السوريين، وكإنجاز يمثّلهم جميعاً على العموم، فلا يستثني سوى الذين يستثنون أنفسهم وأولئك المتورّطين في دماء السوريين.

ليست الكتابة شأناً مستقلاً عن الواقع، أو متعالية عليه. على العكس، كانت الكتابة لدى السوريين مهمومة بمعظمها بقضايا الحرية، في أوقات لم يكن فيها حراك سياسي بسبب منع السياسة. أو كانت الكلمة المهرَّبة هي الوسيلة الوحيدة للأحزاب، كما حدث في زمن العمل السري. لقد واظب حكم الأسد على معاداة الكلمة، الأمر الذي كان فاقعاً مع انطلاقة الثورة. واليوم نحتاج إلى سلوك الطريق المعاكس، نحتاج إلى إعادة الاعتبار للكلمة، من قبَل العموم لا من قبل السلطة.

لا يمكن في الواقع الاحتكام إلى السياسة، وهو ما نحتاجه، من دون احترام الكلمة التي هي وسيلة الخطاب السياسي. إن الإعلاء من البوط، أو السلاح لا فرق، بصرف النظر عن صاحب السلاح، هو اعتداء على الكلمة؛ على كلمة السوريين عموماً، لا الكتّاب منهم على نحو خاص. احترام ملايين السوريين الذي عبّروا بالكلمة عن رغبتهم في التغيير يقتضي وضع الكلمة في مكانها المناسب، وإنزال البوط إلى مكانه المناسب أيضاً.

من حقنا، كأصحاب كلمة، الاحتفال بسقوط الأسد بوصفنا مساهمين أساسيين فيه، ولسنا ضيوفاً على أحد. والاحتفال مبعثه أن كلمة ملايين المتظاهرين عام 2011 هي التي تسببت بإسقاط الأسد، وأن السلاح (بصرف النظر عن الموقف منه) هو نتاج لتلك الثورة العارمة. ومبعثه أيضاً التأكيد على الجدوى، فالكلمة الحرة تسببت أخيراً بإسقاط الأسد، ويخطئ من يستهين بها، أو يتوهّم أنه سينتصر في النهاية على سلالتها المارقة.

المدن

———————————

السوريون في انتظار اكتمال الفرحة/ عبد الباسط سيدا

09 ديسمبر 2025

مضى عام على هروب بشار الأسد، وسقوط سلطة آل الأسد بعد وصول قوات عملية ردع العدوان، من هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها إلى دمشق، ودخولها القصر الرئاسي وسط فرح شعبي سوري غامر عارم غير مسبوق. عام كان حافلاً بالأحداث والتحرّكات واللقاءات والاجتماعات السرّية والعلنية بين مختلف القوى الإقليمية والدولية المهتمة بالموضوع السوري، وبين ممثلي الدول العربية والإقليمية والدولية والإدارة الجديدة في الداخل السوري، وفي عواصم الدول المؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي.

إجراءات كثيرة اتخذت على صعيد رفع القيود والعقوبات عن سورية، وعن مسؤولين في الإدارة. ووعود كثيرة أُُعطيت، ومساعدات قُدّمت، وكان الحديث في مناسباتٍ احتفالية عديدة عن مشاريع استثمارية وشيكة. بل وقعت عقود استثمارية مبدئية، على أمل أن تبدأ مرحلة التنفيذ الفعلي في أقرب وقت ممكن.

وعلى الضفة الأخرى، استمرّت الهجمات الإسرائيلية التي لم تكتف باستهداف قواعد الجيش السوري وعتاده فحسب، بل حاولت، على الدوام، تأكيد هيمنة الإرادة الإسرائيلية على السماء والأرض السورية، بحجّة حماية الأمن الإسرائيلي، وكأن الأمن السوري المفتاحي في الإقليم لا محلّ له من الإعراب.

وفي الداخل السوري، كانت الحوادث المؤلمة في منطقتي الساحل والسويداء، وكانت السرديات المتباينة، وكانت التحقيقات الرسمية التي تضاربت الروايات والانطباعات بشأنها، ولكن المطمئن بعض الشيء اعتراف المسؤولين بجانب من الأخطاء التي كانت، رغم اعتقاد كثيرين بأن هذه الاعترافات جاءت نتيجة الضغوط الخارجية بأشكالها المختلفة. ويستشهد هؤلاء بسرعة وطريقة الإعلان عن الاتفاق الإطاري الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، في 10مارس/ آذار الماضي بعد أحداث الساحل، ويستشهدون أيضاً بالاتفاق الثلاثي بخصوص السويداء الذي جرى التوقيع عليه في عمّان.

كما كانت طريقة تعامل الأجهزة الأمنية السورية مع المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها أماكن متعددة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة موضع الترحيب من غالبية السوريين خارج نطاق التصنيفات النمطية.

أما الأوضاع الأمنية والمعيشية والخدمية فما زالت دون الحد المقبول، رغم الوعود والتطمينات والمبادرات؛ ولكن الملاحظ أنها بصورة عامة تتجه نسبياً نحو الأفضل. وهذا يعزّز الأمل، يمكن البناء عليه وتطويره في حالة صدق النيات، وتوفر الإرادة، وتطبيق مبادئ المساءلة والمحاسبة والشفافية، وسدّ المنافذ أمام الفساد، وتطبيق القانون على الجميع من دون أي استثناء.

ولكن الأمر الذي يثير التساؤلات والهواجس في الوقت نفسه عدم حدوث أي تقدّم نوعي ملموس على صعيد التعامل مع الموضوع الكردي السوري، وهو موضوع وطني سوري في المقام الأول، قبل أن يكون موضوعاً خاصاً بالكرد السوريين وحدهم، فالكرد كانوا، عبر مختلف العصور القديمة والوسيطة والحديثة، كما في عصرنا الراهن، عنصراً أصيلاً فاعلاً في تاريخ المنطقة وجغرافيتها ومجتمعاتها، ووجودهم، على حد تعبير علي العبدالله (العربي الجديد 3/12/2025)، “في شمال وشرق سورية ليس طارئا أو عابراً، إنه وجود أصيل يمتد عميقا في تاريخ المنطقة”.

يتوزّع الكرد اليوم، إلى جانب وجودهم المستدام في شمال سورية وشرقها، على كامل التراب السوري، خصوصاً في حلب ودمشق وإدلب وحماة وحمص ومناطق الساحل، وصولاً إلى درعا والقنيطرة. وقد خضعوا، عن سابق قصد وتصميم بموجب سياسات وخطط وممارسات تمييزية عنصرية، لظلم مركّب مزمن، واضطهاد مزدوج متواصل، في ظل حكم “البعث” وسلطة أل الأسد أكثر من 60 عاماً. كما تعرّض مناضلوهم نتيجة نشاطهم السلمي للاعتقال والقمع والحرمان من الحقوق المدنية، لا سيما العمل والملكية، كما تعرضوا للكثير الكثير من الممارسات والإجراءات والمشاريع العنصرية التي باتت معروفة لدى جميع السوريين. وكانت للكرد وقفات بطولية، شملت جميع أماكن الوجود الكردي السوري في الوطن والمهاجر؛ في مواجهة استبداد سلطة آل الأسد بلغت ذروتها في انتفاضة 12 مارس (2012)، والتي جرى فيها لأول مرة على مستوى سورية كلها تحطيم صنم حافظ الأسد في عامودا؛ كما قدّم الكرد الشهداء دفاعاً عن حقوق شعبهم ورفضاً للظلم المفروض عليه.

وشارك الكرد، خصوصاً الشباب منهم، بفعالية في الثورة السورية عام 2011 منذ الساعات الأولى لانطلاقتها، وقدّموا الشهداء، وفي مقدمتهم مشعل تمّو؛ وساهموا في هيئات المعارضة السورية التي أصدرت وثائق هامة خاصة بالقضية الكردية في سورية؛ حدّدت الخطوط العامة لكيفية مقاربة هذه القضية ومعالجتها بصورة عادلة. واليوم سيكون من المفيد المنتج على الصعيد الوطني أن تعود الإدارة الجديدة إلى تلك الوثائق وتستفيد منها، لصياغة تصوّرها للحل الذي تراه ممكناً لمعالجة هذا الموضوع الذي يمسّ بصورة مباشرة ملايين السوريين في شمال سورية وشرقها، بل يهم ويشغل السوريين على كامل التراب السوري.

أما وأن يُربط الموضوع بحسابات تفاوضية مع “قسد”، فهذا مؤدّاه ربط الموضوع بحسابات إقليمية، وإهمال موضوع داخلي حسّاس، بات محاطاً نتيجة الهيستريا الجماعية السائدة، والشعبوية الانتهازية المنتشرة، وعجز بعضهم عن التحرّر من أمراض ايديولوجية “البعث” العنصرية، والنزعات الانتهازية لدى هذا الفريق أو ذاك، هذا إلى جانب “ثقافة الكراهية” وحزمة الانفعالات القوية التي تتنشر أصداؤها على صفحات التواصل الاجتماعي، وعلى شاشات التلفزة في مختلف المحطات.

والجدير ذكره في هذا السياق ما نُقل عن الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة، جديدها أخيراً في منتدى الدوحة 2025، ما يؤكّد علمه بمدى الظلم الذي تعرّض له الكرد، وهو يعد باستمرار بأنه سيعالج الموضوع بإنصاف. وهو بحكم الصلاحيات التي يتمتع بها يستطيع أن يطرح مشروعاً للحل، يكون في صالح الاستقرار المجتمعي السوري، عبر قطع الطريق على أصحاب التجييش العلني على مختلف الجبهات؛ بل سيساهم هذا الحل حتى في الاستقرار الإقليمي، بكسب تضامن (ودعم) الكرد في الجوار الإقليمي، وتشجيع تركيا للانفتاح على كردها والتوافق على حل عادل للقضية الكردية هناك، ما سينعكس إيجاباً على العلاقات المستقبلية الاستراتيجية بين تركيا وسورية، وهي العلاقات التي ستكون إلى جانب العلاقات مع الدول العربية، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، ركيزة استقرار إقليمي يمكّن المنطقة من التعامل الموضوعي مع مختلف التحدّيات بما يضمن مصالح الجميع.

معالجة الموضوع الكردي ضمن إطار وحدة سورية أرضاً وشعباً سيكون مدخلاً لطمأنة السوريين من جميع المكوّنات، وسيمكّن من تجاوز الأثار السلبية التي نجمت عما حدث في الساحل والسويداء، وسيفتح الطريق أمام حوار وطني جاد مسؤول، هدفه التوافق على عقد وطني جامع، يحترم التنوّع السوري، ويقرّ بالخصوصيات والحقوق، ويضبط العلاقة بين مؤسّسات الدولة والمواطنين، بموجب القانون الذي ينبغي أن يلتزم به الجميع.

وبمناسبة الاحتفالات بالذكرى الأولى لتتويج نضال السوريين على مدى عقود بالتخلص من طغيان سلطة آل الأسد وفسادها، سيكون من المناسب جداً أن يتوجّه الرئيس أحمد الشرع إلى الشعب السوري بكل مكوّناته وتوجهاته بكلمة شاملة، يتناول فيها ما جرى من أحداث، وما تحقق من إنجازات على الصعيدين، الداخلي والخارجي؛ ويتقدّم بخريطة طريق واضحة تطمئن جميع السوريين. فالسوريون قد ضحّوا وتحمّلوا كثيراً، وأعصاب قسم كبير منهم ما زالت مشدودة في انتظار أحبّتهم، ومن حقهم معرفة شيء عن مصيرهم على الأقل. ومن أبسط المطلوب، في هذا المجال، محاسبة المسؤولين عن معاناتهم بموجب محاكمات عادلة تقطع الطريق أمام نزعات الثار، وتصاعد الهواجس، وتراكم الأحقاد.

النسيج المجتمعي السوري الوطني اليوم ليس على ما يرام، علينا أن نعترف ونتصرّف، فهناك شروخ عميقة بين المكونات المجتمعية، وضمن كل مكوّن. ومعالجة هذا كله تتم بالصبر والعقلانية والتحمّل والحكمة وبعد النظر. أما النزعات الانفعالية اللاعقلانية فستؤدي إلى الأسوأ الكارثي. وللتعامل الحريص على الحلول مع هذا الوضع، نحتاج دولة مؤسّساتية عادلة، تشمل سيادتها كامل التراب السوري، وتجسّد تطلعات سائر مواطنيها من دون أي استثناء أو تمييز. دولة تفتح الآفاق أمام السوريين للتحرّر من المخاوف والتوجسات؛ وتعزّز الثقة المتبادلة بينهم على مستوى الأفراد والجماعات، وعلى مستوى العلاقة بين المواطنين والسلطة. دولة تطمئن مكوّناتها المجتمعية ومواطنيها بعقود مكتوبة تحترم الخصوصيات وتضمن الحقوق، وتلتزم بمساواة الجميع أمام القوانين المنبثقة من إرادة الشعب الحرّة.

لا نعتقد أن أحداً يشكك في أهمية هذه الأمور العامة. ولكننا إذا انتقلنا إلى التفاصيل، نجد أنفسنا أمام جملة متباينة متعارضة، وحتى متناقضة، من المواقف والتخريجات والمقاربات؛ بموجب تعدّدية الاعتبارات والأولويات، والقدرة على الاستيعاب والتفسير. وقد أدّى هذا في غياب الحوار الوطني بين السوريين ضمن الفضاء العام، إلى انتشار الأحكام المسبقة المنسجمة مع النزعات الرغبوية، والآليات العصبوية التي تتحكّم لدى كثيرين بالتفكير والتقييم، ويتم تسويق الصور النمطية التي تنم عن جهل فاضح بحقائق التاريخ والجغرافيا، ومن دون الأخذ بالاعتبار أبسط المبادئ المطلوبة لإدارة ناجحة لتنوع مجتمعي وطني فريد، متداخل مع الجوار الإقليمي.

إمكانات إخراج سورية من الوضعية الصعبة التي تعيشها راهناً نتيجة عقود من ممارسات سلطة آل الأسد المستبدّة الفاسدة المفسدة موجودة شرط الاستثمار فيها بعقلانية. كما أن مقوّمات النهوض واعدة في مناخات التوافقات الإقليمية والدولية على مساعدة السوريين. الكرة في ملعبنا، هل سنجيد التصرّف في لحظة مفصلية تاريخية لصالح تماسك اجتماعنا، ووحدة بلادنا، وازدهار عمراننا؟ هذا ما نأمله، بل نريده، لأنه طريق الخلاص الأكيد.

العربي الجديد

—————————

الامتحان السوري/ سمر يزبك

09 ديسمبر 2025

ليس الاحتفال بالذكرى الأولى لهروب الدكتاتور بشار الأسد وسقوط حكمه مجرّد احتفال بغياب مجرم صادر الدولة عقوداً، وحكمها على دماء أبنائها؛ بقدر ما هو إعلانٌ مؤجَّلٌ أن المجتمع السوري يحتاج أن يستعيد مكانه مصدراً وحيداً للشرعية. ومع ذلك، يدرك السوريون الذين يملكون حقّ التهنئة والفرح من القلب تماماً أن الطريق لم يبلغ نهايته بعد، فالهروب المفاجئ لمن سحق الدولة واحتكر أدوات قمعها كاملة، وانهيار نظامه القديم في عشرة أيام، لم يرافقه بعد وضوحٌ في ملامح النظام الجديد ومؤسّساته، ولا في هُويَّة الدولة التي يطمح السوريون إلى بنائها. لقد خاض السوريون معركتهم الكبرى، واستعادوا القدرة على التنفّس وعلى الحلم، لكنّهم لم يستعيدوا بعد القدرة على الإحساس بالعدالة والأمن والمساواة. فأهالي الشهداء والمفقودين، وسكّان المخيّمات، وأهالي المدن المُدمَّرة يشكّلون رأس مالٍ أخلاقيٍاً يُلزم جميع الفاعلين في المرحلة الانتقالية صياغة مشروع وطني لا يساوم على العدالة. ولم تظهر بعد ملامح تبشّر بإعادة العدالة إليهم ولو بعد حين، فالحرية ليست مجرّد انتصار سياسي، هي منظومة بنى مؤسّسية قادرة على حماية الناس من عودة الطغيان، مهما تغيّر شكله أو تبدّل اسمه.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز المفارقة الأكثر حساسية: ليس جميع السوريين يحتفلون، فالنصر الذي تعيشه الأغلبية يبقى ناقصاً، لأن جزءاً من المجتمع (خصوصاً من الأقليات التي عاشت عقوداً تحت خطاب التخويف) لم يشعر أنه شريك في هذه اللحظة. هناك فئات ما زالت تخشى النزول إلى الشارع، وما زالت محاصرة بخوفٍ مزروع في ذاكرتها، عزّزته أحداث العام الماضي الدامية. هذه المجتمعات لا ترفض التغيير، وقد رحّبت به، لكنّها لم تجد بعدُ الضمانات التي تجعلها مطمئنةً إلى أن سورية الجديدة ستكون دولة مواطنة، لا دولة ردّات فعل تُحمِّلها بالجملة مسؤولية جرائم النظام الساقط. ولهذا يبدو النصر، مهما بلغ حجمه، انتصاراً منقوصاً لا يكتمل إلا حين يخرج جميع السوريين من زوايا الخوف نحو الثقة، وحين يشعر الجميع (بلا استثناء) أنهم شركاء في هذا التحوّل التاريخي.

احتكار النصر، أو تقديمه ملكيةً خاصّةً لفئة واحدة، هو الطريق الأسرع لإفشال الثورة من الداخل. والحقيقة أن السوريين لم يشعروا بأن هذا الانتصار يخصّهم جميعاً بالمعنى نفسه، وهو ما يهدّد بفقدان الثورة معناها الذي منحها شرعيتها؛ ذلك المعنى الذي عبّر عنه خوسيه ساراماغو حين وصف الثورة بأنها لحظة اكتشاف أننا جميعاً بشر بالقدر ذاته. فالانتصار الحقيقي هو الذي يخلق شعوراً وطنياً مشتركاً، لا شعوراً فئوياً يقوم على أحادية السرد. لقد كانت الثورة نداءً لتحطيم الظلم والاستبداد الذي فتك بالسوريين طوال خمسة عقود، لكنه اتّضح (لحظة سقوط النظام التي اعتُبرت ذروة انتصار الثورة) أن هذا السقوط، وحده، عاجز عن بناء نظام ديمقراطي.

المطلوب اليوم تأسيس بنى قانونية، وآليات مساءلة، ونظام مؤسّسات لا يقوم على الولاء بالولادة لفئة بعينها تملك وحدها حقّ الانتماء إلى الوطن، بقدر ما يقوم على التمسّك بالحقّ في الحياة، وعلى حماية الكرامة الإنسانية من الظلم والانتهاك وكل ما ابتُلي به السوريون خلال الخمسين سنة الماضية. انتصار الثورة لا يكتمل إلا بانتصار الجميع؛ فهو ثقافة يومية، وطريقة في النظر إلى الآخر، ومستوى جديد من الأخلاق السياسية يضمن ألّا تتحول السلطة (مرّةً أخرى) ملكيةَ شخص أو حزب أو طائفة، حتى وإن كانت “أغلبية”. وبعد سنوات الشتات الطويلة، يحتاج السوريون إعادة تشكيل هُويَّتهم الوطنية بصيغة جديدة واضحة. فالهُويَّة السورية لم تعدْ بنيةً متجانسةً؛ لقد تشكّلت في المنافي، وتصدّعت تحت القصف، وانقسمت داخل الخطابات الإعلامية والسياسية. ولهذا، فإن المشروع الوطني المقبل لا يمكن أن يُبنى على نفي المختلفين، بل على توسيع مساحة العيش المشترك. وسورية اليوم تقف أمام فرصة لصياغة هذه المساحة، للمرّة الأولى منذ الاستقلال.

ليست الذكرى الأولى لهروب الدكتاتور مناسبةً للاحتفال بقدر ما هي دعوة إلى التفكير. هي اختبار لقدرة السوريين على تحويل سقوط الطغيان بنيةً ديمقراطيةً صلبةً، وعلى إنتاج دولة لا يخشاها مواطنوها ولا تخشاهم. هي فرصة لطرح الأسئلة التي تؤسّس لسورية قابلةٍ للحياة: كيف تُبنى العدالة؟ كيف يدمج الجميع في مشروع وطني جديد؟ كيف نضمن ألا يعود الاستبداد بثياب مختلفة؟ وكيف نجعل من هذا النصر نصراً للجميع، لا أن يكون مجرّد محطّة في صراع طويل؟

بحسب الشاعر البولوني تشيسواف ميوش: “عندما ينهار الظلم، لا تبدأ الحرية، إنما يبدأ امتحانها”، والامتحان السوري بدأ الآن.

العربي الجديد

———————————-

كيف يعيد 8/12 صياغة المعنى السوري؟/ سالي علي

09 ديسمبر 2025

لم يكن الزمن السياسي في سورية يوماً خطاً مستقيماً يمكن تتبّع تحوّلاته بسهولة. كان الزمن طوال عقود يتدحرج بينَ لحظات يغيبُ فيها المجتمع عن السياسة بكل أشكالها، وأخرى يحاول فيها أن يجد ثغرة صغيرة في جدار القمع كي يطلّ منها على العالم. ولكن ما بدأ في 15 مارس/آذار 2011 لم يكن مجرّد ثغرة ولا مجرد احتجاج ولا حتّى مجرد انفجار سياسي. كان حدثاً يعيدُ تعريف الزمن ذاته، إذ لم يعد الوقت في سورية يُقاس بسنوات حكم أو تغيّر حكومات، بل ببداية حقبة جديدة تتأسسُ على سؤالٍ بسيط ومتوتر في آن. ما معنى أن يكون الإنسان حراً في وطنٍ مُصادَر؟

خرج السوريون يومها إلى الشوارع حاملين ما استطاعوا من شعارات، وما امتلكوه من جرأة شخصية، وما توفّر لهم من مساحة ضيقة في المجال العام. لم يكن أحد منهم يتخيّل أنّ تلك اللحظة الصغيرة، تلك الهتافات التي دوّت في درعا ثم انتقلت إلى مدن أخرى، ستصبح لاحقاً حجراً أساسياً في إعادة تشكيل الوعي السوري وأنها ستتجاوز كونها حركة احتجاجية لتتحول إلى نقطة تحول عميقة في علاقة المجتمع بالدولة، وفي علاقة الفرد بذاته وبحقوقه وبوطنه. منذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء. اللغة، والهتاف، وعمق الأسئلة، وتحوّلت فكرة الثورة من مطلب سياسي إلى مسار يعيدُ تعريف الوجود الوطني.

لم تكن الثورة مجرّد اعتراض على السلطة، بل كانت تمريناً قاسياً على إعادة اكتشاف الذات. لأوّل مرة منذ عقود صار السوريون يتحدثون علناً عن الحرية، عن الكرامة، عن العدالة، عن الحق في الكلام والاحتجاج والتعبير. صارت هذه الكلمات وهي بسيطة في ظاهرها، خطيرة في واقعها، لأنها تضع الفرد في مواجهة بنية سياسية لا تعترف بأيّ حق خارج منظومة الولاء. ومع مرور الوقت لم تعد الثورة حدثاً يومياً فحسب، بل تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى ذاكرة جمعية ترسّخت في الداخل وفي الشتات رغم كل الجراح التي خلّفتها سنوات الصراع الطويلة.

مرّت السنوات وتحوّلت الثورة إلى فصل معقّد من الألم والتضحيات، وواجه السوريون ما هو أبعد من القمع. الحرب، التهجير، الانقسام، الفقر، انهيار البنية التحتية، فقدان الأحبة، وضياع المدن التي كانت تعرف وجوههم. ومع ذلك، بقي شيء ما في الداخل صلباً وعصياً على الانكسار. بقيت الرواية التي تقول إنّ الإنسان ليس رقماً في معادلة أمنية، وإنّ الوطن ليس ملكاً لمن يحكمه، وإنّ التاريخ لا يمكن أن يظل واقفاً عند الجهة ذاتها من المعادلة. بقيت هذه الفكرة في وقت بدا كل شيء آخر قابلاً للانهيار، هي الخيط الذي حافظ على اتساق معنى الثورة.

لكنّ السوريين لم يكونوا يتوقعون أنّ لحظة ثانية ستأتي بعد أكثر من عقد، لحظة تفتح باباً جديداً للتاريخ، وتشير إلى انتقال فعلي من فكرة الثورة إلى مسار التحرير. ففي 8 ديسمبر (2024)، في ذلك اليوم الذي تحوّل بسرعة إلى رمز، سقط النظام الذي ظلّ متماسكاً رغم كل الزلازل. سقط فجأة وبشكل لم تستطع أي قراءة تقليدية توقّعه بهذا الشكل، وسقط معه فصل كامل من الدولة السورية كما عرفها الناس عقوداً طويلة. ومع إعلان سقوط السلطة ورحيل بشار الأسد، وجد السوريون أنفسهم أمام سؤال جديد أشد تعقيداً مما سبق. ماذا بعد التحرير؟

لقد اختُبر السوريون سابقاً في السؤال الأول: لماذا يريدون الحرية؟ وكان الجواب في الشوارع والمظاهرات والذاكرة والدموع والدم. أمّا السؤال الثاني الذي فرضته لحظة 8 ديسمبر فهو سؤال أكثر خطورة؛ كيف تُدار الحرية حين تصبح ممكنة؟ كيف تُبنى الدولة حين لا يعود هناك من يحتكرها؟ وكيف تُعاد صياغة العقد الاجتماعي حين ينهار العقد القديم كاملاً؟

التحرير بهذا المعنى ليس حدثاً عسكرياً أو سياسياً فقط. التحرير هو انكشاف. انكشاف الدولة على هشاشتها وانكشاف المجتمع على انقساماته، وانكشاف القوى السياسية على محدودية إمكاناتها. ففي اللحظة التي انهار فيها النظام انهارت معه البنية التي كان يمسك بها. ورغم أنّ كثيرين رأوا في هذا الانهيار فرصة، إلا أنه شكّل أيضاً فراغاً هائلاً، إذ لم يكن أحد مستعداً لمواجهة اليوم التالي. لم تكن هناك مؤسسات جاهزة لتحمّل المسؤولية، ولم تكن هناك إدارة بديلة واضحة، ولم يكن المشهد السياسي مهيأً بالقدر الكافي لتولّي مهام الدولة. كان التحرير أشبه بباب فُتح فجأة على غرفة مظلمة تحتاج وقتاً طويلاً كي يُعاد ترتيبها.

في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، بدت الصورة مزيجاً من الفرح والارتباك. في شوارع المدن التي خرج أهلها للاحتفال، علَت الهتافات ذاتها التي عرفتها سورية قبل سنوات. لكن خلف تلك الأصوات بقيت التفاصيل الأصعب؛ كيف سيعاد تشغيل مؤسسات الدولة؟ من سيحفظ الأمن؟ من سيقود المرحلة الانتقالية؟ وكيف سيُعاد دمج مجتمع عاش سنوات من التمزق؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل أسئلة وطنية وجودية. فالدولة ليست مجرد معادلة قانونية؛ الدولة شبكة من الثقة المتبادلة بين الناس، وهذه الشبكة تمزقت بفعل الصراع الطويل.

كثيرون من المفكرين والناشطين الذين عاصروا بدايات الثورة يقولون اليوم إنّ أصعب مرحلة ليست الثورة نفسها بل ما يأتي بعدها. الثورة تُلهم، أما البناء فيتطلب صبراً ومهارة وحكمة. الثورة تُشعل الخيال العام، أما الدولة فتحتاج إلى قدرة على إدارة الواقع بما يحمله من تناقضات. الثورة تمنح الناس شعوراً بالقوة، أما الدولة فتضعهم أمام مسؤوليات طويلة الأمد. وفي سورية اليوم تتداخل هذه المعادلات جميعاً بطريقة تجعل المرحلة الحالية واحدة من أدقّ المراحل في تاريخ البلاد الحديث.

لم يعد بإمكان السوريين التفكير في الحرية باعتبارها غاية بحد ذاتها. الحرية الآن ليست شعاراً بل مسؤولية. وهي مسؤولية تقتضي وجود قانون، قضاء مستقل، أجهزة أمنية غير سياسية، مؤسسات رقابية، مجتمع مدني فعّال، صحافة حرة، وبرلمان منتخب. بعبارة أخرى، ينبغي أن تتحول الحرية من حالة شعورية إلى بنية مؤسساتية. وهذا التحدّي هو ما يجعل لحظة ما بعد التحرير أكثر صعوبة من لحظة الثورة، إذ كانت الثورة تواجه خصماً واحداً، بينما البناء يواجه عقبات متعددة ومتراكمة.

التحديات الاقتصادية تأتي في مقدمة هذه العقبات. فبلد أنهكته الحرب وعانى من انهيار النظام المالي والبنى التحتية، يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل كي يعود إلى مسار التنمية. ويحتاج إلى خطط واضحة لإعادة الإعمار، وإعادة توزيع الموارد، وإعادة هيكلة القطاعات الإنتاجية. كما يحتاج إلى استعادة الثقة من المستثمرين المحليين والخارجيين، وإلى إعادة تدوير القوى البشرية المهاجرة التي غادرت البلاد بحثاً عن الأمن والعمل والتعليم. فدور الشتات السوري اليوم ليس دوراً هامشياً بل هو رصيد معرفي واقتصادي وسياسي هائل يمكن أن يسهم في عملية التحول.

لا يقل التحدي الاجتماعي أهمية. فبعد سنوات الحرب والانقسام، عاش السوريون تجارب مختلفة ومتناقضة. هناك من عاش في مناطق سيطر عليها النظام، وهناك من عاش في مناطق خارجة عن سيطرته، وهناك من غادر البلاد. لكل شريحة روايتها وجرحها وخبرتها. والمطلوب اليوم ليس توحيد هذه الروايات قسراً، بل إيجاد إطار مشترك يسمح بوجودها جميعاً من دون أن تتحوّل إلى عائق أمام بناء الدولة. هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية التي لا يمكن القفز فوقها، ولا يمكن اختزالها بالمحاسبة الجنائية وحدها. العدالة الانتقالية عملية طويلة تتضمن الاعتراف، الحقيقة، الجبر، المصالحة، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

العربي الجديد

—————————–

سوريا بعد عام من سقوط الأسد: بين الانتقال السياسي والهشاشة المؤسسية/ روز هلال

سوريا بعد عام على السقوط: بين بوادر الدولة الجديدة وتعقيدات السياسة المتنازعة

2025-12-09

بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، تجد سوريا نفسها على أعتاب مرحلة سياسية جديدة مليئة بالحساسية والتعقيد، حيث تعكف الحكومة الانتقالية على تشكيل ملامح النظام السياسي المقبل وسط سلسلة من التحديات الداخلية والخارجية العميقة. وتتشابك عناصر المشهد بين الدستور المؤقت والحوار الوطني وإعادة صياغة العلاقات الدولية والبحث عن آليات للعدالة الانتقالية، مما يخلق لوحة سياسية معقدة ترافقها انتقادات واسعة حول غياب الشمولية وتوجهات نحو تركيز السلطة.

وفي خطوة مؤسسية محورية، أقرت الحكومة الانتقالية “إعلاناً دستورياً مؤقتاً” ليكون الإطار الحاكم خلال السنوات الأولى التي تلت النظام السابق. وقد مثلت هذه الخطوة أحد أبرز الإنجازات المؤسسية للمرحلة الانتقالية من حيث تحديد شكل النظام ومهام السلطات وآليات إصدار القوانين.

إلا أن هذا الإعلان أثار موجة انتقادات واسعة لعدة أسباب، أبرزها غياب العملية التشاركية في صياغته، حيث شككت قطاعات واسعة في شرعية اللجنة التي أعدته، فضلاً عن منح الرئيس المؤقت صلاحيات واسعة تذكر بتركيز السلطة في العهد السابق. كما أنه لم يقدم ضمانات كافية لمشاركة الأقليات ـ وخصوصاً الأكراد والسريان والدروز ـ في أي نظام سياسي دائم، إلى جانب غموض بنود تتعلق باللامركزية والإدارة المحلية، وهو ما اعتبرته قوى مناطقية تقليلاً من قيمة التنوع السوري. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت الحكومة تثبيت قاعدة قانونية لإدارة مؤسسات الدولة، وإن لم تنجح في بناء توافق وطني حقيقي حولها.

وعلى صعيد الحوار السياسي، أطلقت السلطة الانتقالية حواراً وطنياً واسعاً يهدف إلى مناقشة مستقبل سوريا وصياغة أسس الدستور القادم، حيث بدأ بزخم إعلامي وسياسي كبير وشُكلت لجانٌ يفترض أن تمثل المجتمع السوري بكل أطيافه. لكن مسار هذا الحوار واجه عقبات سريعة، تمثلت في امتناع قطاعات واسعة من المعارضة التقليدية عن المشاركة بسبب اعتراضها على معايير التمثيل، واستبعاد أو تجاهل بعض المجموعات المدنية والنخب السياسية التي لعبت أدواراً محورية خلال سنوات الحرب، وهيمنة قوى مقربة من السلطة الانتقالية على اللجان الأساسية مما أثار مخاوف من إعادة إنتاج سلطة غير شاملة، وأخيراً فشل الحوار في إنتاج وثيقة سياسية موحدة أو خارطة طريق واضحة للدستور الدائم. وكنتيجة لذلك، بقي الحوار خطوة غير مكتملة، وتحول إلى عنوان جديد للأزمة السياسية بدلاً من أن يكون مساراً لحلها.

اختبار المصداقية

في محاولة للتعامل مع إرث الانتهاكات، أنشئت هيئة وطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين تتولى التحقيق في الجرائم وكشف الحقيقة وتقديم التعويضات، وهي خطوة لاقت ترحيباً من الشارع السوري بعد سنوات من العنف والانتهاكات. ومع ذلك، واجه التقدم في هذا الملف تحديات جمة، تمثلت في ضعف الإمكانات التقنية والمالية للهيئة، وغياب حماية سياسية مستقلة لها مما أثار مخاوف حول قدرتها على محاسبة شخصيات نافذة، ودمج مجموعات مسلحة سابقة في المؤسسات الأمنية دون تدقيق كافٍ، مما زاد المخاوف لدى الضحايا، إضافة إلى طول الإجراءات وتعقيدها وافتقار الهيئة إلى أدوات تنفيذية على الأرض. وقد تعرضت الحكومة لانتقادات بسبب تعاملها الحذر مع الملف، حيث رأى البعض أنها تفضل “الاستقرار الأمني” على المحاسبة، مما يهدد مستقبل المصالحة الوطنية.

ويظل ملف المكونات العرقية والدينية أحد أكثر الملفات حساسية، حيث برزت بعد سقوط النظام مطالب مختلفة تتعلق بالتمثيل السياسي والإدارة الذاتية وضمان الحقوق الثقافية. وعلى الرغم من وعود الحكومة ببناء دولة مواطنة، كشف الواقع عن مشكلات واضحة، منها استمرار التوتر بين القوى الكردية والحكومة بشأن شكل اللامركزية في الشمال الشرقي، ومخاوف لدى الكيانات المسيحية والدروز من غياب ترتيبات دستورية واضحة لحماية خصوصياتها، وشعور بعض المناطق المهمشة بأن السلطة الانتقالية تعيد تمركز القرار في العاصمة.

وعلى الصعيد الخارجي، فتحت سوريا الجديدة بوابات سياسية كانت مغلقة خلال سنوات الحرب، حيث بدأت دول عربية وخليجية في إرسال وفود رسمية، كما فتحت قنوات اتصال مع دول غربية لدعم عملية إعادة الإعمار. لكن هذا المسار يواجه مجموعة من التعقيدات، أبرزها أن الدعم الدولي مشروط بتحقق إصلاحات سياسية عميقة، خصوصاً في مجالات حقوق الإنسان وتمثيل المجتمع، وأن دولاً كبرى تنتظر وضوحاً أكبر في موازين القوى الداخلية قبل تقديم دعم اقتصادي واسع، فضلاً عن استمرار النفوذ الروسي والإيراني وضرورة إعادة التفاوض حول الاتفاقيات السابقة، مما يجعل التوازنات الإقليمية هشة.

وبعد عام على سقوط النظام، حققت البلاد بعض الخطوات الأساسية مثل وضع إطار دستوري مؤقت وبدء حوار سياسي ووضع نواة لعدالة انتقالية وعودة تدريجية للعلاقات الدولية. إلا أن هذه الإنجازات جاءت محاطة بانتقادات واسعة تتمحور حول غياب الشمولية الحقيقية في صناعة القرار، ومركزية السلطة مقابل ضعف المشاركة الشعبية، وبطء مسار العدالة، وهشاشة الإدارة السياسية للملفات المتنوعة، وضعف الثقة بين الحكومة والمجتمع وخصوصاً المكونات العرقية والدينية. لكن المشهد السياسي السوري لا يزال في بدايته، والمسار القادم سيحدد ما إذا كانت سوريا قادرة على بناء دولة حديثة تستوعب الجميع، أم أن المرحلة الانتقالية ستتحول إلى فرصة ضائعة تزيد من حدة الانقسام والتوتر.

سوريا بين المخاطر والأمل

يقول أحمد عقيل كلش، الناشط السياسي المقيم في إدلب شمال غربي سوريا، في حديث خاص لـ”963+”، إن البلاد ما تزال بعد عام على سقوط نظام الأسد تسير بحذر شديد نحو بناء دولة مؤسسات حقيقية.

ويضيف: “مازلنا نخطو بحذر تجاه قيام الدولة السورية كما تعرف الدول في العالم”، مشيراً إلى أن ذلك يشمل بناء مؤسسات قانونية وفصلاً حقيقياً للسلطات وتناغم عملها بشكل مؤسسي.

ويوضح الناشط السياسي أن الهدف يجب أن يكون إرساء دعائم القانون وتطبيقه على كامل الجغرافيا السورية، بما يمنح القيادة السياسية شرعية شعبية تتجاوز الشرعية التي اكتسبتها من خلال قيادة “عملية ردع العدوان” التي انطلقت من إدلب ووصلت إلى دمشق.

ويشير كلش إلى أن هذه العملية العسكرية، التي استغرقت أحد عشر يوماً فقط، جسدت لحظة فرح ودموع للسوريين بالخلاص من “آلة القتل الجهنمية الأسدية”، وطي صفحة مريرة من حكم الاستبداد والإجرام.

ويضيف: “عيون السوريين وقلوبهم ترنو لمستقبل جديد يقطع مع هذه الحقبة المؤلمة من تاريخ سوريا الحديث”، معرباً عن الأمل في أن يستعيد الشعب السوري لحمته الوطنية ويبني عقده الاجتماعي القانوني وينتخب سلطته الوطنية لبناء الدولة السورية الحديثة.

ويلفت إلى أن الخطوات لا تزال متعثرة بعد سنة على هروب رأس السلطة السابق، وأن الفعل الشعبي ما يزال يفتقر لرؤية واضحة نحو العمل المطلوب منه، بينما تحاول القيادة السياسية كسب الشرعية الخارجية وتلقي الدعم الكافي لإعادة الإعمار.

ويوضح أن التحديات كبيرة، خاصة مع الصراعات غير المحسومة بين السلطة المركزية في دمشق ومنطقتَي الشرق والجنوب، وخصوصاً محافظة السويداء، بالإضافة إلى معاناة ملايين المهجرين والنازحين داخل البلاد وخارجها الذين ما يزالون يعيشون في مخيمات وسط واقع مؤلم ومعقد.

ويختتم كلش بالقول: “لا شك بأن التركة كبيرة جداً ولا يمكن لأي سلطة أن تتصدى لها بمفردها وبدون دعم شعبي ودولي ومن الأمم المتحدة”، داعياً السلطة الانتقالية إلى توسعة المشاركة الجماهيرية وتقديم خارطة طريق واضحة وشفافة وواقعية لجميع السوريين.

+963

——————————–

سوريا… الممر الذي لا يهدأ: سباق تركي-إسرائيلي.. سوريا على مفترق مصالح/ أحمد الجابر

2025-12-09

في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، تبدو البلاد وكأنها تدخل طوراً سياسياً وجيوسياسياً بالغ التعقيد، يتجسد في تداخل صراعات النفوذ الإقليمي مع تحديات الداخل السوري المتشعبة. فالمشهد العام يوحي بأن سوريا أصبحت ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية تمتلك مصالح متعارضة أحياناً، ومتشابكة أحياناً أخرى، ضمن بيئة مضطربة تتقاطع فيها خطوط الطاقة مع خطوط الانقسام الاجتماعي.

وتستند التحليلات المختلفة إلى فكرة محورية مفادها أن سوريا اليوم لم تعد مجرد دولة خارجة من صراع طويل، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتجه إليها أنظار قوى إقليمية كبرى، كلٌّ وفق حساباته السياسية والاقتصادية والأمنية. فالموقع الجغرافي الحساس للبلاد، وما تختزنه من ثروات محتملة في مجالي النفط والغاز، إضافة إلى دورها التقليدي في ممرات الطاقة بين الشرق والغرب، كلها عوامل تجعل من سوريا مركزاً لصراع نفوذ يتجاوز حدودها المباشرة.

وفي الوقت نفسه، يبرز بعدٌ داخلي لا يقل خطورة عن التنافس الخارجي، إذ تعاني البلاد من إرث الانقسامات الطائفية وما رافقها من ممارسات يومية تترك أثرها العميق في النسيج الاجتماعي السوري.

ويأتي هذا في لحظة تاريخية حساسة، حيث تقف الحكومة الانتقالية أمام اختبار مصيري يتعلق بقدرتها على تجاوز الطائفية وبناء علاقة عادلة مع مختلف مكونات المجتمع. فالتحدي الداخلي لا يتمثل فقط في إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل أيضاً في احتواء الميليشيات والفصائل المتعددة التي تمتلك رؤى مختلفة لمستقبل البلاد، وفي بعض الأحيان ترتبط حساباتها بمصالح أو مخاوف طائفية.

وهذا الواقع الداخلي ينعكس مباشرة على قدرة سوريا على الاستفادة من موقعها الاستراتيجي أو حماية ثرواتها أو صياغة دورها الإقليمي بعيداً عن تأثيرات الخارج.

وهكذا يتضح أن سوريا تقف عند نقطة تقاطع بين صراع إقليمي على النفوذ والثروات، وصراع داخلي على هوية الدولة وطبيعة نظامها الاجتماعي والسياسي. ففي الوقت الذي تسعى فيه قوى إقليمية لتعزيز حضورها في الجغرافيا السورية، سواء عبر النفوذ الأمني أو مشاريع الطاقة أو تشكيل مناطق نفوذ، تواجه البلاد تهديداً آخر أكثر عمقاً يتعلق بإمكانية الانزلاق نحو مزيد من الانقسام إذا لم تُعالج جذور المشكلة الطائفية.

ومن ثم، فإن مستقبل سوريا مرهون إلى حدٍّ كبير بمدى قدرتها على تجاوز التوترات الداخلية وتحقيق الحد الأدنى من التماسك الوطني، بما يسمح لها بتجنب سيناريوهات التفكك والتقسيم، ويعيد تمكينها من إدارة موقعها الحيوي وثرواتها بشكل يحفظ استقلال قرارها ويمنع القوى الإقليمية من استغلال هشاشتها. بهذه الصورة، يتشكل إطار شامل لفهم طبيعة المرحلة الحالية في سوريا، حيث تتكامل اعتبارات الجغرافيا السياسية مع التحديات الاجتماعية الداخلية في رسم ملامح مستقبل مفتوح على احتمالات متعددة.

تنافس إقليمي.. صراعٌ على الثروات

يقول الدكتور أكرم حسام، رئيس مركز السلام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، لـ”963+”: إنه بعد عام تقريباً من سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت سوريا في موضع تنافس بين مركزَي قوة إقليميين جديدين، وهما تركيا وإسرائيل، ويرى أن الجانب التركي والجانب الإسرائيلي باتا الطرفين الأكثر تحكماً وتأثيراً في مسار الأحداث في سوريا، سواء فيما يتعلق بالأحداث الداخلية وتطورات المشهد الداخلي، أو فيما يتعلق بالتأثير الخارجي على علاقات سوريا مع دول الجوار بشكل عام، وربما مع الإطار الدولي بشكل خاص.

ويتابع قائلاً إن ضمن محور هذا التنافس محاور عديدة، منها ما يعلل بأنه يتعلق بمحاولة تركيا السيطرة أو الاقتراب من مناطق شمال سوريا، وتحقيق نوع من السيطرة الهادئة على هذه المناطق عبر الاستمرار في عمليات التغيير الديموغرافي وتعزيز وجودها الأمني والاقتصادي في هذه المناطق بشكل أساسي، مستفيدة من علاقتها القوية مع الحكومة الحالية في دمشق.

بينما إسرائيل، كما يوضح، تركز على مناطق الجنوب السوري، وتستفيد من علاقاتها مع بعض الطوائف السورية الموجودة في مناطق الجنوب، في درعا والسويداء، كالدروز وغيرهم، وتحاول توسيع مساحة الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها حالياً عبر تشكيل ما يسمى بالمناطق العازلة، والتأثير على خطوط الحدود أو خطوط فك الاشتباك التي كانت محددة وفق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل.

ويفسر الدكتور حسام أنّ ضمن هذا التنافس لأن هذا المحور غير ظاهر للرأي العام وغير ظاهر بشكل واضح في الإعلام الإقليمي والدولي، تنافساً بين الجانب التركي والإسرائيلي على الثروات السورية، خصوصاً ما يتعلق بثروة سوريا في مجالي النفط والغاز بشكل أساسي.

أطماع بالطاقة

يشير إلى أنّه لا ننسى أن سوريا تعتبر الدولة المنتجة الوحيدة للنفط من دول شرق المتوسط في منطقة الشام، ولذلك هي دولة غنية في هذا الإطار. كما أن لديها احتياطات من الغاز في مياه شرق المتوسط، ويتوقع أن يكون لها دور في تشكيل معادلة الغاز والمساهمة في التأثير على معادلة الغاز الحالية الموجودة في منطقة شرق المتوسط، والتي تمثل فيها إسرائيل وتركيا إلى جانب مصر واليونان ولبنان أضلاعاً أساسية في هذا الإطار.

ويستكمل أنه إذًا هناك منافسة على محاولة الوصول إلى مناطق الإنتاج الحالية والمحتملة للنفط والغاز في سوريا، سواء في المناطق البرية أو الحدودية أو حقول النفط على الأراضي السورية، أو حتى في مناطق الحدود البحرية. ويتوقع في هذا الإطار أن يكون هناك تنافس أو تأثير أو خشية من جانب إسرائيل من محاولة دخول تركيا على خط المفاوضات الجارية أو المتوقعة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة، بين سوريا والدول المجاورة لها، وكذلك فيما يتعلق بلبنان، بحكم تأثير سوريا المعروف على بعض مجريات الأمور في لبنان، نظراً لعوامل تاريخية وطائفية وسياسية عديدة لا يتسع المجال لذكرها.

ويضيف أن ضمن محاور هذا التنافس يأتي التنافس على الموقع الاستراتيجي لسوريا، وهذا هو لب الحديث أو محور الحديث. فالموقع الاستراتيجي الحالي لسوريا كان ولا يزال موقعاً مثالياً لخطوط نقل الطاقة من الشرق باتجاه أوروبا. وقد كان هذا الأمر مطروحاً منذ عام 2004 عبر عدد من المشاريع الإقليمية، كان منها مشروع الخط الغازي القطري عبر سوريا إلى تركيا ثم أوروبا، وهذا المشروع لاقى معارضة في ذلك الوقت من جانب الحكومة السورية.

ويشرح أن هذه المشاريع الآن تجددت بعد سقوط نظام الأسد، وأصبح لدى تركيا فرص لإتمام وتنفيذ ثلاث مشروعات أو ثلاثة خطوط لنقل الطاقة. أحدها المشروع القطري–التركي، الذي سينقل الغاز من السعودية ودول الخليج عبر الأردن ثم إلى سوريا وتركيا. وهناك أيضاً مشروع آخر — يعتقد أنه — قد يمتد مما يسمى بخط الغاز العربي، الذي يبدأ من مصر باتجاه الأردن ثم لبنان وسوريا. هذا المشروع كان فاعلاً في مرحلة من المراحل وتعطل بسبب بعض الأحداث في سوريا. ويمكن أن تساهم تركيا أو تستفيد منه في حال استطاعت أن ينتهي الخط الحالي في الأراضي التركية، لتصبح لتركيا مكانة مهمة في محاور الطرق ومحاور نقل الطاقة المارة بالأراضي السورية عبر أراضيها.

ويشير كذلك إلى أن هناك حديثاً عن خط آخر أو مشروع آخر تفكر فيه الحكومة التركية، وهو مشروع مدّ مباشر للطاقة بين تركيا وسوريا، ومن شأنه أيضاً تقوية موقف الحكومة السورية واستغنائها عن بعض الإمدادات التي كانت تأتي إليها سابقاً من إيران ومن دول أخرى، مما يعزز قوة الحكومة السورية وموقفها الداخلي.

ويعلل الدكتور حسام أن هذا الأمر بلا شك يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية التي تريد أن تظل سوريا دولة ضعيفة ومفككة وغير قادرة على السيطرة على مواردها. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المشروعات التركية الثلاث — كما يوضح — لها تأثير مباشر على فرص إسرائيل لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة في منطقة شرق المتوسط، ومن ضمنها مشروع “ميد إيست” الذي تنفذه إسرائيل حالياً مع قبرص واليونان ودول أخرى.

ويرى أن هناك تنافساً واضحاً بين الدولتين على مسألة محاور الطاقة المارة عبر الأراضي السورية. وهذا التنافس، في تقديره، سيستمر قائماً إلى أن يتم التواصل أو التوصل إلى معادلة سياسية ممكنة بين البلدين.

ويقول في هذا السياق إن هذا الأمر هو الاحتمال الأكبر، إذ لابد من حدوث تعاون بين القوتين الإقليميتين الأكبر ذات التأثير في الشأن السوري في الوقت الراهن، لأنه دون ذلك لن تتمكن أي دولة من تنفيذ المشاريع الحالية. فسوريا وإسرائيل وتركيا قوى إقليمية كبيرة.

والإدارة الأميركية — كما يشير — لا تريد أن يحدث صراع بين إسرائيل وتركيا بحكم التحالف بينهما، ولا تريد كذلك أن يحدث صراع على الأراضي السورية. ولذلك ستدفع باتجاه مقاربة للتعاون المشترك ومحاولة الوصول إلى حلول وسط تتحقق من خلالها الفائدة المشتركة أو بعض الفوائد، بحيث لا تتقاطع هذه الخطوط أو تتعارض مع بعضها البعض.

ويوضح أن هذا هو مضمون التنافس الحالي أو الفكرة الحالية حول الممرات الحيوية في سوريا، والتي يتوقع أنها ربما تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يتبلور شكل المنافسة بشكل نهائي باتجاه محدد.

خطر داخلي

في المقابل، يقول الدكتور أحمد ياسين، وهو خبير اقتصادي يقيم في لندن، لـ”963+”: إنه إذا لم تستطع الحكومة الانتقالية تجاوز الطائفية، والتعامل مع جميع مكونات الشعب السوري بشكل عادل، والسيطرة على الميليشيات والفصائل المسلحة — التي يمتلك كل فصيل منها استراتيجيته الخاصة وطريقة تعامله مع الأقليات — فإن ذلك سيقود، كما يشير، إلى وقوع بلاء كبير سيطاول سوريا والعالم كله.

ويضيف أن غياب أي استراتيجية قابلة للنجاح سيكون النتيجة الحتمية في حال عجز هذه الحكومة عن تجاوز الطائفية، موضحاً أن الطائفية تُمارس اليوم بشكل يومي ومقلق. ويشير إلى حوادث حصلت مؤخراً، متسائلاً: كيف يمكن لدولة أن تنهض في ظل هذا الواقع؟

ويتابع الدكتور ياسين موضحاً أن هناك مكونات من الأقليات تموت فقط لأنها تنتمي إلى طائفة محددة، معتبراً أن هذا هو الجواب الأساسي والوحيد: فإذا لم تستطع الحكومة معالجة هذا الخلل، فإن البلاء — كما يراه — سيقع على سوريا، وقد يأخذ شكل تقسيم خطير قد تشجع عليه إسرائيل بشكل مباشر، بحسب روايته.

ويشير إلى أنه يتجاوز في تحذيراته الجانب الاقتصادي وكل ما عداه، مؤكداً أن الأولوية المطلقة هي أن تتجاوز الحكومة الطائفية، وأن تحظى بدعم كامل من مختلف مكونات الشعب السوري. ويختم قائلاً: ما لم يتحقق ذلك، فلن يكون هناك أي أمل حقيقي في الخروج من الأزمة.

+963

——————————–

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتَين/ عبد الوهاب بدرخان

09 ديسمبر ,2025

في الشهور الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد كانت الأسئلة: هل تستطيع مجموعة جهادية قادت معركة “ردع العدوان” أن تدير بلداً صعباً ومعقّداً مثل سوريا، وإلى أي حدّ هي مؤهلة لهذه المهمة، وهل يمكن أن تلقى قبولاً داخلياً وخارجياً؟ وقبل مرور عام كانت قد ارتسمت صورة مذهلة للتغييرات التي طرأت، سواء بالنسبة إلى قيادة الحكم أو إلى الطموحات الواعدة للاقتصاد والتنمية وإعادة الإعمار.

قد لا تكون وتيرة التغيير بمستوى حاجات بلد خارج من حرب خطفت نحو مليون من أبنائه ودمّرت الكثير من عمرانه، إلا أن الحكم الجديد قطع مسافة كبيرة بين العزلة التي كانت والانفتاح الذي صار، بين عقوبات جعلت النظام السابق يعيش على التهريب وإدارة جديدة يقدم رئيسها سوريا محوراً للاستثمارات، كذلك بين نظام يطرد ملايين من مواطنيه ليحصل على “مجتمع متجانس” ويضغط على جيرانه ويمارس الابتزاز كلما تلقى عروضاً لاستعادتهم، ونظام يريد عودتهم ولا يسوق الذرائع لردعهم.

لم تعد هناك أسباب موجبة لإبقاء العقوبات، ويفترض أن تُرفع قريباً تلك المرتبطة بـ”قانون قيصر” ولا يتمسّك بها سوى الكونغرسيين التابعين للوبي الإسرائيلي، لكن إعلان الرئيس الأميركي أنه راضٍ عن أداء الرئيس أحمد الشرع ومطالبته إسرائيل بألّا تقوم بأي عمل ينعكس سلباً على “تطوّر سوريا لتصبح دولة مزدهرة”، شكّلا الدعم الأكثر وضوحاً للحكم الحالي في دمشق. لا يقدّم دونالد ترامب دعماً مجانياً، ويُذكر أنه كان يرغب في الانسحاب من سوريا خلال ولايته الأولى. كان أسلافه يرددون دائماً أن “لا مصالح لأميركا في سوريا”، ربما لأنها كانت مغلقة أمامهم و”سوفياتية” ثم متحالفة مع روسيا وإيران. وفي “الحرب على داعش” بحث الأميركيون في الاستعانة بالقوات المنشقّة عن النظام فاصطدموا بممانعة تركية، لذا اعتمدوا على أكراد “قسد”، لكنهم يكتشفون الآن مصلحة في سوريا موقعاً وقدراتٍ وفرصاً اقتصادية واستراتيجية.

لا يقتصر الأمر على انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، أو على التنسيق مع القوات الأميركية لمهاجمة خلايا هذا التنظيم، بل يتعداه إلى أن تبقى سوريا خالية من أي وجود إيراني وأن تتصدّى لتهريب الأسلحة الى “حزب الله” (وفقاً للتهنئة التي تلقاها الأمن السوري من قائد “سنتكوم”)، وأن تتيح أيضاً لواشنطن إمكان تحديد حجم النفوذ الروسي في الأراضي السورية. أما في المقلب الجنوبي فترى أميركا – ترامب في سوريا – الشرع “مصلحة” لإسرائيل، غير أن إسرائيل ترى مصلحتها في التحكّم بسوريا وتقطيعها إلى دويلات. لكن هذا يتناقض مع رؤية دول الخليج وتركيا إلى سوريا، ويبدو – حتى الآن – أن ترامب لا يزكّي الأهداف الإسرائيلية، من دون أن يدخل في التفاصيل، لكنه لا يزال بعيداً عن إدراك أن اعترافه بـ”السيادة الإسرائيلية” على الجولان المحتل (عام 2017) هو ما فتح شهية إسرائيل للاستيلاء على مزيد من الأراضي السورية.

لن يتأخّر ظهور التناقض بين النيات الحقيقية لأميركا تجاه سوريا وطموحات دمشق في سعيها إلى بناء الدولة، لكن إذا تطابقتا وظلّ هناك احترام متبادل يدعم المصالح فإن مستقبل سوريا سيغدو مؤثّراً إيجابياً وبسرعة في المنطقة عموماً. هذا ما تراهن عليه الدول التي احتضنت الحكم الجديد، وفي طليعتها السعودية التي فتحت أبواب واشنطن أمام الشرع وفريقه، وكذلك الإمارات وقطر وتركيا التي دعمته بأساليب مختلفة حتى عندما برزت أمامه صعوبات داخلية مع فئات لا تزال تشكّك في إمكان التعاون معه.

واقعياً، تواصل الأطراف جميعاً وضع الحكم تحت الاختبار، تحديداً بسبب الهوية الإسلامية المتشددة التي انبثق منها، برغم أن الرئيس الانتقالي أعطى شخصياً الكثير من المؤشّرات إلى كونه أجرى (مع العديد من رفاقه في الحكم) مراجعة لتجربته السابقة منتقلاً “من الثورة إلى الدولة”. لكن الخارج الذي مدّ اليد إليه ينتظر الضوابط التي تؤكّد التوجّه نحو “دولة القانون”، كما يطالبه بـ”المعايير” التي يمكن أن تبعده عن استبطان نمطٍ جديدٍ من الاستبداد.

منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق انهالت التحذيرات الخارجية من تفجّر مشكلة الأقليات (بيان اجتماع دولي في العقبة 14.12.2024)، وهذا كان متوقّعاً في أي حال، لكن لم يكن متوقعاً من الحكم الجديد أن يبادر إلى تسويات تفضي إلى إقامة “دويلات” طائفية أو عرقية، بل دعا الى توحّد الجميع في إطار دولة واحدة، وسيظل هذا الاستحقاق ماثلاً أمامه كي تواكب المصالحات الداخلية مسلسل النجاحات في الخارج. وفي الانتظار سيواصل أكراد “قسد” المراهنة على تبدّل الظروف الإقليمية من دون أن يتخلوا عن حلم “دولتهم”، وسيواصل دروز حكمت الهجري المراهنة على إسرائيل لبلورة مشروع “انفصالهم”، وسيواصل العلويون المراهنة على روسيا كي يظفروا بـ”دويلة”، ولا مشروع للمسيحيين سوى ترسيخ وطنيتهم وأصالتهم في البلد علّهما تؤكّدان أن “تحوّل” الإسلاميين حقيقة أو تكشفان أنه مجرد تمويه.

*نقلاً عن “النهار”

———————————-

كيف تدعم إدارة ترامب سوريا بعد عام على سقوط الأسد؟

واشنطن- شهدت سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا تغيرات دراماتيكية منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد قبل عام. وانفتحت واشنطن على دمشق بطريقة مزدوجة، فألغت تدريجيا عقوبات كثيرة ومعقدة فُرضت على سوريا خلال الأربعين عام الماضية، وانفتحت إدارة الرئيس دونالد ترامب على دمشق من خلال لقاءات عدة مع نظيره السوري أحمد الشرع.

وفي هذا الإطار، من المقرر أن يلغي الكونغرس عقوبات قانون قيصر على سوريا من خلال بند في مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني بالسنة المالية 2026. وسيزيل التشريع -المرجح تمريره في مجلسي الكونغرس– القيود التي هدفت إلى معاقبة سوريا على جرائم الحرب خلال نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

ويتطلب المشروع موافقة مجلس النواب قبل أن يصبح قانونا، ويُنتظر أن يصوت مجلس النواب هذا الأسبوع على القانون المعني بالميزانية السنوية للدفاع، والذي يتضمن بدوره المئات من البرامج، ويحدد سبل إنفاق ما يقرب من تريليون دولار هي قيمة ميزانية الدفاع.

وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون، في بيان حول مشروع القانون، “يساعد قانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام في دفع أجندة الرئيس ترامب الدفاعية. وتاريخيا تمر تشريعات الدفاع بأغلبية كبيرة من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري)”.

في حوار مع الجزيرة نت، يقول البروفيسور ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث بولاية ماساتشوستس الأميركية، إن “الإلغاء المرتقب لعقوبات قانون قيصر دون شروط خطوة كبيرة إلى الأمام لاقتصاد سوريا وآفاق إعادة الإعمار، فقد كان هذا القانون بلا شك الأهم بين العقوبات الأميركية المتبقية على سوريا”.

4 سنوات من الاختبار

وفقا لوثيقة تداولتها عدة مواقع إخبارية أميركية، يجب على الرئيس الأميركي أن يقدم تقريرا إلى لجان الكونغرس المختلفة في البداية خلال 90 يوما، ثم كل 6 أشهر لمدة أربع سنوات، ليشهد بأن سوريا تتخذ خطوات ملموسة للقضاء على تنظيم الدولة وما يسميها الجماعات “الإرهابية” الأخرى، وتحترم حقوق الأقليات، وألا تشارك في عمل عسكري ضد “جيرانها”، وأن تحارب غسل الأموال و”تمويل الإرهاب”، وأن تلاحق مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في عهد النظام السابق، وتتخذ خطوات لمكافحة إنتاج المخدرات.

وإذا قرر الرئيس خلال فترتي التقرير أن هذه الشروط لم تتحقق، يمكن إعادة فرض العقوبات على سوريا، وفق الوثيقة الأميركية.

وقال هايدمان، وهو أيضا خبير غير المقيم بمركز سياسات الشرق الأوسط في معهد “بروكينغز” بواشنطن، إن تمرير مشروع إلغاء قانون قيصر عبر تشريع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، المتوقع التصويت عليه هذا الأسبوع، يبدو مضمونا. و”هذا بدوره سيدفع باتجاه زيادة كبيرة في التجارة والاستثمار وتسريع إعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي”.

دروز السويداء يؤكدون بأنهم جزء من سوريا، الجزيرة نت

واشنطن تربط بين رفع العقوبات وإسقاط قانون قيصر وبين دمج الأقليات في سوريا الجديدة (الجزيرة)

مصالح واشنطن في سوريا

ذُكرت سوريا مرة واحدة فقط في إستراتيجية الأمن القومي الأخيرة لإدارة ترامب والتي نشرت يوم الجمعة الماضي، وجاء ذكرها بعبارات غامضة على النحو التالي: تظل سوريا مشكلة محتملة، لكن بدعم أميركي وعربي وإسرائيلي وتركي قد تستقر وتستعيد مكانتها المستحقة كلاعب إيجابي متكامل في المنطقة.

ومع أن هذا لا ينقل أي فكرة عن سياسة إدارة ترامب تجاه سوريا، حدد الخبير هاديمان 5 أهداف واضحة تمت بلورتها خلال العام الماضي، ويمكن من خلالها الحديث عن كيفية تعريف إدارة ترامب لمصالح الولايات المتحدة في سوريا. والأهداف هي:

    أولا: تلتزم الولايات المتحدة بوحدة وسلامة أراضي سوريا وسيادتها.

    ثانيا: ترى واشنطن أن دمج الأقليات، خاصة الأكراد والدروز، ضروري، وقد دفعت الحكومة المؤقتة لاتخاذ نهج أكثر مرونة لمعالجة مخاوف الأقليات. وإحدى المعضلات هنا هي النظرة الأميركية الواضحة لتركيا بصفتها اللاعب الرئيسي في سوريا، رغم أن واشنطن لا تؤيد وجهة نظر تركيا بشأن الأكراد.

    ثالثا: تواصل الولايات المتحدة دعم “مكافحة الإرهاب” التي تستهدف تنظيم الدولة، وترى أن انضمام الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف المناهض لهذا التنظيم يمثل إشارة مهمة إلى أن الحكومة السورية تعمل بجدية للابتعاد عن “ماضيهما الجهادي”.

    رابعا: في حين تعترف الولايات المتحدة بما تسميه “مخاوف إسرائيل الأمنية” وتستجيب لها، فإن تسامحها مع الاحتلال الإسرائيلي محدود. وفي هذا السياق، تدعم جهود سوريا للتفاوض على اتفاق أمني يضع حدا للاحتلال الإسرائيلي.

    خامسا، تعترف الولايات المتحدة بأهمية التعافي الاقتصادي لاستقرار سوريا، وعودة اللاجئين، والجهود المبذولة لتوجيه النشاط الاقتصادي عبر القنوات القانونية والابتعاد عن الأنشطة غير المشروعة مثل إنتاج المخدرات والتهريب.

ويشير هايدمان إلى عدم اكتراث إدارة الرئيس ترامب بكيفية حكم سوريا، والإحجام عن التدخل لتعزيز الديمقراطية، وهو ما يتفق مع إيمان ترامب بخطأ سياسات بلاده في دفع الأنظمة للتغيير في العقود الأخيرة.

وبناء على هذا الأساس، لا يتوقع هايدمان “من الولايات المتحدة أن تدفع بقوة في قضايا الشمول، والتمثيل، والمشاركة، وما إلى ذلك. وما إذا كانت الحكومة المؤقتة تعزز سلطتها وتحكمها بطريقة سلطوية. فهذا ببساطة لا يهم البيت الأبيض في عهد ترامب”.

دور هام لترامب

بدأ الرئيس ترامب عملية رفع العقوبات الأميركية بعد اجتماعه مع الزعيم السوري أحمد الشرع بالسعودية في مايو/أيار الماضي. وأصدر لاحقا أمرا تنفيذيا لرفع العقوبات الأميركية الشاملة رسميا في يونيو/حزيران الفائت.

والتقى ترامب الرئيس الشرع عدة مرات هذا العام، أولاها بالرياض ثم في مدينة نيويورك خلال سبتمبر/أيلول الماضي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم لقاء قمة تاريخي بينهما في البيت الأبيض الشهر الماضي.

وتم بالفعل رفع سلسلة من العقوبات الأميركية، بما في ذلك إزالة كبار المسؤولين السوريين من العقوبات المتعلقة بالإرهاب سواء التابعة للأمم المتحدة أو تلك التي فرضتها الحكومة الأميركية.

كما دعمت وزارة الخارجية الأميركية الحكومة السورية الجديدة من خلال إلغاء تصنيف “جبهة النصرة” والتي أصبحت “هيئة تحرير الشام” كمنظمة “إرهابية” أجنبية في يوليو/تموز الماضي، وإزالة اسم الرئيس أحمد الشرع من “قائمة الإرهابيين” العالمية في 7 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

المصدر: الجزيرة

—————————–

سوريا الجديدة وعقد المواطنة/ كفاح محمود

9 ديسمبر 2025 م

منذ سقوط النظام القديم ودخول سوريا مرحلة انتقالية، يعيش السوريون إحدى أعقد تجارب التحوّل في المنطقة؛ فإرث الاستبداد والحرب لم يخلّف فقط بلداً مثخناً بالجراح، بل أورث المجتمع شبكة كثيفة من الشروخ الطائفية والعرقية والسياسية، تجعل مهمة أي نظام بديل أقرب إلى السير في حقل ألغام، والسؤال اليوم: هل ينجح النظام الجديد في إقناع السوريين، كلِّ السوريين، بأنه حامل مشروع دولة عادلة؟

في العام الأول بعد التغيير، يمكن رصد بعض الصعوبات. في الساحل، عرف بعض القرى والأحياء حوادث واشتباكات متفرقة تركت انطباعاً لدى الطائفة العلوية بأنها تدفع ثمن اقترانها التاريخي بالنظام السابق، رغم محاولات الحكومة الجديدة إرسال رسائل طمأنة بأنهم مكوّن أصيل في سوريا الجديدة، وأن المحاسبة ستطول فقط الأفراد المتورطين في الجرائم لا الجماعة بأكملها، لكن شبكات النظام القديم في الداخل والخارج ومساعي بعض رموزه تسعى إلى إعادة توظيف أحداث الساحل ورقةَ ضغط أو مشروعَ كيانٍ منفصل.

في الجنوب، تحوّل حراك السويداء من احتجاجات مطلبية ضد تردّي الأوضاع الاقتصادية إلى حركة سياسية رفعت شعارات إسقاط الاستبداد أولاً، ثم دخلت لاحقاً في مواجهات مسلّحة… فقد شهدت المحافظة مواجهات دامية واقتحاماً لمقارّ رسمية، قبل أن تفرض القوى المحلية نوعاً من الإدارة الذاتية الواقعية وتدخل في مفاوضات شاقة مع دمشق بشأن موقع الدروز في المعادلة السورية المقبلة.

أما الملف الكردي – وهو من أعقد عُقد سوريا – فقد دخل مرحلة جديدة مع المفاوضات بين حكومة دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» بشأن دمج القوات الكردية، ومعها مؤسسات «الإدارة الذاتية»، في البنية الرسمية للدولة مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم. ورغم أن ما أُنجز حتى الآن يمثّل خطوةً مهمّة نحو تسوية تاريخية، فإن مفاوضات التفاصيل مازالت عالقة فدمشق تتحفّظ على الفيدرالية وعلى مصطلح «اللامركزية السياسية»، فيما تصرّ «قسد» على إدارة لا مركزية واسعة وضمانات دستورية للهوية والحقوق الكردية، وسط ضغوط تركية وأميركية متعاكسة، لذلك تبدو علاقة دمشق – القامشلي اليوم خليطاً من التنسيق العسكري والشدّ السياسي، لا شراكة واضحة المعالم بعد.

في خلفية هذا المشهد الداخلي، برز الدور السعودي، خصوصاً بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بوصفه عاملاً كابحاً للانهيار ودافعاً نحو «سوريا جديدة» لا تعود إلى أحضان الفوضى أو المحاور الراديكالية، فالرياض قادت عمليّة إنهاء العزلة العربية عن دمشق، ورعت إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، ثم تحوّلت إلى منصّة لقاءات بين القيادة السورية الجديدة والقوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ومع هذا المسار، بدأ يتغيّر تدريجياً توصيف النظام الجديد وبعض فصائل المعارضة التي شكّلت عموده الفقري؛ إذ جرى دمج كثير من تشكيلاتها في مؤسسات الدولة، وتخلّت عن خطابها السابق؛ مما أفسح المجال لرفع عدد من تصنيفات الإرهاب وتخفيف العقوبات الاقتصادية، تمهيداً لاندماج سوريا في الاقتصادَين العربي والدولي، مقابل التزام واضح بمحاربة التنظيمات المتطرفة ووقف تجارة السلاح والفوضى.

لذا فإن سوريا الجديدة لن تُبنى على الإقصاء أو الانتقام أو عسكرة السياسة. تجربة العراق بعد 2003 ماثلة أمام الجميع: الانغماس في المحاصصة الطائفية، والاستثمار السياسي في المظلوميّات، أطالا أمد الفوضى، وأضعفا ثقة الناس بالدولة. لكن التجربة ذاتها أفرزت، رغم تكلفتها الباهظة، دستوراً يعترف بالتنوّع، وتعدديّة سياسية نسبية، ومساحة أوسع لحرية الرأي والتعبير. المشكلة لم تكن في الاعتراف بالتعدّد، بل في تحويله إلى حصص جامدة وأدوات صراع، بدل أن يكون إطاراً لعقد مواطنة متوازن.

الدرس الأهم من العراق أن الانتقال من الشمولية إلى التعددية لا يتحقق بخطاب «الغالب والمغلوب»، بل بإعادة تأسيس العقد الاجتماعي على قاعدة العدالة والمواطنة المتساوية. سوريا الجديدة لا تستطيع تكرار أخطاء التهميش والاستئثار، بل تحتاج إلى الاعتراف بالخصوصيات الدينية والقومية والمناطقية – لكل المكونات – من دون أن يتحوّل إلى بازار محاصصة أو مقدمات لتقسيم مقنّع، وهذا يقتضي حسم العلاقة بكل أبناء المكونات بوصفهم مواطنين شركاء، مع محاسبة صارمة فردية، لكل من تورّط في الجرائم أياً تكن طائفته. وكذلك التعامل مع حراك السويداء بوصفه «طلباً على المواطنة»، وليس تمرّداً طائفياً، عبر صيغ لا مركزية إدارية وأمنية تضمن شراكة في إدارة المناطق ضمن الدولة لا خارجها. كما أنه لا بد من استكمال مسار التفاهم مع «قسد» إلى اتفاقٍ ملزِم يضمن دمج «القوات» والإدارات في مؤسسات الدولة، مع اعتراف دستوري صريح بالحقوق القومية والثقافية لهم وإطار واضح للامركزية.

إن بناء سوريا الجديدة يتطلب حواراً وطنياً شاملاً يعترف بجرائم الماضي من دون تحويلها وقوداً لثأر جديد، وإصلاحاً دستورياً يكرّس التعددية السياسية واللامركزية، مع منظومة عدالة انتقالية تمنع الإفلات من العقاب وتفتح في الوقت نفسه باب المصالحة الواقعية لا المتخيَّلة. والرهان الحقيقي يكمن في قدرة السلطة على فرض هيبتها، ولكن بإقناع السوريين جميعاً – دون استثناء – بأنها تتجاوز الحزب والطائفة والسلاح، وترسو في الوقت ذاته على ركيزة عربية وإقليمية متينة تقودها الرياض، بما يفتح الطريق نحو دولة آمنة حرّة، يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وتنتهي فيها الحاجة إلى الاحتماء بالطوائف لمصلحة الاحتماء بعقد المواطنة.

الشرق الأوسط

——————————–

الصعود التركي في سوريا… من المواجهة إلى التحالف

أنقرة تختبر نفوذها في دمج «قسد»… وقواعد اشتباك حرجة مع إسرائيل

 أنقرة: سعيد عبد الرازق

9 ديسمبر 2025 م

تشكلت في الأسابيع الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا قناعة بأن تركيا لعبت الدور الأكبر في الوصول «السلس» لفصائل المعارضة إلى دمشق في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتعزز ذلك مع دعم أنقرة السريع للإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتقديم نفسها بوصفها أحد «الرعاة الأساسيين» في مرحلة ما بعد الأسد.

كانت تركيا أول دولة ترسل مسؤولاً رفيع المستوى إلى سوريا للقاء الشرع في «قصر الشعب»، إذ زار رئيس مخابراتها، إبراهيم كالين، دمشق يوم 12 ديسمبر 2024، وتوجه للصلاة في الجامع الأموي، ليبدو أنه حقق وعد الرئيس رجب طيب إردوغان، في الأيام الأولى للثورة السورية في 2011، عندما قال سينهار نظام الأسد بأسرع وقت و«سندخل دمشق ونصلي في الجامع الأموي».

وأوحت تصريحات لوزير الخارجية هاكان فيدان بأن تركيا هي من لعبت الدور الرئيسي في سقوط الأسد وفتح الطريق أمام الشرع إلى دمشق، عندما قال، بعد أيام قليلة، إن أنقرة أقنعت روسيا وإيران، خلال الاجتماع بصيغة «آستانة»، على هامش «منتدى الدوحة» في 7 و8 ديسمبر 2024 بعدم التدخل.

من وجهة نظر فيدان، كان «نظام بشار الأسد ضعيفاً للغاية خلال العامَين أو الأعوام الـ3 الماضية، مع مقاومة نسبية في بعض الأماكن، لكن المعارضة دخلت حلب دون إطلاق نار تقريباً. مع ذلك، لو كرر الروس والإيرانيون رد فعلهم في عام 2016، لكان الشعب السوري قد واجه خطر المزيد من إراقة الدماء والنزوح».

وعندما سُئل فيدان: «كيف أقنعتم روسيا بعدم الوقوف إلى جانب الأسد؟». أجاب بكلمة واحدة: «تحدثنا».

تقييم الحصاد

في 16 أغسطس (آب) 2025 عقدت مجموعة التنسيق بين المؤسسات التركية اجتماعاً برئاسة نائب وزير الخارجية نوح يلماظ، الذي أصبح الآن سفيراً لتركيا في دمشق، أُجريت خلاله مراجعة شاملة للعلاقات مع سوريا والخطوات التي ستُتخذ خلال الفترة المقبلة لتعزيزها وتنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في مختلف المجالات.

خلال الأشهر الـ8 الأولى بعد سقوط الأسد، وعبر تحركات مكثفة، كانت تركيا أول دولة تعيد فتح سفارتها في دمشق، إضافة إلى قنصليتها في حلب، كما وقعت في 12 أغسطس مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والتدريب والاستشارات.

وتحركت تركيا على المستوى الثنائي والإقليمي لدعم حكومة الشرع في مكافحة تنظيم «داعش»، وإقناع الولايات المتحدة بمنظور جديد يجعلها تتخلى عن دعمها لـ«قسد» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» (الكردية) عمودها الفقري، في السيطرة على شمال شرقي سوريا، بعد التحالف معها في الحرب على «داعش».

في هذا الإطار سعت تركيا إلى تشكيل تحالف يقوم على مبدأ «الملكية الإقليمية»، الذي يعني أن تقوم دول المنطقة بنفسها على حل مشاكلها دون تدخلات خارجية، وبدأت بالفعل جهوداً لتشكيل منصة خماسية تضمها مع كل من الأردن والعراق ولبنان إلى جانب سوريا، وعقد وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء المخابرات في الدول الخمس اجتماعاً في عمان في 9 مارس (آذار) الماضي، لكنه لم يسفر عن تأسيس آلية سعت إليها أنقرة.

نتيجة لذلك شكّلت تركيا آلية تنسيق مع سوريا عبر مركز عمليات مشترك في دمشق، لتأكيد دعمها للحكومة السورية في الحرب على «داعش».

وعقدت خلال الأشهر الـ10 المنقضية 3 اجتماعات لوزراء الخارجية والدفاع ورئيسي المخابرات في البلدين فضلاً عن الزيارات الثنائية المتبادلة على مستوى وزيري الخارجية، وزيارات رئيس المخابرات التركية لدمشق، كما زار الشرع تركيا 3 مرات في الفترة بين فبراير (شباط) وأغسطس.

على الصعيد الاقتصادي، أعادت تركيا تشغيل جميع البوابات الحدودية مع سوريا، وتم توقيع بروتوكول في أنقرة يوم 5 أغسطس الماضي، لإنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وبدء دراسة إنشاء مناطق صناعية، بهدف إنعاش الاقتصاد السوري المتضرر من جراء الحرب وتعزيز التجارة بينهما. كما أعاد البلدان الجاران تأسيس مجلس الأعمال المشترك، الذي توقف عن العمل في 2011.

وتقول تركيا إنها تهدف إلى تجاوز عتبة ملياري دولار في صادراتها إلى سوريا بنهاية العام الحالي، مستغلة الزخم في العلاقات التجارية بينهما. واتخذت خطوات جديدة لتسهيل وتسريع التجارة مع سوريا، وتم الاتفاق على أن تصبح حلب مركزاً لوجيستياً قوياً في الفترة المقبلة.

تنافس مع إسرائيل

في المقابل، تغيرت أهداف تركيا في سوريا عما كانت عليه خلال حكم بشار الأسد، فبعدما كانت تركز على تأمين حدودها مما تصفه بـ«تهديد (قسد)»، وإنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية بعمق يتراوح ما بين 30 و40 كيلومتراً، تسعى اليوم إلى إزالة هذه المجموعة الكردية من المعادلة السورية، عبر ترك أسلحتها والاندماج في مؤسسات الدولة، وإقناع الولايات المتحدة بوقف دعمها لها عبر عرض قيام إدارة سورية جديدة بحراسة سجون «داعش»، ودعمها في هذا الأمر. وزادت على ذلك بالسعي لدى الولايات المتحدة لملء الفراغ، حال انسحاب القوات الأميركية.

لقد أظهرت تحركات تركيا في الواقع السوري الجديد سعيها لملء الفراغ العسكري من خلال العمل على إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في وسط سوريا وعلى سواحلها عبر نموذج يشبه تدخلها في ليبيا بعد القذافي، كما تردد من خلال وسائل إعلام، والانفراد بأكبر دور في الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار والتدخل في جميع المجالات من الصحة إلى التعليم وغيرها، استكمالاً لما بدأته بالفعل منذ سنوات في شمال سوريا.

أثارت هذه التحركات قلق إسرائيل التي تخشى استبدال الوجود التركي بالوجود الإيراني في سوريا، وفرض أمر واقع جديد تكون فيه تركيا هي الضامن سياسياً وأمنياً، اعتماداً على علاقاتها القوية مع الإدارة الجديدة ومع فصائل معادية لها.

«نعم أخذتها»

وبدا أن تركيا نجحت في سباقها لإظهار دورها بوصفها «راعياً» تتشاور معه الإدارة السورية حول مستقبل البلاد، وبرزت بوصفها واحدة من أبرز القوى المهيمنة، وهو ما أكده الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالبيت الأبيض في يوليو (تموز) 2025.

قال ترمب إنه هنّأ إردوغان، في اتصال هاتفي بينهما، على «أخذه سوريا (…) وإنه كان يحاول النفي، ويقول إنه لم يأخذها، وإنه قال له إنك فعلت شيئاً عجز الآخرون عن فعله طوال ألفي عام، مهما تعددت أسماؤها تاريخياً، وإنه (إردوغان) قال في النهاية نعم أخذتها».

وجاء موقف ترمب بعد متابعة حالة التنافس بين تركيا وإسرائيل في سوريا، والمخاوف المتبادلة بينهما التي دفعت إسرائيل إلى تدمير قواعد جوية ومطارات رئيسية، بينها مطار حماة العسكري، والقضاء على مقدرات الجيش السوري، مع تردد أنباء، بعد 3 أشهر من سقوط حكم الأسد، عن سعي تركيا إلى إقامة قواعد جوية في حمص، ما دفع تركيا وإسرائيل إلى إرساء قواعد اشتباك تمنع الصدام بينهما في سوريا خلال اجتماعات فنية في باكو توسطت فيها أذربيجان.

عرض ترمب على نتنياهو حل مشاكله مع تركيا إذا كان منطقياً في طلباته، لافتاً إلى علاقته الجيدة مع إردوغان، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي قال، قبل مغادرة واشنطن، إن تركيا تريد إنشاء قواعد عسكرية في سوريا، وإنه يرفض إقامتها لأنها تُشكل خطراً على إسرائيل.

بدورها، تؤكد تركيا أن المسألة الرئيسية بالنسبة إليها وللولايات المتحدة هي ضمان ألا تشكل إسرائيل تهديداً لسوريا، وألا تكون سوريا مصدراً لتهديد أي طرف في المنطقة، وأن يحترم الجميع سلامة أراضي وسيادة بعضهم، بحسب ما قال وزير خارجيتها، هاكان فيدان، الذي شارك في جانب من اجتماع ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع بالبيت الأبيض في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وعبرت تركيا، أكثر من مرة، عن عدم انزعاجها للمفاوضات بين دمشق وتل أبيب، مشددة على أن هدفها الأول هو وحدة أراضي سوريا وسيادتها.

ورد إردوغان، الذي التقى ترمب في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، على تصريح أخير لنتنياهو، منذ أسابيع قليلة، قال فيه إن إسرائيل «أوقفت تركيا في سوريا»، مطالباً بالتركيز على ما تفعله تركيا بدلاً من التركيز على ما تكتبه الصحافة الإسرائيلية، مضيفاً: «نحن نفعل ما يلزم في إطار أولوياتنا الاستراتيجية، وسنواصل ذلك».

شبح العقوبات

تحرص تركيا أيضاً على عدم البقاء بعيداً عن أي ملف يتعلق بسوريا، بما في ذلك رفع العقوبات، الذي بدأ بإعلان مفاجئ من ترمب، قال إنه بناء على طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وإردوغان، الذي شارك، عبر الهاتف في اجتماع بالرياض، في مايو (أيار) تمت فيه مناقشة رفع العقوبات.

وأكد إردوغان مواصلة تركيا دعمها لدمشق في حربها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها «داعش»، واستعدادها لتقديم الدعم فيما يتعلق بإدارة وتأمين مراكز الاحتجاز التي يُحتجز فيها عناصر «داعش»، لافتاً إلى أن قرار ترمب رفع العقوبات عن سوريا يحظى بأهمية تاريخية، وأن هذا القرار سيكون مثالاً للدول الأخرى التي فرضت عقوبات على دمشق، وأن فرص الاستثمار ستشمل مختلف المجالات في سوريا، بعد رفع العقوبات.

وسبق إعلان ترمب رفع العقوبات اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية التركي، هاكان فيدان، والولايات المتحدة، ماركو روبيو، وسوريا، أسعد الشيباني، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، في أبريل (نيسان) الماضي، لمناقشة تفاصيل تعهد ترمب بإسقاط العقوبات عن سوريا.

وتلقى فيدان دعوة لزيارة أميركا بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، وشارك في جانب من لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 10 نوفمبر الماضي.

وعقد فيدان لقاءات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والممثل الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، والسفير الأميركي في أنقرة المبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، والعديد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض، فضلاً عن لقاء مع الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ولقاء ثلاثي جمعه بالشيباني وروبيو.

وقال فيدان إنه تم خلال الاجتماعات تبادل وجهات النظر حول كيفية إدارة المناطق الإشكالية في شمال وجنوب سوريا، وفي أماكن أخرى، بشكل أفضل وكيف يمكن تنفيذ العمل على إلغاء «قانون قيصر»، وإن التركيز منصبّ حالياً على ما يمكن فعله لرفع العقوبات في إطار «قانون قيصر» بشكل كامل، لمساعدة الاقتصاد السوري على التعافي.

وأشار إلى أن الشرع التقى أعضاءً في الكونغرس، وشدد على أهمية التصويت على إلغاء «قانون قيصر»، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يتبنى نهجاً إيجابياً تجاه التعامل مع القضايا السورية.

هاجس «قسد»

تعمل تركيا على استغلال حالة التشاور المستمر بشأن سوريا، في ضمان موقف أميركي داعم لتنفيذ الاتفاق الموقع بين الشرع، وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، في دمشق 10 مارس الماضي، بشأن اندماجها في الجيش والمؤسسات الأمنية السورية، الذي يفترض أن ينتهي تنفيذه قبل حلول نهاية العام الحالي.

وبعد 47 عاماً من الصراع المسلح، أطلقت تركيا مبادرة العام الماضي، لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، أسفرت عن دعوة زعيمه، السجين لديها، عبد الله أوجلان في 27 فبراير الماضي، إلى حله والتخلي عن الكفاح المسلح، والتحول إلى العمل الديمقراطي في إطار قانوني.

وتتمسك أنقرة بأن دعوة أوجلان تشمل جميع امتدادات حزب «العمال الكردستاني»، وأن «البنية الحالية لـ(قسد) تقوّض وحدة سوريا وتهدّد الأمن القومي لتركيا وتعرّضه للخطر»، وأنه لا يمكن حصر مسألة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في تركيا وحدها.

وتطالب «قسد» تركيا بعدم عدّ مؤسساتها العسكرية والإدارية والأمنية، والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، تهديداً لها، لأنها «مؤسسات للسلام والأمن».

وعدّ قائد «قسد»، مظلوم عبدي، أن اتفاق 10 مارس مع الشرع شكل منعطفاً مهماً بإغلاق الطريق أمام محاولات تقسيم سوريا ومنع انزلاقها إلى حرب أهلية، وضمن الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد، لكنه أكد أنه «يجب أن تكون هناك سوريا لا مركزية، بحيث يتمكّن كل إقليم من إدارة نفسه».

وذهب الكاتب في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، فاتح تشيكرجه، إلى أن أميركا تسعى لتأسيس «نموذج بارزاني» الذي أرسته في شمال العراق ضد إيران، في شمال سوريا، وأن الممر الذي يجري إعداده من العراق إلى سوريا يهدف إلى ذلك، وهو مطلب إسرائيلي أيضاً لمنع نقل الأسلحة من إيران إلى لبنان والمنطقة المحيطة.

ولفت إلى أن تركيا لم تقبل في البداية بنموذج مشابه لـ«بيشمركة بارزاني»، وهي الآن تعد «قسد» الحليفة لأميركا، تنظيماً إرهابياً، لكنها يمكن أن تقبل الأمر بعد ذلك في شمال سوريا كما حدث في إقليم كردستان العراق.

الحال، أن تركيا ستواصل خلال المرحلة المقبلة السعي لترسيخ موقعها بوصفها أبرز قوة مؤثرة في إعادة تشكيل سوريا، مستفيدة من علاقتها الوثيقة بالإدارة الجديدة ودعم واشنطن المتزايد لدورها. ومن المتوقع أن تضغط أنقرة باتجاه استكمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية وتقليص أي حضور عسكري غير مرغوب فيه قرب حدودها. لكن التنافس مع إسرائيل والحضور الأميركي قد يحدان من قدرة تركيا على فرض رؤيتها بالكامل.

—————————————

روسيا بعد الأسد «ليست خاسرة تماماً» في سوريا

موسكو تجهزت في «حقل التجارب» لحرب أوكرانيا

موسكو: رائد جبر

8 ديسمبر 2025 م

منذ الساعات الأولى، بعد التحول الكبير الذي جاء به للسوريين فجر الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، انطلق سيل من التحليلات، خصوصاً في الغرب، حول تعرض روسيا لنكسة مؤلمة تنذر بتقويض المكاسب التي حققتها في سوريا على مدى عشر سنوات، بعد تدخلها العسكري المباشر في الصراع الدامي في هذا البلد.

وشملت حسابات الربح والخسارة أبعاداً كثيرة منها السياسي والعسكري، وسارعت أوساط عدة إلى إعلان «هزيمة» المشروع الروسي في سوريا مع كل العواقب المحتملة لذلك.

وفي البعد الاقتصادي، لا تشكل الاستثمارات الروسية في سوريا أهمية كبرى نظراً إلى محدودية المصالح الاقتصادية في البلد الذي ظل لعقود طويلة حليفاً مهماً للكرملين، دون أن يشكل في أي وقت أولوية استثمارية أو اقتصادية، رغم مساهمة الاتحاد السوفياتي السابق، وروسيا في وقت لاحق، في إنشاء بنى تحتية، وتعزيز حضور مهم في بعض القطاعات مثل الطاقة.

في الشق السياسي، بدا أن التطورات السريعة في سوريا قد أظهرت نقاط ضعف النموذج الروسي في بناء علاقات مع حلفاء في الشرق الأوسط، وهذا لا يقتصر على الارتباك والعجز اللذين ظهرا عندما تعرض الحليف الإيراني لضربات موجعة، إذ اضطرت موسكو سريعاً للتخلي عن بشار الأسد رغم أنها كانت تقول إنها «لن تتخلى عنه أبداً».

بهذا المعنى، أثبت «المشروع السوري» لروسيا فشله، وهذا أمر مهم للكرملين الذي كثيراً ما تفاخر بنجاحاته في سوريا «خلافاً للفشل الأميركي في كل منطقة وبلد دخلتهما قوات (الناتو)». لقد اتضح صباح الثامن من ديسمبر 2024 أن الحل الروسي في سوريا بوصفه نموذجاً بديلاً عن الحلول الغربية للمشكلات الإقليمية وصل إلى حائط مسدود، وانتهى بهزيمة كبرى.

لكن في المقابل، أظهرت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني لاحقاً، أن الجزء الأهم من مسار الحسم العسكري (بعد حلب) تم تنسيقه مع موسكو لضمان حيادها.

التخلي عن الأسد

بدا أن موسكو التي باتت تولي أهمية أكبر لمواجهتها مع الغرب في أوكرانيا، والتي أبدت استياءً أكثر من مرة بسبب مماطلة بشار الأسد في التعامل مع خططها لتقليص المخاطر في سوريا، بما في ذلك عبر مسار التطبيع مع تركيا الذي أطلقته، وعارضه بقوة الحليف السوري، اختارت في لحظة حاسمة التخلي عن الأسد بعدما تحول إلى عبء، خصوصاً أنها حصلت على تعهدات من المعارضة السورية الزاحفة نحو دمشق بأن «خروج الأسد لا يعني بالضرورة خروج روسيا من سوريا» وفقاً لتصريح الشيباني.

يفسر هذا سرعة التحرك الروسي لإخراج الأسد من المشهد في مقابل منح ضمانات شخصية له، والطلب من القوات النظامية عدم المواجهة وإلقاء السلاح. ومهد هذا الدور مع التزام السلطات السورية الجديدة بتعهداتها لجهة حماية القواعد الروسية والعسكريين الروس في سوريا لصفحة جديدة في مسار ترميم العلاقة مع سوريا الجديدة وإعادة ترتيب أولوياتها. وبذلك، قلصت موسكو عملياً خسائرها السياسية إلى أدنى درجة ممكنة.

في الشق العسكري، ما زالت موسكو تخوض نقاشات علنية وغير علنية من أجل تثبيت وجودها في قاعدتي «حميميم» وطرطوس، فضلاً عن ترسيخ حضور قوي لها في مطار القامشلي الذي تحول بعد التغييرات في سوريا إلى قاعدة عسكرية ضخمة للروس.

بالإضافة إلى ذلك، لم يعد خافياً أن الحوارات الروسية – السورية تدور بشكل نشط حول ملفي إعادة تسيير دوريات في مناطق عدة في سوريا، خصوصاً في الجنوب في مسعى للعب دور روسي لكبح التوغلات الإسرائيلية عبر استعادة جهود الوساطة وتقديم ضمانات متبادلة للسوريين والإسرائيليين في استنساخ لتجربة التفاهمات الروسية الإسرائيلية السابقة في سوريا.

وعكس تسيير دورية روسية بتنسيق مع السلطات السورية في القامشلي قبل شهرين إمكانية أن تلعب موسكو دوراً في شمال شرقي سوريا لتخفيف التوترات مع «قسد»، في دور يبدو مرضياً ومنسقاً مع تركيا، وأيضاً مع الولايات المتحدة التي تحتفظ بوجود عسكري محدود في المنطقة.

ويمهد هذا النشاط المحتمل لروسيا في المنطقتين، مع التقارير الكثيرة التي تحدثت عن طلب دمشق المساعدة في إعادة تأهيل وتسليح الجيش، وضع مسار عملي لإعادة بناء العلاقات بما يضمن المحافظة على وجود روسيا العسكري على البحر المتوسط، وهو أمر يحظى بأهمية خاصة عند الروس، مع إدخال تعديلات على الاتفاقات السابقة لجهة وظيفة هذا الوجود ومداه الزمني بما يحقق مصالح الطرفين.

ومع اتضاح الملامح الأولى لهذا الأفق، تتقلص التوقعات التي سادت في البداية حول تعرض روسيا لهزيمة جيوسياسية أو عسكرية في سوريا.

خسائر عسكرية… وأرباح

للحديث عن الخسائر العسكرية الروسية المباشرة في سوريا، بعد آخر لا يقل أهمية، ويتضح معه أن موسكو خرجت بمكاسب لا تقدر بثمن بعد عمليتها في سوريا. تشير تقارير رسمية وأخرى رصدتها جهات سورية إلى أن الخسائر المباشرة على مدى عشر سنوات من الحضور العسكري في واحدة من أكثر الحروب دموية في العقود الأخيرة، كانت محدودة للغاية، ولم تتجاوز في تقديرات عدة مئات من القتلى، وعشرات الدبابات والمدرعات وبعض المروحيات. وتتكتم موسكو رسمياً بطبيعة الحال على خسائرها عادة، لكن رغم ذلك، تظهر الأرقام التي نشرتها مؤسسات مدنية في روسيا بما فيها بعض الجهات المعارضة أن حصيلة الخسائر لم تكن كبيرة. وللمقارنة يكفي القول مثلاً إن الحرب الروسية في جورجيا في 2008 التي استمرت 5 أيام فقط، كبدت موسكو خسائر عتاد وازنة. وأشار تقرير نشر قبل سنوات، إلى أن الروس الذين أحرزوا انتصاراً حاسماً في تلك الحرب واجهوا مفاجآت مؤلمة، إذ تمكن نظام دفاع جوي جورجي، قديم نسبياً، من إسقاط تسع مقاتلات حديثة من طراز «سوخوي 25»، علماً بأن جورجيا لا تمتلك نظام دفاع جوي مركزياً. وجاء ذلك رغم أن الغارات الروسية التي مهدت للتقدم البري دمرت معظم الرادارات. هذا الأمر أظهر، كما قال التقرير «مهارات محدودة بالنسبة للطيارين الروس، فضلاً عن خلل في أنظمة الصيانة والتدريب». ولم تقتصر الثغرات على هذا النحو، حيث تمكنت القوات الجورجية من إلحاق الضرر برتل من الدبابات الروسية ما أظهر خللاً في القدرات الاستخباراتية. وأظهرت تلك الحرب عموماً خللاً كبيراً في إدارة العمليات وفي كفاءة الطرازات المختلفة للأسلحة، ما شكل صدمة قوية بالنظر إلى الموازنات العسكرية الضخمة لروسيا.

حقل التجارب السوري

بهذا المعنى، يمكن القول إن الحرب السورية التي جاءت بعد ذلك بسنوات، قامت روسيا خلالها بإعادة تنظيم أولويات التسليح والتدريب، شكلت أول اختبار جدي ومباشر للقوات والقدرات القتالية على الأرض. ويكفي في هذا الإطار أن وزير الدفاع السابق سيرغي شويغو الذي قاد برنامج تحديث الجيش وإعادة تسليحه، أعلن في 2018، أي بعد مرور 3 سنوات على التدخل المباشر في سوريا، وبعد انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية، أن بلاده قامت باختبار أكثر من 350 طرازاً من الأسلحة الحديثة ميدانياً خلال الحرب السورية، وأضاف أنه بفضل العملية العسكرية في سوريا قامت روسيا بإصلاح أخطاء في المروحيات الهجومية وتسليحها وأنظمة الإنذار والرادارات فيها.

وفي معرض حديثه عن تطوير أسلحة جو – جو، قال أيضاً: «لتأمين المعدات والمروحيات على وجه الخصوص، نحتاج إلى أسلحة تعمل على مدى أبعد من أنظمة الدفاع الجوي أو منظومات الدفاع الجوي المحمولة ولدينا اليوم مثل هذه الأسلحة. وهذا بفضل العملية في سوريا». في السياق ذاته أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكثر من مرة، إلى أن التجارب التي جرت على الأسلحة في ظروف القتال الحقيقية وفرت فرصة نادرة لروسيا لم يكن من الممكن تحقيق مثيل لها في ميادين التجارب وحقول الرماية. وأفاد تقرير موسع نشرته وكالة أنباء «نوفوستي» في يوليو (تموز) 2020، بأن روسيا نجحت في سوريا في إجراء أول اختبار عملي لصواريخ كاليبر المجنحة التي تُطلق من البحر. «وحلقت صواريخ كاليبر لأكثر من 1500 كيلومتر وأصابت 11 هدفاً إرهابياً»، وقالت إنه منذ ذلك الحين، استخدمت البحرية الروسية بانتظام صواريخ كروز، بما في ذلك من الغواصات.

وأفادت الوكالة بأن «جميع أنواع الطائرات تقريباً شاركت في الخدمة مع القوات الجوية الفضائية الروسية في الحرب السورية. إلى جانب قاذفات الخطوط الأمامية المخضرمة والمروحيات الهجومية»، بالإضافة إلى إجراء تجارب حقيقية فريدة لقدرات القاذفات الاستراتيجية الروسية.

أيضاً، في سوريا، استخدم الجيش الروسي لأول مرة على نطاق واسع الطائرات المسيّرة من طرازات مُنتجة بترخيص إسرائيلي. وشاركت في طلعات جوية قتالية، وتسجيل ضربات الصواريخ وتوجيه نيران المدفعية، كما ظهرت على الأرض السورية للمرة الأولى المركبات المدرعة «تايفون»، وقالت الوكالة إنها أظهرت قدراتها الوقائية العالية خلال استخدام وحدات الشرطة العسكرية لها.

وقد لعبت أنظمة قاذفات اللهب التي تطلقها تلك المدرعات دوراً مهماً في العمليات الهجومية للمسافات القريبة التي تصل إلى 6 كيلومترات.

ومثل هذا ينسحب على تجارب الدبابات الحديثة والأنظمة الصاروخية المختلفة من طرازات «بانتسير» و«إسكندر» التي نشرت روسيا نماذج منها في كالينينغراد قرب الحدود الأوروبية لكنها لم تُجرّب في حرب حقيقية قبل سوريا.

ويقول خبراء إن المشاركة الروسية في الحرب السورية لعبت دوراً أساسياً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، بكل إمكاناتها وقدراتها الصناعية والتسليحية، وأسهمت في التحضير بإمكانات أعلى بكثير من السابق للعملية العسكرية الروسية التي انطلقت في 2022 في أوكرانيا.

الشرق الأوسط

————————-

أيُّ شخصٍ عدا الأسد؟/ لبنى مرعي

09.12.2025

عندما فُتح المجال للأسئلة، توقعتُ أن أسمع الحاضرين يسألون عن مجزرة المدنيين العلويين أو الهجمات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية أو غيرها من الأحداث التي هزّت البلاد منذ إطاحة بشار الأسد، ديكتاتور سوريا. لكن بدلًا من ذلك، طلب أحدهم من الرئيس المؤقت إنشاء خط مباشر مع المستثمرين السوريين الأثرياء في الخارج. وقال آخر إنه يجب عليه إلغاء الانتخابات البرلمانية المقبلة واختيار أعضاء البرلمان بنفسه، لأنه الوحيد الذي يمكن الوثوق به. هزّ كثيرون رؤوسهم وصفقوا!

في إحدى أمسيات أيلول/ سبتمبر الرمادية، احتشد جمع من السوريين، كثير منهم لاجئون أو مُبعَدون أو مُهجَّرون ذاتيًا، داخل قاعة فندق في مدينة نيويورك ليستمعوا إلى الرجل الذي يحكم اليوم سوريا التي هربنا منها، يومها كان أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام، جاء ليلقي كلمة أمام أبناء “الجالية السورية” في أميركا.

هتف الحضور عند دخوله، وصرخ أحدهم: “أنت المُحرِّر!”، وأضاف آخر: الدعوات لله، واستمر التصفيق طويلًا إلى أن صاح أحدهم في النهاية مطالبًا الحضور بالتوقّف.

على المسرح، بدأ الشرع بأحاديث مألوفة عن الوكلاء الأجانب والحاجة إلى حب سوريا التي تتعافى من ماضيها الطويل المظلم. كان التصفيق يبتلع نهاية الكثير من جمله، وفي لحظة بدا عليه الإحراج، ورفع يده وقال: “رجاءً، يكفي”. لم يكن المشهد أشبه باجتماع سياسي بقدر ما كان أشبه باستعادةٍ لحفل مطربٍ محبوب.

عندما فُتح المجال للأسئلة، توقعتُ أن أسمع الحاضرين يسألون عن مجزرة المدنيين العلويين أو الهجمات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية أو غيرها من الأحداث التي هزّت البلاد منذ إطاحة بشار الأسد، ديكتاتور سوريا. لكن بدلًا من ذلك، طلب أحدهم من الرئيس المؤقت إنشاء خط مباشر مع المستثمرين السوريين الأثرياء في الخارج. وقال آخر إنه يجب عليه إلغاء الانتخابات البرلمانية المقبلة واختيار أعضاء البرلمان بنفسه، لأنه الوحيد الذي يمكن الوثوق به. هزّ كثيرون رؤوسهم وصفقوا!

حظي السوريون أخيرًا بفرصة لإعادة تعريف علاقتهم بالسلطة، لتخيّل رئاسة ليست عرشًا. لكن داخل تلك القاعة، ردود الأفعال بدت مألوفة على الفور. رأيت مثلها تتكرر في سوريا هذا العام أيضًا، تتجلى برغبة عميقة في إعلان الولاء للسلطة، في الاحتفاء بمن يحملها. وجدت نفسي أطرح السؤال ذاته الذي راودني مرارًا خلال الأشهر الماضية: لماذا يستمر السوريون في العودة إلى أنماط الديكتاتورية التي قُتلنا هربًا منها؟

جاء سقوط الأسد قبل عام واحد بعد 54 عامًا من حكم عائلة الأسد. والده، حافظ الأسد، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب، بنى سلالة راسخة، الى درجة أن كثيرين ظنوا أنها ستعيش أطول منا جميعًا — وقد عاشت أطول من كثير منا فعلًا. لأكثر من عقد بعد الانتفاضة الشعبية ضد النظام عام 2011، سحق الأسد محاولات المعارضة بالاعتقال الجماعي، والقصف الجوي، والهجمات الكيماوية، وتدمير مدنٍ بكاملها.

 لم يبقَ الأسد في السلطة فحسب، بل بدا أيضًا أنه يقترب من إعادة التأهيل الدولي. لكن حين أعاد حلفاؤه، خصوصًا روسيا، ترتيب أولوياتهم، وحين قامت هيئة تحرير الشام — التي كانت واحدة من آخر الفصائل المسلحة الباقية بعد سنوات من الحرب — بهجومها الكبير في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لم يقف أحد في وجهها.

أمتلك شخصياً، أسباباً كثيرة لأشكّ في ما سيأتي، فأنا أعرف تاريخ هيئة تحرير الشام، وهي فصيل كان سابقًا تابعًا لتنظيم القاعدة، وغطّيتُ صحافيًا مناطق خضعت لسيطرتهم. احتجزت الجماعة مدنيين وعذبتهم وأعدمتهم. وأسكتت أشخاصًا فشل حتى أمن الأسد في إخضاعهم. بالنسبة إلي، كانت الهيئة واحدة من القوى التي سحقت ما تبقى من انتفاضة عام 2011.

لكن في شتاء العام الماضي، وأنا أشاهد مقاطع فيديو لعائلات تتجوّل داخل مكاتب مهجورة بحثًا عن أثر لأبنائها وإخوتها، وأرى الدليل الحي على جرائم الأسد يخرج إلى الضوء مُغمض العينين، وضعت شكوكي جانبًا. من تسبّب في رحيل الأسد — حتى لو كان الشيطان نفسه — يستحق فرصةً، أي شخص عوضاً عن الأسد، سيكون تحسنًا.

لفترة من الزمن، أصبحت سوريا — بالنسبة الى أولئك منا الذين لم يعرفوها إلا كدولة بوليسية — غير قابلة للتعرّف. ردد الأصدقاء أحاديث كانت تُهمس سابقًا، وأصبحت الآن تُقال بصوتٍ عالٍ. حصل الصحافيون والباحثون الأجانب على حريات جديدة وهشة. عادت منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني المنفية لإقامة ورشات عمل، بدأت النقاشات حول المستقبل الذي تطمح إليه.

عاد أشخاص ظنّوا أنهم لن يروا سوريا مجددًا إلا في كوابيسهم، ليجدوا أن الحياة استمرت من دونهم. بكوا عند قبور أمهاتهم؛ تعرفوا على أبناء إخوتهم  وبناتهم الذين أصبحوا اليوم بالغين. بدا كل شيء غير مرتبط بالواقع، الى درجة أن الناس أطلقوا على تلك الفترة اسم “أحلام بعد الظهر”.

لكن بعد نشوة البداية، تسللت الحقيقة تدريجيًا. أصبح واضحًا أن مستقبل البلاد لن يعتمد فقط على من يحكم الآن. فإزالة حاكم شيء، أما إزالة عادات عمرها نصف قرن فشيء مختلف تمامًا.

انتشرت مقاطع فيديو على الإنترنت لواجهات محال وزجاج سيارات وبوابات مدارس مغطاة بصور الشرع. أماكن وأناس لم يعرفوا سوى السلطوية لمدة خمسة عقود، كانوا، بشكل انعكاسي، يلتصقون بتجسيد السلطة الجديد.

ظهر ذلك الانعكاس أيضًا بطريقة مختلفة لدى بعض ممن عانوا تحت حكم الأسد. فخلال شهر من سقوطه، ظهرت مقاطع غير موثّقة يُزعم أنها تُظهر مقاتلين موالين للحكومة الجديدة يُهينون جنودًا من قوات الأسد، الذين كان الشرع قد وعدهم بالعفو. أجبروهم على الركوع والنباح — ليُذلّوهم بالقسوات الصغيرة المتعمدة نفسها، التي ميّزت فروع أمن الأسد.

ثم في أوائل آذار/ مارس، بدأ العنف في الساحل السوري، ذي الغالبية العلوية، بعدما نصب موالون للأسد كمينًا لقوات أمنية تابعة للحكومة المؤقتة. وفي أعقاب ذلك، نفذت القوات الموالية للحكومة الجديدة عقابًا جماعيًا بافتراض الذنب بناءً على الطائفة: اقتحمت منازل، واتهمت رجالًا علويين بالولاء للنظام أو بالتعاون معه، وأعدمت بعضهم على عتبات منازلهم بينما كانت أمهاتهم يتوسلن للمقاتلين. قُتل مئات المدنيين في أعمال عنف طالما ارتبطت بأسوأ مجازر النظام، وقد أعيد تمثيلها الآن على يد من أطاحوه.

ورَدًّا على ذلك، وجدت الكثير من منظمات المجتمع المدني العائدة نفسها تقوم بما كانت تفعله من بعيد لسنوات: توثيق العنف والدفع نحو المساءلة. حتى عندما اعترف الشرع بأن “كثيرًا من الانتهاكات وقعت”، لجأ بعض الصحافيين — ممن بدأوا مسيرتهم بتوثيق فظائع الأسد — إلى سيناريو مألوف آخر: أصروا على أن عمليات القتل مجرد تلفيقات غربية تهدف إلى تشويه صورة الرئيس، مستخدمين عبارات يمكن أن تكون منسوخة من دليل النظام. بدا وكأن أدوات النظام تسللت إلى عقول الذين كانوا سابقًا ضحايا دعايته. ربما كان تكرار خطاب النظام من الداخل يبدو لهم نوعًا من الانتصار.

بعد نحو أسبوع من القتل على الساحل، أحيت الحكومة المؤقتة الذكرى الرابعة عشرة لشرارة انتفاضة 2011 الأولى باحتفالات عامة. شاهدت مقاطع فيديو يتداولها الناس لجماهير تتجمع في الساحات، تغني وترفع الأعلام، وشعرت بانزعاج مألوف لا يُحتمل. كانت العائلات انتهت بالكاد من دفن قتلاها في جنازات صامتة مسرعة عند الفجر، خوفًا من أن يُثير الاعتراف بموت واحد موتًا آخر. ورؤية الحشود تحتفل أعادت إلى الذاكرة مسيرات التأييد للأسد في دمشق بينما كانت مناطق أخرى تعدّ ضحاياها.

لا شك في أن سوريا اليوم في وضع مختلف وأفضل مما كانت عليه قبل عام. الشرع حريص على إعادة تأهيل البلاد على الساحة الدولية. حكومته رحبت بعودة منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان المستقلة، وفتحت الأبواب للصحافيين الأجانب للمرة الأولى منذ سنوات. لكن هذه التحولات المهمة تتعايش مع إخفاقات أخرى. فقد بدأت أوليغارشية جديدة تتجمع حول الرئاسة. وتم تمكين شخصيات عسكرية سابقة، بعضهم خضع لعقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

فما الذي يتطلبه الأمر حقًا لإعادة إنبات بلدٍ كامل؟ عندما غادرتُ الفعالية في نيويورك في أيلول/ سبتمبر، كنت مثقلة ومشوّشة. ثم حدثت لحظة فهم. من السهل تخيّل أن سقوط ديكتاتور كافٍ ليجلب فجرًا جديدًا. بعد سنوات من الحرب والعنف، يتوق السوريون إلى حياة طبيعية بشدة، الى درجة أن أي بديل عن الأسد يبدو خلاصًا.

لكن هذا التوق هو موضع الوهم. لا يزال أمامنا الكثير من العمل. تستحق سوريا تقييمًا يُبنى على ما يمكن أن تصبح عليه، لا على ما توقفت فقط عن أن تكونه. رحل الأسد، لكن الطاعة والانتهازية، وردود الفعل، والمخاوف، وعبادة القائد الأوحد — أدوات بقاء نظامه — لا تزال متجذّرة في الذاكرة العضلية لجيل كامل.

– كاتبة وصحافية سورية

نُشر هذا النص بالإنكليزية في صحيفة نيويورك تايمز.

درج

———————————-

بعد السقوط… المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها/ حسين عبد العزيز

09 ديسمبر 2025

قرابة الساعة 04:30 من صباح 8 ديسمبر/ كانون الأول العام 2024، بدأت قوات عملية ردع العدوان دخول دمشق، وبعد نحو ساعتَين أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” أن دمشق حرّة من الطاغية بشّار الأسد. في هذا الوقت تماماً، أي مع دخول المقاتلين دمشق، أطلقت إسرائيل حربها ضدّ سورية تحت اسم “سهم باشان”.

ففي ساعات الفجر الأولى من ذلك اليوم، توغلت قوات إسرائيلية إلى داخل المنطقة العازلة، مستغلة انسحاب الجيش السوري من عموم مناطق الجنوب، لاحتلال أراضٍ جديدة، بزعم أنّ اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسورية لعام 1974 لم يعد قائماً، لعدم وجود طرف ينفذه على الجانب السوري. عبر جيش الاحتلال منطقة الحياد في هضبة الجولان المحتلة، وتوغل داخل الأراضي السورية إلى عمق 14 كيلومتراً، فاحتل مدينة البعث مركز محافظة القنيطرة وقمّة جبل الشيخ الاستراتيجية. أثناء عمليات التوغل هذه، كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف مركز البحوث العلمية ومطار المزة، ومقرّ الجمارك والمخابرات العسكرية في دمشق، إضافة إلى قصف مناطق أخرى داخل سورية.

مسار الحرب الإسرائيلية

مرّت العمليات العسكرية الإسرائيلية مع سورية منذ سقوط نظام الأسد وحتّى الآن بخمس مراحل: الأولى، بدأت مع سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر عام 2024، وحتّى لقاء الشرع مع ترامب في الرياض في 14 مايو/ أيار 2025. خلال هذه المرحلة، كان الغرض الإسرائيلي يتلخص في التدمير الكامل لكل القدرات العسكرية السورية، قواعد طيران، منصات صواريخ، مراكز بحوث، قواعد عسكرية للأسلحة الثقيلة، مع توغل بري من أجل تثبيت نقاط عسكرية ذات أمد طويل، تكون بمثابة سدّ عسكري أمامي في قلب الجغرافية السورية. وقد حدّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 9 ديسمبر 2024 الأهداف العسكرية للجيش في سورية: الاستيلاء الكامل على المنطقة العازلة والمواقع القريبة، إقامة منطقة أمنية تمتد إلى ما وراء المنطقة العازلة الخالية من الأسلحة الثقيلة والبنية التحتية “الإرهابية”، منع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى لبنان عبر سورية.

الثانية، بدأت بعيد لقاء الرئيسَين، الشرع وترامب، واستمرت حتى شهر يوليو/ تموز، فقد لوحظ في هذه المرحلة تراجع عمليات القصف الإسرائيلية على سورية بوضوح، مع تراجع في عمليات التوغل البرّي في الجنوب. وكان السبب في ذلك أولاً المطالب السعودية ـ القطرية ـ التركية ـ الأوروبية، للولايات المتحدة من أجل الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على سورية، وثانياً خروج الرئيس الأميركي بانطباع جيّد من مقابلته للشرع، وثالثاً بسبب بدء محادثات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل عبر وساطات عربية (الإمارات) ودولية (أذربيجان)، وهو ما كشفه في يونيو/ حزيران رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، حين قال إنّ إسرائيل تجري حواراً مباشراً مع النظام السوري ورئيس الدولة أحمد الشرع.

المرحلة الثالثة، بدأت في يوليو/ تموز مع اندلاع أحداث السويداء، إذ ضربت إسرائيل فوراً أرتالاً عسكرية تابعة للأمن السوري في السويداء، ثم قصفت وزارة الدفاع ومبنى الأركان العامة في قلب العاصمة دمشق. وفي هذه المرحلة أعلنت إسرائيل رسمياً أنّها لن تسمح لدمشق بفرض أجندتها على السويداء، وأنّ إسرائيل ستكون الحامية لدروز سورية. ولم تستمر هذه المرحلة طويلاً، فبفعل التنديد الإقليمي والدولي عموماً، والأميركي خاصّة، لقصف دمشق، تراجعت الهجمات الإسرائيلية على سورية، وإن تزايدت حدّة الخطاب السياسي ضد أركان الحكم السوري الجديد.

المرحلة الرابعة، امتدت من سبتمبر/ أيلول وحتّى اللقاء الثاني للشرع ـ ترامب في البيت الأبيض في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، فخلال هذه الفترة كان الشرع يحظى بدعم دولي خلال لقاءاته مع زعماء العالم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي هذه المرحلة، تزايدت التسريبات الإعلامية عن قرب توصل سورية وإسرائيل إلى اتفاق أمني أو اتفاق سلام.

تراجعت خلال هذه الفترة الهجمات الإسرائيلية على سورية تراجعاً حادّاً، على أمل التوصل إلى اتفاق يُرضي إسرائيل، لكن لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي انتهى من دون الإعلان عن اتفاق بين سورية وإسرائيل، لتُطوى بذلك الآمال الإسرائيلية.

المرحلة الخامسة، بدأت مع عودة الشرع من واشنطن، فلم تمضِ أربعة أيام حتّى بدأت إسرائيل برفع مستوى سلوكها وخطابها السياسي. وفي 15 نوفمبر/ تشرين الثاني، استبق رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، نتائج لقاء الشرع بترامب، بالإعلان عن تمسّكه بشروطه المتعلقة بإقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وحماية الدروز، ثم شنه هجوماً لاذعاً على الشرع نفسه، واصفاً إياه بأنه “عاد منتفخاً من واشنطن، وبدأ يفعل أموراً لن نقبل بها”.

لم يكتفِ نتنياهو بذلك، ففي 19 نوفمبر، قام بجولة ميدانية في المنطقة السورية العازلة بمشاركة وزيرَي الدفاع يسرائيل كاتس، والخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير. بعدها بيومين، استأنفت إسرائيل توغلاتها البرية في الجنوب السوري، ووسعتها على نحوٍ لافت مقارنة بالمراحل السابق: في 21 الشهر نفسه، توغّلت قوة من جيش الاحتلال غرب قرية صيدا الحانوت بريف محافظة القنيطرة جنوبي سورية، في انتهاك هو الثاني خلال يومَين.

في 24 نوفمبر توغلت قوات الاحتلال باتجاه قرية الصمدانية الشرقية، ومنها باتجاه تل كروم جبا، في ريف محافظة القنيطرة الشمالي، وفي 25 الشهر ذاته، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في المنطقة الواقعة بين قريتَي العجرف وأم باطنة في ريف القنيطرة الشمالي. بعد يومين توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في تل أحمر شرقي بريف القنيطرة، وأبلغت القوات عدداً من الأهالي في قرية العشة بأنها ستبدأ عمليات حفر وتحصين بالقرب من الشريط الحدودي. استمرت هذه الهجمات بالتصاعد حتّى وصلت إلى مرحلة جرى فيها الاشتباك لأول مرة بين أهالي بلدة بيت جن جنوب غرب دمشق بالقرب من الحدود اللبنانية والجولان المحتل، والقوات الإسرائيلية في 28 نوفمبر، انتهى بإصابة خمسة جنود إسرائيليين.

ماذا تريد إسرائيل؟

كشفت المراحل الخمسة هذه أنّ استراتيجية “المعركة بين الحروب” (القائمة على مبدأ العمليات الدفاعية المناطقية والمساعي التي تهدف إلى إبطال التهديدات من دون أن ترقى إلى مستوى الحرب) التي اعتمدتها إسرائيل تجاه سورية منذ عام 2102، انتهت تماماً، لصالح الحرب المباشرة والمستمرة.

خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، كانت الغاية الإسرائيلية تدمير كل مقوّمات القوة العسكرية السورية لمنع نشوء أي تهديد عسكري في المديَين، القريب والمتوسط، غير أنّ الفراغ العسكري في الجنوب السوري دفع إسرائيل إلى تطوير رؤيتها إلى كامل الجنوب، فانتقلت إلى إقامة واقع جديد لا تستطيع دمشق ولا الأطراف الداعمة لها تغييره.

لا يتعلق الأمر بتثبيت نقاط عسكرية فحسب، بل إجراء تغيّرات ديمغرافية شملت عمليات هدم وتهجير وتغيير عمراني في قرى عدّة داخل المنطقة العازلة وخارجها: في قرية الحميدية، ضمن منطقة الأمم المتحدة منزوعة السلاح، هدمت القوات الإسرائيلية في 16 يونيو/ حزيران ما لا يقل عن 12 مبنى، بعد أن كانت قد طردت السكان منها في يناير.

وفي جباتا الخشب، بدأت إسرائيل تجريف مساحات واسعة من الأراضي، شملت محمية غابات يزيد عمرها على قرن، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، في واحدة من أكبر عمليات اقتطاع الأراضي منذ السبعينيّات. وقد وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها نشر في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، مصادرة إسرائيل منازل سوريين وهدمها، وحرمانهم من سبل العيش، ونقل المحتجزين السوريين على نحوٍ غير القانوني إلى إسرائيل.

تُشير هذه التغييرات الجغرافية والديمغرافية إلى أمرين؛ الأول أنّ إسرائيل تعمل على صناعة خطوط اشتباك جديدة تكون في عمق الأراضي السورية، لا على حدودها. الثاني، يكون لها القدرة لا على ممارسة الرقابة على أهالي المنطقة فحسب، بل إنّ تتحوّل إلى مايسترو للجنوب السوري بأكمله، بحيث يكون لها موقع متقدم داخل سورية والقول الفصل فيه، سواء على مستوى التحالفات السياسية أو العسكرية، ولعل حالة شيخ عقل الدروز حكمت الهجري مثال على ذلك. وبهذا؛ تتجاهل إسرائيل كامل المعطيات السياسية السورية والحسابات الإقليمية والدولية حيال سورية الجديدة، فبالنسبة لها ليس الشرع ونظام حكمه إلّا إسلاميين جهاديين وإن اختلفت الأشكال والأسماء والخطابات.

يسمح هذا الحضور المتقدم في الجغرافيا السورية، وفقاً للمقاربة الإسرائيلية، بممارسة ضغوط يومية على سورية، الأمر الذي قد يُجبر دمشق على المدى المتوسط أو الطويل، على القبول بالواقع العسكري الإسرائيلي القائم في الجنوب، أو القبول باتفاق سلام وفق الشروط الإسرائيلية: لا يكون فيه الجولان المحتل ضمن الاتفاق، أو على الأقل يخضع لاعتبارات جديدة لا علاقة لها بالقرارات الدولية ذات الصلة.

أميركا وإسرائيل… التلاقي والتباعد

لماذا اكتفت إسرائيل بالسيطرة على نقاط عدّة قرب المناطق الحدودية، ولم تدخل أكثر إلى العمق السوري؟ ولماذا اكتفت بتقديم دعم لوجستي لتيار الهجري، ولم تذهب، مباشرةً، إلى إقامة واقع عسكري جديد في السويداء، يعيد تجربة أنطوان لحد في الجنوب اللبناني؟ هذان السؤالان مرتبطان بالموقف الأميركي الذي أخذ يتطوّر سريعاً تجاه سورية: خلال الأشهر الأربعة الأولى من وصول الشرع إلى السلطة، كان الموقف الأميركي يتطابق، إلى حد كبير، مع الموقف الإسرائيلي. غير أن الخطاب السياسي للشرع على المستويات، المحلي والإقليمي والدولي، المترافق بدعم عربي ـ تركي، دفع واشنطن إلى الابتعاد عن المقاربة الإسرائيلية شيئاً فشيئاً. وكان لقاء ترامب مع الشرع في الرياض محطة أولى في تغيّر المزاج السياسي الأميركي، ومنذ ذاك التاريخ أخذت إدارة ترامب تتجه نحو إدماج دمشق ضمن مبادرات التهدئة الإقليمية، ضمن معادلةٍ يتشابك فيها الأمن الحدودي مع إسرائيل مع مسار إعادة بناء مؤسّسات الدولة. وجاء قرار ترامب تعليق عقوبات “قيصر”، ثم السماح للشرع بالمشاركة في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة على الرغم من إدراج اسمه ضمن قائمة الإرهاب الأممية، ثم زيارة الشرع للبيت الأبيض، دلائل على تغيّر المقاربة الأميركية جذرياً حيال سورية.

هنا، بدا التباعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل جلياً، فمع أن واشنطن تتقاطع مع إسرائيل في ضرورة حماية الأخيرة أمنها والقبول بفرض وقائع جديدة نتيجة اختلال موازين القوى، إلّا أن الاختلاف بينهما يكمن في الداخل السوري، إذ ترفض الولايات المتحدة أي دور إسرائيلي من شأنه أن يؤجّج التوترات الداخلية في بلد يتلمّس طريقه نحو التعافي، وقد حذر الرئيس الأميركي قبل أيام من ذلك، حين قال على منصته “تروث سوشال”: من المهم جداً أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع سورية، وألّا يحدث أي أمر يتدخل في تطور سورية إلى دولة مزدهرة.

وفق المقاربة الأميركية، التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري على نحوٍ مستمر عسكرياً وسياسياً، من شأنه أن لا يقوي التيار الراديكالي في صفوف حكم الشرع فحسب، بل قد يدفع سورية مضطرةً إلى التوجه نحو روسيا، وهذا ما حدث مع زيارة وفد عسكري روسي للمناطق الحدودية السورية مع إسرائيل. لكن ورغم ذلك، لم تصل الولايات المتحدة إلى حد ممارسة الضغط الحقيقي على إسرائيل بسبب عدم اكتمال المشهد السياسي في الداخل السوري.

يمكن اختصار السياسة الأميركية على النحو التالي: تترك الولايات المتحدة مسألة مصير الجولان والجنوب السوري لإسرائيل وسورية وحدهما، وهي بذلك تكون أقرب لإسرائيل من سورية، أما مستقبل الدولة السورية، فهذا يتجاوز إسرائيل ويخضع لاعتبارات إقليمية ودولية معقدة.

الخيارات السورية

لا تمتلك سورية أيّ مقومات القوة العسكرية لمواجهة التدخلات الإسرائيلية، ولذلك التزم الشرع وحكومته الصمت تجاه الضربات والتوغلات الإسرائيلية خلال الأشهر الخمسة الأولى، في وقت اقتصر الخطاب السياسي السوري على التأكيد أنّ سورية الجديدة لن تكون أرضها معادية لأي دولة، خصوصاً الدول المحيطة في سورية، وفي مقدّمها إسرائيل. أعطى هذا الخطاب انطباعاً سياسياً بأن الشرع يبعث رسائل استرضائية لإسرائيل، وأن سورية جاهزة للقبول بأي اتفاق مع إسرائيل من شأنه أن ينهي حالة الحرب، ولا سيّما في ظل بيئة محلية مضطربة وعجز الدولة الجديدة عن فرض نموذج إداري أمني موحد. ومع استمرار إسرائيل في قصفها وتوغلها، أدركت سورية ـ المدعومة عربياً، وإلى حد ما أميركياً، أن لغة المهادنة السياسية لم تُجدِ نفعاً مع إسرائيل، فبدأ خطابها السياسي يتغيّر تدريجياً: أولاً لجهة التنديد بالهجمات الإسرائيلية، وثانياً برفضها الانضمام إلى الاتفاقات “الإبراهيمية” بسبب خصوصية الحالة السورية. ومع تغيّر العلاقة السورية الأميركية نحو الإيجاب، اتجه الشرع نحو التشدّد السياسي أكثر لجهة المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإنشاء منطقة آمنة في الجنوب السوري، وإبعاد الجولان المحتل عن أي مفاوضات بين الجانبين.

على الرغم من أنّ الخيارات السورية تجاه إسرائيل محكومة بالواقع القائم، فإنّ هذا لا يعني أنها بجغرافيتها وقدراتها البشرية عاجزة تماماً عن القيام بأي فعل قد يُحدِث فرقاً، وإن كان ضعيفاً. وعليه؛ لا يبدو أمام سورية سوى خيار واحد، وإن كان مركّباً ومعقداً: اعتماد استراتيجية تجمع بين الخطاب السياسي الهادئ، إلى جانب استمرار التفاوض مع إسرائيل حيال وجودها في الجنوب السوري، وربما مصير الجولان المحتل، في ظل حضور دولي عام وأميركي خاص. غير أن أهم تطورَين أضيفا إلى هذه الاستراتيجية هما؛ أولاً إدخال لاعبين جدد إلى الساحة الجنوبية، والمقصود بذلك روسيا التي جال وفد عسكري منها الحدود السورية، في خطوة قد تؤدي إلى نشر قوات روسية، ليس مهمتها منع إسرائيل من التدخل العسكري، وإنما منعها من توسيع تحركاتها في الجنوب السوري. ثانياً، الانتقال إلى المقاومة الشعبية، وهذا تطور في غاية الأهمية، لأنه ينهي مرحلة الصمت السوري، وينقلها إلى مرحلة الفعل في حدود الإمكانات المتاحة.

ولعل حادثة بلدة بين جن (الخاصرة الشرقية لجبل الشيخ) ما يؤشّر على ذلك، فالكمين الذي وقع فيه الجنود الإسرائيليون كان مفاجئاً للغاية بالنسبة لإسرائيل، التي حاولت التخفيف من الدور السوري بالقول إنّ الكمين كان وراءه أفراد ينتمون إلى “الجماعة الإسلامية” في لبنان. ثم ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أبعد من ذلك، حين قال “هناك قوى داخل سورية تفكر في غزو بلدات الجولان واستخدامها نقطة انطلاق لتنفيذ هجوم على البلدات الإسرائيلية، بينها الحوثيون ومليشيات إيرانية وكذلك “داعش” وحماس وجماعات إسلامية أخرى”. لقيت هذه التصريحات استهجاناً عربياً ودولياً وإسرائيلياً، فقد استهزأت صحيفة يديعوت أحرنوت من هذه التصريحات بالقول “لم يسبق لإسرائيل أن تحدثت عن محاولات من جماعة الحوثيين اليمنية للعمل ضد إسرائيل من الأراضي السورية… ولا تتوفر أي معلومات عن نشاط في سورية للحوثيين”.

ليس خافياً على أحد أنّ هذا الخطاب محاولة لتضخيم الوضع في الجنوب السوري، بما يمنح إسرائيل دعماً دولياً للمضي في هجماتها وتوغّلاتها، لكنه في الوقت ذاته يكشف أيضاً التخبط الإسرائيلي ومحاولة قادة الاحتلال التخفيف من الحديث عن فعل شعبي مقاوم من شأنه أن يؤدي إلى تحول مهم في طبيعة المواجهة السورية الإسرائيلية.

من المبكر الحديث عن نتائج الاستراتيجية السورية متعدّدة الأوجه هذه، لكنها تبدو حتى الآن الاستراتيجية الأنفع في ضوء اختلال موازين القوة، كما قد يكون لها انعكاس إيجابي في الداخل السوري، لجهة نشوء شعور وطني جامع بين مكونات المجتمع السوري حيال عدو وجودي مشترك.

العربي الجديد

———————————-

سوريا بعد عام.. كيف غيّر التحرير ملامح الدولة والمجتمع؟/ راغب العطية

ديسمبر 9, 2025      

منذ أن انطلقت معركة ردع العدوان في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبدأت تحقق الانتصار تلو الآخر، راحت تتبدل ملامح الأرض في الأماكن التي بدأت منها غرفة العمليات عملياتها العسكرية، كما هو الحال في بلدة قبتان الجبل غربي حلب التي بدأت منها معركة تحرير دمشق، والتي انتقلت خلال ساعات معدودة من منطقة مهمشة ومعزولة إلى قلب الحدث السوري الكبير. ومع هذا الانتصار، تبدلت ملامح وجوه السوريين في المدن والبلدات والقرى، وفي مخيمات النزوح، وفي بلاد اللجوء، نحو البشرى والاستبشار بقرب انبلاج فجر الحرية، الذي تحقق بعد 12 يوماً، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بسقوط النظام وهروب بشار الأسد إلى خارج البلاد.

اليوم، وبعد عام من التحرير، تبدو سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة تجمع بين الشرعية المؤسسية، والهوية الوطنية، والتوازن إقليمياً ودولياً، والقدرة على إنتاج نموذج سياسي جديد يتجاوز أخطاء الماضي، ومنفتحاً على الجميع دون التقيد بالأحلاف والمحاور.

فسوريا التي دخلت مرحلة جديدة بحسب العديد من المحللين، لا يمكن لها التراجع إلى الوراء على المستوى الداخلي، ولا يمكن تجاهل تأثيرها الكبير على مستقبل المنطقة والعالم. فرغم التحديات البنيوية الكبيرة، فإن عناصر القوة الواقعية، بوجود دعم عربي وإقليمي، وتراجع النفوذ المعادي، وامتلاك القيادة شرعية واسعة داخلياً ودولياً، كلها تمنح الدولة السورية الجديدة فرصة حقيقية للانطلاق والاستمرار.

انتقال سلس

وفي هذا السياق، يقول السياسي السوري المقيم في المنفى منذ أكثر من 30 عاماً في فرنسا فهد المصري: “أعمى بصيرة من لا يرى ولا يدرك حجم وأهمية الإنجازات الاستثنائية التي حدثت في سوريا، منذ فرار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024″، وهي، بحسب رأيه، تعد معجزة سياسية بكل المقاييس، مشيراً إلى أن أهم المراقبين والخبراء حول العالم كانوا يعتقدون أن سوريا ستدخل في حرب أهلية ربما تستمر لسنوات طويلة.

وأضاف المصري في حديث خاص مع صحيفة “الثورة السورية” أن نظام الأسد المخلوع، الذي جثم على صدور السوريين أكثر من نصف قرن، سقط بعد تضحيات جسام قدمها السوريون على مدار 14 عاماً عمر الثورة، وانتهت الحرب، وانتهت معها سلسلة طويلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتوقف تدمير المدن السورية وتشريد الملايين من المدنيين وترويعهم؛ التي كانت نتيجتها مقتل أكثر من مليون سوري، وأكثر من نصف مليون معتقل ومفقود قسراً، وأكثر من عشرة ملايين لاجئ ونازح. لافتاً إلى خروج عشرات الآلاف من المعتقلين السوريين والعرب من سجون النظام، التي شهد العالم على فظاعة ما رآه فيها، وخاصة سجن صيدنايا سيئ الصيت، كما اكتشف العالم هول ما تعرض له السوريون من خلال المقابر الجماعية التي تم اكتشافها حتى الآن، والتي تضم عشرات آلاف الجثث من الأبرياء.

ونوّه المصري بالدور السعودي والتركي، وبالدور العربي عموماً، في تمكين سوريا من نسف مشاريع تقسيم البلاد، والتخلص من العقوبات الأميركية والأوروبية والدولية، والانتقال من الحضن الإيراني إلى مكانها الطبيعي عربياً وإقليمياً، وقال: لقد انتقل الشعب السوري من مجتمع معزول عن العالم إلى قلب العالم، وعادت سوريا بعد عقود من التخلف الاقتصادي إلى الاقتصاد العالمي.

تعريف ببنية جديدة

بعد عام واحد من سقوط النظام المخلوع وتحرير العاصمة السورية دمشق، تقف سوريا اليوم عند مفترق تاريخي واستراتيجي يعيد تعريف طبيعة الدولة السورية الجديدة، ووظيفتها، وفاعليتها، وموقعها في المنطقة. فالتحولات التي حصلت منذ لحظة التحرير لم تكن مجرد انتقال سياسي بحد ذاته، بل هي إعادة صياغة جذرية لبنية الدولة بكل تفاصيلها، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على علاقاتها مع محيطها العربي، ومع المجتمع الدولي بدوله ومؤسساته.

وتختصر زيارة وفد مجلس الأمن الدولي بكامل أعضائه مؤخراً إلى دمشق، في الوقت الذي يحتفي فيه السوريون بيوميات معركة ردع العدوان التي أطاحت بالنظام الأسدي، بحسب المراقبين، إجماعاً دولياً نادراً على دعم سوريا، وتفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة بين دمشق والمجتمع الدولي، بعد سنة حافلة بالزيارات واللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف. وأبرز النشاطات الدولية هو حضور السيد الرئيس أحمد الشرع الاجتماع عالي المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين، ولقاؤه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض خلال زيارته الشهر الماضي لواشنطن.

وقال المصري: بمنطق العقل والمصلحة الوطنية العليا، وبمنطق المصالح الاستراتيجية المشتركة لدول وشعوب المنطقة والقوى الدولية الفاعلة، سجلت السنة الأولى من عمر التحرير حركة دبلوماسية سورية نشطة أعادت البلاد إلى الواجهة، واستعاد السوريون معها احترامهم وكرامتهم. فاليوم، على التلفزيون السوري الرسمي، ولأول مرة في تاريخ سوريا، يسمعون ويشاهدون نقاشات سياسية لم يكن أحد يتخيل يوماً أن يراها على الإعلام الرسمي، كما أصبح في المتناول الحصول على جواز سفر كان حلماً للكثيرين. وأشار إلى أن الحياة بدأت تعود إلى سوريا تدريجياً، وكيف بدأت البعثات الدبلوماسية الأجنبية بالعودة إلى دمشق والتباحث في العلاقات والمصالح المشتركة.

وما حققته سوريا في سنة من عمر التحرير على المستويين الداخلي والخارجي، بحسب المراقبين، يسجل للحكومة التي استطاعت أن توائم خلال الفترة القصيرة نسبياً بين مهامها المحلية في تحقيق الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات لمواطنيها، وعملها الحثيث للنهوض باقتصاد البلاد المدمر، لتأمين كل متطلبات عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم بحرية وكرامة.

ثقة السوريين تتعزز بوطنهم

بعد عام على التحرير، تتجدد آمال السوريين بمستقبل أفضل وعهد جديد من الكرامة والعدالة والمساواة، وتتعزز ثقتهم بوطنهم، مع اتساع هامش الحرية وتحسن الأمن والخدمات.

ويرى المراقبون أن الإعلان الدستوري، وتشكيل الحكومة الانتقالية، وانتخابات مجلس الشعب، وتشكيل اللجان المختصة في العدالة الانتقالية والمفقودين، وكذلك لجان التحقيق في أحداث الساحل والسويداء، والعمل على بناء مؤسسات الدولة، وخاصة العسكرية والأمنية منها، كل ذلك يشكل خطوة باتجاه بناء الدولة على أسس وطنية جامعة تبني أواصر الثقة بين السوريين ودولتهم.

فإنجاح المرحلة الانتقالية ليس رفاهية، بحسب ما يرى المصري، بل هو ضرورة وطنية وإقليمية ودولية، وفشلها يعني فشل الجميع، وأن الجميع سيدفعون الثمن. لافتاً إلى التحديات التي تواجه الدولة السورية، وعلى رأسها التحدي الأمني وضبط الحدود، وخاصة الحدود مع لبنان والعراق.

ومن التحديات التي تواجهها الدولة السورية، بحسب المصري، موضوع “قوات سوريا الديمقراطية” التي تماطل في تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، وهو تحد أمني مشترك مع تركيا، بالإضافة إلى التحدي الأمني الخاص بفلول النظام في الساحل، الذي شهد أياماً عصيبة في آذار/مارس الماضي، نتيجة محاولات إيران و”حزب الله”، بالتعاون مع عسكريين سابقين تابعين للأسد المخلوع، لفصل الساحل عن سوريا، مما أسفر عن وقوع جرائم وضحايا من المدنيين والأمن العام. مشيراً إلى ضرورة الإسراع في محاسبة كل من أجرم بحق السوريين، أياً كان، وكذلك ما حدث في السويداء التي وقعت فريسة لأجندات غير وطنية، وفق المصري.

دمشق مفتاح السلام

وشدد المصري على ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، وبناء الجيش والأجهزة الأمنية على عقيدة وطنية وأسس مهنية، إضافة إلى تشكيل حكومة فاعلة تعبر عن شراكة وطنية حقيقية، وبناء نظام سياسي وإداري يتناسب مع التغيير الذي أحدثته الثورة السورية، ومراجعة القوانين والتشريعات، وهذا يتطلب الإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت لإصلاح المنظومة القانونية. مشيراً إلى التحدي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتمكين النازحين واللاجئين من العودة إلى مناطقهم وديارهم، دون أن يغفل التحدي الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي وتدخلاته في الشؤون الداخلية السورية.

وقال المصري: لقد ارتكب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عدة أخطاء استراتيجية في سوريا، وادعى أن ذلك لضمان أمن إسرائيل، في حين أن الحقيقة هي أنه يريد إضعاف سوريا الجديدة إلى أقصى الدرجات لإجبارها على الخضوع والابتزاز. ولتحقيق هذا الابتزاز، استخدم ورقة الدروز ككبش فداء، سواء في سوريا أو الجولان المحتل أو حتى في إسرائيل، في محاولة منه لتعزيز جبهته الداخلية أمام التحديات التي تتعرض لها حكومته التي تعيش أيامها الأخيرة.

وأوضح السياسي السوري من منفاه في باريس أنه رغم أن القيادة السورية أعلنت مراراً وبشكل رسمي أن سوريا لن تشكل أي تهديد لأحد، وأنها لن تسمح بشن هجمات من أراضيها ضد أي طرف، وأن سياستها الجديدة تقوم على تصفير المشاكل مع دول الجوار والعالم، ورغم دخول سوريا في حوار مباشر مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني، فإن نتنياهو لم يدرك بعد خطورة إضعاف الدولة السورية الوليدة، وأن في سياسته هذه تقوية لـ “حزب الله” ودعماً لإيران وتنظيم “داعش” وكل التنظيمات الإرهابية.

وما بين ثقة السوريين التي تترسخ يوماً بعد يوم بدولتهم الجديدة، بعد عام كامل على تحرير بلادهم من الدكتاتورية، وبين انفتاح عربي ودولي منقطع النظير على سوريا، يتأكد بحسب المراقبين، أن دمشق تمثل مفتاح السلام الإقليمي والدولي، ومن دونها لا يتحقق الاستقرار في المنطقة.

الثورة السورية

———————————–

 ماذا تعلمت إيران من هزيمتها في سوريا؟/ منهل عروب

2025.12.09

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، انهار نظام الأسد وانهارت معه شبكة النفوذ الإيرانية التي ظنّت طهران أنها ُمحكمة إلى درجة لا تُكسر. اليوم، ونحن نقف على أعتاب العام الأول لانتصار الثورة، تبدو سوريا مختلفة جذرياً عن تلك التي حملت ركام الحرب، والخراب، والميليشيات، والعبث الإيراني في الأرض والمجتمع. ليس لأن الثورة وحدها غيرت المشهد، بل لأن هزيمة إيران تحديداً أحدثت تحولاً أعمق في ميزان القوى، وفي الوعي السوري والوعي العربي عموماً، بل وفي خريطة المنطقة برمتها.

إيران لم تخسر نظاماً فقط بل خسرت أهم ركيزة كانت تراها حجر أساس لمشروعها الإقليمي المتمدّد. خسرت ممراً إلى البحر المتوسط، وخسرت ورقة ضغط تستخدمها في التفاوض مع العالم، وخسرت رمزاً كانت تقدمه دليلhW على قوتها وحنكتها السياسية وذلك في قدرتها على صناعة أنظمة تابعة لها، وتدور في فلكها، وتُنفّذ أجندتها. والسؤال الذي يُطرح اليوم: بعد عام كامل على انتصار السوريين؛ ما الذي تعلمته إيران من هزيمتها في سوريا؟

فمنذ 2003 حين دخلت إيران العراق من بوابة الفراغ الأميركي، تشكّلت لدى صانع القرار الإيراني قناعة بأن التوسع ممكن عبر القوة لا عبر التحالفات. سوريا كانت الحلقة الأهم في هذه المتتالية، والموقع الاستراتيجي الذي يربط بغداد ببيروت، ويحوّل طهران إلى لاعب إقليمي كبير، قادر على التفاوض وفرض شروطه على المجتمع الدولي. لكن الثورة السورية قلبت المعادلة، ومع انتصارها وسقوط النظام أصبحت إيران مكشوفة بلا غطاء، وفقدت مركز ثقل كان يمنح مشروعها قوة التمركز في قلب العالم، وعلى مشارف البحر المتوسط.

إيران بنت نفوذها على افتراض أن الدول تنهار والشعوب تُستبدل، وأن الميليشيات يمكن أن تقوم مقام السياسة، كما في لبنان والعراق واليمن. لكن سوريا أثبتت عكس ذلك: الميليشيا تحكم مؤقتاً، لكنها لا تصنع دولة. تبدو هذه الحقيقة أشد وضوحاً في سوريا؛ حيث انهارت جميع الأذرع التي بنتها إيران في سوريا خلال سنوات طويلة، وانمحى أثرها بلحظة واحدة؛ مما يدل على هشاشة التمدّد الإيراني، وخطأ الأسس التي بنت عليها القيادة الإيرانية سياستها التوسعية. والتحدي الأكبر الذي واجهته إيران لم يأتِ من الدول الإقليمية أو المجتمع الدولي، بل من السوريين أنفسهم. فمع كل محاولات الإخماد، وكل سنوات الحصار، وكل أدوات الإبادة، وُلد جيل كامل لا يرى في إيران قوة مقاومة كما قدمت نفسها، بل قوة احتلال، وخطرها يفوق الخطر الإسرائيلي.

لم يقتصر عداء السوريين للنهج الإيراني على السنة فقط، بل كانت البيئة الحاضنة لنظام الأسد أيضاً تنفر من التمدد الإيراني في المجتمعات المحلية، ولا ترى في إيران سوى قوة مساندة في حربهم، دون أي مشترك عقائدي أو ثقافي. وخلال سنوات طويلة نشط فيها رجال دين موالون لإيران في المجتمعات المحلية، لم تأت بثمارها المرجوة، سوى خطاب انتهازي عن جذور مشتركة بين الشيعة والعلوية بشكل عمومي وغائم. وفشلت كل المحاولات في إيجاد مشتركات عقائدية أو ثقافية في البيئات العلوية تربطها بإيران على غرار شيعة حزب الله في لبنان على سبيل المثال. وعندما انهار الأسد، لم يكن الوجود الإيراني ولا ميليشياتها جزءاً من المجتمع الشيعي ـ العلوي المحلي، بل مجرد امتداد لسلطة سقطت وفقدت معناها وبأثر فوري. واكتشفت إيران أنهم لم يقاتلوا دفاعاً عنها، وليسوا مستعدين للدفاع عن وجودها.

ذلك أن المشروع الإيراني في سوريا لم يملك خطاباً أخلاقياً جامعاً، ولم تَبنِ طهران جامعة يتخرج فيها السوريون، لم تطلق منحة بحثية، ولم تؤسس مشاريع تنموية. كل ما قدمته كان القوة الخشنة من ميليشيات، استخبارات، حواجز، وتحويل المدن إلى مربعات أمنية، واقتصاد يُدار على طريقة الأسد: مشاريع ريعية تهدف إلى الربح السريع، حماية أمنية لإنجاح المشروع بدل المنافسة والجدوى الاقتصادية، وإدارة تقوم على الولاء بدل الكفاءة، ما أنتج طبقة فاسدة مستنسخة عن نظام الأسد ومتشابكة معه. 

في المقابل كانت القوة الناعمة الإيرانية شبه معدومة؛ لا سردية ثقافية جامعة، لا نموذج حياة جاذب، لا اقتصاد يَعِد بالتنمية، تماما كما الحياة في طهران والمدن الإيرانية المغرقة في الفقر والفساد. وهنا يكمن الفارق الحاسم بين القوة التي تقهر والقوة التي تُقنع. لذلك حين توقف الرصاص، انهار كل شيء بوزن نفسه.

على الصعيد الإقليمي تصرّفت إيران في سوريا كقوة فوقية، لا ترى في المنطقة فضاءً للتفاعل وإنما ميداناً للصراع. لم تتجه إلى تركيا كشريك محتمل، ولا إلى الخليج كفضاء اقتصادي يمكن العمل معه، ولا إلى العالم العربي كعمقٍ ثقافي مشترك. بل تعاملت مع الجميع كعدوّ يجب هزيمته. النتيجة أنّ الإقليم بأكمله تحوّل إلى جبهة مضادة، تعمل على تفكيك النفوذ الإيراني بدلاً من الشراكة معه، أو حتى استيعابه واحتوائه.

ـ هل تعلمت إيران من دروس الهزيمة؟

حتى هذه اللحظة، لا يبدو أن إيران تعلمت الدرس. فرغم غرقها في أوحال الحرب السورية وانكشافها بل وهزيمتها في عقر دارها، لم تغير من منهجها. نعم، تحاول طهران إعادة ضبط أدواتها،  لكنها لم تنتقل إلى بناء مؤسسات بديلة أو تطرح مقاربات أو شراكة مع المحيط الإقليمي، ولم تراجع خطابها أو شكل حضورها الخارجي، أي أنه تخطيط لاحتواء الخسائر أكثر منه صناعة مشروع جديد. ويبدو صانع السياسة الإيراني ما يزال يؤمن بالهيمنة لا بالشراكة.

بعد عام على التحرير أصبح واضحاً رسوخ أركان الحكم الجديد في سوريا ولو جزئياً أو على الأقل انعدام إمكانية استعادة نظام الأسد بشكله القديم، مما يحتّم ضرورة بناء قواعد جديدة للتعامل بين البلدين. فسوريا بعد الثورة لم تعد منطقة نفوذ تُدار عن بعد، بل دولة لها حساباتها، وتطمح للبحث عن موقعها في المنطقة ومعنى وجودها السياسي. رغم هذا لم تطرح القيادة الإيرانية أي مقاربة جديدة للتعامل مع دمشق. ورغم وضوح فكرة أن المشروع الإيراني في سوريا لم ينتهِ لأنه هُزم فقط، بل لأنه لم يحمل مقومات الحياة أصلاً، لكن يبدو أن القيادة الإيرانية لم تدرك تلك الحقيقة بعد. فلو تعلمت الدرس، لاختارت طريقاً آخر بعد عام كامل من الهزيمة الساحقة

تلفزيون سوريا

—————————————————–

 الطريق الطويل إلى الوطن: أربعة عشر عاماً في المنفى وقبرٌ طال انتظاره/ فضل عبد الغني

2025.12.09

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، تحررت سوريا من أحد أشد الأنظمة وحشيةً وإجراماً في التاريخ المعاصر؛ لقد مثَّل سقوط حكم بشار الأسد نهاية حقبةٍ من الرعب والإذلال. وبالنسبة إليّ، فقد كان كذلك نهايةً لغربةٍ شخصية عميقة؛ انقطاعٌ قسري في مسار حياتي بدأ في آذار/ مارس 2011، حين اخترتُ، وبلا رجعة، الوقوف إلى جانب الثورة السورية العظيمة، فخسرتُ بذلك العودة إلى مدينتي وبلدي.

لا أستطيع استحضار ذلك اليوم التاريخي من دون أن تستدعي الذاكرة جرحاً أقدم: مجزرة حماة عام 1982؛ لقد نشأتُ في مدينةٍ حملت شوارعها صمت الأحياء المدمَّرة، وغياب الآباء، وعائلاتٍ تعلّمت التعايش مع القهر والفقدان. حافظ الأسد الذي ذبح الناس، وأيضاً، دفن الحقيقة تحت الركام. ثم جاء الابن وارثاً للسلطة، حاملاً معه جهاز القمع بكامل عتاده. بالنسبة إليّ، كان نظام الأسد الوحشي واقعاً يومياً تشرّبته مدينتي قبل أن يتشكّل وعيي السياسي بزمنٍ طويل.

حين اندلعت الثورة السورية في آذار/مارس 2011، كنتُ أعرف موقفي بوضوح، انضممت إليها بوصفي إنساناً رسمت جرائمُ هذا النظام مسار حياته سلفاً؛ ومنذ اللحظات الأولى، انحزتُ إلى مطالب الكرامة والحرية وإنهاء الاستبداد الوراثي. في غضون أشهر قليلة، صرتُ مطلوباً لأجهزةٍ أمنية عدة.

تجلّى ثمن هذا لاحقاً بصورةٍ موجعة؛ ففي السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2011، رحل والدي. في الظروف الاعتيادية، يرافق الابنُ أيام والده الأخيرة، يمسك بيده، يودّعه، ويقف إلى جانب أسرته عند القبر؛ حُرمتُ من ذلك كله. لم أستطع العودة إلى حماة، ولم أتمكن من الوقوف بجانب والدتي في تلك اللحظات العصيبة. لم أشارك في موكب الجنازة، ولم أصلِّ عند القبر، ولم أضع يدي على التراب الذي أُهيل حديثاً.

في حزيران/ يونيو 2011، وفي خضم هذا الاضطراب، أسستُ “الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان”؛ وُلدت الشَّبكة من ضرورةٍ أخلاقية، استجابةً لما يتعرض له السوريون من قتلٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ واختفاءٍ قسري في أرجاء البلاد كافة. ما بدأ مبادرةً متواضعة سرعان ما تطوّر ليصبح إحدى أبرز منظمات حقوق الإنسان السورية ومرجعاً أساسياً للمعلومات عن الانتهاكات. من خارج البلاد، شرعتُ مع زملائي في مسيرة التوثيق: سجّلنا الأسماء والتواريخ والأماكن والظروف، وجمعنا الشهادات، وحفظنا الأدلة، وأصدرنا التقارير. وحرصنا على الدقة والمهنية في بيئةٍ كان الإنكار والتشويه والمحو من أبرز أدوات النظام الأسدي فيها.

غير أنَّ عملي لم يُعرّضني وحدي للخطر؛ فبحكم دوري وحضوري العلني، باتت عائلتي هدفاً محتملاً. لقد واجهت والدتي وشقيقي الأكبر، معتز، تهديداً حقيقياً لمجرد بقائهما في سوريا بينما كنتُ أقود منظمةً تفضح جرائم النظام الأسدي أمام العالم. اضطرّا إلى مغادرة منزليهما ووظيفتيهما وحياتهما المستقرة، والانضمام إلى صفوف اللاجئين.

على امتداد السنوات التالية، تصاعد العنف إلى مستوياتٍ فاقت أسوأ مخاوفنا الأولى: حصاراتٌ خانقة، وقصفٌ عشوائي، وبراميل متفجرة، وأسلحة كيميائية، وتعذيبٌ ممنهج في مراكز الاحتجاز، ونزوحٌ جماعي غير مسبوق. امتلأت قواعد بياناتنا بمئات الآلاف من السجلات؛ كل سجلٍّ منها حياةٌ بوجهها وعائلتها ومستقبلها الذي انتهى.

في لحظاتٍ كثيرة، بدا النظام الأسدي عصياً على السقوط؛ محمياً بالشلل الدولي، وتوازنات القوى، وإرهاق العالم من “مأساةٍ سورية أخرى”؛ ظنّ كثيرون أنَّ شيئاً لن يتغيّر، وأن قبضة آل الأسد على السلطة ستصمد أطول من اهتمام العالم. ومع ذلك، واظبتُ على التوثيق والتحدث لمختلف دول العالم، وتقديم الإحاطات الدورية. كان يقيني واضحاً: حتى لو تأخرت العدالة، فإنَّ الحقيقة يجب ألَّا تُهمَل، والأدلة يجب أن تُصان، وأصوات الضحايا يجب ألا تغرق في صخب الجغرافيا السياسية.

على خلفية تلك المعاناة الممتدة والجمود الظاهري، بدا سقوط نظام الأسد أمراً شبه مستحيل، إلى أن وقع، وحين تأكّد نبأ انهيار النظام ونهاية حكم بشار الأسد، اجتاحني طوفانٌ من المشاعر المتداخلة. من ناحية، كانت تلك اللحظة التي حلمتُ بها منذ فجر الثورة: نهاية استبدادٍ وراثي حكم سوريا بالدم والرعب أكثر من خمسة عقود. ومن ناحية أخرى، كان ذلك انتصاراً شخصياً عميقاً على نظامٍ نفاني، وهدّد عائلتي، وحرمني فرصة وداع والدي.

لكن فرحتي لم تكن خالصةً ولا خفيفة الحمل؛ كانت فرحةً ممزوجة بذكرى الشهداء والمختفين والمهجَّرين. كنتُ أدرك أنَّ أي إعلانٍ، مهما بلغت تاريخيته، لن يُعيد أولئك الذين قضوا تحت التعذيب، أو طُمروا تحت أنقاض بيوتهم، أو فارقوا الحياة في المنافي متطلعين إلى عودةٍ لم يُكتب لهم أن يشهدوها. لم يمحُ سقوط النظام الندوب التي خلّفها في جسد البلاد وروح شعبها. ومع ذلك، أصبح بمقدور السوريين، للمرة الأولى منذ عقود، أن يتخيّلوا مستقبلاً سياسياً لا يدور حول استمرار عائلةٍ واحدة في السلطة.

بعد تحرير سوريا، تمكّنتُ من فعل ما ظلّ مستحيلاً لسنوات: العودة إلى وطني؛ عبوري الحدود كان إنهاءً لمنفى قسري، واستعادةً لروابط قطعها نظامٌ مجرم، وتوجّهتُ إلى حماة، مدينتي التي نجت من مجزرة 1982 وكل ما تلاها. عدتُ أمشي في شوارعها وفي داخلي طبقاتٌ متراكمة من الذكريات، وثقل السنوات التي قضيتها بعيداً عنها.

وكانت المحطة الأثقل والأعمق دلالةً في تلك الرحلة: قبر والدي؛ وقفتُ أمامه بعد سنواتٍ طويلة من العجز التام عن زيارته، وبكيتُ بمرارة. كانت دموعي على ما سلبته الدكتاتورية من حياتنا: اللحظات الأخيرة التي لم أحظَ بها معه، والجنازة التي غبتُ عنها، والسنوات التي عجزتُ فيها عن مواساة والدتي في حزنها. عند ذلك القبر، كفَّ سقوط النظام عن كونه حدثاً سياسياً محضاً، وتحوّل في وجداني إلى فعل استردادٍ شخصي عميق.

لذلك، فإنَّ فرحتي الغامرة بسقوط نظام الأسد هي فرحة سوريٍّ أمضى سنواتٍ في مواجهة جرائم النظام بالتوثيق والشهادة؛ فرحة من شهد عن قرب الثمن الباهظ الذي دفعه الضحايا والناجون وذووهم؛ فرحة إنسانٍ رفض التسليم بأنَّ بلاده محكومةٌ أبداً بالخضوع للسلالة ذاتها التي ذبحت مدينته عام 1982، ودمّرت سوريا في العقود اللاحقة.

وفي الوقت نفسه، أدرك تماماً أنَّ التحرير ليس سوى بداية المسار؛ نهاية حكم الأسد لا تضمن بذاتها عدالةً أو مصالحةً أو إصلاحاً مؤسسياً. علّمني عملي في الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ غياب المساءلة يجعل تكرار دورات العنف أمراً مرجّحاً؛ سقوط نظامٍ مجرم يفتح نافذة فرصة، لكن ما يملأ الفراغ يتوقف على الخيارات التي سيتخذها السوريون والمجتمع الدولي في السنوات المقبلة. بالنسبة إليّ، لا تنفصل فرحة التحرير عن مسؤولية مواصلة العمل من أجل مسار عدالةٍ انتقالية شاملة تُكرّم الضحايا، وتصون الحقوق، وتُعيد بناء المؤسسات على أُسسٍ سليمة.

بعد عامٍ من سقوط نظام الأسد، أتأمل هذه الرحلة بمزيجٍ من الحزن والاعتزاز والعزيمة. أحزن على والدي، وعلى مئات الآلاف من السوريين الذين لم يُمهلهم القدر ليشهدوا سقوط الدكتاتورية. وأعتزّ بأنَّني، رغم الكلفة الفادحة، اخترتُ الوقوف مع الثورة، وكرّستُ حياتي لتوثيق الحقيقة والدفاع عن حقوق الإنسان، وأظلّ مصمماً على ألَّا تتحول هذه اللحظة التاريخية إلى فصلٍ آخر من مأساةٍ لم تكتمل.

قصتي واحدة من ملايين القصص السورية، لكن من خلالها يتجلّى المعنى الأشمل لسقوط النظام: قصة إنسانٍ نُفي لأنَّه طالب بالحرية، ثم عاد إلى مدينته وقبر والده، لا متخفياً ولا مستتراً، في سوريا التي كسرت أخيراً قيد الاستبداد الوراثي. فرحتي بسقوط بشار الأسد هي، في جوهرها، فرحة الإيمان بأنَّه بعد كل ما احتملناه، بات بوسع سوريا أن تبدأ التنفس أخيراً كوطنٍ حر

تلفزيون سوريا

————————————–

الانتقال من الأبد إلى السرمد/ يعرب العيسى

09 ديسمبر 2025

يبدو اليوم الأول من العام الثاني، وكأنه اليوم الذي جاء قبل كل شيء، وبعد كل شيء. يومٌ اجتمع فيه الماضي بكل عيوبه ونقائصه وديونه واجبة التسديد، وفيه المستقبل كله بمزيج آماله ومخاوفه وتحدياته واجبة الإنجاز.

على مستوى الشعور، يبدو القلق عنواناً لدواخل شعب كامل، مع استثناءاتٍ واثقةٍ ترى أن الزمان بدأ الآن، وانتهى فوراً إلى ما بدأ عليه، وسيبقى كذلك دائماً. 

من بين عيوبه ونقائصه الكثيرة، امتلك النظام السابق نقطة ضعف قاتلة: كان يظنّ بنفسه الأبد، وعلى هذا الوهم بنى أوهامه الكثيرة التي نَخَرَته فبخّرته. حين انتهى الأبد، رحّب الجميع بالزمن الطبيعي الذي يسير وتسير فيه البلاد إلى الأمام بخطوات واقعية على أرض طبيعية. ولكن سريعاً تبيّن أن هناك من يحضّر ليكون هذا الزمان أبدياً أيضاً، بل قام بلمسة فنية إضافية، وألغى كل الزمن الذي سبق هذا اليوم.

والأبد هو الزمان الذي يأتي بعد الزمان، هو بأقرب مفهوم رياضي شيء يشبه اللانهاية. بينما الأزل هو ما بعد الزمان من الجهة الثانية. أي قبل أن يكون هناك زمان، أي اللابداية. ما بين أول الزمن وآخره هو الزمان، وما بين أزله وأبده هو السرمد.

حلُّ المؤسسات، الاستخفاف بقوانين تعود لسنة الاستقلال، وآليات عمل تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وعقود إيجار عمرها قرنان، وشكل علاقات اجتماعية عمرُه عشرة قرون. خفّة في التعامل مع ثوابت اجتماعية في العقائد والروابط والعادات، مخاطبة أهل البلد على أنهم غرباء وأعداء، قصور شديد في قراءة تعقيدات مجتمع تشكّل ببطء شديد على مدى القرون.

خطاب وسائل الإعلام، والمتحدثين باسم السلطة، الكلمات والجمل التي تتسرب من شقوقها، وتعني من دون لبس: الزمن بدأ الآن. وكل ما سبق إلى المزبلة.

هذا كلّه انتقال من أبد السلطة السابقة إلى سرمد السلطة الجديدة. حيث يفرط بعضهم في تصوّر حجم الفراغ والجاهلية التي كانت تخيّم على الزمن السابق لهذا اليوم، حتى إنهم يُنكرون على لاعب كرة قدم موهوب أن يحرز هدفين نادرين لأنه أحرز هدفاً في زمن غير موجود، أو كان جزءاً من فريق يلبس لوناً أحمر ألغي من خريطة العين البشرية. يلومون طبيباً ظهر في لقاء على قناة تلفزيونية لا يشاهدها أحد ليتحدّث عن وسائل الوقاية من كورونا، ولا سيما أن القناة أجرت اللقاء وبثّته في فضاء غير موجود، وعبر أقمار لم تخترع بعد.

لو أردتُ أن ألخص عاماً ويوماً، وما جرى خلالهما، فسأذكر، رغماً عني، وصف بورخيس مشاعره يوم سمع أول مرّة عنوان “ألف ليلة وليلة”، إذ قال: أعرف أن الألف تعني اللانهاية، فانت تقول سألت عنك ألف مرّة لتقول سالت عنك عدداً لا نهائياً من المرّات، وحين فهمتُ أن عنوان الكتاب حكايات تمتد يوماً فوق اللانهائية، قلت لنفسي: هذا أجمل عنوان سمعته في حياتي.

وفي الحقيقة لليوم أيضاً عنوان جميل، إنه سنة ويوم بعد الأبد، ولطالما كانت العناوين الجميلة مرتبطة بالمآسي الكبرى، وبحكايات مليئة بالدماء والموت والخوف.

وما جرى خلال هذا العام مزيج عجيب في الكثير من الأمل، من اليأس، من الوعود، من النكث بها. الكثير من الفرح، من الحزن، من التردّد، من التراجع، من إعادة كل شيء جربه البشر قبلنا ثم حذفوه. وبالتقاء ذلك كله فيه، يصحُّ أن يكون اسم هذا اليوم: القَلِق، ولا يخفف من وقعه أن يكون المتنبي قد أطلقه على حصانه. فحين يركبه كان يشعر مثلنا الآن: كأن الريح تحته. 

العربي الجديد

——————————

عام من التبرّعات… فجوة تمويلية تاريخية أمام حجم الدمار/ جمعة حجازي

09 ديسمبر 2025

بعد أكثر من عقد ونصف على الحرب التي مزّقت الجغرافيا السورية وأتت على بنيتها التحتية، تفيد تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي بأن تكلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 400 و500 مليار دولار، في وقت يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج أكثر من 16.7 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة. هذه مؤشرات على حجم التحدّي الذي يواجه بلداً يحاول أن ينهض من تحت الركام.

وسط هذا المشهد القاتم، برزت ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ سورية الحديث، حيث جمعت حملات تبرّع محلية أكثر من 600 مليون دولار خلال أشهر قليلة، في مشهد يصفه خبراء التنمية بأنه “صحوة مجتمعية” تتحدّى منطق الانتظار، وتكسر معادلة الاعتماد الكامل على الدولة أو المانحين الدوليين. لم تكن هذه الصحوة مجرّد رد فعل عاطفي عابر، بل كانت تعبيراً عن إرادة عميقة للتغيير، ورغبة جامحة في المشاركة في صنع المستقبل، ورفضا واضحا للبقاء في دائرة الانتظار. لقد أصبح المجتمع السوري شريكا فاعلا في عملية البناء، يدرك حجم التحدي ويعرف حدود إمكاناته، لكنه يرفض أن يكون مجرّد متفرج على مشهد الدمار.

تبرّعات تعبر المحافظات

شهدت الأشهر الماضية حملات تبرّع شعبية واسعة في مختلف المحافظات السورية، تميزت بمشاركة “الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء”، في إحياء واضح لروح التضامن والتكافل الاجتماعي. وقد نجحت هذه الحملات في جمع مبالغ كبيرة، وإنْ تكن قطرة في بحر الدمار. لقد تجاوزت هذه الحملات في مفهومها العمل الخيري التقليدي، لتصبح مشاريع تنموية مصغرة، تدار بكفاءة محلية، وتستجيب لاحتياجات حقيقية، وتُدار بشفافية ملحوظة. هذا التحول في النموذج الفكري للعمل الأهلي هو الأهم في قراءة هذه الظاهرة، فهو يشير إلى نضج مجتمعي، وإلى ظهور نموذج تنموي جديد، قائم على المبادرة المحلية، والمساءلة المجتمعية، والشفافية في الإدارة.

بدأت الشرارة من حمص في 13 أغسطس/ آب، حين أطلق مؤتمر “أربعاء حمص” حملة جمعت نحو 13 مليون دولار، قبل أن تتحوّل المبادرة إلى موجة اجتاحت المحافظات السورية. ففي حماة، جمعت حملة “الوفاء لحماة” أكثر من 210 ملايين دولار، بينما جمعت إدلب عبر حملة “الوفاء لإدلب” حوالي 208 ملايين دولار. وفي ريف دمشق، حملت حملة “ريفنا بيستاهل” شعار إعادة الحياة إلى التعليم، فجمعت 76 مليون دولار. أما درعا، فقد أطلقت حملة “أبشري حوران” التي حصدت 44.3 مليون دولار، فيما جمعت دير الزور 30 مليونا عبر حملة “دير العز”. وحتى المناطق محدودة الموارد، كمنبج والباب، دخلتا السباق بمبالغ بلغت 11 مليونا للأولى و1.2 مليونا للثانية. وهذه الأرقام ليست مجرّد إحصائيات جافة، بل هي قصة شعب يرفض الاستسلام، ومجتمع يصر على المشاركة في كتابة مستقبله، وجماعات محلية تثبت أن التغيير يبدأ من القاعدة. لم يكن هذا النموذج في العمل استثناء، بل جزء من تحوّل أعمق في فكر العمل الأهلي، من النموذج الخيري التقليدي إلى النموذج التنموي المستدام، من ثقافة “العطاء” إلى ثقافة “الاستثمار في المستقبل”، من منطق “الإغاثة” إلى منطق “التمكين”.

إطار مؤسّسي

أُطلق في سبتمبر/أيلول 2025 صندوق التنمية السوري كياناً مركزيّاً مستقلاً بموجب مرسوم رئاسي، بهدف توحيد الجهود التمويلية المحلية والدولية لإعادة الإعمار. وقد شهد إطلاقه في قلعة دمشق إعلان تبرّعات وتعهدات أولية بلغت 80 مليون دولار. يمثل الصندوق محاولة مؤسّسية لجمع هذه الطاقات المجتمعية المبعثرة تحت مظلة واحدة، وتحويلها من مبادرات محلية متفرّقة إلى استراتيجية وطنية متكاملة. لكن هذا التحوّل المؤسّسي يواجه تحدّيات كبرى، أبرزها كيفية الحفاظ على ديناميكية العمل الأهلي ومرونته، مع ضمان الشفافية والمحاسبة التي تتطلبها العملية على المستوى الوطني.

ولضمان نجاح الصندوق وتميّزه، لا بد من أن يعتمد على عدة ركائز أساسية، تبدأ بالعدالة المكانية من خلال نهج “البرمجة القائمة على المنطقة”، لضمان توزيع الموارد ليس على أساس المحسوبيات، بل وفق مؤشرات موضوعية مثل مستوى الضرر والحرمان والفرص التنموية. وتمثل هذه الركيزة تحدّياً كبيراً في بيئة مثل سورية، حيث التباين الكبير في مستوى الدمار بين منطقة وأخرى، والتفاوت في القدرات بين محافظةٍ وأخرى. تتمثّل الركيزة الثانية في المشاركة المجتمعية عبر آليات “التخطيط المحلي التشاركي”، حيث تصبح المجالس المحلية والمجتمع المدني شريكاً في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ. وليست هذه المشاركة ترفا، بل هي شرط لنجاح أي مشروع تنموي، فالمجتمعات المحلية هي الأدرى باحتياجاتها، وهي الأقدر على مراقبة تنفيذ المشاريع في بيئتها.

التحدّي الأكبر

يعد بناء ثقة المانحين والمجتمع التحدّي الأكبر الذي يواجه صندوق التنمية السوري. لقد أكّدت تجربة العراق الكارثة التي يؤدّي إليها غياب الشفافية، بينما أثبت النموذجان، الألماني والياباني، أن الشفافية هي الوقود الذي يغذّي استمرارية التمويل. في سورية، حيث مورست أقسى أشكال الفساد عقوداً أيام النظام البائد، يصبح بناء الثقة مهمة شاقة تتطلب أكثر من مجرد وعود. إنها تتطلّب إنشاء آليات رقابة مستقلة حقيقية، قد تشمل لجان إشراف، تضم ممثلين عن المجتمع المدني، ونشر تقارير دورية علنية عن أداء الصندوق واستخدام الأموال، والتعاقد مع شركات تدقيق محاسبية دولية. وليست هذه الإجراءات كمالية، بل هي ضرورة حتمية في بيئة يشكك فيها الناس بكل شيء، ويتوجّسون من أي مبادرة جديدة.

ومن نافل القول، يجب أن تتجه الرؤية الاستراتيجية إلى الصندوق نحو إيجاد اقتصاد منتج وقادر على النمو المستدام. يعني هذا توجيه التمويل نحو القطاعات الأساسية التي تعيد بناء مقوّمات النشاط الاقتصادي، وليس فقط تقديم الإغاثة. إعادة تأهيل شبكة الكهرباء، على سبيل المثال، ليست مشروعاً خدمياً فحسب، بل هي شرط أساسي لإعادة تشغيل الورش والمصانع والمزارع. كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسّطة، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ينشئ فرص عمل جديدة ويرفع مستوى الدخل الأسري. هذا التوجه الإنتاجي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة عملية إعادة الإعمار، فالإعمار ليس مجرّد إعادة بناء لما تهدم، بل هو عملية إعادة تأهيل للاقتصاد والمجتمع معا.

ويمثل صندوق التنمية السوري رافعة حقيقية للتنمية الشاملة والمستدامة، حيث يتخطى دوره مجرد وسيلة تمويلية ليصبح أداة محورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري وتنويع قاعدته الإنتاجية. فمن خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإستراتيجية، كالطاقة المتجدّدة والصناعات التحويلية والزراعة الحديثة، يسهم الصندوق في بناء نموذج تنموي قائم على المعرفة والابتكار. كما يلعب دوراً محورياً في تعزيز التكامل بين القطاعين، العام والخاص، وتشجيع ريادة الأعمال، وبناء القدرات المحلية في إدارة المشاريع الكبرى. وباعتباره منصّة وطنية جامعة، يعمل الصندوق على تحقيق التكامل بين المشاريع المحلية الصغيرة والمبادرات التنموية الكبرى، ما يضمن تحقيق أثر تنموي متراكم ومستدام عبر مختلف القطاعات والمحافظات. ويجعل هذا النهج المتكامل من الصندوق أداة فاعلة لتحقيق التنمية المتوازنة، ويسهم في بناء سورية الجديدة القائمة على اقتصاد منتج ومجتمع مشارك وحوكمة رشيدة.

التجارب الدولية والدورس المستفادة

لعل من أبرز الدروس المستفادة تنوع النماذج وعدم وجود وصفة واحدة تناسب الجميع، حيث يتوقف النجاح على السياق الوطني والقدرة على التعلم من الآخرين. ففي النموذجين، الألماني والياباني، لم تكن إعادة البناء الشامل بعد الحرب العالمية الثانية، إعادة إعمار ألمانيا واليابان مجرّد ترميم للبنى التحتية المدمّرة. لقد ارتكزت على خطّة مارشال التي وفرت الدعمين، المالي والفني، ولكن الأهم كان تبنّي حوكمة رشيدة وإدارة شفافة للموارد. لم يقتصر الأمر على إعادة بناء المصانع والجسور، بل جرى استثمار كبير في بناء رأس المال البشري عبر التعليم والتكنولوجيا، ما مهد الطريق لتحولهما إلى قوتين صناعيتين عالميتين. يُبرز هذا النموذج أهمية وجود خطة وطنية شاملة وضرورة الجمع بين الدعم الخارجي والإرادة المحلية لتحقيق تعاف سريع ومستدام. أما رواندا فقدّمت نموذج المصالحة الوطنية أساساً للتنمية بعد الإبادة الجماعية المروّعة عام 1994. لم يكن التركيز على البناء المادي فحسب، بل انطلق النهوض من المصالحة الوطنية حجر أساس. اعتمدت رواندا على الاستثمار في الزراعة والتعليم، وعملت بقوة على تعزيز الحوكمة الرشيدة لضمان استدامة التنمية. انتقلت رواندا من دولة تمزّقها الصراعات إلى واحدة من أكثر اقتصادات أفريقيا ديناميكية، ما يثبت أن إعادة البناء الحقيقية تبدأ بإصلاح النسيج الاجتماعي وبناء الثقة بين أفراد المجتمع.

وفي تجربة البوسنة والهرسك، كان التنسيق الدولي بعد الحرب الأهلية، استفادت البوسنة والهرسك من صندوق ائتماني دولي بلغ رأسماله 150 مليون دولار، أنشئ بالتعاون الوثيق مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأهيل البنى التحتية الحيوية، مثل الطرق وشبكات المياه والطاقة. رغم نجاحه في إطلاق عملية الإعمار، إلا أن هذه التجربة أظهرت تحدّياً كبيراً يتمثل في الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية، ما قد يحد من القدرة على قيادة الأولويات التنموية محليا. يذكّر هذا الدرس بأهمية التنسيق مع المجتمع الدولي، لكنه يحذّر من تحوّل هذا الدعم إلى إعاقة للاستقلالية الاقتصادية.

أما الدروس من التجارب المتنوعة في أوغندا وهايتي والعراق فتقدم نماذج متنوعة؛ ففي أوغندا (NUSAF) ركز صندوق أوغندا على التنمية بقيادة المجتمع المحلي في شمال البلاد بعد الحرب، مع إشراك قوي للسكان في تحديد الأولويات، ما عزّز ملكيتهم للعملية التنموية.

توضح التجارب الدولية أن إعادة الإعمار الناجحة تتطلب أكثر من مجرد تمويل. فالنجاح مرهون ببناء مؤسّسات شفافة وخاضعة للمساءلة، واعتماد رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في صلب العملية، وتحقيق مشاركة مجتمعية حقيقية. البيئة السياسية والقانونية المستقرة هي الحاضنة الأساسية التي تتيح للصناديق التنموية تحقيق أهدافها، وإلا تتحوّل إلى قنوات جديدة لهدر الموارد وإعادة إنتاج الأزمات.

لعل الدرس الأهم الذي تقدّمه التجربة السورية في إعادة الإعمار هو ذلك التحول النوعي في دور المجتمع الأهلي، من مجرّد رد فعل عاطفي على كارثة ما، أو ما يُعرف محليا بـ”الفزعة”، إلى شريك استراتيجي في عملية التعافي. لقد أثبتت حملات التبرع المحلية التي انتشرت في موجة وطنية عابرة للمحافظات أن المجتمع لم يعد مجرّد متلقٍ للمساعدات، بل أصبح فاعلا أساسيا في رسم ملامح المستقبل. لم يحدُث هذا التحوّل بين ليلة وضحاها، بل نما من رحم المعاناة والإحباط من بطء الخطط الرسمية وتعقيد المسارات الدولية، فحين تجاوزت التبرّعات الشعبية 600 مليون دولار، لم تكن هذه الأرقام مجرّد مؤشّر على القدرة المالية للمجتمع، بل كانت رسالة واضحة أن الشعب السوري يمتلك إرادة البناء، وأنه مستعدٌّ لتحمّل مسؤولية مستقبله.

غير أن هذه الطاقة المجتمعية الهائلة تواجه خطر التبدّد إذا لم تُحفظ في قنوات مؤسّسية واضحة، فالمبادرات الأهلية، رغم أهميتها، تبقى محدودة بمكانيّتها وزمانيّتها، وعرضة للتشتت في غياب رؤية وطنية موحّدة. هنا تبرز الحاجة إلى نموذج تكاملي يجمع بين مرونة العمل الأهلي وشمولية التخطيط المركزي، بين حماسة المجتمع واحترافية المؤسسة. هذا النموذج التكاملي هو الضمانة لتحويل هذه الطاقات من مجرّد ومضات عابرة إلى استراتيجية دائمة للتغيير والبناء.

تحويل هذه الطاقات من مبادرات متفرّقة إلى استراتيجية وطنية يتطلب بناء جسور الثقة عبر الشفافية الرقمية، حيث تصبح كل عملية تبرّع مرئية، وكل مشروع قابلا للمتابعة، وكل قرار خاضعاً للمساءلة. كما يتطلّب إرساء آليات رقابة مجتمعية حقيقية تتيح للمواطن العادي أن يكون رقيباً على أداء المؤسّسات، وشريكاً في تصحيح المسار. ليست هذه الآليات ترفا في مرحلة إعادة الإعمار، بل هي ضرورة حتمية، فالشكوك حول نزاهة إدارة الموارد كانت دائماً أحد أهم معوقات التنمية في سورية. فإعادة بناء الحجر، رغم تكلفتها الباهظة، تبقى أهون من إعادة بناء الثقة، فالحجر ينهض بوفرة الأموال. أما الثقة فتبنى بشق الأنفس، عبر مسار طويل من الوضوح والمحاسبة والشفافية. وهي المعركة الأصعب التي ستحدّد مصير سورية الجديدة، سورية التي يتشارك في بنائها كل أبنائها، من خلال عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة الحقيقية والمسؤولية المتبادلة. إنها معركة تستحقّ أن نخوضها، لأن مستقبل سورية يستحق البناء.

العربي الجديد

—————————————-

«لبنان آخر» بعد الأسد… ومعادلة جديدة في بيروت

تحولات شملت قطع طريق مع طهران… وإنهاء هيمنة «حزب الله»

بيروت: يوسف دياب

9 ديسمبر 2025 م

أحدث سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا تحولاً سياسيا، وأمنياً، واقتصادياً في لبنان، وحرّر بيروت من الاستتباع لما تقرره دمشق من خلال هيمنتها على القرار اللبناني، بشكل مباشر من خلال الوجود العسكري والأمني الذي دام 30 عاماً حتى الانسحاب من لبنان في أبريل (نيسان) 2005، أو بشكل غير مباشر من خلال حلفاء الأسد، لا سيما «حزب الله».

أبرز المتغيرات التي استفاد منها لبنان مع رحيل الأسد تمثّل في تحرير قراره السياسي من سطوة دمشق وحلفائها السابقين، وعودة العلاقات المتبادلة من دولة إلى دولة، بالإضافة إلى خلق واقع أمني مستقر على حدود البلدين، وتحسّن التبادل التجاري، عبر السماح للبنان بتصدير منتجاته الزراعية والصناعية عبر الأراضي السورية إلى الخارج.

قطع طريق طهران – بيروت

واعتبر النائب السابق فارس سعيد، رئيس «لقاء سيّدة الجبل» (تجمع سياسي يضم شخصيات مستقلة ونواباً سابقين)، أن «لبنان تغير»، لأن أهم ما حصل هو أن سوريا الجديدة «قطعت طريق طهران-بيروت الذي كان يؤمن كل المستلزمات الأمنية، والعسكرية، والمالية لـ(حزب الله)، ومع قطع هذا الطريق أصبح تأمين الأموال وغيرها من باب التهريب، وليس ممراً مؤمناً من وحدات عسكرية تعمل لصالح إيران، وهذا الأمر أجبر (حزب الله) على أن يتعاطى مع الواقع اللبناني بشكل أكثر واقعيّة مما كان عليه في السابق».

وتطرق سعيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ما أسماه «تواضع (حزب الله) في مقاربة الملفات المصيرية». وقال: «رأينا كيف أن (حزب الله) لم يخرج من الحكومة رغم اعتراضه على بعض مقررات مجلس الوزراء، خصوصاً قرار حصر السلاح بيد الدولة، بسبب قطع الشريان الحقيقي الذي كان يتغذى منه الحزب».

أثبتت الوقائع أن لبنان يتأثر مع ما يجري في سوريا سلباً أو إيجاباً، ورأى فارس سعيد أنه «إذا كانت سوريا بخير يكون لبنان بخير، وما زلنا ننظر إلى أن تجربة الرئيس أحمد الشرع واعدة لسوريا، وواعدة للعلاقات اللبنانية-السورية، وهي بدأت مع تأسيس لجان مشتركة أمنية وعسكرية منها برعاية المملكة العربية السعودية، ومنها مباشرة بين سوريا ولبنان من أجل ضبط الحدود تحضيراً لاستكمال ترسيمها انطلاقاً من مزارع شبعا، خصوصاً ضبط حركة التهريب الأمني والعسكري لصالح أفرقاء»، مشيراً إلى أن هذه التنسيقات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية والسورية «لم تكن قائمة في ظل حكم آل الأسد، وهذا أيضاً تطور جديد لصالح لبنان وسوريا».

المعاهدات مع سوريا

تبدو المرحلة الجديدة بين لبنان وسوريا محكومة بإعادة بناء علاقات طبيعية قائمة تحفظ مصالح البلدين، ولا يخفي سعيد وجود أمور عالقة بين لبنان وسوريا، وغير بسيطة، ويشدد على ضرورة «إلغاء كل المعاهدات السياسية، والأمنية، والاقتصادية التي حصلت في مرحلة استتباع لبنان إلى سوريا، وعلى رأسها موضوع المجلس الأعلى اللبناني-السوري، حيث أعلنت سوريا إلغاءه، ولم يعلن لبنان ذلك»، مشيراً إلى أن لبنان «عيّن سفيراً في دمشق، ولم تبادر سوريا حتى الآن إلى تعيين سفير لها في بيروت حتى الآن».

وقال سعيد: «يعتبر السوريون أن عدم حل مشكلة السجناء السوريين في لبنان يمثل نقطة سوداء في العلاقات بين البلدين، وندعو الحكومة اللبنانية ووزير العدل إلى إيجاد حلّ لهذا الملف، حتى لا يتسبب في عرقلة العلاقات اللبنانية-السورية».

ورأى سعيد أن «إدارة الشأن السوري الداخلي تنعكس سلباً أو إيجاباً على الداخل اللبناني، بمعنى أن بعض المواجهات الداخلية التي حصلت مع الدروز والعلويين تأثر بها لبنان، ونأمل أن ينجح الرئيس الشرع في الحفاظ على التنوع في سوريا، وهذا من مصلحة الدولة السورية الجديدة، ولبنان، وكلّ العرب».

معالجة الملفات

لا تزال هناك ملفات تحتاج إلى معالجة لإرساء توازن مستدام بين البلدين، أبرزها ملفّ المحكومين، والموقوفين السوريين في لبنان الذي يشكّل حساسية لدى الدولة السورية بسبب برودة تعامل الدولة اللبنانية مع مطلب تسليمهم إلى بلادهم، وملف النازحين في لبنان مشكلة تواجه العلاقات اللبنانية-السورية، إلا أن مصدراً أمنياً مطلعاً أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد سقوط نظام الأسد لم يعد ملف النازحين يشكل أزمة كبيرة بين لبنان وسوريا».

وكشف المصدر أن أكثر من نصف النازحين السوريين -سواء من كانوا في عرسال (البقاع الشمالي) وفي عكار شمال لبنان- عادوا إلى مناطقهم في ريفي دمشق وحمص وبشكل طوعي، لافتاً إلى أن لبنان «بدأ يتأثر بهذه العودة من خلال تراجع اليد العاملة السورية».

إغلاق الحدود

لم تعد حدود لبنان الشرقية والشمالية مفتوحة أمام حلفاء النظام السوري السابق، والخارجين عن القانون، لا سيما شبكات المخدرات، وتهريب البضائع، وشدد المصدر الأمني على أن «أهم ما أنجز هو في الاستثمار الأمني، ويتمثل في ضبط تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان، وتهريب الأموال من لبنان إلى سوريا»، لافتاً إلى أن «أهم ما تحقق هو تفكيك معامل الكبتاغون على الحدود اللبنانية، والسورية، والتي استتبعت بتفكيك شبكات تهريب المخدرات، وكان آخرها اعتقال أخطر تجار المخدرات في لبنان نوح زعيتر الذي كان يتخذ من سوريا ملاذاً آمناً قبل الإطاحة ببشار الأسد».

————————————-

سوريا بعيون أميركية… «رحلة جنونية من العزلة إلى الانفتاح»

خبراء يحثون على الإصلاحات ويحذرون من «حكم بلد مفلس»

 واشنطن: هبة القدسي

9 ديسمبر 2025 م

مع مرور عام على إطاحة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تتابع أوساط سياسية وبحثية أميركية تطورات السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ويشير هؤلاء إلى مساعي دمشق لتوطيد العلاقات بالمجتمع الدولي، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية تشمل الاستقرار السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد، فضلاً عن تحديات خارجية تتعلق برفع العقوبات ومكافحة الإرهاب.

وثمة إجماع بين أوساط أميركية معنية بالملف السوري على أن سقوط الأسد فتح نافذة تاريخية لإعادة بناء البلاد، لكن النجاح يعتمد على ترسيخ نموذج مستقر.

ويرى الخبراء أن الشرع «حقق تقدماً مذهلاً في عام واحد؛ من إنهاء الحرب، إلى الانخراط الدولي، لكنه يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات لتجنب احتمالات الفوضى».

ويقول ستيفن كوك، الزميل الأول في «مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا» بـ«مجلس العلاقات الخارجية»، إن «لقاء الشرع مع الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 يمكن أن يكون منطلقاً لبدء عمل جاد وواعد في سوريا»، مشيراً إلى أن «رفع واشنطن العقوبات يتزامن مع إظهار دمشق مساعيَ جادة للقيام بإصلاحات سياسية؛ أهمها في (التعامل مع الأقليات ومكافحة التطرف)»، لكنه يحذر بأن «الحكم في بلد مفلس وممزق سياسياً يظل سؤالاً مفتوحاً».

ويشير كوك، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الانتخابات البرلمانية المحدودة التي جرت في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 (التي غطت 119 مقعداً من 210)، كانت «خطوة رمزية مهمة»، لكنها لم تشمل مناطق الدروز والكرد؛ مما قد يعكس «هشاشة الانتقال»، داعياً إلى توسيع الممارسة لتجفيف منابع الانقسام.

تغيير الشرق الأوسط

يشيد آرون زيلين، الخبير في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، بجهود الشرع في مكافحة «داعش»، ويقول إن لديه فرصة لإحداث تأثير إيجابي في منطقة الشرق الأوسط، لكنه نصح الحكومة السورية الجديدة بالتركيز على تفكيك فصائل مسلحة في البلاد.

وعدّ زيلين تصريحات الشرع الإصلاحية بشأن بناء مؤسسات الدولة علامة إيجابية على توجهات حكومته، رغم قلقه من أن الاقتصاد المدمَّر يهدد الاستقرار في سوريا، لا سيما مع التقديرات التي تفيد بأن تكلفة إعادة إعمار البلاد قد تصل إلى 216 مليار دولار.

بدوره، يقول إدوارد جيريجان، مدير «مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية» بجامعة هارفارد، إن الشرع يواجه «اختباراً لإعادة التوحيد» في بلاد متعددة الطوائف والإثنيات، ويوصي بـ«تعزيز الثقة الداخلية» عبر إصلاحات أمنية موحدة.

ويبدي المحلل الأميركي سيث فرانتزمان تفاؤلاً كبيراً بمستقبل سوريا، عادّاً الشرع «رجلاً مثيراً للإعجاب ومغيراً للعبة»، ويصف التحول في سوريا في أقل من عام بـ«الجنون المطلق»؛ بالتحول من دولة منبوذة إلى دولة بفرص واعدة ومدعومة من الغرب ولاعبين وازنين في الخليج العربي والمنطقة.

ورأى الشرع، في تصريح أمام «منتدى الدوحة» يوم 6 ديسمبر 2025، أن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح، بعدما تحولت من منطقة مصدرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار، مشيراً إلى أن البلاد «تحتاج الآن إلى بناء مؤسسات مستقرة؛ وهو ما يضمن استمرارية عادلة لبناء الدولة».

صراعات داخلية

ويقول فرانتزمان إن زيارة الشرع التاريخية إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025 تعدّ «محوراً مهماً لإعادة بناء سوريا المحطمة»، بالتزامن مع رفع الشرع من قائمة العقوبات الأميركية، وتجديد تعليق «قانون قيصر».

ويشيد معظم التحليلات بالشرع لتحقيقه تقدماً ملموساً في الاستقرار الداخلي، لكن التحذيرات تتعلق بالصراعات الداخلية التي قد تذكي أعمال عنف أو فوضى. أما خارجياً؛ فتشيد تقارير أميركية بحرص الشرع على توجيه بلاده نحو الغرب، وانضمامها إلى «التحالف الدولي ضد (داعش)»، حيث يشيد مركز «بروكينغز» بعلاقات الرئيس السوري بتركيا والولايات المتحدة، بوصفها مفتاحاً للاستقرار، محذراً من السماح بعودة نفوذ روسيا وإيران.

وكان الشرع قد أقر، خلال حضوره مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، بالرياض، في 29 أكتوبر 2025، بأن هناك مخاطر استراتيجية ارتبطت بالفترة السابقة تسببت في خلق حالة من الاضطراب والقلق لبعض دول العالم.

———————————

«فخ الأسد»… ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

أول تواصل مع «الهيئة» على أسوار دمشق… وفصائل تكتشف «الخطة» متأخرة

لندن: علي السراي

9 ديسمبر 2025 م

يطلب مسؤول أمني رفيع في الحكومة العراقية من سائق السيارة أن يسرع قليلاً. عليه اللحاق بطائرة تعيده من دمشق إلى بغداد. واحدة من الرسائل تتدفق إلى هاتفه تقول: «الفصائل السورية في طريقها إلى العاصمة». في مساء يوم السبت السابع من ديسمبر (كانون الأول) 2024 كان المسؤول قد أنهى مهمة روتينية شمال شرقي سوريا، لتنسيق أمن الحدود، لكن البلاد الآن على وشك أن تكون بيد نظام جديد، يشع من أنقاض.

على أسوار دمشق، كانت سيارة المسؤول العراقي تنتظر «ترتيبات استثنائية» مع السلطات الجديدة في سوريا. ونشأت بين الجانبين «اتصالات من عدم».

يقول مسؤول سوري سابق في «إدارة العمليات العسكرية» إنها «المرة الأولى التي تواصلت فيها (هيئة تحرير الشام) مع مسؤول في الحكومة العراقية». ويقول عنصر أمن عراقي كان حاضراً في الترتيبات إن «الأمر تم بسلاسة غير متوقعة حينها، ودخلنا دمشق» رفقة عناصر من «الهيئة» صباح الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. ثم وصلت رسالة مثل الصاعقة: «هرب (بشار) الأسد».

كان مطار العاصمة السورية مسرح أشباح. حتى ضباط «لواء النقل الجوي» الذين يعرفهم المسؤول العراقي اختفوا. لا أحد يسأل عن تذكرة أو جواز سفر. الممر الخاص بالدبلوماسيين مشرع للرياح. غادر الرجل على متن رحلة استثنائية إلى بغداد.

خلال النهار، تحلق الطائرة وعلى متنها المسؤول الأمني مع حقيبة أسئلة عن سوريا الجديدة. في مسار الرحلة ذاتها، لكن على الأرض، تغادر ميليشيات عراقية كانت تتمركز في سوريا منذ عام 2011. العجلات التي تحركت من ريف دمشق نحو بلدة البوكمال، قرب الحدود العراقية، قطعت رحلة أخيرة باتجاه واحد لمئات المسلحين، تاركين خلفهم خمسة عشر عاماً من «محور المقاومة» ينهار الآن مثل جبل من رمال.

تكشف شهادات خاصة جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات عراقية ضالعة في الملف السوري قبل هروب الأسد كيف انسحبت ميليشيات من سوريا دون تنسيق، أو ترتيبات مسبقة، وما دار في الكواليس حول رؤيتها لما حدث، وأظهرت لاحقاً أن طهران وموسكو والأسد كانوا قد اتخذوا قرارات عدم القتال في سوريا في أوقات متباعدة، ولم يشاركوا المعلومات المطلوبة مع حلفاء عراقيين إلا في وقت متأخر.

كما تسلط الشهادات الضوء على ردود فعل مجموعات شيعية في أعقاب انهيار نظام الأسد، وصلت إلى المطالبة بتقوية نفوذ الفصائل المسلحة في العملية السياسية العراقية، وتعزيز ما بات يعرف بـ«الحاكمية الشيعية» في بغداد، حتى «تستوعب صدمة أولئك الذين تركوا سوريا».

«ليست مناورة… تم خداعنا»

في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بعد ثلاثة أيام من بدء «ردع العدوان»، أجرى رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني مكالمة مع بشار الأسد. يومها كانت فصائل المعارضة السورية قد سيطرت على ريف حلب. وقال السوداني للأسد إن «أمن سوريا يرتبط بالأمن القومي للعراق». في اليوم التالي حاصرت المعارضة حماة. ولم يتصل السوداني بالأسد مرة أخرى.

في نينوى، المحافظة الشمالية القريبة من الحدود مع سوريا كان قادة فصائل شيعية يحاولون إرسال الدعم إلى سوريا، لأنه «مع تحرك الفصائل السورية كان عدد المسلحين الموالين لإيران أقل بكثير عما كانوا قبل سنوات». يقول مسؤول فصائلي في نينوى أيضاً إنهم «أخبروا المقاتلين أن عليكم حماية الشيعة والمراقد في سوريا، وكثيرون تحمسوا».

ويقول كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء» التي انخرطت في الميدان السوري منذ عام 2013، إن فصيله انسحب من هناك أواخر 2023. ويضيف: «كانت مهمتنا قد انتهت».

حتى عام 2018، ازدحمت سوريا بأكثر من 150 ألف مقاتل من «الحرس الثوري» الإيراني، وعناصر «حزب الله» اللبناني، وميليشيات عراقية، وفق تقديرات أمنية عراقية وسورية. بدا أن الجيش التابع للنظام السوري السابق أقل حجماً من كل الحشود الأجنبية. وبحلول ديسمبر 2023 حدث شيء ما، وسمح «الحرس الثوري» الإيراني بمغادرة مجموعات شيعية بعد مشاورات مع الأسد. قيل على نطاق واسع إن «صفقة إقليمية قادت إلى هذا التحول الميداني».

مع انسحاب جزء من الميليشيات الإيرانية وحلفائها من سوريا عام 2023، كان نظام بشار الأسد يحاول استعادة مقعده في الجامعة العربية. وتطلب ذلك منه الكثير من الوقت حتى يمهد لاندماج شبه مستحيل مع العالم العربي، لم ينجح في النهاية.

ومع بدء عمليات «ردع العدوان» في نوفمبر 2024، تقلص عدد الجماعات الإيرانية في سوريا إلى بضعة آلاف، لكن عودة الأسد لم تكتمل.

مع تحرك فصائل المعارضة نحو دمشق، كان الشعور السائد بأن الجماعات الشيعية تتحرك لسد نقص لم تنتبه إليه. في الثاني من ديسمبر 2024، تسلل العشرات من المسلحين ليلاً عبر طريق عسكري غير رسمي إلى الأراضي السورية، وأوقف طيران أميركي طريقهم بقصف أرتال قرب البوكمال. بعد ذلك، كان واضحاً أن الذين تحمسوا لدخول سوريا تراجعوا عن الفكرة.

في صباح اليوم التالي سيطرت قوات المعارضة السورية على 14 بلدة في حماة، وباتت تتفرغ لمعركة حمص. يومها أعلنت كتائب «حزب الله» العراقية أن «الوقت مبكر لاتخاذ قرار إرسال الدعم العسكري إلى سوريا».

ويقول مسؤول في فصيل شيعي مسلح إنه سأل مرؤوسيه في بغداد عن «عمليات ردع العدوان» في أيامها الأولى. قالوا له: «اطمئن… قد تسقط سوريا (بيد المعارضة)، لكن دمشق باقية (يقصد بيد الأسد)». ويضيف: «بعد أسبوع، لم نستوعب ما حدث».

قبل وصول المعارضة السورية إلى حمص، كانت المجموعات الشيعية ترجح أن الأمر سيتوقف هناك. يقول قيادي في فصيل شيعي إن «تقارير استخبارية اطلع عليها مسؤولون في جهاز الأمن الوطني العراقي، وقيادة الحشد الشعبي، وقادة فصائل، أفادت بأن الروس والإيرانيين سيوقفون زحف المعارضة، وأن مدينة حمص ستكون النقطة الفاصلة».

لم يستخدم الروس تفوقهم الجوي إلا بشكل محدود. ومع تحرك فصائل المعارضة من حماة باتجاه حمص في 6 ديسمبر 2024، كانت طائرات يُعتقد أنها روسية ضربت جسر «الرستن» الرابط بين المدينتين بقوة تدميرية لا تمنع عبور الأرتال.

لاحقاً، أظهرت لقطات مصورة من الجو أن الروس احتفظوا بطائرات سوخوي المزودة بالصواريخ في قاعدة حميميم دون استخدامها، وعبرت فصائل المعارضة الجسر إلى حمص التي أضحت محررة بالكامل بحلول فجر 7 ديسمبر 2024.

الآن، بات كثيرون من «محور المقاومة» أكثر قناعة بأن الزحف السريع للفصائل ليس مجرد مناورة. يقول القيادي الشيعي إنهم في تلك اللحظة فهموا أن «الإيرانيين شاركوا معنا مواقف متضاربة (…) ربما تم خداعهم».

لقد بقي السؤال عن أدوار طهران وموسكو غامضاً. لم تمتلك فصائل شيعية أجوبة حاسمة في الأشهر القليلة التي تلت هروب الأسد. اليوم، يعتقد الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، أن «الموقف الروسي والإيراني لم يتغير إلا بعد أن تراجع نظام الأسد، وانهارت القوى الماسكة للأرض، وتحولت المعركة إلى مواجهة مع شعب»، وفق تعبيره.

لكن مصادر من فصائل كانت نشطة في سوريا منذ عام 2013 تحدّثت عن «قرار اتخذته إيران مبكراً بعدم خوض معركة في سوريا بسبب حسابات إقليمية أشد تعقيداً». تقول المصادر إن «إيران لم تكن متأكدة من نتائج لصالحها في حال واجهت زحف المعارضة، لأنها اكتشفت متأخرة أن موسكو باتت تتصرف لوحدها في سوريا».

في النهاية، بدا أن أقطاب التحالف بين موسكو وطهران والأسد ينفصلون عن بعضهم، ويتخذون قرارات ميدانية متباعدة، سمحت بتقدم سريع للمعارضة، وهروب أسرع للأسد. لكن الأكيد من وجهة نظر القيادي الشيعي أن «الجماعات العراقية لم تكن في صلب نقاشات أفضت إلى ما حدث في النهاية».

في تلك اللحظة، كان أكثر من عشرة فصائل عراقية قد أمضت أكثر من عشر سنوات في الجبهة السورية، تورط خلالها آلاف المسلحين في بحر من الدماء.

و«تدور الدوائر»

في السادسة فجراً، يوم 8 ديسمبر 2024، كتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي رسالة عبر «إكس» قال فيها: على الباغي تدور الدوائر. ثم طغت أجواء الصدمة على القوى السياسية الشيعية في بغداد.

يومان بعد التحرير، تكون جميع الفصائل قد غادرت الأراضي السورية، والأسد في موسكو. في 12 ديسمبر 2024، ظهر نوري المالكي وهو زعيم «ائتلاف دولة القانون» وكان حليفاً قوياً للأسد لسنوات، ليصرح بأن «الهدف مما حدث في دمشق هو تحريك الشارع في بغداد». وانفجر الرأي العام بالأسئلة عما حدث.

حاول المجتمع السياسي الشيعي في بغداد استيعاب الصدمة، ونشطت في الكواليس نقاشات عن «مستقبل الشيعة في العراق»، طغى عليها ارتباك شديد، وفق شهادات أشخاص شاركوا في اجتماعات خاصة عقدت في الأسابيع التي تلت هروب الأسد.

وتحدث هؤلاء أن صناع قرار شيعة لم يجدوا أجوبة عما حدث في سوريا، ودور إيران فيه، وواجه كثيرون صعوبات في الإجابة عن سؤال كيف سيتغير العراق والمنطقة بعد الأسد؟.

يقول أحد المشاركين في جلسة خاصة عقدت في يناير (كانون الثاني) 2025 إن الأزمة في سوريا لا تتعلق بهروب الأسد، وانكسار «محور المقاومة»، بل إنها بالنسبة لـ«العراقيين الشيعة تتعلق بإعادة تعريف دورهم بعد سقوط تحالفات وتوازنات قديمة».

وظهرت أعراض جانبية لهذه النقاشات الصعبة على الجماعات الشيعية. وروّج كثيرون من بيئة «المقاومة» لمشروع «الفيدرالية الشيعية» التي تمتد من سامراء إلى البصرة، على بحر من نفط. سرعان ما اضمحلت الفكرة مثل رماد بارد.

وتصاعد حديث جاد عن «الحاكمية الشيعية». يقول قيادي في فصيل مسلح إن «القوى الشيعية كانت تركز خلال الأشهر الماضية على تقوية الوضع الداخلي، وتعزيز حضورها في الحياة السياسية، وهذا ما يفسر المشاركة الفاعلة في الانتخابات التي أجريت في 11 نوفمبر 2025، وفوز فصائل مسلحة بمقاعد في مجلس النواب الجديد».

يبدو أن جميع الذين قاتلوا في سوريا فازوا بمقاعد في البرلمان الجديد. لقد حصلت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي على 28 مقعداً داخل البرلمان، وفازت منظمة «بدر» بزعامة هادي العامري بـ18 مقعداً، وحصلت كتلة «حقوق»، التابعة لـ«كتائب حزب الله»، على ستة مقاعد، بينما حصلت قائمة تابعة لـ«كتائب الإمام علي» على ثلاثة مقاعد، وحصل تحالف «خدمات» بزعامة شبل الزيدي على تسعة مقاعد.

ويطرح هؤلاء اليوم مشروعاً انتقالياً يقوم على أدوار شيعية جديدة، يتقدمه طموح متنامٍ لدى قادة مثل قيس الخزعلي لصياغة مظلة تحمي الجماعات الشيعية من التفكك عبر حضورٍ أثقل في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية معاً.

وفي مارس (آذار) 2025، سئل الخزعلي عن سوريا الجديدة. وقال إن «الدولة العراقية من واجباتها ومن مصلحتها أن تتعامل معها ما دامت تلك الدول والحكومات تمثل دولها».

ويقول قيادي شيعي إن لحظة هروب بشار الأسد لم تكن حدثاً في سوريا بقدر ما كانت زلزالاً في الوعي الشيعي داخل العراق؛ إذ دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في شكل التحالفات التي حكمت الإقليم لأعوام طويلة. لكن خلف هذا التحول تبرز أسئلة معلّقة، وشكوك حول «مستقبل النظرية الإيرانية ذاتها» بعدما بدأت تتعرّض لاختلال كبير بعد أربعة عقود من النفوذ المتواصل في المنطقة. يقول القيادي إن «الجواب لم ينضج بعد».

———————————–

الرياضة السورية… عام التحوّل والتحدّيات/ مهند الحسني

09 ديسمبر 2025

شهدت الرياضة السورية في عام 2025 مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، تتسم بالتحدّيات الكبيرة، لكنها أيضاً مليئة بالفرص، حيث أصبحت الرياضة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إعادة البناء وفرض نفسها قاريا وحتى دوليا.

دأبت وزارة الرياضة والشباب على إعادة ترتيب البيت الداخلي مع فتح قنوات التواصل مع العرب والعالم، سواء بالاجتماعات الرسمية عبر اللجان العليا أو الاتحادات الدولية أو بالمشاركات الخارجية الكثيرة. لكن المفاجأة أن كل الدول كانت تبحث عن سورية وتطلب التواصل معها، فكانت الوفود التي أمّت الوزارة عبر وزراء الرياضة أو السفراء كثيرة، بيد أن الحدث الأهم في ذلك كله طلب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) جياني إنفانتينو الاجتماع مع الرئيس أحمد الشرع، وعُقد هذا الاجتماع على هامش أعمال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، بما يؤسس لعلاقة إستراتيجية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم سنرى مفاعيلها قريباً.

التحوّل الإداري

أبرز التحولات الإدارية في العام الذي انقضى وفي العهد الجديد، إنشاء وزارة الرياضة والشباب لأول مرة في تاريخ سورية، لتستبدل “الاتحاد الرياضي العام” المنظّمة “المولودة من رحم البعث” كما في تعريفها الرسمي، والتي كانت تدير النشاط الرياضي عقوداً طويلة. ولم تكن هذه الخطوة مجرد تغيير شكلي، بل مثّلت بداية مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والشفافية المحتملة. أعلن الوزير الجديد عن خطط طموحة لإعادة تأهيل البنية التحتية، تحسين الملاعب والصالات الرياضية، وإدخال تكنولوجيا حديثة في التدريب وتحليل أداء اللاعبين، وهو توجّه يعكس وعياً رسمياً بأهمية دعم الرياضة على أسس علمية ومهنية.

وعلى مستوى الاتحادات، شهدت كرة القدم السورية تحوّلاً بارزاً، إذ استقال مسؤولون قدامى بعد سقوط النظام، وتم تشكيل لجان مؤقتة استعداداً لإجراء انتخابات حرّة، في هذه الانتخابات، أصبح فراس التيت رئيساً جديداً للاتحاد السوري لكرة القدم بعد منافسة حامية مع مرشّحين جدد.

وقد شهدت كرة القدم المحلية بعد سقوط النظام البائد عودة الدوري الممتاز بعد فترة توقف طويلة، بنظام جديد يعتمد على إقامة المباريات على ملاعب محايدة، مع تطبيق مرحلة “البلاي أوف” لتحديد البطل، في نهاية الموسم، استطاع نادي أهلي حلب أن يتوّج باللقب، ما أعطى إشارات إيجابية على إمكانية إعادة المنافسة المحلية إلى المسار الطبيعي.

المنتخب الوطني… عودة تدريجية إلى المنافسة

قدّم المنتخب الوطني السوري لكرة القدم أداءً مشجعاً في عام 2025، بعد فترة طويلة من الانقطاع، في تصفيات كأس الأمم الآسيوية، حقق الفريق سلسلة انتصارات على باكستان وأفغانستان وميانمار جعلته يتصدر مجموعته ويتأهل إلى النهائيات في السعودية، ما عكس قدرة الفريق على العودة تدريجيا إلى المنافسة القارية تحت قيادة المدرب الإسباني خوسيه لانا. وفي بطولة كأس العرب، تأهل عن جدارة واستحقاق  بتحقيق الفوز على جنوب السودان، ثم الفوز في أولى مبارياته على تونس والتعادل مع قطر صاحب الأرض والجمهور. وتؤكّد هذه النتائج أن إمكانات المنتخب الوطني جيدة، رغم القيود المالية والبنية التحتية المحدودة، ويعكس استقراراً نسبياً بعد سنوات من التراجع.

الرياضة الأنثوية.. تحدّيات وصعوبات

على الرغم من التغييرات الإدارية والإصلاحات الجزئية، لا تزال الرياضة الأنثوية تعاني من التهميش في سورية، حيث كانت هناك مشاركات لمنتخبات السلة الأنثوية. فقد كان لمنتخب السيدات مشاركة واحدة في العام 2025 من خلال بطولة غرب آسيا التي استضافتها الأردن، حيث شارك في البطولة ثلاثة منتخبات فقط وخسر منتخبنا مباراتيه أمام إيران 55-65 وأمام الأردن 75-86 وحل ثالثاً وأخيراً.

وفي سبتمبر الماضي شارك منتخبنا في بطولة آسيا للناشئات دون 16 عاماً المستوى الأول إلى جانب عمالقة القارة، وخسر جميع مبارياته، ففي دور المجموعات خسر أمام اليابان 31-132 وأمام نيوزيلندا 24-109 وأمام الصين 27-93، وفي مباراة المركزين السابع والثامن والمصيرية من أجل البقاء ضمن المستوى الأول خسر المنتخب أمام كوريا الجنوبية 46-101.

كرة السلة للرجال.. نتائج متواضعة

خاض المنتخب السوري لكرة السلة للرجال سلسلة مباريات. خاض نهائيات آسيا للرجال في جدة المجموعة الثالثة إلى جانب كل من اليابان، غوام، إيران، ولم يتمكن من تحقيق أي فوز حيث خسر في اللقاء الافتتاحي أمام منتخب اليابان 68-99، وفي اللقاء الثاني مني بخسارة غير متوقعة أمام منتخب غوام 73-82، واختتم مبارياته بالمجموعة بخسارة ثقيلة أمام منتخب إيران 43-82، وحل بالمركز الأخير على لائحة الترتيب العام للبطولة. كما شارك مؤخرا في النافذة الآسيوية الأولى في التصفيات المؤهلة لكأس العالم وخسر أمام الأردن في اللقاءين بواقع 74-59، 100-48.

البطولات المحلية

على مستوى البطولات المحلية توّج الوحدة بلقب دوري الرجال بفوزه في الدور النهائي على الأهلي 3-1 حيث فاز في المباراة الأولى بحلب 61-38 وفاز الأهلي في المباراة الثانية بحلب أيضاً 75-60 وفي المباراة الثالثة بدمشق فاز الوحدة 69-66 وأنهى السلسلة في المباراة الرابعة بالفوز 74-67. وتوّج الوحدة أيضاً بلقب دوري السيدات بفوزه في الدور النهائي على بردى 2-0 حيث فاز في المباراة الأولى 79-64 وفي الثانية 84-39.

ويشارك الوحدة في دوري وصل لأندية غرب آسيا وقد لعب مباراة واحدة وخسرها أمام الرياضي اللبناني 80-89 كما خسر مباراته الثانية قانوناً أمام غورغان الإيراني 0-20 بالتغيب.  وسيخوض الوحدة مباراته الثالثة في 11 ديسمبر/ كانون الأول الحالي أمام الحكمة اللبناني في بيروت ثم سينتقل إلى كازاخستان لمواجهة أستانا في 18 ديسمبر/ كانون الأول الجاري.

رياضات أخرى

نال اللاعبون السوريون: تسع ميداليات لمنتخب الووشو كونغ فو في دولية بيروت. سبع ميداليات لمنتخبنا في بطولة العالم لبناء الجسام واللياقة البدنية في السعودية. كما حقق المنتخب في رياضة اليونيفايت سبع ميداليات، أربع ميداليات فضية وثلاث ميداليات برونزية في بطولة العالم المفتوحة بفئة الكلاسيك في روسيا.  وحصد لاعب منتخب سورية الصغير مازن فندي ذهبيته في البطولة العربية للشطرنج تُوج بطلًا لـ بليتز. نالت سورية ست ميداليات لجودو قاسيون في بطولة أندية غرب آسيا

وست ميداليات لمنتخب الجمباز الإيقاعي في كأس ماليزيا.  كما أقيمت العديد من بطولات النصر والتحرير في جميع الألعاب كان أخرها بطولة النصر والتحرير لكرة القدم والتي فاز بلقبها فريق أهلي حلب.

شاركت البعثة السورية في ثماني ألعاب مختلفة: كرة الطاولة، رفع الأثقال، السباحة، المواي تاي، الكاراتيه، التراثلون، القوة البدنية (رياضات خاصة)، الفروسية وسباق الهجن. وحققت البطلة إنانا سليمان ميدالية برونزية في سباق 400م منوع وتحقيق المركز الرابع في سباق 800م حرّة، كما حققت اللاعبة هند ظاظا الميدالية الفضية في لعبة كرة الطاولة.

البنية التحتية والتكنولوجيا.. أولويات جديدة

كانت البنية التحتية الرياضية في سورية من أكبر التحديات. الملاعب المتهالكة، صالات التدريب غير المجهزة، ونقص البدائل المناسبة، كلها عوامل تحد من قدرة الأندية والمنتخبات على المنافسة، هنا يظهر دور وزارة الشباب والرياضة الجديدة، التي وضعت تحسين البنية التحتية على رأس أولوياتها، من خلال خطط إعادة تأهيل الملاعب والصالات، تحديث أنظمة التدريب، إدخال التكنولوجيا الحديثة لمتابعة الأداء، وكانت له زيارات ميدانية إلى جميع منشآتنا الرياضية وبدأت ورشات العمل في رفع الأنقاض عن صالة الحمدانية العملاقة لكرة السلة، وإعادة تأهيل جميع ملاعب حلب بما فيهم الملعب 75 ألف متفرج. هذا التوجه يوضح أن الوزارة تدرك أن إعادة البناء ليست فقط بالمباني، بل بالكوادر البشرية والعلوم الرياضية.

خلاصة

يمكن القول إن عام 2025 مثّل مرحلة تحوّل حقيقية للرياضة السورية، تجمع بين فرص التقدم والتحدّيات الكبيرة، التحولات الإدارية، عودة الدوري، نشاط المنتخبات الوطنية، وفشل الرياضة النسوية في مواجهة العقبات، كلها مؤشّرات على أن الطريق طويل، لكنه قابل للتطوير.

العربي الجديد

——————————-

====================

أحداث واحتفالات ووقائع

====================

دعم أميركي لسوريا في الذكرى الأولى لسقوط الأسد

أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وأعضاء في الكونغرس الأميركي على دعم سوريا وشعبها بمناسبة الذكرى الأولى لـ”عيد التحرير” وسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وجدد روبيو في منشور على حسابه بمنصة “إكس” التأكيد على الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للإدارة السورية وشعبها، وقال “قبل عام فتح الشعب السوري صفحة جديدة في تاريخه. اليوم، نُقدر الخطوات الهامة التي اتخذتها الحكومة والشعب السوري في المرحلة الانتقالية لسوريا وكذلك دعم الشركاء الدوليين لها”.

وأعرب روبيو عن احترام صمود الشعب السوري، وجدد دعم الولايات المتحدة “لسوريا سلمية ومزدهرة، شاملة للأقليات، وتعيش في سلام مع جميع جيرانها”.

من جانب آخر، أصدر أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بيانا بمناسبة الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية.

وجاء في البيان الذي وقع عليه رئيس اللجنة الجمهوري جيم ريش والديمقراطية البارزة في مجلس الشيوخ جين شاهين “اليوم هو الذكرى السنوية الأولى لليوم الذي أطاح فيه الشعب السوري نظام الأسد وأنهى أكثر من 50 عاما من الحكم الاستبدادي الوحشي”.

وذكر البيان أن “القوة والصمود الذي أظهره السوريون في مواجهة قمع الأسد قد خلقا الظروف لمستقبل أفضل للشعب السوري. يذكرنا هذا الإنجاز الاستثنائي بانتصار الحرية على الطغيان ويمنح الأمل في تحقيق سلام أكبر في الشرق الأوسط”.

وأعرب أعضاء مجلس الشيوخ عن دعمهم لرفع عقوبات قانون قيصر المتعلقة بسوريا، وتعهدوا بمواصلة العمل من أجل ازدهار الشعب السوري.

من جهته، قال النائب الجمهوري عن ولاية إلينوي الأميركية وعضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب دارين لحود، إن هناك فرصة الآن أمام سوريا مزدهرة ومستقلة وذات سيادة. وأوضح في مقابلة مع الجزيرة، أن هناك حاجة إلى منح بعض الوقت للرئيس أحمد الشرع لمعالجة بعض القضايا والنهوض بالبلاد.

ومنذ أيام، يحتفل السوريون في مختلف محافظات البلاد بالخلاص من نظام الأسد عبر معركة “ردع العدوان” التي بدأت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في محافظة حلب، قبل أن يتمكن الثوار من دخول العاصمة دمشق بعد 11 يوما.

المصدر: الجزيرة + وكالات

————————————-

جنود القاعدة الأميركية في التنف يشاركون السوريين فرحة عيد التحرير

لم تهدأ الساحات في مختلف المدن السورية ليلة 8 ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث غمرت الاحتفالات أرجاء البلاد إحياء للذكرى الأولى لتحرير سوريا وسقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو اليوم الذي يمثل محطة فارقة في الذاكرة الوطنية للبلاد.

ومنذ ساعات الصباح يوم أمس الاثنين وحتى ما بعد منتصف الليل تحولت الساحات الكبرى والشوارع الرئيسية إلى لوحات نابضة بالحياة، وتدفق مئات آلاف السوريين حاملين الأعلام مرددين الأناشيد الوطنية والهتافات التي تمجد النصر وتستحضر تضحيات الشهداء.

ألوان الأعلام وأصوات الأغاني امتزجت مع الألعاب النارية التي أضاءت سماء دمشق وحماة وحلب وحمص واللاذقية، في مشهد وصفه شهود عيان بأنه “أكبر احتفال منذ عقود”.

لكن وسط هذا الزخم الشعبي كان هناك احتفال لافت من نوع آخر، وهو احتفال بعض الجنود الأميركيين في القاعدة العسكرية الأميركية “التنف” مع أبناء الشعب السوري.

وتقع هذه القاعدة في أقصى جنوب شرقي محافظة حمص على بعد نحو 24 كيلومترا غرب معبر التنف- الوليد عند نقطة التقاء الحدود السورية مع الأردن والعراق، وتشرف على الطريق الدولي دمشق بغداد، في حين تبعد عن مدينة تدمر التاريخية قرابة 240 كيلومترا.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

————————–

سوريا تطلق طوابع بريدية في ذكرى التحرير

أطلقت المؤسسة السورية للبريد سلسلة من الطوابع البريدية التذكارية بمناسبة ذكرى التحرير من نظام الأسد، تضمنت خمسة طوابع، وبطاقة تذكارية، وذلك ضمن إطار دورها في توثيق أبرز المناسبات الوطنية عبر الإصدارات البريدية.

وقال المدير العام للمؤسسة، عماد الدين حمد، لعنب بلدي، إن الطوابع ستعرض للبيع، ظهر الغد 9 من كانون الأول، خلال افتتاح متحف “البريد السوري”، في مقر المؤسسة بمنطقة “الحجاز” وسط دمشق، وسيتم طرحها الأسبوع المقبل في جميع المحافظات ضمن المديريات المركزية للمؤسسة في كل محافظة.

وأضاف أن سعر البطاقة التذكارية سيبلغ 15 ألف ليرة سورية، بينما يبلغ سعر كل طابع من الطوابع الخمسة 10 آلاف ليرة.

وحول الطوابع التي تتعلق بحقبة نظام الأسد، كشف حمد، أنه جرت إزالتها من أرشيف متحف الطوابع بشكل عام، خاصة تلك التي تحوي صور الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وأوضح حمد أنه حتى الآن لا يمكن حصر عدد الطوابع الصادرة في سوريا.

عن استخدام الطوابع التي صدرت اليوم في المعاملات الرسمية في سوريا، قال مدير مؤسسة البريد، إن هذه الطوابع تحمل صفة “تذكارية”، أما الطوابع التي يتم استخدامها خلال متابعة المعاملات السورية للمواطنين، فيتم التعامل معها بطريقة أخرى.

وأعلنت المؤسسة عن فتح أبواب متحف “البريد السوري” بشكل مجانب للمواطنين بمناسبة عيد التحرير بين 9 و12 من كانون الأول الحالي.

وقال حمد إن فتح معرض الطوابع بالمجان هو دعوة لجميع المواطنين لاكتشاف هذا الإرث الفني، وإعادة التعرف على التاريخ الوطني من خلال الصور والرموز التي طبعت في الذاكرة السورية.

وتوثّق المؤسسة السورية للبريد عبر إصداراتها البريدية أبرز الأحداث الوطنية، بينما يضم معرضها مجموعات نادرة تعكس مراحل مختلفة من تاريخ سوريا والبريد العربي.

الطابع البريدي.. إرث ثقافي سوري

ذكرت مديرة إدارة الخدمات في المؤسسة السورية للبريد، ربا أبو حسن، لوكالة الأنباء السورية (سانا)، في 1 من تشرين الأول الماضي، أن الطابع البريدي، منذ ظهوره بالشكل الحالي عام 1920، لم يكن مجرد ورقة صغيرة تلصق على رسالة، بل ذاكرة حية تختزن تاريخ بلد وثقافته، وشاهد على محطات وطنية واجتماعية واقتصادية، ورفيق للأفراد في رسائلهم ومعاملاتهم.

ووثق كل طابع بريدي مرحلة من تاريخ سوريا سواء من خلال صور الرؤساء مثل هاشم الأتاسي وشكري القوتلي، أو عبر طوابع خاصة بالمعارض والمناسبات الوطنية، فشكلت هذه الإصدارات أرشيفًا مصورًا يسرد الأحداث السورية بهويتها الثقافية والاجتماعية والوطنية.

وأشارت أبو حسن، إلى وجود متحف للطوابع في دمشق، يحتفظ بأرشيف إصدارات الطوابع منذ عام 1920 والبطاقات البريدية المرافقة لها، والأختام وجميع مستلزمات الطباعة وأدوات ومعدات ساعي البريد التي يحتاجها أثناء إيصال الرسائل، إضافة إلى لوحة فسيفسائية فريدة من قصاصات الطوابع جسدت كيف يمكن للطابع أن يتحول بحد ذاته إلى عمل فني إبداعي.

وفي عام 1946 تأسس النادي السوري لهواة الطوابع، ليجمع بين عشاق الطوابع من مختلف الأعمار والاختصاصات، يشكل جسرًا بين الهواية والمعرفة، والتاريخ والفن.

ويعمل النادي على تنظيم المزادات والمعارض الدورية لتبادل الطوابع والتعريف بالنادر منها وفق ما أوضح رئيس النادي المهندس هيثم أبو غزالي لوكالة “سانا”.

—————————–

كاتب عبارة “أجاك الدور يا دكتور” التي أشعلت الثورة.. يظهر ثانية

الرياض – العربية.نت

09 ديسمبر ,2025

لعل العديد من السوريين يذكرون تلك العبارة الشهيرة التي أشعلت شرارة الثورة السورية في العام 2011.

ففي 15 فبراير من ذلك العام، خرج الطفل معاوية صياصنة، مع عدد من رفاقه ليكتب عبارة “أجاك الدور يا دكتور” على جدران مدرسة الأربعين في درعا البلد.

لكن ابن الـ 15 عاماً لم يكن يدرك حينها تداعيات هذا الفعل. ففي مقابلة مع العربية/الحدث روى معاوية كيف اعتقل مع عشرات الأطفال من درعا البلد، وزج بهم الأمن الذي كان يمسك به عاطف نجيب ابن خالة الرئيس السابق بشار الأسد في السجن.

كما أكد الشاب أنه تعرض ورفاقه لشتى أنواع التعذيب من ضرب وصعق بالكهرباء، إلى الشتم والإهانات.

وأوضح أن عناصر الأمن كانوا يسألون دوماً عن “الجهة التي حرضتهم”، مؤكداً أنه ورفاقه كانوا متأثرين بالثورة في تونس.

” انسوا أطفالكم”

إلى ذلك، أشار إلى أنه بعد 45 يوماً تحت التعذيب، وانقطاع أخبار الأطفال عن أهاليهم، توجه وفد من العشائر في درعا للقاء رستم غزالي الذي أرسل حينها إلى درعا لتهدئة الوضع، (كان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بريف دمشق آنذاك، ولاحقاً رئيس شعبة الأمن السياسي)، فكان رده الشهير “انسوا أطفالكم.. وإذا ما نسيتوهم جيبوا نسوانكم”

فخرجت بعدها تظاهرات واسعة للمطالبة بإطلاق الأطفال.

يذكر أن سوريا احتفلت أمس الاثنين بالذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام السابق، وفرار الأسد إلى موسكو حيث منح لجوءاً إنسانياً. وافترش عشرات الآلاف من السوريين الساحات العامة في المدن الكبرى، بينها دمشق وحلب وإدلب وحماة وحمص، ورفعوا أعلام بلادهم، مرددين هتافات وأهازيج داعمة للسلطة الجديدة، وسط إجراءات أمنية مشددة.

كما نظمت وزارة الدفاع عروضا عسكرية جابت شوارع رئيسية في دمشق ومدنا أخرى.

———————————

صورته هزت العالم.. الطفل عمران يروي قصته والشرع يحتضنه

صورة الطفل وهو يجلس داخل سيارة إسعاف، مغطى بالغبار، والدماء تسيل من وجهه هزت العالم في عام 2016

الرياض – العربية.نت

09 ديسمبر ,2025

وثّق مقطع فيديو مؤثر، أول ظهور للطفل السوري عمران، بعد مرور 9 سنوات على الحادثة الشهيرة التي قصفت فيها طائرات نظام بشار الأسد منزله في حلب، ما أسفر عن وفاة شقيقه، عندما كان عمره 4 سنوات، وظهر هو مغطى بآثار الركام والدم يسيل من وجهه ويجلس وحيداً في سيارة إسعاف.

فقد اعتلى عمران المسرح في قصر المؤتمرات أمس الاثنين، متحدثاً عن الحادثة التي تعرض لها عندما كان في الرابعة من عمره، خلال حضوره فعالية ذكرى تحرير سوريا. وقال: “أنا عمران.. يقولون إني عشتُ القصف والحصار، لكني لا أتذكر شيئًا”.

كما أضاف: “كبرتُ وبقلبي فراغ… لا أعرف هل هو خوف أم بكاء. ما عرفت قصتي إلا من الفيديوهات. ظهرتُ حينها مغطى بالغبار، ولما جاء النصر رجع ضوء كبير لحياتي”.

بدوره، سارع الرئيس السوري أحمد الشرع للصعود إلى المسرح لاحتضان الطفل وتقبيل رأسه في مشهد أثار تفاعلا واسعاً بين رواد ونشطاء مواقع التواصل.

يذكر أنه في عام 2016، التقط المصور السوري محمود رسلان صورة شهيرة لطفل يجلس داخل سيارة إسعاف، مغطى بالغبار، والدماء تسيل من وجهه، وقد بدا يحدق مذهولا، بعد دقائق من إنقاذه من تحت أنقاض منزله الذي استُهدف بغارة في مدينة حلب السورية.

وكان الطفل حينها يبلغ من العمر 4 سنوات، واسمه عمران دقنيش، وقد هزت صورته العالم. حيث غزا مشهد الصغير صامتا على المقعد، بلا بكاء ولا صراخ، والغبار يغطي جسده والدماء تلطخ وجهه، وسائل الإعلام العالمية.

حقبة جديدة

يذكر أن الرئيس السوري كان تعهد أمس 8 ديسمبر 2025 في كلمة ألقاها في قصر المؤتمرات، بحقبة جديدة قوامها العدل والعيش المشترك، مؤكداً الالتزام بمحاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين الذين خرج عشرات الآلاف منهم إلى شوارع المدن الرئيسية للاحتفال. وقال الشرع “اليوم ومع إشراق شمس الحرية، فإننا نعلن عن قطيعة تاريخية مع ذاك الموروث وهدما كاملاً لوهم الباطل ومفارقة دائمة لحقبة الاستبداد والطغيان إلى فجر جديد، فجر قوامه العدل والإحسان والمواطنة والعيش المشترك”.

ومنذ ساعات الصباح الأولى أمس، افترش عشرات الآلاف من السوريين الساحات العامة في المدن الكبرى، بينها دمشق وحلب وإدلب وحماة وحمص، ورفعوا أعلام بلادهم، مرددين هتافات وأهازيج داعمة للسلطة الجديدة، وسط إجراءات أمنية مشددة.

كما نظمت وزارة الدفاع عروضا عسكرية جابت شوارع رئيسية في دمشق ومدن أخرى.

——————————-

ما مصير أركان نظام بشار الأسد؟

55 من كبار المسؤولين والضباط في النظام السابق فرّوا من البلاد بطرق متعددة

لندن: «الشرق الأوسط»

8 ديسمبر 2025 م

بعد مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، تتزايد الأسئلة حول مصير أبرز أركان حكمه المتهمين بارتكاب انتهاكات واسعة بحق ملايين السوريين خلال 14 عاماً من الحرب.

ووفق تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن 55 من كبار المسؤولين والضباط في النظام السابق فرّوا من البلاد بطرق متعددة، وإن عدداً كبيراً منهم استقر في روسيا.

كان من بين الفارين قائد «الفرقة الرابعة» ماهر الأسد ومدير استخبارات سلاح الجو السوري قحطان خليل، المتَّهَم بالمسؤولية المباشرة عن واحدة من أكثر المجازر دموية في الحرب الأهلية. ولحق به علي عباس وعلي أيوب، وهما وزيرا دفاع سابقان يخضعان لعقوبات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ارتُكبت خلال سنوات النزاع ورئيس هيئة الأركان عبد الكريم إبراهيم المتهم بتسهيل عمليات تعذيب وعنف جنسي ضد المدنيين ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية كمال الحسن ومدير مكتب الأمن الوطني علي المملوك واللواء بسام الحسن المتهم بالإشراف على الهجمات الكيميائية واختطاف الصحافي الأميركي أوستن تايس ومدير المخابرات العامة حسام لوقا.

ماهر الأسد

كان ماهر الأسد، قائد «الفرقة الرابعة» التي تُعدّ من أكثر وحدات النظام رهبة، يسابق الوقت لترتيب عملية فراره. وبحسب اثنين من المقرّبين، اتصل ماهر بصديق للعائلة وأحد رجال الأعمال المقرّبين منه، محذّراً إياهما من البقاء في منزليهما، وداعياً إلى الخروج فوراً وانتظاره في الخارج. وبعد دقائق، ظهر بسيارته المسرعة في الشارع، وتوقّف للحظات لاصطحابهما قبل أن ينطلق بهما بسرعة للحاق برحلته إلى موسكو. ووفق الصحيفة، يعيش ماهر الأسد حياة مترفة في منفاه، برفقة بعض قادته الكبار السابقين مثل جمال يونس.

كمال الحسن

يُتهم كمال الحسن، الذي تولّى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية، بالإشراف على حملات اعتقال واسعة وتعذيب وإعدام معتقلين. غير أن عملية فراره لم تسر بسهولة. فقد أُصيب خلال تبادل لإطلاق النار مع مقاتلين من المعارضة أثناء محاولته مغادرة منزله في ضاحية قرب دمشق كانت تُعرف سابقاً بـ«قرى الأسد»؛ المنطقة التي أقام فيها عدد من كبار مسؤولي النظام في فلل فخمة. ووفق الصحيفة، اضطر الحسن إلى الانتقال متخفّياً من منزل إلى آخر قبل أن يتمكن في النهاية من الوصول إلى السفارة الروسية التي وفّرت له الحماية.

علي المملوك

ولجأ مسؤول آخر إلى السفارة الروسية هو علي مملوك، المدير السابق لمكتب الأمن الوطني، والذراع الأبرز في بناء منظومة الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري التي طبعت عقود حكم آل الأسد. وقال صديق مقرّب منه وأحد أقاربه إن مملوك علم بانهيار النظام عند الرابعة فجراً عبر اتصال هاتفي. وحين حاول اللحاق بمسؤولين آخرين في طريقهم إلى المطار، تعرّض موكبه لكمين. ورغم عدم التأكد من الجهة التي هاجمته، فإن مصادره قالت إن «أعداءه كُثر».

ومملوك، الذي خدم مع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ثم مع بشار الأسد، كان يُنظر إليه باعتباره «الصندوق الأسود للنظام». وقال أحد أصدقائه: «لم يكن فقط شاهداً على كل شيء… كان يعرف كل شيء».

وتقول ثلاثة مصادر مطلعة إن مملوك تمكن من الفرار دون إصابة، ووصل إلى السفارة الروسية. وهناك بقي مع كمال الحسن إلى أن نظّم الجانب الروسي موكباً محمياً نقلهما إلى قاعدة حميميم، قبل أن يغادرا لاحقاً إلى روسيا.

بسام الحسن

نجح اللواء بسام الحسن في الهرب دون أن يلفت الأنظار، رغم أنه كان نائماً خلال الساعات الأولى المضطربة من سقوط النظام. وتقول ثلاثة مصادر مطّلعة إن أحد كبار قادته أيقظه قبل الخامسة فجراً بقليل لتنبيهه إلى انهيار الوضع.

وبحسب مصدرين على دراية بتفاصيل فراره، سارع حسن إلى تجهيز موكب من ثلاث سيارات تقلّ زوجته وأولاده البالغين وحقائب مكدّسة بالأموال. وكان قلقه من التعرّض لهجوم كبيراً إلى حد أنه وزّع أفراد أسرته على سيارات مختلفة، لضمان عدم إصابتهم جميعاً في حال تعرضت إحدى المركبات لكمين.

وعندما اقترب الموكب من مدينة حمص، على بعد نحو 160 كيلومتراً شمال دمشق، أوقف مقاتلون السيارة الأولى، وهي رباعية الدفع، وأجبروا زوجة حسن وابنته على النزول منها، آمِرين بترك كل ما بحوزتهما داخل السيارة، بما في ذلك الحقائب اليدوية، وفق شهادة أحد الحاضرين. ويبدو أن المقاتلين اكتفوا بالغنيمة، إذ لم ينتبهوا إلى أن المرأتين استقلّتا السيارة الثانية التي كان يجلس فيها أحد أبرز رجال النظام سمعةً ورُعباً.

وبعد تجاوزه الحاجز، تمكّن حسن من الوصول إلى لبنان ثم إلى إيران بمساعدة مسؤولين إيرانيين.

وبحسب «نيويورك تايمز»، عاد الحسن لاحقاً إلى بيروت في إطار صفقة يزوّد بموجبها أجهزة الاستخبارات الأميركية بمعلومات. ويقول مقربون إنه يمضي وقته حالياً في المقاهي والمطاعم الراقية برفقة زوجته.

حسام لوقا

وقال صديق مقرّب من لوقا إنه اتصل به مراراً ليلة 7 ديسمبر للاطمئنان على الوضع، وكان يتلقى في كل مرّة تطمينات بأن «لا شيء يدعو للقلق». ولكن عند الثانية فجراً، أجاب لوقا على الهاتف على عجل ليقول فقط إنه «يجهّز نفسه للفرار».

وبعد ساعة، دخل ضباطه إلى مكتبه ليكتشفوا أنه غادر دون أن ينبس بكلمة، وأنه – وخلال خروجه – أمر محاسب الجهاز بفتح خزنة المقر، وفق ما أفاد به أحد ضباطه الذين حضروا الواقعة. وقد أخذ لوقا كل ما في داخلها من أموال، والتي قُدّرت بنحو 1.36 مليون دولار. وتقول ثلاثة مصادر من مسؤولين سابقين في النظام إنهم يعتقدون أن لوقا وصل إلى روسيا منذ ذلك الحين.

————————————-

 آخر رئيس حكومة بعهد الأسد يؤكد: الروس والإيرانيون تركوه

دمشق – نوار الجندي

09 ديسمبر ,2025

قبل يومين من الإطاحة بنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، سحبت إيران بعثتها الدبلوماسية وقواتها من سوريا.

فيما كشف محمد الجلالي آخر رئيس حكومة بعهد الأسد بعض التفاصيل التي سبقت سقوط النظام، مشيراً إلى أن الجيش السوري لم يكن يريد القتال حينما بدأت معركة “ردع العدوان”.

ولفت في حديث خاص لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، إلى أن هذه حقيقة وصلت إلى الأسد نفسه، والروس والإيرانيين بطبيعة الحال.

“لا أحد يساعد من لا يريد مساعدة نفسه”

كما أضاف أنه خلال المعارك، جرى حديث عن دخول مجموعة عسكرية إيرانية بين حمص وحماة ثم انسحابها، ما زاد التكهنات. وكشف عن حديث آخر سمعه حينها، أفاد بوصول طائرة إيرانية محملة بالأسلحة والمقاتلين إلى مطار حميميم لكنها منعت من الهبوط.

أمام هذه المعطيات، قال الجلالي إن “الجيش السوري لا يقاتل وعدد القوات الروسية والإيرانية لا يكفي للدفاع، فعم الشعور بأنه لا أحد يستطيع مساعدة من لا يريد أن يساعد نفسه”، في إشارة منه إلى قوات الأسد.

“حزب الله كان منهكاً”

وأشار إلى أن ما زاد الأمور تعقيداً وقتها، أن حزب الله اللبناني كان منهكاً بعد اغتيال الأمين العام حسن نصرالله والحرب مع إسرائيل، وقد حاول التدخل إلا أنه عاد وانسحب فوراً.

وكان ضابط سوري سابق عمل في أحد المقرات الأمنية التابعة للحرس الثوري الإيراني في دمشق أفاد سابقاً بأنه تلقى اتصالاً من قيادته الإيرانية في الخامس من كانون الأول (ديسمبر) 2024، أي قبل ثلاثة أيام من سقوط الحكم السابق، طلبت منه فيه التوجه إلى مقر العمليات في حي المزة فيلات شرقية في العاصمة صباح الجمعة في السادس من كانون الأول (ديسمبر) 2024 بسبب “أمر هام”، وفق ما نقلت وكالة فرانس برس.

كما أوضح حينها أن القائد الإيراني المسؤول عن المجموعة، والمعروف باسم الحاج أبو إبراهيم، أبلغ الحاضرين وقتها من ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرة الإيرانيين وعددهم نحو 20 شخصاً، فور وصولهم بأنه “بعد اليوم لن يكون هناك حرس ثوري إيراني في سوريا”. وأضاف أن وقع الخبر كان كالصاعقة عليهم. وطلب المسؤول الإيراني، وفق الضابط، من العناصر “إحراق وثائق حساسة وإتلافها أمامه، وسحب جميع الأقراص الصلبة من الحواسيب”، إذ قيل لهم: “كل شيء انتهى، ولن نكون مسؤولين عنكم بعد اليوم، وستصلكم هوياتكم المدنية بعد أيام”.

أما الروس، فأوضح الرئيس السوري أحمد الشرع مرارا أنه تواصل معهم بعد المعارك بمفاوضات انتهت بوعد روسي بعدم التدخل.

دور إيراني حتى سقوط الأسد

يذكر أن المجموعات الموالية لطهران كانت تمركزت في مواقع حساسة داخل دمشق وريفها، لا سيما في المزة ومقام السيدة زينب ومحيط مطار دمشق، إضافة إلى نقاط في المناطق الحدودية مع لبنان ومع العراق، وأشرفت على عمليات عسكرية وتدريب وتنسيق مباشر مع قوات الحكم السابق، طوال فترة الحرب السورية.

ومع تفاقم النزاع وتراجع قدرات الجيش السوري خلال سنوات الصراع، توسّع النفوذ الإيراني ليشمل مراكز أمنية ومستودعات أسلحة وقواعد مشتركة مع الجيش. إلى أن سقط نظام الأسد على يد المعارضة في 8 ديسمبر 2024، وقدم لجوءا إنسانيا في روسيا.

—————————

الشرع يروي للجزيرة تفاصيل الساعات الأخيرة لسقوط نظام الأسد

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع للجزيرة كواليس الساعات الأخيرة التي سبقت انهيار نظام بشار الأسد، وتمكُّن المعارضة المسلحة من بسط سيطرتها على العاصمة دمشق، منهيةً خمسة عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا.

وقال الشرع، في مقابلة مع الجزيرة خلال وثائقي “مفاتيح دمشق” الذي بُث مساء الأحد، إن مراسلات جرت بين غرفة عملية “ردع العدوان” والجانب الروسي خلال تلك العملية، التي أطلقتها المعارضة السورية وانتهت بسقوط بشار الأسد قبل عام من الآن، مؤكدا أنه استشعر من هذه المراسلات قُرب سقوط النظام.

وأضاف أن سرعة إيقاع عملية “ردع العدوان” فاجأت إسرائيل، التي كانت تُخطط لمهاجمة سوريا بعد انتهاء حرب لبنان.

وأوضح الشرع أن الطرف الروسي أرسل له رسالة بعد أن سيطرت قوات “ردع العدوان” على الريف الغربي لحلب، مفادها: “توقفوا عند هذا الحد وخذوا ما أخذتم وإلا سيتم تصعيد الموقف”. ويقول الشرع إنه فهم من الرسالة الروسية أن نظام الأسد ينهار.

اجتماع مع السفراء

بدوره، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن اجتماعا عُقد مع الروس بمعبر “باب الهوى”، قبل ساعات من سقوط الأسد، وإنه تم إبلاغ الروس بالمتغيرات، وكيف يمكن أن تكون العلاقات المستقبلية بين الجانبين.

وأوضح في الفيلم الوثائقي أنه اجتمع في اليوم الثاني لسقوط نظام الأسد مع السفراء العرب والأجانب المعتمدين في دمشق، وشرح لهم المتغيرات الجديدة، وتطلُّع النظام الجديد للتعاون مع جميع الدول، وقال إن السفراء فضَّلوا البقاء في دمشق.

أما وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، فقال إن عملية إسقاط نظام الأسد سُميت “ردع العدوان”، لأن النظام المخلوع ظل يستهدف المناطق المحررة طيلة 5 سنوات.

وكشف الوثائقي، الذي نُشِر بمناسبة مرور عام على انتصار الثورة، كواليس الأيام الـ11 التي سبقت سقوط الأسد، والتي أنهت 13 عاما من الثورة التي قَتل خلالها النظام مئات الآلاف من السوريين واستخدم ضدهم الأسلحة المحرمة دوليا.

——————————

سورية: وفاة شاب وعشرات الإصابات جراء التدافع في فعاليات عيد التحرير

نور ملحم

09 ديسمبر 2025

أعلنت وزارة الصحة السورية، اليوم الثلاثاء، وفاة شاب يبلغ من العمر 17 عاماً، واستجابتها لأكثر من 265 حالة إسعافية، إثر حوادث التزاحم والتدافع التي رافقت فعاليات الاحتفال بعيد التحرير في العاصمة دمشق. وذكر بيان الوزارة أن فرقها الطبية تعاملت ميدانياً مع 247 حالة اختناق وإعياء، بينما جرى نقل 18 إصابة إلى المستشفيات.

أفاد البيان بأن الشاب المتوفى قضى نتيجة اختناق ناجم عن شدة التدافع، مع الإشارة إلى أنه كان يعاني من مرض قلبي مزمن، مؤكداً أن الكوادر الطبية “بذلت كل الجهود الممكنة لإنقاذه دون جدوى”.

وقال مصدر طبي في مستشفى المواساة بدمشق لـ”العربي الجديد”، إن قسم الإسعاف شهد ازدحاماً لافتاً بعد ورود دفعات من المصابين جراء التزاحم في موقع الفعالية، موضحاً أن المستشفى استقبل حالة الوفاة إضافة إلى 12 حالة اختناق بسيطة. وأضاف أن معظم الحالات كانت تعاني من اختناق وضيق نفس وارتفاع في النبض، وأن الكادر الطبي فتح مساراً إسعافياً إضافياً لتسريع فرز المصابين، مشيراً إلى أنه “تم تقديم العلاج اللازم لجميع الحالات وتخريجها بعد استقرار وضعها”.

وفي سياق متصل، قال الدكتور محمد كنعان مناوب في مشفى دمشق (المجتهد) سابقاً لـ”العربي الجديد” إن المستشفى استقبل ستّ حالات اختناق، وُصفت كلها بالخفيفة إلى المتوسطة. وأوضح أن المصابين وصلوا من مواقع مختلفة ضمن محيط الاحتفال، وأن معظمهم كانوا يعانون من “تسارع في التنفس وهبوط بسيط في الضغط نتيجة التدافع والاحتجاز ضمن تجمعات كبيرة ولا توجد إصابات خطيرة مثل الكسور أو إصابات بطلقات رصاص طائشة”. وأضاف أن المستشفى فعّل بروتوكول الطوارئ القصير لتسريع المعاينة الأولية، وأن “جميع الحالات استجابت للعلاج بالأوكسجين والمهدئات الخفيفة، وغادرت بعد الاطمئنان على وضعها”.

وشهد موقع الاحتفال بعيد التحرير مساء أمس في ساحة الأمويين بدمشق حضوراً يفوق السعة الطبيعية للمكان، ما أدى إلى تحول الازدحام إلى تدافع عندما حاول عدد كبير الاقتراب من المنصة، بينما لم يكن هناك مسار واضح للإخلاء.

وأكدت وزارة الصحة أن كوادر الإسعاف والطوارئ لا تزال في حالة استنفار مرتفع طوال الوقت، ودعت المواطنين إلى الإبلاغ عن أي حالة طارئة عبر الرقم الموحد 110.

———————-

 إسرائيل قد تتخد خطوات بعد هتاف جنود سوريين نصرة لغزة

الثلاثاء 2025/12/09

أدت الهتافات التي أطلقها جنود سوريون من الجيش الجديد نصرة لغزة، خلال مسير عسكري وسط العاصمة دمشق بذكرى التحرير، إلى حالة من القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

مناقشات أمنية

وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن الأجهزة الأمنية رصدت من مصادر مفتوحة قيام جنود من الجيش السوري الجديد بإطلاق “هتافات عدوانية ضد إسرائيل، خلال عروض عسكرية أقيمت في أنحاء مختلفة من سوريا”.

وأضافت أن الجنود استخدموا كلمة عدو للإشارة إلى إسرائيل، وأن الجنود هتفوا “في المقاطع المسجلة بهتافات (غزة، غزة، شعار النصر والصمود)، و(جئت إليك يا عدوي، لأصنع من دمائك ذخيرة وأملأ الأنهار بدمائك)، و(غزة، غزة، غزة رمز، احتلال ودمار، ليل نهار)”.

و جرت مناقشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول هذا الموضوع، خلال الساعات الـ24 الماضية، بمشاركة مسؤولين كبار، تناولت أهمية الفيديوهات، بحسب إذاعة جيش الاحتلال.

توجيه رسائل قوية

ووفق الإذاعة الإسرائيلية، فإنه “من المتوقع أن تتخذ إسرائيل خطوات بما في ذلك توجيه رسائل قوية للنظام السوري حول هذا الموضوع، ومطالبته بإدانة تسجيلات جنوده”.

ونقلت عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين، قولهم: “نحن نتعامل مع النظام السوري بمبدأ الشك والريبة، ننظر إليهم بريبة تامة. طبيعة النظام جهادية متطرفة، ونحن لسنا في حيرة من أمرهم”.

وأمس الاثنين، نظمت وزارة الدفاع السورية عرضاً عسكرياً وسط العاصمة دمشق، بمناسبة ذكرى سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حضره الرئيس السوري أحمد الشرع ووزراء الدفاع مرهف أبو قصرة والداخلية أنس خطاب، والخارجية أسعد الشيباني.

وتخلل العرض مسير لجنود من المشاة من أوتوستراد المزة نحو ساحة الأمويين، هتف خلاله الجنود بالنصرة لقطاع غزة، مثل “غزة شعار. غزة دمار”.

————————-

حشود ملأت ساحة الأمويين بدمشق.. والتدافع قتل شاباً

الرياض – العربية.نت

09 ديسمبر ,2025

ملأ عشرات الآلاف من السوريين، أمس الاثنين، ساحة الأمويين في العاصمة دمشق، احتفالاً بالذكرى الأولى لسقوط النظام السابق.

فيما اكتظت شوارع العاصمة بالمحتفلين حتى ساعات متأخرة من الليل، وسط ازدحام كبير.

ما دفع محافظة دمشق ليل الاثنين الثلاثاء إلى دعوة المواطنين لعدم التوجه إلى الساحة.

في حين أعلنت وزارة الصحة السورية تسجيل حالة وفاة جراء حوادث التزاحم والتدافع، أثناء الفعاليات الاحتفالية بمناسبة “عيد التحرير”. وقالت الوزارة ، في بيان صحافي نشرته ليلاً إن الوفاة تعود لشاب يبلغ من العمر 17 عاماً، نتيجة لاختناق ناجم عن التدافع والازدحام، كما كان يعاني من مرض قلبي مزمن، مؤكدة أن “كافة الجهود الطبية بذلت لإنقاذه دون جدوى”.

معالجة 247

كما أضافت أن “فرقها الطبية والإسعافية تدخّلت لمعالجة 247 حالة في الميدان، في حين نقلت 18 شخصاً إلى المستشفيات”.

بدوره، أعلن الدفاع المدني السوري نقل 30 إصابة إلى المستشفى خلال مواكبة فرقه فعاليات الاحتفال في ساحة الأمويين. وأشار إلى أن الفرق المختصة حرصت على الانتشار لتقديم الاستجابة الإسعافية الفورية، وقدمت خلال الفعالية الإسعافات الأولية في المكان لعشرات الحالات التي عانت من ضيق تنفس نتيجة الازدحام أو بسبب الأدخنة الناتجة عن الألعاب النارية، إضافة إلى إصابات خفيفة بسبب الانزلاق أو السقوط دون الحاجة للنقل إلى المستشفيات.

وكانت كافة المحافظات السورية، شهدت أمس احتفالات شعبية ورسمية واسعة بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير سوريا وسقوط نظام بشار الأسد.

—————————-

 من ساحة سعد الله إلى القلعة.. حلب تحتفل في عيد التحرير

خالد الخطيب

2025.12.08

شهدت مدينة حلب يوماً استثنائياً مع تدفق عشرات الآلاف من المحتفلين القادمين من مختلف أحياء المدينة ومن مناطق ريفها للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى للتحرير وسقوط النظام المخلوع، فمن الأزقة القديمة إلى الشوارع الواسعة، ازدحمت المدينة بموجات بشرية هائلة امتدت من ساحة سعد الله الجابري في قلب حلب وصولاً إلى أسوار القلعة التاريخية، حيث كانت وحدات الجيش السوري تنفذ عروضاً عسكرية بمختلف تشكيلاتها وتطوف شوارع محيط القلعة والساحة، مشهد احتفالي مهيب أعاد للمدينة نبضها الغائب، وجسد لحظة انتظرها الحلبيون طويلاً، مؤكدين بخروجهم أن زمن الخوف قد انتهى، وأن صفحة جديدة تكتب اليوم في تاريخ سوريا.

أمام القلعة

احتضنت البوابة الرئيسية للقلعة التاريخية المراسم الرسمية للاحتفال في عيد التحرير، بحضور محافظ حلب المهندس عزام الغريب، والعميد فهيم عيسى معاون وزير الدفاع للمنطقة الشمالية، وقادة الفرق العسكرية في الجيش السوري، وعدد كبير من الشخصيات الدينية والاجتماعية، وخلال كلمته، قال المحافظ إن هذه الذكرى “ليست مناسبة للاحتفال فحسب، بل لحظة ولادة عهد جديد لسوريا”، مؤكداً أن النصر “لم يكن ليتحقق لولا تضحيات الشهداء الذين أنبتت دماؤهم سنابل الحرية في تراب الوطن”.

وأضاف الغريب: “حولنا الألم إلى أمل، والدمار إلى قرار، والتهجير إلى عودة، هذا العهد الجديد هو وعد ببناء سوريا بأيدي أبنائها، بعيداً عن الاستبداد والقمع” وجسد العرض العسكري الذي قدمته وحدات من وزارة الدفاع أمام بوابة القلعة رمزية اللحظة، وسط هتافات الحضور الذين غصت بهم الساحة أمام البوابة وفي محيط السور، وامتد الاحتفال إلى شوارع وسط حلب، حيث طافت الآليات العسكرية على طول الشوارع المؤدية إلى ساحة سعد الله الجابري، المركز الرئيسي لتجمع المحتفلين، وازدانت المدينة بالأعلام السورية، بينما هتف المحتفلون بشعارات الثورة السورية، ولوحدة سورياً أرضاَ وشعباً، في مشهد حمل الكثير من الحماس في الذكرى العظيمة.

شهادات من قلب الاحتفال

بين الجموع المحتشدة، بدت مشاهد الفرح واضحة في الذكرى السنوية الأولى للتحرير، رجال ونساء وأطفال قدموا من مختلف أحياء مدينة حلب ومن ريفها، بعضهم يحمل صوراً لأقارب استشهدوا خلال المعارك وآخرين استشهدوا في عمليات القصف الجوي والبري لقوات النظام المخلوع خلال السنوات الماضية، وبعضهم يلوح بالأعلام، وآخرون يبكون فرحاً.

يقول محمود ياسين، أحد أبناء مدينة حلب، وهو يلوّح بالعلم بين الحشود: “منذ ولدت لم أشعر أن لحلب نبضاً كهذا، اليوم هو اليوم الذي انتظرناه، يوم سقوط النظام المخلوع، يوم تاريخي بكل معنى الكلمة، أشعر أن أولادي سيكبرون أخيراً في بلد مختلف”

ويتابع في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “جئت إلى الساحة لأحتفل بعيد التحرير، ولأقول إن دم أخي الشهيد لم يذهب هدراً، هذا النصر ملك للناس البسطاء الذين صمدوا ودفعوا الثمن، في مثل هذا اليوم من العام الماضي، ولأول مرة، شعرت أن حلب وسوريا كلها طوت صفحة الظلم والقهر، وبدأت صفحة جديدة وعهداً جديداً”.

أما مؤيد نجار، فعبر عن فرح غامر لا يشبه أي شعور آخر، واصفاً الذكرى الأولى بـ”اليوم العظيم” الذي “ولدت فيه سوريا من جديد بلا الطاغية وأعوانه”، على حد قوله، ويضيف مؤيد لموقع تلفزيون سوريا: “لطالما حلمنا بالنصر طوال أربعة عشر عاماً، وبرغم حجم التضحيات، إلا أن سوريا تستحق، أفديناها بدمائنا، في مثل هذا اليوم انكسر ظهر المجرم بشار الأسد، وتحققت أحلام ثورتنا، ورفعت راياتنا، رايات الثورة، عالياً، لتصبح العلم الرسمي للبلاد”.

ليلة احتفالية سبقت شروق يوم التحرير

بدأت أجواء الاحتفال بعيد التحرير منذ ساعات النهار في اليوم السابق لذكرى التحرير الأولى، وما إن اقترب منتصف الليل حتى تحولت الشوارع المؤدية إلى ساحة سعد الله الجابري إلى أنهار من السيارات التي تنقل المحتفلين من كل اتجاه إلى وسط المدينة، وصوت الهتافات يعلو، وتعالت الأناشيد التي حفظها السوريون عن ظهر قلب خلال سنوات نضالهم الطويلة، قبيل الفجر، ارتفعت التكبيرات من مآذن المدينة حلب ومدن وبلدات الريف، لتعلن بداية يوم طال انتظاره، يوم الذكرى الأولى التحرير.

ورغم الجراح العميقة التي ما تزال شاخصة في أحياء المدينة الشرقية، وفي قرى الريف التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب السوري، بدت حلب في هذه الذكرى وكأنها تسترد نبضها الأول، عشرات الآلاف الذين احتشدوا في الساحة لم يخرجوا فقط لتمجيد يوم سقوط النظام المخلوع، بل ليقولوا إن مستقبلهم لن يكتب إلا بأيديهم، وإن الحرية التي دفعوا ثمنها الدماء لن تتراجع أمام أي قوة.

وفي خضم الجموع، كان يمكن التقاط حكايات كثيرة تختصر معنى هذا اليوم، من بين هؤلاء، أحمد أبو علي، شاب في الثلاثين من عمره جاء من ريف حلب الغربي للمشاركة في الاحتفال، يقول لموقع تلفزيون سوريا: “لا أستطيع وصف الشعور، كأن شيئاً انفتح في صدري بعد سنوات طويلة من الخوف، عشت أجمل عام في حياتي، ليلة التحرير أعادت لي القدرة على الحلم، لأول مرة منذ زمن، تخيلت أن ابني الصغير سيكبر في بلد لا يخاف فيه الناس من كلمة حق، وأنا بين الحشود، شعرت بأن الظلام الذي عشناه بدأ يتراجع فعلاً، هذا اليوم أعاد لي الأمل بأن الغد سيكون أفضل مهما تعبت الطريق”.

وبين أصوات الهتاف وزخم الحشود، كانت رسالة الناس واضحة، لا عودة إلى الوراء، فحلب اليوم وسوريا عامة لا تحتفل بذكرى سياسية فحسب، بل تستعيد دورها التاريخي كبلاد قادرة على النهوض من تحت الركام، وبدأت فعلاً بصنع مسار جديد لها يعيد لها مكانتها ودورها الحضاري على خارطة العالم.

يبقى المشهد الذي رسمته الحشود الممتدة من معظم أرجاء حلب وصولاً إلى ساحة سعد الله الجابري شاهداً على أن هذه الذكرى ليست مجرد احتفال عابر، بل محطة مفصلية في الذاكرة السورية، السوريون خرجوا يحملون أعلامهم وأحلامهم، مدركين أن الطريق نحو بناء الدولة التي حرموا منها طويلاً ما يزال شاقاً، لكنه بدأ بالفعل، وبين دموع من استعادوا إحساسهم بالحرية، ووجوه توهجت بالأمل، بدت حلب وكأنها تكتب فصلاً جديداً بيد أبنائها، فصلاً عنوانه الإرادة، والعودة إلى الحياة، والخروج النهائي من زمن الظلام.

———————————

 ازدحام وإغماءات وتحديات تنظيمية.. تفاصيل ليلة احتفالية غير مسبوقة في حمص

صبا حمود

2025.12.09

شهدت ساحة الساعة الجديدة في مدينة حمص مساء أمس احتفالية شعبية ضخمة، توافد إليها الآلاف من المواطنين لإحياء ذكرى التحرير وانتصار الثورة السورية. وتحوّلت ساحة عاصمة الثورة إلى مساحة تعج بالحشود التي جاءت من مختلف أحياء المدينة ومحيطها ومن خارجها، في مشهد وصفه كثيرون بأنه استثنائي وغير مسبوق منذ سنوات طويلة.

أعرب الفنان وصفي معصراني عن مشاعره تجاه المناسبة قائلاً إن المشهد يبدو “مثل الحلم”، خصوصاً عند استحضار صور البيوت المدمرة والمآسي التي مر بها السوريون خلال سنوات الثورة السورية.

وأضاف لموقع تلفزيون سوريا: “من يعرف نظام الأسد يعلم أنه قضى خمسين عاماً يرهب الشعب. كان كثيرون يظنون أن رحيله محض خيال، لكن الشباب استطاعوا إسقاطه واستعادة البلد. اليوم الناس تحتفل بإرادتها الحرة، بعدما كانت المشاركة تُفرض عليهم قسراً سابقاً تحت تهديد فقدان وظائفهم. الآن أصبح لدينا دولة نخاف عليها لا نخاف منها.”

ومن بين الحاضرين أيضاً صانع المحتوى عبد الرحمن المصيري، الذي أكد أنه جاء من السعودية خصيصاً للمشاركة في هذه المناسبة. وقال لموقع تلفزيون سوريا: “وجودي هنا واجب، يوم التحرير هو يوم لكل السوريين، بل ولكثير من السعوديين أيضاً. أفراحكم هي أفراحنا، وعندما سقط النظام شعرنا بفرحتكم نفسها. أتمنى استمرار الأفراح وعودة العز وأن تصل سوريا إلى المكان الذي تستحقه.”

عشرون عاماً من الغربة.. وعودة لم تكن متوقعة

بدورها روت فاطمة، وهي إحدى المشاركات في الاحتفال، تفاصيل مؤثرة عن رحلتها إلى حمص لحضور هذه الذكرى. وقالت إنها كانت في تركيا عندما سقط النظام: “نحتفل اليوم بأجمل ذكرى. بعد عشرين عاماً من الغربة أعود لأعيش هذه اللحظات. لم أنم منذ ليلة أمس، نحن في الشوارع منذ ساعات طويلة. لم أصدق عودتي إلى سوريا حتى رأيت الساعة الجديدة بأم عيني.. كان حلماً. عدت وحدي، لا أعرف أحداً هنا، ولا حتى الشوارع.

وأضافت لموقع تلفزيون سوريا: “عملنا في الخارج كثيراً وكنا نتابع كل شيء من بعيد، وعشنا لحظة التحرير هناك بوجع الغياب. أجلت تذكرة السفر مرتين رغم ارتباطي بالعمل، فقط لأكون هنا. الآن نسمع مطالبات الناس بالعدالة والاقتصاص من الأسد الهارب، وهذا بحد ذاته يوم وطني جديد. أتمنى أن يعيش السوريون بكرامة وحرية وأن يعود العمران إلى كل البلاد.”

أعداد هائلة وحالات إغماء

وقال عبد الرحمن، أحد الحاضرين، إن الانتظار للاحتفال بدأ منذ يوم الخميس وسط حالة ترقب كبيرة، إلا أن ضخامة الحشود تسببت بإصابات وإغماءات نتيجة التدافع، حيث اجتمع الناس بين جامع خالد بن الوليد وساحة الساعة الجديدة. وأضاف لموقع تلفزيون سوريا أن بعض الأهالي لم يلتزموا بالإرشادات التي وضعها المنظمون، كما سُجلت حالات ضياع للأطفال وسط الزحام. ووفقاً لتقديره، فإن العدد الذي حضر الاحتفال “قد يصل إلى مليون شخص”، وهو أكبر بكثير مما توقعته الجهات المنظمة

كلمة الرئيس ومقتطفات من برنامج الحفل

وخلال الاحتفالية، وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع كلمة عبر اتصال فيديو عبّر فيها عن تقديره الكبير لأهالي حمص وتميّز احتفالاتهم، مؤكداً مكانة المدينة ودورها البارز.

كما تضمّن الحفل عرض فيلم توثيقي استعرض مسار الثورة السورية، بدءاً من المطالب الشعبية بالحرية، مروراً بالمعاناة التي عاشها السوريون داخل البلاد وفي مخيمات اللجوء، وصولاً إلى بطولات معركة “ردع العدوان” التي أسقطت النظام المخلوع وأدّت إلى التحرير وأعادت الأمل للسوريين خلال 11 يوما فقط.

وشهدت الاحتفالية أيضاً فقرة للأناشيد الوطنية بمشاركة الفنان وصفي المعصراني، في حين رفع المشاركون العلم الوطني ورددوا الهتافات التي تجسّد إرادة الشعب وتمسكه بوحدة الأراضي السورية وبسيادة الدولة، بالإضافة إلى وفائهم لتضحيات الشهداء والتزامهم بمسار إعادة الإعمار والبناء.

ألعاب نارية تضيء السماء

وطوال الاحتفالية كان هناك عرض واسع للألعاب النارية انطلق من داخل الساحة ومن أسطح المباني المحيطة، مما أضفى على المناسبة أجواء احتفالية مميّزة زادت من فرحة الحضور، وكرست طابع الحدث كواحد من أكبر التجمعات الشعبية التي شهدتها المدينة بعد التحرير.

ومع امتلاء شوارع حمص وساحاتها بالحشود الممتدة من جامع خالد بن الوليد إلى ساحة الساعة الجديدة، تبيّن أن هذه اللحظة تتجاوز حدود الاحتفال، لتغدو محطة راسخة في الذاكرة السورية لعاصمة الثورة. خرج السوريون رافعين أعلامهم وحاملين أحلامهم، مستحضرين المفقودين والمهجّرين، حيث امتزجت الدموع بإحساس عميق باستعادة الحرية. وفي هذا المشهد، بدت حمص متماسكة، عصيّة على الفتن، تنبض بالقوة والأمل، وتحلم بمستقبل أكثر إشراقاً لأبنائها.

———————————-

 منسف مليحي وخيمة بدوية.. كيف احتفل أهالي درعا في عيد التحرير؟

2025.12.08

درعا ـ يوسف المصلح

أُقيم في مدرج قلعة بصرى الشام الأثري ليلة أمس الأحد احتفال مركزي جمع أهالي محافظة درعا تحت مسمى “مهرجان النصر”، إحياءً للذكرى الأولى لعيد التحرير وسقوط النظام المخلوع. وتضمن الاحتفال فعاليات فنية وتراثية تعبّر عن أهالي المحافظة وأصالتهم، وعروضاً شاركت فيها مختلف الفعاليات المجتمعية.

وشهد المهرجان حضور آلاف الأشخاص من مختلف مناطق المحافظة، إلى جانب مسؤولين حكوميين على رأسهم وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، ومحافظ درعا أنور الزعبي، وسط أجواء احتفالية عكست فرحة الأهالي بهذه المناسبة الوطنية.

تحضير أكبر منسف “مليحي”

قال رئيس مجلس مدينة بصرى الشام، المهندس عبد الله المقداد، لموقع تلفزيون سوريا، إنه تم تحضير أكبر منسف مليحي في محافظة درعا بطول 12 متراً وعرض 2 متر، وذلك تعبيراً عن المطبخ الحوراني، حيث يُعد المليحي واحداً من الأطباق الرئيسية في منطقة حوران.

وأوضح المقداد أن المخبوزات التراثية الحورانية كانت حاضرة أيضاً إلى جانب المليحي خلال فعاليات الطبخ، شملت الفطائر الحورانية “القراص” و”الخبز العربي”، وذلك تحت إشراف مديرية السياحة والفعاليات السياحية في درعا.

وتم اختيار المطبخ الحوراني كإحدى فعاليات الحفل، لكونه من أشهر ما يميّز التراث في منطقة حوران، والتي لاقت مأكولاتها رواجاً على مستوى العالم، ليعكس غنى الثقافة المحلية ويبرز مكانة المنطقة في التراث السوري، وفقاً للمقداد.

ولاقت الفعالية تفاعلاً واسعاً من قبل الأهالي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث شاركوا صوراً وفيديوهات للمنسف والأطباق التراثية، معبرين عن إعجابهم بالمبادرة وأهمية إبراز التراث الحوراني في جميع المناسبات.

خيمة بدوية لاستقبال الضيوف

عُرضت الخيمة التراثية كإحدى فعاليات مهرجان النصر، حيث تضمنت الفرش الحوراني من البسط والصوف والمساند، بالإضافة إلى القهوة الحورانية، المهباش، والدلال النحاسية، وهي عناصر تعبّر عن التراث المحلي.

وأوضح عضو المكتب التنفيذي لمجلس مدينة بصرى الشام عن مكتب السياحة، عبد الحميد الدوس، لموقع تلفزيون سوريا، أن الخيمة في حوران تعتبر عنصراً من عناصر الضيافة، فهي مكان للترحيب بالضيوف وتقديم الكرم الحوراني الأصيل، وتشكل جزءاً أساسياً من القيم الاجتماعية في حوران، ويُعد استقبال الضيف فيها شرفاً كبيراً.

وأشار إلى أنها تمثل رمزاً عميقاً للهوية الثقافية والاجتماعية، ولها دلالات عديدة، منها كونها عنصراً من التراث البدوي؛ فهي المأوى التقليدي للعشائر البدوية في حوران، وتعكس أسلوب حياتهم الذي يعتمد على التنقل والعيش بتناغم مع البيئة.

كما أن الخيمة تُعد رمزاً للوحدة والتعاون والتلاحم الاجتماعي، كونها مكاناً للاجتماع وعقد رايات الصلح والحروب، وتعزيز التعاون بين أفراد الأسرة والمجتمع، مما يعزز قيم التضامن الاجتماعي بين أهل حوران، بالإضافة إلى كونها عنصراً للصمود والتكيف في الظروف القاسية كالحرمان والحروب والهجرات، لافتاً إلى أنه تم اختيارها كفعالية ضمن الحفل نتيجة لكل هذه القيم.

عروض فنية مسرحية

من جانبه قال الناشط الإعلامي نضر الدوس إن فعاليات مسرحية أُقيمت على المسرح الروماني في قلعة بصرى الشام بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير سوريا وسقوط نظام الأسد، تضمنت عروضاً فنية تراثية، مثل الدبكات والرقصات الشعبية.

وأضاف أنه جرى إلقاء قصائد شعرية كتبت خلال السنة الأولى من الثورة السورية، منها “معليش درعا معليش ما يهمك بشار وربعه”، و”يا حيف”، واللتان ما تزالان محفورتين في ذاكرة كل إنسان سوري شارك في الثورة أو ناصرها منذ بدايتها.

وعن شعوره، أوضح الدوس أنه أصيب بالقشعريرة وكأنه يعيش لحظات انطلاق الثورة من جديد، معبراً عن تأثره الشديد بالذكريات التي أعادت الفعاليات والقصائد إلى ذاكرته وذاكرة الحاضرين، كما أعرب عن فرحته الكبيرة بالنصر والحرية التي تحققت، مشيرًا إلى أن الاحتفال بالذكرى الأولى لتحرير سوريا أعاد إليه شعور الفخر والانتماء، مؤكدًا أن هذه المناسبة تمثل تتويجًا لتضحيات كل من شارك في الثورة.

وسبق أن أُقيم احتفال ضمن فعاليات عيد التحرير في ساحة المسجد العمري في درعا البلد، وهو المكان الذي انطلقت منه أولى الصيحات في شهر آذار عام 2011، والتي أطاحت بالأسد، بالإضافة إلى عشرات الاحتفالات في عدة مدن وبلدات في المحافظة. ومن المقرر أن يُقام مساء اليوم احتفال كبير في الملعب البلدي بمنطقة البانوراما في مدينة درعا، على أن يسبقه عروض عسكرية لقوات وزارتي الدفاع والداخلية.

—————————————-

يا غزة حنا معاكي للموت”.. هتافات الجيش السوري دعما لغزة تلفت الأنظار

“يا غزة حنا معاكي للموت”.. بهذه الهتافات وغيرها ردد جنود الجيش السوري دعما لغزة خلال مسير عسكري نظمته وزارة الدفاع في العاصمة دمشق، بمناسبة الذكرى الاولى لسقوط نظام بشار الأسد أمس الاثنين.

ومنذ أيام، يحتفل السوريون في مختلف محافظات البلاد بالخلاص من نظام الأسد عبر معركة “ردع العدوان”، التي بدأت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في محافظة حلب، قبل أن يتمكن الثوار من دخول العاصمة دمشق بعد 11 يوما.

ولاقى مقطع الفيديو لجنود الجيش السوري انتشارا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أشاد المستخدمون بمكانة غزة، واعتبروا الهتافات رسالة دعم معنوي للشعب الفلسطيني في مواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها القطاع.

وأشار مغردون إلى أن الهتافات المؤيدة لغزة تعكس تضامنا شعبيا ورسميا مع القضية الفلسطينية، في ظل استمرار المعاناة الإنسانية في القطاع نتيجة الحصار والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بعد حرب الإبادة.

وأضافوا أن هذه الخطوة تأتي أيضا في سياق تعزيز الموقف السياسي السوري على المستوى الإقليمي، وتأكيدا على موقف دمشق الداعم للقضية الفلسطينية بعد عام من التغيرات السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد إثر سقوط نظام الأسد.

واعتبر نشطاء أن الهتافات تمثل صوت الشام المعروف، وتجسد وحدة الصف الفلسطيني السوري، مؤكدين أن بلادهم واحدة وجرحهم واحد، وأن الطريق من الشام إلى القدس يجمعهم مهما اشتدت الجراح، في رسالة رمزية قوية تعكس التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وأكد مدونون أن هذه اللحظة الرمزية تأتي بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، وفي وقت يواجه فيه قطاع غزة تحديات معيشية وأمنية كبيرة، ما يجعل أي دعم شعبي أو رسمي للقطاع محل متابعة واسعة واهتمام الرأي العام العربي والدولي.

واختتم مدونون بالقول إن هذه الرسائل تحمل دلالة رمزية كبيرة، مشيرين إلى أن التضامن مع غزة ليس مجرد شعارات، بل يعكس موقفا سياسيا وإنسانيا واضحا تجاه الشعب الفلسطيني.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

————————

هيومن رايتس ووتش: الحكومة السورية اتخذت خطوات إيجابية في العدالة والشفافية

كانون الأول 9, 2025  

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عبر موقعها الرسمي بمناسبة مرور عام على سقوط النظام البائد، إن الحكومة السورية “اتخذت خطوات إيجابية في مجال العدالة والشفافية والحقوق”، وشددت على ضرورة توفر دعم دولي لمعالجة المخاوف العالقة.

وقال نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش آدم كوغل، بحسب ما أورد التقرير الصادر في 8 كانون الأول: “خلقت نهاية حكم الأسد فرصة غير مسبوقة للسوريين لكسر عقود من الاستبداد وبناء بلد يحترم الحقوق، بعد مرور عام، هناك مؤشرات متزايدة على أن هذه الفرصة آخذة بالتقلص”.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة أبدت انفتاحاً أكبر على التعامل مع المنظمات الإنسانية الدولية والمستقلة، كما سمحت للمجتمع المدني بالعمل بشكل أكثر استقلالية، ونوّه بالخطوات التي اتخذتها الحكومة في إطار العدالة الانتقالية، وأبرزها إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”.

وأكد أن “للسوريين الحق في قيادة عملية الانتقال في البلاد في وضع مثالي”، مشيراً إلى مساهمة الأطراف الدولية بخبراتها وإشرافها “كجسر لإعادة بناء الثقة”.

وأوضح التقرير أن رفع العقوبات من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى ساهم في تمهيد الطريق لإعادة بناء الاقتصاد الذي دمرته الحرب والفساد الذي تفشى خلال حكم النظام البائد.

المصدر: الإخبارية

——————————–

==========================

تحدبث 08 كانون الأول 2025

————————————

مقالات وتحليلات

———————————-

محصّلة عام في سورية/ سميرة المسالمة

08 ديسمبر 2025

يمكن للسوريّين، على اختلافاتهم وتباين أحوالهم، تأريخ استعادة بلدهم من لحظة إعلان انهيار نظام الأسد (الأب والابن)، وهروب أزلامه، بغضّ النظر عن تصوّراتهم لشكل الحكم الذي يريدون تبنّيه في المرحلة المقبلة من عمر سورية، فمهمّة إعادة تعريف الهُويَّة الوطنية، وتشبيك الرؤى الجمعية، بعد زوال السبب الذي أعاق ذلك كلّه ستّة عقود عجاف، مريرة وقاسية، تأتي لاحقاً للاعتراف بأن سورية الجديدة بدأت مع حلول يوم تحريرها وانتصار ثورتها، التي استمرّت جذوتها منذ 18 مارس/ آذار 2011 وحتى لحظة سقوط النظام، وزوال آل الأسد من القاموس السوري الجديد يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024… هكذا، يمكن القول إن الخلاص من نظام الأسد “الأبدي” البائد هو ما يفسّر حالة الفرح عند معظم السوريين، الذين شعروا أنهم نجوا من الجحيم، فمنحوا ثقتهم للقيادة الانتقالية الجديدة، على أمل أن تعبُر بهم وببلدهم بأمان، أو بأقلّ قدر من الأثمان، المنعطفات الخطيرة والمعقّدة والمؤلمة، الناجمة عن تركة الدم والطائفية والخلافات المرجعية القومية الثقيلة التي خلّفها النظام الساقط، وعن التبعات الإقليمية المترتّبة من ذلك، بحكم موقع سورية الجغرافي ودورها عبر التاريخ، ونظراً إلى حال التنوّع في مجتمعها، إلا أنّ الثقة التي يضعها معظم السوريين في القيادة الانتقالية ليست مطلقةً أو بلا حدود، بل مشروطةٌ نابعةٌ من رغبتهم في فتح صفحة جديدة، فالسوريون، من خلال دعمهم هذه القيادة يعبّرون، أولاً، عن رفضٍ قاطعٍ للعودة إلى الوراء، سواء إلى شكل النظام السابق أو إلى أيٍّ من بقاياه. وفي الوقت نفسه، تعكس هذه الثقة آمالاً كبيرة بأن تتمكّن القيادة الانتقالية من التعامل بجدّية ومسؤولية مع التحدّيات السياسية المُعقَّدة التي تراكمت خلال سنوات الأزمة. إنهم ينتظرون منها طرح حلول واقعية، وإطلاق مسارات سياسية قادرة على بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً، بما يعيد إلى الدولة والمجتمع القدرةَ على النهوض من جديد.

بعد عام على تحمّل السلطة الجديدة المسؤولية، بات من الممكن تقديم بعض الملاحظات على أدائها، من خلال أسئلة من نوع: أين أصابت وأين أخفقت؟ وكيف يمكن الخروج من المأزق في هذه المسألة أو تلك؟ وبموضوعية شديدة، وفي محاولة لتوخّي الدقّة (وبقدر كبير من المسؤولية) يجدر بنا قبل الحديث عن التحدّيات التذكير بأن السلطة الانتقالية تحكم بلداً مُفقَراً، ومُدمَّراً، ومُفكَّكاً، سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وأمنياً، مع واقع من تدخّلات خارجية، دولية وإقليمية، مؤثّرة، وصاحبة قرار ونفوذ في الأرض السورية. وفوق ذلك كلّه، أنها تسلّمت مؤسّساتٍ حكوميةً متهالكة، ونظاماً عامّاً معظمه مُخترَق بالفساد والمحسوبيات، وفي حالة انهيار مع افتقارٍ إلى الموارد، وبنىً تحتيةً متهالكةً، وتدهوراً عامّاً لمستوى المعيشة، وفقداناً للطبقة المجتمعية الوسطى في مقابل بروز طبقة واسعة تحت خطّ الفقر، تُقدَّر بنحو 90%، وطبقة أثرياء حرب مُتنفِّذة.

القصد من الحديث الاعتراف بأن ما بين يدي السلطة الحالية (أو تحت حكمها) ليس دولةً طبيعيةً، ما يعني أن عليها مهمّة إعادة بناء الدولة والمجتمع، ربّما من نقطة الصِّفْر أو ما دونه، وهو ربّما يفسّر ثغراتٍ أو تخبّطاتٍ عديدة اكتنفت عمل الإدارة السورية الجديدة ومواقفها، خاصّةً ما يتعلّق بمسألة العدالة الانتقالية، وغيرها من قضايا ما زالت عالقة، وهو ما يحاول المقال التعرّض له.

احتلت مسألة العدالة الانتقالية حيّزاً كبيراً في خطابات السوريين، واستقطبت اهتماماً واسعاً من مسؤولين في القيادة الجديدة، إلا أن هذه المسألة ما زالت تواجه العثرات والقيود، منها الاجتماعية والقانونية. والسؤال: هل يقع التقصير على عاتق السلطة فقط، أم يشمل ذلك المجتمع السوري، وضمنه نخب المُعارَضة، أو المثقّفين أو المنظّمات المعنية؟ ومع تأكيد ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، تحتاج هذه المسألة إلى أدواتها المؤسّسية التي لا تزال قيد إعادة البناء، أو في مرحلة الاستعداد لها على قاعدة فصل السلطات، وتأكيد حقوق المواطنة المتساوية، فلا يستثني مفهوم العدالة الانتقالية أحداً، لأيّ سببٍ كان. وفي المقابل، التمييز بين القتال من أجل تحرير سورية من النظام الأمني القاتل، وقتل النظام الأسدي السوريين على خلفية معارضتهم السياسية له.

في معظم الأحوال، يجري نوعٌ من الخلط في التعامل مع فكرة العدالة الانتقالية. أولاً، باعتبارها نوعاً من انتقامٍ أو تعويضٍ عن ظلم، في حين يتعلّق الأمر بالإنصاف وتحكيم القانون. وثانياً، بإضفاء نوع من التعميم أو التنميط على طرف مُعيَّن، في حين يُفترض ملاحظة أن هذا التعميم بمثابة وصفة لدوام التشرذم في مجتمع السوريين، عدا عن أنه وصفة لنوع من حرب أهلية، الأمر الذي يتطلّب توضيحَ أن العدالة الانتقالية تشمل الطبقة السياسية التي كانت تتحكّم في القرار السياسي في البلد، في الحقبة السابقة، والشخصيات العسكرية أو الأمنية أو المليشياوية التي ارتكبت جرائم موصوفة ومحدّدة بحقّ السوريين. في السياق نفسه، من المفيد إدراك أن العدالة الانتقالية، في الخصوصية السورية المشار إليها أعلاه، لا يمكن أن تنبثق إلا ضمن حقوق المواطنة بالاستناد إلى دستور، ما يتطلّب تعزيز ثقافة الاعتراف والاعتذار والقبول المتبادل، على الصعيد الجمعي، وتأصيلها في القيم السائدة، وفي ذاكرة السوريين، واحدةً من الإجماعات الوطنية، التي تحول دون إعادة إنتاج نظام الاستبداد السابق، الذي عزّز مكانته بالقمع والفساد ونشر الكراهية.

ثانياً، ظلّت فكرة اللامركزية تلقي بظلالها السلبية الانفصالية في التفكير السياسي لدى المعارضة السائدة، وهذا ما انتقل أوتوماتيكياً إلى القيادة الانتقالية الجديدة، رغم محاولاتها التكيّف مع تلك الفكرة بشكلٍ ما، ردّاً على التحدّيات الناشئة في الجنوب والغرب والشمال الشرقي. بيد أنه كان يجدر النظر إلى هذا المصطلح باعتباره شكلاً من أشكال النظام السياسي، الذي يتمتّع بالمرونة في الإدارة، ومراعاة التمثيل، وتوزيع الموارد، وهي صفاتٌ تقوّي الدولة التي تفرض سيادتها في الأراضي السورية، وتمتلك الأجهزة المركزية والجيش والأمن والقرار السياسي والتمثيل الخارجي والثروات الباطنية وتوزيع الموارد المالية.

وفي كل الأحوال، معظم الدول القوية اليوم فيدرالية، أو لا مركزية، وبالإمكان النظر إلى نشوء نوع من النظام اللامركزي الإداري في سورية باعتباره استجابةً لمصلحة الشعب السوري كلّه، ولمصلحة الدولة، وحالةً من حالات تطوّر النظام السياسي ومنع تهميش المناطق البعيدة عن العاصمة. وللتوضيح، ما أتحدّث عنه نظام لا مركزي يتأسّس على الجغرافيا (تطوير قانون الإدارة المحلّية الحالي)، وليس على أساس قومي أو طائفي أو عشائري. ثالثاً، من فكرة اللامركزية إلى المسألة الكردية في سورية، التي خلقها النظام السابق، بمنعه حقوق المواطنة، وحرمانه لأكرادٍ كُثُرٍ من الجنسية، ومن الحقوق القومية. لذا، الانطلاق هنا من أن الكرد شعب ينتمي إلى قومية كبيرة، جُزِّئت بين دول عدّة، تماماً مثلما أن السوريين العرب ينتمون إلى أمّة كبيرة، لذا يفترض تفهّم أن استعادة ثقة الكرد، وصدّ النزعات الانفصالية، تتأسّس على الاعتراف بحقوق المواطنة لهم، أسوة بالسوريين الآخرين، بمعنى الاعتراف بحقوقهم مواطنين أفراداً، وبحقوقهم جماعةً قوميةً تشكّل جزءاً من الشعب السوري، أو الأمّة السورية، في دولة مواطنين.

رابعاً، مشكلة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، وارتباط هذا الأمر بالموقف الأميركي تجاه المنطقة عموماً، إذ تسعى الأطراف الدولية والإقليمية إلى هندسة الشرق الأوسط بعد اندحار المشروع الإيراني، وبعد تقويض قدرات الأذرع الطائفية التي تعمل في خدمة سياساتها. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الشرق الأوسط شهد تصاعدَ لاعبٍ جديدٍ ديناميكيٍّ هو السعودية، إلى جانب القوة الإقليمية التي تمثّلها تركيا الداعمة للحكومة الانتقالية، أي إن سورية بات يمكنها، في صدّ التدخّلات الإسرائيلية السياسية والأمنية، الاستناد إلى قوة عربية (السعودية وقطر) وقوة إقليمية، وهذا ما استثمرته السلطة الجديدة على أحسن وجه، بدلالة الموقف الأميركي الذي يشتغل بالتناغم مع الطرفَيْن المذكورَيْن لكبح جماح إسرائيل. إلا أن ذلك كلّه لا يغني القيادة الانتقالية الجديدة عن تعزيز شرعيتها وتقوية موقفها إزاء إسرائيل بالاعتماد أولاً على شعبها، وتعزيز نقاط قوتها ببناء رصيدها الشعبي من مختلف أطياف السوريين، بإقامة دولة تكون فيها المواطنة متساوية، وهي دولة المؤسّسات والقانون. وتالياً، التمسّك بمواقف الشرعية الدولية بخصوص حقّها في الجولان السوري المُحتَلّ، وفي شأن القضايا الدولية عموماً، ومنها دعم حقّ الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

العربي الجديد

———————————–

سنة سورية من دون آل الأسد… ولكن/ أحمد مظهر سعدو

08 ديسمبر 2025

مضت سنة على سقوط نظام الاستبداد الأسدي في سورية. سنة ليست كالسنوات كلّها، إذ استطاع الشعب السوري، ضمن ظروف دولية وإقليمية، أن ينهي حقبة طويلة من خطف آل الأسد الوطن السوري، حقبة من العسف والقهر وهدر إنسانية الإنسان، وزجِّ مئات آلاف في السجون والمعتقلات، وهو ما عمل الإنسان السوري عليه مديداً، وصولاً إلى لحظة انبلاج النور، ورؤية دمشق حقّاً بلا آل الأسد، وبلا أيّ معتقل من فروع القهر والظلم والظلام الفاشي. ولا مبالغة أبداً في وصف ذاك النظام الأسدي بالفاشي، لأن من يقتل شعبه بالسلاح الكيميائي والبراميل والصواريخ الباليستية، وكذلك في أقبية الظلام والمعتقلات، والمسلخ البشري في صيدنايا، لا يقال عنه إلا أنه نظام فاشي، هو وأدواته القمعية، وكل من يدعمه.

تُقبل سورية على مرحلة وحكم جديدين، تصبو فيهما إلى أن تصل إلى نموذج دولة المواطنة التي حُرم منها الشعب السوري طويلاً، وعاش عقوداً متوالية تحت حكم عصابات الأمن والمخابرات، وجمهورية الخوف، فلم تكن هناك قيمة للمواطن، ولا قدرة لأحد على أن يقول كلمة حقّ في وجه السلطان من دون أن يُزجَّ في معتقلات الموت، لأن من يخرج من سجون الأسد، كان كمن يعيش عمراً جديداً يضاف إلى عمره الذي سبق. يبقى السؤال المشروع والمطروح من معظم السوريين: هل كان العام الذي مضى من حالة ما بعد الأسد مريحاً ومحقّقاً للآمال فعلاً لا قولاً؟ وهل تمكّن الشعب من تحقيق آماله التي ضحّى من أجلها بأكثر من مليون سوري على مذبح الحرية والكرامة؟

أسئلة كثيرة تواكب هذه الوقفة، وتجعلنا، وبعقلانية سياسية، وضمن أجواء الحرية النسبية التي نعيشها، نقول إن التحدّيات كبيرة وكبيرة جدّاً، وإن حالة الدولة الواحدة الموحّدة المستقرّة لم تصبحْ في متناول اليد بعد، وما زالت مسألة بناء سورية وإعادة بناء قدراتها، ومن ثم المضي إلى الأمام، بعد الخراب الكبير الذي أوصلها إليه بشّار الأسد ونظامه الفاسد المُفسِد… ما زال ذلك كلّه صعبَ المنال، وتعتريه منغّصاتٌ ومعوقاتٌ كثيرة، ليس أولها ولا آخرها استباحات إسرائيل، وقضمها أراضي سورية، واعتداؤها على مواطنين سوريين، اعتقالاً أو قتلاً، وتمنّعها عن الانسحاب من الأراضي السورية التي دخلتها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2014، وفرط قوتها الذي يمنع أيَّ أحدٍ من إيقافها عند حدّها، ومن ثم تدخّلها في الواقع السوري، وادّعاؤها حماية الأقليات، وخصوصاً في الجنوب السوري، ثم توقّف المفاوضات بينها وبين الدولة السورية الجديدة ضمن شروط تعجيزية تضعها أمام المفاوض السوري، وصولاً إلى اتفاق أمني مفترض قد لا يمنع التعدّيات الإسرائيلية كما يبدو.

لم تتمكّن حكومة ما بعد كنس آل الأسد في دمشق من حلّ إشكالات الجنوب السوري في السويداء، ولم تتمكّن بعد من إعادة هذه المحافظة إلى الدولة الوطنية السورية، في سياق استمرار الضغط الإسرائيلي الذي يريد أن تكون السويداء دويلة مستقلة. كما لم تتمكّن حكومة دمشق من ضمّ شمال شرقي سورية إلى الدولة السورية، وما زال اتفاق 10 مارس (2025) لم يُطبَّق منه إلا النزر اليسير. ومع اقتراب المهلة التي أُعطيت للاتفاق كي يُنفَّذ، نهاية العام الحالي، تبقى عوامل كثيرة تلعب سلباً في عدم تنفيذه، وتبقى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) عقدة الحلّ برفضها الاندماج داخل مؤسّسات الدولة السورية العسكرية والمدنية، إلا وفق شروطها الصعبة، التي يمكن أن تفتح الباب على مصراعيه، في حال قبول دمشق بها، نحو الانفصال والتقسيم، وأعني مسألة الفيدرالية، واللامركزية السياسية على أساس عرقي وإثني، ضمن حالة من الاستنقاع، وعدم القدرة على الوصول إلى حلّ، وعبر حالة سحب البساط النسبي من الأميركيين (وليس الكلّي) من تحت أرجل “قسد”، حتى تبقى هذه عائقاً مستمرّاً لوحدة الوطن السوري. ناهيك عن إشكالات أمنية يومية شمال غربي سورية، مع دعوات خارجية إلى الحكم الذاتي للعلويين، وهو ما يقضّ مضجع السوريين الذين يطالبون بالتعجيل في محاسبة الجناة فيما حصل في الساحل السوري قبل ذلك.

تحدّيات كثيرة، واشتغالات متعدّدة من الحكومة، وتعويل على الخارج أولاً، وسط حالة من الترّيث عن فعل ما هو مطلوب في الداخل السوري، ضمن أجواء داخلية سورية تطالب بالاستعجال، عبر إطلاق مجلس الشعب الجديد، رغم عدم تلبيته متطلّبات الناس، والإسراع في العمل ضمن هيئة العدالة الانتقالية التي تسير وتتحرّك ببطء شديد لا يواكب حالة الغليان الكُبرى التي يعيشها السوريون، إذ لا سلمَ أهلياً من دون عدالة انتقالية حقيقية تُجبر الضرر، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتوقف أعمال القتل الثأري الفردي، التي قد تؤدّي إلى تقويض حالة السلم الأهلي برمّتها إن لم تُنجز ملفّات العدالة الانتقالية، ليس في السويداء والساحل فحسب، بل في بقاع سورية كلّها، بما فيها المناطق التي عانت طويلاً من عسف وقمع وهضم حقوق من آل الأسد، وأدوات السلطة التي حكمت سورية بالحديد والنار خمسة عقود ونيّف. ذلك هو الأهم في كل ما جرى في سورية خلال 14 عاماً من عمر الثورة السورية.

وإذا كانت التحدّيات كبيرة والآمال أكبر، فهل تمكّنت حكومة دمشق من تلبية متطلّبات الناس الخدمية والمعيشية؟ وهل تحسّن الوضع الاقتصادي، وبات السوري متشجّعاً، وخصوصاً من هم في الخارج، على العودة إلى الوطن؟ الجواب يقول: ما حصل عليه المواطن السوري قليل، وما زال هناك كثير من الهنّات والعثرات والانشغالات التي قد لا تدفع إلى مزيد من الاستقرار فيما لو استمرّت الأمور على هذا المنوال، فما زال السوري يحلم بوطن جديد يختلف كلّياً عمّا عاشه أيام المجرم الأسدي، خلال حقبة من أكثر الفترات التي مرّت على سورية دراماتيكية وعنفاً وهضماً للحقوق.

العربي الجديد

————————

سوريا ترتب أوراق البيت الداخلي: “الحوار الوطني” والسلطة التشريعية.. إشكالية التمثيل والدور/ محمد كاخي

لم ينتظر الثوار الداخلون إلى دمشق كثيرًا قبل أن يبدؤوا عملية إعادة ترتيب وهيكلة السياسات الداخلية في سوريا، فبعد أن قامت “إدارة العمليات العسكرية” بضبط العاصمة وحفظ الممتلكات العامة، أعلنت أن الحكومة الجديدة ستبدأ أعمالها فور تشكيلها.

وبينما تصدّرت أخبار هروب الأسد المخلوع الشاشات، كانت البلاد تُدفع إلى غرفة العمليات دفعة واحدة، فأجرت حكومة “الإنقاذ” التي عملت في إدلب سابقًا، في 9 من كانون الأول 2024، جلسة مع مسؤولين في حكومة النظام السوري السابق من أجل نقل المؤسسات وتسليم الملفات من الأخيرة إلى الحكومة الجديدة.

وبعد ذلك، كلفت “القيادة العامة” في سوريا، في 10 من كانون الأول 2024، محمد البشير رئيسًا لحكومة تسيير أعمال، وذلك لفترة مؤقتة حتى 1 من آذار 2025.

وفي 30 من آذار الماضي، أعلن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، تشكيل الحكومة السورية الانتقالية الجديدة، وقال الرئيس الشرع في مراسم إعلان الحكومة حينها، إن سوريا تشهد ميلاد مرحلة جديدة في مسيرتها الوطنية، وإن “البلاد تواجه تحديات كبيرة تتطلب منا التلاحم والوحدة”.

وحدد الشرع في اجتماعه الوزاري الأول الذي عقده مع وزراء الحكومة الانتقالية الجديدة، في 8 من نيسان الماضي، أولويات العمل الحكومي، والمسؤوليات التي تضطلع بها الوزارات المختلفة، مشددًا على أهمية ملف إعادة الإعمار، وضرورة وضع خطط استراتيجية لتنظيم المدن والبلدات، والترابط الحضاري والثقافي مع العمران ومراعاة أولوية المواطن السوري، وإصلاح الخراب الذي ألحقه النظام السابق ببنية الدولة، وخصوصًا في النظم الاقتصادية والمالية.

مؤتمر النصر.. البداية من “قصر الشعب”

وصلت قوات “إدارة العمليات العسكرية” إلى دمشق في 8 من كانون الأول 2024، بعد معركة استمرت 11 يومًا، بدأت من ريف حلب الغربي وانتهت في حمص، هرب إثرها رئيس النظام السوري المخلوع، بشار الأسد، إلى القاعدة الروسية في اللاذقية ومنها إلى موسكو.

وفي 29 من كانون الثاني الماضي، اجتمعت فصائل المعارضة المسلحة في قصر “الشعب” بدمشق، وأعلن المجتمعون من هناك انتصار الثورة السورية واعتبار 8 من كانون الأول من كل عام عيدًا وطنيًا، وتولية أحمد الشرع رئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، وحل حزب “البعث” وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وحظر إعادة تشكيلها، وحل الأجهزة الأمنية والجيش، وتشكيل مؤسسة أمنية جديدة وبناء جيش جديد على أسس وطنية، وحل مجلس الشعب، وإلغاء العمل بدستور سنة 2012، وحل جميع الفصائل العسكرية، والأجسام الثورية والسياسية والمدنية، ودمجها في مؤسسات الدولة.

    فصائل شاركت في مؤتمر النصر:

    هيئة تحرير الشام، حركة أحرار الشام، جيش العزة، جيش النصر، أنصار التوحيد، فيلق الشام، القوة المشتركة، جيش الأحرار، جيش الإسلام، جيش سوريا الحرة، حركة نور الدين الزنكي، الجبهة الشامية، حركة التحرير والبناء، فرقة السلطان مراد.

وغاب عن المؤتمر حينها كل من قائد “اللواء الثامن”، أحمد العودة، الذي أرسل ممثلين عنه إلى المؤتمر، بالإضافة إلى جميع قادة الفصائل في السويداء. وقال مصدر من السويداء لموقع “المدن” حينها، إن القادة جميعهم قاطعوا المؤتمر بقرار جماعي، بمن في ذلك قادة فصائل عشائر البدو، بسبب الاعتراض على طريقة دعوتهم إلى المؤتمر.

وذكر الموقع أن فصيلًا واحدًا فقط، لم يُسمّه، تلقى دعوة رسمية بشكل مباشر من قبل القائمين على المؤتمر، وقام هو بنفسه بتوزيع الدعوات على الباقين، مما سبّب حالة من الامتعاض بينهم، لاعتبارها “دعوة رفع عتب”. وقال، “كانت هناك مواقف متفاوتة، فهناك فصائل كانت لديها رغبة بالحضور، بينما أخرى اعترضت على شكل الدعوة وطريقة توجيهها، وعدم معرفة أجندة المؤتمر، ودورها فيه”، وبالتالي فإن غيابها لا يعتبر عداء ودخولها بخلافات مع الشرع.

مؤتمر الحوار الوطني.. “قسد” غائبة

انطلقت أعمال مؤتمر الحوار الوطني السوري في 24 من شباط الماضي بدمشق، وسط حضور تجاوز 600 مشارك من محافظات مختلفة، في المحطة السياسية التي وُصفت بأنها “اختبار أولي لجدية المرحلة الانتقالية”.

وتناقش المجتمعون عبر ست ورشات عمل مخصصة لقضايا العدالة الانتقالية والبناء الدستوري وإصلاح المؤسسات والحريات العامة ودور المجتمع المدني والمبادئ الاقتصادية.

ورغم تأكيد اللجنة التحضيرية أن المؤتمر ثمرة أكثر من 30 لقاء نفذتها في المحافظات واستفادت خلالها من نحو أربعة آلاف مشاركة وقرابة 2200 مداخلة مكتوبة، تعرضت العملية لانتقادات حادة تتعلق بآلية الدعوات وغياب معايير واضحة للتمثيل، إلى جانب وصول الدعوات قبل أقل من 48 ساعة من الافتتاح، ما دفع شخصيات سياسية وأكاديمية إلى الاعتذار عن عدم الحضور.

وفي الجلسات التحضيرية التي سبقت المؤتمر، ظهرت شكاوى من فوضى في إدارة الحوار وتجاوز جدول الأعمال، في وقت قالت فيه اللجنة، إن التوصيات النهائية ستُبنى عليها خطوات إعلان دستوري مؤقت وخطط إصلاح مؤسسي.

ومع غياب جدول زمني كافٍ لنقاش الملفات الأساسية، راهن القائمون على أن يشكل المؤتمر “مدخلًا” لصياغة عقد اجتماعي جديد، في حين يراه منتقدوه خطوة رمزية لا ترقى لمستوى الاستحقاقات العميقة المتعلقة بعلاقة السلطة مع القوى المحلية، ومستقبل الإدارة في الشرق والجنوب، وشكل النظام الدستوري المقبل.

وغاب كل من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وحزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) عن المؤتمر، وسط سجالات متبادلة بين اللجنة التحضيرية والقوى السياسية في شمال شرقي سوريا. وقال المتحدث باسم اللجنة التحضيرية حينها، حسن الدغيم، في مؤتمر صحفي حضرته عنب بلدي، في 13 من شباط الماضي، إن “قسد” لا تمثل الكرد ولن تُدعى إلى المؤتمر، معتبرًا أن “لا أحد يملك امتيازًا أو جزءًا محتجزًا من الوطن”، ومشددًا على أن المشاركة محصورة بمن “يلقون السلاح ويندمجون في مؤسسات الدولة”.

وعلى الجهة المقابلة، رفضت قيادة “الاتحاد الديمقراطي” الاعتراف بشرعية المؤتمر أو مخرجاته، وقال عضو الهيئة الرئاسية للحزب صالح مسلم، إن المؤتمر “لا يمثل فسيفساء المجتمع السوري”، وإن مناطق شمال شرقي سوريا “غير ملزمة بتطبيق قراراته”، معتبرًا أن تغييب مؤسسات “الإدارة الذاتية” و“مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) محاولة لإقصاء المكوّنات التي تسيطر على المنطقة.

    من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني:

        الحفاظ على وحدة الجمهورية العربية السورية ورفض التقسيم.

        إدانة التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية والمطالبة بالانسحاب الفوري وغير المشروط.

        حصر السلاح بيد الدولة، وبناء جيش وطني احترافي.

        الإسراع بإعلان دستوري مؤقت يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية.

        ضرورة الإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت الذي سيضطلع بمهام السلطة التشريعية وفق معايير الكفاءة والتمثيل العادل.

        تشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة دستور دائم للبلاد.

        تعزيز الحرية كقيمة عليا في المجتمع.

        احترام حقوق الإنسان، ودعم دور المرأة في كافة المجالات، وحماية حقوق الطفل، ورعاية الإعاقة، وتفعيل دور الشباب في الدولة والمجتمع.

        ترسيخ مبدأ المواطنة، ونبذ كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بعيداً عن المحاصصة العرقية والدينية.

        تحقيق العدالة الانتقالية من خلال محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإصلاح المنظومة القضائية، وسن التشريعات اللازمة والآليات المناسبة لضمان تحقيق العدالة، واستعادة الحقوق.

        ترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب السوري، ونبذ كافة أشكال العنف والتحريض والانتقام بما يعزز الاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي

        إصلاح المؤسسات العامة وإعادة هيكلتها والبدء بعملية التحول الرقمي، والنظر في معايير التوظيف على أساس الوطنية والنزاهة والكفاءة.

        ضرورة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في دعم المجتمع.

        تطوير النظام التعليمي وإصلاح المناهج، ووضع خطط تستهدف سد الفجوات التعليمية، وضمان التعليم النوعي، والاهتمام بالتعليم المهني لخلق فرص عمل جديدة.

رجال دين يصافحون الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع – 25 شباط 2025 (مؤتمر الحوار الوطني السوري)

رجال دين يصافحون الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع – 25 شباط 2025 (مؤتمر الحوار الوطني السوري)

الإعلان الدستوري.. عهد جديد للتشريع

تسلّم الرئيس السوري، أحمد الشرع، في 13 من آذار الماضي، المسودة النهائية للإعلان الدستوري من لجنة الخبراء التي شُكّلت مطلع الشهر ذاته، ليوقّع عليها معلنًا بدء مسار دستوري جديد قال إنه يهدف إلى “استبدال الجهل بالعلم والعذاب بالرحمة”.

وعلى امتداد أسبوعين من النقاشات، اعتمدت اللجنة، المؤلفة من سبعة أكاديميين وقانونيين سوريين، على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني و“العرف الدستوري” للبلاد، لتضع مسودة مؤلفة من أربعة أبواب تحدد ملامح الحكم خلال السنوات الخمس الانتقالية، بفصل تام بين السلطات، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، ومنح مجلس الشعب السلطة التشريعية كاملة، مقابل سلطة تنفيذية يمسك بها الرئيس.

وأوضحت اللجنة أن الإعلان يتضمن ضمانات للحقوق والحريات، وتأكيدًا على استقلال القضاء، وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وتأسيس هيئة عليا للانتخابات وأخرى للرقابة الدستورية، إلى جانب نصوص ترسخ وحدة البلاد، وتكفل حقوق الملكية وحقوق المرأة، وتحصر السلاح بيد الدولة، وتضع الجيش في موقع “حماية الوطن والمواطن”.

كما تضمّن الإعلان الدستوري مادة تجرّم تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، وتعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها، جرائم يعاقب عليها القانون.

انتخابات “هجينة” لمجلس الشعب

فوّض قادة الفصائل في مؤتمر النصر، الرئيس أحمد الشرع بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، إلا أن الإعلان الدستوري الذي صدّق عليه الشرع في 13 من آذار الماضي، تضمنت المادة “24” منه تشكيل لجنة لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، مع تعيين الرئيس ثلث أعضاء المجلس فقط، وهو ما يدعى قانونيًا بـ”الآلية الهجينة” (التعيين والانتخاب غير المباشر).

ويتم اللجوء إلى تلك الآلية عادة في بيئات شديدة التعقيد، عبر القيام بدمج أسلوب التعيين والتمثيل القطاعي أو المناطقي أو القوى السياسية والمجتمعية، والتي رآها الحقوقي والباحث في مركز “الحوار السوري” نورس العبد الله، آلية واقعية، خصوصًا في الأشهر الأولى للمرحلة الانتقالية، وذلك لأولوية الدور المطلوب من مجلس الشعب في المرحلة الحالية، وهي أدوار استثنائية مرتبطة بإحداث ثورة قانونية تستجيب للتغيرات على أرض الواقع أكثر من الدور السياسي، بحسب العبد الله.

وعقب تشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” في 13 من حزيران الماضي، أصدرت النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب في 20 من آب، بعد أن صدّق عليه الرئيس السوري، أحمد الشرع، وتضمّن النظام تشكيل لجان قانونية، ولجان طعون، ولجان فرعية، مهمتها تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها تحت مظلة “اللجنة العليا”.

قامت العملية الانتخابية بحسب النظام الانتخابي الذي أصدرته “اللجنة العليا”، على إحداث لجنة انتخابات فرعية في كل دائرة انتخابية بالمحافظات، وتقوم هذه اللجان، بعد التشاور مع المجتمعات والفعاليات الرسمية المحلية بتعيين الهيئة الناخبة، التي ستقوم بانتخاب أعضاء مجلس الشعب من ضمن أعضائها.

وتم حساب عدد أعضاء الهيئة الناخبة في كل دائرة انتخابية، بضرب عدد المقاعد المخصص لتلك الدائرة بالرقم 50، فمثلًا، عدد مقاعد محافظة حلب هو 32، وبالتالي عدد أعضاء الهيئة الناخبة في المحافظة هو 1600، بعد ضربه بالرقم 50.

ويجب أن تتوفر في عضو مجلس الشعب مجموعة من الشروط، أهمها “ألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابية بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج”.

وفي 6 من أيلول الماضي، أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب القرار رقم “66”، والمتضمن النتائج الأولية لانتخابات مجلس الشعب للدوائر الانتخابية في المحافظات السورية.

وأظهرت نتائج الانتخابات ضعف التمثيل النسائي إذ شكلت النساء نحو 14% من المرشحين، و4% فقط من الناجحين. كما ترشح الحاخام هنري حمرا كأول يهودي سوري يترشح لمنصب في سوريا منذ أن فرض الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد قيودًا على الجالية اليهودية في البلاد عام 1967، إلا أنه لم ينجح لاحقًا بالفوز في مقعد عن محافظة دمشق.

“بناء جسور حقيقية” مع الشعب

قال عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أنس العبدة، إن نحو 800 قانون سارٍ في سوريا تسبب ضغطًا كبيرًا على المواطنين والوزارات وتحتاج إلى إعادة نظر للتعديل أو الإلغاء.

وأضاف العبدة في مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية” الحكومية، في 1 من تشرين الثاني الماضي، أن القوانين والتشريعات تمرر وفق موافقة الأغلبية أو الثلثين عند الحاجة، مشيرًا إلى أن المجلس سيعمل على إقرار قوانين تعزز الخدمات وتخفف الأعباء عن المواطنين.

العضو في مجلس الشعب نور جندلي، قالت لعنب بلدي، إن ⁠⁠أولى مهام المجلس بعد القسم ستكون صياغة نظام داخلي عصري وشفاف ينظم آلية العمل داخل المجلس، ويحدد صلاحيات اللجان ويعزز الرقابة ويرسخ استقلالية المؤسسة التشريعية.

وسيعمل المجلس، وفق جندلي، على تحديد أولويات القوانين الأكثر إلحاحًا كل حسب اللجان التي سيكون ضمنها، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الحوكمة والإصلاح، ثم البدء بإعدادها بطريقة منهجية تُلبي حاجات المواطنين.

واعتبرت جندلي، في حديثها إلى عنب بلدي، أن أهم ركائز المرحلة هي بناء جسور حقيقية بين الناس والمجلس عبر اللقاءات الدورية، وفتح أبواب المجلس أمام آراء المواطنين ومطالبهم.

كيف يمارس البرلمان أدواره الرقابية على السلطة التنفيذية؟

تُرسم مساحة العمل المتاحة لمجلس الشعب في المرحلة الانتقالية داخل حدود مشددة يفرضها الإعلان الدستوري لعام 2025 وطبيعة النظام الرئاسي المعمول به، بحسب الخبراء الذين قابلتهم عنب بلدي.

الدكتور في القانون العام وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري أحمد قربي، قال لعنب بلدي، إنه عند الحديث عن الرقابة البرلمانية وحدودها، يجب أن نستحضر الإطار الدستوري، فنحن حاليًا في ظل نظام رئاسي فيه فصل جامد ما بين السلطات، وبالتالي هذا يعني أن السلطة التشريعية لا يمكن أن تتدخل في عمل السلطة التنفيذية، وأيضًا السلطة التنفيذية لا يمكن أن تتدخل في عمل السلطة التشريعية، فأول إطار هو الإطار القانوني والدستوري الذي يحدد أن هناك فصلًا بين السلطتين.

وقال الباحث القانوني والسياسي فراس حاج يحيى، إن المجلس يمتلك صلاحية التشريع، لكنه ملزم بمواءمة أي قانون مع المبادئ الحاكمة للمرحلة الانتقالية، مثل العدالة الانتقالية والفصل الصارم بين السلطات، ما يعني أن وظيفته التشريعية “مقيّدة” بإعادة بناء الدولة لا بإعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة.

ويرى حاج يحيى أن الرقابة البرلمانية مشروطة أيضًا، إذ يجري تنفيذها ضمن إطار “الرقابة التشاركية” التي لا تستهدف الصدام مع السلطة التنفيذية نظرًا إلى طبيعة المرحلة التي تقوم على تثبيت الاستقرار وبناء مؤسسات، لا على تعطيلها.

ويمكن الاعتماد على أدوات رقابية “منخفضة الكلفة السياسية”، بحسب الدكتور في القانون العام أحمد قربي، مثل جلسات الاستماع، وتلقي الشكاوى، والبيانات، وتشكيل لجان التحقيق، دون الوصول إلى مستويات الحجب أو المساءلة السياسية.

في المقابل، أكد الباحث القانوني نورس العبد الله أن الدور الرقابي حق أصيل للمجلس حتى في ظل نظام رئاسي، لكن نطاقه يتحدد بغياب أدوات مثل حجب الثقة، مقابل إمكان استخدام التحقيق البرلماني والتشريع نفسه كوسيلة رقابية حتى وإن لم تُذكر نصًا في الإعلان الدستوري.

يقف مجلس الشعب القادم أمام واحدة من “أكثر اللحظات حساسية” في التاريخ السياسي السوري، إذ يُطلب منه أداء يتجاوز مهامه الدستورية التقليدية ليصبح رافعة للانتقال السياسي وبناء الشرعية الجديدة، بعد عقود من تعطل الحياة البرلمانية وتحويل المؤسسة التشريعية إلى واجهة شكلية، بحسب الخبراء.

يرى الباحث القانوني والسياسي فراس حاج يحيى، أن المجلس مطالب قبل أي شيء بإنجاز “تشريعات المرحلة الانتقالية”، التي تمثل العمود الفقري لعملية التحول السياسي، وتشمل قوانين العدالة الانتقالية، والعزل السياسي، وإدارة الموارد الطبيعية، وتنظيم عمل الأحزاب والإعلام، وإصلاح قطاع الأمن المحلي. ويجب أن تُصاغ هذه القوانين، بحسب يحيى، بما ينسجم مع الإعلان الدستوري ومبادئ حقوق الإنسان، باعتبارها الأساس الذي يحدد شكل الدولة الجديدة وحدود السلطات فيها.

وعلى المستوى الرقابي، يتحدث حاج يحيى عن ضرورة أن يمارس المجلس رقابة مؤسساتية وشفافة على عمل الحكومة، وأن يتابع خططها في ملفات الإعمار، ومكافحة الفساد، والسياسات الاقتصادية، ويجب أن تكون رقابة “فعّالة وغير شكلية”، وتُرسّخ مبدأ عدم الإفلات من المساءلة، بما يعيد الاعتبار لدور البرلمان كسلطة قائمة بذاتها.

كما يُنتظر من المجلس أن يكون شريكًا في إطلاق النقاش الدستوري، وفق ما ينص عليه الإعلان الدستوري، عبر لجان متخصصة وحوارات مجتمعية واسعة، لإنهاء مرحلة الشرعية الثورية وفتح الباب أمام شرعية دستورية مستقرة، ويُضاف إلى ذلك دور تمثيلي يُفترض أن يعلو على لغة السلطة، ليعكس أصوات الفئات المهمشة والمتضررة، من ذوي الإعاقة وأهالي الضحايا والنازحين وسكان المناطق المتأثرة بالنزاع.

من جهته، يصف الباحث في مركز “الحوار السوري” نورس العبد الله، حجم المهام الملقاة على المجلس بأنها “هائلة”، ويرى أن هذه المؤسسة تعود اليوم لتكمّل “ثلاثية السلطة” بعد أن كانت غائبة لعقود، وسيكون الجهد التشريعي المحدد الأساسي للاستجابة للتغيرات الواقعية المتوقعة في سوريا، وأن العلاقات الخارجية والاتفاقيات الدولية ستخضع لموافقة المجلس، ما يضعه في موقع “هندسة علاقة الدولة بالعالم”.

ويرى العبد الله أن الخطوة الأولى للمجلس، أي الصورة الذهنية التي سيبنيها لدى المجتمع، ستكون حاسمة في تحديد نجاحه أو فشله في السنوات المقبلة.

ويعتبر الدكتور في القانون العام أحمد قربي، أن المهمة الأولى للمجلس هي “استعادة الثقة” وتغيير الصورة الذهنية المتوارثة عن المؤسسة التشريعية، التي ارتبطت طويلًا بـ”مجلس التصفيق” الخاضع للأجهزة الأمنية، ويشدد على ضرورة أن يمثل المجلس الإرادة الشعبية لا مصالح السلطة التنفيذية، وأن يبرهن منذ اللحظة الأولى أنه مؤسسة منتخَبة تعبّر عن المواطنين.

ويحتاج المجلس إلى نهج يقوم على “التكامل دون التبعية” مع السلطة التنفيذية، بحسب قربي، كتلك التي شهدتها دولة جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري، حين مُنحت الحكومة صلاحية اقتراح القوانين لتسريع الاستجابة للأولويات الوطنية، مع بقاء البرلمان مستقلًا في الرقابة والتعديل. ويتطلب الوضع الاقتصادي والأمني والسياسي في سوريا اليوم مقاربة مشابهة، تقوم على التعاون في الملفات السيادية مثل التعامل مع إسرائيل، أو مواجهة النزعات الانفصالية، مع الحفاظ على استقلالية البرلمان في القضايا الخلافية، وفق قربي.

اتفاق 10 من آذار.. حل ينتظر التطبيق

توصل الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في 10 من آذار الماضي، إلى اتفاق ينص على دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية.

وجرى الاتفاق على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.

وبحسب بنود الاتفاق، فالمجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وحقوقه الدستورية.

وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.

واتفق الرئيس السوري مع مظلوم عبدي، على ضمان عودة جميع المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم وتأمين حمايتهم من الدولة السورية، بالإضافة إلى دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول النظام وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.

إلا أن طرفي الاتفاق اختلفا على آلية تطبيق بنود الاتفاق، خصوصًا المرتبطة بدمج القوات العسكرية والأمنية الخاصة بـ”قسد” ضمن المؤسستين الأمنية والعسكرية السورية. وتبادل الطرفان اتهامات التأجيل والإبطاء في تنفيذ بنود الاتفاق، ففي حوار مع مجلة “المجلة”، في 20 من تشرين الثاني الماضي، قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إنهم قدموا لـ”قسد” كل شيء في سبيل تيسير الاتفاق، وكذلك مظلوم عبدي قال في حوار مع وكالة “ميزوبوتاميا”، في 23 من تشرين الثاني الماضي، إن الأمور الإيجابية التي تتم مناقشتها في المفاوضات لا تطبق على أرض الواقع.

تباطؤ “مقصود”

يتواصل تباطؤ تنفيذ اتفاق 10 من آذار رغم مرور أشهر على توقيعه، وسلسلة اجتماعات شارك فيها وسطاء إقليميون ودوليون. فبينما أُنجزت تفاهمات أولية حول الشق العسكري، ومنها تحويل “قسد” إلى ثلاث فرق عسكرية وألوية تُربط رسميًا بالجيش السوري، إضافة إلى دمج الأجهزة الأمنية ضمن وزارة الداخلية، تبدو هذه الخطوات، كما يوضح الباحث في “المركز الكردي للدراسات” طارق حمو، الأقل إشكالية في مسار التفاوض.

فجوهر الخلاف، بحسب حديث حمو إلى عنب بلدي، يكمن في الملفات ذات الطابع السياسي والدستوري، وأبرزها الاعتراف الدستوري بالكرد في سوريا، وصياغة نموذج لامركزي واضح، ومعالجة أوضاع مناطق مثل عفرين ورأس العين التي شهدت تغييرات ديموغرافية واسعة، وتعوق هذه النقاط، بحسب حمو، التقدم الحقيقي، إذ ترتبط بطبيعة الدولة وبشكل مشاركة “قسد” المستقبلية في الحكم، وليس فقط بإعادة ترتيب البُنى العسكرية.

ويقارب الباحث أيمن الدسوقي أسباب التباطؤ من زاوية أخرى، معتبرًا أن الاتفاق نفسه لم يتجاوز مرحلة “الإطار العام”، مع اختلاف جوهري في تفسير غايته. ففي حين ترى “قسد” أن الاتفاق بوابتها للمشاركة السياسية في السلطة، تنظر إليه الحكومة كمسار لبسط سيادة الدولة على كامل الجغرافيا السورية. ويترافق ذلك مع حساسية عالية داخل قواعد الطرفين الاجتماعية تجاه أي تنازلات، ما يجعل كل خطوة تفاوضية خاضعة لحسابات داخلية دقيقة، بالإضافة إلى ما تلعبه المواقف الإقليمية في الدفع أو التعطيل، وفقًا للدسوقي.

في حين يربط الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، التباطؤ بعاملين رئيسين: الأول، غياب الرغبة لدى “قسد” بتنفيذ البنود التي قد تُفكك شبكتها العسكرية والأمنية والمدنية التي بُنيت خلال أكثر من عقد، والثاني غياب القدرة على تنفيذ بنود أخرى بسبب عدم سيطرة القيادة المحلية على كل مراكز النفوذ، وذلك بسبب تأثير حزب “العمال الكردستاني” على مفاصل القرار داخل “قسد”.

وفي المقابل، يشير شواخ إلى أن الحكومة السورية اتخذت خطوات تنفيذية في بدايات الاتفاق، من تسهيل الحركة والأنشطة المدنية، إلا أن بعض مطالب “قسد” تكاد تكون تعجيزية، إذ تتعلق بتغيير اسم الدولة وشكل النظام السياسي، وهي ملفات دستورية لا تقع ضمن صلاحيات الحكومة في المرحلة الحالية، ما يجعلها أقرب إلى آلية لكسب الوقت أو إفشال الاتفاق من دون إعلان ذلك، وفق شواخ.

أمريكا تضغط على “طفلها المدلل”

يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ، أن مجمل التطورات الأخيرة التي كان آخرها انضمام سوريا إلى “التحالف الدولي”، تعكس تصاعدًا واضحًا في مستوى الضغط الأمريكي على “قسد”، وهو ضغط مرشح للزيادة خلال الفترة المقبلة، سواء عبر مواقف علنية أو من خلال تواصل مباشر غير معلن بين واشنطن وقيادة “قسد”. ولا يستبعد شواخ اتخاذ واشنطن خطوات ميدانية تعزز هذا الضغط، مثل الانسحاب من بعض النقاط أو القواعد العسكرية الحساسة كالتي في الحسكة مثلًا.

ويضع شواخ هذه التطورات في سياق علاقة واشنطن بكل من أنقرة ودمشق، وأن الولايات المتحدة هي الضامن الأبرز لوقف إطلاق النار خلال العام الماضي بين الأطراف الثلاثة: تركيا، الحكومة السورية، “قسد”، ويبدو أن واشنطن تتجه نحو تكثيف الضغط على أي طرف يتباطأ في تنفيذ اتفاق 10 من آذار، مع ترجيح أن يكون الجزء الأكبر من هذا الضغط موجهًا نحو “قسد” نفسها، للأسباب البنيوية والسياسية التي سبق عرضها، تابع شواخ.

في المقابل، يرى الباحث في “المركز الكردي للدراسات” طارق حمو، أن انضمام الحكومة السورية إلى “التحالف الدولي” خطوة تحمل دلالات مهمة، لكنها لا تزال رهينة “اختبار جديّة” من قبل دول التحالف، فبرأي حمو، التحالف لن ينقل علاقاته نحو دمشق من دون التأكد أولًا من قدرتها على خوض معركة حقيقية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” والفصائل المصنفة على لوائح الإرهاب مثل “حراس الدين” و”أنصار السنة”.

ويرى حمو أن انضمام دمشق إلى التحالف قد يفتح باب تقارب أكبر بينها وبين “قسد” بحكم وجود الطرفين داخل الإطار الدولي نفسه، غير أن هذا الاحتمال مشروط بامتثال الحكومة لمعايير صارمة وبتقديم سلوك جاد في مكافحة الإرهاب، ما قد يسمح لها بالاستفادة من خبرة “قسد” الواسعة في هذا المجال.

ومع ذلك، يؤكد حمو أن من المبكر الحديث عن تحوّل الحكومة إلى شريك فعلي يمكن للتحالف الاعتماد عليه، أو عن فكرة استبعاد “قسد”، التي تمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرة والتعاون الميداني لا يمكن الاستغناء عنه بين ليلة وضحاها لمصلحة طرف لم يُثبت بعد قدرته أو نياته، ولا تزال تحيط به شكوك تتعلق بطبيعة بنيته الفصائلية.

“خارطة الطريق” في السويداء.. لا حل حتى الآن

بدأت أحداث السويداء في 12 من تموز الماضي، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، لتتطور بعدها إلى اشتباكات.

وتدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز الماضي، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.

وفي 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية عنيفة، أعقب ذلك انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، قامت بها الفصائل الدرزية، الأمر الذي أدى إلى توجه أرتال على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم، الأمر الذي تطور لاحقًا إلى انتهاكات بحق المدنيين من أبناء محافظة السويداء من الطائفة الدرزية ومن البدو، ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 1013 شخصًا في المحافظة، خلال تموز الماضي، كما أسفرت أعمال العنف عن إصابة ما لا يقل عن 986 شخصًا بجروح متفاوتة الخطورة من مختلف الأطراف.

وبعد ذلك، في 16 من أيلول الماضي، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا عن التوصل إلى خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء، عقب لقاء ثلاثي في دمشق جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك.

وجاء الاجتماع استكمالًا لمباحثات سابقة استضافتها العاصمة الأردنية عمان بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء، والتوصل إلى حلول تعالج التوترات التي شهدتها المحافظة في الأشهر الماضية.

وبحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية والمغتربين السورية، والمنشور عبر صفحتها في “فيسبوك”، فقد اعتمد المجتمعون خارطة طريق تؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن أبناءها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، مشيرين إلى أن إنهاء فجوة الثقة بين الحكومة والسكان يتطلب خطوات متدرجة لإعادة بناء الثقة وإعادة دمج المحافظة بالكامل في مؤسسات الدولة.

الاتفاق مع إسرائيل بداية الحل في السويداء

تحاول إسرائيل الضغط لاستمرار اللعب بورقة السويداء، فبحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، في 26 من أيلول الماضي، واجهت جهود التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل “عقبة” في اللحظة الأخيرة بسبب مطلب الأخيرة السماح لها بفتح “ممر إنساني” إلى محافظة السويداء جنوبي سوريا.

ونقلت الوكالة عن أربعة مصادر مطلعة على المحادثات، أن الاتفاق تعثر بسبب الطلب الإسرائيلي المتجدد بممر إنساني من إسرائيل إلى السويداء.

ويجدد وزراء إسرائيليون تصريحاتهم حول حماية الدروز في السويداء، وأنهم مستعدون دومًا للتدخل من أجلهم في سوريا.

يرى المحلل السياسي محمد حمادة، أن الولايات المتحدة، وخصوصًا إدارة الرئيس دونالد ترامب، ستتدخل كما فعلت سابقًا لفرض اتفاق بين سوريا وإسرائيل “بأي ثمن”، انطلاقًا من قناعة أمريكية بأن هذا الملف يجب أن ينجز في المرحلة المقبلة، في ظل ما يصفه بـ”الضرورة الإقليمية والدولية لاستقرار المنطقة”.

ويذهب حمادة إلى أن انعكاسات الاتفاق المحتمل ستظهر بوضوح في محافظة السويداء، إذ يعتبر أن ما يجري هناك يستند إلى “غطاء إسرائيلي”، وأن سقوط هذا الغطاء سيُفضي إلى طيّ الملف كما طُويت ملفات كثيرة سابقة بمجرد تغيّر الاصطفافات الدولية.

حمادة قال، في حديثه إلى عنب بلدي، إن ما يُعرف بـ”الحرس الوطني” في السويداء “يعتاش على استمرار الخلاف السوري- الإسرائيلي”، وهو يفتقر إلى رؤية داخلية أو فهم لمعادلات الإقليم، والمرحلة المقبلة ستشهد إعادة تشكيل للمنظومة الأمنية في السويداء عبر قوى محلية من أبناء المحافظة، إلى جانب شخصيات مثل سليمان عبد الباقي والشيخ ليث البلعوس، مع مشاركة العائلات والمرجعيات الوطنية التي تعتبر دمشق بوصلتها الأساسية، في إدارة الأمن وإنهاء نفوذ شبكات الخطف والتهريب وتجار المخدرات التي استفادت من حالة الفوضى خلال السنوات الماضية.

قوى محلية “تعتاش” على الفوضى

الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان، قال لعنب بلدي، إن القوى المحلية التي سلبت قرار محافظة السويداء تعمل وفق استراتيجية تقوم على “إبقاء الوضع كما هو”، دون دفعه نحو الانهيار الكامل أو السماح بنجاح مسار يجردها من السلطة التي راكمتها خلال الفترة الماضية.

ويرى شعبان أن هناك قبولًا دوليًا بـ”الخارطة” التي صيغت في عمّان، وأن المشكلة لا تكمن في رفض أهالي السويداء لـ”خارطة الطريق” أو للحل المطروح بحد ذاته، بل في وجود “قوى ميليشياوية” تفرض سيطرتها على المحافظة وتمنع أي تحول فعلي نحو الاستقرار، فكثير من الشخصيات الوطنية داخل السويداء تُبدي رغبة صادقة في الانتقال نحو وضع أفضل، لكنها تصطدم بواقع تتحكم به مجموعات مسلحة تعوق حركة الناس وتفرض قيودًا حتى على التنقل إلى دمشق من دون “مبرر مقنع”.

وتستفيد هذه المجموعات، وفق شعبان، من بقاء الحالة المضطربة لأنها تضمن استمرار نفوذها القائم على شبكات تجارة السلاح والمخدرات، وحماية كوادر ترتبط بأجهزة أمنية سابقة أو بجهات خارجية.

عنب بلدي

———————————-

عام بلا أسد.. سوريا بوصفها غنيمة حرب/ غزوان قرنفل

بعد عام واحد فقط بلا الأسد ومنظومته العسكرية والأمنية، تبدو سوريا وكأنها تدخل طورًا جديدًا من التصدع البنيوي، لا يقل خطورة عمّا شهدته خلال العقود الماضية، فالأوضاع التي تعيشها البلاد اليوم ليست مجرد امتداد لسياسات القمع والاستبداد التي حكمت سوريا لأكثر من نصف قرن، بل هي نتيجة مباشرة لتحويل الدولة إلى فضاء مفتوح لإعادة اقتسام النفوذ والثروة والسلطة، وكأن البلاد غنيمة حرب تتناهشها القوى المختلفة المحلية والإقليمية والدولية.

في هذا السياق، يمكن ملاحظة تحولين جوهريين يجعلان من إعادة بناء الوطنية السورية على أساس المواطنة المتساوية تحديًا يقارب المستحيل في المدى المنظور.

التحول الأول يتعلق بالانتماء الوطني وتصدع البنية المجتمعية، فقد كان يفترض أن يشكل غياب الأسد وعصبته عن السلطة فرصة لإطلاق مسار وطني يعيد لحمة السوريين التي مزقتها آلة الحرب، غير أن ما حصل على الأرض كان يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، فغياب أجندة العمل الوطنية وتفرد القوى المنتصرة، وانفلات القوى المحلية المسلحة، كل ذلك أدى إلى خلق أزمة وطنية استغلتها أطراف متعددة لتصفية حسابات قديمة، أو لفرض واقع جديد على مجتمعات محلية أنهكتها الحرب، فالسوريون الذين عاشوا عقودًا ضمن بنية وطنية هشة أصلًا، يجدون أنفسهم اليوم أمام جروح جديدة تضاف إلى تراكمات الماضي، فالمجازر التي ارتكبت ضد المدنيين في الساحل وفي السويداء خلال الأشهر الماضية، وما يشاع عن تحضيرات لعمل عسكري في شمال شرقي سوريا، كلها وقائع تعيد إلى الأذهان أكثر المراحل ظلامية في تاريخ البلاد، وتدفع قطاعات واسعة من السوريين إلى الانكفاء نحو هوياتهم الأولية ما دون الوطنية، من طائفية وعشائرية ومناطقية.

غني عن القول إن هذه التطورات والمؤشرات، لا تسهم بأي شكل في بناء وطن جديد يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بل على العكس، هي تعزز فرص الانقسام وترسم ملامح خريطة داخلية هشة يسهل دفعها نحو التقسيم الفعلي إذا ما توفرت الظروف، كما أن غياب العدالة واستمرار عمليات الثأر الجماعي الأعمى يزرع بذور اقتتال أهلي قد يمتد لسنوات طويلة ويتجاوز الصراع السياسي التقليدي إلى صراع وجودي بين الجماعات المحلية.

إن وطنًا تُرتكب فيه الجرائم الجماعية دون محاسبة جدية، وتُستباح فيه المدن والقرى تحت ذريعة بسط سلطة الدولة، لن يتمكن من لملمة شتاته بسهولة، وما يحدث اليوم يؤشر إلى عملية إعادة هندسة للوعي الجمعي السوري يتم فيها تفكيك الروابط الوطنية لمصلحة هويات فرعية متناحرة، وهو ما يشكل تهديدًا وجوديًا لسوريا ككيان سياسي وجغرافي وكدولة قابلة للحياة.

أما التحول الخطير الآخر فيتعلق ليس فقط بما يفترض أنه علاقة بين المواطن والدولة، بل بمفهومي المواطن والدولة ذاتهما، والتي غالبًا لم يعد أو لن يكون لهما وجود في المدى المنظور مع التحولات الاقتصادية التي تقوم بها السلطة والتي تتجه لجعل الدولة مجرد شركة قابضة، الطبقة الحاكمة مالكون لها ومستثمرون فيها، والتي ستجعل السوري مجرد زبون يشتري الخدمة من الشركة/الدولة بدلًا من كونه مواطنًا له حقوق يفترض أن ترعاها الدولة وتؤديها له.

فمع ضعف مؤسسات الدولة وغياب الرقابة، اندفع أصحاب رؤوس الأموال، سواء من الشركات الوطنية الكبرى أو الشركات الأجنبية أو أثرياء الحرب الجدد، للسيطرة على ما تبقى من الاقتصاد الوطني، وما يتم التسويق له تحت عنوان الخصخصة أو تشجيع الاستثمار ليس سوى وسيلة للهيمنة على الموارد والثروات العامة، وتحويلها إلى أدوات لجني الأرباح على حساب بؤس السوريين الذين سيتحولون إلى مجرد عمال بالسخرة، يعملون مقابل الحد الأدنى من الطعام والشراب دون أي أفق لتحسين حياتهم أو استعادة كرامتهم. وقد بدأت حقًا تظهر بوضوح معالم اقتصاد جديد تتزاوج فيه سلطة المال مع سلطة السلاح بحيث يتحول العمل إلى شكل من أشكال الاستعباد الحديث، يجبر فيه المواطن على قبول شروط لا إنسانية في سوق العمل، لأنه ببساطة لا يملك بديلًا آخر.

إن إعادة هندسة البنى الاجتماعية السورية التي تجري اليوم، تقوم على احتكار السلطة والثروة معًا، ومن الواضح أن طبقة جديدة من المسيطرين على موارد البلاد، شبيهة إلى حد كبير بطبقة الإقطاع السياسي- الاقتصادي التي تشكلت في المراحل الأولى من حكم الأسد الأب بدأت بابتلاع البلاد ومواردها، لكن يبدو أن النسخة الحالية أكثر خطورة وتوحشًا، لأنها تأتي بعد حرب طويلة أنهكت المجتمع، وجعلت الملايين من السوريين تحت خط الفقر، غير قادرين حتى على الاحتجاج أو المطالبة بأبسط حقوقهم.

سوريا اليوم تُدار كما لو كانت غنيمة حرب تتقاسمها القوى النافذة، لا وطنًا يسعى إلى النهوض بعد الدمار، فالتحولان الخطيران اللذان يمر بهما المجتمع، انهيار الانتماء الوطني وتحويل المواطنين إلى عبيد في اقتصاد مسلح فاسد، سيتركان آثارًا طويلة الأمد، وقد يمنعان أي جيل قريب من أن يختبر دولة عادلة أو يعيش في مجتمع متماسك، وما لم يعد الاعتبار لفكرة المواطنة، وما لم يُبنَ نظام سياسي جديد قائم على العدالة والمساواة، فإن البلاد ستتجه إلى مزيد من التفكك والصراع المفتوح، وغالبًا إلى تقسيم فعلي يصبح أمرًا واقعًا لا يمكن التراجع عنه.

عنب بلدي

———————————-

سنة أولى تحرير.. قراءة في مزاج السوريين وتحولاتهم/ أحمد عسيلي

ها نحن قد أنهينا مشوار السنة الأولى من التحرير، وهكذا نغلق هذا الأسبوع أولى صفحات النصر على عائلة الأسد، تلك العائلة التي أنهكت بلدنا وأثقلته بالأمراض. ومع مضي مجتمعنا في ترميم جراحه، يصبح من المفيد أن نتوقف للحظة، لنعيد التفكير فيما مر به السوريون خلال هذا العام، كيف تبدلت نفسياتهم، وعلاقاتهم، وسلوكهم، وتوقعاتهم، ما الذي حققناه، وما الذي فشلنا في تحقيقه.

بالتأكيد كانت سنة مليئة بالأمل، بالفرح، بالتفاؤل، وبالاستقرار الظاهري، لكنها أيضًا كانت سنة ملؤها التوتر والخوف، مع القلق العميق.

أستعرض في هذه المادة، وإن كان بشيء من العجالة، بعض أهم التغيرات السلوكية والمعرفية والانفعالية منذ لحظة السقوط إلى اليوم.

فمن الناحية السلوكية، والأهم ربما، هي نجاح المجتمع في الحفاظ على مستوى مقبول من السلم الأهلي.

لا نقول إنه سلم كامل أو مثالي، لكنه بالتأكيد أفضل مما يمكن توقعه في بلد خرج لتوه من حكم شمولي طويل، فبالرغم من كل ما زرعته السلطة السابقة من أحقاد بين السوريين لأكثر من 50 سنة، ورغم الفراغ الكبير الذي خلّفه انهيار أجهزة البطش خلال أيام قليلة، بدا المجتمع قادرًا، إلى حد كبير ومفاجئ، على إدارة ذاته.

غابت شرطة المرور مثلًا لأشهر في العديد من المدن، ومع ذلك بقيت حركة السير مقبولة، لم ترتفع معدلات الجريمة كما توقع كثيرون، وحوادث الثأر والانتقام بقيت محصورة ضمن نطاقات ضيقة، فردية أو عشائرية الطابع.

لا نستطيع الجزم الآن ما إذا كان هذا الانضباط يعكس رغبة حقيقية لدى السوريين في تأسيس دولة قانون، أم أنه مجرد تعب عام بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب، لكن لا حقيقة مطلقة، قد نذهب لاحقًا في أي اتجاه، فالسلام الذي عاشته البلاد هذا العام سلام هش، يمكن أن يتراجع مع أول اختبار، وقد تم خرقه مرتين بوضوح، مرة في أحداث الساحل وما تبعها من مجازر مؤلمة بحق العلويين، ومرة في النزاع داخل السويداء وما نتج عنه من أعمال قتل صادمة من الطرفين، كما ظهرت محاولات تأجيج مكونات أخرى، كالمسيحيين والإسماعيليين، لكن الفاعلين الاجتماعيين في تلك الأوساط استطاعوا احتواءها، مع تجاوب واضح من بقية أفراد المجتمع، كل ذلك يقول إن السوريين يريدون السلام، لكنهم يعيشون سلامًا يشبه الهدنة، هدنة تحتاج إلى رعاية دائمة كي لا تتحطم.

أما من الناحية المعرفية، فنستطيع القول إن العقلية السورية لا تزال تعيش حالة تبدّل عميقة.

فالموقف من عائلة الأسد كان لعقود طويلة أساس الانقسام السياسي، وأحيانًا الثقافي أيضًا، ومع سقوط تلك العائلة وصعود سلطة جديدة تُحسب على التيار الإسلامي، تغيرت المواقف بشكل سريع، وأحيانًا غير متوقع، ثم جاءت صدمتا الساحل والسويداء لتعيدا خلط الأوراق، فتبدلت التحالفات، وتناقضت ردود الفعل، ووجد كثير من المثقفين والفاعلين أنفسهم أمام أسئلة جديدة حول السلطة والدين، والعلاقة مع إسرائيل، والموقف من المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة (مناطق “قسد” والسويداء). تعدّد القضايا، وحدّتها، جعل تشكيل موقف سياسي واضح أمرًا شبه مستحيل.

صرنا أمام مجتمع بلا أحزاب، بلا نقابات قوية، وبلا خطاب سياسي مستقر، في مرحلة انتقالية تتبدل فيها المواقع بسرعة، ولأن أحداث الساحل جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط من النصر، ولحقتها أحداث السويداء بعد أربعة أشهر أخرى، وجد الجميع أنفسهم أمام نقاط حاسمة دفعت بعضهم نحو مواقف متطرفة، وأفقدت آخرين القدرة على التقييم الهادئ، النخبة مثل المجتمع، ما زالت تبحث عن أرض ثابتة.

النقطة الثالثة والأخيرة هي الفرح الكبير الذي اجتاح البلاد مع فتح الباب لعودة الملايين من السوريين.

فجأة عادت عائلات لم تطأ البلاد منذ أكثر من 50 عامًا، عائلات رحلت زمن صراع “الإخوان” مع السلطة، وبعضها غادرت مع موجات الاعتقال ضد اليسار في الثمانينيات، وأخرى خرجت بعد بداية الثورة. المشهد كان مؤثرًا، مليئًا بالعاطفة، وكأن البلاد تستعيد أبناءها واحدًا واحدًا، لكن هذا الفرح كان ممزوجًا بتوتر عميق، كثير من السوريين في الخارج، سواء في أوروبا أو الخليج، يعيشون حياة مستقرة، وبعضهم في الجيل الثاني، كثيرون في منتصف طريق الحصول على جنسية، أو بنوا مستقبلهم بعيدًا عن البلاد، ولأن التغيير جاء فجأة، وخلال 11 يومًا فقط من معركة “ردع العدوان”، تحول الفرح إلى ارتباك، هل يعودون؟ هل يبقون؟ هل يخسرون ما بنوه؟ هل يعودون إلى وطن لم يعرفه أبناؤهم؟

كما أن ملايين الحاصلين على إقامات لجوء لا يستطيعون العودة قانونيًا إلا بالتنازل عن تلك الإقامات، ما جعل الفرح ممزوجًا بالعجز، والحنين ممزوجًا بالقلق.

السمة العامة هنا كانت التوتر: توتر القرار، وتوتر الهوية، وتوتر المستقبل، إنها لحظة فرح كبيرة، لكنها بالتأكيد ليست بسيطة.

ومع نهاية هذه السنة الأولى، يبقى الأمل أن نستفيد من التجارب التي خضناها.

أن تكون لنا القدرة على الاعتراف بإنجازاتنا وأخطائنا، وأن نتصرف كمجتمع واعٍ، قادر على حماية سلمِه الأهلي، وعلى بناء دولة لا تتكرر فيها إخفاقات السنة الأولى، الطريق ما زال طويلًا، والمستقبل مفتوح على جميع الاحتمالات، لكن الحفاظ على ما أنجزناه، مهما كان هشًا، هو مسؤوليتنا جميعًا، وهو شرط الدخول الواعد إلى السنة الثانية بثقة أكبر ووعي أعمق.

———————————–

سوريا وبديع التكويع: طبعة استشراقية/ صبحي حديدي

في ذكرى مرور سنة أولى على انهيار نظام «الحركة التصحيحية»، وفرار بشار الأسد، وتحرير العاصمة دمشق لتحتضن ساحةُ الأمويين عشرات آلاف السوريين المبتهجين المنعتقين من 54 سنة استبداد وقمع وقهر وفساد وتبعية وارتهان خارجي؛ ثمة الكثير الذي يُستعاد، على سبيل إحقاق حقوق التاريخ في المقام الأول. تضحيات السوريين الدامية الجسيمة بالطبع، ومئات آلاف ضحايا آلات القتل المدفعية والبراميلية والكيميائية، وعشرات آلاف المفقودين، وملايين المشردين داخل سوريا وأربع رياح الأرض، وخراب العمران السوري قديمه ووسيطه وحديثه…

وإلى جانب هذه الذاكرة، وسواها كثير من تفاصيل حاشدة حافلة، تستذكر هذه السطور جانباً خاصاً حمّال دلالات أخلاقية، لا ينأى أيضاً عن أبعاد مهنية وضميرية وفكرية وسياسية؛ هو مواقف نفر من الكتّاب والصحافيين في الولايات المتحدة وأوروبا، اصطفوا خلف نظام الأسدَين الأب والوريث، ونظّروا لتجميل جرائمه ومجازره وفظائعه على النحو الأسوأ والأردأ والأشد ابتذالاً، في آن معاً. وبين قبائح أفعالهم تلك ساعة انطلاق الانتفاضة الشعبية، ربيع 2011؛ ونظائرها ساعة الانهيار الختامي والفرار الفاضح يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024؛ ثمة ما يستدعي التفضيح والتشهير، ليس من دون قسط الحدّ الأدنى من التحقير والتوضيع.

هم كثر بالطبع، واللائحة تشمل أمثال جوشوا لانديز مؤلف «عدسة على سوريا»، وألستير كروك مؤلف «مقاومة: جوهر الثورة الإسلاموية»، وفلنت ليفريت مؤلف «وراثة سوريا: بشار أمام اختبار النار»، ودافيد ليش مؤلف «أسد دمشق الجديد: بشار الأسد وسوريا الحديثة»؛ وجيمس دنسلو الذي اعتاد على الكتابة في صحف النظام، وبيتر هارلينغ من «مجموعة الأزمات الدولية». وقد يقتضي المقام التوقف عند اثنين منهم، ليس لأيّ اعتبارات تفضيلية تضع أحدهما في مرتبة أرفع من زميله في الابتذال؛ بل، أساساً ربما، لأنّ التنافس بينهما على التشويه والتحريف والتزييف كان أقرب إلى المسابقة كتفاً إلى كتف.

لانديز، من مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما الأمريكية، لا يُظلم كثيراً حين يُوصف بـ»ناطق باسم النظام السوري»، وحين يُمتدح أمريكياً (من جانب روبرت د. كابلان على سبيل المثال)، فلأنه خرج عن إجماع المراقبين الأمريكيين للوضع السوري عند انطلاق الانتفاضة الشعبية سنة 2011، وجزم بأنّ الأسد لن يسقط. كذلك انفرد لانديز في التأكيد بأنه لا يوجد «شعب سوري واحد» أساساً، وسوريا «منقسمة على خطوط دينية وإثنية وطبقية»؛ متكئاً على أصداء فريا ستارك الرحالة البريطانية/ الإيطالية، التي جالت في لبنان وسوريا والعراق أواخر عشرينيات القرن المنصرم!

وسلسلة تحليلاته الاستشراقية عن سوريا انطلقت إجمالاً من فرضية وجود حرب أهلية/ عدم وجود شعب سوري، فتراوحت بين تقسيم البلد إلى أربعة مراكز استقطاب: حكومة الأسد و»داعش» و»النصرة» والأكراد، أواخر سنة 2014؛ إلى تثبيت انتصار النظام، وإنْ بمساعدة التدخل الإيراني ونظيره التدخل الروسي، في سنة 2015؛ ثمّ تعاقب المؤامرات على ما تبقى من قوى عسكرية وأمنية في قبضة الأسد (بما في ذلك تكهنات بمحاولة انقلابية يقودها علي مملوك!)، في سنة 2018؛ وهكذا…

من جانبه، كان ليفريت خلال مراحل انحيازه الصريح لنظام الأسد الابن، قد دأب على طرح سلسلة حيثيات استشراقية ينهض معظمها على التجاهل الفاضح (وليس البتة الجهل) لحقائق الواقع السوري كما هي على الأرض، وفي دائرة الحياة اليومية، ومصائر الوطن، وعلاقة الحاكم والمحكوم، وطبائع القهر والفساد والنهب، وعواقب السياسات على البشر. وقارئ كتاب ليفرين العربي، فما بالك لقائه السوري، يخال أنّ المؤلف لا يتحدّث عن سوريا الراهنة دون سواها، بل عن بلد آخر لا استبداد فيه ولا وراثة حكم، ولا انتهاك لحقوق الإنسان وقمع لأبسط حرّيات المواطن، ولا مافيات نهب منظّم وتقاسم عائلي للمغانم والسلطة!

وهو بشّر الغرب بأنّ «بشار مقيّد، لكنّ القيد ليس اثنين أو ثلاثة من الجماعة المسنّين في أعلى الهرم، بل الأمر يخصّ النظام ذاته أكثر»؛ ولكن نظام «البيروقراطيين»، «العاديين»، «المتحجرين» حسب تعبيراته، وليس نظام تحالف الحرسَين القديم والجديد في ائتلاف الاستبداد والنهب والفساد والمافيات العائلية. أكثر من هذا، جزم ليفريت بأنّ بشار لا يقف مكتوف اليدين، وأنّ تسجيل النقاط يسير لصالحه في ميدانيين: التكنوقراط، و… زوجته السيدة أسماء الأخرس! ولقد لجأ إلى إحاطة نفسه بعدد من «التكنوقراط الذين يحملون شهادات عالية من الغرب، في حقول الاقتصاد وعلوم الكومبيوتر والأعمال، أو الذين لديهم خبرة في القطاع الخاص خارج سوريا أو مع البنك الدولي».

فإذا تابع المرء «تحليلات» هذا الثنائي، خلال الأيام القليلة بين 8 و15/12/2024، فإنّ عجائب البديع في فنون التكويع عن الآراء السابقة لهما سوف تجعل أفانين تكويع السوريات والسوريين أضحوكة، فلا دريد لحام بلغ شأوهم في الاستدارة 180 درجة، ولا ميادة حناوي نافستهم في توصيف مرحلة «صعبة» و»مظلمة». ذلك لأنّ تكويع لانديز وليفريت لم يقتصر على شيطنة الأسد نفسه، وأنه أهدر فرص الإصلاح والانفتاح العربي على نظامه وأساء قراءة متغيرات الإقليم والعالم من حوله، فحسب؛ بل استعار من بعض السوريين المقولة الاثيرة: ألم نقلْ لكم!

والأرجح أنّ حبل هذا البديع سوف يطول، لأنّ استشراقه طويل أصلاً؛ على جرّار دائب الحراك.

القدس العربي

—————————–

عشيّة “8 ديسمبر” السوري/ معن البياري

08 ديسمبر 2025

قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قبل شهور، إنهم (لعلّه يقصد هيئة تحرير الشام) فوجئوا بسقوط نظام الأسد في 14 يوماً، مدّة معركة ردع العدوان، ثم فوجئوا لمّا تسلّموا السلطة، بأنه صمَد 14 عاماً. والمقصد أن الحال العسكري للنظام، في خواتيمِه، كانت في أشدّ أوضاعه اهتراءً وانكشافاً، ولعلّ هذا ما ساعد على تخفّف الروس من إسعافِه، وقد أنفقوا كثيراً من الجهد (والعدوانية) في هذا سنوات. أما مؤسّسات الدولة وأجهزتها، في أعوام الثورة والحرب بعد مارس/ آذار 2011، فكانت على حالٍ من التجويف والتردّي يُفترض أنها لم تكُن لتجعلَه يقوى على الوقوف طويلاً أمام عواصف وضغوطٍ عسكريةٍ وثوريةٍ وإقليميةٍ بلا عدد. ولعلّ هذا التوصيف صحيح، لكنه لا ينسحبُ على المؤسّسة الأمنية البوليسية، سيّما إلى ما قبل نحو أربع سنوات من الانهيار التام. والقول هنا، ونحن في العيد الأول لتحرّر السوريين من نظام آل الأسد، إن تدويناً وافياً يُحيط بمسار عملية ردع العدوان، ميدانيّاً وسياسيّاً، بوقائعها وتفاصيلها، لم يكتمل بعد، فالإشارات والإيضاحات الموجزة التي “كشف” عنها الرئيس أحمد الشرع (والشيباني)، وضبّاطٌ ومشاركون في العملية وشهود، لا تكفي لإجمال صورةٍ كاملةٍ عمّ حدَث في الميدان في سورية عشيّة “8 ديسمبر”. كما الأحاديث، الموثوقة، عن “اتصالاتٍ” جرت مع ضبّاطٍ وازنين في الجيش السوري، ومع مراتب روسيّة عليا، ميدانيةٍ وسياسية، ساعدت كثيراً على أن “تتأمّن” طريق هيئة تحرير الشام، ومن معها من فصائل محاربة، إلى دمشق من حمص وحلب باطمئنانٍ كثير، ومن دون دماء، فبدا أن “تسليماً” للعاصمة جرى.

وبانتظار أن تنكتب وتُروى كاملةً ووافيةً “سردية” النجاح السوري الهائل الذي أنهى طغيان عائلة الأسد، وجعل بقايا هذه العائلة تفرّ إلى موسكو وغيرها، يجوزُ الانشغال بالمفاعيل التي جعلت هيئة تحرير الشام، وفصائل جهادية متحالفة معها، وليس غيرها، هي التي تتأهّل لتقود عملية إسقاط بشّار الأسد عسكرياً، وقد تأكّد، من دون حجاج أو جدال، أن هذا الرجل كان من عاشر المستحيلات أن يُطاح من دون جهدٍ عسكري، وأن أي رهانٍ على أي تحرّكٍ من أي لونٍ آخر لن يفلح في هذا. ولم يكن في محلّه ذلك الكلام (وقد تمنّاه صاحب هذه السطور) عن ضابطٍ في الجيش السوري يمكنه أن يفعلها، ويصنَع “انقلاباً انتقالياً”، كالذي بادر إليه عبد الرحمن سوار الذهب في السودان سنة 1985. سيُحيل هذا البديهي (؟) على ما هو موصولٌ به، أي على المفاعيل التي أخرجت الجيش السوري الحر وتشكيلاتٍ مثيلة (الجيش الوطني)، عن دائرة الفاعليّة التي تأخذُها إلى الإنجاز المُشتهى، أو أقله إلى المساهمة به، فكان قطفُ الانتصار لغير هؤلاء الذين كانوا قد سبقوا جبهة النصرة ونظائرَها في البناء العسكري، وفي تلقّي دعمٍ من غير بلد وبلد. وكأن قراراً ما، من نوعٍ ما، من جهاتٍ ما (والله أعلم) أراد إماتة هذه التشكيلات، أو إضعافها (لماذا ننسى الضبّاط حسين هرموش ورياض الأسعد وعبد الجبار العكيدي وزملاءهم؟).

ولا يُغفل، والسياق موصولٌ بعضُه ببعض، أن المعارضات السورية التي انضوت في المجلس الوطني ثم في “الائتلاف…”، وإن بقي غيرُها خارج هذين الإطارين، أكلها الضعف المؤسّسي، وقلة الخبرة في إدارة الخلافات، وتوزّع ارتباطات كثيرٍ منها بهذه الدولة أو تلك، وسرعان ما اهترأت تشكيلاتٍ لم تُؤخذ على محمل الجدّ في الداخل السوري. ولم تنجح جهودٌ طيبةٌ في إنقاذ ذلك الحال الذي كان يبعث على أسفٍ شديد، وقد توازى مع المؤشَّر إليه أعلاه عن ضعفٍ ثقيل كان يمتدّ في أجسام عسكرية غير جهادية، وعن قوةٍ تتغذّى بها تلك الفصائل التي استهدفتها الولايات المتحدة (وغيرها) بتسميتها إرهابية، والتي صارت لواحدةٍ من أبرزها سلطةُ حكمٍ في محافظة إدلب.

ليس التشخيص هنا كامل الأوصاف والدقّة، غير أنه يوجِز حافَاتِ مشهد الصراع الدامي الذي ختمت فصولَُه الصعبة بهجة السوريين الكبرى فجر يوم 8 ديسمبر، بانتصار هيئة تحرير الشام ومن معها، ولم يكن لغيرِها أن ينتصر… ثم يحكُم ويقرّر.

العربي الجديد

——————————–

لم يسقط في أحد عشر يوماً: في ضرورة مقاومة النسيان رغم صعوبة التذكّر/ صادق عبد الرحمن

08-12-2025

        لم يسقط نظام الأسد في أحد عشر يوماً، بل في ثلاثة عشر عاماً وتسعة أشهر.

        أين ذهب النظام العاتي الذي لم يكن يجرؤ أي سوري يعيش في سوريا على المطالبة بسقوطه بصوت مرتفع ووجه مكشوف قبل آذار (مارس) 2011؟ أين اختفت أجهزة الأمن المرعبة التي كنّا نخشاها حتى في أحلامنا؟ ما الذي أسقطه فعلاً؟ ما الذي قاده إلى نهايته في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الماضي؟

        قد تبدو الإجابة الأسهل والأقصر أنَّ تحالفاً من فصائل إسلامية مُسلحة أسقطه في معركة من أحد عشر يوماً، لكن هذه الإجابة ناقصةٌ إلى درجة تكاد تجعلها خاطئة كلياً، لأن الصحيح أن تلك الفصائل أطلقت الرصاصات الأخيرة على جسد نظام مُحطَّم كان يعيش على دعم يومي لا ينقطع من حلفائه.

        لكن من الذي حطّمَ جسد هذا النظام وجعله لقمة سائغة لتلك الفصائل؟ الإجابة ليست عسيرة، لكنها تختفي عند كثيرين تحت طبقة من الرغبة في تجيير سقوط النظام لصالح سلطة تستأثر بالحكم، وعند كثيرين آخرين تحت طبقة من ثقل الذاكرة وصعوبة التذكّر، وصعوبة استخلاص المعنى السياسي من كل تلك السنوات الطويلة بالغة القسوة.

        لقد تظاهرَ مئاتُ آلاف السوريين لأشهر طويلة حتى أفقدوا نظام الأسد سطوته وهيمنته على العقول والقلوب والمصائر، وراح النظام يردّ عليهم بعنف دموي قتلَ الآلاف منهم، ما أفضى إلى تقويض أُسسه وإفراغه من أي بُعد وطني، وأدّى بعدها إلى حرب ضارية مفتوحة خاضت فيها قواته معارك مدمّرة طويلة ضد فصائل معارضة متنوعة راحت تظهر في كل منطقة ثائرة، وتحظى بمقادير متفاوتة من الدعم الإقليمي والدولي بعد أن جفت مواردها المحلية سريعاً. فقدَ النظام سيادته على مساحات واسعة من أراضي البلد ومقدراته، وتسبَّبَ ذلك بإخضاعه لتفاهمات وتوازنات دولية أفقدته استقلاليته وقدرته على المناورة السياسية. دَمّرَ النظام بالمدافع والطائرات المناطق التي انتفضت ضده، ودمّرَ اقتصادَ البلد ومقدراته ومجتمعاته، واحتاج إلى قوات أجنبية تُسانده بينما كان جيشه يتهتك ويتفكك وتَحلُّ محله ميليشيات أهلية وطائفية وأجنبية، بالتزامن مع تحول أجهزته الأمنية إلى ما يُشبه عصابات القتل والنهب أكثر بكثير مما يُشبه مؤسسات أمنية. فُرضت عليه عقوبات قاسية نتيجة مسالكه الدموية الإبادية ونتيجة ارتباطه العضوي بدولة أجنبية هي إيران، وأصبح وجوده رهيناً بدفاع قوات إيرانية عن أرضه وطائرات روسية عن سمائه، وصولاً إلى لحظة جيوسياسية قررت فيها إسرائيل تحطيم القوة الإيرانية في الإقليم، بينما تخلت روسيا عن القتال دفاعاً عن أرضٍ لا تحميها قواتٌ برية قادرة على المواجهة، وتخلّى أنصار النظام السوريون عن أي رغبة بالقتال لأجله بعد أن أصبح هيكلاً فارغاً تماماً. اقتنصت أكثر مجموعات المعارضة المسلحة تنظيماً تلك اللحظة الفارقة بدعمٍ من جهاتٍ إقليمية، وهاجمته بقوات أكثر تماسكاً من قواته، فانهار كقلعة رملية تافهة خلال أيام قليلة.

        كانت إذن سنوات شهدت مظاهرات ضخمة، أعقبتها حرب طويلة ومدمّرة انخرطت فيها جهات عديدة بما فيها دول عظمى، فقد خلالها مئات آلاف السوريين حياتهم، ودُمِّرت حياة الملايين وتفككت مجتمعات بأكملها وتحولت حواضر وأحياء إلى ركام، وهُجِّر ملايين في أربع أصقاع الأرض، وعاش ملايين ضروباً من معاناة إنسانية لا تُحتمَل.

        هكذا سقط نظام الأسد، ليس في أحد عشر يوماً، بل في ثلاثة عشر عاماً وتسعة أشهر.

        ليس التلخيصُ أعلاه جامعاً ولا كافياً، وهو ككلِّ تكثيف وتلخيص سيبدو ناقصاً، لكن القصد أن سقوط الأسد كان حصاداً لسنوات طويلة وآلام عظيمة، وليس لمعركة خاطفة ما كان لها أن تحدث لولا كل تلك السنوات وما شهدته من أحداث وضحايا.

        لقد أطلقت فصائل ردع العدوان الرصاصات الأخيرة على جسد نظام الأسد، وقاتلت طويلاً ضده وكانت مُساهِماً رئيسياً في تقويضه وإضعافه وصولاً إلى إسقاطه. لا يَسعُ أحداً أن ينكر هذا، ولا أن ينكر بالتالي شراكتها المحتومة في صياغة مستقبل البلد وشكل نظامه السياسي، لكن سلوكها وسلوك قيادتها منذ اليوم الأول اتجه نحو السعي للاستفراد بالسلطة في البلد وصياغة شكله الجديد بمفردها، وهذا لا يعني شيئاً إلّا تجيير كل تلك التضحيات والآلام لصالحها وحدها. هذا غير عادل، لكنه – قبل ذلك – لن ينجح بصرف النظر عن الرأي في عدالته من عدمها.

        لن تنجح عملية بناء البلد وحُكمه على يد هذه الفصائل وقيادتها من دون شراكة وطنية واسعة، ليس لأن هناك مبدأ أخلاقياً مجرداً يحول دون هذا النجاح، بل لأن الوقائع على الأرض تحول دونه، منها أن في البلد قوىً أخرى منظمة أو شبه منظمة، ومنها أن تحالفَ الفصائلِ هشٌّ وغير قائم على أسس متينة أو مشروع متماسك، ومنها أن البلد منهارٌ اقتصادياً واجتماعياً بحيث يستحيل توحيده واستقراره دون مشروع وطني جامع، ومنها أولاً وقبل أي شيء آخر أن نظام الأسد لم يسقط في أحد عشر يوماً، بل في ثلاثة عشر عاماً وتسعة أشهر.

موقع الجمهورية

———————————–

دماء في صُبح سورية الأغبر: مسالك من أجل النجاة العامة/ ياسين الحاج صالح

08-12-2025

        لوليد إخلاصي، القاص والروائي السوري الذي توفي قبل سنوات، مجموعة قصصية مبكرة من عام 1968 عنوانها: دماء في الصُبح الأغبر، تحكي إحداها قصة ولد حاول تسلُّق مُرتفَع قلعة حلب المُنحدِر مراراً، ونالته سخرية الأولاد الآخرين على فشله المتكرر، فكان أن حاول وحيداً ذات فجر، ولكنه دفع حياته ثمن المحاولة. في صباح أغبر، وجدوه تحت القلعة المرتفعة مدمى الجسد، ميتاً.

        بعد عام من صبح سوري جديد، تنظر هذه السطور في ما جرى من دماء بعد الصُبح، وقبله كذلك، متطلّعة إلى نجاة سورية الجديدة من موت يتجدد.

        * * * * *

        مجازر الدروز في تموز (يوليو) من هذا العام هي تجارب مُكوِّنة أو رضّات مُؤسِّسة للجماعة الدرزية في سورية ما بعد الأسدية. هذا بفعل كونها غير متوقعة على هذا النطاق واقترانِها بإذلال مُتفنِّن، ثم بفعل وقوعها في الأشهر الأولى من عهد جديد لم يكن الدروز محسوبين على سابقه، بل كانوا في طليعة المعترضين عليه طوال عام وأربعة أشهر قبل سقوطه. ثم كذلك لأنها وقعت في سياق كان يُمكن تجنبه تماماً، على ما أقرَّ ضمناً وزير الخارجية أسعد الشيباني بقوله إنها كانت «فخاً» وقعَ فيه الجميع. الناس لا يقعون في الأفخاخ اضطراراً، بل يُستدرَجون إليها أو يغرونَ بها إغراءً، والوزير لم يقل من نصب الفخ وأغرى حكومته بالوقوع فيه.

        بحسب معطيات إحصائية موروثة ليس بحوزتنا غيرها، يُشكل الدروز نحو 3 بالمئة من السوريين، سقط منهم ما بين 1000 و2000 من الضحايا خلال أيام المجازر، وهو يعادل ما يتراوح بين 25 و50 ألفاً لو كانت نسبة الدروز مساوية لنسبة السُنّيين العرب بين السوريين: نحو 70 بالمئة من السكان. وهو ما يعني أن تلك المجازر، غير المسبوقة في تاريخ الكيان السوري الحديث، تشغلُ في وعي الجماعة الدرزية موقعاً لا يقلُّ عن موقع مجزرة حماة 1982 في الوعي السني، بل يفوقه بالنظر إلى أن «الموحدين الدروز» جماعة أصغر، وعتبةُ شعورها بالتهديد الوجودي أدنى بالتالي. وما يزيد تلك التجربة المُكوِّنة رضّيّةً وتأسيساً لوعي ذاتي درزي مغاير، وعي كياني (مقابل وعي وطني سوري)، أن المُرتكبين لم يستطيعوا تبرير جرائمهم بقضية عامة تحوز الحد الأدنى من الوجاهة. من المستبعد أن يقول أي منهم أمام محكمة إنه فعل ما فعل من أجل وحدة سورية أو تحقيقاً لتطلعات الثورة السورية. هذه اعتبارات غريبة على القوات التي اقتحمت السويداء، بينما يُرجَّح لاعتبارات عصبوية، دينية وعشائرية، أن تكون قد لعبت الدور الحاسم. وهو ما أسهمَ في إسباغ طابع إبادي على المجازر: استهدافُ دروز لأنهم دروز.

        ورغم اختلاف السياق، فإن مجازر العلويين في آذار (مارس) هي كذلك تجاربُ مُكوِّنة للجماعة العلوية في سورية ورضّة مُؤسِّسة، تُعيد هيكلة الوعي الذاتي العلوي باتجاهٍ كياني بدروه. كان العلويون محسوبين على النظام الأسدي بقدرٍ طيّبٍ من الوجاهة، لكن يُحتمَل أنهم دفعوا ما لا يقل عن 100 ألف من أبنائهم في سنوات الصراع السوري الطويلة. نسبة العلويين بحسب معطيات موروثة بدورها نحو 12 بالمئة، فإذا بلغ ضحاياهم 100 ألف، فإن هذا يُقاربُ 3 بالمئة من أصل نحو ثلاثة ملايين علوي إذا كان تعداد السوريين 25 مليوناً، ويُعادِل نصف مليون أو أكثر لو كانت نسبة العلويين بين السوريين مُعادِلة لنسبة السُنّيين المذكورة فوق. هنا أيضاً، اقترنت المجازر بإذلال مُتفنِّن، وهنا أيضاً ليس ثمة ما يُشير إلى اعتبارات تتصل بوحدة سورية أو بالثورة السورية في دوافع مرتكبي المجازر، التي حازت بدورها صفة إبادية بفعل استهداف علويين لكونهم علويين، وليس لأن بعضهم فعلوا ما فعلوا.

        نَسوقُ هذه المعطيات الفظّة ليس من باب تسعير الضغائن وتعزيز استقطابات شديدة سلفاً، بل للقول إنه يتعين التعامل مع هاتين التجربتين المُكوِّنتين للجماعتين في سورية ما بعد الأسدية بوصفهما تجربتين مُؤسِّستين للوطنية السورية كذلك، ما يُوجبُ أن تُعاد هَيكلتُها على نحو يطوي صفحة المجازر. وهذا مثلما أن الثورة السورية وضحاياها الذين لا يقلون في تقدير شخصي عن 600-700 ألف، أكثريتهم الساحقة من السُنّيين، أي كذلك نحو 3 بالمئة من إجمالي عدد السنّة السوريين إن قبلنا هذا التقدير (يتكلم البعض على مليون أو أكثر)، أقول مثلما أن الثورة والمجازر التي أعقبتها تجربة مُكوِّنة للوطنية السورية، بل التجربةُ المكوِّنة. وتُفيد هذه المعطيات بمجموعها منطلقاً للقول إن الجماعات السورية مكلومة، بما يقتضي عدم التسبب بآلام جديدة، وما يدعو إلى أن تُعامَل تلك المجازر كلها كجرائمَ بحق السوريين ككل، وأن تُشمَلَ كلها بمسار العدالة الانتقالية نحو سورية جديدة وسلم سوري جديد. ليس هناك وجه معقول لأن تقتصر العدالة الانتقالية على جرائم الحكم الأسدي، فيما تخرجُ منها الجرائمُ الأحدث. ما دامت هذه المجازر قد وقعت فإن الانتقال لم يحدث، ومن أجل انتقال حقيقي لا بد من مسار عدالة انتقالية شامل لا يُفرِدها عن غيرها. ومن الوجهة السياسية، ليس ثمة منطق في الدفاع عن الوحدة السورية دون اعتبار المجازر الأحدث، مثل الأقدم، تجاربَ مكونة للوطنية السورية. المجزرة والوحدة لا يُمكن أن تسيرا معاً، فإما هذه أو تلك. فإن لم يحدث ذلك، وإن لم يُكرَّم ضحايا المجازر الأحدث، ستُهدَرُ كرامة ضحايا المجازر الأقدم، إن بتبذيل المجزرة واعتبارها أمراً اعتيادياً، أو باستخدام ضحايا المجازر الأقدم لتشريع حكم جديد مُرتكِبٍ للمجازر منذ أشهره الأولى.

        والمسألة باختصار شديد: هل نفكر في المجازر الأقدم والأحدث كمُستمرٍّ يجب قطعه والقطيعة معه؟ أم نفكر فيها بمنطق مجزرة ضد مجزرة أو مجزرة مقابل مجزرة، ويختار كلٌّ منّا مجازره المفضلة؟

        لا فرق بين مجازر الدروز والعلويين وسابقاتها أثناء الثورة والصراع ضد الأسدية من وجهة نظر الضحايا، وهي وجهة النظر الوحيدة التي يجب أخذها بعين الاعتبار ممّن حفّزَت مُعارضَتهم للحكم الأسدي وثورتَهم عليه اعتباراتٌ وطنية ومُواطنية تحررية. فقط بالنظر إلى المجازر الأحدث ككوارث وطنية تُضاف إلى كوارثَ وطنية سابقة، ويتعينُ بالتالي أن يقوم النظام السياسي الجديد على تجنب تكرارها واستيعاب جماعات الضحايا كشركاء تأسيسيين لسورية جديدة، فقط بذلك يُمكن عكسُ المسارات الانقسامية والعدائية الراهنة.

        ولا ينبغي الاغترارُ بالاعتراف الدولي أو بدور إقليمي مُحتمَل برعاية قوى دولية نافذة. لقد حاز الحكم الأسدي على الاعتراف والدور الإقليمي بعد حرب 1973، وانطلق منهما لترويض السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، قبل أن تنفجر في وجهه أول أزمة وطنية واجتماعية سورية في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد شكّلت عواقب تلك الأزمة تجربة مُكوِّنة ورضَّة مُؤسِّسة لقطاع واسع من البيئات السُنّية السورية، وقفزة واسعة في تطييف الوعي الذاتي للجماعات السورية المختلفة.

        ثم إن الاغترارَ بالسلطة والاستقواءَ بها، ضد سوريين أضعف، يُحاكي مسلك إسرائيل في الاغترار بقوتها واستباحة سورية، مثلما جرى في أول يوم لسقوط الأسدية، وتَرقَّى إلى مستوى المجزرة في بيت جن قبل أيام، صباح 28 تشرين الثاني (نوفمبر). كان شرطُ الدور الإقليمي السابق الرضا الإسرائيلي، وهذا غير متاح اليوم. الوحدة الوطنية السورية هي وحدها ما تُسعف في مواجهة الاستباحة الإسرائيلية.

        تقوم على هذه المقدمات ثلاثة أشياء؛ يتصل أولها بسياسة الناس لأنفسهم، والثاني بمسالك الفاعلين العامين، والثالث بالنظام السياسي في البلد. يُحيل الشيء الأول إلى الاعتناء بتمثُّل الغير المختلف empathy، التفكير من موقعه ووضع النفس في موضعه، فلا يُقبَل بحقه ما لا يقبله المرء بحق نفسه. هذا ما يؤسِّسُ لظهور السوريين كجماعة متضامنة أو كأمة أخلاقية. ويتصل الشيء الثاني بسلوك المشتغلين بالشؤون العامة من مثقفين وناشطين سياسيين و«مؤثرين»، ممن يتواتر اليوم أن يعملوا إما كوكلاء للثأر، أو وكلاء للنسيان وغسل الدم؛ فبقدر ما يلزم مقاومة نزعات الثأر الخاصة والفئوية، تلزم بقوة أكبر محاربة النسيان المتعمد الذي يعمل بعضنا بوعي أو بدونه في خدمته. لا يُحارَبُ الثأر بالنسيان بل بالعدالة، ولا يخدم التذكُّرُ الانتقامَ بل حسَّ المسؤولية والعمل على كسر دائرة المجازر. ويتعلق الشيء الثالث بتصور نظام سياسي قائم على الشراكة في وطنية سورية استيعابية قائمة على المواطنة. الخطر ماثلٌ في وطنية طائفية واستبعادية، متمركزة حول دولة هي نفسها متمركزة سُنّياً، وهذه تُواجَه بوطنية جامعة، تفكر في السوريين كأمة سياسية يتساوى فيها السُنّيون والعلويون والدروز والإسماعيليون وغيرهم، والمسلمون والمسيحيون والإيزيديون وغيرهم، والعرب والكرد والسريان والأرمن وغيرهم، ثم طيفٌ واسعٌ من السوريين ممن لا يعرّفون أنفسهم بمُنحدراتهم الأهلية. اتساعُ مراتب هؤلاء الأخيرين هو العلامة على تجاوز الطائفية ونزعات الانقسام الأهلية، أو الانتقال من الاجتماع الطائفي إلى الاجتماعي الوطني.

        هل الوطنية الاستيعابية ممكنة في إطار التراكيب السياسية الآخذة بالتشكُّل في المتن السوري اليوم؟ الجواب بكلمة واحدة: لا. الأمويةُ، التلفيقةُ الإيديولوجيّة المعتمدة اليوم، هي ضربٌ من كيانية سُنّية، لا تختلف في تكوينها الاستبعادي عن الكيانيات الأخرى الصاعدة. لكلٍّ من هذه الكيانيات ذاكرتها الخاصة، ومظلوميتها الفئوية، وصراعاتها الوجودية، وكلها تقوم على استبعاد غيرها وإنتاج هياكلها الاستبدادية الخاصة، فلا مُبرِّرَ للمفاضلة بينها.

        والخُلاصة أنه يُمكن تجاوز كوارث ما بعد الساعة صفر، صباح يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، بالتعامل معها ككوارث وطنية وقعت في زمن انتقالي، يُفترَض أن يقوم وَعدُهُ الأساسي على السير نحو سِلْم سوري جامع. وأنه بالتمثُّل والتضامن المُؤسِّس للفرد العادل، بمحاربة النسيان والثأر، وبالوطنية الاستيعابية المُؤسِّسة للدولة كتحقق للأخلاق (هيغل)، نتجاوز المجزرة وثقافتها وسياستها، ما يُشكل الطيَّ الفعلي للصفحة الأسدية من تاريخ البلد. ثم أخيراً، أنه ليس هناك كيانية خيرٌ من غيرها؛ سورية كإطار قانوني مؤسسي قائم على المواطنة هي ما يُمكن أن تجمع سوريين مختلفين أكثر من غيرها.

        * * * * *

        الصعود إلى أعلى القلعة غير مُمتنِع، لكنه يقتضي الاعتراف بالفشل، حديثه وقديمه، والتعلُّمَ من دروسه.

موقع الجمهورية

———————–

رسالة للسوريين بمناسبة يوم التحرير

مقال بقلم آن سنو المبعوثة البريطانية الخاصة لسورية

يصادف اليوم مرور سنة كاملة منذ بدء فصل جديد في تاريخ سورية– كانت تلك لحظة غيّرت مسار تاريخ بلدكم، وفتحت الباب للأمل والكرامة والحرية. إنه يوم جدير بالاحتفال والذكرى والتجديد.

ومنذ تحرير سورية، دخلت العلاقات البريطانية السورية أيضا حقبة جديدة. حيث استعدنا العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وقام مسؤولون من البلدين بسلسلة من الزيارات التاريخية. ففي 5 يوليو/تموز، كان وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي أول وزير بريطاني تطأ قدمه سورية منذ أكثر من 14 سنة. وخلال زيارته تلك، أعلن تجديد العلاقات البريطانية السورية. ثم في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، رحبنا بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لندن – وكانت لحظة قوية حين رُفع العلم السوري مرة أخرى ليرفرف على مبنى السفارة السورية في لندن.

عودتنا في زيارة إلى دمشق – بعد مجرد بضعة أيام من سقوط الأسد – كانت لحظة مؤثرة. فقد تجولتُ في المدينة القديمة، بتاريخها الثري، والتقيتُ مجددا أصدقاء عايشوا سنوات من المشقة والعناء. وشاهدتُ بنفسي آثار الدمار الذي خلّفته الحرب على المباني وعلى حياة الناس، لكنني لمست أيضا الصمود والأمل في نفوسهم: أفراد ومجتمعات عازمون على إعادة بناء سورية، وأطفال مرحون في ساحات مدارسهم، وأشخاص ينعمون بحرية مناقشة السياسات بلا رهبة. هذه اللحظات فيها تأكيد على سبب أهمية الصداقة والشراكة بين بلدينا.

وطوال أكثر من عقد من الزمن، تصدّت المملكة المتحدة بكل حزم لنظام الأسد. فقد رفضنا التواصل مع حكومته الضالعة بكل وحشية في اعتقال وتعذيب وقتل شعبها. وموقفنا كان راسخا. فخلال تلك السنوات الكئيبة، عملنا كل جهدنا لتخفيف المعاناة حيثما استطعنا، وقدمنا ما يربو على 4.6 مليار جنيه إسترليني من المساعدات لسورية والمنطقة منذ سنة 2011 – وهي أكبر استجابة إنسانية على الإطلاق مقدمة من المملكة المتحدة. ووفرنا، بالعمل مع شركائنا، المواد الغذائية، والرعاية الطبية، والاستجابة الطارئة، والتعليم، والمأوى لملايين السوريين المحتاجين.

واليوم، تواصل المملكة المتحدة دعم سورية، ودعم تعافيها وإعادة إعمارها. فإلى جانب رفع العقوبات البريطانية، قدمنا 254.5 مليون جنيه إسترليني من الدعم في السنة الحالية، مع التركيز على استعادة قطاعيّ التعليم والزراعة، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة في أنحاء سورية. هذا التمويل يساعد أيضا اللاجئين السوريين الذين لا يزالون نازحين في أنحاء المنطقة، وكذلك المجتمعات التي تستضيفهم. كما إننا ندعم استئناف التجارة بين بلدينا، بما في ذلك من خلال مجتمع الأعمال الناشط؛ حيث ارتفع حجم التجارة البريطانية السورية بنسبة 200% منذ مثل هذا اليوم في السنة الماضية.

لكن لا يزال هناك الكثير من التحديات، والكثير مما يلزم عمله. حيث تقلقني بشدة التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية، وما تشكله هذه التوغلات من تهديد لاستقرار سورية. وبالنسبة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين وكذلك مجلس الشعب، فالدرب أمامهم طويل، وما زال يقع على عاتقهم الكثير من المسؤوليات الواجب القيام بها. كما إن حجم الاحتياجات الاقتصادية وإعادة الإعمار رهيب.

إلا أننا في يوم الاحتفالات هذا نتطلع بأمل إلى المستقبل. الطريق لن يكون سهلا، لكن يمكننا معا العمل تجاه إحلال الاستقرار والعدالة والأمن والازدهار. والمملكة المتحدة سوف تقف إلى جانبكم كصديق وكشريك على المسار تجاه تحقيق السلام والاستقرار والازدهار لجميع السوريين.

————————–

عام على سقوط الأسد: سوريا بين وعود الانتقال وتحديات الواقع

8 ديسمبر 2025

بعد مرور عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تبدو سوريا اليوم أمام مشهد سياسي جديد تمامًا، لا يزال يتشكّل فوق ركام دولة أنهكتها الحرب والاستبداد والانهيار الاقتصادي. سنة واحدة كانت كافية لإحداث تغييرات واسعة، لكنها لم تكن كافية لحسم أسئلة المستقبل أو تبديد الهواجس العميقة حول اتجاه البلاد ومسار علاقاتها الإقليمية والدولية.

عام الانتقال الصعب

خلال هذا العام، حاولت سلطة المرحلة الانتقالية رسم مسار لإعادة بناء الدولة وتوحيد المؤسسات، لكن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيدًا. ففي أعقاب سقوط نظام الأسد، شهدت البلاد تطورات سياسية وأمنية أعادت اختبار صورة الانتصار في الأسابيع الأولى بعد التحرير.

وجاء “خطاب النصر” الذي ألقاه الرئيس أحمد الشرع ليؤكد أن المرحلة الجديدة ستقوم على “وحدة سوريا فوق كل اعتبار”، رافضًا أي مشاريع انفصالية أو تقاسم نفوذ، ومعلنًا خارطة طريق تشمل تشكيل حكومة انتقالية وعقد مؤتمر للحوار، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، والشروع في صياغة دستور جديد.

وشدّد الشرع على أن العدالة الانتقالية ستكون بديلًا عن الانتقام، وأن المصالحة الوطنية ضرورة لمنع انزلاق البلاد إلى دوامة ثأر جديدة، مع تأكيده على ضمان عودة اللاجئين ضمن برنامج دولي يوفّر لهم شروط حياة آمنة. واختتم خطابه بدعوة السوريين إلى “النهضة من جديد” بروح جماعية خالية من الكراهية.

لكن الخطاب واجه اختبارًا مباشرًا على الأرض، مع تصاعد موجات العنف الدامي في الساحل والسويداء، ما كشف هشاشة قدرة السلطة على تطبيق وعودها وفرض الأمن والسيطرة.

الساحل والسويداء: عنف وتوترات مفتوحة

في الساحل السوري، التي ظلت لعقود معقلًا للنظام السابق، انفجرت توترات كامنة فور انهيار النظام. وخلال أشهر قليلة، شهد الساحل موجة من العنف والانتقام. وسجلت تقارير حقوقية محلية ودولية وقوع مجازر طالت المدنيين، ما دفع آلاف السكان إلى النزوح بحثًا عن ملاذات آمنة. هذا العنف أثار مخاوف كبيرة حول قدرة السلطة الانتقالية على فرض الأمن وإدارة العدالة بشكل متوازن، خصوصًا في ظل هشاشة الأجهزة الأمنية الجديدة.

ووثّقت منظمات حقوقية وقوع مجازر وعمليات انتقام جماعية ضد عائلات، ما أثار حالات نزوح واسعة وأعاد إلى الواجهة سؤال العدالة الانتقالية وحدود سيطرة الحكومة الجديدة.  وشددت المنظمات الحقوقية على أن معالجة الانتهاكات المروعة التي شهدتها مناطق الساحل لن تتحقق فقط عبر محاسبة الجناة، بل تتطلب تنفيذ إصلاحات جذرية في أجهزة الأمن والقضاء، وضمان عدم بقاء أو إعادة تجنيد المتورطين في الانتهاكات في مواقع السلطة.

أما في السويداء، فقد شهدت المحافظة مواجهات دامية بين مجموعات محلية وأخرى من البدو، سرعان ما تحولت إلى صراع شامل بعد تدخل قوات وزارة الداخلية والدفاع لمحاولة فرض السيطرة على الوضع. توسعت رقعة العنف بمشاركة واسعة لمسلحي العشائر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، وتصاعد موجات الخوف والنزوح داخل المحافظة. ومع تصاعد التوترات، دخلت إسرائيل على خط المواجهة لدعم الفصائل المحلية، وشنّت هجمات على مواقع القوات الحكومية في المحافظة، فيما استهدفت مبنى هيئة الأركان العامة في العاصمة دمشق، في رسالة واضحة لتعزيز نفوذها جنوب سوريا وإعادة رسم خطوط السيطرة في المرحلة الانتقالية.

هذه الأحداث عززت دعوات بعض الفاعلين المحليين لإدارة ذاتية موسّعة والدعوة للانفصال، في ظل غياب القدرة الفعلية للسلطة الانتقالية على فرض الأمن بسرعة، مما جعل المحافظة أحد أبرز بؤر التوتر بعد سقوط النظام.

إسرائيل في جنوب سوريا

في ذروة التوتر، برز عامل خارجي زاد المشهد تعقيدًا: إسرائيل، التي وجدت في الفراغ الأمني جنوب سوريا فرصة لتوسيع نفوذها عبر احتلالها مواقع استراتيجية في هضبة الجولان وفرض واقع جديد.

ومنذ اللحظة الأولى لسقوط نظام الأسد، تصاعد التدخل الإسرائيلي في الجنوب بشكل لافت ومتعدد الأبعاد. لم يقتصر الأمر على عمليات قصف جوي وبري وتوغل وحملات تفتيش واعتقالات، بل شمل السيطرة على مناطق استراتيجية حساسة، أبرزها جبل الشيخ، ما منح إسرائيل قدرة فعلية على مراقبة المنطقة. كما أقامت القوات الإسرائيلية بوابات وحواجز ثابتة، وشرعت في تجريف الأراضي لتعزيز وجودها، ما أدى إلى فرض واقع ميداني جديد يحد من قدرة السلطة الانتقالية على فرض سيطرتها الكاملة.

هذا الاحتلال الجزئي للمناطق الاستراتيجية جعل جنوب سوريا منطقة مفتوحة على صراعات محتملة، وزاد من تعقيد التوازن الإقليمي، حيث تُظهر إسرائيل من خلال تحركاتها قدرتها على النفوذ والضغط السياسي والعسكري في المرحلة الانتقالية.

وأصبحت إسرائيل لاعبًا علنيًا في الجنوب، ليس عبر تدخل عسكري مباشر، بل من خلال رعاية ارتباطات محلية تحت عنوان “حماية الأقليات”، وهو خطاب وجد صداه لدى بعض الجهات في السويداء، ما زاد الضغط على الحكومة الانتقالية التي تحاول التمسك بوحدة البلاد وسط تصدّع واضح في الأطراف.

عام التغيير المفتوح على كل الاحتمالات

عام واحد كان كافيًا لإحداث تحوّلات واسعة، لكنه لم يكن كافيًا لإغلاق ملفات الحرب ولا لبناء نظام سياسي مستقر. ما زالت البلاد تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتأرجح بين وعود التغيير ومخاطر الانتكاس، وبين طموحات إعادة البناء وتأسيس نظام سياسي عادل، وواقع تتنازعه الفوضى وتعدّد سلطات الأمر الواقع.

وفي ظل استمرار الانقسامات الداخلية، وتعاظم التدخلات الخارجية، وتنامي النزعات الانفصالية في بعض المناطق، تبدو الطريق نحو الاستقرار أطول وأكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا عند لحظة سقوط النظام. فالانتقال لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات: إمّا بناء دولة جديدة تتجاوز إرث الاستبداد والحرب، أو انتكاسة تعيد البلاد إلى دوّامة صراع بصور وأدوات مختلفة.

في كل الأحوال، يبقى العام الأول بعد سقوط الأسد مجرد بداية لمسار شاق، ستتحدد ملامحه خلال السنوات المقبلة، بقدر ما ستتمكن السلطة الانتقالية من فرض الأمن، وترسيخ العدالة، وصياغة إجماع وطني قادر على قيادة البلاد نحو مستقبل أقل اضطرابًا وأكثر استقرارًا.

———————————-

 سنة ثانية تحرير/ حسام جزماتي

2025.12.08

تستمد السلطات شرعيتها من مصادر متنوعة بحسب المرحلة التاريخية والجغرافيا والظروف السياسية. وربما منذ نشوء الدولة القومية، أو الوطنية، الحديثة تربع «التحرير» في موقع متميز من بين هذه الشرعيات؛ سواء أكان استقلالاً عن مستعمر أجنبي، أو انتصاراً، في نزاع كبير على الحدود، على دولة مجاورة، أو تخلصاً من طاغية متشبث كما هي الحال في سوريا.

والحق أن التحرير من أشد مصادر الشرعيات متانة في دول العالم الثالث في العصر الحديث؛ لأنه يشير إلى أن الحاكم وصل إلى السلطة بجهده بالقياس إلى شرعية الوراثة مثلاً، وبالقوة المرموقة في هذه البلدان التي تعاني من هشاشة النظام الديمقراطي، وعلى حامل وطني عريض يعني دعماً من شعبية صعبة التآكل. ولذلك كثيراً ما أغرى التحرير صانعه بالسير في طريق الفردية التي يدعمها هذا الرصيد الذي يعمد إلى تكبيره والتذكير به كلما خبا ذكره عن أذهان السكان وبدأ التفاتهم إلى أسئلة أخرى عن المعيشة وما فوقها.

وبما أن السلطة الجديدة في سوريا لم تستطع، بعد، أن تقدّم لمواطنيها تحسناً ملحوظاً في شروط حياتهم اليومية، بحجة العقوبات؛ فقد عمدت إلى زجّهم في كرنفال طويل من الاحتفالات التي لم تتوقف منذ الأيام المبكرة للتحرير وحتى ذكراه الأولى التي تقرَّر أن تستمر اثني عشر يوماً، لتواكب معركة «ردع العدوان» موقعة موقعة وبلدة بلدة ومدينة مدينة، وتختم سنة أولى من «الخمر» كما قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس، بانتظار عام «الأمر».

والواقع أن استحقاقات كبيرة تأجلت تحت ضجيج الطبول، ولم يكن كثير منها يستلزم التمويل بقدر ما كان يتطلب سلّم أولويات مختلف عن الذي جرى. وإن كانت هذه الاستحقاقات قد تأخرت بحجة حداثة العهد، واضطرابه الطبيعي، فإن دخوله سنته الثانية مناسبة لإعادة التذكير بها.

وفي مقدمة ذلك تأتي التعددية، السياسية والطائفية والقومية. وسواء انطلق ذلك من شعارات «اللحمة الوطنية» -التعبير الذي بات محل سخرية حالياً- أو من سواها؛ فإنه خيار عملي إلزامي في بلاد خارجة من ثورة أغرت الملايين بأن يكون لهم موقف من الشأن العام. وذلك فضلاً عما هو معروف من «الفسيفساء السورية» الحافلة بإثنيات مختلفة، والتي لا ينفع إخضاعها بالقوة ولا اعتماد تمثيلات زائفة لها.

والحقيقة أن المسألتين مترابطتان. فبقدر ما تشارك «الأقليات» في الحكم ينتفي شعورها بالتهميش ويتراجع حذر «الأكثرية» فيهدأ عصبها المشدود الذي أدى، خلال العام الماضي بشكل متصاعد، إلى تغافلها عن مطالب الحرية والكرامة والمساواة لصالح استنفار، لا صوت فيه يعلو على صوت المعركة التي تتنقل بين الساحل والسويداء وتطمح إلى سواهما.

ويتصل ذلك بملف في غاية الحساسية في دول ما بعد الثورات أو «النزاعات». وهو العدالة الانتقالية التي أنشأت لها السلطة «هيئة» ضعيفة الحركة بطيئة الفعالية لا تبدو لها نتائج إلا في فيديوهات قصيرة عن بدء التحقيق مع عدد من كبار المجرمين من دون أن تتبع ذلك محاكمات. وفي بلد يكتشف مقبرة جماعية كل أسبوع، ويراقب جثث شهدائه المشوهة في وسائل الإعلام الأجنبية ليتعرف عليهم؛ من البديهي أن يسود الاحتقان وتزيد نزعات الثأر والرغبات في الانتقام الجماعي. مما يهدد السلم الأهلي الذي أنشئت له «لجنة» لا تقل معاييرها في العقوبة والمصالحات التباساً.

وذلك ناهيك عن التنفيذ الشكلي لاستحقاقات داخلية كبرى، كمؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري المؤقت والحكومة الانتقالية التعددية وأخيراً الانتخاب المهجن لمجلس الشعب. مما يستبطن، أو يُظهر بوضوح، استخفافاً بالسكان ككائنات تطمح إلى ما هو أعلى من المعيشة التي تتواتر الوعود بتحسينها قريباً، أو الترفيه الزهيد الذي يحرص بعضهم على ألا يتوقف لئلا يلتفت المحتفلون حولهم إلى مشاهد الخرائب المحيطة بهم على امتداد الجغرافيا البائسة.

لم يتغير السوريون نوعياً لأن قسماً كبيراً منهم شارك في الثورة. لكن ذلك كان علامة على بداية سيرهم في طريق يخرجهم عن كونهم رعية لا تطلب سوى الكلأ والماء والنار. وكان المنتظر من أي حكومة، تستمد شرعيتها نظرياً من الثورة، أن تعمل على تكريس هذه القيم في نفوسهم وتحويلها إلى أنظمة، لا أن ترجع بهم إلى حالتهم «الطبيعية» الأولى، بل حتى إلى شبه البدائية عبر الفزعة، وتبني بذلك على ما خلّفته سنوات الحرب الطويلة من فقر وتشريد وضعف في التعليم وانتشار للأنانيات الشخصية والعصبات الجماعية. مما جعل القيم المؤسِّسة للثورة تبدو كأنها جزء من ذاكرة مشتهاة أو مختلقة.

لا يتطلب ذلك انتظار رفع العقوبات وتهافت الشركات ووصول المستثمرين وتحويل مذكرات التفاهم إلى عقود. بل يستدعي نظرة أخرى إلى البلاد وناسِها، تحمل لهم تقديراً يتجاوز كونهم مجرد عاملين مفترضين مشاركين في تنمية اقتصادية منتظرة ومستهلكين لنتائجها. غير أن ذلك يحتاج إلى حكومة ترى أن شرعيتها الفعلية تُستمد من ثورة أربعة عشر عاماً بكل حساسياتها، لا إلى معركة تحرير محددة، مهما جرى تمديدها واستحضارها لحظة لحظة في المهرجان الذي سينفضّ صخبه في النهاية، وتبدأ السنة التالية.

تلفزيون سوريا

—————————

سوريا… من يتقن اللعبة أولاً؟/ عمار جلّو

الاثنين 8 ديسمبر 2025

خلال أقل من عام، استقبلت دمشق زيارات رسمية أكثر مما حصل عليه الأسد طوال 53 عاماً، كما حصلت على تخفيف سريع وغير مسبوق للعقوبات المفروضة منذ 1979، حسب تشارلز ليستر في إسرائيل أوف تايمز.

“ما يحدث في سوريا لا يبقى أبدا هناك”، قال ليستر. على ذلك، فإن التغيير في سوريا يشكل فرصة تاريخية، يُنظر إليها كمنعطف عالمي، حوّلت المعادلة من “ما يحدث في سوريا يهدد الخارج” إلى “ما يحدث في سوريا قد يخلق آثاراً إيجابية عالمية”، ما وحّد القوى الكبرى من واشنطن إلى موسكو وبكين. الاستثناء، إسرائيل وإيران، وهما الدولتان الوحيدتان اللتان اتخذتا موقفاً معارضاً لانتقال سوريا، في مفارقة لافتة.

مع ذلك، سوريا أمام مرحلة حساسة، ومستقبلها مرهون بتوازن معقد بين الداخل والخارج. ما يجعل مسار البلاد مفتوحاً على احتمالات متعددة، حسب يورو نيوز. تركيا مثلاً، تعنى بمواجهة تحديات مرتبطة بالفيدرالية والتقسيم، وتسعى لتثبيت نفوذها ومنع أي ترتيبات تهدد وحدتها أو مصالحها. فيما تعمل إسرائيل على الدفع نحو تجزئة سوريا إلى كانتونات إثنية وعرقية، بما يخدم أهدافها الأمنية والسياسية. عليه، يُعد الصراع التركي-الإسرائيلي في الساحة السورية من أبرز العوامل الحاسمة التي ستؤثر في رسم ملامح الدولة السورية الناشئة، حسب مركز المستقبل. إذ يشكّل هذا التناطح أحد المحددات الرئيسية لمسارها السياسي والأمني في المرحلة المقبلة.

المخدرات واللاجئين والإرهاب

يؤكد ذلك، مدير البحوث في مركز عمران للدراسات، معن طلاع. فالجغرافيا السورية خلال أربعة عشر عاماً شهدت حجماً هائلاً من التدخلات الخارجية، وتعدد المجموعات المسلحة، وتراكم الملفات الأمنية، المحلية أو العابرة للحدود. كما أن البيئة الداخلية قبل سقوط نظام الأسد كانت قائمة على مناطق نفوذ وأنماط حوكمة متباينة، بجانب انقسامات مجتمعية عميقة، واقتصاد مأزوم قائم على الحرب، فضلاً عن انتشار الجرائم المنظمة. لذا “يحتاج المشهد السوري لتضافر العاملين الداخلي والخارجي معاً”، قال طلاع لرصيف22.

أمام هذا الواقع، يفترض بحكومة دمشق التوجه نحو الداخل والخارج في آن واحد، لتحقيق إنجازات ملموسة، حسب طلاع. منوهاً لجهود دمشق بتحقيق إنجازات عدة على الصعيد الخارجي، لاسيما عبر استثمار حالة توجه الإقليم نحو دعم استقرار سوريا، مما أفرز مجموعة من التوازنات. إلا أن إسرائيل أحدثت خرقا كبيراً فيها عبر وجودها المباشر في الملف السوري. وتالياً فإن شكل التفاهمات الأمنية في الجنوب السوري سيكون عاملاً حاسماً في استقرار أو تأجيج المشهد السوري ودفعه نحو سيناريوهات الفوضى.

تشاركه هذه الجزئية، الكاتبة السياسية عالية منصور. فالعقبة الأبرز أمام استقرار المشهد السوري، تتمثل في الطموحات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكنها تشير خلال حديثها لرصيف22 إلى مساعي دول المنطقة، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، للحد من مخاطر هذه الطموحات، وضمان عدم تقويض مشروع الاستقرار الإقليمي. بعد أن أدركت دول المنطقة أن سقوط نظام الأسد وخروج إيران من سوريا شكّل لحظة فارقة، حيث شكّل النظام السابق عبئاً إقليمياً، عبر ملفات المخدرات واللاجئين والإرهاب.

سيناريوهات أربع

تردف منصور، مع تطمينات حكومة سورية الجديدة بأن بلادها لن تكون مصدر تهديد، ونجاحها في إقناع العالم بصدق نواياها، شهدت دمشق انفتاحاً عربياً وإقليمياً ودولياً واسعاً، “ليس دعماً لها فقط، بل لاستقرار المنطقة بأكملها”. مؤكدة أن التعاون الإقليمي والدولي من أجل سوريا يبقى الأساس، رغم احتمالية تنافس بعض القوى.

في هذا السياق، فإن رفع العقوبات الأمريكية (قانون قيصر) عن سوريا، لا يُنظر إليه كإجراء اقتصادي فقط، بل كخطوة استراتيجية يمكن أن تغيّر موازين الاستقرار في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام دمشق لتكون قوة إيجابية بدلاً من كونها بؤرة أزمات، حسب معهد الشرق الأوسط. اللحظة الحالية تُعتبر فرصة نادرة تحدث مرة واحدة في جيل لإعادة بناء دولة مستقرة ومزدهرة. وأي تأخير في رفع العقوبات سيؤدي إلى استمرار الأزمة الاقتصادية في سوريا، وزيادة التوترات الداخلية، وإعطاء إيران وحزب الله فرصة لتعزيز نفوذهما.

وخلال عامها الأول، نجحت حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في إعادة تأهيل علاقات سوريا الخارجية. حصلت على اعتراف إقليمي ودولي واسع، بقيادة الولايات المتحدة، حسب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “INSS”. مع ذلك، يواجه الشرع تحديات داخلية عميقة ناتجة عن عنف ضد الأقليات بدافع الانتقام الشعبي. مع تعثر مفاوضات دمج الأقليات في الدولة. واستمرار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. هذه التحديات تعكس إرث الحرب السورية الطويلة. وهناك شكوك حول قدرة الشرع على بناء دولة مستقرة وشاملة. وفي ظل غياب نظام مركزي مدعوم إقليمياً ودولياً سيعني الفوضى والتفكك وربما حرباً أهلية شاملة.

إلى ذلك يشير الباحث في مركز الحوار السوري، نورس العبدالله، بالقول، فيما يخص تقييم الأداء، “النسبية” هي العنوان الأوسع للمشهد السوري. فخارجياً، يمكن الحديث عن نجاح نسبي يتمثل في فتح علاقات دبلوماسية، تأسيس تعاون، وتخفيف المخاطر أو تجنّب الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. في المقابل، لم تُظهر إدارة التوازنات الداخلية بعد مساراً تراكمياً إيجابياً، لاسيما مع بروز فجوات خطيرة مثل “فخ السويداء”، والإفراط في التفاؤل بالملف الاجتماعي-الاقتصادي، وملفي العدالة والسلم الأهلي.

لذا، تبقى “النظرة التفاؤلية الحذرة” هي الأنسب، دعم فرص الاستقرار والانفتاح، مع عدم التغافل عن التحديات البنيوية والداخلية والخارجية. حيث تبقى سوريا ساحة صراع على النفوذ، تحمل سمات البيئة الهشة القابلة للانخفاض أو الارتفاع. فالتوازنات الإقليمية والدولية الحالية تميل إلى تجميد بؤر الصراع العسكري بسرعة، ما يعزز فرص الاستقرار. بجانب تطور أداء السلطة وحاجة السوريين الملحّة للاستقرار، مع غياب بدائل جدية.

لكن عوامل سلبية قد تعكس المسار، أضاف العبدالله لرصيف22، ومنها فشل بناء مؤسسات الدولة أو استمرار الجمود الضار. واحتمالات تقسيم غير معلن، عبر مناطق نفوذ منفصلة. مع استمرار خطاب الكراهية والطائفية، وفشل جهود التعافي الاقتصادي. بجانب فوضى السلاح، والتدخلات الخارجية. ونشاط شبكات الغلو والتطرف.

ومنذ سقوط النظام السابق، يسير المشهد السوري في أربع اتجاهات رئيسية، حسب طلاع. اثنان منها يصبان نهايةً في تحقيق الاستقرار، لكنهما يتخذان شكلان مختلفان، أحدهما يقوم على صيغة استبدادية وتحكم مطلق في الدولة والمجتمع، وثانيهما استقرار يقوم على مؤشرات وآليات ديمقراطية قائمة على التشاركية والحوار. أما الاتجاهان الآخران فيتمثلان في احتمالات اندلاع موجات احتجاج جديدة، أو بروز أنماط من العنف المحلي قد تتطور إلى اقتتالات داخلية، وصولاً إلى سيناريو التقسيم كخاتمة محتملة للفوضى.

سوريا، ركيزة التوازنات الإقليمية

وفقاً لـ “سوريا الغد”، تعيش سوريا فراغاً سياسياً وأمنياً، تتحرك فيه القوى الكبرى بمنطق الاحتواء، مع تراجع للدور العربي. حيث تفتقد واشنطن لاستراتيجية متماسكة تجاه دمشق، وتنظر الرياض إلى الملف السوري كجزء من توازنها مع طهران. فيما تظل البلاد في جدل هوية مفتوح بلا صيغة نهائية أو رؤية واضحة. لم تحدد بعد صيغة دولة واضحة، الاندماج الإقليمي، أو التحول إلى دولة عازلة تحت إدارة أمنية دولية. عليه، أصبحت الإطار الحاكم للسياسات القوى الكبرى/الفاعلة (واشنطن، موسكو، أنقرة، تل أبيب) يركز على منع الانفجار لا على حلول نهائية، بما يمكن تسميته بـ “الهندسة الوقائية للأمن”.

من جانبها، تدرك القوى الخليجية خطر تجدد العنف في سوريا، وتسعى لكبح النفوذ الإيراني ومنع عودته إليها. لكن باتساع نفوذ إسرائيل وتراجع نفوذ إيران بعد حرب غزة، باتت سوريا مركزاً لإعادة تشكيل التوازنات في المشرق العربي، حسب مركز مالكوم كير-كارنيغي. كما أن المصالحة بين أنقرة والقاهرة أطلقت تعاوناً للاستقرار، لكن تركيا تقود المبادرة وتعد الأكثر انخراطاً في إعادة إعمار سوريا، مدفوعة بأهداف مرتبطة بالقضية الكردية ونزع سلاح قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. تالياً، تنشط الدبلوماسية السعودية والإماراتية لمنع التوسع الإسرائيلي وترشيد الطموحات التركية، مع الحرص على استبعاد عودة إيران ووكلائها.

فيما تستبعد وكالة DW، سيناريو التنافس المباشر بين الرياض وأنقرة مستبعد. حيث تضع الدولتان استقرار سوريا كأولوية، ويتجهان نحو تقاسم الأدوار، تعترف كل منهما بالدور الذي تؤديه الأخرى، والذي لا يمكن استبداله بسهولة. تركيا للعب دور متكامل في تعزيز الأمن والحكم داخل سوريا. فيما تمتلك السعودية قوة دعم التعافي الاقتصادي وإعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي. فالموقع الجغرافي يمنح أنقرة نفوذاً لا مفر منه داخل سوريا، لكن التمويل يبقى مجالاً تتفوق فيه السعودية والدول الخليجية والعربية.

لكن التنافس في سوريا قائم ولا يمكن أن يتحول إلى تفاهم أو تعاون، بسبب تضارب المشاريع المتعددة. وأبرزها المشروع الإسرائيلي المدعوم أو المتغاضى عنه أمريكياً، في مقابل المشروع التركي والمشاريع العربية. فإسرائيل ترى نفسها صاحبة الدور الإقليمي الأبرز وترفض ترك الساحة لأنقرة بعد مساهمتها في إضعاف إيران وحزب الله والنظام السوري. هذا التنافس غير ظاهر بشكل علني نتيجة رغبة واشنطن في الاستقرار وتركيزها على مواجهة خطر داعش.

ويرجّح باريش خلال حديثه لرصيف22 أن يشهد الجنوب السوري توتراً أمنياً وعسكرياً متصاعداً، قد ينتهي بتدخل روسي للفصل بين الأطراف، خاصة مع رغبة الإدارة السورية الجديدة في تجديد التزاماتها وتسهيل دور موسكو، غير أن هذا الدور لن يتم دون موافقة إسرائيل. منوهاً إلى أن مشكلة الإدارة السورية تتمثل في إهمال الداخل والتركيز على الخارج، عبر التقارب مع واشنطن باعتبارها المخلّص، وهو ما يفاقم الفوضى والانقسامات بين المكونات المحلية كالأكراد والدروز، ويجعل الحكومة الانتقالية في حالة اضطراب وفشل في إدارة الأزمة.

بدوره يخلص طلاع إلى أن مفتاح تحقيق التوازنات يكمن في البنية المحلية، عبر بناء آليات مستدامة لحوار وطني شامل، ومقاربات جديدة تتجاوز الأطر الأمنية التقليدية، مع توزيع متوازن للصلاحيات بين المركز والأطراف بما يضمن التمكين المحلي ويؤسس لإدارة متناظرة لا تقوم على أسس قومية أو عرقية. وإذا ما أُديرت هذه الاستحقاقات بوعي ومسؤولية، يمكن أن تتحول التوازنات السورية إلى مسار دقيق وفاعل يقود في النهاية إلى الاستقرار المنشود.

رصيف 22

—————————-

سوريا بعد عام على سقوط الأسد: آفاق التغيير وسط مخاوف مستمرة/ أغيد حجازي

8 ديسمبر 2025

بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، تكاد سوريا تمرّ في واحدة من أهم لحظاتها المفصلية منذ استقلالها عام 1946. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، عاشت البلاد اضطرابات سياسية حادّة وموجات انقلاب متلاحقة حتى عام 1970 الذي رسّخ حكم الفرد ومنع الحريات والديمقراطية طوال 54 عامًا، قبل أن يسقط في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.

ورغم فرحة السوريين العارمة بسقوط النظام، لم يتبدّد القلق من اليوم التالي، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل البلاد، وما إذا كانت تطلعاتهم التي ناضلوا لأجلها عقودًا ستتحقق أخيرًا. وبرغم ذلك، بدا المشهد في الأيام الأولى لتسلّم الإدارة السورية الجديدة الحكم مستقرًا نسبيًا؛ آلاف المهجّرين عادوا إلى ديارهم بعد سنوات النزوح، وفتحت وسائل الإعلام أبواب البلاد بعد أكثر من 15 عامًا من الإغلاق، واتّسع هامش الحريات العامة تدريجيًا، فيما خرج المعتقلون من السجون.

وشكّل إلغاء التجنيد الإلزامي خطوة مفصلية أنهت سنوات من الهجرة القسرية للشباب أو اضطرارهم لدفع مبالغ طائلة مقابل الإعفاء. كما سُمح بالتعامل بالدولار بعد أن كان خطًا أحمر لعقود، وبدأت الدولة حملة واسعة لمكافحة المخدرات وتدمير شبكاتها بعدما تحوّلت سوريا إلى أحد أبرز الدول المنتجة لها. كذلك شهدت البلاد تراجعًا ملحوظًا في القلق الأمني الذي كان يخيّم على الحياة العامة.

غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تمثّل سوى جزء بسيط من تطلعات السوريين، ولا تعكس حجم التغيير الذي ينتظرونه.

غياب الديمقراطية

ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت المرحلة الأولى بعد سقوط النظام، بدأت البلاد تميل تدريجيًا نحو نمط جديد من حكم الفرد، مع تركّز الصلاحيات بشكل كامل بيد رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع. فقد جمع الشرع بين مواقع رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش ورئيس مجلس الأمن القومي، إلى جانب صلاحيات تنفيذية واسعة أخرى.

ويمتلك الشرع حقّ تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب مباشرة، فيما يُنتخب الثلثان المتبقيان عبر هيئات ناخبة شكّلها بمرسوم، الأمر الذي يفقد العملية الانتخابية مضمونها التمثيلي. كما يعين السلطة القضائية العليا، وتخضع له أهم المؤسسات الاقتصادية في الدولة، مثل صندوق السيادة وصندوق التنمية ومؤسسات الاستثمار.

وتشكّلت الحكومة الانتقالية بقرار مباشر من الشرع، من دون تعيين رئيس وزراء، إذ احتفظ لنفسه أيضًا برئاسة الحكومة. أمّا الوزارات السيادية الأربع، الخارجية والداخلية والدفاع والعدل، فبقيت في يد شخصيات مقرّبة منه. وبذلك جاء تمثيل المكوّنات السورية شكليًا ورمزيًا، لا يعكس مشاركة حقيقية في السلطة.

وبعد حلّ جميع الأحزاب خلال “مؤتمر النصر”، وفي ظل غياب قانون أحزاب جديد يسمح بإنشاء قوى سياسية وتنظيم الحياة الحزبية، تبدو الساحة السورية خالية من أي عمل حزبي منظم، باستثناء إدارة الشؤون السياسية.

العدالة الانتقالية والمفقودون

تبقى المعضلة الأكبر أمام السوريين هي العدالة الانتقالية وملف المفقودين والمغيّبين قسرًا. وبعد عام على سقوط النظام، لم تُتخذ أي خطوات عملية حقيقية في هذا الاتجاه، رغم أن هذا الملف يشكّل الهاجس اليومي لعشرات آلاف العائلات المنتظرة لمعرفة مصير أبنائها منذ سنوات طويلة.

غياب الإرادة السياسية، وتقديم ملفات أخرى على هذا الملف، يولد شعورًا عامًا بأن العدالة تُؤجَّل مرة أخرى، وأن ضحايا العقود الماضية مستثنون من الأولويات الحالية رغم أن العدالة هي الأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.

هذا الغياب في تطبيق العدالة الانتقالية شكّل حالة من العنف المتولِّد والمستمر في البلاد، نتيجة الاغتيالات وأعمال الانتقام الشخصي في ظل غياب المحاسبة والرقابة الفعلية، ما أنتج موجة جديدة من العنف والقلق الأمني وحالات الثأر والثأر المضاد.

كما أن ملف المفقودين يعاني في ظل تشتّت وتعدّد المراكز الحقوقية التي يحتفظ كلٌّ منها بملفات تتعلّق بمصير آلاف المفقودين، وتُنشر هذه الملفات على وسائل التواصل من قبل مؤسسات فردية، من دون أن تُجمع بشكل مركزي من قبل وزارة العدل أو الهيئة الوطنية للمفقودين، أو يُعلن عن مصير المغيّبين بشكل رسمي.

التدخلات الخارجية وتفكك المجتمع

رغم سقوط النظام، لم تتراجع التدخلات الخارجية، بل على العكس ازدادت تعقيدًا. فالتوغّلات الإسرائيلية تكاد تكون شبه يومية في الجنوب السوري، مع احتلال مناطق استراتيجية وبناء قواعد عسكرية من دون وجود استراتيجية وطنية واضحة لصدّها أو التعامل معها.

كما يعتمد جزء من القرار السوري على دعم خارجي لمواجهة تدخل خارجي آخر، وهو ما يجعل البلاد أكثر ارتهانًا للخارج، كما يظهر في العلاقة مع الولايات المتحدة التي بات تدخلها يأخذ شكلًا أقرب إلى الوصاية عبر وجود قواعد عسكرية منتشرة على الأراضي السورية. أما الوجود الروسي فقد حافظ على استمراريته وثبّته رغم ارتباطه ودعمه للنظام السابق.

وإلى جانب ذلك، تشهد البلاد حالة من التفكك المجتمعي العميق، في ظل ارتباط بعض القوى الداخلية بالخارج. ففي السويداء يتزايد التعويل على الدعم الإسرائيلي لدى بعض الأطراف، وفي شمال شرق سوريا تعتمد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الأميركيين بشكل مباشر.

وفي مختلف المناطق ينتشر خطاب طائفي يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات التي عاشتها البلاد سنوات طويلة، وسط غياب جهود فعّالة لمواجهة هذا الخطاب، الذي يُعد أحد أسباب الانتهاكات والمجازر في كلّ من الساحل والسويداء، ما أعاد القلق مجدّدًا لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري.

بعد عام على سقوط النظام السابق، تبدو الصورة السورية شديدة التعقيد، تجمع بين خطوات إصلاحية ملموسة، وتحديات سياسية وأمنية واجتماعية ما تزال قائمة. فبين مكاسب أولية تتعلق بعودة جزء من المهجّرين، وتحسّن نسبي في الحريات العامة، وتراجع مستويات الخوف الأمني، تقف البلاد أمام اختبارات صعبة تتعلق ببناء مؤسسات دستورية مستقلة، وإرساء قواعد الحياة السياسية، وتطبيق العدالة الانتقالية، وضبط التدخلات الخارجية، ومعالجة الانقسام المجتمعي.

ورغم التباين الكبير في تقييم السوريين لهذه المرحلة، إلا أنّ الثابت أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق حاسم، يتطلب وضوحًا في الرؤية، وتوافقًا وطنيًا واسعًا، وخطوات عملية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يحدد ملامح سوريا الجديدة في السنوات المقبلة.

—————————–

كأنها القيامة: الصفحة الأخيرة في دفتر هزيمة نظام الأسد

08 كانون الأول 2025

في التحقيق التالي تعرض سوريا ما انحكت شهادات عناصر وضباط من الجيش السوري السابق، يتحدّثون فيها كيف عايشوا الأيام القيامية الأخيرة لنظام الأسد، وهم يشاهدون منظومةً قضوا فيها سنواتٍ طوال، تنهار على نحوٍ لا يصدق، أمام أعينهم. نقدّم الشهادات بعدساتهم، وكلماتهم، سعياً للمحافظة على ذاكرة تلك الأيام التاريخية من وجهة نظر المختلف، من دون تبني أيٍّ من مواقفهم. لا تهدف مشاركتنا هذه الشهادات مع قرائنا إلى إخلاء ساحة العناصر والضباط من أية مسؤوليةٍ جنائيةٍ أو قانونية.

منتصف ليل 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. كأس الشاي الحمراء تشعّ على ضوء الليدة الوحيدة في دشمة خارجة من الأرض وممتدّة طولاً بضعة أمتار قرب تلةٍ مُعتمة تقريباً. يعدّ الرجل الخمسيني عدد إشارات تغطية شبكة الهاتف الخلوي: اثنتان من خمسة. الأمور جيّدة إذاً ولا تشويش على الشبكة.

يفرك الرجل عينيه بهدوء. الواحدة إلا ربع من صباح اليوم التالي، يوم ميلاد ابنته سماح. من فتحة الدشمة تبدو نقاط الحراسة ساكنة وحولها أشباح جنودٍ يتحرّكون بحذر. يدخّن العقيد في الجيش السوري، داوود، آخر سيجارة قبل أن ينام بثيابه العسكرية ويسلّم المراقبة لزميله النائم. الجيش كلّه في حالة استنفار ولا مجال لتضييع الوقت بارتداء الألبسة. في تلك اللحظة يتذكّر إرسال رسالةٍ لابنته. يفعل ثم يغطي عينيه بقطعة قماشٍ سوداء.

على يسار الدشمة يقف الرقيب “أبو خليل” بجثته الضخمة مُتردّداً يميناً ويساراً. هذا المارد عاد الأسبوع الماضي من رحلته إلى حلب حيث ودّع أخاه الذاهب إلى ألمانيا. تنتمي هذه النقطة العسكرية إلى الفوج 47 التابع للفرقة ثلاثين، التي تنتشر بين محافظتي حلب وإدلب على خطوط تماس قوات المعارضة السورية المسلّحة مع الجيش السوري، كما أخبرنا داوود. الدشمة نفسها تتوضّع في (تلة الدريجات) بين قريتي قبتان الجبل والشيخ عقيل شمال غرب حلب، على الخطّ الأوّل في تلك الجبهة المستقرة منذ العام 2020 مع توقّف المعارك وقتها. لدى داوود معلوماتٌ من القيادة العسكرية أنّ المعارضة ستنفذ هجوماً على محور إدلب – حلب، وأنّ الجميع مستعدٌ لمواجهة هذا الهجوم. كما أنّ “الجيش استنفذ بالاستنفارات التي حدثت قبل الهجوم، عشرة أيام في حالة ترقبٍ وانتظار ليلاً نهاراً”.

السابعة و23 دقيقة صباحاً 27 تشرين الثاني، سمع داوود أزيز أشياء فوق رأسه. نظر إلى السماء الرمادية. كانت طائراتٌ مُسيّرة انتحارية من صناعة “المسلّحين”، كما يسميهم، سوف تُعرف لاحقاً باسم “الشاهين”، رؤيتها على أرض الواقع كانت شيئاً مختلفاً تماماً. “إلى مواقعكم!” صرخ داوود، لكن صوته اختفى في دوي انفجاراتٍ مدوية. تحوّلت نقطة حراسةٍ قريبة إلى كرة نار، موديةً بحياة جنديين.

السومرية بين الماضي والحاضر

31 تشرين الأول 2025

فجأة، سمع أصوات محرّكات. لم تكن محركات دباباتٍ ثقيلة بل كانت دراجاتٍ نارية، مزوّدة برشاشاتٍ قواعدها موضوعةٌ على السنّادات (السيبة) تخرج من ممراتٍ جانبية قرب التل. النار في كلّ اتجاه، بينما استمرّت المسيّرات بقصف المواقع.

رفع داوود بندقيته وأطلق النار باتجاه إحدى الدراجات المقتربة، ثم بدأت البيكابات بالتدفّق بسرعة، وعلى متنها رماةٌ يطلقون رشقاتٍ قصيرة. سمع صراخاً إلى جانبه. كان أبو خليل قد سقط على الأرض مُمسكاً بصدره بعد اختراق رصاصةٍ درعه الواقي.  “انسحبوا، انسحبوا!” صاح داوود.

صباح 27 / 11 أعلنت المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام إطلاق عملية “ردع العدوان”. دارت معارك عنيفة بين الجيش السوري وهيئة تحرير الشام التي نفّذت هجوماً خاطفاً على بلدات وقرى في ريف محافظة حلب الغربي من بينها تلة الدريجات، وخلال ساعات سيطرت على 32 قرية ونقطة وتابعت تقدّمها باتجاه مدينة حلب ووصلتها بعد يومين ورفعت العلم على باب قلعتها.

بينما كان يحاول تنظيم انسحاب رجاله، انفجرت قذيفةٌ قريبة أطاحت به أرضاً. شعر بألمٍ حاد ثم غاب عن الوعي. عندما استيقظ بعد ساعات، كان الظلام قد حلّ والصمت يخّيم على التلة. يكمل داوود روايته لتلك الساعات الفاصلة في حياته: “نظرت حولي فوجدت جثث رجالي متناثرة، بينما كانت معداتهم العسكرية مبعثرة في كلّ مكان. سمعت أصواتاً بعيدة، توقعت أنّ “الإرهابيين” يواصلون تقدّمهم بعد أن حسمت معركة التلة لصالحهم. تركوني ربما لاعتقادهم أنني قتلت”.

نهض داوود نحو الدشمة نصف المُدمّرة. خلع بدلته المُلطّخة بالدماء وارتدى بيجاما رياضية كانت هناك. يروي والدموع تغالب وجهه: “ألقيت بدلتي وهويتي العسكرية في حفرةٍ سطحية وغطيتها بالتراب. في تلك اللحظة كنت أدفن نفسي حيّاً في ذلك التراب الذي قضيت فوقه سنوات، أعمل كي لا تحدث هذه اللحظة”.

يكمل داوود من منزله في الساحل السوري حكاية اليومين الأخيرين في الجيش الذي قضى فيه زهوة عمره: “مشيت مُسترشداً بحدسي بموازاة الطريق الدولي M5، اختبأتُ من سيارات التويوتا علامة المعارضة مع الدوشكا التي تعبر الطريق مسرعة. لجأت إلى البيوت المدمّرة. أما الأكل والشرب فكانا آخر همي، كل خطوة على قدمي المصابة كانت تذكّرني بسقوط التلّة”.

في اليومين التاليين، قطع حوالي خمسين كيلومتراً. اختبأ في قبو بيت مدمّر في قرية (الزربة). نام من الإرهاق. في ضوء النهار، سمع مزارعاً محلياً يخبر جاره: “سمعت عم يقولوا خلصت حلب، صارت بإيد الهيئة”. كانت تلك هي المرّة الأولى التي يسمع فيها بتفاصيل ما بعد معركته. لم تكن حلب قد سقطت بالكامل بعد، لكن الإشاعات تدفقت. مع الليل خرج واستأنف سيره جنوباً.

عند مشارف  معر زيتا توقفت قدماه. كان المشهد كأنّه يوم القيامة: سياراتٌ محمّلة وأسرٌ تفرّ من المنطقة، وجنودٌ بملابس مدنية يحملون سلاحهم الفردي الخفيف. دباباتٌ واقفة في طرف الطرقات من دون حركة. على جنبات الطرق آلياتٌ عسكرية مشتعلة أو مدمرة.

سار داوود وهدفه الوحيد الوصول إلى مشفى السقيلبية الوطني. توقفت قدماه مع عبور سيارةٍ عسكرية حملته من طريق الـ M5. حتى وصل إلى المشفى، يقول: “بقيت ساعات ومن ثمّ نقلوني إلى مشفى حماة الوطني بسيارةٍ خاصة لإكمال العلاج. لا أتذكر من تلك الرحلة سوى حديث صاحب السيارة اللئيمة وهو يروي تقدّم قوات المعارضة ويقول “انتصرنا بعد خمسة عشر عاماً من الصبر”.

منذ وصوله إلى منزله في اللاذقية في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2024 وداوود يراقب شاشة موبايله بحثاً عن تغيّرٍ قد يحصل أو نداءٍ قد يتلقاه للعودة إلى القتال، حصل التغيير ولكن ليس إلى جانبه. يقول قبل أن يروي لنا وقائع ليلة السابع حتى العاشر من كانون الأول/ ديسمبر: كنت مؤمناً بالمؤسسة التي أفنيت عمري فيها، وبقيمٍ كثيرة انهارت بسبب شخصٍ أحمق أورث البلد خراباً بلقعاً. وصلت ذروة توتري حين شاهدت الطيران الإسرائيلي يقصف مواقع الجيش السوري من الساحل حتى حلب. تلك اللحظة كادت تقتلني بذبحةٍ قلبية لولا رعاية زوجتي الطبيبة لي. أعطتني مُميّعات الدم والمسكنات حتى هدأتُ ونمت مجبراً: “أكان كل هذا وهماً؟ ليس لدي يقينٌ سوى يقيني أنني نجوت من الموت لكن روحي مدفونةٌ في حفرةٍ ضحلة على تلة الزيتون”.

حين اختفى سلاح الطيران من الجو

في مشفى حماة التقى داوود بالمقدّم عليّ (35 عاماً) من مدينة حمص، قائد حوامة، وصل إلى المشفى بعد إصابته بطلقاتٍ نارية في فخذه أثناء محاولته النجاة من مطار حماة العسكري. ساعدنا داوود في التواصل مع علي المقيم حالياً في حمص بعيداً عن الأنظار.

يروي علي: “في الساعات الأولى من صباح 30 تشرين الثاني/ نوفمبر جاءني اتصالٌ على هاتفي الخليوي للتوجّه بسرعة إلى مطار كويرس. قطعت المسافة من بيتي في حي الحاضر إلى مطار حماة في عشر دقائق. ومن هناك إلى كويرس بالحوامة. من الجو رأيت مشهداً لا يتكرّر ولا أظنه سيتكرّر: مئات السيارات والعربات والأشخاص يتدفقون إلى المدرجات الممتلئة بالحوامات. ثماني حوّامات كانت هناك، والجميع يبدو مستعجلاً”.

حين هبطت، جاء إلى الحوامة ضابطٌ برتبة عميد سألني فوراً: أنت المقدّم فلان؟ أجبت نعم متغاضياً عن الطريقة التقليدية في تقديم الأسماء العسكرية. ردّ العميد: “لا تحمّل حدا. دقائق ويجوا اللي لازم تنقلهم على حماة فوراَ”.

ذلك اليوم 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 على الجهة المعاكسة من حلب، دخلت هيئة تحرير الشام ومن معها إلى المدينة. يروي علي: “في ذلك اليوم أقلعت طائرةٌ حربية سورية من كويرس ثم عادت إلى المطار بعد وقت، انتبهتُ إلى أنّ الطيّار أوقف طائرته ثم بدل ثيابه وغادر بسيارة خاصة. في التوقيت نفسه تقريباً عرفت من الموجودين في المطار أنّ هذه الطائرة قصفت بعدّة صواريخ دوار الباسل على الأطراف الغربية لمدينة حلب”. يؤكّد علي: “كانت هذه من آخر طلعات الطيران الحربي السوري. توقّفت حركتها في كويرس وبقينا نحن والحوامات”.

تسبّبت تلك الطلعة بوقوع مجزرة راح ضحيتها 16 مدنياً بينهم أطفالٌ وسيّدات وكوادر طبية إضافة إلى إصابة 70 آخرين بجروح، وفق ما نقل وقتها المرصد السوري لحقوق الإنسان مضيفاً إنّ حصيلة القتلى منذ بدء هجوم الفصائل في المنطقة وصلت إلى 327 شخصاً على الأقل. يعلّق علي: “لم يرغب هذا الطيار بأن يترك ذكرى طيبة ويمتنع عن جريمته مع معرفته – ربما – أنّ الذين على الدوار كانوا مدنيّين”.

“بينما كانت أنباء المجزرة تنتشر، كنت أشاهد القيادات تتدافع للحصول على مقاعد في الحوامات. وصل إلى المطار محافظ حلب وقيادات الشرطة والأفرع الأمنية. يقول علي “فيما بعد صعد عشرة أشخاص، بعضهم أعرفه بالشكل. من بينهم رئيس اللجنة الأمنية في حلب وضابطان من الفرق القتالية مع امرأة لم أعرفها. كانت الأولوية نقلهم إلى حماة، حتى تلك الساعة لم أكن أفهم مما يجري سوى أنّ غرب حلب حتى القلعة سقط بيد المسلحين”.

أغلق أحدهم باب الحوامة وأعطى علياً أمر الإقلاع. من الجو شاهد الطيّار الازدحام الخانق على طريق أثريا خناصر نحو تدمر ومنها إلى حمص: آلاف السيارات والشاحنات والعربات المدرّعة والأفراد الذين يمشون، غالبيتهم من العسكريين.

بعد حوالي ثلثي الساعة من الطيران هبطنا في مطار حماة العسكري. “نزل الجميع واتجهوا إلى سياراتهم مُسرعين وبقيت وحدي في المروحية لدقائق. اتجهت إلى منزلي فوجدت عائلتي في انتظاري للخروج من الضاحية. غالبية الناس في جواري من العسكريين المُرتبطين بالنظام السابق، لم يطل الانتظار وضعتهم جميعاً في سرفيس وأرسلتهم إلى بيت العائلة في حمص وعدت للمطار بسبب تلقي طلب نقلٍ آخر من كويرس من قبل قائد إحدى الفرق القتالية. حين وصلت المطار سمعتُ أصوات إطلاق نار وسيارات وتكبيرات.”

بين 30 تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤ و5 كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان المطار، الذي يضم مدرجه الرئيسي ومرابض طائرات الميغ-21 والميغ-29، يشهد عملية إخلاءٍ محمومة للطائرات العاملة نحو قواعد في الساحل السوري، بينما تُركت الطائرات المُعطّلة ومستودعات الذخيرة لمصيرها. في ذلك اليوم فقد علي حوامته بعد إطلاق النار عليها من قبل مسلحي المعارضة الذين حاولوا اقتحام المطار. اخترقت رصاصةٌ فخذه فيما كان يحاول النجاة من الدفق المجهول. ركب سيارته واتجه إلى أقرب مشفى “ربما كانت هذه الرصاصة هي التي أنقذتني من مصيرٍ مجهول، وجعلتني ألتقي لاحقاً بداوود في المشفى”.

في المشفى استعرض عليً حياته السابقة منذ دخل الكلية العسكرية الجوية في حلب وصولاً لما يجري الآن. لم يكن علي ممن رمى البراميل على السوريين، ولكنه نقل مئات الضباط عبر الجبهات لسنوات. “كم كان هذا النظام أحمقاً وغبياً، سوف تكون أمامي رحلة جديدة صعبة”. لا يمكن له الفرار خارج البلاد في هذه اللحظات لأن أهله ينتظرون منه خبراً عن سلامته. بعد مئات الاتصالات التي وردته ولم يرد عليها. حمل هاتفه الخليوي واتصل بأبيه القلق. اطمأن الوالد على ابنه قبل أن يغلق عليّ جهاز الخليوي وهو يفكّر: وماذا بعد؟ غادر علي المشفى بعد أن وصلت طلائع هيئة تحرير الشام إلى حماة وانتشرت في المدينة. أخفى هويته في جيبٍ داخل ثيابه المدنية وقاد إلى حمص.

من حمص إلى طرطوس

حين عبر المقدّم علي أمام الكلية الحربية في منطقة الوعر في حمص، متجنباً الأوتوستراد الرئيسي بين حماة وحمص بسبب الازدحام الخانق للمتدفقين من جهات سوريا الأربعة إلى حمص وحماة والساحل، كانت الساعة قد قاربت الواحدة صباحاً 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

على سور الكلية وفوق المحرس المواجه لحي الوعر على ارتفاع ستة أمتار وقف “أحمد” حاملاً بندقيته الآلية متلفعاً بشالٍ صوفي أهدته له والدته ليقيه من البرد في انتظار ما لا يعرف. أحمد طالب ضابط في السنة الثالثة في الكلية من مدينة بانياس.

يروي أحمد وقائع الساعات الخمس الفاصلة بين حياته واحتمال موته الكبير ذلك الوقت قائلاً: “كان قد مضى يومان ونحن مشتبكون، وكلّ ساعتين تصل أنباء عن إخلاء الجيش لمنطقةٍ من المناطق القريبة من حماة وحمص. كنا في منتهى الجاهزية. وزعونا نحن الطلاب على مجموعاتٍ مساندة لحراسة الكلية. وقت طلع الطيران وضرب الرستن توقف القتال لوقت قصير وقالوا في هدنة. وصلت موتورات على باب الكلية صاروا يضربوا رصاص علينا”.

لم يكن مسموحاً للطلاب الانسحاب من مواقعهم حسب قول أحمد “مر الوقت من منتصف الليل حتى الثالثة صباحاً حين اكتشفنا نحن الطلاب أنّ القيادات الكبيرة في الكلية هربت كلها. كانت تلك اللحظة بداية انهيارنا”. كنت في محرسي أحمل بندقيتي متسائلاً: “من نحن دون قادة؟ تذكرت يوم دخولي الكلية الحربية، وكيف وقفنا نؤدي القسم. اعتقدنا أننا انضممنا إلى عائلة، إلى مؤسسة، إلى وطن. لكن تلك الليلة، اكتشفت أننا كنا مجرّد أرقام في سجلات، تخلوا عنّا عند أوّل أزمة”.

يكمل الشاب الذي يعيش اليوم في قريته في ريف بانياس على جمع الحطب وبيعه: “ما عاد اعتمادنا على حدا، والجو صار أنه انسحبوا. العناصر الصغيرة من الضباط بدأت تقول انسحب الضابط فلان وفلان ولم يبق أحد”.

كان أحمد في جملة من خرج من الكلية حوالي الرابعة صباحاً بعد تواتر الشائعات والأنباء عن سقوط حماة وحمص. يقول: “طلعنا من الكلية من عند المشفى العسكري تجمعنا في الوعر مسلّحين، مشينا مسافة طويلة مع باصات خارجة من حمص، ومع الزحمة المهولة نزلنا وقفنا على أوتوستراد حمص طرطوس عند مصفاة حمص”.

يتابع: “وقفنا على جانب الطريق، مجموعات من الطلاب العسكريين المنسحبين من مختلف الكليات مع عساكر وضباط ومدنيين متدفقين على الطريق. نراقب نظرات الناس تتنقل بيننا. نساء ينظرن إلى أبنائهن الضائعين، يرمقننا بشفقة ممزوجة باللوم، تقول عيونهن: “أين كنتم وماذا فعلتم؟” بالمقابل، كان هناك من يشمت فينا. سمعت أحدهم يصرخ: “شوفوا جيش الأسد كيف صار!” وكانت عيناه تلمعان بانتصار مرير، انتصار من دفع ثمناً باهظاً طوال سنوات الحرب.

في تلك اللحظة يقول أحمد: “كنا أكثر من مجرد جنود منهزمين؛ كنا رمزاً لنظامٍ انهار، وذكرى لحقبةٍ انتهت، وهدفاً لغضبٍ متراكم. لم نكن فقط نهرب من المعركة، بل كنا نهرب من نظرات شعبٍ انقسم بين من رثانا ومن انتظر سقوطنا”.

الطريق وفق ما رواه أحمد “كانت سيئة جداً، الحوادث كثيرة ومن يموت على الطريق يمسكونه ويرمونه على جنب، كرمال العالم تكفي وتهرب منه ومن الزحمة. عالم تركت سياراتها ومشيت، عالم تركت كل ما تملك ومشت لأن الزحمة قاتلة والحوادث التي صارت على الطريق كثيرة. لم يكن هناك إسعاف. كان الطريق المعاكس فارغاً، والوضع كان متوتراً جداً”.

ليلاً، على الأتوستراد كانت السيارات والدبابات تمشي معاً ومعها آلاف مؤلفة من البشر المدنيين والعسكر “ما فيك تمشي، مشينا مسافة، نمشي نمشي فيك تقول أمم أمم ماشية على الطريق. لما وصلنا تقريباً عند طرطوس طلع علينا الضو. أمامنا حواجز للفصائل والأمن العام التابعة للحكومة المؤقتة (كما أوضحت لوحات سياراتهم)، بعد مفرق قرية كرتو بطرطوس، كل واحد شلح سلاحه لما وصلنا لعندهم، حتى البدلات العسكرية شلحناها. في عالم وصلت عندهم لابسة فقط ثياب داخلية رغم البرد القاتل”.

على الحواجز، وقف جنود الأمن العام بوجوه مرتاحة وعيون مرتبكة كأنهم هم أيضاً لم يعتادوا على هذا المشهد الغريب. كانوا يمسكون أسلحتهم بخشونة، لكن عيونهم تجنّبت لقاء النظرات التي لم تكن نظرات عداء، بل نظرات حيرة رجال وجدوا أنفسهم فجأة في دور الحكام على مصير من كانوا حتى الأمس أعداءهم. مع ذلك، يقول أحمد “نادراً ما حكّوا حدا أو زعجوا حدا. ولكن كانوا يقولوا للعالم اركضو من هون فوراً لسنا مسؤولين عما قد يحدث لكم”. ولذلك ركضنا من بعد الحاجز “طيران”.

وكنا نطير..

قرب دمشق… حيث تجتمع النقائض

حتى السابع من كانون الأول، بينما كانت أنباء سقوط حماة تتسرّب إلى دمشق، ويعلن وزير الدفاع “انسحاباً تكتيكياً ثم محاولة تجميع القوات المنسحبة في حمص”، كان العميد حسين (55 عاماً) يشاهد شاشة الرادار وهي تتحوّل من اللون الأخضر إلى الأحمر. يقول الضابط الذي فضّل استخدام اسمٍ مستعار: “شاهدت النقاط تختفي واحدة تلو الأخرى”.

يفسّر حسين السبب قائلاً: “مع تقدّم قوات المعارضة، كانت وحدات الجيش تنسحب من مواقعها متجاهلة أو متعمّدة تعطيل معدات الرادار خلفها. بعضها عطّل معداته عمداً كي لا تقع بيد العدو، والبعض الآخر تركها مشغولة وهرَب. ما كان يحدث هو انهيار منظومة كاملة”، على حد توصيفه.

خدم حسين سنواتٍ طويلة في ريف دمشق (القطيفة) قائداً لكتيبة دفاعٍ جوي ومدّدت له القيادة العسكرية مرتين بعد “بدء الأحداث 2011″، على حد تعبيره. يقول لسوريا ما انحكت في اتصالٍ هاتفي أنه أرسل في الأسابيع الأخيرة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، تساؤلاته أمام الضباط القادة، وهو منهم، بحثاً عن تفسيرٍ لما جرى في حلب وحماة وحمص، من دون أن يتلقّى أيّ رد: “كنا نرى الأمور تنهار حولنا دون أن نفهم السبب، تلقيت اتصالاتٍ من زملاء في محافظات أخرى. جميعنا كنا في ذات الحيرة: لماذا لا تصلنا أوامر واضحة؟ لماذا تسقط المدن بهذه السرعة؟ أين هو الرئيس، القائد للجيش والقوات المسلّحة؟ أين هو وزير الدفاع وقائد الأركان؟ أين هؤلاء جميعاً؟ لم نكن نعرف ما إذا كنا في حالة استنفار أم ماذا”.

ليلة السادس والسابع من كانون الأول/ ديسمبر٢٠٢٤ كانت الأمور قد “فلتت بالمعنى الحرفي للكلمة، حوالينا كانت الدنيا تغلي وتفور، الجنود يتركون مواقعهم ويهربون بسلاحهم. الضباط حائرون ومنهم من يفر بسيارته. كنت في تلك الساعات قائد كتيبة. كل أرقام الهاتف التي ضربتها بحثاً عن إجابة أو توضيح باءت بالفشل. نظرت إلى ما تبقى من جنودٍ حولي وهم يرتجفون من البرد والخوف. عمري نصف قرن قضيت ثلثيها في الجيش وليس لدي سوى سيارة عسكرية “مهترئة” جيب واز روسية.. أيّة حياة كانت هذه”.

يكمل الضابط المختص بسلاح (البانتسير): “اتخذت قراري الشخصي. أمرت بتسليم المجندين هوياتهم والعودة إلى بيوتهم. قلت لهم: “اتكلوا على الله، لو معي مال وزعته عليكم كلكم”. بعد أن غادروا، بقينا نحن الضباط الكبار، جاء ضباط آخرون من وحدات مجاورة. كان المشهد مؤلماً: جميعنا برتب عالية وننتظر بياناً لن يأتي ولم يأت”.

اتصل البعض بأقرباء لهم، وآخرون عرضوا علينا توصيلنا بسيارات خاصة لهم، لكني رفضت التحرّك من مكاني. كانت السادسة وثلث صباح الثامن من كانون الأول/ ديسمبر حين ردّدت الإذاعات والتلفزات وكلّ المنصات خبر مغادرة الأسد سوريا وسقوط نظامه. “لقد فعلها بطريقةٍ خسيسة هذا المعتوه”. عندما سمعنا ذلك الخبر وقفنا جميعاً مشدوهين. بعضنا أنكر الخبر. بعضنا بكى. أحدهم خرج وبدأ يطلق النار في الهواء من روسيةٍ كانت معه.

وسط تلك المعمعة مع الاضطراب “تذكرت أمراً حساساً”. يقول حسين ويتابع “تذكرت المستودع الذي كان تحت مسؤوليتي: مستودع عربات صواريخ البانتسير. مشيت نحو المبنى الخرساني المنخفض وفتحت البوابة. كان هناك دبابتان T-72، وثلاث عربات صواريخ، وأكوام من صناديق الذخيرة. لكن نظري توقف على الحواسيب المحمولة الخاصة بأنظمة “البانتسير” الدفاعية ملقاة على الأرفف، بينما كانت عرباتها الأصلية متروكة في العراء على التلال المجاورة. أقفلت البوابة بحزم، متأكّداً من إحكام القفل. وضعت بضعة براميل فارغة قرب الباب. هذه الأسلحة لم تكن ملكي كي أتخلى عنها. كانت ملك السوريين في يوم من الأيام. لقد تعلمت عبر حياتي في الجيش أن التسليم الرسمي هو الفاصل بين النظام والفوضى”، على حد قوله.

يكمل العميد حديثه: “حملني صديق بسيارته. حين وصلت تحت جسر القطيفة كانت القيامة هناك تمشي على قدمين. مئات السيارات، ازدحام لم أر مثله في حياتي. آلاف العساكر يمشون فيما تعبر سيارات تابعة لهيئة تحرير الشام نحو العاصمة. نقيضان يمشيان جوار بعضهما. النظرات في جهة مكسورة وفي أخرى تضحك فرحة وهي ترفع علم الهيئة”.

“وصلت منزلي في ضاحية قدسيا. جلستُ على الشرفة مرتدياً بزتي العسكرية رغم البرد القارس. رفضت كلّ نداءات عائلتي للدخول. كنتُ أحتاج أن أبقى هناك، أراقب البلاد التي خذلتني. بعد يومين، بينما كنتُ جالساً في صمتي سمعتُ دوي انفجارات مرعبة. انتفضتُ واقفاً. كانت الضربات الإسرائيلية تدمر كلّ أثر للجيش الذي قضيت فيه عمري. لم تكن الخيبة وحدها تعبر عما يجري حولي بل كان القهر بكل معانيه”.

ما حدث مع العميد لاحقاً ترويه ابنته في اتصال: “مع سماع أصوات تلك الضربات تأكد لأبي أن مستودع الذخيرة الخاص بكتيبته تعرّض للتدمير الشامل. كذلك كتيبته وما فيها من سلاح. تعرّض لجلطة قلبية نقلناه على إثرها إلى المشفى، والحمد لله نجا منها، ولكنه حتى اليوم يجلس وحيداً”.

ليس العميد وحده ممن ما يزالون يعيشون في الصدمة، فمعظم من تبقى من جنود النظام السابق، يقضون حياتهم اليوم بين مقاتلين حاربوهم سابقاً. يرحل المسؤولون والضباط الكبار ويبقى من يدفع ثمن قرارات اتخذوها أو هربوا دون ذلك. وربما تمر عليهم الذكرى الأولى من سقوط النظام أكثر مرارة، مع انتشار فيديوهات قديمة، مُسربة ل “القائد العام للجيش والقوات المسلحة” الهارب بشار الأسد، وهو يسخر مع مستشارته لونا الشبل، حتى من جنوده، ومن تقبيلهم ليده.

حكاية ما انحكت

—————————

سوريا بلا الدكتاتور.. فهل بقي استبداده فينا؟/ فاطمة عمراني

7 ديسمبر 2025

قبل سنة تمامًا، انهار نظام عاش أطول مما يجب. سقط بطريقة بدت مفاجئة حتى لمن تمنّوا سقوطه.

بعد خمسين عامًا من الاختناق، انفكّ كل شيء في لحظة، كأنّ البلاد أخذت نفسًا طويلًا للمرة الأولى، لكن الصوت اللي خرج منها كان مكسورًا ومترددًا؛ لا هو ضجيج كامل ولا هو صمت فعلي. السوريون فرحوا، خافوا، شهقوا. كل شيء اختلط في لحظة كان من المفترض أن تكون نهاية فصل وبداية آخر. لكن بعد اثني عشر شهرًا من الانتقال الهش، والصراعات الصغيرة التي تتضخم مثل شقوق لا أحد يريد الاعتراف بها، صار السؤال أوضح: هل انتهى الاستبداد فعلًا؟ أم أنه ببساطة بدّل مكانه وانتقل من السلطة إلى الأفراد؟

أي مجتمع خرج من ديكتاتورية طويلة يعرف هذا الشعور: الشعور بالراحة لأن الوحش سقط، والارتباك لأن أثره ما زال في الهواء. ألمانيا احتاجت جيلًا كاملًا لتفهم نفسها بعد هتلر، إسبانيا احتاجت سنوات طويلة بعد فرانكو لتصحح ذاكرتها، تشيلي والأرجنتين ورومانيا مرّوا جميعًا بالمرحلة نفسها. ليس لأن الشعوب ضعيفة، بل لأن الاستبداد، حين يطول، لا يبقى مجرد منظومة سياسية؛ يتحول إلى طريقة تفكير وسلوك وعلاقات ونظرة للذات.

في سوريا أيضًا، خمسون سنة صنعت طبقات من الخوف ترسّبت داخل الوعي قبل أن تترسخ في مؤسسات الدولة. ومع السقوط، تهدمت البنية الخارجية، لكن البنية الداخلية لا زالت تنتظر من يكشفها.

كيف يبقى الاستبداد بعد موت صاحبه؟

الاستبداد لا يختفي بالضربة الأولى. لا يموت مع المستبد، ولا يُدفن مع الجثمان. العلم يشرح ذلك بطريقة مؤلمة وواضحة: الديكتاتورية الطويلة تُنتج ثلاث بنى نفسية واجتماعية تعيش أطول بكثير من صاحبها.

أولها ما سماه مارتن سيليغمان العجز المُكتسب. الفكرة بسيطة لكن ثقيلة: عندما يواجه الإنسان سنوات من القمع الذي لا يمكن توقعه أو تجنبه، يبدأ دماغه ببناء “اعتياد” على العجز. ليس ضعفًا بل طريقة بقاء. بعد سقوط الديكتاتور، هذا الاعتياد لا يتفكك فورًا. الإنسان يظلّ يتصرف وكأن بابًا ما سيُفتح فجأة، أو أمرًا ما سيُصرَخ في وجهه. ورقة بحثية عن دور الخوف والعجز المكتسب في التفكير السلطوي أكدت أن نسبًا كبيرة من الناس يظلون يعانون آثار هذا العجز لسنوات طويلة بعد التحرر، حيث يصبح الانتقال إلى الحرية يُثير آليات قديمة من الخوف والعجز. وهذا يدل على أن الاستبداد يترك أثرًا أعمق بكثير من لحظة سقوطه.

البنية الثانية، التماهي مع المعتدي التي وصفتها آنا فرويد في كتابهاThe Ego and the Mechanisms of Defence عام 1936. هذه الظاهرة تصف التحول الذي يحدث حين يكرر الفرد، بلا وعي، ما كان يخافه. آنا فرويد شرحتها مبكرًا، والدراسات اللاحقة أثبتت وجودها في مجتمعات كثيرة، في تشيلي مثلًا، بعد بينوشيه، دراسة عن آثار الصدمة النفسية على الضحايا أظهرت أن نسبًا ملحوظة من الضحايا السابقين أعادوا إنتاج سلوكيات سلطوية في حياتهم اليومية. ليس لأنهم أرادوا، بل لأن السلطة حين تستقر طويلًا، تترك نسخة منها داخل النفوس.

البنية الثالثة، الشخصية السلطوية التي درسها أدورنو بعد الحرب العالمية الثانية في كتابه الشهير The Authoritarian Personality عام 1950. التفكير الثنائي، الخوف من الفوضى، تقديس “النظام” ولو كان ظالمًا، التعلق بالقائد القوي، كلها صفات تنمو في بيئات طويلة القمع. استطلاعات لاحقة مثل World Values Survey، وبالأخص الخريطة الثقافية لعام 2022، أظهرت أن دولًا مثل روسيا، رغم مرور ثلاثة عقود على سقوط الاتحاد السوفييتي، ما زالت تسجل معدلات مرتفعة نسبيًا من هذه السمات مقارنة بدول أوروبية أخرى غير شمولية سابقًا، حيث يبقى الإرث السلطوي يؤثر على القيم الاجتماعية والسياسية.

هذه البنى الثلاث ليست “سورية” بالمعنى التمييزي. هي نتيجة طبيعية لأي نصف قرن من الاستبداد، مهما كانت الأرض التي وُلد عليها. الفرق الوحيد أن سوريا لم تحصل بعد على الوقت الكافي، ولا الأدوات الكافية، لتفكيك هذا الإرث.

المستبد الداخلي: حين يتحول الخوف إلى صوت يسكن الرأس

بعد سقوط الأسد، كثيرون ظنوا أن الخوف سيختفي مع انهيار الأجهزة الأمنية. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. الخوف الحقيقي هو ذاك الذي يستقر داخل الأعصاب، ويعيد تشغيل نفسه عند أول إشارة.

دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي على ناجين من التعذيب ومرضى اضطراب ما بعد الصدمة تظهر أن منطقة اللوزة الدماغية (amygdala) تبقى في حالة تأهب مفرط، مما يعني أن الدماغ يستمر في التصرف كأنه في خطر حتى لو غاب التهديد الخارجي تمامًا.

تقرير منظمة العفو الدولية عن سوريا ما بعد سقوط الأسد في 2025 أشار إلى استمرار آثار الصدمات النفسية الشديدة على الناجين، مع تردد كبير في التعبير عن الرأي والشعور بالأمان، رغم غياب الجهاز الأمني السابق ليس بسبب منع خارجي، بل بسبب الإرث النفسي العميق.

أما منظمة أطباء بلا حدود، فأكدت في تقاريرها عن سوريا ما بعد 2024-2025 ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بشكل كبير بين الناجين واللاجئين السوريين.

هذا “المستبد الداخلي” أخطر من المستبد الحقيقي أحيانًا. لأنك لا تستطيع أن تهرب منه. هو صوت يذكّرك بما كان، ويقنعك من باب الحماية لا الخوف، أن تظل صغيرًا ومتخفيًا، حتى عندما تكون الحرية على بعد كلمة واحدة.

الرقابة الأفقية: حين يتسرب الاستبداد إلى المجتمع

بعد سقوط الديكتاتوريات، الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا. إذا لم يُملأ بمؤسسات وقوانين واضحة، يُملأ بشيء آخر: الرقابة الأفقية، حيث يراقب الناس بعضهم بعضًا خوفًا أو طمعًا في “الحفاظ على النظام”.

هذا ليس اختراعًا سوريًا. ورقة بحثية بعنوان “Legacies of Surveillance in Post-Communist Societies: Estonia, Poland and Serbia” أكدت أن إرث المراقبة السياسية في مجتمعات ما بعد الشيوعية يستمر في التأثير على مستويات الثقة والقبول بممارسات المراقبة الحديثة، حتى عقود بعد السقوط، حيث يُعيد الناس قبول أشكال مراقبة بدون تفكير كبير في إساءة الاستخدام بسبب الإرث السلطوي.

في سوريا، بعد سنة من سقوط الأسد، ظهرت النسخة المحلية من هذه الظاهرة. تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025 وثّق ما لا يقل عن 197 حالة اعتقال تعسفي في شهر واحد فقط، غالبًا مبررة بـ”الأمن” أو “الحفاظ على الاستقرار”، رغم غياب الجهاز الأمني القديم.

وفي استطلاع الرأي العربي لعام 2025 في سوريا، أظهر أن 76% فقط من السوريين يشعرون بالأمان في انتقاد الحكومة عبر السوشال ميديا (يعني 24% لا يشعرون بذلك، وهو رقم يعكس خوفًا مستمرًا لدى ربع السكان تقريبًا).

ما يعنيه هذا أن الرقابة لم تعد عمودية؛ صارت أفقية، مجتمعية، متداولة بين الأفراد. مجموعات الواتساب تتحول لساحات محاكمة. الخلافات الشخصية تُلبس تهمة سياسية. الاختلاف يصبح تهديدًا، والرأي المختلف يعتبر استفزازًا.

هكذا يُعاد إنتاج المناخ القديم، ولكن هذه المرة بصوت المجتمع نفسه، لا بصوت الأجهزة.

الإرث في البيت والعمل والشارع: حين تصبح الديكتاتورية عادة يومية

الاستبداد ليس دائمًا أجهزة أمن وتصاريح مرور. أحيانًا يكون في أبسط الأشياء: نبرة الأب، أسلوب المدير، نظرة الجار، طريقة تقييم الآخر.

تقارير يونيسف عن حماية الطفل في سوريا، مثل تقرير حزيران/ يونيو 2025 عن انتهاكات ضد الأطفال في النزاع المسلح، الذي وثّق 1,301 انتهاك خطير ضد 1,205 أطفال في 2024، أكدت استمرار العنف ضد الأطفال في المنزل والمدرسة رغم الحظر القانوني، كانعكاس للإرث الصادم والتربوي السلطوي اللي عاشته أجيال كاملة. هذا ليس قسوة متعمدة دائمًا؛ هو انعكاس لصورة تربوية عاشتها أجيال كاملة تحت الضغط والخوف.

في بيئة العمل، تقارير دولية عن سوريا في المرحلة الانتقالية أشارت إلى استمرار ثقافة الإدارة الهرمية والسلطوية في المؤسسات، حيث يُعيد الناس بناء الهياكل القديمة تلقائيًا لأنها الطريقة المألوفة لـ”الانضباط” مثل تقرير “Six Months Post-Assad, What’s Next for Syria” الذي يسلط الضوء على تركيز السلطة الحالية في يد قلة وتعيين مقربين في مناصب عليا، بطريقة تذكّر بالأنظمة السلطوية السابقة، مع مخاوف من عودة نماذج إدارية مركزية وهرمية. الناس يعيدون بناء الهرم القديم بشكل تلقائي ليس لأنهم يحبونه، بل لأنه الشكل الوحيد للإدارة الذي عرفوه.

الطريق إلى الأمام: كيف ندفن الشبح فعلًا؟

رغم كل شيء، الشفاء ممكن. التاريخ يعطي أمثلة، والعلم يعطي أدوات.

إسبانيا احتاجت جيلًا بعد فرانكو، لكنها عبرت. الدماغ نفسه قادر على إعادة تشكيل عاداته؛ هذه ليست استعارة، بل حقيقة طبية اسمها “اللدونة العصبية”.

السؤال الحقيقي ليس: هل يمكننا؟ بل: كيف نبدأ؟

نبدأ بأن نلاحظ اللحظة الصغيرة التي نخاف فيها بلا سبب. نبدأ عندما ننتبه أننا نحاول إسكات شخص لمجرد أننا لا نرتاح لصوته. نبدأ عندما نقرر أن البيت والشارع والعمل ليست ساحات لإعادة تمثيل الماضي، بل أماكن لخلق شكل جديد من الحياة.

التغيير لا يأتي بضربة واحدة. هو عادة يومية مثل تنظيف جرح تبدأ مؤلمة، لكنها الطريق الوحيد للشفاء.

في الواقع الأسد سقط، والطاغية هرب. لكن شبحه سيبقى معنا كلما كررنا أخطاءه فيما بيننا أو حتى بداخلنا. الحرية ليست بإسقاط الديكتاتور فقط. هي أن نتوقف، يومًا بعد يوم، عن أن نكون امتدادًا له. وحين نفعل، يبدأ الشبح بالانطفاء لا بفعل اختفائه، بل بفعل حياة جديدة تُبنى في كل مكان حُرم من الضوء لوقت طويل.

الترا سوريا

——————-

سوريا بين اقتصاد السقوط والصعود… ماذا عن الأعوام القادمة؟/ محمد مصطفى عيد

الاثنين 8 ديسمبر 2025

بعد عامٍ على سقوط نظام الأسد وعام على التحرير، يبدو الحديث عن الاقتصاد السوري محاولةً شاقةً لا تختلف كثيراً عن المشي في أرض لم تُرفع ألغامها بعد.

خلال التقصّي، واجهتُ قدراً كبيراً من الصمت والحذر؛ أحد المطلعين في الداخل قال لي بصراحة إن “المرحلة في الحديث عن الاقتصاد السوري مدجّجة بالألغام”، وإن النقد حتى لو كان بنّاءً لم يعد مرغوباً، فالتصنيفات جاهزة دائماً.

في هذا المشهد المرتبك، يتشكّل اقتصادٌ هشّ في مرحلة انتقالية مضطربة، تغذّيه قوى متضاربة وتعيد رسم ملامحه كل يوم. الفقر يتسع، طبقة طفيلية تنمو، البطالة تتضاعف، والبنية الإنتاجية التي كانت يوماً ما عماد الحياة الاقتصادية باتت أطلالاً تنتظر إعادة تعريف.

وسط هذا الضباب، يخرج صوتٌ من داخل المؤسسة الرسمية نفسها، ليكشف ما هو أبعد من المؤشرات الاقتصادية. مستشار وزير الاقتصاد لشؤون السيولة والنقد، جورج خزام، كتب على صفحته الشخصية في فيسبوك إن إدارة الاقتصاد “لا تحتاج إلى حامل نوبل ولا خرّيج السوربون”، بل إلى مسؤول يسمع صوت البطون الخاوية ويشعر بآلام الصناعيين والمزارعين وأصحاب الورشات والمستهلكين والعاطلين عن العمل. في عباراته نقد صريح لفسادٍ ما زال يُقوّض أي محاولة إصلاح، ولمنظومة قرارات اقتصادية -كما يقول- تربح فئةً على حساب أخرى، غالباً لصالح المستوردين والمتنفذين. بالنسبة له، فإن حماية المصلحة العامة هي الطريق الوحيد لبناء اقتصادٍ جديد، مهما صدمت تلك الحماية مصالح الشبكات التي استفادت طويلاً من الفوضى.

من “وقف النزيف” إلى تحديات البناء

هذا الصوت من الداخل يفتح نافذةً على واقع اقتصادي معقد، يتطلب تشريحاً دقيقاً من خبراء ومحللين. ويؤكد أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي في الرياض، الدكتور عماد الدين المصبح، في حديثه لرصيف22، أن الحديث عن الواقع الاقتصادي السوري بعد مرور عامٍ تقريباً على التغيير الكبير الذي شهدته البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، يستدعي تحرّي الدقة في توصيف ما يوصف بـ”التحسن النسبي”.

ويوضح المصبح أن “المرحلة الراهنة لا تعبّر عن انتعاشٍ حقيقي بقدر ما تمثل انتقالاً مفصلياً من حالة الانهيار المستمر إلى مرحلة ‘وقف النزيف الاقتصادي'”. وتدعم البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية هذا التوجه، حيث سجلت سوريا نمواً إيجابياً طفيفاً بنسبة 1% في عام 2025 بعد سنوات من الانكماش، مما يشير إلى كبح الحركة التنازلية التي استمرت عقداً من الزمن.

ويلفت المصبح إلى أن “الإنجاز الأبرز في هذا السياق يتمثل في كبح جماح التضخم الذي انخفض بشكل حاد من مستوياتٍ قياسية تجاوزت 118% ليستقر عند خانة الآحاد في مطلع 2025، مدفوعاً بعودة تدفق السلع عبر الممرات التجارية واستعادة الليرة السورية قدراً من الاستقرار النسبي أمام الدولار، حيث تعافت من مستوياتها المتدنية التاريخية”. ويضيف: “بالتوازي مع ذلك، بدأ قطاع الطاقة في التقاط أنفاسه مع ارتفاع إنتاج النفط الخام ووجود خطط لتوسيع القدرات التكريرية، ورغم أنها أرقام لا تزال دون مستويات ما قبل الأزمة، إلا أنها خطوة حيوية لتقليل فاتورة الاستيراد. كما شهد القطاع الزراعي حراكاً إيجابياً بفضل الانفتاح التجاري، رغم القيود التي يفرضها الجفاف والتدهور البيئي في المنطقة”.

فجوة إعادة الإعمار وأزمة السيولة

رغم هذه المؤشرات الإيجابية الأولية، يحذّر المصبح من أن “الاقتصاد السوري يصطدم بجدار من التحديات البنيوية الهائلة، تأتي في مقدمتها فجوة إعادة الإعمار التي قدّر البنك الدولي تكلفتها بمئات المليارات من الدولارات، وخاصةً في ما يتعلق بالبنية التحتية والمساكن”.

ويكمل: “ويترافق هذا العبء المالي مع واقع اجتماعي قاسٍ، حيث لا تزال معدلات الفقر تلامس سقف 90%، مع انخفاضٍ حاد في نصيب الفرد من الدخل القومي وبقاء معدلات البطالة عند مستويات حرجة، وتتعقد المشكلة الاقتصادية في ظل أزمة السيولة الحادة التي يعاني منها النظام المصرفي، نتيجة استمرار تجميد الأصول في الخارج والتعقيدات القانونية، مما يعيق تمويل الاستثمارات”.

التشرذم الجغرافي-الاقتصادي: ثلاثة نظم موازية

من جهته، يقدم الباحث الاقتصادي محمد علبي تشخيصاً للهيكل الاقتصادي السوري بعد عامٍ من السقوط. يقول لرصيف22: “بعد عام واحد على السقوط، تبدو الصورة الاقتصادية أبعد ما تكون عن مشهدٍ موحد أو قابل للقياس بمعايير دولة واحدة. فالسلطة المالية ما تزال مبعثرة، ولا يمكن الحديث عن سياسة نقدية أو موازنة عامة تعمل على مستوى وطني شامل”.

ويشرح علبي أن الاقتصاد السوري “عملياً، يستمر في حالة ‘تقسيم ما بعد الحرب’، مع ثلاثة نظم موازية تتجاور أكثر مما تتفاعل: اقتصاد الحكومة المركزية بما تبقى من مؤسسات مالية ومصرفية، اقتصاد شمال غرب البلاد حيث تشكّلت منظومة جباية وإدارة نقدية مستقلة نسبياً، واقتصاد شرق الفرات الذي يدير الكثير من موارد الطاقة والزراعة كما التجارة الداخلية وفق ترتيبات مختلفة عن الطرفين الآخرين”.

ويضيف: “هذا التشرذم ينعكس مباشرةً على المؤشرات الكلية، فلا توجد قاعدة بيانات موحدة، والقدرة على ضبط حركة السيولة أو تنظيم التدفقات التجارية عبر البلاد محدودة جداً، في حين تستمر المعاملات بالتسعير بالدولار أو بعملات بديلة بحسب المنطقة. ويظل النشاط الاقتصادي محدوداً بحدود جغرافيا النفوذ: مناطق تعود تدريجياً نحو تشغيل محدود للصناعة والخدمات، وأخرى تعتمد على الريوع والوساطة وبعضها التهريب كنشاط رئيسي، بينما تبقى القدرة الإنتاجية الوطنية في أدنى مستوياتها منذ عقود”.

غياب أدوات الاستقرار

يرى علبي أنه “رغم تراجع حدّة الاضطرابات الأمنية مقارنةً بسنوات الحرب، لم يتحوّل ذلك إلى تعافٍ اقتصادي فعلي، لأن غياب السلطة المالية الموحدة يعني غياب أدوات الاستقرار: لا سياسة نقدية واحدة، ولا موازنة عامة قادرة على إعادة توزيع الموارد، ولا إطار ضريبي يمكنه استعادة الثقة أو توسيع القاعدة الإنتاجية. وعليه، فإن العام الأول بعد السقوط لا يشير إلى بداية دورة انتعاش، بل إلى استمرار الاقتصاد في وضعٍ انتقالي هش، تتكدّس فيه آثار الانقسام على حساب أي تحسن ملموس في معيشة السكان”.

اقتصاد “مُمَأسَس” على الفساد

لتحليل تعقيدات الحاضر، يغوص علبي في جذور الماضي، مؤكداً أن “الاقتصاد السوري قبل السقوط لم يكن مجرد اقتصاد يعاني فساداً وتشويهاً في السياسات، بل كان مشبوكاً عضوياً بشبكات أمنية وسياسية شكّلت الإطار الحقيقي لاتخاذ القرار الاقتصادي”.

وبرأيه فإن هذا الشكل من ‘الاقتصاد المُمأسس أمنياً وسلطوياً’ أعاد إنتاج نفسه خلال سنوات الحرب بصيغ أكثر خشونة: تهريب منظم، ريوع حدودية، وحماية لنشاطات غير قانونية مقابل تثبيت النفوذ. ولذلك، فإن انهيار المنظومة الحاكمة لا يعني آلياً تفكّك هذه الشبكات، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكّلها بأسماء جديدة ما لم تُواجه بإصلاح مؤسسي وأمني متزامن، لا بمجرد حزمة قوانين اقتصادية تقنية.

بين المركزية وفقدان الثقة

بدوره، يقدم الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي، تحليلاً للتحديات المؤسسية التي تواجه الاقتصاد السوري. يقول لرصيف22: “بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة إعادة هيكلة اقتصادية سريعة، لكن هذه المرحلة كشفت عن غياب مؤسسات مالية فاعلة وقادرة على قيادة الاقتصاد”.

وبحسبه فالسلطات الجديدة أصدرت سلسلةً من المراسيم الرئاسية التي أعادت تشكيل الحوكمة الاقتصادية للدولة، حيث تم تأسيس مجلس أعلى للتنمية الاقتصادية وصندوقين وطنيين (الصندوق السيادي وصندوق التنمية)، إلا أن هذه المؤسسات الناشئة تواجه تحديات هيكلية كبيرة. المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه المؤسسات الجديدة تعاني من مركزية القرار الاقتصادي، حيث تم استبعاد وزارات حيوية مثل وزارة المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية من المجلس الأعلى، مما يقلل من الإدخال المؤسسي الأوسع ويثير مخاوف بشأن الشفافية والاستقلالية. يقول: “البنية المؤسسية الحالية تفتقر إلى الوضوح الكافي، حيث تتضارب المراسيم الرئاسية حول تكوين المجلس الأعلى، مما يشير إلى ضعف في عملية صياغة التشريعات الرئاسية والقدرة على تنفيذها بفعالية”.

من السحب المقيّد إلى سوق الأرصدة البنكية

يحلل الجزماتي أزمة النظام المصرفي بالقول: “فقدان الثقة في النظام المصرفي السوري أصبح واقعاً ملموساً بعد سقوط النظام، وذلك نتيجةً لسياسات تقييدية اتخذها البنك المركزي السوري. في شباط/ فبراير 2025، فرض البنك المركزي حدوداً صارمة على السحب النقدي، حيث سُمح للعملاء بسحب 200 ألف ليرة سورية فقط (حوالي 20 دولاراً) في الأسبوع، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الاحتياجات اليومية للأسر أو تكاليف التشغيل للشركات”.

ويضيف: “هذه القيود أدت إلى تجميدٍ فعلي للودائع، مما خلق ما يُعرف بـ’سوق الأرصدة البنكية’ حيث يضطر المودعون اليائسون إلى بيع أرصدتهم المجمدة بخصومات كبيرة تصل إلى 25% أو أكثر لتجار لديهم سيولة نقدية. هذا النظام أعمق من ذلك: فقد أثار عدم المساواة بين الذين يستطيعون تحمل الخسائر والذين لا يستطيعون، وعمّق عدم الثقة العام في البنوك”.

من التهريب إلى المخدرات

يكشف الجزماتي عن جانبٍ مظلم من الاقتصاد السوري، قائلاً: “كشفت الدراسات أن نظام الأسد السابق كان متورطاً بعمق في تجارة المخدرات، حيث تم حجز أكثر من 200 مليون حبة ‘كبتاغون’ في أربعة أشهر فقط بعد سقوط النظام، وهو رقم يعادل 20 مرة ما كان يُبلّغ عنه سابقاً. هذا يعكس حجم الاقتصاد غير الرسمي والمشروع الذي يحل محل الإنتاج الشرعي”.

ويضيف: “الإنتاج المحلي السوري يعاني من ضعفٍ شديد بسبب عوامل متعددة: أولاً، البنية التحتية الاقتصادية تضررت بشكل كبير خلال سنوات الصراع، مما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة البناء. ثانياً، الاقتصاد غير الرسمي والموازي أصبح مهيمناً، حيث يعتمد الكثيرون على التهريب والأنشطة غير القانونية بدلاً من الإنتاج الشرعي”.

الطريق إلى الأمام مشروع سياسي-مؤسسي متكامل

يؤكد الدكتور المصبح على أن “بناء اقتصاد سوري مستدام يتطلب العمل وفق منهجية متكاملة، تبدأ بتعبئة التمويل الخارجي الذي تعهد به المجتمع الدولي، شريطة ربطه بإصلاحات هيكلية وإدارية وقانونية صارمة، مع التركيز في مرحلة التثبيت الحالية على استعادة الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والتعليم”.

ويضيف: “ولا يمكن لهذا التمويل أن يحقق أهدافه دون توحيد السياسات النقدية والمالية، وإعادة دمج الاقتصادات المحلية المشتتة في سوق وطنية واحدة تحت مظلة مؤسساتية موحدة. وأخيراً، تبرز الحاجة الملحة للانتقال من اقتصادٍ يعتمد على الاستقرار والمساعدات إلى اقتصادٍ منتج، وذلك عبر تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تأهيل رأس المال البشري، وخلق بيئة استثمارية جاذبة تستوعب البطالة وتدفع عجلة النمو الحقيقي”.

من جهته، يرى الباحث علبي أن “إعادة هيكلة الاقتصاد السوري ليست عملية تقنية منفصلة، بل مشروع سياسي-مؤسسي يقتضي أولاً تحديد نموذجٍ تنموي واضح ينطلق من سؤال الدور المتوقع للدولة: منظم أم مالك أم شريك؟ وما القطاعات القادرة فعلاً على قيادة النمو في المدى المتوسط؟”.

ويشرح أن هذا “يستدعي إطاراً دستورياً واقتصادياً جديداً يضمن استقلالية السياسة النقدية، ويضع قواعد لإدارة الثروات الطبيعية واللامركزية المالية، إلى جانب حزمة تشريعية حديثة تشمل قوانين المنافسة ومنع الاحتكار، الإفلاس، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعقود والمشتريات العامة وفق معايير شفافة قابلة للرقابة”.

حقل ألغام اقتصادي

أخيراً، فإن الحديث عن الاقتصاد السوري اليوم، إذاً، ليس توصيفاً تقنياً لواقع مالي، بل قراءةً في ولادةٍ جديدة محفوفة بالمخاطر. جرحٌ تشخيصه مهم، لكن علاجه يحتاج إلى إرادة سياسية موحدة وموارد واستقرار لم تتوفر بعد.

فالخبراء الثلاثة يشيرون إلى أن الخروج من النفق يحتاج إلى معادلةٍ صعبة: إنهاء التشرذم وبناء مؤسسات موحدة وشفافة، كشرطٍ أساسي لتحقيق الاستقرار الكلي وتحفيز القطاع الإنتاجي. ولذلك يظل الاقتصاد السوري كمن يمشي في حقل ألغام؛ خطوةٌ صحيحة قد تفتح باباً، وخطأٌ واحد كفيل بإعادة كل شيء إلى نقطة الصفر.

رصيف 22

———————————-

اقتصاد بائس ومجتمع متعب: واقع الطبقة الوسطى بعد عام على سقوط الأسد/ قصي زهر الدين

8 ديسمبر 2025

بعد عامٍ واحد على سقوط النظام في سوريا، تبدو خريطة البنى الاجتماعية والاقتصادية في البلاد أمام إعادة تشكل واسعة، يتداخل فيها إرث السنوات الماضية مع التغيرات السياسية العميقة التي تشهدها البلاد. ومع أن الحديث العام غالبًا ما ينصب على موازين القوى السياسية ومشروع الدولة الجديدة، إلا أن مستقبل سوريا في المدى القريب والبعيد يعتمد إلى حد كبير على مصير الطبقة الوسطى، تلك الفئة التي لطالما شكّلت العمود الفقري لأي مجتمع، ورافعة أساسية للتنمية والاستقرار والسلوك المدني.

اليوم، ومع مرور عام على انتهاء النظام الذي حكم البلاد لعقود، تقف الطبقة الوسطى على مفترق طرق. فقد كانت هذه الفئة طوال سنوات الحرب والصراع الداخلي الأكثر تآكلًا، إذ خسرت مصادر دخلها، وتقلّص نفوذها، وتراجعت قدرتها الشرائية، ووجد الكثير من أبنائها أنفسهم ينزلقون نحو الطبقة الفقيرة، بينما هاجر آخرون بحثًا عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية، تستعيد هذه الطبقة شيئًا من حضورها، لكنّها تواجه تحديات جديدة ترتبط بوضع اقتصادي هش، وبنية دولة قيد البناء، وواقع اجتماعي متعب.

انحسار الطبقة الوسطى: بين الحرب وسقوط النظام

لم تكن الطبقة الوسطى في أفضل أحوالها قبل سقوط النظام. فقد أدّت سنوات الحرب الطويلة، وتضخم الأسعار، وانهيار الليرة، وغياب أي سياسات وقائية، إلى تآكل دخل معظم الأسر التي كانت تُصنَّف ضمن هذه الفئة. فقد خسر الموظفون قيمة رواتبهم، بينما تعرّض أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى ضرر هائل بسبب الركود، والقيود الأمنية، والفساد، وتقطّع سلاسل التوريد.

ومع نهاية النظام، لم تكن هذه الفئة تقف على أرضية صلبة. بل كانت منهكة اقتصاديًا، ومبعثرة اجتماعيًا، ومترددة سياسيًا، ومحكومة بذكريات تجربة قاسية. هذا الإرث لعب دورًا حاسمًا في طبيعة حضورها بعد التغيير.

عام على السقوط: ماذا تغيّر وما الذي بقي؟

لم يكن سقوط النظام بوابة مباشرة لتحسن أوضاع الطبقة الوسطى، رغم انتهاء القمع السياسي الذي طالما قيّدها. فقد دخلت البلاد في مرحلة انتقالية معقدة، تداخل فيها انخفاض الدعم الدولي، وتردد المستثمرين، وبطء إطلاق المشاريع العامة. وعلى الرغم من ازدياد الحريّات وعودة جزء من الأنشطة الاقتصادية، فإن البنية التحتية الاقتصادية، من مصارف ومؤسسات إنتاج وخدمات، كانت تحتاج إلى سنوات لإعادة البناء.

يقول الباحث الاقتصادي، فراس مهنا، لموقع “الترا سوريا”: “خلال العام الأول من السقوط، برزت ثلاث سمات أساسية في واقع الطبقة الوسطى: أولًا استمرار الهشاشة الاقتصادية، إذ ما تزال الطبقة الوسطى تعاني من تضخم شديد في الأسعار، انخفاض فرص العمل ذات الدخل الثابت، وغياب منظومة حماية اجتماعية فعالة، بالإضافة إلى بطء عودة القطاعات الإنتاجية”. وأضاف: “ورغم الانفتاح النسبي للأسواق ومحاولات الحكومة الانتقالية إطلاق برامج دعم، فإن القدرة الشرائية لمعظم الأسر تبقى محدودة، ما يجعل هذه الفئة قريبة جدًا من خط الفقر”.

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن النقطة الثانية تتمثّل في “بروز مشاريع صغيرة جديدة، حيث شهد العام الأول بعد سقوط النظام موجة من المبادرات الاقتصادية الصغيرة، خصوصًا في المدن الكبرى، حيث اعتمد أبناء الطبقة الوسطى على الورشات العائلية والمتاجر صغيرة”، لافتًا إلى وجود “أنشطة خدمية مثل التعليم الخاص، الترجمة، التصميم، الصيانة ومشاريع منزلية تعتمد على التجارة الإلكترونية”، معتبرًا أن “هذه الاستراتيجيات جاءت كبديل عن الوظائف الرسمية التي لم تُستعد بعد، وعن القطاع العام الذي ما يزال قيد إعادة الهيكلة”.

أما النقطة الثالثة، فتتلخص من وجهة نظر مهنا بـ”ضرورة عودة دور الطبقة المتعلمة، فالقيمة الحقيقية للطبقة الوسطى لطالما كانت مرتبطة بدرجة تعليمها”. وأضاف “بعد سقوط النظام، ظهرت الحاجة الماسّة إلى المدرّسين، والمهندسين، والخبراء القانونيين، والصحافيين، والأطباء، لتأسيس مرحلة جديدة من الإدارة والخدمات”. ورأى أنه “على الرغم من ضعف الدخل النسبي، فإن هذه الفئة استعادت جزئيًا دورها التأسيسي في المجتمع، بعد أن حوصرت لسنوات تحت هيمنة الأجهزة الأمنية وبيروقراطية النظام السابق”.

استراتيجيات جديدة للتكيف

إذًا قد بات واضحًا أن الطبقة الوسطى طوّرت مجموعة من استراتيجيات التكيف التي مكّنتها من الاستمرار رغم الظروف شبه المستحيلة، ومن أبرز هذه الاستراتيجيات:

    العمل المتعدد: أصبح شائعًا أن يعمل الشخص في وظيفتين أو ثلاث في الوقت نفسه، غالبًا في مجالات غير مرتبطة بتخصصه؛ هذا التكيف القاسي يهدف إلى تعويض تدهور الدخل وارتفاع الأسعار.

    الاقتصاد المنزلي: حيث ازداد الاعتماد على الطبخ المنزلي وبيعه، بالإضافة إلى أعمال الحياكة والتطريز، إعادة تدوير الملابس، التعليم من المنزل. وقد أصبحت هذه الأنشطة مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر.

    الهجرة الجزئية: لا يزال خيار الهجرة قائمًا، لكنه اتخذ شكلًا جديدًا: أحد أفراد الأسرة يعمل في الخارج ويرسل حوالات، بينما يبقى الآخرون داخل البلاد. هذه الاستراتيجية ساعدت آلاف الأسر على البقاء ضمن حدود الطبقة الوسطى.

    التحالفات المجتمعية: ظهرت شبكات دعم جديدة بين العائلات والجيران، تقوم على تبادل الخدمات بدل المال، كتبادل الدروس، والصيانة المنزلية، ومشاركة النقل.

    الثقة المتزايدة بالمجتمع المدني: مع غياب مؤسسات الدولة الكاملة، أصبح للمبادرات المدنية المحلية حضور متصاعد، سواء في الدعم التعليمي، أو تدريب الشباب، أو تقديم المساعدات الأساسية.

أما عن السؤال الأهم والمتعلق بمصير الطبقة الوسطى في سوريا، فإن المستقبل القريب لهذه الفئة يعتمد على مدى قدرة الدولة الانتقالية على إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتحفيز الاستثمارات، واستعادة الثقة. ومع ذلك، يقول الباحث مهنا إنه من أجل تحقيق ذلك وتجنب هذه الفئة “الفناء” في ظل التدهور الاقتصادي اليوم، يمكن رسم مسارين لإنقاذ الطبقة الوسطى.

ووفقًا لمهنا، فإن أول هذين المسارين هو “سيناريو الانتعاش التدريجي”، موضحًا أن تحقيقه يعتمد على “نجاح البلاد في تثبيت الأمن وجذب استثمارات عربية وغربية”، فيما يربط المسار الثاني بـ”إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية عن طريق إصلاح النظام الضريبي”، متوقّعًا أن “تستعيد الطبقة الوسطى جزءًا مهمًا من قوتها خلال خمس سنوات إذا توافرت البيئة المناسبة”.

إعادة تشكيل شاقة

يرى الحاج زكريا أبو محمد، وهو أحد تجار الحرير في دمشق، في حديثه لـ”الترا سوريا” أنه “إذا بقيت البلاد في حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي، فسيظل حجم الطبقة الوسطى محدودًا، وستظل أقرب إلى طبقة فقيرة موسّعة، لتفقد ماهيتها الاقتصادية كفئة شعبية تعيش على الحد الأدنى من الدخل”. وأضاف: “لقد لمسنا تطورًا جيدًا في عمليات البيع والشراء، لكن زبائننا المحسوبين على الطبقة المتوسطة باتوا من النادرين”.

بينما اعتبر المواطن يحيى برهان أنه “في حال عادت الصراعات أو فشلت مرحلة الانتقال، فإن الطبقة الوسطى قد تتلاشى تقريبًا، مع ازدياد الهجرة واستمرار تآكل الدخل، ناهيك عن البطالة المستفحلة”، وتابع مستدركًا: “صحيح أن الليرة السورية منذ سقوط النظام بدأت تستعيد عافيتها ببطء، لكن ما يؤزم الموقف توافر كل شيء إلا السيولة المادية”.

بعد عام على سقوط النظام، تبدو الطبقة الوسطى في مرحلة إعادة تشكيل شاقة. فهي ليست في حالة صعود، لكنها ليست في انهيار كامل. إنها فئة تقاوم، تتأقلم، وتبتكر طرقًا للبقاء، رغم ضعف الموارد، وغياب الاستقرار، وتحديات الانتقال السياسي. وليس غريبًا القول إن مصير هذه الطبقة سيكون مفتاحًا لفهم مستقبل سوريا: فإذا انتعشت، انتعشت البلاد. وإذا تآكلت، سيبقى المجتمع السوري عالقًا بين الفقر والصراعات، دون قاعدة صلبة يمكن البناء عليها.

الترا سوريا

———————————

لماذا الخوف من تحوّل العدالة الانتقالية في سوريا إلى “كليشيه” شعاراتي؟

الاثنين 8 ديسمبر 2025

منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اليوم الذي سقط فيه نظام بشار الأسد وخرج أحمد الشرع “الجولاني” سابقاً، إلى واجهة السلطة رئيساً انتقالياً، والسوريون يعيشون بين لحظتين متناقضتين: لحظة سقوط الطاغية، ولحظة انتظار العدالة.

ففي الخطب الرسمية، وفي بيانات المجتمع الدولي، تتكرر عبارة “العدالة الانتقالية”، أما في بيوت أهالي المعتقلين والمختفين قسراً، فتتكرر العبارة نفسها لكن بنبرة مختلفة؛ نبرة من ينتظر اسماً في قائمة، أو قبراً يمكن وضع اسم صاحبه عليه.

وبين هذين العالمين يبقى السؤال معلّقاً: ماذا تعني العدالة الانتقالية فعلياً في سوريا؟ وأين وصلت بعد عام على سقوط النظام؟

ما الذي نعنيه حين نقول “عدالة انتقالية”؟

في كتابها “العالم العربي في طور الانتقال: طريق العدالة الوعِرة”، تشير الدكتورة ليلى نقولا إلى وجود تعريفات للعدالة الانتقالية تُرى بوصفها مساراً، وأخرى تعد منهجاً للتعامل مع إرث انتهاكات حقوق الإنسان، باعتبارها عنصراً أساسياً في مراحل التحوّل.

تطرح نقولا تعريفاً أكثر بساطة، يربط عبارة “العدالة الانتقالية” بين مفهومين واسعين؛ العدالة والانتقال، لتُفهم على أنّها تحقيق العدالة خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة من الدول.

البلدان التي مرّت بتعذيب ممنهج، وحرب، وقمع، ومجازر، لا تستطيع أن تقول ببساطة: “لنطوِ الصفحة”. فبدون مواجهة الماضي، لا يُبنى مستقبل، ولا تستقرّ دولة. من هنا وُلد مفهوم “العدالة الانتقالية”؛ ليس كترف قانوني، بل كشرط للحياة المشتركة ولاستمرارها وللسلم الأهلي.

على رغم كثرة استخدام المصطلح، لا يوجد تعريف واحد متفق عليه. أحياناً تُقدَّم العدالة الانتقالية بوصفها “مساراً” تسلكه المجتمعات الخارجة من النزاعات لمعالجة إرث الانتهاكات، وأحياناً كـ”منهج” يضع العدالة عنصراً أساسياً في الانتقال السياسي. في الجوهر، هي محاولة لتحقيق قدر من الإنصاف في لحظة هشّة تتحرّك فيها دولة من نظام إلى آخر.

داخل هذا الإطار، يمكن رصد ثلاث ركائز أساسية:

    مجتمع محدّد هو المخاطَب

    أهداف واضحة مثل الحقيقة والمحاسبة وعدم التكرار والمصالحة

    وآليات متعدّدة تمتد من المحاكمات إلى البحث عن الحقيقة، مروراً بجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وحفظ الذاكرة.

لكن السؤال في الحالة السورية لم يعد: ما تعريف العدالة الانتقالية؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا المفهوم إلى أدوات تعمل فعلاً في بلد لم يخرج من الحرب تماماً؟

يقول سائد الحاج علي في مقاله “عام بلا الأسد”: “خمسون عاماً من الحكم الأمني انتهت، وكان من المفترض أن تبدأ سوريا فوراً بمسار عدالة انتقالية يكشف الحقيقة، يواجه الانتهاكات، ويعيد للضحايا جزءاً من حقوقهم. إلا أن العام الأول مرّ دون فتح الملفات الثقيلة أو حتى الإحساس بأن الدولة مستعدة للاقتراب منها”.

بحسب الفقه القانوني، فالعدالة الانتقالية التي يطمح لها السوريون ليست قانوناً واحداً ولا هيئة واحدة، بل عائلة من الأدوات التي تحاول الإجابة عن سؤال واحد: كيف نعترف بما حدث، ونحاسب، ونمنع التكرار، من دون أن ندفع البلد إلى حرب جديدة؟

في المسار القضائي، تحتل المحاكمات موقع القلب. محاكمة جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ليست شكلاً من الانتقام، بل إعلان أن هذه الأفعال لم تعد “أدوات حكم” مقبولة. التحقيق مع القادة الأمنيين والعسكريين، ومنح الضحايا فرصة الشهادة، رسالة تقول إن المجتمع قرر وضع حدّ لما تستطيع الدولة أن تفعله بمواطنيها.

إلى جانب ذلك، تظهر أداة شديدة الحساسية: “قوانين العفو”… فبعض الدول استخدمتها لفتح باب التسويات السياسية أو تسهيل الانتقال، لكن في الوقت عينه كثيراً ما حذرت هيئات الأمم المتحدة من “العفو الذي يمنع محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، لأنه يصنع عملياً مناخ إفلات من العقاب، ويقوّض أي حديث جدي عن سيادة القانون”.

الإصلاح المؤسسي والتعويض والذاكرة

الإصلاح المؤسسي بدوره جزء لا يتجزأ من العدالة. بلد خرج من استبداد لا يمكنه أن يبقي على البُنى نفسها التي أدارت التعذيب والاعتقال والفساد. إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، خصوصاً القضاء والبرلمان والأجهزة الأمنية، تعني نزع رواسب الصراع من داخل هذه الأجهزة، وإبعاد المتورطين بانتهاكات عن مواقع النفوذ، وإزالة التمييز الطائفي أو الإثني أو الجندري. من دون ذلك، تتحول المحاكمات إلى جزيرة صغيرة في بحر لم يتغيّر.

برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين السابقين تأتي من واقعية بسيطة: من يُسرّح من الجيش أو الميليشيا بلا بديل، كثيراً ما يجد نفسه في عالم الجريمة المنظمة. لذلك تحاول هذه البرامج فتح طرق أخرى للحياة عبر التدريب والتعليم المهني ومسارات إدماج اقتصادي، لا كمكافأة على الماضي، بل كوسيلة لمنع ولادة دورة عنف جديدة.

أما جبر الضرر والتعويض، فهو الوجه الأكثر مباشرة للعدالة في عيون الضحايا. هنا لا نتحدث عن صدقات، بل عن حق قانوني معترف به دولياً: للضحايا حق في التعويض عمّا أصابهم، وعلى الدولة، أو الجهة المسؤولة، واجب تحمّل ذلك، مادياً ورمزياً.

على الضفة غير القضائية، تظهر لجان الحقيقة والمصالحة كأدوات حساسة ومركّبة. هذه اللجان لا تُصدر أحكاماً ولا تفرض عقوبات، لكنها تسمح للضحايا أن يرووا قصتهم، وتجمع الروايات في سردية وطنية لا تُدار حصراً من داخل الأرشيف الأمني. “الحق في معرفة الحقيقة” بات حقاً معترفاً به، لا بدافع الفضول، بل كي لا يبقى الماضي شبحاً يحكم الحاضر.

ثم تأتي الذاكرة: وبناء النصب التذكارية، وتشييد الجدران التي تحمل أسماء الضحايا، وتحويل مراكز الاعتقال السابقة إلى فضاءات للذكرى، كذلك الأيام الوطنية التي تستعيد ما حدث. هذه كلها ليست تفاصيل تجميلية، بل جزء من عقد جديد بين الدولة ومواطنيها، يقول إن من ماتوا لن يختفوا من الذاكرة كما اختفوا من الزنازين.

وعود كبيرة وعدالة مؤجلة

البلد يتلمّس طريقه نحو إعادة بناء مؤسساته وترميم مجتمعه المنقسم. لكن في الواقع، يعيش كثير من السوريين شعوراً مزدوجاً: فرحة بسقوط الرأس، ومرارة من بقاء المنظومة بلا تفكيك حقيقي.

كان من المفترض أن تبدأ مسارات واضحة فوراً: فتح الأرشيف الأمني، كشف مصير المعتقلين والمختفين قسراً، محاسبة رموز النظام السابق المتورطين بجرائم جسيمة، بناء قضاء مستقل، وتوثيق الانتهاكات بشكل منهجي. وبعد عام، ما زالت هذه المسارات أقرب إلى وعود معلّقة. العدالة الانتقالية في سوريا اليوم أشبه بملف محفوظ في درج مليء بالملفات العاجلة، لا بعملية جارية يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

ويشير الكاتب عاصم الزعبي في مقال له بعلاقة قوية بين تحقيق هذه العدالة والسلم الأهلي، يقول: “بعد مرور عام على سقوط الأسد المخلوع، لا تزال فكرة المحاسبة قائمة، رغم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية التي لم تبدأ عملها بعد، ولم تُسنّ قوانين خاصة بها، كما لم تُشكَّل محاكم متخصصة، ولم يُحوَّل مسار العدالة الانتقالية إلى المحاكم العادية بقوانين مخصّصة. هذا التأخير ترك تساؤلات عديدة، وولّد مشكلات مختلفة لدى السوريين، وهو ما استطلعته صحيفة “الثورة السورية” خلال لقائها مع عدد من أهالي الضحايا. وهنا نضع الفاصلة الأولى”.

ويشير مدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أُبي كرد علي، في مقالته المعنونة بـ “الأمل الأخير في توسيع مسار العدالة الانتقالية في سوريا” إلى محاولة لوضع إطار قانوني للمرحلة، والإعلان الدستوري الذي صدر في 13 آذار/ مارس 2025. فالمادة 49 منه تبدو للوهلة الأولى خطوة في اتجاه العدالة، إذ تنصّ على استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، بما يسمح بمحاكمة هذه الأفعال بأثر رجعي.

لكن طريقة صياغة المادة تثير أسئلة بحسبه. فالنص يفتح نظرياً الباب لعقاب كل الجرائم المذكورة، بغضّ النظر عن مرتكبيها، لكن التركيز السياسي والقانوني الواضح ينصبّ على جرائم نظام الأسد وحده.

في 17 أيار/ مايو 2025، صدر مرسومان رئاسيان اعتُبرا علامة فارقة: إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، وإنشاء “الهيئة الوطنية للمفقودين”. نصّ مرسوم العدالة الانتقالية على أن مهمة الهيئة هي كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها السوريون منذ آذار/ مارس 2011 حتى نهاية 2024، وتوثيقها، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر الضرر، وترسيخ مبدأ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

لكن المرسوم حصر بشكل صريح نطاق عمل الهيئة في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، مستبعداً الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى. بعض أعضاء الهيئة تحدّثوا عن ضرورة توسيع التفويض، لكن ذلك لم يُترجم إلى تشريعات أو خطوات عملية حتى الآن.

الأخطر أن هذه الهيئة لم تبدأ عملها الفعلي بعد. لا خطة وطنية متكاملة، لا برامج حقيقية للتعويض، لا تقارير دورية شفافة، ولا تنسيق بنيوي مع القضاء والأجهزة المعنية. المحامي المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، معتصم الكيلاني، يرى أن ما حدث حتى الآن هو “تغيير شكلي”: أسماء جديدة وهياكل جديدة، من دون انتقال حقيقي من منطق الإفلات من العقاب إلى منطق المحاسبة. في هذه الأثناء، يمر الوقت، وتتآكل الأدلة، وتضيع الشهادات، وتفقد المؤسسات الوليدة ما تبقّى من ثقة الناس.

كيف تتخيّل منظمات الحقوق مسار العدالة؟

في مقابل هذا التردد الرسمي، تقدّم جهات حقوقية سورية، وفي مقدمتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، رؤية أكثر تحديداً لمسار العدالة الانتقالية. الفكرة الأساسية هي إنشاء هيئة وطنية مستقلة فعلاً، ذات بنية مرنة تجمع بين مركزية التنسيق ومرونة التعامل مع تعقيدات المحافظات السورية.

في رأس هذه البنية، مجلس إدارة يضم خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا، يتولّى رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات الاستراتيجية. وإلى جانبه أمانة عامة كجهاز تنفيذي، مع مكاتب محلية في المحافظات وفرق ميدانية مهمتها جمع المعلومات وتعزيز المشاركة المجتمعية.

تشدد هذه الرؤية على استقلال الهيئة عن السلطة التنفيذية، وعلى عملها ضمن قضاء مستقل، وعلى أن يكون لها دور مباشر في تشكيل محاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما يخلق جسراً بين الحقيقة والمحاسبة، لا مجرد مخزن إضافي للوثائق.

تركّز الرؤية على أربعة أركان: المحاسبة الجنائية، كشف الحقيقة والمساءلة، جبر الضرر وتخليد الذاكرة، وإصلاح المؤسسات، خصوصاً القضاء والأمن والجيش. المحاسبة يجب أن تطال القيادات العليا المتورّطة في الانتهاكات، عبر قوانين تتوافق مع المعايير الدولية ولجان تقصّي حقائق قادرة على جمع الأدلة وإحالتها على محاكم مختصة، قد تكون مختلطة تجمع قضاة سوريين ودوليين.

في ملف الحقيقة، تُطرح لجان متخصصة توثّق شهادات الضحايا والمتورطين، وتبحث عن مصير المفقودين، وتبني ذاكرة وطنية مشتركة، بالتوازي مع مجالس عرفية ولجان مصالحة محلّية حيث يمكن معالجة بعض الملفات بعيداً من منطق الثأر.

في جبر الضرر، يُقترح برنامج يجمع بين الدعم المادي والأولوية في الخدمات، والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، وتعويضات رمزية مثل الاعتذارات العلنية والنصب التذكارية والأيام الوطنية. وإلى جانب كل ذلك، يُنظر إلى إصلاح المؤسسات بوصفه ضرورة سياسية وأخلاقية، لا بنداً تجميلياً، مع أولوية قصوى لإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية، وتأطير عملية إعادة بناء الجيش على المدى الطويل للخروج من منطق الميليشيات إلى منطق الدولة.

حين تُسرَّب ملفات الضحايا… وتُهان كرامتهم من جديد

كل هذا يبدو مرتّباً على الورق. لكن على الأرض، يتعرّض مفهوم العدالة الانتقالية لامتحان قاسٍ. في الأسابيع الأخيرة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تسريبات لوثائق حساسة تتعلق بضحايا الاختفاء القسري والتعذيب في الحقبة السابقة، من دون أي إعلان رسمي، ومن دون إطار واضح لحماية خصوصية الضحايا وذويهم.

بالنسبة إلى أهالٍ ينتظرون خبراً عن ابن أو ابنة منذ سنوات، رؤية اسم على شاشة هاتف يمكن أن تكون لحظة صاعقة؛ مزيجاً من الأمل والرعب والغضب. لكن الطريقة التي ظهرت بها هذه الوثائق إلى العلن، عشوائية وفوضوية، حوّلتها من خطوة محتملة نحو الحقيقة إلى شكل جديد من انتهاك الكرامة.

هذه الممارسات لا تُضعف الثقة بالمؤسسات الناشئة فقط، بل تعطل مسار العدالة الانتقالية في جوهره، لأنها تقول عملياً إن الدولة لا تمسك بزمام هذا الملف الحساس، وإن أرشيف الضحايا يمكن أن يتحول إلى مادة “ترند”، لا إلى أساس لسياسة عامة وجبر ضرر منظم.

طريق طويل لا يمكن القفز عنه

العدالة الانتقالية في سوريا ليست بنداً يمكن شطبه بحجة “أولوية الاقتصاد” أو “ضرورة الاستقرار”. من دون عدالة، يبقى الاستقرار هشّاً، وتبقى الدولة مهددة بالانفجار من داخلها في أول أزمة جديدة.

بعد عام على سقوط النظام السابق، الصورة معقّدة: إعلان دستوري يحتوي على إشارات مهمة، وهيئات تأسست باسم العدالة الانتقالية والمفقودين، ورؤى مفصّلة من منظمات حقوقية، لكن المسار نفسه لم يبدأ بعد كما يجب. ما زال المطلوب إرادة سياسية حقيقية، واستقلال فعلي للهيئات، وقضاء قوي، وقدرة على الاعتراف بكل الضحايا، لا ضحايا طرف واحد فقط.

فالعدالة الانتقالية، في النهاية، ليست نصاً في مرسوم، بل عملية طويلة تتطلب شجاعة الاعتراف، وجرأة المحاسبة، وتواضع الإصغاء إلى من دفعوا الثمن الأغلى. من دون ذلك، ستبقى سوريا عالقة في منطقة رمادية: لا حرب كاملة، ولا سلم كامل، ولا عدالة تتيح لجيل جديد أن يعيش في بلد لا يخاف من ماضيه.

رصيف 22

—————————

عامٌ على ماذا؟/ نضال آل رشي

الاثنين 8 ديسمبر 2025

تُنشَر هذه المادة ضمن ملف “عام على ماذا؟… وإلى أين؟”، الذي ينشره رصيف22 بعد عام على سقوط نظام الأسد، وبكل ما عناه هذا العام للسوريين والسوريات من أمل وخذلان ومحاولات للنجاة.

لم أنم ليلتها. كانت ليلة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، ليلةً لا تشبه أيَّ ليلةٍ أخرى في تاريخنا الممتد على ثلاثة عشر عاماً.

كنتُ، مثل ملايين السوريين في الدَّاخل والشتات، ملتصقاً بشاشة الهاتف، والدي من دمشق معي في اتصال مباشر بالفيديو لأكثر من 4 ساعاتٍ متواصلة. أتنقَّل بين القنوات الإخبارية ومنصَّات التواصل الاجتماعي. أتابع الأخبار العاجلة، تتسارع ككرةِ ثلجٍ لا يمكن إيقافها؛ “انهيار الخطوط الدفاعية حول دمشق”، “هروب كبار المسؤولين”، “الفصائل المسلحة على أبواب العاصمة”.

كلّ خبر كان بمثابة ضربةٍ على وتر مشدود. لم يكن هناك مجال للهدوء، فاللحظة التي حلمنا بها، ودفعنا ثمنها أرواحاً وأحلاماً ومستقبلاً، كانت على وشك أن تتحقّق. في الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة، أُعلن الخبر رسمياً: نعم، سقط الخلود، وسقطت سرديةُ الأبد.

مهلاً، لم أشعر بذلك الفرح الصاخب الذي توقعته. كان شعوراً أعمق وأكثر تعقيداً، مزيجاً من النشوة الممزوجة بالذهول، والحزن على ما فقدناه، وقلقٌ هائلٌ بحجم وطنٍ في حضن المجهول. هل انتهى الكابوس حقاً؟ أم أننا على وشك الدخول في فصل جديد من فصوله التي لا تنتهي؟

التاسع من ديسمبر

في صباح التاسع من كانون الأول/ ديسمبر، بدأت الصورة تتضح. مقاتلون بشعورهم الطويلة ولحاهم الكثّة وشواربهم المحفوفة يسيطرون على العاصمة. مظاهر تدعو للاستغراب والتساؤل في عاصمة الوسطية والإسلام المُتمدّن المريح نسبياً للعامة. رايات سوداء ترفرف في بعض الأحياء، وشعارات طائفية مكتوبة على السيارات. مقاتلون بعضهم أجانب يتجولون بأسلحتهم في الشوارع.

كان المشهد صادماً لكثيرين، لكن لا شيء يستطيع الوقوف في وجه الأمل الكبير والفرح الأكبر بسقوط الطاغية. دخل المقاتلون إلى مناطق الساحل السوري دون إراقة دماء، تجنبنا مجزرةً لطالما خفناها. كانت تلك اللحظات مشبعةً بالحرية المُستعادة، بالشعور بأنّ كلّ التضحيات لم تذهب سدى. خرج الناس إلى الشوارع، احتفلوا، بكوا، عانقوا الغرباء، وتبادلوا التهانئ.

بمرور الأيَّام، بدأ مفعول الدوبامين يزول شيئاً فشيئاً. بدأ الأمل الكبير يصغر مع كلِّ حادثة تكشف عن وجه آخر للواقع الجديد. كانت الاختناقات الأمنية اليومية هنا وهناك، يذهب ضحيَّتها أبرياء من رجال ونساء. اغتيالات، اختطافات، اشتباكات. خلايا داعش النائمة تنشط في البادية، وعصابات المخدّرات لا تزال تعمل بحرية نسبية. النَّاس يخافون الخروج ليلاً في كثير من المناطق، والحواجز الأمنية تملأ الطرقات، لكنَّها لا تمنع الجريمة والاعتداءات.

في السادس من آذار/ مارس 2025، بعد ثلاثة أشهر من السقوط، اندلعت موجة عنف مروِّعة في الساحل السوري. هاجمت مجموعات كبيرة من مؤيدي وفلول نظام الأسد، بشكلٍ منسَّق ومتزامن، مواقع عسكرية ومدنية تابعة للحكومة الانتقالية في طرطوس واللاذقية وحمص. الرد كان أشدَّ قسوةً وأكثر دموية. تحوَّلت العملية الأمنية إلى مجازر طائفيةٍ استهدفت المدنيين العلويين بشكلٍ مُمنهج. الأرقام كانت مرعبة، تحقيق صحفي لرويترز كشف عن مقتل 1479 مدنياً. لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة خلصت في تقريرها الصادر في آب/ أغسطس 2025 إلى أنّ أعمال العنف كانت “واسعة النطاق ومنهجية وترقى إلى جرائم حرب”. كانت الصدمة هائلة. هل هذا ما أردناه؟ هل استبدلنا مجازر جديدة بمجازر النظام؟

لم تتوقف الدماء عند الساحل فحسب. في منتصف تموز 2025 اقتحمت قوات حكومية وميليشيات قبلية موالية لها، مناطق درزية في السويداء، إثر اشتباكات بين البدو وأبناء الطائفة الدرزية. أكثر من 2000 قتيل مدني بينهم نساء وأطفال في أقل من عشرة أيّام. القادة المحلِّيون في السويداء ناشدوا الأمم المتحدة التحقيق في المجازر والاختطافات والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير الجماعي الذي تعرضوا له. إسرائيل تدخلت عسكرياً لصالح أبناء السويداء. تعقّد المشهد أكثر فأكثر، ولأول مرّة في التَّاريخ السوري ترتفع الأعلام الإسرائيلية على أرضٍ سورية، بأيدي مواطنين سوريين، مُعتبرينها حليفاً استراتيجياً وضامناً لأمنهم ووجودهم، في مشهديّةٍ ترقى هي الأخرى إلى جريمة حربٍ معنوية بحقِّ كلِّ من عانى ومن فقد ومن تألّم من هذا الكيان الغاصب.

البندقية من كتف إلى أخرى

ومن الجنوب إلى الشمال، تبدو القضية الكردية هي الأخرى معلَّقة ومصيرها غامض. فرغم توقيع اتفاق مبدئي في العاشر من آذار/ مارس 2025 بين الحكومة الانتقالية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يهدف إلى دمجها في الجيش السوري ومنح الأكراد حقوقهم ضمن دولة لامركزية، إلّا أنّ تنفيذه لا يزال متعثراً بشكل خطير وسط “أزمة ثقة” عميقة بين الطرفين وضغوط تركية هائلة.

قائد قسد مظلوم عبدي أكد أنّ “التوافقات مع دمشق متعثّرة”، وأنّ هناك “بطأ” في تنفيذ الاتفاق واختلافاً حول كيفية دمج قوات قسد في الجيش والأجهزة الأمنية، وإهمالاً لملفَّاتٍ إنسانيةٍ مثل النازحين من عفرين وسري كانيه. هذا الملف الشائك يهدّد بأن يتحوّل إلى صراع مسلّح جديد في أي لحظة، بخاصّة مع استمرار الاشتباكات المتقطّعة بين الطرفين. كل هذه القضايا تطرح سؤالاً جوهرياً للفترة المقبلة، حول إشكالية إنشاء مؤسَّسة عسكرية وأمنية وطنية بحق في ظل التمزق الجغرافي وصعوبة دمج الفصائل وانتشار السلاح ووجود المقاتلين الأجانب؟

في السياق عينه، لا يمكن فصل الملف الأمني في بلدٍ خارجٍ من حربٍ أهلية طاحنة عن ملف العدالة الانتقالية. الملف الذي يسير بخطى ثقيلة، وسط تجاذبات بين منطق الانتقام ومنطق المُصالحة. تشكَّلت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في أيار/ مايو 2025، وأعلنت أهدافها الطموحة في تحقيق المُصالحة والسلم الأهلي من دون برنامجٍ واضح. مصير آلاف المعتقلين والمفقودين لا يزال مجهولاً، وأسئلة المحاسبة عن جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السابق وحلفاؤه وحتَّى بعض الفصائل المعارضة لا تزالُ بلا إجاباتٍ واضحة.

فادي صقر، القائد السابق في “قوات الدفاع الوطني”، والمتّهم بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق، ظهر في شباط/ فبراير 2025 يتجوّل بحرّية في حي التضامن نفسه برفقة عناصر من الأمن السوري في الإدارة الجديدة. خرج الناس في تظاهرات غاضبة، لكن لا شيء تغير. محمد حمشو، رجل الأعمال السوري البارز، المتهم بكونه الذراع الاقتصادية للفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، “ملك الخردة” و”ملك التعفيش”، عاد هو الآخر إلى الواجهة. فرحان المرسومي، الذي كان يُعتبر واحداً من أبرز أذرع النفوذ الإيراني في شرق سوريا، عاد كحليف للحكومة الجديدة، لا بل شارك مع ميليشياته في أحداث السويداء.

بسرعة كبيرة تنتقل البندقية في بلادي من كتف إلى أخرى، تختلف المصالح وتختلف التوازنات ولكن لا يختلف الضحايا: سوريون أيضاً. فهل سنشهد محاكمات حقيقية لمجرمي الحرب، أم أنَّ منطق السياسة والمصالح سيفرض علينا نسيان الماضي والمضيّ قُدُماً؟ وهل ستكون العدالة شاملةً لكلِّ الضحايا، أم انتقائيةً تخدم أجنداتٍ سياسية مُعيَّنة؟

على الصعيد السياسي الداخلي، لم تكن التطوُّرات أقلَّ إثارةً للجدل. في آذار 2025، وقّع الرئيس المؤقت إعلاناً دستورياً يحدّد مرحلة انتقالية مدّتها خمس سنوات. إعلان دستوري أقل بكثيرٍ من التوقعات وأقل بكثير ٍمن التضحيات. وفي أيلول 2025، أُجريت أوّل انتخابات تشريعية غير مباشرة لاختيار أعضاء مجلس الشعب، لكنّها كانت محدودة وغير تمثيلية، حيث يحتفظ الرئيس بحقّ تعيين ثلث الأعضاء، ويقوم بتعيين لجنة تقوم بدورها بتعيين الثلثين الباقيين.

الانتقادات كانت واسعة: الإعلان الدستوري يكرِّس هيمنة السلطة التنفيذية، ويغيِّب مبادئ الشفافية والمُحاسبة، والانتخابات التشريعية صوريّة حبَّذا لو لم تحصل لأنّها تعطي شرعية تمثيلية لسلطة لا تمتلك مثل هذه الشرعية وفق الوقائع على الأرض والانقسام الجغرافي والديمغرافي الحاصل. والحكومة وزِّعت حقائبها السيادية على رفاق الدرب، بينما احتفظ الرئيس المؤقت بمنصب رئاسة الوزراء ورئيس مجلس الأمن القومي والقائد الأعلى للقوات المسلَّحة!؟

على الصعيد الاقتصادي خلال العام الماضي، كان الوضع مريراً. نعم، توافرت المواد الغذائية في الأسواق بعد سنوات من الندرة، لكنّ الغلاء الفاحش في الأسعار لا يتناسب بتاتاً مع رواتب الموظفين ودخل العائلات السورية. الليرة السورية تواصل انهيارها، حيث بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 11900 ليرة في تشرين الثاني 2025. راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 100 دولار شهرياً، رواتب المتقاعدين أقل من 70 دولاراً، بينما تكاليف المعيشة الأساسية تفوق ذلك بأضعاف.

أجرة منزلٍ متهالكٍ في الأحياء العشوائية يبلغ 100 دولار شهرياً. ثلثا السكّان يعيشون تحت خطّ الفقر، والبنك الدولي يتوقّع نموّاً متواضعاً بنسبة 1% فقط في 2025. سقط الطاغية، لكن الفقر والجوع لا يزالان هنا. بينما سؤال الساعة هو: هل نستطيع تحميل الحكومة الانتقالية تركة عشرات السنوات من الانهيار الاقتصادي و13 عاماً من الحرب التي لم تُبقِ ولم تَذر؟ علماً بأنّ هناك من التطورات الإيجابية ما لا يمكن إغفاله. شهدت سوريا انفتاحاً غير مسبوق.

علّق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية، ما فتح الباب أمام عودة الاستثمارات والمساعدات. بدأت الاستثمارات الخليجية تتدفق. السعودية أعلنت عن حزمة استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار، قطر أعلنت عن مشروع ضخم للطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، والإمارات وقعت اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس. هذه الأرقام الضخمة أعطت بصيص أملٍ بأنَّ إعادة الإعمار قد تبدأ فعلاً. لكن حتى هذه الأخبار الإيجابية لم تخلُ من الفضائح.

ظهرت تقارير عن صفقات وهمية، ومشاريع “أبراج فراشات” لا وجود لها على الأرض، وشخصيات مقرَّبة من النظام الجديد تستفيد من العقود الكبرى. وضبابية في الإجابة على أهم الاسئلة في سنواتنا القادمة: من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار وتعويض الضرر؟

بالرغم من كلّ التحديات سالفة الذكر، توِّج الحراك الدبلوماسي السوري بحدثين لم يكونا ليخطرا على بال أشد المتفائلين قبل عام، زيارة الرئيس السوري الموقّت أحمد الشرع إلى الكرملين للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزيارته إلى البيت الأبيض، حيث استقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارة رسمية كاملة.

قبل هذه الزيارة بيومين، رفعت الولايات المتحدة وبريطانيا العقوبات عن الشرع ووزير داخليته، بعدما كانا مصنّفين كـ “إرهابيين” لسنوات بسبب قيادتهم لهيئة تحرير الشام المرتبطة تاريخياً بتنظيم القاعدة. كانت الصور القادمة من موسكو وواشنطن تحمل رمزية هائلة، فهي إعلان صريح عن عودة سوريا إلى الخارطة الدولية كلاعب لا يمكن تجاهله. لكن هذا الاعتراف لم يكن مجانياً. لقد جاء نتيجة تفاهمات وتنازلات لم تُعلن تفاصيلها كاملة، وتعهدات قطعتها القيادة الجديدة للمجتمع الدولي، خصوصاً في ما يتعلّق بالقواعد العسكرية وبمكافحة الإرهاب والحدّ من النفوذ الإيراني وضمان أمن إسرائيل والتعاونات الأمنية. فهل كان هذا الانفتاح ثمناً لسيادة منقوصة؟

عامٌ على ماذا؟

عندما أنهيت المقال وأردت تسميته، خطر ببالي أن أسمِّيه “عامٌ على (….)”، لكنني لم أستطع ملء الفراغ. بالفعل، عامٌ على ماذا؟ كلُّ شيءٍ في اللوحة يتغيَّر باستمرار. الشخصيات تتحرَّك، والأحداث تتسارع، والخلفية تتبدل. نركب رولر كوستر (قلّابة) شعوريّة، ننام على أملٍ كبيرٍ ونصحو على إحباطٍ هائلٍ والعكسُ صحيح. هناك أملٌ بمستقبلٍ أفضل، لكنّه أملٌ محاطٌ بالخوف والشكوك.

هناك استثماراتٌ ضخمة قادمة، لكن هناك أيضاً فساد وفضائح. هناك تحسُّنٌ في الخدمات، لكن هناك أيضاً فقرٌ مدقع وغلاءٌ فاحش وغيابٌ للشفافية ولخطَّة اقتصادية واضحة. هناك انفتاح دولي، لكن هناك أيضاً تدخّلات خارجية مُباركة من الحكومة الانتقالية.

هناك حديث عن دولةٍ جديدة، لكن هناك أيضاً عودة لأنماط قديمة من الفساد والمحسوبية وحكم العوائل. هناك وعود بالعدالة الانتقالية، وقبضٌ على مُتهمين بجرائم بشعة، لكن هناك أيضاً إعادة تعويمٍ لمجرمي حرب. ربّما يكون عاماً تعلّمنا فيه أنّ إسقاط الديكتاتور أسهل من بناء الدولة، وأنّ الطريق إلى الحرية طويل ومحفوف بالتنازلات والمصالح المتضاربة والحسابات المعقّدة. عام من طرح الأسئلة الصعبة أكثر مما قدّم لنا من الإجابات المريحة.

بعد عامٍ كامل، لا أملك إجابات نهائية أو يقينية. كلُّ ما أملكه هو ذلك الشعور المعقّد الذي راودني في تلك الليلة: مزيجٌ من النشوة والذهول لزوال كابوس طويل، والحزن العميق على ما فقدناه، والقلق من الآتي. قلقٌ ممزوج بطعمٍ خفيفٍ من الأمل. أملٌ بأنّنا كسوريين، قادرون على تحويل هذه اللحظات المفصلية إلى بداية حقيقيةٍ لوطنٍ يستحقُّ التضحيات الجسام التي قدمناها من أجله.

أملٌ بأن لا نصمت من جديد، ولا نستكين لأيٍّ كان، ولا نقدّس الأشخاص، وأن نتقبَّل الاختلاف والتعددية. أملٌ بأن نتعلّم من أخطاء الماضي، وأن نبني مستقبلاً يكون فيه الإنسان السوري، بغضِّ النظر عن انتمائه الطائفي أو المناطقي أو السياسي، هو الغاية والهدف. أملٌ بأن يعود العقل بعد أن ذهب مفعول الدوبامين، وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل هذا ما أردناه؟ وإن لم يكن كذلك، فماذا سنفعل لتغييره وكيف؟

رصيف 22

——————————-

عام على سقوط الأسد.. ماذا عن العلاقات المصرية السورية؟/ عماد عنان

8 ديسمبر 2025

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 زلزالًا استراتيجيًا أعاد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وترك تداعيات عميقة على الدول المحيطة، وفي مقدمتها مصر، فقد وجدت القاهرة نفسها في مواجهة مشهد إقليمي جديد بالغ الحساسية، خصوصًا مع صعود سلطة انتقالية ذات خلفية “جهادية إسلامية” إلى الحكم في دمشق؛ وهو تطوّر أثار قلقًا مكتومًا داخل دوائر القرار المصري.

ومنذ اللحظة الأولى، بدا التعاطي المصري مع التحوّل السوري محكومًا بمنظومة معقدة من الهواجس الأمنية والحسابات الجيوسياسية، فالصمت المصري في الأسابيع الأولى أظهر ارتباكًا دبلوماسيًا، اعتبره البعض ترددًا غير مفهوم في قراءة المتغيرات، بينما رأى آخرون أنه انعكاس لحذر ضروري في مواجهة واقع غير مستقر.

وتوالت التطورات خلال العام الذي أعقب سقوط النظام في دمشق، لتشهد العلاقات بين القاهرة وسوريا ما يمكن وصفه بـ “البرود الحذر”، لا مواجهة سياسية، ولا انفتاح كامل، فقد اعترفت مصر بالسلطة الجديدة كأمر واقع، لكنها في الوقت نفسه أبقت مسافة محسوبة بينها وبين دمشق، مدفوعةً بمخاوف تتعلق بانتشار “النفوذ الجهادي” وتهديدات محتملة للأمن القومي المصري ولبنية الدولة الوطنية العربية التي طالما تبنّت القاهرة الدفاع عنها.

اليوم وبعد مرور عام كامل على تولي السلطة السورية الجديدة إدارة المرحلة، تعرضت خلالها الدولة الخارجة للتو من رحم حراك ثوري قارب 14 عامًا للكثير من العثرات والنجاحات، على المستويين الداخلي والخارجي، يبقى السؤال: ماذا عن الموقف المصري؟ وما مقاربات القاهرة إزاء تلك التطورات؟ وأي ملامح يمكن أن ترسم خارطة مستقبل العلاقات بين البلدين؟

استجابة متأخرة

اختارت القاهرة في الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد أن تلتزم صمتًا محسوبًا إزاء المشهد السوري الجديد، فبينما سارعت قوى إقليمية ودولية إلى نسج خطوط تواصل مع الإدارة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، فضّلت مصر أن تبقي موقفها في إطار “الحياد المدروس”، مكتفية بمتابعة التطورات عبر مشاورات مكثّفة مع دول الجوار السوري، في محاولة لتقدير حجم التحولات الميدانية وتداعياتها على أمن الإقليم وتوازناته.

غير أن الصمت لم يطل، فبعد 23 يومًا من الإطاحة بالنظام السابق، اتخذت القاهرة خطوة أولى باتجاه الانخراط الدبلوماسي المباشر، عبر اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، في 31 كانون الأول/ديسمبر 2024. خطوة رأى فيها مراقبون انعكاسًا لمراجعة مصرية دقيقة، أعادت خلالها القاهرة تقييم مصالحها الاستراتيجية في سوريا، وحدود التعامل مع السلطة الجديدة.

وتمحور الخطاب السياسي المصري في الأسابيع الأولى من حكم السلطة الجديدة حول عدة مسارات على رأسها ضرورة أن تكون عملية الانتقال السياسي في سوريا شاملة وغير إقصائية، وأن تعبّر عن إرادة وطنية سورية خالصة بعيدًا عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية، وبما يصون وحدة سوريا وسلامة أراضيها، ويحمي نسيجها المجتمعي وهويتها العربية الراسخة.

انخراط حذر

ومع تسارع اعتراف المجتمع الدولي بالسلطة السورية الجديدة، رأت القاهرة أن اللحظة باتت مناسبة للانتقال من الحذر الصامت إلى الانخراط المحسوب في المشهد السياسي السوري، فجاءت نقطة التحول في 31 كانون الثاني/يناير 2025، حين بعث عبد الفتاح السيسي ببرقية تهنئة إلى أحمد الشرع بمناسبة تولّيه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، متمنيًا له النجاح في تلبية تطلعات الشعب السوري نحو الأمن والاستقرار والازدهار.

ولم يطل الانتظار حتى أتت الخطوة التالية: ففي 23 شباط/فبراير، وجّه السيسي دعوة رسمية للشرع للمشاركة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة لبحث تطورات الوضع في غزة، وبعدها بشهر واحد فقط، شهد آذار/مارس 2025 أول زيارة رسمية للرئيس السوري الجديد إلى مصر، حيث حظي باستقبال بروتوكولي كامل عكس رغبة القاهرة في تثبيت مسار العلاقات الثنائية ضمن إطار مؤسسي واضح.

في المقابل، لم يتأخر الشرع في إظهار انفتاحه تجاه القاهرة، مؤكدًا أن الرئيس السيسي عبّر خلال اللقاءات عن حرص مصري عميق على استقرار سوريا وإعادة إعمارها، وأن مصر لم تتخلَّ عن دمشق في المحافل الإقليمية والدولية.

وهكذا دخلت العلاقات المصرية–السورية مرحلة جديدة من الدبلوماسية الطبيعية، لا قطيعة كما كان يخشى البعض، ولا تحالف استراتيجي كامل كما يأمل آخرون، وإنما مسار سياسي متوازن تحكمه مجموعة من الاعتبارات والمخاوف المتبادلة، بانتظار أن تتضح ملامح النظام السوري الجديد وتوازناته الإقليمية المقبلة.

مقاربات و هواجس

بنت القاهرة موقفها الأولي الداعم لنظام الأسد والمتحفّظ تجاه السلطة السورية الجديدة على خمسة مرتكزات رئيسية، أولها، الحفاظ على مستوى من التقارب مع موسكو، بوصفها الداعم الأبرز والأكثر تأثيرًا لنظام الأسد، وهو ما يُعدّ جزءًا من رؤية مصر لاستقرار ميزان القوى في الإقليم.

وثانيها، العقيدة الصلبة للمؤسسة العسكرية المصرية التي ترفض أي تشكيلات مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، خشية أن يفضي الاعتراف بفصائل كهذه إلى تقويض نموذج الجيوش النظامية في المنطقة.

أما المرتكز الثالث، فيتمثل في مناهضة “النفوذ التركي” في محيطي سوريا وليبيا، نظراً لارتباطه بتوسّع جيوسياسي تعتبره القاهرة خصمًا لمصالحها وأمنها القومي، وتأتي المقاربة الرابعة، وربما الأعمق تأثيرًا، مرتبطة بـالهاجس المصري تجاه سيناريو الربيع العربي وخشية استنساخ تجربة 2011 داخل الحدود المصرية.

في حين تكمّل المقاربة الخامسة هذا التصور عبر رفض صعود الفاعلين الإسلاميين إلى السلطة، خاصة مع الخلفية الجهادية لهيئة تحرير الشام ووجود عناصر مناوئة للقاهرة ضمن صفوفها.

وعليه، يمكن اختزال دوافع هذا التوجس المصري في اعتبارات مترابطة: الخوف من انتقال عدوى الزخم الثوري السوري إلى الداخل المصري، القلق من تمكين التيارات الإسلامية المسلحة بما قد يشكل إلهامًا أو دعماً لنظيراتها داخل مصر.

سوريا الجديدة بعد عام.. برغماتية سياسية

لقد كانت القاهرة تراهن في بدايات التحوّل السوري على تعثر السلطة الجديدة في ترسيخ حضورها، غير أن موازين الواقع سرعان ما تبدلت، فالنظام الانتقالي في دمشق نجح تدريجيًا في تثبيت أقدامه وتعزيز نفوذه على الأرض، ما وضع مصر أمام خيارٍ لا يحتمل التأجيل: إمّا التكيف مع المعادلة الجديدة، أو القبول بالتراجع إلى هامش المشهد الإقليمي في واحدة من أهم ساحاته.

وتأتي أهمية هذه الساحة من حقيقة أن سوريا تمثل ركيزة جيوسياسية في قلب الشرق الأوسط، بوابة بين الخليج والبحر المتوسط، رمانة توازن في المشرق العربي، وعمقًا مباشرًا للأمن القومي المصري، ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن انهيار الدولة السورية بالكامل أو انزلاقها إلى كيان مفكك سيؤدي إلى تصدع إقليمي واسع يتجاوز حدود دمشق ليطال العراق ولبنان، وربما ينعكس باضطرابات داخل مصر نفسها، وعليه كان لزامًا عليها أن تنخرط في التعامل مع السلطة الجديدة بقدر محسوب من البراغماتية.

هكذا تشكلت مقاربة مصر في عام ما بعد الأسد، انفتاح تدريجي محسوب تجاه دمشق الجديدة، يحافظ على القنوات مفتوحة دون منح ثقة كاملة. فهناك جملة من التحفظات المتراكمة، أبرزها: القلق من مستوى الانفتاح بين السلطة السورية الجديدة والكيان الإسرائيلي، الحذر من التوازنات المعقدة بين موسكو وواشنطن وأنقرة في القرار السوري، والخشية من صعود قوى أيديولوجية لا تنسجم مع محددات الأمن الوطني المصري.

القاهرة – دمشق.. تاريخ من العلاقات المتأرجحة

أخذت العلاقات المصرية–السورية منحنيات متقلبة عبر التاريخ؛ فقد جمعتهما وحدة سياسية جريئة بين عامي 1958 و1961 تحت مسمى “الجمهورية العربية المتحدة”، وخاض جيشاهما معًا حرب أكتوبر ضد إسرائيل، غير أن الطريق افترق بعد توقيع القاهرة اتفاقية السلام مع تل أبيب عام 1979، وهي الخطوة التي رفضتها دمشق بشدة، فبدأت مسافة واضحة تتشكل بين البلدين.

رغم ذلك، حافظ حسني مبارك وحافظ الأسد على علاقة اتسمت بـ”الاحترام المتبادل”، امتدادًا لذكريات القتال في جبهة واحدة عام 1973، وزاد تقارب البلدين بعد عودة مصر إلى حضن الجامعة العربية عام 1989.

ومع وصول بشار الأسد إلى الحكم عام 2000، استقبله مبارك بترحيب واضح، قبل أن تتبدل الأجواء سريعًا مع تداعيات اغتيال رفيق الحريري عام 2005 واتهام دمشق بالتورط في اغتياله.

ومع تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014، طُويت صفحة التحول السياسي الأبرز الذي شهدته فترة حكم الإخوان المسلمين، حين أعلن الرئيس الأسبق محمد مرسي في حزيران/ يونيو 2013 ودعمه الكامل لإرادة الشعب السوري، قاطعًا العلاقات مع نظام الأسد في دمشق.

ومع الإطاحة بمرسي اختارت مصر العودة إلى مسار أكثر ميلًا نحو النظام السوري، وفي 2016، أعلن السيسي بصراحة وقوف بلاده إلى “جانب الجيوش الوطنية العربية التي تكافح لاستعادة استقرار دولها—من بينها الجيش السوري”.

وجاء أيار/ مايو 2023 ليشكل محطة مهمة، إذ دعمت القاهرة بقوة قرار إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد غياب دام 11 عامًا، في إشارة واضحة إلى أن الظروف باتت مهيأة لعودة دمشق إلى محيطها العربي واستئناف مسار التسوية السياسية.

ثم جاء الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 ليقلب الطاولة ويُربك كافة الحسابات، ويضع القاهرة في مأزق سياسي كبير، بين اعتباراتها الدبلوماسية التقليدية ومقاربات الأمر الواقع، لتبدأ مرحلة جديدة من التشكل الجيوسياسي الذي تشهده المنطقة، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال للقاهرة أن تتسمر مكانها إزاءه.

في المحصلة..

اليوم وبعد مرور عام كامل على بزوغ السلطة السورية الجديدة، تبدو القاهرة وقد قطعت شوطًا لا بأس به نحو الانخراط في المشهد السوري، لكن هذا الانخراط لا يزال مقيّدًا بمنظومة معقدة من الحسابات والهواجس؛ فالحذر الأمني، والتحفظ السياسي، وثقل التجارب السابقة، كلها عوامل تجعل من الصعب على مصر المضي أبعد من خطواتها الحالية.

وبين رهانها على الاستقرار السوري وقلقها من المسارات غير مضمونة العواقب، تمارس القاهرة براغماتية حذرة تضمن حضورًا ضروريًا في ملف لا يمكن لها الابتعاد عنه، لكنها في الوقت ذاته تُبقي خياراتها مفتوحة حتى تتضح الوجهة النهائية لسوريا الجديدة

الترا صوت

———————————

عام على سقوط الأسد.. ما هي التبعات البيئية لعودة سوريا إلى “الاتحاد من أجل المتوسط”؟/ زاهر هاشم

8 ديسمبر 2025

عانت سوريا لسنوات طويلة قبل سقوط نظام الأسد، من انهيار بيئي سبّبه تدمير ممنهج للبنية التحتية من محطات كهرباء ومنشآت نفطية ومصانع، ومصافٍ بدائية في الشرق والشمال الشرقي أطلقت كميات هائلة من الملوّثات في الهواء والتربة والمياه، ومكبات نفايات عشوائية متخمة بأنقاض المباني وبقايا الذخائر، وحرائق متكررة في الغابات والأراضي الزراعية، وسط تفكك مؤسسات الدولة وضعف الحوكمة.

ومع سقوط نظام الأسد وجدت سوريا نفسها رهينة لمشاكل بيئية تراكمت على مدى عقود، وأمام تحديات التعامل مع آثار الحرب، بوصفها ملفًا بيئيًا واجتماعيًا لا يقل خطورة عن ملفات الأمن والاقتصاد.

في مواجهة هذا الإرث الثقيل، بدا واضحًا أن المعالجة لن تكون ممكنة من داخل الحدود فقط، بل عبر تبنّي سياسات بيئية جديدة أكثر شفافية واستدامة، والانفتاح على الشراكات مع أوروبا والعالم، من خلال العودة إلى أطر التعاون الإقليمي، والانخراط الفعّال في أجندة المناخ العالمية ومؤتمرات الأطراف، واستقطاب التمويل الأخضر والتقنيات الحديثة في مجالات الطاقة المتجددة، وإدارة المياه والنفايات، وإعادة الإعمار وفق معايير بيئية عالمية.

العودة إلى العمق المتوسطي

ضمن هذا الإطار تعود سوريا إلى الاتحاد من أجل المتوسط ​​بعد غياب دام 14 عامًا، في بادرة دبلوماسية تُبرز التحول الذي شهدته البلاد منذ تحريرها من نظام الأسد، وتثير التوقعات حول دور المجتمع الدولي في إعادة الإعمار، والتأثيرات الإقليمية التي تشمل الاستثمار في الطاقة والتجارة، والبيئة والعمل المناخي.

وعبر مشاركتها مؤخرًا في المنتدى الإقليمي العاشر الذي عقد في مدينة برشلونة الإسبانية نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، كعنوان عملي للعودة إلى طاولة الاتحاد من أجل المتوسط بعد استعادة عضويتها الكاملة، تحرص سوريا على استعادة دورها في الحوار الإقليمي وتعزيز التعاون الشامل في المنطقة، والذي توقف بعد تجميد نظام الأسد عضويته في المنظمة منذ أواخر عام 2011 على خلفية الموقف الأوروبي الداعم للثورة السورية، وفرض عقوبات أوروبية على دمشق ردًا على انتهاكات النظام بحق المدنيين.

وكانت الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط قد أعلنت في تموز/يوليو من العام الجاري أن سوريا استأنفت مشاركتها وعضويتها الكاملة من خلال حضور اجتماع كبار المسؤولين، بعد 14 عامًا من التجميد.

الأبعاد العامة للتعاون المشترك

يتولى الاتحاد من أجل المتوسط العمل عبر منصات قطاعية مختلفة تغطي التنمية الاقتصادية، والتعليم والبحث العلمي، والشؤون الاجتماعية، والمياه والبيئة والاقتصاد الأزرق، والطاقة والعمل المناخي، والنقل والتنمية الحضرية.

وتعني عودة سوريا أنها ستكون طرفًا في المشاريع الإقليمية المموّلة أو المدعومة أورو-متوسطيًا مثل القروض والمنح، والمشاريع المشتركة، وكذلك عودتها إلى الحوار السياسي المنتظم بين ضفتي المتوسط حول قضايا الهجرة والاستقرار، وإعادة الإعمار، والطاقة، من خلال المنصات الفنية التي تجمع الوزارات والخبراء حول ملفات متخصصة.

وتُقرأ هذه العودة أيضًا كجزء من مسار أوسع لإعادة إدماج سوريا في الأطر الأوروبية، إلى جانب تعهدات مالية من الاتحاد الأوروبي لدعم التعافي وإعادة الإعمار.

الأثر المحتمل على البيئة السورية

يمتلك الاتحاد من أجل المتوسط أجندة بيئية ومناخية واضحة، أهمها منصة المياه والبيئة والاقتصاد الأزرق، التي تركّز على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وحماية البحر المتوسط من التلوث، وتعزيز الاقتصاد الأخضر، وتسريع التحول نحو الطاقات المتجددة، ورفع كفاءة الطاقة، ودعم التكيّف مع تغيّر المناخ.

وإذا ما تمت ترجمة هذه العودة إلى مشاريع فعلية في المياه، وحماية الساحل، والاقتصاد الأزرق، والطاقة المتجددة، فإنها يمكن أن تُسهم بشكل ملموس في تحسين الوضع البيئي في سوريا خلال السنوات المقبلة.

انطلاقًا من ذلك، يمكن تلخيص الفرص البيئية لسوريا بعد استعادة العضوية في النقاط التالية:

– مشاريع حماية وتطوير الساحل السوري

تمتلك سوريا شريطًا ساحليًا على البحر الأبيض المتوسط، وهو معرض للتلوث البحري، من السفن ومخلفات الموانئ، والصرف غير المعالج، والمنشآت الصناعية والنفطية القائمة فيه.

ويمكن عبر برامج الاتحاد الخاصة بإزالة التلوث البحري، مشاركة سوريا في مشروعات تعنى بتحسين شبكات الصرف الصحي في المدن الساحلية، وإدارة النفايات الصلبة للحد من وصولها إلى البحر، وحماية التنوع الحيوي البحري.

كما تفتح أجندة الاقتصاد الأزرق المستدام التي تشمل السياحة الساحلية المستدامة، والموانئ الخضراء، والطاقة البحرية المتجددة المجال أمام سوريا لتطوير موانئ أقل تلوثًا وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وإطلاق سياحة ساحلية تدمج البعد البيئي، وقيام مشاريع صغيرة للصيادين والمجتمعات الساحلية تحسّن دخلهم وتحافظ على البيئة البحرية في آن واحد.

– الطاقة المتجددة والعمل المناخي

تواجه دول البحر الأبيض المتوسط ​​اليوم تحديات مشتركة في مجال الطاقة والمناخ، تتطلب استجابات متعددة الأطراف وجهودًا جماعية عالية المستوى.

ويعمل الاتحاد من أجل المتوسط ​​كمنصة فريدة لتسهيل وتعزيز الحوار والتعاون الإقليمي بالإضافة إلى المشاريع والمبادرات الملموسة في مجالات الطاقة والعمل المناخي من أجل التعامل مع تحديات الطاقة وتغير المناخ في المنطقة مع التقدم نحو نماذج طاقة أكثر أمانًا واستدامة.

يسهّل إطار الطاقة والعمل المناخي على سوريا الوصول إلى تمويلات لمشاريع الطاقة المتجددة، وتبادل الخبرات في إصلاح قطاع الكهرباء نحو نموذج أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، وإعداد استراتيجيات وطنية للتكيّف مع تغيّر المناخ تتماشى مع التزامات اتفاق باريس.

– دعم إدارة المياه والتكيّف مع الجفاف

تُتيح منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​إمكانات هائلة لتحقيق تنمية مستدامة وصديقة للبيئة لشعوبها، ويشجع الاتحاد من أجل المتوسط ​​التعاون الإقليمي لحماية البحر الأبيض المتوسط ​​والموارد الطبيعية للدول الواقعة في منطقته، ويدعم الشراكات المستوحاة من مبادئ الاقتصاد الدائري.

لكن التهديدات البيئية الخطيرة، بما في ذلك ندرة المياه، تُعرّض هذه الجهود للخطر، ويُعدّ الوصول إلى المياه وتوفيرها واستخدامها على نحو مستدام من الشواغل الرئيسية، خاصة في المناطق الواقعة على طول السواحل الجنوبية والشرقية للمتوسط، والتي تُعدّ من بين أكثر مناطق العالم ندرة في المياه.

يعطي الاتحاد من أجل المتوسط أولوية للإدارة المتكاملة للموارد المائية في حوض المتوسط، مع التركيز على ندرة المياه والتصحر.

تشير توقعات برنامج الأغذية العالمي حالياً إلى وجود 12.9 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في سوريا، إذ أدت ظروف الجفاف الشديد، وارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع إنتاج المحاصيل والحبوب، الأمر الذي يجعل المشاركة من خلال هذا التحالف المتوسطي في برامج تخطيط موارد المياه، ومشاريع ترشيد استخدام المياه في الزراعة، وتقنيات إعادة استخدام المياه المعالجة في الري، في سلم أولويات التعاون مع المجتمع الدولي.

الترا صوت

———————-

الرياضة بعد عام على سقوط النظام.. إصلاحات ناشئة ونتائج متفاوتة بين الألعاب الفردية والجماعية/ مهند عصام الحسني

8 ديسمبر 2025

بعد عام واحد فقط من لحظة سقوط نظام الأسد، بدت الرياضة السورية كأنها تنهض من تحت الركام، وتتلمّس طريقها نحو عصر جديد لم يكن من الممكن تخيّله في ظلّ الظروف التي عاشتها البلاد لعقود طويلة. فقد كان من المستحيل، بعد أن زال النظام السابق، أن تستمر الرياضة على خطاها القديمة، أو أن يعود المشهد الرياضي ليُدار بالعقلية ذاتها التي أنتجت الفساد والمحسوبيات، وربطت المؤسسات الرياضية بسلطة القمع ورموز الإجرام.

لذلك كان حلّ الاتحاد الرياضي العام نتيجةً طبيعية لمسار التغيير، وإسناد المهمة مؤقتًا إلى اللجنة الأولمبية السورية خطوةً تمهيدية للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا وتنظيمًا، انتهت بتشكيل وزارة الرياضة والشباب وتكليف الأستاذ محمد سامح حامض بوصفه أول وزير للرياضة في سوريا.

وجود الوزارة لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان حلمًا طال انتظاره لدى الرياضيين. فبعد عقود من العمل العشوائي وغياب التخطيط وافتقار المؤسسات للشفافية، كانت الحاجة ملحّة إلى رؤية جديدة تؤسس لنهضة شاملة في بنية الرياضة وكوادرها ومنشآتها. ومنذ الأيام الأولى، أثبت الوزير الجديد أن التغيير لن يكون شعارًا فقط؛ إذ أطلق ورشات عمل تبنّت منهج التخطيط الاستراتيجي في كل اتحاد رياضي، وأعاد هيكلة الأندية والمديريات، جامعًا بين الانتخابات والتعيين لتحقيق التوازن المطلوب، مع متابعة يومية دقيقة أفضت إلى استبدال كثيرين ممّن لم يكونوا في مواقعهم الصحيحة، وإعادة توزيع المسؤوليات وفق الكفاءة والخبرة.

وقد اعتمدت الوزارة على ثلاث ركائز أساسية شكّلت العمود الفقري للمشروع الرياضي الجديد: التنظيم الإداري، الاستثمار الرياضي، وتطوير المنشآت. هذه الأسس الثلاث مهدت لعودة النشاط الرياضي بطريقة مستقرة، وأعادت للمنتخبات إمكانية الظهور الخارجي بثقة أكبر، بعدما عانت طويلًا من غياب البنية المناسبة والدعم الكافي.

طوق النجاة

في هذا السياق، اعتبر رئيس اتحاد كرة القدم، فراس تيت، أن سقوط النظام لم يكن مجرد حدث سياسي، بل نقطة تحوّل كبرى للسوريين عمومًا، وللرياضيين على وجه الخصوص، ونجاةً من الظلم والاستبداد الذي طبع السنوات السابقة. وأكد أن ذكرى السقوط تمثّل أعظم لحظة في التاريخ الحديث للبلاد، وأن الرياضة السورية ستزدهر من جديد بفضل التغيير الجذري في بنية الدولة ورؤيتها.

إلى جانب الإصلاح الداخلي، أولت الوزارة اهتمامًا خاصًا بإعادة بناء العلاقات مع العالم الخارجي. وبعد سنوات من العزلة، جاءت المفاجأة بأن العديد من الدول بادرت بنفسها إلى التواصل مع سوريا، رغبة في فتح صفحة جديدة معها. إلا أن الحدث الأكثر أهمية في هذا الإطار كان طلب رئيس “فيفا”، جياني إنفانتينو، لقاء الرئيس أحمد الشرع. وقد جرى اللقاء في الرياض بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، ليشكل ذلك أول اعتراف دولي رياضي كبير بالحالة الجديدة، ويؤسس لعلاقة استراتيجية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، قد تفتح الباب أمام دعم كبير للكرة.

ملامح العهد الجديد

وللوقوف أكثر على ملامح العهد الجديد الذي تشهده الرياضة السورية بعد عام على سقوط النظام، استطلع موقع “الترا سوريا” آراء عدد من الكوادر العاملة في هذا القطاع، للحديث عن التحولات الجارية، والتحديات القائمة، وآفاق المرحلة المقبلة.

بدأت الوزارة على الصعيد الداخلي،  تنفيذ خطة واسعة لإعادة تأهيل المنشآت الرياضية التي أهملتها سنوات الحرب والفساد والانهيار الاقتصادي. ووفق ما أكده رئيس نادي أهلي حلب محمد كعدان لـ”الترا سوريا”، فإن الرياضة استعادت الكثير من عافيتها، بعدما وُضعت خطة تتضمن إعادة تأهيل صالة الحمدانية العملاقة ذات الإرث الرياضي الكبير، والملعب الكبير الذي تتجاوز سعته 75 ألف متفرج، بالإضافة إلى إصلاح عشرات الصالات في المحافظات. وقد ترافق ذلك مع تحسن ملموس في العلاقة بين الأندية والمؤسسات الرسمية، حيث طُويت صفحة التعامل القديم القائم على المحسوبيات والضغوط غير المهنية.

من جانبه، أكد رئيس نادي الشبيبة بشار عازر لـ”الترا سوريا” أن إعادة اسم النادي التاريخي شكّلت دليلًا على انتهاء العهد السابق بكل تشوهاته، وعودة الإنصاف إلى العمل الرياضي، فالمؤسسات لم تعد تُدار بالواسطة أو الرشوة، ولم يعد القرار مرتهنًا لأحد، بل أصبح العمل قائمًا على الرقابة الوزارية الدقيقة وعلى معايير واضحة، هذا التغيير أعاد الثقة بين الرياضيين والمؤسسات، وخلق بيئة صحية تسمح بالنمو والتطوير.

ولم يكن اتحاد كرة السلة بعيدًا عن هذه التحولات، فقد تحدث رئيس اتحاد السلة رامي عيسى لـ”الترا سوريا” عن ولادة روح جديدة داخل المؤسسة، حيث باتت القرارات تُتخذ بطريقة جماعية قائمة على أسس فنية، وبرؤية مؤسساتية تضمن الشفافية وتمنع التفرد في إدارة اللعبة، وقد انعكس ذلك على مستويات العمل الإداري وعلى برامج تطوير الفئات العمرية.

عودة المسابقات

أما على مستوى المنافسات، فقد كان أبرز حدث في العام الماضي عودة الدوري الممتاز لكرة القدم بعد توقف طويل. ولم تكن العودة تقليدية، بل جاءت وفق نظام جديد يُطبق لأول مرة، يعتمد على إقامة المباريات في ملاعب محايدة، وعلى مرحلة بلاي أوف لتحديد البطل. وقد أضفى هذا النظام روحًا جديدة على البطولة، وانتهى الموسم بتتويج نادي أهلي حلب باللقب، في إشارة واضحة إلى عودة المنافسة القوية بين الأندية الكبرى.

في موازاة ذلك، شهد المنتخب الوطني لكرة القدم أداءً مشجعًا خلال عام 2025، إذ حقق سلسلة من الانتصارات في تصفيات كأس آسيا. فقد تغلب على باكستان بهدفين دون رد في آذار/مارس، ثم فاز على أفغانستان بهدف نظيف في حزيران/يونيو. وأعاد التألق في أيلول/سبتمبر بفوز كبير على ميانمار بخماسية مقابل هدف، ثم جدد فوزه بثلاثية نظيفة.

ولم تتوقف النتائج الإيجابية عند هذا الحد، إذ اختتم المنتخب هذا العام بفوز عريض على باكستان بخمسة أهداف نظيفة في تشرين الثاني/نوفمبر. وفي كأس العرب، أكد المنتخب حضوره بفوز مستحق على جنوب السودان بهدفين نظيفين، وتأهل إلى نهائيات كأس العرب. هذه النتائج عكست استقرارًا فنيًا نسبيًا رغم محدودية الإمكانات المتاحة.

بطولة أسيا لكرة السلة 2025

وقع منتخبنا في المجموعة الثالثة إلى جانب منتخبات اليابان وغوام وإيران. ولم يتمكن من تحقيق أي فوز، حيث خسر في اللقاء الافتتاحي أمام منتخب اليابان (68-99)، وفي اللقاء الثاني مني بخسارة غير متوقعة أمام منتخب غوام (73-82)، واختتم مبارياته بالمجموعة بخسارة ثقيلة أمام منتخب إيران (43-82)، ليحل بالمركز الأخير على لائحة الترتيب العام للبطولة.

أما على مستوى التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم التي تستضيفها قطر عام 2027، فقد استهل مشواره في التصفيات بخسارة مزدوجة في النافذة الأولى أمام الأردن على التوالي (74-59) و(100-48).

خطة متكاملة لإعادة بناء المنشآت

على مستوى البنية التحتية، ركزت الوزارة جهودها على إعادة بناء المنشآت عبر خطة متكاملة تشمل إدخال التكنولوجيا الحديثة، تطوير أنظمة التدريب، بناء قدرات الكوادر البشرية، إضافة إلى تأهيل الملاعب والصالات في مختلف المحافظات.

وبدأت بالفعل أعمال إزالة الأنقاض من صالة الحمدانية، إلى جانب إصلاح ملاعب حلب، بما فيها الملعب الكبير الذي سيعود ليكون أحد أكبر المنشآت الرياضية في المنطقة. وفي السياق ذاته، بدأ العمل على إجراء صيانة عامة وشاملة لصالة الفيحاء الرئيسية لمواكبة الشروط العالمية لاستقبال أي حدث رياضي. كما يجري العمل على صيانة صالات حمص، تمهيدًا لاستضافتها الفعاليات الرياضية في الموسم المقبل.

ميداليات ملونة للألعاب الفردية

لم تقتصر الإنجازات على كرة القدم وكرة السلة، بل كانت حصيلة الميداليات في الألعاب الفردية لافتة في العام الأول بعد سقوط النظام. فقد حققت المنتخبات السورية نتائج جيدة في الووشو كونغ فو، بعد حصد تسع ميداليات في البطولة الدولية في بيروت. وفي بناء الأجسام واللياقة، نال المنتخب سبع ميداليات في بطولة السعودية. كما حقق منتخب اليونيفايت سبع ميداليات في روسيا، أربع منها فضية وثلاث برونزية.

إضافة إلى ذلك، شاركت الرياضة السورية  في دورة التضامن الإسلامي التي أُقيمت في السعودية، حيثُ نافست في ثماني ألعاب، وتمكنت خلالها إنانا سليمان من تحقيق برونزية في سباق 400 متر منوع، وفضية البطلة هند ظاظا في كرة الطاولة، وهي إنجازات تؤكد امتلاك سوريا لطاقات مميزة تحتاج فقط للدعم والاستمرارية.

وفي الشطرنج، فاز اللاعب مازن فندي بذهبية العرب في الفئة السريعة. أما نادي قاسيون للجودو، فحصد ست ميداليات في بطولة أندية غرب آسيا، بينما حقق منتخب الجمباز الإيقاعي ست ميداليات في كأس ماليزيا. وقد جاءت هذه النتائج نتيجة دعم اتحادات الألعاب الفردية، وفتح المجال أمام المشاركات الدولية بعد سنوات من الانقطاع.

بطولات السلة المحلية

ولم يكن العام خاليًا من البطولات المحلية النوعية؛ فقد أطلقت الوزارة النسخة الأولى من بطولة درع وزارة الرياضة والشباب لكرة السلة، التي شاركت فيها أندية الدرجة الأولى، وفاز فيها نادي حمص الفداء على نادي الوحدة بفارق ثلاث نقاط في مباراة مثيرة.

كما توّج نادي الوحدة بلقب دوري الرجال لكرة السلة بعد سلسلة قوية أمام الأهلي انتهت بثلاثة انتصارات مقابل واحد، كما توّج أيضًا بلقب دوري السيدات بعد تحقيق فوزين متتاليين على نادي بردى.

وعلى الصعيد الخارجي يشارك نادي الوحدة  في بطولة “وصل”، حيث خسر مباراته الأولى أمام الرياضي اللبناني، ثم خسر الثانية قانونًا أمام غورغان الإيراني، وينتظر استكمال مبارياته أمام الحكمة اللبناني ثم أستانا في كازاخستان.

في المحصلة، يمكن القول إن عام 2025 كان بالفعل عام التحول الحقيقي للرياضة السورية. فقد شهد إصلاحًا إداريًا واسعًا، وعودة منظمة للدوري، وانتعاشًا نسبيًا للمنتخبات، وتقدمًا واضحًا في الألعاب الفردية، إلى جانب إطلاق مبادرات للبنية التحتية وإعادة بناء المنشآت.

ومع أن الطريق ما زال طويلًا، والمشكلات البنيوية، خاصة في الرياضة الأنثوية والأندية، لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها، إلا أن المؤشرات العامة تؤكد أن الرياضة المحلية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن ما تحقق خلال عام واحد فقط قد يفوق ما تحقق خلال سنوات طويلة سابقة. وإذا استمر الدعم الحكومي والرؤية الاستراتيجية الحالية، فإن سوريا قادرة على استعادة مكانتها الرياضية محليًا وإقليميًا، وربما دوليًا خلال السنوات المقبلة.

الترا سوريا

————————–

الحاجة إلى هاكر/ رائد وحش

8 ديسمبر 2025

لا تثور لكنها تفاوض. هكذا هي دمشق منذ كانت خانًا وممرًا تجاريًا. علّمها تاريخها أن البقاء لأصحاب النفس الأطول وليس لأصحاب الصوت الأعلى. ولهذا لم يكن غريبًا أن تتقبّل مرحلة ما بعد الأسد بهذه السلاسة. لم تهلل ولم تعترض، إنما اكتفت بأن تُغيّر جلدها دون أن تغيّر زمرة دمها. ففي لحظة واحدة فقط بدت وكأنها لم تعرف الحواجز يومًا، ولم تعش تحت بطش دكتاتور، ولم تُلقّن أبناءها شعارات “الأبد”. وعلى الأكيد راحت تتظاهر بالنسيان لأن التذكر مُحرج.

بسبب تكيّفها فائق السرعة، تعيش دمشق في مصالحة افتراضية مع الفوضى. فغياب الأمن لا يبدو مشكلة، ما دام هناك ما يشي به: حواجز قليلة، وسيارات شرطة تستعرض أشكالها الجديدة، وكأنها ديكور في مسرحية متفق عليها كي تُطمئن الناس بأن الدولة موجودة، ولو لـ”الزينة” فقط.

في الشوارع، تتدافع سيارات النقل العام من أجل راكب، بينما يظهر شرطي المرور عاجزًا عن عبور الشارع الذي ينظّمُه إلى الضفة الأخرى. رأيته يتمتم طالبًا العون من الله.

يدور زمن المدينة مثل سرافيسها المتعبة. ينهض كل صباح غير متأكد من أنه سيصل، أو سينجو من انفجار أحد دواليبه عند أول حفرة.

منهكُ هو زمن دمشق ويقف في المنطقة الآمنة التي يحبها الجميع، لأنها لا تقدّم جديدًا ولا تطلب تضحية. إنه زمن يرهق المكان، ويحوّل الحياة إلى سباق خطير من أجل ثمن بخس.

حتى الفصول دخلت في مساومة مع الواقع. النهار صيفي، والليل شتوي. الجو مضطرب كأنه يعيش ارتباكًا وجوديًا، لا يعرف أي موسم يجب أن يكون. وكما تخلّت المدينة عن ذاكرتها السياسية تخلّى المناخ عن قوانينه، وباتت الحرارة تتقلّب مثل المواقف، بلا منطق ولا استقرار. التغيّر المناخي ليس بيئيًا بل مزاج دولة.

الأرض جافة. الغبار يملأ الشوارع. كل شيء مغطى بطبقة من الغبار: الأرصفة، النوافذ، الخطط، وحتى النوايا. ومثلما غابت الفصول عن مواعيدها، غابت الدولة عن وظائفها.

الطبيعة جزء من المشهد السياسي. في هذا الهواء المليء بالغبار، يُقال كل شيء وما من شيء مؤكَّد. الإشاعات تتناسل إلى درجة أنها تصدّق نفسها. يتداول الناس أخبارًا عن انفراجات قادمة، أو عودة وجوه قديمة، أو ارتفاع جديد للدولار، أو مؤامرة تُحاك ضد العاصمة من قبل مجهولين دائمين، ولا أحد يسأل: من أين جاءت هذه الجملة؟ من قالها؟ ولماذا نردّدها؟

باتت السوشيال ميديا أداة تصريف نفسي جماعي لا أداة تواصل اجتماعي. كلٌّ يكتب غضبه وخوفه وأمله، ويُرسلها إلى الفضاء العام لتذوب في مزيج كثيف من اللايقين. ولأن لا أحد يملك مصادر صار الجميع مصدرًا. يتساوى الخبر مع المزحة، وتُعامل الإشاعة باحتفاء وجدية، ولا تحظى المعلومة الرسمية بالتصديق ما لم تأت من صديق يعرف موظفًا يعرف بدوره موظفًا آخر في الوزارة.

وفي خضم هذه المسارات العجيبة، بدأ العقل الجمعي يفقد منطقه، فلم يعد يفرّق بين السبب والنتيجة، ولا بين الجاني والضحية، أو حتى بين الماضي والحاضر، ولهذا صارت الشائعة حبوبنا المهدئة، التي يُحشى فيها الخوف بالغموض، والجهل بالثقة، والواقع بشيء يشبهه إلى حد بعيد، لكنه ليس هو على الإطلاق.

في قلب هذا المشهد المرتبك، لا أحد يضبط الأمور مثل الهاكر. فهو الوجه الأوضح للدولة الممكنة. ليس وزيرًا، ولا ضابطًا، ولا متحدثًا رسميًا. هو شاب نحيلة بنظارات أنيقة، يجلس خلف مكتب صغير في حي البحصة، الذي يُعرف محليًا بوادي السيليكون، لكنه هناك، بكل بساطة، يفعل ما لم تستطع الدولة فعله: يُعيد تشغيل العالم داخل موبايلك، يُرغم آبل على أن تعمل في سوريا، ويُقنع غوغل أن سوريا ليست خارج التغطية، ويخترق الجدران الرقمية التي لم تجرؤ الحكومات على الاعتراف بها.

يصطف الناس أمامه لأنه يعرف كيف يُرغم النظام الإلكتروني العالمي على العمل، ويعرف كيف يجد الثغرات فيه ويعبر من خلالها بخفة ساحر، دون أن يرفع الشعارات أو يغرقنا بالوعود.

الهاكر السوري قائد لم يُنتخب ولم يُكلّف، إلا أنه قرر أن يُصلح ما يستطيع، وأن يصل ما انقطع، وأن يعيد تدفق العالم إلى جهاز معطّل في بلد تلقى “بلوك” عالمي.

إنه تمثيل لمفارقة مذهلة، ففي زمن الدولة العاجزة، يُعيد وصل السوريين بالعالم، بينما يُعامل في الدول الأخرى بوصفه مجرمًا. لكنه الآن بطل سوريا الهادئ، وموظفها الذي لا يحمل رتبة، وسياسيها البلا حزب.

إنه الهاكر، ابن البلد الذي لم يعد يطلب تغيير النظام، بل فكّ الحظر فقط.

ولأجل هذا هو السياسي السوري الأمثل.

الترا سوريا

—————————-

 لعنة “الصباح التالي” هل يتحول الثائر إلى جلاد؟/ محمد برو

2025.12.08

لعل من أخطر ما يواجه حركات التحرر والثورات ليس ساعة الاصطدام المسلح مع بنية النظام القديم، بل هي تلك اللحظة التي يتم فيها الإعلان عن سقوطه المدوي وانكشاف أوهام القوة والسيطرة؛ حين يغدو كرسي الحكم فارغاً، ليتقدم المنتصر مشحوناً بعنفوان النصر ونشوته، ومحفوفاً بغليان الجماهير المزهوة والمؤيدة، خاصة ذلك النصر الذي أتى بعد إحكام اليأس قبضته على الغالبية العظمى من السوريين، كما حصل في سوريا قبيل سقوط الأسد (في السيناريو المفترض)، وتحرك العديد من مبادرات دول إقليمية وأجنبية بالعمل على إعادة إنتاجه وإلباسه عباءة المنتصر.

كما جرت العادة في هذه اللحظة الحاسمة والمفصلية، يميل الطرف المنتصر إلى احتكار الحقيقة والسلطة، معتبراً كل ما حازه من أدوات ومؤسسات الحكم غنيمة حرب مستحقة، لا ينازعه فيها إلا خائنٌ أو شريكٌ في الحكم الزائل ينبغي تهميشه أو حتى استئصاله. وقد أشارت العديد من الدراسات والوقائع القريبة إلى أن إدارة البلاد بمنطق “نحن المنتصرون وهم المهزومون” ستؤدي حتماً إلى ولادة استبداد جديد، ليس بالضرورة بشدة وقسوة الاستبداد السابق له، لكنه في الغالب سيتجه إلى تحويل الدولة الوطنية -التي لم تكن موجودة أصلاً إلا في أحلام الثائرين أو المعارضين- إلى دولة فئوية هشة قابلة للكسر مرة أخرى.

حين تتعامل السلطة الجديدة مع منظومة السلطة البائدة، ومع إرث الماضي المشبع بالظلم والقهر السياسي والاجتماعي بمنطق ثأري، فإنها تدفع دون وعي منها إلى تفريغ البلاد من طاقاتها التكنوقراطية والاقتصادية بوهم التطهير. وحسب الباحثة “سينثيا م. هورن” -التي قدمت أطروحات هامة حول العدالة الانتقالية وتدابير التطهير- فإن سياسات العزل السياسي الشاملة التي لا تعتمد على معايير فردية قانونية، تؤدي إلى انهيار الكفاءة الإدارية للدولة. وبدلاً من معاقبة رؤوس النظام، يتم عقاب المجتمع الإداري بأسره، ما يخلق “دولة فاشلة” عاجزة عن تقديم الخدمات، وهو ما يغذي لدى بعض الرماديين نزوة الحنين إلى الماضي.

وخير شاهد على هذا ما حصل إثر تفكيك الجيش الإيراني عقب سقوط الشاه، وما حصل إثر سقوط صدام حسين في العراق حين قرر الحاكم المدني للعراق “بول بريمر” حل الجيش العراقي واجتثاث البعث، دون التمييز بين الموالي العقائدي للنظام البعثي وبين الموظف البيروقراطي، ونحن في سوريا لا نزال حديثي عهد بهذين النموذجين الفاشلين.

هذا الاتجاه الانتقامي يخلق فراغاً أمنياً وإدارياً سيدفع المنتصر -كي يتلافاه- إلى إشغاله على عجل بأفراد يفتقرون للكفاءة والخبرة اللازمة كما يحصل اليوم في كثير من المواقع الإدارية في سوريا. علاوة على أن كثيرين من هؤلاء سيكونون ممن خاضوا الثورة بشقها العسكري وتخلّقوا بأخلاق وآليات النظام العسكري الذي يرسخ مبدأ سلطة القوة والخضوع الأعمى للرتبة الأعلى، وهذا إن انسحب كممارسة في الحياة المدنية سيصبح كارثة الكوارث.

هذه البيئة الملغمة ستخلق استقطابات اجتماعية حادة تنتهي بصناعة أعداء داخليين؛ فبحسب منطق المنتصر سيكون المخالف في الرأي مجرد عدو وجودي يستدعي أدبيات التخوين لشرعنة القمع. وحسب عالم النفس الاجتماعي الهولندي هنري تاجفيل (1919-1982)، فإن المجتمعات بعد النزاعات الطويلة تميل إلى التخندق الضيق والانقسام الحاد، ويزيد الطين بلة أن تعزز السلطة المنتصرة هذا الانقسام بخطاب أو ممارسة إقصائية، مما يجعل بناء الثقة الاجتماعية أمراً بعيد المنال.

في التجربة الإيرانية الحديثة بعيد سقوط الشاه، ارتفع شعار تطهير الداخل من “أعداء الله”، الأمر الذي تجاوز في ممارسته الأعداءَ الحقيقيين للشعب إلى الأصدقاء ورفاق النضال من اليساريين والليبراليين (حزب توده ومجاهدي خلق)، ما دفع بالأدمغة والكفاءات وحتى رأس المال للهجرة نجاة بأرواحهم، وترسخ الصدع الكبير بين الدولة الإيرانية الحديثة وقطاعات واسعة من الشعب الإيراني.

في دول الربيع العربي عموماً، بات من الواضح أن سقوط نظام الحكم -والذي يكون في الغالب عسكرياً أو أمنياً أو كليهما معاً- لا يكفي لبناء نظام جديد على أنقاضهما، يعمل وفق مسارات مغايرة لسابقه في ممارسة القمع والاستئثار بالمقدرات وسيادة المحسوبيات وتحويل الدولة إلى مزارع تمنح حسب الولاء. فالدولة العميقة باتت ركناً أساسياً في أي منظومة حكم في دول العالم الثالث؛ هذه “الدولة الظل” عملت بمنهجية مديدة على ربط شبكات المصالح والسلطة الحقيقية بشكل يصعب تفكيكه دون أن تنهار الدولة والمجتمع، وهذا ما نسجه حافظ الأسد ببراعة عالية ونفذ بعضه وريثه المخلوع.

لكن التجربة السورية التي حاولت النجاة من هذا الفخ انزلق إلى فخ آخر لا يقل سوءاً عنه؛ فنحن نلمس يومياً وبشكل واضح استمرار شطر كبير من هذه الشبكات العميقة والمتنفذة في عرقلة كثير من الخطوات التي تهدف إلى إصلاح الإجراءات، وفي العبث بالمقدرات، وفي كثير من الحالات وفق ذات النموذج الفاسد الموروث من النظام البائد، وحتى بالأشخاص أنفسهم الممسكين بزمام الأمور في ظرف شديد الوعورة، تنشغل فيه الدولة الناشئة بمحاولة ضبط الأمن ومواجهة الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، ورغم المحاولات التي نجح كثير منها في تفكيك ما خلفه النظام البائد من أزمات مع المجتمع الدولي والجوار الإقليمي.

ليس المطلوب عزلاً واسعاً للخبرات والإدارات التي كانت تعمل زمن النظام وعبر منظومات الفساد القسرية التي أصبحوا جزءاً منها، بل الإفادة من كفاءاتهم ووضعهم تحت إشراف وحوكمة خبرات تقنية وإدارية أعلى، لم تتلوث ببيئة النظام السابق. وهذه الكفاءات متوفرة بكثرة تفوق الوصف، لكنها ما زالت مهمشة إلى ساعتنا هذه، إما بفعل تلك الشبكات العائدة للنظام البائد، أو بانشغال السلطة الجديدة عن هذا الأمر المهم. هذا المسار البطيء والمتعثر في الإصلاحات الداخلية التي طالما انتظرها السوريون، بدأ يخلق حالة من الفتور والتململ وربما اليأس لدى قطاعات واسعة في الشارع السوري. وما زالت الأزمات تصفعنا كل صباح بين من يطالب بعدالة انتقالية تكاد تكون سابع المستحيلات، وبين عدالة تصالحية مُكرهة على التفريط بدماء ما يقارب المليون شهيد ومفقود، وملايين الضحايا الناجين، وهذا أصعب من طمر جبل من الجليد في بئر ماء صغير.

تبقى الحقيقة الأصعب أن الثورات المنتصرة لا تبني دولة، وهي حين لا تنتهي بتسويات واتفاقيات تاريخية، ستخلق البيئة الأنسب لنشوب حروب أهلية. فبناء السلطة ممكن للثورة المنتصرة بفعل السيطرة، إنما بناء الدولة فهو يحتاج إلى تكوين الشعور الجمعي بالانتماء الحقيقي، وبناء نظام وآليات تحاصر الفساد بل وتضرب على يديه بشكل حازم، وهذه مسؤولية جماعية تنتظر الفاعلين لحملها. فالناجي الحقيقي من شفرة المقصلة ليس من قطع رأس الجلاد وجلس مكانه، بل من يكسر المقصلة ويعمل على تأسيس عهد لسيادة القانون الذي يحصن الجميع ويحميهم حتى من المنتصرين.

تلفزيون سوريا،

—————————————-

 عام أول للميلاد السوري العظيم/ نزار السهلي

2025.12.08

كل المبررات التي جعلت من اندلاع الثورة السورية وانتصارها، حتمية تاريخية، تحققت في الواقع الذي أراد تغييره الشعب السوري، رغم النظرة السلبية والتشاؤم من (حالة العجز إلى قرار العجز) الدولي والعربي، الذي رافق السوريين لمدة 14 عاماً لتجاهل هذه الحتمية، إلا أن خلاصهم من الأسدية عبر عن معانٍ أساسية، إرادة الرفض المطلق للخضوع الأبدي للقهر المتوارث وللاستبداد، والتمرد عليه، وكانت هذه الإرادة ومازالت، تعكس أقدس ما في أعماق أجيال السوريين من تطلعاتٍ وأملٍ بالحرية والمواطنة والعدالة، ورفضٍ جذري لتصور مستقبلهم المرتبط مع سلالة آل الأسد كما أرادها الأب والابن.

بفرار الطاغية من البلاد فجر الثامن من ديسمبر 2024، وتهاوي نظامه الأمني، وجد السوريون بعثاً جديداً لإرادة الحياة يتحدون فيه كل  التقديرات السلبية التي راهنت على زمن  قاسٍ من المذابح والجرائم والتهجير والحطام، من أجل تصفية الأمل عندهم، وما تشهده البلاد منذ عام والى الآن من تداعيات ثقيلة من هذه الإزاحة، و من تحديات جمة في الأمن والاقتصاد والسياسة وفي النقاش والتفاعل والنقد والاحتجاج، تعبير ايضاً عن الاستمرار في حركة الإمساك بناصية الحق والعدل والحرية ضد الاستغلال والتسلط لرسم معالم جديدة على الخريطة السورية، ولا أحد ينكر هنا، في جردة العام الأول لسوريا بدون الأسد، حجم التحديات التي تواجه السوريين، والتي زادت في تعقيدها أحداث الساحل والجنوب ” السويداء” وقبلها العدوان الإسرائيلي لتدمير المقدرات العسكرية، و المستمر بالتوغل واحتلال أراضٍ جديدة.

كل تطور وتغيير شهدته سوريا في العام الأول من التحرير، صنعته عناصر إرادة شعبها وتضحياته الجسام، وكل المنغصات التي تعترض طريق المستقبل يقف عليها الشعب السوري لتتطلع نحو أملٍ قادم بعدها، لهذا بدأت تتجمع أمام السوريين على طول الطريق الذي سلكوه علامات استفهام كبيرة وعنيدة، تتساءل إلى أين؟ وأخذت هذه التساؤلات تنمو وتتبلور أكثر حين فاجئهم المحتل بتوسعه وتدخله المباشر بأذرعٍ تتشابك معه في الجنوب السوري وتنشد ” الخلاص والانفصال ” على يديه، فضلاً عن مسألة أخرى لا تقل أهمية في استعصاء الحالة “الكردية” وقضية عودة شمال شرقي سورية للسيادة الوطنية، وإنهاء الملفات المتعلقة به، وهي مرحلة تجد فيها السلطة الجديدة في دمشق نفسها أمام مسؤولياتها، وأمام قسوة المواجهة وتحت الضغط الموجه لها، ترتفع شعارات المرحلة التي تنادي بالوحدة الوطنية وبالعدالة والمواطنة والحرية، كنقطة بداية على الطريق الصحيح لوضع حدٍ للبعثرة والتردد والاسترخاء عند منجز التخلص من نظام الأسد فقط.

نقطة البداية التي يراها قطاع كبير من الشعب السوري، موضوع الشراكة والعمل السياسي والحريات والعدالة والمواطنة، فلا يعقل أن تُبعث في صدور السوريين إرادة وعناد، لشق طريق المستقبل، من دون وجود حياة سياسية بالمعنى الذي يتطلبه ويفرض نفسه على المجتمع السوري، كحقيقة تاريخية ومصيرية لا تقبل حتى أن تناقش، ولا تبرر الاستسلام لمزيد من الوقت بعد عقود طويلة من إعاقتها، فمجموع التأثيرات المبادلة بين الواقع السوري والمحيط به، وأسلوب العمل المتبع للتأثير في هذا الواقع وتغييره الى واقع أرقى يليق بسوريا وشعبها، يكمن في تمتين أواصر المواطنة المتساوية، و ليكون للدولة وجه آخر بالتعبير عن سيادة الشعب ومصالحه بإفشاء الديمقراطية لصناعة قرار حقيقي يخدم كل المواطنين.

كمدخل لكل ذلك، لا بد من الحديث عن شيء رسخته تضحيات الشعب السوري، ووضعه نصب عينيه قبل 14 عاماً من أجل تكريس العدل والحرية والمواطنة، ومن أجل أن يسترد السوريون حجمهم الحقيقي ودورهم الفاعل في بلدهم والمنطقة والعالم، بعد عقود من التهميش والقسوة والقمع، وسنوات التهجير والضياع والقتل، ومن أجل هذا يصبح الحفاظ على شخصية الشعب السوري  ليس بمنجزات خلاصه من أعتى طاغية، بل من فرادته في بناء مؤسساته الديمقراطية كوسيلة عبور نحو المستقبل وكشرط لانجاز كل الآمال، وهذا لن يتحقق بإعفاء الشعب من دوره بممارسة حياته السياسية، وفي تشكيل وبناء مجتمع مدني على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية ودستورية تشكل له حصانة ضد الاستبداد وتحميه من فشلٍ واحتراب طائفي.

على الرغم من إدراك الفرق الهام بين خلاص السوريين من حكم آل الأسد، وبين تجربتهم تحت سلطة ” انتقالية ” ، فذلك لا يلغي التحكم بانتماء الفرد السياسي، أو تبرير التجييش الطائفي تعويضاً عن ضعف قيم المواطنة في المجتمع، والتسليم بالأمر الواقع بتأجيل أولويات ملحة وكثيرة، وضعها النظام السابق في الأسر التاريخي، وباستحالة الإفراج عنها إلا بثورة، و سلسلة التغييرات التي شهدتها سوريا في عام ميلاها الأول والعظيم، تصب في نهاية واحدة، الحفاظ على وحدة سوريا وشعبها، و التطلع نحو إعادة الإعمار وجلب الاستثمار ورفع العقوبات، وتعزيز مكانة سوريا عند شعبها وفي العالم، لكن إقامة التوازن بين القرار والقدرة، واتباع أسلوب النقلات المرحلية في حدود الرؤية، وليس في حدود الحلم هي من مكونات عمل السلطة الجديدة، والطريق إليها طويل وشاق ومتعرج، ولهذا لا بد من سلوك طريق التعددية السياسية الديمقراطية والمواطنة، باعتبارهما مانع للسقوط والتحلل عند عتبة الطوائف والقبائل والعشائر.

أخيراً، من يطالع ردود فعل إسرائيل على الأرض السورية، وردة فعل أعداء الولادة السورية، يلاحظ بوضوح مدى الارتباك الذي عم أوساطهم خلال العام الماضي، فالتغيير السوري، هو أكثر ما أرعب إسرائيل التي استطاعت خلال العقود الماضية مع الاستبداد، تقزيم  كل ديمقراطية ومواطنة وتزييفها في المحافل الدولية عن العربي والسوري والفلسطيني، وتصوره على غير حقيقته وبأبشع ما تكون عليه صورة إنسان وشعب يسعى لحريته ومواطنته ولبناء دولته، فلا تحجبوا حقيقة السوريين بميلادهم.

تلفزيون سوريا

———————————–

سوريا الجديدة… شمس الديمقراطية لم تشرق بعد/ مصطفى رستم

لا يزال الشعب يعاني الانقسام والإقصاء السياسي ومصير مجهول للحياة المدنية

الاثنين 8 ديسمبر 2025

بعد عام على سقوط نظام الأسد وانطلاق مرحلة انتقالية، تجد سوريا نفسها أمام مشهد سياسي شديد التعقيد وبنية اجتماعية متصدعة، تفاقمت هشاشتها بفعل موجات العنف المركز والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وسط تقدم المسار السياسي ببطء شديد.

تحت السيف الدمشقي الضخم في ساحة الأموين وسط العاصمة السورية تقاطرت مجموعات شابة معظمهم ناشطون وناشطات من المجتمع المدني، وشخصيات فكرية واجتماعية دمشقية، ورويداً شكلت المجموعات الصغيرة جمهوراً يحمل أعلاماً ولافتات، في حدث جاء بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام بشار الأسد، كانت الشمس تشق طريقها بين الغيوم المتلبدة في يوم “كانوني” يعيش فيه أهل البلد نشوة الانتصار إبان طي صفحة عهد من ديكتاتورية استمرت لخمسة عقود، وكأنها تبث أمل جديد في نفوس السوريين المرهقة حينها.

ولم يدم الأمر طويلاً حتى انفجرت هذه المجموعات تهتف مطالبة السلطة بـ”العلمانية” و”المدنية”، وقتها أطلق هذا تجمع على نفسه “تجمع الشباب المدني”، ونادوا بمؤتمر وطني لتشكيل لجنة من الكفاءات ودستور ديمقراطي مؤسساتي يضمن حقوق المواطن ويعزز المواطنة، والوصول إلى دولة قانون تحمي حقوق المواطنين كأفراد بناء على المواطنة من دون تفرقة مبنية على الجنس أو العرق والدين والطائفة.

في ذلك الحين وصف هذا التجمع، الذي رفع شعارات الديمقراطية والحياة المدنية، أنه يريد أن يخطف الأنظار، ويقول للجناح “العسكري” الذي سيطر على قصر “قاسيون” بعد معارك ضارية وأسقط نظام الأسد بالقوة باذلاً التضحيات والدم “أنكم لستم وحدكم من يحكم نحن أيضاً أبناء الثورة والبلد”، إذ يتشكل أفراد هذا التجمع من مثقفين وكتاب وناشطين، تحدث وقتها الكاتب والباحث في توثيق التراث الموسيقي أحمد الجادر عن “تعطش الجميع لأية مبادرة مدنية، ندعو إلى التسامح وقلب الصفحة”.

من الحوار إلى الدستور

في الـ29 من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي حضر في قصر الشعب الرئاسي قادة الفصائل المسلحة، وغلب على الحضور الشخصيات العسكرية، وسمي مؤتمر “النصر” وسط غياب للشخصيات الثورية السياسية، وكان صادماً عدم حضور قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وغرفة العمليات الجنوبية من السويداء، وهنا استشعر السوريون أخطار التفرقة والانقسام، لكن خرج المؤتمر بتنصيب أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، وإلغاء العمل بالدستور، وحل الجيش والأمن والبرلمان، والأحزاب السياسية ومنها حزب “البعث”.

لم يمض شهر حتى عقد مؤتمر “الحوار الوطني” ونال كثيراً من الانتقادات لافتقاره التنظيم والشفافية من دون اعتماد معايير واضحة لاختيار المشاركين، وعدم تمثيل القوى السياسية والمدنية، مما يعكس تقييد المشاركة المجتمعية، والمعارضون للسلطة الحالية (الانتقالية) ويرون أنه أخفق المؤتمر في بلورة رؤية وطنية جامعة للمرحلة الانتقالية، وفوت فرصة لمناقشة الملفات المصيرية بالانتقال السياسي بصورة فعلية وشفافة بحرام القوى السياسية والحقوقية من إيصال وجهات نظرها ومخاوفها.

في المقابل ألقى الرئيس الشرع كلمة بافتتاح المؤتمر في الـ25 من فبراير (شباط) 2025 أكد فيه ضرورة بناء سوريا على أساس دولة القانون واحترام السلم الأهلي، داعياً السوريين إلى الوحدة، وحذر من المتربصين بالثورة في الداخل والخارج، وعن شكل الحكم قال “ينبغي ألا نستورد أنظمة لا تتلاءم وحال البلد، ولا نحول المجتمعات إلى حقول تجارب لتنفيذ أحلام سياسية”.

انتقلت سوريا إلى كتابة دستور جديد بعد توقف العمل بالدستور القديم، وفي الثاني من مارس (آذار) من العام الحالي أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيل لجنة لصياغة إعلان دستوري مكونة من سبعة قانونيين، استندت على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وسلمت “مسودة الدستور” في الـ12 من مارس 2025، ووقع الرئيس على الإعلام الدستور في اليوم التالي.

وهنا يرى خبراء وناشطون حقوقيون بأن الدستور أنجز على عجل، وبمعزل عن مشاركة فعلية للسوريين، وأنجز الدستور لجنة لم تراع التنوع القومي والديني، فضلاً عن غياب تمثيل سياسي ومجتمعي، وأعطى الدستور للرئيس صلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة، وانتقد حقوقيون كذلك خلو مواده من نصوص صريحة حول الديمقراطية أو السيادة الشعبية.

البرلمان وحرية الاختيار

صدر المرسوم 143 عن الرئيس الشرع وفيه تفاصيل عن النظام الانتخابي الموقت لمجلس الشعب، وفيه يمنح الرئيس سلطة تعيين ثلث الأعضاء، وتعيين اللجنة العليا للانتخابات لتختار بقية الأعضاء.

ويروي الرئيس التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بسام الأحمد في حديثه لـ”اندبندنت عربية” عن استشعار المجتمع السوري الصدمة، فما يحدث بالداخل السوري، كما يصف ليس بالبنية السياسية التي كان يتوقعها السوريون، فأعضاء البرلمان (مجلس الشعب) ثلثهم يعينون من الرئيس، كما عين بدوره لجنة حتى تعمل على تعيينات للثلث الآخر، وبات المجلس من لون سياسي واحد لا يقوم بواجباته لحماية الناس، في وقت لا تزال الانتهاكات مستمرة في الساحل والسويداء والمحاكم شكلية والتحقيقات مجتزئة، وفق رأيه.

يضيف الأحمد “جميعنا يعلم أنه قد يكون في المرحلة الانتقالية صورة ليست كاملة وتحديات، ولكن نعتقد أننا لسنا على الطريق الصحيح باتجاه دولة مدنية لكل السوريين والسوريات، سوريا تمشي نحو أن تكون لفئة محددة، وتستثني الأكراد والعلويين والسنة المعتدلين والدروز، ويغلب عليها الحكم الأيديولوجي المتشدد، كما لا تمشي نحو العدالة والمواطنة أو الكرامة للجميع، حتى أن الحكومة تتجنب أن تنطق كلمة ديمقراطية”.

المسار السياسي

وبكل الأحوال بعد عام على سقوط نظام الأسد وانطلاق مرحلة انتقالية تجد سوريا نفسها أمام مشهد سياسي شديد التعقيد وبنية اجتماعية متصدعة تفاقمت هشاشتها بفعل موجات العنف المركز والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وسط تقدم المسار السياسي ببطء شديد.

وقبل أيام وقعت مجموعة من المنظمات الحقوقية وعددها تسع منظمات على ورقة عمل وأوصت بضرورة إعادة فتح المسار السياسي والمدني عبر الحوار الوطني وإشراك الهيئات المحلية والوطنية بمقاعد ملزمة للنساء والشباب، وكذلك تصميم برامج وطنية للمصالحة المجتمعية تدمج الحوار الأهلي والمبادرات الثقافية والدينية في ترميم النسيج الاجتماعي.

ووقع على الوثيقة “المركز السوري للعدالة والمساءلة” و”المركز السوري لبحوث السياسات” و”العدالة من أجل الحياة”، وكذلك “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و”بيل – الأمواج المدنية” و”مركز وصول لحقوق الإنسان”، إضافة إلى حملة “من أجل سوريا” و”حقوقيات” ومنظمة “ملفات قيصر من أجل العدالة”، وطالبوا بضرورة تفعيل أجهزة الرقابة، واستبعاد ممولي اقتصاد الحرب من التعاقدات العامة.

كما طالب الموقعون على الوثيقة بضمان الفصل بين السلطات، والحد من تركيز الصلاحيات بيد الرئيس الانتقالي، وتعزيز التمثيل الشامل للمكونات كافة، فضلاً عن ضرورة تعزيز استقلال القضاء، وضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في عمل المحاكم، وتمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 40 في المئة في جميع مؤسسات المرحلة الانتقالية.

ومع كل هذا لم تعد الرؤية واضحة لدى الشارع السوري عن موقع الديمقراطية وحدود حرية التعبير والرأي، وهي المطالب التي اندلعت الثورة السورية من أجل تحقيقها، ولم تأت السلطات الجديدة والحكومة الانتقالية على ذكرها، ومن الملاحظ أنها تتحاشى حتى الخوض في الحديث عنها.

——————————–

سوريا تترنح بين عدالتين انتقالية وانتقائية/ طارق علي

ميول المكونات الأساسية للاستقلال أو الانفصال أو طلب الفيدرالية في أضعف الأحوال بعد كل الأحداث التي ألمت بهم

الاثنين 8 ديسمبر 2025

تفكيك التركة لم يكن سهلاً على الإطلاق، وبعد مرور عام على سقوط النظام السابق لم تنجح السلطات الجديدة في إحراز تقدم حيوي لافت وصاعد يعتد به على الصعيد الداخلي، بحسب ما يراه مراقبون، خلاف الإنجازات التي حققتها على المستوى الدبلوماسي الخارجي، الذي تمثل بانفتاحات خارجية وقبول دولي مترافق مع ترحاب بالواقع الجديد.

ورثت السلطات السورية الحالية واحدة من أعقد التركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من النظام السابق، تركة قائمة على سيول من الدماء والفساد والمسارات المعقدة وامتهان الكرامات والحقوق والانتهاكات الواسعة والتعسف السلطوي في استغلال المنصب والنفوذ والتجبر لإخضاع الواقع السوري كاملاً تحت إرادة الحكم البعثي المتجذر في أدق مفاصل ومؤسسات ويوميات البلد وسكانها.

تفكيك التركة لم يكن سهلاً على الإطلاق، وبعد مرور عام على سقوط النظام السابق لم تنجح السلطات الجديدة في إحراز تقدم حيوي لافت وصاعد يعتد به على الصعيد الداخلي، بحسب ما يراه مراقبون، خلاف الإنجازات التي حققتها على المستوى الدبلوماسي الخارجي، الذي تمثل بانفتاحات خارجية وقبول دولي مترافق مع ترحاب بالواقع الجديد، وإن كان مع مرور الوقت يتقلص أو يتنامى تبعاً للمتغيرات على الأرض. فالحكام الجدد القادمون من خلفية تجربة الحكم في إدلب شمال غربي سوريا، لم يتمكنوا من التعامل بصورة مثالية مع الواقع الماثل أمامهم على كامل الجغرافيا، وهو ما قادهم لمواجهات دموية مع العلويين غرباً والدروز جنوباً والأكراد شرقاً، ترافقت مع انتهاكات وأحداث عنف يومية لم تتوقف ولم يجد أحد حلاً لها، وهو ما كان يضع شرعية السلطة نفسها على المحك مراراً، وذاك المحك كان بميول المكونات الأساسية للاستقلال أو الانفصال أو طلب الفيدرالية في أضعف الأحوال بعد كل الأحداث التي ألمت بهم.

أحداث الساحل

بين الـ6 والـ10 من مارس (آذار) الماضي أقدمت قوات السلطة السورية بمؤازرة فزعات عشائرية قدر عددها بـ200 ألف شخص، على صد هجوم نفذه نحو 300 ممن يطلق عليهم “فلول النظام السابق” على حواجز الأمن العام، بحسب الرواية الرسمية، لكن حصيلة الرد، وصلت إلى حد الإبادة والتطهير والجرائم ضد الإنسانية بمقتل 1500 علوي وإصابة واختطاف أعداد آخرين، بحسب ما وثقت منظمات حقوقية دولية وتحقيقات صحافية محايدة، بل إن بعضها ذهب إلى أن رقم الضحايا قد يكون مضاعفاً.

تحت الضغط الشعبي الهائل وفداحة الموقف والإنذارات الخارجية، وجهت دمشق بتشكيل لجنة تحقيق محلية بأحداث الساحل في لحظات يشوبها التوتر البالغ. ذلك التشكيل الهدف منه بعث رسائل طمأنة للداخل والخارج حول مسار المحاسبة، وكذلك بعد بدء تداول كميات كبيرة من الصور والمقاطع المرئية لعمليات الإعدام الوحشية على أسس طائفية. حينها أعطت السلطة اللجنة كامل الصلاحيات، ومددت فترة عملها مرتين حتى انتهت في شهر يوليو (تموز) وأصدرت بيانها النهائي.

منذ إعلان أسماء أعضاء اللجنة، بدأت المخاوف تتسلل إلى قلوب المتضررين، فهي لجنة “سلطوية بامتياز”، كما كان يراها الناس، المجتمع الدولي كان يريد لجنة مستقلة وحيادية بصلاحيات مطلقة، وهو ما أشارت إليه صحيفة “الغارديان” في حينه. في النهاية مارست اللجنة المحلية أعمالها، ولكنها أبدت تقصيراً فادحاً في العمل، فلم تستمع لكثيرين ولم توثق كثيراً واستثنت ريف حماه الغربي كاملاً من التحقيقات، باعتباره شهد مجازر مرتبطة بالساحل، وكذلك أكدت أنها خلال ولاية عملها لم تستلم أي إبلاغ عن اختطاف فتيات علويات، فيما عملت “رويترز” على ملف يؤكد أن تلك الفترة شهدت عمليات اختطاف فعلية.

مضمون تقرير اللجنة المحلية

تزامن صدور التقرير النهائي للجنة الساحل بالتزامن مع أحداث السويداء في يوليو، وقد حاول التقرير قدر المستطاع التملص من الأحداث الرئيسة، فرأى أن “الفلول” الذين هاجموا حواجز السلطة كانوا أقل من 300 شخص، وأن المتورطين بأعمال القتل ضد العلويين أيضاً كانوا أقل من 300 شخص.

اللجنة اعترفت في تقريرها بسقوط 1426 مدنياً في أحداث الساحل، فيما قتل 238 من العناصر الأمنية على أيدي من يطلق عليهم “الفلول”، وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات لم تكن منسقة تحت مرجعية موحدة، بل اتسمت بالاتساع العشوائي، مؤكدة أن الدوافع الطائفية كانت غالباً ثأرية لا أيديولوجية. كذلك صنفت بعض الانتهاكات بأنها “جرائم قتل عمد ضد مدنيين، فضلاً عن حالات موثقة من السلب والحرق والشتم والتعذيب”.

وأوضحت أنها وضعت تقريرها الموسع بين أيدي رئيس الجمهورية لاتخاذ الإجراءات المناسبة من دون الإفصاح عن أسماء وهويات الجناة لأسباب قضائية، مشيرة إلى أنها زارت في سياق تحقيقاتها 33 موقعاً، واستمعت لـ938 إفادة تتعلق بالقتل أو السلب والسرقة والعنف، وكذلك جرى الاستماع لـ23 إفادة من مسؤولين حكوميين، وأضافت اللجنة أنها تأكدت من أن حركة “الفلول” كانت “تهدف إلى سلخ الساحل عن سوريا وإقامة دولة علوية عبر تنظيم هرمي وأفقي مترابط”.

تلقى أهالي الساحل تقرير اللجنة حينها بعين الريبة والاستغراب، معتبرين إياه بمثابة ذر الرماد في العيون. مأمون حسن كان أحد الناجين من مجازر بانياس قال “الرأي الجماعي هنا أن تلك اللجنة كانت تمارس دوراً وظيفياً لا أكثر ولا أقل، وكانت تعلم ما ستقوله مسبقاً، بل كان مجهزاً، الأمر كله كان محضراً لامتصاص غضب الناس، الفزعات قدمت من كل حدب وصوب، مئات آلاف المسلحين المتطرفين ومعهم قوات السلطة هاجموا قرانا ومدننا، ثم وجدت اللجنة أن من ارتكب بنا كل هذه المجازر والدمار هم 298 مقاتلاً فقط؟ نحن نعلم أنها لن تجرؤ على محاسبة جمهورها وعشائرها ولا مقاتليها الأجانب ولا قادتها، ولا حتى كبدت نفسها عناء إعلان أسماء المتهمين، إذا كان من هاجمنا عددهم يفوق 200 ألف، فماذا فعلوا إن كان من قتلنا فقط 298 شخصاً، هل كان البقية يتفرجون؟ ذلك التقرير مسيس وسخيف، فلول ماذا وهجوم ماذا ودولة علوية ماذا، هل في الساحل أصلاً سلاح ليكون هناك تمرد تقوم بموجبه دولة مستقلة؟”.

التقرير المضاد

في أواسط أغسطس (آب) أصدرت اللجنة الأممية تقريرها في شأن أحداث الساحل، وهو ما أبرز فجوة عميقة الاتساع بين التقرير المحلي والأممي. فالتقرير الدولي تجاهل التقرير المحلي تماماً، مؤكداً وجود نمط واضح لاعتداءات موجهة ضد تجمعات مدنية، وقد نشرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان تفاصيل التقرير كاملاً، الذي شكل ضربة للجنة المحلية من حيث لا تتوقع.

وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو في بيان صدر مع التقرير “إن حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية”. ووثق فريق الأمم المتحدة أعمال تعذيب وقتل وأعمالاً وحشية متعلقة بالتعامل مع جثث القتلى، واستند إلى أكثر من 200 مقابلة مع ضحايا وشهود وزيارات لمواقع مقابر جماعية وصور أقمار اصطناعية ومقاطع فيديو.

وجاء في بيان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان: “أحداث الساحل شملت أعمال العنف التي استهدفت في المقام الأول المجتمعات العلوية، وبلغت ذروتها في مجازر وقعت في أوائل مارس – القتل والتعذيب والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى والنهب على نطاق واسع وحرق المنازل، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وجرى تصوير بعض هذه الأعمال المروعة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب لقطات لمدنيين يتعرضون للإساءة والإذلال. وقد ارتكبت هذه الانتهاكات من عناصر قوات الحكومة الموقتة وأفراد عاديين عملوا إلى جانبهم، وكذلك من مقاتلين موالين للحكومة السابقة أو من يطلق عليهم ’الفلول‘. وشملت الانتهاكات أفعالاً قد ترقى إلى جرائم حرب”.

وجاء في التقرير الدولي أنه بداية جرى فصل الرجال العلويين عن نسائهم ومن ثم تصفيتهم مباشرة، قبل تصفية نسوة أيضاً لاحقاً، وكذلك أطفال، كما أجبر المسلحون الأهالي على ترك جثث ذويهم لأيام في الشوارع ومنعهم من إقامة طقوس الدفن أو العزاء، فيما دفن آخرون في مقابر جماعية، مع اكتظاظ هائل بنسبة الجثث في المستشفيات لاحقاً. كذلك أقدم أفراد من فصائل معينة دمجت أخيراً مع قوات الأمن التابعة للحكومة الموقتة، على إعدام مدنيين خارج نطاق القضاء وتعذيبهم وإساءة معاملتهم في عدد من القرى والأحياء ذات الغالبية العلوية بطريقة منهجية وواسعة النطاق.

التقرير الذي اشتمل على عشرات الصفحات دان عناصر السلطة الحالية في مواقع عدة، وتحدث موسعاً عن عدم ضبط الانتهاكات المتنامية وعن فداحة المجازر التي تحصل باستمرار على شكل انتهاكات يومية، ومنها ما يتعلق باختطاف فتيات. وفي الملخص، فإن التقرير الأممي قد يكون تلاقى في بعض الجزئيات مع التقرير المحلي، ولكن الأكيد أنه نسف جوهر رواية الأخير.

ولعل اللافت في كل ذلك، هو أنه مع صدور التقرير الأممي نشرت معرفات وزارة الخارجية السورية رسالة قالت فيها: “رسالة شكر وتقدير من معالي وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى رئيس لجنة التحقيق الدولية المعنية بالجمهورية العربية السورية، سعادة السيد باولو سيرجيو بينهيور، على جهوده في إعداد التقرير، مؤكداً أن ما ورد فيه ينسجم مع ما توصلت إليه لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلة”. وهو ما قرأه متابعون للشأن السوري بعين الغرابة وعدم الفهم ربما، فخلاصة التقرير تدين السلطة لا تؤيد نتائج تحقيقاتها.

لجنة السويداء

على النقيض من لجنة أحداث الساحل التي جاءت في لحظة مركبة سياسياً ومبكرة من عمر السلطة الجديدة، فإن اللجنة الخاصة للتحقيق بأحداث السويداء التي وقعت في يوليو (تموز) الماضي، وبلغت ذروتها يومي الـ15 والـ16، قامت على دروس مستفادة من لجنة تحقيق الساحل، وتحت وابل ضغط مجتمعي ودولي واسع للغاية، خصوصاً أن عدد الضحايا هناك قارب 2000 شخص، بحسب توثيقات حقوقية ومنظمات معنية.

في أواخر يوليو، جرى تشكيل لجنة التحقيق بأحداث السويداء، وكذلك أعطيت الوعود بأن تعمل ضمن صلاحيات مطلقة، وأن تقدم الجناة والمتورطين للمحاكمة. اللجنة مؤلفة من سبعة أشخاص، قاضيان وأربعة محامين وضابط برتبة عميد. وبحسب القرار، تحدد مهمات اللجنة بالكشف عن الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث في السويداء والتحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون وإحالة من تثبت مشاركته فيها إلى القضاء، وحتى الآن لم يصدر تحقيق اللجنة، لكنه من المتوقع أن يصدر خلال الأيام القليلة المقبلة.

العفو الدولية تقدم روايتها والسلطة ترفضها

مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها عن أحداث السويداء مؤكدة أن “القوات الحكومية والقوات التابعة لها تتحمل مسؤولية إعدام أشخاص دروز خارج نطاق القضاء في الـ15 والـ16 من يوليو في السويداء. وتشمل هذه الأدلة مقاطع فيديو جرى التحقق منها تظهر رجالاً مسلحين يرتدون بذلات أمنية وعسكرية، يحمل بعضها شارات رسمية، يعدمون رجالاً عزلاً في منازل وساحة عامة ومدرسة ومستشفى”.

وأضاف تقرير العفو الدولية “الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان في السويداء ما هي إلا تذكير آخر مرير بالعواقب المميتة للإفلات من العقاب على عمليات القتل الطائفية في سوريا، التي شجعت القوات الحكومية والقوات التابعة لها على القتل من دون خشية المساءلة. وفي أعقاب عمليات القتل غير المشروع لمئات المدنيين من الأقلية العلوية واستمرار غياب العدالة، يترك هذا العنف ضد أبناء الأقلية الدرزية أثراً مدمراً في مجتمع آخر، ويؤجج مزيداً من الاضطرابات، ويقوض الثقة في صدقية الحكومة بالكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات إلى جميع الأشخاص في البلاد، الذين تحملوا عقوداً من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”.

ولكن سرعان ما جاء الرد على تقرير العفو الدولية من لجنة السويداء المحلية، واصفة إياه بـ”المجتزأ والمنافي للمسؤولية القانونية والأخلاقية لعدم تناوله انتهاكات كل الأطراف”. وقال المتحدث الرسمي باسم اللجنة عمار عز الدين، في تصريح صحافي، إنه “كان يتوجب على المنظمة أن تضمن العدالة والموضوعية في تقريرها عبر الإشارة للانتهاكات من كل الأطراف”، مشيراً أنهم في صدد التعاون مع وزير العدل لإعداد رد على تقرير المنظمة.

وائل الحجلي أحد أبناء مدينة السويداء قال “منظمة العفو الدولية قالت الحقيقة كاملة، وكان بإمكانها أيضاً أن تتوسع أكثر وتذكر فظائع لم تصل إليها ربما، كحادثة إلقاء الشبان الأربعة من شرفة الطابق الرابع، وحالات الاغتصاب والاختطاف وأشياء يندى لها الجبين، نحن هنا نرى تقريرها منطقياً، بقدر ما نشكك سلفاً بتقرير اللجنة المحلية التي رأينا نظيرتها ماذا تبين معها في مجازر الساحل، غداً سيقولون إن دروزاً إرهابيين هاجموا بدواً في المدينة، ثم تدخل الأمن ليفض الخلاف فقمنا بقتلهم، نعرف سلفاً ماذا ستقول، لم يعد هناك مكان للتوافق مع سلطة دمشق، هذه قناعة عامة في السويداء”.

المظالم السورية والحقوق المدنية

كان النظام السابق قد صادر آلافاً من ممتلكات السوريين بذرائع مختلفة، وقد أديرت بأشكال مختلفة، منتزعين بذلك الحقوق المدنية الأصلية للمواطن وفق تهم متنوعة، فضلاً عن كل عمليات التزوير والاستملاك بالقوة. اليوم تحاول السلطات الجديدة معالجة هذا الإرث المعقد لكنها تصطدم بالهيكلية القانونية – القضائية الهشة، وبالاستملاك الذي وقع بحكم الأمر الواقع من اختفاء سجلات الملكية الأصلية للعقارات، ومعظم التجارب الدولية الشبيهة تشير إلى أن الأمر يتطلب الدخول في مسارات قانونية تفض النزاعات الأولية عبر تنظيمها ضمن أصول قواعد القضاء المدني، الذي يزيده تعقيداً تشابكه مع محاكم الإرهاب السابقة التي كانت توعز بمصادرة أملاك المتهم أو المدان أو المسجون.

وبحسب المحامي نجيب مالك، فإن مركز التحدي في استعادة الحقوق الملكية يبدأ من الحديث عن الأحكام القضائية التعسفية السابقة ونقص الخبرات القضائية والشرطية الحالية، “يجب تشكيل هيئة وطنية عليا سريعاً لمعاودة النظر في مخلفات الماضي، لئلا يكون الاحتكام الموقت لمذكرات تصحيح قضائية قصيرة الأجل ولو كان بإمكانها إلغاء أحكام غيابية سابقة. اليوم هناك أسماء ما زالت مطلوبة أو ممنوعة من السفر، لأنها مثلاً تخلفت عن الخدمة الإلزامية في العهد السابق. الأمر يحتاج إلى ترتيب وزارياً وعدلياً كاملاً مع هيكلية منظمة وواسعة، ولا بأس بالاستعانة بالخبرات لتشكيل موضع تقويم شامل من الأسفل للأعلى، بعيداً من خسارة كثير من القضاة وظائفهم والاستعانة بشرعيين كثر ليحلوا مكانهم. على العموم، السلطة تحاول لكننا هنا نتحدث عن مئات آلاف الحالات وربما أكثر، لذلك نحتاج إلى وقت كبير جد”.

الواقع والنص بين الماضي والحاضر

خلال نحو عقد ونصف عقد من الحرب السابقة، طغت محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية والأوامر الأمنية والقضائية التعسفية على أفراد المجتمع السوري، وهذه الأمور اليوم تعالج بصورة سليمة في مسار العدالة الانتقالية كأول اختبار حقيقي ملزم لها، فآلاف أوامر مصادرة الأملاك والحجر والتجريد من الحقوق المدنية قد صدرت في حق أناس كثر، هؤلاء المتضررون بأعدادهم الكبيرة ينشدون معالجة سريعة للمسألة، وعليه قررت وزارة الداخلية أخيراً أن تكون المراجعات الأمنية والشرطية المرتبطة بفترة ما قبل 2025 مبسطة وعبر الشرطة لتخفيف العبء والضغط ريثما تعالج فوضى الأعوام الماضية.

كان ذلك عن ضحايا الأمس، أما اليوم بعد انتصار الانتفاضة السورية، بات هناك ضحايا جدد، أولئك الذين يجري الاستيلاء على أملاكهم بقوة السلاح والترهيب، ذلك الاستيلاء يكون إما عبر التهديد المباشر لإرغام المالك على التنازل لصاحب السلاح عن ملكية العقار أو عبر إجباره بقبول البيع برقم لا يعادل شيئاً من ثمن المنزل الأساس، ويحدث ذلك حالياً في أحياء بيت الطويل والورود في حمص. وربما الأخطر هو التهجير بلا تفاوض أساساً، كما حصل عبر تهجير نحو 20 قرية علوية في محافظة حماة وسط سوريا، والاستيلاء عليها لصالح مقاتلين وعائلاتهم، بكل ما في تلك الأراضي من خيرات وفيرة تقوم على زراعة الزيتون والفستق الحلبي.

بين العدالتين الانتقالية والانتقائية

يرى كثيرون من مناصري السلطة الحالية أن مسار العدالة الانتقالية يسير بصورة جيدة، فيما يرى معارضوها، وهم مكونات مجتمعية متكاملة أن تلك العدالة تسير بأسوأ صورها ما دام أنها تعتمد الامتياز الطائفي معياراً.

قبل أيام، روجت وزارة الداخلية لمؤتمر صحافي رفيع يشرح واقع اختطاف الفتيات في سوريا، الفتيات العلويات تحديداً، من دون أن يشار إلى ذلك صراحة، لكن المؤتمر ركز على أن الوزارة تقصت الأمر في حمص وحماه وطرطوس واللاذقية، وخلصت إلى وجود 42 حالة اختفاء، واحدة منها فقط اختطاف، أما الـ41 الباقية فهي إما حالة هرب مع عشيق، أو خلاف أسري، أو دعارة ومخدرات، ليكون المؤتمر صادماً بكل المقاييس، مما دفع بالناشطين على الفور لنشر عشرات أسماء المختطفات مجهولات المصير منذ سقوط النظام وحتى الآن بصورة متواترة ومستمرة. واعتبر سوريون متابعون ذلك المؤتمر بـ”السقطة الفادحة والجارحة لكرامة العوائل السورية في مجتمع محافظ”، خصوصاً أن وكالات أنباء عالمية أفردت مساحات واسعة في أوقات سابقة لتحقيقات صحافية موثقة تتناول عمليات اختطاف النساء.

الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا يطول للغاية، لكن يمكن القول إنها انتقائية في قضايا كثيرة، فهي تقبل مصالحة رؤوس الأموال الذين كانوا أذرع تمويل النظام السابق عسكرياً، كما تقبل أن تقرب منها عرابي مجازر سابقة في حق سوريين، فيما تغض الطرف ملياً عن مدينة اشتعلت الحرب فيها فعلاً، والحديث هنا عن حمص، المدينة التي صارت عبارة عن دراجات نارية بملثمين يقتلون الناس على أسس انتقامية أو ثأرية أو طائفية.

وفي مفهوم العدالة عينه، ليس هناك اليوم في وزارتي الدفاع والداخلية، علوي أو درزي أو مسيحي، ربما قد يكون هناك شخص أو اثنان، والعدالة ذاتها هي التي صادرت سلاح مجتمع غرب سوريا، وتركته متاحاً بمئات آلاف القطع لدى العشائر في المحافظات الأخرى.

وعلى رغم ذلك قد تبدو تلك الأحداث على ضخامتها تفاصيل إذا ما قورنت بأساس المشكلة التي انبثقت من تشكيل اللجنة العليا للعدالة الانتقالية، التي نصت على محاسبة مجرمي عهد الأسد، ليتساءل السوريون ماذا عن مجرمي عهد ما بعد الأسد، خصوصاً مع مجزرتي الساحل والسويداء وتفجير كنيسة دمشق.

يقول القاضي عمران عرب إن سوريا اليوم بحاجة إلى إطار قانوني متكامل ومتوازن ومدروس يحكمه العدل لا رؤية الشيخ، ليؤسس لمسار عدالة انتقالية حقيقية لا يوجد فيها مواطن من عرق صاف وآخر نخب ثان وثالث وعاشر، وأضاف “يجب العمل على رأب الصدع المجتمعي وإطلاق حوار وطني حقيقي وليس استعراضياً كما حصل سابقاً ومعالجة الانتهاكات ومصالحة المكونات وتعديل الإعلان الدستوري وإلغاء التعسف وفرط استخدام القوة وضبط الفصائل وتحديد مهماتها وضمان حقوق جميع السوريين تحت مظلة القانون وإيجاد تشريع مركزي منظم. الدولة حتى اليوم رفضت وترفض استقبال أي وفد من طائفة بعينها، على رغم أنها تستقبل الجميع، الاستعداء يورث أحقاداً تجعل من العدالة الانتقالية بحد ذاتها وبالاً مستقبلياً”.

بدوره يرى الأستاذ الجامعي عبدالرحمن صبوح أن السلطات الحالية تعمل ما بوسعها لتحقق عدالة انتقالية جامعة، لكنها تحتاج إلى وقتها وعلى السوريين الصبر، فإرث عقود من الطغيان لا يمحى بأشهر، “هناك أخطاء نعم وهذا طبيعي، قيادتنا اليوم انتقلت من حالة حصار في محافظة إلى حكم بلد كامل، هي تبلي أفضل بلاء في الخارج وتقدم وعوداً تعمل عليها قدر المستطاع، تواجه سلسلة متشابكة من التحديات التي تمتد من البنية القانونية وصولاً إلى التوازنات المجتمعية والأمنية، وهو ما يجعل مسار الانتقال معقداً وطويلاً”.

ويتابع “المشكلات الرئيسة اليوم تكمن في تشتت السلطة بفعل الضغوط الداخلية والخارجية وضخامة الملفات أمامها، وآخرها الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهذا بحد ذاته موقف معقد جداً داخلياً. هناك مشكلة مع بعض الفصائل المحلية أو قادتها ومع الأجانب أحياناً، ولدينا نقص هائل في الوثائق الرسمية مع سجلات ضائعة أو متضررة بالجملة، وهذا يؤثر كثيراً في المعاملات اليومية، إضافة إلى الإرث النفسي والاجتماعي للصراع السابق، ولربما الأهم هو الجانب الاقتصادي المتهالك، إلى جانب التحديات السياسية والتوازنات الإقليمية والدولية، وكل تلك الأشياء تلعب دوراً في تحديد مسار العدالة وسلوكها، لذا فالأمر ليس كن فيكون”.

————————————

سوريا بلا “أسد الشبل”!/ عضوان الأحمري

المقاطع المسربة تكشف جانباً مهماً من شخصية بشار الأسد

الأحد 7 ديسمبر 2025

53 عاماً حكم فيها آل الأسد سوريا بالسلاح والسجون السرية والاغتيالات، مات حافظ فصعد بشار لاعباً على المتناقضات ومفعّلاً سلسلة الاغتيالات في لبنان، ومتحالفاً مع تنظيم “القاعدة” عبر إرسال الحشود براً إلى العراق ليخوض معركة استنزاف ضد القوات الأميركية، خوفاً من وصولها إليه بعد نهاية نظام صدام وسقوطه.

عشية ذكرى تحرّر سوريا من نظام آل الأسد، حافظ وابنيه بشار وماهر، والعمومة من رفعت وجميل وغيرهم، انفجرت تسريبات لونا الشبل عبر قناة العربية، لتعيد شريط ذكريات لوحشية بشار، ومساحات المدن والقرى والأرياف السورية التي محتها البراميل المتفجرة، لا سيما الغوطة التي كانت مصدر قلق لدمشق وطهران فقرر الأسد بشار ارتكاب جرائم إبادة بحقها.

التسريبات ظهر فيها بشار الأسد ترافقه لونا الشبل، الإعلامية والمذيعة التي عادت من قطر لتصبح وجه القصر الإعلامي، ومن قناة “الجزيرة” لتضع نفسها تحت تصرف الرئاسة. دخلت القصر من بابه الواسع، وانقلبت على مدرائها، وأصبحت في مقدمة الصفوف، لتظهر في القمة العربية التي استضافتها السعودية في جدة قبل عامين وهي تمضغ العلكة خلف العاشق بشار، ليسخر منها السوريون ويسمونها “مستشارة العلكة”.

ماتت سيدة إعلام القصر في حادث غريب وغامض، لا مجال لنشر تفاصيله المنشورة، واختلفت القصص حول القاتل والسبب، وتختصر الروايات الثلاث بأن بشار نفسه قضى عليها بعد حديث لونا بنفسها عن تسجيلات لديها، والثانية أن عقيلة الأسد أسماء خلف اغتيالها لاشتعال نيران الغيرة ووضوح العلاقة بين الشبل والأسد، والثالثة الاشتباه بعمالتها هي وأخيها لإسرائيل وتسريبها تفاصيل عن قيادات إيرانية في دمشق تمت تصفيتهم من قبل إسرائيل.

لغز الوفاة ستكشفه الأيام، لكن التسريبات المرئية التي ظهرت فيها لونا الشبل وهي تسخر وتضحك وتمزح، وتحفز بشار للحديث، تكشف جانباً مهماً من شخصية بشار الأسد، إنها شخصية متعالية ميزانثروبية، فهو يحتقر شعبه ويصفهم بالمقرفين، ويزدري مقاتلي حزب الله – الحزب الذي حماه وساعده على الصمود – ويبدو أن الأسد كان يخشى الحزب وإيران ولم يجرؤ على اتخاذ قرار من دونهما.

حتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يسلم من سخرية وازدراء الشبل والأسد، فهي تظهر في واحد من المقاطع المسربة قائلة لبشار الأسد: “شفت بوتين أديش نافخ؟.. هاد الفيلم فاضحه كتير”.. والأسد يرد: “كله عمليات تجميل”. بانتظار رد فعل بوتين.

53 عاماً حكم فيها آل الأسد سوريا بالسلاح والسجون السرية والاغتيالات، مات حافظ فصعد بشار لاعباً على المتناقضات ومفعّلاً سلسلة الاغتيالات في لبنان، ومتحالفاً مع تنظيم “القاعدة” عبر إرسال الحشود براً إلى العراق ليخوض معركة استنزاف ضد القوات الأميركية، خوفاً من وصولها إليه بعد نهاية نظام صدام وسقوطه.

بشار الذي كان يظهر كوحش يلتهم، أظهرته لونا الشبل كساذج مغفل، استطاعت هي تدجينه والتلاعب به، قبل أن ينتهي دورها بخمسة أشهر فقط من نهاية عهد الأسد كاملاً، لتنتهي خمسة عقود من قانون الغاب لأسد يرى أنه قد يغير اسمه لحيوان آخر.

يقال في الأمثال العربية، هذا الشبل من ذاك الأسد، وفي أمثال بشار، لونا سلخت جلد الأسد.

——————————–

عام من السقوط… الأسد خارج العرين السوري/ مصطفى رستم

بشار وحاشيته يعيشون في روسيا منذ ديسمبر 2024 وتقارير تتحدث عن دخوله مجال العقارات في موسكو

الأحد 7 ديسمبر 2025

يدور الغموض حول أخبار الأسد، ولم يظهر بأية إطلالة أو مقابلة صحافية، وتدور بالمقابل أحاديث عن تسميمه ودخوله المستشفى للعلاج أما زوجته أسماء الأخرس تدير سلسلة أعمال العائلة الاقتصادية، وفق ما أعلن مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رامي عبد الرحمن في لقاءات تلفزيونية، كذلك أكد أن أبناء الأسد لديهم جوازات سفر أجنبية ويتنقلون بحرية تامة.

“رحل الأسد” كلمات صدحت من حنجرة رجل دمشقي فجر الثامن من ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2024 في دلالة على سقوط رئيس سوريا السابق بشار الأسد، وهروبه هو عائلته وكبار حاشيته إلى العاصمة الروسية موسكو.

في ذلك اليوم لم يغمض السوريون عيونهم، كيف لا؟ وفي هذه الوقت يضع الشعب السوري نهاية لحكم امتد نحو نصف قرن منذ اعتلى الأسد الابن الرئاسة في عام 2000 عن طريق التوريث في مخالفات دستورية غير مسبوقة بعد وفاة والده حافظ والذي تربع على كرسي الحكم بانقلاب عسكري أطلق عليه “الحركة التصحيحية” في عام 1970 وظل ممسكاً بالبلاد بقبضة أمنية حكم خلالها بالنار والبارود.

وبالعودة إلى بشار وعائلته، فمنذ خروجه برحلة “اللاعودة” حطّ هذه المرة على الأراضي الروسية ليس كرئيس يحتفى به بل بصفة لاجئ إنساني، فلا مراسم ولا بروتوكولات إنه “نهاية الرئيس”، وهناك ينبغي عليه اعتياد ليالي موسكو الباردة، يملك ثروة كانت قد سبقته منذ عام 2020 تقدر بين مليار إلى ملياري دولار ونقلت عبر الخطوط الجوية السورية وضمن رحلات أسبوعية إلى موسكو، تصل إلى مطار فنوكوفا، ونفذت عمليات التهريب عبر شبكة من العمليات المالية السرية.

أجواء روسيا الباردة

ومن موسكو تحدثت “اندبندنت عربية” مع مدير مركز “جي أس أم” للدراسات آصف ملحم، الذي استعرض بعض التفاصيل عن حياته الحالية التي يعيشها كأي مواطن روسي عادي، حيث لديه أماكن معينة يزورها، وهي محدودة جداً وكلها تحدث بإشراف مباشر من الاستخبارات الروسية، إذ لا يمكن تركه يتحرك بحرية من دون رقابة بشكل مباشر.

ويعزو الرقابة الشديدة على تحركاته بأنها تتعلق بمن يراقب الأجواء في موسكو، ويتحين أية فرصة لاغتياله، بخاصة أن الأسد يحمل معه أسراراً بالغة الأهمية من منظومة ممتدة لأكثر من نصف قرن تتعلق بأوروبا وإيران وإسرائيل وأميركا وكثير من التفاصيل والأسرار التي تدين روسيا ذاتها، وتسريب أية معلومات قد يضرّ بالروس.

وحول السؤال عن عودة محتملة للعمل السياسي من الخارج أجاب الدكتور ملحم أنه “ليس ممكناً في الوقت الحاضر على رغم أن بعض السياسيين الروس تحدثوا عن دور ما للأسد في المستقبل، ولا نعلم ما هو طبيعة هذا الدور”.

ورجح مدير المركز الروسي للدراسات السياسية، أن تمنح موسكو في المستقبل دوراً ما للأسد في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا “قد يكون له دور مقنن في منطقة الشرق الأوسط، ولكن استبعد أن يقبل كونه كان في ما مضى رئيساً لسوريا، وأي عمل سياسي من طرفه سيزيد الطين بلة، فالشارع السوري معقد من حيث التركيبة النفسية الاجتماعية، والناس تتحرك بالغريزة، لك أن تتخيل مجرد إشاعة حول الدروز كانت كفيلة بتحريك مجموعات من الفصائل المسلحة وهجمات على بعض المناطق الدرزية وتكررت في الساحل وسقط العديد من الأبرياء”.

واستبعد ملحم ما يصدر من بيانات من شخصيات روسية عن الأسد لا تعلم بها الاستخبارات الروسية من جهة تحركات متداولة عن دعم أيمن جابر (أحد المقربين من الأسد وأحد أذرعه العسكرية والاقتصادية)، وأضاف “لا أعتقد أن يكون رامي مخلوف (رجل أعمال وقريب بشار الأسد) موجوداً في روسيا، ربما في الإمارات أو بيلاروس، ومن جهة تحرك جابر ومخلوف، فمن الواضح أنهم يتصرفون بشكل فردي، وفي حال علمت الاستخبارات الروسية بذلك ستعرضهم للمشكلات، وإذا كانت روسيا تعلم بذلك لأنها معنية بإبقاء يدها في سوريا فقد تكون تحركهم لجس النبض لكي تعلم ما هي الخطوات اللاحقة التي يجب أن تتبعها في هذا الملف”.

نادي النخبة

ويدور الغموض حول أخبار الأسد، ولم يظهر بأية إطلالة أو مقابلة صحافية، وتدور بالمقابل أحاديث عن تسميمه ودخوله المستشفى للعلاج أما زوجته أسماء الأخرس تدير سلسلة أعمال العائلة الاقتصادية، وفق ما أعلن مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن في لقاءات تلفزيونية، كذلك أكد أن أبناء الأسد لديهم جوازات سفر أجنبية ويتنقلون بحرية تامة.

ويقول صحافي مقيم في موسكو، لم تكشف صحيفة “يسرائيل هيوم” التي نقلت تصريحه، عن جنسيته، إن الأسد دخل مجال العقارات الفارهة في العاصمة الروسية، واستثمر في أبراج مدينة موسكو.

وكان الأسد قبل سقوطه أرسل شخصيات مقربة منه إلى موسكو لشراء 19 شقة مختلفة في جميع أنحاء المدينة على مدار سنوات ماضية، بلغ سعر الشقة الواحدة العادية ما يقارب 2 مليون دولار في ذلك الوقت.

وتوقع المتحدث مغامرة الأسد بالأعمال التجارية، إن لم يكن شخصياً فمن خلال أبنائه، موضحاً “هناك أموال نقدية أتت من سوريا منذ عدة سنوات، ويقسم بعض المطلعين أنه تم تحويل 250 مليون دولار نقداً، وتزن أطناناً إلى موسكو في أكثر من 20 رحلة جوية، كذلك أسس ابن خال بشار الأسد إياد مخلوف شركة عقارية باسمه في موسكو لإدارة أموال العائلة”.

وجاء على لسان الصحافي من موسكو والمطلع على بعض التفاصيل، في تقرير نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم” في منتصف فبراير (شباط) عام 2025، أن “الأسد أتاح له توغله في الاستثمار العقاري، الاشتراك في نادي ’النخبة‘ ما يسهل له المشاركة في الحياة الاجتماعية الغنية في موسكو، لكن معلومات أخرى تشير إلى تجنبه هذا الأمر بشكل تام، وكذلك الدخول في الحياة الاجتماعية الفارهة في موسكو لأسباب قد تتعلق بتوجيهات حكومية روسية للتواري عن الأنظار أو لدوافع أمنية”.

حماية روسية حتى النهاية

إزاء هذا وبعد كل هذه الفترة تحدث الباحث السياسي ملحم عن حماية روسيا للرئيس المخلوع من منطلق إنساني، ويستذكر كيف قتل القذافي بطريقة غير إنسانية، ووصف ما حدث له بـ “المؤلم”، ورجح أنه لو تُرك الأسد في سوريا لقتل بنفس الطريقة وعائلته.

ويضيف المتحدث “في حال ترك لهذا المصير ستكون أيضاً بمثابة وصمة عار بحق روسيا إلى ألف سنة، وهي احتضنته كشخص واحتضنت سوريا كسياسة، ولو لم تنقذه سيكون قتيلاً ولا يمكنها إلا أن تحميه، وإذا تركته لن يبقى مؤرخ في العالم إلا وكتب ضد روسيا، بما في ذلك الإعلاميين والمفكرين الكبار الذين يكتبون ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

وكشف ملحم “لم تحمِ روسيا الأسد بمفرده بل استقدمت كل الشخصيات والنخب السياسية والإعلامية والاجتماعية من تيار الأسد، ويبلغ عددهم نحو خمسة آلاف شخصية، والعدد كبير لأنه لم يقتصر على جلب الشخصيات من الصف الأول بل من الصف الثاني، وأنا أعرف بعضهم بمن فيهم شخصيات أمنية وعسكرية التي تعتبرها روسيا خانت العهد الروسي لكن على رغم ذلك حافظت على حياتها”.

 وفي تطور جديد حول محاكمة الأسد تناقلت وسائل إعلام فرنسية أنباء عن إخفاء النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب مذكرات توقيف دولية صادرة بحقه وبحق شقيقه ماهر واثنين من كبار المسؤولين بالنظام السابق تتهمهم بالتواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في الهجمات الكيماوية عام 2013 على الغوطة الشرقية.

وعلى رغم صدور مذكرة التوقيف فإنها لم تدرج في أنظمة التنبيه الأوروبية مثل “شنغن”، ولم تصل كذلك للإنتربول كما ذكرت صحيفة “ليبراسيون”، إذ تشير التحقيقات إلى أن المذكرات بقيت محصورة في سجل المطلوبين داخل فرنسا حتى منتصف 2025 الأمر الذي عدّه خبراء القانون غير مسبوق وغير منطقي.

الحماية والمحاكمة

وفي كل الأحوال لا يزال الرئيس الهارب يتنقل في روسيا الباردة ببطء وبالخفاء، بينما تسير العلاقات بين موسكو ودمشق على نحو أفضل مما كان متوقعاً، فقد زار الرئيس السوري أحمد الشرع الكرملين والتقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتبعت ذلك زيارات قوات روسية ووزارة الدفاع إلى سوريا، ورجح مراقبون أن يطلب الشرع من بوتين تسليمه لمحاكمته ببلاده لكن الأمر ليس بهذه السهولة.

 ويستبعد الدكتور ملحم في حديثنا معه إجراء أية مقايضة “لا يمكن حدوثها بأي شكل من الأشكال، فهو يستحوذ على ملفات عمرها نصف قرن من التعاون السوفياتي- السوري قديماً، وأنا أجزم بأن تركيا لن تقدم على هذه الخطوة وبالتأكيد اتفقت الأطراف على الإبقاء على حياته مقابل إغلاق جميع الملفات”.

ويذهب الاعتقاد إلى أن محاكمة الأسد من قبل السلطات الجديدة ستقدم ورقة من ذهب لأوروبا في محاولة لإدانة روسيا، وقد تكون تركيا من الدول المرشحة لاصطياد الشخصيات السورية لديها في روسيا، بل ومرجح أن تستخدم أنقرة بعض الأوكرانيين للتعرض للأسد ومن معه.

وأضاف ملحم “من المؤكد أن الأسد ذهب إلى طريق الاستثمار، ربما عن طريق ترخيص شركة في موسكو، والذي يكلف ذلك بين 25 إلى 30 ألف دولار كحد أقصى، ولذلك يمكنه أن يمارس استثمارات لكن عبر شخصيات مقربة منه، ويكون هو مشرف من بعيد، وأية معلومات بالوثائق الرسمية المفتوحة ستوضع الشركة على مواقع الاقتصاد والخارجية ومصلحة الضرائب، وبهذا سيعلم الناس أين يعمل. ولعل المجالات التي يمكن العمل بها انشاء برمجيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، هو طبيب قد يعمل في مجاله وبالتأكيد لن يكون أي أوراق باسمه”.

——————————-

عام على سقوط الأسد.. ماذا حققت الحكومة السورية؟/ فراس فحام

بعد عام من التحولات العاصفة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تقف الإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع على أعتاب الذكرى الأولى لتسلمها الحكم في البلاد، مع حلول يناير/كانون الثاني 2026.

وخلال هذه الفترة المليئة بالتحديات، سعت الحكومة إلى إعادة رسم ملامح الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي، محققة اختراقات ملحوظة في ملفات العلاقات الدولية، وتحسين بعض الخدمات الحيوية، وإرساء قدر من الاستقرار الأمني في المدن الكبرى، رغم بقاء تحديات جسيمة تتعلق بالبنية التحتية، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية.

وتفتح رحلة عام من الحكم للرئيس الشرع وفريقه الباب أمام فرص جديدة إذا ما أحسن استثمارها في المرحلة المقبلة، وتضع أسسا لتحول إستراتيجي في موقع سوريا إقليميا ودوليا.

العلاقات الدولية

تمثلت الخطوات الأولى التي اتخذتها سوريا على مستوى العلاقات الدولية بإعادة تموضعها على المستوى الإقليمي، وعززت علاقاتها مع تركيا والسعودية وقطر والأردن، مع الانفتاح على علاقات اقتصادية إيجابية مع الإمارات.

وانعكست نتائج هذه التحولات -بطبيعة الحال- على عقود من ارتباط سوريا الوثيق بالسياسات الإيرانية، والتحالف مع روسيا، فكانت أول الزيارات التي أجراها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع مطلع عام 2025 إلى السعودية وتركيا وقطر والأردن.

كما حققت سوريا في حقبة ما بعد الأسد إنجازا في تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة بعد أن كانت مرتبطة بالمعسكر الشرقي منذ عام 1967، وتتوج هذا المسار بزيارة الشرع إلى واشنطن مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وما تبعها من إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

وتمثلت الانعكاسات الإيجابية على سوريا في التقدم بمسار العلاقة مع واشنطن بحصول سوريا على دفعة قوية فيما يتعلق بالشرعية الدولية، خاصة مع رعاية واشنطن لقرار مجلس الأمن الذي أزال العقوبات من على أبرز مسؤولين الدول الجدد وعلى رأسهم الشرع.

ويبدو أن الأمور تتجه إلى إلغاء العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في وقت سابق بناء على قانون قيصر بشكل كامل، وهذا ما أشار له رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي برايان ماست في تصريحات له أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث أكد بعد أيام من اللقاء مع الرئيس الشرع أنه بات يدعم إلغاء العقوبات على سوريا.

واستطاعت الحكومة السورية الجديدة تحويل العلاقة مع روسيا التي ساندت نظام الأسد طيلة سنوات الحرب من خانة العداء إلى التنسيق والشراكة، فتم تبادل الزيارات الرسمية بين المسؤولين السوريين والروس ابتداء من يوليو/تموز 2025، وختاما بلقاء الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بموسكو في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأكدت تقارير سورية عديدة عقب زيارة الشرع، ثم استقبال دمشق وفدا روسيا برئاسة يونس يفكيروف نائب وزير الدفاع، التوافق بين الجانبين على التعاون العسكري، بالإضافة إلى اشتراك موسكو في ملف جنوب سوريا.

وبالفعل، زار وفد تقني روسي محافظة القنيطرة جنوب سوريا أواخر الشهر الماضي برفقة عسكريين سوريين، في حين يُعتقد أنه ترتيبات لانتشار شرطة عسكرية روسية في الجنوب السوري، كما قدمت روسيا لسوريا شحنات من النفط.

كذلك ظهرت مؤشرات عديدة على احتمالية تطور العلاقات بين الحكومة السورية والصين، أولها تمثلت بامتناع بكين عن استخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الذي أقر رفع العقوبات عن الشرع ووزير الداخلية السوري أنس خطاب.

كما استقبلت بكين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الشهر الماضي وتم التوافق على تأسيس مجلس الأعمال السوري الصيني.

ومن المتوقع أن يساهم تطوير علاقات الحكومة مع الأطراف الدولية المذكورة إلى تعزيز الاستقرار، خاصة إن اتجهت الولايات المتحدة لحصر علاقاتها مع المؤسسات الرسمية للدولة السورية، وقلصت من دعم تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي وظفته في محاربة تنظيم الدولة.

كما أن الانفتاح الرسمي السوري على روسيا وتفهم مصالحها قد يسهم في المزيد من الاستقرار في الساحل والجنوب السوريَين.

تطوير إنتاج الطاقة الكهربائية

أعلنت وزارة الطاقة السورية الشهر الماضي ارتفاع قدرة توليد الكهرباء المخصصة للمنازل إلى 14 ساعة يومية، وبذلك فإن الإنتاج زاد إلى أكثر من الضعف في أقل من عام، حيث لم تكن تحصل غالبية المدن السورية على الكهرباء سوى 4 أو 6 ساعات يوميا.

وسجل التيار الكهربائي وصلا مستمرا لقرابة 20 ساعة في بعض المدن الكبيرة وخاصة مدينة حلب، وأشار وزير الطاقة محمد البشير إلى أن العمل مستمر للوصول إلى تدفق للكهرباء على مدار 24 ساعة يوميا لكن بعد تطوير البنية التحتية، وقدرة الشبكة.

ووقعت الحكومة السورية عدة مذكرات تفاهم مع شركات دولية لتطوير محطات الطاقة الكهربائية، كان أبرزها المذكرة التي تم توقيعها مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع تحالف شركات دولية متخصصة في إنشاء محطات توليد الطاقة.

ومن شأن زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية أن ينعكس على الاقتصاد عموما في سوريا، حيث سيزيد من فترات عمل المصانع والمعامل، ويشجع على الاستثمار في القطاعين الصناعي والتجاري.

القطاع الأمني

حققت الحكومة السورية منجزات جزئية في القطاع الأمني، ويمكن ملاحظتها بشكل واضح في المدن الكبيرة، حيث تعيش مدن دمشق وحلب واللاذقية استقرارا أمنيا، مع انخفاض واضح في معدلات الجريمة.

ونفذت الحكومة السورية خلال الأشهر الماضية عمليات أمنية عديدة في دمشق وحلب واللاذقية، استهدفت خلايا لفلول النظام السابق وتنظيم الدولة الإسلامية، كان أبرزها إلقاء القبض على عدد من رموز النظام السابق وأبرزهم وسيم الأسد الذي كان يتزعم مليشيات مساندة للنظام السابق وتمتهن تجارة المخدرات، واللافت أن هذه العمليات كانت استباقية وقبل إقدام هذه الخلايا على تنفيذ هجمات ضد السكان.

ونقلت وسائل إعلام سورية عن مصادر أمنية إحصائية للعمليات التي نفذها الأمن السوري في مدينة حلب خلال الشهر الماضي، ونتج عنها القبض على 150 لصا، وهذا يعتبر تطورا بارزا في الوضع الأمني لمدينة حلب، التي سجلت في النصف الأول من عام 2024 في ظل حكم نظام الأسد 1500 حالة سرقة مسجلة لدى الجهات الأمنية.

وساهمت تدخلات الحكومة السورية في منع اندلاع مواجهات عشائرية وطائفية، كان آخرها في مدينة حمص التي شهدت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي هجمات عشائرية ضد أحياء للطائفية العلوية على خلفية قتل امرأة ورجل من عشيرة بني خالد في منطقة زيدل والتمثيل بجثتيهما.

وفي بداية ديسمبر/كانون الأول الجاري أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن تنفيذ عملية مشتركة مع وزارة الداخلية السورية ضد 15 مستودعا للأسلحة تتبع لتنظيم الدولة.

وقد أتى هذا التطور في الأداء الأمني بعد القيام بعملية هيكلة أولية لقوى الجيش والأمن، إذ تراجعت بشكل ملحوظ حالة الفصائلية التي كانت واضحة بعد الأشهر الأولى من سقوط الأسد، وسببت إرباكا للحكومة، فاتضحت بشكل أكبر معالم الفرق العسكرية المنظمة، بالإضافة إلى تعزيز حضور جهاز الأمن الداخلي في مختلف المناطق باستثناء تلك الخارجة عن سيطرة الحكومة في جنوب البلاد، أو شمال شرقها.

المنجزات السياسية الداخلية

أنجزت الحكومة السورية في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي الانتخابات التشريعية الأولى بعد سقوط نظام الأسد، التي تمت عن طريق الانتخابات غير المباشرة من قبل الهيئات الانتخابية بسبب تعذر القيام بعمليات إحصاء وتنظيم سجلات لكافة السوريين.

ونتج عن الانتخابات تمثيل مقبول للمحافظات السورية، والمكونات المختلفة، في ظل دخول نواب من الكرد والتركمان إلى المجلس، بالإضافة إلى نواب من الأقليات الدينية الأخرى، على أن يعين الرئيس السوري الثلث المتبقي من أعضاء المجلس بطريقة تضمن تمثيلا عادلا لمختلف المكونات.

أيضا، نجحت الحكومة السورية باستثمار الظروف الدولية المحيطة، وأبرمت في مارس/آذار اتفاقا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أقرت فيه الأخيرة بوحدة الأراضي السورية، وبالحكومة الحالية، وتبقى الإشكالية في عدم التوصل إلى آلية واضحة لدمج قوات قسد في الجيش والأمن، لكن هذا الاتفاق أظهر جدية الحكومة باستيعاب كافة المكونات السورية.

نجاحات اقتصادية

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية إجراء أول رسالة إلى البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، في تأكيد على عودة سوريا إلى نظام سويفت العالمي للتحويلات المالية.

واستعادت سوريا التواصل مع صندوق النقد الدولي بعد زيارة لوفد من الأخير إلى دمشق في 10 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الأمر الذي اعتبره خبراء الاقتصاد أنه خطوة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي في البلاد.

ويسود التفاؤل في أوساط الجماعات السورية الضاغطة في أميركا بأن يتم إلغاء العقوبات الأميركية على سوريا بشكل كامل مع نهاية عام 2025، ومن المحتمل أن تؤدي هذه الخطوة إلى تبديد المخاوف من الاستثمار في سوريا، خاصة إذا ما اتجهت الحكومة السورية إلى تطوير البيئة القانونية الاستثمارية، وتعزيز الشفافية.

وأكد الرئيس الشرع -خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في العاصمة السعودية الرياض أواخر أكتوبر/تشرين الأول الفائت- أن حجم الاستثمارات التي جذبتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد بلغ 28 مليار دولار، في حين توقع البنك الدولي نموا اقتصاديا في سوريا خلال عام 2025 بنسبة 1%، بعد انكماش نسبته 1.5% خلال عام 2024.

وفي مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلنت شركة “فيزا” العالمية التوصل إلى اتفاق مع مصرف سوريا المركزي على خريطة طريق تهدف إلى تأسيس منظومة مدفوعات رقمية متكاملة، واندماج سوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابيا على تيسير الأعمال والمدفوعات، وعلى الاقتصاد عموما.

وعاد إلى سوريا منذ مطلع عام 2025 أكثر من 1.2 مليون سوري من دول اللجوء والبلدان الأخرى، بينهم أصحاب رؤوس أموال، حيث تشير البيانات الرسمية إلى عودة قرابة 960 منشأة صناعية في حلب وحدها للعمل، مع عدم وجود بيانات حول مجمل المشاريع والمصانع التي تم تفعيلها في سوريا.

ورغم هذه المنجزات المذكورة، فإن سوريا لا تزال أمامها مسيرة طويلة لترسيخ علاقاتها مع الأطراف الدولية مع ضمان عدم تحويل الساحة السورية إلى منطقة استقطاب دولية، كما أن الحالة الأمنية تمتاز بالهشاشة خاصة في المناطق الريفية، إضافة إلى أن الحاجة لعمل كبير على مستوى تطوير البنية التحتية والاقتصاد.

المصدر: الجزيرة

—————————————-

سوريا: من “لحظة الانتصار” إلى واقع الدولة/ محمد سرميني

تبدو سوريا، في الذكرى الأولى للتحرير، وكأنها تقف على بوابة زمن جديد، زمن لا تُقاس ملامحه بما جرى على خطوط الجبهات فقط، بل بما انكشف بعدها من حقيقة أشد عمقا وأطول أثرا.

فالتحرير على أهميته الرمزية والسياسية، لم يكن نهاية المعركة؛ بل لحظة مواجهة مباشرة مع إرث تجاوز 50 عاما من التدمير البطيء والتهشيم المستمر لبنية الدولة والمجتمع، إرث صنعه نظام البعث في عقود حكم فيها بعقلية أمنية وأدوات قمعية، كانت تراكم عوامل الانهيار المؤجل، بما طوقت به البلاد من شبكات الفساد، فكان الانفجار الثوري أمرا حتميا، وكان استحقاق النصر أمرا موعودا، وكان على سوريا أن تستعد لتغيير كبير يبدأ من ديسمبر/كانون الأول 2024.

كان الخلاص مكلفا والإرث ثقيلا

خلال عام 2025، وجد السوريون أنفسهم أمام مهمة تاريخية تتجاوز حدود “الإصلاح” إلى منطق “إزالة الركام”، ثم التخطيط والبدء بعملية “البناء”.

الإصلاح قد يكفي حين تكون المؤسسات قائمة وتحتاج إلى حل المشكلات أو تعزيز الإمكانيات، أما حين تكون البنية نفسها منهارة أو مخترقة أو متآكلة، فإن المهمة تصبح إعادة تأسيس قطاعات بأكملها.

في سوريا كان كل شيء يحتاج إلى الإصلاح، ثم جاءت الثورة عام 2011 على نظام فتح النار على كل شيء، وبدل أن يصلح الخلل دمر كل ما تبقى: الإدارة والقضاء والاقتصاد والأمن والخدمات وحتى علاقة المجتمع مع السلطة، وعلاقة المجتمع مع نفسه.

كان الجميع يراقب تدمير النظام البائد كل شيء في البلاد، لكن بعد زوال نظام الأسد أظهر التحرير حجم الكارثة على حقيقته دون مواربة، الأمر الذي لم يقطع الأمل، بل خلق إيمانا عند السوريين بأن الدولة الجديدة التي يجب أن يبنوها على أنقاض الدولة الموجودة يجب ألا تكون جدارا خارجيا يحمي السلطة.

بين ضرورات الداخل والاستحقاقات الخارجية

كان عام البدء بالبناء (2025) متعبا رغم نشوة النصر وفرحة الخلاص؛ بما حمله من متطلبات الداخل الكثيرة، التي يجب أن تنتظر أولويات ضرورات إعادة التموضع الخارجي.

فالمسار الداخلي بكل ما يتطلبه من “إزالة الأنقاض” ثم “تنظيف” المؤسسات الحكومية وإعادة بنائها بشكل صحيح وصولا إلى إعادة بناء الحوامل الاجتماعية والسلم الأهلي.. كل ذلك لم يكن أقل أهمية عن المسار الخارجي الذي يفك العزلة عن سوريا ويعيد تعريف علاقاتها.

لم تكن الحكومة السورية قادرة على حل أزمات الداخل دون تحقيق مسار حثيث وكبير على مستوى الانفتاح الدبلوماسي الخارجي المتبادل مع الحلفاء الجدد: الغرب وحلفائه في المنطقة.

وكان الشعب السوري يتفهم ما ذهبت إليه الحكومة من أن الحلول الأسرع لمشكلات الداخل لا بد أن تأتي من حل أزمات الخارج أولا، ولن يتحقق الإنجاز الداخلي ما لم يتحرك مع الإنجاز الداخلي، بذات الأولوية والجدية، مع جدلية أيهما سيكون سببا للآخر، فالداخل يحتاج إلى الاستقرار والدعم والاستثمارات، والخارج يحتاج إلى دولة مستقرة قادرة على صياغة سياستها الخارجية بعيدا عن التبعية والانغلاق والعزلة التي سادت لعقود.

الانتصار بتوقف الانهيار

يمكن القول: إن العام الأول بعد التحرير كشف عن مفارقة لافتة، فالكثير من التحولات الإيجابية في سوريا لم تكن نتيجة مبادرات جديدة؛ بقدر ما كانت ثمرة توقف ممارسات قديمة لطالما أرهقت الدولة والمجتمع.

حتى وإن لم يكن كافيا، لكن سوريا بعد زوال النظام البائد لمست الفرق الكبير، بداية من رفع حواجز الرعب التي كانت تقطع أوصال المدن والبلدات، وإنهاء امتيازات المجموعات الأمنية والعسكرية التي اعتادت تحويل الطرقات والمعابر إلى نقاط جباية وابتزاز.

الفرق الأكبر سيكون مع نتائج التحول العميق الكفيل بعودة الحركة الطبيعية للتجارة، وخفض تكاليف النقل، وفتح المجال أمام دورة اقتصادية كانت مقيدة بالقوة.

بدا المشهد خلال عام من التحرير وكأن البلاد تتنفس للمرة الأولى بعد زوال ما كان يخنقها، وكأن جزءا كبيرا من الإصلاح تحقق، لا بما أضيف بل بما أزيل.

التموضع الصحيح طريق البناء

كان المشهد الخارجي يتحرك بوضوح لافت، فخلال عام واحد فقط استعادت سوريا موقعا كانت قد فقدته منذ السنوات الأولى للاستقلال.

عادت سوريا إلى الخريطة الدولية، ليس بوصفها ملفا أمنيا أو عبئا إقليميا؛ بل لأنها دولة تسعى إلى بناء علاقات إيجابية مع القوى الإقليمية والدولية الساعية للاستثمار باستقرار شرق المتوسط.

التموضع السياسي الجديد لسوريا ليس تفصيلا سياسيا، بل هو جزء من تغيير شكل المنطقة انطلاقا من إعادة تموضع تاريخي نجح في سوريا، وهذا التغيير سيترك أثرا ضروريا وكبيرا على مستوى المنطقة ودورها في التوازنات العالمية، كما سيترك أثره الكبير داخليا في سوريا التي لم تعد محصورة داخل معسكر الدول المنبوذة، ولم تعد محرومة من أي هامش حركة مستقل، ولم تعد مكبلة بتحالفات ضيقة أضعفت موقعها وضيقت خياراتها.

عام على الطريق الصحيح

لقد أعاد العام الأول بعد التحرير تعريف موقع سوريا في العالم، وفتح أمامها مساحات جديدة للتفاعل الدبلوماسي، وسمح بعودة المشهد السوري إلى المحافل الدولية كقضية دولة تريد بناء نفسها، لا كملف يتقاذفه الآخرون.

وفي الداخل، أعاد هذا التحول قدرا من الثقة بأن البلاد قادرة على صياغة دور جديد لا يقوم على رد الفعل، بل على المبادرة واستعادة القرار الوطني.

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم على عتبة مرحلة لا تشبه ما سبقها، مرحلة يتلاقى فيها إرث نصف قرن من التدمير البنيوي مع فرصة سياسية نادرة أتاحها التحرير، وبينهما تقف البلاد أمام استحقاقات إعادة تعريف الدولة لنفسها ولسلطتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وإعادة رسم عقد اجتماعي بينها وبين المجتمع، لتكون دولة طبيعية في عالم مضطرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المدير العام لمركز جسور للدراسات

الجزيرة

————————————–

بشار مر من هنا/ غسان شربل

8 ديسمبر 2025 م

ليس صحيحاً أن الغياب يعفي من العذاب. القبر لا يحصن الحاكم من أعاصير بلاده. يمكن لجثته أن تتعرض لطعنات كثيرة؛ للشماتة، والسخرية، والإذلال، وفيض الكراهيات. ويمكن أن يصاب القبر بالذعر، وبالإحراج، وبالخوف، وأن يحاول الهرب كمرتكب يبحث عن مخبأ للنجاة من غضب الناس ومحكمة التاريخ.

هذا حدث قبل عام. تردد مدير مكتبه «أبو سليم» في إيقاظه لكنه فعل. الخطب جلل. شاهد على الشاشة عبارة رهيبة؛ «فرار الأسد». لم يصدق حافظ عينيه. كيف يكون أسداً من يفر؟ وبعد دقائق وقعت الفأس في الرأس. قالوا إن طائرة من بلاد ستالين حملت السيد الرئيس مع عائلته وحقائب مثقلة إلى بلاد الثلج والنسيان.

أسعفه «أبو سليم» بكوب من الماء. هذا النبأ يفوق قدرته على الاحتمال. ما أفدح الخسارة. كيف سينظر إلى صدام حسين إذا رتب القدر موعداً بينهما في عالم النهايات؟ تخيل صدام يستيقظ على النبأ، تصوره يطلق ابتسامته الشامتة. سمعه يقول: «هذه مدرسة حافظ الأسد. قلت لكم مراراً ولم تصدقوني. مدرسة عشاق السلطة لا مدرسة أصحاب القضية». خيل إليه أنه سمعه يقول: «قاتل ولداي وحفيدي الأميركيين حتى نفدت ذخائرهم. قاتلوا وقتلوا بعدما طردتهم سوريا الأسد من أراضيها وقدمتهم لقمة للاحتلال».

كل شيء إلا شماتة صدام. يتمتم. لا يمكن إنكار أن حاكم بغداد برع في تدبيج قصته. طالبه جورج بوش الابن بمغادرة العراق مع عائلته فاختار الإقامة في تراب العراق. وقع في الأسر وتحدى سجانيه. حاول القاضي محاكمته فرد بمحاكمة القاضي ومن نصبوا المحكمة. التف الحبل حول عنقه فأطلق على أهل الحبل نظرة احتقار. يتابع. صدام مرتكب كبير لكنه أجاد صوغ حكاية لتتردد على ضفاف دجلة، أو في ذاكرة أنصاره مهما تقلصوا وتضاءلوا.

يعتصره الألم. هذه سوريا الأسد. وإلى الأبد. وخيار سيدها صريح؛ القصر أو القبر. كيف يسقط المؤتمن عليها في خيار السلامة؟ خيار زين العابدين بن علي. يشعر بحرج قاتل. سقط علي عبد الله صالح مضرجاً برصاص الحوثيين. رفض ذل المنفى وفضل إنقاذ سمعة الملاكم. فضل الموت على الحلبة. معمر القذافي رفض الانحناء للعاصفة. قتلوه وتوزع أبناؤه بين قتيل وشريد. كان باستطاعة حسني مبارك أن يستقل طائرة تعمل على خط المنفى. خاف من لسعة التاريخ. تداولته السجون والمحاكم لكنه مات على أرض مصر. لا عزاء للخاسر غير أن يكتب قصته بحبر العناد والمكابرة. عمر قصير أفضل بكثير من ذل طويل.

فاجأت العاصفة سيد القصر وحزب «إلى الأبد». كان الانطباع أن الرجل المتحصن في إدلب غير موعود إلا بنهاية مؤلمة. كانت مخابرات الأسد تبحث عنه، وكانت طائرات بوتين تبحث عنه. وقال محللون إن من عرفته سجون بغداد باسم «أبو محمد الجولاني» سيلقى مصير رفاقه القدامى. أخطأ المحللون.

كانت السنة طويلة ومريرة. جلس أحمد الشرع في قصر الرئاسة على كرسي الأسدين. فجأة فتحت أمامه الأبواب. كأن العالم كان يتحين الفرصة للثأر من سوريا الأسد، كأنه تعب من حروبها ومناوراتها وتحالفاتها. رجل اسمه دونالد ترمب يمد يده في الرياض ويصافح الشرع.

ستسقط الجدران وستنهار السدود. سيدخل الشرع البيت الأبيض في استقبال دافئ. سيدخل أيضاً قصر الكرملين وسيلتقي القيصر الذي منح بشار اللجوء الإنساني. ستهب أوروبا لإعطاء الرئيس الجديد فرصة. وسيظهر الشرع براعة غير عادية. خطاب معتدل ومقنع. سوريا ستنهمك بتضميد جروحها. سوريا أولاً. ولن تكون مصدر خطر على جيرانها وبينهم إسرائيل. استفزازات نتنياهو واعتداءاته لن تدفعه إلى الانزلاق نحو ما يعيق مشروعه.

بعد عام أيقظه «أبو سليم» مجدداً. أسرار عهد الأسد الثاني منشورة على حبال «العربية». رحلة في السيارة نحو الغوطة. حوار شفاف مع المستشارة لونا الشبل يكشف أسلوب الرئيس وارتباكه. لم يحدث أن كان القصر سابقاً بلا أسوار وبلا أسرار. كانت عبارات الرئيس صعبة ومثيرة ومخيفة. عبارات تساعد في فهم الانهيار الكبير الذي ضرب سوريا الأسدين. ضاعف منسوب الإثارة مصير الرئيس الغارق في صمت المنفى. ضاعفه أيضاً مصير المستشارة التي تخطى ظلها في القصر حدود مكتبها. المستشارة التي شُطبت بعدما اتهمت باللعب على خطوط التماس بين كبار اللاعبين على المسرح السوري.

تذكرت عبارات سمعتها يوم كانت المعارضة السورية تقترب من قصر بشار. قصدت وزير الخارجية اللبناني الراحل جان عبيد. سألت الرجل المتحفظ عن بشار فقال: «الله يرحم والده». ولأنه كان يثق بقدرتي على الكتمان قال: «للأسف الإرث أكبر من الوريث… ورث بشار سوريا لاعباً، وها هي تتحول في عهده ملعباً».

وفي تلك الأيام روى لي الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، ما قاله له حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش السوري، في عهد الأسد الأب. قال الشهابي: «هذا (بشار) شخص مجنون. سيأخذ سوريا إلى الحرب الأهلية والتقسيم». ويضيف جنبلاط: «قدم لي وصفاً دقيقاً لما فعله (الضابط القريب من بشار) عاطف نجيب مع أطفال درعا، وكيف انتزع أظفارهم واستدعى رؤساء العشائر وهددهم بهتك أعراضهم». وذات يوم سأل جنبلاط بشار لماذا لم يعاقب عاطف نجيب، فكان رده: «لم يتقدم أحد بدعوى ضده». إنه أسلوب بشار.

قبل عام غادر بشار الأسد. سقط نظام الأسدين. سقط جدار الممانعة وتغيرت أحجام اللاعبين في الإقليم. انتقلت المنطقة من «طوفان السنوار» إلى المطالبة بنزع السلاح في غزة ولبنان. تغيرت حدود إيران في الإقليم، ولا بد من الاتصال بالبيت الأبيض لوقف استباحات نتنياهو للخرائط والحدود.

من قبره يواكب الأسد الأول ما حل بسوريا. يواكب فيديوهات الأسد الثاني. أقام بشار نحو ربع قرن. فاضت أوجاع سوريا والتقت بأوجاع لبنان. بحر أحزان وجنازات كثيرة. ذهب زمن الأسدين إلى محكمة التاريخ. قامر الوريث بإرث بحجم بلاد وخسره. ما أصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. الزمن صفحات. وبشار مر من هنا.

——————————————

الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية: سقوط الصنم!/ محمود طعمة

تعود إلينا ذكرى اليوم الذي ارتجت فيه الأرض تحت وقع خطوات الشعب، يوم تكسر فيه الصنم الأكبر، وسقط الجبروت الذي اعتقد أنه خالد. لم يكن مجرد حدث سياسي، بل كان تحولا في الروح، وانفجارا للوعي، وهتافا للحرية. في تلك اللحظة، شعر كل قلب سوري بأنه يتنفس من جديد، وكأن سنوات القهر الطويلة قد تم شحنها أخيرا بالعدالة.

كانت الشوارع مليئة بالصراخ والفرح، وكانت الصور تنتقل من يد إلى أخرى، تحمل وجوه الحرية إلى كل بيت، وكل قلب لم ينس صموده. ومن بين الحشود، صدح صوت واحد قائلا: “سقط هبل.. سقط هبل.. تحطمت آلهة البشر!”

هتاف احتوى على قرون من الألم، وعلى دموع عمرها سنوات، وعلى آمال لم تمت رغم كل الظلم. كلمات قليلة، لكنها أرخت لنفس متعبة، وأعلنت بداية زمن جديد، زمن لا يعود فيه الظالم يفرض إرادته على الجميع.

لقد أثبت السوريون، رغم الجراح الثقيلة والسنين العجاف، أن الإرادة لا تكسر، وأن الحق لا يمحى. فالنصر ليس لحظة، بل سلسلة من الإرادات الصغيرة، والخطوات اليومية، والصبر الطويل. واليوم تعود الذكرى لتخبرنا بأن الحرية تستعاد باليقين، وأن كرامة الإنسان لا تقهر، مهما طال الليل.

ويستحضر القلب مشهد فتح مكة، حين دخل النبي ﷺ فاتحا، وحطم الأصنام التي اعتقد الناس أنها لا تقهر. جاء في القرآن: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل﴾.

وكأن التاريخ يعيد نفسه أمام أعيننا، فالحق لا يسقط بالتقادم، والباطل مهما تعاظم فهو إلى زوال. وسقوط الطاغية في سوريا اليوم ليس مجرد حدث سياسي، بل هدما للأصنام التي أرهقت النفوس، وإعادة صياغة لمعنى الحرية.

إن اللحظة التي سقط فيها الصنم أكبر من مجرد انتصار سياسي؛ إنها درس في الصبر والثبات، في أن الحق لا يأتي بلا ثمن، وفي أن إرادة الشعوب أقوى من أي جبروت. كل هتاف، وكل صورة، وكل دمعة، وكل ابتسامة في الشوارع، كانت جزءا من ذاكرة جماعية ترفض أن تتحول إلى نسيان.

وها نحن اليوم نقف بين زمنين: زمن سقط فيه الصنم، وزمن نحاول فيه أن نعيد بناء وطننا وذاكرته، وأن نستعيد الحق في الحياة الطبيعية، بعيدا عن الخوف والذل. هذه الذكرى ولادة للوعي، وللأمل، وللإصرار. تذكرنا بأن الصبر ليس مجرد انتظار، بل فعل، وأن الإرادة التي تقول “لا” مرة واحدة لا تعود كما كانت أبدا.

قد يكون الطريق طويلا، وقد تتعرض الأرواح لصدمات، وقد تعود بعض الأوقات مظلمة، لكن الحقيقة الثابتة أن الشعوب التي تصمد، والشعوب التي تقول “لا”، هي الشعوب التي تغير التاريخ.

هذه رحلة السوري نحو ذاته، رحلة تحول من غبار الصنم المتفتت إلى النصر الذي يكتب التاريخ، إلى الحرية التي لم تعد حلما بل حقيقة يمكن لمسها، وإلى وطن يستحق أن يحتفل به. إنها رحلة الصبر والكرامة، رحلة تتجاوز الفرد لتصبح ذاكرة جماعية، ودرسا لكل من يريد أن يفهم معنى المقاومة الحقيقية، ومعنى أن تستعاد الحرية بعد طول غياب.

نسأل الله أن يكتب لهذا الشعب نهاية تليق بتضحياته، وأن يجعل هذه الذكرى شعلة لا تنطفئ في الطريق الطويل نحو الحرية والكرامة، وأن تبقى ذكرى صوت “سقط هبل” مصدرا للإلهام لكل من يرفض الذل ويبحث عن النور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

من مواليد 1995 دمشق، أقيم في الغوطة الشرقية، أعمل مساعد جراح، وأدرس في معهد صحافة وإعلام

الجزيرة

————————————

شهادتي على لقاء الأسد ومشهد العار في جامع المسلمين/ كمال أوزتورك

ما رأيته في سوريا يشبه مشاهد من أفلام ديستوبية. في هذا الفيلم الذي تغلب عليه ألوان التربة الصفراء، كانت مشاهد السلام والحرب الأهلية والثورة أشبه بعمل سريالي لكاتب ومخرج لا يمكن التنبؤ بهما.

المشاهد كانت مليئة بما لا يصدق: مرعبة، مفاجئة، حزينة. لكنها كانت أيضا، على نحو يتماشى مع قدر هذه الجغرافيا، مليئة بالمفاجآت. في هذه الأرض، يمكن أن يتغير كل شيء في أي لحظة، ويمكن أن يتحول السيناريو المتوقع إلى قصة أخرى تماما.

اللقاء الأول مع الأسد

عندما رأيت بشار الأسد أول مرة، لفت انتباهي طوله، وعيناه الملونتان، وجمود وقفته، وبرودة روحه. رأيته حينها خلال الفعاليات الرسمية، عندما كانت العلاقات التركية-السورية في أوجها، وكنت وقتها المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء أردوغان. التقينا بين عامي 2008 و2010، مرة في أنقرة، وأخرى في دمشق، وأحيانا في حلب.

وبينما كنت أراقبه عن بعد، كانت تدور في ذهني الحكايات التي سمعتها عن سنوات حكم والده حافظ الأسد، تلك السنوات الباردة تحت وطأة الدكتاتورية. كان ابن بطل مجازر حماة وحمص يقف على بعد أمتار مني، يرتدي بذلة أنيقة، وكأنه يحاول أن يثبت بأنه مختلف.

لا تزال إحدى اللحظات عالقة في ذهني: أثناء جلوس بشار الأسد إلى مائدة الطعام مع أردوغان، فجأة وجه انتباهه نحو امرأة عند مدخل الغرفة، وكأنه أراد أن يفسح لها مكانا. أثار هذا فضول الموجودين عن هويتها.

كانت تلك المرأة بثينة شعبان، مستشارة إعلامية من عهد حافظ الأسد. فُسح لها مكان إلى جوار أردوغان. لا أعرف لماذا، لكن هذه اللحظة لم تغادر ذاكرتي. لاحقا، وخلال الحرب الأهلية، كنت أسمع اسمها كثيرا بوصفها من رموز السياسات القمعية المتطرفة، ومن أبرز شخصيات الطائفة النصيرية.

خلال جميع اللقاءات الرسمية، لم يصدر عن بشار الأسد ما يذكر بأيام والده القاسية. كان يقدم نفسه بملامح رجل دولة حضاري، درس في أوروبا، ويعيش مع زوجته حياة غربية هادئة.

لقد أخفى الوحش داخله بدهاء شديد، ولم يدرك أحد أنه قاتل بدم بارد. بعد اندلاع الثورة، قال أردوغان بعد أن رأى المجازر: “كانوا يصفون والده بالظالم، لكن هذا فاقه ظلما”.

وسط مشاهد الحرب

عدت إلى سوريا في عام 2013، بعد اندلاع الثورة. ومنذ لحظة عبوري من تركيا، شعرت أنني دخلت إلى عالم آخر. اللون الأصفر الترابي كان يطغى على كل شيء في مخيلتي.

كنت ذاهبا إلى حلب، على بعد 40 كيلومترا، لكن الطريق استغرق ساعات طويلة. أُوقفنا في كل بضعة كيلومترات عند حواجز تابعة للفصائل المعارضة. كل مجموعة نصبت حاجزا ورفعت بوابة حديدية أو خشبية، وبدأت توقف الناس، تسألهم، تسمح لبعضهم بالعبور، وتمنع البعض، وتطلب المال من آخرين.

كان الحراس على الحواجز غالبا من الشباب الذين لم يبلغوا العشرين. لا يعرفون بالضبط من يسيطرون عليه، ولا لماذا يقفون هناك. حين يومئ لهم قائدهم، يرفعون الحاجز دون تردد، ثم يعودون إلى التحديق في الفراغ بأعين نصف نائمة.

في إحدى النقاط، خيم التوتر. رأيت رجالا ملثمين يرتدون السواد ويحملون أسلحة مختلفة. لم يتحدث مرافقونا معهم، بل غيروا الطريق على الفور. وعندما سألت من هؤلاء، قالوا: “هؤلاء يسمون أنفسهم دولة، ويقاتلون الجميع، لا يتحدثون مع أحد، وخطرهم كبير”.

لم أكن أعلم وقتها أنني رأيت تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) لأول مرة وآخر مرة. وكنا نحن أول من نقل خبره في وسائل الإعلام.

حينها فهمت أن الفصائل المعارضة منقسمة، وأن كل واحدة تسيطر على منطقة وتديرها كما لو كانت دويلة مستقلة. لكن ما هو أسوأ حدث عندما اقتربنا من حلب، ورأينا الفصائل المعارضة تشتبك فيما بينها أمام أعيننا.

رأينا مقاتلا مضرجا بالدماء يمر أمامنا وهو يصرخ، والمواجهة مستمرة. كانت قافلتنا مكونة من عدة سيارات، وكان في مقدمتها حراس من إحدى الجماعات. وبينما كانوا يمرون من حاجز، وجه شاب هناك بندقيته نحوهم بحماس. نحن في السيارة الخلفية بدأنا بالصراخ لتحذيره، فقد كان على وشك إطلاق النار دون أن يدرك أن هؤلاء حلفاؤه. ولحسن الحظ، لم يطلق النار. عندها أدركت أن ما يقال عن اقتتال الفصائل لم يكن شائعة.

معركة البقال

في ريف حلب، وعلى مقربة من مواقع جيش النظام، رأيت مشهدا يصعب تصديقه. عند دخولنا أحد المنازل التي سنبيت فيها، قيل لنا: “يجب أن نعبر الشارع بسرعة، فالجيش يتمركز في بدايته”.

بينما كنا نمر بسرعة، انطلقت رشقات رصاص كثيفة. لم تصبنا، لكنها كانت قريبة. نزلت من السيارة لأتفقد الوضع. احتميت بجدار، ونظرت إلى الطريق، فرأيت دكاكين متقابلة؛ أحدها بقالة، والآخر- ربما- محل خياطة أو كشك.

الرصاص كان يخترق الشارع، يثير الغبار، ولكن في الدكاكين، كان الناس يواصلون أعمالهم ويبتسمون لي! رددت على الابتسامة بابتسامة، رغم أن الرصاص كان يمر أمامنا.

ثم، فجأة، وضع صاحب البقالة ما بيده، أمسك بكلاشنيكوف من جانب الدكان، جهزه وأطلق النار من باب الدكان نحو مواقع الجيش، دون أن يغادر مكانه، ودون أن تمحى الابتسامة عن وجهه. بعد أن فرغ من الطلقات، قال شيئا لجيرانه، وضحك الجميع.

الحرب، والرصاص، والموت، صارت هنا جزءا من الحياة.

“احذر، قناص!”

خلال حرب البوسنة، كانت كل الطرق المؤدية إلى الجبال في سراييفو المحاصرة تحمل لافتة كتب عليها: “Pazite Snajper!” (احذر، قناص!). فقد كان القناصة الصرب المتمركزون في أعالي الجبال يقتلون المدنيين في شوارع سراييفو. لاحقا، عرفنا أن بعض السياح الأوروبيين، خاصة من إيطاليا، كانوا يجلبون إلى هناك لقتل البوسنيين مقابل المال، كأنها “سياحة الصيد البشري”.

رأيت النسخة العربية من هذه اللافتة في شوارع حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة. كان الناس يقتلون هناك أيضا برصاص لا يعرف مصدره. رفعت تلك اللافتات لتحذير الناس، لكن يبدو أن لا أحد كان يأبه. ففي ثقافة هذه الجغرافيا، يبدو أن الموت جزء من الحياة، لا مفاجأة فيها ولا هلع.

الشوارع التي دمرتها البراميل المتفجرة بدت أكثر قسوة من مشاهد فيلم “إنقاذ الجندي رايان”. كانت ضواحي حلب أسوأ حالا من المدن الفرنسية التي دمرتها الطائرات الألمانية في الحرب العالمية الثانية. هناك، اللون الأصفر الترابي تحول إلى رمادي باهت، وقد اختفت جميع ألوان الحياة.

وجوه الناس الذين ما زالوا يعيشون بين ركام البيوت والمحال كانت مغطاة باللون الرمادي، تماما مثل ثيابهم. رأيت قربا حسيا من الدمار، وفهمت تماما كيف تبدو كارثة الحرب الأهلية عن قرب.

مشهد العار في جامع المسلمين

في زيارتي لحلب عام 2009، قبيل الحرب، دخلت سوقها الشهير، ووجدته شديد الشبه بأسواق غازي عنتاب التركية، إذ لا يفصل بين المدينتين سوى خمسين كيلومترا، وكلا السوقين من إرث الدولة العثمانية.

لكن حين عدت عام 2013، دخلت نفس السوق المهجور، لأجد جدرانه مثقوبة بآلاف الطلقات والقذائف. كانت الشمس تتسلل من ثقوب الحديد والخشب في الأسقف، وتضرب الأرض كخيوط ضوء رفيعة. المحال مغلقة، وتملؤها آثار الرصاص. بعض الشوارع مهدمة تماما بفعل البراميل المتفجرة، والأنقاض مكدسة في الطرقات.

على مقربة من السوق، كان الجامع الأموي العريق، وهو من زمن بني أمية. وهناك، ربما رأيت المشهد الأكثر خزيا في التاريخ الإسلامي الحديث.

ضربت قبة المسجد بقذيفة مدفع ضخمة، فانهارت وخلفت فجوة هائلة. المئذنة تهدمت وسقطت على شكلها المستطيل في ساحة المسجد. آثار الرصاص والقصف كانت في كل زاوية، والمشي وسط الركام كان صعبا.

دخلت المسجد من فجوة كبيرة في جدار القِبلة، فوجدت مشهدا صادما: كان هناك مقاتل من المعارضة قد حول الركام والسجاد وبعض المصاحف إلى متراس. من خلال فتحة صغيرة، وجه بندقيته الطويلة نحو الجانب الآخر من المسجد. على الجهة الأخرى، كان هناك جندي من قوات الأسد في متراس مماثل.

كنت أمشي منحنيا، أحاول فهم ما أراه، والشمس تتسلل من فتحة القبة، مسلطة الضوء على أكثر مشهد مأساوي رأيته: مسلمين يشتبكان داخل مسجد، يفصل بينهما 15 أو 20 مترا فقط، ويختبئ كل منهما خلف سواتر من المصاحف، والسجاد، والركام.

عندما كانت تطلق رصاصة، كان صداها يتردد بين جدران المسجد، ويعلو بين كلمتي “الله” و”محمد” المكتوبتين على الجدران. شعرت بأنني أمام أكثر المشاهد الديستوبية التي يمكن أن تصور.

تجسدت أمامي مأساة الصراع الطائفي بين السنة والشيعة داخل مسجد، فكان هذا أكثر ما رأيته خزيا في تاريخ المسلمين.

صور من فيلم رعب

ظننت أن ما رأيته في رمضان في حلب يكفي لفهم أهوال الحرب السورية. في الليلة الأخيرة، صلينا التراويح في مسجد ريفي، ثم انطلقنا في رحلة العودة إلى تركيا. وعند الصباح، علمنا أن المسجد قد ضرب ببرميل متفجر، وسقط فيه عدد من القتلى. تأثرت بشدة، لكن ما أثر فيّ أكثر، كان ينتظرني لاحقا.

فور عودتي إلى تركيا، تلقيت اتصالا من رئاسة الوزراء. سألوني إن كنت مستعدا للسفر فورا إلى الدوحة في قطر، لأمر عاجل وسري يتعلق بخبر بالغ الخطورة. وافقت فورا.

التقيت في فندق هناك مجموعة من الأشخاص، بينهم محامون بريطانيون، وخبراء طب شرعي أميركيون، وآخرون مجهولو الصفة. كان بينهم شخص سوري يعرف بالاسم الحركي “قيصر”، وهو مصور سابق في الشرطة العسكرية السورية. كانت مهمته تصوير جثث المعتقلين الذين ماتوا تحت التعذيب.

وقد تمكن من تهريب أكثر من 50 ألف صورة إلى خارج سوريا. جزء من تلك الصور سينشر في “سي إن إن”، و”الغارديان”، ووكالة الأناضول التي كنت مديرها، وهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية.

وقبل أن نرى الصور، شرح لنا طبيب شرعي أميركي التأثيرات النفسية الخطيرة المحتملة لمشاهدتها. قال إنه نفسه أصيب بالاكتئاب أثناء فحصها.

بعد التوقيع على اتفاق يمنعنا من النشر قبل الموعد، عرضوا علينا على شاشة الحاسوب الآلاف من الصور. رأيت معتقلين جائعين حتى الموت، وقد تحولوا إلى هياكل عظمية، مرصوصين في فناء السجن. على جباههم وصدورهم أرقام. كانت هذه إشارات تنفيذ أوامر الإعدام، ولعلها كانت ترفع في تقارير إلى بشار الأسد شخصيا.

رأيت ضحايا خنقوا بأسلاك تشبه أسلاك البناء، وآخرين بخيوط تشبه “سير” محرك السيارة. رأيت عيونا مفقوءة، وأجسادا مبتورة الأطراف، ملفوفة بأكياس بلاستيكية. كانت الجثث مكدسة بالعشرات في ساحات السجون.

كان أحد السجون التي التقطت فيها هذه الصور هو سجن صيدنايا، وقد زرته لاحقا.

شاهدت الصور ببرود، وطرحت بعض الأسئلة. لاحقا فهمت أن هذا الهدوء لم يكن إلا نوعا من الصدمة.

أخذت نسخة من الصور على “فلاش ميموري”، وعدت إلى تركيا. عملنا ليل نهار على كتابة النصوص وترجمة الشروح. ونشرنا الصور بالتزامن مع وسائل الإعلام الأخرى.

أحدث النشر صدمة عالمية، وسرعان ما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على نظام الأسد، عرفت باسم “عقوبات قيصر”.

دخلنا جميعا في اكتئاب حاد. لم نستطع الأكل ولا النوم لأيام. خجلنا من إنسانيتنا. كيف يمكن لإنسان أن يعذب إنسانا آخر بهذه الوحشية؟ ظللت أتساءل كيف كان بشار الأسد، ذلك الرجل ذو البذلة الأنيقة، ينظر إلى هذه الصور؟ وقد رد لاحقا بأنها “مزيفة”.

كانت تلك الصور هي المشهد الأكثر رعبا في ذاكرتي عن سوريا. ولم أشفَ منها لسنوات. وعندما زرت السجن لاحقا، عادت إليّ أعراض الاكتئاب.

في الأيام التي قيل فيها إن سقوط الأسد مستحيل

ما عايشته في الحرب الأهلية السورية كان من أكثر الأحداث التي هزتني في مسيرتي المهنية. كانت هناك مشاهد لا تصدق، ومجازر، وتعذيب، وتهجير، وشهادة على تحطم بلد بأكمله. كان الأسد قد استعاد السيطرة على كامل مدينة حلب، وشرد مئات الآلاف من سكانها.

كنت أقف على تل في إدلب، ألتقط صورا للاجئين الذين يفرون حفاة، بملابسهم الممزقة، عبر طرق موحلة، باتجاه الحدود التركية، هربا من الموت.

بعد سقوط حلب، ساد اعتقاد راسخ بأن سقوط الأسد لم يعد ممكنا، خاصة مع دعمه المطلق من روسيا وإيران. لذلك، سعت جهات عديدة للبحث عن “حل وسط”. بل إن هناك من بدأ يعمل على المصالحة بين أردوغان والأسد، وكان أردوغان قد أبدى استعدادا مبدئيا لذلك.

لكن الأسد، وقد بلغ ذروة ثقته بنفسه، لم يتفوه بأي كلمة تشير إلى السلام. أما بثينة شعبان، تلك التي رأيتها في بدايات الثورة، فكانت تتحدث بتحدٍ، معلنة أن “الجيش سيدخل إلى كل مكان”.

تجمد المشهد. فصائل المعارضة غرقت في شعور بالهزيمة، وأدار العالم نظره عن سوريا. غير أن الهجوم الإسرائيلي على غزة غير المشهد، كما غير المنطقة بأسرها، وحرك المياه الراكدة.

لم يصدق أحد أن دمشق ستسقط

كنا جميعا نتابع مجازر غزة. وفجأة، بدأت الأخبار تتوالى عن تحرك في الداخل السوري، مركزه إدلب. لم يعره كثيرون اهتماما، ظنا أنه مجرد اضطراب موضعي. ثم اتضح أن الهجوم يتوسع، ويتجه من إدلب نحو حلب.

بدأت التحليلات تتحدث عن إمكانية استعادة الريف الحلبي، لا المدينة ذاتها.

لكنّ ثمة أياما تأتي لتقلب كل شيء. هكذا بدأت لحظة الثورة الجديدة، التي صدمت الجميع.

كانت تركيا تقدم دعما محدودا للفصائل، وكنت أتابع المستجدات من مصادري. لم نكن حتى نطرح احتمال “سقوط دمشق”، لكنني كنت أسأل مرارا: “هل تسقط حلب؟”. وكان الجواب دائما: “هذا صعب جدا”. لكن التطورات على الأرض أذهلت حتى المسؤولين في أنقرة.

وعندما سقطت حلب، عاد الأمل بسقوط دمشق. ومع ذلك، ظل كثير من المحللين في الإعلام يرددون أن إسقاط الأسد مستحيل، في ظل دعم روسيا، وإيران، و”حزب الله”، ونفور النظام من أي سلام.

لكن، كما أثبتت هذه الجغرافيا مرارا، فإن كل شيء فيها قابل للتبدل في لحظة. الحكايات تتغير فجأة، والمفاجآت جزء من قدر هذه الأرض.

سقوط حلب كان سريعا وصادما. فسأل كثير من الثوار: “لماذا لا تسقط دمشق أيضا؟”.

بدأ الجميع يتحدث عن شخصية اسمها “الجولاني”، قائد من إدلب. لم أكن سمعت باسمه من قبل. ثم عرفت لاحقا أنه “أحمد الشرع”، وأنه بات على صلة وثيقة بتركيا.

وبعد يومين من إعطائه أوامر بالتقدم نحو حماة وحمص، أصدر أمرا جديدا: “اتركوا كل شيء، وتوجهوا إلى دمشق”.

في ذلك الوقت، كان الأسد يبدو في أقوى حالاته، لكن الواقع أنه كان ينهار من الداخل. سارت الثورة بسرعة مذهلة، حتى إن الناس لم يصدقوا ما حدث. وهذا يشبه تماما مشاهد الأفلام الديستوبية: تتبدل المشاهد بسرعة، وتتقلب العقول معها.

حين رأينا جنود الجولاني في شوارع دمشق، رفض عقلنا تصديق الأمر. لكن حين تأكدنا أن الأسد فر بطائرة روسية إلى موسكو، أدركنا أن المشهد أصبح واقعا.

كان المشهد الدامي في غزة قد أثقل أرواحنا، لكن سقوط الطاغية بشار أعاد شيئا من الرجاء.

ما رأيته في طرقات الثورة

كان الأمر أشبه بالحلم، لكن دمشق أصبحت في يد المعارضة.

قررت الانطلاق فورا. كما فعلت عام 2013، ركبت برا من تركيا إلى حلب، ثم إلى دمشق. عند اجتيازي الحدود، لاحظت أن جميع الحواجز التي كانت تنصب من قِبل الفصائل اختفت. كثير من المناطق باتت تحت سيطرة تركيا.

وصلت إلى إدلب، الخاضعة لسيطرة “أحمد الشرع” (الجولاني باسمه الحركي). كانت المدينة هادئة، والناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، فقد كانت إدلب آمنة منذ ست سنوات، تحت سيطرته الكاملة. ومن هناك، كانت الثورة قد تبلورت.

تابعت طريقي نحو حلب. استخدمت كل وسيلة نقل وجدتها: دراجة نارية، حافلة صغيرة، سيارة أجرة. عندما دخلت حلب، تلك المدينة التي أسرتني منذ الزيارة الأولى، وجدت أجواء حذرة متفائلة.

بعد سقوط المدينة، أُعطيت ضمانات لكل الطوائف والأعراق والملل بعدم المساس بها. وقد وثق الناس بتلك الضمانات، فلم يغادروا مدينتهم.

مع فرار قوات الأسد والمليشيات الموالية لإيران، استعيد النظام في المدينة، وبدأت الاحتفالات في الشوارع. وكان لهذا الدور الكبير في تسهيل سقوط دمشق.

زرت سوق حلب من جديد. بدأت أعمال ترميم جزئية، لكن آثار الحرب لم تمحَ بعد. أما الجامع الأموي، الذي شهد اشتباكات في داخله، فقد أدرجته اليونسكو ضمن قائمة الحماية، وبدأت أعمال الترميم، لكنه كان مغلقا، ولم يسمح لي بالدخول.

غادرت حلب برفقة مجموعة من السوريين الذين كانوا لاجئين في تركيا، وعادوا فور نجاح الثورة. على الطريق نحو دمشق، رأيت آثار المواجهات لا تزال واضحة: سيارات محترقة، دبابات مدمرة، مبانيَ منهارة، متاريس، وحواجز.

في حماة وحمص، كان الدمار أوسع. فقد كان النظام يحاول الدفاع عن دمشق عبر هذه المدن، لكن قواته لم تصمد أكثر من يومين، ثم انسحبت.

الأيام الأولى في دمشق

دخلت دمشق، وقد سقطت دون أن تتعرض لدمار كبير أو معارك عنيفة. وما سهل سقوطها أن “الجولاني” (الاسم الحركي لأحمد الشرع) دخل المسجد الأموي وأعلن أمام الناس ضمان حماية أرواحهم وممتلكاتهم، فهدأ الجميع، وفتحوا صدورهم للواقع الجديد.

كنت قد زرت قصر الأسد سابقا، بدعوة منه، وها أنا أعود إليه، لكن هذه المرة وجدت حراسه من الثوار، بملابسهم الرثة، يقفون على بابه ويمنعون الدخول. وحين عرفوا أنني من تركيا، طلبوا التقاط الصور معي.

غادرت القصر، وتوجهت نحو سجن صيدنايا، ذلك السجن الذي رافقتني صوره لسنوات، وأغرقتني في دوامة من الاكتئاب.

عند وصولي، رأيت مشهدا مروعا. فقد داهمه الناس فور سقوط النظام، لإطلاق سراح من تبقى من المعتقلين، فظهرت مشاهد لا تخطر على بال: أشخاص لم يروا ضوء الشمس منذ أربعين عاما، من يعتقد أن حافظ الأسد ما زال حيا، من فقدوا عقولهم من شدة التعذيب، ومعاقون لا يستطيعون المشي.

صور الناس هذه المشاهد، ووزعوها على وسائل الإعلام في أنحاء العالم. كانت روائح الجثث المحترقة تنتشر في المكان.

عندها فقط فهمنا أن آلة التعذيب في عهد الأسد كانت أكثر وحشية مما كنا نظن.

طلبت الخروج من المكان فورا، إذ شعرت بأن الاكتئاب الذي عانيته سابقا بدأ يعود إليّ من جديد.

وعلى بعد مسافة قصيرة من السجن، رأيت أشخاصا يحفرون في أرض خالية بطريقة غريبة. عندما اقتربت، تبين أن الأرض كانت مقبرة جماعية. كانت جثث المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب تلف في أكياس، وتكتب أرقام على جباههم وصدورهم، ثم تدفن هناك سرا.

هؤلاء هم أصحاب الصور التي رأيتها في قطر.

ومع سقوط النظام، بدأت تكتشف مقابر جماعية في أماكن متعددة من البلاد. لكن أكثرها رعبا كان سجن صيدنايا. فقد استمرت فيه الإعدامات حتى بعد اندلاع الثورة، وكل ذلك بأوامر من السفاح بشار الأسد.

اللقاء الأول مع أحمد الشرع

كانت الاحتفالات تعم كل أرجاء دمشق، وأكبرها جرت في الجامع الأموي. ذهبت إلى أول صلاة جمعة هناك، فوجدت نفسي بين آلاف من الناس، يهتفون، ويتعانقون، ويطلقون الزغاريد.

رجال “أحمد الشرع” كانوا يتولون تأمين المكان، والناس يلتقطون الصور معهم باستمرار. وكان بين المدنيين الكثير ممن يحملون أسلحة كلاشنيكوف، ولم يتركوا سلاحهم بعد، بحكم العادة.

كان هناك من يوزع الحلوى والتمر، وباعة جائلون ينتشرون في الساحات، والجو العام يشبه المهرجانات. أكثر ما كان يباع: أعلام سوريا القديمة، ذات النجوم الثلاثة. كبار السن والشباب يرفعونها بفرح.

كنت أشهد لحظة نادرة: فرحة شعب في أول أيام ثورته المنتصرة.

بعد ساعات، انتشر خبر مذهل: رئيس الاستخبارات التركية (MIT) إبراهيم قالن وصل إلى دمشق! في البداية لم نصدق، ثم تأكدنا من صحته.

نشرت صورة لإبراهيم قالن إلى جانب أحمد الشرع أمام الجامع الأموي، وانتشرت كالنار في الهشيم، وأحدثت صدمة في العالم.

حينها فقط، فهم الجميع من يقف خلف هذه الثورة.

وبطريقة تتناسب تماما مع سيناريو فيلم ديستوبي، تواصلت معي مصادر خاصة، وأخبرتني بمكان سيزورانه. ذهبت إلى هناك، وانتظرت ثلاث ساعات. قيل لي إنهما لن يأتيا، فقررت المغادرة. وفي اللحظة التي هممت فيها بالمغادرة، رأيت الحرس يتحركون بسرعة.

انتظرت ساعة أخرى، ثم ظهر موكب كبير. وفي السيارة السوداء، رأيت رجلا ذا لحية سوداء، يقود، وإلى جانبه كان إبراهيم قالن بنفسه. لم أصدق عيني، لكن في هذا الفيلم السوري المجنون، لم يعد هناك ما يدهش.

أوقف الموكب، ونزل إبراهيم قالن، وعرفني على أحمد الشرع، زعيم الثورة. عانقني وقال: “مرحبا بك”. سمحوا لي بطرح بعض الأسئلة، والتقاط صورتين. وبهذا، أصبحت ثاني صحفي في العالم يجري مقابلة مع زعيم الثورة بعد CNN، والأول في تركيا.

كان أحمد الشرع شابا هادئا، بملامح رزينة، لا توحي بالغرور أو العجرفة. لم تظهر عليه صدمة كونه أصبح حاكما للعاصمة السورية. وخلال الحديث، فهمت أنه هو الآخر لم يكن يتوقع أن تسقط دمشق بهذه السرعة.

وبعد أربعة أيام فقط من سقوط دمشق، التقطت صورتي مع أحمد الشرع وإبراهيم قالن، وعدت إلى تركيا. لكن هذه القصة العجيبة، التي بدت وكأنها مشهد من خيال، لم تنتهِ بعد… فالثورة لا تزال مستمرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مراسل الجزيرة نت في تركيا

الجزيرة

—————–

 عام على سقوط الأسد.. “هرمنا من أجل تلك اللحظة التاريخية”/ أنيس المهنا

الاثنين 2025/12/08

“الساعة الآن الخامسة وثمان دقائق بتوقيت دمشق، سـوريا الى الضوء”.. لحظة تاريخية جديدة، “هرمنا من أجل تلك اللحظة التاريخية”.. هكذا قال ذلك التونسي الطاعن في العمر غداة فرار الطاغية زين العابدين بن علي، وكأنه يختصر سواد السنين وانتظار الأزل. وها هي سوريا في فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025 تردد نفس الكلمات بصوتٍ سوري يكاد يختنق منذ أكثر من ستين عام تحت غبار الديكتاتور والخراب.

بشار سقط

ها هو السوري يخرج من تحت غبار المعارك الدونكوشوتية، وأنين غزة، وهو قادم من السجن الأحمر في صيدنايا أو ربما من فرع الخطيب، ذلك السوري يخربش فوق جدران الخوف.

بشار الأسد يفرّ تحت جنح الظلام، كفأرٍ يغادر سفينة تشرف على الغرق، بدون حرس جمهوري ينتشر من دوار عدنان المالكي، إلى منزل السيد الرئيس في المهاجرين. ذهب بشار وترك بعض ألبوم من صور، ووثائق العار، وبقايا عرش رميم.

 من أين يبدأ السوريون؟ وكيف يكتبون عن “العام التالي” للطاغية، وهم لا يزالون يحملون جروح “الأمس الأول” للثورة؟ البعض يتحدث عن “المعجزة”، لكن التاريخ – كما يرصد اللبناني الكندي فريد ديب في كتابه “تاريخ سوريا المعاصر” – لا تصنع المعجزات من فراغ، بل هي محصلة تراكمات، هي ثورات صغيرة وكبيرة، انتفاضات الروح حين يطفح الكيل. سقط الأسد، لأن الشعب الذي أراد أن يقتلوه، قرر أن يحيا.

لكن وأين أحمد الشرع من هذا كله؟ سؤال مشروع يحاول السوريون التقاط الإجابات عليه منذ عام مضى في الشوارع والساحات.

يسأل الناس، وهل استطاع الرجل إخراج سوريا من عتمة الاستبداد؟ لا يكفي أن تسقط التماثيل كي تولد الأوطان. الشرع جاء كجسر بين الماضي المؤلم والمستقبل المجهول. بعد عام على فرار الأسد، حاول أن يجمع السوريين على “كلمة سواء”: أن لا عودة إلى السجون، ولا إلى فروع المخابرات البغيضة.

هي الطريق طويلة، وثقل الماضي، وتركته كالثقب الأسود يبتلعان الكثير من الطاقات، والأرواح. الشرع ليس ساحراً، بل هو رجل يحاول إطفاء النار التي أوقدها الأسدان في كل بيت سوري.  والسؤال هنا، هل نجح؟ النجاح في سوريا اليوم يعني أن تمشي خطوة واحدة دون أن تنفجر تحت قدميك آلاف من ألغام الماضي. وهو يمشي.

ماذا عن المستقبل؟

لم تكن أصوات الاحتفال صاخبة فجر سوريا الجديدة، كان الصمت مُثقلاً بالأحزان “الأبدية”، لتنفجر دموع النساء بين النواح والتهليل. خرج الناس من بيوتهم بحذر، كمن يستيقظ من سبات طويل، يتلمسون الجدران ليتأكدوا أنها حقيقية.

 ليهرب جنود النظام السابقين، بعد أن خلعوا القبعات والرتب العسكرية، وحاولوا الذوبان في الحشود، وكأنهم يغسلون وجوههم من زمنٍ لم يعد لهم، غسلوا أيديهم من عارهم، ومن دم يوسف.

ماذا عن الأفق الآن؟ في الشمال الشرقي من نهر الفرات، والسويداء، والساحل؟

أما في الشمال الشرقي، المعضلة باقية: قوات سوريا الديمقراطية تحكم، وأنقاض “داعش” تتناثر كقصص جداتنا في ليالي الشتاء، وتركيا تتربص، ومخاوف من “فدرالية” قد تقسم لكنها ربما توحد.

الحل؟ يبدأ بالاعتراف بأن هذه الأرض سورية، وأهلها شركاء في الوطن الجديد، لا أتباعاً ولا أعداء.

وفي السويداء، حيث قلب أهل الجبل النابض بالكرامة، الذين ما زالوا يرفضون أن يكونوا رقماً في معادلة الطائفية، مطالبين بدولة الحق والقانون. أما الساحل، حيث جرت انتهاكات الربيع 2025 – بعد سقوط الأسد – من قبل ما سميت ميلشيات طائفية تحاول ملء الفراغ، فهناك الجرح الذي لم يندمل.

العودة مستحيلة

سوريا الجديدة اليوم كمن يخرج من غرفة تعذيب إلى ضوء النهار، لا يقدر أن يفتح عينيه الملتصقتان بقذى الاستبداد والبعث، يبحث عن طريقه بخطوات بدون هدىً، لكنه يدرك أن العودة إلى الغرفة مستحيلة.

اليوم، ولأول مرة منذ نصف قرن، يمكن للسوري أن يختار اتجاه خطوته. وهذا في حد ذاته، انتصار، بعد أن أظهرت فيديوهات الأسد ومستشارته، الإعلامية الساحرة، برغم كل ضحكاته المتعالية، على السوريين وضباطه، وعلى كفر بطنا، وحتى على أبيه.. كم بدا مهزوماً.

 ———————–

 سقوط الأسد وبداية الاختبار الأصعب: بناء الدولة/ سلام الكواكبي

الاثنين 2025/12/08

كان الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 حدثًا مفصليًا للسوريين، الذين وجدوا أنفسهم بعد سقوط نظام الأسد أمام واقع جديد لا يخلو من التعقيد. فبعد عام كامل على التغيير، بدأت مشاعر الترقب الأولى تتحول تدريجيًا إلى أسئلة قلقة، بل إلى خيبة أمل لدى شرائح واسعة من السوريين. فما جرى حتى الآن هو تغيير في رأس السلطة وبنية الحكم، لا تحررًا مكتمل الأركان. فالتحرير الحقيقي يبقى مرهونًا بما ستسفر عنه هذه المرحلة الانتقالية.

بالنسبة للسوريين، بات الوضع الاقتصادي الهمّ الأول بلا منازع. فارتفاع الأسعار، وغياب فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل جعلت الحياة اليومية أكثر قسوة مما كان يتصوره كثيرون بعد سقوط النظام. ولم تعد الشعارات الكبرى قادرة على إخفاء حقيقة أن الدولة غائبة إلى حدّ كبير، عن دورها الأساسي في توفير الحد الأدنى من العيش الكريم. وإلى جانب ذلك، ما زال الأمن والأمان مفقودين في عدد من المناطق، حيث ينتشر السلاح خارج إطار أي سلطة مركزية، وتُدار شؤون الناس بمنطق الأمر الواقع.

وقد شكّلت المذابح الوحشية التي تعرّض لها بعض أبناء الأقليات، بذريعة “أحداث جنائية” أو بحجج ملتبسة، صدمة أخلاقية وسياسية كبرى. هذه الجرائم ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل علامة سوداء في سجل السنة الأولى بعد التغيير، ومؤشر واضح على الفشل في بناء جهاز أمني موحّد وجيش وطني حقيقي. فالقوة العسكرية القائمة اليوم ليست مؤسسة واحدة ذات عقيدة وطنية، بل خليط من فصائل متنازعة على النفوذ والغنائم، وهو وضع لا يمكن أن ينتج استقرارًا ولا دولة.

إن إدارة التنوّع المجتمعي، الديني والمذهبي والقومي والسياسي، تبقى المقياس الأكثر حساسية لنجاح أي مرحلة انتقالية. فالدولة التي تفشل في حماية تنوّعها محكومة بتكرار العنف بشكل أو بآخر. وإذا كان النظام القائم اليوم يطمح فعلًا إلى تأسيس مرحلة جديدة، فإن حسن إدارة هذا التنوع هو الشرط الأول لفتح الطريق نحو ديمقراطية مستقبلية، حتى لو ظلّ مفهوم الديمقراطية نفسه يثير حرجًا أو خوفًا لدى أصحاب السلطة، وكأنه مصطلح محرَّم أو تهمة جاهزة.

وتبرز هنا مسألة العدالة الانتقالية بوصفها عقدة مركزية لم تُحل بعد. فلا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية من دون مساءلة عادلة وشفافة، لا تقوم على الانتقام ولا على النسيان القسري. السوريون لا ينتظرون محاكم استعراضية، لكنهم لا يقبلون أيضًا بطَيّ صفحة مليئة بالدماء وكأن شيئًا لم يكن. العدالة، ولو المتدرجة، شرط أساسي لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

في هذا السياق، يثير اعتماد السلطة الجديدة المفرط على استرضاء الخارج أكثر مما ينبغي قلقًا مشروعًا. الدعم الدولي مهم، ولا يمكن تجاهله في بلد مدمّر مثل سوريا، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن التوافق الوطني الداخلي. فالحوار الوطني لم ينطلق بعد بشكل جدي، والمؤسسات الحكومية تدار من قبل قوى، ربما تمتلك شرعية ثورية ظرفية، لكنها تفتقر حتى الآن إلى شرعية سياسية وديمقراطية حقيقية. هذه الشرعية لا تُمنح، بل تُكتسب عبر انتخابات حرّة ونزيهة، وعبر فتح المجال أمام الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام المستقل.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الاندفاع نحو سياسات ليبرالية سريعة وغير مدروسة يحمل أخطاراً جسيمة. سوريا الخارجة من حرب مدمّرة، خلّفت ملايين اللاجئين والنازحين، لا يمكن أن تُبنى بمنطق الصدمة الاقتصادية. الأولوية ليست ناطحات السحاب، ولا المشاريع السياحية الضخمة، بل البنية التحتية، وتعزيز دور الدولة في تقديم خدمات الصحة والتعليم، وتأمين حد أدنى من الدعم للسلع الأساسية. وهذا لا يعني حتما العودة إلى نموذج “الاشتراكية” المزيّفة التي طبّقها نظام الأسد، والتي لم تكن سوى غطاء لنهب الدولة وتحالف الفساد بين أجهزة الأمن ورأس المال العائلي والعصبوي.

ولا بدّ هنا من التوقف عند مسألة الاستثمار الأجنبي، التي يجري الترويج لها اليوم بوصفها طوق النجاة للاقتصاد السوري. فالحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها هي أن جذب الاستثمارات الخارجية لا يعتمد، أولًا ولا أخيرًا، على علاقات دولية جيدة، ولا على وزارة خارجية “نشِطة”، ولا على جولات دبلوماسية مصوّرة. العامل الحاسم هو شيء أبسط وأعمق في آن واحد، وهو يستند إلى إحلال دولة القانون مكان دولة المحسوبيات والفساد التي حكمت سوريا منذ عام 1970. فالمستثمر، أيًّا كان، لا يغامر بأمواله في بيئة يغيب فيها القضاء المستقل، وتضيع فيها القوانين، ويتحوّل فيها الفساد إلى نظام متكامل.

إن تفكيك هذا الفساد البنيوي لا يمكن أن يتم بقرار فوقي أو بمرسوم فجائي، كما كان يحدث سابقًا تحت شعارات جوفاء من نوع “من أين لك هذا؟”، والتي لم تكن في جوهرها سوى أداة تصفية حسابات داخل النظام نفسه. القضاء على الفساد مسار طويل، يبدأ بالتربية، ويمر عبر المدرسة والجامعة، ويُستكمل بدور فاعل للمجتمع المدني، وبمنظومات رقابة مستقلة، إعلامية وقضائية وبرلمانية.

كما أن الركيزة الأساسية لأي دولة قانون حقيقية هي التشريع الديمقراطي. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مجلس شعب منتخب تمثيليًا من جميع السوريين، يمتلك الشرعية الكاملة لمراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، وليس مجرد واجهة سياسية. ويمكن لهذا التشريع أن يأخذ شكلًا مركزيًا منظمًا، أو صيغة لامركزية أو فدرالية، حيث يكون في كل محافظة أو منطقة برلمانيون محليون إلى جانب برلمانيين وطنيين، يشرّعون معًا لدولة سورية جديدة، تعترف بتعددها وتحميه بدستور وقوانين لا بأهواء أشخاص.

خلاصة القول، إن ما حدث في سوريا هو تغيير سياسي كبير، لكنه لم يبلغ بعد مستوى التحرير الذي ينشده السوريون. التحرير الحقيقي هو بناء دولة قانون، وأمن، وعدالة، وتنوّع مُدار بعقلانية، واقتصاد يخدم الإنسان لا يستنزفه. وتحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. والطريق إلى ذلك ما زال طويلًا، لكنه يبدأ، بلا مواربة، بالاعتراف بأن النجاح ليس مضمونًا، وأن تصحيح المسار اليوم أقل كلفة بكثير من دفع ثمن الفشل غدًا

—————————–

 في ذكرى سقوط الأسد.. الأزمات المُتوارَثة مزمنة/ مالك ونوس

الاثنين 2025/12/08

بعد مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد، وهروبه خارج البلاد، تبرز التحديات التي تواجه السلطة الجديدة، ومنها الأزمات القديمة المتجددة التي عانى منها الشعب السوري على مدى أكثر من نصف قرن، ولم تجِد طريقها للحل بعد لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعتها التي تجعل منها متجذرة، من جهة، وبتلكؤ السلطة الجديدة في التصدي لطرق حلها، من جهة أخرى.

ومن المعروف أن حافظ الأسد لم يورّث ابنه، الدكتاتور المخلوع بشار الأسد، الحكم في سوريا فحسب؛ بل أورثه أزماتٍ كثيرة، امتنع بشار بدوره عن حلها فبقيت البلاد تعاني تبعاتها طوال فترة حكمه، واستمرت هذه الأزمات والتبعات بعد هروبه. ولأن العقوبات الاقتصادية والمالية الدولية التي فُرضت على سوريا بسبب جرائمه بحق الشعب السوري، لم تُرفع بعد رحيله، تواصلت معاناة الشعب بسببها. لذلك، استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية وأيضاً الاجتماعية التي تمظهرت إحداها في احتقان طائفي، أدى إلى استهداف طائفي دموي في الساحل، في 6 آذار/مارس الماضي، راح ضحيته الآلاف، وسبّب جرحاً في الضمير السوري قد لا يندمل لفترة طويلة. ثم ازداد الجرح عمقاً عندما تكرر الأمر، نهاية نيسان/أبريل الماضي، في الصراع الذي كان الدروز في دمشق والسويداء ضحيته.

توفرت خلال عهد الأسد جميع العوامل المساهمة في تصنيف سوريا دولة فاشلة، من احتلال جيوش أجنبية أجزاءً من أراضيها، وانتهاك الإسرائيليين الدائم لحدودها وأجوائها وضرب مناطق فيها، وتمرد أجزاء أخرى وخروجها عن سيطرة الدولة، ووجود قواعد عسكرية أجنبية غير شرعية على أراضيها، علاوة على عزلتها عن المجتمع الدولي وانهيار اقتصادها وعملتها، وصولاً إلى حد إفلاسها واعتماد النظام على تجارة المخدرات والخوات للإيفاء بالالتزامات الداخلية. كما انتشر الفساد الذي مَأسسه الأسد، وساعده على ذلك انهيار منظومة الأخلاق بسبب التأزم الاجتماعي.

وقد تسبب الانهيار الاجتماعي بهشاشة السلم الأهلي في سوريا، وقابلية التفجر الطائفي والمناطقي في أي لحظة، على الرغم من مرور سنة على رحيل بشار الذي حرص على بث روح التفرقة والطائفية في نفوس السوريين، لكي يثبِّت حكمه على ضعفهم، عبر توظيفه الطائفية سلاحاً مضّاءً وذو تأثير أثبت فاعليته لدى أنظمة دكتاتورية مثل نظامه. وفي هذا الإطار، تظهر نتائج رفض ترسيخ فكرة المواطنة وسيادة الرأي الواحد، ما أدى إلى منع توليد الأفكار الحداثوية والوطنية، فتُرِك الباب مشرعاً للتجهيل ونشر الخطاب ما قبل الدولاتي، وبروز الطائفية التي أدت إلى استسهال تخوين فئات من أبناء الشعب وتكفيرها من أجل الانقضاض عليها.

وإذ كان هذا الأمر يُعدّ انعكاساً لفشلٍ استمر على مدى قرن من عمر الدولة السورية في تأسيس دولة طبيعية تُحقِّق مبدأ المواطنة، فإنه رسّخ منظومة الاستبداد والفكر الاستبدادي. لذلك لم يكن يظهر الخطاب والنزوع الطائفي في المجتمع السوري، على المستوى الشعبي علناً، بسبب مانع واحد هو القمع. وإذا لم يتم التخلّص من الفكر الاستبدادي ومنظومته بفرض القانون والممارسة الديمقراطية، ستستمر الخطورة في استمرار الفكر الطائفي، ومن ثم تحول هذا الفكر إلى ممارسة تؤدي إلى صراع وجودي عندما يتبنى رموز السلطة هذه الممارسة ويكرسونها عبر تبنى أشكالها. ومن هذه الأشكال إدارة الصراعات بعقلية الفزعة، بدلاً من إدارتها وفق عقلية دولة القانون، وتلك هي الورطة التي إن وقعت أي سلطة فيها، تكون قد دخلت طور التأزم.

انحصر دور بشار في إدارة الأزمات الجديدة والمدوَّرة من عهد والده، لأنه كان يفضل إنكارها بدلاً من معالجتها؛ إذ إن معالجةً من هذا القبيل تتطلب التشاركية، وهو ما كان يرفضه. وبعد سقوط بشار، افترض كثيرون إشراك الشعب وقواه السياسية والاجتماعية جميعاً في إدارة البلاد، لأن حل الأزمات المتوارثة يشكل حملاً ثقيلاً، لا يمكن لأي فريق سياسي تحمُّله وحده، كونه يتطلب جهد الجميع وخبراتهم وتوافقهم على مسار سياسي موحد يعترف بالمشكلات والأزمات جميعاً قبل أن يشرع في البحث عن حلول لها، أما هذا فلم يحصل حتى الآن.

ساد الأمل لدى كثيرين من إمكانية إعادة السياسة للمجتمع السوري، من أجل استغلال الحماس الشعبي الذي ظهر بعد سقوط النظام، والاستفادة من الدماء التي عادت إلى عروق المجتمع في أبهى مثال للتعاون بين السلطة وهذا المجتمع، للبحث في سبل إدارة البلاد عبر الكفاءات المحلية أو المهاجرة، والتي قمع النظام السابق المبادرات التي تعكس إمكاناتها، وتفرد بالقرار رافضاً أي دور أو رأي لها فيه. لذلك حين استفاق الشعب السوري من سكرة الفرح بسقوط النظام، اكتشف العدد الكبير من الأزمات التي تنتظره، واكتشف أن حل بعضها وترك الأخرى من دون حل يدخله في حلقة مفرغة بسبب ترابط هذه الأزمات ببعضها، وسيستمر بالدوران فيها إلى أن تخور قواه وتبقى هي ماثلة أمامه، وربما أمام أبنائه في السنوات المقبلة.

لذلك، لا يمكن الكلام عن سيادة من دون حل موضوع الاحتلال والتوصل لطريقة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، أو المشكلات التي لم يجرِ التوافق حولها مع المناطق الخارجة عن السيطرة لمنع تقسيم البلاد، علاوة على الاتفاق حول القواعد الأجنبية. كما لا يمكن حل مشكله اللاجئين والنازحين، وإبقاء مشكلة المغيبين. ولا يمكن القول إن ثمة حرية للرأي في البلاد، من دون تبني الشفافية في التعاطي العام. كما لا يمكن الحد من تصاعد النزعة الطائفية، من دون مشروع مصالحة وطنية للقضاء عليها وعلى آثارها وتبعاتها على المجتمع. ولا يمكن البت في قضية الانتهاكات في الساحل، أو أي انتهاكات أخرى، من دون تعزيز حقوق الانسان، ومن دون اعتماد العدالة الانتقالية، لإنصاف الضحايا وفرز المرتكبين عن الأبرياء، وكشف مصير المغيبين. من هنا سيكون من الصعب رفع العقوبات الأميركية والدولية إلا بعد حل المشكلات وتحقيق كثير من الشروط، وهنالك شروط لا يمكن تحقيقها في ظل هذه العقوبات.

إن لم يتم البدء الجدي باعتماد دستور عصري جديد وإصلاح إداري يمنع الفساد، ويوفر البيئة المناسبة للاستثمارات المطلوبة للنهوض الاقتصادي وإعادة البناء، وتوظيف طاقات الجميع في هذا المسعى، ستبقى الأزمات مزمنةً. وبينما أودى عدم تفرغ السلطة الجديدة لحلها لانسدادٍ في البلاد، لذلك قد تستمر لسنوات عاجزة عن حلها. ويبقى الخوف أنه وكما ورثت السلطة الحالية الأزمات عن سابقتها، أن تورِّثها إلى سلطة مقبلة تهيل عليها الرمل للهروب منها، فيصبح بروزها على السطح خلال مصادفةٍ ما عاملاً مفجّراً.

المدن

————————————

 سوريا عسكرياً وأمنياً بعد الأسد: مرحلة تشريح..لا بناء/ مهيب الرفاعي

الاثنين 2025/12/08

يمثّل العام الفاصل بين سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ونهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025، المرحلة الأكثر تعقيداً في تاريخ الدولة السورية الحديث، ليس فقط لأنها سنة انتقال سياسي غير مسبوق؛ بل لأنها كشفت لأول مرة حجم التشظي البنيوي الذي أصاب الجسد العسكري والأمني خلال سنوات الحرب الطويلة. إذ بدا واضحاً أن الدولة الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، ورثت فضاءً مسلحاً متعدد الطبقات، يتجاوز بكثير قدرة أي سلطة انتقالية على إعادة هندسته بسرعة، ويكشف عن بنية أمنية متراكبة تحوّلت فيها القوة المسلحة من احتكار الدولة إلى شبكة اقتصادات محلية وعابرة للحدود. ولذلك يُمكن قراءة هذا العام بوصفه عام التشريح الذي تظهر فيه البنى كما هي، لا كما يفترض أن تكون، بحكم وجود عدة تحديات، وتنكشف فيه العلاقات بين القوى العسكرية والأمنية والمجتمعات المحلية والدول المجاورة قبل أن تبدأ عملية إعادة البناء الفعلية.

شكّلت الضربات الإسرائيلية في كانون الأول/ديسمبر 2024، لحظة الانهيار الأكبر للقدرة العسكرية للدولة السورية منذ الأيام الأولى للحرب، ليس فقط لأنها دمّرت ما تبقى من شبكة الدفاع الجوي والمنصات البحرية وبنى القيادة والسيطرة، بل لأنها أنهت بصورة نهائية الوهم بأن جيشاً مركزياً لا يزال قائماً بعد سقوط نظام الأسد. لقد تجاوزت إسرائيل منطق الضربات العقابية إلى هندسة فراغ بنيوي كامل في الجنوب السوري، إذ نزعت من الجيش الجديد مقومات الحركة والمراقبة والردع، وحوّلت الجغرافيا الممتدة من القنيطرة إلى بيت جن ووادي اليرموك إلى مختبر أمني مُدار بعناية، تتحكم فيه عبر الاغتيالات الدقيقة، والتوغلات المحدودة، والسيادة الجوية بالطائرات المسيّرة، وشبكات المخبرين المحليين التي تتيح لها إعادة تشكيل ميزان القوى داخل كل قرية وحاجز ومسار تهريب.

وفي هذا المشهد ما بعد الأسد، لا تسعى إسرائيل إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى ضبط السلوك الأمني في المنطقة بما يتناسب مع عقليتها الأمنية والدينية؛ فهي تريد منع تبلور أي قوة مسلحة قادرة على تشكيل تهديد حدودي، وإعاقة أي محاولة للحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء كتلة عسكرية صلبة في الجنوب، وفرض نمط أمني قابل للتنبؤ من خلال الضغط العسكري، والغارات التكتيكية، واستثمار التشققات الطائفية، بحيث يبقى الجنوب كثيف التجزؤ إلى درجة تمنع تشكّل تهديد عسكري موحد. وبذلك، تحوّل التدخل الإسرائيلي من رد فعل عسكري إلى سياسة هندسة أمنية عميقة، تستهدف إعادة تعريف شروط القوة وحدود السيادة السورية في الجنوب لسنوات مقبلة.

تفكك الجسد العسكري

أظهر عامٌ كامل أن سقوط النظام السابق لم يفضِ إلى انتقال تلقائي للقوة المسلحة نحو مركز سياسي-عسكري جديد، بل سمح بانكشاف طبقات متوازية من التشكيلات العسكرية التي كانت تتعايش سابقاً تحت غطاء مؤسسة واحدة اسماً (الجيش العربي السوري)، لكنها عملياً كانت تعمل وفق منطق الولاءات المناطقية والطائفية والتمويلية. فقد تكشف أن الجيش الذي استلمته الحكومة الجديدة ليس مؤسسة موحدة قابلة لإعادة الهيكلة ببساطة، بل جماعات تضم وحدات مركزية كانت لا تزال تمتلك حداً معقولاً من الخبرة والانضباط، وتشكيلات شبه نظامية نشأت خلال الحرب وتحولت لاحقاً إلى قوى محلية تمتلك نفوذاً عسكرياً واقتصادياً، إضافة إلى هامش واسع من الجماعات المسلحة غير المنضبطة التي تتغذى على شبكات التهريب والمصالح المحلية والتحالفات العابرة للحدود.

في هذا المشهد، بدت محاولة الحكومة الجديدة لإعادة بناء الجيش كمؤسسة وطنية عملية أشبه بتعبئة فراغ هائل لا يمكن ملؤه سريعاً، وأصبح من الواجب لململة الغرف العسكرية ضمن بنية واحدة لسد الفراغ العسكري والأمني بعد هروب عناصر جيش الأسد وتركهم القطع العسكرية فارغة. وبالتالي صارت كل خطوة لإعادة الانتشار أو لنزع سلاح فصيل ما، بمثابة تفاوض بين مراكز قوى محلية وقادة عسكريين سابقين وشيوخ عشائر وجهات خارجية. ولذلك تشكّل هيكل عسكري متعدد الدوائر فيه نواة مركزية تحاول الدولة تعزيزها لتأمين العاصمة والمقار السيادية؛ وحزام واسع من الوحدات المحلية التي أُعطيت غطاءً قانونياً مؤقتاً على أمل دمجها تدريجياً؛ وهامش فوضوي يتحرك خارج أي ضبط مؤسسي ويعيد إنتاج نفسه وفق منطق الربح والخسارة والهشاشة الأمنية في الأطراف.

هذا التفكك البنيوي خلق معضلة مركزية، إذ لا يمكن للحكومة أن تُطلق عملية دمج أو إعادة هيكلة قبل فهم شبكة المصالح والولاءات التي تحكم انتشار السلاح، ولا يمكنها تحقيق استقرار فعلي دون قدر من السيطرة على السلاح الثقيل والمتوسط، وهو ما جعل العام 2025 عاماً يوازن فيه النظام الجديد بين الرغبة في استعادة هيبة الدولة والخشية من إشعال خطوط نزاع جديدة مع القوى المحلية المسلحة.

في الأسابيع الثلاثة التي تلت سقوط النظام، بين 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024 و10 كانون الثاني/ يناير 2025 تقريباً، تَعرّضت منظومة السلاح السورية لتدمير واسع من قبل إسرائيل عبر تنفيذ حوالي 50 غارة ضد أهداف عسكرية سورية بهدف مع استخدمها من قبل الإدارة الجديدة؛ إذ تشير تقديرات إلى أن ما يقارب الـ60 في المئة من مخازن الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في الألوية المنتشرة خارج دمشق وحمص وحماة، خرجت عن السيطرة المباشرة للدولة خلال الشهر الأول، وأن جميع  وحدات المدفعية الميدانية ووحدات سلاح الجو الحربية في الجنوب والشمال تدمرت، أو تشرذمت بين فصائل وأبناء المناطق القريبة أو تم بيعها في سوق السلاح العابر للحدود الممتد نحو لبنان والأردن والعراق.

تحرك لإنقاذ ما تبقى

بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 2025، حاولت الحكومة الجديدة أن تتحرك بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فبدأت في شباط/ فبراير 2025، بإعادة هيكلة المنظومات الدفاعية كجسم مركزي يتولى جرد المخازن وإعادة توزيع الألوية، تزامناً مع إطلاق عفو سلاح يمنح الجماعات المحلية مهلة شهرين لتسليم الأسلحة الثقيلة مقابل تعويضات مالية وتسهيلات قانونية، وقد أظهرت بيانات الهيئة في تقريرها الأول في نهاية آذار 2025 أن الدولة تمكنت من استعادة السيطرة على نحو 45 في المئة من الأسلحة التي تم نهبها خلال الأيام الأولى للتحرير، واستعادت منصات المدفعية وقرابة 55 في المئة من مستودعات الذخيرة الثقيلة في الوسط والساحل، بينما بقيت مناطق الجنوب والشمال الشرقي الأكثر تعقيداً، حيث لم تتجاوز نسبة الاستعادة المباشرة هناك 20 إلى 25 في المئة من القدرات السابقة.

من نيسان/ أبريل إلى آب/ أغسطس 2025، تحوّلت جبهة السلاح إلى سباق مع الزمن؛ إذ بدأت عمليات ميدانية محدودة لإعادة تأهيل مواقع دفاع جوي في ريف حمص الغربي، واستعادة بعض بطاريات “سام” التي كانت في طور التعطيل أو البيع في السوق السوداء، مع دمج وحدات من الجيش السابق في ثلاث قيادات إقليمية جديدة هي قيادة شمالية وقيادة وسطى وقيادة جنوبية، بحيث جرى اعتبار أن أي سلاح ثقيل خارج هذه القيادات هو سلاح خارج الشرعية. في تقرير آب/أغسطس 2025 الذي تسرّبت بعض أرقامه إلى الإعلام، أشير إلى أن الحكومة أعادت هيكلة ما يقارب 55 كتيبة مدفعية ودرع ودمجها في الجيش الجديد، مقابل حلّ أو تجميد 30 كتيبة وتشكيل قديم كان يشكل واجهات لاقتصاد سلاح موازٍ.

تبعت مؤتمر الفصائل الذي ترأسه أحمد الشرع، في كانون الثاني/يناير 2025، عمليات دمج الفصائل ضمن جسد عسكري واحد يضمن فاعلية أكثر على مستوى التنسيق والتسليح والتمويل وما شابه. بهذا، شهدت سوريا منذ كانون الأول 2024، أكبر عملية لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، بدأت بترقية وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس الأركان علي نور الدين النعسان إلى رتبة لواء، إضافة إلى ترقية خمسة ضباط إلى رتبة عميد واثنين وأربعين ضابطاً إلى رتبة عقيد، في خطوة أسست لجيش جديد قائم على دمج فصائل الجيش الوطني والفصائل الثورية في عشرين فرقة عسكرية. وزِّعت هذه الفرق وفق الجغرافيا الميدانية وبقوام تقديري يبلغ نحو اثني عشر ألف مقاتل لكل فرقة، لتشكّل في مجموعها نحو 240 ألف مقاتل ضمن الهيكل الجديد، وتتولى لجنة إعادة الهيكلة الإشراف على عملية الدمج وضبط الألوية.

توزيع الفرق العسكرية

توزعت الفرق بحيث تكون فرقة دمشق بقيادة العميد عمر جفتشي، والفرقة الثانية في الكسوة بجنوب دمشق من قوام الجبهة الوطنية للتحرير، والفرقة 76 في حلب بقيادة العميد سيف الدين بولاد، وفرقة إدلب بقيادة محمد غريب (أبو أسد الحوراني)، والفرقة 52 المؤقتة في حمص بقيادة العميد هيثم العلي، والفرقة 70 في ريف دمشق قيد التشكيل بقيادات من الجيش الوطني، والفرقة 103 في حمص بقيادة العلي أيضاً، والفرقة 60 في حلب بقيادة صالح عموري، والفرقة 62 في حماة بقيادة العميد محمد جاسم، والفرقة 74 في حماة بقيادة العميد جميل الصالح، والفرقة 25 في طور التشكيل، والفرقة 40 في درعا بقيادة بنيان الحريري، والفرقة 66 في دير الزور بقيادة العميد أحمد المحمد، والفرقتان 72 و80 في حلب بقيادات جديدة من فصائل الجيش الوطني، والفرقة 86 في الحسكة والرقة ودير الزور بقيادة أحمد الهايس، والفرقة 42 والفرقة 118 في تدمر وشرق حمص بقيادة رائد عرب وإسماعيل العمر، والفرقة 50 التي نفذت تدريبات خاصة في أيار/مايو 2025، والفرقة 56 في طرطوس وما تزال قيد التشكيل.

إلا أنه على الرغم من سير العملية بانسيابية وبدون منغصات أمنية وعسكرية ونزاعات شخصية على المناصب، ولا سيما بين القادة الأوائل في معركة ردع العدوان، تواجه عملية الدمج تحديات حادة على المستويات العقائدية بسبب التباين الفكري بين الفصائل، والسياسية المتعلقة بتحديد حدود العلاقة المدنية والعسكرية والاقتصادية، نظراً لضخامة الكلفة التشغيلية التي تصل إلى مليار ونصف دولار شهرياً، إضافة إلى التحدي القانوني المرتبط بوضع منظومة محاسبة واضحة. كما تبقى معضلة 150 ألف جندي وضابط سُرّحوا بعد حل الجيش السابق واحدة من أخطر الملفات، إذ قد يؤدي تركهم دون دمج أو برامج استيعاب إلى انجرافهم نحو ميليشيات متنافسة مثل “قسد” أو فلول النظام في السويداء والساحل، ما يجعل مسار الهيكلة رهيناً بقدرة الحكومة على تحويل هذا الكم الهائل من القوى العسكرية المتنوعة إلى جيش موحّد ذي عقيدة واضحة ومركزية ضابطة.

ملف المقاتلين الأجانب

يبرز التحدي الأكبر في مسار هيكلة الجيش السوري الجديد في ملف المقاتلين الأجانب، ولا سيما المجموعات الفرنسية والأوزبكية والشيشانية التي ترسخت داخل الشمال السوري خلال سنوات الثورة وشكّلت شبكات قتال مغلقة تمتلك عقيدة مختلفة تماماً عن العقيدة العسكرية الوطنية. فهذه الفصائل العابرة للحدود لا ترتبط بحواضن محلية، ولا تخضع لسلطة اجتماعية سورية يمكن أن تضبط سلوكها، كما أنّها طوّرت اقتصاداً خاصاً بها، وأنماط تجنيد وتدريب لا تنسجم مع أي بنية جيش نظامي. ويكمن الخطر في أن هذه المجموعات ترى نفسها جزءاً من مشروع جهادي عالمي، ما يجعل دمجها شبه مستحيل، وتسريحها دون معالجة أمنية وقانونية دقيقة أمراً قد يفتح الباب أمام إعادة تموضعها في جيوب قتالية غير خاضعة للدولة أو بيع خبراتها وشبكاتها لقوى خارجية. أما التحدي الأشد حساسية فيتمثل في الملف الفرنسي تحديداً، لا سيما بعد أزمة مخيم الفرنسيين الذي يتزعمه عمر ديابي، والإشكال الأمني الذي حصل في المخيم، إذ يرتبط سياسياً ودبلوماسياً بعواصم أوروبية تراقب مصير مواطنيها المقاتلين، بينما يحتفظ الأوزبكيون ببنية عقائدية مغلقة وولاءات تتجاوز الجغرافيا السورية. لذلك يصبح هذا الملف نقطة الاختبار الأخطر أمام الحكومة الجديدة، لأن أي مقاربة خاطئة قد تؤدي إلى انفجارات أمنية داخل مناطق الدمج، أو إلى خلق جزر صلبة من المقاتلين الأجانب يصعب تفكيكها لاحقاً، مما يهدد مسار الهيكلة برمّته.

خريطة التسليح واحتكار السلاح

على المستوى التسليحي، عاشت سوريا خلال هذه الفترة حالة فريدة من إعادة توزيع السلاح بدل نزعه، حيث بدا واضحاً أن السلاح الذي تراكم خلال 14 عاماً من التسليح   والاستقطاب العسكري والحرب، لم يعد مجرد أدوات قتال، بل تحول إلى رصيد سياسي واقتصادي واجتماعي، يضمن بقاء جماعات محلية ويحمي مصالحها ويحدد موقعها التفاوضي داخل المشهد الجديد. ولهذا فشلت كل مقاربة تقوم على فكرة استلام السلاح مقابل الاندماج لأن المجموعات المسلحة لم تعد ترى في السلاح عبئاً، بل رأس مال يصعب الاستغناء عنه.

كان على القيادة الجديدة التعامل مع ثلاث حقائق كبرى، وهي أن السلاح منتشر في كل مكان، من مخازن كانت تُدار لصالح النظام السابق، إلى مستودعات فصائل المعارضة، إلى بيوت أفراد وشبكات تهريب متجذرة في الجنوب والشمال والشرق؛ وأن تجارة السلاح صارت اقتصاداً قائماً بذاته، يضم تجاراً ووسطاء وضباط ارتباط محليين، ما جعل ملف نزع السلاح مرتبطاً بالاقتصاد أكثر من ارتباطه بالأمن؛ وأن السلاح بالنسبة للمجتمعات المحلية، خصوصاً في الأطراف، لم يعد أداة ردع عدوان فحسب بل ضمانة وجود، وشرطاً للحماية في بيئة لا تزال الدولة فيها غير قادرة على توفير الأمن الكامل.

هذه الحقائق جعلت الدولة الجديدة تعتمد نمط تسويات هجين، يتراوح بين تسجيل السلاح بدل مصادرته، إنشاء مخازن مشتركة تديرها لجان أمنية محلية، أو قبول وجود السلاح الفردي مقابل حصر السلاح المتوسط والثقيل بيد القوات المركزية. ورغم نجاح هذه المقاربة نسبياً في المدن الكبرى، إلا أنها بقيت عاجزة عن فرض نفسها في الريف الجنوبي والشرقي حيث بقي السلاح والتهريب جزءاً من بنية الحياة اليومية، ومصدراً لاستمرار الفاعلين المحليين.

نفذت الدولة عدة عمليات في مسار احتكار السلاح والعنف في البلاد، إذ تحوّل السلاح في سوريا بعد سقوط النظام إلى سوق سوداء واسعة تتحكم فيها الميليشيات والوسطاء المحليون، بحيث أصبحت القوة موزعة على شبكات مجزأة تتصرف كسلطات ظل، تمارس حماية مشروطة وتستخلص الموارد خارج أي إطار قانوني أو وطني. هذا التفكك ألغى احتكار الدولة للعنف، وحوّل السلاح إلى سلعة تحكمها منطق الربح والمصلحة الخاصة، لا متطلبات الأمن العام. وفي ظل غياب الضوابط، حلّت قواعد العصابات محل القانون، وباتت حماية المجتمع تجارة قائمة على استمرار الفوضى.

في المقابل، يُظهر النموذج الديمقراطي معنى احتكار العنف بوصفه حقاً مشروعاً مرتبطاً بالعقد الاجتماعي، حيث تحتكر مؤسسات الدولة وحدها استخدام القوة تحت رقابة دستورية وتشريعية صارمة، وتُمنع أي جهة أخرى من حيازة السلاح أو تشغيله خارج هذا الإطار. ومن هنا يصبح التحدي المركزي للدولة السورية الجديدة هو استعادة الاحتكار الشرعي للسلاح، ليس باعتباره أداة للهيمنة، بل كشرط لبناء دولة حديثة قادرة على ضبط الفضاء الأمني، إنهاء اقتصاد العنف، وتفكيك السلطات الموازية التي كرّستها الحرب. هذا الاحتكار ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة بنيويّة لإغلاق السوق السوداء، دمج أو تفكيك المجموعات المسلحة، وإعادة تعريف العنف باعتباره وظيفة قانونية للدولة وحدها، وليس مورداً للميليشيات أو مساراً للقوة خارج الشرعية.

الأجهزة الأمنية وتنافس مراكز إنتاج المعلومة

على صعيد آخر، لم تكن المشكلة الأمنية خلال هذا العام مجرد وجود جماعات مسلحة تتعاون مع حزب الله أو الفصائل الفلسطينية أو إيران، أو خلايا داعش نائمة، بل في تعدد الجهات التي تعتبر نفسها صاحبة حق في إنتاج التعريف الأمني من خلال من هو المهدد؟ ومن يملك شرعية التدخل؟ وما هي حدود القوة المسموح باستخدامها؟ ورثت الحكومة الحالية جهازين كبيرين من النظام السابق هما أمن الدولة والاستخبارات العسكرية،  وكليهما يحمل تاريخاً طويلاً من الانتهاكات بحق السوريين، إضافة إلى بنية بيروقراطية غير قابلة للإصلاح السريع. وفي المقابل ظهرت أجهزة جديدة، محلية أو حكومية (الأمن العام وجهاز الاستخبارات)، تحاول أن تبني شرعيتها على قطيعة مع الماضي لكنها تعمل في بيئة مضطربة مليئة بالميليشيات وشبكات التجسس الدولية وشبكات المعلومات.

في هذا السياق، أصبح اقتصاد المعلومة الأمنية هو العملة الأكثر تداولاً، حيث ظهرت شبكات من المخبرين والوجهاء والوسطاء الذين يقدمون معلومات لأجهزة متعددة، وأحياناً لجهات خارجية، ويستخدمون هذه المعلومات لتصفية حسابات محلية أو تعزيز نفوذ سياسي أو أمني. وأدى ذلك إلى خلق بيئة أمنية متداخلة تتنافس فيها أجهزة الدولة المركزية مع الأجهزة الموازية التابعة لفصائل محلية، ومع شبكات مرتبطة بإسرائيل أو إيران أو أطراف عربية، بحيث لا تُبنى القرارات الأمنية على معلومات موحدة، بل على روايات متصارعة.

وهذا التعدد جعل الأمن مسألة تفاوض أكثر مما هو إجراء تقني، وولّد حالة عدم يقين دائم في الأطراف، حيث تواصلت الاغتيالات والانفجارات مجهولة المصدر، راح ضحيتها قادة مثل علاء الدين أيوب (الفاروق) في حلب في آب/أغسطس 2025، وانفجارات مثل حادثة حي المزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، فيما بقيت المدن الكبرى أكثر استقراراً بفضل انتشار الشرطة بدل الميليشيات، لكن مع بقاء القلق الشعبي تجاه أي مظهر من مظاهر عودة القبضة الأمنية.

تمثّل مشاركة الحكومة السورية الجديدة في التحالف الدولي ضد الإرهاب بالرقم 90، نقطة تحوّل في إعادة تعريف علاقتها بالفصائل الإسلامية المسلحة وإعادة بناء مفهوم احتكار العنف. فقد تُرجمت هذه الالتزامات إلى حملات أمنية محلية متصاعدة، مثل عمليات في كناكر التابعة لريف دمشق، في أيلول وكانون الأول 2025، التي استهدفت الشبكات الإسلامية المتجذّرة والفاعلين الهجينين. وتكشف هذه العمليات عن سعي الدولة إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية عبر تفكيك اقتصاد السلاح غير الرسمي، وضبط الحدود، ونقل العنف المنظم من يد الميليشيات إلى مؤسسات الدولة. غير أن هذا المسار يظل معقداً، إذ تُظهر كل عملية حجم التشابكات الاجتماعية والاستخباراتية التي تراكمت خلال سنوات الفوضى، مقابل جهاز أمني لا يزال في طور إعادة التشكيل. ومع ذلك، يمثّل هذا النهج الأمني الحازم خطوة أولى لاستعادة احتكار العنف الشرعي وبناء مؤسسة أمنية قادرة على تلبية الالتزامات الدولية وإدارة المشهد المتشظي لما بعد سقوط النظام.

الجنوب السوري كحقل اختبار

شكّل الجنوب السوري، مساحة اختبار حقيقية لتحوّل قواعد الاشتباك بعد سقوط نظام الأسد. فإسرائيل التي كانت تعتمد لعقد كامل على ضربات جوية منتظمة ودقيقة لا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقلت بعد 2024 إلى نمط عملياتي أكثر جرأة، تضمن عمليات توغل برية وإنزالات جوية داخل الأراضي السورية، واستهداف قيادات محلية أو مستودعات سلاح واعتقال سوريين عبر عمليات خاصة مباشرة مثل عملية بيت جن، إضافة إلى استخدام مكثف للطائرات المسيّرة وشبكات التجسس المحلية لضرب مقرات قيادية مثل مقر هيئة الأركان في ساحة الأمويين. هذا التحول لم يكن تعبيراً عن رغبة إسرائيل في التصعيد فقط، بل انعكاساً لضعف السيطرة المركزية السورية، وتنافس الفاعلين المحليين، وتضخم شبكات تهريب السلاح التي تصل بين الجنوب والسويداء والبادية.

بالنسبة للحكومة الجديدة، شكّل الجنوب معضلة مزدوجة؛  فمن جهة يجب إثبات أن الدولة قادرة على حماية حدودها ومنع اختراقها، ومن جهة أخرى لا تستطيع الدخول في مواجهة مفتوحة لا تمتلك لها مقومات الردع أو الدعم الدولي. ولذلك اتجهت إلى بناء منظومة ردع ناقص تعتمد على تفاهمات محلية مع القوى المجتمعية والعسكرية، وعلى نشر وحدات نظامية صغيرة رمزية أكثر مما هي قوية، مع محاولة استيعاب القوى المحلية ضمن هياكل الأمن العام أو الشرطة العسكرية. إلا أن هشاشة هذه البنية ووجود قوى درزية مسلحة خارج السيطرة المركزية لا سيما تشكيلات الحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري، وإصرار تل أبيب على إقحام حماية الدروز في خطاباتها، جعل الجنوب أكثر المناطق حساسية، وأكثرها عرضة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإسرائيلية والسورية على حد سواء.

معضلة السويداء

شهدت السويداء مع سقوط النظام والشهر الذي تلا سقوطه، تفكك البنية التقليدية التي ارتكزت على مشيخة العقل والفصائل المحلية والوجود الأمني الشكلي للدولة، وتعمّق الفراغ المرجعي مع تراجع نفوذ الشيخ حكمت الهجري وصعود أصوات شابة تتهم المشايخ بالفساد والتواطؤ، ما أدخل المحافظة في مسار قطيعة مع الإدارة الجديدة.

بلغ التوتر ذروته في تموز/يوليو 2025، حين أقام بدو المطلّة حاجزاً على طريق دمشق-السويداء، فتحوّل إلى أداة ابتزاز طائفي وسياسي شلّ الحياة في المحافظة. وفي 12 تموز فجّرت حادثة تعذيب تاجر درزي على الحاجز سلسلة خطف متبادلة، استغلتها الإدارة الانتقالية لشنّ عملية عسكرية على ريف السويداء الغربي بدعم فصائل عشائرية. وبين 15 و16 تموز وقع هجوم واسع بالدبابات والمدفعية والدرونات انتهى بمجزرة تجاوز ضحاياها 500 مدني قبل انسحاب القوات تحت ضغط المقاومة المحلية والغارات الإسرائيلية. في 17 تموز، أطلقت العشائر حملة تضليل إعلامي رافقها استقدام “فزعة العشائر العربية” من مختلف مناطق سوريا، في تحشيد منظم كشف خطة بديلة للهجوم. وبعد اشتباكات عدة، فُرض وقف إطلاق النار بوساطة دولية، وانسحبت العشائر من دون تحقيق أي مكاسب. كرّست الأحداث اعتماد الإدارة على الحشد العشائري كأداة قتال رخيصة، لكنها أظهرت هشاشتها وعمّقت القطيعة مع السويداء، التي خرجت منهكة من هجوم مزدوج من القوات النظامية والفزعات العشائرية.

لاحقاً، ظهر الحرس الوطني في السويداء كقوة أهلية جديدة لاستعادة الأمن، واستقطب خلال أشهر نحو 1500–3000 مقاتل، ليصبح القوة الأكثر تماسكاً في المحافظة. لكن مسار الدمج بقي محدوداً (20–25٪ فقط)، ما أبقى السويداء في منطقة رمادية بين الدولة واللادولة، محكومة بمعادلة أمن ذاتي هش واحتمالات انفجار داخلي دائم كان أخرها هجمات راح ضحيتها الشيخ ماهر فلحوط و رائد المتني.

ملف الساحل

دخل الساحل السوري عام 2025، في حالة تفكك أمني حاد بعد سقوط النظام السابق، إذ انهارت الأجهزة العسكرية التي كانت تُشكّل العمود الصلب للمنطقة، وعلى رأسها الهياكل الرديفة وشبكات التسلح المحلي المرتبطة بالأجهزة السابقة. هذا الانهيار أنتج فراغاً واسعاً برز منذ كانون الثاني حتى شباط 2025، حيث ظهرت تشكيلات مسلحة محلية في ريف اللاذقية وجبلة وطرطوس، بعضها ورث سلاحه من الميليشيات السابقة، وبعضها تشكّل حول قادة محليين امتلكوا مخازن أسلحة وعناصر منحلّة. وبدأت هذه المجموعات بإنشاء حواجز ونقاط نفوذ دون أي سلسلة قيادة مركزية.

بين آذار وأيار 2025، تصاعدت الاشتباكات المتقطعة بين هذه المجموعات وبين وحدات الأمن العام وقوات الجيش الجديدة التي دفعت بها الحكومة إلى الساحل بهدف فرض السيطرة بالاستعانة بفصائل مهاجرين أجانب. أطلقت الإدارة السورية عمليات أمنية مركّزة استهدفت ما وصفته بالفلول وأزلام نظام الأسد، في محاولة لإعادة بناء شبكة السيطرة العسكرية. ولكن العمليات كشفت حجم الخلل الأمني الحاصل، وراح ضحية هذه العمليات المئات من المدنيين، بحجة محاربة الفلول؛ بالإضافة إلى خلل في التنسيق بين الفصائل الهجينة والمهاجرين الذين جاؤوا نصرة لإخوانهم في عملياتهم ضد العلويين في الساحل السوري، وتشكلت مجموعات ذات الطابع الطائفي، ما جعل المشهد الأمني أكثر تعقيداً مما توقعته القيادة الجديدة.

من  حزيران حتى تموز 2025، تحوّل الفراغ الأمني إلى تهديد مباشر للاستقرار مع صعود عصابات خطف وشبكات مسلحة مرتبطة بالاقتصاد الحربي. وبرزت مناطق ريف جبلة وبانياس كنقاط ساخنة لعمليات السلب والخطف، بينما شهدت اللاذقية عمليات تصفية وحروب نفوذ بين مجموعات تتنافس على السيطرة على مخازن سلاح أو طرق تهريب قديمة.

ردّ الدولة جاء عبر تكثيف الانتشار العسكري في الساحل. جرى نشر وحدات مشتركة من الأمن العام والشرطة العسكرية، وإزالة العشرات من الحواجز غير المرخصة، وسحب السلاح المتوسط من مجموعات محلية؛ مع تنفيذ محاكمات لمن قالت الحكومة إنهم مرتكبون لانتهاكات وفصائل غير منضبطة وغيرهم.

ملف الأكراد والشمال

في الشمال والشمال الشرقي، ظهرت خرائط تسليح وأمن مختلفة تماماً، لأنها مناطق لا تتحكم فيها الدولة فعلياً، بل تعدّ جزءاً من منظومة صراع دولي يضم تركيا والتحالف، والإدارة الذاتية وروسيا وأمريكا. ى تركيا أنّ اللحظة الراهنة تشكّل نافذة مثالية لإغلاق ملف التمرّد الكردي عسكرياً، خصوصاً بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه ونزع السلاح، ما يتيح لأنقرة الانتقال من استراتيجية الضربات الوقائية إلى مقاربة تفكيك البنية القتالية الكردية في سوريا عبر الضغط السياسي والعسكري المتوازي. لكن أحداث الساحل ثم السويداء أعادت إنتاج هواجس لدى الفصائل الكردية بشأن مصيرها الأمني في حال سلّمت سلاحها من دون ضمانات، ما أوقف اندفاعتها نحو الاندماج الكامل في بنية الجيش السوري الجديد.

في العمق العسكري، تتعامل “قسد” مع واقع معقد؛ فمن جهة تواجه ضغطاً تركياً مستمراً عبر الطائرات المسيّرة، وعمليات القضم الحدودي، والحشود في تل رفعت ومنبج، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول مناطقها إلى مسرح عمليات مشابه لما جرى في السويداء في حال فقدت قوة الردع الذاتية. لذا يصرّ مظلوم عبدي على مبدأ جيش سوري واحد لكن ضمن صيغة تضمن بقاء وحدات الحماية سابقاً ضمن هياكل مندمجة لا تُفكّك فوراً، في وقت يجري فيه تجريد الملف العسكري من مؤسساته الخدمية، بما يتيح للأكراد التفاوض على وزن أمني واضح داخل الجيش المستقبلي.

اتفاق آذار/مارس ما زال قائماً، لكن تنفيذه بطيء لأن الأكراد يطالبون بضمانات تمنع أي عمليات تطهير أو انتقام مستقبلي، فيما تتعرّض دمشق لضغط مزدوج: غربي يطالب بحماية المكونات الثلاثة الكبرى، وتركي يضغط لتسريع تفكيك القوة العسكرية الكردية وإعادة هندستها داخل الجيش السوري الجديد. وتعتبر أنقرة تفكيك “قسد” عسكرياً امتداداً لانتصارها السياسي المتمثّل بإقناع أوجلان بإنهاء مشروع القتال، وتحاول اليوم استنساخ هذا النموذج عبر قنوات تواصل فتحها عبدي نفسه بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تصعيد جديد في الشمال الشرقي.

يبقى الحسم العسكري مؤجلاً، بالرغم من دخول الجيش السوري الجديد مواجهات عنيفة عبر قصف متبادل مع “قسد”، لأن الفصائل الكردية ليست كتلة واحدة، ولكل منها حسابات مختلفة حول مستقبل السلاح. فبينما تتجه أنقرة نحو تحويل الصراع من حرب مفتوحة إلى مسار سياسي مضبوط، يبحث الأكراد عن مظلة حماية تمنع انكسارهم في أي ترتيبات أمنية لاحقة. وبالتالي لن يُحسم الملف الكردي بقرار محلي فقط، بل بتوافق إقليمي ودولي تتداخل فيه أولويات تركيا، واحتياجات دمشق، وضغوط واشنطن، واحتمالات إعادة تشكيل الجيش السوري الجديد.

وضع المدن الكبرى

شهدت دمشق وحلب وحمص واللاذقية انضباطاً أمنياً أفضل خلال هذه الفترة، نتيجة إحلال الشرطة مكان الميليشيات، وتفعيل القضاء، وتقليل عدد الحواجز، وضبط السلاح الفردي. إلا أن هذا الاستقرار لم يكن نتيجة قوة الدولة؛ بل نتيجة تركيز القيادة الجديدة على حماية صورة العاصمة والمدن الكبرى بوصفها رمز الانتقال السياسي. وفي المقابل، ظلّ السكان يعيشون إحساساً مزدوجاً: ارتياح نسبي لغياب الفوضى المسلحة، وخوف عميق من أي عودة محتملة لمنطق الأجهزة السابق، خصوصاً مع استمرار العقلية الأمنية القديمة في بعض المستويات. هكذا أصبحت المدن الكبرى نموذجاً لمعادلة الأمن مقابل الحرية، حيث قبل السكان بقدر إضافي من الضبط الأمني مقابل ضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، دون أن يعني ذلك ثقتهم الكاملة بالأجهزة الجديدة.

يكشف العام بين سقوط النظام واليوم، أن سوريا ليست في مرحلة إعادة بناء؛ بل في مرحلة تشريح وتشخيص. فالدولة الجديدة لا تزال تفكك إرثاً أمنياً وعسكرياً ثقيلاً، وتتعامل مع فاعلين مسلحين أصبحوا جزءاً من بنية المجتمع، وتواجه تدخلات خارجية تعيد صياغة قواعد الاشتباك من الجنوب إلى الشرق. ولذلك، تبقى السيطرة على السلاح، وبناء عقيدة أمنية موحدة، وتحديد من يحتكر تعريف العدو والتهديد، متغيرات لم تُحسَم بعد، بل تدخل في صميم معركة بناء الدولة التي ستتواصل في السنوات اللاحقة، وقد تحدد شكل النظام السياسي والأمني لسوريا لعقد كامل مقبل.

المدن

——————————–

 سقوط الأسد… وصعود الأسئلة الكبرى/ مها غزال

الاثنين 2025/12/08

بعد عام واحد فقط على سقوط بشار الأسد، يمكن القول إن سوريا نجت من أسوأ سيناريوهات الفوضى التي خشي منها الجميع، لكنها دخلت في مرحلة أشد تعقيداً مما سبق. فالعنف لم يختفِ تماماً، والانتقام الكبير الذي توقعته العواصم الدولية لم يقع، غير أن البلاد وجدت نفسها أمام مسار جديد يبحث عن شكل دولة لم تُبنَ بعد، وعن سلطة تحاول تثبيت نفسها فوق أرض رخوة، وعن شعب أنهكته الكوارث حتى صار يرى في الاستقرار البسيط أعظم أشكال النجاة.

هذا العام لم يكن عاماً من البناء، بقدر ما كان محاولة دائمة لفهم ما بقي من سوريا بعد أن انهار عالمٌ كامل كان يحكمها. فإرث الأسد كان أكبر من مجرد نظام سياسي، كان شبكة متداخلة من القمع والفساد والميليشيات، تمتد جذورها إلى كل زاوية في البلاد. لم يسقط النظام لأنه هُزم عسكرياً أو لأن المجتمع الدولي قرر ذلك، بل سقط لأنه كان منهكاً من الداخل. البنية الصلبة التي أسسها حافظ الأسد، وإن كانت استبدادية وقاسية، كانت تمتلك منطقاً داخلياً وقدرة على السيطرة، لكن بشار الأسد دمر تلك البنية حين ورث السلطة دون أن يمتلك أدوات إدارتها. أطلق العنان للأجهزة الأمنية لتعمل كجزر مستقلة، وحوّل الجيش إلى ميليشيات متنازعة، وسمح لمراكز الفساد أن تكبر حتى ابتلعت مؤسسات الدولة، وانحدرت البيروقراطية نحو شلل كامل.

وفي قلب هذا الانهيار تلاشى الاقتصاد المنتج، وحلّ مكانه اقتصاد الجريمة المنظمة: تهريب المخدرات، نهب الثروات، تبييض الأموال، وبيع مقدرات البلاد لحلفاء خارجيين. وهكذا ضعفت الدولة إلى الحد الذي باتت فيه لقمة سهلة للهيمنة الروسية والإيرانية، وانفتحت أرضها أمام كل أشكال التدخل.

لم تكن الثورة السورية سوى التعبير الأكثر صدقاً عن هذه الفجوة العميقة بين دولة منهارة وشعب مقموع. ومع مرور السنوات صار سقوط الأسد حتمياً، ليس لأن المعارضة امتلكت القوة الكافية، بل لأن النظام وصل مرحلة لم يعد يستطيع فيها الوقوف على قدميه. كان السقوط الداخلي أسرع من السقوط الخارجي، واللحظة التي انهارت فيها دمشق كشفت عما هو أعمق من انهيار سلطة: سقوط دولة بلا مؤسسات، ومجتمع بلا حماية، وشعبٍ بلا بوصلته.

في هذا الفراغ ظهر أحمد الشرع، ليجد نفسه – بشخصيته البراغماتية وقدرته على المناورة – في موقع اللاعب القادر على الإمساك بخيوط المرحلة. لم يأتِ الشرع بوصفه شخصية توافقية، بل بوصفه الرجل الوحيد الذي احتفظ بانضباط عسكري أثناء تفكك جيش الأسد، وبأنه قادر على جمع القوى المتناثرة وتقديم نفسه كجدار يمنع الفوضى الشاملة. المجتمع الدولي، الذي لم يجد بديلاً آخر، تعامل معه بوصفه “القائد الضروري” الذي يمكن أن يعبر بالبلاد من لحظة انهيارٍ كارثية إلى مرحلة انتقالٍ مضبوطة. الشعب المنهك، الذي فقد ثقته بمعظم القوى السياسية والعسكرية، اختار بدوره أن يتجاوز لحظة الانتقام، وأن يراهن على الاستقرار قبل الحرية، وعلى الأمان قبل العدالة، وعلى النجاة قبل أي شيء آخر.

ومع انسحاب الميليشيات الإيرانية وانكفاء روسيا عن دعم النظام المنهار، تسلمت القوى المحلية زمام المبادرة. تخلى الجيش عن سلاحه، ومالت مجموعات واسعة إلى التسويات، فيما تقدمت غرفة عمليات “ردع العدوان” نحو المشهد السياسي والعسكري، لتصبح، مع وصولها إلى دمشق، القوة الأكثر قدرة على فرض نموذج من الانضباط. لم تكن إدلب نموذجاً يُحتذى به، لكنها كانت النموذج الوحيد القابل للتقديم في لحظة انهيار شامل، ولذا تم تسويقها باعتبارها “مثالاً عملياً” لإمكان قيام سلطة جديدة قادرة على الاستقرار.

اختار الشرع منذ اللحظة الأولى أن يتحدث إلى الخارج أكثر مما يتحدث إلى الداخل. أراد الاعتراف، وأراد أن يثبت أنه قادر على السيطرة على الأرض وإدارة الفوضى. لذلك خاض معركتين مفصليتين في الساحل والسويداء، دفعتا ثمناً بشرياً قاسياً، وكسرتا صورة السلطة الجديدة التي وعدت بإنهاء الدم، لكنهما قدمتا للشرع ما كان يحتاجه: تثبيت صورته كقائد قادر على إعادة ضبط السلاح ومنع الانزلاق نحو حرب أهلية واسعة. كان ذلك مكسباً له، وخسارة لخطاب العدالة، وجرحاً عميقاً في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، لكنه عزز موقعه في حسابات الإقليم والعالم.

غير أن التحديات لم تكن عسكرية فحسب. فقد وجد الشرع نفسه أمام واقع ديمغرافي وثقافي واجتماعي شديد التعقيد، في بلد لا يمكن لقوة متشددة حكمه مهما بلغت قبضتها من الشدة. والأقليات التي تعرضت لمجزرتين متتاليتين صارت تعيش شعوراً عميقاً بالمظلومية، وتلوح – حتى لو رمزياً – بفكرة الانفصال كورقة ضغط سياسية. وفي المقابل تقف قسد كقوة لا يمكن تجاوزها: مدعومة أميركياً، تمتلك ملفات استخباراتية حساسة تخص تنظيم “داعش”، وترتبط بعلاقات إقليمية تجعل تجاوز مطالبها أمراً شبه مستحيل. لكن الشرع، الذي يعرف حساسية الموقف التركي، لا يستطيع تقديم تنازلات تُقرأ في أنقرة كخطوة نحو الاعتراف بالكيان الكردي. وهكذا يقف الملف الكردي عند نقطة التعطيل، حيث كل خطوة نحو الحل قد تشعل جبهة جديدة.

هذا المشهد السياسي المعقد ترافق مع اقتصاد يعيش على أجهزة الإنعاش. فمنذ سقوط الأسد لم تعد في خزائن الدولة أموال حقيقية، لا قمح، ولا محروقات، ولا احتياطي نقدي، ولا قدرة على تأمين الخدمات الأساسية. فتقدمت قطر لدفع رواتب الموظفين، فكانت تلك الكتلة النقدية الوحيدة تقريباً التي حركت السوق. وقدمت السعودية النفط، وفتحت تركيا بواباتها التجارية فأغرقت الأسواق بالبضائع الاستهلاكية. لكن هذه المساعدات ليست اقتصاداً، بل تسكينٌ لأوجاع متكررة. فالكهرباء تحتاج مليارات لإعادة بناء البنى التحتية، والمياه أزمة وجودية، والقمح رهينة الجفاف والسياسات الإقليمية، والطرقات والمواصلات في حالة انهيار شبه كامل.

وفي قلب هذا المشهد الغائم ارتكبت الحكومة الجديدة خطأً استراتيجياً بالغاً حين تجاهلت البرجوازية السورية التقليدية، خصوصاً في دمشق وحلب. هذه الطبقة – رغم ارتباط جزء منها بالنظام السابق – كانت تمتلك خبرة اقتصادية، وشبكات تجارية، ورساميل قادرة على المساهمة في إعادة البناء. لكن الحكومة عاملتها كعدوٍ محتمل، وحرصت على استبعادها من أي دور اقتصادي، مفضلةً دعم ولادة طبقة اقتصادية جديدة، صغيرة وضعيفة، تديرها شخصيات قريبة من السلطة الجديدة في دمشق. هذه الطبقة الناشئة لا تمتلك القدرة على تحريك السوق، ولا على جذب استثمارات، ولا على إعادة تشغيل الصناعات التي شكلت عماد الاقتصاد السوري لعقود. وبهذه السياسة، أعادت الحكومة إنتاج خطأ بشار الأسد حين ركز قوته الاقتصادية في يد رجال أعمال جدد بلا خبرة، لكنه هذه المرة يحدث فوق ركام اقتصادٍ منهار بالكامل، ما يجعل أثره أشد تدميراً.

ثم جاء تفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية بطريقة غير مدروسة ليضيف مزيداً من الفوضى. فقد تم حل مؤسسات كاملة، وتسريح آلاف الموظفين على أسس طائفية أو سياسية، دون خطة لإعادة بناء جهاز الدولة. أُضعفت البيروقراطية بدل إصلاحها، وفُتح الباب أمام شبكات الفساد القديمة للتحالف مع السلطة الجديدة عبر تسويات أمنية واقتصادية ساهمت في إبقاء سوريا ضمن دوائر الشبهات الدولية المتعلقة بغسيل الأموال وتهريب المخدرات، وهو ما يهدد بإطالة أمد العقوبات على البلاد.

وفي الوقت نفسه أغلقت أبواب السياسة بإحكام. حُلت الأحزاب، وجُمدت الحياة السياسية، وتحول الحوار الوطني إلى اجتماعات مع العشائر ورجال الدين والقيادات المحلية، في عودة واضحة إلى ما قبل الدولة. تجاهلت الحكومة القوى السياسية، وأبعدت الشخصيات السورية في الخارج التي تمتلك خبرات اقتصادية وقانونية وسياسية قادرة على دعم المرحلة الانتقالية. بدا أن السلطة تخشى من المشاركة، وتخشى من المنافسة، وتخشى من الانكشاف أمام عالمٍ يدرك أن أي بناء للدولة يحتاج إلى عقول قبل أن يحتاج إلى سلاح.

ومع كل ذلك يبقى الملف الأكثر تعقيداً والأشد حساسية هو ملف العدالة الانتقالية والمفقودين. فالسلاح يمكن جمعه، والمفاوضات يمكن إدارتها، والاقتصاد يمكن إنعاشه، لكن الذاكرة لا يمكن حذفها. آلاف المفقودين بلا مصير واضح، ومئات ألاف الضحايا ينتظرون إنصافاً لم يقترب حتى الآن. وهو الملف الذي يكشف ارتباك السلطة، لأنها لم تتخذ موقفاً صريحاً من إرث النظام القديم، ولم تحدد طبيعة الدولة الجديدة: هل هي دولة عدالة أم دولة تسويات؟ هل تفتح باب الحقيقة أم تغلقه؟.

بعد عام على سقوط الأسد، ليست سوريا اليوم في كارثة مطلقة ولا في نهضة واعدة، بل في منطقة رمادية تحاول فيها أن تعيد تعريف نفسها. الشرع يتمدد فوق مشهد مرتبك، والناس يبحثون عن أمانٍ أبسط، والدول الإقليمية تراقب بقلق، والمجتمع الدولي ينتظر أن يرى ما إذا كان ما يحدث انتقالاً حقيقياً أم مجرد إعادة إنتاج لسلطة جديدة بوجه مختلف.

سوريا اليوم تمشي فوق حقل من الرماد، تبحث عن طريق لا يجرها إلى الماضي ولا يدفعها نحو الهاوية، لكن الطريق لا يزال طويلاً، وأصعب ما فيه أن ملامحه لم تتضح بعد، وأن البلاد لم تتفق حتى الآن على أي مستقبل تريد.

المدن

———————————–

 السويداء وسوريا الجديدة…. عام في المنطقة الرمادية/ وليم الحلبي

الاثنين 2025/12/08

عندما انهار نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تكن السويداء خارج المشهد كما حاولت بعض السرديات لاحقاً أن تقول، بل كانت حاضرة في لحظة السقوط بوجه مختلف عن الجبهات العسكرية، لكنه لا يقل تأثيراً عنها. ففي الأشهر الأخيرة التي سبقت الانهيار، تحولت ساحات المدينة إلى منصات احتجاج يومي، وارتفع سقف الهتاف إلى إسقاط النظام علناً وتكرس العصيان المدني، وامتنعت آلاف العائلات عن إرسال أبنائها إلى أي تشكيل عسكري تابع للسلطة، وبهذا المعنى ساهمت السويداء في نزع ما تبقى من شرعية النظام من الداخل وكانت جزءاً من لحظة التفكك الكبرى التي سبقت السقوط.

بعد ذلك بدت المحافظة وكأنها تدخل زمناً جديداً على قاعدة أنها شريك في الخلاص، لا طرفاً مهزوماً. ففي الأسابيع الأولى، سادت حالة من الترقب الحذر في العلاقة مع الحكومة الانتقالية لم يحصل فيها أي صدام مباشر، لكن الثقة لم تكن موجودة. وفي الجهة المقابلة، تعاملت الدولة الجديدة مع السويداء بوصفها محافظة يجب إعادة دمجها بسرعة ضمن المنظومة الأمنية، بينما تعاملت السويداء مع الدولة بوصفها سلطة قيد الاختبار لا تمتلك بعد تفويضاً كاملاً لإدارة شؤونها.

ومع تقدم الأشهر، تزايدت الخلافات بصمت، خصوصاً مع المرجعية الدينية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري الذي بدأ يرفع نبرة الخطاب الرافض لأي عودة غير مشروطة إلى المركزية، معتبراً أن ما جرى بعد السقوط، لا يرقى إلى مستوى التغيير الجذري الذي خرج الناس من أجله، خصوصاً بعد الإعلان الدستوري الذي وصفه الهجري بأنه إعادة إنتاج لـ”حافظ الأسد” جديد.

فصائل ثورية عسكرية خارج الحسابات

كانت الخريطة المسلحة داخل السويداء تتغير من دون ضجيج، فالفصائل التي شكلت في سنوات سابقة نقطة توازن، وعلى رأسها حركة “رجال الكرامة”، تراجعت تدريجياً عن واجهة المشهد إما بفعل الاستنزاف أو تغير طبيعة الصراع، وحلّ مكانها مجموعات مسلحة أكثر تشتتاً وأقل انضباطاً، معظمها مرتبط باقتصاد السلاح والتهريب، فألغى هذا الواقع وجود مرجعية عسكرية واحدة قادرة على ضبط القرار الأمني، وراكم عناصر الانفجار المؤجل.

ذلك الانفجار وقع في تموز/يوليو 2025، حين تحول التوتر السياسي والأمني إلى صدام مباشر بين مجموعات درزية مسلحة من جهة، وقوات الدولة من جهة أخرى، مدعومة بشكل واضح من العشائر البدوية. لم يكن الصدام مجرد مواجهة عابرة، بل لحظة كسر كبرى في توازنات الجنوب وجدت فيه السويداء نفسها للمرة الأولى في مواجهة مفتوحة مع الدولة، لا عبر وسطاء محليين بل بقوة السلاح وبخطاب سياسي متبادل لا يخلو من بُعد هوياتي خطير.

مع انتهاء تلك الجولة الدامية، لم تعد لغة التهدئة هي السائدة، فخرجت مطالب الانفصال إلى العلن، وتحول الحديث عن القطيعة من همس سياسي إلى موقف معلن في الشارع. ومنذ تلك اللحظة، دخلت السويداء في حالة عداء سياسي صريح مع الدولة السورية الجديدة، لم تعُد فيها المشكلة في شكل الإدارة أو في حصة المحافظة من السلطة، بل في أصل العلاقة بين الطرفين. فالدولة ترى أن ما يجري تهديد مباشر لوحدتها وسيادتها، فيما ترى قطاعات واسعة في السويداء أن الدولة الجديدة تسير في طريق إعادة إنتاج المركزية القديمة، وأن أحداث تموز أثبتت أن الحوار لم يعد كافياً لضمان أمن المحافظة وخصوصيتها.

السويداء ورقة في لعبة كبرى

في هذا المناخ المشحون، بدأ البعد الإقليمي يظهر إلى السطح بوضوح. فاسرائيل التي بقيت تراقب الجنوب السوري سنوات طويلة من زاوية أمن حدودها، بدأت تتعامل مع السويداء بوصفها ورقة ضمن إعادة تشكيل المشهد بعد سقوط الأسد، سواءً عبر قنوات إنسانية أو أمنية أو لوجستية، والتي ظهرت بشكل شبه علني بعد أحداث السويداء الأخيرة. وهذا الحضور الإسرائيلي لا يُقرأ فقط كمحاولة حماية الأقليات كما يتم التسويق له، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنتاج حزام اضطراب مُسيطر عليه في جنوب سوريا، يمنع عودة دولة مركزية قوية، ويؤمّن حدود الجولان المحتل ضمن بيئة مفككة قابلة للتأثير.

ضمن هذا السياق تحديداً، طُرح لأول مرة بشكل علني مطلب فتح ممر آمن يربط السويداء بالكرمل في فلسطين المحتلة. لا يمكن لهذا المطلب فهمه خارج السياق الإسرائيلي، لأنه يتجاوز البعد الإنساني أو الاقتصادي إلى مستوى إعادة توجيه الجغرافيا السياسية للمحافظة. وفتح ممر من هذا النوع، يعني عمليا نقل السويداء من عمقها السوري إلى تخوم الفضاء الإسرائيلي، وهو ما سيُقرأ إقليمياً كخطوة أولى في مشروع فصل طويل الأمد، لذلك فإن هذا الطرح وحده كفيل بتفجير صدامات كبرى ليس فقط مع الدولة السورية بل أيضاً مع الأردن الذي يرى أن أي خطوة من هذا النوع تهديداً مباشراً لأمنه وحدوده.

وسط هذا التشابك لم يعد السؤال: هل ستبقى السويداء داخل الدولة أم لا؟ بل أي شكل من الدولة يمكن أن تقبله السويداء، وأي ثمن هي مستعدة لدفعه مقابل خياراتها. فالذهاب بعيداً في مسار الانفصال، سيعني عزلة خانقة بلا أي غطاء دولي فعلي، وسيحول المحافظة إلى جزيرة محاصرة تعتمد في بقائها على شبكات دعم خارجية تحمل في طياتها أثماناً سياسية باهظة، والبقاء في حالة العداء المفتوح من دون تسوية، سيحول السويداء إلى ساحة استنزاف طويلة تعيش على جولات عنف متقطعة، وتنهار فيها البنية الاجتماعية والاقتصادية تدريجياً من الداخل.

أما محاولة فرض حكم ذاتي واسع ضمن الدولة، فهي المسار الأكثر واقعية نظرياً، لكنه يصطدم بحائط انعدام الثقة، وبسؤال الضمانات، وبقدرة الدولة أصلاً على قبول نموذج لا مركزي حقيقي في منطقة بهذه الحساسية الجيوسياسية.

ما الذي تملكه السويداء من خيارات واقعية؟

في مقابل هذه المسارات الخطرة، لا تزال السويداء تمتلك مجموعة حلول واقعية إذا ما قررت تحويل قوتها الاجتماعية إلى مشروع سياسي منظم، لا إلى أوراق ضغط متفلتة.

أول هذه الحلول يتمثل في إعادة بناء مرجعية تمثيلية موحدة تجمع المرجعية الدينية مع الفاعلين المدنيين والعسكريين ضمن إطار سياسي واضح، بدل ترك القرار رهينة مجموعات متفرقة متصارعة، لأن امتلاك عنوان تفاوضي واحد سيحمي السويداء من استغلال انقسامها، ويمنحها وزناً حقيقياً في أي مسار تفاوضي قادم

أما الحل الثاني، فيكمن في نزع الطابع الفوضوي عن السلاح عبر دمج القوى المحلية ضمن جهاز أمني منضبط يحمي الداخل، ولا يُستخدم في الصراع مع الدولة، وهو شرط أساسي لأي تفاوض جدي، ولأي استقرار اقتصادي واجتماعي، ومن دون هذا التحول ستبقى السويداء أسيرة التوتر الدائم مهما تغيرت التفاهمات السياسية.

والحل الثالث والأكثر حساسية، يتعلق بقطع الطريق على تحويل المحافظة إلى ساحة صراع إقليمي، سواءً عبر إسرائيل أو غيرها. فكلما تعمق الارتباط بالخارج، كلما تقلص هامش القرار المحلي، وتحولت السويداء من لاعب إلى ورقة فالحفاظ على مسافة واضحة من كل المشاريع العابرة للحدود، وهذا هو وحده الكفيل بمنع انزلاقها إلى سيناريو العزلة والاشتباك الدائم.

ويبقى الحل الأهم، في إعادة فتح باب التفاوض مع الدولة، لا على قاعدة الغلبة أو الإخضاع، بل على قاعدة الشراكة المتوازنة التي تعترف بخصوصية السويداء، وتضمن حقوقها الإدارية والأمنية ضمن دولة سورية لا مركزية حقيقية.

هذا المسار وحده القادر على إخراج المحافظة من موقع الخصم الدائم إلى موقع الشريك القادر على التأثير في شكل سوريا المقبلة، بدل أن يدفع ثمن انهياراتها.

بعد عام واحد فقط على سقوط الأسد، تجد السويداء نفسها أمام أخطر مفترق في تاريخها الحديث، من شريك في إسقاط النظام إلى خصم للدولة الجديدة إلى ورقة في لعبة إقليمية معقدة تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة.

هذه المحافظة التي حاولت طوال سنوات، أن تبقى خارج خطوط النار، تقف اليوم في قلبها تماماً، وما سيُتخذ من قرارات في المرحلة المقبلة لن يحدد مصيرها وحدها، بل سيمتد أثره إلى شكل الجنوب السوري كله، وربما إلى شكل الدولة السورية المقبلة.

المدن

—————————————–

 “قسد” قبل سقوط الأسد وبعده: عام التحوّلات الكبرى

الاثنين 2025/12/08

أعاد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، خلط الأوراق بشكل جذري داخل المشهد السوري، بعدما انتهى عهد امتدّ لأكثر من نصف قرن وترك خلفه فراغاً سياسياً وأمنياً واسعاً. هذا التحوّل فتح الباب أمام صراع جديد حول شكل الدولة ومسار العملية الانتقالية، خصوصاً ما يتعلق بوضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي شكّلت لسنوات الكيان الأكثر تنظيماً وسيطرة شمال وشرق البلاد. ومع مرور عام كامل على تغيّر السلطة، باتت “قسد” محوراً رئيسياً في النقاش حول مستقبل وحدة سوريا، بنية الجيش الجديد، وشكل اللامركزية.

ورغم أن الاتفاق الموقع في 10 آذار/مارس 2025، بين الحكومة الانتقالية و”قسد” أعطى انطباعاً ببدء طيّ مرحلة “الكيانات الموازية”، إلا أن التطبيق على الأرض كشف عن حالة معقّدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالهواجس السياسية ورغبة الأطراف المحلية والإقليمية في تثبيت نفوذها في سورية جديدة غير مستقرة بعد.

قسد قبل السقوط

على مدى ما يقارب العقد، بنت قسد منظومة متكاملة من القوات العسكرية والأجهزة الأمنية، وتحوّلت بالتدريج إلى سلطة أمر واقع تمتلك: قوات قتالية منظّمة، جهاز أمني واسع (قوى الأمن الداخلي المعروفة بالاسايش – قوى الأمن العام وهي جهاز استخبارات)، الأمن القومي والتي يتبع لها الأمن السياسي والأمن العسكري وقوى مكافحة الإرهاب (HAT- YAT)، إدارة مدنية عرفت بالمجالس التنفيذية والمدنية و تتولى شؤون التعليم والصحة و البنية التحتية، سلطات تشريعية تُعرف بمجالس الشعوب الديمقراطية، سلطة قضائية تعرف بمجلس العدالة وموارد مالية مستقلة عبر النفط والمعابر.

هذا الواقع وهذه المجالس والسلطات ساهمت بتقوية قسد عسكريا ومعنويا وتحسين صورتها أمام المجتمع المحلي والدولي، وتعزز مع المعارك ضد تنظيم “داعش” (2016–2019) حيث استحوذت “قسد” على كميات كبيرة من الأسلحة، وامتلكت خبرة قتالية نوعية، بالتوازي مع دعم أميركي سياسي وعسكري جعلها القوة الأكثر انضباطاً مقارنة ببقية الفاعلين المحليين.

وعشية سقوط النظام السابق، كانت “قسد” تتموضع بين ثلاثة محاور متناقضة: دعم أميركي ضروري لبقائها، عداء تركي يستهدف بنيتها الأساسية وعلاقة مصلحية متوترة مع دمشق التي أبقت باب التفاهمات الضيقة مفتوحاً، دون الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية.

بعد السقوط: لحظة إعادة التموضع

في كانون الأول/ديسمبر 2024، وجدت “قسد” نفسها لأول مرة أمام سلطة انتقالية لا تملك الإرث العدائي نفسه، لكنها في الوقت ذاته تسعى لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية. ومع غياب دستور دائم، اتخذت المرحلة طابعاً تفاوضياً مفتوحاً: من يقود الجيش المقبل؟ ما شكل الحكم اللامركزي؟ وأي حدود للتعددية القومية والسياسية مقابل وحدة الدولة؟

بدأ حوار سياسي معلن بين مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) والحكومة الانتقالية، تزامن مع اتصالات مباشرة بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ما مهّد لاتفاق آذار، الذي تضمّن الاعتراف الرسمي بـ”قسد”، وبدء دمج قواتها ضمن الجيش السوري الجديد، والاتفاق على إدارة الدولة للموارد الرئيسية، مقابل ضمان حقوق ثقافية وسياسية للمكونات المحلية.

عام 2025: تطبيق بطيء وتناقضات مكشوفة

رغم التوقيع، ظل جوهر الخلاف قائماً. الدولة الانتقالية تريد جيشاً وطنياً بلا تشكيلات منفصلة، فيما تطالب “قسد” بدمج “كتليّ” يحافظ على تماسكها الرمزي والعقائدي. هذا التباين خلق حالة هجينة، حيث بدأت وحدات محدودة بالاندماج فعلياً، بينما بقيت قوات أخرى تعمل ضمن هياكلها السابقة تحت إشراف مزدوج.

وبالنسبة للإدارة والموارد، شكّل نقل السيطرة على حقول النفط والمعابر إلى الحكومة الانتقالية أحد أكثر التحولات حساسية، إذ أنهى استقلالية التمويل التي تمتعت بها الإدارة الذاتية لسنوات. ورغم قبول “قسد” بهذا المبدأ، فإن آليات التوزيع والصلاحيات المحلية بقيت موضع تنازع، ما أدى إلى ازدواجية سلطة في بعض المناطق، خصوصاً الحسكة والرقة.

فيما شهدت نهاية 2025، احتكاكات أمنية محدودة، أبرزها في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، بين مجموعات محلية وقوات حكومية. هذه الوقائع لم تتطور إلى صدام واسع، لكنها أكدت أن عملية الدمج لم تنضج بعد، وأن الثقة بين الطرفين لا تزال غير مستقرة.

القدرة العسكرية لقسد: تطوّر مؤثر في المعادلة

أحد أهم عناصر قوة “قسد” في المرحلة الانتقالية، هو النمو الواضح في قدراتها العسكرية مقارنة ببقية القوى، وهو تطور يعود إلى ثلاثة مصادر: مخزون السلاح المستولى عليه من داعش. الأسلحة المتوسطة، العربات المصفحة، والذخائر التي استحوذت عليها “قسد” خلال معارك 2016–2019/ وفّرت لها قاعدة تسليحية ضخمة وغير قابلة للتعويض بسهولة من أي جهة محلية أخرى.

المصدر الثاني يأتي من التسليح والدعم التقني الأميركي. فالدعم الدولي لم يقتصر على التسليح، بل شمل: شبكات اتصال وقيادة وسيطرة، تدريباً متقدماً للقوات الخاصة، وحدات استطلاع ومراقبة. هذا جعل قسد بنية عسكرية منظمة، قادرة على العمل كجيش صغير متكامل.

فيما المصدر الثالث أتى من وصول قوات “الغوريلا” من جبال قنديل. بعد اتفاق السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، انتقلت خلال النصف الأول من 2025، مجموعات من مقاتلي قنديل إلى مناطق “قسد”. هذه المجموعات المتمرسة في حرب العصابات عززت: الخبرات القتالية، الانضباط التنظيمي، النفوذ السياسي للخط القندِيلي، وهو ما أضاف وزناً جديداً داخل المعادلة العسكرية لـ”قسد” وأثّر على المفاوضات مع دمشق.

حصيلة العام بين الدمج والتعايش القلق

حصلت قسد على امتيازات سياسية و قانونية أبرزها الاعتراف الرسمي بها كطرف شرعي في المفاوضات، وبدء عملية دمج عسكرية تدريجية، وتخفيض احتمالات الصدام الواسع، وتوحيد إدارة الموارد الاستراتيجية، وفتح قنوات سياسية حقيقية بين الطرفين.

ولكن ما زالت هناك أمور معلقة، كصيغة اللامركزية في الدستور الجديد، وحدود صلاحيات الإدارات المحلية، ومستقبل القيادات العسكرية داخل الجيش الموحد، وملف العدالة الانتقالية والانتهاكات السابقة، وبناء الثقة المجتمعية في مناطق التماس.

السيناريوهات المقبلة

تبدو السيناريوهات المقبلة متشعبة وغير محسومة وتتراوح بين الاندماج الكامل، أو استمرار “قسد” كجسم هجين داخل الدولة السورية، فيما السيناريو الأكثر قلقاً هو العودة إلى التوتر وما يمكن أن تصل إليه الأوضاع في حال تطورت.

ويحمل سيناريو الاندماج الكامل، تفاؤلاً أكثر مما يوحي به سير الأمور بين دمشق و”قسد”. فتحوّل قسد إلى جزء طبيعي من الجيش والإدارة، مع تثبيت لامركزية موسعة داخل الدستور، لا يزال دونه عقبات كثيرة قد لا تجري حلحلتها في الفترة المنظورة المقبلة.

أما الوضع الهجين الذي تسعى إليه “قسد”، فهو يتقدم على باقي السيناريوهات. إذ كما يوحي سير الأمور، فإن “قسد” على عكس دمشق، لا تمانع استمرار ازدواجية السلطة لفترة طويلة، ريثما تتبلور صيغة سياسية نهائية للاستقرار.

فيما يمثل سيناريو العودة إلى التوتر، الكأس المرة التي يحاول الطرفان تجنبها. فاحتمال فشل الدمج نتيجة ضغوط إقليمية أو صراع داخلي على الصلاحيات، لا يزال قائما بقوة، وإذ لم يتحقق السيناروهان الأولان، فالأمور قد تتخطى التوتر بأشواط.

بعد عام على سقوط النظام السابق، يبدو واضحاً أن “قسد” ليست في طور التفكك، بل في طور إعادة التموضع داخل مشروع دولة جديدة لا تزال تتشكل. وبينما تسعى الحكومة الانتقالية لاستعادة مركزية الدولة، تحاول “قسد” الحفاظ على مكتسبات عقود من القتال والإدارة. وفي غياب دستور يحدد شكل الحكم واللامركزية، ستبقى العلاقة بين الطرفين محكومة بمعادلة دقيقة: تعاون ضروري، وثقة ناقصة.

————————————–

 من ذروة السلطة لقاع الهامش: التحوّل الدرامي للعلويين بسوريا

الاثنين 2025/12/08

لم تكن الطائفة العلوية في سوريا تتخيّل، حتى في أكثر قراءاتها تشاؤماً، أنها ستصل إلى اللحظة التي تشعر فيها بالخوف من المستقبل، وتصف نفسها بأنها “مضطهدة” أو “متروكة” في بلد حكمه أحد أبنائها نصف قرن.

لكن التاريخ لا يمضي بخط مستقيم، ولا يمنح امتيازاً أبدياً لأي جماعة. وما عرفه العلويون منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم، هو ربما المثال الأكثر درامية على كيفية تغيّر موقع طائفة من قلب السلطة إلى أطراف المجتمع في جيل واحد.

من الجبل إلى القصر

قبل حكم الأسد، كان العلويون جماعة مهمّشة. يعيشون في جبال اللاذقية، يمتهنون الزراعة والعمل الموسمي، ويعانون من نظرة اجتماعية ودينية دونية.

لم يكن لهم حضور سياسي يُذكر، ولم يكن لهم نفوذ اقتصادي أو عسكري. كانوا جزءاً من “أطراف سوريا”، بينما كانت المدن الكبرى ــ دمشق وحلب وحمص وحماة ــ تمثل المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد.

ومع دخولهم الكلية الحربية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، بدأ تحول بطيء ولكنه جوهري. الجيش أصبح الباب الذي أتاح لأبناء القرى العلوية النفاذ إلى الدولة المركزية، في وقتٍ كانت النخب المدينية تنفر من الحياة العسكرية.

ثم جاءت سبعينيات القرن الماضي لتشكّل نقطة الانعطاف الأكبر، فقبل وصول الأسد الأب إلى السلطة، لم يكن للعلويين حضورٌ يُذكر داخل الدولة السورية. كانوا أبناء القرى المرتفعة في جبال اللاذقية؛ فقراء، متفرقين، يحملون إرثاً دينياً مطارَداً وطبقاتٍ اجتماعيةً منهكة.

لم تكن الطائفة مضطهدةً رسمياً، لكنها كانت محاصرةً بخيال سياسي واجتماعي جعلها خارج مركز البلاد، وخارج دائرة “الشرعية” التي احتكرتها النخب السنية المدينية لعقود.

أقليةٌ على هامش المدن، تتوارث الفقر أكثر مما تتوارث الأرض، وتُصنَّف بعيداً عن “المركز السوري” الذي صنعته النخب الحضرية في دمشق وحلب وحمص.

وفجأة، فتحت الكلية الحربية نافذةً واسعة، نافذةٌ لم تكن مجرد بوابة للهروب من الجبل، بل للخروج من تاريخ كامل.

ومن خلف تلك النافذة، بدأ الضباط العلويون بالظهور واحداً تلو الآخر في الجيش، وفي أجهزة الأمن، وفي مواقع القرار… كأنهم يتسللون إلى قلب الجمهورية من فجوة لم ينتبه إليها أحد.

انقلاب حافظ الأسد لم يكن مجرد وصول ضابط علوي إلى السلطة، بل لحظة إعادة ترتيب كاملة للبنية السياسية السورية. وبدلاً من أن يكون النظام “علوياً” كما يُشاع، كان في الحقيقة نظاماً يحكم باسم الدولة لكنه يعتمد في بنيته الأمنية والعسكرية على أبناء الطائفة.

لم يكن العلويون “يحكمون” بقدر ما كانوا يحرسون الحكم.

وفي التسعينيات، شهدت شريحة من العلويين صعوداً طبقياً سريعاً: وظائف حكومية ثابتة، استقرار اجتماعي نسبي، حضور متزايد في الأجهزة الأمنية، وارتباط عضوي بالمعادلة التي صاغها النظام لنفسه: “نحن نحميكم… وأنتم تحموننا”.

لكن خلف هذا المشهد، كانت الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.

فالعلوي، موظفاً كان أو ضابطاً، لم يكن جزءاً من السلطة بقدر ما كان جزءاً من آلةٍ لا يملك التحكم بها. آلةٌ مركزها عائلة واحدة ورجل واحد، فيما بقيت الطائفة خارج دائرة القرار الفعلي. وكان العلويون أنفسهم يدركون ذلك.

الجملة التي تتردد في القرى الساحلية كانت تختصر كل شيء: “نحن حراس السلطة… ولسنا السلطة”.

ومع أن قلةً من أبناء الطائفة شقّوا طريقهم إلى عالم المال والنفوذ في دمشق، بقي الجزء الأكبر يعيش في ظروفٍ صعبة: قرى بلا خدمات، شباب بلا فرص، واقتصاد هش يقوم على الرواتب العسكرية والتحويلات.

الأسد الابن

جاء بشار الأسد محمّلاً بوعود إصلاح، ومسنوداً بطبقة رجال أعمال جديدة، كان بعضهم من أبناء الطائفة. لكن هؤلاء، في جوهرهم، لم يمثلوا العلويين بقدر ما مثلوا القصر وشبكات المصالح المحيطة به.

اندلعت احتجاجات عام 2011.

في تلك اللحظة، لم يترك النظام للطائفة مساحة للاختيار. انهارت لغة الدولة، وحلّت مكانها لغة التهديد: “إذا سقطتُ… سيسقط دمكم”.

وبتلك المعادلة، تحولت القرى العلوية إلى مستودعات بشرية للحرب: مئات الآلاف جُنّدوا قسراً أو طوعاً، وعشرات الآلاف قُتلوا أو فُقدوا، وقرى بأكملها فقدت رجالها وتحولت إلى مجتمعات تقودها النساء.

ومع مرور السنوات، كان السؤال يزداد حدة: “لماذا نقاتل؟ ولمن نقاتل؟”

لكن النظام كان أقوى من الأسئلة، والطائفة كانت أضعف من الاعتراف بأن الحرب لم تكن حربها.

وخلال عشر سنوات، تحولت كثير من قرى الساحل إلى قرى بلا رجال. مئات الآلاف جُنّدوا، عشرات الآلاف قُتلوا، آلاف الفقدان والمفقودين. رأى العلويون أبناءهم يُستنزفون دفاعاً عن نظام لم يمنحهم يوماً حرية الاختيار بين الحرب والسلم.

والأهم: لم يكن لديهم صوت سياسي مستقل. وجدت الطائفة نفسها تدافع عن سلطة لم تكن تملك أدواتها، وعن دولة لم تشارك في بنائها.

سقوط النظام

حين سقط النظام سقطت معه الصورة التي علّق عليها العلويون أمنهم لعقود.

تبيّن لهم أن “حماية النظام لهم” كانت وعداً هشاً بنته ماكينة إعلامية، لا حقيقة سياسية.

فجأة وجدت الطائفة نفسها بلا جيش يحميها، بلا مؤسسات، بلا حليف دولي واضح، بلا قيادة داخلية موحدة، وبلا سردية تحمي هويتها. هذا الانكشاف لم يكن صدمة سياسية فقط، بل صدمة وجودية.

بدأ كثير من العلويين يشعرون بأنهم ضحايا للنظام قبل أن يكونوا ضحايا لسقوطه.

بدأ أبناء الطائفة يسألون: كيف تحولت الطائفة التي “حكمت سوريا” ــ وفق الخطاب العام ــ إلى طائفة “مضطهدة” تشعر بالخوف من كل شيء؟

الإجابة جاءت من داخلها: لأن النظام لم يعاملهم يوماً كجماعة سياسية، بل كوسيلة للبقاء.

وعندما سقط، تركهم في مواجهة تبعات تاريخه وحدهم. ظهرت مظلومية جديدة، لكنها هذه المرة مظلومية ضد النظام نفسه: “ضحّى بأبنائنا، استخدمنا، ثم تركنا نواجه العاصفة”.

المجازر الأخيرة

كان الهجوم الذي نفذته مجموعة من فلول النظام على مركز للأمن العام في الساحل، الشرارة الأولى. خلال ساعات، تدخلت فصائل عديدة في المنطقة ــ بعضها بدافع الثأر، بعضها بدافع الفوضى ــ واندلعت موجة عنف كبيرة.

قُتل مدنيون، خُطف آخرون، ووقعت انتهاكات أعادت إلى الأذهان أسوأ صور الحرب.

بالنسبة للعلويين، كانت هذه اللحظة لحظة الانهيار الأكبر: لم تعد الطائفة ترى نفسها مهدَّدة فقط، بل ترى أن “حماة الأمس” صاروا سبباً في استهدافها اليوم.

ردّ الرئيس أحمد الشرع بتشكيل لجان تحقيق مستقلة، خطوة غير مألوفة في تاريخ سوريا، هدفت لاحتواء الفوضى ومنع تحوّلها إلى حرب أهلية.

لكن الجرح كان قد انفتح: العلويون صاروا يشعرون بأنهم الطرف الأضعف في معادلة سياسية جديدة تتشكل دونهم.

مع الأحداث الأخيرة، تحوّل النقاش داخل الطائفة من سؤال “كيف نحمي أنفسنا؟” إلى سؤال “ما موقعنا في الدولة الجديدة؟”.

صار الحديث عن الفيدرالية واللامركزية والضمانات الدستورية جزءاً من النقاش العام داخل الساحل. هذه الطروحات التي كانت تُعتبر خيانة أو انفصالاً قبل سنوات، أصبحت اليوم مطلباً لحماية الهوية، وسيلة لضمان مشاركة سياسية ومحاولة لتجنّب مصير الطوائف المهزومة في التاريخ. رأى العلويون أن الدولة المركزية التي حمَتهم ظاهرياً هي نفسها التي تخلّت عنهم في لحظة الحقيقة.

بعد سقوط النظام، لم تعد الطائفة قادرة على الالتفاف حول آل الأسد.

ظهرت شخصيات دينية واجتماعية جديدة ــ مثل الشيخ غزال غزال ــ تقدم خطاباً مختلفاً: لا امتيازات، لا ولاء أعمى، بل شراكة سياسية وحقوق مدنية.

للمرة الأولى منذ مجيء حافظ الأسد، بدأ العلويون يفكرون في أنفسهم كجماعة مواطنين، لا كذراع أمنية للسلطة.

ليس لأن الدولة تستهدفهم، ولا لأن النظام الجديد يعاديهم، بل لأنهم: فقدوا نفوذهم القديم، النظام الذي وُصف بأنه “نظامهم” لم يكن لهم، لكنه وفّر لهم حماية رمزية، ومع سقوطه، تلاشت هذه الحماية.

ضحاياهم بالآلاف، واقتصاد مناطقهم في الحضيض، وبناهم الاجتماعية متصدعة.

يفتقدون تمثيلاً سياسياً حقيقياً، لا حزب، لا مجلس ولا قيادة موحدة. يواجهون خطاباً عاماً يحمّلهم مسؤولية النظام السابق، وهو خطاب يختلط فيه الغضب السياسي بالأسطرة الطائفية.

بهذا المعنى، يشعر العلويون اليوم بأنهم مضطهدون ليس لأن أحداً يسعى لاضطهادهم، بل لأنهم في موقع الهشاشة الكاملة: هشاشة سياسية، وهشاشة اجتماعية، وهشاشة وجودية.

المرحلة المقبلة

بعد خمسين عاماً من الحكم الأمني، خرجت الطائفة من السلطة… وخرجت معها من خوف طويل. لم يكن سقوط الأسد نهاية الطائفة، بل نهاية استخدام الطائفة كدرع.

اليوم، يكتب العلويون فصلهم الأول خارج السردية الرسمية. المستقبل غامض، لكنه للمرة الأولى مفتوح أمام خيارات جديدة: لا حماية مزيفة، لا تمثيلاً وهمياً ولا دولة تتحدث باسمهم.

هناك فقط مجتمع يبحث عن مكانه الحقيقي في سوريا تُبنى من جديد.

وتقف الطائفة العلوية اليوم على عتبة إعادة تعريف كبرى: من هم؟ ما دورهم؟ وما موقعهم في سوريا جديدة تتشكل دون وصاية الأسد؟

ويمكن القول ان  اللحظة الراهنة ــ رغم قسوتها ــ قد تكون الفرصة الأولى منذ قرن ليعيد العلويون تعريف أنفسهم خارج ظل السلطة، وخارج قيد الخوف.

———————–

 في الذكرى الأولى للتحرير.. إلغاء “قيصر” قاب قوسين أو أدنى/ إدلب – أحمد العقلة

الاثنين 2025/12/08

في تطور تاريخي يُنهي واحدة من أقسى فصول العقوبات الاقتصادية في العصر الحديث على سوريا، يتجه الكونغرس الأميركي نحو إلغاء كامل لقانون قيصر، نهاية الشهر الجاري.

وقال مصدر خاص من واشنطن، لـ”المدن”، إن الوثائق المتاحة تكشف أن هذا الإجراء ليس مجرد تخفيف للعقوبات، بل إعدام كامل للقانون الذي فُرض عام 2020 على نظام بشار الأسد، مما جعل سوريا أكثر الدول تعرضاً للعقوبات في تاريخ الولايات المتحدة.

وأوضح المصدر أن الإلغاء يشمل نقاطاً حاسمة: إلغاء كامل ونهائي للقانون دون آلية لعودة العقوبات تلقائياً (Snapback)، ودون ربطها بأي شروط مستقبلية تقيّد سوريا كدولة. كما يتضمن إرفاق تقرير لمدة أربع سنوات يلتزم فيه البيت الأبيض برصد الوضع في سوريا ورفع تقييم دوري إلى الكونغرس.

وفي النص، يُشار إلى أن الرئيس الأميركي “قد يأخذ بعين الاعتبار” استخدام صلاحياته الحالية لفرض إجراءات موجهة على أفراد محددين، إذا لم يلتزموا بالمعايير المذكورة، دون منح صلاحيات جديدة. هذه الفقرة ليست قانون عقوبات جديداً، بل تصريح سياسي غير ملزم، أشبه بالبيانات التي يصدرها مجلس الشيوخ للتعبير عن موقف، لا لفرض منظومة عقاب جديدة على دولة بأكملها.

إعدام قانون قيصر

وتابع: “بمعنى آخر، يُعدم قانون قيصر تماماً، ولا يوجد في النص ما يُشير إلى قيصر 2”. ما تبقى هو مجرد تذكير سياسي بأن واشنطن تحتفظ دائماً بأدواتها ضد الأفراد الذين يختارون تخريب السلام، لا ضد الشعوب التي تبحث عن حياة كريمة. وأُدرجت الصياغة النهائية للإلغاء ضمن، حزمة قوانين الدفاع الأميركية، مع توقع التصويت عليها نهاية هذا الأسبوع في الكونغرس. وبحسب مصادر برلمانية، فإن حجم التوافق الحزبي يجعل النتيجة شبه محسومة، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة بعنوان: سوريا بلا قيصر، وسوريا بلا عقاب جماعي.

في الشارع السوري، بدأ الكثيرون يطلقون على هذا اليوم اسم “يوم التحرير الاقتصادي”، إذ يمثل اليوم الذي تحررت فيه لقمة السوري من المقصلة المالية، وانتقلت فيه البلاد من خانة “الدولة المحروقة بالعقوبات”، إلى “الدولة القابلة للتعافي والاستثمار”.

وبدأت رحلة التحرر من قيصر فعلياً في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لحظة الانتقال من “سوريا الأسدية المعاقبة” إلى “سوريا الجديدة قيد التحرير”. منذ ذلك اليوم، انطلقت هندسة معقدة من الضغوط الدبلوماسية شاركت فيها عواصم الإقليم مثل الدوحة والرياض وأنقرة، بالتنسيق مع واشنطن، لفتح مسار جديد يقطع مع مرحلة الأسد ويمنح السوريين فرصة للتعافي الاقتصادي”.

سياسة الشرع قلبت المعادلة

ولفت المصدر إلى أنه “في قلب هذه المعادلة، برزت سياسة الرئيس أحمد الشرع؛ سياسة هادئة لكنها حاسمة، نسجت تناغماً نادراً مع أولويات واشنطن، وخلقت توازناً قوى بين مصالح الإقليم ومتطلبات الأمن الأميركي، دون التفريط بسيادة سوريا أو مستقبل شعبها”.

وقال: “لم يكن الطريق معبداً. داخلياً، حاولت بعض الفئات اللعب على وتر الطائفية لتمزيق الشارع السوري وإسقاط (النظام الحديدي الجديد)، عبر إعادة إنتاج خطاب الكراهية والانقسام”. فيما إقليمياً، ظلت الأطماع الإسرائيلية حاضرة، تسعى لاقتناص ما يمكن من الأرض والقرار السوري تحت غطاء الفوضى والعقوبات. لكن الشرع، بحسب المصدر، “نجح في قلب هذه الموازين: احتوى النزعات الطائفية وفتح أفق دولة مواطنة لا مزارع طوائف، وأدار معارك السياسة بحنكة جعلت سوريا تتحول من ملف أمني إلى فرصة استثمار في الاستقرار الإقليمي”.

ونوه إلى أن “المنعطف الأكبر في معركة إعدام قيصر، كان لقاء الرئيس أحمد الشرع مع النائب براين ماست، الذي وُصف طويلاً بأنه أكبر عقبة  أمام إلغاء القانون داخل الكونغرس”.

خلال الاجتماع، الذي كان جوّه متوتراً في البداية، قلب الشرع الطاولة بموقف حاسم قائلاً: “نحن هنا لا لنغرق في الماضي، بل لنعمل من أجل هدف نبيل لشعبي، ولأمن منطقتكم ومنطقتنا معاً.” في تلك اللحظة، تغير مسار النقاش، حيث رد ماست قائلاً: “حان للشعب السوري وللمنطقة أن ينعموا بالسلام، لا أن يظلوا رهائن لصراعات لا تنتهي”.

—————————-

سنة أولى اقتصاد: التصدير في سورية محاصر والبنوك مقيدة/ نور ملحم

08 ديسمبر 2025

شهد العام الاقتصادي الأول في عهد الرئيس السوري أحمد الشرع مرحلة انتقالية حساسة سعت خلالها الحكومة إلى إعادة ترتيب المشهد الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الانكماش والاضطراب. ارتكزت السياسات على تثبيت مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتنشيط بيئة الاستثمار، وتحسين حركة التجارة، وتطوير الأطر القانونية والمؤسسية. ورغم الزخم السياسي والاقتصادي المصاحب لبداية المرحلة الجديدة، بقيت النتائج متفاوتة، وأفرزت مساراً هشاً يراه الخبراء بحاجة إلى مزيد من الاستقرار والوضوح. وركزت الحكومة في عامها الأول على دعم القطاعات الإنتاجية الأساسية، مثل الزراعة، والصناعات التحويلية، والطاقة، لتعويض جزء من الخسائر الناتجة من الحرب وتدهور البنية التحتية. لكن الناتج المحلي الإجمالي ظل دون نصف المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة، نتيجة نقص الاستثمارات الأجنبية وتعطل مساحات واسعة من القدرة الإنتاجية.

يقول الخبير الاقتصادي أنس فيومي لـ”العربي الجديد”: “الاقتصاد السوري يمر بمرحلة انتقالية مهمة، شهدت بعض التحولات الإيجابية مثل رفع العقوبات الغربية والأميركية، وتحسن حركة المعاملات المالية والتجارية، وعودة النشاط المصرفي تدريجياً، بما في ذلك افتتاح فروع للبنوك وتحسين الخدمات المصرفية، إضافة إلى محاولات إدخال أنظمة الدفع الإلكترونية”. وشهدت السنة أيضاً إطلاق برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفتح المجال أمام الاستثمار المحلي والعربي، لكن حجم المخاطر السياسية والاقتصادية ظل مانعاً رئيسياً أمام تدفق استثمارات أجنبية مباشرة، ما جعل الحكومة تعتمد على تمويلات محدودة من صناديق الدولة. كذلك عملت على رفع رواتب القطاع العام وتحسين بعض الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، مع تقدم ملحوظ في إعادة تأهيل محطات التوليد.

قطاع مصرفي مقيد

وواجه القطاع المصرفي قيوداً واسعة بسبب نقص السيولة واحتياطات النقد الأجنبي، ما حد من قدرة المصارف على الإقراض وتمويل النشاط الاقتصادي. وحاولت السلطات ضبط التعامل بالعملات الأجنبية وتثبيت سعر الصرف، لكن الإجراءات بقيت دون سياسة نقدية متماسكة أو أدوات قادرة على امتصاص الاختلالات في السوق. ويقول الدكتور محمد خير لـ”العربي الجديد” إن “تثبيت سعر صرف الليرة عند حدود 11 ألفاً للدولار في منتصف 2025 لم يكن نجاحاً نقدياً، بل هدنة مالية بين الحكومة ومكاتب الصرافة التي احتجزت الكتلة النقدية السورية، ما أدى إلى عجز المصارف عن توفير السيولة”.

ويضيف أن “استعادة الثقة بالعملة ليست مسألة إجراءات مالية فقط، بل مسألة سردية وطنية. فالدولة الجديدة ما زالت تبحث عن شكلها، ولذلك بقيت الليرة تبحث عن وزنها. وارتفاع أسعار الكهرباء والاتصالات لم يترجم إلى خدمات أفضل، وتحول الاقتصاد إلى شبكة من الرسوم والإتاوات تحت عنوان إعادة الإعمار، بينما يتسع نطاق الفقر”. ورغم محاولات ضبط الأسعار، بقيت الأسواق رهينة التضخم وتقلبات سعر الصرف. والاعتماد الواسع على الاستيراد جعل الأسعار تتحرك مع أي توتر في سوق القطع. وأكد فيومي أن تقييم التحسن الاقتصادي غير ممكن دون بيانات رسمية دقيقة، مضيفاً أن الوزارات لم تنشر حتى الآن مؤشرات واضحة حول الناتج المحلي، التضخم، أو ميزان المدفوعات.

التصدير محاصر والنقل يتحسن

وبقي الميزان التجاري سلبياً نتيجة ضعف الصادرات وارتفاع كلفة الواردات، فيما يواجه المصدرون، وفق مدير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، فراس غفير، عقبات داخلية، كتهالك البنية التحتية للنقل، وارتفاع تكاليف الشحن، وخارجية، مثل العقوبات وتأخير المعابر ورفض أساطيل النقل القديمة. ويؤكد غفير أن اعتماد الصادرات على مواد أولية مقابل واردات مصنّعة يفاقم العجز التجاري. وبالتوازي، نشطت الدبلوماسية الاقتصادية عبر اتفاقيات مع دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة، بينما أقرت الحكومة حزمة قوانين لتحسين بيئة الأعمال وتنظيم الجمارك والضرائب وإنشاء صناديق لدعم الإنتاج وإعادة الإعمار وتعزيز الصادرات.

في المقابل، شهد قطاع النقل تحسناً تدريجياً بعد فتح الطرق الرئيسة وتأهيل شبكات متضررة، وأكد وزير النقل يعرب بدر أن “العمل على استعادة خدمات النقل يسير وفق خطة مرحلية، مع التركيز على البنية التحتية المتضررة، وأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى وقت، خصوصاً في ما يتعلق بشبكة الطرق والمواصلات الحديدية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات النزاع”. وأضاف لـ”العربي الجديد” أن الحكومة تسعى لإنشاء طرق بمواصفات عالية وتأهيل الشبكات القائمة لتكون أكثر أماناً وكفاءة، إلى جانب تطوير شبكة خطوط حديدية قادرة على نقل البضائع والمواطنين بشكل فعال، مشدداً على أن “الاستثمار في النقل لا يقتصر على إعادة فتح الطرق، بل يشمل تطوير منظومة متكاملة تضم الطرق السريعة والجسور وخدمات النقل العام والبنية اللوجستية لضمان حركة اقتصادية مستدامة وتحقيق ربط حقيقي بين المحافظات والمناطق المحررة، ما ينعكس إيجاباً على التجارة الداخلية وتدفق الاستثمارات”.

ووفق خبراء ومراقبين، فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية نقدية واضحة، واستعادة الثقة بالليرة، وإصلاح النظام المصرفي، والسيطرة على التضخم. كذلك يشددون على ضرورة إصدار بيانات اقتصادية دقيقة لتقييم الأداء، في ظل تقديرات دولية تشير إلى ناتج محلي لا يتجاوز 9 مليارات دولار مقابل 68 ملياراً قبل الأزمة. ويؤكدون أن غياب البيانات يشكل عائقاً أساسياً أمام التخطيط ووضع سياسات اقتصادية فعالة.

————————————-

عائدون سوريون: تغيير النظام خطوة لاستعادة الوطن/ هاديا المنصور

08 ديسمبر 2025

يسعى كثير من السوريين العائدين إلى بلادهم لاستعادة حياتهم الشخصية، وأن يشاركوا في البناء، مستفيدين من الفرصة التاريخية التي فتحت المجال أمام المبادرات الخاصة بعد عقود من الاحتكار.

مع انحسار قبضة القمع الأمنية عقب سقوط نظام الأسد، بدأت موجة غير مألوفة من عودة السوريين المغتربين إلى بلدهم، وغالبيتهم عاشوا لسنوات لاجئين هرباً من الملاحقات، وبعد التحول الكبير وجدوا أنفسهم أمام وطن يشبههم، وإن كان مثقلاً بجراح الحرب.

لم تكن العودة قراراً سهلاً، فالحياة في سورية الجديدة ليست وردية، حيث الاقتصاد هش، والبنى التحتية مدمرة، والمؤسسات قيد التشكل، لكن في المقابل، هناك شعور جماعي بالتحرر، وبدايات تشكل دولة تحاول أن تستعيد معنى المواطنة. تلك المعاني الكبيرة، ولحظة الانتقال من صفة لاجئ إلى مواطن، هي ما يصبغ قصص غالبية العائدين.

غادر مصطفى البرغل سورية إلى لبنان في عام 2006، بعد سنوات من الملاحقة الأمنية على خلفية مواقفه المعارضة للنظام السابق، وأمضى في لبنان سبعة عشر عاماً بين ورش الخشب الصغيرة، يعمل من دون أوراق ثبوتية، وبلا جنسية تحميه، وبلا حق في التملك، وبلا مستقبل مضمون لأبنائه. يقول لـ”العربي الجديد”: “كان كل يوم يمر يجعل الوطن ذكرى بعيدة، أو مجرد حكاية يسمعها الأطفال ويستغربونها”.

يستذكر البرغل تلك اللحظة التي قرر فيها العودة مبتسماً، ويتابع: “شعرت بعد سقوط النظام أن الوقت قد حان للعودة، وعدت لأنني أصبحت أخيراً قادراً على العيش بلا خوف. أريد أن يكبر أولادي كمواطنين، وليس كلاجئين. عدت إلى بلدتي كفروما في ريف إدلب الجنوبي، محملاً بأحلام كبيرة، وخبرة طويلة في النجارة، وأنشأت ورشة بسيطة تضم عاملين، أحاول من خلالها إعادة بناء حياة أسرتي، وبعد أشهر قليلة، وصل عدد العاملين في الورشة إلى 11، ورغم الصعوبات التي أواجهها، خصوصاً ارتفاع أسعار المواد الخام، وعدم توفر الكهرباء والاعتماد على المولد، ما زلت ممتناً لأنني اتخذت قرار العودة، فأنا أعيش في بلدي، ولا أحد يستطيع أن يطردني. إنه حلم طال انتظاره”.

في حي السكري بمدينة حلب، افتتحت الطبيبة نسرين العبد الله عيادتها فور عودتها إلى سورية بعد غياب جاوز عشرين سنة، إذ غادرت إلى الأردن في عام 2004، بعد أن رفضت الجهات الأمنية منحها ترخيصاً لفتح عيادة بسبب نشاط أسرتها المعارض.

تقول العبد الله لـ”العربي الجديد”: “قد تكون البلاد مثقلة بالتحديات، وقد يكون كل شيء من حولنا بحاجة إلى وقت لإعادة البناء، لكني أشعر لأول مرة منذ سنوات بالراحة، إذ لم أعد أعمل بتصاريح. كنت أشعر كل يوم في الغربة بأنني مجرد موظفة مؤقتة، أما اليوم، فأشعر بالأمان والاستقرار، وبأن الوطن عاد إلى أبنائه بعد أن كان حكراً على عائلة الأسد ومؤيديها. التحديات كبيرة، من نقص الأدوية، إلى ضعف البنية التحتية، لكن الأهم أننا عدنا، ما يعني أن هناك أملاً في أن نعيد البناء خطوة بخطوة”.

عائدون في مطار دمشق الدولي، 7 يناير 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)

عائدون في مطار دمشق الدولي، يناير 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)

في مدينة حماة، يقف سامر عرفات أمام متجره الجديد، يراقب العمال يرتبون البضائع على الرفوف، بعد سنوات طويلة قضاها بعيداً عن سورية التي غادرها في عام 2011، هرباً من التجنيد الإجباري، ليستقر في تركيا، حيث اضطر للعمل في مشاريع صغيرة، من دون أفق للاستثمار أو امتلاك مشروع مستقل.

بعد سقوط النظام، شعر سامر بأن الفرصة قد حانت للعودة، ليس فقط لاستعادة حياته، بل ليكون جزءاً من إعادة البناء. يقول لـ”العربي الجديد”: “عدت لأنني رغبت في استعادة وطني، فطوال سنوات الغربة كنت أعمل، لكن جهودي لم تسهم في شيء يربطني بأرضي. اليوم، وبعد تحرر الأسواق من الاحتكار، أشعر بوجود فرصة حقيقية لإقامة مشروع يسهم في تنمية الاقتصاد المحلي، ويفتح آفاق عمل للسوريين”.

ويضيف مستعرضاً التحديات التي واجهته: “الأوضاع ليست سهلة، والبنية التحتية مدمرة، لكن الشعور بالحرية، والقدرة على اتخاذ قرارات من دون قيود سياسية لا يقارن بشيء. أشعر بأن جهدي اليوم سيعود على أهل بلدي، وليس على شخص أو جهة. المستثمرون ورجال الأعمال العائدون يشكلون قوةً فاعلةً في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، وكل مشروع نؤسسه، وكل وظيفة نخلقها، هي لبنة في بناء الوطن، فالحرية الاقتصادية مثلها مثل الحريات الاجتماعية والسياسية، وهي أساس إعادة الإعمار، واستعادة كرامة الشعب”.

يعيش الخمسيني علي الحسن قصة عودة مليئة بالتحدي والأمل في قرية دير سنبل بريف حماة الغربي، إذ غادر في عام 1999 إلى العراق بعد تلقيه تهديدات مباشرة بالاعتقال بسبب نشاطه المعارض للنظام، وأمضى سنوات طويلة مغترباً، ومحاطاً بالقلق، والخوف من المستقبل، وكان يتوقع أن يظل بعيداً عن أرضه مدى الحياة.

مع التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، اتخذ الحسن قرار العودة، ليجد منزله شبه مهدم، وسقف غرفه مفتوحاً على السماء. يقول: “حين عدت لم يكن لدي شيء، لا بيت، ولا أرض مزروعة، ولا مستقبل واضحاً، لكن كان لدي سبب واضح للعودة، وهو أنه لم يعد هناك خوف، فإذا وجدت الحرية يمكن لكل شيء أن يُبنى، السقف، والطريق، وحتى الدولة. أعيش حالياً في غرفة واحدة رممتها بمساعدة أبنائي، لتشكل ملاذاً للأسرة، وأعمل منذ عودتي في مشروع محلي لتجميع قطع الري بالتنقيط، كمساهمة في استعادة البنية التحتية إلى المنطقة”.

من جانبه، يرى المرشد الاجتماعي كمال الدرويش أن عودة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم الأصلية تحمل بعداً أعمق من كونها مجرد انتقال جغرافي، إذ تمثل استعادة الشعور بالانتماء والكرامة الاجتماعية التي غُيبت طويلاً تحت وطأة القمع والاضطهاد. ويضيف لـ”العربي الجديد” أن “العائدين يشعرون بفرق واضح بين حياتهم السابقة في دول اللجوء، حيث واجهوا صعوبات اقتصادية وقانونية واجتماعية، وبين الوطن الذي يمكنهم العيش فيه بحرية، من دون خوف من الاعتقال أو تقييد الحريات”.

ويلفت الدرويش إلى أن “الانفراج النفسي الناتج عن العودة ينعكس مباشرة على الحالة الاجتماعية للعائدين، والذين يظهرون حالة من الإيجابية لإعادة بناء حياتهم ومجتمعاتهم، ويشعرون بمسؤولية أكبر تجاه محيطهم ومجتمعهم المحلي، وهذا الشعور بالمسؤولية والانتماء يفتح آفاقاً جديدة للتعاون المجتمعي، ويخلق بيئة خصبة لتعزيز الروابط بين الأهالي، ما يسرع عملية إعادة الإعمار، وإحياء الحياة المدنية”.

ويؤكد أن “هذه الروح الإيجابية لا يمكن أن تتحقق في بيئات اللجوء، حيث عاش السوريون في حالة من القلق المستمر بشأن المستقبل، واضطروا لمواجهة قيود العمل، وعدم الاستقرار القانوني، والتمييز الاجتماعي، ما قلص قدرتهم على التخطيط طويل الأمد لبناء حياة مستقرة. في المقابل، توفر العودة إلى الوطن فرصة لإعادة تعريف الذات، وممارسة الحقوق، والانخراط في بناء المجتمع على أسس من العدالة والاستقلالية بعيداً عن الظلم وقمع الحريات الذي كان قائماً في عهد النظام السابق.

ويخلص الدرويش إلى أن “العودة، رغم كل الصعوبات القائمة، تمنح العائدين شعوراً عميقاً بالتحرر، وهو شعور ينعكس على العائلات، ثم على المجتمع كله، ما يشكل حجر الزاوية في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي النفسي والاجتماعي بعد سنوات طويلة من الغياب والحرمان”.

وحسب بيان للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين، صدر في أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، عاد أكثر من مليون لاجئ سوري إلى بلادهم خلال الأشهر التسعة التي تلت إسقاط النظام السابق، كما عاد نحو 1.8 مليون شخص ممن نزحوا داخلياً إلى مناطقهم، وأن عدد النازحين السوريين يتخطى سبعة ملايين، فيما يتخطى عدد من غادروا البلاد، ولم يعودوا بعد، 4.5 ملايين سوري.

ووصفت المفوضية العودة بأنها مؤشر على “آمال كبيرة” يعلقها السوريون على بدء المرحلة الانتقالية، لكنها حذّرت في الوقت نفسه من أن العائدين يواجهون “تحديات هائلة”، من بينها المنازل والبنى التحتية المدمرة، والخدمات الأساسية المتضررة، وقلة فرص العمل، وعدم استتباب الأمن بالكامل.

العربي الجديد

—————————

المشهد الثقافي ما بعد الأسد… تمثيل لا يعكس الواقع/ علي سفر

08 ديسمبر 2025

بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول السلطة الجديدة إلى الحكم، ظنّ كثيرون أن الثقافة السورية ستشهد انفراجاً سريعاً، باعتبارها أحد أكثر المجالات خنقاً خلال العقود السابقة. غير أنّ الأشهر التالية لتحرير البلاد كشفت حقيقة مختلفة، حيث يعاني المشهد الثقافي من فراغ كبير، أو تحكمه مساحة ضبابية تختلط فيها الأدوار بين الأفراد، وتوجهات إدارة الأمانة العامة للشؤون السياسية التي تتحكم من الخلف بعمل المؤسسات، أكثر مما تضبطها رؤية ثقافية واضحة وشاملة. وما ظهر إلى الآن يمكن تسميته “إشارات متفرّقة” لا تجمعها استراتيجية، ولا تنطلق من فهم عميق لتعدد التيارات الثقافية السورية التي راكمت تجارب غنية خلال القرن العشرين، وسنوات حكم الأسد الابن وفترة الثورة السورية.

انطلقت موجة التساؤلات الأولى حين ظهر الرئيس أحمد الشرع في لقاءات مع مجموعات من الشعراء بعد التحرير، كان معظمهم من شعراء القصيدة العمودية، وغالبيتهم غير معروفين على المستوى الوطني، بل ينتمون إلى فضاءات جغرافية محدودة في الشمال المحرر. وليس ثمة مشكلة في أن يكون الرئيس صاحب ذائقة كلاسيكية، فهذا شأن شخصي، لكن المشكلة ظهرت حين بدأ هذا الميل يبدو كأنه المعيار الوحيد الذي يطل عبره الخطاب الثقافي الرسمي. فالثقافة السورية لم تُختزل يوماً في قصيدة عمودية أو تيار تقليدي، بل طالما تداخلت فيها تيارات الحداثة وما بعد الحداثة، وتيارات التجريب المسرحي، والمدارس السينمائية المتنوعة، وحركات الفن التشكيلي، وحقول الموسيقى، والمسرح، والرقص.

الإشكال الحقيقي يأتي من جهة أنّ الذائقة حين تتحول إلى مؤشر سياسي تصبح قادرة على تضييق الأفق، وفتح الباب أمام تمثيل ثقافي محدود لا يعكس واقع البلاد ولا تعدديتها، بل يعكس مزاج السلطة أكثر مما يعكس مزاج المجتمع المتنوع. هذا الغموض انعكس بوضوح على التعيينات التي طالت المؤسسات الثقافية، فقد جرى تعيين محمد ياسين صالح وزيراً للثقافة، وهو معروف أنه يكتب القصيدة العمودية، ولم يكن معروفاً بشكل واسع، لكنه حاز فوراً قبولاً بعد أن خاطب السوريين في حفل إعلان الحكومة الجديدة عبر جملة شعرية حرّكت عندهم إحساسهم بالنصر ضد السلطة البائدة، حين قال “دمشق لنا إلى يوم القيامة”! وقد اختار الوزير لإدارة مديريات الثقافة الشاعر أنس الدغيم، وهو كلاسيكي المزاج والقول أيضاً. وجاءت التعيينات الأخرى في القطاعات الأخرى مبنية على الموقف الثوري كما هو متوقع فعيّن جهاد عبده مديراً للمؤسسة العامة للسينما، وحلّ الممثل والمخرج غطفان غنوم في المعهد العالي للفنون المسرحية، وأخيراً عُين نوار بلبل مديراً للمسارح والموسيقى. غير أن مشكلة هذه الأسماء، ورغم تباين مواقعها وخلفياتها، أنها لم تُقدّم إلى الآن أي برنامج عمل يشير إلى اتجاه عام: هل تريد السلطة سينما مستقلة؟ أم سينما ترويجية؟ هل تفضل مسرحاً حراً؟ أم مسرحاً محافظاً؟ هل تتبنى الموسيقى الكلاسيكية؟ أم تفتح الباب لمشاريع الشباب؟ كل شيء بقي ضمن إطار احتفالي أو إجراءات شكلية، من دون إعلان سياسة ثقافية وطنية، وهذا ما عزّز القلق من أن المشهد الثقافي يسير بلا بوصلة، وتحت تأثير قرارات فردية لا جماعية.

التداخل بين رؤية إدارة الأمانة العامة للشؤون السياسية وبين مؤسسات المجتمع المدني ولا سيما النقابات ظهر سريعاً، حيث عُين الممثل مازن الناطور نقيباً للفنانين، والدكتور محمد صبحي السيد يحيى رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين. وقدمت مجموعة من الروابط والجمعيات بالاتفاق مع عدد من الكتاب المستقلين مبادرة لتسيير أعمال اتحاد الكتاب ضمن صيغة تشاركية، لكن ما لبثت هذه التجربة أن اصطدمت بتعيين أحمد جاسم الحسين رئيساً جديداً للاتحاد خلفاً لمحمد طه العثمان، وظهر أنه وعلى خلفية تعيينه من إدارة الشؤون السياسية يريد الإمساك بكامل المشهد، من خلال تعيين مجلس تنفيذي شبه جديد، يتفق مع توجهاته.

واحدة من أبرز الحوادث التي كشفت أزمة الرؤية حدثت حين قررت مديريات داخل وزارة التربية إزالة أسماء عدد من المثقفين عن مدارس تحمل أسماءهم منذ عشرات السنين. فبدا القرار أشبه بمحاولة “تطهير ثقافي” غير مدروس، قائم على جهل بالتاريخ الثقافي السوري وليس على تقييم مهني، الأمر الذي اضطر وزير الثقافة إلى التدخل والطلب من وزير التربية إعادة النظر في القرار لما فيه من إساءة واضحة للثقافة السورية، فاستجاب وشكّل لجنة لدراسة التسميات الجديدة.

ربما يكون ملف الآثار أحد أكثر المواضيع حساسية، وأكثرها إلحاحاً بعد الحرب. فبعض المتاحف أصابها ضرر كبير، ومئات القطع الأثرية نُهبت، ومواقع أثرية لا تقدّر بثمن أصابها الدمار. ورغم ذلك، لم تُطرح حتى الآن خطة وطنية لإدارة الملف، فلم يقدَّم برنامج واضح لاستعادة الآثار المسروقة، ولم توضع خطط ترميم واسعة على طاولة أصحاب القرار، ولم تتوفر رؤية لمستقبل المتاحف، وحدثت سرقة في المتحف الوطني في دمشق، وحتى اللحظة لم تقدم الوزارة رواية رسمية عما جرى وكيف حدث أن دخل اللصوص إلى المكان الأهم، حيث تُحفظ هوية سورية الحضارية!

وعلى صعيد الأنشطة أقامت الفرق الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة عدة حفلات في دار الأوبرا منذ التحرير، وكانت لحظات رمزية جميلة، لكنها بقيت ضمن إطار مناسباتي لا يعكس رؤية واضحة. وحتى في ما يخص مناسبة الذكرى الأولى للتحرير، جرى إلغاء الحفل الموسيقي الذي كان يزمع الموسيقار مالك جندلي إقامته في ساحة الساعة في حمص، من دون توضيح الأسباب في البداية، لكن تصاعد الجدل دفع بمفتي حمص وعضو مجلس الإفتاء الأعلى، الشيخ سهل جنيد لتوضيح أن سبب الإلغاء يتعلق برؤية دينية ترى “إن إلغاء فعالية أوركسترا في ساحة تحمل ذاكرة الدم والدمع هو احترام للدماء التي رفعت هذه البلاد ووفاء لأهالي وذوي الشهداء أو قل هو طاعة للرحمن أولاً” الأمر الذي يكشف أن المشهد الثقافي بات محكوماً بالتداخل بين السلطات الثقافية والدينية والسياسية.

ومع أن هذه الواقعة حديثة وما زال الحكي فيها رائجاً على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن السؤال الأعمق الذي لا بد من طرحه اليوم، حيال قلة الأنشطة الثقافية هو: هل غياب النشاط الثقافي ناتج عن أزمة مالية أم أنّ السلطة الجديدة لا تثق بالمثقفين الذين لا ينتمون إلى دائرتها الضيقة؟ تبدو السلطة أقرب إلى الاعتماد على المقرّبين، حتى إن لم تكن لهم الخبرة الكافية، وهذا يعيد إنتاج مناخ الشك، والخوف من الاختلاف، والذي لا يمكّن الثقافة السورية من المضي قدماً نحو آفاق رحبة.

العربي الجديد

———————————–

سورية: عام على الجمهورية الثالثة/ عدنان عبد الرزاق

08 ديسمبر 2025

حتى تاريخه، وبعد مضي عام بالتمام والكمال على تحرير سورية، تبدو منطقة هروب بشار الأسد وانهيار نظامه بتلك الصورة المذلة والسريعة، أمراً يجوز فيه غير احتمال وتأويل وتفسير، فالذي جرى كان، وبأبسط الألفاظ، خروجاً عن كل التوقعات وأعظم من أقصى أحلام أكثر السوريين تفاؤلاً، لكنه ودونما دخول بسيناريوهات السقوط وأسبابه وفواعله، ها هو قد حصل ومرّ عليه عام، ليكون تتويجاً لتضحيات وعذابات السوريين ليبدؤوا مرحلة جديدة ببناء جمهوريتهم الثالثة، بعد أول جمهورية تلت الاحتلال الفرنسي والثانية بعد الانفصال عن مصر وما يقال عن ثورة حزب البعث.

ويبدو أن الجمهورية الثالثة مختلفة عن سابقتيها، بل وربما عن الذهنية والتراكم السوريين، السياسي والاقتصادي وحتى العلاقات، أو هكذا يبدو خلال العام المنصرم على الأقل، إذ باتت سورية وبعد هروب “النظام الاشتراكي البعثي” لا شرقية ولا غربية، بل تحاول السلطة في دمشق، إعادة تعريف سورية، هوياتياً واقتصادياً وسياسياً، آخذة من شعارات كبيرة، كالاقتصاد الحر والانفتاح على الجميع والانخراط بالنظام العالمي، المالي والاقتصادي وحتى السياسي، أدوات لتسريع الاندماج وإلغاء العقوبات والبدء مع الجميع من مبدأ، تحرير سورية يجب ما قبله وعفا الله عمّا مضى.

وبعيداً عمّا قد ينتج عن ذاك “الانفتاح على الجميع” من عقابيل أو اختلاط وتضارب، بيد أن النتائج حتى اليوم، تبدو جيدة إن لم نقل أكثر، فأن تعرف السلطة بدمشق طريقها لواشنطن ويزور رئيسها البيت الأبيض لتزال بعد ذاك العقوبات وتتحسن المعاملات المالية، فهذا إنجاز يحسب للدبلوماسية السورية، وأن تؤاخي بين الأضداد لتمد، بالوقت نفسه، الجسر من جديد مع روسيا ويزور الرئيس أحمد الشرع موسكو، فذاك يعظّم من الإنجاز. وهكذا على صعيد دول المنطقة وما يقال عن اختلاف بالسياسات بين تركيا والسعودية ومصر أو بين دول الجوار ذاتها، بما فيها دول الخليج العربي التي كانت وجهة سلطة دمشق الأولى وكان للرياض والدوحة، الأثر الأهم ربما، بتسريع الانفتاح والدعم الإسعافي بُعَيد التحرير، لتقف سورية على قدميها وتبتعد عن حافة الثأرية والحرب الداخلية أو الانهيار المجتمعي والاقتصادي.

رجل يحمل كمية من الليرات السورية ويغادر البنك المركزي في دمشق. 21 مايو 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)

قصارى القول: ثمة ملاحظات جلية وكبيرة يمكن تسجيلها على الاقتصاد السوري خلال عام، مع تبدلات يمكن وصفها بالمكملة لصيرورة الأحداث المتسارعة، رغم أنها تحمل من الغرائبية ما يحسب للحكم السوري الجديد.

أول تلك المشاهدات أن الاقتصاد السوري عاش عاماً كاملاً من دون موازنة عامة للدولة، بل لم يشفع، اقتصادياً وعلمياً، أن نكتفي بما أعلنته رئاسة الوزراء “أيام الحكومة الانتقالية الثانية” أنها ستعتمد على مبدأ الموازنة الاثني عشرية للسنة المالية 2025 بالاستناد إلى جزء من اثني عشر جزءاً من اعتمادات السنة المالية السابقة.

ببساطة لأن الموارد اختلفت وكذا الإنفاق، الجاري والاستثماري، وتبدلت معهما، بواقع النهج الجديد، طرق الدعم والأجور والتعاطي الخارجي، ما يحيل القياس أو العمل وفق جزء اثني عشري من موازنة سابقة، تبرير أو تسويق، ليس إلا، بأن الحكومة تعمل وفق رؤية وليس خبط عشواء.

والحال ذاته ينسحب على موازنة العام المقبل التي توقع وزير المالية، محمد يسر برنية خلال مقابلة تلفزيونية (20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي) أنها ستشهد فائضاً قليلاً، من دون أن يحدد قيمة تلك الموازنة أو حتى تقر من البرلمان أو يصدر بها مرسوم على اعتبار عدم وجود برلمان بسورية وقتذاك.

وعدم وجود موازنة عامة يعني ارتجالاً، ويعني غياب رقابة، ويعني فيما يعني أيضاً، إشارات استفهام وتعجباً حول الموارد والنفقات، ومن ثم قانون قطع الحسابات الذي يقول لنا ماذا نُفّذ وأين تم الاتفاق وما هي نسبة العجز أو الفائض.

وربما ثاني المشاهدات خلال العام الأول من عمر سورية ما بعد الأسد، كان نسف هوية سورية الاقتصادية المختلطة بالسابق، بين التخطيط المركزي والاقتصاد الاجتماعي، ليتم ومنذ الأيام الأولى لوصول إدارة الحكم الجديد، إعلان اقتصاد السوق الحر.

وبعيداً عن مخاطر التحول بالصدمة وما قد ينتج عنه من آثار، شكلية وبنيوية، على اقتصاد مهدم جراء الانفتاح ومنافسة عرجاء، أو على شعب يعيش أكثر من 90% منه تحت خط الفقر، عرفت الجمهورية الثالثة إدارة الاقتصاد بعيداً عن الانهيار، بل وأحدثت تحولات تحسب لها، سواء على صعيد توفير السلع والمنتجات وحوامل الطاقة، أو على مستوى تحسين مستوى المعيشة وزيادة الأجور، أو وهو الأهم، حماية المنشآت والمؤسسات من الانهيار وإعلان الإفلاس.

ورغم أن الوقت مبكر لإطلاق الحكم على نجاعة النهج الجديد، بيد أن ما بين أيدينا من دلائل، ربما يؤكد صوابية القرار السوري الاقتصادي الذي جازف بقرار الانفتاح بخطوة تشبه المجازفة بالحرب على نظام الأسد وتحرير سورية، من دون أن يمد يده للمؤسسات المانحة أو المقرضة ويضع سورية الجديدة تحت وطأة الإملاءات أو وصفات المؤسسات المالية الدولية.

وتأتي خطوة تثبيت سعر الصرف، بعد تحسنه المباشر إبان التحرير، من الملاحظات التي تحسب لدمشق، فأن تعرف إدارة الحكم أو السلطة النقدية طريقة لمنع انهيار العملة السورية التي تفقد، عملياً وواقعياً، جميع مبررات الصمود واستمرار التداول بواقع نفاد كامل الاحتياطي النقدي بالمصرف المركزي وتراجع الإنتاج والتصدير، لحدود صفرية ربما، فهذا إنجاز وإن اعتمد على حوامل سياسية أو دعم خارجي أو اتكأ على عامل الثقة وآمال السوريين على المستقبل وليرتهم.

ليأتي قرار تبديل العملة بعد حذف أصفار، والتي قد نرى تداولها اليوم، خلال الذكرى الأولى للتحرير، خطوة متممة لهوية الجمهورية الثالثة، وإن فيها وعليها بعض المخاوف، على اعتبار سعر صرف العملة ومكافحة التضخم لا يتعلقان بشكل ولون وأرقام وحدة العملة النقدية، بقدر ما يرتبطان مباشرة بثقة المتعاملين والمدخرين ووجود المصارف وسهولة التعامل والتحويل، وبما تستند عليه من أرقام احتياطي وصادرات وعائدات سياحة.

وآخر الملاحظات الجليّة وأهمها ربما، هو الاستثمار وما قيل عن جذب سورية لنحو 30 مليار دولار، أو بصيغة أدق، التعاقد لجذب هاتيك المليارات والتي لا شك، لأن رأس المال محق وليس جباناً، تنتظر البيئة والمناخ وعوامل الجذب والاستقرار.

وقلنا أهم الملاحظات لأن سورية لن تبدأ بالعد التصاعدي وبدء دوران عجلة الإنتاج وحركة الاقتصاد والنمو، من دون ضخ الأموال بعروق اقتصادها المهدم والمنهك، لأن الاعتماد على الموارد المحلية أو حملات التبرع التي رأيناها، خلال الأشهر الأخيرة، هي إسعافية وتقي سورية من الانهيار وتساعد اللاجئين والنازحين بترميم منازلهم وتأهيل المؤسسات الضرورية، لكنها لا تبني اقتصاداً يوازي الانفتاح السياسي أو حجم الآمال التي تبثها السلطة للشعب الفرح اليوم.

كما من الملاحظات الثانوية أو المساندة التي جاءت كضرورة سيرورة وانفتاح، رأينا المعارض المستمرة، القطاعية والثنائية مع دول أخرى، وتابعنا زيارات واتفاقات ومؤتمرات إعمار، إلى جانب إعادة هيكلة لشكل وبنية سورية الجديدة. والتي مجتمعة، تساند وتسرّع إن جاءت تالية للملاحظات الرئيسية وبمقدمتها تحقيق الاستقرار والأمان وخلق بيئة سورية جاذبة، بالتوازي مع بناء الثقة ومكافحة الفساد والتفاعل مع الخارج.

نهاية القول: واقعياً ووفق ما جرى ومتوقع أن يجري بالاستناد على الواقع والوقائع، يمكن القول، ورغم التحديات الماثلة والمخاطر المتوقعة جراء توحيد سورية جغرافياً، إن الجمهورية الثالثة حققت انفتاحاً سياسياً ودبلوماسياً يؤهلها لشراكات استراتيجية ومستدامة، بل وعودة سورية لمركز استراتيجي بالمنطقة، يوازي تراكمها الحضاري وما تكتنزه من ثروات وخبرات ورأسمال بشري.

وسرعة التحول، إن سارت الأمور من دون انفجارات أو تدخل خارجي، ستتعدى التوقعات التي صدرت قبل عام، وقت دخل الثوار دمشق فاتحين، فوقتها أو بعد ذاك بقليل، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن سورية بحاجة إلى أكثر من 50 عاماً على الأقل، لاستعادة المستويات الاقتصادية إلى مرحلة ما قبل الحرب، معتمداً على حجم الخسائر الهائلة خلال معارك الثورة والتحرير المقدرة بنحو 800 مليار دولار وعلى تراجع الناتج الإجمالي بنسبة 50% ونسبة الفقر من 33 إلى 90%، من دون أن يأخذ التقرير الأممي المهني بالاعتبار، أن نجاح سورية قرار دولي ومشيئة إقليمية وتصميم داخلي، والتي عندهم، تسقط التوقعات العلمية أو تخيب على أقل تقدير.

————————————

وقائع سنة الجمر السورية/ رياض معسعس

سنة مضت على السقوط المدوي «لصاحب الأبد» بشار الأسد، سنة مضت على أحداث كبرى غيرت مجرى تاريخ سوريا وأدخلتها في فضاء عالمي رحب، بعد أن كانت منبوذة متقوقعه في مجال لا يتعدى المجال الإقليمي المحدود. سنة مضت عادت سوريا للسوريين، ونفضت عن منكبيها غبار تعب سنين البؤس والقهر والحرمان والدم والإجرام حتى الإدمان، سنة مضت عادت شمس سوريا إلى مستقرها تسطع لتبهر العالم من جديد بحضارتها، وإرادتها وقوة شعبها الثائر الذي لم يستكن حتى أسقط الطاغوت الصغير، وريث الطاغوت الأكبر.

الثامن من ديسمبر 2024 كان بمثابة الفرج الأعظم بعد نصف قرن ونيف من نظام الطائفية والديكتاتورية والإجرام الذي حول سوريا إلى دولة فاشلة راعية للإرهاب والمخدرات والإبادة الجماعية، هذا اليوم كان الفاصل بين ظلمات الماضي ونور المستقبل.

    لم يعد ممكنا العودة ولو خطوة للوراء، وكل من يفكر بزرع الفتنة ومواجهة النظام الجديد بالعنف بهدف التقسيم، أو تشكيل إدارة ذاتية، أو العودة إلى الحكم فهو واهم

لم يكن سهلا أن تحرر حلب ودمشق مرورا بالمدن الكبرى، فيوم السقوط الكبير، وهروب الطاغية الصغير اهتز عرش كل من كان يدعمه، ومادت الأرض تحت أقدامهم، فسوريا الجوهرة التي كانت مرتعا لهم، خسروها في ليلة فقدت قمرها، وانبلجت على صبح آخر، بزغت فيه شمس الحرية، ووضعت سوريا قيادة وشعبا أمام التحديات الكبرى التي تنتظرها، فهروب الطاغية إلى حاميه ترك خلفه سوريا مدمرة، مرتهنة للخارج، محتلة من خمسة جيوش أجنبية، اقتصادها في الحضيض، وعملتها تكاد لا تساوي شيئا مقابل الدولار. نصف الشعب السوري خارج سوريا، ونازحون بالملايين، وترك أذياله، وفلوله، ليتآمروا على النظام الجديد فأشعلوا فتنة في الساحل السوري، ليثيروا نعرة طائفية ويتهموا النظام الجديد بأنه يبيد الأقليات. مع إن الطائفة العلوية حكمت سوريا لنصف قرن ونيف، ورغم كل الجرائم التي ارتكبت بحق الأكثرية السنية (أكثر من مليون قتيل والمقابر الجماعية شاهدة على ذلك) لم يتعرض أحدهم لأي تهديد، أو لعمليات انتقام، لكن هناك من لا يزال يحلم بالعودة للحكم، فرئيس المخابرات السابق كمال حسن، وابن خال المخلوع رامي مخلوف يخططان. وتمردت فئة من الموحدين الدروز يتزعمها حكمت الهجري مطالبين بالانفصال عن الوطن الأم، بحماية من دولة الاحتلال المارقة، الذين رفعوا أعلامها في السويداء، وشكلوا ما سمي «الحرس الوطني»، الذي يضم مجموعات من فلول النظام الهاربين، وبعض الأفراد الموالين للهجري، (الذي يسعى لتغيير اسم جبل العرب الذي أطلقه قائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش ضد الاستعمار الفرنسي على جبل الدروز باسم «جبل باشان» وهو اسم توراتي قديم)، ليقوم باعتقالات عديدة وتهديدات، واقتحام منازل، وإهانات، وحلق شوارب، وترهيب وتعذيب وقتل كل درزي يعارض مشروع الهجري. وشهدت منطقة جبل العرب مواجهات كبيرة بين فئة من الدروز والسكان المنتمين للعشائر، أودت بحياة العشرات، وتوترا كبيرا في المنطقة، وأدى مشروع الهجري الانفصالي إلى مواجهات أخرى داخل الطائفة الدرزية نفسها بين مؤيدي الهجري ومعارضيه، بعد قتل اثنين من شيوخ العقل تحت التعذيب (رائد المتني وماهر فلحوط) في حملة «الأمن الاستباقي» الذي اتهم الموقوفين بالتواصل مع دمشق والتحضير لانقلاب عسكري، وتذكر هذه الجرائم المرتكبة بجرائم النظام البائد بحق السوريين. ومن المعروف أن الهجري كان من الموالين للنظام البائد والمدافعين عنه، لكن مع سقوطه تحولت بوصلته إلى دولة الاحتلال. وفي شمال شرق سوريا حيث قوات سوريا الديمقراطية الكردية «قسد» التي تحتل ربع مساحة سوريا، لا تزال المواجهات مستمرة مع قوات الأمن السورية، رغم الاتفاق الذي أبرم بين رئيس «قسد» والرئيس السوري أحمد الشرع، بضم قواته إلى الجيش السوري في 10 مارس الماضي، وعلى غرار الطائفة الدرزية المنقسمة بين مؤيد ومعارض للسلطة المركزية فإن الأكراد منقسمون أيضا على أنفسهم، إذ قام حزب الوسط الكردي وعضو المجلس الوطني الكردي برئاسة شلال كدو، بعقد مؤتمر الحزب في دمشق وقال: «إن التوجه إلى دمشق يأتي من منطلق أن بناء سوريا يجب أن ينطلق من العاصمة»، وأضاف: «نحن في ضيافة الحكومة السورية، والشام عاصمتنا، وسنعمل من دمشق»، والسؤال المطروح كيف لفئة لا تتجاوز نسبتها 2 في المئة من السكان أن تحتل 25 في المئة من الأراضي السورية الغنية بالنفط والموارد الزراعية الكبيرة، والمياه. (الأكراد يوجدون بكثرة في كل المدن السورية، خاصة في دمشق وحلب، وجبل الأكراد، وهم يعارضون بشكل عام مشروع قسد). محاولات التجزئة التي تقوم بها هذه الفئات وجدت فيها دولة الاحتلال فرصتها لتطرح نفسها حامية للأقليات، وتحقيق مشروعها التقسيمي، وتفتيت المجتمع السوري، واحتلال المزيد من الأراضي السورية، وألغت اتفاق فصل القوات 74، وقامت باحتلال عدة نقاط في الأراضي السورية المحاذية للجولان المحتل، وقامت بقصف الجيش السوري، ومبنى رئاسة الأركان السورية، والمربع الأمني الذي كان يضم كل أسرار الدولة. لكنها تلقت مؤخرا ضربة موجعة من مقاومة شرسة من سكان بيت جن بعد توغل لاعتقال شابين، وكل محاولات التوصل إلى اتفاق أمني جديد باءت بالفشل، وحذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل من الاعتداء على سوريا مجددا، وطالب بإبرام اتفاق أمني، بين سوريا ودولة الاحتلال، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يضع شروطه منها جعل المنطقة الواقعة بين دمشق والجولان منطقة منزوعة السلاح. والتحدي الأكبر الذي يواجه سوريا بعد سقوط النظام البائد هو إعادة إعمار سوريا (التي قدرت الأمم المتحدة بأن تكاليفها تتجاوز 220 مليار دولار)، ورفع العقوبات، وبناء اقتصاد سليم، ودعم العملة السورية، ورفع مستوى المعيشة للمواطن السوري الذي لم يكن يتجاوز دخله 20 دولارا شهريا في زمن العهد البائد، والقضاء التام على انتاج وتصدير المخدرات، وإعادة بناء دولة المؤسسات. وترميم علاقات سوريا بالخارج، وقد نجحت الجهود المبذولة في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع عدد كبير من الدول، التي عادت لفتح سفاراتها في دمشق. كما تمت دعوة رئيس الدولة لأول مرة في تاريخ سوريا لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تمت دعوته أيضا للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في زيارة لا سابقة لها لرئيس سوري. في ظل هذه الأوضاع لم يعد ممكنا العودة ولو خطوة للوراء، وكل من يفكر بزرع الفتنة ومواجهة النظام الجديد بالعنف بهدف التقسيم، أو تشكيل إدارة ذاتية، أو العودة إلى الحكم فهو واهم، ومن ثوابت التاريخ أنه لا يعيد نفسه.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————

عام على «سوريا الجديدة» من دون الأسد!

 في العام 2024، منحت منظمة «الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد»، الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد، لقب «أكثر الأشخاص فسادا في العالم»، متفوقا في ذلك على زعماء مرشحين آخرين في كوريا الشمالية وكينيا وروسيا وفنزويلا.

أنهى انتصار الفصائل السورية المعارضة على هذا النظام، وفرار رئيسه إلى موسكو، في مثل هذا اليوم من السنة الماضية، حكم الأسد الذي ورثه، بشكل متعجّل اقتضى تعديل دستور البلاد في جلسة برلمانية سريعة، إثر وفاة أبيه حافظ في العام 2000.

بعد وعود خلّبية قصيرة الأجل بإجراء إصلاحات، كشّر الأسد الابن عن أنيابه، متابعا الطريق الذي خطّه أبوه عبر الحكم المركزي التأليهي للحاكم، والسيطرة العنيفة على شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام وحتى الشؤون الشخصية للبشر، ومع تنامي المعارضة لحكمه، إثر اندلاع شرارة الربيع العربيّ عام 2011، أطلق الأسد خطابا مبكّرا شهيرا يعتبر المطالبات بالإصلاح «مؤامرة إرهابية خارجية»، آخذا البلاد نحو حرب هائلة، ومحوّلا إياها إلى آلة كبيرة للإرهاب، فخطفت أرواح مئات الآلاف، وارتكبت انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، شملت التعذيب والقتل واستخدام الأسلحة الكيميائية والاعتقالات الجماعية واستهداف المدنيين، ودفعت قرابة نصف الشعب السوري إلى النزوح واللجوء، فيما اعتبر أكبر هجرة سكانية في القرن الواحد والعشرين.

إضافة إلى هذا السجل الفظيع، اعتمد الأسد على تمويل من إنتاج الكبتاغون، وأشكال أخرى من الجريمة المنظمة، مثل تهريب البشر والسجائر، وسرقة الآثار، وتجارة الأسلحة، وقد أسهم حكمه في نشر العنف والمخدرات والفساد في جميع أنحاء المنطقة وصولا إلى أوروبا والعالم، وحسب تقارير، فإن الأسد فرّ ومعه ثروة تقدر بعشرات مليارات الدولارات المنهوبة، وهو ما لمّح إليه تصريح لوزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، مؤخرا، لقناة «روسيا اليوم» قال فيه إنه قال للأسد: «أنت الآن أفضل رجال الأعمال لدينا»، ناصحا إيّاه بعدم متابعة الأخبار في الفترة الحالية، في ظل الاحتفالات التي خرجت في مناطق عديدة من سوريا ابتهاجا بالذكرى الأولى لسقوطه.

وضع هذا الخراب المتراكم على مدى عقود من حكم آل الأسد السلطات الانتقالية الجديدة أمام تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، ويمكن اعتبار وقف التمدد الإسرائيلي والاعتداءات والتوغّلات اليومية لقوات الاحتلال، وكذلك توحيد الجغرافيا السورية تحت السيادة الوطنية للدولة، من أهم هذه التحديّات.

ظهرت هذه التحدّيات بقوة، مع إعلان الإدارة الكردية في سوريا، التي تسيطر على مناطق واسعة في شمال شرق البلاد، منع الاحتفالات بذكرى سقوط الأسد، وهو ما طالب فيه غزال غزال، رجل الدين السوري العلوي البارز، أبناء طائفته رفضا لما اعتبره «ظلما جديدا» بحق الطائفة العلوية، وهو ما تزامن مع كشف وكالة الأنباء رويترز عن تمويل ابن خال الأسد، رامي مخلوف، ورئيس المخابرات العسكرية السابق، كمال حسن، لتشكيل ميليشيات علوية لإسقاط النظام الجديد.

تعرّض الحكم الجديد لما يشبه محاولة الانقلاب من قبل ميليشيات موالية للنظام السابق في آذار/ مارس السابق، أدت إلى مقتل المئات من قواته، وهو ما واجهه باستنفار شعبيّ وفصائليّ أدى إلى انتهاكات واسعة، ومجازر بحق العلويين، وأدت اشتباكات لاحقة في جرمانا وصحنايا والسويداء، وهي معاقل لطائفة الدروز، كذلك إلى تعرّض قواته لمذبحة في غارات إسرائيلية عليها، وتبعتها أيضا انتهاكات ومجازر ضد الدروز. إضافة إلى الإشكاليات الأمنية والسياسية التي خلقتها هذه الأحداث، فإن معالجة الحكم الجديد لقضايا الدستور والحوار الوطني والعدالة الانتقالية تعرّضت لانتقادات عديدة، وأثارت توتّرات إضافية للأوضاع في البلاد.

في المقابل، سجّل الحكم الجديد نجاحات كبيرة في الساحة الخارجية، حيث تم الترحيب به إقليميا وعربيا، وتم إلغاء أغلب العقوبات الاقتصادية على سوريا، وتوّج ذلك بلقائه الأخير بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي مثّل تغيّرا سياسيا كبيرا على صعد سياسية واقتصادية، وكذلك لقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أعاد ترتيب العلاقات مع موسكو، وعلاقاته الدافئة مع تركيا ودول الخليج العربي، وبالخصوص السعودية وقطر، وكذلك علاقاته مع جيرانه في الأردن ولبنان.

تشير هذه الوقائع إلى إنجازات خارجية غير مسبوقة لسوريا الجديدة، كما تشير إلى أخطاء سياسية داخلية جسيمة، لكن المحصّلة العامة، كما تظهر الاحتفالات الشعبية في سوريا، هي ارتياح وأمل كبير بتقدّم البلاد وعودة وزنها العربي والإقليمي والعالمي، الذي هدرته عائلة الأسد خلال 54 عاما من الطغيان.

القدس العربي

———————————————–

سينما السجون السورية… حياة تحدث خارج المكان/ ميار مهنا

08 ديسمبر 2025

لم تكن السجون في سورية مجرّد مؤسّسات عقابية تؤدي دوراً اجتماعياً وقانونياً، وإنما تحولت عبر عقود الاستبداد إلى ماكينة سياسية لتوليد الخوف، وصناعة الطاعة، وتحويل العنف إلى نظام حياة، متجاوزةً حيّزها المكاني نحو مركز ثقل رمزي في الذاكرة الجمعية والحياة اليومية على حدٍّ سواء. ومع تولي عائلة الأسد السلطة، تجذّر حضور السجون في حياة السوريين وتحوّل إلى مفهوم يختزل معانٍ شتى من العنف والظلم وإنتاج علاقات ذات أساس سلطوي بين سجان وسجين، وبين السجناء أنفسهم، وبين السجانين على المقلب الآخر.

أمام هذا التصاعد الحاد في عنف السجون، وجد الكتّاب السوريون أنفسهم أمام تجربة تتجاوز القدرة التقليدية للسرد؛ فلم تعد الكتابة عن السجن مجرّد وصف لمكان وزمان، بل محاولة لمواجهة جرح إنساني عميق، وسبر الأسئلة الأخلاقية والنفسية التي ينتجها هذا الفضاء. ومع تكدّس أدب السجون، بدا واضحاً أنّ اللغة تسعى إلى توليد صورة، وأنّ الشكل البصري سيكون، في لحظة ما، الوسيط الأقدر على حمل هذا الثقل.

في عام 1979، أنتجت المؤسّسة العامة للسينما أول فيلم سوري يتناول الاعتقال السياسي، وهو فيلم “القلعة الخامسة” للمخرج بلال الصابوني، والقصة من تأليف الكاتب العراقي فاضل عزاوي، والحوار للكاتب المصري صنع الله إبراهيم والكاتب رياض عصمت. يحكي العمل قصة اعتقال أستاذ مدرسة بسبب تشابه أسماء، لتتحوّل المصادفة إلى بوابة نحو عالم السجن وعمق التجربة السياسية-الإنسانية التي قد يسبّبها مجرّد التباس في الهوية. ما أنقذ الفيلم من المنع حينها أنه لم يقترب من زمن الأسد، بل عاد إلى مطلع الخمسينيات، إلى ما بعد الانقلابات العسكرية وقبل تشكّل النظام الأمني الحديث. بعد عام من صدور الفيلم نفّذ النظام واحدة من أشد المجازر دموية في سجن تدمر حيث أعدم 1200 معتقل خلال ثلاث ساعات، وفق تقديرات حقوقية. هكذا، بينما كانت السينما تُعيد صياغة الماضي القمعي بمسافة زمنية مريحة، كان الواقع يعيد إنتاج حاضر أكثر وحشية.

منذ تلك اللحظة، دخلت السينما السورية مرحلة المواربة، فمُنعت السينما من تناول الاعتقال السياسي، وكذلك الاقتراب من رموز السلطة. ومع اكتمال ملامح الدولة الأمنية واكتظاظ سجن تدمر بالمعتقلين، تخلّت السينما (التي كانت حكراً على القطاع العام) عن تمثيل السجن مباشرة، ونقلته إلى المعنى المضمَر. مع الزمن، راكمت الذاكرة السورية قصصاً لم تروَ حول سجني تدمر وصيدنايا والفروع الأمنية الكبرى، وأحاطت بالسجون هالة من الأسطرة والسرية، وباتت أمكنة تمتلك حضوراً ثقيلاً في المخيّلة المشتركة للسوريين.

كانت المخرجة هالة العبد الله تنوي إنجاز فيلم عن الشاعرة السورية دعد حداد التي غادرت الحياة دراماتيكياً في تسعينيات القرن الماضي، فاستقرّت أخيراً على سطر لحداد وجعلته عنواناً لفيلمها الوثائقي “أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها” (2006). الفيلم ليس عن السجن بصفته مكاناً، وإنما عن الأثر الذي يخلفه في نفوس من عاشوا التجربة، بالتحديد عن ثلاث نساء ورابعتهنّ هالة العبد الله نفسها، وعن ذكرى الاعتقال التي يحملنها. الفيلم يجسد هذه الذاكرة القلقة للمعتقل والمنفي وعلاقته المضطربة بالمكان (المنفى والوطن).

بعد عام، أخرج عبد اللطيف عبد الحميد فيلم “خارج التغطية” (2007) الذي وضع السجن خارج الكادر تماماً، وجعله مركز الحكاية في الوقت نفسه. شخصية المعتقل لا تحتل في ظهورها سوى جزء يسير من الفيلم، لكن غيابه يشبك مصائر ثلاثة أشخاص ينتظرون حسم علاقاتهم به (الابنة، الزوجة، الصديق).

في فيلم عبد الحميد، السجن يخلق حبكة درامية متخيّلة لكنها واقعية. أما في فيلم العبد الله، السجن يهدد الذاكرة نفسها، الأول يطرح سؤالاً أخلاقياً عن الوفاء للغائب مجهول المصير. المعتقل في “خارج التغطية” غائب لكن غيابه يحرك القصة وإمكانية عودته تهدد الحكاية بالانتهاء، أما في فيلم هالة العبد الله تحضر المعتقلات السابقات بذواتهنّ وذكرياتهنّ وآمالهنّ وانكساراتهنّ.

في أدب السجون السوري، الحكايات ليست مجرّد شهادات فردية، بل هي شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان، وصوت جمعيّ يبحث عن الاعتراف والعدالة. الرواية الذاتية التي كتبتها رغدة حسن “نجمة الصبح” مثال دالّ على رغبة أدب السجون في التحول إلى سينما. الرواية تحكي قصة حب تشتعل عبر الزنازين، بين رغدة حسن وزوجها الفنان الفلسطيني عامر داوود. هذه الحكاية لم تبقَ في حدود السرد، بل تحوّلت إلى الفيلم الوثائقي الذي صدر عام 2015 بعنوان “قصة حب سورية” (Syrian Love Story) من إنتاج “بي بي سي”. يرصد العمل خمس سنوات من حياتهما بعد السجن والمنفى، ليكشف كيف يمكن لتجربة شخصية أن تتحوّل إلى سرد بصري مفتوح على الذاكرة والمجتمع والسياسة.

هذا التحوّل يظهر بوضوح في رواية القوقعة لمصطفى خليفة؛ إذ لم يعد السجن خلفية للأحداث، بل أصبح هو الحدث نفسه، وهو اللغة، وهو الزمن المتعفّن الذي لا يمضي. هنا، كما يقول فرج بيرقدار عن الزمن داخل السجن “اللحظة ليست لحظة، إنها دهر كامل”. السجن، في هذه الأعمال، ليس مكاناً فحسب، بل تعطيلٌ للزمن، مترافق مع انكسار إنساني، وانقطاع عن العالم.

في كتابها “أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان”، تنطلق ريبيكا شريعة طالقاني في مصطلح “بويطيقا الاعتراف”؛ إذ تتحوّل تجربة الاعتقال من سرد ذاتي إلى خطاب حقوقي وجمالي وأخلاقي، يطالب بالظهور وإعادة تعريف الذات خارج دور الضحية الصامتة بوصفه حقاً.

هذا الانتقال من الحكاية إلى الصورة جسّدته سينما المنفى السورية، خصوصاً أعمال مجموعة “أبو نضارة” التي قدّمت مفهوم “سينما الطوارئ” ورفعت شعار: “الحق في الصورة”. هنا، لم تكن الكاميرا وسيلة لتوثيق السجن، بل لاستعادة الكرامة، ورفض تحويل الألم إلى مشهد بكائي أو استهلاك بصري.

من جهة أخرى، أعاد فيلم “تدمر” (2016) لمونيكا بورغمان ولقمان سليم بناء سجن تدمر ليس كما كان في الواقع، بل كما ظلّ في ذاكرة الناجين. يُعاد إنشاء السجن داخل مدرسة مهجورة في لبنان، ويتولى المعتقلون أنفسهم تشكيل المكان، وتحديد مواقع الأبواب والزنازين وأصوات السجانين وشخصياتهم، وحتى أساليب تعذيبهم. السجن هنا لم يعد هندسة معمارية، بل هندسة نفسية وإعادة تعريف علاقة الإنسان بمكان لم يعد موجوداً، بعد أن فجّره “داعش” عام 2015.

ومع ذلك، تظلّ السينما عاجزة عن تمثيل زمن السجن؛ فزمن الفيلم محدود، بينما زمن السجن كما يصفه بيرقدار “رخو، بليد ثقيل، لا يتحرّك”.

مع اندلاع ثورة 2011، تحوّلت السجون إلى واقع دامٍ يتسرّب إلى الشارع والوجوه والشاشات. اعتقل نظام بشار الأسد ما يتجاوز مئة ألف شخص، وباتت فكرة المعتقل جزءاً من الحياة المعيشة، وكان لا بدّ من انفجار الرغبة في القصّ، ولا سيّما حين اضطر ملايين السوريين إلى ترك بلادهم واللجوء إلى بلادٍ أكثر أماناً. ومع أنّ الخوف لم يسقط تماماً، إلّا أن كثيراً من اللاجئين أثاروا القص عبر شهادات، أو أفلام وثائقية، أو محاولات روائية وبصرية تحاول التقاط معاني هذه التجربة.

ظهرت أفلام وثائقية عدّة مثل “عيوني” لياسمين فضة عام 2020. يتناول هذا العمل قضية الاختفاء القسري من خلال شخصية الأب باولو والشاب السوري الفلسطيني باسل خرطبيل المعروف باسم باسل الصفدي.

وعند سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تحول ثقل سينما السجون من خارج البلاد إلى داخلها حين فتحت أبواب الزنازين، وخرج مَن تبقى من المعتقلين الناجين. حينها، كشف عن حجم الكارثة الإنسانية، كما انتشرت شائعات تعظم وحشية السجان في حين كانت الحقيقة وحدها كافية.

صورت وسائل إعلام كبرى وثائقيات عن السجون مثل “وما أدراك ما صيدنايا” من إنتاج قناة الجزيرة، و”النجاة من صيدنايا” من إنتاج “بي بي سي”، و”صيدنايا… الثقب الأسود” من إنتاج قناة العربية، و”الناجون من سجون الأسد” من إنتاج “فرانس 24″، إضافة إلى عشرات الأفلام المستقلة الأخرى التي جاء مخرجون من أصقاع الأرض لتصويرها عن سجون الأسد ذائعة الصيت، سيئة السمعة.

تزامن دخول الكاميرا إلى السجون مع اختفاء وثائق وملفات كانت قد تكشف مصير مئات المغيّبين؛ ما يضع الفن أمام سؤال أخلاقي حاد: هل يجوز تحويل مسرح جريمة لم يُقفل بعد إلى موقع تصوير؟

العربي الجديد

—————————————-

مشهد سوري جديد: التحول نحو المعسكر الغربي.. الإمكانيات والحدود/ محمد سليمان

8 ديسمبر 2025

بينما يتابع السوريون كثافة الحديث الدولي عن “سوريا الجديدة”، تظهر داخل الأوساط السياسية قراءات متباينة حول الطريق الذي يجب أن تسلكه البلاد لتحقيق انتقال فعلي، فهناك من يرى أولوية الإصلاح الداخلي وبناء دولة مؤسسات قبل أي إعادة تموضع خارجي، في مقابل من يعتبر أن كسر العزلة الدولية والتحوّل في السياسة الخارجية هو المدخل الضروري لإنقاذ الاقتصاد وإطلاق الإصلاح الداخلي. في هذا السياق، تبرز رؤيتان لافتتان لمسار سوريا المقبل يقدّمهما الناشطان السياسيان حسين الشبلي وأدهم جمال، تعكسان اختلافًا عميقًا في فهم طبيعة المرحلة وشروط تغيّرها.

يرى الناشط السياسي حسين الشبلي أن التحديات التي تواجه سوريا لا تبدأ من التموضع السياسي الدولي، بل من الأساس الداخلي للدولة نفسها. فبرأيه، لا معنى للانتقال من المعسكر الشرقي إلى الغربي ما لم يكن ذلك جزءًا من عملية تحول بنيوي نحو دولة ديمقراطية حديثة، تستمد شرعيتها من الشعب باعتباره مصدر السلطات.

ويذهب الشبلي إلى أن مجرد التقارب مع القوى الغربية لا يجلب الازدهار تلقائيًا، مستشهدًا بالفوارق بين تجارب ناجحة مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، وأخرى متعثرة كأفغانستان والعراق. فالنجاح ـ كما يقول ــ مرهون بوجود مؤسسات حقيقية لا تخضع لسلطة الفرد أو للعصبيات التقليدية. ومن هنا يدعو إلى الانتقال من “عقل الشرق”، الذي يقوم على الحكم الشخصي، إلى “عقل الغرب” القائم على القانون والمؤسسات.

أما في ما يتعلق بالموقف الدولي، فيشير الشبلي إلى أن الغرب لم يبلور مشروعًا متكاملًا لسوريا، بل ركّز على هدف واحد: إخراج إيران من المعادلة السورية وقطع الطريق بين طهران وبيروت. وكل ما عدا ذلك، وفق رؤيته، لا يزال غير واضح. بل إن الدور السياسي والعسكري لسوريا الجديدة يبدو ــ حتى الآن ــ مرتبطًا بالصراع الأميركي الإسرائيلي مع طهران، وهو ما تؤكده تصريحات شخصيات غربية تحدثت عن دور محتمل للقوات السورية في مواجهة نفوذ الحرس الثوري.

ويضيف الشبلي أن السوريين لم يلمسوا أي تحسّن ملموس في معيشتهم رغم الحديث عن تقارب مع الغرب، كما أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، مما يجعل الشارع السوري يشعر بأنه يسمع الكثير عن التحوّل الجيوسياسي، لكنه لا يرى نتائجه.

في المقابل، يقدم الناشط السياسي أدهم جمال رؤية مختلفة، إذ يرى أن التحوّل السياسي الخارجي هو المدخل الأساسي لأي عملية إصلاح داخلية. فبرأيه، لا يمكن لسوريا بناء مؤسسات قوية أو تحقيق انتعاش اقتصادي ما لم تخرج من حالة العزلة الدولية وما لم تُعد تموضعها ضمن تحالفات تسمح بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.

ويعتبر جمال أن الارتباط الوثيق بمحور الشرق (وخصوصا إيران) أدى إلى انغلاق سياسي واقتصادي خانق، جعل سوريا غير قادرة على الوصول إلى موارد التمويل العالمية ولا إلى منظومات التنمية الدولية، ولذلك فإن الانتقال نحو المعسكر الغربي، أو على الأقل تبني سياسة خارجية أكثر توازنًا، هو خطوة لا بدّ منها لفتح الأبواب المغلقة.

ويخالف جمال الشبلي في نقطة غياب المشروع الغربي، مؤكدًا أن الدول الغربية وإن لم تعلن خطة كاملة، إلا أنها تمتلك رغبة واضحة في إعادة الاستقرار إلى سوريا بشرط قيام السلطة الجديدة بضبط السلاح غير الشرعي، وتبنّي سياسات إقليمية لا تشكل تهديدًا لجيرانها، ومن هذا المنطلق، يرى جمال أن التغيير الخارجي هو الشرط الضروري، وإن لم يكن كافيًا وحده، لبدء إصلاح داخلي فعلي.

تكشف تصريحات الشبلي وجمال عن جوهر الانقسام في تقييم مسار التحوّل الذي يُطرح اليوم حول توجّه سوريا نحو المعسكر الغربي. فالأول يربط أي تغيير خارجي بوجود بنية مؤسساتية حديثة قادرة على ضمان انتقال ديمقراطي حقيقي، بينما يرى الثاني أن الإصلاح الداخلي سيظل معطّلًا ما لم تُكسر العزلة الدولية ويُعاد فتح بوابات الاستثمار والإعمار، وبين هاتين الرؤيتين، يبقى المشهد السوري معلّقًا بين وعود سياسية واقتصادية لم تُختبر بعد، وانتظارات شعبية تبحث عن مؤشرات ملموسة على الأرض. ومع استمرار الغموض حول حدود هذا التحوّل ونتائجه، يبدو أن مستقبل “سوريا الجديدة” سيُرسم عند نقطة التوازن بين الداخل والخارج، حيث تُصبح قدرة الدولة على بناء مؤسسات فاعلة بقدر أهمّية تموضعها في النظام الدولي.

———————————–

=========================

أحداث ووقائع واحتفالات

———————————-

الرئيس الشرع في الذكرى الأولى للتحرير: نعلن القطيعة مع إرث الطغيان ونفتح فجرًا جديدًا للسوريين

ديسمبر 8, 2025      

نور جوخدار

ألقى السيد الرئيس أحمد الشرع، اليوم الاثنين، كلمة خلال احتفالية الذكرى السنوية الأولى للتحرير في قصر المؤتمرات بدمشق، بحضور السيدة الأولى لطيفة الدروبي ووسط حضور رسمي ودولي.

واستهل الرئيس الشرع كلمته مخاطبًا السوريين، قائلًا: “إلى الأبطال الذين حرروا البلاد بدمائهم، والأمهات اللواتي صبرن على الفقد واحتفظن بالأمل في قلوبهن رغم الألم، إلى الأبناء الذين فتحوا عيونهم على اليتم ومروا بظلام الفقد قبل أن يعرفوا معنى الحياة، وإلى الشعب السوري العظيم الذي صمد رغم كل الصعاب وواجه سنوات من القهر والظلم داخل البلاد وخارجها، إليكم أيها الحاضرون في قلب التاريخ وأنتم تشكلون صفحة من صفحات البطولة وحكاية من حكايات النصر العظيم، نبارك لكم جميعًا ذكرى تحرير سوريا من الطغيان والاستبداد، وعودة الوطن إلى أهله شامخًا حرًا عزيزًا كما كان دومًا”.

وأكد أن سوريا “فقدت الشام، درة الشرق، لأكثر من خمسة عقود”، في إشارة إلى حقبة النظام المخلوع، مضيفًا أنهم “حاولوا سلخها عن هويتها وحضارتها وعمقها التاريخي، وسعوا عبثًا لدفنها مرارًا وتكرارًا، ولكن أنّى للأقمار أن تُخفي وجوهها، وأنّى للشمس أن يُحجب نورها”.

وتابع الرئيس الشرع: “هنا الشام، من هنا عبرت البشرية ومن هنا ستعود من جديد، ومن هذه الأرض الطاهرة تسللت إلى قلوب البشر نسائم الإيمان، ومن هنا أدرك الناس معنى الإنسانية والوفاء والعدل والحكمة وتوارثوها جيلًا بعد جيل”.

وأوضح أن حقبة النظام المخلوع كانت “صفحة سوداء في تاريخ سوريا، استحكم فيها المستبد حينًا من الزمن، ثم ما لبث أن هوى لتشرق من جديد أنوار البصيرة وحسن الحوار وجسور المحبة والإخاء”، مشيرًا إلى أن الشام “باتت محط القلوب وميزان المصالح، وتغيرت حكايات الناس عن سوريا وأهلها من الإشفاق إلى الإعجاب والاعتزاز، كل ذلك في عام واحد ولله الحمد”.

وأشاد بالشام وأهلها، قائلًا: “ما أعجبك يا شام! ففيكِ الخير وحسن المعشر وأطيب القلوب وأفطن العقول وألمع الأذهان. وكان أهلكِ أشد بأسًا حين سُلبت الحقوق وأُهينت الكرامة، وأدركوا مبكرًا أن الحقوق تُنتزع لا تُوهب، وأن للحرية ثمنًا يجب وفاؤه، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، فكان لكل ذلك جميل العطاء”.

وبيّن أن النظام المخلوع “عمد إلى زرع الفتنة والتفرقة بين أبناء شعبنا، وبثّ الشك في قلوب وعقول السوريين، فأقام بين السلطة والشعب سدودًا من الخوف والرعب، وحوّل عقد المواطنة إلى صك ولاء وعبودية، وأضعف عزيمة الناس، وجرّ بلدنا إلى أدنى المراتب في مختلف المجالات والاختصاصات. كما أسس لكيان يقوم على اللاقانون، ونشر الفساد، وأمعن في إفقار الشعب وتجهيله وحرمانه من حقوقه، فباتت الكلمة جريمة، والإبداع وصمة عار، وحب الوطن تهمة وخيانة”.

وأعلن الرئيس “قطيعة تاريخية مع ذاك الموروث، وهدمًا كاملًا لوهم الباطل، ومفارقة دائمة لحقبة الاستبداد والطغيان، إلى فجر جديد قوامه العدل والإحسان والمواطنة والعيش المشترك والإبداع والتألق في بناء الوطن”، مشددًا على أن “نهاية معركتنا مع النظام المخلوع لم تكن إلا بداية لمعركة جديدة في ميادين العمل والاجتهاد؛ معركة مقاربة الأقوال بالأفعال، والعهود بالوفاء، والقيم بالامتثال”.

وأضاف: “لقد منحنا الشعب الثقة بعد سنوات من القهر والظلم، وأودعنا أمانة المسؤولية، فليكن شعارنا الصدق وعهدنا البناء”، مشيرًا إلى أنه “منذ اللحظة الأولى للتحرير، تجولنا في المحافظات، واستمعنا لهموم الشعب ومطالباته”.

وتطرق الرئيس الشرع إلى أن القيادة وضعت رؤية واضحة لسوريا الجديدة؛ “دولة قوية تنتمي إلى ماضيها التليد وتتطلع إلى مستقبلها الواعد، وتعيد تموضعها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي والدولي. عملنا على تعريف العالم بهذه الرؤية، فاستقبلنا الوفود وزرنا البلدان، وأسهمت الدبلوماسية السورية في تغيير جذري لصورة سوريا في الخارج، وجعلها شريكًا موثوقًا لدول المنطقة والعالم”.

وحول الشق الاقتصادي والاستثماري، أكد أنه “تم عقد شراكات استراتيجية مع دول صديقة في قطاعات حيوية شملت الطاقة والموانئ والمطارات والعقارات والاتصالات، وقد أسهمت هذه الشراكات في تعزيز التعافي الاقتصادي وفتح أبواب الاستثمار وخلق فرص العمل وتحسين بنية الاقتصاد الوطني”.

“أما على مستوى الحياة والمعيشة، فقد حرصنا على ترشيد السياسة الاقتصادية لتنعكس مباشرة على المواطنين، فرفعنا مستوى الدخل تدريجيًا، وخففنا المعاناة، وأرسينا بيئة أكثر استقرارًا وعدالة”.

“ودمجنا القوى العسكرية المختلفة ضمن جيش وطني موحد قائم على المهنية وولاء المؤسسة للوطن، مما أسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في الوطن”.

كما أكد التزام الدولة بمبدأ العدالة الانتقالية “لضمان محاسبة كل من انتهك القانون وارتكب جرائم بحق الشعب السوري، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وإحقاق العدالة”، مضيفًا أن “حق الشعب في المعرفة والمساءلة، ثم المحاسبة أو المصالحة، هو أساس استقرار الدولة وضمان لعدم تكرار الانتهاكات، وهو حجر الأساس لبناء الثقة بين المواطن والدولة”.

وأشار إلى أنه “لا ننسى أبدًا المفقودين وأسرهم الذين يمثلون قضية إنسانية لها الأولوية، لا مساومة فيها، ونحن ملتزمون بالبحث عن الحقيقة دون توقف”.

واختتم الرئيس كلمته، قائلًا: “أيها الشعب السوري الكريم، لقد أثبتم للعالم أن النصر مجرد بداية، فتعالوا بنا جميعًا نكمل الحكاية؛ حكاية شعب صمد وصبر، فأعزه الله ونصره. تعالوا لنجعل من النصر مسؤولية تتجلى فينا جدًا وعملًا وعدالة ورحمة، لننهض بوطننا الحبيب نحو مصاف الدول المتقدمة”.

ووجه “تحية وسلامًا إلى أولئك الذين مهدوا الطريق لنا بدمائهم وعذاباتهم وجراحهم وآلامهم، من مجاهد وأسير وشهيد وجريح وثائر ومكافح، ولأسرهم أجمعين”.

———————————-

 الشرع في الذكرى الأولى للتحرير: سوريا تعود شامخة ووحدة الشعب أساس المستقبل

2025.12.08

شارك الرئيس السوري، أحمد الشرع، وعقيلته السيدة لطيفة الدروبي، مساء اليوم الإثنين، في احتفالية الذكرى السنوية الأولى للتحرير في قصر المؤتمرات بدمشق، حيث ألقى كلمة بارك فيها للشعب السوري هذه الذكرى.

وأكد الرئيس الشرع في كلمته أن سوريا عادت “شامخة” بعد تحريرها من الظلم والاستبداد، مشدداً على أن وحدة الشعب السوري هي أساس المستقبل.

وقال:”إلى الأبطال الذين حرروا البلاد بدمائهم، والأمهات اللواتي صبرن على الفقد واحتفظن بالأمل في قلوبهن رغم الألم، وإلى الأبناء الذين فتحوا عيونهم على اليتم ومروا بظلام الفقد قبل أن يعرفوا معنى الحياة، وإلى الشعب السوري العظيم الذي صمد رغم كل الصعاب وواجه سنوات من القهر والظلم داخل البلاد وخارجها، إليكم أيها الحاضرون في قلب التاريخ، وأنتم تشكلون صفحة من صفحات البطولة وحكاية من حكايات النصر العظيم”.

دمشق: درّة الشرق

وأشار الرئيس إلى أهمية دمشق ووصفها بأنها “درّة الشرق”، قائلاً:”لقد فقدنا الشام لأكثر من خمسة عقود، وحاولوا سلخها عن هويتها وحضارتها وعمقها التاريخي، وسعوا عبثاً لدفنها مراراً وتكراراً، ولكن أنّى للأقمار أن تخفى وجوهها، وأنّى للشمس أن يحجب نورها”.

وأضاف:”من هنا عبرت البشرية، ومن هنا ستعود من جديد، ومن هذه الأرض الطاهرة تسللت إلى قلوب البشر نسائم الإيمان، ومن هنا أدرك الناس معنى الإنسانية والوفاء والعدل والحكمة وتوارثوها جيلاً بعد جيل”.

حقبة النظام السابق والعدالة الانتقالية

وتحدث الشرع عن حقبة النظام المخلوع واصفاً إياها بأنها “صفحة سوداء في تاريخ سوريا”، مؤكداً أن بلاده أعلنت قطيعة كاملة مع تلك الحقبة وانتقلت إلى فجر جديد. وقال:”رؤيتنا لسوريا أن تكون قوية ونعيدها إلى مكانتها الطبيعية، بعد أن عمد النظام البائد لزرع الفتن والتفرقة بين أبناء شعبنا، وأسّس لكيان يقوم على اللاقانون”.

وأشار إلى التزام الحكومة بالعدالة الانتقالية قائلاً:”الشعب منحنا الثقة بعد سنوات من القهر والظلم وأودعنا أمانة المسؤولية، ونحن ملتزمون بمحاكمة كل من أقدم على الانتهاكات، ودمجنا الفرق العسكرية المختلفة في جيش واحد يرسخ الاستقرار”.

الصمود الاقتصادي والاجتماعي

أكد الرئيس أن الشام أصبحت “مهوى الأفئدة”، وأن نظرة الناس إلى سوريا تغيرت خلال عام واحد، مشيداً بصمود الشعب السوري وأخلاقه العالية.

وبيّن أن الحكومة السورية عملت على ترشيد السياسات الاقتصادية لتنعكس مباشرة على المواطنين، كما رفعت مستوى الدخل بشكل تدريجي لتخفيف المعاناة.

وأضاف: “وضعنا رؤية واضحة لسوريا الجديدة، دولة قوية تنتمي إلى ماضيها التليد وتتطلع إلى مستقبلها الواعد، وتعيد تموضعها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي والدولي”.

وتابع: “عملنا على تعريف العالم بهذه الرؤية، فاستقبلنا الوفود وزرنا البلدان، وأسهمت الدبلوماسية السورية في تغيير جذري لصورة سوريا في الخارج وجعلها شريكاً موثوقاً لدول المنطقة والعالم”.

الاحتفالات والعروض العسكرية

تكتظ ساحة الأمويين في قلب العاصمة دمشق بعشرات الآلاف من السوريين الذين توافدوا من كل حدب وصوب للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لسقوط حكم بشار الأسد المخلوع، حيث ترفرف ألوان العلم السوري في الأرجاء، وتصدح الأغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت.

وشهد أوتستراد المزة في دمشق العرض العسكري المركزي الذي نظمته وزارة الدفاع بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للنصر والتحرير، بحضور الرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء والقادة العسكريين وكبار المسؤولين.

وأدى الرئيس الشرع صلاة الفجر في المسجد الأموي، مؤكداً في كلمة عقب الصلاة أن سوريا ستعود قوية “من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها”، عبر بناء يعكس حضارتها العريقة.

————————–

بانوراما قادة التحرير.. من الميدان إلى بناء الدولة وتدعيم أركانها

ديسمبر 8, 2025      

مها سلطان

لم يكن صباح يوم الأربعاء (27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024) صباحا عاديا لسوريا وأهلها، أو لعموم المنطقة، حيث كانت كل الأنظار متجهة نحو لبنان وإسرائيل بانتظار دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

في ذلك الصباح برزت سوريا كاستثناء فرض نفسه على حالة اللايقين، ليعيد توجيه البوصلة كليا، ويقلب أي توقعات أو نظريات كان يتم وضعها، ولو جزئيا، لاستبيان خط واضح لما ستقود إليه التطورات، وكانت هذه التطورات متسارعة جدا.

انطلقت عملية “ردع العدوان” في ذلك الصباح، بقيادة “هيئة تحرير الشام” معلنة بدء معارك تحرير سوريا، وعلى الفور تركزت كل الأنظار على سوريا، وعلى المعارك التي توالت على مدى 12 يوما، منتقلة من محافظة إلى محافظة، وصولا إلى دمشق التي كانت محطة التحرير الرئيسية، بالتزامن مع فرار أركان النظام المخلوع بدءا من رئيسه بشار الأسد إلى كبار ضباطه ومسؤوليه، وبعدها تم إعلان النصر الكامل: سوريا حرة.

لم تكن الأنظار التي تركزت على عملية “ردع العدوان” منصبة فقط على سير المعارك وميادينها، بل كانت متركزة بشكل أساسي على قادة هذه المعارك وكيف أداروا عمليات التحرير بأقل الخسائر في الأرواح أولا وفي الماديات ثانيا، ما جعلهم محل قبول ورضا السوريين الذين خرجوا في استقبالهم مع وصولهم تباعا إلى دمشق بدءا من صباح الـ8 من كانون الأول/ديسمبر 2024.

برز اسم الرئيس أحمد الشرع قائدا أعلى (وكان حينها يقود العمليات كقائدا لهيئة تحرير الشام)، وبرزت إلى جانبه أسماء قادة وفصائل، كانوا رفاق السلاح والمعارك والتحرير. هؤلاء كانوا في قلب اهتمام السوريين بحثا عن معرفة أكبر بهم، رغم أنهم في أغلبهم كانوا معروفين، ولكن الانتصارات المتوالية دفعت السوريين إلى البحث عن تفاصيل التفاصيل، وعلى أكثر من مستوى، سواء على المستوى البيني (بين القادة أنفسهم وتحالفاتهم) أو على مستوى العلاقة مع القائد الأعلى للعمليات، الرئيس الشرع، وكيف كانت تدار المعارك لناحية التواصل والتنسيق والتوافق، حيث إن تعداد هؤلاء القادة مع فصائلهم كان يعد بالعشرات، بينهم 20 قائدا بارزا على الأقل، انتقلوا من الميدان إلى العمل العسكري المنظم/الرسمي، وبعضهم انضوى في إطار العمل السياسي.

ذلك الاهتمام لم يقتصر على السوريين فقط، بل تعداهم إلى الإقليم والمستوى الدولي. الجميع كان يبحث عن أكبر معرفة ممكنة بفصائل التحرير وقادتها، خصوصا وأنه كانت لهم علاقاتهم الإقليمية المعروفة، والتي كانت داعما ومؤازرا لهم في الميدان، وفي مرحلة العمل السياسي اللاحق، والتي حققت في هذا العام 2025 الكثير من الإنجازات التي كانت محط اهتمام، مستقطبة مزيدا من الدعم لسوريا ولقيادتها الجديدة ولرئيسها أحمد الشرع.

اليوم، ومع مضي عام أول على التحرير، ومع احتفالات السوريين المستمرة، والتي ستبلغ ذروتها اليوم، يوم التحرير، نستذكر أبرز قادة التحرير وسيرهم وأدوارهم في الميدان قبل التحرير، وفي العمل الرسمي بعد التحرير، في سبيل تحقيق القوة والنهضة لسوريا، وبما يعطيها مكانتها التي تستحق كدولة وكشعب، على خرائط المنطقة التي ترتسم معالمها سياسيا واقتصاديا (وعسكريا).

لا شك أن الإنجازات الكبرى هي ثمرة تضافر الجهود وتراكم التضحيات، وعندما نتحدث عن تحرير عظيم كالذي استحقته سوريا، فإننا على الأكيد لا نتحدث عن تغيير عادي في الخريطة السياسية الداخلية (تغيير النظام)، بل نتحدث عن انقلاب في كامل المنظومة داخليا وخارجيا وعلى كل المستويات، لذلك فإن قادة التحرير يستحقون توثيقا كاملا، للحقيقة والتاريخ، لما قدموه من إنجازات وتضحيات، على طريق التحرير وتحقيق النصر النهائي.

من هم قادة التحرير؟

في التالي، لا نسرد أسماء بعينها كأشخاص، فمفهوم قادة التحرير يتعدى القائد الشخصي، بل يشمل المؤسسات والفصائل والمقاتلين والمدنيين والصحفيين والإعلاميين، وكل من شارك في هذا النصر. في 24 كانون الثاني/يناير الماضي، أي بعد شهر ونصف من يوم التحرير الذي كان في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، شارك قادة التحرير الرئيسيون في “خطاب النصر” الذي جمعهم مع الرئيس الشرع. في هذا الخطاب كان التركيز على ضرورة التكاتف ورص الصفوف والعمل لبناء سوريا الجديدة التي انتظرها السوريون لعقود، مؤكدين أن عهد الاستبداد والإجرام انتهى، مع عودة سوريا إلى أهلها وإلى عمقها الحضاري والتاريخي.

بعد خطاب النصر، وفي اجتماع موسع في 29 كانون الثاني/يناير الماضي ضم العقيد حسن عبد الغني كان الوجه الأبرز حيث كان المتحدث الرسمي باسم إدارة العمليات العسكرية أثناء معارك “ردع العدوان”، إلى جانب الوزير مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات عبد الرحمن السلامة، وكلا من القادة: عامر الشيخ، أحمد عيسى الشيخ، عزام الغريب، فضل الله الحجي، عصام بويضاني، فهيم عيسى، شاهر جبر عمران.. والعديد، تم إعلان الرئيس الشرع رئيسا لمرحلة انتقالية من خمس سنوات، فيما أعلن 18 فصيلا (كانت تعمل تحت إدارة العمليات العسكرية) حل نفسه رسميا والانضمام إلى وزارة الدفاع في سوريا تحت قيادة الرئيس الشرع.

أبرز الفصائل التي حلت نفسها هي “هيئة تحرير الشام”، ومن ضمنها قوات النخبة “العصائب الحمراء” التي لعبت دورا رئيسيا في معارك التحرير، ما دفعها إلى دائرة التركيز الشديد، خصوصا في عملية تحرير حماة. فبينما كانت فصائل “ردع العدوان” تواجه مقاومة شديدة من قوات النظام المخلوع خلال التقدم نحو مدينة حماة، دفعت “هيئة تحرير الشام” بواحدة من فرق النخبة تدعى “العصائب الحمراء”.

العصائب الحمراء

في آب/أغسطس من عام 2018، نشرت “هيئة تحرير الشام” إصدارا مرئيا بعنوان “لن نركع إلا لله”، ظهر فيه للمرة الأولى عناصر من قوات النخبة التابعة لها، وهم يتدربون على مهارات قتالية عالية، بينما يضعون حول رؤوسهم عصابة حمراء، ليرتبط اسم هذه المجموعة في السنوات اللاحقة بتنفيذ عمليات تنطوي على درجة عالية من الخطورة، لا سيما في أرياف إدلب وحلب وحماة واللاذقية.

في مطلع عام 2020 ظهر قائد “هيئة تحرير الشام” الرئيس أحمد الشرع (حينها) وهو يضع عصابة حمراء حول رأسه ضمن مجموعة من المقاتلين أثناء ما عرف بـ”بيعة الموت”، حيث أدى المقاتلون ما يشبه القسم أمامه.

يتلقى مقاتلو “العصائب الحمراء” تدريبات مكثفة مع تزويدهم بأسلحة نوعية خاصة، وتم إظهار المجموعة على أنها “القوة الهجومية الضاربة والأقوى” في “هيئة تحرير الشام”، باعتبارها رأس الهرم في التقسيمات العسكرية.

منذ مطلع عام 2021، زادت “هيئة تحرير الشام” حملات التجنيد في صفوف العديد من قوات النخبة المنضوية في صفوفها، ونشرت مرات عديدة إعلانات لفتح باب الانتساب لـ”العصائب الحمراء”، وكانت تشترط أن يكون المتقدمون حصرا من أعضائها، ويتمتعون بصحة جيدة، ولديهم الاستعداد للتقيد بالنظام الداخلي، في إشارة ربما إلى القواعد الصارمة والتدريبات المكثفة التي يتلقاها المجندون الجدد.

تسند إلى هذه المجموعة المهام القتالية الأشد صعوبة والأكثر خطورة، إذ ظهرت هذه القوات في إصدارات إعلامية كثيرة تتكلم فيها عن مهامها وتدريبها العسكري من خلال تخريج معسكرات تابعة لها. وغالبا ما اعتمدت “هيئة تحرير الشام” على هذه المجموعة، إما لتنفيذ هجمات نوعية أو عمليات اقتحام عندما يستعصي على القوات التقليدية تحقيق تقدم في المعارك، إذ يمتلك عناصرها خبرات كبيرة تمنحهم التفوق في مواجهة الجيوش النظامية، لا سيما في ظل الإعداد العقائدي الذي يتلقونه، بحيث يبدون غير آبهين بالموت.

إضافة إلى عمليات الاقتحام، تضم “العصائب الحمراء” مجموعات من القناصين الذين تلقوا تدريبات مكثفة، وكان لهم دور رئيسي في عمليات الاستهداف، كما تضم اختصاصات متنوعة مثل الدبابات والرشاشات، وهناك العاملون على مضادات الدروع، والاستطلاع، والهندسة، والاختصاصات الأخرى.

أما “جيش العزة”، كان جزءا من الجيش السوري الحر، وشارك في معارك ضد النظام، حيث نشط شمال سوريا، خاصة في ريف حماة، بقيادة الرائد جميل الصالح.

و”جيش الإسلام” هو من الفصائل البارزة التي لعبت أدوارا أساسية، اتخذ من بلدة دوما في ريف دمشق مقرا له، وكان قد فرض سيطرته على غالبية الحواضن الثائرة المحيطة بالعاصمة من الغوطة الشرقية في ريف دمشق وبلدة القلمون ومحيطها وصولا إلى الحدود اللبنانية. كذلك سيطر على أحياء داخل العاصمة وأطرافها الشرقية، أهمها القابون وبرزة البلد وجوبر وزملكا وغيرها، وصولا إلى ساحة العباسيين، أهم الساحات الدمشقية بعد ساحة الأمويين. شهد حالة من الضعف بعد مقتل قائده زهران علوش، حيث اضطر للخروج باتفاق (في إطار الاتفاقات التي كانت ترعاها روسيا) نحو الشمال السوري بعد سنوات من القتال.

أما حركة أحرار الشام، فهي واحدة من أوائل الفصائل التي تشكلت مع بداية الثورة، لكنها تعرضت لضربة قاسية في عام 2014 عندما فقدت عددا من قادتها إثر استهداف أحد مقراتها.

فصائل الجنوب السوري، كانت من أوائل المجموعات التي وصلت إلى دمشق بعد تحريرها. في حين أن “أنصار التوحيد” وهي من أكبر فصائل التحرير بعد “هيئة تحرير الشام”، تميز بالقوة والنفوذ وقبول شعبي واسع، وضم مجموعة من الكتائب العسكرية المحلية للقتال في مناطق ريف حلب الشمالي.

وكان هناك أيضا فصائل: فيلق الشام، وحركة نور الدين الزنكي، جيش النصر، فرق الصالحية، جيش الأحرار، ألوية صقور الشام، جماعة أنصار الإسلام، لواء المهاجرين والأنصار، الجبهة الشامية، جيش سوريا الحرة.

تمت ترقية العديد من قادة “ردع العدوان” في مناصب عسكرية، وأبرزهم مرهف أبو قصرة وزيرا للدفاع، وعلي النعسان في منصب رئيس هيئة الأركان، إلى جانب عدد من القادة الذين كان لهم دور كبير في معارك التحرير.

هذا المشهد كان قبل التشكيل الرسمي للحكومة في أواخر آذار/مارس الماضي، حيث دخلت أسماء جديدة بخلفياتها العسكرية إلى المشهد السياسي والعمل الدبلوماسي.

من العمل الميداني إلى العمل الرسمي

في 29 آذار/مارس الماضي أعلن الرئيس الشرع تشكيل حكومة جديدة تضم 23 وزيرا، وذلك في تطور كبير وضروري في إطار الانتقال السياسي وتحقيق الاستقرار في البلاد، وسبق تشكيل الحكومة في منتصف الشهر نفسه إعلان دستوري، صمم ليكون أساسا للمرحلة الجديدة.

في هذه الحكومة عيّن الوزير مرهف أبو قصرة بمنصب وزير الدفاع. وهو من مواليد عام 1984، تخرج من جامعة دمشق عام 2008 بدرجة بكالوريوس في الهندسة الزراعية، ويدرس الماجستير في جامعة إدلب. وشغل أبو قصرة منصب القائد العام للجناح العسكري لهيئة تحرير الشام، ليصبح أحد أبرز قادة إدارة العمليات العسكرية التي أطاحت بنظام الأسد.

بدوره، تولى الوزير أسعد الشيباني بمنصب وزير الخارجية. وهو من مواليد عام 1987، تخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية فرع اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق، وحاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة “صباح الدين زعيم” في تركيا، وشارك في تأسيس حكومة الإنقاذ السورية بإدلب عام 2017. كما أسس الوزير الشيباني إدارة الشؤون السياسية في حكومة الإنقاذ، وتولى منصب وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال السورية.

الوزير أنس خطاب وزير الداخلية. وهو من مواليد عام 1987، تخرج من كلية الهندسة المعمارية، وينتمي إلى مدينة جيرود في ريف دمشق. كان المسؤول الأمني العام في إدلب و”هيئة تحرير الشام”، والمشرف على جهاز الأمن العام الذي انتشر في معظم المحافظات التي تحررت، وبدأ يتولى فيها مهام تثبيت الأمن. أسس الوزير خطاب جهاز الأمن العام في حكومة الإنقاذ السورية، وكلف برئاسة جهاز الاستخبارات العامة في حكومة تصريف الأعمال السورية.

الوزير مظهر عبد الرحمن الويس الذي تولى حقيبة وزارة العدل. وهو من مواليد عام 1980، تخرج من كلية الطب البشري بجامعة دمشق، ثم التحق بمعهد الفتح الإسلامي في سوريا في قسم الفقه المقارن، واعتقل لمدة 6 سنوات إبان نظام الأسد. عمل في الهيئات القضائية التابعة لـ “هيئة تحرير الشام”، وشارك في تأسيس وزارة العدل في الشمال السوري، وكان عضوا بمجلس القضاء الأعلى منذ عام 2017 وحتى تحرير دمشق.

رائد الصالح وزير الطوارئ والكوارث. وهو من مواليد عام 1984، يحمل شهادة بكالوريوس في إدارة الأعمال، وتلقى برامج تدريبية متقدمة في البحث والإنقاذ وإدارة الكوارث. شارك في تأسيس الدفاع المدني السوري، وأصبح لاحقا رئيسا للمؤسسة. مثل الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” في محافل دولية مرموقة، منها اجتماعا مجلس الأمن الدولي في عامي 2015 و2024، واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (عامي 2016 و2017)، وفي اجتماعات دولية أخرى.

نال الوزير الصالح، عدة جوائز محليا ودوليا، بما في ذلك اختياره من بين أكثر من 100 شخصية مؤثرة لعام 2017 من قبل “مجلة تايم”، كما حصل على جائزة “Interaction” في القيادة والشجاعة من التحالف الدولي للمنظمات الإنسانية. حصدت مؤسسة الدفاع المدني تحت قيادته أكثر من 40 تكريما وجائزة دولية، واستجابت تحت قيادته لزلزال شباط/فبراير من عام 2023 المدمر، وأثبتت كفاءتها في إدارة الأزمة.

محمد عنجراني وزير الإدارة المحلية والبيئة. وهو من مواليد عام 1992، حاصل على إجازة في كلية الهندسة الميكانيكية. شارك في الثورة السورية منذ بداياتها، واعتقل لدى النظام السابق أواخر عام 2011. شارك في تأسيس وزارة الأوقاف بحكومة الإنقاذ السورية، وشغل منصب الأمين العام فيها، وكان المسؤول العام لإدارة منطقة حلب. شغل منصب رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وتولى منصب وزير الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ السورية في آخر دورتين. تم تكليفه بوزارة الإدارة المحلية والبيئة في حكومة تصريف الأعمال، وعمل على تأسيس وإدارة عدة جمعيات ومنظمات إنسانية وتنموية في حلب وإدلب.

كتائب الشاهين

بقي أن نشير إلى السلاح الذي استقطب الأنظار لدوره المفصلي في معارك التحرير، وهو سلاح المسيّرات في إطار ما يعرف بـ”كتائب الشاهين” المسؤولة عن تصنيع وتطوير وتشغيل هذه المسيّرات ذات القدرة العالية على تحقيق الإصابة بدقة متناهية، ولديها القدرة على قطع مسافات تصل إلى 25 كلم من موقع إطلاقها. في معارك حلب ودمشق شكلت مسيرات “شاهين” عملية تمهيد جوي قلبت موازين الميدان وكسرت معنويات جيش النظام وحلفائه، ما أجبرهم على الانسحاب.

منذ الأيام الأولى، نشرت إدارة العمليات العسكرية عدة مقاطع فيديو لاستهدافها آليات عسكرية وتجمعات لجنود النظام المخلوع بمسيّرة “شاهين” التي كانت تبدي فعالية كبيرة ودقة في إصابة الأهداف، فضلا عن استخدامها في عمليات الرصد والمراقبة، وإلقاء مناشير التحذير والتهديد.

سر فاعلية سلاح المسيّرات تركز في ثلاثة أمور: أولا بساطة التصنيع، وثانيا القدرة على التكتم والتأقلم؛ فكان من السهل كسر الدفاعات الجوية للقواعد العسكرية للنظام وحلفائه، فمهما بلغت قوة أنظمة الدفاع الجوي تبقى ضعيفة في مواجهة المسيّرات التي تعمل على تشتيتها، بما يشكل عملية استنزاف كبيرة ومكلفة في الأفراد والمعدات.

والأمر الثالث هو استخدامها بتكتيك متقن، حيث يتم تنسيق الهجمات مع تقدم القوات على الأرض، ما يجعلها أداة هجومية فعالة، وذلك عدا عن دورها في توفير معلومات استخباراتية حيوية، ورغم أنها لا تضاهي الطائرات المسيّرة المتقدمة عالميا من حيث التكنولوجيا، إلا أن قدرتها على التقاط صور حية للمواقع المستهدفة كانت حاسمة في تحديد مواقع المدافع والمعدات العسكرية التابعة للنظام والميليشيات، وهو ما دفع إلى حسم المعارك بالسرعة التي تمت عليها (في 12 يوما فقط) خلال سير معارك “ردع العدوان”.

———————————————

ردع العدوان”.. النصر كان جهدا وطنيا مشتركا بكل وحداته وكتائبه

 ديسمبر 8, 2025     

الثورة السورية – عاصم الزعبي

مع حلول مساء يوم السبت السابع من كانون الأول/ديسمبر 2024، كان الطوق حول دمشق قد بدأ يكتمل من قبل الفصائل التابعة لإدارة العمليات العسكرية، من الشمال والجنوب ومن محيط دمشق، فبعد استكمال تحرير محافظتي درعا والقنيطرة، كانت عدة نقاط قرب دمشق يتم تحريرها.

مناطق عسال الورد، يبرود، فليطة، الناصرية، عرطوز، كانت قد تحررت للتو، وكانت عملية تحرير سجن صيدنايا العسكري نقطة مهمة للغاية، أدرك السوريون معها أن نظام الأسد قد سقط فعليا، لتبدأ الفصائل بعدها الدخول إلى أطراف مدينة دمشق من جهة عدرا، ومن درعا والقنيطرة والسويداء، ليتم اللقاء في ساحات دمشق بعد الفجر.

سوريا من دون بشار الأسد

يوم الأحد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وفي الساعة السادسة والربع صباحا، تم تحرير مدينة دمشق، والإعلان عن سقوط نظام الأسد، بعد حكم استمر نحو 54 عاما، وخلال عدة ساعات تم تمشيط المدينة بالكامل وتأمينها، ورافق ذلك بدء فرار أتباع الأسد من محافظتي اللاذقية وطرطوس.

في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة صباحا، تمكنت الفصائل التابعة لإدارة العمليات العسكرية شرقا من تحرير مدن دير الزور والميادين والبوكمال من نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، التي غادرت عبر الحدود إلى العراق.

للمرة الأولى خلال سنوات الثورة السورية اجتمعت كافة الفصائل على الأرض السورية في غرفة عمليات واحدة، وإن كانت هناك مسميات أخرى تم إطلاقها بحسب المعارك وارتباطها بالمكان جغرافيا، كما في عمليات “فتح دمشق”، وغرفة عمليات “فجر الحرية” التي تم إطلاقها في ريف حلب الشرقي، لكن التنسيق كان واحدا منذ اليوم الأول مع إدارة العمليات العسكرية وغرفة عمليات معركة “ردع العدوان”.

العمل الواحد والمنسق بين الفصائل أسهم في تسريع نجاح المعارك وإسقاط نظام الأسد، حيث تم اعتماد توقيت معين لتحرك كل جبهة، خاصة الجبهة الجنوبية، التي أراد فيها أبناء الجنوب التحرك من اليوم الأول، إلا أن إدارة العمليات العسكرية طالبتهم بالتمهل حتى تم تحرير حماة، وبات الطريق إلى دمشق أكثر وضوحا.

أيضا أثبتت المعركة أن هناك تكاملا كبيرا بين مختلف صنوف الوحدات التابعة للفصائل، من حيث العمل والتنسيق وأخذ كل صنف دوره الحقيقي والمناسب من حيث المكان والزمان، وتجسد ذلك مع بداية المعركة في حلب وتحريرها، من خلال الدور الذي لعبته القوات الخاصة “العصائب الحمراء” في تدمير غرفة عمليات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، ولاحقا الدور الذي لعبته وحدات الهندسة ووحدات المسيرات والقوات الرئيسية التي حاربت واقتحمت المدن “المشاة”.

العديد من الخبراء العسكريين أكدوا أن هناك عاملا مهما للغاية في الانتصار، وهو التنسيق المثالي خلال تحركات المجموعات، خاصة في الشمال وخلال الأيام الأربعة الأولى في مناطق حلب وسراقب وحماة، وهذا ما أدى إلى البدء بانهيار دفاعات نظام الأسد وحسم نتيجة المعركة مبكرا.

أيضا فإن التنسيق كان مهما في اللحظة التي بدأ فيها التحرك في الجنوب، وتحديدا في محافظة درعا، والذي أدى إلى تحرير المحافظة خلال أقل من يوم، وهو ما حسم المعركة دون رجعة، وأدى إلى فرار أركان نظام الأسد.

الدكتور نصر الحريري، الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض لنظام الأسد، بين خلال حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن التنسيق بين الفصائل عند إطلاق معركة “ردع العدوان” لم يكن طارئا؛ فهناك العديد من الفصائل ومقاتلي الفصائل ممن تجمعوا في شمال وشمال غرب سوريا منذ سنوات، وعند بدء التجهيز للمعركة قبل أكثر من سنة من انطلاقها، تم تجميع الفصائل تحت قيادة واحدة، بتنسيق عال واحترافية كبيرة، وخطاب سياسي وإعلامي وطنيين، وعند انطلاق المعركة ساهم ذلك في تنفيذ عمليات عسكرية متقدمة ومباغتة أدت إلى تقدم سريع على كل الجبهات.

من جهته، أوضح الصحفي السوري علي عيد خلال حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن التنسيق الشامل والفعلي الذي ظهر بشكل واضح كان بعد بدء المعركة الفعلية وتقدمها على الأرض، وتدمير غرف عمليات نظام الأسد والروس والإيرانيين في الشمال، ومن هنا بدأت الاتصالات والتنسيق لتحويل العلاقات إلى جهد مشترك بعد تحرير حلب، من خلال تشكيل غرفة عمليات الجنوب، وتحرك الفصائل في البادية والتنف، وصولا إلى التحرير الكامل في يوم 8 كانون الأول/ديسمبر.

الدعم الشعبي حاضنة الفصائل

لا يمكن الفصل في تحرير سوريا بين العمليات العسكرية التي تمثلت في معركة “ردع العدوان”، والتي أدت إلى سقوط نظام الأسد، وبين الدعم الشعبي الكبير الذي رافق العمليات من السوريين داخل سوريا وخارجها.

فمع تحرير كل مدينة وكل منطقة، كان السوريون يدخلون مدنهم وبلداتهم كمواطنين إلى جانب الفصائل وداعمين لها، ومشكلين لها حاضنة يمكن الاستناد عليها لاستمرار العمليات.

الحريري أكد أن الشعب السوري هو الحاضنة للفصائل والمقاتلين، وأن السوريين الذين عانوا خلال سنوات الثورة من إجرام نظام الأسد كانوا الداعم الأهم لمعركة “ردع العدوان”، وكان هناك دعم وتحرك شعبي كبير رافق المعركة بكل مراحلها منذ انطلاقها في حلب وحتى دخول دمشق، وكان المواطنون يرافقون قوات الفصائل في معظم المناطق عند دخول المدن وتحريرها أو بعيد تحريرها، وهذا ما منح الفصائل دافعا معنويا كبيرا خلال المعركة.

أيضا لفت علي عيد إلى أن الدعم الشعبي خلال المعركة كان يمكن تلمسه بأشكال مختلفة؛ فجميع السوريين داخل وخارج سوريا كانت قلوبهم معلقة منذ اللحظة الأولى لانطلاق المعركة بالأمل بالانتصار والتحرير، ويمكن التأكيد أن غالبية السوريين لم يناموا خلال الأيام التي دارت فيها المعركة، وهذا الدعم والالتفاف الشعبي ليس جديدا.

عيد أضاف أن الدعم الشعبي لعب دورا كبيرا خلال عمليات التحرير، وكانت ردود الفعل الشعبية واضحة عند تحرير كل مدينة، وهذا ما يجب الاستثمار فيه حاليا من قبل الحكومة التي يلتف جزء كبير من الشعب السوري حولها.

التحرير نتيجة لتكامل وطني

تحرير سوريا في معركة “ردع العدوان” كان نتيجة لجهد وطني متراكم خلال 14 عاما من الثورة بما حملته من تجارب ناجحة وأخرى فاشلة، سواء للفصائل التي واجهت نظام الأسد، أو حتى لمن واجهه سياسيا ومدنيا، لذلك فإن الانتصار والتحرير جاء خلاصة لتجارب على مدار تلك السنوات من جميع السوريين، الذين لعب كل منهم دوره في المعركة، وتكللت المعركة بتوحيد جهود الفصائل على مساحة الأرض السورية وبدعم شعبي كبير.

هذه التجارب أيضا جعلت من التحرير مساحة مهمة لبناء سوريا، وأبعدت السوريين عن فكرة الانتقام من أتباع نظام الأسد والسعي نحو إقامة عدالة تطال المجرمين وفق القانون، وكانت معركة “ردع العدوان” تحمل شعار الوحدة بين السوريين على أساس وطني، وتسعى لمنع الثأر والانتقام، وكانت رسالة قيادة إدارة العمليات العسكرية واضحة: “من دخل بيته وأغلق بابه وأمسك عنه لسانه فهو آمن، ومن أعلن انشقاقه عن النظام المجرم ووضع سلاحه وسلم نفسه فهو آمن”.

لم يكن يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر مناسبة وطنية عادية للسوريين أو مجرد التحرر من نظام، بل هو يوم استقلت فيه سوريا ليكون ولادة للجمهورية الجديدة، والتأسيس لدولة بات للشعب السوري فيها كلمته المسموعة وحضوره الكبير، وهو يوم اندثرت فيه إحدى أسوأ مراحل التاريخ السوري.

—————————-

8 من كانون الأوّل 2024.. يوم عاشت سوريا و”سقط الأسد”/ سعيد اليوسف

2025.12.08

بدا واضحاً منذ دقائق اليوم 12 والأخير (الأحد 8 من كانون الأوّل 2024)، أن المشهد في سوريا يتّجه نحو لحظة تاريخية غير مسبوقة، فإيقاع الأحداث كان أسرع، حدّة الانهيار داخل بنية نظام الأسد كانت أوضح، أمّا صوت المدن السورية وهي تتحرّر كان أعلى من أن يُحجب.

مع دخول ليل هذا اليوم وقبل بزوغ فجره، دخلت “ردع العدوان” ساعاتها الأكثر حسماً منذ انطلاقها، قبل 12 يوماً، كان واضحاً أنّ نظام الأسد يتفكّك ويتحلّل من الداخل، وأنّ العاصمة دمشق، التي شكّلت مركز ثقله الأمني والعسكري منذ نصف قرن، توشك أن تخرج منه ويخرج منها.

ومع حلول الساعة 05:08 فجراً -اللحظة التي وثّقتها منصّات تلفزيون سوريا- أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بشكل مؤكّد لا رجعة فيه: “سقوط نظام بشار الأسد” وهروبه من دمشق، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ سوريا.

تفاصيل اليوم الأخير رتّبتها مجريات وأحداث اليوم السابق (السبت 7 من كانون الأول 2024)، وهو “اليوم 11″، الذي لم يكن مجرد حلقة جديدة في مسلسل الانهيارات، بل يوم خرجت فيه حمص من قبضة نظام الأسد، وتحرّرت درعا والقنيطرة والسويداء، على وقع هروب جماعي لـ”قوات الأسد” وحلفائه، واستنفار إقليمي ودولي غير مسبوق استعداداً لـ”سقوط الأسد”.

تحرير حمص وفتح الطريق نحو العاصمة

مع دخول ليل الأحد-الإثنين (7-8 من كانون الأوّل 2024)، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء توغّل قواتها في مدينة حمص وتمشيط أحيائها، بعد انهيار كامل لدفاعات “قوات الأسد” وفرار جماعي لعناصرها باتجاه الساحل السوري (طرطوس واللاذقية).

وخلال التقدم، دخلت فصائل “ردع العدوان” سجن حمص المركزي، وحرّرت أكثر من 3500 معتقل وسجين، قبل أن تُعلن في الواحدة والربع ليلاً، السيطرة على كامل المدينة، وسط احتفالات واسعة في “ساحة الساعة الجديدة”.

وبعد ساعات، أعلنت سيطرتها على مدينة القصير غربي حمص، بعد انسحاب مئات العناصر من ميليشيا “حزب الله”، إلى داخل الأراضي اللبنانية، تقلّهم أكثر من 150 مركبة مدرعة.

وفي ريف حمص الشرقي، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” قطع الطريق الدولي (دمشق-دير الزور)، عقب سيطرتها على منطقة السخنة.

ريف دمشق.. “سقوط سجن صيدنايا”

عند الساعة الرابعة فجراً، وصل آلاف الأهالي إلى “سجن صيدنايا” أحد أعتى سجون الإجرام الأسدي قمعاً وأكثرها تحصيناً، قبل أن تُنشر بعد ذلك بدقائق، تسجيلات تُظهر بدء خروج مئات المعتقلين، في لحظةٍ لم تشهدها سوريا، خلال نصف قرن من حكم “عائلة الأسد”.

هذا الحدث تحديداً -السيطرة على سجن صيدنايا- كان أحد أهم المؤشرات على تلاشي كامل نظام الأسد، وسط انهيار تام لـ”قدرة” قواته العسكرية والأمنية في محيط العاصمة دمشق.

كذلك، أفاد موقع “صوت العاصمة”، حينذاك، بأنّ قيادة سجن عدرا المركزي أطلقت سراح عشرات السجناء بتصرفات فردية ومن دون الرجوع لأحد، وذلك قبل وصول فصائل المعارضة إلى المنطقة، مشيراً إلى تعليمات بإفراغ السجن بعد الانتهاء من عملية الافراج.

العاصمة دمشق.. انسحابات واسعة لـ”قوات الأسد”

شهدت العاصمة دمشق، خلال الساعات التي سبقت لحظة السقوط فجر الأحد، واحدة من أوسع عمليات الانسحاب التي نفّذتها “قوات الأسد” منذ اندلاع الثورة، حيث أخلت تشكيلات عسكرية وأمنية كاملة مواقعها الرئيسية داخل المدينة، في حين ألقى مئات العناصر أسلحتهم في الشوارع.

وبحسب مصادر تلفزيون سوريا، حينذاك، فقد انسحبت جميع وحدات “الحرس الجمهوري وقوات تأمين الرئاسة” من المالكي والمهاجرين ومحيط القصر الجمهوري، بينما تخلّت مجموعات عسكرية عن نقاطها في أحياء “أبو رمانة، المزة، كفرسوسة، القابون، البرامكة”، وسط حالة ارتباك وانعدام تواصل بين الضباط وغرف العمليات.

وأفرغت الأجهزة الأمنية مقارّها في مناطق متفرقة من العاصمة، وجرى نقل بعض الملفات والوثائق بسرعة باتجاه طريق بيروت ومناطق في ريف دمشق الغربي قبل انهيار السيطرة بالكامل، كما أُخليت مباني الأركان والإدارات العسكرية، مع خلو مطار دمشق الدولي بالكامل من الموظفين وقوات الأمن.

هذا الإخلاء والانسحاب الشامل ترك العاصمة دمشق، بلا أي وجود فعلي لـ نظام الأسد وقوّاته، لحظة دخول الفصائل، ما سرّع من تحرير العاصمة وأكّد الانهيار الكامل للنظام.

اللحظة المفصلية.. دخول دمشق و”سقوط الأسد”

عند الساعة 4.45 فجراً، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء دخول قواتها إلى العاصمة دمشق من الجهة الشمالية، بعد سيطرتها على عشرات المدن والبلدات على الطريق الدولي (M5)، أبرزها النبك ودير عطية، بالتزامن مع إعلان “غرفة عمليات الجنوب” دخول قواتها من المحور الجنوبية.

وكشف المقدم حسن عبد الغني -الناطق باسم “إدارة العمليات العسكرية”- عن وجود تنسيق لانشقاقات بين كبار مسؤولي النظام، ما سرّع انهيار الثقة داخل قياداته.

“05:08 – لحظة السقوط الرسمية”

عند الساعة 05:08 فجر الأحد (8 من كانون الأول 2024)، وثّقت منصّات تلفزيون رسمياً، لحظة “سقوط نظام بشار الأسد” وهروبه من العاصمة، التي أصبحت محرّرة بالكامل، في مؤشرٍ على نهاية حقبة امتدت لنحو 54 عاماً.

وعند السادسة وربع، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” تحرير دمشق بالكامل، مؤكّدةً أنّ “دمشق حرة من الطاغية بشار الأسد”، مشيرةً إلى هروبه، ورصدها مكافأة “عشرة مليون دولار” لمن يدلي بمعلومة تساعد في القبض عليه.

كذلك، أصدرت الإدارة بياناً دعت فيه كلّ المهجرين السورين في مختلف أرجاء العالم، قائلةً لهم: “الطاغية بشار الأسد هرب.. سوريا الحرة تنتظركم”، مشيرةً إلى “نهاية الحقبة المظلمة وبداية عهد جديد لـ سوريا”.

المشهد داخل دمشق بعد “سقوط الأسد”

علت مآذن الجوامع بالتكبيرات والتهليلات، واحتشد آلاف السوريين في ساحة الأمويين، بينما توجّه آخرون لإسقاط تماثيل حافظ الأسد، أبرزها تمثال ساحة عرنوس الذي حُطّم وديس بالأقدام.

كان إسقاط التماثيل وتحطيمها، إعلاناً صريحاً عن ولادة سوريا الجديدة “من دون طاغية”، وانتهاء مرحلة “تقديس الفرد”، التي رسّخها نظام الأسد لعقود.

وتزامن ذلك، مع إضرام مجهولين النار في مبنى الهجرة والجوازات بمنطقة الزبلطاني وسط دمشق، حيث أظهرت تسجيلات مصورة حريقاً ضخماً التهم معظم أجزاء المبنى.

من جانبه، أصدر رئيس الوزراء في “حكومة الأسد” (محمد غازي الجلالي) بياناً مصوّراً قال فيه: “أتمنى أن يسود عهد جديد وسأكون في مجلس الوزراء صباحاً ومستعد لأي إجراء للتسليم”.

وبعد ذلك بنحو ساعة، أصدر أحمد الشرع، بياناً حذّر فيه قوات “إدارة العمليات العسكرية” الاقتراب من المؤسّسات العامة، مؤكّداً بقاءها تحت إشراف “الجلالي” حتى انتقال السلطة رسمياً.

وفي مساء اليوم، وصل أحمد الشرع، إلى الجامع الأموي في دمشق، بعد وقت قصير من دخوله الأوّل للمدينة، عقب إعلان “سقوط نظام الأسد” في سوريا.

“توسيع رقعة السيطرة”

بالتوازي مع لحظة “سقوط الأسد”، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” دخول قواتها إلى مركز محافظتي طرطوس واللاذقية، كما دخلت مدينة جبلة، في مؤشّر على انهيار آخر معاقل نظام الأسد في الساحل السوري.

وواصلت “إدارة العمليات العسكرية” تقدّمها شرقي سوريا، معلنةً السيطرة على دير الزور، بعد استسلام مئات العناصر من “قوات الأسد”.

تزامن ذلك أيضاً، مع سيطرة فصائل “فجر الحرية” على كامل مدينة منبج وعشرات البلدات والقرى جنوبها في ريف حلب الشرقي، عقب معارك مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

بعد “سقوط الأسد”.. غارات إسرائيلية جنوبي سوريا

خلال الساعات الأولى التي تلت “سقوط الأسد”، نفّذت طائرات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات على “مطار المزة، ثكنات الحرس الجمهوري، لفرقة الرابعة” في ريف دمشق.

كذلك، نفّذت غارات على “تل حمد وتل الثعالب” في ريف درعا، بالتزامن مع توغّل دبابات إسرائيلية داخل الأراضي السورية وصولاً إلى “جسر الرقاد” في ريف القنيطرة، قبل أن يُسيطر لاحقاً على كامل “جبل الشيخ”.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أفاد، قبل يوم من “سقوط الأسد”، بأنّه صدّق على “خطط هجومية ودفاعية” لمواجهة “أي تهديدات محتملة” من سوريا.

وفي اليوم التالي، أعلن جيش الاحتلال انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار مع سوريا، الموقّع عام 1974، قائلاً: إنّ “اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا لعام 1974 (قد مات)”.

مواقف إقليمية ودولية بعد “سقوط الأسد”

أفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ “الأسد فرّ بعدما فقد دعم روسيا”، في حين أكّدت “البنتاغون” والبيت الأبيض، أنّ وجود القوات الأميركية شرقي سوريا “لا علاقة له بالجوانب الأخرى للصراع”.

وأشارت إلى أنّ الأولوية الآن “منع عودة تنظيم الدولة (داعش)، ومنع كارثة إنسانية في سوريا”، بالتزامن مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، استهداف أكثر من 75 موقعاً لـ”داعش” وسط سوريا.

    البنتاغون: وجودنا شرقي سوريا لا علاقة له بجوانب أخرى للصراع

أمّا المفوضة الأوروبية، فقد وصفت نهاية “الأسد” بأنّها “تطور إيجابي طال انتظاره”، مؤكّدةَ أولوية ضمان الأمن والاستعداد لمرحلة إعادة إعمار معقدة وطويلة.

بالنسبة لـ تركيا، أفاد وزير خارجيتها هاكان فيدان بأنّ “الشعب السوري سيعيد تشكيل مستقبله، وأنّ هناك تعاون مرتقب مع الإدارة الجديدة”، مشيراً إلى أنّ “حقبة عدم الاستقرار انتهت بسقوط نظام الأسد، وأنّه لا معلومات مؤكّدة عن مكان بشار”.

من جانبها، أفادت إيران -عبر وزير خارجيتها- بأنّ “عجز الجيش السوري وسرعة التطورات كانت مفاجئة”، وأنّ “بشار الأسد كان يستغرب من أداء جيشه وافتقاره للدافع، وأنّه بات أسيراً لحربٍ نفسية”، مشيرةً في الوقت عينه إلى أنّ “إيران وروسيا وتركيا، أصبحت دولاً ضامنة للسلام والهدوء في سوريا”.

أمّا روسيا، فقد أكّدت على استمرار التواصل مع المعارضة السورية ودعم العملية السياسية وفق “القرار 2254″، مع إشارتها إلى إخلاء جزء من عتادها في “قاعدة حميميم”، مؤكّدةً في الوقت عينه، أنّ بشار الأسد وعائلته غادروا سوريا.

    غموض حول “مصير الأسد”

تعدّدت الروايات بعد “سقوط النظام” عن مصير المخلوع بشار الأسد، حيث أشارت وكالة “رويترز” إلى أنّه “غادر دمشق إلى وجهةٍ غير معلومة”، وسط أنباء عن احتمال مقتله في تحطّم طائرة شوهدت تتجه نحو الساحل السوري، ثم اختفت عن الرادار.

ولكنّ روسيا حسمت الأمر، في نهاية اليوم، مؤكّدةً أنّه غادر سوريا، قبل أن أن يتبيّن لاحقاً بأنّها هي أيضاً مَن نقلته -وعائلته- عبر طائراتها إلى العاصمة موسكو، معلنةً تقديم اللجوء لهم لـ”دواعٍ إنسانية”.

خاتمة “ردع العدوان”.. 12 يوماً بين “استشهد حمودي وسقط الأسد”

مع حلول مساء (8 من كانون الأوّل 2024)، كانت معركة “ردع العدوان” قد ختمت يومها الـ12 والأخير بإسقاط “نظام الأسد”، الذي حكم البلاد بقبضة أمنية خانقة لنحو 54 عاماً.

تحرّرت سوريا، فُتحت السجون، وانفرط عقد المنظومة الإجرامية التي جثمت على صدور السوريين لأكثر من خمسة عقود، ورغم ضخامة اللحظة، إلّا أنّ الطريق أمام السوريين بدا مليئاً بالتحديات: إدارة المرحلة الانتقالية، تثبيت الأمن، وتحقيق العدالة لضحايا 14 عاماً من الثورة.

لكن ما بدا واضحاً أكثر، أنّ سوريا لم تعد كما كانت قبل “الساعة 05:08” من فجر الأحد (8 من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024)، اللحظة التي انتهت فيها “منظومة الأسد” إلى الأبد، وبدأت قصة جديدة يحكيها الشعب والبلد.

وفي اليوم الأخير، ظلّ صدى اليوم الأوّل يتردّد، ذلك الصوت الذي انتشر مع بدايات “ردع العدوان”، حين قال أحدهم لصديقه بصوتٍ ثابت لا انكسار فيه: “حمودي ابني استشهد أبو زكور، استشهد ع الجبهة الأولى”، كان صوتاً يمثّل الثمن الحقيقي للتحرير، دم دفعه السوريون في طريق الثورة الطويل.

وبعد 12 يوماً ومن شمالي حلب، صرخ شاب بكل ما بقي من هواء في صدره: “يا أهل الحارة.. بشار سقط!”، صرخة شقّت الليل كلّه إلى دمشق، مؤكّدة أنّها الصدى لـ”استشهاد حمودي”، وأنّها النتيجة الطبيعية لكل الذين سالت دماؤهم على هذه الأرض.

وبين هاتين الصرختين، وُلدت سوريا جديدة، تقف للمرة الأولى منذ عقود أمام مرآة لا يخاف الناس النظر إليها، فالبلاد التي خُنقت طويلاً بالدم والدمع والصمت، بدأت تُنطق من جديد وتكتب قصتها بيدها، بلا وصّي وبلا طاغية.. نعم “استشهد حمودي وسقط الأسد”.

طبعاً، طيلة ساعات اليوم الأخير، كانت سوريا كلّها تحتفل بـ”سقوط الأسد”، خرج السوريون إلى الشوارع بلا تنسيق، بلا دعوة، حيث امتلأت الساحات بالأغاني والهتافات، وارتفعت الأعلام، وبقيت المدن تهتف حتى صباح اليوم التالي، كأنّها تخشى أن تستيقظ وتجد أن الأمر كان حلماً، كانت تلك الاحتفالات إعلاناً عملياً لولادة سوريا جديدة “سوريا من دون الأسد”.

تلفزيون سوريا

—————————-

الرئيس الشرع يؤمّ المصلّين في الفجر بالمسجد الأموي

كانون الأول 8, 2025  

أمّ السيد الرئيس أحمد الشرع المصلّين في صلاة الفجر بالمسجد الأموي في دمشق، الإثنين 8 كانون الأول، وسط حضور واسع من المصلّين الذين توجّهوا إلى مختلف المساجد في سوريا لإحياء ذكرى فجر تحرير سوريا وإسقاط النظام البائد.

ووصل السيد الرئيس إلى المسجد مرتدياً لباسه العسكري الذي ظهر به خلال قيادته إدارة العمليات العسكرية في معركة ردع العدوان، تقديراً لما له من رمزية وارتباط بذكرى الانتصار.

وألقى السيد الرئيس كلمة من منبر المسجد الأموي، أكد فيها مضيه إلى الحفاظ على سوريا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، والعمل على بناء سوريا بما يليق بحاضرها وتاريخها وعراقتها، ونصرة المستضعفين وتحقيق العدالة بين المواطنين.

وحضر الصلاة إلى جانب السيد الرئيس كلّ من مفتي الجمهورية أسامة الرفاعي، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، ووزير العدل مظهر الويس، إلى جانب عدد من الوزراء والشخصيات الحكومية، وحشد شعبي امتلأت به أروقة المسجد وساحاته.

وأعلنت وزارة الأوقاف، في 3 من الشهر الجاري، إقامة تكبيرات النصر في جميع مساجد البلاد قبل أذان الفجر بنصف ساعة، ودعت المواطنين للمشاركة في صلاة الفجر إحياءً لذكرى يوم التحرير.

ويمثّل تاريخ اليوم ذكرى السيطرة الكاملة لقوات إدارة العمليات العسكرية على العاصمة دمشق وباقي المحافظات في 8 كانون الأول 2024، وإعلان انتهاء العمليات العسكرية ضمن معركة ردع العدوان بتحرير سوريا من حكم النظام البائد.

وتوافدت حشود كبيرة من مختلف المحافظات إلى ساحات العاصمة دمشق وضواحيها، وأبرزها ساحة الأمويين، وذلك قبيل بدء الاحتفالات الرسمية بعيد التحرير.

وأعلنت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، في 3 كانون الأول الجاري، اعتماد يومَي الأحد والإثنين السابع والثامن من الشهر الجاري عطلةً رسمية في جميع المؤسسات والجهات العامة، بمناسبة عيد التحرير.

المصدر: الإخبارية

—————————————–

الرئيس الشرع: سنعيد بناء سوريا قوية كما يليق بحاضرها وماضيها

كانون الأول 8, 2025  

قال السيد الرئيس أحمد الشرع في كلمة ألقاها من منبر المسجد الأموي في دمشق بمناسبة ذكرى تحرير سوريا: “أيّها السوريون، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعاً كل التحديات بإذن الله.”

وأضاف الرئيس الشرع: “بعد أن منَّ الله علينا بالنصر المبين، كانت أولى زياراتنا الخارجية إلى المملكة العربية السعودية، وآثرنا في ذاك اليوم ألا نزور إلا بيت الله الحرام، ونشكر الله ونعتمر لله عز وجل، فأكرمنا في ذلك الوقت بدخول الكعبة المشرفة وصلينا في داخلها.”

وأشار الرئيس الشرع إلى أن الأمير محمد بن سلمان أهداه قطعة من ستار الكعبة، مكتوب عليها: “وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.”

وتابع الرئيس الشرع: “آثرنا أن تكون هذه القطعة في مسجد بني أمية، لتتحد بذلك الدول، وتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام، واخترنا أن يكون تدشينها في اللحظات الأولى لذكرى النصر.”

وأضاف السيد الرئيس: “نسأل الله أن يحمي هذا البلد، وأن يعيننا على خدمته وبنائه، وعلى خدمة الشعب السوري بإذن الله.”

وأكد الرئيس الشرع حرصه على إعادة بناء سوريا القوية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وذلك بطاعة الله وتحقيق العدالة بين الناس.

وجاءت كلمة السيد الرئيس بعد أن أمّ المصلين بصلاة الفجر في المسجد الأموي في ذكرى تحرير البلاد من النظام البائد.

ووصل السيد الرئيس إلى المسجد مرتدياً لباسه العسكري الذي ظهر به خلال قيادته لإدارة العمليات العسكرية في معركة ردع العدوان، تقديراً لما له من ارتباط بذكرى الانتصار.

وحضر الصلاة إلى جانب السيد الرئيس كل من مفتي الجمهورية أسامة الرفاعي، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، ووزير العدل مظهر الويس، إلى جانب عدد من الشخصيات، وحشد شعبي امتلأت به أروقة المسجد وساحاته.

وأعلنت وزارة الأوقاف، في 3 من الشهر الجاري، إقامة تكبيرات النصر في جميع مساجد البلاد قبل أذان الفجر بنصف ساعة، ودعت المواطنين للمشاركة في صلاة الفجر إحياءً لذكرى يوم التحرير.

ويمثّل تاريخ اليوم ذكرى السيطرة الكاملة لقوات إدارة العمليات العسكرية على العاصمة دمشق وباقي المحافظات في 8 كانون الأول 2024، وإعلان انتهاء العمليات العسكرية ضمن معركة ردع العدوان بتحرير سوريا من حكم النظام البائد.

وتوافدت حشود كبيرة من مختلف المحافظات إلى ساحات العاصمة دمشق وضواحيها، وأبرزها ساحة الأمويين، وذلك قبل بدء الاحتفالات الرسمية بعيد التحرير.

المصدر: الإخبارية

———————————

الرئيس الشرع يحضر العرض العسكري الخاص بذكرى التحرير

كانون الأول 8, 2025  

وصل السيد الرئيس أحمد الشرع إلى أوتوستراد المزة في دمشق لحضور العرض العسكري الخاص بذكرى التحرير الذي تنظّمه وزارة الدفاع.

وحسب ما أفاد مراسل الإخبارية، الإثنين 8 كانون الأول، فقد رافق الرئيس الشرع عدد من الوزراء، حيث توافدت الحشود الشعبية إلى أوتوستراد المزة في دمشق لحضور العرض.

وتشارك وزارة الدفاع في احتفالات عيد التحرير، بإقامة عرض عسكري للجيش العربي السوري في الساحات العامة بالمحافظات السورية.

وبدأ العرض العسكري، المقام بمناسبة ذكرى تحرير سوريا، في سماء دمشق بعدد من الطائرات الشراعية، كما رفع علم الجمهورية العربية السورية في ساحة مدينة دوما بريف دمشق.

وانطلق مسير العرض لقوات وزارة الدفاع في شوارع مدينتَي حلب وحماة احتفالاً بذكرى التحرير.

وتشهد المحافظات السورية فعاليات جماهيرية عديدة، احتفالاً بمرور عام على انتصار ثورة الحرية والكرامة ضد النظام البائد.

المصدر: الإخبارية

—————————

احتفالات في دمشق إحياء للذكرى الأولى لتحرير سوريا

شهدت العاصمة السورية دمشق -صباح اليوم الإثنين -احتفالات شعبية واسعة، إحياء للذكرى الأولى لتحرير سوريا وسقوط النظام المخلوع.

وأفاد مراسلو صحيفة الثورة السورية بأن العاصمة تشهد منذ يوم أمس الأحد تحضيرات مكثّفة لإحياء هذه الذكرى، حيث تجمع الالآف أمام المساجد وفي الساحات العامة، مرددين شعارات الثورة، وأخرى تشيد بتضحيات الشهداء.

وقد أدى الرئيس السوري، أحمد الشرع، صلاة الفجر، في المسجد الأموي بدمشق، وسط حضور شعبي ورسمي واسع.

وفي كلمة بذكرى التحرير بعد أدائه صلاة الفجر، قال الرئيس الشرع: “أيّها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعاً كل التحديات بإذن الله”.

وأضاف: “بعد أن منَّ الله علينا بالنصر المبين، كانت أولى زياراتنا الخارجية إلى المملكة العربية السعودية، وآثرنا في ذاك اليوم إلا أن نزور بيت الله الحرام، ونشكر الله ونعتمر لله عز وجل، فأكرمنا في ذاك الوقت بدخول الكعبة المشرفة وصلينا في داخلها وعند عودتنا قد أكرمنا الأمير محمد بن سلمان بهدية، قطعة من ستار الكعبة، مكتوب عليها (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)”.

كما أشار إليّ آثر أن تكون هذه القطعة في مسجد بني أمية، “لتتحدّ بذلك الدول، وتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام، واخترنا أن يكون تدشينها في اللحظات الأولى لذكرى النصر”.

وختم بالقول: “نسأل الله أن يحمي هذا البلد، وأن يعيننا على خدمته وبنائه، وعلى خدمة الشعب السوري بإذن الله، ومن شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها بإذن الله.. سنعيد سوريا قوية ببناء يليق بحاضرها وماضيها.. ببناء يليق بحاضرة سوريا العريقة.. سنعيد بناءها بطاعة الله عز الله وجل ونصرة المستضعفين والعدالة بين الناس بإذن الله تعالى”.

————————–

بدء العرض العسكري للجيش العربي السوري في ذكرى تحرير البلاد

كانون الأول 8, 2025  

شاركت وزارة الدفاع في احتفالات عيد التحرير، الإثنين 8 كانون الأول، بإقامة عرض عسكري للجيش العربي السوري في الساحات العامة في المحافظات السورية.

وبدأ العرض العسكري، المقام بمناسبة ذكرى تحرير سوريا، في سماء دمشق بعدد من الطائرات الشراعية، كما رفع علم الجمهورية العربية السورية في ساحة مدينة دوما بريف دمشق.

وتوافدت الحشود الشعبية إلى أوتوستراد المزة في دمشق لحضور العرض العسكري الذي تنظّمه وزارة الدفاع.

كما انطلق مسير العرض لقوات وزارة الدفاع في شوارع مدينتَي حلب وحماة احتفالاً بذكرى التحرير.

ودعت صفحات ومنصات “عيد التحرير” الشعب، بالأمس، إلى النزول للساحات لحضور العرض العسكري المميز المقام بمناسبة الذكرى الأولى للتحرير من نظام الأسد المخلوع.

وشهدت الأيام الماضية فعاليات جماهيرية عديدة احتفالاً بمرور عام على انتصار ثورة الحرية والكرامة ضد القمع والاستبداد.

المصدر: الإخبارية

—————————-

في الذكرى الأولى للتحرير مسيرات عسكرية تجوب المحافظات السورية احتفاء بالنصر

كانون الأول 8, 2025  

انطلقت مسيرات عسكرية مهيبة في مختلف المحافظات السورية، احتفاءً بالذكرى السنوية الأولى لتحرير البلاد.

ونظمت وزارة الدفاع عروضاً عسكرية واسعة النطاق، شاركت فيها وحدات من الجيش العربي السوري، وسط حضور شعبي ورسمي كثيف عكس حجم التلاحم الوطني والاعتزاز بالإنجاز التاريخي.

وشهدت العاصمة دمشق عرضاً عسكرياً ضخماً انطلق من أوتستراد المزة مروراً بساحة الأمويين وصولاً إلى ساحة الجمارك، بحضور السيد الرئيس أحمد الشرع، يرافقه وزراء الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، والدفاع مرهف أبو قصرة، والداخلية أنس خطاب، وعدد من كبار مسؤولي الدولة.

وشارك في العرض مروحيات وكتائب الشاهين ووحدات عسكرية متنوعة، فيما تزينت سماء دمشق بتحليق الطيارين الشراعيين القادمين من دول مختلفة، في مشهد احتفالي فريد.

واستقبل أهالي دوما المسير العسكري برفع الأعلام، قبل أن يتوجه الرتل إلى الغوطة الشرقية، وسط أجواء من الفخر والفرح الشعبي.

ووصل المسير العسكري الذي بدأ من إدلب إلى مدينة حمص ، حيث احتشد المواطنون في الساحات والشوارع لمتابعة العرض الذي أقيم بحضور محافظ المدينة وعدد من الشخصيات الرسمية.

ونفذت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة اللاذقية عرضاً ميدانياً شاركت فيه آليات الطوارئ وفرق الدفاع المدني، استعرضت خلاله جاهزيتها العالية وقدرتها على الاستجابة في مختلف الظروف، وتزامن ذلك مع انتشار أمني مكثف لكوادر وزارة الداخلية على طول مسار العرض، ضمن خطة أمنية محكمة هدفت إلى تأمين سلامة المشاركين والجمهور.

وأقامت قوات الجيش العربي السوري عرضاً عسكرياً  مهيباً في مدينة إدلب، وسط أجواء من التكاتف ،لإحياء ذكرى عيد التحرير، تذكاراً للعهد المبارك الذي طويت فيه صفحات الظلم، وسط أجواء من الحماية والأمن وألق الحرية يلف أرجاء المكان.

ونفذت وحدات الجيش العربي السوري عرضاً عسكرياً في مدينة دير الزور، بمشاركة تشكيلات مختلفة من القوات المسلحة، وسط حضور جماهيري واسع.

وانطلق المسير العسكري في مدينة طرطوس، حيث جابت وحدات الجيش شوارع المدينة وسط حشود شعبية غفيرة، رفعت الأعلام ورددت الهتافات الوطنية، في مشهد احتفالي عكس عمق الانتماء الوطني.

ونظمت وزارة الدفاع عرضاً عسكرياً في مدينة درعا ضمن فعاليات “أسبوع النصر”، بمشاركة وحدات عسكرية متنوعة، احتفاءً بالذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، وسط حضور شعبي ورسمي كبير.

وأقامت مدينة حماة عرضاً عسكرياً مهيباً بمشاركة الفرق 62 و74 و54، وبحضور محافظ حماة عبدالرحمن السهيان، وقائد الأمن الداخلي العميد ملهم الشنتوت، وعدد من القادة العسكريين، وتخللت الفعالية كلمات رسمية أكدت على الاعتزاز بالتضحيات الوطنية، وتعزيز روح الانتماء بين أبناء المحافظة.

وأعدت وزارة الدفاع مسيراً عسكرياً في محيط قلعة حلب، ضمن فعاليات الذكرى الأولى للتحرير، تضمن عرضاً للأسلحة المستخدمة في معركة التحرير، وتحليقاً لطيران شراعي فوق القلعة التاريخية.

وأبدت وحدات الجيش استعداداتها لتنفيذ عرض عسكري شامل يجوب شوارع المدينة، وسط أجواء احتفالية تعكس رمزية النصر في حلب.

وغصت مساجد سوريا بالمصلين الذين توافدوا لأداء الصلوات ورفع الدعاء شكراً لله، وعلت التكبيرات والدعوات في مشهد إيماني مهيب، جسد معاني الامتنان، وعمق الارتباط بين النصر والإيمان، في لحظة وطنية جامعة اختلط فيها الفرح بالخشوع.

المصدر: الإخبارية

————————————

في الذكرى الأولى لسقوط الأسد.. كيف يعيش مغتربون سوريون فرحة النصر؟

8 ديسمبر 2025

إنها الذكرى الأولى، ليوم فُتحت فيه السجون الأسدية، وخرج المعتقلون يتساءلون هل قامت القيامة؟ بينما يرقب السوريون بفرح معقود بالذهول، هل تحررت دمشق فعلًا؟ هل انتهى زمن المنظومة الاستبدادية؟ اليوم الذي لم ينم به السوريون على هذا الكوكب، وصدحت به مآذن العاصمة السورية فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بتكبيرات تصّدق على أن الله أكبر من هذا الظلم، معلنين سقوط الطاغية، وتحطيم صنم “الإله هُبَل”.

يذكر السوريون كيف هرب المجرمون في هذا اليوم، متنكّرين للباسهم وسلاحهم وأسمائهم وإجرامهم، بينما نزل المدنيون إلى الشوارع بجموع عظيمة، تهتف أن الغمامة السوداء زالت، وهناك على ضفاف متناثرة من هذا العالم، سوريون مغتربون تمنّوا لو أنهم كانوا شهودًا في بلادهم بذلك اليوم، على زوال منظومة الأسد وإرهابه، فكيف يحيي المغتربون السوريون الذكرى الأولى لاستجابة القدر، وتحطيم القيد الذي كان لا بد أن ينكسر، وانكسر؟

تتفاوت تعبيرات السوريين عن فرحهم وشعورهم، فبينما هناك من يكتفي بمتابعة فيديوهات المسيرات في سوريا، وتهنئة أنفسهم وأحبائهم بذكرى التحرير عبر الهاتف، هناك من يتجهّز لتنظيم أو المشاركة بوقفات أو برامج تفاعلية على أرض الواقع في بلاد اللجوء والاغتراب، فصفحات مواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بالكثير من دعوات الاحتفال، فيما يحاول بعضهم التعبير عن فرحته بتوزيع الحلوى وقصاصات التعريف بالثورة وانتصارها.

وجاء يوم التحرير ونهاية نظام الأسد بـ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد 12 يومًا من معارك عملية “ردع العدوان” التي انطلقت في 27 من تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، لتكون نهايتها مفاجأة غير متوقعة، خصوصًا مع خيبات سابقة امتدت لـ14 عامًا، ومحاولات دولية لتعويم نظام الأسد في تلك الفترة الأخيرة.

“اللحظة الأجمل بالعمر”

يستذكر سوريون مغتربون خلال حديثهم لـ”الترا صوت”، كيف كانت تنقضي أيامهم الأخيرة ما قبل التحرير، تمتلئ بالتساؤلات عن حجم الأراضي التي ستكسبها أو تخسرها فصائل المعارضة العسكرية، هل سيسيطرون على مدن مهمة؟ ما الثمن لتحرير حلب أو حماه مثلًا؟ وفي حين يتفاءل الكثير منهم بانتصار الثورة، إلا أن الانتصار لم يكن مخيلًا لهم أن يكون على طول الأراضي السورية، يدعون لحفظ أهلهم داخل سوريا من شرّ الإيراني والروسي، ويتابعون الأخبار بتسمّر أمام شاشاتهم الذكية.

زياد، شاب سوري يروي لـ”الترا صوت” عن لحظة لا يعيشها الكثير من البشر حول العالم وعلى مر العصور، لحظة الانتصار ونهاية المعركة لصالح الحرية، “إنها اللحظة الأجمل بالعمر، حلم بها أجيال سابقة، ودفع ثمنها شباب مثلنا، جلّ البشر لن يدركوا في حياتهم ولن يعيشوا معنى هذه اللحظة، أغبط من عاشها داخل بلدنا الحبيب”.

من جهتها، تقول حنان سورية تقيم في تركيا، “طوال السنوات الماضية عشنا لحظات الخوف من الترحيل، عانينا من العنصرية هنا، لدرجة أنني لم أكن أجيب على الاتصال خارج المنزل كي لا يلحظ أحد أنني سورية، بعد سقوط النظام أردت الخروج إلى الشارع والقول إني سورية بملء الفم، شعرت باسترداد كرامتي، وبقوّة أن يصبح عندي وطن أعود إليه بلا خوف”.

وتضيف أنها أعدّت المعمول قبل يومين، احتفالًا بمناسبة هي بمثابة العيد، لتوزيعه على جميع جيرانها ومن تقابل في ذكرى يوم التحرير، في حين تشاركها نفس الشعور سيدة سورية مقيمة في فرنسا، تشرح لـ”الترا صوت”، “قبل عام عند سقوط النظام صنعت الشعيبيات ووزعتها على جميع زملائي في حصة اللغة، واليوم جهزت الحلويات لإرسالها مع ابنتي لتحلية زملائها في المدرسة بمناسبة هذا اليوم العظيم، تمنينا لو أننا في بلدنا، لكن فرحنا بهذا النصر موجود أينما كنا”.

بدورها تقول هدى بلال إنها تتمنى لو أن ظروفها كانت تساعد على السفر من تركيا إلى بلدها لإحياء ذكرى التحرير، “لدي ظرف صحي حاليًا، لن أتمكن من الاحتفال في سوريا، لكنني لن أفوت أي وقفة أو فعالية تقام هنا في تركيا، قلوبنا محتفلة من قبل أن نشارك بأي احتفال”.

في سياق متصل، تقول نجوى سحلول رئيسة جمعية الهيئة الإعلامية من أجل سورية حرة وديمقراطية “CISLD” في فرنسا، “سعادتي كانت كبيرة بالخلاص من ديكتاتورية جثمت على صدور السوريين أكثر من نصف قرن، سعيدة كالكثير من السوريين”.

وعن دور الجمعية توضح “تأسست جمعيتنا عام 2013، لتوصل حقيقة ما يجري في سوريا إلى الفرنسيين في مدينة ليون، عبر نشاطات متعددة من محاضرات ووقفات وغيرها، وها نحن اليوم ننظم وقفة للفرح بسقوط الطاغية”، مشيرة إلى أن الوقفة سترفع فيها لافتات تدعو السوريين إلى الوحدة، والمشاركة بإيجابية ببناء الدولة، ولو بأعمال بسيطة.

الاحتفال بالعودة

تشرح أم محمد أنها تقصّدت السفر من أوروبا إلى سوريا قبل ذكرى التحرير بيوم، لتحتفل في بلدها مع أهلها وناسها، “كنا متعودين على الاحتفال مكرهين بمناسبات حددها النظام عبر تزييف الواقع وتجميل أعماله، لكن هذه المناسبة الحقيقية الأولى التي سنشارك فيها، ونحتفل بها بصدق وفرح من داخل أعماقنا”.

من جهته يتحدث قصي أسعد لـ “الترا صوت”، عن احتفاله بهذه المناسبة بالعودة إلى سوريا، وعن شعوره ببلده بعد غياب دام لأكثر من عشر سنوات، “أشعر اليوم بأنني متحرر من أي أفكار أو معتقدات أو أسلوب حياة كان يفرض عليّ الصمت أو السكوت، الحرية لم تعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبحت واقعًا ملموسًا أعيشه في حياتي اليومية”.

ويسهب بالحديث، “التوقيت له معنى خاص بالنسبة لي، شهر كانون الأول/ديسمبر يحمل رمزية كبيرة، بنهاية الأشياء وبدايتها، أشعر أننا جميعًا نعود إلى (لحظة الصفر)، لحظة ولادة سوريا من جديد بعد حقبة مليئة بالقتل والإكراه والظلم الذي لم نكن ندرك حجمه قبل عام 2011، انكشفت الحقيقة أمامنا، ورأينا الفيلم كاملاً بكل تفاصيله”.

وعن مشاهداته في سوريا خلال هذه الأيام القليلة من عودته يؤكد على تفاؤل الشعب السوري في الداخل ورغبته بالتحسين، “هذا التفاؤل لم يكن مجرد شعور، بل تحول إلى سلوك عملي؛ إذ لاحظت أن الجميع يحاول المساهمة بأعمال فردية ومبادرات شخصية، تهدف إلى النهوض بالمجتمع، وإعادة بناء سوريا كموطئ حضاري هام في المنطقة”.

ومن الخليج كذلك، يعود أبو خالد بعد سنوات طويلة قضاها في السعودية، “حرمت أنا وأبنائي من زيارة مدينتي حماه، لكنني اليوم أعود لعيش النصر برؤية أحبابي وبلدي سوريا، أولادي يرون بلدهم للمرة الأولى في حياتهم، شعور عظيم أن يلاقي الإنسان داره وأهله بعد أن فقد الأمل بذلك”.

وبينما يتوق سوريون مغتربون للعودة إلى بلدهم وتنفس الحرية التي طال الوقت لنيلها، والمساهمة في بناء بلدهم، هناك آخرون يعتبرون أن بلادهم تحتاج الكثير من الإخلاص والعدالة والتغيير الحقيقي، ليؤمنوا أن بلدهم عادت لحكم شعبها، وانتهى زمن الاستبداد فعلًا.

———————————-

اغتيالات وجرائم قتل.. السلاح لا يزال في أيدي السوريين/ محمد كساح

8 ديسمبر 2025

ينتشر السلاح الفردي بين السوريين بشكل غير مسبوق، وذلك منذ سقوط النظام البائد حيث يمكن ملاحظة حجم هذا الانتشار من رصد عمليات الاتجار بالسلاح، واستهلاك الرصاص في الأعراس ونتائج امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية. ومن جانب آخر، يساهم هذا الانتشار في جزء من حالات الاغتيال التي تهدد السلم الأهلي.

خطورة السلاح المنفلت

ويعني السلاح المنفلت حيازة واستخدام السلاح بعيدًا عن سلطة القانون والدولة، وهي ظاهرة تخرق مبدأ حصرية الدولة للسلاح الذي نص عليه الإعلان الدستوري السوري.

ومن أسباب تفشي السلاح خارج الأطر القانونية، الثقة المنخفضة بمؤسسات الدولة الأمنية، الموارد المفتوحة للسلاح خصوصًا عقب سقوط النظام البائد، يضاف إليها ضعف التشريعات أو عدم تطبيقها وغياب الرقابة.

ومن جانب آخر تنعكس فوضى السلاح بشكل سلبي على المجتمع والدولة، حيث يمكن أن تساهم في ارتفاع معدّلات العنف والجريمة، وفي تهديد الاستقرار والأمن المجتمعي، كما تخلق هذه الظاهرة تحديات كبيرة للدولة بسبب تأثر سلطتها جراء وجود سلاح في أيادٍ غير منضبطة.

آثار وتداعيات

الباحث في الدراسات الأمنية، لورانس شمالي، قال خلال حديث لـ”ألترا سوريا” إن ظاهرة التسلح “حالة طبيعية نابعة من الغريزة الدفاعية لدى المجتمعات، غير أن انخفاض مستوى الأمن قد يؤدي إلى تفاقم هذه الظاهرة، بدون إطار قانوني ينظم ويضبط عملية التسلح”.

ولا يمكن تحميل السلاح المنفلت كامل المسؤولية عن الفوضى الأمنية في بعض المناطق السورية، بالرغم من أن فوضى السلاح تعد أحد أسباب الانفلات الأمني. وضمن هذا السياق، يرى شمالي أن “الفوضى الأمنية لا تؤدي إليها عمليات التسلح بشكل رئيسي، إنما تتجلى في نقص فاعلية الأجهزة الأمنية والعسكرية، وضعف إشراك المجتمع في معادلة بناء الأمن، فانتشار السلاح قد يكون عاملًا مساعدًا في الفوضى الأمنية، لكنه ليس السبب الرئيسي في ذلك”.

وبخصوص الاغتيالات، يُبيّن شمالي أنه “ينبغي النظر إليها بحسب الدوافع.. هل هي سياسية؟ أم ثأرية انتقامية؟ فلا يمكن حصر ظاهرة انتشار السلاح كسبب أساسي دافع لارتفاع معدل عمليات الاغتيال”.

ويلاحظ أنه بعد انهيار المنظومة العسكرية والأمنية للنظام السوري السابق، سيطر المدنيون على فرق وقطع عسكرية وأفرع أمنية عالية التسليح، ويؤكد أن هذه السيطرة ساهمت في زيادة النشاط التجاري لسوق الأسلحة والذخائر على المستوى الداخلي لسوريا، وعلى المستوى الإقليمي حيث نشطت عمليات تهريب السلاح خارج الأراضي السورية باتجاه دول مجاورة كلبنان والعراق.

ويلفت إلى “وجود ضرورة قانونية لتشريع مواد قانونية تكون إطارًا ناظمًا لضبط وتنظيم عمليات انتشار الأسلحة، وتحديد النوع والكم المسموح باقتنائه للفرد ذي الأهلية التي تسمح له باستخدام الأسلحة”.

فوضى أمنية واغتيالات

وشهدت محافظات عديدة عمليات قتل متكررة طاولت مدنيين وعسكريين سابقين، وهي حوادث اغتيال لا تزال مجهولة المصدر. وعلى سبيل المثال قُتل شابان وأصيب ثالث بجروح خطيرة، بداية تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بعد إطلاق النار عليهم من قبل ملثمين كانوا يستقلون دراجة نارية في قرية عناز في وادي النصارى، غرب حمص.

وفي درعا، كانت حصيلة ضحايا الفوضى الأمنية في شهر آب/اغسطس الماضي: مقتل صيدلاني جراء استهدافه بإطلاق نار مباشر من قبل مجهولين على الطريق الواصل بين بلدة المزيريب وقرية خربة قيس بريف درعا، كما توفي شاب من منطقة اللجاة شرقي درعا، متأثرًا بجراحه التي أصيب بها إثر خلاف أهلي تطور لاستخدام السلاح. وتعرضت صالة أفراح في مدينة إنخل شمالي درعا لتفجير بواسطة عبوة ناسفة، وفقًا لما رصده “تجمع أحرار حوران”.

الحكومة تتحمل جزءًا من المسؤولية

لا ترتبط فوضى السلاح بغياب التشريعات، نظرًا لوجود قانون يمنع حمل السلاح وهو لا يزال فعالًا في المرحلة الانتقالية، ما يعني عدم الحاجة إلى سن تشريعات جديدة بهذا الخصوص، وفقًا لحديث مدير آليات التحقيق برابطة الحقوقيين السوريين الأحرار ياسر الشلاتي لـ”ألترا سوريا”.

ويلاحظ الشلاتي أن “جزءًا كبيرًا من جرائم القتل لا تتعلق بحيازة المدنيين للسلاح، بل يقف وراءها عسكريون قد يكون بعضهم تابعًا للفصائل المندمجة ضمن وزارة الدفاع، مع وجود جهات أخرى تعبث بأمن البلد مثل الخلايا الداعشية ومجموعات الفلول”.

وفي هذا السياق، يُحمل الشلاتي الحكومة السورية بعض المسؤولية من حيث أنها “ساهمت بشكل عكسي في هذه العملية فبدلًا من أن تصادر الأسلحة من كل الجهات اقتصر ذلك على جهات معينة كما فتحت المجال لفئات كثيرة أخرى مثل العشائر لحمل السلاح والانخراط العشوائي ضمن بعض المعارك الأخيرة” وفقًا لتعبيره.

ويدعو الشلاتي إلى تفعيل القوانين الناظمة لحيازة العنصر الأمني والعسكري للسلاح خارج الدوام الرسمي، ملاحظًا أنه بـ “خلاف ما هو متعارف عليه في الدول الأخرى، يُسمح للعسكريين والأمنيين بحيازة أسلحتهم خارج الدوام بالرغم من أن القوانين تحظر ذلك إذ يجب أن يبقى السلاح داخل القطعة العسكرية أو القسم الأمني”.

ويرى الشلاتي أنه “في حالات كثيرة، يكون الدافع وراء القتل هو عدم الشعور بالعدالة ومحاولة الاقتصاص باليد، وفي علم الجريمة: الدافع هو أهم عنصر من عناصر الجريمة ومادام الدافع موجودًا يمكن أن تستمر فوضى السلاح”.

———————————-

 خلال شهر.. السفارة السورية في برلين تُنجز أكثر من 10 آلاف معاملة

2025.12.06

أنجزت السفارة السورية في برلين خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الفائت 10,643 معاملة لصالح أبناء الجالية السورية في ألمانيا.

وقال مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين، محمد يعقوب العمر، لموقع تلفزيون سوريا، إن هذا الارتفاع اللافت في حجم العمل يأتي نتيجة لخطة تطوير شاملة نفذتها الوزارة، بهدف تعزيز كفاءة الخدمات القنصلية وتسريع وتبسيط إجراءاتها.

وأوضح العمر أن الحصة الكبرى من المعاملات كانت في قسم الجوازات، حيث تم إنجاز 6,908 معاملات نتيجة للطلب المستمر على تجديد واستصدار جوازات السفر.

كما سجل قسم الوكالات والتصديقات نشاطاً متزايداً بلغ 1,283 معاملة، بينما جرى تنفيذ 344 تذكرة مرور، إضافة إلى 84 معاملة في الأحوال المدنية و46 معاملة تجارية، فضلاً عن 38 معاملة خاصة بمحاضر نقل الجثامين.

وأضاف أن تحقيق هذا الرقم لم يكن ممكناً لولا التوسعة الإدارية والإنشائية الكبيرة التي شهدتها السفارة، حيث تحوّل المبنى من غرفة واحدة إلى منشأة متكاملة من طابقين، مقسّمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، مع تخصيص طابق كامل لقسم الجوازات.

كما جرى رفع نقاط إنجاز الجوازات من نقطة واحدة إلى 16 نقطة، وزيادة نقاط العمل في قسم الوكالات إلى أربع نقاط، ما انعكس مباشرة على سرعة الإنجاز وجودة الخدمة.

وفي إطار تطوير الموارد البشرية، كشف العمر أن الوزارة أجرت عملية انتقاء واسعة للموظفين المحليين في ألمانيا، حيث تقدم أكثر من 2,500 شخص، وتم اختيار 35 موظفاً بعد مقابلات دقيقة اعتمدت على الخبرة والكفاءة.

وأشار إلى أن تحسين مستوى الخدمات لم يقتصر على سفارة برلين، بل شمل مختلف البعثات السورية حول العالم، حيث شهدت الشكاوى انخفاضاً ملحوظاً بعد إطلاق تطبيق حجز المواعيد الإلكتروني وتنفيذ الفريق التقني زيارات ميدانية للبعثات الأكثر ازدحاماً.

وفي ختام تصريحه، شدد العمر على أن هذه الإنجازات تمثل التزاماً ثابتاً من وزارة الخارجية تجاه الجالية السورية، مؤكداً استمرار العمل على تطوير الخدمات القنصلية وتسهيل إجراءات السفر والوكالات والمعاملات الرسمية والتجارية، بما يضمن خدمة المواطنين بكفاءة عالية ووفق أفضل المعايير.

———————————-

 السوريون في مصر يستعيدون فرحة تحرير سوريا رغم بعد المسافة

2025.12.07

يعيش السوريون في مدن مصرية كبيرة مثل القاهرة والإسكندرية، وفي ضواحي مثل السادس من أكتوبر وجسر السويس والعاشر من رمضان والعبور، ذكرى أيام تحرير بلادخم بطقوس تختلف عمّا يعيشه السوريون في الداخل.

ففي بلد اللجوء والاغتراب، تتخذ المناسبة شكلاً أكثر هدوءاً وخجلاً، لكنها لا تخلو من شغف دفين بالوطن، وعلامات صغيرة تعيد إلى الأذهان ألوان علم الثورة والأغاني التي كانت تصدح في الساحات.

وبينما تعيش الجالية السورية في مصر حياة متشابكة مع الواقع المحلي، باتت المناسبات الوطنية تختفي فيها بطريقة توازن بين الحنين والاندماج. فالاحتفالات ليست صاخبة، لكنها حاضرة على شكل منتجات تُباع، وتخفيضات رمزية في المطاعم، وصور على مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاعر منسابة في أحاديث الشباب.

أعلام صغيرة.. ورمزيات كبيرة

مع اقتراب المناسبة، تبدأ بعض المحلات السورية والمسوقين على الإنترنت ببيع الأعلام بأحجام مختلفة، وسلاسل معدنية تحمل شعار سوريا أو نقش “الحرية”. تنتشر أيضاً أساور ملونة بثلاث خطوط، وقمصان مطبوعة عليها شعارات تعبر عن الانتماء.

يقول محمد عابدين، سوري مقيم في القاهرة، لموقع تلفزيون سوريا، حيث يعمل في مجال الطباعة: “الطلبات بدأت تتزايد منذ بداية شهر كانون الأول/ديسمبر، ويطلب الناس أشياء صغيرة، مثل علم صغير يضعونه في البيت أو سلسلة تحمل خريطة بلادهم. لا يمكننا الاحتفال بصوت عالٍ، لكن الرمزيات تكفي.”

هذه الرمزيات، رغم صغر حجمها، تحمل دلالات وجدانية كبيرة بالنسبة لآلاف السوريين الذين يعيشون بعيداً عن أرضهم. فالعلم ليس مجرد قطعة قماش، بل مساحة ذاكرة تختصر سنوات من الحرب والتهجير والانتماء والقصص والأحلام المعلقة.

مطاعم ومحلات تقدم خصومات “من أجل المناسبة”

منذ عام، بالتزامن مع تحرير البلاد وسقوط نظام الأسد المخلوع، أصبحت العديد من المطاعم السورية في القاهرة، خاصة أماكن تجمع السوريين مثل السادس من أكتوبر والعبور وجسر السويس، تطلق عروضاً خاصة.

ومن هذه العروض: تخفيضات على الوجبات إضافة طبق مجاني أو توزيع بعض العينات على المارة في الشارع، مع نشر منشورات على صفحاتهم في فيسبوك وإنستغرام مرفقة بعلم سوريا.

يقول جهاد عبد الله، صاحب مطعم سوري في القاهرة: “لم نستطع الاحتفال في بلدنا، لكننا لا ننساه (..) كل مناسبة وطنية نقدم عروضاً رمزية، ليس الهدف الربح، بل أن يشعر الناس أن هناك شيئاً يجمعنا.”

كما تقوم بعض محلات الحلويات بصناعة قوالب الكيك المزينة بعلم سوريا، وبسكويت وشوكولاتة مغلفة بأوراق وعبارات تحمل في مضمونها الفرح بالتحرير.

هذه الخطوة، ظاهرياً تجارية، لكنها تمثل شكلاً من أشكال التعبير الجماعي، خصوصاً في ظل غياب الاحتفالات في الشوارع والأماكن العامة.

احتفالات فردية.. ومشاعر جماعية

رغم وجود أعداد كبيرة من السوريين في مصر، تبقى الاحتفالات العامة محدودة ولا توجد تجمعات كبيرة خوفاً من حساسيات سياسية، كما يفضل معظم السوريين الحفاظ على صورة الاندماج والاستقرار داخل المجتمع المصري.

تقول جمانة مصطفى، سورية مقيمة في القاهرة: “بعض السوريين يشعرون أن الاحتفال الصاخب قد يُفهم بشكل سياسي، لهذا يفضلون التعبير عبر الرموز، لا عبر التجمعات.”

تضيف جمانة: “سأقوم بتحضير احتفال للأهل والأصدقاء في المنزل، نسمع أغاني الثورة، ونعيد شعور الفرحة الأولى بتحرر البلاد وعودة عدد كبير من المهجرين.”

النتيجة هي ما يمكن تسميته بالاحتفال الصامت: صور تُنشر على فيسبوك، أغانٍ وطنية داخل السيارات، لقاءات بين الأصدقاء والجيران.

اختلاف الأجيال في التعبير عن المناسبة

اللافت أن الجيل السوري الجديد، الذي وُلد في مصر أو جاء إليها صغيراً، يحتفل بالمناسبة بطريقة مختلفة، بالنسبة لهم الوطن هو ذاكرة سمعوها من أهاليهم أكثر مما عاشوها بأنفسهم.

تقول ريما العبد، طالبة سورية (15 عاماً) تعيش في القاهرة منذ 2013: “أنا لم أكبر في سوريا، ولكن أشعر بالانتماء إليها (..) يوم التحرير بالنسبة لنا هو اليوم الذي نشعر فيه أن لنا بلداً يمكن أن نعود إليه يوماً ما، وطناً حراً يحمينا.”

بينما يرى الشباب الأكبر، خصوصاً من عاشوا قبل الحرب، أن اليوم يمثل “نسخة رمزية” من الاحتفال الحقيقي.

يقول أنس مرعي، شاب سوري من حمص: “نحتفل هنا، ولكن قلبنا يقول، لو كنا في سوريا كان الاحتفال سيكون أجمل، وكنا سنشعر بفرحة غامرة.”

لماذا تبدو الاحتفالات “خجولة”؟

هناك عدة أسباب تجعل احتفالات السوريين في مصر هادئة وغير صاخبة، أولها الظروف السياسية الحساسة، حيث يتجنب السوريون أي مظاهر قد تُفسر بأنها موقف سياسي، مع التركيز على الاستقرار والحفاظ على علاقات ممتازة مع المجتمع المضيف.

ويضاف إلى ذلك القيود الرسمية، ففي العام الفائت، منع البلد المضيف أي مظاهر للاحتفال أو التجمعات بدون الحصول على تصريح، مما جعل الاحتفالات أكثر صعوبة.

وأيضا ضغوط الحياة اليومية، فكثير من السوريين يعملون لساعات طويلة، مما يجعل الاحتفال رفاهية، بالإضافة إلى غياب الاحتفال الرسمي، حيث لم تنظم السفارة في القاهرة أي نشاطات للجالية السورية المقيمة.

وهكذا تتحول المناسبة إلى لحظة شخصية أكثر من كونها جماعية، لكنها مع ذلك تبقى حاضرة بقوة في الذاكرة.

————————–

من ساحة الأمويين إلى أرجاء دمشق.. السوريون يحيون ذكرى التحرير

2025.12.08

تكتظ ساحة الأمويين في قلب العاصمة دمشق بعشرات الآلاف من السوريين الذين توافدوا من كل حدب وصوب للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لسقوط حكم بشار الأسد المخلوع، حيث ترفرف ألوان العلم السوري  في الأرجاء، وتصدح الأغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت.

وقد انطلقت الاحتفالات في دمشق، بعرض عسكري حضره الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب عدد من المسؤولين.

كذلك شارك فوج “مار أفرام السرياني البطريركي الكشفي” وفرقة كشاف سوريا في هذه الاحتفالات. كما شارك طيارون شراعيون من دول مختلفة في التحليق فوق ساحة الأمويين.

وتجمع حشود من أهالي حي الميدان لانطلاق مسيرة باتجاه ساحة الأمويين للمشاركة في الاحتفالات، في حين وصلت سيارات وحافلات من مختلف مناطق الريف إلى العاصمة لتعزيز أجواء الفرح الجماهيري.

كما وصل “مسير التحرير” إلى دمشق قادماً من محافظة إدلب، حيث استقبله أهالي العاصمة في ساحة الأمويين ضمن فعاليات عبّرت عن التمسك بوحدة السوريين وتطلّعهم إلى مستقبل أكثر سلاماً واستقراراً.

الرئيس الشرع يحضر العرض العسكري

شهد أوتوستراد المزة في دمشق العرض العسكري المركزي الذي نظمته وزارة الدفاع بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للنصر والتحرير، بحضور الرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء والقادة العسكريين وكبار المسؤولين.

وانطلق العرض من أوتوستراد المزة باتجاه ساحة الأمويين ثم ساحة الجمارك، وسط تحليق للطائرات التي رافقت مراسم الاحتفال، في حين احتشد آلاف المواطنين على جانبي الطريق رافعين أعلام الجمهورية العربية السورية ومرددين هتافات الفرح بانتصار الثورة السورية.

كما نظمت وزارة الدفاع مسيرات عسكرية متزامنة في محافظات اللاذقية وحلب وإدلب وحماة وحمص وريف دمشق، شارك فيها الطائرات المروحية، في حين شهدت سماء العاصمة عروضاً بعدد من الطائرات الشراعية، بالتزامن مع رفع العلم السوري في ساحة مدينة دوما بريف دمشق.

تعزيزات أمنية وطبية واسعة

تأتي الاحتفالات وسط استعدادات مكثفة من وزارة الداخلية والصحة، حيث قال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في تصريح نقلته “سانا” إن الخطة الأمنية للاحتفالات تعتمد على رفع درجة التأهب وتكثيف انتشار الدوريات وقوى الأمن الداخلي في محيط الساحة والمحاور المؤدية إليها، بهدف تنظيم الحركة وتسهيل وصول المواطنين.

وأضاف أن الوزارة عززت حضورها الميداني للتعامل الفوري والمهني مع أي طارئ، بالتنسيق المباشر مع مختلف الجهات الخدمية لضمان منظومة لوجستية وإسعافية متكاملة خلال الفعالية.

وفي السياق ذاته، تواصل الطواقم الصحية والإسعافية من مديرية صحة دمشق ومنظمة الهلال الأحمر العربي السوري عملها على مدار الساعة لتأمين الخدمات الطبية للمشاركين.

وقال مدير وحدة الإعلام والتواصل في الهلال الأحمر، عمر المالكي، إن المنظمة فعّلت غرفة عمليات مشتركة مع صحة دمشق والدفاع المدني، وخصصت 30 فرقة إسعافية للفعالية، بينها 24 فرقة منتشرة داخل ساحة الأمويين ومحيطها، إلى جانب عيادات متنقلة وفرق للخدمات المجتمعية والحماية.

وأشار المالكي إلى تركيز خاص على متابعة الأطفال بسبب الازدحام، حيث تعمل الفرق على معالجة حالات الفقدان وإعادة الأطفال لذويهم فوراً، مبيناً أن الفرق سجلت أمس نحو 30 حالة إسعافية متنوعة معظمها ناجمة عن الازدحام والطقس البارد.

وصدحت مساجد سوريا فجر اليوم بتكبيرات النصر استجابة لدعوة من وزارة الأوقاف إيذاناً ببدء فعاليات اليوم الوطني للتحرير.

كما أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة الفجر في المسجد الأموي، مؤكداً في كلمة عقب الصلاة أن سوريا ستعود قوية “من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها” عبر بناء يعكس حضارتها العريقة.

وتأتي هذه الاحتفالات بعد أيام من فعاليات شعبية مكثفة أحياها السوريون في مختلف المناطق، استذكروا خلالها معركة “ردع العدوان” التي بدأت في 27 من تشرين الثاني 2024 من محافظة حلب، قبل أن يتمكن المقاتلون من دخول دمشق بعد 11 يوماً فقط، إيذاناً بانهيار النظام المخلوع في 8 من كانون الأول 2024.

———————————-

 سوريا تحيي الذكرى الأولى لسقوط الأسد

البلاد تكافح للتعافي بعد حرب لسنوات

العربية.نت ووكالات

08 ديسمبر ,2025تان للقراءة

يحيي السوريون اليوم الاثنين الذكرى الأولى للإطاحة ببشار الأسد وحكمه الاستبدادي، في حين تكافح الدولة من أجل تحقيق الاستقرار والتعافي بعد حرب دامت لسنوات.

ومن المقرر أن تشهد ساحة الأمويين في العاصمة دمشق احتفالات رسمية، وامتلأت بالفعل بحشود مبتهجة استعدادا للثامن من ديسمبر كانون الأول. كما ستقام احتفالات في أماكن أخرى بأنحاء البلاد.

العربية ترصد احتفالات السوريين بالذكرى الأولى لإسقاط بشار الأسد

وفر الأسد من سوريا إلى روسيا قبل عام عندما سيطرت المعارضة بقيادة الرئيس الحالي أحمد الشرع على دمشق، وأطاحت به بعد حرب دامت لأكثر من 13 عاما اندلعت عقب انتفاضة ضد حكمه.

وتشهد بعض مناطق سوريا احتفالات منذ عدة أيام وامتلأت شوارع حماة بالآلاف يوم الجمعة ملوحين بالعلم السوري الجديد إحياء لذكرى اليوم الذي سيطر فيه مسلحون بقيادة جماعة هيئة تحرير الشام على المدينة خلال تقدمهم السريع صوب دمشق.

إظهار الوحدة

وفي خطاب ألقاه في أواخر نوفمبر بمناسبة الذكرى الأولى لبدء حملة المعارضة التي تكللت بالانتصار، حث الشرع جميع

السوريين على الاحتشاد في الساحات لإظهار الفرحة والوحدة الوطنية.

وأجرى الشرع تغييرات جذرية، فأعاد تشكيل علاقات سوريا الخارجية بتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، وحظي بدعم دول الخليج. ورفع الغرب بدوره الكثير من العقوبات المفروضة على البلاد.

وتعهد الشرع بإنهاء “دولة الأسد البوليسية الوحشية وإقامة نظام شامل وعادل”.

سوريا “تعيش أفضل ظروفها”

وقال الشرع للمشاركين في منتدى الدوحة بمطلع الأسبوع إن “سوريا تعيش أفضل ظروفها الآن”، على الرغم من نوبات العنف التي شهدتها متعهدا بمحاسبة المسؤولين عنها.

مقاطع حصرية على “العربية” تكشف كيف كان الأسد يسخر من بوتين في تسريبات جديدة

سوريا حصري مقاطع حصرية على “العربية” تكشف كيف كان الأسد يسخر من بوتين في تسريبات جديدة

وأضاف أن الفترة الانتقالية بقيادته ستستمر أربع سنوات قادمة لإقامة المؤسسات وسن القوانين ووضع دستور جديد يُطرح على الشعب للاستفتاء وأنه باكتمال هذه المرحلة ستجري البلاد انتخابات.

وحكمت عائلة الأسد، المنتمية إلى الأقلية العلوية، سوريا لمدة 54 عاما.

وحصدت الحرب السورية أرواح مئات الآلاف وشرّدت الملايين بعد اندلاعها في عام 2011، ولجأ نحو خمسة ملايين إلى البلدان المجاورة.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية خلال مؤتمر رويترز نكست الأسبوع الماضي إن عودة نحو 1.5 مليون سوري للبلاد تسهم في نمو الاقتصاد.

ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن هناك حاجة ملحة للمساعدات الإنسانية في سوريا إذ احتاج نحو 16.5 مليون إلى الدعم في 2025.

———————————-

الشرع يشهد عرضاً عسكرياً بدمشق احتفالاً بذكرى التحرير

“سانا”: تحليق طيران مروحي فوق سماء دمشق بالتزامن مع العرض

الرياض – العربية.نت

08 ديسمبر ,2025

شهد الرئيس السوري، أحمد الشرع، وعدد من الوزراء، يوم الاثنين، العرض العسكري في دمشق بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير سوريا.

أفادت الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” بأن وزارة الدفاع تنظم العرض العسكري على أوتوستراد المزة بدمشق، مع تحليق طائرات مروحية فوق سماء العاصمة بالتزامن مع الفعالية.

أشارت الوكالة إلى توافد المواطنين إلى ساحة الأمويين بدمشق للمشاركة في احتفالات ذكرى التحرير، موضحة أن ذلك يتم وسط استعدادات أمنية مشددة في الساحة ومحيطها لتأمين الفعاليات.

أدى الرئيس الشرع صلاة الفجر في المسجد الأموي الكبير بدمشق، حيث صرح في كلمة بمناسبة ذكرى التحرير: “لن يقف في وجهنا أحد مهما كبر أو عظم، ولن تعترضنا العقبات، وسنواجه جميعاً كل التحديات”.

وأضاف: “من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، سنعيد سوريا قوية عبر بناء يليق بحاضرها وماضيها، وبناء يليق بحاضرة سوريا العريقة.. سنعيد بناءها”.

وضع الرئيس الشرع قطعة من ثوب الكعبة المشرفة في رحاب المسجد الأموي بدمشق، وهي هدية تلقاها من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، حسب الوكالة.

رفعت مآذن المساجد في معظم المحافظات السورية التكبيرات، معلنة انطلاق فعاليات عيد التحرير في سوريا بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد.

تحتفل سوريا بعيد التحرير الأول الذي يتزامن مع ذكرى سقوط نظام الأسد، حيث تعمّ مختلف المناطق احتفالات واسعة، وتستعد المحافظات لتجمعات شعبية حاشدة في الساحات الرئيسية.

—————————–

الشرع يكشف عن هدية مقدمة من المملكة العربية السعودية

ظهر الشرع مرتديا لباسه العسكري الذي ارتداه خلال قيادته إدارة العمليات العسكرية

الرياض: العربية.نت

08 ديسمبر ,2025

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع عن هدية مقدمة من المملكة العربية السعودية في الجامع الأموي بمناسبة مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد

وقال الشرع: “بعد زيارتنا الأولى للسعودية أكرمنا الأمير محمد بن سلمان بهدية هي قطعة من ستار الكعبة.. وآثرنا أن تكون هذه القطعة بالجامع الأموي”

ووصل الشرع إلى المسجد الأموي بدمشق صباح اليوم وسط حضور واسع من المصلين الذين توجّهوا إلى مختلف المساجد في سوريا لإحياء ذكرى “فجر تحرير سوريا” وإسقاط نظام الأسد.

من تسريبات “العربية” الحصرية.. الأسد يضحك من تعليق لونا الشبل على تدمير سوريا

سوريا حصري من تسريبات “العربية” الحصرية.. الأسد يضحك من تعليق لونا الشبل على تدمير سوريا

وظهر الشرع مرتديا لباسه العسكري الذي ارتداه خلال قيادته إدارة العمليات العسكرية لما له من رمزية وارتباط بالذكرى. وألقى كلمة من منبر المسجد الأموي، أكد فيها مضيه إلى الحفاظ على سوريا من شمالها إلى جنوبها.

———————–

أجاك الدور يا دكتور”.. الجزيرة نت ترافق من خط شعارات الثورة الأولى بدرعا/ رأفت أبازيد

كتابات على جدران مدرسة الأربعين بدرعا البلد، وصور للشاب معاوية صيانة بعد سقوط نظام الأسد بدرعا ودمشق.

درعا- لم يكن معاوية صياصنة يدرك حين حمل علبة البخاخ ذات اللون الأسود في فبراير/شباط 2011 واقترب من جدار مدرسة الأربعين في درعا البلد وخط شعارات “إجاك الدور يا دكتور” و”إرحل”، أن تلك اللحظة ستغيّر وجه سوريا وحياته إلى الأبد.

ويروي للجزيرة نت “كنت أظنها لعبة طفولية تُلعب ليلا، ومشاغبة جماعية سيضحك عليها رفاقي عند الصباح”، لكنه لم يكن يتخيل أن هذه الكلمات البسيطة ستقوده بعد أيام إلى زنازين فرع الأمن السياسي في درعا.

كما لم يكن يعلم أنه سيفقد أحد أفراد عائلته نتيجة قصف قوات نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قبل أن يتحول الطفل إلى مقاتل ومهجّر وعائد من جديد إلى المدينة نفسها التي كتب فيها أول كلمة.

ذكريات الثورة

بعد أيام، داهم عناصر الأمن السياسي منزل عائلة صياصنة بإشراف العميد عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي، واعتُقل معاوية (15 عاما) من داخل غرفته، كان أصغر من أن يدرك ما يجري وكل ما فهمه في تلك اللحظة هو أن الكلمات يمكن أن تفتح أبواب السجون.

دخل إلى غرف التحقيق حيث تعرض للضرب والصراخ في زنزانة مغلقة تملؤها رائحة الرطوبة. ويقول “ما كنت فاهم شو (ما) هي الدولة ولا شو يعني معارضة، بس فهمت إنه ممكن تعتقل طفل بس لأنه كتب على الحيط”.

خلال وجوده في السجن، انطلقت الثورة في مدينة درعا بعد رفض ضباط النظام الإفراج عن الأطفال، خرج الناس من مسجد الحمزة والعباس في 18 مارس/آذار 2011 وتجمّعوا في المسجد العمري، ليسقط أول شهيدين بنيران الأمن السوري، في حين بقي الأطفال داخل الأفرع الأمنية.

خرج معاوية بعد 45 يوما ليكتشف أن مدينته قد تغيرت، لم يحتفل بخروجه بل انضم لأول مظاهرة صادفها وهتف ضد النظام.

مع توسع الاحتجاجات، رد النظام بالقصف والحصار والاعتقالات، وكان والده أحد ضحايا القصف المدفعي على درعا البلد من أحد المواقع العسكرية القريبة أثناء توجهه إلى المسجد لصلاة العصر. ويقول معاوية “حسّيت الثورة يتّمتني. لكن حسّيت كمان إنه لازم أكمل الطريق”.

انخراط

مع مرور الوقت، انخرط في صفوف الجيش السوري الحر “دفاعا عن الحي الذي عاش فيه”، عاش المعارك وفقد الأصدقاء، وتحوّل من طفل كتب على الجدار إلى شاب يحمل سلاحا داخل مدينته.

ويوضح “كنت أسمع من أقاربي الذين خدموا في الجيش السوري قبل 2011 عن السلاح وكيفية فكه وتركيبه واستخدامه في إطلاق رصاصة باتجاه الهدف، لكن لم أتخيل في يوم من الأيام أن أضطر إلى حمله وأطلق الرصاص باتجاه من يحاول أن يقتلني ورفاقي”.

في أغسطس/آب 2018، خضعت درعا لاتفاق تسوية أعاد النظام إلى المدينة، في حين خرج جزء من المقاتلين إلى الشمال، لكن معاوية قرر البقاء فكان يدرك أن احتمال اعتقاله قائم في أي لحظة، ومع ذلك لم يغادر. ويقول “فكرت أطلع، لكن بالنهاية فضلت أظل مع الشباب الذين بقوا”.

عاش سنوات التسوية بحذر شديد، إذ كانت حركته محدودة وتقتصر على الحي الذي يقيم فيه وبعض الأحياء المجاورة التي لم يكن يدخلها عناصر النظام.

في صيف 2021، فرض النظام حصارا على درعا البلد استمر لأكثر من شهرين، وقصف المنطقة بكافة الأسلحة عدا الطائرات، فاضطر معاوية للخروج ضمن قافلة التهجير نحو الشمال السوري بعد توصل اللجنة المركزية وضباط النظام إلى اتفاق يقضي بنشر نقاط عسكرية وتهجير الرافضين إلى المنطقة.

كان معاوية من بين الذين اختاروا الهجرة، وبعد وصوله، دخل إلى تركيا وحاول عبور الحدود إلى أوروبا بحثا عن مستقبل جديد، لكنه لم يتمكن من ذلك وأعادته الطرق إلى مدينته التي غادرها قسرا ليرجع إليها سرا. ويؤكد “كنت مفكر الحياة بره أحسن، لكن اكتشفت أن مكاني هنا”.

حياة جديدة

تابع معاوية أحداث معركة ردع العدوان التي بدأت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في الشمال السوري، لكنه لم يكن متفائلا بأنها ستكون سببا في سقوط نظام الأسد ووصول المقاتلين إلى دمشق.

ومع بداية انهيار قوات النظام والسيطرة على مدن وبلدات بشكل سريع، خرج مع عدد من شباب المنطقة واستنفروا، وبدؤوا الاستعدادات لتحرير درعا، التي تمكنوا من السيطرة عليها في 6 ديسمبر/كانون الأول 2024. وبعد يومين، توجهوا إلى دمشق مع الإعلان عن هروب بشار الأسد وسقوط نظامه بشكل كامل.

اليوم وبعد مرور عام على سقوط النظام المخلوع، يعيش معاوية حياة جديدة، يعمل في التجارة ويتنقل بحرية بين المحافظات السورية، ويقول “أول مرة بحسّ إنه ما في خوف، ما حدا رح يوقفني ويسألني عن اسمي”، ويرى أن درعا البلد اليوم “رمز لسوريا الجديدة”، وأن جيله دفع ثمنا باهظا للوصول إلى هذه اللحظة.

أصبح معاوية أبا لفيصل (6 أعوام) وقد سمّاه على اسم والده الشهيد، ولديه طفلة عمرها 6 أشهر، ويضيف “بشوف حالي بفيصل.. لكنه لن يعيش الخوف الذي عشته”، ويؤمن أن ابنه سيكبر في سوريا مختلفة، وأن الكلمات التي خُطت على جدار مدرسة يمكن أن تغيّر مستقبل بلد كامل.

يقف عند الجدار القديم في درعا البلد، يلمس الإسمنت الذي تغير لكنه لا يزال يحمل ذاكرته الأولى. ويقول بهدوء “لو يرجع الزمن إلى الوراء، كنت رح أكتب من جديد”. يمشي مبتعدا، لكن الجدار يظل في ذاكرته، كما لا يزال الطفل -الذي بدأ الثورة- يقف هناك، في بداية كل شيء ونهاية زمن الخوف.

المصدر: الجزيرة

————————–

بالزي العسكري.. الشرع يشارك السوريين في احتفالات الذكرى الأولى لـ”التحرير

يحيي السوريون اليوم الاثنين الذكرى الأولى “للنصر والتحرير” والإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد وحكمه الاستبدادي، ودخول قوات ردع العدوان العاصمة دمشق.

وقد أدى الرئيس السوري أحمد الشرع -وهو يرتدي الزي العسكري- صلاة الفجر بالمسجد الأموي في دمشق بمناسبة الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد. وتعهد الشرع بإعادة بناء سوريا بما يليق بحاضرها وماضيها.

وقال الرئيس السوري في كلمة بعد أدائه صلاة الفجر “أيّها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعا كل التحديات بإذن الله”.

وأضاف الشرع “من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، سنعيد سوريا قوية ببناء يليق بحاضرها وماضيها، وسنعيد بناءها نصرة المستضعفين والعدالة بين الناس بإذن الله تعالى”.

وقد بدأت المساجد حملة تكبيرات احتفالا بهذه المناسبة، كما شهدت العاصمة دمشق انتشارا مكثفا لعناصر الأمن لتأمين احتفالات الذكرى الأولى للتحرير وسقوط نظام الأسد.

ومن المتوقع أن تشهد الساحات الرئيسية في معظم المحافظات احتفالات شعبية وعروضا عسكرية بمشاركة رسمية.

وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فر الأسد -الذي ورث الحكم عن أبيه حافظ الأسد– من سوريا إلى روسيا، عندما تمكن الثوار السوريون بقيادة الرئيس الحالي أحمد الشرع من دخول العاصمة دمشق.

فعاليات واحتفالات

وشهدت المدن والبلدات في محافظات البلاد فعاليات رسمية وشعبية عكست أجواء الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية، وفقا لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وأمس الأحد، شهدت مدينة بانياس في محافظة طرطوس احتفالية شعبية مسائية بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد.

واحتشد الآلاف في ساحة المدينة الرئيسية، ورددوا هتافات تؤكد على وحدة سوريا. وطالب المتظاهرون الحكومة بمحاسبة رموز النظام الذين ارتكبوا المجازر في حق الشعب السوري خلال سنوات الثورة.

وفي العاصمة دمشق، أقيمت “فعاليات النصر” في بلدة مسرابا وساحة مسجد النور بمدينة الرحيبة، بالإضافة إلى ماراثون رياضي بمدينة الضمير (جنوب).

وشرقي البلاد، تم تنظيم مباراة كرة قدم كرنفالية ودية بين فريق مدارس مدينة دير الزور، وفريق مدارس مدينة الميادين، احتفالا بهذه الذكرى.

ووسط البلاد، أقيم احتفال جماهيري كبير في مدينة صوران بريف حماة الشمالي، بحضور قادة عسكريين.

كما انطلق مسير شعبي من حي القرابيص باتجاه حي الخالدية بمدينة حمص (وسط)، للمشاركة في فعالية شعبية مركزية في ذكرى “النصر والتحرير”.

وفي شمال البلاد، نُظمت احتفالات في مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي، حيث رفع المشاركون الأعلام السورية.

وحكمت عائلة الأسد، المنتمية إلى الأقلية العلوية، سوريا لمدة 54 عاما.

ويرى السوريون أن الخلاص من نظام الأسد يمثل نهاية حقبة طويلة من القمع الدموي، تخللتها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، لا سيما خلال سنوات الثورة الـ14 (2011- 2024).

ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن هناك حاجة ملحة للمساعدات الإنسانية في سوريا إذ احتاج نحو 16.5 مليون إلى الدعم في 2025.

المصدر: الجزيرة + وكالات

————————–

سوريا الجديدة.. نيويورك تايمز: الذي حدث يشبه المعجزة

اختارت مراسلة نيويورك تايمز في القدس رجا عبد الرحمن عنوانا لتقرير لها بمناسبة حلول الذكرى الأولى لسقوط الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد: “ما حدث يشبه المعجزة”.

وتصدر تقرير رجا صفحة الصحيفة “النشرة الإخبارية العالمية” التي تعدها الصحفية كاثرين بنهولد والتي اختارت لها هي الأخرى عنوان: “سوريا الجديدة”، موضحة أن هذا البلد لا يزال يواجه العديد من التحديات، “لكن هناك بعض الأمور التي تسير على ما يرام الآن، وهي تستحق اهتمامنا أيضا”، على حد تعبيرها.

تبدأ الكاتبة رحلتها في سوريا بزيارة خالتها في حلب، ملاحظة أن خالتها عند مرور طائرة فوق المنزل، تُصغي لثوانٍ قبل أن تقول إنها لم تتوقف عن الارتجاف  من صوت الطائرات إلا منذ فترة وجيزة، مشيرة إلى أنه ارتبط لسنوات بالقصف والذعر، واليوم، قد تكون تلك الطائرات مجرد رحلات تقلّ عائدين من المنفى أو مستثمرين أو حتى سائحين.

وبعد عام على سقوط بشار الأسد وتشكيل حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، وهو حدث تاريخي يأتي بعد أكثر من 13 عاما من الثورة التي انطلقت في 2011 وقُمعت بوحشية، ثم تحولت إلى حرب أهلية مروعة، تعيش البلاد مزيجا من الأمل والانتقادات.

وقد وثّقت تقارير الجزيرة نت ما تعرض له السوريون من حصار، وتهجير، وانقسام طائفي نتيجة تشبث الأسد بالحكم وقمعه لمعارضيه وكل من يمت لهم بصلة.

وأبرزت رجا أن الحكومة السورية الحالية تواجه مشكلات حقيقية من قبيل: ارتفاع أسعار الكهرباء، وضعف الأمن في ظل حوادث ثأر وخطف، ومخاوف الأقليات من صعود تيارات إسلامية.

لكنها توضح أنه وسط هذه التحديات ثمة مؤشرات لـ”معجزة صغيرة”: لا جبهات قتال بعد اليوم، والتهجير الواسع بدأ في الانحسار، والخدمة العسكرية الإلزامية أُلغيت، مما سمح لآلاف السوريين بالعودة.

كما اختفت صور الأسد التي كانت تملأ الشوارع، وتلاشى الخوف المزمن من الاعتقال بسبب كلمة سياسية أو حتى ذكر اسم “الدولار”، وبات السوريون مندهشين من أنهم يُعاملون اليوم باحترام في الدوائر الحكومية، وتصدح في الاحتفالات أغنية “ارفع راسك.. أنت سوري حر”.

ورغم أن الطريق طويل لإعادة بناء دولة موحدة وتجاوز إرث الانقسام، فإن الانفتاح الدولي على الحكومة الجديدة ودعمها المشروط يعززان هذا الاتجاه.

وقد حاولت السلطات حتى استعادة رمزية السماء، وفقا لرجا، التي لاحظت أن المروحيات التي كانت تخيف خالتها تُلقي اليوم على السوريين الزهور في المناسبات الوطنية، في محاولة لتغيير ذاكرتهم وإعلان بداية زمن جديد.

المصدر: نيويورك تايمز

———————–

كيف انتهت حكاية سجون عائلة الأسد؟/ غنى الخطيب

 مدى عقود شكلت سجون نظام عائلة الأسد في سوريا الذراع الأشد قسوة لترسيخ الخوف وكسر الإرادة، فكل طريق لمعارضة السلطة كان ينتهي بالمعتقلات تحت وطأة التعذيب التي قد لا يمكن النجاة منها.

لكن سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد قبل عام مد طوق نجاة إلى آلاف المعتقلين الذين عاش بعضهم سنوات في الزنازين، مختبرين معنى أن يتحول السجن إلى أداة حكم تدير حياة الناس اليومية.

وخلال أيام معركة ردع العدوان -التي اندلعت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 حتى سقوط حكم عائلة الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته- شكّل تحرير مقاتلي فصائل الثوار للمعتقلين من سجون النظام المخلوع العديدة لحظة انهيار عقود الخوف وظهور الوجوه الغائبة.

فماذا كانت أبرز السجون التي فتح الثوار أبوابها للمرة الأولى خلال تقدمهم نحو دمشق في 11 يوما من القتال؟

حلب التي سبقت الجميع

مع سيطرة فصائل الثورة على حلب في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024 توجه المقاتلون نحو سجن المدينة المركزي الذي كان يضم وفق تقديرات أكثر من 1500 معتقل -بينهم نساء وأطفال- جرى احتجاز معظمهم بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011.

وانتشرت حينها مقاطع فيديو تُظهر خروج عشرات الرجال المنهكين من سجن حلب المركزي الذي كان منذ الثمانينيات رمزا للقبضة الأمنية لنظام الأسد المخلوع.

ويقع السجن شمالي مدينة حلب، ويُعد أكبر سجن في المحافظة والأكثر ازدحاما، إذ يزج بـ25 معتقلا في الغرفة الواحدة، وزاد العدد إلى أكثر من 50 مع انطلاق الثورة السورية.

وحاولت فصائل الثوار عام 2013 تحرير المعتقلين داخل السجن بعد أن حاصرته، لكنها لم تنجح بذلك.

وكان تحرير المعتقلين من سجن حلب المركزي العملية الأولى التي فتحت الطريق أمام موجة واسعة من تحرير السجون مع تقدم فصائل الثوار نحو العاصمة السورية.

حماة تفرج عن ذاكرة 4 عقود

في 5 ديسمبر/كانون الأول 2024 أفرجت حماة عن أثقال ذاكرتها التي حملتها منذ ارتكاب الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مجزرة عام 1982 بحق سكان المدينة أدت إلى مقتل نحو 40 ألف منهم، مع تحرير الثوار مئات المعتقلين من سجن المدينة المركزي.

وكان بعض المعتقلين الذين خرجوا من السجن قد قضوا في الزنازين نحو 3 عقود بتهم ملفقة، كما خرج لبنانيون اختفت أخبارهم لعشرات السنوات بعد اعتقالهم في الثمانينيات خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

ويقع سجن حماة المركزي في الجهة الغربية من المدينة، ويُعد من أقدم سجون نظام الأسد الذي استُخدم لاعتقال المعارضين وتغييبهم.

حمص تحرر سجونها

وفي حمص عاصمة الثورة السورية -والتي ذاقت حصارا طويلا وعمليات تهجير واسعة ودمارا هائلا مس معظم أحيائها خلال الـ14 عاما الماضية- فتح الثوار أبواب سجون نظام الأسد، ليخرج مئات المعتقلين في مساء 7 ديسمبر/كانون الأول 2024.

وبعد السيطرة على المدينة بدأ تحرير السجون بفتح سجن حمص المركزي الواقع قرب حي بابا عمرو، حيث خرج مئات المعتقلين، بعضهم كان معتقلا منذ 13 عاما.

وتلا ذلك بساعات خروج أكبر دفعة من المعتقلين مرة واحدة، بخروج ما قُدّر بنحو 3500 معتقل من سجن حمص العسكري الواقع داخل منشأة عسكرية قرب الكلية الحربية في المدينة.

ومع توسع سيطرة الفصائل شرقا فتح المقاتلون سجن البالونة في ريف حمص الشرقي الواقع قرب مطار “تي فور” العسكري، وهو مكان احتجاز يُعرف بأنه الأكثر دموية بعد سجن صيدنايا في دمشق، وخرج منه معتقلون يحملون آثار التعذيب على أجسادهم.

دمشق تكسر عمود الحقبة الأمنية

وكان الحدث الأكبر الذي ينتظره السوريون ولم يتخيلوا حدوثه في دمشق التي أسّس فيها نظام عائلة الأسد أكثر السجون قسوة.

وفجر 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد وصول فصائل الثوار إلى العاصمة فتح المقاتلون أبواب سجن صيدنايا الذي وصفته تقارير حقوقية بأنه الأكثر دموية في البلاد، وخرج منه مئات المعتقلين السياسيين الذين اعتُقلوا بتهم “الإرهاب” وقضوا عشرات السنوات يواجهون التعذيب.

وأظهرت صور خروج عشرات الرجال والنساء بأجساد هزيلة تحمل جروحا غائرة، وبعضهم كان فاقدا القدرة على الكلام أو تذكّر هويته وعائلته.

لكن آلاف المعتقلين الذين انتظرتهم عائلاتهم صباح ذلك اليوم لم يخرجوا منه، وغيّب نظام الأسد مصيرهم بمنهجية عسكرية، وسط استمرار بحث الأهالي عن معلومات عنهم.

وبالقرب من العاصمة شهد سجن عدرا المركزي بدوره خروج مئات المعتقلين، منهم نساء، بينهن أسماء بارزة مثل المدونة طل الملوحي التي اعتقلها نظام الأسد في 2009 لكتابتها مدونة تنتقده.

ولم يقتصر فتح السجون بدمشق في يوم سقوط نظام الأسد على معتقلي صيدنايا وعدرا، فالعاصمة كانت شبكة معقدة من الفروع الأمنية مثل الفرع 215 والفرع 227 وفرع الخطيب، إضافة إلى سجن المزة العسكري، والتي شكلت جميعها مقرات لتعذيب السوريين وإخفائهم.

سجون أخرى بأنحاء سوريا

وإلى جانب هذه السجون الكبرى فتحت فصائل الثوار سجون أخرى ومراكز احتجاز في طرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء خرج منها مئات المعتقلين، بعضهم قضى في الزنازين عشرات السنين، ومنهم الطيار رغيد الططري الذي خرج من سجن طرطوس بعد أن سُجن لنحو 40 عاما لرفضه قصف حماة في الثمانينيات.

وخلال أيام معركة ردع العدوان وما رافقها من فتح السجون التي بدت للسوريين منيعة أمام الزمن انتهى الامتداد الجغرافي لمنظومة سجون الأسد التي شكلت جوهر الحكم الأمني لعقود، لكن معركة السوريين للبحث عن أحبائهم المفقودين ولعلاج جروح سنوات الاعتقال لا تزال مستمرة.

المصدر: الجزيرة

—————————-

مرتديا “بدلة النصر”.. ما دلالات صلاة الشرع في الأموي بذكرى التحرير؟

بشار أبو زكري

في ذكرى تحرير دمشق، ظهر الرئيس السوري أحمد الشرع داخل المسجد الأموي في العاصمة، مرتديا الزي العسكري الذي دخَل به المدينة قبل عام، في مشهد أثار اهتماما واسعا على منصات التواصل الاجتماعي.

ويأتي هذا الظهور تزامنا مع ذكرى 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تاريخ دخول الثوار السوريين العاصمة دمشق، معلنين الإطاحة بنظام بشار الأسد (2000-2024)، وهو الحدث الذي شكل لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث.

وسيطرت قوات عمليات ردع العدوان على العاصمة في اليوم ذاته، وهو ما اعتبره السوريون إيذانا بنهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة، أعادت رسم خريطة السلطة في البلاد.

وسط إجراءات أمنية مشددة وحضور رسمي واسع، تجوّل الشرع في باحات المسجد الأموي مرتديا الزي العسكري، في خطوة وصفها مغردون بأنها تأكيد على حضوره في المشهد الداخلي وإبراز رمزية “النصر” في هذه المناسبة الوطنية.

ولفت آخرون إلى أن اختيار هذا الزي لم يكن اعتباطيا، إذ يحمل رمزية مباشرة للمرحلة السابقة، ويعيد تذكير السوريين باللحظة التي حررت فيها دمشق قبل عام.

وركزت التعليقات على ظهور الرئيس الشرع بالزي العسكري، معتبرين أنه يحمل رسائل متعددة، فهو يمثل استعادة الرمزية الوطنية والتأكيد على سيادة الدولة، وفي الوقت نفسه يشكل استعراضا سياسيا وعسكريا في مناسبة رمزية، تعكس حضور السلطة في قلب العاصمة وتستحضر ذكريات النصر والكرامة.

وانقسم التفاعل بين اتجاهين، إذ رأى بعض المغردين في هذه الخطوة استعراض قوة في مناسبة رمزية، في حين اعتبر آخرون أنها محاولة لإيصال رسالة سياسية للداخل والخارج في آن واحد.

وأشاد آخرون بدخوله المسجد الأموي بالزي العسكري باعتباره رسالة سيادة وعودة قوية للمشهد الرسمي في ذكرى تحمل رمزية تاريخية، مؤكدين أن المشهد يعكس الحرص على استحضار الرموز الوطنية وإعادة ربط المواطنين بتجربة التحرير.

ويرى مدونون أن هذه الزيارة ليست مجرد حضور بروتوكولي، بل تهدف إلى ترسيخ صورة السلطة واستدعاء الرمزية الوطنية في وقت تسعى فيه الحكومة الجديدة لإظهار الاستقرار والسيطرة في العاصمة.

كما أشارت التعليقات إلى أن المشهد يعكس حرص القيادة على تأكيد وجود الدولة وسيطرتها على الرموز الدينية والتاريخية، وهو ما يضيف بعدا رمزيا وسياسيا في آن واحد، ويعيد إلى الواجهة الذكرى الوطنية للحرية والنصر.

————————–

كيف علق السوريون بعد عام من التحرير؟

بعد عام كامل على اليوم الذي طويت فيه صفحة 4 عقود من الاستبداد، احتفل السوريون في الذكرى الأولى لتحرير بلادهم بملامح تختلط فيها مشاهد الفرح بآثار الوجع.

فقد شكل سقوط نظام بشار الأسد لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، أنهت سنوات طويلة من الحرب والقمع والحصار، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يسعى فيها السوريون لإعادة بناء وطنهم واستعادة كرامتهم.

وتصدر وسم “عام على التحرير” و”سوريا تنتصر” و”سوريا حرة” منصات التواصل الاجتماعي، وسط سيل من التغريدات والمنشورات التي استعاد فيها السوريون لحظات اعتبروها “نهاية زمن الخوف” وبداية مرحلة جديدة من تاريخ البلاد.

واحتفت آلاف الرسائل بـ”عام النصر”، حيث استعاد المغردون صور الأيام الأولى للتحرير ورووا حكايات الصمود التي سبقت هذا التحول التاريخي، مؤكدين أن ما تحقق كان ثمرة تضحيات امتدت لأكثر من عقد.

وأشار ناشطون إلى أن الذكرى لا تمثل مجرد احتفال رمزي، بل تجديدا للعهد بالمضي في مشروع البناء والأمل، مؤكدين أن سوريا ستبقى حرة وقوية بأبنائها، وأن الطريق الذي بدأ قبل عام ما يزال ممتدا نحو ترسيخ دولة العدل والحرية.

وكتب ناشطون: “التحرير لم يكن نهاية الطريق، لكنه بداية استعادة الأمل”، فيما اعتبر آخرون أن الاحتفال يمثل تكريما للشهداء والجرحى الذين قدموا أرواحهم من أجل حرية البلاد.

وعبر أحد المغردين عن مشاعره قائلا: “أشعر أن روحي تشتعل فخرا وفرحا، فهذا اليوم ليس مجرد ذكرى… إنه يوم عودة الصوت، يوم انتصار الشعب الذي كسر قيوده بيده، يوم انتصار الحقيقة على 70 عاما من القمع والخوف والصمت”.

كما وصف آخرون الذكرى بـ”يوم القيامة السوري”، معتبرين أنه شكل ولادة جديدة لسوريا وولادة لآمال بحجم حبهم للوطن الذي عاد بعد سنوات طويلة من القهر والغياب، مع آمال كبيرة بسوريا “معمرة، مزدهرة، وتضم كل أبنائها”.

وفي المقابل، عبر مغردون آخرون عن رفضهم لخطاب الاحتفاء، معتبرين أن الحديث عن “التحرير والانتصار” لا يعكس الواقع الحالي.

وقال بعضهم إن الاحتفال بهذه الذكرى “لا يغير من حقيقة أن ملايين السوريين ما زالوا مهجرين”، بينما اعتبر آخرون أن وصف اليوم بـ”يوم القيامة” أو “العيد الأكبر” مبالغ فيه ولا يراعي حجم الجراح المفتوحة.

كما ناقش مغردون معارضون تحديات ما بعد سقوط النظام، من إعادة الإعمار إلى عودة اللاجئين وإعادة بناء مؤسسات الدولة، معتبرين أن “التحرير كان خطوة أولى، أما المستقبل فهو الاختبار الأصعب”.

وشددوا على أن أي حديث عن “عام النصر” يجب أن يقترن بتحسين الواقع الاقتصادي، وعودة المهجرين، والكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين.

وأكدوا أن “البلاد لم تولد من جديد بعد، وما تزال تبحث عن طريق واضح للخروج من سنوات الانقسام”، وأن مؤسسات الدولة بحاجة إلى إعادة بناء عميقة، مؤكدين أن الاحتفال قبل تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم هو تجاهل لحق آلاف العائلات التي لم تجد أبناءها حتى اليوم.

ورأى هؤلاء أن الذكرى قد تكون فرصة للتقييم لا للاحتفال فقط، ولطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الدولة، والضمانات اللازمة لمنع تكرار ما حدث، وسبل إعادة توحيد المجتمع على أسس أكثر عدلا ومساواة.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

————————

 عام على سقوط الأسد: عائلات المفقودين تنتظر الإجابات

الاثنين 2025/12/08

رغم مرور عام على الإطاحة بالحاكم المستبد بشار الأسد في سوريا، لم يتغير الكثير في رحلة أمينة بقاعي اليائسة للبحث عن زوجها المفقود، إذ تكتب اسمه مراراً وتكراراً في محرك البحث في الإنترنت، أملاً في الحصول على إجابات عن سؤال عمره 13 عاماً، لكن من دون جدوى.

وتعمل “الهيئة الوطنية للمفقودين” التي تشكلت في أيار/مايو الماضي، على جمع أدلة عن حالات الاختفاء القسري في عهد الأسد، لكنها لم تقدم بعد للعائلات أي دلائل بشأن ما يقدر بنحو 150 ألف شخص اختفوا في سجونه سيئة السمعة، حسبما نقلت وكالة “رويترز”. ومن بين هؤلاء المعتقلين محمود، زوج بقاعي، الذي اعتقلته قوات الأمن السورية من منزلهما قرب دمشق في 17 نيسان/أبريل 2012، وشقيقها أحمد، الذي اعتقل في آب/أغسطس من ذلك العام. في البداية، أثار سقوط الأسد الأمل في أن تكشف سجلات السجون للعائلات ما إذا كان أبناؤهم ماتوا، ومتى حدث ذلك وكيف. وكانوا يأملون أيضاً في استخراج الرفات من المقابر الجماعية التي حفرتها قوات الأسد في أنحاء سوريا، وإعادة دفن الضحايا بشكل لائق، لكن لم يتحقق أي شيء من ذلك.

وقالت بقاعي: “مر عام كامل، ولم يفعلوا شيئاً. هل من المعقول أنه طوال هذا العام لم صدروا بيانات عن هؤلاء الشباب؟ نريد فقط أن يبينوا لنا الحقيقة، هذا كل ما نطلبه”، علماً أنه عندما اجتاح مقاتلو المعارضة المدن السورية العام الماضي في زحفهم للسيطرة على دمشق، سارعوا أولاً إلى السجون، وفتحوا الأبواب على مصاريعها لتحرير الآلاف من السجناء الذين كانوا في حالة من الذهول.

وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وبعد ساعات من فرار الأسد إلى روسيا، أطلق مقاتلو المعارضة سراح العشرات من سجن صيدنايا، الذي وصفته منظمة العفو الدولية سابقاً بأنه “مسلخ بشري” بسبب عمليات التعذيب والإعدام واسعة النطاق التي جرت هناك. ولم يكن من بين المعتقلين المحررين زوج بقاعي ولا شقيقها. وقالت بقاعي: “حين فتحت السجون ولم يعودوا، كانت تلك الصدمة. عندها مات الأمل فعلياً. الجميع شعر أن الأمر انتهى. السجون كلها فتحت، وأي شخص لم يَعد في ذلك اليوم لم يعد هناك أمل في عودته”. لكنها تطالب بمعرفة كيف، ومتى، وأين مات زوجها وشقيقها. وفي غياب أي مستجدات من “الهيئة الوطنية” باتت قالت بقاعي مهووسة بالبحث على الإنترنت، حيث تدقق في صور المعتقلين الموتى وصور وثائق السجون التي نشرتها وسائل الإعلام السورية التي دخلت إلى السجون ومقرات الأمن بعد سقوط الأسد.

وكانت آخر مرة رأت فيها سارة الخطاب زوجها وهو يتجه إلى مركز للشرطة في جنوب سوريا في 9 شباط/فبراير 2019 للتصالح مع الحكومة بعد سنوات قضاها مختبئاً مع مقاتلي المعارضة. ولم تسمع عنه أي شيء منذ ذلك الحين. وتضمنت لائحة بأسماء سجناء صيدنايا القتلى، اطلعت عليها “رويترز” بعد سقوط الأسد، اسم علي محسن البريدي وتاريخ وفاته في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2019 بسبب “توقف النبض والتنفس” مع أوامر بعدم تسليم الجثة إلى عائلته. وأرسلت “رويترز” ما توصلت إليه إلى “المركز السوري للعدالة والمساءلة” وهو منظمة حقوقية تعمل مع عائلات المفقودين، والذي أبلغ سارة الخطاب بالأمر.

وتشكلت “الهيئة الوطنية” على يد الرئيس الجديد أحمد الشرع، وهو قائد سابق في قوات المعارضة. وقالت زينة شهلا، المستشارة الإعلامية للهيئة، أن التفويض يشمل أي سوري مفقود مهما كانت الظروف. وأضافت: “بالنسبة لألم العائلات، ربما نبدو بطيئين فعلاً، لكن هذا الملف يحتاج إلى السير فيه بتأن وبطريقة علمية ومنهجية لا متسرعة”. وتأمل الهيئة العام المقبل في إطلاق قاعدة بيانات لجميع المفقودين باستخدام وثائق من السجون ومواقع أخرى. وأضافت أن استخراج الرفات من المقابر الجماعية يتطلب خبرة فنية أكبر، وربما لن يتم قبل العام 2027. واجتمعت الهيئة مع جماعات مناصرة سورية وبعض العائلات. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، وقعت اتفاقية تعاون مع “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” ومقرها جنيف، و”اللجنة الدولية لشؤون المفقودين” اللتين تتمتعان بخبرة عالمية في هذه المسألة.

وتأمل “الهيئة السورية” في أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التدريب لموظفيها وإتاحة الوصول إلى المعدات النادرة في سوريا، ومنها مختبرات فحص الحمض النووي للرفات المستخرجة. وقالت شهلا: “نرحب بأي نوع من التعاون والدعم الذي يمكن أن نحصل عليه، مع بقاء الملف تحت سيادة وتنفيذ الجهة المختصة، أي الهيئة الوطنية للمفقودين”. وأفادت ست منظمات حقوقية بأن نهج الحكومة أثار استياء المنظمات التي اكتسبت خبرة في حالات الاختفاء القسري أثناء وجودها في المنفى في عهد الأسد. وكان كثيرون متحمسين لتطبيق هذه المعرفة على أرض الواقع بعد رحيل الأسد، لكنهم يقولون أن النهج المركزي للحكومة استبعدهم وأبطأ التقدم وترك العائلات في حالة من الغموض.

قال أحمد حلمي، وهو ناشط سوري يقود مبادرة “تعافي”، وهي مبادرة تركز على المعتقلين المفقودين والناجين من السجون: “عندما يكون هناك ما يصل إلى ربع مليون شخص في عداد المفقودين، لا يمكنك التعامل مع الأمر بهذه الطريقة. لا بد من تقسيم العمل”. واتهم الناشطون الهيئة “باستحواذ” الوثائق المتعلقة بالاعتقالات. ففي أيلول/سبتمبر، اعتقلت السلطات السورية لفترة وجيزة عامر مطر، وهو ناشط أسس متحفاً افتراضياً لتوثيق تجارب المعتقلين، متهمةً إياه بالوصول بشكل غير قانوني إلى وثائق رسمية لأغراض شخصية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، حثت الهيئة العائلات على عدم تصديق أي وثائق متعلقة بالاعتقالات تنشر على منصات إلكترونية غير رسمية، مثل تلك التي تبحث عنها بقاعي، وهددت باتخاذ إجراءات قانونية ضد تلك المنصات. وقال مطر: “تريد الهيئة احتكار الملف، لكنها تفتقر إلى الأدوات والكفاءة والشفافية. إنها تطلب ثقة العائلات لكنها لا تحقق أي نتائج”. وأوضحت شهلا أن الهيئة هي “الجهة المركزية الرسمية المخولة بالكشف عن مصير المفقودين”، وأن العائلات تحتاج إلى جهة واحدة تلجأ إليها للحصول على إجابات دقيقة.

وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية “أمنستي” أنياس كالامار أنه ينبغي على الهيئة إصدار تحديثات منتظمة حول سير عملها والنظر في منح مساعدات مالية لأقارب المفقودين. وأضافت: “أهم ما يمكن للهيئة الوطنية فعله الآن هو ضمان شعور العائلات بأن أصواتهم مسموعة وأنهم يتلقون الدعم”.

ورغم مرور عام على سقوط الأسد في سوريا، مازال الكثيرون منهكين من العبء نفسه الذي أثقلهم في ظل حكمه: عدم معرفة مصير ذويهم. وآخر مرة رأت فيها عليا دراجي ابنها يزن كانت في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، عندما غادر منزله للقاء أصدقاء قرب دمشق. ولم يعد قط. وخلال العام الماضي، أمضت المرأة المسنة وقتاً في “خيام الحقيقة”،  وهي اعتصامات تطالب بمعلومات عن سوريين مختفين، وهو أمر كان من المستحيل تصوره في عهد الأسد.  ورغم أن التضامن ساعدها، فإنه لم يمنحها ما تتوق إليه. وقالت دراجي: “كنا نأمل أن نعثر على جثثهم مثلاً لنتمكن من دفنهم إن ساعدونا، أو نعرف أين هم”.

——————————

 من مخيمات الشمال إلى قلب دمشق: عام على تحرير سوريا

إدلب – أحمد العقلة

الاثنين 2025/12/08

مر عام كامل على انطلاق عملية “ردع العدوان” التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

بدأت الفصائل المعارضة، بقيادة أحمد الشرع، الهجوم من مناطق شمال إدلب، حيث كانت تتمركز بعد سنوات من الحصار والقصف المستمر. في أقل من أسبوعين، سيطرت القوات على حلب بعد انهيار سريع لدفاعات النظام، ثم تقدمت نحو حماة وحمص وصولاً إلى دمشق، مستفيدة من انسحاب الدعم الإيراني والروسي الذي كان مشتتاً في جبهات أخرى.

بحلول 8 كانون الأول، أعلنت غرفة العمليات السيطرة التامة على العاصمة، وفرار بشار الأسد إلى روسيا، منهياً حكم عائلته الذي دام أكثر من نصف قرن. وشهدت الأيام التي تلتها فتح سجن صيدنايا وإطلاق سراح آلاف المعتقلين.

دور حاسم للطائرات المسيرة

يصف القائد العسكري في كتائب “شاهين”، علي حسن، كيف ساهمت الطائرات المسيرة في حسم المعركة، خصوصاً عبر استهداف تجمعات قوات النظام وخطوط إمداده.

ويقول حسن لـ”المدن”: “بدأ التحضير قبل أشهر، مع تصاعد القصف على المدنيين وموجات النزوح. المعركة لم تكن مجرد أيام قتال، بل نتيجة سنوات من التدريب والرصد وتطوير المسيرات”.

ويضيف أن “العملية انطلقت من محاور متعددة مع الفجر، ما أربك دفاعات النظام وأدى إلى أخطاء فادحة. ركزت كتائبنا على الرصد الدقيق، تصحيح الرمايات، والضربات البعيدة المدى، بالإضافة إلى القتال الليلي الذي شكّل صدمة للخصم”.

ويؤكد أن التقدم السريع من حلب إلى الوسط، كان مدفوعاً بمعنويات عالية لدى المقاتلين المقتنعين بضعف النظام. ويختم: “دورنا كان مهماً، لكنه جزء من إعداد شامل شمل الجميع حتى الحسم النهائي”.

من الرعب إلى الاحتفال في المخيمات

قبل عام، كان سكان إدلب والنازحون في مخيماتها يتابعون الأحداث بخوف شديد، متوقعين فشلاً محتملاً يؤدي إلى مجازر أو تهجير جديد.

جاءت العملية مفاجئة للكثيرين، حيث كان التركيز على النجاة من القصف المتوقع. لم يتخيل أكثر المتفائلين أنها ستؤدي إلى إسقاط النظام كاملاً.

يروي خالد محمد، وهو نازح من مخيمات سرمدا، كيف أرسل عائلته إلى مناطق أكثر أماناً في الريف الغربي، بعد تحذيرات من رد فعل عنيف للنظام.

ويقول لـ”المدن”: “مع السيطرة على حلب في اليوم الأول، بدأ الخوف يتلاشى، وعادت الأمل بالعودة إلى الديار. يوم السقوط كان عيداً في المخيمات، مع التكبيرات والتهاني بالخلاص”.

ويضيف النازح محمد عبد الله، إلى كلام محمد، أانا “كنا نتمنى فقط وقف القصف وتجنب التهجير. في البداية، كانت هناك تسريبات عن خطط لمهاجمة المخيمات. لكننا دعمنا المعركة مهما كلف الأمر، فالبقاء كان موتاً بطيئاً”.

ويقول نازح ثالث من مخيمات شمال إدلب، عاش سنوات طويلة في الخيام: “كنت أخشى أن يتحول التقدم إلى كارثة جديدة، خصوصاً مع سماع أنباء عن استعداد النظام لقصف المخيمات بكل قوة. لكن عندما وصلت أخبار السيطرة على دمشق، شعرت بأن الحلم أصبح حقيقة. اليوم، بعد عام، نرى بوادر عودة آمنة، وهذا يعطينا أملاً في حياة طبيعية مرة أخرى”.

ردع العدوان

اسم “ردع العدوان” عَكَس الهدف الأساسي: وقف القصف على المناطق المدنية المكتظة بملايين النازحين، بدعم إيراني وروسي، ولكنه انتهى بتحرير العاصمة السورية دمشق.

في كانون الثاني/يناير 2025، عُقد اجتماع واسع في قصر الشعب بدمشق، قرر تعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، وإلغاء دستور 2012، وحلّ حزب البعث والمؤسسات الأمنية والعسكرية السابقة.

————————

 بذكرى انتصار الثورة: الشبكة السورية تُحصي القتلى والمفقودين

الاثنين 2025/12/08

أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريراً موسّعاً يتضمن حصيلة انتهاكات نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الذكرى الأولى لسقوطه، حيث جددت المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم ضمن مسار للعدالة الانتقالية، كما طالبت بالتزام السلطات الحالية بضمان المساءلة والكشف عن مصير المفقودين.

مسار العدالة الانتقالية

وقال التقرير إن استحضار هذه الذكرى يفرض التساؤل الجدي حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وضرورة التزام السلطات الحالية والمجتمع الدولي بضمان المساءلة الفعلية عن الجرائم المرتكبة، وكشف مصير المختفين قسرياً، وإنصاف الضحايا وذويهم، مؤكدةً أن أي استقرار مستدام في سوريا يقتضي كشف الحقيقة، وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وتحقيق العدالة للضحايا.

ووثّقت الشبكة في تقريرها، 202 ألف و21 شخصاً بينهم 23 ألفاً و138 طفلاً، 12 ألفاً و36 سيدة، 662 شخصاً من الكوادر الطبية و559 من الكوادر الإعلامية، موضح أن 160 الفاً و123 شخصاً مازالوا في عداد المتخفين قسراً، بينهم 3 آلاف و736 طفلاً، و8 آلاف و14 سيدة.

وأكد التقرير مقتل 45 ألفاً و32 شخصاً تحت التعذيب بينهم 216 طفلاً و95 سيدة، في حين سجّل ألفاً و42 اعتداءً على أماكن عبادة، و566 اعتداءً على منشآت طبية، وألفاً و287 اعتداءً على مدارس وروضات أطفال.

ووثّقت الشبكة استخدام قوات النظام المخلوع 81 الفاً و954 برميلاً متفجراً، والقيام بـ 217 هجوماً كيماوياً ما أسفر عن مقتل ألف و514 قتيلاً و11 الفاً و80 مصاباً، فيما أكدت شن قوات النظام المخلوع 254 هجوماً بالذخائر العنقودية أدت إلى مقتل 835 شخصاً، و52 هجوماً بأسلحة حارقة. وأوضحت أن هذه الانتهاكات أسفرت عن نزوح 6 ملايين و800 ألف شخص في الداخل، ولجوء نحو 7 ملايين آخرين إلى خارج البلاد.

ولفتت الشبكة إلى أن شبكة المتورطين في انتهاكات نظام الأسد، امتدت لتشمل أجهزة أمنية وعسكرية، وقضاءً موظفاً لخدمة القمع، ومؤسسات مدنية سهَّلت الإخفاء القسري والتلاعب بالسجلات، إضافة إلى شخصيات اقتصادية وثقافية وفنية وفرت غطاءً اجتماعياً وسياسياً للنظام.

وفي هذا السياق، وثّق التقرير تورط نحو 16 ألفاً و200 شخص، بينهم 6 آلاف و724 شخصاً من القوات الرسمية، و9 آلاف و476 من عناصر الميلشيات الرديفة ممن شاركوا في الاعتقال والتعذيب والقصف.

وأكد أن قضاة ومحاكم استثنائية لعبوا دوراً محورياً في شرعنة الانتهاكات، بينما أسهم موظفون مدنيون في إخفاء مصير المعتقلين ونهب الممتلكات، في حين ساعد رجال أعمال وفنانون وإعلاميون في تلميع صورة النظام وتطبيع جرائمه أمام الرأي العام المحلي والدولي.

مراجعة منح اللجوء للأسد

وشددت الشبكة على أن انتهاكات نظام بشار الأسد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، مؤكدةً بأنه لا يحق لمرتكبي هذه الجرائم، أو لأولئك الذين توجد “أسباب جدية للاعتقاد” بتورطهم فيها، الحصول على صفة اللجوء.

وبناء على ذلك، دعت “الشبكة السورية”، الحكومة الروسية إلى مراجعة قرارها بمنح اللجوء لبشار الأسد، بوصفه قراراً يتعارض مع الالتزامات المترتبة على الدول بعدم توفير ملاذ آمن للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبما ينسجم مع واجب التعاون في مكافحة الإفلات من العقاب.

كما دعت الحكومة السورية إلى الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية، وضمنها محاكمة عادلة وشفافة لبشار الأسد ولكل من يشتبه في ارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما يحقِّق الإنصاف للضحايا ويعيد الثقة في المنظومة القضائية، وكذلك إلى تبني مسار عدالة انتقالية شامل يشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار.

—————————————–

 الشرع للسوريين: أطيعوني ولن يقف في وجهنا أحد

الاثنين 2025/12/08

ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع كلمة بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، من دخل المسجد الأموي في دمشق، أكد خلالها بأنه سيواجه جميع التحديات وأن لا أحد سيقف بوجه سوريا الجديدة.

الشرع: سنُعيد سوريا قوية

ومن على منبر المسجد الأموي، بعد أداء صلاة الفجر رفقة عدد من المسؤولين في حكومته، قال الشرع: “أيّها السوريون أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبُر أو عظم، ولن تقف في وجهنا العقبات، وسنواجه جميعاً كل التحديات بإذن الله”.

وأضاف “من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها بإذن الله. سنعيد سوريا قوية ببناء يليق بحاضرها وماضيها، ببناء يليق بحضارة سوريا العريقة. سنعيد بناءها بطاعة الله عزّ وجلّ، ونصرة المستضعفين والعدالة بين الناس بإذن الله تعالى”.

وأشاد السوري بالتضحيات والبطولات التي قدّمها المقاتلون عند دخولهم دمشق منتصرين، مضيفاً أن صون هذا النصر والبناء عليه يشكّل اليوم الواجب الأكبر الملقى على عاتق السوريين جميعاً.

ولفت إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أهداه قطعة من ستار الكعبة، وذلك خلال زيارته الأولى إلى السعودية، مشيراً إلى أن  زيارته إلى المملكة كانت الأولى بعد التحرير.

وأضاف الرئيس السوري، “آثرنا أن تكون هذه القطعة في مسجد بني أميّة، لتتحدّ بذلك الدول، وتمتد أواصر المحبة والأخوة من مكة المكرمة إلى بلاد الشام، واخترنا أن يكون تدشينها في اللحظات الأولى لذكرى النصر”.

وشدّد على أنّ المرحلة الراهنة تتطلب توحيد جهود أبناء الوطن كافة، لبناء سوريا قوية، وترسيخ استقرارها، وصون سيادتها، وتحقيق مستقبل يليق بتضحيات شعبها.

وختم الشرع كلمته قائلاً: “نسأل الله أن يحمي هذا البلد، وأن يعيننا على خدمته وبنائه، وعلى خدمة الشعب السوري بإذن الله”.

وكان الرئيس السوري يرتدي اللباس العسكري خلال دخوله إلى الأموي، وهو ذات اللباس الذي دخل فيه إلى المسجد بعد سقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

تهنئة من قطر وتركيا

ويصادف اليوم الذكرى الأولى لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث خرج آلاف السوريين إلى الشوارع والساحات للاحتفال بهذه المناسبة.

وتقدمت سفارة دولة قطر في دمشق، بالمباركة إلى سوريا قيادة وشعباً بمناسبة هذه الذكرى. وقالت السفارة القطرية في منشور على منصة “إكس”: “مبارك من القلب إلى سوريا التي كانت وتبقى في القلب، سوريا التي فرحت في مثل هذا اليوم وأفرحت العرب والمسلمين وأحرار العالم جميعاً بحريتها وخلاصها، لتبدأ عهد التعافي والبناء”.

وأضافت “تتشرف سفارة دولة قطر أن تزف التهنئة للشعب السوري الكريم، وأن تبارك للحكومة السورية في هذه الذكرى العظيمة، وندعو الله سبحانه أن يحفظ هذا البلد ويديم عليه وعلى بلادنا الأمن والسلام والاستقرار”.

من جانبها، قالت وزارة الخارجية التركية في بيان: “نهنئ من قلوبنا الشعب السوري وهو يحتفل بيوم حريته”، مضيفة أنه “برغم التحديات العديدة التي واجهتها على مدار العام الماضي، انتهجت الحكومة السورية الجديدة سياسة خارجية تتسم بالحكمة والسلام”.

وأضاف البيان أن الحكومة السورية اتخذت خطوات راسخة نحو بلوغ المكانة المرموقة التي تستحقها سوريا على الساحة الدولية، مجدداً التأكيد على استمرار دعم تركيا لها.

———————–

من دمشق إلى مدن سورية.. فرحة بإنجاز كأس العرب وعيد التحرير

العربي الجديد

08 ديسمبر 2025

شهدت العاصمة دمشق وعدد من المدن السورية احتفالات ضخمة، ابتهاجاً بالإنجاز، الذي حققه “نسور قاسيون” في كأس العرب 2025، بعدما تألق رفاق القائد عمر خريبين وصعدوا إلى ربع النهائي، بالإضافة إلى أن ما حدث يتزامن مع عيد التحرير، قبل عام من الآن، عندما نجحت معركة ردع العدوان في إسقاط نظام الأسد.

وفي دمشق، احتفل الآلاف في شوارعها بعيد التحرير والتأهل في كأس العرب، فيما كان المواطنون في ريف العاصمة على موعد مع تجمعات شعبية واسعة، تعبيراً عن فرحتهم وسعادتهم بما حصل قبل عام كامل، بعدما تخلصوا من حكم نظام الأسد الديكتاتوري، الذي تسبب بتهجير وتشريد الملايين.

وبدورها، عادت المنافسة مرة أخرى بين محافظتي حمص وحماة، التي لطالما اشتهر مواطنوهما بممازحة بعضهم بعضا، بعدما خرجوا إلى الشوارع، للتعبير عن فرحتهم وسعادتهم، بمرور عام كامل على تحرير بلادهم وإسقاط نظام الأسد، وتزامنت هذه الاحتفالات مع تمكن رفاق عمر خريبين من التأهل إلى ربع نهائي بطولة كأس العرب 2025.

ولم يختلف الحال كثيراً في مدينة حلب وريفها، التي خرج فيها المواطنون للتعبير عن فرحتهم، فيما شهدت محافظتا طرطوس واللاذقية تجمعات بشرية ضخمة، احتفالاً بمرور عام على إسقاط نظام الأسد، والتعبير عن سعادتهم الكبرى بوصول منتخب بلادهم إلى ربع نهائي بطولة كأس العرب 2025، المقامة حالياً في قطر.

وفي دير الزور أيضاً خرج المواطنون للتعبير عن سعادتهم، فيما شهدت محافظة إدلب وريفها، والتي انطلقت منها معركة ردع العدوان في العام الماضي، وساهمت بشكل مباشر في إسقاط نظام الأسد، العديد من التجمعات البشرية الضخمة، التي احتفلت بإزالة الظلم عن البلاد، والفرحة بالإنجاز الكروي.

—————————

نهاية عهد منصات البروباغاندا في المكتبات السورية

08 ديسمبر 2025

مع استعادة الحياة الطبيعية في سورية، ما بعد نظام الأسد، بدأت وزارة الثقافة بالعمل نحو تفعيل المكتبات العامة، بُغية توظيفها في مسار التعافي مما حدث لها طيلة عقود من سيطرة نظام الأسد على كل جوانب الحياة في البلاد، فظهرت خطوات عملية لإحياء المكتبة الأكبر في العاصمة، بدءاً من إعادة تسميتها لتصبح “المكتبة الوطنية”، مروراً بإطلاق ورشات صيانة وترميم، وصولاً إلى إعادة النظر في رسالتها الثقافية.

وضمن هذا التصور، لم يعد الهدف محصوراً بحماية مجموعات الكتب المطبوعة والمخطوطات، بل بتأسيس فضاء ثقافي مفتوح قادر على دعم المشهد الثقافي عبر فعاليات جديدة، ومسابقات إبداعية، ومبادرات تُعيد إدماج المكتبة في هوية دمشق المتجددة.

وفي حلب، كان المشهد متقارباً إلى حدّ بعيد. فقد استردت دار الكتب الوطنية موقعها شيئاً فشيئاً بوصفها منبراً للثقافة المحلية، لكن التركيز اتجه أيضاً نحو المكتبة الوقفية، وهي مؤسسة عريقة تتبع لوزارة الأوقاف وتختزن إرثاً كبيراً من المخطوطات والوثائق. وقد شهدت هذه المؤسسة قبل أيام إطلاق “المؤتمر الدولي لإحياء المكتبة الوقفية في حلب” تحت شعار لافت: “استعادة الماضي لبناء المستقبل”، برعاية مشتركة من وزارتي الثقافة والأوقاف، في محاولة لإعادة وصل المدينة بذاكرتها العلمية، وإحياء الدور الذي لعبته حلب طيلة قرون مركزاً للمعارف والفنون.

شكّلت المكتبات العامة، وعلى رأسها “مكتبة الأسد” في دمشق، جزءاً من آلة البروباغندا التي اعتمد عليها النظام الأسدي لتثبيت روايته حول ما جرى في البلاد خلال سنوات الثورة. فهذه المؤسسات، التي يُفترض أن تكون فضاءات للمعرفة والانفتاح، تحولت عملياً إلى منصات ثقافية وإعلامية تُدار وفق رؤية أمنية صارمة، ويُطلب منها إنتاج فعاليات وأنشطة تُجسّد خطاب النظام وتُعزّز شرعيته المتآكلة.

لهذا السبب، لم يكن مستغرباً أن تتحول المكتبات إلى أحد الرموز المستهدفة خلال الساعات الأولى من سقوط النظام. فالدخول إلى “مكتبة الأسد” في ساحة الأمويين كان أشبه باقتحام مبنى سيادي، لكن أقدام المنتصرين توقفت عند البوابة الداخلية، إذ ظهر واضحاً أن تحطيمهم تمثال حافظ الأسد القابع في الساحة منذ تأسيس المكتبة كان كافياً لتصفية حساب رمزي مع عقود من القهر والتوظيف السياسي للثقافة.

ورغم الهالة التي أحاط بها النظام السابق هذه المكتبات، من أجل إبراز اهتمامه المُدَّعى بالصروح الثقافية، كان واقعها في دمشق أو حلب أو المدن الأخرى بعيداً عن الصورة الرسمية، حيث وصلت حالتها إلى مستويات مقلقة من الإهمال والتهالك، ولم تعد البنية التحتية تخفي أياً من علامات الانهيار.

وفي وقت ما، سعت الوزيرة السابقة لبانة مشوّح، وتحت كاميرات الصحافة المحلية، إلى دفع بعض مشاريع الترميم والإصلاح ضمن حدود الممكن، إلا أن محاولاتها اصطدمت بتجاهل متوقع داخل نظام مترهّل، تحكمه البيروقراطية ويسوده الإهمال لكل شيء لا يتعلق برأس النظام ومصالحه وعائلته. لذلك بدا واضحاً أن التحرر من النظام هو الشرط الأول لعودة المكتبات إلى الواجهة، وإعادة الاعتبار لدورها الطبيعي مؤسساتٍ عامةً في خدمة المجتمع. فالمكتبات، حين تتحرر من سلطة الأيديولوجيا وتُدار بروح مهنية، تصبح واحدة من أهم بوابات الخروج من الماضي المثقل، والدخول في زمن جديد يحتاج فيه السوريون إلى كل فضاء يتيح لهم التفكير والابتكار والقراءة من جديد.

———————————-

توثيق شامل من “الشبكة السورية” لانتهاكات نظام الأسد/ حسام رستم

08 ديسمبر 2025

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، تقريراً موسعاً بمناسبة مرور عام على سقوط نظام الأسد، تضمّن تحديثاً شاملاً لملف الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات حكمه، وشددت خلاله على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها ضمن مسار عدالة انتقالية حقيقي. وبحسب التقرير، وثّقت الشبكة مقتل 202021 مدني، بينهم 23138 طفلاً و 12036 امرأة. كما قُتل 662 من الكوادر الطبية و559 من العاملين في الحقل الإعلامي. ولا يزال 160123 شخصاً مختفين قسرياً حتى اليوم.

وأشار التقرير إلى أن 45032 شخصاً قُتلوا تحت التعذيب، بينهم أطفال ونساء، فيما سجّلت الشبكة 566 اعتداءً على منشآت طبية و1287 اعتداءً على مدارس وروضات و1042 اعتداءً على أماكن عبادة. كما وثق التقرير استخدام النظام المخلوع 81954 برميلاً متفجراً سببت مقتل أكثر من 11 ألف مدني، إضافة إلى 217 هجوماً كيميائياً خلّفت أكثر من 1500 قتيل و11 ألف مصاب. وسُجّل كذلك 254 هجوماً بالذخائر العنقودية و52 هجوماً بأسلحة حارقة. وأدت هذه الانتهاكات الممنهجة إلى نزوح 6.8 ملايين شخص داخلياً ولجوء نحو 7 ملايين إلى خارج البلاد، لتصبح سورية إحدى أكبر أزمات النزوح في العصر الحديث.

وأكدت الشبكة أيضاً أن شخصيات اقتصادية وثقافية وإعلامية لعبت دوراً في توفير غطاء اجتماعي وسياسي للنظام المنهار، مشيرة إلى توثيق نحو 16200 متورط في الانتهاكات، بينهم 6724 من قوات النظام الرسمية و9476 من عناصر المليشيات الرديفة، شاركوا في الاعتقال والتعذيب والقصف. كما حمّل التقرير قضاة ومحاكم استثنائية مسؤولية شرعنة الجرائم، إلى جانب موظفين ساعدوا في إخفاء مصير المعتقلين. ودعت الشبكة الحكومة الروسية إلى إعادة النظر في قرار منح اللجوء لبشار الأسد، باعتباره يتعارض مع الالتزامات الدولية التي تمنع توفير ملاذ آمن لمرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما طالبت الحكومة السورية الجديدة بالالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية، وضمان محاكمة عادلة وشفافة لكل من ثبت تورطه، بما يعيد للضحايا حقوقهم والثقة في القضاء.

ويرى المحامي السوري أمجد الغريب، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هذا التقرير يعيد تأكيد أن حجم الانتهاكات المرتكبة لا يمكن التعامل معه بسياسات التسامح أو المصالحة الشكلية، بل يتطلب مسار مساءلة صارماً يضع الضحايا في صلب العملية، مشدداً على أن تجاهل الجرائم أو منح الحماية لمرتكبيها، سواء عبر اللجوء أو الدعم الدولي، يمثّل انتهاكاً لالتزامات القانون الدولي ويهدد أي عملية انتقالية مستقبلية. وأكد أن نجاح سورية في بناء دولة قانون حقيقية “يبدأ من كشف الحقيقة كاملة، وضمان محاكمة غير مسيّسة، وتعويض ذوي الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية جذرياً”.

————————————

أردوغان يهنئ السوريين بيوم الحرية ويتعهد بمواصلة دعمهم

محمد شيخ يوسف

08 ديسمبر 2025

هنأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الاثنين، السوريين بمناسبة مرور عام على انتصار الثورة السورية الذي سماه بيوم الحرية، متعهداً بمواصلة بلاده تقديم كل الدعم اللازم للحفاظ على وحدة سورية.

جاء ذلك في منشور له على منصة “إكس”، وأرفقها بصورة تحمل العلمين السوري والتركي، حيث يصادف اليوم الذكرى السنوية الأولى لانتصار الثورة السورية على نظام بشار الأسد.

إحياء ذكرى إسقاط الأسد في حماه، 5 ديسمبر 2025 (كنانة هندواي/الأناضول)

موقف

يوم الخلاص السوري

وأفاد أردوغان في منشوره “أهنئكم من كل قلبي بالذكرى السنوية الأولى لثورة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، التي حررت إخواننا السوريين بعد سنوات من الظلم والتضحيات الجسيمة والمعاناة الشديدة والمصاعب المتنوعة”. وأضاف: “أتذكر برحمة إخواننا الذين استشهدوا في هجمات النظام المخلوع والتنظيمات الإرهابية، وفي الثامن من ديسمبر، يوم الحرية السوري، وأتقدم بأحرّ تحيات تركيا ومحبتها للشعب السوري الشقيق”.

وأعرب الرئيس التركي عن “تقدير وترحيب بلاده بالتقدم الذي أحرزه السوريون خلال العام الماضي، رغم كل التحديات ومحاولات التخريب والاستفزازات”. وختم منشوره متعهدا بمواصلة دعم سورية بقوله: “سنواصل تقديم كل الدعم اللازم لضمان الحفاظ على وحدة أراضي سورية، وتحقيق السلام الاجتماعي بين جميع أطيافها، وجعلها مركزا للسلام والاستقرار في المنطقة”.

وفي وقت سابق من اليوم الاثنين، قالت وزارة الخارجية التركية في بيان صادر عنها إن أنقرة ستواصل بأقوى شكل ممكن دعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار في سورية، وذلك في بيان صدر عنها. وأضافت الخارجية أن الحكومة السورية الجديدة انتهجت، خلال العام الماضي، سياسة خارجية تتسم بالحكمة والسلام، رغم التحديات العديدة التي واجهتها، واتخذت خطوات راسخة نحو بلوغ المكانة المرموقة التي تستحقها سورية على الساحة الدولية.

من ناحيته، قال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، برهان الدين دوران، إن بوادر السلام وإعادة الإعمار في سورية بعد سنوات من المعاناة تبعث الأمل للمنطقة وللإنسانية. وأعرب عن أمله في أن يترسّخ هذا المسار “على أساس الأخوّة والعدالة والإيمان بالمستقبل المشترك”، مضيفاً أن تركيا أظهرت “إرادة قوية في دعم جميع الجهود الدولية التي تسعى لتحقيق العدالة والأمن والطمأنينة للملايين من المظلومين”.

——————————–

سورية تحيي الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد: احتفالات وعرض عسكري/ عدنان علي و نور ملحم

08 ديسمبر 2025

رفعت مآذن المساجد في غالبية المحافظات السورية، فجر اليوم الاثنين، التكبيرات، إيذاناً بانطلاق فعاليات “عيد التحرير” في سورية بالذكرى الأولى لإسقاط نظام بشار الأسد. وأعلنت المحافظات السورية عن مجموعة الفعاليات والأنشطة احتفاءً بهذه الذكرى تبدأ برفع التكبيرات اعتباراً من فجر اليوم. ففي صباح دمشق البارد، بدأ الناس يتدفقون إلى ساحة الأمويين وأوتوستراد المزة، كأن المدينة نفسها كانت تستيقظ على نبض الاحتفال، أصوات السيارات تقلّب الطرقات المغلقة، وأعلام الجمهورية السورية ترفرف في كل زاوية، فيما يتنقل الأطفال بين الحشود يلوحون بأعلام صغيرة، والضحكات تختلط بهتافات المواطنين.

وبثّ ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة أظهرت بدء رفع التكبيرات في معظم مساجد سورية وسط حضور شعبي لافت في المساجد والساحات العامة.

كما نظم عرض عسكري في دمشق مع انطلاق الطائرات الشراعية التي حلّقت فوق سماء العاصمة، سابقة عرضاً لقوات وزارة الدفاع على الأرض. وتركز العرض في أوتوستراد المزة وساحة الأمويين، حيث شوهد الجنود بزيّهم الرسمي، حاملين الأعلام والابتسامات وأمارات الفخر على وجوههم. ترافق المشهد مع مرور آليات مدرعة إضافة إلى استعراض المعدات العسكرية المختلفة، في رسالة رمزية للقوة الوطنية والتضحيات التي قدمتها القوات خلال سنوات الصراع.

السوريون تفاعَلوا مع كل لحظة من العرض، التصفيق والهتافات كانت تصدح في المكان، فيما التقط البعض صوراً لهؤلاء الجنود وهم يمرون بين الحشود، وكأن كل خطوة لهم تحكي فصلاً من تاريخ التحرير.  لم يكن العرض مجرد استعراض للقوة العسكرية، بل تعبيراً حياً عن النصر والحرية، عن الشعب الذي وقف خلف محرريه، وعن العاصمة التي استعادت فرحتها لتصبح قلب الاحتفال بالنصر.

وسط الحشود، كانت لما الصباغ، التي قدمت من ألمانيا وهي تكاد لا تصدق ما تراه تقول لـ”العربي الجديد”، “جئت إلى دمشق منذ أربعة أيام لأعيش هذه اللحظة التي حلمت بها طوال السنوات الماضية. يوم سقوط النظام السابق قبل عام لم أستطع النوم عشرة أيام من الفرح، واليوم أعيش الشعور نفسه مجدداً هنا، بين الناس، في قلب العاصمة”. كانت تنظر حولها، والدموع تتلألأ في عينيها، كل شخص يبتسم، كل هتاف يرنّ في أذنيها وكأنه موسيقى فرح.

أما خالد الجواد، الذي فضّل أن يكون حاضراً بين الجماهير بدل متابعة البث المباشر، كان يصف المشهد ملماً بكل التفاصيل، إذ قال لـ”العربي الجديد”: “جئت لأشارك الشعب فرحة النصر. لا نستطيع البقاء في المنزل في مناسبة كهذه. نحن مع الناس قلباً وقالباً، من القلب تأتي هذه الفرحة التي تراها هنا، في كل ابتسامة، في كل شخص”. وسط الهتافات، كان المشهد أكبر من مجرد عرض عسكري. الناس يلتقطون الصور، الأطفال يركضون، الكاميرات توثق كل لحظة، والوجوه المبتسمة تقول أكثر من أي كلمة.

مصطفى، شاب في العشرين من عمره، يمسك بيد أخيه الصغير، ويشير إلى الطائرات في السماء: “كل شيء هنا مختلف. تشعر أن كل واحد منا يساهم بطريقة ما في هذا الانتصار. كأننا جميعاً جزء من النصر. لا شيء يشبه هذا المشهد، هو شعور بالحرية ينبض في كل شيء حولنا”. أما زينة القاسم، طالبة جامعية، فكانت تلوح بعلم صغير بين الحشود، قبل أن تقول لـ”العربي الجديد”، “عندما رأيت الأطفال يلوحون بالأعلام والناس يبتسمون ويتحدثون، شعرتُ أن كل المعاناة السابقة لم تذهب سدى. هناك طاقة حقيقية، شعور بالحياة والحريّة لا يمكن وصفه بالكلمات”.

المدينة كلها كانت تردد نفس المشاعر، من ساحة الأمويين إلى أوتوستراد المزة، حيث تصطف العائلات، كل واحد يريد أن يرى العرض العسكري، وأن يكون جزءاً من الحدث. وكأن دمشق اليوم أرادت أن تقول بصوت جماعي: “نحن أحياء، والحياة والكرامة ستستمران”. وعلى الرغم من كثافة الحشود والتدفق الكبير، كان هناك شعور بالأمان والهدوء، بفضل التنظيم الأمني، إلا أن الروح الشعبية كانت تتخطى كل قيود، تنتشر بين كل وجه وكل ابتسامة وهتاف، لتتحول العاصمة إلى مساحة مفتوحة للفرحة الجماعية، يختلط فيها الماضي بالحاضر، الألم بالفرح، والانتظار بالاحتفال بالنصر.

“عيد التحرير” في سورية لن يكون مجرد ذكرى، بل هو تجربة حية للانتصار الشعبي، لحظة اختلطت فيها الفرح، الحرية، والكرامة، لتصبح العاصمة، كما يقول كثيرون، رمزاً للوحدة، للفرح، ولحياة بدأت من جديد. وفي وقت سابق، دعت جهات حكومية سورية إلى احتفالات بدأت في 5 ديسمبر/ كانون الأول الجاري حتى يوم 8 منه تحت عنوان “لنكمل الحكاية”، معلنةً عن فعاليات ونشاطات ستمتد على كل مناطق سورية احتفالاً بالذكرى الأولى لـ”عيد التحرير”.

وأعلنت محافظة دمشق إغلاق أوتوستراد المزة ذهاباً وإياباً وإيقاف حركة السيارات فيه حتى إشعارٍ آخر. وقالت عبر معرّفاتها الرسمية إن الإغلاق “جاء بسبب احتفالات الشعب السوري بذكرى التحرير، وحرصاً على تقديم فقرات احتفالية ناجحة”. كما تشمل الفعاليات استقبال “ماراثون الدراجات” وتكريم المشاركين فيه، وفقرة حوارية تستعيد ذكريات النشاط الثوري، وعرضاً تراثياً للفنون القتالية بالسيف والترس الدمشقي. ويشمل البرنامج أيضاً بثاً مباشراً للفعالية المركزية وعرض كلمة للرئيس أحمد الشرع على شاشات كبيرة، وعرضاً فنياً سورياً (أوبريت)، وأناشيد وطنية.

من جهتها، أصدرت المؤسسة السورية للبريد، اليوم الاثنين، خمسة طوابع، وبطاقة تذكارية بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإسقاط نظام الأسد، وذلك في إطار توثيق أبرز المناسبات الوطنية عبر الإصدارات البريدية. وقال المدير العام للمؤسسة عماد الدين حمد في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” إن الطوابع والبطاقة التذكارية ستُطرح للجمهور اعتباراً من الساعة الواحدة ظهراً، مشيراً إلى أن سعر البطاقة التذكارية يبلغ 15 ألف ليرة سورية، بينما يبلغ سعر كل طابع من الطوابع الخمسة 10 آلاف ليرة، وذلك عبر جميع المكاتب البريدية المنتشرة في المحافظات. ولفت إلى أن المؤسسة ستفتح أبواب معرض الطوابع بدمشق للزوار مجاناً أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع الجاري، تزامناً مع إحياء ذكرى “عيد التحرير”.

—————————-

مساجد سوريا تصدح بـ”تكبيرات النصر” في ذكرى سقوط الأسد

دمشق: شهدت مساجد سوريا، فجر الاثنين، “تكبيرات النصر” بالتزامن مع حلول الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد.

وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تمكّن الثوار السوريون من دخول العاصمة دمشق، معلنين الإطاحة بنظام بشار الأسد (2000 ـ 2024)، الذي ورث الحكم عن والده حافظ الأسد (1970 ـ 2000).

وانطلقت التكبيرات في مساجد سوريا قبيل صلاة الفجر، تزامنا مع الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، وسُمعت التكبيرات عبر مكبرات الصوت.

والسبت، قالت وزارة الأوقاف السورية في بيان: “إلى أحرار سوريا، موعدنا صلاة الفجر يوم 8-12-2025 في جميع مساجد سوريا، لنجدد ذكريات النصر والتحرير بالشكر والتكبير”.

وأضافت الوزارة: “سنبدأ تكبيرات النصر قبل أذان الفجر بنصف ساعة (5:30 بتوقيت دمشق/ 2:30 ت.غ)”.

ومنذ أيام، يحتفل السوريون في مختلف محافظات البلاد بالخلاص من نظام الأسد عبر معركة “ردع العدوان” التي بدأت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 في محافظة حلب (شمال)، قبل أن يتمكن الثوار من دخول العاصمة دمشق بعد 11 يوما.

ويرى السوريون أن الخلاص من نظام الأسد يمثل نهاية حقبة طويلة من القمع الدموي، تخللتها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، لا سيما خلال سنوات الثورة الـ14 (2011- 2024).

(الأناضول)

————————–

لوفيغارو: هكذا فرض الجهادي السابق أحمد الشرع خلال عام واحد “سلطته الاستبدادية” على سوريا

قالت صحيفة لوفيغارو إن المشهد السوري تغيّر جذرياً خلال عام واحد فقط، منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر عام 2024، وصولاً إلى صعود أحمد الشرع، القائد الجهادي السابق المعروف سابقاً باسم “أبو محمد الجولاني”، إلى قمة هرم الحكم في دمشق.

أضافت الصحيفة أنّ الشرع، الذي وصل إلى السلطة عبر ائتلاف عسكري من الفصائل الإسلامية المسلحة، لم يكتفِ بإنهاء حكم عائلة الأسد المستمر منذ أكثر من نصف قرن، بل يسعى اليوم إلى هندسة نظام سياسي جديد على مقاسه. ويمارس حكماً مركزياً صارماً، يثير غضب شرائح واسعة من السوريين، لكنه يحظى بصمت إيجابي من عواصم كبرى مثل واشنطن وباريس والرياض، التي ترى فيه خياراً أقل سوءاً من عودة الفوضى إلى البلاد.

تمكّن خلال عام واحد من فرض سلطة شخصية شبه مطلقة على البلاد، حيث يعتمد وفق “لوفيغارو” أسلوب الحكم الشخصي المركزي، ويؤخر عمداً استكمال مؤسسات الدولة، خصوصاً البرلمان، لاحتفاظه بصلاحيات مطلقة.

“شبكة عائلية وأمنية ضيقة”

رغم مطالب شركائه العرب والغربيين بتسريع تشكيل الحكومة والبرلمان، فإن معظم السلطات ما زالت تُدار عبر “شبكة عائلية وأمنية ضيقة”. وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى وجود أربعة أشخاص محوريين حوله، هم: أسعد الشيباني، وزير الخارجية والذي يتحكم بالملفات الحساسة ويمتلك تأثيراً أمنياً. وحازم الشرع، شقيق الرئيس، وهو من يدير الملفات الاقتصادية وإعادة الأموال. ثم ماهر الشرع، وهو أيضا شقيق الرئيس، ويتولى منصبا يعادل حقيبة رئيس الوزراء. وأخيرا، أبو مريم الأسترالي، الذي يعد شخصية مالية أمنية مثيرة للجدل، والذي الذي يدير ملف الأموال واستعادة ثروات رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد مقابل السماح لهم بالبقاء داخل سوريا.

“لوفيغارو” اعتبرت أن الشرع غيّر كثيراً من أسلوبه وسلوكه، دون أن ينجح بعد في تغيير سلوك المتشددين المحيطين به. وقالت الصحيفة إن الرئيس الانتقالي السوري يعمد إلى تسويق نفسه كزعيم سياسي عقلاني، مقدّماً سلسلة إشارات لتخفيف صورته الإسلامية الصلبة: يجتمع دون أداء الصلاة أمام ضيوفه. يأكل بيده اليسرى، ويرتدي البذلات الرسمية ويغيّر ربطات العنق يومياً؛ وذلك كلّه لإظهار انفتاحه واستعداده للتعامل مع المجتمع الدولي. ومع ذلك، تضيف الصحيفة، لم يتمكن حتى الآن من ضبط الجماعات المتشددة التي تحيط به وتشكل مصدر تهديد دائم لحكمه.

الدعم الأمريكي

الصحيفة الفرنسية، مضت قائلةً إن الشرع، الذي يحظى بدعم أمريكي مباشر من إدارة دونالد ترامب، يسعى إلى طمأنة العواصم العربية والغربية عبر إظهار مرونة اجتماعية وسياسية مفاجئة من رجل ارتبط اسمه سابقاً بالتطرف، إذ ظهر في لقاءات دولية وهو يمازج كبار القادة ويغير ربطة عنقه يومياً، ويتصرف ببراغماتية لافتة.

أكدت “لوفيغارو” أن الولايات المتحدة الأمريكية زرعت أشخاصاً مقربين منها داخل دوائر الحكم في دمشق لضمان السيطرة على المسار الأمني، فيما تواجه القيادة الجديدة تهديدات من فلول تنظيم “داعش” ومن المجموعات الجهادية المتشددة التي شاركت في إسقاط النظام السابق.

ذكَّرت “لوفيغارو” أن الاقتصاد السوري ما يزال منهاراً، رغم رفع بعض العقوبات، بسبب غياب البنى المصرفية والاستثمارية، بينما تتزايد نقمة الشارع مع تضاعف أسعار الكهرباء عشرات المرات. ورغم وعود بمشاريع خليجية ضخمة، فإن الأموال الحقيقية لم تتدفق بعد بسبب غياب الضمانات القانونية.

تطرّقت “لوفيغارو” أيضا إلى مسألة استمرار الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك الاعتقالات ودفع الفدى المالية مقابل الإفراج، وسط غياب خطوات جادة لطمأنة الأقليات، لاسيما بعد المجازر التي طالت العلويين والدروز هذا العام.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وعرب توقعهم التوجه نحو نظام لامركزي أو فيدرالي في سوريا لتجنب تفتيت البلد، خاصة مع مطالب الدروز والأكراد المتنامية بالحكم الذاتي، في ظل ضعف سيطرة الحكومة على الأطراف.

دولة موحّدة أم نحو اللامركزية؟

أشارت “لوفيغارو” إلى أنها طرحت السؤال التالي: إلى أين تتجه سوريا.. نحو دولة موحّدة أم نحو اللامركزية؟ على الموفد الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توم باراك، على هامش قمة السلام في شرم الشيخ في شهر أكتوبر الماضي؛ فكان ردّه دون تردد: “سوريا تتجه نحو اللامركزية”، مرجّحاً أن يتم ذلك إمّا وفق نموذج الحكم الفيدرالي العراقي بعد سقوط صدام حسين، أو بإحياء القانون رقم 107 المتعلق باللامركزية، الذي أقرّه النظام السوري قبل سنوات لكنه لم يطبّق فعلياً.

تُشير مصادر دبلوماسية إلى أنّ المذابح التي استهدفت الدروز خلال الصيف، وقبلهم العلويين في الربيع، قد دفعت واشنطن لإعادة النظر في تمسكها السابق بسوريا موحّدة. ففي الجنوب، يطالب جزء من أبناء الطائفة الدرزية بالحكم الذاتي بحثاً عن حماية خارجية. وعلى الساحل غرباً، يحلم العلويون بالأمر نفسه بعد أن باتوا “الخاسر الأكبر” خلال العام الماضي، وتعرضهم لانتهاكات متواصلة وخصوصاً في محيط مدينة حمص المتعددة الطوائف. غير أن غياب الدعم السياسي والسلاح يجعل فرصتهم صعبة، توضّح “لوفيغارو”،

أما في الشمال الشرقي، فتتعثر مفاوضات الأكراد مع دمشق بشأن توزيع الثروة النفطية، ومستقبل القوات المسلحة الكردية، بما في ذلك الوحدات النسائية التي تعدّ “خطاً أحمر” بالنسبة للإسلاميين المتشددين، إضافة إلى ضمان استمرار المكاسب الثقافية واللغوية التي حصلوا عليها منذ عام 2012 مع بدايات الثورة، تتابع الصحيفة الفرنسية.

وفي إطار سعيه لتعزيز قواته الأمنية، يتوجّه أحمد الشرع إلى القبائل العربية في الغرب، المنافسة للأكراد، والتي يشجّعها جيرانها السعوديون على التعاون معه مقابل دعم مالي مباشر، تقول “لوفيغارو”.

من جهة أخرى، علمت “لوفيغارو” أن توم باراك تواصل للمرة الأولى مع اللواء المنشق مناف طلاس، المقيم في باريس منذ 2012، والذي ظهر علنياً نهاية سبتمبر في مؤتمر بمعهد العلوم السياسية الفرنسي (سيانس بو). وبحسب المصادر، طلب باراك من طلاس ترتيب لقاء مع السفير الأمريكي في فرنسا. طلاس لم يؤكد المعلومات ولم ينفها، لكنه يحظى بقبول تركي وروسي، ويُنظر إليه كسنيّ قادر على المساعدة في إعادة بناء جيش حقيقي، من دونِه سيواجه الشرع صعوبة في وضع أسس الدولة الجديدة التي يحلم بها، وسط مساره السياسي المعقد وغير التقليدي، تقول “لوفيغارو”.

—————————————-

لوموند: سوريا بعد الأسد.. تحوّل غير مكتمل لأحمد الشرع.. الإسلامي المتمرّد الذي أصبح رئيساً

باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان “في سوريا.. التحوّل غير المكتمل لأحمد الشرع… الإسلامي المتمرّد الذي أصبح رئيساً”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية في الجزء الأول من بورتريه مطوّل لها عن “سوريا ما بعد الأسد” (1/5) إن أحمد الشرع تمكّن من إسقاط النظام البعثي وكسر عزلة بلاده الدولية، لكن داخل البلاد ما يزال هذا “الجهادي التائب”، الذي يحكم مع حفنة من المقرّبين، عاجزاً عن نزع فتيل التوترات الطائفية والإثنية المتوارثة من الحرب الأهلية.

ببدلته الزرقاء المفصّلة ولحيته المشذبة بعناية، يتقدّم أحمد الشرع درجات قلعة حلب، يوم السبت الـ29 نوفمبر. الرئيس السوري الانتقالي، الذي لا يحبّ الاختلاط بالجماهير، يخفي خجله وراء ابتسامة ودودة. كعادته، خطابه وجيز، لكنه متقن الصياغة. في الذكرى الأولى لتحرير كبرى مدن شمال سوريا من سطوة آل الأسد، يحثّ الشعب السوري على إعادة إعمار البلاد وكتابة صفحة جديدة من تاريخها، تضيف “لوموند”.

قبل عام واحد فقط، كان يدخل حلب ببزّة عسكرية تحت اسمه الحركي “أبو محمد الجولاني”.. حينها كان يقود جماعة “هيئة تحرير الشام” ذات التوجّه السني المتشدّد، والتي باغتت الجميع باختراق دفاعات النظام. قال يومها لجنوده: “النصر الحقيقي ليس فقط في المعركة الحالية، بل في ما سيليها”، واعداً ببناء “سوريا الجديدة” على مبادئ العدل والمساواة، تشير “لوموند”.

بعد أيام قليلة، في 8 ديسمبر 2024، سيطر الجولاني على دمشق، وأنهى 54 عاماً من حكم عائلة الأسد، واستعاد اسمه الحقيقي: أحمد الشرع.

ووجد نفسه فجأة، من قيادة جيب إدلب المتمرّد منذ 2017، في موقع إدارة دولة منهكة بـ14 عاماً من الحرب الأهلية. ففي تسارع استثنائي للتاريخ، تحوّل الجهادي السابق إلى رئيس للدولة، تقول “لوموند”.

الدبلوماسيون ورجال الأعمال الذين يترددون اليوم على قصره يصفونه بأنه حازم، بارع تكتيكياً، لكنه أيضاً حسابي ومولع بالسلطة. مزيج من الإعجاب والحذر يليق برجل عاش سنوات من التخفي بهويات متعددة ويتقن التواصل السياسي بمهارة.

فمن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي تبنّاه سياسياً، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استقبله في البيت الأبيض كأول رئيس سوري تطأ قدماه المبنى، مسيرة الشرع تثير الإعجاب، رغم مناطقها الرمادية وأخطاء تقديرية تهدّد انتقال السلطة، تقول “لوموند”.

في العواصم العربية والغربية، حيث لا يُرى بديل واقعي عنه، يُعامَل الجهادي التائب كـ“رجل اللحظة”. فقد نجح، حين كان اليأس مسيطراً، في تحقيق الهدف الأكبر للمعسكر المناهض للأسد: ليس فقط إسقاط الديكتاتور، بل أيضاً إخراج سوريا من “محور المقاومة” الإيراني ومن الهيمنة الروسية.

فهم أحمد الشرع أن كسر عزلة سوريا يبدأ بالاتجاه نحو الغرب.. يناور بحذر لتفادي السيطرة التركية عليه، ويعزّز علاقاته بالسعودية، مفتاح عودة سوريا إلى الساحة الإقليمية والدولية. يقبل التفاوض مع إسرائيل رغم ضرباتها المستمرة في سوريا. ويتباحث مع “قوات سوريا الديمقراطية” لدمج القوات الكردية في الدولة الجديدة. وبدأ التعاون مع التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، الذي انضم إليه رسمياً في شهر نوفمبر المنصرم، تتابع “لوموند”.

تربية على العلم والانضباط

على عكس قاعدته الاجتماعية ذات الغالبية السنية المحافظة، والمتعطشة للانتقام من الطائفة العلوية التي ارتبطت بالنظام السابق، يعد أحمد الشرع بضمان التعايش بين جميع المكوّنات الدينية والعرقية، ويعلن العفو عن عناصر النظام السابق الذين “لم تتلطخ أيديهم بالدماء”. يتبنّى خطاً دينياً معتدلاً يلقى قبولاً واسعاً بين السنة، ما أغضب السلفيين الذين يطالبون بتطبيق كامل للشريعة. إلى جانبه زوجته لطيفة الدروبي، أمّ أطفاله الثلاثة، وتقوم بدور السيدة الأولى وهي محجّبة ببساطة، تواصل “لوموند”.

تنقل الصحيفة عن الباحث السوري رضوان زيادة قوله: “أدرك أحمد الشرع أن حكم سوريا لا يمكن أن يتم برؤية إسلامية متشدّدة. تعلّم الكثير من تجربة إدارة إدلب ومن أخطاء طالبان”.. لكن هذا كلّفه استياء بعض رفقاء السلاح السابقين. كما تنقل الصحيفة عن الخبير السوري حسام جزماتي قوله: “العلاقة مع أمريكا وروسيا وإسرائيل، ورفض تطبيق الشريعة… كل ذلك يثير التململ، وإن كانوا ما زالوا يدعمونه”.

في الـ8 ديسمبر 2024، احتفل الشرع بالنصر في الجامع الأموي بدمشق، ثم زار سراً حي المزة حيث نشأ بعد سبع سنوات قضاها طفلاً في السعودية. وكانت عائلة موالية للنظام السابق قد استولت على شقة عائلته. تقول الجارة مايا عزيم: “طلب منهم مغادرة الشقة، لكن بأدب. منحهم شهراً”. ووصفته هذه الجارة بأنه كان طفلاً “هادئاً ومؤدباً وخجولاً”.

كان والده اقتصادياً عمل في قطاع النفط، ووالدته مدرّسة جغرافيا، وعمل مع إخوته في بقالة العائلة بعد المدرسة. جدّه كان من قادة المقاومة ضد الانتداب الفرنسي، ووالده حُرم من أراضٍ في الجولان المحتل، ما جعله يتخذ لاحقاً لقب “الجولاني”. كان أكثر تديّناً من أقرانه، يرتاد مسجد الشافعي ذا التوجه المعتدل.

يقول الشيخ عمّار غنّام: “نحن مدرسة الحرية. لذلك نشأ طلابنا أحراراً لا يقبلون بديكتاتورية”، تذكّر “لوموند”.

“سقوط في التطرّف”

استيقظ وعيه السياسي مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. ومع أحداث الـ11 سبتمبر وحرب مكافحة الإرهاب، صعد التيار الإسلامي السني. أطلق لحيته وارتدى اللباس السلفي.

يقول الشيخ غنّام: “كان معتدلاً، لكنه رأى ظلماً فسقط في التطرّف”.

في مارس عام 2003، اختفى، حيث توجّه سراً إلى العراق عبر حافلات سهّلها النظام السوري للتخلّص من الشباب السنة المتحمسين لـ“مقاومة الاحتلال الأمريكي”. في الموصل، انضم لتنظيم سلفي سرعان ما بايع “القاعدة”. تعلّم صناعة المتفجرات، قبل أن يُعتقل عام 2005، ويُسجن في أبو غريب.

أُفرج عنه في مارس عام 2011 مع انطلاق الثورة السورية.. وأقنع أبو بكر البغدادي بإرساله إلى سوريا مع ستة رجال و50 ألف دولار لتأسيس فرع “القاعدة”: “جبهة النصرة”. وسرعان ما أصبحت القوة الأكثر فعّالية بين الفصائل المعارضة، ونفّذت هجمات انتحارية دامية واستثمرت في الخطف لتمويل نفسها، بما في ذلك خطف الراهبات في معلولا، تذكّر “لوموند” دائماً.

ثم توترت علاقته مع البغدادي عام 2013، فانفصل الجولاني عن “داعش” وبايع الظواهري. وفي 2016 قطع ارتباطه بـ “القاعدة”، ثم أسّس “هيئة تحرير الشام”. وأطلق نموذج حكم محلي في إدلب بات الأكثر تنظيماً في سوريا.

الصعود العسكري والانقضاض على النظام

بنى قوّته خلال خمس سنوات، لا سيما في الوقت الذي كانت فيه روسيا منشغلة بأوكرانيا، و”حزب الله” بالحرب مع إسرائيل.. في الـ28 نوفمبر عام 2024، شنّ هجوماً واسعاً بغطاء تركي، واستعان بأصدقاء قدامى في صفوف النظام لإبرام اتفاقات استسلام، وبشبكات مخبرين داخل مناطق النظام، وأقنع موسكو بوقف القصف عبر مبعوثه أسعد شيباني.

سقطت حلب وحماة وحمص تباعاً. وبعد 11 يوماً، دخل دمشق الفارغة بعدما فَرّ بشار الأسد إلى موسكو. وأعلنت فصائل الثورة الجولاني رئيساً انتقالياً يوم الـ29 يناير. وعد بانتخابات خلال أربع سنوات وصياغة دستور جديد. لكن الخطوات كانت متسرّعة لإرضاء المجتمع الدولي.

يقول رضوان زيادة: “لا يمكن حكم سوريا مركزياً كما فعل آل الأسد”.

ويضيف دبلوماسي غربي: “السلطة ليست ديمقراطية، فهي متمسكة بالبقاء”. أما داعموه الإقليميون فيقدّمون نموذجاً “تنموياً استبدادياً” بديلاً عن الديمقراطية.

تُتخذ القرارات في دائرة ضيقة من 5 أو 6 أشخاص، بينهم شقيقاه ماهر- الذي أصبح أميناً عاماً للرئاسة- وحازم المستشار الاقتصادي.

لا قدرة على تفويض السلطات، ما يخلق انطباعاً بالارتباك والضغط الدائم، تقول “لوموند”، مضيفةً أنه رغم إشراك تكنوقراط، يبقى رجال أحمد الشرع من إدلب في الوزارات السيادية والإدارة العليا.. ففي المصرف المركزي، كان نفوذ “الشيخ” أبو عبد الرحمن أكبر من نفوذ المحافظ ذاته. وفي وزارة العدل، هناك “مكتب الشيخ” في الطابق الثاني حيث تنتهي الملفات الحساسة.

اختبار الحكم: دماء في الساحل وفشل في الاحتواء

تراجعت سلطته خارج العاصمة، حيث ما تزال فصائل مسلحة مستقلة نسبياً، ويرفض الكرد والدروز الخضوع.

وجاء أول اختبار كبير مع تمرّد ضباط علويين في الساحل، يوم 6 مارس، والذي أُخمد بوحشية، حيث قُتل نحو 1400 شخص معظمهم مدنيون، وفشلت محاولاته لاحقاً في طمس الفاجعة بلجنة تحقيق ومحاكمة شكلية.

حاول استعادة المبادرة في 10 مارس باتفاق إطار مع “قوات سوريا الديمقراطية”، لكن التوتر باق. وفي يوليو، تسبّب هجوم دموي من القوات الحكومية على السويداء ذات الغالبية الدرزية بمئات الضحايا، فزاد الغضب والدعوات للانفصال. وتدخلت إسرائيل لوقف تقدم قوات الشرع، ما شكّل صدمة في دمشق. إلى جانب المناطق الخارجة عن السيطرة، تعاني الأطراف المحرومة.

التحدي الأكبر: الاقتصاد

ترك نظام الأسد بلداً مدمّراً وخزائن فارغة. وتقدّر كلفة إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار. أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. سدّت دول الخليج بعض الفجوات بدفع الرواتب وتمويل شحنات الطاقة. لكن لا خطة اقتصادية بعد. ويرفض الشرع الخضوع لوصفات المؤسسات الدولية، تقول “لوموند”، موضّحةً أنه يراهن على الاستثمارات الخليجية، لكن العقوبات الأمريكية تعرقل تدفّق الأموال.

يقول رضوان زيادة: “إعادة بناء الاقتصاد وحدها لا تكفي. يجب بناء نظام سياسي وقضائي جديد. فمن دون استقرار لن يأتي الاستثمار. وإذا واصل الشرع حكم سوريا كما حكم إدلب، فسيفشل”.

——————————

=========================

===================

تحدبث 07 كانون الأول 2025

——————————-

سوريا على كتف سنة واحدة/ إبراهيم حميدي

للمرة الأولى منذ زمن طويل، يطلّ السؤال كأنه يستعيد حقه الطبيعي: هل صار المستقبل قابلا للبناء؟

06 ديسمبر 2025

قبل عام فقط، كانت سوريا منسية تتدلّى على حافة الزمن. نظامٌ صدئ وظل ثقيل. شعب يُستنزَف بلا نهاية. بلاد تتقاسمها الندوب بين عبء التاريخ وشهوة الجغرافيا ووطأة الخراب ووجع العذاب. ثم جاء ذلك اليوم الذي لم يكن انقلابا في الموازين وحسب، بقدر ما كان انهيارا لجدار بدا لسنوات عصيا على الانشقاق. لحظة انفتح في صدرها الهواء فجأة، وانسحب من صدر البلاد غبار أسود.

عام واحد مضى على تلاشي “نظام الأسدين” وعلى جلوس أحمد الشرع في القصر، الذي ظلّ لسنوات غارقا في شلالات الدم وشاهدا على القنابل المرمية من قاسيون على بطن دمشق والطعنات في أكتاف غوطتها. عام واحد، لكن عاصفته امتدت كأنها عقدٌ كامل، يعيد صياغة وعي بلدٍ فقد إيقاعه، وها هو يحاول استعادته.

خلال سنة، لم تتغيّر سوريا فقط، بل تغيّر صوتها وصمتها. نظرتها إلى نفسها، طريقتها في الوقوف. سقطت الثنائية التي كبّلت البلاد عقوداً، سلطة تُقصي وشعب يُقصى. نظام ثقيل وسكاكينه في صدر شعبه وجيرانه وعالمه. معضلة لأصدقائه ومشكلة لأعدائه. تشققت المعادلات الجامدة. بدأ السوريون- بخطى مترددة وكرامة لا تنكسر- صياغة سردية جديدة تخصّهم وحدهم، سردية تنبع من رماد السنوات لا من نصوص الآخرين. شيء انهار، وشيء آخر وقف كهيكل مدينة، نجا من الزلزال وقرر أن يبني نفسه مهما كان الخراب المحيط، وأن يفتح شرايين في جسد منهك.

خلال هذا العام، لم يُسجَّل انتصارٌ نهائي ولا هزيمة مطلقة. زلزال يولد من قلب المفاجأة. تفككت آلة الخوف، وتلاشت الأجهزة التي كانت تصادر الهواء. الأصوات التي كانت ترتطم بجدار الصمت صارت تعلو في الفضاء العام؛ تُجادل، تحتدّ، تتصارع، لكنها لم تعد تُسحق كما كانت. الفضاء الذي وُلد هذا العام ليس مثالياً، لكنه موجود، وهذه وحدها معجزة صغيرة في سياق بلدٍ جُرّد طويلاً من أنفاسه.

وفي خضم داخلٍ متقلّب ضمن برنامج انتقالي فوقي، برزت جبهة أخرى لا تقل أهمية عن الداخل، جبهة الدبلوماسية. خلال هذه السنة، خرجت سوريا من “ثلاجة العزلة” خطوة بعد خطوة. بدأت عواصم كانت مغلقة تعيد فتح نوافذها، وتفتح شوارعها وقصورها. تبدّلت لغة العالم من طلاق مطلق إلى حوارٍ مشروط ثم إلى انخراط محسوب. وشرعت بعض العقوبات تُرفع أو تُخفَّف، ليس كمنحة بل كنتيجة لتحولات داخلية وفرص خارجية فرضت حضورها الجديد.

لقد كان هذا الانفتاح، بكل ما فيه من حذر ومساومات، أول اعتراف دولي بأن سوريا ما بعد السقوط ليست امتداداً لما قبله ويجب أن لا تكون. وربما كان هذا من أبرز انتصارات السلطة الجديدة، أنها أعادت للبلاد مقعداً في العالم بعد أن كانت جدرانه جميعاً موصدة بوجهها.

أما الإعمار والتنمية، فقد خرجا من خانة الأمنيات والتصريحات إلى ورشة العمل. من سيف العقوبات إلى وعود البناء. لم تُبنَ المدن كما يجب بعد، لكن الرافعات ارتفعت فوق الركام كأذرع تقول إن الحياة ما زالت ممكنة. المذكرات والاتفاقات والتعهدات أُطلقت بانتظار التنفيذ. الإعمار هنا ليس مشروعاً هندسياً، بل اختبارٌ لإرادة شعبٍ يرفض أن يبقى تحت أنقاض تاريخه. الطرق التي تُرصف ليست عبوراً فقط، بل إعلان عن العودة. الشرايين التي تفتح ليست سوى عمليات جراحية في جسد أقام في العناية الفائقة لعقود. والمباني التي ترتفع ببطء تقول إن الخراب، مهما طال، ليس قدراً نهائياً. التنمية لا تزال هشة، محاصرة ببيروقراطية أثقل من الحجر، لكنها بدأت تخترق المشهد مثل نبتةٍ تشق صخراً قديماً.

والمجتمع السوري، الخارج من نفق بلا نوافذ، تلقّى الضوء دفعة واحدة، متوهجاً، جارحاً، مربكاً. ترنّحت خطوته الأولى، لكنه مضى. استعادت الشوارع ضجيجها الخافت ثم المرتفع. عادت المدارس، واستيقظت المقاهي، واستأنف الناس عادة الحياة كما لو أنهم يخوضون معركة يومية ضد الفناء. لكن تحت هذا السطح، تبقى طبقات الألم والرهبة والذاكرة النازفة، طبقات لا يمحوها ترميم واجهة ولا احتفال رسمي؛ بل زمن طويل من المكاشفة والاعتراف وإعادة ترتيب الروح.

بقي ملف المعتقلين والنازحين واللاجئين والمفقودين، الجرح الأكثر حضورا وعمقا، والأكثر قدرة على تقسيم الوجدان السوري. هو امتحان السلطة الجديدة وامتحان البلاد كلها. خطوة بعد خطوة، بدأت العائلات تستعيد حقها الأول، الحقيقة. لا العدالة بعد، فلا عدالة بلا زمن مستقر، لكن الحقيقة وحدها تكفي أحياناً لتعيد نبضاً إلى صدور ظنت أنها انتهت… بانتظار العدالة.

لم تنتقل سوريا هذا العام من ليلٍ دامس إلى فجر صافٍ، بل من ظلام خانق إلى عتمة يمكن فيها رؤية ملامح الطريق. وهذه العتمة، بكل ضعفها، تقدم لا يُستهان به. لم تدخل البلاد بعد فضاء الدولة المدنية الراسخة، لكنها خرجت من قبضة حكم كان يخنق حاضرها ويصادر مستقبلها. لم تبلغ الخلاص، لكنها بدأت السير على الخريطة التي كان لا بد من البدء بها، مهما كان الثمن.

اليوم، تقف سوريا على كتف سنة واحدة، لكنها سنة بحمولة زمن كامل. ما جرى لم يكن نهاية التاريخ ولا بداية الفردوس، بل افتتاح فصلٍ جديد يختبر فيه السوريون قدرتهم على إعادة بناء وطنٍ نجا من محاولات المحو، وصياغة تاريخ لا يُكتب تحت فوهة البندقية، ورسم مستقبل لا يملكه أحد بمفرده.

سوريا لم تدخل حربا أهليه كما تمنى “الأسديون”. كان يمكن أن تكون الأمور أسوأ. تجنبت البلاد كثيرا من “الأفخاخ” وسقطت في بعضها. كان يمكن أن تكون سنة أحسن. الأمل والعمل أن تكون بلا جروح وانتهاكات وطعنات واستثناءات. بلاد تقرأ التاريخ كي لا تعيده. تقرأ الماضي كي لا تكون رهينة له، بل كي تبنى المستقبل.

عام مضى. للمرة الأولى منذ زمن طويل، يطلّ السؤال كأنه يستعيد حقه الطبيعي: هل صار المستقبل قابلا للبناء؟

المجلة

——————————-

يوم الخلاص السوري/ عبسي سميسم

07 ديسمبر 2025

لا يزال معظم السوريين يعيشون على الحالة العاطفية التي أنتجها إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي تصادف يوم غد الاثنين الذكرى الأولى لسقوطه المدوي والمفاجئ، وخلاصهم من حقبة من الظلم والقهر والاستبداد في عهد الأسدين الأب والابن، بعدما دفعوا مئات آلاف الشهداء وتشرد أكثر من نصفهم بين لاجئ ونازح على مدار 14 عاماً، كثمن لخلاصهم، ونيل حريتهم.

إذ لم يكن يوم الثامن من ديسمبر الماضي، مجرد انتصار على نظام مجرم، بل كان نقطة تحول جذري في حياة السوريين على كل المستويات، لعل أبرزها استعادتهم كرامتهم التي سلبها منهم النظام البائد، وأصبح بإمكانهم للمرة الأولى التعبير عن أنفسهم، والاحتجاج على كل ما يتعارض مع مصالحهم.

كما حوّل التحرير مفهوم المواطنة في ذهنية السوريين الذين كانوا ينظرون إلى الدولة بأنها أداة لقمعهم ونهبهم، حيث كانت الثقافة السائدة تقوم على اعتبار التعدي على الملكيات العامة من شبكات مياه وكهرباء، وحتى الاعتداء على الأملاك العامة، بأنها تدخل في باب الشطارة، إلى ثقافة صارت مع اليوم الأول للتحرير ثقافة مسؤولية، وحرصاً على دولة جديدة يتشارك الجميع في بنائها.

كانت اللحظات الأولى لإعلان سقوط الطاغية، وأن سورية أصبحت بلا بشار الأسد، هي أول فرح حقيقي يعيشه السوريون منذ عقود، فرح بزوال كابوس لم يترك بيتاً إلا وتسبب له بمأساة. وما عزّز الفرحة بسقوطه، أنه تمّ دون إراقة دماء “كما كان متوقعاً”، فتحرّرت سورية بدموع الفرح وأمل كبير بالتغيير.

وكانت الأيام الأولى التي تلت التحرير مليئة بالحماس، والطموحات لدى الشرائح المختلفة من السوريين الذين شكلوا خلايا عمل، كلّ حسب اختصاصه، للمساهمة في عملية البناء والاستثمار في بلد يشعرون للمرة الأولى أنه بلدهم، فتشكلت مئات الفرق التطوعية وطرحت آلاف الأفكار للمرحلة المقبلة.

سقط الأسد وعُقدت الآمال على إدارة جديدة قادها أحمد الشرع بخطاب وطني جامع استطاع كسب تأييد معظم السوريين الذين وجدوا فيه أملاً في تحقيق مطالبهم بدولة مواطنة تساوي بين الجميع تحت سقف القانون، فتشكلت أول حكومة لتصريف الأعمال برّر معظم السوريين لونها الواحد كمرحلة ما قبل تشكيل الحكومة الانتقالية بسبب انعدام الثقة بأي مكون خارج “هيئة تحرير الشام” في تلك المرحلة، لتبدأ بعدها مرحلة الاختبار الحقيقي لتشكيل حكومة انتقالية تمثل السوريين بالتزامن مع تحديات صعبة على مستوى توحيد البلاد وهيكلة مؤسسة عسكرية، بالإضافة إلى تحدي رفع العقوبات والنهوض بالاقتصاد، وتحسين مستوى دخل المواطن، وإعادة الإعمار، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومواجهة فلول نظام الأسد، وتحدي ضبط العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها من التحديات التي تعثرت الإدارة الجديدة في تحقيق بعضها وقطعت أشواطاً في تحقيق بعض آخر منها، فيما ارتكبت أخطاء قاتلة في التعاطي مع قسم منها.

وكانت أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الجديدة اعتماد مبدأ “الفزعات” والتعاطي بأنها طرف “لا حكومة” مع بعض الأطراف، الأمر الذي أدى إلى مجازر الساحل السوري ومجازر السويداء التي شكّلت نقطة سوداء في مسيرة التحول السورية.

العربي الجديد

——————————–

أحمد الشرع يعزز علاقته مع ترمب… هل يتجه غربا؟/ روبرت فورد

لن تكون المحادثات الودية هي ما يدفع ترمب إلى دمشق بل الإعلان عن اتفاق تاريخي يغيّر وجه الشرق الأوسط

آخر تحديث 06 ديسمبر 2025

في أعقاب الأجواء الودّية التي رافقت زيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني، توقّع بعض الإعلاميين أن يبادر الرئيس ترمب إلى زيارة دمشق قريبا. غير أن ذلك لم يحدث. وبطلب من السعودية وتركيا، وافق الرئيس دونالد ترمب أولا على لقاء الرئيس أحمد الشرع في الرياض خلال زيارته للمنطقة في مايو/أيار الماضي. وترددت روايات عن أنه أقال بعض المستشارين من الصفوف الدنيا لأنهم دعوه إلى الحذر، في حين يميل هو إلى الجرأة.

والأكثر دلالة أنه دعا الشرع إلى المكتب البيضاوي لجلسات مطوّلة امتدّت لساعات، بحضور كبار أعضاء حكومته. الصور الإعلامية والاهتمام المكثّف، فضلاً عن التحضيرات الأميركية الدقيقة لمثل هذه اللقاءات، لا تُتاح إلا لزعماء أجانب يحظون بمكانة خاصة. ومع ذلك، لم يحظَ الشرع بكامل بروتوكول الدخول إلى البيت الأبيض. وكان التباين واضحا بين زيارته والاحتفالات الكبرى والعشاء الرسمي الذي أقيم بعد أسبوع لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ومع ذلك، وبعد لقاء المكتب البيضاوي في العاشر من نوفمبر، صرّح ترمب للصحافة: “إنه قائد قوي للغاية. يأتي من مكان صعب… أنا أحبّه. أجد انسجاما معه… لقد مرّ بماضٍ عسير، ولكننا جميعا مررنا بماضٍ عسير”. ترمب يميل إلى تقدير القادة الذين يتخذون قرارات حاسمة. ولم يسبق لرئيس أميركي أن تحدّث بهذه الودّية عن شخص كان منتميا إلى “القاعدة”. وفي ذلك اليوم كرّر ترمب أمام الإعلام ثقته بأنّ الشرع قادر على جعل سوريا عنصرا ناجحا في استقرار المنطقة وإحلال السلام فيها.

وعلى خلاف ترمب، لا يصف الشرع علاقته بالرئيس الأميركي بعبارات شخصية، بل يتحدث بلسان الواقعية السياسية، مؤكدا على المصالح الثنائية المشتركة والأهداف الكبرى مثل الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب. وبعد أن استمع ترمب إلى قادة تركيا والسعودية وقطر، وإلى الشرع نفسه، بشأن الدور المحوري لسوريا في الشرق الأوسط، أخذ يردّد ذلك باستمرار في أحاديثه الإعلامية.

غير أنّ بعض الشخصيات المؤثرة في الحزب الجمهوري رفضت توصيف ترمب للشرع. فقد هاجمت لورا لومر– وهي شخصية مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولديها ما يقرب من مليوني متابع، بشدة زيارة الشرع إلى البيت الأبيض، ونشرت سلسلة من المنشورات على منصّة “إكس”، تندّد بالشرع وتصفه بأنه إرهابي من “داعش”. وتشير تقارير إعلامية أميركية إلى أن لومر التقت ترمب الصيف الماضي وأقنعته بإقالة بعض مسؤولي الأمن القومي. ولذلك، من المرجّح أن يبقى ترمب متذكّرا شكوكها حتى وهو يواصل الإشادة بالشرع.

لينا جرادات لينا جرادات

قد يكون لقاء عابر في عاصمة ثالثة مع زعيم أجنبي خطوة صغيرة، ولكن الدعوة إلى نقاش في المكتب البيضاوي دون بروتوكولات كاملة خطوة أهم وأكبر، أما زيارة زعيم في عاصمته فهي الخطوة الأضخم. فهل يذهب ترمب إلى دمشق؟ من الصعب دوما التكهّن بما سيفعله ترمب، إذ إن قراراته في السياسة الخارجية لا تقوم فقط على علاقاته الشخصية مع القادة، بل أيضا على رغبته في اعتراف دائم بإنجازاته، وعلى حساباته الدقيقة لمكاسب وخسائر سياسية داخلية وشخصية وتجارية قصيرة المدى. لذلك، لن يزور ترمب دمشق لمجرد محادثة ودية مع الشرع حول السلام الإقليمي أو الحرب ضد “داعش”. وهو بالتأكيد لن يذهب ليتجوّل في معالم العاصمة التاريخية. فوقت الرئيس وهيبته أثمن من ذلك. وفوق ذلك، سيحذّره بعض مستشاريه من التحديات الأمنية في دمشق، حيث ما زالت الحكومة الأميركية ترى أن خطر الهجمات الإرهابية بالغ إلى حد أنها لم تُعِد فتح سفارتها هناك حتى الآن. وإذا وافقت دمشق، يمكن للجيش الأميركي أن يتولى السيطرة على موقع داخل قاعدة جوية سورية قرب العاصمة ليعقد ترمب لقاءاته مع السوريين. وقد اعتاد الأميركيون خلال حرب العراق استخدام قاعدة أميركية ملاصقة لمطار بغداد لعقد اجتماعات بين كبار المسؤولين الأميركيين ونظرائهم العراقيين. وهناك بالفعل تقارير إعلامية عن انتشار قوات أميركية داخل قاعدة جوية سورية قرب دمشق لمراقبة الأمن الإقليمي والمساعدة في أنشطة مكافحة الإرهاب.

سوريا و”اتفاقات أبراهام”

لن تكون المحادثات الودية، إذن، هي ما يدفع ترمب إلى دمشق، بل الإعلان عن اتفاق تاريخي يغير وجه الشرق الأوسط. فهو يتطلع إلى جائزة نوبل للسلام. ولذلك، فإن ما يمكن أن يشجع ترمب على السفر إلى دمشق هو اتفاق سلام شامل بين سوريا وإسرائيل يوقع  لاحقا في البيت الأبيض على غرار معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979 أو “اتفاقات أبراهام” عام 2020. إنه متحمس لتوسيع “اتفاقات أبراهام”. ففي تغريدة شخصية على منصة “تروث سوشيال” في نوفمبر/تشرين الثاني، وصف انضمام كازاخستان بأنه إنجاز كبير، رغم أن علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل قائمة منذ عام 1992. ووفق “المجلس الأطلسي” (Atlantic Council)، وهو مؤسسة بحثية مرموقة في واشنطن، فإن فريق ترمب يعمل على إدخال دول أخرى من آسيا الوسطى في “اتفاقات أبراهام” ضمن استراتيجية لبناء تحالف من الدول الإسلامية التي تربطها علاقات طيبة بإسرائيل. غير أن هذه الاستراتيجية لن تُحدث الأثر السياسي الفوري ولا التداعيات العسكرية بعيدة المدى التي قد يترتب عليها اتفاق سلام بين دمشق والقدس، وترمب يدرك ذلك. لذلك سيستخدم احتمال الزيارة كوسيلة لدفع دمشق نحو التقدم.

ولا ريب في أن الشرع يدرك هذا الأمر أيضا، وهو مثله يوازن بين الكلفة والفائدة السياسية، لكنه أكثر حذرا. فعندما سألته شبكة “فوكس” الأميركية المحافظة عن معاهدة سلام مع إسرائيل، شدد على أن إسرائيل ما زالت تحتل أرضا في القنيطرة استولت عليها بعيد سقوط الأسد قبل نحو عام، ناهيك عن الجولان. كما يعلم أن ترمب في ولايته الأولى اعترف رسميا بضم إسرائيل للجولان، ويدرك أن تغيير موقفه ليس مستحيلا لكنه صعب ويحتاج وقتا. لذلك يركز الشرع على ترتيب أمني مرحلي يقضي بانسحاب إسرائيل من أراضي القنيطرة التي سيطرت عليها منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مقابل قيود متفق عليها على انتشار الجيش السوري في الجنوب. وهو شديد الحساسية تجاه السيادة السورية والمخاطر الأمنية. فقد رفضت دمشق مطلبا إسرائيليا بفتح ممرات إنسانية من الجولان إلى محافظة السويداء المضطربة، الواقعة على بعد يزيد على مئة كيلومتر داخل سوريا. إن تردد إسرائيل في الانسحاب إلى خط 1974، وتردد سوريا في إنشاء ممر إنساني إلى السويداء، سيجعل حتى الاتفاق المرحلي صعب المنال، أما معاهدة سلام شاملة فستكون أشد صعوبة بكثير. الشرع حذر حيث ترمب متعجل. وترمب سينتظر حتى يكون الشرع وإسرائيل مستعدين، إن حصل ذلك يوما. وحتى ذلك الحين، لن يكون لديه صفقات تجارية كبرى، ولا عقود تسليح ضخمة، ولا إنجازات أخرى يقدمها من زيارة إلى سوريا. وهو سينتظر إلى أن يتحقق ذلك.

عقوبات “قانون قيصر”

إذا كان الشرع– ومعه إسرائيل– يعيق وصول ترمب إلى هدفه الأسمى المتمثل في اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل، فإن أصدقاء ترمب في الحزب الجمهوري يعيقون وصول الشرع إلى هدفه الأكبر مع الأميركيين: الرفع الدائم وغير المشروط لعقوبات “قيصر” التي ترهب الشركات الأجنبية وتمنعها من الاستثمار في الاقتصاد السوري المنهك. لقد ألغت إدارة ترمب كل العقوبات الأخرى التي كان يمكن، بقرار رئاسي، إلغاؤها. أما عقوبات قيصر فهي منصوص عليها في قانون أصدره الكونغرس ووقّعه ترمب بنفسه عام 2019. وفي مايو/أيار، فعل ترمب كل ما بوسعه فأصدر قرارا بتعليق العقوبات لمدة 180 يوما بعد لقائه الشرع في الرياض. وبناء على تعليماته، جدّدت وزارة الخزانة التعليق لستة أشهر أخرى أثناء زيارة الشرع إلى واشنطن. وبعد محادثات مع قادة تركيا والسعودية وقطر، ومع الشرع نفسه، أدرك ترمب وفريقه أن سوريا لا يمكن أن تكون شريكا فاعلا في مكافحة الإرهاب إذا كان اقتصادها يترنّح.

إن تجديد تعليق عقوبات قيصر خطوة إيجابية لسوريا، لكن خطر إعادة فرض عقوبات أميركية مستقبلية على الشركات الخاصة– كما حدث مع إيران عام 2018 – لا يشجع بقوة على الاستثمار الأميركي أو الأجنبي الذي يحتاجه الشرع وبلاده بإلحاح. صحيح أن الحزب الجمهوري يملك الأغلبية في مجلسي الكونغرس، لكن ليس كل أعضائه يؤيدون دعوة ترمب إلى إلغاء دائم وغير مشروط. فحلفاء مثل السيناتور ليندسي غراهام والنائب براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب والجندي السابق الذي قاتل في أفغانستان وفقد ساقيه هناك، يطالبون بتعليق مؤقت للعقوبات إلى أن تفي دمشق بشروط تتعلق بأمن إسرائيل، وحماية الأقليات في سوريا، والإدماج السياسي. وبمساعدة قادة من الجالية السورية–الأميركية، تعلّم الشرع سريعا تفاصيل الخريطة السياسية الأميركية، والتقى كثيرا من أعضاء الكونغرس، ومن بينهم ماست. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير إعلامية إلى أن بعض المسؤولين الإسرائيليين مثل وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، كانوا يحثّون على تأجيل الإلغاء الدائم. وفي النهاية، غادر الشرع واشنطن ومعه فقط التعليق المؤقت لعقوبات قيصر. فالقدس تسعى إلى استخدام العقوبات كورقة ضغط على سوريا.

ولكن محاكمات علنية وعادلة في سوريا تحاسب عناصر الأجهزة الأمنية على الانتهاكات، ستساعد دمشق على إظهار تقدم أمام الكونغرس. وإلى جانب ذلك، يمكن لترمب أن يمارس الضغط والمساومة ويقنع حلفاءه، مثل غراهام وماست، بدعم الإلغاء الدائم وغير المشروط لعقوبات قيصر. غير أن تلك المحادثات وترتيب الصفقات السياسية ستستنزف ساعات ثمينة من وقت الرئيس. فهل سيفعلها، وماذا سيطلب في المقابل؟

هل تحلّ دمشق محل “قسد”؟

إن المصلحة المشتركة في القضاء على “داعش” هي الأساس الذي يقوم عليه المسار الجديد للعلاقة السورية–الأميركية. وخلال زيارة الشرع، أبرزت إدارة ترمب أن سوريا وافقت على الانضمام إلى التحالف الدولي. وقد منح هذا الاتفاق الرئيس السوري قدرا من المصداقية لدى القيادات السياسية والإعلامية الأميركية، وإن لم يكن كافيا لتحقيق الإلغاء الفوري لعقوبات “قيصر”. وفي الوقت نفسه، ظهرت بوضوح حساسية المسؤولين الأمنيين الإسلاميين في دمشق تجاه القتال إلى جانب الأميركيين وحلفائهم الغربيين. فقد سارع وزير الإعلام إلى قول إن انضمام سوريا للتحالف هو اتفاق سياسي فحسب، لا يتضمن بعد أي ترتيبات عسكرية. أما وزير العدل، وهو إسلامي متشدد، فأكد للإعلام السوري في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني أن الاتفاق يقتصر على “تبادل المعلومات” ولا يشكل “تحالفا عسكريا واضحا”، مشددا على أن للحكومة السورية أهدافها ومبرراتها الخاصة في محاربة “داعش”.

وبعد مغادرة الشرع الولايات المتحدة، وصفت الرئاسة السورية في 14 نوفمبر تقريرا نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 12 نوفمبر، زعم أن الشرع تعاون مع الأميركيين ضد “داعش” منذ عام 2016، بأنه “غير صحيح ولا أساس له”.

غير أن شريط فيديو نُشر قبيل زيارة الشرع إلى واشنطن، يظهر فيه وهو يلعب كرة السلة مع كبار القادة العسكريين الأميركيين، توحي بأن التعاون السوري–الأميركي ضد “داعش” قائم وسيتعزز. وإلى جانب الجهود العسكرية، بدأ الأميركيون بالفعل برنامجا لتقديم المشورة الفنية للقطاع المالي السوري، يركز على أنظمة المدفوعات والعملة الجديدة، على غرار برنامج مماثل في العراق هدف إلى مكافحة غسل الأموال ومنع وصول الجماعات الإرهابية وإيران إلى البنوك.

ويثير الدور المتنامي لدمشق في محاربة “داعش” مع الأميركيين سؤالا حول مستقبل الشريك الآخر، أي “قوات سوريا الديمقراطية”. فالجيش الأميركي راكم خبرة سنوات في تدريب هذه القوات والعمل معها ضد “داعش”، بينما لا يملك خبرة مماثلة مع الجيش السوري، ولا شك في أن بناء الثقة وتطوير التكتيكات المشتركة سيستغرق أشهرا وربما أكثر. لذلك، سيظل الأميركيون بحاجة إلى “قسد” لبعض الوقت. وقد صرح قائدها مظلوم عبدي في أكتوبر/تشرين الأول أن الأميركيين اقترحوا تشكيل قوة مشتركة تضم عناصر من الجيش السوري و”قسد” لمواجهة “داعش”. ويهدف الأميركيون بذلك إلى تسهيل اتفاق يدمج “قسد” بشكل ما في الجيش السوري الجديد.

ونقلت قناة “العربية” في 11 نوفمبر عن مصدر في “قسد” أن هذه القوات تريد من دمشق قبول دمج فرقة كاملة في الجيش، مؤلفة من لواءين من قواتها بمقاتليهما، على أن يكون قادة الفرقة والألوية من صفوفها. وستكون هذه الفرقة وألويتها بقيادة كردية جزءا من الجيش السوري، لكنها ستبقى منتشرة في شمال شرق البلاد. ولم تعقب دمشق على هذا المقترح، فيما قللت من شأن الجوانب العسكرية لانضمامها إلى التحالف الدولي. وإدراكا لحساسية الملف، آثر الأميركيون بدورهم التكتّم.

ومن اللافت مشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في لقاء ترمب–الشرع في البيت الأبيض، ما يدل على أن ترمب يسعى إلى تنسيق وثيق مع أردوغان بشأن سوريا، بما في ذلك قضية “قسد”. ولهذا السبب، جلس وزير الخارجية روبيو بعد اللقاء مع نظيريه السوري والتركي لمناقشة القضايا السورية، ومن ضمنها مستقبل “قسد”، بحسب ما صرح فيدان لشبكة تركية في 15 نوفمبر. إن حل مسألة دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا سيستغرقان وقتا طويلا، فيما لدى الجيش الأميركي متطلبات عملياتية عاجلة لمواجهة “داعش”، وسيبحث بالتالي عن حلول عملية قصيرة الأمد، حتى بينما يعقد السفير توماس باراك المزيد من الاجتماعات لمعالجة مسألة الدمج على المدى الطويل.

المجلة

————————————

سوريا بعد عام من سقوط الأسد… استحقاقات تنتظر الحسم/ حايد حايد

تحديات عميقة لم تُحل بعد

 06 ديسمبر 2025

تقف سوريا في الذكرى السنوية الأولى لانهيار نظام الأسد، أمام لحظة مفصلية تستدعي الاحتفاء طبعا، ولكنها تستدعي أيضا التأمل العميق. لقد شكّل سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي قطيعة تاريخية أنهت خمسة عقود من الحكم السلطوي، والإدارة العسكرية والعزلة الدولية العميقة. كما فتح نافذة كانت موصدة طويلا لإعادة التفكير في النظام السياسي، وإعادة بناء مؤسسات محطمة، والشروع في المسار الشاق نحو التعافي الوطني.

خلال العام المنصرم، حققت السلطات الانتقالية في سوريا ما كان كثيرون يعدونه مستحيلا. فعلى الصعيد الدبلوماسي، خرجت البلاد من عزلة امتدت لعقود، أعادت فتح قنوات أغلقت منذ زمن. واقتربت أكثر من أي وقت مضى من رفع شبه كامل للعقوبات. أما داخليا، فقد حسنت الخدمات، ووسعت الفضاء المدني، وأعادت الاستقرار، وأبقت العنف في حدوده الدنيا رغم بعض التوترات الطائفية المتفرقة.

ومع ذلك، تتجاور هذه الإنجازات، مع تحديات عميقة لم تحل بعد. فبينما أعيد بناء المؤسسات، ما زالت الشرعية بعيدة المنال. وفيما انطلقت المسارات السياسية، فإنها لم تنجح بعد في توحيد البلاد خلف رؤية مشتركة. أما الوضع الاقتصادي، فيواصل التدهور رغم سعي الحكومة إلى خطط طموحة للتعافي. وآليات العدالة بدأت، لكنها بقيت محدودة، تتجنب مواجهة الحقائق الأكثر إيلاما.

لم يعد ممكنا تأجيل معالجة هذه النواقص. فالسنة المقبلة ستكون أكثر حسما، وأكثر خطرا، من سابقتها. التوقعات تتصاعد، ظروف المعيشة تتدهور، والمخاطر تتزايد من أن يتحول الإحباط الشعبي المتنامي إلى شرخ سياسي حاد. من الآن فصاعدا، لم يعد مقبولا أن يُحكم على التحول السوري، بما نجت منه البلاد، بل بمدى قدرة سلطاتها الجديدة على مواجهة التحديات التي ترسم الطريق أمامها.

تقدم بلا توافق سياسي

مع اقتراب اكتمال تشكيل البرلمان الجديد، باتت خريطة الطريق الانتقالية– الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، وإنشاء هيئات تمثيلية مؤقتة– قد اتخذت شكلها الرسمي الكامل. فعلى الورق، ترسم هذه الإجراءات البنية الأساسية لنظام سياسي ما بعد السلطوية. أما في الواقع، فقد كشفت عن توترات عالقة تتعلق بالشرعية والتمثيل والمسار الذي ستسلكه الدولة الناشئة.

حرص الرئيس أحمد الشرع على تقديم كل مرحلة من العملية بوصفها تشاركية وشاملة. فقد شكلت لجان للتشاور مع الشخصيات البارزة والمجتمعات والفاعلين المدنيين لجمع الآراء حول الحوار الوطني. وصياغة الإعلان الدستوري. وتصميم المؤسسات الناشئة.

وكان الهدف من هذه الخطوات الإيحاء بالشفافية، والقطع مع ممارسات الإقصاء التي ميّزت النظام السابق. غير أن سرعة التنفيذ، وتسلسل المراحل، والطابع المُدار بإحكام للعملية، أفرزت ردود فعل متباينة وحادة. فالمؤيدون احتفوا بالإنجازات وعدّوها تاريخية، معتبرين أنه في مرحلة انتقالية هشة، يبقى قدر من اتخاذ القرار المركزي ضروريا للحفاظ على التماسك ومنع الانزلاق السياسي.

أما المنتقدون فرأوا رأيا مختلفا تماما: مسارا متعجّلا من أعلى إلى أسفل يركّز قسطا مفرطا من السلطة في يد الرئاسة، ويترك آليات الرقابة والتوازن الحقيقية غائبة على نحوٍ لافت. أما هاجسهم الأعمق فهو أن النظام الناشئ قد يعيد إنتاج منطق الحكم الفردي الذي ميّز عهد الأسد بدلا من تفكيكه.

وقد ازدادت المخاوف مع بروز شخصيات مرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام” داخل مؤسسات الحكم والأمن، ما غذى القلق من احتكار سياسي آخذ في التشكل في لحظة تتطلب أوسع مشاركة لإعادة بناء الثقة.

تشكيل البرلمان لم يخفف هذه الانقسامات، بل عمقها. فرغم أنه يفي بالمتطلبات الرسمية لخريطة الطريق، فقد أعاد إشعال الشكوك القديمة حول مدى تمثيله، وما إذا كان سيملك سلطة فعلية لتحقيق التغيير المنشود. باختصار، يمكن القول بثقة إن الانتقال السياسي مضى قدما، لكنه ما زال يفتقر إلى التوافق والثقة والشرعية اللازمة لترسيخه.

أ.ف.ب أ.ف.ب

امرأتان سوريتان تحتفلان بالذكرة السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد

مكاسب معيشية على رمال متحركة

إذا كانت الدبلوماسية أبرز نجاحات المرحلة الانتقالية، فإن الاقتصاد هو المجال الذي تظهر فيه حدود التقدم المبكر بأشد وضوح. فقد جعل الرئيس أحمد الشرع من إحياء الاقتصاد ركنا أساسيا في خريطة طريقه، فخفض الضرائب على الواردات وأعلن زيادة بنسبة 200 في المئة لرواتب الموظفين الحكوميين، وسعى إلى جذب المستثمرين لإيصال رسالة مفادها أن سوريا باتت مفتوحة للأعمال.

ولفترة وجيزة، أثمرت هذه الإجراءات نتائج ملموسة. إذ تراجع التضخم بشكل كبير، من نحو 110 في المئة في فبراير/شباط 2024 إلى ما يقارب –15 في المئة بعد عام واحد، مدفوعا بإصلاحات جمركية، وتخفيف القيود التجارية، وقوة مؤقتة للعملة. لكن هذا الانفراج كان قصيرا. فالتضخم عاد ليرتفع، والأسعار تجاوزت بسرعة مكاسب الأجور. وحتى بعد الزيادة المعلنة، فإن الحد الأدنى للأجور البالغ 750 ألف ليرة سورية لا يغطي سوى ثلث تكلفة سلة غذاء أساسية لشهر واحد.

ويُحسب لحكومة الشرع، أن إمدادات السلع الأساسية تحسنت. فقد ارتفع توفير الكهرباء بشكل ملحوظ، ليصل في بعض المناطق إلى عشرة أضعاف ما كان متاحا في عهد الأسد. كما خفت أزمة الوقود، وأصبح الخبز متوافرا بشكل منتظم.

لكن هذه الإنجازات جاءت بكلفة باهظة. فقد ارتفعت أسعار الكهرباء والوقود والخبز والنقل بشكل حاد بعد إعادة هيكلة الدعم. وأصبح السوريون ينفقون نسبة أكبر من دخلهم على السلع الأساسية أكثر من أي وقت منذ عام 2011، وهو مصدر متزايد للإحباط يتجاوز الانقسامات السياسية.

ورغم أن السلطات الانتقالية لا تتحمل مسؤولية الجذور البنيوية لانهيار الاقتصاد السوري الناجمة عن عقود من الفساد والحروب وسوء الإدارة، فإن طريقة تعاملها مع الأزمة، باتت محل انتقاد متزايد. فاتباع نهج فوقي في صنع القرار، والتحول السريع نحو تحرير السوق، ورفع الدعم في لحظة هشاشة مالية واجتماعية قصوى، وكل ذلك من دون مشاورات عامة ذات معنى، ترك كثيرا من السوريين يكافحون ليس فقط للتأقلم، بل للصبر أيضا. والنتيجة اقتصاد يبدو وكأنه يتعافى على السطح، لكنه يظل هشا في بنيته، ويزداد قابلية للانفجار سياسيا.

العدالة عالقة في دهاليز السياسة

أما أبرز مطالب السوريين منذ زمن طويل، العدالة والمساءلة، فقد حققتا تقدما أوضح هذا العام مقارنة بأي وقت في الذاكرة الحديثة، لكنها ما زالت محكومة بقيود سياسية وبنيوية صارمة.

فالمحاكمة التاريخية المرتبطة بانتهاكات الساحل في مارس/آذار شكلت قطيعة مع الإفلات من العقاب الذي ميز حقبة الأسد. وللمرة الأولى، جرت محاكمة علنية لعناصر من الأجهزة الأمنية: نقلت الجلسات عبر التلفزيون، وحظي المتهمون بتمثيل قانوني، ونوقشت الشهادات علنا. بالنسبة لمجتمعات اعتادت على السرية والإنكار، كان ذلك تحولا رمزيا عميقا، يوحي بأن حتى الأجهزة الأمنية لم تعد بمنأى عن المساءلة.

وقبل ذلك، اعترفت الحكومة علنا بالانتهاكات التي وقعت في الساحل والسويداء، وشكلت لجان تقصي حقائق، وتعهدت بمحاسبة المسؤولين عنها. وفي خطوة غير مسبوقة، سمحت أيضا للمنظمات الدولية بالوصول إلى تحقيقات مستقلة بشأن هذه الانتهاكات.

لكن رغم هذا التقدم، ما زالت أجندة العدالة مقيدة بشدة. فقد أولت السلطات الأولوية للمساءلة عن الانتهاكات التي وقعت بعد الأسد، بينما أجلت أي مواجهة شاملة مع عقود من جرائم النظام السابق. سياسيا، يعكس ذلك حسابين: الأول أن إظهار المساءلة عن الانتهاكات الأخيرة، يعزز صورة الحكومة خارجيا في لحظة تدقيق مكثف. والثاني أن السلطات ترى أن محاكمات واسعة لرموز النظام السابق قد تهدد الهدوء الهش.

لكن هذه الحسابات ليست السبب الوحيد. فسوريا تفتقر إلى البنية القانونية اللازمة لتحقيق عدالة انتقالية شاملة. فالقانون الجنائي لا يعترف بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو حالات الاختفاء القسري، ومن دون برلمان قوي يسن الإصلاحات الضرورية، تبقى أدوات النظام القضائي محدودة.

ومع أن هذه التحديات جسيمة، فإن غياب أي إجراءات لمحاسبة رموز النظام السابق يفرض أثمانا متزايدة. فالمجتمعات التي عانت طويلا من القمع ترى في العدالة الانتقائية شكلا آخر من الظلم. وغياب مسارات موثوقة للإنصاف يغذي السخط، ويدفع بعض الأفراد نحو العدالة غير الرسمية أو الانتقام.

وقد أظهرت الهجمات الأخيرة على أحياء علوية نفذها رجال عشائر سنية، إثر حادثة جنائية أعيد تأطيرها في سياق طائفي، مدى سرعة اشتعال العنف حين ينظر إلى العدالة المؤسسية على أنها غائبة أو منحازة.

هدوء هش

شهد المشهد الأمني مزيجا من الاستقرار الملحوظ والهشاشة البنيوية العميقة. وبفضل حُسن تدبير السلطات، تجنبت سوريا موجات العنف الواسع، التي توقع كثيرون أن تعقب سقوط الأسد. فقد جرى ضم الفصائل المسلحة إلى وزارة الدفاع، وساهم الانضباط الأولي لدى القوات الأمنية في منع عمليات الثأر في لحظة شديدة التقلب.

لكن ذلك الاستقرار تعرض مرارا لاختبارات عند نقاط التوتر الطائفية. فقد كشفت انتهاكات الساحل في مارس واضطرابات السويداء في يوليو/تموز حدود السيطرة على القوات المدمجة حديثا. إذ ارتكبت وحدات غير منضبطة تجاوزات وعمليات ثأر وإجراءات مفرطة، ما عمق انعدام الثقة بين المكونات المجتمعية.

ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى بعض التعلم المؤسسي. فقد حال التدخل السريع للحكومة في حمص عقب هجمات قبلية على أحياء علوية دون اندلاع مواجهة طائفية أوسع. إذ ساهم الانتشار المنسق، والتشاور مع وجهاء محليين، وتشديد السيطرة العملياتية في منع تفاقم العنف، على الضدّ من الاستجابات السابقة التي اتسمت بردود فعل متأخرة.

وبالمثل، شكل القرار بحماية الاحتجاجات العلوية الأخيرة في الساحل بدلا من قمعها تحولا لافتا. فقد صدرت تعليمات للقوات الأمنية بحماية المتظاهرين، وكبح الوحدات المحلية، والسماح بطرح المظالم علنا، وهو نهج ساعد على نزع فتيل التوتر بدلا من إشعاله.

هذه التحسينات مهمة، لكنها لا تعالج المشكلات الجوهرية: قطاع أمني مجزأ، ضعف في الانضباط، ووحدات ما تزال مرتبطة بقادة محليين أكثر من ارتباطها بالقيادة المركزية.

نافذة تضيق

يمكن القول إن السنة الأولى من الانتقال في سوريا أثمرت إنجازات بارزة، لكنها كشفت أيضا، الحدود التي تكبل نموذج الحكم الذي يقوم على السلطة المركزية، والمشاركة المضبوطة بعناية، وتأجيل أصعب القرارات. لقد وفّر الاستقرار والاختراقات الدبلوماسية للحكومة فسحة من الوقت، لكنها ليست بلا نهاية. فالتوقعات الشعبية تتصاعد بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على تلبيتها، والفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي تتسع باستمرار. هذه الفجوة المتنامية باتت اليوم خط الصدع الذي يرسم مسار سوريا المقبل.

المهمة المقبلة لم تعد مجرد الحفاظ على النظام، بل مواجهة الأسئلة البنيوية التي جرى تجنبها في السنة الأولى: كيف يوزع النفوذ، كيف تطبق العدالة، كيف تدار القوات الأمنية، وكيف تعالج الأعباء الاقتصادية. هذه النقاشات قد تكون صعبة، لكن تأجيلها أشد خطورة.

وفي النهاية، إذا كانت السنة الماضية قد أظهرت ما يمكن أن يعد به الانتقال، فإن السنة المقبلة ستحدد ما إذا كانت أسسه قادرة على الصمود.

المجلة

—————————–

 “ملف المفقودين”.. من يقود السوريين إلى الحقيقة؟/ وفاء عبيدو

2025.12.07ام على سقوط النظام المخلوع، يعود ملف المفقودين والمغيّبين قسرا إلى الواجهة، لا بوصفه قضية إنسانية فحسب، بل كأحد أخطر ملفات العدالة الطارئة في سوريا. وبينما كانت الآمال معلّقة على أن يبدأ هذا الملف طريقه نحو الحل، فجّرت تسريبات “ملفات دمشق” الأخيرة موجة غضب وتساؤلات حول جدية العمل الرسمي في كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن آلاف الانتهاكات.

ففي الوقت الذي تشير فيه التقديرات الحقوقية إلى أكثر من 170 ألف مفقود، تتأخر آليات العدالة الانتقالية عن أداء دورها، بينما يكتفي الأهالي بالوعود، ويواجهون يوميًا وجع الانتظار ومرارة النكران.

وتحوّل ظهور وثائق جديدة، تضم صورا وأسماء لمعتقلين قضوا في سجون النظام، إلى اختبار مبكر لهيئة المفقودين التي شُكّلت قبل أشهر. وفي خلفية هذا المشهد، تتكدّس الشهادات الفردية لعائلات لم تفقد أبناءها فحسب، بل فُرض عليها أن تناضل وحدها من أجل الحقيقة، وسط صمت رسمي، وتراخٍ مؤسسي، وتراكم سياسي يعمّق الجراح بدل أن يداويها.

فعلى مدى سنوات طويلة، اختفى عشرات الآلاف في الأفرع الأمنية والسجون، بينما تُركت عائلاتهم معلّقة بين الانتظار والبحث والانهيار، في رحلة مؤلمة لا تهدأ، فلم يكن هذا الملف يومًا أرقامًا في تقرير أو بندًا في مداولات سياسية، بل هو وجوه غابت، وأمهات ينتظرن قبراً ليرثينه، وزوجات عالقات بين الرجاء والفقد، وأطفال كبُروا وهم يردّدون السؤال ذاته أين اختفى أحبّتنا؟.

يقف السوريون اليوم عند مفترق تاريخي، حيث يصبح كشف مصير المفقودين شرطًا لا غنى عنه لأي عملية عدالة انتقالية أو مصالحة وطنية أو إعادة بناء اجتماعي وسياسي، فالماضي لا يمكن تجاوزه قبل فهمه، والألم لا يمكن أن يهدأ قبل ظهور الحقيقة، والعدالة لا يمكن أن تبدأ قبل أن يُعرف مصير الذين غابوا في العتمة.

“ابني وين؟”

وسط هذا الغياب تبرز شهادات فردية تحمل داخلها ملامح المأساة الكبرى شهادات تشبه بعضها لكنها تحمل وجوهًا وأسماء وأوجاعًا لا تتكرر، ومن بين هذه الحكايات، تتحدث أم علي بصوتٍ يختلط فيه الثبات والألم وهي تروي لموقع تلفزيون سوريا حكايتها التي انقسمت بين شهيد ومعتقل لم يعد.

وتوضح أنها فقدت ابنها الأول خلال معركة تحرير منطقة البحدلية، بعد أن قُتل على يد ميليشيا أبو الفضل العباس وعناصر من حزب الله، وقالت “دفنته بإيدي كنت مفكرة إني على الأقل عرفت وين قبره، بس حتى هالشي ما ضلّ إلي”.

إذ فوجئت بعد سقوط النظام حين عادت إلى زيارة قبره، لتكتشف أن المقبرة قد نُبشت وأن جثمان ابنها اختفى، لتبدأ فاجعة جديدة فوق جرح قديم، حسب ما ذكرت.

أما ابنها الثاني الضابط المنشق، فقد اعتقله النظام في عملية سمّاها إعلامه آنذاك “عملية نوعية يا سيد الشهداء”، ومنذ تلك اللحظة لم تعرف أم علي عنه أي شيء، “رجعت على الشام بعد سقوط النظام وأنا عم استنى كل يوم يطلع ابني، رفضت صدّق إنه ما رح يرجع، ولما تبخّر الأمل، حسّيت الدنيا كلها عم توقع فوق راسي”.

مؤكدةً أنها لا تريد سوى الحقيقة وقالت “حقي أعرف وين ابني؟ وين كان؟ كيف مات؟ كم سنة بقي بالسجن؟ مات تعذيب؟ رصاصة؟ إعدام؟ ابني قطعة من روحي مو لازم أعرف شو صار فيه؟”.

وأضافت أم علي أن السنوات الأربع عشرة الماضية كانت انتظارًا طويلًا للعدالة ولحظة سقوط النظامً لكن المفارقة كانت قاسية، وتابعت “سقط النظام وما لقيت ولادي، أي حياة بدكن نحكي عنها؟ حياتي توقفت عند المجهول، وما عاد في ثقة بغير الحقيقة”.

وبخصوص الإعلان عن تشكيل هيئة المفقودين تبدي أم علي شكوكها العميقة، قائلة “إيمت رح نشوف نتيجة؟ إمتى رح يعطونا معلومة؟ لسا ما شفنا شغل حقيقي، وجودهم لحد اليوم ما عطى أي مؤشر إنهم ماشيين باتجاه كشف الحقيقة”.

وتشير إلى أن أي جهة معنية لم تتواصل معها منذ سقوط النظام، رغم أنها تعد من أكثر الأمهات التصاقًا بهذا الملف، وقالت “ما في ضمانات قبل ما نشوف شغل واضح، إذا بيقولوا بدهم عشر سنين ليجمعوا وثائق، طيب وين الخطوة الأولى؟ وين الفريق؟ وين العمل؟”.

وتطالب بأن يكون للأهالي دور مباشر في أي هيئة أو لجنة تعمل على هذا الملف، معتبرة أن “أهل الوجع هنن أصحاب الحق ومشاركتنا واجبة مو خيار”.

وفي رسالتها الأخيرة، توجه أم علي نداءً واضحًا للحكومة لمتابعة عمل الهيئة واللجنة المكلفة بالملف، مؤكدة أن كشف مصير ابنها ليس مطلبًا سياسيًا ولا تفاوضيًا، بل حقًا إنسانيًا بديهيًا يجب أن يتحقق “بعد كل هالسنين ما بدي غير جواب، ابني وين؟”.

في هذا السياق وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها لعام 2025 وجود 177,057 شخصًا مختفين قسريًا في سوريا منذ عام 2011 حتى أغسطس 2025، بينهم آلاف النساء والأطفال.

ويؤكد التقرير أن نحو 90% من هذه الحالات يقف خلفها النظام السابق، ما يجعل الإخفاء القسري سياسة منهجية واسعة النطاق وليست حوادث فردية، وبعد سقوط النظام وفتح بعض السجون، تبيّن أن جزءًا من المعتقلين تحوّلوا فعليًا إلى “مفقودين” بسبب غياب أي معلومات رسمية عن مصيرهم.

المغيبون بين الصمت والوعود

في سبينة البلدة التي دفنت الكثير من أسرار الحرب، تجلس أم محمد محاطة بصور أبنائها الأربعة وكأنهم ما زالوا يملؤون المكان بحضورهم، التي تُعرَّف بلقبٍ صار أكبر من اسمها خنساء سبينة.

تفتح أم محمد قلبها لموقع تلفزيون سوريا لتروي، وجع أم لا تزل تعيش مع الأسئلة التي لم يُجِب عنها أحد، تحاول ترتيب أنفاسها قبل أن تبدأ حديثها  قائلة “كان عندي أربعة شباب، كانوا عماد البيت وسندي، غيابهم كسر ظهري، وكل واحد من ولادي إله قصة وكل قصة إلها غصّة”

فقدت أبناءها الواحد تلو الآخر بعضهم استشهد في المواجهات، وآخرون اختفوا على اثر اعتقالهم، ولم يصلها عنهم أي خبر منذ ذلك اليوم، وتابعت “أصعب شي بالحياة إنك ما تعرف ابنِك كيف مات، المجهول بيقتل ألف مرة، ما بدي غير أعرف الحقيقة، وين راحوا أولادي؟ مين بدو يخبرنا؟”.

لم تكن أم محمد أمًا ثكلى فقط بل كانت سندًا للأمهات اللواتي يشاركنها المصير، حيث كانت تواسيهن بعبارة تكررها “نحنا أمهات ما بدنا سياسة ولا وعود، بدنا نعرف وين ولادنا، نعرف مصيرهم شو كان لنرتاح”.

ورغم مرور السنوات الطويلة ما زالت تتمسك ببصيص أمل، تعرف أنه ضعيف لكنه آخر ما تبقى لها “القبور إلها حجر بس المفقودين ما إلهم شي، لا اثر ولا اسم نحنا عالقانين بنص الحكاية ناطرين كلمة وحق ما لازم يضيع”.

وتضيف مؤكدة أن إنصافهم أمام العالم هو مطلبهم الأول، وترى في الهيئة الجديدة للمفقودين “نافذة أمل”، ننتظر منهم يعرفونا مصير ولادنا وين كانوا؟ وين اندفنوا؟”.

وعن وقع غياب الحقيقة على حياتها، تختصر بوصفه “حزن ما بينوصف وحياة صعبة بعد فقدان”، وتشير أم محمد إلى أن أي جهة رسمية لم تتواصل معها يومًا، لا اللجنة ولا الهيئة ولا المعنيون بالملف.

كما أوضحت قائلة “ما حدا تواصل معنا وبعد سقوط النظام ما حدا حكا معي غير مراسل زمان الوصل، وخاطبت الجهات المسؤولة لهيئة المفقودين برجاء ممزوج بألم “ ياريت يخافوا الله فينا نحنا تجرّعنا ظلم وقهر يكفينا لمليون سنة”.

كما تطالب بأن يكون لأهالي المفقودين دور مباشر داخل الهيئة وتمثيل فعلي “بدنا صوتنا حاضر ونكون جزء من اللجنة مو مجرد أسماء منسىية، وتختم حديثها برسالة واضحة “نتمنى تكون الهيئة خطوة أولى، لأن في كتير شغلات لازم تنعمل إلنا ولكل عائلات المفقودين والشهداء، الطريق طويل بس لازم يبلّش”.

بين السجون والسنوات شهادة تكشف حجم الألم

في بلدٍ يبحث عن حقيقةٍ ضاعت بين السجون والسنوات، تبقى قضية المفقودين والمغيبين قسرًا أكثر جراح السوريين إيلامًا.

ابتسام المحمد ( 38 عامًا ) من درعا، تحولت حياتها إلى رحلة بحث طويلة منذ لحظة اعتقال زوجها على أحد الحواجز بتهمة التفكير بالانشقاق.

تروي ابتسام حكايتها لموقع تلفزيون سوريا التي بدأت بزواجها من شاب من إدلب، قبل أن يُسحب من أحد الحواجز ويُعتقل على خلفية الاشتباه بنيّته الانشقاق، وقالت “اختفى زوجي فجأة، وما عرفت وين راح واكتشفت بهالوقت أني حامل”.

وتصف ابتسام سنواتٍ طويلة من العذاب، لم تستطع خلالها حتى تثبيت ولادة ابنها رغم امتلاكها بيانًا عائليًا، وأضافت “عانينا الويل فقدنا اهل وحياة، وحتى أبسط حقوقنا كنا نشحدها شحادة.”

موضحةً أن مع فتح السجون خصوصًا سجن صيدنايا بعد سقوط النظام، ظلّت الأسرة تتشبث بخيط أمل معرفة مصير الزوج لكنّ الأبواب بقيت موصدة، وتابعت “ما تركت فرع ولا مكان إلا دورت فيه وعلى زمن النظام ما عرفت شي عنه”.

ابتسام التي أنهكتها المراجعات، تعترف بمرارة أنها لم تعد تثق بالمنظمات والهيئات “ياما رحنا واجينا ما كنا نلاقي غير حكي وبيانات وكلو فراغ”.

وعن تشكيل الهيئة العامة للمفقودين قالت “قلنا يا رب يمكن يكون في بصيص أمل،بس اليوم حتى هالأمل مات وما بقي غير الذكرى، أنا وابني متنا ألف موتة”.

كما توجّه ابتسام شكرها للإعلام “شكراً إنكن عم تسمعونا نحنا بحاجة مين يتابع وجعنا، قصتي وقصة ابني مثل ملايين القصص”.

وفي نهاية حديثها وجهت سؤالًا مباشرًا للهيئة “وين زوجي؟ مو صار الوقت نعرف مصيرهم؟ لوين وصلتوا؟ النظام كان يقلّي زوجك كلب وفطس طيب إنتو لوين وصلتوا بملفنا؟ نحنا ما بدنا حكي بدنا فعل”.

وتعبّر عن خيبة أمل متراكمة “كلما نسمع إنو نزلت أسماء بمكان، منركض ندوّر وما منلاقي شي، الدولة عينتهم لمهمة، بس وين الشغل؟ شفناهم عم يسافروا طيب هل في نتائج مجدية من ورا هالشي؟ والمهمة اللي توكلوا فيها، مو حقّنا نعرف وين صاروا؟”.

مجلس المعتقلين: “المعرفة حق والعمل واجب”

مع بدء تشكّل المؤسسات الجديدة المعنية بكشف الحقيقة بعد سقوط النظام، برزت تساؤلات واسعة حول فعالية “الهيئة الوطنية للمفقودين” ودورها في هذا الملف الحساس.

في هذا الشأن قال مروان العش، أمين سر مجلس المعتقلين، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن المرسوم رقم 19 لعام 2025 الخاص بإحداث “الهيئة الوطنية للمفقودين” جاء لتولي مهمة البحث والكشف عن مصير المفقودين خلال الثورة السورية، وإنشاء قاعدة بيانات خاصة بهم، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني لعائلاتهم.

كما اعتبر أن هذه الخطوة ضرورية في ظل وجود مئات آلاف المختفين الذين تحوّلوا إلى مفقودين بعد إخلاء النظام المخلوع لمعتقلاته.

وأوضح العش أن الهيئة مُكلّفة بمهام واسعة، أهمها: الحصول على بيانات الأجهزة الأمنية، التعاون مع منظمات محلية ودولية، إنشاء بنك DNA، وتفعيل فرق الطب الشرعي للبحث عن المقابر الجماعية وتحديد هوية الضحايا، مبينًا أن الهيئة شكّلت مجلسًا استشاريًا، لكنها لم تُعلن بعد مجلس إدارتها، رغم توقيعها عدة بروتوكولات تعاون.

وتوقّف العش عند بيان الهيئة الصادر في 20 تشرين الثاني 2025، الذي حذّر من تداول وثائق “غير دقيقة”، معتبرًا أن البيان اتّخذ “عقلية شرطية” دون تقديم أي أدلة أو معلومات واضحة، فيما تجاهل السبب الحقيقي وراء نشر هذه الوثائق، غياب أي شفافية أو بيانات رسمية من الهيئة نفسها.

وأضاف أن تهديد الهيئة بملاحقة أي جهة تعمل في الملف يعكس ذهنية سلطوية لا تناسب مؤسسة حديثة لا تملك حتى الآن أرشيفًا أو معلومات أساسية حول أعداد المفقودين أو مواقع الدفن، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن سوريا تواجه ملف نحو 300 ألف مختفٍ قسرًا، وأن العمل على تحديد مواقع المقابر والبقايا البشرية قد يستغرق بين 10 و15 عامًا وفق تجارب دول مرت بظروف مشابهة.

كما يرى “العش” أن البيان تجاهل قضايا أساسية مثل حماية مواقع السجون ومنع العبث بالأدلة، وأنه قدّم وعودًا مبهمة دون خطة أو جدول زمني.

وشدّد على أن الهيئة لا يمكن أن تحتكر الملف دون امتلاك المهارات والأدوات والشفافية، وأن المطلوب هو أرشيف وطني مستقل يشارك فيه أهالي المفقودين والمجتمع المدني بوصفهم شركاء، لا جهات تحت الاتهام.

وأكد أن عمل الهيئة يجب أن يبقى فنيًا بعيدًا عن السياسة والدعاية، مشيرًا إلى أن العدالة الانتقالية في سوريا تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المرتكبين، وتعويض عائلات الضحايا.

ملفات دمشق تثير الجدل

وأكد “العش” على حماية الخصوصية لمعلومات أي مفقود واحترام مشاعر الأهالي وبلسمة جراحهم وما ظهور وثائق وصور جديدة عرفت بـ”ملفات دمشق” وتداولها الإعلام نقلا عن مؤسسات صحفية استقصائية بالتشارك مع مؤسسة NDR الألمانية و ICIG, إلا تأكيد على أهمية عمل الهيئة الوطنية للمفقودين لتلقف المبادرة والعمل المنظم والمؤسسي بالتعامل مع بقية المنظمات والمهتمين بعقلية الشراكة وتبادل الخبرات، لإنجاز خطوة للأمام في ملف المعتقلين المفقودين وإنهاء معاناة العائلات التي لا زالت تبحث عن احبتها ولو قبر للذكرى.

واختتم “العش” حديثه بالتأكيد على أهمية توثيق العائلات لقضايا أبنائها لدى منظمات موثوقة، ومتابعتها قانونيًا، داعيًا بالرحمة للشهداء والفرج للمعتقلين والمفقودين.

الهيئة الوطنية للمفقودين رد مقتضب على أسئلة ملحّة

وفي محاولة لتتبّع ما آلت إليه الجهود الرسمية في ملف المفقودين، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع الجهات المعنية بحثًا عن إجابات يمكن أن تقرّب الحقيقة إلى ذوي الضحايا.

 ووجّهنا للهيئة الوطنية للمفقودين مجموعة من الأسئلة التي تهدف إلى توضيح الصلاحيات، وآليات العمل، ومصادر المعلومات، وطبيعة التعاون الدولي، إضافة إلى بعض الاستفسار منذ بداية تشكيلها وحول البيان الأخير الصادر عنها.

ورغم أن الهيئة رحّبت بدايةً بطلبنا، مع الإشارة إلى أهمية التعامل مع ملف المفقودين بحساسية عالية وضرورة عدم الانجرار إلى سجالات على مواقع التواصل، إلا أنها عادت لاحقًا وقدّمت ردًا مقتضبًا، أوضحت فيه أنها غير قادرة حاليًا على الإجابة عن الأسئلة الواردة.

وجاء في ردّ الهيئة أنّه لا توجد لديها معلومات إضافية يمكن تقديمها للإعلام في هذه المرحلة، وأن ما هو متاح للرأي العام يقتصر على ما تنشره صفحاتها الرسمية، أو ما يصدر عنها في الفعاليات والمؤتمرات.

في السياق ذاته اوضح المحامي السوري أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، عبر صفحة “فيس بوك”، أن وثائق “ملفات دمشق” قد سُلّمت إلى السلطات السورية منذ نحو ستة أشهر على يد الضابط المنشق، الذي قدّم الصور وقوائم الأسماء دون أي مقابل سعيًا لدعم العدالة ومساعدة أهالي الضحايا في معرفة مصير أحبّتهم.

وأوضح البني أن السلطات باتت تملك كامل المواد، من صور وأسماء، وكان بإمكانها خلال هذه الفترة حسم مصير عدد كبير من الأشخاص الذين ما يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم.

“العدل السورية ترد”

من جهته، أكد وزير العدل مظهر الويس، الجمعة أن الوزارة تعمل من دون كلل للوصول إلى الحقيقة الكاملة، وحفظ حقوق الضحايا، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من انتهك حق السوري في الحياة والكرامة، وفق قانون واضح ومعايير عدالة لا مساومة فيها.

وجاء تصريح الويس عقب نشر وزارة العدل على معرفاتها الرسمية مقطعاً وثائقياً بعنوان “محاكم الموت”، يكشف في جزئه الأول آلاف الوثائق والأدلة التي حفظتها الوزارة حول جرائم محاكم الميدان والإرهاب في عهد النظام المخلوع.

وقال الويس في منشور على منصة إكس: “هذا الفيديو الذي أضعه أمامكم ونشرته الوزارة ليس إلا خطوة أولى ضمن سلسلة وثائقية تعمل عليها الوزارة منذ أشهر، لتكون نافذة شفافة يطلع عبرها المواطنون على حجم العمل الوطني الدقيق الذي يقوم عليه فريق مختص من القضاة والخبراء والعاملين، يواجهون الملفات الأكثر حساسية في تاريخ سوريا الحديث بصمت وتفانٍ والتزام”.

وشدد على أن “القضية التي نحملها ليست قضية ملفاتٍ وأوراق فحسب، بل قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية. قد تكون الإمكانيات محدودة، وقد تكون الطريق شاقة، لكن إيماننا بعدالة هذه المهمة يدفعنا إلى المضي بثبات، وإلى معاملة هذا الملف بما يليق بقدسيته ووزنه الوطني”.

وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل بالتعاون مع هيئة المفقودين على بناء آليات عملية للتواصل المباشر مع العائلات، واطلاعهم على كل ما يستجد، وفق منهجية دقيقة تراعي مشاعرهم، وتحترم آلامهم، وتضمن التعامل مع كل معلومة وكل وثيقة بأعلى درجات المسؤولية المهنية والقانونية.

تلفزيون سوريا

——————————-

جمر تحت الرماد.. هل نجحت السلطة الجديدة في إنعاش الوحدة الوطنية؟/ أحمد الكناني

7 ديسمبر 2025

خلال عام من سقوط الأسد، أخذت سوريا طابعًا اجتماعيًا جديدًا، نتيجة للتحول السياسي والأحداث الدامية التي مرت بها البلاد بعد 12 شهرًا من انهيار النظام، وهي مدة قصيرة ولكنها، مع ذلك، أعطت مؤشرات خاصة عن دخول الشارع السوري في انقسامات سياسية واجتماعية جديدة، وهو ما يبدو واضحًا في شمال شرق الفرات، ومحافظة السويداء، ومناطق الساحل السوري.

وأدت الأحداث الدامية في الساحل السوري، 6 آذار/مارس، إلى شرخ اجتماعي عميق، وعزز ذلك الانتهاكات التي حدثت في محافظة السويداء، 13 تموز/يوليو، وعلى إثرها خرجت المحافظة عن مسار الحوار مع دمشق، ويضاف إلى ذلك المفاوضات المتعثرة بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية شمال شرق الفرات، الأمر الذي ينذر بخطر الانقسام الاجتماعي والداخلي بين السوريين.

استعداد طائفي وسياسي

أدى انهيار نظام الأسد إلى إعادة التكتلات الاجتماعية والعشائرية والطائفية في معظم المحافظات السورية، نظرًا لحالة الفوضى السياسية في الأيام الأولى للسقوط، إلا أن ذلك استمر على حاله للحصول على مكتسبات سياسية من بعض التيارات، ومنه بدأت بذرة الانقسام، وفي هذا السياق يعتقد المختص في الشأن السياسي، المحامي إبراهيم شاهين، أنه لا يمكن اعتبار لحظة سقوط النظام الأساس في وضع البلاد أمام احتمالية الانقسام.

ويوضح شاهين أن نظام الأسدين الأب والابن كانا عملا على تحقيق توازن بين ما يعرف بمكونات الشعب السوري، في مجلس الشعب، والحكومات، والمنظمات التابعة له، وهو سلوك يوحي بالتشاركية، إلا أنه في حقيقته فعل تقسيمي قائم على مبدأ بعيد عن الكفاءة ومعايير المواطنة، لافتًا إلى أنه بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 تصدعت عوامل الوحدة الوطنية فصارت القيم “تحت الوطنية” هي السائدة كالعشائرية والمناطقية والفصائلية، وعليه كان الوضع السوري الهش آيلا للانقسام بعد السقوط، وينتظر سلوك السلطة الجديدة.

يضيف المحامي شاهين أن سلوك السلطة الجديدة لم يكن مهتمًا برأب هذا الصدع بإجراءات حقيقية، ومنها عدم إطلاق عملية التحول السياسي، وتأجيل البدء بمعالجة آثار الحرب، غياب خارطة الطريق التي تعدها السلطة للعدالة الانتقالية، والمرحلة التأسيسية، وعزز ذلك أحداث الساحل والجنوب، وجميعها ساهمت في انعدام الاحساس لدى كثير من السوريين بوجود مركز قوي يمكن الاعتماد عليه في تعزيز الانتماء لدولة.

من جانب آخر، يرى الباحث والأكاديمي مروان حمي أن سقوط الأسد شكل لحظة تحول جذرية، لكنها لم تنه الصراع الداخلي، بل أعادت تشكيله بطريقة أكثر تعقيدًا وتدميرًا، ما جعل سوريا بيئة خصبة للانقسامات الطائفية والاقليمية بدلًا من التوحيد الوطني الذي كان يُفترض أن يولد من رماد الديكتاتورية، لافتًا إلى أن الانتقالات السياسية في الشرق الأوسط أظهرت في حالات العراق وليبيا بأن الفراغ السلطوي يفاقم التوترات الاجتماعية والطائفية المكبوتة، وهو ما حدث في سوريا.

ونوه الباحث حمي إلى أن السياسات المركزية، كالدستور الانتقالي في آذار/مارس 2025 الذي منح صلاحيات تنفيذية واسعة للرئيس، تثير المخاوف من إعادة انتاج نموذج استبدادي يغذي التوترات المحلية، ويعرض الدولة الناشئة لخطر الانهيار الداخلي، وهو ما أشار إليه تقرير “مجموعة الأزمة الدولية” في آذار/مارس 2025، بخصوص عدم القدرة على تجاوز التراث الطائفي الذي يشكله الورثة أنفسهم، ويحول الفرصة إلى فخ يعيد سوريا الى العنف.

أجندة خارجية

يعتقد المحامي شاهين بوجود العديد من التأثيرات الخارجية على المشهد السوري داخليًا، إذ تدعم الأطراف الخارجية فئات سياسية تمثل مصالحها، ومنها ما يستخدم الطائفية والدين كورقة تسمح بالتدخل بالشأن السوري، يعزز ذلك ملفات متعلقة باللاجئين السوريين، الصراع مع إسرائيل، العقوبات الاقتصادية، وجميعها ملفات استثمرتها الأطراف الخارجية في الداخل السوري، إلا أن ذلك ليس بفاعلية العوامل الداخلية، والتي يمكن معالجتها بإطلاق عملية سياسية تشاركية.

من جانبه، الباحث حمي يرى أن الاجندات الخارجية ليست السبب الوحيد للشرخ الداخلي، بل المكمل الذي يطيل أمد النزاع، كما حدث سابقًا في عهد الأسد بالتدخلات الإيرانية والروسية، تقابلها الآن أطراف دولية وعربية داعمة للنظام الحالي، متجاهلين بذلك الجذور الاجتماعية للسوريين، وعليه فالأجندات الخارجية ليست مبتكرة للشرخ، بل مساعدة له، منوهًا إلى أن الفيصل الرئيس للشرخ يبقى بسبب غياب دستور توافقي، تأخير إعادة الهيكلة الأمنية، استبعاد فصائل مدنية من الحكم، والإصرار على نمط الحكم المركزي على حساب المكونات الطائفية الدينية الأخرى، وكلها قرارات محليّة وهي التي منحت الخارج فسحة التأثير عليها.

محاولة إنعاش

يطالب المحامي شاهين، في سبيل إنهاء حالة الانقسام الداخلي السوري، بضرورة الانطلاق دون تأخير بحوار سياسي مجتمعي حقيقي، يمهد للوصول إلى عقد اجتماعي جامع، ودستور يقدس القيم الوطنية كالكرامة الإنسانية وحرية التعبير والعدالة والمساواة، إضافة إلى تعزيز سلطة القانون والقضاء على الأشكال “غير السليمة” للقوى المسيطرة على الأمن والاقتصاد في البلاد، لافتًا إلى ضرورة استثمار العلاقات مع الخارج لتعزيز الموقع الاقتصادي والاستراتيجي لسوريا عبر حوكمة فعالة، وخطط تنمية واقعية تعالج ملف الفقر، وتعيد النازحين بكرامة، وتؤمن الحدود الدنيا المعقولة للاستقرار.

فيما يلخص الباحث والأكاديمي حمي الأسس الخاصة بترميم الشرخ الداخلي بمجموعة من الخطوات المتزامنة، سيبقى الشرخ الداخلي بدونها قابلًا للاتساع، وستعيد سوريا إنتاج نفسها دولة “محكومة لا دولة حاكمة” وهذه الخطوات هي:

أولًا: إنهاء فوضى السلاح عبر دمج كل الفصائل في جيش مهني واحد يخضع لوزارة الدفاع، مع آلية توزيع عادلة للرتب والموارد.

ثانيًا: توسيع السلطة التنفيذية إلى حكومة تكنوقراطية تمثل كل المحافظات والإثنيات بحقائب وزارية حقيقية لا شكلية.

ثالثًا: الإسراع بإعلان الدستور المؤقت الذي يقر بالتعددية، ويُلغي المحاصصة الطائفية، ويحدّد موعدًا أقصى لانتخابات عامة تحت إشراف أممي.

رابعًا: رفع العقوبات التصاعدية مقابل خطوات ملموسة في حقوق الإنسان؛ فالعقوبات الحالية تُفقر الدولة وتُضعف قدرتها على تقديم خدمات تُخفف التوتر الاجتماعي.

خامسًا: تمكين المجتمع المدني من رقابة الملف الأمني عبر لجان محلية مستقلة تتابع الاعتقالات وتُعلن عن أسماء المعتقلين فورًا، ما يقلل من حالة “الاختفاء السياسي”.

الترا سوريا

——————————-

 استعادة الأمن في سوريا ما بعد الأسد: دروس من الساحل والسويداء

لقد اختبرت أزمتان كبيرتان – واحدة في المناطق ذات الغالبية العلوية وأخرى في الجزء من الجنوب السوري الذي تقطنه غالبية درزية – الحكومة السورية الجديدة في عام 2025. لقد أدت استجابتها ثقيلة الوطأة إلى تنفير شرائح من المجتمع. لذلك، ومن أجل إبقاء المرحلة الانتقالية في البلاد على المسار الصحيح، يتعين عليها معالجة العيوب التي تعتري مقاربتها الأمنية.

[ترجمة من الإنكليزية]

ما الجديد؟ بعد نحو عام من سقوط بشار الأسد، حققت القيادة الجديدة في سوريا تقدماً ملحوظاً في إعادة تأهيل صورتها عالمياً، لكنها تواجه تحديات في مجالي الحوكمة والأمن في الداخل. وهذا يتطلب الانتباه المركَّز نفسه الذي بذلته في مجال العلاقات الخارجية.

ما الذي حدث؟ في عام 2025، انحرف تدخلان أمنيان رئيسيان عن مسارهما وتصاعدا على نحو أدى إلى ارتكاب فظاعات. حدث التدخل الأول في المناطق الساحلية والوسطى من سوريا التي يقطنها كثير من العلويين. وحدث الثاني في محافظة السويداء الجنوبية، وأدى إلى تدخل إسرائيل.

ما أهمية ذلك؟ لقد عمقت إراقة الدماء الانقسامات في المجتمع السوري وغذَّت تصورات بأن السلطات الجديدة لا تحمي جميع السوريين بالتساوي، ولا سيما في المجتمعات التي مُورس العنف ضدها. تهدد هذه النزعات بإثارة مزيد من الصراع، ويمكن أن تحرف مسار الانتقال نحو نظام مستقر في مرحلة ما بعد الصراع.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي أن تمنح دمشق الأولوية لدمج المجموعات المسلحة في الجيش، وفرض السيطرة والانضباط عليها، وإخضاع المنتهكين للمساءلة، وإشراك المجتمعات المحلية في الترتيبات الأمنية. في حين من غير المرجح أن يؤدي وضع شروط صريحة إلى نتائج إيجابية، ينبغي على الجهات المانحة الضغط من أجل إجراء تحسينات ملموسة في هذه المجالات.

الملخص التنفيذي

يُظهر الاستقبال الحار الذي حظي به الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، وفي البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، النجاح الملحوظ الذي حققته الحكومة في تلميع صورتها عالمياً – لكن هناك أشياء أخرى كثيرة ينبغي أن تفعلها. بعد نحو عام من سقوط بشار الأسد، شوّهت الانهيارات الأمنية المرحلة الانتقالية في سوريا. ففي آذار/مارس انزلقت الجهود الحكومية لإخضاع متمردين موالين للنظام الذي أطيح به إلى مذبحة طائفية. قُتل مئات المدنيين، وبشكل رئيسي من الأقلية الدينية العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد، والتي كانت ممثَّلة بقوة في نظام تلك العائلة. ثم، في منتصف تموز/يوليو، تصاعدت محاولة الحكومة قمع العنف بين الدروز والبدو في محافظة السويداء الجنوبية إلى مواجهة جرَّت إليها إسرائيل. من شأن نشوب مواجهات كهذه أن يحرف العملية الانتقالية عن مسارها. ولذلك، يتعين على الحكام الجدد تحويل انتباههم إلى تحديات الأمن الداخلي من أجل استعادة ثقة تلك الشرائح من المجتمع السوري التي تشعر أنها باتت غريبة عن النظام الجديد.

منذ وصول المجموعة الجهادية السابقة، هيئة تحرير الشام، إلى دمشق في أواخر عام 2024 واستلامها مقاليد السلطة، تنامى شعور في أوساط العلويين وغيرهم بأن لا مكان لهم في النظام السوري الجديد. في أواخر كانون الثاني/يناير، حل الحكام الجدد الأجهزة الأمنية للنظام القديم، الذي كان العلويون ممثلين فيه على نحو غير متناسب. أدت هذه الإجراءات إلى نشوء مجموعة كبيرة من الرجال العاطلين عن العمل ممن كانوا قد خضعوا لتدريب عسكري، ولم يعد لديهم أي آفاق مستقبلية تذكر، في بلد ما تزال تكثر فيه الأسلحة الصغيرة. ولذلك لم يكن من المفاجئ حدوث تمرد آذار/مارس.

أتت صدامات آذار/مارس بعد ثلاثة أشهر من عنف كان يتفاعل تحت السطح في المنطقتين الساحلية والوسطى من سوريا. كان معظم الضحايا من العلويين، الذين يحمِّلهم كثير من السوريين مسؤولية جماعية عن الانتهاكات التي مورست خلال حكم النظام الساقط. يبدو أن الانتقام كان في كثير من الأحيان الدافع الكامن خلف الهجمات، في حين أشارت لغة وسلوك المرتكبين على نحو متكرر إلى دوافع طائفية. بالنسبة لكثيرين في أوساط أقليات البلاد، أكدت التجربة شعوراً بأن حكام سوريا الجدد غير قادرين، أو ربما غير مهتمين، بحمايتهم، حيث يميل العلويون على نحو خاص إلى رؤية تهديدٍ وجودي لطائفتهم.

ثم، في تموز/يوليو، حاولت الحكومة إنهاء الاشتباكات بين البدو والدروز في السويداء على نحو دفع الدروز إلى الاعتقاد بأن دمشق تقف مع أعدائهم. وصب ظهور تقارير تفيد بحدوث انتهاكات طائفية على يد القوات الحكومية الزيت على نيران الانتقام. ارتفع عدد الضحايا إلى أكثر من ألف، مئات منهم من المدنيين، وهُجِّر نحو 200,000 نسمة. تدخلت إسرائيل، فهاجمت مدرعات حكومية قرب السويداء ومؤسسات دفاعية في دمشق، ظاهرياً لحماية الدروز، الأمر الذي أدى إلى الوصول إلى مأزق بين الجانبين ما يزال قائماً حتى هذا اليوم.

في حين تتفاوت مسببات هذه الجولات المتكررة من العنف، فإن الأخطاء في المقاربة الأمنية للحكومة كانت موضوعاً حاضراً على الدوام؛ ففي كل مرة دخلت فيها السلطات الصراع، استعملت قوة مفرطة وأرسلت قوات منفلتة وغير منضبطة. وأثبتت محاولات كبح جماح الانتهاكات، عندما كانت تُبذل، أنها غير كافية. لقد أسهمت هذه المشكلات مجتمعة مساهمة كبيرة في تصاعد اضطرابات كانت قابلة للإدارة إلى إراقة خطيرة للدماء.

ربما ما يزال هناك تحديات أكبر على الطريق. في البداية، وبعد انتزاع السلطة من نظام الأسد، مُنحت القيادة الجديدة ميزة الشك من السكان الذين أرهقتهم الحرب وكانوا يأملون بقدوم أيام أفضل. لكن بعد نحو عام، تشعر الأقليات، وأيضاً عدد متزايد من السوريين العلمانيين والليبراليين، بالإقصاء على نحوٍ متزايد. ويبدو أن الضرر يحدث على نحو تراكمي؛ فمع كل جولة من القتال وارتكاب الفظاعات الطائفية، يزداد عدد السوريين الذين يرون في دمشق تهديداً وليس حامياً. يمكن لهذه الديناميكات أن تفرض ضغوطاً على العلاقات المتوترة أصلاً مع الإدارة الذاتية التي يهيمن عليها الأكراد في الشمال الشرقي وجناحها العسكري، قوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على منطقة تشكل نحو 25 بالمئة من الأراضي السورية ولديها عشرات آلاف المقاتلين. يبدو أن مثال السويداء على نحو خاص أقنع كثيرين في الشمال الشرقي بأنه لا يمكن الثقة بدمشق، وأن الاحتفاظ بقوات مسلحة يبقى ضرورياً من أجل الأمن ومن أجل الحصول على حصة في العملية الانتقالية.

يتعين على الحكومة السورية أن تعالج على نحو عاجل الثغرات التي تعتري مقاربتها الأمنية، أولاً وقبل كل شيء من خلال تأسيس قيادة حازمة لجميع المجموعات المسلحة التي دمجتها في الجيش، وتحسين الاحترافية. وفي الوقت نفسه ينبغي أن تتجنب إرسال وحدات لا تتمتع بانضباط جيد إلى مناطق حساسة. يُحسب لدمشق أنها بدأت باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، بما في ذلك جعل إجراءات التجنيد في الجيش والأمن العام (قوات الأمن الداخلي في سوريا) مركزية، إضافة إلى تشديد إجراءات ومعايير التجنيد، وإعادة نشر بعض الوحدات الإشكالية بعيداً عن المناطق التي يمكن أن تحدث فيها أكبر ضرر إضافي.

لكن ينبغي فعل المزيد. يتعين على الحكومة تحسين قدراتها على وقف العنف في مرحلة مبكرة وبإجراءات تقلص احتمال التصعيد، بدلاً من زيادته. وينبغي أن يكون التدريب المحدد، الذي يركز على مشاركة المجتمعات المحلية، أولوية بالنسبة للأفراد الذين يتم اختيارهم لقوات الأمن العام. ستسمح المشاركة الفعالة للمجتمعات المحلية في توفير الأمن تحت إشراف السلطات المركزية بمواجهة التحديات بسرعة أكبر مما قد يتحقق بالاعتماد على نحو كامل تقريباً على قوات غير محلية، وفي الوقت نفسه يساعد في بناء الثقة في أوساط السكان المتأثرين. من أجل تحقيق الاستقرار في السويداء، ينبغي أن تعطي دمشق الأولوية لخفض التصعيد من خلال تقديم الخدمات والاندماج الاقتصادي، والعمل مع وسطاء محليين محترمين من أجل استعادة الثقة تدريجياً، وإيجاد الظروف الضرورية لإجراء حوار سياسي في المستقبل.

الأمر الأكثر أهمية هو أنه ينبغي على الحكومة أن تبعث بإشارات ذات مصداقية إلى أنها ستحمي جميع السوريين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والطائفية، من خلال خطوات ملموسة وواضحة. إضافة إلى ذلك، لا بد أن ترى جميع شرائح المجتمع السوري – الأقليات، وأيضاً الشرائح التي تنتمي إلى الأغلبية العربية السنية التي تختلف مع التوجه السياسي والاجتماعي للقيادة الجديدة – أدلة على أن بوسعها أن تساعد في صياغة مستقبل البلاد. لا يشكل الأمن والمشاركة ترفاً في سوريا اليوم، بل سيكونان شرطاً رئيسياً لبناء توافق اجتماعي حول نظام سياسي جديد يمكنه أن يعالج التحديات الماثلة أمام البلاد الآن، وفي المستقبل أيضاً.

دمشق/بروكسل، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025

————————————-

سنة على سقوط الأسد: تحليلات وتغطيات دولية

أبدت مراكز أبحاث ودراسات وتحليل عديدة، وكذلك وسائل إعلام ومواقع إخبارية، على نطاق دولي واسع، اهتماماً شديداً بتغطية أوضاع سوريا بعد مرور عام على سقوط النظام السوري، وانطواء 54 سنة من حكم الأسدين حافظ وبشار، يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024. ومالت معظم التعليقات إلى التشديد على التحديات الكثيرة التي تواجه سوريا، على مستويات اقتصادية وسياسية وأمنية وعمرانية وتنموية، بالنظر إلى مقادير التدمير الهائلة التي تسبب بها النظام منذ «الحركة التصحيحية» في خريف 1970، ثم 14 سنة بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية في ربيع 2011 حيث استخدم النظام مختلف وسائل القتل والردع والتدمير بما في ذلك البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية. كما استقدم التدخل العسكري الإيراني المباشر، عبر «حزب الله» اللبناني والميليشيات المذهبية العراقية والآسيوية، أتبعه بتدخل عسكري روسي في سنة 2015 كانت له مساهمة حاسمة في إنقاذ النظام وانتشاله من حافة السقوط.

«مجموعة الأزمات الدولية» نشرت تقريراً ركزت فيه على التقدم الملحوظ الذي أنجزته القيادة السورية الانتقالية، في استعادة موقع سوريا الدبلوماسي على الخريطة العالمية، وفي الآن ذاته مواجهة تحديات الأمن والحوكمة في الداخل، واعتبرت أن أبرز أزمتين واجهت سوريا الجديدة وقعتا في منطقة الساحل حيث الأغلبية السكانية تنتمي إلى الطائفة العلوية، وفي منطقة جبل العرب حيث الأغلبية درزية. وهذا يعني أن ملفات التعامل مع الأقليات الدينية والمذهبية يظل بالغ الحساسية، ويتطلب المزيد من الحلول العاجلة أو طويلة الأمد. وترى المجموعة أن الفظائع التي ارتُكبت في المنطقتين عمقت الانقسامات في المجتمع السوري «وغذَّت تصورات بأن السلطات الجديدة لا تحمي جميع السوريين بالتساوي، ولا سيما في المجتمعات التي مُورس العنف ضدها». وبالتالي فإن «هذه النزعات تهدد بإثارة مزيد من الصراع، ويمكن أن تحرف مسار الانتقال نحو نظام مستقر في مرحلة ما بعد الصراع».

«معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي توقف أيضاً عند نجاح السلطات الانتقالية في «إعادة تأهيل» علاقات سوريا الخارجية وحيازة الشرعية على مستويات إقليمية ودولية، لكنها تواصل الكفاح داخلياً من أجل مجابهة المصاعب والتركة الثقيلة التي ورثتها بعد عقود من حكم النظام البائد. وقد حث المركز دولة الاحتلال الإسرائيلي على إدراك أهمية إفساح المجال أمام الدولة السورية الجديدة للدخول في برنامج إصلاح وبناء وتنمية يضمن عدم وقوع البلد مجدداً في قبضة إيران. وضمن افتراق واضح عن خط العدوان والاحتلال والتصعيد والاستفزاز والتدخل الخارجي الذي تعتمده حكومة بنيامين نتنياهو، يقول تقرير المركز: هناك فرصة أمام دولة الاحتلال تجاه سوريا الجديدة «لاتخاذ قرارات شجاعة، وإدارة المخاطر، وترجمة منجزاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية. هناك فرصة من أجل اتفاقية أمنية سوف تساعد على الهدوء على طول الحدود وتفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية والمنطقة ككل». التقرير الصادر عن مكتبة مجلس العموم البريطاني يتناول مجموعة من العوامل الأساسية الفاعلة اليوم في سوريا الجديدة، وجرياً على مألوف الخطاب الرسمي الغربي، تحتل مسألة الأقليات مكانة الصدارة في التحليل البريطاني، تليها ملفات مثل ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا، ودلالات سقوط نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين، ومساعي روسيا للإبقاء على قواعدها في سوريا، والتوغل الإسرائيلي في مرتفعات الجولان، وما تبقى من جيوب لتنظيم «الدولة الإسلامية»، وصولاً إلى ما يتوجب على الحكومة البريطانية القيام به بصدد العلاقة مع حكومة أحمد الشرع الانتقالية. ورغم الإعلان عن حلّ نفسها اسوة بفصائل أخرى جهادية شاركت في عملية «ردع العدوان» والدخول إلى العاصمة وفرار الأسد إلى موسكو، يسجل التقرير أن «هيئة تحرير الشام» هي القوة الأعلى سيطرة على مقاليد الأمور في سوريا الراهنة، من دون إغفال الاستقلالية السياسية والعسكرية التي تتمتع بها مجموعات «قوات سوريا الديمقراطية»، «قسد»، في مناطق الشمال الشرقي.

وتحت عنوان «نجوم ضد الرايات السوداء» تحدثت أسبوعية «إيكونوميست» الإنكليزية عن الحرب التي تشنها السلطات السورية الجديدة ضد بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية» في البادية وأرياف حمص وحماة، واعتبرت أن انخراط الحكم الانتقالي في هذه الحرب إلى جانب التحالف كان بمثابة بطاقة أولى لكي يدخل إلى البيت الأبيض أول رئيس لسوريا منذ استقلالها في أربعينيات القرن الماضي. وإذا كانت هذه الخطوة واحدة من أبرز إنجازات الرئيس السوري الانتقالي على الصعيد الدبلوماسي ومسار رفع العقوبات نهائياً عن دمشق، فإنها مصدر قلق لمجموعات «قسد» الكردية التي تعتمد على المظلة العسكرية والسياسية الأمريكية، وزيارة الشرع إلى واشنطن تشكل عتبة أولى لاحتمال تبدل خيارات البيت الأبيض تجاه المسألة الكردية عموماً. وتكتب المجلة أن لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي ترامب، وسلسلة تصريحات الأخير الإيجابية حول السلطة الجديدة في سوريا، تعبّد الطريق أمام شراكة مثمرة تطوي خصومات الماضي الطويل.

موقع «روسيا بوست» بالإنكليزية استحضر سقوط نظام الأسد بوصفه هزيمة شخصية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بصرف النظر عن الذرائع التي تطرحها موسكو لتبرير موقفها من وقائع انهيار جيش النظام وأجهزته الأمنية على مسمع ومرأى القوات الروسية المتواجدة في قاعدتي حميميم وطرطوس. ذلك لأن رهان بوتين في سوريا كان يتجاوز إنقاذ نظام آيل إلى السقوط، واشتمل بالتالي على مطامع جيو ـ سياسية واقتصادية وعسكرية واستثمارية كبيرة، ولم تكن عواقب الاجتياح الروسي في أوكرانيا هي وحدها السبب وراء انكفاء موسكو وامتناعها عن نجدة الأسد حين بات السقوط محتوماً. وليس مفاجئاً، يتابع الموقع، أن خدمة المصالح المتبادلة بين موسكو وسوريا الجديدة سهلت زيارة الشرع إلى الكرملين والاحتفاء به، رغم وجود بشار الأسد لاجئاً وطريداً في موسكو.

القدس العربي

————————–

سوريا بعد التحول السياسي: بين مكاسب الحكومة الجديدة وتحديات الأمن والاقتصاد وإعادة بناء الدولة/ هبة محمد

بعد عام على سقوط نظام الأسد، تشهد الساحة السورية مرحلة مفصلية، تتقاطع فيها التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسط جهود الحكومة الجديدة لترسيخ الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ تمكنت الإدارة الانتقالية من تحقيق عدد من النجاحات، بحسب خبراء ومراقبين لـ«القدس العربي» أبرزها ضبط نسبي للوضع الأمني في المدن الكبرى، ورفع رواتب الموظفين، والحفاظ على سعر صرف الليرة، ومواجهة الفساد الإداري. كما أطلقت سياسة خارجية جديدة، عززت الانفتاح الدبلوماسي السوري وفتحت آفاقا لتحالفات دولية وإقليمية مهمة، مما منح الحكومة زخما سياسيا ملموسا.

وفي المقابل، ما تزال البلاد تواجه تحديات كبيرة تتعلق بحصر السلاح، وتنامي نفوذ الفلول وقسد، وتعقيدات الجنوب والساحل والسويداء، إلى جانب ضعف البنية الاقتصادية والبيئة التشريعية والقدرة المؤسسية على إدارة مرحلة ما بعد الصراع. وفي ضوء هذا المشهد، تستطلع «القدس العربي» آراء خبراء ومراقبين لتقديم صورة شاملة تظهر توازنا بين ما تحقق وما تعثر، وتكشف في الوقت ذاته حجم الاستحقاقات التي يتوجب على الإدارة الجديدة إنجازها لضمان انتقال مستقر يعيد للدولة قدرتها ووحدتها ودورها.

تقييم الوضع الأمني في سوريا:

بين التحسن التدريجي

واستمرار التحديات

في إطار قراءة عامة للمشهد الأمني، أوضح الباحث السياسي عباس شريفة لـ«القدس العربي» أن الوضع الأمني في سوريا يشهد تحسنا تدريجيا، مشيرا إلى أن الخط البياني للحوادث الأمنية يظهر انخفاضا ملحوظا. وقال شريفة إنه لا يمكن تصنيف الملف الأمني بشكل مطلق بين إيجابي وسلبي، بل يجب تقييمه من خلال نسب مئوية دقيقة للحوادث، مؤكداً أن التحليل الرقمي للبيانات يعكس اتجاه الوضع نحو التحسن.

في تفاصيل القضايا الأمنية، أشار شريفة إلى أن بعض القضايا الأمنية، مثل اختطاف نساء على أساس طائفي، كانت أقل من المتوقع. فعلى سبيل المثال، من بين 42 حالة تم التحقيق فيها، ثبتت حالة واحدة فقط كاختطاف حقيقي، ما يعكس تحسنا ملموسا في ضبط الأمن.

وعلى الرغم من هذا التقدم النسبي، اعتبر شريفة أن التحديات الأمنية لا تزال كبيرة، وأنه كان بالإمكان تحقيق نتائج إيجابية أكبر خلال فترة قصيرة لو لم تواجه الدولة بعض الارتباكات الداخلية والخارجية. وأكد أن دمج جميع مكونات الشعب السوري في أجهزة الأمن يمثل استحقاقا أساسيا لتحقيق الاستقرار، مشيرا إلى أن هذا المسار بدأ فعليا في طرطوس، حيث انتسب عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية إلى الجهاز الأمني، في خطوة تهدف إلى ضمان شمولية التمثيل داخل المؤسسة.

وأضاف أن الدولة نجحت في تقليص الحوادث الأمنية ومواجهة خطر تنظيمات «داعش» في مناطق عدة، إلا أن الملف الأمني في السويداء وشمال شرق البلاد (منطقة الجزيرة) لا يزال يراوح مكانه، نتيجة تدخلات خارجية وسيطرة بعض القوى المحلية على الواقع، إضافة إلى سياسات معينة انتهجتها الدولة.

ملفات عالقة

وأمام التحديات المؤجلة، فتمثل الملفات التي لم يتم حلها، بحصر السلاح بيد الدولة، والبت في أوضاع الموقوفين، بالإضافة إلى العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين، التي لم تطبق بشكل كامل حتى الآن. وفي ما يتعلق بالمؤسسات الأمنية، أكد شريفة أن مأسسة وزارة الداخلية والاستخبارات العامة شهدت تقدماً ملحوظا، حيث تحققت قفزات كبيرة في تطوير البنية المؤسسية لهذه الأجهزة، وهو ما يمثل إنجازاً مهماً ضمن جهود إعادة بناء منظومة الأمن في البلاد.

التحديات الاقتصادية

والسياسية الداخلية

أما التحديات العميقة التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، فهي تبدأ بالأزمة الاقتصادية المعقدة، مرورا بملف قسد والجنوب وتدخلات إسرائيل، وصولا إلى صراع الفلول ومحاولات إرباك الدولة. كشف المحلل السياسي الدكتور أحمد هواس لـ«القدس العربي» عن مجموعة واسعة من التحديات الداخلية والخارجية معا.

على المستوى الداخلي، يعتبر الاقتصاد أبرز هذه التحديات، وفي هذا الإطار قال هواس إن سوريا دولة فقيرة ومنهوبة ومدمّرة، «مع استمرار تأثير العقوبات المفروضة على النظام السابق، وعلى رأسها قانون قيصر، الذي يثقل كاهل الإدارة ويحد من قدرتها على التعافي الاقتصادي».

وأعتبر أن التحدي الثاني يتمثل في وجود «قسد» في مناطق تمثل ثروة البلاد، وهو ما يعرقل جهود توحيد الدولة والاستفادة من مواردها. ويصف هذه المناطق بأنها جيوب انفصالية لها مشروع سياسي خارج سوريا، وتتميز بتداخل قوى إقليمية ودولية، ما يجعل معالجة هذا الملف أكثر تعقيدا.

أما التحدي الثالث، فيتعلق بالجنوب، خصوصا بعد تمرد الشيخ الهجري في السويداء ومحاولة فصل المنطقة لصالح مشروع دولة مستقلة مدعومة من إسرائيل.

ووفقا للمتحدث فإن هذا التمرد «يبرز كتعقيد إضافي بسبب غياب الحدود المشتركة مع فلسطين المحتلة، ما يتيح لإسرائيل إمكانيات لتشكيل منطقة عازلة بينها وبين دمشق، وهو ما يشكل تحديا استراتيجيا كبيرا للحكومة السورية الجديدة».

التحديات الأمنية وملفات الفلول

وفي السياق ذاته، يشير هواس إلى استمرار نشاط الفلول وبقايا النظام، سواء داخل سوريا أو خارجها، ومحاولاتهم الضغط على الدولة للتأثير على سير عملها.

ويعتبر هذا الملف أحد أبرز تحديات الداخل، إلى جانب تحديات خارجية تتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك التساؤل حول إعادة العمل باتفاقية فض الاشتباك.

ويرى أن إسرائيل، وفق تقديره، لا ترغب في نجاح الإدارة السورية الجديدة، بل تسعى إلى إعادة نظام يتوافق مع مصالحها كما كان الحال سابقاً، ما يدفعها للضغط على الحكومة عبر ملفات داخلية متعددة.

ويشير هواس إلى تحد خارجي دائم يتمثل في علاقة الدولة بالأقليات، وهو ملف قديم يعود باستمرار إلى الواجهة، حيث يتعامل بعض الأطراف مع الحكومة الحالية بتشكيك، معتقدين أنها قد تحول سوريا إلى دولة إسلامية، بينما يطالب آخرون بإنشاء دولة علمانية خلال المرحلة الانتقالية.

الإنجازات والإخفاقات

في مواجهة التحديات

وفيما يتعلق بما أنجزته الحكومة مقارنة بما لم تحققه، يؤكد هواس أن الدولة تمكنت من رفع رواتب الموظفين بنسبة 200 في المئة، والحفاظ على سعر صرف الليرة، ووقف الاعتقالات التعسفية، كما ساهمت في الحد من الرشوة والفساد الإداري الذي كان منتشرا بشكل واسع.

ورغم هذه الإنجازات، يوضح أن هناك إخفاقات ملموسة، أبرزها إدارة ملف السويداء، الذي وصفه بأنه «فخ جرى نصبه بعناية لإحداث اضطرابات بين الدروز والبدو»، ما اضطر الدولة للتدخل لتأكيد سيطرتها، في ظل مراقبة إسرائيل لمحاولة تصوير المنطقة كمسرح لجرائم واسعة. ويشير إلى أن السيناريو نفسه لم ينجح في الساحل، حيث فشل مخطط تحويل المنطقة إلى منطقة تحت حماية دولية.

وحول الملفات العالقة من وجهة نظره، رأى هواس أن ملفات العدالة الانتقالية والقصاص من المجرمين ما تزال عالقة، نتيجة عدم تمكن الدولة بعد من بسط سيطرتها الكاملة على كامل الجغرافيا وإعادة بناء المؤسسات بشكل كامل. مشيرا إلى أن السوريين يرون الإنجازات التي تحققت كنصر مهم، إلا أن «هناك من يركز على السلبيات ويضخمها بهدف خلق كتلة حرجة تهدد استقرار الدولة، في ظل تعاون واضح بين فلول النظام وقسد والشيخ الهجري، مع دعم إسرائيلي وأطراف دولية أخرى لم تظهر مواقفها بعد».

نجاحات الفصائل والإدارة المدنية

وإزاء دور الفصائل والإدارة المدنية في صياغة المرحلة الانتقالية، والحفاظ على استمرارية المؤسسات. يستعرض الباحث السياسي منير الفقير لـ«القدس العربي» رؤيته حول ما تحقق من إنجازات، وما يهدد هذه الإيجابيات، إضافة إلى التحديات التشريعية والاقتصادية والإدارية.

وفي سياق تقييم المرحلة الراهنة، يرى الفقير أن أبرز الإيجابيات تكمن في توحد الفصائل، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، بعد سنوات طويلة من التشتت. و«قد أتاح هذا التوحد إدارة معركة حاسمة أنهت عقودا من الحكم الاستبدادي، وأفضت إلى تحرير البلاد والإفراج عن آلاف المعتقلين، مستفيدة من ظرف دولي موات، إضافة إلى القدرة على عقد صفقات فعّالة مع الأطراف المعنية، ما ساهم في وصول الثورة إلى دمشق».

كما يعزز هذا السياق ما يعتبره الفقير إنجازا ثانيا، وهو نجاح قوات «ردع العدوان» الممثلة للفصائل الثورية الموحدة في تنفيذ عملية تسليم واستلام منضبطة. وقد حافظت هذه العملية على عمل المؤسسات الحيوية مثل الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والبلديات، ما ضمن استمرارية الحياة اليومية للسكان ومنع حدوث فراغ إداري أو موجة فوضى، رغم محاولات بعض القوى السابقة وبقايا النظام الهارب في دمشق لإشاعة الفوضى والانفلات الأمني.

الدبلوماسية والانفتاح الداخلي

وانطلاقا من هذا الزخم الميداني، يضيف الفقير أن هذين النجاحين ساهما في نجاح الدبلوماسية السورية الجديدة في وضع البلاد على طريق استعادة دورها المحوري في الأمن الإقليمي، مع تحقيق اعتراف سياسي واسع من الدول الكبرى والإقليمية.

على المستوى الداخلي، يوضح الفقير أن الحكومة أظهرت قدرة ملحوظة على تعديل القرارات المثيرة للجدل، وهو سلوك مختلف جذريا عن عهد النظام السابق، ويعكس توجها أكثر انفتاحا على الرأي العام، بالتوازي مع توسع مساحة حرية التعبير والنشاط السياسي والاجتماعي. ويشير أيضاً إلى بدايات إعادة بناء المجال العام السوري الذي دمره الاستبداد، مع عودة عشرات المبادرات المدنية للعمل من الداخل السوري.

التهديدات المستقبلية

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى المتحدث، أن الحكومة ـ باستثناء ملفي الساحل والسويداء ـ تمكنت من الحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار الأمني ومنعت ظهور ميليشيات جديدة أو بروز أمراء حرب.

في المقابل، يحذر الفقير من أن استمرار السلبيات الحالية قد يقوض الإيجابيات على المدى المتوسط والبعيد. ومن هذه السلبيات استمرار تقديم الولاء على الكفاءة، رغم التحسن التدريجي في معالجة هذه الإشكالية، إلى جانب غياب بيئة تشريعية مناسبة وتأخر تشكيل مجلس النواب، ما يعزز المحسوبية ويولد الفساد من جديد. كما يشير إلى وجود هياكل حكومية موازية تتبع للرئيس مباشرة، ما يعكس ضعفا في منظومة الحوكمة العامة للدولة.

كما يلفت إلى أن البعد الاقتصادي يطرح تحديات لا تقل خطورة، إذ إن غياب التخطيط الاقتصادي والتنمية الشاملة، مع التركيز على الاستثمارات الخارجية وإهمال رؤوس الأموال الوطنية والمشاريع الصغيرة ورواد الأعمال، يمثل تحديا كبيرا. كما أن عدم تفعيل مسارات العدالة الانتقالية بشكل فعّال ساهم في زيادة الانقسام المجتمعي وتفاقم الأوضاع الأمنية في الساحل والسويداء. وأخيراً، يشير إلى أن الخطاب الإعلامي الرسمي ما يزال يعاني من ضعف المهنية، ويفتقر إلى خطاب وطني جامع، ما يشكل تحدياً إضافياً أمام جهود بناء الثقة والاستقرار.

السياسة الخارجية: توازن وفاعلية

وانتقالا إلى ملف السياسة الخارجية باعتباره أحد أبرز ملامح التحول في المرحلة الجديدة، يرى المحلل السياسي درويش خليفة أن الملفات التي أظهرت نجاحا واضحا هي ملفات السياسة الخارجية، التي اتسمت ـ وفق رأيه ـ بالتوازن والفعالية، رغم وجود بعض المطبات المتعلقة بالتصريحات الإعلامية، وهي أخطاء يمكن تجاوزها.

يشير خليفة لـ«القدس العربي» إلى أن السياسة الخارجية والانفتاح على الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى الدول الإقليمية وعلى رأسها تركيا والسعودية والإمارات وقطر، يعكسان تحولا جديدا في الاتجاه السياسي السوري، وانتقالا من المحور الشرقي نحو المحور الغربي الذي يقوم على مبادئ العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يراه ضروريا أن تعمل السلطة السورية عليه.

بناء على هذا التحول، يوضح المتحدث أن القرار الدولي الأخير 2799، الذي تضمن في جوهره رفع العقوبات عن الرئيس السوري ووزير الداخلية، تضمن أيضا فقرات تتعلق بمحاربة الإرهاب، وإيجاد حلول لملف المقاتلين الأجانب، ومكافحة «داعش» والمقاتلين المتطرفين في سوريا، مقابل انفتاح سوري أوسع ومشاركة سياسية أكثر شمولا.

ويرى خليفة أن السياسة الخارجية الموفقة للحكومة السورية هي التي أدت إلى لقاء الرئيس الشرع بنظيره الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك الرئيس الفرنسي ماكرون، إلى جانب قادة دول أخرى، يدل على مشهد سياسي جديد وتحالفات واصطفافات مغايرة، كانت جميعها نتيجة مباشرة للسياسة الخارجية الجديدة.

التحديات البنيوية

وتعقيدات المشهد الأمني

وعلى الرغم من هذا التقدم الخارجي، يشير خليفة إلى أن الملفات الصعبة والأكثر تعقيدا بقيت على الصعيد الداخلي، وخاصة ما يتعلق بعدم تقبّل شريحة واسعة من المجتمع السياسي السوري للنهج الذي اتبعته السلطة في بداية إدارة المرحلة الجديدة، قبل أن تبدأ هذه الإدارة بالتغير تدريجيا.

وبرأي المتحدث لـ«القدس العربي» فإن وجود سلاح «قسد» وسلاح الفلول يشكّل عقبتين مركزيتين، يضاف إليهما انتشار سلاح جديد لم يكن منظما سابقا، وهو سلاح ميليشيا «الحرس الوطني» في السويداء التابعة للشيخ حكمت الهجري. ويشير خليفة إلى أنه بدلا من أن تتحول سوريا إلى دولة مواطنة موحدة، تحولت إلى دولة مكونات ودولة ميليشيات، مما يعني أن هناك مخاطر حقيقية في حال لم تتدخل الولايات المتحدة والمجموعة العربية وتركيا لضبط السلاح المنفلت وتجميعه بيد المؤسسة العسكرية.

التدخلات الخارجية وتعقيدات الجنوب

وعلى مستوى التحديات الأخرى، يوضح خليفة أن أحد المطبات المستمرة يتمثل في التدخلات الخارجية، وعلى رأسها التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري. إلى جانب ذلك، يبقى ملف «قسد» وسلاحها والمواجهات المتكررة معها عاملا يزيد من تعقيد المشهد، فضلا عن شبه انصهار البيروقراطية السورية السابقة، ما أدى إلى إعادة هيكلة الوزارات وفق النموذج المتبع سابقا في إدلب.

إشكالات المشاركة الوطنية

وإعادة بناء الدولة

ويرى خليفة «أننا اليوم أمام سوريا جديدة ينبغي أن تكون لكل السوريين، وأن تتسع لمشاركة جميع مكونات الشعب السوري»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذا الأمر لم يتحقق حتى الآن. ولذلك، فإن العقبات الداخلية تبقى أكثر حضورا وتأثيرا من العقبات الخارجية، باستثناء ما يجري في الجنوب السوري من تدخلات مباشرة.

بموازاة ذلك، كشفت ورقة بحثية لمركز عمران للدراسات عن جملة من التحديات في الداخل السوري، مشيرة إلى ضبط الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية أبرز التحديات الداخلية التي تواجه الإدارة الانتقالية السورية بقيادة الشرع، وهما مرتبطان ارتباطا وثيقا بالقدرة على إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وتقديم خريطة طريق واضحة للمرحلة الانتقالية.

مكاسب الحكومة السورية بين التحديات الداخلية والانفتاح الخارجي

تشير القراءة المتكاملة لآراء الخبراء والمراقبين لـ «القدس العربي» إلى أن سوريا تعيش مرحلة تجمع بين مكاسب ملموسة حققتها الحكومة الجديدة، وبين تحديات معقدة ما تزال تتحكم في مسار البلاد. فعلى الصعيد الأمني، سجّلت المدن الكبرى انخفاضا واضحا في الحوادث وعودة تدريجية لعمل المؤسسات، غير أن مناطق الأطراف خصوصا السويداء والجنوب والجزيرة ما تزال خارج السيطرة الكاملة بفعل السلاح المنفلت وتدخلات القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى نشاط «قسد» والفلول.

أما في المجال الاقتصادي، فقد حققت الإدارة الانتقالية إجراءات تخفيفية كرفع الرواتب وضبط سعر الصرف والحد من الاعتقالات والفساد الإداري، غير أن ضعف البنية الاقتصادية واستمرار العقوبات وغياب التخطيط الشامل يجعل هذه الإنجازات محدودة التأثير ما لم تربط بإصلاحات هيكلية.

وفي ملف السياسة الخارجية، أظهرت الحكومة قدرة لافتة على فتح قنوات واسعة مع الفاعلين الدوليين والإقليميين، الأمر الذي منحها اعترافا دوليا متزايدا كما ظهر في لقاءات رفيعة المستوى وتحولات في مواقف بعض العواصم. ورغم أهمية هذه النجاحات، يبقى تأثيرها مشروطا بقدرة الدولة على معالجة أزماتها الداخلية التي تعيق الاستقرار.

كما تكشف رؤى الخبراء عن دور محوري للفصائل والإدارة المدنية في منع الفوضى بعد سقوط النظام، واستمرار المؤسسات الخدمية بالعمل، ما ساهم في سدّ الفراغ ومنع تفكك المجتمع المحلي. إلا أن التحديات البنيوية، خصوصا غياب بيئة تشريعية كاملة ووجود هياكل موازية وضعف الحوكمة، ما تزال تهدد بعرقلة جهود بناء الدولة الجديدة.

القدس العربي

——————————-

 عام على السقوط: سوريا المحاكاة والآبار المشقّقة/ أسعد قطّان

الأحد 2025/12/07

ثمّة حكاية في سوريا عنوانها العالم الذي رحل والعالم الذي لم يولد بعد. إذا كان الذي رحل قد رحل فعلاً، فإنّ هذا الذي لم يولد بعد لا يتنزّل من السماء، بل يُستولد. والطريق إلى استيلاده تستوجب الكثير من الحصافة، والكثير من التواضع، والكثير من القدرة على الحوار، والكثير من الإيمان بالإنسان بوصفه «حيواناً» اجتماعيّاً وسياسيّاً. لكنّ هذا كلّه يكاد يكون غائباً عن وعي الساسة الذين آلت إليهم مقاليد السلطة على ضفاف بردى، كأنّ منتهى أمانيهم أن يطوّعوا الجديد مستنجدين بالقوالب القديمة. لكن دون ذلك قول نجّار الناصرة: “وليس أحد يجعل خمراً جديدةً في زقاق عتيقة”.

بعد انقضاء سنة على انهيار النظام الطاغوتيّ في سوريا، يبدو أنّ هناك مَن زيّنت له نفسه أنّه يستطيع استنساخ تجارب الماضي كأنّ الثورة السوريّة لم تحصل. هذا الاستنساخ ذو وجوه وتضاعيف كثيرة:

أوّلاً، التصوّر الهلاميّ أنّ مشكلة مَن لا يشاطرنا الرأي يمكن حلّها عبر اللجوء إلى العنف والقمع والذبح.

ثانياً، العزوف عن استدخال الآخرين، ولا سيّما العقلاء، وحصر السلطة برجل واحد أو بحفنة من الرجال لا يفقهون معنى التشارك في السياسة.

ثالثاً، الإمعان في محق المجتمع عبر تعطيل قيام الأحزاب وتحويل الشعب إلى مجرّد كتل طائفيّة يتكلّم باسمها «رجال» دين أقلّ ما يقال فيهم إنّهم أغبياء مصابون بلوثة السلطة، وأكثر ما يقال فيهم إنّهم أربّة أجهزة المخابرات.

رابعاً، تحويل إدارات الدولة إلى مساحات للا-قانون والكيفيّة والعسف يتحكّم فيها «شيوخ» جهلة بعدما كان يتحكّم فيها العسس.

خامساً، الوقوع في فخّ الثنائيّات القاتلة على حساب المواطنة التي تحتضن التنوّع وتصونه بريف العين: الغالبيّة والأقلّيّة، المركز والأطراف، المذهب الحنيف والمذاهب الهامشيّة.

تطول اللائحة والخلاصة واحدة: الاستعاضة عن الاستبداد السافر بالاستبداد المنقّب في حين أنّ فوضى الخطف والترويع والانتقام تكاد تبتلع كلّ شيء.

في الأنثروبولوجيا وعلم السلوكيّات النفسيّة، يسمّون هذه الظاهرة “محاكاة” (mimestism). للمحاكاة أكثر من نموذج لعلّ أبرزها، في سياق الجماعات ذات الذاكرة المجروحة، نموذج الضحيّة المهجوسة بجلّادها، فتجدها تتخلّق بأخلاق هذا الجلّاد، وتسعى إلى مداواة جراحها عبر بزّه في غيّه واستبداده. هذا الضرب من المحاكاة المريضة يحتاج إلى علاج. والعلاج لا يكون بالتعتيم على الجرح أو التعاطي معه بالخطابيّات المثقوبة. ثمّة مسار علاجيّ قوامه العدالة والعدل، ويقتضي الإحجام عن الانتصاريّات المزيّفة، والسماح للمجتمع بأن يرمّم ذاته سياسيّاً. وهذا لا يتسنّى من دون المسارعة إلى بناء هيكليّات تحمي الحرّيّة، وتضمن الحدّ الأدنى من العدل، وتتيح نشوء أحزاب عابرة للأديان والطوائف.

بعد مرور سنة على تهافت أسوأ نظام عربيّ في العصر الحديث، ثمّة في الشام مَن يحفر لنفسه آباراً مشقّقةً لا تضبط ماءً، كما كتب إرميا النبيّ ذات يوم. يحسب أنّ العلاقات بالخارج أهمّ من المِنعة في الداخل. ويفترض أنّ نجاعة الترتيبات الاقتصاديّة تداوي الأمان المنتقص والهوّة الفاغرة بين الشعور بالغلبة والشعور بالإحباط. ولا يأخذ في الحسبان أنّ فيروساً غير مرئيّ يستطيع أنّ يهدّ الجسم برمّته إذا لم يكن ثمّة جهاز مناعة يتصدّى له بفاعليّة. والحقّ أنّ مناعة المجتمعات لا يصنعها تغليب فئة على أخرى أو مذهب على آخر، بل العدل، والعدل وحده، الذي هو أساس المُلك ومِلحُهُ. فإذا فسد الملح، فبماذا يملَّح؟

المدن

——————————–

المجلة” في شوارع دمشق ومقاهيها… سنة من “إطفاء الحرائق”/ صبحي فرنجية

آخر تحديث 07 ديسمبر 2025

عام مضى على سقوط الأسد وحكمه، المدن السورية لم تتغير من ناحية الشكل وحجم الخراب، فلا المال الدولي والاستثمارات بدأت تظهر بشكل واضح

في دمشق، يُخبرني سائق التاكسي أن المدينة باتت غريبة عليه، اعتاد أن يراها مليئة بالعسكر الذين يُفرغون جيوبه كلما مرّ من نقطة تفتيش، مدينة يظللها الخوف، والفقر، والإذلال المُمنهج من قبل نظام الأسد.

حدّثني عن الحياة التي عادت إلى المدينة، الوجوه الجديدة التي ملأت شوارعها، عن أربعة زبائن أجانب بذل جهدا في التفاهم معهم لمعرفة المكان الذي يريدون الذهاب إليه والتعريفة المتوقعة للرحلة، وعن السوريين الذين يركبون معه، بعضهم يتحدث عن الفرحة بالخلاص من الأسد وحكمه، وآخرون عن السياسة والتغيير وأهمية انفتاح الحكومة أكثر على أصحاب الكفاءات و”عدم التقوقع داخل دائرة من معنا ومن ضدّنا”، وآخرون يشتكون من غلاء الأسعار، والازدحام، وارتفاع سعر الخبز “لحم الكتف” كما يُسميه كثير من السوريين.

وصلت وجهتي، أعطيته النقود، قال لي: “كنت أدفع نصف هذه النقود للحواجز، إن شاء الله ذاهبون للأفضل، لكن يلزم صبرٌ منّا، وحكمة أكبر من أهل القصر”.

طوابير الناس كثيرة، لكنّها ليست أمام الأفران أو على أبواب محطات الوقود، تراها في وزارة العدل بحثا عن الخلاص من أحكام الأسد بحقهم، وفي مؤسسات وزارة الداخلية لاسترجاع حقوقهم المسلوبة، وفي وزارة الخارجية لتصديق أوراق تساعد أهلهم في الخارج، وأمام الصرّافات الآلية لسحب النقود. يُخبرني شاب كان في وزارة العدل: “اعتقلت عدّة مرات، آخرها كانت بتهمة الإرهاب، سلبوا أموالي وحقّي في العيش دون شبهات، اليوم أنا أعمل على استعادة صفتي كمواطن سوري عاديّ، لا حكم عليه، ولا أملاك له مصادرة. أقف في الطابور مع العشرات من السوريين. ما زلنا نعاني من تعقيدات الأنظمة التي وضعها الأسد في الوزارة. الحكومة ما زالت في طور التطوير والتعديل، لكنهم يحتاجون إلى كفاءات كثيرة. هي المرّة السادسة التي أقف فيها في الطابور، كلّ مرّة يُطلب مني ورقة أو توقيع”، ويختم حديثه: “لا خيار أمامنا إلا الصبر، ونأمل أن لا تستمر حالة الشلل هذه طويلا”.

في المقاهي الدمشقية يتجمّع السوريون، يكفي أن تُنصت قليلاً، لتسمع هموم الناس وآمالهم، الجميع فرح بعام من الحرية دون قيود وبطش الأسد، لكنّهم قلقون من المستقبل، يتحدثون عن غلاء الأسعار، عن الازدحام القاتل، عن مخاوف من عودة المحسوبيات إلى مؤسسات الدولة، عن ضرورة بذل جهود أكبر في ملفات المفقودين، والعدالة الانتقالية، وشفافية أكبر في العلاقات الدولية، غاضبون من انفتاح الحكومة السورية على الروس، لكنهم يتفهمون ضرورة التفاهم مع موسكو التي تمتلك قواعد عسكرية في سوريا، قلقون من حالات الطرد التي طالت كثيرا من السوريين العاملين في القطاع الحكومي، ويقولون إن ذلك ربما يخلق عدواً جديدا في الداخل وليس كل من عمل في مؤسسات الحكومة هو مؤيد للأسد، يقترحون حلولا لمعالجة القضايا العالقة في الداخل وآليات التعامل مع إرث الأسد المُدمّر. يُجمعون على ضرورة نجاح التجربة الجديدة في سوريا وأهمية دعم كل جهود إرساء الأمن والاستقرار في البلاد.

في قهوة صغيرة قرب حمص، يجلس بعض الشباب، يتحدثون عن التوتر الكبير بين أهالي حمص، يحاولون البحث في كيفية تخفيف هذا التوتر، يقترح أحدهم أن يكون الشباب الأصدقاء في الأحياء هم زناد الأمان في أحياء العلويين والمسيحيين والسنّة، أن يكون الحرّاس دون سلاح، يجلسون ويتناوبون على مداخل الأحياء، يلقون التحية ويبتسمون للمشاة والأهالي. يُعقب آخر على الفكرة بالقول “نحتاج من الحكومة أن تدعم خطواتنا بتسهيل جلسات دورية مع الأهالي ليتحدثوا عن مخاوفهم، ويُفرغوا توترهم، ويقترحوا حلولا لبناء وتمكين الثقة فيما بينهم، علينا أن نعمل بحذر فإرث الأسد الشيطاني عميق ويحتاج وقتا لتغييره”. يجول المرء شوارع حمص وقراها، يستشعر الخوف الذي يتملّك الناس، ويستشعر الأمل أيضا في أعينهم، وكأنهم جميعا يسألون عن الخلاص وسط الظلمة الممتدة لعقود مضت.

ملفات عديدة ما زالت تُعيق جهود الدولة، ملف الساحل المرتبك بين إرث الماضي وتعقيدات العلاقة مع الحكم الجديد، خوف في كل مكان هناك، وقلق بين مكونات الساحل، يبحث الأهالي عن ممكنات لتخفيف التوتر، وتبحث الحكومة عن ممكنات لبسط الأمن في المنطقة، يتحدّث عنصر من الأمن الداخلي في اللاذقية عن التعليمات الصارمة من قبل وزارة الداخلية، لا اعتقال دون سبب ودليل، أي مظاهرة محمية مهما كانت شعاراتها، وضرورة أن يكون الأمن الداخلي مصدر الأمان لا مصدر الخوف، الجميع لديهم تعليمات، ما حصل في مارس/آذار الماضي لا يمكن أن يتكرر، وكلّ مسؤول عن سلوكه أمام قيادة الأمن العام. يتحدّث عن خطر فلول النظام وخلايا “داعش”، ويتساءل عن غايات “داعش” من محاولة الوصول إلى الدرباسية والساحل السوري.

الجنوب السوري هو الآخر مرتبك، وأهله يعيشون على “حافة الخراب” على حدّ قولهم، فإسرائيل تهدد أمنهم من خلال تدخلاتها، والخلاف بين الحكومة السورية وفصائل السويداء يؤرق تصوراتهم عن المستقبل، كثير من الأهالي يُمسكون على مدخراتهم، فلا يعلمون مصير الجنوب السوري في ظلّ التعقيدات الأمنية الداخلية والإقليمية. يؤكد كثير منهم استعدادهم للمساعدة في حلحلة الإشكاليات الحالية، وضرورة وضع حدّ لإيران وميليشياتها ومنعهم من التمدد من جديد، وجوهرية التوصل إلى حلول مع التدخلات الإسرائيلية، وحلّ الخلاف بين دمشق وفصائل السويداء. يقول محام من درعا: “علينا أن نتكاتف جميعا، لا يمكن الاستمرار في ظلّ هذا الواقع، حلّ مشاكل الجنوب ضرورة وخطوة جوهرية في طريق بناء مستقبل آمن ومستقر في سوريا”.

الحديث عن شرق الفرات لا يغيب عن طاولات السوريين، الجميع يسأل عن مستقبل الملف، هل سيتحقق الاتفاق بين الحكومة و”قوات سوريا الديمقراطية”، أم إن الحرب قادمة؟ يخفضون صوتهم عند الحديث عن ممكنات الحرب، وكأنهم يريدون أن لا يسمع أحد عنه، كي لا يُصبح خيارا، فالحرب في شرق الفرات ستكون مكلفة. يتذكرون كوارث الساحل السوري شهر مارس الماضي، والسويداء في يونيو/حزيران الماضي. أهل الشرق السوري يتوقون لانضمام مناطقهم إلى الجغرافيا السورية بشكل كامل، لكن دون تكلفة بشرية. أبو محمد، رجل من مدينة الرقة في الثمانينات من العمر، يقول: “السلم سيّد الحلول، نأمل أن تكون الرقة والشرق السوري أصدقاء دمشق دون دماء”. 

عام مضى على سقوط الأسد وحكمه، المدن السورية لم تتغير من ناحية الشكل وحجم الخراب، فلا المال الدولي والاستثمارات بدأت تظهر بشكل واضح، ولا الانفتاح السوري على العالم شكّل فارقا على حياة المواطن، فحرائق الأسد كثيرة، حرائق الجغرافيا الإقليمية التي سببتها سياسة الأسد في تفخيخ سوريا بالميليشيات الإيرانية والمخدرات، ومنح روسيا قواعد عسكرية لمساعدته في قمع المواطن السوري واستخدامها كورقة في مواجهة الغرب ونفوذه في الشرق الأوسط والمياه الدافئة، حرائق الجغرافيا تلك جعلت سوريا عامل تخريب في تركيا، لبنان، اليمن، العراق، أوكرانيا، وأفريقيا. والمخدرات السورية أرّقت دول الإقليم، الخليج العربي، والدول الأوروبية. يُضاف إليهم تنظيم “داعش” الذي سهّل له نظام الأسد عوامل الظهور، هذا الكابوس الذي ابتلع الأسد وكل السوريين، وحوّل سوريا إلى قبلة لكل المتطرفين في العالم.

عام مضى على سقوط الأسد وحكمه، وما زال السوريون يعيشون تداعيات عقود من سياسات التفكيك المجتمعي والتحشيد الطائفي المتعدد الذي انتهجه نظامي الأسد الأب والابن ورجالهما، فخخوا الشعب السوري، يخلقون الفوضى في مكان ما، ويمسكون المؤقت في مكان آخر، فككوا نفوذ العشائر، أججوا صراعات البدو والدروز، حكّموا جماعة الأسد (وليس الطائفة العلوية) في الساحل، فخخوا المجتمع الكردي وسلبوا حقّه، وغيّروا ديمغرافيا مدن كثيرة ليتمكنوا من حكم السوريين وقمعهم. تداعيات سياسات الأسدين يعيشها السوريون، من ناحية الثقة المتأرجحة ببعضهم البعض، وربط بعض الأحدث بالبعد الطائفي، والخوف من التغيير.

عام مضى، الحكومة السورية ورئيسها أحمد الشرع يعملون في إخماد الحرائق، وتعبيد الطرق الإنسانية والاقتصادية والسياسية عبر بناء تحالفات جديدة تُخرج سوريا من عزلتها وتفتح الأبواب أمام مستقبل سوري لا يعرف الاصطفاف، ولا يتدخل في علائق الإشكاليات الدولية، يريدون أن تبرد مخاوف العالم من سوريا، وتزداد ثقة الدول في الخطوات السورية الجديدة، تمهيدا لدخول الاستثمارات الدولية، وعودة رجال الأعمال السوريين لبناء وطنهم والاستثمار فيه، فالقبول الدولي والثقة السورية بالحكومة عوامل أساسية لبناء سوريا وترسيخ استقرارها وبسط الأمن فيها.

الفرحة لا تُخفي نفسها باقتراب ذكرى انتصار الثورة السورية، العلم السوري يرفرف في كل الشوارع والمقاهي، ومع كل ابتسامة وحديث عن معركة “ردع العدوان” ترى الألسن تلعن زمن الأسد، تحضيرات كثيرة في ساحة الأمويين بدمشق، في المطاعم والمقاهي، في حمص، حلب، إدلب، الجنوب، دير الزور، والساحل السوري، الجميع يحتفلون ويستعدون لعام جديد، يأملون أن تكون جهودهم وجهود حكومتهم في إخماد الحرائق أقل، وأن يكون سعيهم لبناء البلاد هو الهدف الرئيس، لا أن تضيع طاقات وجهود الحكومة والشعب في تفكيك ألغام الأسد الاجتماعية والعسكرية.

عقود حكم آل الأسد حوّلت سوريا إلى قنبلة مؤقتة والسوريون جميعا يحاولون إبطالها منذ 8 ديسمبر الماضي.

————————–

الانفتاح العربي والدولي على «سوريا ما بعد الأسد»: احتضان التحوُّل الاستراتيجي وتأمين الانتقال إلى «دولة طبيعية»/ رلى موفّق

بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقفت سوريا على مفترق طرق حاسم، إذ خلَّفت سنوات الحرب الطويلة دولة منهكة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. في هذا المشهد المعقّد، برزت شخصية الرئيس أحمد الشرع كقائد يسعى لاستغلال الفرصة التاريخية لإعادة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، عبر سياسة تتّسم بالواقعية والانفتاح، أطلق عليها مراقبون سياسة «صفر مشاكل»، التي تهدف إلى إعادة بناء الدولة المدمَّرة من دون انغماس في صراعات إقليمية أو خلافات داخلية مستمرة.

شهدت سوريا تحوّلاً استراتيجياً مفصلياً: إخراج إيران وميليشياتها، وقطع جسر التواصل بين طهران وبيروت عبر أراضيها. كان نظام الأسد يمثل الحلقة الاستراتيجية للتمدُّد الإيراني في المنطقة، وبالتالي يضمن بقاء النفوذ الإيراني في سوريا لطهران موطئ قدم على شواطئ المتوسط ويحمي مشروعها التوسعي العقائدي ويوفِّر لها مقعداً على طاولة القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، خصوصاً عند نقاط التماس بين إسرائيل والدول التي تتحكم بقرارها أذرع الحرس الثوري الإيراني.

بدأت «سوريا الجديدة» تشقّ طريقها في اتجاه ربط ما انقطع مع العرب والغرب بعد عزلة وحصار اقتصادي وسياسي. وبدا الشرع يقود سياسة براغماتية تعتمد على حسن الجوار والتنمية الاقتصادية وفتح جميع القنوات الدبلوماسية والاقتصادية للاستفادة من الفرص المتاحة لإعادة إعمار سوريا، وضخ استثمارات في قطاعات الطاقة، والموانئ، والاتصالات، والصناعة، والزراعة عبر اتفاقيات استراتيجية لتطوير البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة.

ومع إدراكه الكامل لموقع بلاده الجغرافي والسياسي في قلب الشرق الأوسط الجديد، انطلقت استراتيجية الشرع التي اعتمدها، ولا يزال، على مسلمة أن الأمن والاستقرار شرطان أساسيان للنجاح الاقتصادي والتنموي، وهو ما يُفسِّر تركيز الحكومة السورية على التعاون مع القوى الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، ومنع تهريب المخدرات عبر الحدود، وضمان استقرار المناطق الحدودية مع الأردن وتركيا، وإسرائيل. تجعل هذه الأبعاد من رؤية الرجل خارطة طريق متكاملة لسوريا تجمع بين المصالح الوطنية والتنمية الاقتصادية، مع السعي لتثبيت موقعها كعامل استقرار محوري في الشرق الأوسط الجديد.

لا شك في أن المنطقة، بعد السابع من أكتوبر 2023، دخلت عصر التحوّلات الكبرى التي لا يمكن عزل تبدّل المشهد في سوريا عنها. شكَّل سقوط نظام الأسد وصعود الشرع منعطفاً جذرياً في مقاربة الدول العربية والدولية تجاه سوريا. فبعد أكثر من عقد من العزلة والصراع المسلح والانقسام الإقليمي والدولي حول الموقف من دمشق، برزت ديناميات جديدة جعلت سوريا محوراً لإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط.

لم يكن هذا الانفتاح حدثاً معزولاً ولا مبادرة مجاملة، بل جاء ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تبنتها عواصم عربية وغربية على حدّ سواء، مدفوعة بمتغيرات إقليمية حادة وحسابات اقتصادية واستراتيجية عميقة. الانفتاح العربي والدولي على سوريا كان متعدّد الأبعاد: سياسي، واقتصادي، وأمني، واستثماري، ويهدف إلى إعادة بناء الدولة، وجذب الاستثمارات، وتأمين الاستقرار الداخلي، وتهيئة سوريا لتكون جزءاً من مشروع إقليمي شامل للسلام والاستقرار في المنطقة. وترتبط الأبعاد السياسية لهذا الانفتاح، بشكل مباشر، بما توفره القيادة السورية الجديدة من ضمانات لاستعادة الدولة المركزية، وإدارة علاقات متوازنة مع جيرانها والدول الكبرى، مع إبقاء سوريا محوراً جاذباً للاستثمارات الأجنبية والعربية.

لا شك في أن أحد العوامل الأساسية التي دفعت الدول العربية والغربية إلى إعادة احتضان سوريا هو إدراكهم أن استمرار الدولة السورية في حالة فراغ سياسي كان سيؤدي إلى فراغ أمني، وتصاعد التطرف، وانتشار النفوذ الإيراني بشكل غير منضبط، واستمرار النزوح الجماعي. وبرزت هنا الرؤية البراغماتية للرئيس السوري، التي أُسِّست على فكرة أن سوريا يجب أن تتحوَّل من ساحة صراع إلى محور استقرار، مع دمجها اقتصادياً وسياسياً في مُحيطَيها العربي والدولي. فمنذ الأيام الأولى لإدارة الشرع، تبلورت ملامح رؤية تقوم على فتح الاقتصاد والتحالف مع الدول العربية قبل الإقليمية وإعادة سوريا إلى مركز القرار العربي، وتحييد المحاور، واعتماد سياسة أبواب مفتوحة مع الغرب. شجع هذا النهج الدول العربية والغربية على التعامل مع دمشق كحكومة راغبة في الإصلاح لا كامتداد لنظام معزول.

يلعب الموقع الجغرافي لسوريا دوراً أساسياً في جذب الانفتاحَين العربي والدولي، فهي نقطة التقاء مع حدود تركيا شمالاً، والعراق شرقاً، والأردن جنوباً، وإسرائيل في الجنوب الغربي، ولبنان غرباً، مع شواطئ على البحر المتوسط. هذه الوضعية الاستراتيجية تجعل سوريا في قلب التوازنات الإقليمية، إذ يصبح الحفاظ على استقرار الحدود مع إسرائيل عاملاً جوهرياً في السياسة الأمنية، وعدم زعزعة الاستقرار الداخلي، بما يُسهم في جذب الاستثمار الخارجي، وتسهيل إعادة الإعمار، وتعزيز دور سوريا كلاعب مؤثر في مشروع السلام الإقليمي الكبير، ضمن إطار تحالفات وتفاهمات مع القوى الإقليمية والدولية.

شكَّلت تركيا الداعم الأساسي في المعركة الاستراتيجية التي أدت إلى سقوط الأسد. وتعامل الأردن مع سوريا الجديدة كشريك استراتيجي في معركة مكافحة تهريب المخدرات ليس كمسألة أمن محليّ فقط، بل حماية للمجتمع الإقليمي بأسره من تداعيات انتشار المخدرات. وكانت الدول العربية التي احتضنت الحكم الجديد متعددة، وعلى رأسها السعودية وقطر والإمارات، كل واحدة منها قدَّمت نوعاً من الدعم السياسي والاستثماري. وفَّرت السعودية بثقلها كـ»دولة قاطرة» غطاء سياسياً واستثمارياً لإعادة دمج سوريا في المحيط العربي وتشجيع الاستقرار. فحين زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرياض في أيار/مايو 2025، أعلن انه سيرفع العقوبات عن سوريا بطلب من ولي العهد السعودي، وكان لقاؤه الأول مع الشرع في العاصمة السعودية بحضور ابن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر اتصال عن بُعد. أشار ترامب لاحقا إلى أن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا عملت عليه أيضاً دولة قطر.

نُظر إلى قرار ترامب على أنه خطوة تاريخية تجاه إعادة دمج سوريا في النظام الدولي والاقتصاد العالمي بعدما تغيَّرت المعادلة السابقة التي كانت تضع دمشق في «محور الشر». لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تأمين غطاء لرؤية الشرع، من خلال دعم جهود مكافحة الإرهاب، وضمان استقرار الحدود مع إسرائيل، وإضعاف إيران، ودعم مسار سياسي يضمن انتقالاً مستقراً، ورفع العقوبات، بما يُمهِّد الطريق لإطلاق المبادرات الاقتصادية والدبلوماسية مع خلق أرضية لمبادرات سلام إقليمية مستقبلية. ومكّنت التفاهمات العربية – الأمريكية دول الخليج والأردن ومصر من بناء «ممر عربي» لاحتضان الشرع سياسياً. في واقع الأمر، يُمارس ترامب الذي يقود مشروع السلام في الشرق الأوسط الجديد، ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعدم تقويض جهود الدولة السورية الجديدة وخلق القلاقل الداخلية من خلال دعمها الدروز ولعب دور من خلف الستارة مع أكراد سوريا والعلويين.

ثمة تحوُّل كبير على المستوى الأمني، فسوريا أصبحت جزءاً من تحالف مكافحة تنظيم «داعش»، مع تبادل استخباري وأمني مع دول التحالف. وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» قبل أيام عن استهداف مواقع لـ«داعش» بفعل هذه الشراكة الأمنية.

أتاح رفع العقوبات الجزئي لسوريا فرصة ذهبية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والعربية، خصوصاً في مجالات النفط والغاز، والبنية التحتية، والمرافئ، والمدن الصناعية. حذا الاتحاد الأوروبي حذو الأمريكيين، برفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية المتبقية، شمل إزالة تجميد أصول 24 كياناً من بينها مصرف سوريا المركزي وشركات في قطاعات حيوية مثل النفط، والتكرير، والقطن، والاتصالات، وشكَّل هذا التحوُّل القانوني والدبلوماسي نقطة تحوُّل في المناخ الاستثماري نحو سوريا. وأصبحت الشركات الدولية أكثر استعداداً لدخول السوق السورية، مع توقعات بعوائد طويلة الأمد، لكنها تتنظر إقرار الكونغرس انتهاء المفاعيل الكاملة لـ«قانون قيصر»، والذي من المتوقع أن يحصل في غضون أسابيع خلال التصويت على الموازنة الأمريكية الجديدة، مع العلم أن الحكومة السورية عملت على وضع استراتيجيات مرنة لتجاوز القيود، بما في ذلك إبرام شراكات إقليمية مع دول عربية وغربية لإعادة تشغيل الاقتصاد، وتأمين مصادر التمويل الضرورية لمشاريع الإعمار والطاقة والزراعة.

موسكو، التي كانت الحاضن لنظام الأسد، أعادت تقييم سياستها في الشرق الأوسط. وكانت أول الإنجازات لزيارة الشرع إلى الكرملين تثبيت الدعم الروسي للمرحلة الانتقالية بقيادة الشرع، بحيث تُبدي مرونة استراتيجية تجاه الحكومة الجديدة التي تعاملت، بدورها، بالقدر نفسه من المرونة الاستراتيجية، سواء على مستوى إعادة تقييم وجود القوات الروسية في سوريا أو إعادة هيكلة الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية السابقة.

جاءت كلفة الحرب في سوريا باهظة، بحيث تحتاج عملية تعافي سوريا سنوات طويلة، ولا بدَّ من الإسراع في قطار التنمية والبناء. استضامت سوريا منتدى الاستثمار السوري – السعودي في تموز/يوليو 2025، الذي أفضى إلى توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة نحو 6 مليارات دولار، تشمل قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والخدمات. كما تم توقيع اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار لتأمين بيئة قانونية جاذبة لرؤوس الأموال السعودية، مما سيسهم في تحفيز الاقتصاد السوري.

وأطلقت الحكومة السورية، على مستوى المشاريع الكبرى، سلسلة من الاتفاقيات تُمثِّل البنية الأساسية للنمو الاقتصادي المستقبلي؛ في قطاع الطاقة، تمَّ قبل أيام عقد اجتماع تمهيدي مع شركة «شيفرون» الأمريكية لاستكشاف النفط والغاز في السواحل السورية، إضافة إلى إعادة تأهيل الحقول البحرية، وتطوير الغاز الطبيعي وربطه بالشبكات الإقليمية، ومشاريع لتوليد الكهرباء. مثَّـل اللقاء أول خطوة رسمية لعودة شركة أمريكية كبرى للعمل في قطاع الطاقة السوري منذ أكثر من 12 عامًا. يمنح وجود شركة كبرى مثل «شيفرون» رسالة قوية للمستثمرين بأن سوريا تحت إدارة جديدة قادرة على ضمان شروط عمل أمام شركات عالمية. هذا قد يشجِّع دخول شركات أوروبية وأمريكية أخرى إلى السوق السوري في مجالات الطاقة، واستخراج الغاز، والكهرباء، وحتى التكرير.

أما في المرافئ البحرية، فيجرى تطوير مرفأي طرطوس واللاذقية عبر شراكات مع شركات أوروبية وخليجية (إماراتية وقطرية) لتسهيل النقل البحري الدولي. كما أطلقت الحكومة مشاريع ألياف بصرية تربط سوريا بالدول المجاورة وأوروبا، دعماً للتحوُّل الرقمي والتجارة الإلكترونية.

وفي قطاع الكهرباء، تم إعادة تأهيل المحطات وربطها إقليمياً مع الأردن والعراق، إضافة إلى شراكات مع شركتَي «سيمنز» الألمانية و«كيبكو» الكورية الجنوبية لتحديث البنية التحتية الكهربائية؛ ومشاريع إعادة الإعمار تشمل المدن الصناعية، إضافة إلى تطوير الطرق والمطارات والمناطق السياحية.

هذا فيما يجري العمل في قطاعَي الزراعة والأمن الغذائي على تشجيع الاستثمارات الخليجية لتعزيز هذا القطاع؛ فضلاً عن السعي في مجال النقل واللوجستيات، إلى تحديث الخطوط البرية بين سوريا والأردن والخليج، وإعادة تأهيل السكك الحديدية وربطها بالممرات الإقليمية، وتطوير الطيران المدني والمطارات الدولية. وكذلك العمل على إنشاء المدن الجديدة والمناطق الحرة، إذ أطلقت الحكومة مشاريع مدن اقتصادية ومناطق صناعية حرة لجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، ودعم الاستثمارات الخاصة في المناطق الساحلية والداخلية.

رغم هذا الانفتاح، لا تزال سوريا تواجه تحديات عدة، منها إرساء مرتكزات جامعة للعبور من المرحلة الانتقالية، بحيث تكون دعائم «سوريا الجديدة» قادرة على تأمين وحدة داخلية واستقرار فعليّ ونظام يُطفئ مشاريع الأقليات وطموحات الأكراد بالانفصال والحكم الذاتي. لا شك أن الانفتاح العربي والدولي يُشكِّل فرصة تاريخية لعودة دولة طبيعية إلى سوريا وتحقيق رؤية الشرع، لكن نجاح هذه الرؤية يعتمد أيضاً على الإصلاح المؤسسي، وتأمين الاستثمارات الكبرى، وإدارة التوازنات الإقليمية بحكمة، مع القدرة الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

القدس العربي

——————————

سوريا: «مَن يحرر يقرر»… حقاً؟/ صبحي حديدي

صحيح، في المبدأ ومعطيات الواقع الفعلي، أنّ العامل الأوّل الذي تسبب في، وصنع بمعدّلات كبرى، انهيار نظام «الحركة التصحيحية»، كان ويظلّ تضحيات سواد الشعب السوري على امتداد 54 سنة من استبداد الأسدين الأب والوريث؛ وأنّ المفصّل في طبائع التضحية والضحية والمُضحى به لا عدّ لها ولا حصر. هذا مآل متفق عليه، يحظى بإجماع مطلق أو يكاد، لدى السوريين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ومشاربهم السياسية وتنوّعهم الإثني أو المناطقي أو الديني أو الطائفي؛ ليس لأيّ اعتبار آخر يسبق مجلدات الحقائق الدامغة، الدامية والمأساوية، حيث تفاصيل همجيات العقود الخمسة قد تبدأ من ندرة علبة السمنة والمحارم الورقية، وتشمل مصادرة الرأي والحريات العامة والتمييز، وتمرّ بمجازر حماة وجسر الشغور، ولم تكن ستتوقف عند الهجمات الكيميائية…

غالبية من السوريين، غير ضئيلة كما تشير معطيات متقاطعة، تتوافق أيضاً على سلسلة الملابسات المحلية والعربية والإقليمية التي مهدت أكثر من سبيل لانهيار نظام «الحركة التصحيحية»؛ في طليعتها تآكل قوى السلطة وما تبقى من جيشها وأجهزتها الأمنية وميليشياتها الطائفية، وبالتالي خضوعها أكثر فأكثر للنفوذَين الإيراني والروسي، وما أفرزه هذا المآل من تشرذم إضافي وتبعيات لطهران (ماهر الاسد والفرقة الرابعة) أو لموسكو (سهيل الحسن وقوات «النمر»)؛ فضلاً عن تناقص الموارد ومنابع النهب، إلى درجة الاعتماد على إنتاج الكبتاغون وتصديره، وسوى ذلك معطيات أخرى عديدة.

الملابسات العربية والإقليمية والدولية أقصت نفوذ إيران وميليشياتها عن المعادلة الداخلية في إسناد النظام، خاصة بعد اختراق «حزب الله» وإضعافه ومقتل أمينه العام؛ وأجبرت الكرملين على أعادة تقييم أولويات قسرية، بين أوكرانيا وسوريا، وفي ضوء وضع عالق وراكد توهم بشار الأسد أنه يمتلك مهارة إدارة توازناته بين موسكو وطهران وأنقرة وتل أبيب والرياض في آن معاً. فلم يكن خافياً، بل كان معلناً صريحاً، أنّ العديد من الدول العربية سعت إلى استرضاء الأسد وإعادة تأهيله، وفشلت؛ وأنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بادر بدوره إلى تقديم عروض للتسوية، ردّ عليها الأسد بعبارة شهيرة حول عدم جدوى «تناول المرطبات»؛ كما أنّ نرجسية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم تهضم ألاعيب الأسد على حبال عديدة لا تٌفكّ عقدها في موسكو.

ما تختلف حوله أقلية من السوريين، محدودة أو نخبوية كما تشير معطيات متقاطعة بدورها، هو ما إذا كانت «هيئة تحرير الشام» قد تحوّلت من فصيل جهادي إلى «ميتا ـ حزب» سياسي/ عسكري يعتزم إدارة الدولة السورية الوليدة. وهذه، استطراداً، أقلية تؤمن بأنّ السلطات الانتقالية اعتمدت وتواصل اعتماد قاعدة «مَنْ يحرّر، يقرّر»؛ وتُخضع جميع الإيجابيات والسلبيات إلى مفاعيل تلك القاعدة وعقابيلها.

ورغم أنها بدأت أصلاً، وهكذا تتواصل أنساق إعادة إنتاجها، من استخلاص يتغذى على افتراض نظري محض، لأنّ السلطات الانتقالية لم تعلن رسمياً عن أيّ اعتناق لتلك القاعدة أو حتى تلميح إلى أشباهها؛ فإنّ نظرة واقعية إلى حقائق الأرض الصلبة خلال عام تستوجب خلاصة أخرى واجبة الارتكاز على طغيان الأمر الواقع: إذا لم يكن هؤلاء الذين «حرروا» هم الذين قرروا ويقررون، فمَن إذن؟ وإذا كانت أيّ انتخابات، نزيهة وحرّة وصادقة التمثيل، غير ممكنة في ظروف البلد الراهنة، حيث ملايين السوريين في غياب أو خارج لوائح إحصائية وانتخابية سليمة؛ فإلى مّن تُسند مسؤولية قرارات كبرى تخص الأمن والمعاش والاقتصاد والخدمات والبنى التحتية، حيال تحديات محلية وإقليمية عظمى بدورها، وإزاء مخاطر التفكك والتقسيم؟

الأرجح أنّ ترحيل جوهر القاعدة إياها إلى مستوى الجزم يتغاضى عن واقع سوري راهن شاقّ، مُثقل بالتحديات والشروط القاهرة؛ ويستوجب أسئلة أخرى: حتام؟ كيف؟ وبأيّ الأثمان؟

القدس العربي

——————————————

عام سوريا الأول: عدالة انتقالية بلا نتائج ملموسة/ محمد سليمان

7 ديسمبر 2025

عام مرّ على سقوط نظام الأسد، ومع ذلك لا يزال ملف العدالة الانتقالية في مركز النقاش العام والناشطين والإعلام. لكن أين وصل هذا المسار؟ العدالة الانتقالية ليست مجرد مؤسسات أو قوانين، بل وعد بالاعتراف بالألم ومساءلة من تسبب في المعاناة، وفرصة لمن فقدوا أحبائهم وكرامتهم لاستعادة حقوقهم. كل خطوة، حتى لو كانت صغيرة وبطيئة، تحمل بصيص أمل للناجين، وتؤكد أن معاناتهم لم تُنسَ، وأن هناك من يسعى لجعل صوتهم مسموعًا، لتصبح العدالة جسرًا للشفاء وبداية لإعادة بناء مجتمع خالٍ من الخوف.

الناشطة رنا الشيخ علي ومؤسسة مشروع “دارة سلام”، ترى أن مسار العدالة في سوريا من أعقد المسارات المرتبطة باستقرار البلد بعد خمسين سنة من الانتهاكات الهائلة، لأنها تشمل الملفات مفقودين، مختفين قسرًا، ضحايا القصف والأسلحة الكيميائية، أطفال أُخفيت أسرهم، بالإضافة إلى قضايا الملكيات وغيرها، بعضها بلا حصر.

رنا تؤكد أن تشكيل الهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين كان خطوة إيجابية من الناحية المؤسساتية، لكنها لم تؤتِ ثمارها بشكل ملموس حتى الآن. بالمقابل، يسير المسار القضائي الدولي بخطوات أوضح، خاصة فيما يتعلق بالمحاكم الدولية التي تحاكم الأشخاص المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

تكمل مسار العدالة لا يجب أن يكون من الأعلى إلى الأسفل، بل من الأسفل إلى الأعلى، بحيث يُستمع إلى المجتمعات المحلية ويُتاح لها التعبير عن احتياجاتها ومطالبها. العمل يحتاج إلى وقت، شفافية أكبر، وآليات تواصل فعّالة للوصول لكل المناطق، بما فيها القرى التي لا تمتلك وسائل تواصل حديثة”.

كما أشارت إلى أن العلاقة بين الآليات الوطنية والدولية وأجهزة الدولة بحاجة لتوضيح أكبر، وأن القانون الوطني القائم لا يعرّف بعض الجرائم الأساسية مثل الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب، ما يجعل تعديل القانون وإنشاء هيئة قضائية مستقلة أمرًا ضروريًا لضمان محاسبة عادلة، مع مراعاة أثر العدالة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

بدورها، الناشطة أنوار عبد الله تحدثت عن أهمية العدالة الانتقالية التي بدأ الحديث عنها مع انتهاء مرحلة حكم نظام الأسد وسقوط النظام، كانت المرحلة الأولى منذ أول يوم بعد السقوط محورية، حيث كانت مطالبات السوريين في المقام الأول، بما في ذلك النشطاء، مركزة على وجود خارطة طريق واضحة للعدالة الانتقالية، مع شفافية كاملة في هذا المسار.

في السنة الأولى تشكل مسار واضح من الناحية المؤسساتية للعدالة الانتقالية، من خلال تشكيل الهيئات المختلفة للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين، إلا أن هذه الخطوات لم تؤتِ ثمارها بشكل واضح وملموس. بالمقابل، يسير المسار القضائي الدولي والمحاسبة بخطوات أفضل، خاصة فيما يتعلق بالمحاكم الدولية التي تحاكم الأشخاص المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

المطلوب حاليًا هو مزيد من الشفافية في مسار العدالة الانتقالية، مع تواصل أكبر وتنفيذ فعلي للحقوق للضحايا والناجين والناجيات، ومشاركة مؤثرة لمنظمات المجتمع الدولي في جميع مراحل تصميم وتنفيذ خطوات العدالة الانتقالية. التحدي الأكبر يكمن في تجدد النزاعات في أكثر من مكان داخل سوريا، إذ أن ملف العدالة الانتقالية يتطلب موازنة دقيقة بين العدالة والاستقرار الداخلي، ما يجعل موضوع الاستقرار تحديًا كبيرًا.

مع مرور عام على سقوط النظام، لا تزال العدالة الانتقالية في سوريا أمام مسارًا طويلًا ومعقدًا، يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، قوانين واضحة، وآليات فعّالة لإشراك المجتمع المدني والضحايا في كل خطوة. العدالة ليست هدفًا قانونيًا فقط، بل هي أمل لمن فقدوا أحبائهم، وفرصة لإعادة بناء مجتمع آمن ومستقر، بعيدًا عن الخوف والمعاناة.

—————————–

تفكيك إرث الانقسام: كيف يمكن للسوريين بناء هوية وطنية جامعة؟/ عزيز موسى

7 ديسمبر 2025

تقف البلاد بعد أكثر من عقد ونصف من النزاع وسقوط النظام السوري السابق، عند عتبة سؤال وجودي: هل يمكن أن تولد من تحت ركام الحرب هوية وطنية جامعة تتجاوز ما زرعه الحكم الشمولي من شروخ عميقة؟ فبين إرث مثقل بالتجزئة وانقسام اجتماعي، وصراع السرديات والاصطفافات الضيقة، يبرز الحديث عن إمكانية بناء عقد اجتماعي جديد يُعيد للسوريين معنى الانتماء المشترك، بعيدًا عن قوالب الإكراه السياسي التي حكمتهم لعقود، أو الانتماءات الضيقة التي ظهرت بشكل واضح بعد مرحلة السقوط، والتساؤلات الكبرى حول رؤية عملية تُعلي مصلحة الهوية الجامعة فوق الولاءات الضيقة.

سؤال الهوية المؤجّل

ترى الأستاذة في قسم الدراسات السياسية والباحثة الأكاديمية، ندى ملكاني، أن سقوط النظام السوري أدى إلى صعود الهويات الفرعية الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، إلّأ أن ذلك يعود للكثير من التشابكات التي تعود بجذورها لعام 2011 مما يطرح تساؤلًا مهمًا: هل كانت الهوية الوطنية حاضرة بالأساس وهل كان يوجد اتفاق بين المكونات المجتمعية والسياسية؟ إذ أنه يلاحظ في المجتمعات التقليدية والعربية عمومًا وفي المجتمع السوري خصوصًا، أن العلاقات الاجتماعية والسياسية تنتظم في حال عجز النخب والسلطة السياسية عن بناء الدولة بالشراكة مع المكونات المجتمعية.

تنتظم هذه العلاقات حول انتماءات ما قبل الدولة ( كالقبيلة والعشيرة والطائفة وغيرها)، ويصبح الانتماء الضيق أقوى من الانتماء للدولة بحد ذاتها، إذ يلاحظ غياب الاتفاق على الهوية الوطنية، كما أن النظام السابق لم يعترف بالحقوق والحريات المختلفة للمكونات، بالتالي شكّل سقوط النظام هامشًا من الحريات غير المسبوقة التي سمحت لها بالتعبير عن نفسها، سواء من خلال الحوارات والنقاشات أو مواقع التواصل الاجتماعي والتي تجري على مستوى الأفراد والجماعات، في ظل صعود الخطاب الهوياتي الضيق على حساب الخطاب الوطني إضافة لخطاب الكراهية مما أثّر على بنية المجتمع.

يعتقد المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن النزاع في سوريا لا يزال مستمرًا بعد سقوط النظام السوري لكن بأشكال مختلفة، إذ أنه في حالات الحروب والصراعات وما بعدها تبرز إشكالية عودة الناس إلى انتماءات “ما قبل الوطنية” التي تحمل العديد من الأسباب، أهمها الضعف الذي تعاني منه الدولة في مرحلة ما بعد النزاعات مما يدفع للعودة إلى الانتماءات (الطائفية، العشائرية، المناطقية) بهدف الإحساس بالأمان، وفي الحالة السورية مازال المجتمع بعيدًا عن الوصول إلى الهوية الوطنية الجامعة على الرغم من إمكانية تشكّل ملامح أولية لهذه الهوية، إذ يحتاج ذلك إلى سلسلة طويلة من الحوارات والنقاشات وشعور مختلف المكونات بالأمان الاجتماعي دون إقصاء، يتم ترجمتها إطار الدستور والقوانين مما يساعد بالوصول إلى حالة الهوية الوطنية الجامعة التي يمكن أن يشعر الناس من خلالها بالانتماء الوطني الحقيقي.

تفكيك الانقسام يبدأ بالإرادة

تتطلب معالجة مسألة الانقسام توفر مجموعة من العوامل السياسية والمجتمعية والقانونية، التي يمكن من خلالها تفكيك عًقد التجزئة وجوهرها مما يحتاج بدوره إلى خطوات فعلية ما زالت متباطئة حتى اليوم.

إذ تشير الدكتورة ملكاني إلى أن تفكيك معضلة الانقسام يحتاج إلى توافر الإرادة السياسية الحقيقية لدى الإدارة السورية الجديدة، والتشريعات اللازمة التي تمنع الأفراد من الاعتداء على حريات الآخرين، إذ أن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، كما أن تكريس الفوضى بقوالب جديدة يمكن أن يحدث إذا ما استمر الانقسام المجتمعي الذي نعاني منه اليوم، وأن توفر إطار قانوني ملزم يمنع انتهاك حريات الآخرين من جهة، ويحفظ حرية التعبير من جهة أخرى، من شأنه أن يعطي أمانًا لمختلف المكونات، إضافة للعمل على الوعي الشعبي الذي ثار ضد نظام ديكتاتوري والذي لم يسمح للرأي الآخر بالتعبير عن ذاته، هذا بدوره يتطلب بناء الثقة بين السلطة والشعب ضمن إطار المسؤولية المتبادلة، ويمكن بالتالي تعزيز الإرادة والقانون عن طريق تأثير قادة الرأي والمثقفين، فضلًا عن تأثير المؤسسات الدينية التي تؤدي دورًا كبيرًا في إنتاج خطاب يتجاوز حدود (الطائفة والقبيلة والعشيرة).

من جانبه يضيف الأحمد، أن تفكيك هذا الإرث يتطلب حوارًا وطنيًا جادًا بين مختلف المكونات واستمرار هذا الحوار بشكل دائم، ومناقشة مختلف القضايا والمخاوف لدى المكونات فيما يتعلق بالمسائل الطائفية، الجرائم والانتهاكات، القضية الكردية، الأكثريات والأقليات.. وتفكيك هذه المسائل من خلال الحوارات، على أن يتم التوصل إلى توصيات تنعكس بشكل مباشر في الدستور والقوانين، ماعدا ذلك يمكن الانزلاق نحو نمط جديد من الفوضى لأن شعور المجموعات أو المكونات بعدم تمثيلها وإقصائها في بناء مستقبل الدولة، قد يؤدي إلى تراكمات مستقبلية تصل حد استخدام العنف.

بناء الثقة

ترى ملكاني أن صياغة السردية الوطنية تتعلق بكيفية إنتاج خطاب وطني، وهذا يرتبط بشكل أساسي بالخطاب الإعلامي وممارساته، والتعامل مع المواطن كشخص له مداركه الخاصة وقادر على تحليل الحدث ومقارنته، إذ أن الإعلام من أهم الأدوات التي تلعب دورًا في الوصول لهذه السردية إضافة لتفعيل القوانين الخاصة بتجريم خطاب الكراهية والإقصاء، كما  أن المحاسبة تساهم في إنتاج أنماط سلوكية إيجابية  يلتزم من خلالها أفراد المجتمع، هذا بدوره يقود لبناء حالة الثقة بين المكونات، فضلًا عن ضرورة تركيز المؤسسات الدينية على إنتاج خطاب لا يقتصر على التسامح فقط بل بالاعتراف بحق الآخر بالوجود كشريك على أسس العدالة والمساواة، دون احتكار أو تمييز قد يقوم على أسس طائفية أو عرقية، وترسيخ فكرة الشراكة الوطنية والاحترام المتبادل.

فيما يؤكد الأحمد، أنه يلاحظ اليوم وجود ما يمكن تسميته ” هوية سورية أحادية” لا تراعي النسبة الأكبر من المكونات الطائفية والقومية والعرقية المختلفة، لذا فأن أكثر الأدوات فاعلية لبناء الثقة بين المكونات الاجتماعية هو تبني المصارحة والمكاشفة بين مختلف المكونات، والتعاطي مع المخاوف من خلال الاعتراف وضمان الحقوق المتساوية بما يسهم في التعامل مع التاريخ والماضي والاتفاق على سرديات وطنية للمستقبل، وأن تشعر مختلف المجموعات البشرية بأنها ممثلة في مختلف المؤسسات والقطاعات ( العسكرية، الاقتصادية، السياسية..).

هوية تُبنى على المشاركة والمكاشفة

تعتقد ملكاني أن الشروط الأساسية التي يجب توافرها في عملية الانتقال نحو هوية وطنية جامعة تتمثل بإعادة تعريف هذه الهوية بما يشمل جميع الطوائف والأعراق دون المساس بخصوصيتها، وأن تصل هذه المكونات إلى إدراك أن الهوية الوطنية تعبّر عنها، هذا يتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا دون اختزاله بفئات محددة، ومن ثم  الانتقال إلى المرحلة التي تساهم في ترميم الصدع السوري وحالة الانقسام حول مفاهيم جامعة أساسية، إذ أن عدم الاتفاق على المفاهيم والأفكار الأساسية سيؤدي لاحقًا إلى الاختلاف على الخطوات الإجرائية في التحديد المفاهيمي، وهذا يكون مقدمة لإجراءات سياسية يتم القيام بها على أرض الواقع تضمن لكل هوية أو جماعة أن تعبر عن نفسها بطريقة تحترم الهويات الأخرى في إطار الهوية الوطنية.

ويختم بسام الأحمد أن أهم الشروط الواجب توافرها هو فتح قنوات حوار وطني حقيقي بين جميع الفئات والمكونات وطرح كل القضايا والمسائل الإشكالية على مستوى الطوائف والأعراق وإرث النظام السابق، وتبني مسار المصالحة الشاملة والمشاركة الفعّالة في ظل غياب هذه المشاركة في المرحلة السابقة، انطلاقًا من إعادة النظر بمؤتمر الحوار السابق والإعلان الدستوري ومسألة العدالة الانتقالية وصولًا إلى شعارات الدولة، بالتالي فأن معالجة مختلف هذه الإشكاليات يساهم في الوصول إلى عقد اجتماعي ضمن إطار وطني جامع.

————————–

عام من السقوط… الأسد خارج العرين السوري/ مصطفى رستم

بشار وحاشيته يعيشون في روسيا منذ ديسمبر 2024 وتقارير تتحدث عن دخوله مجال العقارات في موسكو

الأحد 7 ديسمبر 2025

يدور الغموض حول أخبار الأسد، ولم يظهر بأية إطلالة أو مقابلة صحافية، وتدور بالمقابل أحاديث عن تسميمه ودخوله المستشفى للعلاج أما زوجته أسماء الأخرس تدير سلسلة أعمال العائلة الاقتصادية، وفق ما أعلن مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رامي عبد الرحمن في لقاءات تلفزيونية، كذلك أكد أن أبناء الأسد لديهم جوازات سفر أجنبية ويتنقلون بحرية تامة.

“رحل الأسد” كلمات صدحت من حنجرة رجل دمشقي فجر الثامن من ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي 2024 في دلالة على سقوط رئيس سوريا السابق بشار الأسد، وهروبه هو عائلته وكبار حاشيته إلى العاصمة الروسية موسكو.

في ذلك اليوم لم يغمض السوريون عيونهم، كيف لا؟ وفي هذه الوقت يضع الشعب السوري نهاية لحكم امتد نحو نصف قرن منذ اعتلى الأسد الابن الرئاسة في عام 2000 عن طريق التوريث في مخالفات دستورية غير مسبوقة بعد وفاة والده حافظ والذي تربع على كرسي الحكم بانقلاب عسكري أطلق عليه “الحركة التصحيحية” في عام 1970 وظل ممسكاً بالبلاد بقبضة أمنية حكم خلالها بالنار والبارود.

وبالعودة إلى بشار وعائلته، فمنذ خروجه برحلة “اللاعودة” حطّ هذه المرة على الأراضي الروسية ليس كرئيس يحتفى به بل بصفة لاجئ إنساني، فلا مراسم ولا بروتوكولات إنه “نهاية الرئيس”، وهناك ينبغي عليه اعتياد ليالي موسكو الباردة، يملك ثروة كانت قد سبقته منذ عام 2020 تقدر بين مليار إلى ملياري دولار ونقلت عبر الخطوط الجوية السورية وضمن رحلات أسبوعية إلى موسكو، تصل إلى مطار فنوكوفا، ونفذت عمليات التهريب عبر شبكة من العمليات المالية السرية.

أجواء روسيا الباردة

ومن موسكو تحدثت “اندبندنت عربية” مع مدير مركز “جي أس أم” للدراسات آصف ملحم، الذي استعرض بعض التفاصيل عن حياته الحالية التي يعيشها كأي مواطن روسي عادي، حيث لديه أماكن معينة يزورها، وهي محدودة جداً وكلها تحدث بإشراف مباشر من الاستخبارات الروسية، إذ لا يمكن تركه يتحرك بحرية من دون رقابة بشكل مباشر.

ويعزو الرقابة الشديدة على تحركاته بأنها تتعلق بمن يراقب الأجواء في موسكو، ويتحين أية فرصة لاغتياله، بخاصة أن الأسد يحمل معه أسراراً بالغة الأهمية من منظومة ممتدة لأكثر من نصف قرن تتعلق بأوروبا وإيران وإسرائيل وأميركا وكثير من التفاصيل والأسرار التي تدين روسيا ذاتها، وتسريب أية معلومات قد يضرّ بالروس.

وحول السؤال عن عودة محتملة للعمل السياسي من الخارج أجاب الدكتور ملحم أنه “ليس ممكناً في الوقت الحاضر على رغم أن بعض السياسيين الروس تحدثوا عن دور ما للأسد في المستقبل، ولا نعلم ما هو طبيعة هذا الدور”.

ورجح مدير المركز الروسي للدراسات السياسية، أن تمنح موسكو في المستقبل دوراً ما للأسد في الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا “قد يكون له دور مقنن في منطقة الشرق الأوسط، ولكن استبعد أن يقبل كونه كان في ما مضى رئيساً لسوريا، وأي عمل سياسي من طرفه سيزيد الطين بلة، فالشارع السوري معقد من حيث التركيبة النفسية الاجتماعية، والناس تتحرك بالغريزة، لك أن تتخيل مجرد إشاعة حول الدروز كانت كفيلة بتحريك مجموعات من الفصائل المسلحة وهجمات على بعض المناطق الدرزية وتكررت في الساحل وسقط العديد من الأبرياء”.

واستبعد ملحم ما يصدر من بيانات من شخصيات روسية عن الأسد لا تعلم بها الاستخبارات الروسية من جهة تحركات متداولة عن دعم أيمن جابر (أحد المقربين من الأسد وأحد أذرعه العسكرية والاقتصادية)، وأضاف “لا أعتقد أن يكون رامي مخلوف (رجل أعمال وقريب بشار الأسد) موجوداً في روسيا، ربما في الإمارات أو بيلاروس، ومن جهة تحرك جابر ومخلوف، فمن الواضح أنهم يتصرفون بشكل فردي، وفي حال علمت الاستخبارات الروسية بذلك ستعرضهم للمشكلات، وإذا كانت روسيا تعلم بذلك لأنها معنية بإبقاء يدها في سوريا فقد تكون تحركهم لجس النبض لكي تعلم ما هي الخطوات اللاحقة التي يجب أن تتبعها في هذا الملف”.

نادي النخبة

ويدور الغموض حول أخبار الأسد، ولم يظهر بأية إطلالة أو مقابلة صحافية، وتدور بالمقابل أحاديث عن تسميمه ودخوله المستشفى للعلاج أما زوجته أسماء الأخرس تدير سلسلة أعمال العائلة الاقتصادية، وفق ما أعلن مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن في لقاءات تلفزيونية، كذلك أكد أن أبناء الأسد لديهم جوازات سفر أجنبية ويتنقلون بحرية تامة.

ويقول صحافي مقيم في موسكو، لم تكشف صحيفة “يسرائيل هيوم” التي نقلت تصريحه، عن جنسيته، إن الأسد دخل مجال العقارات الفارهة في العاصمة الروسية، واستثمر في أبراج مدينة موسكو.

وكان الأسد قبل سقوطه أرسل شخصيات مقربة منه إلى موسكو لشراء 19 شقة مختلفة في جميع أنحاء المدينة على مدار سنوات ماضية، بلغ سعر الشقة الواحدة العادية ما يقارب 2 مليون دولار في ذلك الوقت.

وتوقع المتحدث مغامرة الأسد بالأعمال التجارية، إن لم يكن شخصياً فمن خلال أبنائه، موضحاً “هناك أموال نقدية أتت من سوريا منذ عدة سنوات، ويقسم بعض المطلعين أنه تم تحويل 250 مليون دولار نقداً، وتزن أطناناً إلى موسكو في أكثر من 20 رحلة جوية، كذلك أسس ابن خال بشار الأسد إياد مخلوف شركة عقارية باسمه في موسكو لإدارة أموال العائلة”.

هكذا أخفى الأسد جثث الآلاف من قتلاه في صحراء سوريا

وجاء على لسان الصحافي من موسكو والمطلع على بعض التفاصيل، في تقرير نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم” في منتصف فبراير (شباط) عام 2025، أن “الأسد أتاح له توغله في الاستثمار العقاري، الاشتراك في نادي ’النخبة‘ ما يسهل له المشاركة في الحياة الاجتماعية الغنية في موسكو، لكن معلومات أخرى تشير إلى تجنبه هذا الأمر بشكل تام، وكذلك الدخول في الحياة الاجتماعية الفارهة في موسكو لأسباب قد تتعلق بتوجيهات حكومية روسية للتواري عن الأنظار أو لدوافع أمنية”.

حماية روسية حتى النهاية

إزاء هذا وبعد كل هذه الفترة تحدث الباحث السياسي ملحم عن حماية روسيا للرئيس المخلوع من منطلق إنساني، ويستذكر كيف قتل القذافي بطريقة غير إنسانية، ووصف ما حدث له بـ “المؤلم”، ورجح أنه لو تُرك الأسد في سوريا لقتل بنفس الطريقة وعائلته.

ويضيف المتحدث “في حال ترك لهذا المصير ستكون أيضاً بمثابة وصمة عار بحق روسيا إلى ألف سنة، وهي احتضنته كشخص واحتضنت سوريا كسياسة، ولو لم تنقذه سيكون قتيلاً ولا يمكنها إلا أن تحميه، وإذا تركته لن يبقى مؤرخ في العالم إلا وكتب ضد روسيا، بما في ذلك الإعلاميين والمفكرين الكبار الذين يكتبون ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

وكشف ملحم “لم تحمِ روسيا الأسد بمفرده بل استقدمت كل الشخصيات والنخب السياسية والإعلامية والاجتماعية من تيار الأسد، ويبلغ عددهم نحو خمسة آلاف شخصية، والعدد كبير لأنه لم يقتصر على جلب الشخصيات من الصف الأول بل من الصف الثاني، وأنا أعرف بعضهم بمن فيهم شخصيات أمنية وعسكرية التي تعتبرها روسيا خانت العهد الروسي لكن على رغم ذلك حافظت على حياتها”.

 وفي تطور جديد حول محاكمة الأسد تناقلت وسائل إعلام فرنسية أنباء عن إخفاء النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب مذكرات توقيف دولية صادرة بحقه وبحق شقيقه ماهر واثنين من كبار المسؤولين بالنظام السابق تتهمهم بالتواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في الهجمات الكيماوية عام 2013 على الغوطة الشرقية.

وعلى رغم صدور مذكرة التوقيف فإنها لم تدرج في أنظمة التنبيه الأوروبية مثل “شنغن”، ولم تصل كذلك للإنتربول كما ذكرت صحيفة “ليبراسيون”، إذ تشير التحقيقات إلى أن المذكرات بقيت محصورة في سجل المطلوبين داخل فرنسا حتى منتصف 2025 الأمر الذي عدّه خبراء القانون غير مسبوق وغير منطقي.

الحماية والمحاكمة

وفي كل الأحوال لا يزال الرئيس الهارب يتنقل في روسيا الباردة ببطء وبالخفاء، بينما تسير العلاقات بين موسكو ودمشق على نحو أفضل مما كان متوقعاً، فقد زار الرئيس السوري أحمد الشرع الكرملين والتقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتبعت ذلك زيارات قوات روسية ووزارة الدفاع إلى سوريا، ورجح مراقبون أن يطلب الشرع من بوتين تسليمه لمحاكمته ببلاده لكن الأمر ليس بهذه السهولة.

 ويستبعد الدكتور ملحم في حديثنا معه إجراء أية مقايضة “لا يمكن حدوثها بأي شكل من الأشكال، فهو يستحوذ على ملفات عمرها نصف قرن من التعاون السوفياتي- السوري قديماً، وأنا أجزم بأن تركيا لن تقدم على هذه الخطوة وبالتأكيد اتفقت الأطراف على الإبقاء على حياته مقابل إغلاق جميع الملفات”.

ويذهب الاعتقاد إلى أن محاكمة الأسد من قبل السلطات الجديدة ستقدم ورقة من ذهب لأوروبا في محاولة لإدانة روسيا، وقد تكون تركيا من الدول المرشحة لاصطياد الشخصيات السورية لديها في روسيا، بل ومرجح أن تستخدم أنقرة بعض الأوكرانيين للتعرض للأسد ومن معه.

وأضاف ملحم “من المؤكد أن الأسد ذهب إلى طريق الاستثمار، ربما عن طريق ترخيص شركة في موسكو، والذي يكلف ذلك بين 25 إلى 30 ألف دولار كحد أقصى، ولذلك يمكنه أن يمارس استثمارات لكن عبر شخصيات مقربة منه، ويكون هو مشرف من بعيد، وأية معلومات بالوثائق الرسمية المفتوحة ستوضع الشركة على مواقع الاقتصاد والخارجية ومصلحة الضرائب، وبهذا سيعلم الناس أين يعمل. ولعل المجالات التي يمكن العمل بها انشاء برمجيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، هو طبيب قد يعمل في مجاله وبالتأكيد لن يكون أي أوراق باسمه”.

(اندبندنت عربية)

—————-

عام على سقوط الأسد… مراجعة واقعية/ سلوى زكزك

07 ديسمبر 2025

بعد عام من سقوط نظام الأسد الإجرامي، تغيّر الواقع بعمق، لم تعد القراءات والتقارير الدولية المُتسارعة، والزيارات والقرارات المُتحرّكة بنشاط مُفرط، ولا الخطاب الرسمي الحماسي المُفرط في تعداد المنجزات وتكرارها وكأنّها إعجازات، كافية لرسم صورة عميقة، وربّما حقيقية للواقع السوري ببناه المجتمعية الواسعة، وبمشاربه المُتعدّدة، ومُكوّناته التي تشكّل خريطة التنوّع الواسع والمُمتدّ على تفاصيل الخريطة السورية كافة، جغرافيًا وثقافياً ومجتمعياً. وتجدر الإشارة إلى أنّ دول اللجوء والشتات باتت جزءاً مهماً ينبغي التعامل معه بكونه امتداداً طبيعياً للمجتمع السوري، ليس فقط بسبب عدد السوريين خارج سورية، الذي يتجاوز سبعة ملايين وأكثر، بل لأنّ مجتمع الاغتراب ما زال مُنخرطاً بشدّة بكلّ تفاصيل الأحداث، حتى اليومية منها، التي تجري في سورية، بل يمتدّ أثرها إلى مجتمع الاغتراب واسع الانتشار لأنّ تفاعله ليس عاطفيًا فقط، بل يشهد أيضًا حراكاً مثل المظاهرات المُندّدة التي جرت بعد مجزرتي الساحل والسويداء والمظاهرة المضادة في ألمانيا، التي شتم فيها المتظاهرون شركاءهم في الوطن بدافع من فائض القوّة وتغيّر موازين القوى بعد سقوط النظام. ولم يقتصر نشاط مجتمع الاغتراب على المظاهرات ووقف التنديد أو التأييد، بل شمل التحرّكات الدبلوماسية، التي تحوّلت بحدّ ذاتها أيضاً إلى صراع على الأسبقية والأحقية بالادّعاء بالتأثير القوي والفاعل لتلك التحرّكات، كما انتعشت المُشاركات الثقافية بكلّ أنواع الفنون كنسق موازٍ للتفاعل المجتمعي داخل سورية.

السؤال الذي بات مطروحاً بقوّة اليوم، هل ولّد سقوط النظام الٍأسدي انفجاراً مُجتمعياً سورياً؟ الحقيقة أنّ فرحة السوريين والسوريات بسقوط النظام كانت عظيمة وكبيرة جدّاً، ولا يمكن وصفها، ولا وصف الحالة الجمعية التي اكتسحت كلّ الساحات بلغة تعبيرية دافئة وصادقة، لغة متنوعة نطقت عبر الأغاني والرقص والاحتفالات والمُباركات والدموع وانفجار السرديات بسيولة غير معهودة وكأنّ بحراً من التعبير قد غمر الأرض.

مع السقوط المُفاجئ والمدوي، لم تسقط معه الهمجية والوحشية فقط، بل سقطت معه الفكرة القاتلة والمُهدّدة لأيّ أمل بالتشارك في الحكم وهي الأبدية، أن يصاب السوريون بما يشبه القناعة غير القابلة للاختلال بأبدية حكم عائلة الأسد كان شرخاً عميقاً في الهُويّة السورية الفردية والجماعية.

لكن ما حصل بعد السقوط غيّر بسرعة خارقة مفاصل الخطاب السوري الوطني الجامع، وأفرز استقطاباً حاداً تعزّز بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وبعد التراجع الحاد في مسار الخيارات والحرّيات الفردية التي تمّ تهديدها مباشرة بممارسات يومية تُعاكس نمط حياة السوريين والسوريات في محاولة لفرض سياق جديد، وخصوصاً في المدارس والجامعات، وفي التعامل مع النساء.

انعكست نتائج هذا الاستقطاب على جمهور الثورة وحدث شرخ عميق بين هذا الجمهور الواسع، بل تعمّق أكثر داخل المُجتمعات المحلية الضيّقة، وصل بعضها إلى انقسامات داخل العائلات، كأن يرفض مجتمع ابناً أو صديقاً له كانوا يعتبرونه رمزاً للثورة وداعماً لحراكهم، بل مُتقدّماً عليهم بوجوده في مؤسسات الثورة، ويصفونه اليوم بأنه خائن لهم! كثيرون عيّنوا أنفسهم قضاة ومُحقّقين وقادة جدداً، يخوّنون مجتمعات بأكملها كي يبرّروا إقصاءهم لها أو التمادي في محاكمتها والنيل من أمنها الفردي والجماعي، بصيغة تبرّر الانتهاك وكأنّه عقوبة إلهية أو وطنية محسومة وحان وقت تنفيذها.

استسلم البعض من جمهور الثورة، والتزم الصمت وأوقف نشاطه وحتى تواصله الاجتماعي الاعتيادي، ولجأ البعض الآخر إلى محاولة الاستمرار مع شركاء الثورة بدافع العاطفة والمسار المُشترك، لكن بهمّة ضعيفة وحزن عميق. السرعة الدراماتيكية بتعميم تداول لغوي وتعاملي على أساس طائفي كانت أكثر المظاهر خطراً على الخطاب العام وعلى الحيوية السورية المشتركة، والمقلق أنّ الغالبية تتعامل مع الطائفية باعتبارها مُنتجاً مجتمعياً، لكنها في الحقيقة منتج سياسي بامتياز لتفتيت المجتمع وشرخه بصورة عميقة.

تبدو المراجعات للواقع ضرورة قصوى لا يمكن تجاوزها، خصوصاً في أثناء طرح شعار إعادة إحياء الوطنية السورية الجامعة.

العربي الجديد

————————————

كيف نفهم العدالة في سوريا بعد عامٍ من سقوط نظام الأسد؟/ ياسمين نايف مرعي

06 كانون الأول 2025

شهدت سوريا في العام التالي لسقوط نظام الأسد غياباً لمسار عدالةٍ انتقالية طال انتظاره. بل وتشكلت طبقات جديدة من الجرائم، خاصة في منطقة الساحل والسويداء. الكاتبة ياسمين نايف مرعي، التي تتحدر من قلعة الحصن في ريف حمص الغربي، تقف عند مخاطر التطبيع مع العنف الانتقامي، وتشارك معنا في شهادتها هذه، أفكارها حول العدالة الانتقالية الغائبة، مقدمة خلاصةً عن بحثٍ أجرته على الأرض، ومبادرة ذاتية قامت بها في هذا المجال.

ما أصعب أن يبدأ سوريٌّ حديثاً عن العدالة، إذ من له أن يدعي اليوم وفي بلدٍ كسوريا أنه وحده يطلب العدالة أو يحيط باحتياجاتها.

أربعة أشهرٍ ونصف قضيتها متقطعةً بين مناطق مختلفة في سوريا إثر سقوط النظام، الذي ظننته لن يسقط يوماً. حمص غارقة بالدمار والفرح وفي بعض أحيائها بالخوف، السويداء تحت مزيد من الحزن، تودع قتلاها تحت التعذيب وهي لم تصحُ بعد من توديع ضحاياها من المدنيين في تموز/يوليو الماضي. فيما الساحل غارقٌ بدوره في الخوف والتحريض، وبجزءٍ منه في إرث الأسد وظلٌّ ثقيل لمنتهكين عفا عنهم الرئيس الحالي الذي قال: ”اذهبوا فأنتم الطلقاء“، فيما لم يعفُ عنهم الناس، وكأن الكراهية اليوم هي الزرع الوحيد الذي ينبت ويربو في تربة سوريا. يقول الكهل الذي أقلني الأسبوع الماضي من ريف حماه إلى ريف حمص: ”يا عمي لو بتعصري هالتراب بينزل منه دم“..

كيف نصف مشهد العدالة التي نريد؟ كيف نحصي الحاجة إليها؟ تسعة آلاف مصابٍ ببترٍ في ساقٍ أو يد أو كليهما في مدينة الرقة وحدها، سوريون يعودون إلى بقايا بيوتهم في حمص وريفها دون إمكانية لإعادة الإعمار في المدى المنظور، فينكفئون على حلم عودةٍ لائق… سوريون في كل أنحاء البلد يبحثون عن ضريحٍ لفقيد فلا يجدون، لا سيما أن السجون فرغت فيما ظلّ من ماتوا تحت التعذيب دون شواهد قبورٍ شاهقة بقدر حزن ذويهم.

لقد انتظرت أجيالٌ من السوريين أن يغرب زمن الأسدين الأب والابن. على مدار أربعة عشر عاماً هشّمتنا عبارة ”شهيد تحت التعذيب“ وحاصرنا تعبير ”مختف قسرياً“ حتى في مناماتنا.

مرّ عامٌ على “ردع العدوان”، بعض المناطق في سوريا تحتفل بتحريرها من حكم الأسد، لكن مَن مِن أهاليها احتفل فعلاً بالعدالة له وللضحايا من ذويه؟

قلعة الحزن

في قلعة الحصن، ريف حمص الغربي، حيث أصغر انتماءاتي الجغرافية وأعمقها وجدانياً، حدثت عام ٢٠١٤ واحدةٌ من أوائل عمليات الإخلاء في مدينة حمص، أجلى نظام الأسد حينها مدينة كاملة بعد حصار دام سنتين وشهراً عاشها الأهالي في انقطاع ليس للكهرباء والاتصالات فقط، بل لموارد الحياة الأساسية، الطبابة، التعليم، وقضوا أيامهم يواجهون حتى الأيام الأخيرة احتمالات الموت اليومية، تحت القصف والقنص الذي تنفذه قوات الدفاع الوطني من أبناء القرى المحيطة. لاحقاً فقد المئات من السكان بعد أن سلموا أنفسهم على حواجز الدفاع الوطني إثر تحذير النظام من موجة قصف بالطيران تقتل من لا يخرج.

كان ذلك في آذار ٢٠١٤. أحصي منذ شباط/فبراير الماضي أعداد ضحايا تلك المرحلة وأجمع شهادات الأهالي. خسرت المدينة التي كان عدد سكانها في ٢٠١١ قرابة ثلاثين ألف نسمة، خسرت ما يزيد عن ستمائةٍ وخمسين ضحية، حوالي ثلاثمائة منهم قضوا في سجون الأسد، أو في مواجهاتٍ مسلحة مع قواته، لكن العدد الأكبر منهم فقدوا وهم يسلمون أنفسهم على حواجز الدفاع الوطني في قرى المشاية وعنازْ وعمار الحصن في وادي النصارى، أغلبهم من النساء والأطفال، أو قُتلوا جراء قصفٍ أو قنص قوات الدفاع الوطني للمدينة، أو ماتوا مسمومين بأغذية وصلت للأهالي في فتراتٍ مختلفة بين ٢٠١٢ وآذار/مارس ٢٠١٤.

على مدار الأشهر التسعة الماضية سجلت عشرات الشهادات مع ناجياتٍ وناجين، وبشكلٍ خاص مع ذوي الضحايا. في كل مرة كنت أظن أنني سمعت ما يمثل حداً أقصى من الألم، لأسمع في المرة التالية ما هو أشد.

عادت ميادة قبل أشهر إلى بقايا منزلها في قلعة الحصن، بدت السيدة أكبر بعشرين عاماً من سنها الحقيقي، وبدت أكبر من ذلك بكثير مقارنة بصورة وجهها قبل ٢٠١١ في ذاكرتي. في أواخر ٢٠١٣ دفنت السيدة شقيقها الأصغر، الذي قضى بقذيفة، وشاركت في احتضان العديد من الجرحى وتلقينهم كلماتهم الأخيرة. لم يكن هناك مكانٌ يسعفونهم إليه. تحكي ميادة بارتياح عن مشاهد بالغة القسوة، وهو ما قد يكون أقسى ما يسِم شهادات السوريين والسوريات؛ درجة الطبيعي في القسوة، أو ربما درجة التأقلم والتماهي مع الجوانب المريرة.

أما فاطمة التي التقيتها في لقاءٍ نظمناه مع مجموعة من أهالي المفقودين ورجال الدين والنشطاء من أغلب الجغرافيا السورية، فقد بادرتني بالسلام والبكاء، قالت: أنا أعرفك، ثم غرقت في بكاءٍ طويل، وأضافت: قتلوا زوجي وابني. كنت قد قرأت أسماء الضحايا والمفقودين في مدينتي مراتٍ ومرات لكن لم يخطر في بالي أن أياً منهم يخصّ فاطمة، أو أنني قد أرى فاطمة بعد غياب ثلاثة عشر عاماً بوجهٍ كسير بهذا القدر.

أم قاسم سلمت نفسها في آذار/مارس ٢٠١٤ على حاجزٍ للدفاع الوطني فاحتجزوا ولديها وأطلقوا سراحها مع زوجها المسن وكنتها وأحفادها. منذ ذلك اليوم لم تعرف عن ولديها شيئاً. حين قابلتها ظننت أني سأستمع إلى واحدةٍ من أقل الشهادات ألماً، لكن السيدة بدأت الحديث عن مغادرتها باقي عائلتها المحتجزة في فندق الخضر في المشتاية، حيث غاب عشرات المفقودين، لتمشي سبع ساعات مسافة عشرة كيلومترات إلى قرية وادي المولى القريبة، أهانتها خلالها حواجز الطريق وجرّدوها هي مع العابرين من ملابسهم للتأكد من أنهم دفعوا آخر ليرة سورية يحملونها للحاجز، أذلوهم وهددوهم مراراً بالقتل لدرجة أنهم تمنوا الموت فعلياً للخلاص.

أم خالد سلمت نفسها مع أطفالها الثلاثة بعد نقاشاتٍ طويلة مع زوجها الطبيب الميداني، احتجزت في الفندق نفسه ثم اقتيدت إلى فرع الأمن السياسي في تلكلخ، وبقيت يومين قبل أن يسلم زوجها نفسه، فأطلقوا سراحها مع أبنائها. تبدي يقيناً بأنه قتل وهي تقول بين كل جملةٍ وأخرى :الله يرحمه. حدث ذلك لأنه كان طبيباً في مدينة ثارت على نظام الأسد.

المضي المتعثر قدماً

في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥، اقترحتُ مبادرة ظننت أنها قد تشكل أرضيةً مقبولة لبدء التحرك في منطقة وادي النصارى باتجاه أهالي الضحايا في قلعة الحصن، للاحتواء العاطفي ومحاولة رأب الصدع على المستوى المحلي – الذي أراه الأنجع في كل منطقةٍ سورية تعرضت للانتهاك على حدة. جاءت المبادرة للبحث عن مصير مفقودي ومفقودات أهالي قلعة الحصن ممن سلموا أنفسهم إلى مجموعات الدفاع الوطني، حملت إحدى المجموعات بقيادة بشر يازجي اسم “أسود الوادي” في مرمريتا وكفرة وقرى أخرى، وحملت أخرى بقيادة جورج السليم اسم “نسور الزوبعة”.

لا تمثل تلك المجموعات كل أبناء الوادي، الذين يُعرف الكثيرون منهم بوطنيتهم ونبلهم ورفضهم للظلم بكل أشكاله، كما يعرف عنهم وعن المنطقة مستوى عالٍ من التعايش والاحترام. لكن حادثة احتجاز ومن ثم إخفاء العشرات من أهالي قلعة الحصن في فندق الخضر/ السان جورج في قرية المشتاية، في آذار/مارس ٢٠١٤ من قبل مجموعة “أسود الوادي” ما تزال جرحاً مفتوحاً لدى أهالي قلعة الحصن.

يحتاج أهالي الوادي إلى التعايش بكرامةٍ واحترام بينما يريد أهالي الحصن المحاسبة العادلة. اقترحتُ أن يتم العمل على مجموعة نقاط كنموذج لتعاطي أهالي المناطق ذات الاختلاف الطائفي في سوريا، ممن وقع من إحداها انتهاكات ضد أخرى، في سياق حماية التنوع السوري وبناء مساحات جادة للسلم الأهلي، تشمل هذه النقاط:

    إصدار بيان من أعيان الوادي بتقدير مشاعر وخسارة أهالي قلعة الحصن وإدانة الأفراد المسؤولين عنها بكل صراحة والمطالبة بمحاسبة قياداتهم، والتعبير عن دعم الأهالي لبعضهم بعضاً.

    زيارة جماعية لأهالي المفقودين في قلعة الحصن تتضمن شخصياتٍ اعتبارية من الوادي، وشخصيات رسمية.

    إقامة وقفة يشارك فيها أهالي الوادي ترفع فيها لافتات بأسماء من فقدوا من فندق السان جورج.

    وقفة صلاة في ساحة دير مار جرجس على أرواح الضحايا.

    إقامة نصب يحمل أسماء المفقودين عند موقع الفندق.

    وأي اقتراح لتعويضات مالية يجب أن يتم عبر صندوق تبرعات لجبر الضرر يدار من قبل جهة منتخبة، ولا تأخذ أية تبرعات صيغة “الدية” أو التعويض عن الدم.

اضطررت لاحقاً لنشر نص المبادرة علناً مرفقاً بقوائم أسماء الضحايا. كانت ردود الفعل صاخبة، الداعم منها والمستنكر، وكانت هناك تلميحاتٌ لطيفة وأخرى مباشرة بألا نفتح ملفاً يتعلق بالمسيحيين الآن، وهو لأمر مؤسف ومؤلم، فلن تصان كرامة طائفة سياسياً وإنسانياً بالتغاضي عن المنتهكين منها أو استرضائها بذلك.

غيابٌ حاضرٌ بعنف

يورث غياب مسار العدالة الانتقالية أو على الأقل عدم الإخطار بانطلاقة فعلية قريبة أو بعيدة له فعلاً انتقامياً شهدناه منذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد، وما زلنا نشهده يتصاعد حتى اليوم. غضب الناس مفهوم لكن من غير المقبول أن يتكرس فعل القتل العشوائي كجزء طبيعي من المشهد السوري وكإجراء عادي أيضاً تحت عين السلطة التي تعرف وتسمع وترى، والتي باتت في بعض المناطق السورية تكيل بمكاييل غير متساوية، وتعطي انطباعاً أنها تقوي فئة سورية على أخرى.

عبر خطوط الانقسام: المجتمع المدني أول اختبار للتقارب السوري

01 كانون الأول 2025

من جهة أخرى فإن أخطر ما يقدمه السوريون لبعضهم اليوم هو الإنكار والاستخفاف بالألم، لم يغضبني كل ما سمعته أو رأيته بدءاً من بيتنا المحروق وقبر أبي بقدر ما أغضبتني عبارات موالين سابقين لنظام الأسد وهم يقولون: لم نكن نعرف ماذا حدث معكم. واليوم أخشى أن نعيد ممارسة هذه القسوة ونقول أننا لا نعرف.

هناك انتهاكاتٌ جديدة تكاد تمحو انتهاكاتٍ وحقوقاً سابقة عليها، انتهاكات تضعنا كل يوم أمام استحقاق أخلاقي قبل أن يكون وطنياً، استحقاق ألا يقبل سوري واجه نظام الأسد الاعتداء على سوري آخر أياً كان منبته ومشربه.

نخسر اليوم ونحن نقول ما في داخلنا صداقات حقيقة أو نكاد، تماماً كما حدث في بداية الثورة السورية. لا يمكن أن نفكر بالعدالة من دون عينٍ منصفة ترى من جهة أن جزءاً من السوريين فقدوا أحبة وأماكن وبلاداً وذاكرة، ينتظر أكثرهم خبراً عن مفقود يرفضون الاعتراف أنه لم يعد موجوداً، وترى من جهة أخرى أن هذا لا يبرر أن يتكرر ما واجهوه بحق سوريين آخرين. لو أن مسار العدالة بدأ لما ذهب بنا الطريق نحو الانتقامات.

على مدار أشهر تم تشكيل هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، وحتى اللحظة يبدو عمل الهيئتين في طور المأْسسة وبناء قاعدة أولية من استيعاب حجم الفقد والاحتياج للعدالة في سوريا ثم المتاح في سبيل تحقيقها، إن كانت هناك نوايا حقيقية لذلك. فرحتنا بعام من تحرير سوريا من نظام الأسد وتوابعه كبيرة، لكنها فرحة تشوبها غصة قلوب الأمهات المنتظرة للاشيء سوى شاهدة قبر يهدهدنها. للواتي لا يؤمن بعدالة السماء، هذا حملٌ ثقيل، أما للواتي يؤمنّ، فما أثقل موازين مَن قد يسامح بحقهن.

صحيفة وشاعرة سورية، من فريق حكاية ما انحكت، عملت ونشرت في عدد من وسائل الإعلام السورية والعربية

حكاية ما انحكت،

——————————-

 انهيار النظام الأسدي ونهاية “الحرب المقدسة” الإيرانية/ علي سفر

الأحد 2025/12/07

لم يكن سقوط نظام الأسد مجرّد طيّ لمرحلة سورية دامية، ولا مجرّد نهاية لحكم عائلة أرهقت البلاد لعقود. بل كان لحظة ختامية لمشاريع سياسية وثقافية أريد لها أن تُبدِّل وجه البلاد ومن خلفها الشرق العربي لصالح المشروع الطائفي الإيراني، الذي استتر وراء شعارات المقاومة والممانعة، وأراد أن يلحق أربع عواصم عربية بطهران كما كان قادة الحرس الثوري يتفاخرون دائماً!

مشروع حكم الملالي الدمويّ جعل شعوب المنطقة تفزع من المستقبل الذي ستنتهي إليه، ولاسيما مع محاولة إيران تهشيم الثقافة العربية في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وخلق بدائل تقوم على رفض العلاقة مع العمق العربي، بحجة أن الثقافة القادمة منه إنما هي ثقافة الإرهاب والتكفير!

وضمن هذا، شهدنا طيلة سنوات كيف حاولت المستشارية الثقافية الإيرانية وقبلها سفارة الولي الفقيه فرض نفسها على أنشطة المؤسسات الحكومية كوزارة الثقافة أو النقابية كاتحاد الكتاب العرب، وقد بذلت هذه الأدوات مالاً كثيراً لا يُعرف حجمه من أجل تسويق الحضور الإيراني في حياة السوريين.

بعد سقوط النظام تسارعت التصريحات الإيرانية التي تتهم السوريين بالتقصير، وتطالب الدولة الجديدة بسداد «الديون» التي أنفقتها طهران في سبيل حماية الأسد. هذا الخطاب المتكرر يعكس جوهر الأزمة الإيرانية: طهران لم تخسر حليفاً سياسياً فحسب، بل خسرت مشروعاً كاملاً بنته حجراً فوق حجر، وسعت من خلاله إلى فرض نفسها قوّة إقليمية لا تُردّ.

عندما يتحدث المسؤولون الإيرانيون عن الأموال، فهم لا يقصدون فقط المساعدات المالية أو خطوط الائتمان التي فتحوها للنظام، بل يقصدون ما هو أعمق وأخطر: ترسانةً ضخمة من الأسلحة، ومستشارين، وميليشيات، ومراكز تدريب، ومولدات كهرباء، وتجهيزات لوجستية، وشبكات مذهبية-أمنية وثقافية استطاعوا زرعها داخل المجتمع السوري. لقد تصرّف الإيرانيون في سوريا كما لو أنهم يبنون امتداداً طبيعياً للدولة الإيرانية، لا مجرد تحالف سياسي.

لكن المفارقة أن هذه البنية الضخمة انهارت دفعة واحدة حين سقط النظام، ووجد قادة طهران أنفسهم مكشوفين أمام العالم، حتى لدرجة التصريح بأن بشار الأسد حوّلهم إلى “أضحوكة” أمام دول المنطقة. إن هذه الجملة وحدها تكفي لمعرفة حجم الرهانات التي سقطت.

منذ اللحظة الأولى لدخول إيران إلى سوريا، لم يُقدّم تدخلها على أنه مشروع نفوذ أو توسّع، بل قُدِّم داخل إيران، وفي الأوساط التي تسيطر عليها في العراق ولبنان، بوصفه جزءاً من حرب مقدّسة.

كانت الآلة الدعائية تعمل في كل اتجاه: الرواديد الشيعة الذين شرح الباحث التركي آدم يلماز، “المنشدون الدينيون… جيش البروباغندا الإيرانية في الحرب في سوريا” بنية خطاب أناشيدهم التعبوية، وفحوى اللطميات التي تحوّل الحرب إلى طقس ديني، والخطب التي تربط سقوط دمشق بسقوط «المقدسات». حاول المشروع الإيراني تأطير المعركة باعتبارها امتداداً لمعركة عقائدية، وأن المقاتلين في سوريا إنما يؤدّون واجباً دينياً قبل أن يكون سياسياً. مستخدماً هؤلاء كجزء مهم من “جيش البروباغندا الإيرانية”.

في الوقت نفسه، لم يكن المجتمع الإيراني بعيداً عن أثمان التدخل في سوريا، فقد وجد الإيرانيون أنفسهم يتحملون كلفة اقتصادية متراكمة، إلى جانب ضغط نفسي وسياسي ناتج عن خطاب رسمي يربط أي اعتراض بالتخلي عن «المصلحة الوطنية». بهذا الشكل، تحول التدخل إلى جزء من سياسة داخلية تقوم على التعبئة المستمرة، لا مجرد قرار خارجي عابر. وفي خلفية هذا كله، سعت طهران إلى تقديم تدخلها باعتباره مشروعاً ثقافياً-أيديولوجياً ذا بعد يتجاوز الجغرافيا السورية.

في فيلم المخرج الإيراني جعفر بناهي “مجرد حادث” المتوج بالسعفة الذهبية، في مهرجان كان لهذا العام، يظهر أثر هذا المشروع في سياق درامي: سجناء سابقون يواجهون أحد الجلادين، فيتذكرون كيف كان يستخدم لغة السخرية منهم والافتخار بأمجاد الحرب المقدسة، لتبرير التعذيب وانتزاع الاعترافات. لا يقدم الفيلم خطاباً مباشراً، بل يلتقط العلاقة بين العنف اليومي داخل السجون، وبين السردية الأوسع التي استُخدمت في تبرير التدخل الإيراني في سوريا.

وجود شخصية كانت جزءاً من المنظومة في لحظة الأسر بين أيدي الضحايا يتيح كشف البنية الداخلية لهذا العنف: السيطرة على الجسد، الضغط النفسي، وتبرير القمع باعتباره امتداداً لمعركة أكبر. ما يقدمه الفيلم لا يبدو استثناءً، بل تجسيداً لطريقة اشتغلت بها المنظومة الأمنية التي رافقت المشروع الإيراني في أكثر من ساحة.

Image-1765058664

بهذا المعنى، تصبح الهزيمة الإيرانية في سوريا أعمق من كونها تراجع نفوذ أو خسارة سياسية. فهي تعني تآكل السردية الثقافية والفكرية التي حاولت تصوير التدخل باعتباره ضرورة عقائدية أو مهمة تاريخية. ومع سقوط النظام السوري، تهاوت معها شبكات وتأثيرات كانت طهران قد بنتها خلال سنوات، بدءاً من أدوات القوة الناعمة، وصولاً إلى الميليشيات والمؤسسات الموازية التي سعت من خلالها إلى تثبيت حضور طويل الأمد. لم يكن تأثير الهزيمة محصوراً في المشهد السوري، بل امتد إلى الداخل الإيراني ذاته، حيث بدأ يظهر الحديث عن الكلفة العالية التي تكبّدتها البلاد تحت غطاء ديني وسياسي واحد.

وما يعزز هذا التحول هو التبدل في موقع دمشق نفسها. فالمدينة التي حاولت طهران تحويلها إلى مركز نفوذ سياسي وطائفي تشهد اليوم ظهور مشاريع إعلامية وسياسية عربية كانت مستحيلة في السابق. ولعل الإعلان عن انطلاق قناة معارضة أحوازية من دمشق مثال على هذا التبدل؛ فهو يشير إلى إعادة تشكل المجال السياسي في المدينة، وإلى انفتاح يختلف تماماً عن الحقبة التي كانت فيها القرارات تُصاغ بما يتوافق مع حضور الميليشيات والشبكات الإيرانية. أهمية هذه الخطوة تكمن في رمزيتها، إذ تعكس العودة المتزايدة للهوية العربية إلى قلب العاصمة السورية، وتراجع قدرة المشروع الإيراني على احتكار المجال العام فيها.

وفق هذا السياق، لا يبدو سقوط نظام الأسد حدثاً محلياً معزولاً، بل يمثل نقطة تحوّل أوسع في ميزان القوى الإقليمي. فقد انهار مشروع إيراني كان يعتمد على بيئة سياسية وأمنية محددة، ومع انهيارها فقد أدواته الأساسية. وما تبقى منه اليوم لا يتعدى روايات متفرقة عن «ديون» تريد طهران استعادتها، وشبكات عقائدية فقدت حضورها بعد أن انقطعت صلتها بالواقع السوري.

في المقابل، يفتح الوضع الجديد الباب أمام توجّه مختلف في سوريا، يقوم على إعادة بناء المجال السياسي والثقافي خارج تأثير القوة الإيرانية. وهذا ما يجعل لحظة سقوط النظام أكثر من مجرد نهاية لمرحلة؛ إنها بداية إعادة تعريف لدور دمشق وموقعها في محيطها العربي، وانتقال تدريجي نحو صيغة سياسية وثقافية أقل عسكرة، وأقرب إلى ما تفرضه الجغرافيا والهوية والتاريخ.

———————————–

عام على التحرير.. سورية تتغير/ غسان المفلح

ديسمبر 7, 2025      

الشكر لشهداء الثورة السورية، لمعتقليها لمفقوديها لمهجريها، لأهلها في المخيمات. سقطت الأسدية وتحررت البلد. شكراً لكل من ساهم كي يرى السوريون بلدهم بدون الأسدية والأسد.

الشكر لمقاتلي هيئة تحرير الشام، الذين أعطوا نموذجا للتحرير الآمن في حلب، حيث كانت فاتحة التحرير. كانت لحظة فارقة في عمر سورية والمنطقة عموما. لحظة أخرجتنا كسوريين من حالة الاستعصاء الأوبامية، ومن حالة الاستعصاء الأسدية، ومن حالة اليأس العام، أن الأوضاع الاسدية أبدية.

عام مضى على هذه النقلة النوعية، تغيرت فيها سورية كثيرا. أول وأهم تغير: حدث تكسر القوقعة القمعية التي كانت تغلق البلد. تكسرت القبة الحديدية الأسدية، وخرجت البلد والناس على حقيقتها كما هي، بكل حمولتها الوطنية، والطائفية، والدينية، والقومية.

خرجت للنور، حيث اشتعلت معارك هنا وهناك.. أجيال سورية الآن تشارك في هذه المعمعة. خرجوا كما هم عراة لا يسترهم شيء ولا يخيفهم شيء. بدؤوا في التعبير عما هم عليه، سواء كانوا وطنيين أم غير ذلك.

ثاني أهم تغير: مساحة الحرية التي فاجأت الجميع. الحرية في التعبير والنقد والنقض والشتم أيضا. هذه المساحة من الحرية التي تنتظر القوننة لا رجعة عنها من قبل السوريين. اختبروها عاماً كاملاً. فقط بعض النخب المريضة تتحدث عن أن البلد لم تتغير، ويحاولون تبرئة الأسدية.

ثالث تغير هو انخراط المجتمع الأهلي في عملية البناء، وفي سياق تحوله لمجتمع مدني. لأن الأسدية منعت أي دافع لقيام مجتمع مدني في سورية.

رابع تغير: مطالب الفلول في عفو عام عن الإجرام الأسدي. مطالب تطبيقات دستورية جديدة مثل فيدرالية ولا مركزية. هذا منجز التحرير. هم أحرار الآن لكنهم يعتقدون أن الحرية هذه نتيجة نظام الأسد! وليس لأنهم تحرروا من عقود القمع والقتل على الهوية وغير الهوية.

خامس تغير: هذا المجتمع الذي لم يتعرف على بعضه، الآن بدأ بذلك. تجد طائفياً هنا وعنصرياً هناك. تجد وطنياً هنا وديمقراطياً هناك. هذه الخلطة هي سورية التي تمضي نحو مستقبلها. اشتعال المعارك الصوتية وغيرها تعبير أيضا عن قوى المستوى السياسي، الذي هو مستوى قوى أمر واقع فرضت على البلد.

خامس تغير: الناس تشعر بأكثريتها أنه بات لديها رئيس يستمع وتخاف عليه. هذه أحاسيس هؤلاء البشر الآن، ليس لشخصه فقط، بل للحالة النوعية التي شعروا بها، والتي يمثلها بالنسبة لهم. هذه الحالة لا تتعلق بالحديث السياسي، بل تتعلق بما الناس عليه من قهر أسدي مزمن ومتراكم.

هذه المشاعر ليست مزيفة كما يحاول بعضهم تصويرها، وأنه حدث للأسد الأب المجرم بأن تعاملت معه الناس بنفس الطريقة عندما قام بانقلابه. الأسد لم يأت بعد مجازر واقتلاع نصف الشعب السوري. لم يأت بعد مليون ضحية. لم يأت بعد سجون ومقابر لا يزال الشعب السوري يكتشفها. هذا كلام ليس سياسيا، هذا كلام يمس وجدان الناس ومشاعرها.

سادس تغير: سورية عادت للفضاء الدولي والإقليمي بوصفها قضية رئيسية. أجيال الشباب تتابع ما يصدر عن دوائر صنع القرار في الدول الكبرى على الأقل. كان رفع العقوبات حدثا احتفاليا لهم. بقي قانون قيصر الذي يُنتظر رفعه. اتضح للناس أن البلد في مركز اهتمام أصحاب القرار الدولي من أجل أن تمضي بسلام. هذه أيضا مشاعر الناس وتفاعلهم معها.

سابع تغير: حملات الناس ضد رفع أسعار الكهرباء والاتصالات. هذه كانت حلماً بالنسبة للسوريين في عهد الساقط. حملات الناس ضد أي مسؤول يخطئ بحق من حقوقهم. كل مواطن الآن يسعى لأن يكون صوتا من أجل المستقبل.

ثامن تغير: بروز نتائج الشحن الطائفي على السطح. تعامل السوريين معه، وملاحظتي أن السوريين يتغيرون. هذا الشحن تراجع خلال هذه الفترة. لا يمكن أن يتعرف السوريون على بعضهم إلا عبر إنهاء التركة الأسدية التي هي السبب فيما وصلت له البلد حتى قبل سقوطه. غالبية السوريين الآن مع بلد حر.

تاسع تغير: دخول فعاليات المجتمع الأهلي على الخط، من عشائر وغيرها. هذه كانت خارج المعادلة السورية. هذه العشائر تتعلم بسرعة أن أفقها مجتمع مدني ودولة قانون.

عاشر تغير: الصورة ليست براقة كما يفهم من كلامي. بالعكس، الصورة لا تزال تحتاج لعمل كثير من السلطة والمعارضة المجتمعية. خاصة أنه رغم ما كتبته أعلاه لا يزال شبح الخوف على السلم الأهلي قائما. لا يزال السوريون خائفين على هذا الإنجاز غير المسبوق بالنسبة لهم.

لكنني أحاول في هذه العجالة أن أتلمس الإيجابي فيما حدث.

هذا لا يعني أبدا أنني لن أتحدث عما جرى ويجري من سلبيات. مثل استمرار القتل بحق العلويين وغير العلويين كما يحدث في حوران مثلا. أو عن وجود تيارات سياسية لا تريد خيرا للبلد، ومواجهة الناس لقوى أمر واقع مسلحة لم يكن في حسابهم أنها ستقف حجر عثرة في طريق نهضة بلدهم.

الجرائم التي حدثت وتعامل السلطة في دمشق معها، غير كاف لكن يبنى عليه بهمة الأجيال الشابة من المعارضة. في السلطة التي لم تعرف نفسها بعد سياسيا وتنظيميا وأقصد حزبيا، يمكن أن يقال الكثير. مستشار هنا وناطق رسمي باسم وزارة هناك. كل يتحدث على هواه. وزير هنا وصاحب ذقن هناك أيضا. لكن رغم ذلك السوريون يتعلمون ويريدون ذلك.

في نهاية هذه العجالة: لا القامشلي تستطيع العيش بعيدا عن سورية ولا السويداء، ولا سورية تستطيع العيش بدون السويداء والقامشلي.

لاتزال سورية عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية من جهة أخرى. هذا أيضا يرعب الناس، خاصة فيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي الذي يحتاج أن نفرد له مادة خاصة.

الكتابة عن السويداء وعن الجزيرة السورية وعن مناطق الشمال السوري قادمة.

مبارك التحرير للسوريين كل السوريين الذين تنفسوا الصعداء.

الثورة السورية

——————————

 المرأة السورية في المرحلة الانتقالية ومقاومة الأبوية المتجدِّدة/ فاطمة عبود

2025.12.07

يعدُّ تغيُّر دور المرأة السورية، خلال سنوات الحرب، تحولاً عميقاً طال البنية الذهنية للمجتمع السوري، التي ما زالت في مرحلة التكوُّن والتشكُّل، إذ دفعت الظروف القاسية عدداً كبيراً من النساء إلى دخول مجالات لم تكن متاحة لهنَّ سابقاً، كدخول سوق العمل، وإدارة الأسرة، وتولي مسؤوليات اقتصادية واجتماعية، ومواجهة تبعات النزوح والفقدان. هذه التجارب، رغم قسوتها البالغة، أفرزت تحولاً لا يمكن التقليل من أهميته، إذ شكَّلت لحظة اضطرارية دفعت المجتمع إلى إعادة النظر في قدرات المرأة وحدود أدوارها، كما أسهمت في بناء تصوُّر جديد عن قدرتها على المبادرة والفعل، الأمر الذي جعل هذا التحوُّل، رغم ألمه، خطوة ضرورية كان لا بدَّ من مرور المجتمع بها كي يعيد فهم ذاته وعلاقاته ومرتكزاته الاجتماعية.

إنَّ التجربة اليومية التي عاشها المجتمع السوري دفعته إلى إعادة التفكير في توزيع الأدوار بين الجنسين، فالحياة في زمن الحرب لم تترك مساحة للمفاهيم التقليدية التي كانت تحصر المرأة في دائرة الرعاية المنزلية. تلك التحولات العملية أنتجت بنية ذهنية جديدة، ظهرت داخل الوعي الجمعي السوري بصورة تدريجية، إذ بات التعامل مع ظهور المرأة في المجال العام احتمالاً واقعياً خرجت فيه عن المألوف. ورغم ذلك، ما يزال المجتمع السوري في المرحلة الانتقالية محكوماً بذهنية أبوية متجذِّرة يصعب التخلص من تبعاتها، إلا أنَّها لم تعد الذهنية ذاتها التي كانت تحكم الحياة قبل التحوُّلات الأخيرة، فالنظام الأبوي لم يتراجع، لكنَّه غيَّر لغته وآلياته، فأصبح يقدِّم نفسه ضمن إطار أكثر مرونة، حيث منحت المرأة مساحات جديدة ظاهرياً، بينما بقيت مراكز القرار راسخة داخل بنية ذكورية تعيد صياغة سلطتها بما يتناسب مع الظروف المستجدة.

لم تعد الأبوية، في شكلها الراهن، تعتمد خطاب التفوُّق الصريح، فما نراه على أرض الواقع ليس إلا محاولة لإظهار انفتاح شكلي على مشاركة النساء، مع الحفاظ على السيطرة من خلال إعادة توزيع الأدوار بطريقة تحافظ على الهيمنة القديمة. وبذلك غدت الأبوية المتجدِّدة أقل صداماً وأكثر مهارة في تكيُّفها مع لغة المرحلة الانتقالية، ويظهر ذلك بوضوح مع تزايد حضور الخطابات الرسمية التي تتحدَّث عن تمكين النساء ودعم مشاركتهنَّ، فالحكومة الانتقالية نفسها تحاول أن تظهر توجُّهاً نحو رفع نسب مشاركة المرأة داخل مؤسسات الدولة، إذ تحمل خطاباتها الرسمية إشارات واضحة إلى رغبة في بناء نموذج حكم أكثر انفتاحاً وأكثر تمثيلاً للنساء، غير أنَّ هذه الرغبة تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى موقف شكلي منها إلى إرادة سياسية فعلية، فالخطاب العام يعلن دعم مشاركة النساء في مواقع صنع القرار، لكنَّ الواقع يكشف عن فجوة واضحة، وهذا ما نلاحظه في المواقع القيادية الأساسية التي ما تزال تحت سيطرة رجال يمثلِّون امتدادات للبنية الذهنية التقليدية.

إنَّ المشاركات النسائية التي نشهدها في المرحلة الانتقالية لا تتجاوز الحدود التي لا تهدِّد مركز الهيمنة، ما يجعل الخطاب الرسمي في حالة انفصال عن التطبيق العملي، وهذا التفاوت بين الخطاب والممارسة يظهر أنَّ التحول السياسي لا يكفي وحده لإعادة تشكيل بنية اجتماعية تمتد جذورها عميقاً داخل الثقافة المحلية، فالمجتمع الذي عاش طويلاً ضمن نسق سلطوي قائم على الامتثال ما يزال ينتج مقاومة ضدَّ أيِّ تغيير يمسُّ مفهوم السلطة ذاتها، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة.

بالإضافة إلى أنَّ المرحلة الحالية في سوريا تعدُّ من أصعب الفترات التاريخية التي مرَّ بها المجتمع، إذ تتداخل فيها آثار الحرب مع غياب الاستقرار السياسي، كما تتزامن هذه المرحلة مع تحولات اقتصادية واجتماعية هائلة تضغط على كلِّ فئات المجتمع، ومنها النساء. هذه الصعوبة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بارتباك الوعي الجماعي الذي يعيش حالة انتقالية لم تستقر فيها القيم الجديدة بعد. لذلك فإنَّ النساء يواجهن تحدِّيات مضاعفة؛ تحديات ناتجة عن استمرار الذهنية الأبوية، إضافة إلى تحديات تتعلَّق بفرص العمل، وانعدام الأمن، وتراجع الخدمات الأساسية، وانتشار الفقر.

ولا شكَّ أنَّ المرأة السورية التي اكتسبت دوراً أكبر خلال الحرب تواجه الآن محاولة لإعادة ضبط موقعها وفق معادلات سياسية واجتماعية جديدة، بعضها يهدف إلى احتواء صعودها، وبعضها يعترف بدورها، لكنَّه يشترط عدم تجاوز حدود معينة. ورغم تلك التحديات، يستمر التحوُّل الاجتماعي المدفوع بالتجربة المعيشة، فالنساء اللاتي قدن أسرهنَّ خلال الحرب أو شاركن بفاعلية في مشاريع مجتمعية يصعب إعادتهنَّ إلى موقع التبعية القديم. فالتجربة التي عاشتها المرأة صنعت قناعة ذاتية لدى كثير من النساء بقدرتهنَّ على اتخاذ القرار، كما صنعت قناعة لدى شرائح واسعة داخل المجتمع بأنَّ تحمُّل المرأة للمسؤولية لم يكن حالة استثنائية، إذ يمكن البناء على هذه التجربة للوصول إلى الشكل الأمثل الذي ينبغي أن تكون عليه مكانة المرأة السورية.

إنَّ التحوُّل الحقيقي في سوريا اليوم يقوم على مخاض وعي جديد يتشكَّل ببطء، ومستقبل هذا التحوُّل يعتمد على قدرة المجتمع الانتقالي على تجاوز القيود القديمة، وعلى إرادة الحكومة الانتقالية في تحويل خطابها الداعم للنساء إلى إجراءات ملموسة. ومع أنَّ الطريق ما يزال طويلاً، إلا أنَّ البنية الذهنية التي ولَّدتها سنوات الحرب تحمل إمكانات كبيرة لتغيير موقع المرأة داخل المجتمع السوري، شريطة أن تساند السياسات الجديدة التجربة بدل أن تحاصرها؛ لأنَّ أي محاولة للعودة إلى النظام الأبوي التقليدي سيحجِّم الخبرات التي اكتسبتها المرأة السورية، وسيضع المجتمع أمام انتكاسة لا يمكن تحمُّل تبعاتها في مرحلة تحتاج إلى كلِّ طاقة بشرية قادرة على إعادة البناء والترميم.

تلفزيون سوريا

—————————

نصرالله: حتى انت يا بشار؟/ أحمد عياش

07 ديسمبر ,2025

أحدث بث قناة “العربية/الحدث” أمس مقاطع فيديو ظهر فيها الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ومستشارته لونا الشبل، تنتقد فيها “حزب الله”، غضبًا في أوساط مناصري “الحزب” في لبنان. وحرّكت هذه المقاطع أوجاعًا ظهرت جلية بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة العام الماضي، ما أدى الى ظهور انتقادات في أوساط الحزب وانصاره لسلوك النظام السوري حتى قبل أن يسقط الأسد في مثل هذا الشهر من العام الماضي، وتحديدًا في 8 كانون الأول 2024.

وكانت مستشارة الأسد السابقة لونا الشبل ترافقه في الجولة، إضافة إلى شخص ثالث يسجل الفيديو في آذار 2018. وحين صادف الأسد مسلحين مجهولين، قال إنهم من لبنان، في إشارة إلى مسلحي”حزب الله”، لتفتح لونا الشبل حديثاً عن الحزب. وقالت في الفيديو: “الجيش السوري تعلّم وصارت عنده خبرات يدرّسها لغير جيوش”، مضيفة: “حزب الله” في النهاية لَبَدْ (أي تراجع عن ادعاءاته). لم نسمع صوته”.

يستعيد أحد مناصري “حزب الله” الكلمة التي القاها الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله خلال الحفل التأبيني للقائد في الحزب الحاج حسان اللقيس في 20-12-2013 حيث اغتالته إسرائيل في ذلك الوقت في الضاحية الجنوبية لبيروت .

اختار نصرالله تلك المناسبة في نهاية ذلك العام ليقول كل شيء تقريبًا عن تدخل “حزب الله” في الحرب السورية.

من أبرز ما قاله نصرالله في تلك الكلمة:

“- أنّ ما يجري في سوريا يشكل تهديداً للشعب السوري ولأغلبية الشعب في سوريا ـ وهذا الذي يقول لك: تقتلون الشعب وتحاربونه، (أقول له) من الذي يقتل الشعب ومن الذي يحاربه؟ ـ ويشكل تهديدًا لكل لبنان ولكل المنطقة وللقضية الفلسطينية، ويشكل تهديدًا للسنّة كما يشكل تهديدًا لكل الطوائف والأقليات والمذاهب الدينية.

– موضوع سوريا في نظرنا هو معركة وجود، وليس معركة امتيازات مثل ما يقولون: ليس شرط كمال، هو شرط وجود، وهو ليس معركة وجود لنا ووجود لـ”حزب الله”، بل هو معركة وجود للبنان ولسوريا ولفلسطين وللقضية الفلسطينية ولكل مشروع المقاومة في المنطقة.

-يقول لك، فلينسحب “حزب الله” من سوريا وليشكّل الحكومة التي يريد، أنتم مشتبهون، الموضوع في سوريا بالنسبة لنا ليس موضوع سلطة في لبنان، ولا موضوع حكومة في لبنان، ولا موضوع امتيازات، الموضوع أكبر من ذلك وأعمق.

-مسألة وجودنا في سوريا، سياقها الاستراتيجي الكبير، ليست قضية خصومات داخلية، يعني أنا أقاتل في سوريا لأجل أن لا تتغلبوا عليّ في لبنان، كلا. أنا أقاتل في سوريا لأنه يوجد مصير سوريا ولبنان وفلسطين وكل المنطقة، يوجد مصير مقدسات هذه الأمة.

-نحن جاهزون لمناقشة هذا المنطق، ولم نقل كلا، عندما قيل على طاولة الحوار إن هذا الموضوع من موضوعات النقاش بمبادرة دولة الرئيس نبيه بري قبلنا، لأننا جاهزون لنناقش، تعالوا لنقيّم ما الذي يحصل في سوريا، وما هو الملف الصحيح” .

هكذا، رفع نصرالله في نهاية العام 2013 تدخل حزبه في سوريا الى مرتبة “مصير مقدسات هذه الامة”. لكن النظام الذي سارع “حزب الله” الى نجدته كان يهزأ به بعد نحو 5 أعوام.

وفي المقابل، ومن وثائق تلك المرحلة ، تقرير صادر في أيلول 2013 عن لجنة التحقيق الدولية في أحداث القصير بسوريا، حيث أفاد بأن قوات “حزب الله” قامت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

وتحدث التقرير عن استخدام الحزب صواريخ محمولة شديدة التفجير تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة وتحدث دمارًا هائلاً في المباني.

كما اتهم التقرير عناصر “حزب الله” بالسيطرة على محطات مياه الشرب، وقطعها ما أدى إلى زيادة تدهور الوضع الصحي لسكان القصير وجعلها عرضة للأمراض.

وجاء التقرير على ذكر استحالة معالجة المصابين، بسبب القصف المتواصل ورفض قوات النظام السماح لسيارات الإسعاف بالدخول.

وقالت اللجنة إن معارك القصير بدأت بعد أن شنت القوات الحكومية ومقاتلو “حزب الله” هجومًا واسعًا في المنطقة بين 4 نيسان و8 حزيران من ذلك العام ، لدفع مقاتلي المعارضة إلى الانسحاب.

وخلفت هذه المعارك ما لا يقل عن 500 قتيل في صفوف المعارضة، وجرح نحو 1000 آخرين.

كما أكّدت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية في ذلك الوقت على أنّ عدد قتلى “حزب الله” قد تجاوز 1000 قتيل في سوريا وهو عددٌ أكبر بكثير من خسائر الحزب في حرب تموز 2006.

يلفت الانتباه في خطاب نصرالله حول إعلانه التدخل في سوريا، انه يكاد يكون مشابهًا لكلمة الأمين العام الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الأخيرة الجمعة. وتحدث قاسم عن سلاح “حزب الله” ووجوب بقائه، مثلما تحدث نصرالله سابقا عن تدخل الحزب في حرب سوريا عام 2013 . ومن نماذج كلمة قاسم:

“-الاعتداءات الدائمة ليست من أجل السلاح الذي بيد “حزب الله” أو المقاومة، بل من أجل التأسيس لاحتلال لبنان بشكل تدريجي، ورسم إسرائيل الكبرى من بوابة لبنان.

– لا علاقة لأميركا ولا لإسرائيل بكيفية تنظيم شؤوننا الداخلية. ليس شأنهم أن يقولوا: أنتم الدولة اللبنانية قالت حصرية السلاح، ونحن نشرف عليكم لنرى كيف عملتم حصرية السلاح.

-لا علاقة لإسرائيل وأميركا بالسلاح، ولا بترميم القدرة، ولا بالاستراتيجية الدفاعية، ولا علاقة لهم بخلافات اللبنانيين واتفاقاتهم وآرائهم. ليجلسوا جانبا، نحن نتفاهم مع بعضنا.

-فليكن واضحًا أننا سندافع عن أنفسنا وأهلنا وبلدنا، ومستعدون للتضحية إلى أقصى حد ولن نستسلم، وسيكون بأسنا أشد وأشد، ولن نستسلم”.

كانت كلفة تدخل “حزب الله” في سوريا هائلة ، لكن نصرالله لم يعش ليسمع ما صدر بالأمس عن الأسد الذي كان يبتسم وهو يستمع الى التجريح بحق الحزب.

كما كانت كلفة تدخل “حزب الله” في حرب غزة من خلال “حرب الإسناد” مهولة وأدت الى رحيل نصرالله وآلاف آخرين من قادة وقواعد الحزب.

لن يلجأ نصرالله، لو ذهبنا الى العالم الافتراضي الى عبارة “لو كنت أعلم” التي استخدمها في حرب عام 2006، لكي يقول رأيه في تدخل الحزب في الحرب السورية. بل سيلجأ الى شكسبير ليقول ما يشبه ما قاله يوليوس قيصر”حتى أنت، يا بروتس؟” حيث كان يتحدث فيها الديكتاتور الروماني يوليوس قيصر لصديقه ماركوس جونيوس بروتوس في لحظة اغتيال قيصر. فيقول نصرالله للأسد اليوم: “حتى أنت يا بشار”؟

أما ما سيقوله قاسم ولو متأخرًا، فلا نعلم. لكن ما نعلمه أن الأخير يبدو أنه فاقد الذاكرة حتى لأحداث لم يمض عليها الزمن.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

————————————–

قرارات بشار الغريبة/ عبد الرحمن الراشد

تمر سنة على نهاية نظام الأسد. التغيير هائل وتداعياته لم تنتهِ بعد. وبمرور الذكرى الأولى لا تزال هناك أسئلة حائرة أبرزها: لماذا تحول بشار الأسد ونظامه إلى تابع لإيران منذ السنوات الأولى لحكمه؟

في تصوري لو لم يرتكب تلك السياسة الخطرة ربما لما آلت نهايته منفياً في موسكو. قناعتي أكثر عند مراجعة إدارته للحكم لأكثر من عقدين وليس فقط مع اندلاع الاحتجاجات في عام 2011.

قبل الثورة عليه بأكثر من ثماني سنوات نشط نظام الأسد في العمل مع إيران إقليمياً على مستويات سياسية وعسكرية. حوّل سوريا بالتنسيق مع طهران إلى مركز عمليات سرية ضد الأميركيين بعد احتلالهم العراق في وقت كانت إيران تمارس بدهاء لعبة مزدوجة تستخدم بشار كأرض للمقاومة، وتتعاون مع الأميركيين في تصفية ما تبقى من نظام صدام حسين.

في مقابلة لي مع الأسد آنذاك قبل بدء العمليات، توعد بأنه سيحول «العراق إلى فيتنام أخرى». كان لديه وهم أن الأميركيين ينوون تغيير نظامه بعد إسقاط صدام، في حين، الحقيقة لم تبدِ واشنطن اهتماماً بدمشق ولم تستهدفه، وكانت تعدّ سوريا مجالاً أمنياً لإسرائيل.

سوريا بين 2004 و2009 أصبحت معسكراً وممراً للجماعات المسلحة، عراقيةً وعربيةً و«جهاديةً»، الآلاف منهم. وكان يجري تهريبهم من سوريا إلى داخل العراق من خلال محافظات مضطربة أمنياً مثل الأنبار وصلاح الدين. نجحت تلك العمليات في تعزيز المركز التفاوضي الإيراني مع واشنطن، واستمرت إلى سنوات لاحقة.

وعلى جبهة ثانية، سخّر الأسد نظامه كذلك لخدمة سياسة إيران في لبنان بتصفية عدد كبير من القوى المعارضة وتمكين وكيل إيران، «حزب الله»، من السيطرة الكاملة. إيران عملت على بناء لبنان بوصفه أكبر جبهة مدججة بالسلاح في الصراع الإقليمي مع إسرائيل.

ومع اندلاع الاحتجاجات في درعا ثم بقية سوريا كان من المتوقع أن تهب الدول المتضررة من النظام السوري لدعم الحراك الجديد جزئياً. وقد نجحت الثورة وأوشك النظام على السقوط لولا مسارعة إيران لإنقاذه بعشرات الآلاف من المسلحين الذين جلبتهم من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان.

بشار بعد نجاته صار أكثر اقتناعاً بالعلاقة الاستراتيجية مع طهران، معتقداً أن مصير النظام أكثر أماناً في الحضن الإيراني. الحقيقة كانت علاقته منذ البداية مع طهران سامةً، وعبئاً وخطراً عليه.

تُبيّن سياسته أنه كان عاجزاً عن فهم توازنات المنطقة واللعبة الخطرة التي انخرط فيها. لم يكن قبل الثورة مضطراً للتحالف مع طهران. فقد شرعت أوروبا أبوابها له بعد توليه السلطة خلفاً لأبيه، كما سارعت دول محور الاعتدال للترحيب به. وكذلك العديد من القوى السورية المعارضة لنظام والده تفاءل بوصوله.

وليس صحيحاً أن بشار انتقل فوراً من العيادة إلى كرسي الحكم كما يشاع، بل كانت هناك بضع سنوات في آخر أيام حافظ الأسد شارك فيها في الظل في نشاطات رئاسية وحضر اجتماعات مهمة وكان على دراية بملفات الحكم. قراراته اللاحقة كشفت عن أن بشار لم يكن يشبه والده الذي حافظ على علاقة جيدة مع نظام طهران والرياض وموسكو والغرب ضمن توازنات محسوبة ضد نظام البعث وتركيا. حافظ استفاد من إسرائيل التي كانت مهمة في معادلة تأمين سلامة النظام الأقلوي. أيضاً الأب رحب بالتعاون مع الأميركيين في الحرب ضد صدام عام 1990. بشار فعل العكس تماماً.

أيضاً، يجب أن يقال إن العمر الافتراضي لنظام سوريا الأسد، الذي هو من مواليد الحرب الباردة، كان تقريباً قد استنفد قبل وصول بشار للحكم. إنما صعوده ترك نافذة صغيرة مفتوحة، وكان الأمر يتطلب منه التموضع انسجاماً مع نهاية الحرب الباردة والعلاقات الإقليمية في ظل وجود قطب دولي واحد مهيمن. إنما كان يتخذ القرار الخاطئ في معالجة كل مناسبة إلى آخر يوم له في الحكم. المعلومات الأخيرة تؤكد أن موسكو «تخلت» عن بشار قبل نحو عشرة أيام من انهيار النظام، عندما نجحت قوات أحمد الشرع في حملة عسكرية خاطفة على ريف حلب ومنها بدأت المسير إلى دمشق. أدركت روسيا أن انهيار النظام حتمي.

سقوط بشار كان مدوياً في المنطقة والعالم. انهار أمام أعين إيران وحلفائها الذين عجزوا عن فعل أي شيء هذه المرة. بخروجه خرج الإيرانيون وانهار مشروع الإمبراطورية من تلك المنطقة المهمة استراتيجياً. وتحررت سوريا من نظام مجرم، ولا تزال للتداعيات الإقليمية بقية.

الشرق الأوسط

———————————-

عام سوريا الأول: اتفاقيات بلا تنفيذ ومعارك سياسية تُعيد رسم الجبهات/ أغيد حجازي

7 ديسمبر 2025

خلال عام على سقوط النظام، أبرمت سوريا اتفاقيتين، وسعت إلى إبرام ثالثة، تهدف إلى الحد من تفاقم الأزمة الأمنية والعسكرية على ثلاث جبهات: في شمال شرق الفرات مع “قسد”، وفي الجنوب بخصوص السويداء، وعلى الحدود السورية مع فلسطين المحتلة. لكن جميعها ما تزال معلقة دون أي تقدم فعلي على الأرض، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن التعطيل.

اتفاق العاشر من آذار/مارس

كان أول اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في 10 من آذار/مارس، والمؤلف من ثمانية بنود، أهمها البند الرابع الذي ينص على “دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”.

وتنص الاتفاقية على أن تسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيقها قبل نهاية العام الحالي، وفقًا للبند الثامن. لكن العام أوشك على الانتهاء دون تنفيذ فعلي، مع استمرار اشتباكات متقطعة شبه يومية بين الطرفين.

الصحفي السوري الكردي باز بقاري اعتبر في حديثه لـ”الترا سوريا” أن “الربط بين اتفاق بحجم اتفاق آذار وبين مهلة زمنية لا تتجاوز تسعة أشهر كان خطوة متسرّعة”، موضحًا أن الاتفاق “بهذا الثقل، وفي ظل المشهد السوري شديد التعقيد وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، يحتاج إلى وقت أطول ومناخ سياسي أكثر استقرارًا”.

وأضاف بقاري أن “التعثّر أو التأخير في تنفيذ كامل بنود الاتفاق أمر طبيعي، لأن طرفي الاتفاق ليسا جاهزين بعد للتطبيق الكامل، سواء لأسباب داخلية وتنظيمية أو نتيجة حسابات إقليمية، وخصوصًا تلك المتعلقة بتركيا”، مشيرًا إلى أن “أنقرة، وإن وافقت تحت ضغط أميركي، لن ترضى بأي صيغة سورية – سورية لا تراعي مصالحها”.

    لا تزال جميع الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة السورية الجديدة معلقة دون أي تقدم فعلي على الأرض، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن التعطيل

وتابع أن “السلطة السورية المؤقتة لا تمتلك القوة الكافية لمواجهة الرفض التركي، كما أن قوات سوريا الديمقراطية غير مستعدة لتسليم جميع أوراقها دون ضمانات واضحة لخصوصية كيانها العسكري والسياسي، ولا سيما بعد أحداث الساحل والسويداء”.

وأشار بقاري إلى أن “الاتفاق جاء في توقيته ضرورة سياسية وأمنية، إذ كانت البلاد أقرب من أي وقت مضى إلى حرب أهلية شاملة كان من شأنها أن تقضي على ما تبقّى”، لكنه رأى أن “التروي في تنفيذ الاتفاق قد يكون أكثر فائدة لسوريا مما يظنه كثيرون، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى نتائج عكسية”.

وأضاف أن “المشهد الحالي يضعنا أمام قوتين أساسيتين على الأرض: قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة تحرير الشام التي تُعدّ القوة الأكثر تنظيمًا والنواة الأساسية للقدرة العسكرية التابعة لدمشق”، لافتًا إلى أن “باقي الفصائل، خصوصًا المنتشرة على خطوط التماس مع قسد، مرتبطة بشكل مباشر بتركيا ولا تخضع لسلطة دمشق الفعلية، بل أعلنت مبايعتها للرئيس السوري في إطار تفاهم سياسي وليس اندماجًا حقيقيًا، إلى جانب مجموعات أخرى متفرقة”.

وختم بقاري بالقول إن “مصير الاتفاق هو التطبيق، لكن توقيت تنفيذه الكامل ليس المعيار الحقيقي للحكم على نجاحه، بل الكيفية التي سيُنفّذ بها ومدى قابليته للتعديل بما ينسجم مع مطالب السوريين”، معتبرًا أن الاتفاق “يشكّل حتى الآن أهم خطوة سياسية وعسكرية بعد التحرير، وأن ضمان تنفيذه يشكّل ضمانة لبناء سوريا مستقرة”.

أما الباحث السوري بسام السليمان فأوضح لـ”الترا سوريا” أن التعطيل “يأتي من داخل التيارات المتطرفة في قسد”، معتبرًا أن “الدولة السورية قدّمت إجراءات جيدة” لدفع الاتفاق قدمًا.

 وقال إنه، بحسب اطلاعه، فإن مظلوم عبدي “يريد الاتفاق”، إلا أنه يعاني من ضغوط هذه التيارات، ولأنه “يعلم أن الحرب ستعيده إلى الجبال”، إذ لا يمكن – برأيه – لشخص لديه “حضور سياسي جيد” أن يرغب في العودة إلى مرحلة الجبال. لكنه أشار إلى أن هناك “تيارات متصلبة متطرفة دوغمائية” داخل قسد هي التي تعطل الاتفاق، لأنها ترى أنها “كانت تقاتل طوال 50 أو 60 سنة من أجل حلم دولة كردية”، وبالتالي “لا تريد اليوم الدخول ضمن دولة سورية وطنية”.

اتفاق عمّان

أما الاتفاق الثاني خلال هذا العام فهو اتفاق عمّان، الذي جاء برعاية أردنية – أميركية، عقب اشتباكات دامية بين فصائل السويداء من جهة، وبين قوات الحكومة السورية وفزعات العشائر من جهة أخرى. واعتُبر اتفاق عمّان “خارطة طريق” لحل مشكلة السويداء، وكان من أبرز بنوده: سحب كافة المقاتلين المدنيين من حدود السويداء، ونشر عناصر منضبطة مكانهم، وطرح مشروع وطني يركز على الوحدة والتعددية والمساواة.

كما نصّ على العمل مع واشنطن وعمّان ومكونات السويداء على فترة انتقالية وصولًا إلى الاندماج، إلى جانب تشكيل قوة شرطة محلية تضم كافة المكونات بقيادة شخصية من المحافظة.

إلا أن الاتفاق ما يزال مجمّدًا دون خطوات عملية أو بوادر تقدم، ويذهب كثيرون إلى أنه مرتبط بالاتفاق الأمني بين الإدارة السورية وإسرائيل، إذ ترغب الأخيرة بفتح طريق إمداد إلى السويداء، وهو ما يعطل الاتفاق الأمني، بحسب ما نقلته رويترز، بعد أن كان الاتفاق قريبًا من التوقيع، وهو ما أكد عليه الناشط السياسي رواد بلان معتبرًا أن “اتفاق عمّان يُستخدم كورقة تفاوضية ضمن ملف إقليمي، وإن تعطيله مرتبط بعدم رغبة السلطة في بدء أي حل من دون الحصول على ثمن إقليمي، خصوصًا تجاه إسرائيل”، مشيرًا إلى أن “الاتفاق أصبح جزءًا من ملف الجنوب ضمن مسار التفاهمات مع تل أبيب”.

وأوضح بلان لـ”الترا سوريا” أنه “لا يوجد في الوقت الحالي أي توجه جدي لدى السلطة لتنفيذ الاتفاق”، مشيرًا إلى وجود “جهود للتوصل إلى تفاهم بين الجهات الدرزية المعنية في السويداء وبين الأميركيين والأردنيين، على أمل عقد جلسات جديدة لاحقًا”.

وأضاف أن “مشكلة خارطة عمّان أنها حيّدت السلطة عن الأزمة، في وقت يتهم فيه أهالي السويداء السلطة بتحمّل المسؤولية المباشرة عمّا جرى من مجازر وانتهاكات”.

وأشار بلان إلى أن “بنود اتفاق عمّان فضفاضة وغير محددة بدقة، وتحتاج إلى الكثير من التفاوض والعمل”، معتبرًا أنه “لا توجد إرادة سياسية لتحريك هذا الملف حاليًا”، وختم بالقول إن “الطرف الأكثر قدرة على تحريك الاتفاق في هذه المرحلة هو الجانب الأميركي”.

من جهته اعتبر الباحث سليمان أن مجموعة من الأسباب التي تقف وراء عدم القدرة على المضي قدمًا في الاتفاقيات، مشيرًا إلى وجود “روابط” بين هذه الملفات، ومنها اتفاق عمّان المتعلق بالسويداء والاتفاق الأمني مع إسرائيل، إذ يرى أن هذين المسارين “مرتبطان ببعضهما نتيجة التعنّت الإسرائيلي”، لأن إسرائيل تعتبر أن عملية التغيير السياسي التي حصلت في سوريا “فرصة لفرض ما تريد على دمشق، أو ربما لإدخال سوريا في حرب غير متكافئة”.

وأضاف السليمان أن مرحلة التغيير السياسي في سوريا تُعدها إسرائيل “غير مستقرة”، وأنها تحاول في هذه المرحلة “إجهاض بناء سوريا الجديدة”. وأكد أنه، إلى جانب العامل الإسرائيلي في السويداء، يبرز عامل آخر هو “ضعف الخبرة السياسية” لدى من يقودون الحراك هناك، قائلًا إن رجال الدين “غالبًا عندما يقودون المجتمعات بهذا الشكل، فإنهم يوصلونها إلى هذه المرحلة”، مشيرًا إلى أن “تجارب التاريخ مليئة بهذا الأمر”.

الاتفاق الأمني الذي لم يوقّع مع إسرائيل

أما الاتفاق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي أُعلن مرارًا على لسان الرئيس الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني أنه سيُوقّع، وهو ما أكده المبعوث الأميركي توم باراك أيضًا، فقد وصل إلى طريق مسدود، بحسب المصادر الإسرائيلية، ما يجعل الأوضاع أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعد عملية بيت جن في ريف دمشق الغربي التي أدت إلى استشهاد 15 مواطنًا سوريًا وإصابة 6 إسرائيليين.

وقال المختص في الشأن الإسرائيلي والكاتب السياسي جعفر خضور إن الميزان اختلّ بين سوريا وإسرائيل اليوم، إذ انتقلت تل أبيب – على حد قوله – إلى مستوى جديد من الضغط على دمشق “يتجاوز إدارة المخاطر إلى إدارة التطبيع والتنازل عن ملفات كبرى مثل الجولان أو المنطقة العازلة الجديدة التي خلقها الاحتلال”. ورأى أن تعثر الاتفاق لا يعود فقط إلى “انزعاج إسرائيل من الرفض السوري”، بل أيضًا إلى وجود فريق داخل إسرائيل “ما يزال يتعامل مع الجبهة السورية بوصفها جزءًا أصيلًا من الجبهة الشمالية، وساحة خصبة لانبعاث تهديدات محتملة”، سواء كانت تقديرات هذا الفريق دقيقة أم مجرد فرضيات قابلة للدراسة.

وأشار خضور إلى أن إسرائيل تدرك أن المكاسب التي حققتها حتى الآن “لا ترقى إلى مستوى حسم الملفات”، وأن “الهشاشة الأمنية في سوريا” تُعد ذريعة لإعاقة الاتفاق. ولفت إلى أن تل أبيب قرأت أحداث السويداء بطريقة تشبه قراءتها لأحداث السابع من أكتوبر، لناحية “المرونة العملياتية والاختراق السريع”، في رسالة مفادها أن إسرائيل “لن توقّع الاتفاق ولن تمنح دمشق مكاسب الثقة بسهولة”.

وقال خضور إن الاحتلال يبدو وكأنه تولّى إدارة الملف الأمني مباشرة، “ليس فقط عبر المحادثات السرية التي يجريها الأميركيون مع جهات داخل سوريا، بل أيضًا من خلال التوغلات الميدانية، وضبط حركة السكان، وعمليات ما يسميه الاحتلال تنظيف المناطق”. ورأى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء سوريا “ضعيفة ومفيدة” من منظورها، بحيث تبقى ساحة غير مستقرة “تبرر حجج الأمن الإسرائيلية”، وتسمح بتحضير الجبهة الشمالية لحرب مقبلة.

وأشار إلى أن السلوكيات الإسرائيلية الأخيرة “لا تعكس فقط اعتبار الجنوب السوري مساحة للتوغلات”، بل تشير أيضًا إلى “تثبيت دائم لبعض القواعد العسكرية”، بما يوحي أن إسرائيل “لن تتخلى عنها في المدى المنظور”.

وبشأن خيارات دمشق، قال خضور إن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن “منحته دفعة ثقة كبيرة”، جعلته يتمسك بخط فصل الاشتباك لعام 1974، ما يعني أن الطرفين “يقرآن أن التفاهم الأمني ممكن من حيث المبدأ”، وأن مساره “مجمد ولم ينهار”، رغم غياب التقدم الملحوظ.

وختم خضور بالقول إن مسار المفاوضات الأمنية “ما يزال مجمدًا حتى اللحظة”، خصوصًا في ظل التطورات الأخيرة في بيت جن، لكنه شدد على أن هناك “ثابتة إسرائيلية دقيقة”، مفادها أن تل أبيب “غير مستعدة للتفريط بما كسبته، وأن الجبهة السورية باتت أكثر تحضرًا لحرب قد تكون قريبة”.

الترا سوريا

———————————–

شهادات توثّق كيف انهارت قلعة الأسد في الساحل السوري/ حسام رستم

07 ديسمبر 2025

مع اقتراب انهيار نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدت جبهة الساحل السوري التي لطالما اعتُبرت خزان النظام البشري، وكأنها تسقط من دون مقاومة حقيقية. وتكشف شهادات مجندين وضباط من ريف اللاذقية وجبلة لـ”العربي الجديد”، ما حصل آخر ساعات حكم الأسد في منطقة الساحل السوري مسقط رأسه، وكيف تفككت بنيته العسكرية والأمنية قبل ساعات من دخول قوات المعارضة إلى اللاذقية. وللساحل السوري خصوصية عن باقي المناطق السورية من حيث تنوعه الطائفي وهو مسقط عائلة الأسد وخزانه البشري في الجيش، كذلك تتمركز فيه أبرز القواعد العسكرية الروسية وأهمها قاعدتا حميميم وطرطوس. علي جنيدي، صف ضابط من ريف جبلة خدم في ريف اللاذقية الشمالي عند نقاط التماس مع قوات المعارضة، يروي لـ”العربي الجديد” أن الأيام السابقة لسقوط النظام كانت مليئة بالغموض والصدمة. ورغم توالي الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن انهيارات متسارعة في الجبهات، لم يصدر أي توجيه رسمي للعسكريين في الساحل السوري.

غياب الأوامر العسكرية

يقول جنيدي إنه “في السادس من ديسمبر سيطر مقاتلو غرفة عملية ردع العدوان (ضمت فصائل من المعارضة السورية التي أطاحت حكم الأسد) على مدينة حماة وتوجهوا نحو حمص وسط البلاد، ومع ذلك لم يصل إلينا أي أمر عسكري”. ويتابع: “كان الأمر محيراً لنا، لكن الضابط المسؤول عنا أكد أن القوات الروسية ستتدخل وتوقف الهجوم، وأن الجيش بدأ يعيد انتشاره تمهيداً لهجوم مضاد، لكن فجأة بدأ كل شيء يتغير. أذكر أنه في يوم السابع من ديسمبر، أي قبل سقوط الأسد بيوم واحد، غادر الضابط المسؤول عنا الجبهة من دون إعطاء أي أمر، وبقي بعض المجندين والمتطوعين فقط، وكان عددنا في النقطة لا يتجاوز ثمانية أفراد”. ويضيف جنيدي: “في تلك الليلة كنا نتابع ما يحصل عبر الهاتف ثم تلقيت اتصالاً من عائلتي تطلب مني العودة إلى المنزل، وترددت في الأمر، ثم ركبت دراجتي النارية وعدت إلى قريتي التي تبعد مسافة نحو 40 كيلومتراً. كان الطريق مخيفاً وموحشاً فارغاً من كل شيء، كان هناك بعض المجندين على الطريق بدأوا بالهروب”. يضيف جنيدي: “بعد سقوط النظام أدركت كم كانت أرواحنا بلا قيمة… تُركنا وهرب الجميع من دون أي توجيه”.

أما أيهم، الذي فضل عدم الكشف عن كامل اسمه، وكان متطوعاً في شعبة الأمن العسكري برتبة مساعد في مدينة جبلة (25 كيلومتراً، جنوب اللاذقية) في عهد النظام المخلوع، فيقدم شهادة مشابهة. يقول أيهم لـ”العربي الجديد” إن الضباط حاولوا في البداية طمأنة العناصر بأن الوضع تحت السيطرة، وأن الجيش سيستعيد حلب. لكن مع سقوط حماة في الخامس من ديسمبر 2024 وانهيار خطوط الدفاع، بدأ الخوف ينتشر بين المجندين والمتطوعين. ويضيف: “حتى مساء السابع من ديسمبر، كنا نقوم بدوريات روتينية في مدينة جبلة، ثم فجأة غادر الضابط المسؤول بسيارته من دون أن يطلب منا القيام بأي شيء. فهمنا أن الأمور انتهت، وعدتُ إلى قريتي على دراجتي”. بعد أيام، علم أيهم أن الفرع الأمني في جبلة احترق بالكامل، ورجّح أن عناصر النظام أنفسهم أضرموا فيه النار خوفاً من تسريب الوثائق. وعلى الرغم من دعوات مليشيات موالية للنظام السابق لحمل السلاح والدفاع عن الساحل السوري في الساعات الأخيرة، بقيت جبهات ريف اللاذقية هادئة حتى ليلة سقوط النظام.

في فجر الثامن من ديسمبر 2024، تجمّع مقاتلو فصائل المعارضة في الساحل السوري في قرية بداما قرب الحدود السورية مع تركيا استعداداً لدخول اللاذقية. ويروي مهند حاج علي لـ”العربي الجديد”، تلك اللحظات قائلاً: “تحركنا من دون أي معلومات واضحة عن الحواجز. توقعنا مقاومة شرسة أو معارك طاحنة. لكن أول حاجز اقتحمناه كان خالياً، ثم توغلنا أكثر بلا أي اشتباك تقريباً”. وخلال الطريق نحو اللاذقية، وجد المقاتلون عشرات الدبابات والآليات العسكرية متروكة، ومجندين بلباس مدني يفرّون في القرى والطرق. ويضيف: “واجهنا إطلاق نار في حاجز واحد فقط، وكل ما تبقى كان منهاراً بالكامل”. بعد ثلاث ساعات من التقدم، وصل المقاتلون إلى مدخل مدينة اللاذقية. ويشير حاج علي إلى أن “الآلاف كانوا ينتظروننا… لم يكن هناك أي حاجز أو قوة عسكرية… دخلنا الشيخ ضاهر وحُطِّم تمثال الأسد وسط احتفالات الناس”.

أسباب سقوط الساحل السوري

من خلال تتبع روايات المقاتلين والمجندين، يرجح حسن حاج عبيد، وهو ضابط برتبة ملازم أول، انشق عن النظام المخلوع قبل سنوات، أسباب سقوط الساحل السوري في نقاط رئيسية، أبرزها تفكك القيادة العسكرية لقوات النظام المخلوع. ويوضح في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن الضباط اختفوا قبل الجنود، تاركين العناصر من دون أوامر أو توجيهات. ويضيف حاج عبيد أن قيادة النظام لم تصدر أي تعليمات لإعادة التموضع أو الانسحاب المنظم، وهذا الأمر ساهم في الانهيار السريع ودخول قوات النظام والضباط في حالة الشك مما يحصل. ويشير حاج عبيد إلى سبب آخر لانهيار دفاعات النظام في الساحل السوري وهو انهيار الروح المعنوية، فمع سقوط المدن الكبرى المتتالي، فقد الجنود الثقة بقدرة النظام على الصمود. كذلك فإن حجم الهجوم وسرعة سيطرة قوات “ردع العدوان” على حماة ثم حمص خلال ساعات شلّت قدرة النظام على إعادة تشكيل دفاعات الساحل.

العربي الجديد

——————————-

 من القهر إلى النصر: رحلة السوريين في ملحمتهم البطولية/ ضاهر عيطة

2025.12.07

احتفل ويحتفل السوريون في هذه الأيام بذكرى اليوم الأول التي اتُّخذ فيها قرارُ البدء بـ”معركة ردع العدوان”، وما أعقبها من اثني عشر يومًا خاضوا خلالها معارك بطولية، تكللت بانتصار ثورتهم بعد أربعة عشر عامًا من النضال والتضحيات وملايين الشهداء، وكنس الحقبة الأسدية عن بكرة أبيها بعد أن جثمت على صدورهم أكثر من خمسة وخمسين عامًا، وتجسدت هذه النهاية بسقوط السفّاح الأسد الابن في الثامن من كانون الأول، وردع عدوانه وإجرامه عنهم، وما خلّفه وراءه من دمار وخراب، الذي قد تحتاج إزالة آثاره إلى جهود عدة أجيال. ولكن، رغم إدراك السوريين لفظاعة ذلك الخراب والدمار والمصاعب التي ستواجههم في مشوار الإعمار، رأوا أن نصرهم هذا يستحق ألف ألف احتفال لعظمة ما بذلوا وما ضحوا لأجله.

حتى إنهم، وفي ذروة حزنهم وغضبهم من جراء ما تعرضت له بلدة “بيت جن” من قصف همجي إسرائيلي في اليوم الأول من ذكرى احتفالهم، وأسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء، أبوا إلا أن يحتفلوا وهم يتطلعون إلى ما حلّ ببيت جن؛ الألسن والوجوه والعيون بين دهشة وذهول وصمت وفرح وبكاء مُرّ، يردون به على كل من يحاول أن يشكك بقيمة ومعنى هذا النصر.. وهو، لعمري، نصر يستحق أن يفرح به السوريون لاعتبارات كثيرة ومتعددة. ومنها: أنه حطّم خرافة “الأبدية” التي توهّمتها الأسدية، وسعت إلى جعلها قدرًا مكتوبًا على السوريين. ولأنه أوقف تهاطل البراميل فوق رؤوس الأطفال والنساء والرجال وهم في بيوتهم آمنين، ولأنه أوقف شلال الدم، ووضع حدًّا لآلاف المجازر والمذابح التي كانت تحدث في كل ساعة ويوم، ولأنه حطّم أبواب المعتقلات، وأطلق منها السجناء الذين كانوا يُعذَّبون ويُبادون في الزنازين وفي أفران الموت والأسيد. ولأنه أوقف عمليات الحفر في التراب السوري لإخفاء جثث الضحايا في المقابر الجماعية، ولأنه كفّ يد الأسديين عن هدر كرامات الناس في الشوارع والمؤسسات والمشافي والجامعات والمصانع والمدارس، وفي كل ركن وحيّز. ولأنه جعل مئات الآلاف من المهجّرين والنازحين قادرين على العودة إلى بلادهم وبيوتهم دون أن تُزهق أرواحهم. ولأنه رفع عن أيديهم وعقولهم الأغلال والقيود، وهدم الطاغوت الداخلي في أعماقهم، وحرّرهم من الرعب والخوف، ومن الجهل والتبعية والعبودية، ألا يستحق كل هذا أن يقال عنه إنه نصر عظيم وجليل؟ وقد بات الآن بإمكان السوريين، بعد هذا النصر، أن يواصلوا ثورتهم ليكملوا مشوارهم متسلحين بقيم الأخلاق والوعي والفكر؛ وهذا هو جوهر كل انتصار، وهو ما تُلح عليه معظم الثورات الإنسانية، سواء قبل أو أثناء أو بعد كل انتصار. فالثورة في أساسها لا تقوم لأهداف عسكرية أو قتالية، بل لحاجات فكرية وروحية وإنسانية. وأكثر ما يطلبه هذا الانتصار الآن من السوريين أن يظلوا متآخين متحابين، يتأملون ما يجري من حولهم على أنها فرصة ثانية أتتهم، ليثبتوا للعالم أنهم كما صبروا وضحوا وأبدعوا في ثورتهم، هم قادرون على أن يصبروا ويضحوا ويبدعوا ليوسعوا ويرفعوا من شأن نصرهم. هذا النصر الذي يطلب منهم أن يمتلكوا الشجاعة للتحرك نحو قيم وأهداف نبيلة، حتى لو بدا العالم كله ضدهم. ومهمة ذلك ليست عسيرة عليهم، وهو ما وعوه وأدركوه عندما تخلّى الكل عنهم في ثورتهم؛ غير أنهم لم ييأسوا ولم يستسلموا، وظلوا يضحون بالغالي والنفيس، ويبذلون كل ما فيهم من عزم وجهد، وهم يهتفون ويدعون: «يا الله ما لنا غيرك يا الله» حتى ظفروا بهذا النصر.

أجل، ربما يكون النصر عبر أدوات قتالية وعسكرية في مراحل، ولكنه مراحل لا يتحقق إلا بأدوات الفكر والعقل. وهذا النوع من الانتصار يتطلب التمسك بالمبادئ والقيم والخير، حتى حين يبدو الشرّ طريقًا أسهل. فالغاية المثلى من الانتصار تكمن في تحرير العقل، والانتقال من الجهل إلى الوعي، ومن الرضا بالظلم إلى الإصرار على الكرامة، ومن الجمود إلى الحركة، ومن السكون إلى الفعل، ومن الماضي إلى المستقبل. ومن قبل كان قد استحال على جميع الثورات عبر التاريخ أن تحقق انتصارًا كاملًا دفعة واحدة، لا عسكريًا ولا فكريًا ولا أخلاقيًا ولا روحيًا ولا دينيًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا.. إنما احتاجت لعقود وعقود حتى أسفرت عن دول وممالك دستورية مستقرة، ومؤسسات تقرّ بالحقوق والحريات؛ فالثورات الأوروبية والأميركيتين وثورات ما سُمّي “ربيع الأمم” لم تُحقّق نتائجها إلا بعد عشرات وربما مئات السنين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، وإلى الآن لم تتوقف الثورات في تلك الدول ولا أحد يدري إلى أين تسير؛ فمعنى الثورة لا يكمن في لحظة انفجارها الأولى، إنما في القدرة على متابعة التغيير إلى الأفضل دون كلل أو ملل، لتكريس ما أمكن من قيم العدل والخير والراحمة بين الناس، وهذا لا يأتي إلا من القلب والعقل.

وكذلك هو حال الثورة السورية؛ ما كانت لتسقط السلطة الأسدية لولا هذين الحصنين. وهناك كثير مما تستدعي الحاجة لإسقاطه، وكثير كثير مما يحتاج إلى البناء والإعمار، والثورات عادة ما تعيد تشكيل الوعي بالتوازي مع إعادة الإعمار وبناء الدولة. ومثل هذا الإعمار والبناء يحتاج إلى تأمل وتمحيص في كل قرار يُتخذ؛ فالعقل الواعي لا يتوافق مع الارتجال، ولا يتصالح مع العموميات، ولا يركن للمسلمات، بل يسعى لتفكيكها وتحليلها لمعرفة كنهها. وهذا يحتاج أيضًا إلى منطق القلب والعقل ليهتف للسوريين: أن مدّوا أياديكم لبعضكم بعضًا، لا على بعضكم البعض. فمعظم السوريين يعلمون فداحة الأثمان التي دفعوها في الاحتراب والاقتتال حتى أسقطوا السفّاح. وهم بالتأكيد لا يريدون إهدار أيٍّ من هذه التضحيات، ليقينهم من أن الأمور حين تسير بعيدًا عن العقل وتتلاطمها الأهواء والرغبات، سرعان ما تنبثق التعميمات والمؤامرات والخيانات والاتهامات والتوصيفات: انفصاليون، فلول، إرهابيون، تكفيريون… مما قد يؤدي إلى الانزياح عن إدراك ما تم دفعه من أثمان حتى تحقق هذا الانتصار.

ومن الضروري هنا ربط اليوم الأول لقرار بدء معركة ردّ العدوان في إدلب، باليوم الأول الذي كتبت فيه أصابع الأطفال على جدران درعا: «إجاك الدور يا دكتور». وصاح السوريون في ساحة الحريقة قبل أربعة عشر عامًا: “الشعب السوري ما بينذل”. فتلك العبارات وما رددته الحناجر لم يكن من بنات خيال أفراد، بل صدى لما كان يهمس به معظم السوريين خلف الأبواب. وكما كان يوم كتابة تلك العبارات وتلك الصرخات يومًا من أيام النصر العظيم، والصرخة الأولى التي هتفت: «ساقط ساقط يا بشار»، كانت صرخة تنادي وتبشر بأول صرخة نادت ببدء معركة “ردع العدوان”. وكان أول شهيد ارتقى في ساحة المظاهرات كأول شهيد ارتقى في معركة ردع العدوان. جميعها سلسلة واحدة من الأحداث والبطولات والتضحيات، ومنها جميعًا حقق السوريون هذا الانتصار. وكما هو حال النصر سلسلة من الانتصارات، كذلك هو حال الهزيمة؛ فأول هزيمة للأسدية كانت يوم أطلق شبيحتهم الرصاص على أول متظاهر، واعتقلوا أول ثائر، وكتبوا على الجدران تلك العبارات البغيضة: «الأسد أو نحرق البلد». وجميع أحداث تلك الهزائم ترتبط برباط وثيق مع أول صرخة خرجت من صدور الشبيحة المهزومين تفصح عن هزيمتهم: «الخائن غدر بنا، فرّ وتركنا وحدنا». فأمثالهم لن يروا فيما صنعه السوريون الأحرار نصرًا، إنما هزائم؛ لأنهم هم، في أعماقهم، باتوا مهزومين، وكأنهم يودّون العودة إلى الماضي، إلى اليوم الذي كان يعدهم فيه سيدهم بالنصر فصدقوه، وعليه استباحوا البلاد وناسها، لكن هذا الخائن خذلهم، فرّ وحيدًا مع أول هزيمة، وتركهم يواجهون مصيرهم وسط هذا النصر.

تلفزيون سوريا

————————————–

عام سوريا الأول: جردة حساب سياسية لأبرز الاستحقاقات الداخلية والخارجية/ محمد كساح

7 ديسمبر 2025

بدءًا من أول البيانات التي أصدرتها إدارة الشؤون السياسية بالتزامن مع عملية ردع العدوان، وصولًا إلى الانتخابات البرلمانية، ثم جلوس الرئيس الشرع في المكتب البيضاوي، تمضي العملية السياسية في سوريا الجديدة وفق مسارين داخلي وخارجي. وفيما تتوالى الإنجازات الخارجية للدبلوماسية السورية واحدًا بعد الآخر، يتعرض المسار الداخلي لانتقادات، ويواجه عراقيل وتحديات كبيرة.

مسار تصالحي سلمي

كان سيناريو سقوط الأسد أفضل بكثير من أي سيناريو متخيل إذ لم تشهد عملية إسقاط الأسد وتحرير سوريا أي ضحايا بين المدنيين أو قصف للمدن أو تخريب للممتلكات، كحالة طبيعية لسياسة قيادة عملية ردع العدوان التي اتخذت شعار: “نصر لأثأر فيه”.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي الدكتور باسل أورفلي: “أرخت عملية التحرير تلك بظلالها على المشهد السياسي. وكان خطاب القيادة الوطني والتصالحي والبعيد كل البعد عن الطائفية والانتقام وتجيير النصر لكل السوريين وإقرار الرئيس الشرع بأن الثورة انتهت وأن عملية بناء الدولة قد بدأت، إيذانًا بمسار سياسي جديد تم تكريسه بمؤتمر النصر ثم مؤتمر الحوار الوطني الذي حمل بعض السلبيات، إلا أن مخرجاته أسست لمرحلة جديدة وانبثق من نتائجه الإعلان الدستوري وتأسيس نظام رئاسي مركزي”.

يلاحظ أورفلي خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن سياسة الحكومة الانتقالية كانت واضحة وصارمة في عدم التهاون بالثوابت الأساسية وهي توحيد البلاد وحصر السلاح بيد الدولة وتحقيق ازدهار اقتصادي حيث تسهم كل تلك العوامل في تحقيق وتعزيز الاستقرار الأمني والسلم الأهلي.

ويلفت إلى أن “الحكومة الانتقالية أتاحت جوًا معقولًا من الحرية لم يعتده السوريون سابقًا وتركت المجتمع يتفاعل مع بعضه ليُنضج أفكاره وتياراته وتصوراته وأحزابه، فيما أرجأت البت في قضايا هامة كالفيدرالية واللامركزية وغيرهما لحين حصول توافق مجتمعي وليس برغبات تفرض من سلطات أمر واقع بقوة السلاح واحتكار القرار، بينما تم إرجاء القضايا الشائكة إلى حين كتابة دستور دائم من لجنة برلمانية منتخبة وعندها يقرر الشعب ما يراه مناسبا له”.

تأخر تفعيل الحياة السياسية

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن المسار الأهم لما بعد سقوط النظام عسكريًا كان الدفع بالمسار السياسي من أجل إعادة سوريا إلى الواجهة السياسية وعودة الفاعلية السياسية لسوريا، بعد سنوات من التهميش.

ويلاحظ تفعيل مسارين سياسيين بعد النصر العسكري، الأول على المستوى الداخلي والآخر على المستوى الخارجي، ويضيف بأنه “بعد عام على سقوط النظام تمكن العهد الجديد من تحقيق إنجازات ومكاسب في المسار الخارجي سبقت الاستحقاقات السياسية الداخلية بمراحل”. ويرى أن “العمل الدبلوماسي كان أكثر نشاطًا من العمل الداخلي، بحيث لم نشهد حتى الآن قوانين ناظمة للحياة السياسية والحزبية، فضلًا عن إطلاق الحياة السياسية بالشكل الفعال والحقيقي، وربما يعود ذلك إلى انتظار عقد أولى جلسات البرلمان السوري الجديد، وقد يكون التأخير في تفعيل هذه المسارات تعقيدات البيروقراطية السورية”. يتوقع علاوي أننا قد نشهد في العام المقبل إطلاق عملية سياسية داخلية موسعة أكثر، بعكس حالة الاستعجال التي اتسمت بها الاستحقاقات السابقة مثل مؤتمر الحوار الوطني.

نجاحات دبلوماسية متسارعة

أما على صعيد العملية الدبلوماسية الخارجية، فيوضح الدكتور باسل أورفلي أنه “تم تحقيق إنجازات كبرى فاقت التوقعات حيث يمكن القول إن سوريا عادت كدولة طبيعية إلى العالم كله، وكان لخطاب القيادة وتموضعها أن حازت على دعم دول الإقليم كله تقريبًا”.

اجتمع الرئيس السوري مع الرئيس الأمريكي ثلاث مرات في أقل من عام واحد وأنجز 14 جولة خارجية فيما كان وزير الخارجية لا يهدأ في حمل رسالة سوربا الجديدة للعالم. وتم إزالة معظم العقوبات الغربية عن سوريا سواء كانت على الدولة السورية سواء التي ورثتها من نظام الأسد أو هيئة تحرير الشام وقيادتها، وتغير اسم سوريا من دولة داعمة وراعية للإرهاب إلى دولة عضو في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

بدوره، يلفت فراس علاوي إلى أن “الدبلوماسية السورية حققت نجاحات هامة، أبرزها شبكة العلاقات التي أنشأتها الحكومة السورية والتي تقوم على التوازن وعدم الانحياز إلى طرف على حساب الطرف الآخر، فهناك علاقات جيدة مع واشنطن مع دعم قوي لدمشق في الأمم المتحدة، بالموازاة مع عدم قطع العلاقات مع موسكو، وهذه نقطة جوهرية في الدبلوماسية السورية الجديدة تتمثل بعدم استعداء أي طرف حتى اللحظة”، مشيرًا أيضًا إلى “وجود علاقات متوازنة مع تركيا والسعودية وقطر وجميع الأطراف التي يمكن أن تكون على طرفي نقيض”.

تفاوت بين الشرعيتين: الخارجية والداخلية

بخلاف كل من علاوي وأورفلي، يقدم السياسي وعضو التحالف الديمقراطي السوري محمد شكيب الخالد قراءة غير متفائلة، فهو يرى أن ما حصل بعد ٨ ديسمبر بمثابة “نقلة نوعية للوراء لأن هيئة تحرير الشام ركزت على إعمار السلطة بشكل جديد أي بمعنى آخر بناء دولة لفصيل”.

ويضيف خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أنه “سابقًا كان الحكم شموليًا استخدمت فيه عائلة الأسد أيديولوجية البعث لترسيخ حكمها أما اليوم فالسلطة تستخدم فهمها الخاص للدين لتثبيت حكمها”. ويؤكد الخالد أن “الإعلان الدستوري تمت صياغته بشكل يجعل السلطة مركزية بيد الرئيس الشرع، مع منحه صلاحيات مطلقة تشريعية وتنفيذية وسيطرة على القضاء، ومع كل ذلك تم خرق هذا الإعلان عدة مرات من قبل الرئيس وشقيقه ماهر”. أما بما يخص البرلمان السوري، فيرى الخالد أنه “مجلس دون صلاحيات”، بينما “تم طبخ وسلق مؤتمر الحوار الوطني الشكلي على عجل فكان أشبه بالمسرحية، ولم تخرج عنه توصيات ملزمة للرئيس وسلطته”.

ويلفت إلى أن ملفي العدالة الانتقالية والمفقودين “تم تمييعهما”، بينما “تقوم الأمانة العامة للشؤون السياسية باحتكار الحياة السياسية واستخدام كل ممتلكات حزب البعث وأحزاب الجبهة لصالحها وأوعزت لكل المنشآت الخاصة بمنع استقبال أي فعالية سياسية دون موافقة الأمانة العامة”.

في المحصلة، يرى الخالد أن “السلطة ركزت على نيل الشرعية الخارجية حتى لو كان ثمن ذلك تنازلات وطنية”، مؤكدًا أن السلطة “أدارت ظهرها للداخل وبالمقابل قدمت كل ما يلزم لتثبيت شرعيتها خارجيًا”.

التلرت سزريا

—————————

كيف حمت دمشق نفسها ليلة هروب الأسد؟

«باب توما» رفضت السلاح… و«الجسر الأبيض» أوقف 200 لص

دمشق: سعاد جروس

7 ديسمبر 2025 م

«في تلك الليلة لم يُكسر قفل محل واحد في حينا»، يقول وائل، طبيب في الأربعين من عمره، وهو يقف أمام عيادته الصغيرة في شارع بغداد وسط دمشق. يروي لحظة لن ينساها من يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024: «شاهدنا لصوصاً في طريقهم لاقتحام البنك المركزي في ساحة السبع بحرات. كنا بين صدمة وخوف وفرح، ثم أدركنا أن أحداً لن يحمينا… فبدأنا نحمي أحياءنا بأنفسنا».

كانت تلك الساعات الأولى بعد انهيار نظام بشار الأسد، حين عم الخوف وبات شبح الفوضى يخيم على المدينة. لكن دمشق، بطريقة ما، حمت نفسها.

نور الدين ترجمان، المعروف بـ«أبو جبريل»، أحد أبرز المتطوعين في لجنة حماية الجسر الأبيض والروضة القريبين من المقرات الأمنية والقصر الرئاسي، يتذكر ما حدث عند الثانية بعد منتصف الليل: «شاهدنا عناصر من النظام السابق يخلعون بزاتهم ويرمونها في حاويات القمامة قبل أن يفروا». بعد دقائق، وصلت مجموعات مسلحة على متن سيارات وشاحنات ودخلت المقر الأمني المعروف بـ«قسم الأربعين».

نهبوا كل شيء؛ السلاح، الحواسيب، الأقراص الصلبة، الوثائق، وحتى خزانات الوقود. لكن رغم موقع القسم وسط السوق التجارية والفوضى التي غمرتها، لم تُقتحم أي من المحال.

يقول أبو جبريل لـ«الشرق الأوسط»: «إن أطفالاً كانوا يلعبون بالسلاح والقذائف وسط إطلاق نار. الأهالي عاجزون عن التدخل. لكن عندما اندلع حريق داخل القسم، هرع الناس لإخماده خوفاً من انفجار أكبر». لم تهدأ المنطقة إلا مع وصول عناصر من «هيئة تحرير الشام» بعد الظهر.

قناص في «واتساب»

مع اتساع حوادث السرقة، خصوصاً السيارات، بدأ شباب الحي، وبينهم أطباء ومهندسون وأصحاب محلات وطلاب جامعيون، يتجمعون. يقول أبو جبريل: «بعد عشرين يوماً من سقوط النظام بدأ العمل ينتظم». وارتفع عدد المتطوعين من 75 إلى نحو 300. اشتروا أجهزة اتصال، وقسموا إلى مجموعات، وزودتهم السلطة الجديدة بقطعتي سلاح لكل مجموعة مع كلمة سر للتعريف.

واعتمدت اللجان على مجموعات «واتساب» للتواصل بين أفراد اللجان أنفسهم، وبين اللجان والأهالي. في بعض الأحياء تجاوز عدد المشتركين الآلاف. كانت المشاركة شخصية ومباشرة للإبلاغ عن تحركات مريبة، تصوير السلوكيات الخطرة، والمراقبة المستمرة.

ولا تخلو تلك المجموعات من خروقات، كما حصل لدى اكتشاف قناص من النظام السابق ضمن لجان الحماية نفسها.

القصاع وباب توما

في حي القصاع ذي الغالبية المسيحية، بقي الخوف من التجييش الطائفي حاضراً، خاصة بعد كتابة عبارات طائفية على جدار كنيسة القديس كيرلس. يوسف، أحد شبان «الفزعات» في باب توما والقصاع، يقول إن المتطوعين لعبوا دوراً حاسماً في احتواء الانفلات الأمني منذ اللحظة الأولى: «بدأت الفوضى عند الخامسة فجراً واستمرت حتى الثانية ظهراً. كانت المؤسسات الأمنية والحكومية تُنهب بالكامل، بعضها تعرض للحرق مثل مبنى الهجرة والجوازات في الزبلطاني». ويضيف: «رأيت أطفالاً يعرضون أسلحة للبيع ولصوصاً يسرقون السيارات».

أغلق شباب الحي الحارات بالسيارات حتى وصول «هيئة تحرير الشام» بعد الظهر. الخوف الأكبر كان من احتمال وقوع مجازر. يقول يوسف: «فجأة وجدنا أنفسنا أمام مسلحين (…) ذهبنا إليهم وطلبنا وضع حد للفوضى. وكانوا متعاونين».

وبحسب شهادة يوسف، فإن أعمال العنف لم تحدث بالمعنى المنظم في الأشهر الأولى، بل كانت هناك حوادث بالفعل واستفزازات، بسبب الخوف المسبق وسوء الفهم والجهل المتبادل بالآخر.

رفض أهالي الأحياء المسيحية تسلم السلاح من السلطة الجديدة خشية أن يجر ذلك إلى «خراب»، مفضلين الاعتماد على «الكثرة العددية» في حال حدوث طارئ، واللجوء إلى قوى الأمن لمواجهة الخطر عند الحاجة. وقد ساعد ذلك في إحباط هجوم مسلح والتصدي لسيارات رفعت شعارات طائفية.

«أوقفنا 200 لص»

بعد عام على سقوط النظام، يقول سكان من الجسر الأبيض إن لجان المجتمع الأهلي التي تشكلت لعبت دوراً أساسياً في سد الفراغ الأمني إلى حد ما، خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى، مشيرين إلى أن أكثر من 200 لص أُوقفوا في ذلك الحي وحده.

محمد الفقي يروي: «في تلك الأشهر عملنا في كل شيء؛ تنظيم السير، الحراسة، ملاحقة العصابات، الإسعاف، تأمين ذهاب الأطفال للمدارس. لم يكن هناك خيار آخر لحماية أهلنا».

ويضيف الفقي أن التحدي الأكبر كان غياب القدرة على التمييز بين رجال السلطة الحقيقيين ومنتحلي الصفة.

يضحك أبو جبريل وهو يستعيد ذكريات الأسبوع الأول: «كنا مجانين. نحمي الحي بلا سلاح ولا تدريب. تعرضنا لإطلاق نار مرات عدة، ومع ذلك واصلنا السهر كل ليلة على أمن الحارات».

هكذا، في تلك الليلة الرهيبة التي سقط فيها نظام بشار الأسد وعمت الفوضى، لم تنزلق دمشق إلى الهاوية التي خاف منها الجميع. وقام أهلها بحمايتها عبر ارتجال قرار جماعي.

————————

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا… أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

ضباط وموظفون سابقون يروون ارتباك «الحرس الثوري» عشية سقوط الأسد

دمشق: «الشرق الأوسط»

7 ديسمبر 2025 م ـ

سحبت إيران بعثتها الدبلوماسية وقواتها من سوريا قبل يومين من إطاحة حكم حليفها الرئيس بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وفق ما أفاد به 3 مصادر بشكل متطابق «وكالةَ الصحافة الفرنسية».

قبل عام، وصلت فصائل إسلامية بقيادة الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع، إلى دمشق، بعد هجوم مباغت انطلق من معقل المعارضة آنذاك في شمال غربي البلاد، ونجح خلال أيام في إطاحة الأسد الذي حكمت عائلته البلاد بقبضة من حديد لأكثر من 5 عقود.

وكانت طهرانُ أبرزَ داعمي الأسد خلال سنوات النزاع (2011 – 2024)؛ إذ نشر «الحرس الثوري» الإيراني مستشارين وقوات في الميدان، وكذلك انتشرت مجموعات موالية لها؛ أبرزها «حزب الله» اللبناني، ومجموعات عراقية وأفغانية؛ لمساندة القوات الحكومية. وقاتل عناصر هذه المجموعات بضراوة وكانوا يمسكون بمحاور قتالية أساسية.

وقال ضابط سوري سابق عمل في أحد المقارّ الأمنية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في دمشق، لـ«الوكالة»، من دون الكشف عن هويته خوفاً على سلامته، إنه تلقّى اتصالاً من قيادته الإيرانيّة في 5 ديسمبر 2024، أي قبل 3 أيام من سقوط الحكم السابق، طلبت منه فيه التوجّه إلى مقرّ العمليات في حيّ المزة (فيلات شرقية بالعاصمة) صباح الجمعة 6 ديسمبر 2024؛ بسبب «أمر مهم».

وأوضح أن القائد الإيراني المسؤول عن المجموعة حينها، والمعروف باسم «الحاج أبو إبراهيم»، أبلغ الحاضرين من ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرة الإيرانيين وعددهم نحو 20 شخصاً، فور وصولهم، بأنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا»، مضيفاً في خبرٍ كان له وقع الصاعقة عليهم: «نحن مغادرون».

وطلب المسؤول الإيراني، وفق الضابط، من العناصر «إحراق وثائق حساسة وإتلافها أمامه، وسحب جميع الأقراص الصلبة من الكومبيوترات».

بعدها أُبلغوا بأن «كل شيء انتهى، ولن نكون مسؤولين عنكم بعد اليوم، وستصل إليكم هوياتكم المدنية بعد أيام».

وتابع الضابط: «بدا الأمر كأنه معدّ مسبقاً. لكنه كان مفاجئاً لنا (…). كنّا نعرف أن الأمور ليست على ما يرام، لكن ليس إلى هذا الحد»، في وقت كانت فيه السلطة السابقة تتكبّد خسارات متتالية على الأرض؛ من حلب وصولاً إلى حماة.

وتلقى الضابط ورفاقه راتب شهر مسبقاً، قبل أن يتفرّق شملهم ويعودوا مذهولين إلى منازلهم. بعد يومين، انهار الحكم فجر 8 ديسمبر، وفرّ الأسد.

انسحاب شامل

وفي رواية متقاطعة، قال موظفان سوريان سابقان في القسم القنصلي بالسفارة الإيرانية في دمشق، إنّ القنصلية أُخليت بالكامل مساء 5 ديسمبر 2024. وغادرت البعثة الدبلوماسية البلاد متجهة إلى بيروت، بينما أُبلغ الموظفون السوريون بـ«ملازمة منازلهم»، وصُرفت لهم رواتب 3 أشهر مقدماً.

وقال موظف، لم يكشف عن هويته، إن عدداً من زملائه السوريين الذين «يحملون جنسية إيرانية غادروا معهم ليلاً وبرفقتهم ضباط كبار من (الحرس الثوري) الإيراني». وكانت مكاتب السفارة والقسم القنصلي وجميع المراكز الأمنية الإيرانية خالية تماماً في اليوم التالي.

وتشير شهادات سائقين وموظفين على الحدود السورية – اللبنانية في تلك الفترة، إلى ازدحام غير مسبوق شهده معبر جديدة يابوس – المصنع يومي الخميس والجمعة؛ إذ تطلب العبور انتظار 8 ساعات.

من داخل قاعدة شكّلت غرفة عمليات رئيسية للقوات الإيرانية جنوب مدينة حلب، يقول العقيد محمّد ديبو، من وزارة الدفاع السورية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بعدما سقطت حلب، لم تقاتل إيران في مكان آخر»، مضيفاً: «اضطرت إلى الانسحاب بشكل مفاجئ بعد الانهيار السريع».

ويشير إلى تنفيذ «3 انغماسيين» من الفصائل التي قادتها «هيئة تحرير الشام»، هجوماً حصد قتلى إيرانيين في بداية الهجوم على حلب.

وشكّل القسم الغربي من المدينة مركز ثقل للقوات الإيرانية وقواعدها العسكرية والقوات التابعة لها، مثل «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى ريف حلب الجنوبي وبلدتَي نبل والزهراء ومطار النيرب العسكري في شرق المدينة.

وأكدت تقارير نشرتها وسائل إعلام إيرانية نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 مقتل عناصر من القوات الإيرانية في حلب، بينهم مستشار عسكري بارز هو سردار بور هاشمي، وأنه دُفن في طهران بحضور عدد كبير من مسؤولي «الحرس الثوري».

وقال ديبو: «عندما دخلنا مقارّهم (في حلب) وجدنا وثائق شخصية من جوازات سفر وهويات تابعة لضباط إيرانيين، لم يكن لديهم الوقت لسحبها».

وشاهد مراسل «الوكالة» على جدار داخل القاعدة المهجورة التي انهارت جدرانها، شعارات لـ«حزب الله» وإيران إلى جانب رسم يظهر سيفاً يشقّ علم إسرائيل.

وأوضح ديبو؛ الذي رافق الفصائل المقاتلة المعارضة من إدلب وصولاً إلى دمشق، أنه بعد السيطرة على حلب «أُجلي نحو 4 آلاف مقاتل إيراني عن طريق قاعدة حميميم» الروسية التي كانوا لجأوا إليها، بينما فرّ آخرون باتجاه لبنان والعراق.

صورة جوية لقاعدة عسكرية مهجورة كانت تعدّ في السابق أكبر قاعدة عسكرية إيرانية في سوريا جنوب مدينة حلب (أ.ف.ب)

صورة جوية لقاعدة عسكرية مهجورة كانت تعدّ في السابق أكبر قاعدة عسكرية إيرانية في سوريا جنوب مدينة حلب (أ.ف.ب)

ويتقاطع ذلك مع ما يرويه الضابط السوري الذي رفض الكشف عن هويته، والذي يقول إن «قائداً إيرانياً معروفاً باسم (الحاج جواد) أُجلي» في 5 ديسمبر «برفقة عدد من المقاتلين والضباط الإيرانيين عبر قاعدة حميميم» إلى طهران.

وكان مصدر ميداني في «حزب الله» قال إنه في فجر 8 ديسمبر «الحزب أوعز لمقاتليه» بالانسحاب من مواقعهم بمحيط حمص (وسط) وفي محيط دمشق.

وتمركزت المجموعات الموالية لطهران في مواقع حساسة داخل دمشق وريفها، لا سيما في المزة ومقام السيدة زينب ومحيط مطار دمشق، إضافة إلى نقاط في المناطق الحدودية مع لبنان ومع العراق، وأشرفت على عمليات عسكرية وتدريب وتنسيق مباشر مع قوات الحُكم السابق.

ومع تفاقم النزاع، وتراجع قدرات الجيش السوري خلال سنوات الحرب، توسّع النفوذ الإيراني ليشمل مراكز أمنية ومستودعات أسلحة وقواعد مشتركة مع الجيش استهدفتها خلال السنوات الماضية مئات الغارات الجوية الإسرائيلية. وكانت إسرائيل تؤكد رفضها تجذّر قوات موالية لطهران قرب حدودها.

———————————–

 عام على إسقاط الأسد.. كيف غطى تلفزيون سوريا معركة التحرير؟

2025.12.07

نفذ تلفزيون سوريا واحدة من أبرز تغطياته الميدانية خلال معركة “رد العدوان”، حيث واكب لحظة بلحظة التطورات العسكرية والسياسية على الأرض، ونجح في تقديم محتوى خبري وتحليلي جعل منه المصدر الأول للخبر السوري في تلك المرحلة. اعتمد التلفزيون على شبكة مراسلين ميدانيين وفريق تحرير وفنيين تحركوا من منطلق الإيمان بالحدث وقيمته، لا من باب السبق الصحفي فقط. هذه التغطية، التي جاءت في ظل سياق إقليمي معقد وتحديات لوجستية كبيرة، شكلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإعلام السوري المستقل على العمل تحت الضغط، وأكدت أن تلفزيون سوريا لم يُنشأ كوسيلة إعلام تقليدية، بل كمنصة تحمل مشروعًا وطنيًا يواكب السوريين في أدق لحظاتهم.

في هذا الحوار، يوضح مدير تلفزيون سوريا، علي حميدي، كواليس القرار التحريري، وأسباب التغطية المكثفة، والدور الذي لعبه فريق العمل في تحويل القناة إلى منصة إعلامية حاضرة في قلب الحدث.

“لم يكن مجرد قرار تحريري”

قال مدير تلفزيون سوريا، علي حميدي، إن القناة لم تتعامل مع قرار تغطية معركة “رد العدوان” على أنه مجرد قرار تحريري، بل التزام نابع من الدور الذي أُنشئ التلفزيون لأجله، وهو مواكبة كل ما يحدث في سوريا.

وأضاف حميدي: “أبارك لتلفزيون سوريا هذا التفوق في التغطية المستمرة منذ العام الماضي، والتي أثبتت أن الإعلام السوري، بطاقاته وإعلامييه، يستمد عطاؤه من روح التحرير ومن انتصارات الشعب. فمبروك للسوريين، ومبروك لكم”.

وأوضح أن التحدي لم يكن في اتخاذ قرار التغطية فحسب، بل في التعامل مع سياق سياسي وأمني لم يكن مطمئنًا في المنطقة، وحتى على مستوى العالم. وأضاف: “عندما اتخذنا القرار، لم يكن قرارًا بالمعنى المهني البحت. لم نجلس ونقرر أن نغطي، بل وجدنا أنفسنا حيث يجب أن نكون، لأننا تلفزيون سوريا. أنشئنا منذ اللحظة الأولى لنكون في قلب الحدث”.

وأشار إلى أن القناة، في عامها السابع، كانت مدعومة بكوادر خبرة، بدأت العمل منذ تأسيس التلفزيون وحتى لحظة التحرير، معتبرًا أن تلك التغطية كانت امتدادًا طبيعيًا لخط سير القناة.

وقال: “نستذكر تلك الأيام، حيث كان مراسلونا على الأرض يواكبون تطورات ميدانية متسارعة. كانت كل يوم تُحرر محافظة جديدة، وتتحقق انتصارات عسكرية، وكنا ندخل في أولى لحظات أي عملية تحرير”.

وتابع: “كل من عمل في تلفزيون سوريا خلال تلك المرحلة يستحق أكثر من الشكر. الجهد كان استثنائيًا، والروح التي عمل بها الفريق كانت فريدة. لم يكن دافعهم مجرد أداء وظيفة، بل المبادرة والإقدام والعمل بدافع المسؤولية”.

ونوّه حميدي إلى أن كل فرق العمل، من التحرير والإدارة والتشغيل والفن والدعم اللوجستي والهندسة، تصرفت كخلايا نحل، تعمل بحب وشجاعة، خاصة الفرق الميدانية، من مراسلين وفنيين ومتعاونين، الذين أبدوا حماسة عالية وشجاعة لافتة.

وأوضح أن “ما كان ينجزه الفريق في الميدان، من تغطيات وصور ومتابعات، فرض علينا مسؤولية الاستمرار وعدم التراجع، وكان سببًا دائمًا في مواصلة العمل دون توقف”.

ووصف تلك المرحلة بأنها “استثنائية”، معتبرًا أن التلفزيون خلالها “تحول إلى المصدر الأساسي والأول للخبر السوري”، في لحظة حساسة من عمر الثورة السورية.

وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كانت التغطية بدافع السبق الصحفي، قال حميدي: “الموضوع كان أكبر من ذلك. نحن نؤمن بأن تلفزيون سوريا وُجد ليغطي هذه اللحظات التاريخية، وليس لمجرد السبق. كنا في نهاية عام 2024، بعد نحو عام ونصف من الزلزال الكبير في شمال سوريا، وتطوّرات سياسية دراماتيكية، معظمها كان مُحبطًا”.

وأضاف: “لم تكن هناك حالة توقّع واضحة، لكن الغليان الذي شهده الشمال السوري في الشهر الأخير أوصل مؤشرات واضحة بأن شيئًا ما يتغير”.

وأكد أن العاملين في تلفزيون سوريا، في إسطنبول أو في الداخل السوري، سوريون أو غير سوريين، يتحركون من منطلق إيمانهم بقضية عادلة. وتابع: “عندما انطلق التلفزيون، لم يكن هناك صوت إعلامي سوري يغطي أو يتابع السوريين، وكان في لحظة يُمكن وصفها بأنها من أقسى لحظات الغياب الإعلامي”.

وختم حميدي حديثه بتوجيه الشكر إلى مؤسسة “فضاءات” المالكة لتلفزيون سوريا، قائلاً: “المؤسسة، برئيسها ومديرها التنفيذي، وفرت الغطاء والدعم الكامل. آمنت بحق السوريين في إعلام وطني مسؤول، يستطيع أن يقدم صوتهم في كل الظروف، رغم أن تلك الظروف كانت من الأسوأ”.

حميدي: تلفزيون سوريا منصة حية تتفاعل مع القضايا السورية

أكد مدير تلفزيون سوريا، علي حميدي، أن القناة واصلت تغطيتها للشأن السوري بعد لحظة التحرير، ولم تكتفِ بنقل الحدث فقط، بل تحوّلت إلى منصة حية تتفاعل مع القضايا السورية المتنوعة، في وقت يتصدر فيه الملف السوري قوائم الاهتمام الإعلامي العالمي، لا سيما في الذكرى الأولى للتحرير.

وأوضح حميدي أن تلفزيون سوريا لم يبدأ عمله الإعلامي في دمشق فقط بعد التحرير، بل واصل وجوده على الأرض، مستفيدا من حضوره السابق في الشمال السوري، وامتداده إلى مناطق مثل السويداء ودرعا وريف دمشق.

وأضاف: “لم نبدأ من الصفر، بل وسعنا قاعدة عملنا واستمررنا. اليوم نغطي كامل الجغرافيا السورية، بالإضافة إلى وجودنا في الإقليم والعالم”.

“الساحة الإعلامية السورية ماتزال فارغة”

وشدد على أن الساحة الإعلامية في سوريا ما تزال فارغة بعد عقود من التهميش الذي مارسه نظام الأسد، والذي لم يترك بنية إعلامية حقيقية. وتابع: “لا أتحدث عن إعلام جيد أو رديء، بل عن غياب البنية والكوادر والمهارات. نحن أمام فرصة كبرى، لأن سوريا باتت في صلب الاهتمام الدولي، ويجب أن يكون الوجود الإعلامي بحجم هذا الاهتمام”.

وقال حميدي إن معظم القنوات الإقليمية والدولية باتت تهتم بالقضية السورية، وهو ما ظهر خلال تغطية الذكرى الأولى للتحرير. وأشار إلى أن تلفزيون سوريا كان حاضراً منذ اللحظة الأولى، وأضاف: “منذ التاسع من كانون الأول بثثنا من ساحة الأمويين، ومنذ العاشر من الشهر نفسه وحتى الآن نحن مستمرون ونتوسع”.

وحول استراتيجية القناة للحفاظ على استمراريتها ووجودها بين السوريين، قال حميدي إن مرحلة التخطيط انتهت، وبدأت مرحلة التنفيذ. وأوضح: “نحن الآن نعمل، وتلفزيون سوريا موجود فعليًا في إسطنبول ودمشق، يبث ساعات الهواء ويُنتج البرامج والنشرات الإخبارية، ولدينا مراسلون وفريق فني متكامل في معظم المحافظات السورية”.

وأضاف أن القناة تعمل منذ حزيران الماضي كمنصة إخبارية وطنية مستقلة على مدار الساعة، وتقدم نشرات إخبارية متواصلة، بالإضافة إلى باقة برامج متنوعة مثل برنامج “الجمهورية الثالثة”، ومحتوى يلبي تطلعات المتابع السوري وكل من يريد معرفة ما يحدث في سوريا.

وأكد حميدي أن القناة تعتمد في عملها على أربعة مسارات رئيسية: البرامج، الأخبار، الإعلام الرقمي، والموقع الإلكتروني، بالإضافة إلى فرق ميدانية منتشرة في عموم البلاد.

وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كان تلفزيون سوريا يخشى التحديات القادمة في سوق إعلامي سوري بدأ يستعيد حيويته، أجاب: “لا نخشى، بل نرحب. سوريا بحاجة إلى إعلام، وتحتاج أكثر من تلفزيون سوريا. نحن نسعى أن نكون روادا، لا أن نكون وحدنا”.

وختم حميدي حديثه بالتأكيد على أن القناة، التي “وُلدت كبيرة ورائدة”، ستبقى تسعى لأن تكون شاشة لكل السوريين، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

————————-

حنين للأماكن.. حكايات الذاكرة والعودة بعد انتصار الثورة السورية/ أحمد العكلة

دمشق- بعد سنوات طويلة من الشتات والمنافي القسرية، بدأت أعداد متزايدة من السوريين الذين شاركوا في الثورة السورية أو دعموها من الخارج بالعودة إلى الوطن عقب انتصارها النهائي.

لكن العودة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مطار إلى منزل؛ كانت في البداية رحلة وجدانية عميقة نحو “المكان” الذي شكّل ذاكرتهم الشخصية والجماعية على حد سواء، ليس بالضرورة أن يكون البيت العائلي، بل قد تكون مدرسة فُقدت في سن المراهقة، أو حيّا دُمر بالكامل، أو زقاقا في بلدتهم القديمة حمل ذكريات الشباب واقتسام الأحلام الأولى.

التقت الجزيرة نت بشخصيات سورية عادت بعد الانتصار، تروي كل منها قصة لقاء مَر أو يستمر مع “مكانها” الذي اختارته بنفسها، حيث شعروا آخر مرة أنهم “مواطنون”، قبل أن يتحولوا إلى “مطلوبين” أو “لاجئين” أو “مغتربين”.

معنى الوطن

يكشف المستشار الأميركي للشؤون الاقتصادية والدبلوماسية، السوري الأصل طارق نعمو، للجزيرة نت، تجربته الشخصية بعد سنوات المنفى الطويلة، وعودته إلى سوريا عقب انتصار الثورة. ويقول إن أول ما خطر بباله عندما سُئل عن المكان الذي عاد إليه بعد الانتصار كان “المقعد الخشبي في الصف الأخير من مدرسته”، والذي كان آخر عهده برفاقه الذين فرقهم نظام بشار الأسد قبل 17 عاما، فتشتتوا بين المنافي حول العالم، لكن ذلك المقعد ظلّ “أثمن من كل مقاعد الدرجة الأولى في طائرات الهجرة” حسب قوله.

ويؤكد نعمو أنه حين غادر سوريا لم يكن يبحث عن “عنوان جديد في جواز سفره، بل عن فرصة جديدة للكرامة”، فكان يبحث عن مكان “إذا تعبت يحترم تعبك، وإذا نجحت يحترم نجاحك، لا يسألك عن طائفتك ولا عن واسطتك، بل عن فكرتك وجهدك” حسب وصفه.

ويضيف أن أميركا لم تكن بالنسبة له هروبا من بلده، بل “التفافا طويلا للعودة إلى سوريا من باب أكبر: باب الخبرة ورأس المال والعلاقات الدولية”.

عاد المستشار إلى حيه القديم، ودخل المدرسة زائرا لا طالبا، ويصف المكان الذي شهد فيه دروسه الأولى بأنه صار في ذاكرته “درسا في معنى الوطن، كيف يمكن لقرار سياسي أحمق أن يقتلع جيلا كاملا من مقاعده، وكيف يمكن لإصرار هذا الجيل أن يعيد نفسه إلى الأرض من بوابات أخرى”.

ويتساءل وهو يمرّ بجانب غرفة الإدارة التي كان الخوف يسكنها سابقا “هل نعود فقط لأن الحنين يضغط على صدورنا؟”، ثم يجيب نفسه “بأن العودة الحقيقية معنى ومسؤولية، أن تجد لنفسك دورا حقيقيا في بناء شيء جديد، حتى لو كان مشروعا صغيرا في الحيّ، فهو جزء من لوحة كبيرة لنهضة بلد بأكمله”.

يتمشى في الساحة، فيسمع في رأسه صوت جرس الحصة الأولى ممزوجا بصوت أول هتاف للحرية، بالنسبة له، لم يعد هذا المكان مجرد “مدرسة”، بل صار “ذاكرة عبور نشطة، وحارسا أمينا على باب الانتصار”، يذكّره دائما أن “ثمن الكرامة كان مقعدا مدرسيا خسرناه، مقابل بلد قررنا ألا نخسره”.

معنويات الصمود

بالنسبة للدكتور بكر غبيس، الطبيب السوري المغترب في الولايات المتحدة وعضو منظمة “مواطنون لأجل أميركا آمنة”، فإن غوطة دمشق الشرقية، وبالأخص مدينة حرستا مسقط رأسه، تبقى المكان الأكثر تميزا في وجدانه، رغم اغترابه عن سوريا منذ نحو 20 عاما.

وأوضّح في حديثه للجزيرة نت أنه منذ أن اندلعت الثورة السورية عام 2011، ظل على ارتباط وثيق بالحراك في الغوطة، حيث كان يتواصل مع الناشطين والكوادر الطبية هناك، وبصفته طبيبا، ساهم في دعم المراكز الطبية داخل المناطق المحررة.

وبعد تحرير الغوطة في ديسمبر/كانون الأول 2024، زار مسقط رأسه حرستا بعد أسبوع واحد من التحرير، فوجد المدينة مدمرة بنسبة 80%، ومن بينها بيته وحارته، وعلى جدران ما تبقى من منزله عبارات كتبها جنود النظام “من هنا مر الجيش العربي السوري.. وإن عدتم عدنا”.

وأكد غبيس أن هذا المكان يحمل رمزية كبيرة بالنسبة له، ولأهالي الغوطة وللسوريين عموما، فكل زيارة لسوريا لا تخلو من تفقد معالم المدينة والمشافي التي صمدت لأكثر من 5 سنوات، في مواجهة ما وصفه بـ”أبشع الجرائم”.

وأشار إلى أن الغوطة كانت خزانا بشريا للثورة السورية، وأن مقاتليها شكلوا طلائع القوات التي ساهمت لاحقا في تحرير مناطق أخرى، واعتبر أن المدينة تُستعاد فيها اليوم لحظات الصمود والتكافل بين السوريين، ويقول “من الغوطة نستمد معنويات الصمود، ونذكّر أولادنا بأن هذا المكان كان مسرحا لأبشع الهجمات الكيماوية على الثوار السوريين، ومع ذلك بقي رمزا للكرامة”.

أماكن لا يُشبع منها

في أول زيارة له إلى دمشق بعد سنوات الغياب، توجه الدكتور أحمد جاسم الحسين، رئيس اتحاد الكتاب العرب، مباشرة إلى كلية الآداب في جامعة دمشق، وتحديدا قسم اللغة العربية، حيث المكان الذي قضى فيه نحو ربع قرن من حياته.

يقول الدكتور الحسين للجزيرة نت إنه مكث في هذا القسم منذ أن كان في الـ17 من عمره حتى أصبح أستاذا دكتورا في الجامعة، ويصفه بالقول إن “هذا المكان يعني لي الكثير؛ فيه تشكّلت شخصيتي، وحصلتُ على كثير من الفرص، وتراكمت لي فيه ذكريات، معظم فترة شبابي كانت فيه، وكان هو مدخلي إلى الحياة والتغيير والتطور وتكوين الشخصية”.

وأضاف أن مكانا آخر لا يقل أهمية بالنسبة له هو “مقهى النوفرة” خلف المسجد الأموي، حيث كان يجلس فيه بشكل شبه أسبوعي مع أصدقاء محددين، بات كل منهم اليوم في مكان مختلف من العالم، وربما توفي بعضهم، أو لم تعد ظروف الحياة تسمح بلقائهم.

ويستذكر حتى اليوم طعم كأس الشاي وطعم تلك الجلسات، مضيفا أن “نفس العاملين ما زالوا موجودين، لكن الزمن تقدم بهم كما تقدم به”.

ويستطرد الدكتور في سرد ذكرياته قائلا إن “المشي في شوارع دمشق القديمة، وخاصة زقاق القيمرية، كان جزءا رئيسيا من حياته العائلية، حيث كانوا يتوقفون لأكل كروسان القيمرية الشهير”، ويؤكد أنه كان يقصد هذه الأماكن كلما شعر بالضيق لتضفي عليه شعور الراحة والطمأنينة.

يحرص الحسين على زيارة منطقة ساروجة، ليكتشف أزقتها من جديد ويلاحظ وجوه الناس المتغيرة، ويمر بساحة المرجة فيستذكر عراقتها وكيف كانت مركز المدينة قديما، ثم يتفقد المقاهي مفرقا بين الحديث والقديم منها، ويتفقد ما يحدث في المدينة من تحولات في المهن والحياة اليومية، ويقول “هذه أماكن لا يُشبع منها؛ فالبشر المارّون يتغيرون يوميا، لكن التواصل مع المكان وجداني عميق”.

ويلاحظ رئيس اتحاد الكتاب العرب أن “دمشق عادت خلال فترة قصيرة نسبيا إلى سحرها وحضورها الكامل”، ويضيف “هناك أماكن كثيرة في دمشق، لكن المدينة بالنسبة لي هي مكان التشكل والوجود”.

المصدر: الجزيرة

———————–

من حوران إلى قلب دمشق كواليس معركة سقوط نظام الأسد

مع انطلاق معركة “رد العدوان” من الشمال، كانت درعا تغلي على وقع الترقب، تستعد وتنتظر ساعة الصفر لتقول كلمتها. خلف هذا المشهد العلني، كانت هناك تفاصيل دقيقة وكواليس تستحق أن تروى.

تقرير لمراسل “سوريا الآن” مالك أبو عبيدة يشرح ماذا كان يحدث في الأيام الأخيرة بدرعا قبل سقوط نظام بشار الأسد ودخول قوات المعارضة إلى العاصمة السورية دمشق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.

فمنذ عام 2018، وبعد أن أحكم النظام سيطرته على الجنوب، بقيت غالبية الفصائل المسلحة -من الجيش الحر وفصائل المقاومة- حاضرة في المشهد وإن بصيغة “خلايا نائمة” موزعة على امتداد حوران. هذه المجموعات حافظت على جاهزيتها، وتواصلت سرا خلف الخطوط، إلى أن تقررت ساعة الحسم.

مع إعلان بدء المعركة، بدأ التنسيق مع غرف عمليات الجنوب وجرى تنسيق واسع بين مختلف القرى في المنطقة الجنوبية. ورغم بعض التجاوزات الفردية قبل ساعة الصفر -من هجمات على حواجز إلى عمليات معزولة- تم سريعا تشكيل غرفة عمليات عسكرية موحدة لتنظيم الجهد المسلح وتوحيد القرار.

وصباح يوم الجمعة السادس من ديسمبر/كانون الأول 2024، دقت ساعة الصفر. وبدأت الاشتباكات في عدة نقاط، وتمت محاصرة معظم المواقع الأمنية والعسكرية التابع لقوات نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وكانت التعليمات القادمة من غرفة إدارة العمليات العسكرية واضحة وتقضي بالتحرك المنظم على جميع المحاور (الشرقية، الغربية، جيدور، ودرعا البلد).

كما أكدت التعليمات على الحفاظ على المرافق العامة بعد السيطرة، وإعطاء الأمان للعناصر الراغبة في الانسحاب. وتقدم الثوار وفق خطة دخول من الضواحي باتجاه قلب درعا، بالتزامن مع ضغط من كل المحاور.

ومع وصول قوات الشمال إلى حدود حمص، صدرت أوامر مباشرة بعدم عرقلة انسحاب قوات الأسد ومنحهم ممرا آمنا، مع التركيز على مواجهة القطع العسكرية المستعصية.

وبحلول مساء السابع من ديسمبر/كانون الأول 2024، كان جيش الأسد قد انسحب نهائيا من كامل الجغرافيا الدرعاوية، وتراجع باتجاه دمشق، في حين واصل الثوار ملاحقته حتى تخوم العاصمة.

وفي مشهد تاريخي، التقى ثوار الجنوب بثوار الشمال في قلب دمشق.

ورغم الانتصار، دفعت درعا ثمنا غاليا تمثل في 11 مقاتلا من أبناء المحافظة بمحاور الجنوب، و18 مقاتلا في صفوف الثوار العاملين تحت إدارة العمليات العسكرية في الشمال.

المصدر: الجزيرة

——————–

السوريون يحتفلون بـ«حق العودة»… والمغيبون قسراً أبرز الحاضرين

«الشرق الأوسط» في جولات ميدانية عشية ذكرى سقوط الأسد

دمشق: بيسان الشيخ

7 ديسمبر 2025 م

أن تزور دمشق بعد عام على سقوط نظام الأسدين، وعشية استعداد البلاد لإحياء الذكرى الأولى لـ«التحرير» في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2025، فأنت تعايش أياماً أقرب إلى «وقفة عيد»، وتمشي حاملاً مجهراً يغرقك في تفاصيل ومقارنات لا تنتهي. مقارنات لا تقتصر على ما عاينته وشهدته بعين خارجية قبل عام فحسب، بل بما تختزنه 15 عاماً من أثقال وأهوال، وما تتفتح عنه ذاكرة محدثيك من تجارب شخصية وعامة و«تروما» متراكمة باختلاف الأجيال.

«وقفة عيد» عبارة قد تختصر المشهد العام في وسط العاصمة السورية في الأيام القليلة الماضية، بكل ما تحمله من تجهيزات وزينة وفرح، كما وغصّة وتعطيل للعمل وتسيير الأمور، حيث يقابل أي ترتيب بسيط بعبارة «إن شالله لبعد الاحتفالات».

حقبة سوداء انتهت

وأجواء الاحتفالات تلك تبدأ منذ نقطة العبور الحدودية من لبنان لجهة معبر المصنع؛ لافتات كبيرة على طول الطريق المؤدي إلى دمشق ترفع شعارات «انتهت الحقبة السوداء… وأشرق وجه البلاد» و«كتف بكتف، يد بيد، نبني الوطن»، و«وطن واحد… شعب واحد» وغيرها من الملصقات الحديثة التي صممت كلها بحسب «الهوية البصرية» الجديدة ذات العقاب الذهبي.

تلك الشعارات والعلم الجديد كما وشعار النسر، خطّت على أسوار المواقع العسكرية التي أخلاها النظام السابق، وعند مدخل البلدات ومركز الفرقة الرابعة على طريق بيروت – دمشق فحلّت محل شعارات «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» و«قائدنا إلى الأبد» وغير ذلك من صور وعبارات انطبعت في اللاوعي الجمعي السوري.

ولئن لاقت الهوية البصرية الجديدة التي أعلن عنها صيف 2024 انتقادات واسعة لجهة أنها «ليست من الأولويات» في بلد منهك ومدمر، لكن الواقع على الأرض يجانب تلك الحقيقة وقد لا يصيبها تماماً. ذاك أن «الهوية البصرية» في النظام السابق كانت عملاً ممنهجاً ودؤوباً وجزءاً أساسياً من تركيز النفوذ وتثبيته في النفوس، يبدأ من دفاتر تلامذة الروضات وصبورات الصفوف المدرسية ولا ينتهي عند صور وتماثيل هائلة احتلت الساحات والفضاءات العامة.

لذا ليس من قبيل الصدفة أن يكون أول ما بدأ تهشيمه وتكسيره وتمزيقه لحظة سقوط النظام السابق هو «أيقوناته» ورموزه البصرية، فكان لا بد من إشغال ذلك الفراغ البصري بما يعكس طبيعة السلطة الجديدة عوضاً عن تركه عرضة لعشوائية فصائلية ومناطقية كانت بدأت تظهر مطلع العام الماضي. وبشيء من السخرية يقول قائل إنه لولا الحاجة للتعامل بالأوراق النقدية والعملة السابقة لعمد كثيرون إلى إحراق الأموال التي تحمل رموز النظام السابق.

لكن، وفي سياق نبذ كل ما له صلة بما مضى وتجذير ما حضر، ذهب كثيرون خطوات أبعد في تبني «الهوية البصرية» الجديدة في الملبس والمظهر والسلوك الاجتماعي. ففي حين «تشذبت» اللحى وقصر طولها وخف إلى حد بعيد مظهر مقاتلي «هيئة تحرير الشام» بشعورهم الطويلة وأزيائهم الغريبة، كما كان الحال قبل عام من اليوم في دمشق، باتت اللحية عموماً خفيفة منمقة أو شبه محفوفة الشوارب، هي السمة الطاغية للشباب والرجال.

وتحوّل النسر الذهبي إلى أزرار تعلق على الأكمام والياقات لألبسة رسمية تغلب عليها التصاميم التركية، ولا تقتصر على الموظفين الحكوميين، وإنما امتدت إلى أي شاب مدني يعمل في القطاع الخاص وراغب بأن يشبه عصره.

وإذ صهرت أجهزة الدولة الناشئة المقاتلين السابقين في قنواتها الرسمية وأبرزها جهازي الشرطة والأمن العام، تبدلت أزياء العسكريين السابقين أيضاً من قميص وشروال أو بزّات مموهة بحسب الفصيل العسكري، وانسحبت من المشهد العام ليحل محلها لباس أسود موحد وأوجه مكشوفة وسلاح غير ظاهر ولا محتفى به. وهؤلاء هم «موضة» المراهقين واليافعين الذين شاع بينهم اللون الأسود، وباتوا غير صابرين على نمو لحاهم، تطبعاً بنموذج رجل السلطة الجديد.

هذا التغيير المشهدي، البسيط ربما في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها سوريا اليوم، امتص جزءاً كبيراً من غضب الدمشقيين المكبوت وتوجسهم حيال حكامهم الجدد القادمين من أرياف ومحافظات بعيدة. فمعلوم أنه في بلد شديد المركزية كسوريا، لا نجاح في امتحان عام قبل اجتياز اختبار دمشق. ودمشق اليوم، وعلى رغم التحديات والانتظارات الكثيرة… في وقفة عيد.

رايات بيض

ازدحامات خانقة تحيل الوصول إلى أي مكان أشبه بمعجزة، ومواكب جوالة بالأعلام ورايات التوحيد البيضاء، وشوارع تغلق عصراً في محيط ساحة الأمويين، فتزيد اختناق الشوارع الداخلية. شبكة الهاتف مثقلة. الفنادق متخمة. حجوزاتها مغلقة بأسعار صاروخية حتى تلك التي كانت عريقة وفاخرة ذات يوم وتوقف بها الزمن في نهاية الثمانينيات فبقيت اليوم مجرد أطلال شاهدة على العصر.

رواد الفنادق يتراوحون بين مغتربين سوريين، ومشاركين في ندوات وورشات عمل لناشطين في المجتمع المدني، ووفود أجنبية ودبلوماسية على أرفع المستويات، وصحافة محلية وعالمية، وتجار ومقاولون وعناصر أمن وفدوا من المحافظات والمناطق البعيدة، ومجرد فضوليين يتسكعون في البهو ما أتيح لهم ذلك.

أحد القواسم المشتركة بين هؤلاء كلهم وغيرهم ممن غصّت بهم دمشق، أنهم كانوا قطعوا الأمل بالعودة يوماً إلى بلدهم، واليوم يغرفون منها ما استطاعوا. عائلات بأكملها أتيح لها خلال العام الماضي احتضان أبناء وبنات منفيين منذ أكثر من عقد، ولقاء أحفاد لم يشهد الأجداد على ولادتهم، وفي أحسن الأحوال تعرفوا إليهم عبر شاشات الهواتف. شباب وشابات غادروا يافعين هرباً من اعتقال وموت محتم، وعادوا اليوم رجالاً ونساء في منتصف العمر يحاولون حشر أجسادهم الكهلة في أسرّة الصبا.

وكما في وقفة كل عيد، فإن مشاعر البهجة والحبور لا تطرق بعض الأبواب إلا محمّلة بدمع كثير. ولعل سكان المناطق المدمرة سواء في المخيمات البعيدة أو في الأحياء المحاذية لمنصة الاحتفالات في ساحة الأمويين، وأهالي المفقودين والمخفيين قسراً أكثر من تبتلع الغصة فرحتهم اليوم وهم مدركون أن طريقهم طويل وعسير. إنهم أبرز الحاضرين في هذه الذكرى، إذ لا تخلو عائلة من فقيد أو مفقود لا تزال تبحث له عن أثر أو رفاة لإتمام مراسم الدفن والعزاء.

لكن أيضاً فإن تجمعات الأهلية سواء لأهالي المفقودين أو المنظمات الحقوقية كما وأصحاب الأعمال وغيرهم من التجمعات، عادوا ونقلوا نشاطهم إلى داخل بلدهم وعقدوا اللقاءات ورفعوا المطالب من وسط عاصمتهم. وفي ذلك لا شك كسب كبير.

غلبني الشوق

أكثر من أي شيء، هو احتفاء بـ«حق العودة» الذي حرم منه السوريون لعقود مضت وسبقت أحياناً ثورة 2011. يقول رجل أربعيني عاد واستقر في دمشق بعد 13 عاماً قضاها في إسطنبول: «أنا عائد لأنني ببساطة مشتاق. مشتاق لأهلي وحارتي وحياتي التي وإن كرهتها آنذاك، تركتها مرغماً ومطروداً».

وفي معرض حديثه عن بعض من يحاولون تأطير خيارات الأفراد في سياقات سياسية عامة كـ«المساهمة في بناء سوريا الجديدة» وغيره من عناوين برّاقة يقول: «أعتقد أنني كنت أساعد بلدي وناسي بأشكال كثيرة حتى وأنا في الخارج. ولكني اليوم عدت لأنه غلبني الحنين. ويجب أن يكون الحق بالشوق حجة كافية للعودة. الحق في أن أختار عودتي بمعزل عن درجة الرضا أو عدم الرضا عن شكل الحكم وأداء السلطة الوليدة».

تلك عبارة تختصر الكثير من حال السوريين اليوم، داخل دمشق وخارجها ممن التقيناهم حتى في المحافظات البعيدة. كأن الناس يحتفلون عملياً باستعادة حقهم في تقرير مصائرهم.

وفيما يبدو أنه ليس للسياسة حيّز كبير اليوم، غير أن الفيل الحاضر في كل مجلس قرارات الحكومة والأداء الإعلامي والحقوقي وسلوك الشرطة وأحداث الساحل والسويداء والعلاقة بـ«قسد» وارتفاع الأسعار وتجاور الفقر والثروة وإغفال ملفات المغيبين والمخفيين في السجون، ذلك كله وغيره الكثير يجري تشريحه ويوضع تحت المجهر بصوت عالٍ، في الشارع والمقهى والمطعم كما لو أنه فعلاً لم يعد للجدران آذاناً. يضحك محدثي من هذا التشبيه ويقول: «بالفعل، لم يعد للجدران آذان… ولكن لغير الجدران أيضاً. كل يفعل ما يشاء. الأفراد والجمعيات والوزارات والمحافظون ورجل الشرطة في سوق الحميدية… كأن الجميع استعاد لسانه وقطع أذنيه».

————————————-

 غزال يدعو لمقاطعة احتفالات سقوط الأسد: “نظام أشدُّ ظلماً

السبت 2025/12/06

دعا رجل الدين السوري العلوي غزال غزال، أبناء طائفته إلى مقاطعة الاحتفالات بمرور عام على سقوط الحكم السابق اعتباراً من 8 كانون الأول/ديسمبر، رفضاً لما وصفه بأنه “ظلم جديد” يتعرض له العلويون بعد إطاحة الرئيس المخلوع  بشار الأسد في مثل هذا التاريخ من العام 2024.

وبدأت مناطق سورية عدة بإحياء الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام المخلوع بشار الأسد، في احتفالات تُوجت العام الماضي بدخول المعارضة العاصمة دمشق، منذ أواخر تشرين الثاني/نوفمبر.

كما شهدت اللاذقية ومدن أخرى، بينها طرطوس وحمص وريف حماة الغربي، خلال الأيام الماضية تظاهرات احتفالية بمناسبة مرور عام على سقوط النظام، شارك فيها آلاف المدنيين، وسط عروض فنية وشعارات تُمجد “نهاية الحقبة الأسدية”. وتُعد هذه الاحتفالات انعكاساً لتبدل المزاج المحلي بعد أربعة عقود من القبضة الأمنية وإرث الحرب.

“نظام أشد ظلماً”

وقال غزال، الذي يرأس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، في بيان نُشر على صفحة المجلس في “فايسبوك”، إن السلطات الحالية “تحت شعار الحرية تريد الاحتفال بالإكراه باستبدال نظام ظالم بنظام أشد ظلماً”. وأضاف: “اعتقلوا وقتلوا وذبحوا وخطفوا وحرقوا… والآن يهددون لقمة العيش، ويجبروننا قسراً على المشاركة باحتفالات بُنيت على دمائنا وآلامنا وأوجاعنا… وتكميم أفواهنا”.

وأعلن غزال أن الرد سيكون “سلمياً وواضحاً”، عبر إضراب عام وشامل لمدة خمسة أيام تبدأ في الثامن من الشهر الجاري وتمتد حتى 12 منه، مع التزام البقاء في المنازل، وذلك “رفضاً لتمكين ظلم جديد أشد بطشاً وأكثر استبداداً وإقصاء وقسوة”.

احتجاجات واحتفالات متعارضة

وخاطب غزال أبناء طائفته بالقول: “سنواجه اعتداءهم برد جماعي سلمي واضح يقيّدهم ويُذَكرهم بقوة إرادتنا التي لا تُقهر”.

وكانت التظاهرات قد خرجت الشهر الماضي في مدينة اللاذقية ومناطق أخرى ذات غالبية علوية احتجاجاً على الاعتداءات المتكررة ضدهم، في أكبر موجة احتجاج تشهدها هذه المناطق منذ سقوط الأسد، استجابة لدعوات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل المجلس الإسلامي العلوي الأعلى.

وتزامنت تلك التظاهرات الاحتجاجية مع مظاهر احتفال واسعة في مدن مختلطة أو خاضعة للمعارضة، حيث بدت البلاد منقسمة بين من يحتفل بمرور عام على إسقاط النظام السابق، ومن يعتبر أن مرحلة ما بعد الأسد حملت “ظلماً جديداً” لا يقل قسوة.

—————————–

 سوريا تستعيد بوصلتها الضائعة: الاقتصاد الحرّ ينطلق/ ناظم عيد

الأحد 2025/12/07

تبنت الإدارة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق اقتصاد السوق “الحر” كخيار استراتيجي، معلنة بذلك إحدى أبرز محطات التحول العميق الذي بدأ في 8 كانون الأول 2024.

ويأتي هذا الإعلان بوصفه خطوة كبرى و”موقف دولة” طال انتظاره لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، منذ إطلاق ميخائيل غورباتشوف مشروع “البيروسترويكا” وما تبعه من انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي وانحسار المنظومة الاشتراكية معه.

ضبابية مزمنة

والواقع أن الاقتصاد السوري لم يكن اشتراكياً يوماً، فلهذا النمط استحقاقات ثقيلة عجزت عنها الدولة. ولم يكن رأسمالياً لأن الاصطفاف السياسي فرض نفسه عنوة بين معسكرين.

بل كان اقتصاداً غير منتج، هجين، متفلّت من كل اشتراطات التماهي شكلاً وتطبيقاً، مع سلسلة طويلة من فصول “فوات المنفعة” المفترضة في الانتماء الصريح. فالأدبيات الاقتصادية العالمية ترفض سياسات “التغميص باتجاه اليسار والانعطاف نحو اليمين”.

بعد العام 2005 أمعنت مقصورة قيادة الدولة أكثر في خلط أوراق اقتصادها، وأدخلته في متاهة أكثر تعقيداً عندما أعلنت اقتصاد السوق الاجتماعي نهجاً مبتكراً، وكان في الواقع ملتبساً أشغل الجميع بتفسير دلالاته لا بمقتضاه.

في تلك الأجواء الضبابية تسلل إلى عمق البيئة الاقتصادية السورية نمط اقتصادي غريب، لا عام ولا خاص، بل “خاص” بدأ يتبلور ويتضخّم تحت عناوين “الليبرالية عند الحاجة” التي مارسها النائب الاقتصادي عبد الله الدردري، صلة الوصل والوسيط النشط بين رأس النظام وبيوت المال في سوريا وما حولها.

على مثل هذه الأرضية تضخمت استثمارات الطبقة “الامتيازية” وتعزز استحكامها بالسوق على المستويين الإنتاجي والتجاري والخدمي عمومًا، ليغدو التوصيف الدقيق لحقيقة الاقتصاد أنه “رأسمالي متوحش” دفع فاتورته من بقي في هذه البلاد من ملايين السوريين.

تصويب سلس

كان إعلان الدولة الجديدة عن نهج الاقتصاد الحر كخيار دولة، تصويباً لمسارات مختلّة على مرّ عقود طويلة، وإجلاء الالتباس المزمن الذي طالما حيّر العالم في الطريقة المناسبة للتعامل مع سوريا. ليكون من الطبيعي والأفضل عزلها.

وإن كانت إحدى أكبر الهواجس القائمة في مرحلة التحوّل هي تلك المتعلقة بالآثار الاجتماعية المتوقعة على الشريحة الأوسع من المجتمع، فإن الحقيقة الأكيدة أنه لم يبق ما يمكن أن يلفح السوريين ولم يحصل، فقد عبروا برزخ  التبعات الصعبة المفترضة للتحول خلال حقبة الفقر المدقع التي عاشوها على مرّ السنوات الماضية. وهذا سيقفز بهم مباشرة إلى خانة حسنات النمط الاقتصادي الجديد.

تلقّف الفكرة وتطبيقاتها

تلقى السوريون انعكاسات إيجابية مباشرة لنمط اقتصادهم الجديد بمجرد تحرير بلادهم. وكانت أولى الإشارات تدفق سلعي ووفرة في أسواقهم لم يشهدوها منذ أكثر من عقد من الزمن، والأهم أسعار متهاودة بنسبة 50%، إلى جانب تعدد الخيارات في قوام السلّة الاستهلاكية.

كما تراجع سعر صرف الدولار من عتبة 16 ألف ليرة سورية في السوق السوداء ووصل إلى ما دون 9 آلاف ليرة سورية، وتحوّل الطلب على الليرة أكثر من الطلب على الدولار.

وتوالت – كما الحلم – تدفق وفود رجال الأعمال والأخرى الرسمية لاستكشاف سوريا الجديدة التي شرعت للتو أبوابها أمام الجميع.

جرأة الاتتقال

يسترجع الخبير الاقتصادي والمالي أنس الفيومي، معالم النهج الاقتصادي الغامض الذي ساد في سوريا خلال العقود الماضية. حتى عندما قيل أن الاعتماد سيكون على اقتصاد السوق الاجتماعي كان هذا الاعتماد يفتقد لأدوات كثيرة يفترض أن تتوفر لدى الدولة والأفراد، وأن تهيأ لها مقومات النمو واستمراره.

ويتساءل الفيومي سؤال العارف في حديثه إلى “المدن”: هل كانت العلة في الأدوات أم بالقرار أو من يصدره والجرأة على العمل ضمن نهجه دون مساءلة من جهات أمنية أو رقابية.

المهم وفقاً للخبير المالي والاقتصادي، أمام هذه الفوضى السابقة ومع أول خطوات التحرير كان لا بد من اتخاذ القرار الجريء بالتوجه نحو الاقتصاد الحر، مع ما يخلقه هذا التوجه ضمن المقومات المتوفرة في حينه والقدرة على تقبله وتبنيه من اهتزاز قوي في بنية الاقتصاد.

لكن المراهنة كانت على أن فترة الاهتزاز لن تطول وسرعان ما سيجد النهج مقومات استقراره والانطلاق الجيد نحو مستقبل اقتصادي قوي مستقر مع توفر الدعم الخارجي والعلاقات الجيدة مع الدول الأخرى ومؤسسات التمويل.

متطلبات

هنا يلفت الفيومي إلى أن ‏حماية الملكيات الفردية ووسائل الإنتاج ودعم تأسيس الشركات وتسهيل عملها وخلق سوق منافس شريف وتحديد الأسعار بناء على قاعدة العرض والطلب.. إلى آخر ما يميز اعتماد الاقتصاد الحر ومبادئه الأساسية.

يتطلب بالطرف المقابل فريق عمل إشرافي قوي من الوزارات المعنية لمنع الوقوع في مخاطر محتملة كسيطرة الشركات الكبيرة القوية على السوق وتهميش دور المشاريع المتوسطة والصغيرة، وتقليل الهوة بين طبقات المجتمع عبر تحسين الدخل.

والأهم ألا تكون الغاية هي تحقيق الربح فقط على حساب الدور الاجتماعي المنوط بالدولة، والتي لا يجوز لها أن تغفله وخاصة في المراحل الأولى لهذا الانتقال الصعب.

مسؤولية قطاع الأعمال

وهنا يأتي دور غرف الصناعة والتجارة بتشكيل فرق عمل على تواصل دائم مع الفريق الحكومي لضبط حركة الإنتاج والسوق والتكاليف ووضع الحكومة بصورة أي خطورة محتملة لكافة السلع ولاسيما السلع الأساسية.

إذ ‏لا شك في أن المرحلة القادمة ليست سهلة وتحتاج لعمل جاد من الأفراد والمؤسسات بشفافية تامة من أجل اتخاذ القرار وصحته وتوقيته المناسب وتأثيره على المجتمع المتعب بعد سنوات كانت صعبة جدا عليه.

من جانبه يرى الأكاديمي الخبير الاقتصادي الدكتور محمد علي، أن ثمة ملامح واضحة تم إرساؤها على الأرض، على مستوى تحول سوريا من نظام اقتصادي مغلق إلى اقتصاد السوق الحر.

ويعتبر أن تحرير الاستيراد واعتماد مبدأ المنافسة هو ألف باء مثل هذا التحول بكل ما حمله من تنوع في المنتجات والسلع وجودتها، وتنوع الأسعار بناء على هذه المعطيات.

وجزم علي في حديثه من “المدن” بأن تحرير الاستيراد ستكون له انعكاسات بالغة الإيجابية ستظهر تدريجيًا على صعيد تحفيز الاستثمار والإنتاج المحلّي، ومن ثم المنافسة بالأسعار والجودة مع ماهو مستورد.

سوق العملة والمصارف

يشير د. علي إلى ملمحٍ أساس من ملامح التحول نحو أدبيات السوق الحر، وهو التغيرات التي طرأت على سعر صرف الليرة السورية.

فمصرف سوريا المركزي أعلن منذ بداية التحرير أن استراتيجيته تعتمد آلية التعويم المدار، أي بناء على ظروف العرض والطلب ومن ثم التدخل عند تخطي سعر الصرف حدود غير حقيقية أو في حالات المضاربة، وذلك من أساسيات التحول إلى الاقتصاد الحر. وبالفعل قد تحسن سعر صرف الليرة السورية مع بدايات العام 2025.

وإن كان سعر صرف الليرة قد انخفض نسبياً في الشهرين الأخيرين، فإن ذلك يبدو طبيعياً في ظروف الاقتصاد الحر، فالليرة تحتاج إلى تعافي منظومة الإنتاج المحلي لتحقق مكاسب أمام الدولار، وهذه الحيثية تبدو مثار اهتمام حكومي، وثمة مساع واضحة باتجاه الارتقاء بمنظومة الإنتاج المحلي ومعالجة العجز في الميزان التجاري السوري.

والمهم في سياق التعاطي مع المسألة النقدية، إعلان الحكومة منذ البداية أنه لن يكون هناك تمويل بالعجز، والتمويل بالعجز كان السبب المباشر لحالة التضخم الذي حصل سابقاً.

كما شرعت الحكومة بتحرير وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهذا من الملامح  المهمة للتحول. ورسمت الحكومة والمصرف المركزي رؤية لهيكلة المصارف العامة.

ويعول اليوم على إعادة تفعيل نظام سويفت في سوريا وإعادة إدماجها في النظام المالي العالمي بشكل كامل خلال الفترة المقبلة.. طبعًا بعد إلغاء قانون قيصر.

نحو الاندماج المفقود

ويتفاءل علي بأن كل الإجراءات الجارية ستساعد سورية على الاندماج بالاقتصاد العالمي، في حال استمرت جهود الدعم الدولية، باتجاه إدراج سوريا في مجموعة العمل المالي وإزالتها من القوائم السوداء.

والسماح بترميم الفجوة التقنية وإعادة توطين كل ما تحتاجه التنمية بمختلف مساراتها، وترميم كل ماله علاقة بالبنية التحتية بما في ذلك البنية التحتية الرقمية..

كل ذلك سيؤدي إلى تحسين بيئة الإنتاج السوري وتحسين الصادرات وتصحيح العجوزات في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، لكن هذا يحتاج إلى وقت فالاقتصادات لا تُبنى في ليلة وضحاها..

كل ما تم إنجازه في سياق تطبيقات إعلان التحول نحو اقتصاد السوق الحر في سوريا، والإجراءات التطبيقية التي تمت، تعني فيما تعنيه، وفقًا للخبير محمد فإن الانتاج سيبدأ مسيره التصاعدي مع تحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار في كافة القطاعات، وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى زيادة الطلب على القوة العاملة وامتصاص فائض سوق العمل

——————————-

===================

تحدبث 06 كانون الأول 2025

——————————-

 معالم ومخاطر بين “الانتقالية” و”الشمولية” في الحكومة السورية/ د. عبد المنعم حلبي

2025.12.06

منذ لحظة سقوط النظام السوري قبل سنة كاملة، بدا للجميع أن مرحلة جديدة من تاريخ سورية قد بدأت من دمشق، مرحلة عنوانها الأولي، موضوعيًا، أنها مرحلة انتقالية بكل معنى الكلمة: انتقال من دولة الاستبداد إلى دولة المؤسسات، من حكم الفرد إلى حكم القانون، ومن الشعارات القسرية إلى المشاركة الشعبية وإدارة التنوع. غير أن الواقع كان يسير –على ما يبدو لكثير من السوريين– باتجاه آخر، لتتكشف لهم يومًا بعد يوم مفارقة معقدة؛ فالحكومة التي يُفترض أنها “انتقالية”، والتي قامت على دمج الوزارات والصلاحيات بدواعي تحقيق مستويات أعلى من التنسيق والفعالية، انتقلت مع الوقت إلى العمل المركزي والشمولي، متسلحةً بقوانين وإجراءات سابقة طبعت عقودًا مضت، وذلك بحجة عدم وجود البديل، وبانتظار مجلس الشعب المُؤخّر، في الوقت الذي يتم فيه إصدار كل ما يلزم من مراسيم لزيادة الهيئات وتعزيز وترسيخ أذرع ومركزية السلطة التنفيذية. هذه المفارقة بين الشكل الانتقالي والسلوك الشمولي شكلت أهم معالم اللحظة السورية الراهنة بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، وفي مواجهة سؤال مهم للغاية: هل نحن أمام حكومة انتقالية حقًا، أم أننا أمام حكومة تعمل على إعادة إنتاج ناعمة، وأحيانًا خشنة، لمنظومة سابقة، بوجوه جديدة؟!

من الناحية الرسمية، تُقدَّم الحكومة الحالية باعتبارها حكومة مهمتها الأساسية تهيئة البلاد لمرحلة دائمة أكثر استقرارًا، عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، ومعالجة آثار الحرب والانهيار الاقتصادي، وإطلاق مسار دستوري، وصولًا لنظام سياسي جديد جامع. ومن الناحية الخطابية، يجري التأكيد من حين لآخر على أن عهد هذه الحكومة ليس سوى مرحلة مؤقتة، وأنها تسعى إلى ضمان انتقال سلمي وآمن لسلطة دائمة لاحقًا. ولكن كثيراً من المتابعين لتصرفات هذه الحكومة وإجراءاتها وإعلامها الرسمي، يدركون أن القناعة الداخلية بهذا الدور ليست راسخة، وأن الممارسة اليومية لا تزال أسيرة أدوات التحكم والسيطرة التي طبعت العديد منها النظام السابق لعقود طويلة.

وهكذا يشير مراقبون إلى أن الحكومة تميل إلى إدارة العديد من الملفات الحيوية بذهنية متقادمة، قائمة على المركزية الشديدة وضعف في الشفافية، فتشير إلى وجود رغبة داخل دوائر الحكم في فرض إيقاع سياسي سريع يهدف إلى إحكام السيطرة على المرحلة، عبر شركاء خارجيين ومحليين، وهو أمر يتناقض جوهريًا مع روح المرحلة الانتقالية التي يُفترض أن تُبنى على التشاور، وتوسيع هامش الحرية، وإشراك القوى السياسية والمجتمعية في صياغة المستقبل. فعلى الرغم من الخطاب المتكرر حول الانفتاح، ما زال السوريون يفتقرون إلى رؤية واضحة لخطط العمل الفعلية لحكومتهم، سواء فيما يتعلق بإعادة بناء الاقتصاد، أو هيكلة مؤسسات الأمن، أو وضع أسس العدالة الانتقالية التي لا يمكن تجاهلها بعد ما عاشته البلاد. ما يثير الشكوك حول مدى الالتزام بإعادة توزيع السلطة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بشرائحه كافة، وليست انتقائية، ولاسيما في ظل التأخير المستمر لمجلس الشعب المُعين أصلًا بصورة مباشرة لثلثه، وبصورة غير مباشرة لثلثيه.

إن الإصرار على نمطية الإعلام الحكومي، وضبط المجال العام عبر تجييش وحشد مستمر للبيئة الحاضنة، أو المؤيدين الجدد من المعارضين، أو المنتقلين من التأييد للنظام السابق، وضبط الحريات السياسية –مركزيًا– بحجة الحفاظ على الاستقرار، كلها مؤشرات تدل على أن الحكومة ما تزال غير مقتنعة تمامًا بأنها سلطة انتقالية ومؤقتة. فالسلوك الانتقالي يتطلب الاعتراف بأن السلطة ليست غاية بحد ذاتها، وأن مشروع المرحلة هو تمكين السوريين من اختيار مستقبلهم بحرية، لا إدارة البلد بنفس الأدوات القديمة بواجهة جديدة. فالشمولية بطبيعتها لا تؤمن بالمؤقت، ولا تعترف بمرحلة انتقالية، بل تميل دائمًا إلى ترسيخ نفسها بوصفها الخيار الطبيعي والوحيد.

على الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل الظروف الضاغطة والصعبة التي تعمل تحت وطأتها الحكومة الحالية. فالدولة كانت شبه منهارة، والاقتصاد متداعٍ، والخدمات الأساسية في معظم المناطق تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، كما أن المشهد السياسي بقي مليئًا بصراعات القوى الخارجية والداخلية. هذا الواقع يجعل من أي حكومة –مهما كانت نواياها– أكثر ميلًا للحزم والصرامة في محاولة لفرض الحد الأدنى من الاستقرار. غير أن الفرق بين الإدارة الانتقالية الفعالة والإدارة الشمولية يكمن في طريقة التعامل مع هذه الضغوط: فالحكومة الانتقالية تحاول احتواءها عبر المشاركة والشفافية، في حين تحاول الحكومة الشمولية احتواءها عبر التحكم وفرض السيطرة.

ولعل أكثر ما يكشف جوهر السلوك الحكومي هو الطريقة التي تتعامل بها مع ملف تشكيل المؤسسات الدستورية والسياسية الدائمة. ففي الوقت الذي ينتظر فيه كثير من السوريين خارطة طريق واضحة لتنشيط الاقتصاد الوطني ورفع مستوى الخدمات العامة وتحسين واقع البيئة القانونية والتشريعية الناظمة للحياة الاقتصادية، وصولًا لكتابة دستور جديد وبناء بيئة سياسية لولادة نظام سياسي يلبي طموحاتهم، لا تزال الخطوات المتخذة أقرب إلى إجراءات إدارية محدودة لا ترتقي إلى مستوى التغيير العميق المطلوب.

وفي الحقيقة، فإن مشاعر كثير من السوريين تجاه الحكومة السورية الانتقالية يختلط فيها الخوف من أن تكون غير راغبة في ممارسة طبيعتها الانتقالية، مع التخوف من عجزها أصلًا عن القيام بأعباء ومتطلبات هذه الطبيعة والصفة، وبذلك يتحول الانتقال إلى حالة دائمة تُطيل عمر الهشاشة السياسية والأمنية، وتبقي البلاد في منطقة رمادية بين الاستبداد والحرية. هذا النوع من “الانتقال غير المنتقل” هو الذي أدى في تجارب أخرى إلى إعادة إنتاج أنظمة سلطوية بآليات جديدة وتحت مسميات إصلاحية.

ومع ذلك، فلا تزال هناك فرصة حقيقية لإحداث تحول حقيقي إذا ما اقتنعت الحكومة بأن قوتها في مرحلتها الانتقالية المؤقتة لا تأتي من قدرتها على التحكم، بل من قدرتها على بناء الثقة، وتوسيع المشاركة، وفتح المجال العام، كحكومة عبور إلى المستقبل، وليست حكومة شمولية تفرض نفسها على السوريين، فتفقد صفة الانتقالية، وتنهار ثقة السوريين بها، وتفتح الباب أمام صراعات سياسية واجتماعية قد تعيد البلاد إلى المربع الأول، كما حصل في ليبيا واليمن، ويحصل حاليًا في السودان.

وفي الحقيقة، فإن النظام السياسي المناسب في سورية لن يكون بقرارات وإجراءات وقواعد لعب تُفرض على السوريين واقعًا معينًا كنتيجة نهائية، بل هو نظام سينتج عن عملية تُبنى عبر خطوات صغيرة ولكنها متتابعة ومستمرة، وتبدأ أولًا بإرادة حقيقية للاعتراف بأن السلطة في زمن الانتقال ليست ملكًا للحكومة، بل أمانة عندها عن الشعب، ولابد للسوريين أن يشعروا بأن هذه السلطة قادرة على تمثيلهم جميعًا في يوم ما ليس بعيدًا.

وعلى الرغم من الإدراك التام بأن سوريا ستبقى زمنًا ليس بقصير في قلب مرحلة تاريخية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحاجة إلى الاستقرار مع الحاجة إلى التغيير، وتتصادم فيها رواسب الماضي مع تطلعات المستقبل. وأن التوازن المطلوب إنجازه من الحكومة عملية صعبة ودقيقة، لكن تحديد الهدف والمنهج أمر لا يمكن تأجيله طويلًا، إذ يتوجب على الحكومة السورية أن تحدد هدفها وهويتها ونهجها أمام معادلة صعبة: فإما أن تكون حكومة انتقالية تمهد لميلاد دولة جديدة، وإما أن تتحول إلى نسخة معدلة من الشمولية، وتبني على أساس قرارها المعالم والمخاطر الفاصلة التي سيرسم اتجاهها شكل سوريا لعقود قادمة.

تلفزيون سوريا

————————–

 لقد سقط الأسد.. هل هذا عصيّ على الفهم؟!/ عمر قدور

السبت 2025/12/06

لعل الذكرى الأولى لإسقاط الأسد مناسبة للتذكير بأنه سقط حقاً. ومهما بدا هذا الاستهلال غريباً فمن المؤسف أنه حقيقي بقدر ما هنالك من سوريين غير مقتنعين، أو لا يريدون الاقتناع، بأنه سقط. لقد سقط. ومن المؤسف أن نحتاج، مجازاً وفعلاً، إلى الصراخ بهذه العبارة للتذكير بما يُفترض أنه بغنى عن ذلك.

تأخّرَ سقوطه؛ كان يجب أن يسقط بين صيف وخريف العام 2012، عندما صارت قواته في أسوأ أحوالها على مشارف دمشق، ثم كان يجب أن يسقط في صيف العام 2015، وفي المرتين أتاه الدعم الخارجي لينقذه بقوات من بعض الدول وإرادة من بعضها الآخر. الإشارة إلى التاريخين السابقين متصلة بالوضع العسكري، أما من حيث الشرعية فهو لم يكن شرعياً في الأصل، وإذا كان كذلك فقد خسر شرعيته مع انطلاق الثورة.

في كل أحواله، السقوط حدثٌ كان محتّماً، لأن البقاء إلى الأبد أو إلى يوم القيامة غير وارد، وحكم الأسد استهلك زمنه وأكثر. بهذا المعنى، لا يفيد التحسُّر على زمنه، إذا كان هناك من يتحسّرون، وقد كانوا قلّة يوم السقوط. وأن يزيد عددهم بسبب وقائع السنة الأخيرة فهذا مؤشّر بائس على أحوال الحاضر، لكنّه غير نافع لأن الأسد لن يعود، ويجب التعاطي مع الواقع انطلاقاً من هذه القناعة.

إن كان هناك من يتطلّع إلى عودة الأسد، فعليه الاقتناع بعدم وجود فلول له يساعدونه على العودة. “الفلول” في الأصل كلمة استُخدِمت في مصر للإشارة إلى مناصري العهد السابق على عهد الرئيس محمد مرسي، بالتوازي مع استخدام مفهوم “الدولة العميقة” للدلالة على وجود أنصار العهد السابق في مفاصل الدولة، والجيش والمخابرات على نحو خاص. لقد كان هؤلاء في مصر يُعدّون بالملايين، فضلاً عن وجودهم وتأثيرهم المجتمعي. إن بضعة آلاف لا يشكّلون فلولاً بهذا المعنى، حتى إذا كانوا مسلّحين بأفضل الأسلحة الفردية، وليسوا مؤهّلين لتكون لهم حاضنة اجتماعية حقيقية، أما دفْعُ مجموعات أهلية للتعاطف معهم بداعي اليأس فلن يزيد في خطرهم بل يضعفهم ويعزلهم عن الإطار السوري العام.

التهويل من الخطر المزعوم للفلول لم يأتِ من جهتهم؛ بل أتى من السلطة ومناصريها، خصوصاً أثناء وبعد ارتكاب مجازر الساحل. وبالمقارنة مع الحالة المصرية، فالكلام عن الفلول والدولة العميقة سيرتدّ على السلطة نفسها. فمن المعلوم أن الأخيرة منذ اليوم الأول لإسقاط الأسد حلّت كافة المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة له، ثم لم تتأخر في السيطرة عبر مشايخها على معظم المفاصل الحكومية، بحيث أن الحديث اليوم عن دولة عميقة هو حديث عن السلطة الحالية، بجيشها الذي نذكر منه تحديداً آلاف المقاتلين الأجانب الذين هم بمثابة انكشارية محدثة، وأيضاً بمؤسساتها الأمنية الجديدة والسيطرة على المؤسسات الحكومية المدنية.

التذكير بالدولة العميقة الجديدة يبدو ضرورياً أيضاً ليقتنع أنصار السلطة الحالية بأن الأسد قد سقط تماماً وكلياً، وهذا يجب أن يطمئنهم إلى استتباب الوضع لهم بلا منافسة. وإذا احتاجوا مزيداً من التطمين يمكنهم استرجاع الشكوى الرائجة خلال حوالى عقد ونصف من أن الأسد يحظى برعاية دولية تمنع سقوطه، ومقارنة تلك الشكوى باعتزازهم اليوم بشبه الإجماع الدولي الذي تناله السلطة الحالية، أي أن الأخيرة في الحد الأدنى غير مهدَّدة خارجياً. أما ضمن المنظور والملموس، فهي تحظى برعاية خارجية تذكّر بالحفاوة التي لقيها بشار الأسد في بداية حكمه لا في نهايته. بل لا مغالاة في القول إنها تحظى برعاية أكبر، ولمبررات عديدة جعلت القوى الدولية تتغاضى عن مجازر الساحل والسويداء.

لقد سقط الأسد. هذا ما يترتّب على أنصار السلطة قبل غيرهم فهمه، وأول ما يترتّب على الفهم مغادرةُ ذلك الإحساس بأنهم في خطر، فالحق أنه لا خطر على سوريا ولا عليهم من الخارج، ولا خطر عليهم أيضاً من الداخل. نضيف أنه لا خطر على وحدة البلاد، فالخارج الداعم للسلطة لا يريد تقسيم سوريا، إن لم يكن كرمى لها فلأن تقسيم سوريا سيؤدي إلى إعادة رسم خريطة شرق المتوسط كله، ولا دلائل على أن القوى الدولية تسعى إلى ذلك، ولا مؤشّرات إلى أن القوى الإقليمية تستشعر خطراً محدقاً، تحديداً تركيا.

نذكّر بأن الأسد سقط، على نحو خاص أولئك المستمرينَ في الاستثمار في جرائمه. ولا شك في أن أكبر سيئات الأسد وصوله إلى مستوىً نادر من الإجرام، وهذا ما يجعل المقارنة معه رابحة بلا أدنى جهد. لقد رأينا بعد الثورة الكثير من المعارضين الذين استخدموا جرائم الأسد لتغطية مساوئهم، والنهج نفسه لا يزال مستمراً في مواجهة أي نقد يطاول السلطة الحالية. إذ سرعان ما ينبري المدافعون عنها للتذكير بجرائم سلفها، إما على سبيل التخويف المبطّن بعودة الأسد، أو على سبيل التهوين من انتهاكات السلطة الحالية. بعض المثقفين المدافعين عن الانتهاكات لا يقصّر في استدعاء أي نموذج أسدي من تجارب بلدان أخرى، أيضاً بهدف التهوين من الانتهاكات، وكأنّ مثقفي تلك البلدان كانوا يباركونها أثناء حدوثها.

لقد قيل وكُتب الكثير عن جرائم الأسد، ولا يزال بعضها أو أبعادها يظهران يومياً. ويبدو أن هناك مَن بحاجة للتذكير بأن الأسد سقط، وحان وقت معالجة آثار تلك الجرائم، بدءاً من التقدم في ملف العدالة. نحن إزاء ملف شديد الحساسية والإلحاح، فمداواة جراح أهالي الضحايا تقتضي تحديد المجرمين بدقة، والوفاء لدماء الضحايا أنفسهم يقتضي أيضاً ألا يُقتَل بريء كما قُتِلوا من قبل. التهاون إزاء مقتل الأبرياء، وترك المجرمين طلقاء مع التجريم والعقاب الجماعيين، هو سلوك أسدي.

في الواقع لدينا، لمن يشاء، قائمة مما هو أسدي، فلا يقتصر الأمر على قتل أو اختطاف أبرياء. فالاستفراد بالسلطة هو سلوك أسدي، ومظاهر تقديس الفرد هي أيضاً سلوك أسدي، ومحاولات كمّ الأفواه من قبل موالي السلطة هي أيضاً سلوك أسدي. مفهوم الموالاة نفسه هو ضمن الأرومة، لأننا نرى كيف كان الولاء (ولا يزال) مانعاً من النقد، عند أصحابه أولاً قبل الخصوم.

بسبب كل ما سبق نعود للتأكيد على أن الأسد سقط، ومن الضروري الخلاص من الوضع الشاذّ الذي ساد منذ سنة، وفحواه أن الذي يرون أنفسهم منتصرين يرفضون الإقرار الحقيقي العميق بسقوطه، لأنهم غير مستعدين لإعلان موت الأسدية ودفنها، بينما يتلهف لدفن تلك الحقبة بكل مظاهرها أولئك الذين يدركون معنى الانتصار، وحتى كثر من الذين شعروا أنهم كانوا في الجهة الخاطئة، أو من الذين صبروا على ضيم الأسد وظنوا أن الفرصة باتت مواتية ليكونوا أحراراً.

صبيحة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الفائت سقط بشار الأسد، ومن المؤسف بعد سنة من ذلك التاريخ ألا يكون أكثر سقوطاً مما كان عليه حينها.

المدن

——————————–

 سوريا بعد عام من التحرير.. تقييمُ التقييم/ محمد فواز

2025.12.06

بعد عامٍ على التحرير، كثرت الجلسات التقييمية على مختلف المستويات: شعبية ونخبوية، علمية وسياسية، محلية وعالمية. في إحدى هذه الحوارات النخبوية التي حضرتُها، قدّم مطّلعان الرؤية نفسها تقريبًا للواقع السوري الراهن. المفاجأة كانت أن أحدهما خلص إلى أن سوريا في الهاوية وتزداد غرقًا فيها، بينما الآخر – الذي قدّم الرؤية ذاتها – خرج بخلاصة مختلفة جذريًا، إذ بدا سعيدًا بما رآه ومتفائلًا بما تقوم به الإدارة وبمستقبلها. فأين الخلل في التقييم؟ وكيف يمكن للمعطيات نفسها أن تؤدي إلى خلاصات متناقضة تمامًا؟

تكمن المشكلة في تقييم الحالة السورية في أمرين أساسيين. الأول هو التصورات التي ينطلق منها المتحدث أو المفكّر؛ فالسعيد بالوضع الراهن هو، في الحقيقة، ما يمكن أن أسميه “الواقعي” الذي ينطلق من واقع سوريا السابق ومن حالها المتوقّع لو لم يتغيّر النظام البائد. أمّا المتشائم، فمرتكزُه الصورة المتخيّلة لسوريا التي يحلم بها، والتي ربما رأى أطرافًا منها في الخليج أو أوروبا أو تركيا، أو في الماضي السوري الأموي الذي كان يتسيّد العالم.

أما الأساس الثاني فهو النية والانتماء الأيديولوجي والمصلحة الشخصية. فمن يتفق مع القيادة الجديدة أيديولوجيًا يميل إلى تفسير أفعالها من زاوية تفترض حسن النية، فيؤولها إيجابيًا. وعلى العكس من يقف على الضفة الأخرى، فهو لا يقبل من القيادة الجديدة شيئًا، ويتجه نحو تأويل أفعالها في أقسى الاتجاهات السلبية، لا لشيء سوى لاختلاف الأيديولوجيا والنية، وربما المصلحة.

لا يكاد أحد من المقيّمين ينجو من هذين الفخين. فإن استطاع النجاة من الثاني بحيادٍ مطلق، فإنه غالبًا سيقع في الأول.

في الحقيقة، إن أي تقييم موضوعي – أو يحاول أن يكون كذلك – لا ينبغي له إغفال مشهد سوريا زمن الأسد وقصر الوقت الذي تعمل فيه القيادة الحالية. أصحاب الرؤية المتشائمة الذين لا يرون إنجازات للقيادة الجديدة، يغيب عن بالهم، قصدًا أو عن غير قصد، نجاح مشهد الثورة الأخير من دون شلال دماء؛ وهو مشهد نادر في التاريخ، بل معجزة. وقد أعقبه إغلاق ملف السجون السورية المرعبة، ووقف الإعدامات اليومية، وإنهاء ملاحقة السوري في العالم، وإغلاق ملف اللجوء القسري تقريبا، وفتح الباب أمام السوريين لإعادة بناء بلادهم، وفتح باب التواصل الصحي مع الدول العربية على مختلف المستويات، باعتبار أن سوريا قلب التواصل الجغرافي.

لا ينبغي لأي مراقب أن ينسى هذه المشاهد وغيرها، كأننا تخطّيناها وبدأنا نتعامل مع دولة طبيعية في المنطقة نقيمها كما نقيم رئيسًا فرنسيًا أو بريطانيًا منتخبًا اليوم.

صحيح أن الملاحظات على الأداء كثيرة ولا تنتهي تقريبًا لدى الجميع، لكن هناك روحًا واضحة في مختلف الملفات: السعي للتطوير والتحسين، ومسابقة الوقت، وتوسيع الإدارات. وكل ذلك يجري في وقت لا يجب أن ننسى فيه أن النظام السابق قد سقط بالكامل، وأن هناك إعادة بناء لنظام جديد على أسس متهالكة، وتحت ضغط داخلي وخارجي هائل ومتربصين في كل ناحية. لذا، فإن أي تقييم موضوعي للإدارات العامة اليوم سيجد انغماسًا حقيقيًا في العمل ومحاولات متوازنة للخروج من الأزمات.

أضف إلى ذلك أن مجرد فتح المجال للتقييم والتصويب وتفاعل الإدارة السورية معه، وحساسيتها واستقبالها للنقد والتجاوب معه أحيانا، هو بحدّ ذاته تطوّر لم نكن نحلم به في سوريا الأمس.

أما فخ المعايير الموحدة للتقييم – كأن يُضرب مثال بأن بلوغ نظام ديمقراطي هو الهمّ الأوحد الذي يجب تحقيقه فورًا بغض النظر عن الملفات الأخرى – فهو تبسيط مخلّ وجهل بالواقع السوري السابق واللاحق. وهذا يخصّ المنتقدين بشكلٍ أعمى، وهم كُثر.

أما الطرف الثاني، وهم المبالغون في الثناء ورافضو التقييم أو الملاحظات، فإن النقد المرتبط بالتعددية، أو بطريقة التعاطي مع التغول الإسرائيلي، أو بالشفافية، أو بترتيب الأولويات، أو بإشراك السوريين في المرحلة المقبلة من إعادة بناء سوريا – ولو اعتبره بعضهم قاسيا – فإن تجاهله اليوم يدقّ ناقوس الخطر في سوريا كلها، إن لم يكن اليوم فغدًا. فاليوم تُبنى أسس الدولة، ومع أن الإنجازات المحققة خلال سنة واحدة ملحوظة، فإن الأسس تُبنى الآن، وأي انحراف مبكر، أو غرور بالإنجاز، أو تعالٍ وغشاوة في الرؤية أو إعادة بناء هياكل المحسوبية، قد يغلق مسامات استقبال النقد والاستفادة منه ويعاد معه تدريجيا بناء نظام استبدادي فاسد.

عليه، إن أي منتقد لاذع ينسى – أو يتناسى – ما حققته الثورة والقيادة الجديدة، عليه أن يعيد حساباته. وبالمقابل، فإن صمّ الآذان عن النقد الواسع والمهم يفتح بابًا على تآكل الشرعية من جهة، وعلى إعادة إنتاج بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية هشّة ومعرّضة لرياح الداخل والخارج من جهة أخرى.

لذلك، يجب أن يقوم التقييم أساسًا على حفظ ما تحقق وتثبيته، وهو كثير، وعلى أن يكون نقديًا بما يكفي للحفاظ عليه والبناء فوقه، على الرغم من الصعوبات والتحديات الهائلة.

فعلى سبيل المثال، في ملف الطاقة، يكون التقييم الحقيقي قائمًا على الثناء ورؤية ما تحقّقه الإدارة الجديدة على مختلف الصعد، وهو أمر واضح، ولكن بالتوازي مع متابعة دقيقة وتصويب للزوايا التي ما تزال غامضة حتى الآن، كمسألة شفافية العقود، أو العدالة الاجتماعية في التسعير، أو بناء هياكل الوزارة والشركات المستجدّة، أو امكانية الانزلاق نحو تصوّرات نيوليبرالية من جهة، أو تصوّرات حالمة تُهمل الواقع السياسي من جهة أخرى. فإن غاب أحد طرفي هذا التقييم، انهار التقييم برمّته، وفُقدت إمكانية إحداث أثر، بل وتعزّز الانقسام بدل أن يُجسره.

——————————-

حمص و”ردع العدوان”… فصول من الخوف قبل سقوط الأسد/ عبدالله البشير

06 ديسمبر 2025

كانت السيطرة على مدينة حمص بعد أيام على إطلاق معركة “ردع العدوان” نقطة مفصلية وشرارة الانهيار الفعلية لنظام بشار الأسد، فكانت بوابة دمشق والمدينة الثالثة بعد حلب وحماة ضمن أحجار الدومينو. كانت تدور الكثير من المخاوف والشكوك بشأن حمص، خشية من احتمال ارتكاب مجازر واستعصاء جيش نظام الأسد فيها وسيناريوهات عديدة أخرى بقيت قائمة حتى اللحظة الأخيرة التي بقي فيها الأسد في السلطة. أما اليوم فتعيش المدينة إلى جانب مناطق ريفها ذات التنوع الطائفي تحديات كثيرة بعد عام على سقوط نظام الأسد، أهمها وضع آليات لضبط الأمن والحد من التوترات الطائفية المتكررة فيها، وآخرها التوتر والتظاهرات المضادة للحكومة في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي تبعتها تظاهرات أيضاً لمؤيدي الحكومة بعد جريمة قتل حدثت في قرية زيدل، دفعت مجموعات أهلية لارتكاب انتهاكات على خلفية الجريمة.

أثيرت حول مدينة حمص الكثير من التساؤلات خلال معركة “ردع العدوان”، لا سيما أنها كانت ثكنة عسكرية، وفق ضباط سوريين، حيث تتمركز فيها كليات عسكرية وفرق وألوية ومطارات، فضلاً عن أن بقايا قوات النظام المنسحبة من الشمال تجمعت في حمص. ودفعت إدارة العمليات العسكرية في “ردع العدوان” بتعزيزات إلى جبهة القتال المحتدم في شمال مدينة حمص مع انطلاق هجوم للسيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية. وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعلنت إدارة العمليات العسكرية عن بدء توغل مقاتليها في أحياء المدينة، بعد وصولهم إلى الريف الشمالي بمجموعات فردية منذ بداية الشهر ذاته، وحينها كانت قوات الأسد تروج لعمليات إعادة تموضع في المدينة رد عليها القائد العسكري في إدارة العمليات العسكرية وقتها أنها “أكاذيب”، لتسيطر الفصائل على المدينة في السابع من ديسمبر.

مخاوف أهالي حمص

مع بداية “ردع العدوان”، لم يكن سقف التوقع لدى سكان المدينة ذات التنوع الطائفي مرتفعاً، فالمعركة حينها جلبت معها الخوف وأعادت ذكريات عن حصار ضرب حي الوعر، غرب المدينة، لنحو أربعة أعوام، وجدد مخاوف عن قصف يدمر أحياء بكاملها، كما في الخالدية وجورة الشياح والرفاعي وغيرها.

أمجد الفيصل، من سكان حي الوعر، عاش فترة حصار الحي التي استمرت قرابة أربع سنوات منذ أواخر عام 2013، وكان جلّ خوفه بعد معرفته بمعركة “ردع العدوان” أن يتكرر هذا الحصار وأن يكون أوسع. وقال لـ”العربي الجديد”، إنه في بداية المعركة سمع أحاديث من الجيران حولها، مؤكداً أن الخوف كان يسيطر على الجميع، لكن مع سيطرة فصائل المعارضة السورية على حلب حينها، بدأ الفيصل يتابع أخبار المعركة مع انكسار حاجز الخوف لديه، وقال: “الخوف لدينا كان من أن يطول أمد المعركة، ومع اقتراب الفصائل من ريف حمص بدأنا نشعر بنوع من الفرح”.

وأوضح الفيصل أن الأهالي أدركوا حينها أن حمص ستخرج عن سيطرة نظام الأسد عاجلاً أم آجلاً مع وصول أخبار لهم أن مقاتلي الفصائل وصلوا إلى الريف الشمالي في بداية شهر ديسمبر 2024، لكن كان هناك خوف من أن تطول معركة السيطرة على المدينة، وأن تشهد قصفاً انتقامياً من قبل جيش نظام الأسد، كما يقول، وبقي هاجس الخوف مسيطراً على معظم الأهالي حتى بعد سيطرة فصائل المعارضة على حمص. هذا الخوف كان مدفوعاً بفكرة بقاء نظام الأسد في دمشق. ووفق الفيصل “بقاء النظام في دمشق يعني قصف حمص وحماة، لا سيما أن كافة الموالين له غادروا المدينة، والخوف استمر حتى اللحظة الأخيرة التي تأكدنا فيها من سقوط بشار الأسد”.

وشهدت مدينة حمص استنفاراً أمنياً غير مسبوق، كما أوضح الفيصل، خلال فترة وصول مقاتلي “ردع العدوان” إلى ريفها الشمالي، وترافق مع حملة اعتقالات بهدف التجنيد. وأضاف: “كانت الأيام الأولى مع وصول المقاتلين حمص كلها مجهولة”، متابعاً: “كنا نخاف الرصاص العشوائي في كل مكان، وحذرنا من خدعة مارسها عناصر الأمن، وهذه الخدعة كانت بالهتاف بسقوط النظام في الشوارع وجرّ الناس بعد نزولهم للمعتقلات”. ولفت إلى أن “المعركة كانت مفاجِئة، قصيرة، حملت الكثير من الخوف إلى جانب فسحة أملٍ كللت بسقوط النظام”.

من جانبه، تحدث الخمسيني جلال نجدت عبد الله عن المعركة لـ”العربي الجديد”، لافتاً إلى أنه كان يتجنب حينها الحديث عنها مع زوجته أو أولاده بسبب الخوف، لكن بعد سيطرة مقاتلي “ردع العدوان” على مدينة حلب وإسقاطهم تمثال باسل الأسد في الدوار الذي يحمل اسمه، تفاءل حينها، وقال: “أصبح لدي أمل بسقوط بشار الأسد”. ومع تقدم فصائل المعارضة باتجاه محافظة حماة، كان عبد الله يتابع الأخبار عبر القنوات التلفزيونية، وقال: “إعلام نظام الأسد حينها كان يوحي وكأننا في سويسرا”، ومع السيطرة على حماة كان الأمل أكبر بسقوط النظام. وحينها تمركز الأمن العسكري في دائرة النفوس بمدينة حمص وثبّت رشاشاتٍ ثقيلة على سطح المبنى، كما أشار، وأعطى الموظفين في الدائرة عطلة لثلاثة أيام، وهو كان من بينهم. وتوسعت المواجهات لتشمل مدينة حمص بعد وصول مقاتلي “ردع العدوان” إلى مدينتي تلبيسة والرستن. وتابع: “في الخامس من ديسمبر اقتربت الفصائل من إحكام السيطرة على حمص كما كنت أقرأ المشهد، وفعلاً تم ذلك، بعد أيام من الرعب والخوف… وكانت الأنظار حينها تتجه إلى دمشق”.

ذكريات الأيام الصعبة

وتمتد حمص على أكثر من 40 ألف كيلومتر مربع (تقريباً أربع مرات أكبر من لبنان)، وهي أكبر محافظة في سورية، وتتوسط البلد، لتشكل عقدة مواصلات تربط البلاد من جهاتها الأربع، وتبعد عن دمشق جنوباً نحو 162 كيلومتراً. وتحد حمص من الشمال حماة والرقة، ومن الشرق دير الزور والبادية، ومن الجنوب ريف دمشق، ومن الغرب طرطوس ولبنان. تمر بها عقدة مواصلات تركيا – الأردن وبغداد – دمشق وبغداد – اللاذقية. كانت حمص ثاني محافظة تثور ضد النظام بعد درعا في مارس/ آذار 2011، إذ شهدت ساحتها الرئيسية وأحياؤها القديمة، بما في ذلك بابا عمرو وباب السباع والخالدية والبياضة وغيرها، احتجاجات واسعة، وفقدت حمص معظم سكانها الذين هجّروا منها قسراً، بالإضافة إلى الذين فقدوا حياتهم فيها خلال الثورة السورية.

واتجه موالون لنظام الأسد بعد سيطرة فصائل “ردع العدوان” على مدينة حماة لحمل السلاح، كما أكد مهند التدمري، الذي كان يقيم في حي النزهة، وهو من الأحياء المختلطة طائفيا في المدينة، وقال لـ”العربي الجديد” إن الخوف حينها كان من حدوث مجازر طائفية، وتابع أن “كثيراً من أبناء الحي حملوا السلاح، هم مدنيون، فوجئت ببعضهم من جيراني أعرفهم منذ سنين، حملوا السلاح وانضموا لجيش نظام الأسد”. وفي الأيام الثلاثة التي سبقت سيطرة فصائل المعارضة على مدينة حمص، عمد الأهالي لشراء المواد الغذائية بكثرة خوفاً من الحصار ومن معركة طويلة، كما أوضح التدمري، وتابع: “كانت أياماً صعبة للغاية، لكنها أصبحت اليوم ذكريات حول خوف، وحول أشخاص في الحي اختفوا بعد سقوط النظام بعدما حملوا السلاح إلى جانب قواته”.

————————–

6 من كانون الأول.. يوم طرق أبواب حمص و”كسر القيود” في الجنوب

سعيد اليوسف

2025.12.06

لم يعد اليوم العاشر (الجمعة 6 من كانون الأوّل 2024) من معركة “ردع العدوان”، مجرّد حلقة جديدة في سلسلة انهيارات متتالية، بل تحوّل إلى يومٍ خرجت فيه المعركة نهائياً من إطار الشمال والوسط السوري، واتّسعت دفعة واحدة جنوباً وشرقاً، لتقترب من العاصمة دمشق عبر ثلاث جهات في آن واحد: من الشمال عبر حمص، من الجنوب عبر درعا والقنيطرة والسويداء، من الشرق عبر دير الزور.

في هذا اليوم، كانت خريطة السيطرة تُعاد رسمها على نحو غير مسبوق، منذ آذار 2011، حيث جرى تحرير ريف حمص الشمالي بالكامل تقريباً، انفجار الجنوب عبر ثلاث غرف عمليات مترابطة، قوات نظام الأسد تنحسب من الشرق، وسط تحرّ: إقليمي ودولي على عجل بحثاً عن صيغة لـ”ما بعد الأسد”.

محور حماة-حمص

مع ساعات صباح اليوم العاشر، كانت “إدارة العمليات العسكرية” تُكمِل ما بدأته في اليوم التاسع على جبهة حماة، لكن بخطابٍ واضح تجاه المكوّنات المحلية:

    في ريف حماة الشمالي، أعلنت التوصل إلى اتفاق مع أهالي ووجهاء بلدة محردة ذات الأغلبية المسيحية، يضمن: “بقاء الأهالي في البلدة وعدم تعرّضهم للتهجير أو الانتقام،، حماية السكان والممتلكات وتأمين الخدمات الأساسية، التعامل مع محردة بوصفها جزءاً من النسيج السوري، مع التأكيد على “عودة الثورة إلى المدينة” من دون المساس بأمن أهلها.

    في الريف الشرقي، كانت مدينة سلمية تشهد مظاهرات حاشدة تطالب بإسقاط النظام، في حين أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” تحييد المدينة بموجب اتفاق مع الأهالي يقضي بـ”عدم تدخل المدينة في الاشتباكات، دخول رمزي للفصائل، بقاء الأهالي وإدارة شؤونهم ذاتياً في هذه المرحلة”.

وفي مركز حماة نفسها، كان المشهد الرمزي الأبرز: حيث أسقط الأهالي تمثال حافظ الأسد، وسط هتافات تطالب بإسقاط النظام وعودة الثورة إلى المدينة التي حملت جراح مجزرة الثمانينيات لعقود.

وفي جنوب غربي حماة، دعت مبادرة في منطقة مصياف، السوريين وقواهم الوطنية إلى التكاتف في مواجهة نظام الأسد، مشيرةً إلى أن التخلّص منه يمثل الخطوة الأساسية نحو بناء سوريا جديدة تتسم بالعدالة والحرية لكل أبنائها، وذلك عقب سيطرة فصائل “ردع العدوان” على المنطقة.

بالتوازي، أكّد مراسلو تلفزيون سوريا في حماة: استمرار تنسيق عسكري وأمني وشعبي بين القوى المحلية و”إدارة العمليات” داخل المدينة، تأمين عناصر النظام المنشقين وحمايتهم، نفي ادعاءات إعلام النظام باستعادة السيطرة على جبل زين العابدين وبلدة قمحانة شمالي حماة.

في المقابل، استمرت الغارات الجوية للنظام وحليفه الروسي على أحياء مدينة حماة، واستُهدف حي جنوب الملعب، ما أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين.

ريف حمص الشمالي.. الاقتراب من المدينة

على محور حمص، تحوّل اليوم العاشر إلى نقطة انعطاف حقيقية في مسار المعركة، حيث أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” السيطرة على مدينتي تلبيسة والرستن ومعظم الريف الشمالي، بعد انسحاب “قوات الأسد” من مواقعها الرئيسية هناك، مقتربةً في بعض المحاور مسافة 3–5 كيلومترات فقط من مدينة حمص.

وشملت المناطق المحررة في ريف حمص الشمالي خلال هذا اليوم والأيام السابقة مباشرة: “الزعفرانة، دير فول، تيرمعلة، الغنطو، المجدل، الغاصبية، المكرمية، السعن، الدار الكبيرة” وغيرها من البلدات والقرى.

ولم طائرات روسيا الحربية غائبة عن الأجواء، حيث نفّذت تسع غارات على جسر الرستن شمالي حمص، الواقع على طريق الـM5 الذي يربط حماة بحمص، كما شنّت طائرات النظام غارات كثيفة بالصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية على تلبيسة والرستن، ما أدى إلى مقتل ستة مدنيين من عائلة واحدة في تلبيسة.

مقابل ذلك، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية”، استهداف قوات النظام على طريق حماة-حمص، وقصف تجمّع لآليات وعناصر النظام في محيط حمص بمسيّرات “شاهين”، التي باتت السلاح الحاسم في المعركة.

حينذاك، أكّدت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، أنّ قوات النظام انسحبت من نقاط عسكرية شمالي حمص باتجاه الساحل، في محاولة للدفاع عن مناطق تعتبرها القيادة “خاصرة أساسية”.

وفي تصريح لافت، قال الناطق باسم “إدارة العمليات العسكرية” المقدم حسن عبد الغني: “حررت قواتنا آخر قرية على تخوم مدينة حمص، وباتت على أسوارها، من هنا نوجه النداء الأخير لقوات النظام: هذه فرصتكم للانشقاق”.

بهذه التطورات، تحوّل الطريق الدولي بين حماة وحمص من شريان يربط الساحل بالعاصمة دمشق، إلى خط إمداد مفتوح للفصائل، وتحوّلت مدينة حمص عملياً إلى مدينة محاصرة من الشمال والوسط، يجري استنزاف دفاعاتها الأخيرة تباعاً.

حلب.. إدارة الانهيار ومعركة “فجر الحرية”

في مدينة حلب، ركّزت “إدارة العمليات العسكرية” على إدارة الوضع الأمني والعسكري، مشيرةً إلى أنّ عدد المتقدمين من عناصر النظام للحصول على بطاقة الحماية المؤقتة وصل في هذا اليوم إلى 1183 عنصراً، ليرتفع بذلك إجمالي المتقدمين خلال أربعة أيام إلى 2424 عنصراً.

وأوضحت الإدارة أن هذه السياسة تهدف إلى: “تشجيع الانشقاقات الفردية والجماعية، منع تشكل خلايا أمنية نائمة داخل الأحياء، تقديم نموذج أوّلي لـ(عدالة انتقالية) تميّز بين مَن تلطخت أيديهم بالدماء ومن ما يزال قابلاً للعودة إلى صفوف المجتمع”.

    “فجر الحرية” شرقي حلب.. تمهيد لمعركة منبج

في ريف حلب الشرقي، أعلنت غرفة عمليات “فجر الحرية” التابعة للجيش الوطني، السيطرة على قرى “التايهة، والعزيزية، والنعيم، والكيبان، والشيخ أبيض”، بعد مواجهات ضد قوات النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وأكّدت على أن هذه المعارك تأتي رداً على ما وصفته بـ”هجمات غادرة” من جانب “قسد” على قرى في ريف حلب، استغلت انشغال الفصائل بجبهات الشمال والوسط.

كذلك، وجّهت “فجر الحرية” رسائل عدّة، حيث دعت المدنيين في منبج إلى الابتعاد عن مقار “قسد”، مشدّدةً على أنّ هدفها “تحرير سوريا وبناؤها كدولة لكل أبنائها من دون تمييز، عرباً وأكراداً وغيرهم”، مؤكدة الالتزام بـ”حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة”.

وأصدرت بياناً خاصاً دعت فيه العاملين في محطة مياه البابيري بريف حلب إلى مواصلة عملهم، معتبرةً استمرار تشغيل المحطة “خدمة حيوية” يجب تحييدها عن الصراع، ومتعهّدةً بحماية المرافق العامة وكرامة العاملين فيها.

إلى الجنوب الشرقي من حلب، بدأ “جيش سوريا الحرة” تحرّكاته خارج قاعدة التنف (التي تتمركز فيها قوات أميركية)، حيث تحدّثت مصادر عسكرية عن عملية ستجري على ثلاث جبهات في البادية السورية، ما يضيف ضغطاً جديداً على قوات النظام في الشرق.

الجنوب يشتعل.. “كسر القيود” و”فتح دمشق”

اليوم العاشر كان يوم الانفجار الكبير في الجنوب السوري: درعا والقنيطرة والسويداء تحوّلت دفعة واحدة إلى جبهة مفتوحة، بعد سنوات من تقديمها إعلامياً كمنطقة “منضبطة” تحت سيطرة نظام الأسد.

وعاد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى ساحات درعا تحديداً، لكن هذه المرة على وقع انهيار فعلي في بنية نظام الأسد، لا مجرّد احتجاج رمزي.

    “غرفة عمليات الجنوب” ومعركة “كسر القيود”

في درعا والقنيطرة، أعلنت فصائل محلّية -تضم “اللواء الثامن” و”اللجنة المركزية” ومجموعات عشائرية ومحلية- تشكيل “غرفة عمليات الجنوب” وإطلاق معركة “كسر القيود” ضد مواقع قوات النظام، مؤكّدة أنّ هدفها الرئيسي هو الوصول إلى دمشق وإنهاء حكم الاستبداد.

وخلال ساعات، أعلنت الغرفة:

    السيطرة على جميع المخافر الحدودية من الرقم 0 حتى الرقم 11 على الحدود السورية-الأردنية.

    السيطرة على الجانب السوري من معبر “نصيب” الحدودي، بعد استسلام قوات النظام هناك.

    تأمين انشقاق 110 من عناصر وضباط شرطة معبر نصيب، ونقلهم إلى “ضيافة غرفة العمليات” تمهيداً لإعادة دمجهم بعد استكمال السيطرة على المحافظة.

ميدانياً، توسّعت السيطرة على شكل دوائر متسارعة، حيث سقط أكثر من 40 حاجزاً عسكرياً للنظام في الجنوب، أبرزها: “حاجز التابلين، خربة غزالة، المساكن، سملين، الطيرة”، وعدة حواجز في منطقة اللجاة.

كذلك سيطرت الفصائل على “اللواء 52، كتيبة الرادار في نامر، تل الحارة، الكتيبة المهجورة، سرية عابدين، اللواء 112، اللواء 12، تلال الجابية وحرفوش والهش العسكرية”.

وسيطرت أيضاً على أكثر من 42 مدينة وبلدة في ريف درعا، من بينها: “بصر الحرير، ونوى، وإنخل، ومحجة، والمزيريب، وخراب الشحم، والشجرة، والغارية الغربية، وطفس، وتل السمن، وعتمان، وجاسم، وسملين، والعالية”، إضافة إلى مناطق في حوض اليرموك واللجاة ودرعا البلد.

مع حلول مساء اليوم العاشر، أعلن مراسل تلفزيون سوريا، دخول الفصائل إلى مدينة إزرع للمرة الأولى منذ انطلاق الثورة، بعد انسحاب قوات النظام والفروع الأمنية على دفعات باتجاه دمشق، وتسلّمها “سجن إزرع المركزي” مع قرار بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، والإبقاء على الموقوفين بجرائم جنائية خطيرة.

وبدأ مقاتلو “غرفة عمليات الجنوب” أيضاً، بدخول مركز مدينة درعا، وسط “انهيار كبير” في صفوف “قوات الأسد”، معلنين تأمين انشقاق 314 عنصراً من قوات النظام، في واحدة من أكبر موجات الانشقاق خلال يوم واحد.

“فتح دمشق”.. الجنوب يعلن وجهته النهائية

بالتزامن مع توسّع “غرفة عمليات الجنوب”، أعلنت فصائل محلية تشكيل “غرفة عمليات فتح دمشق”، وكان هدفها المعلن أيضاً: التوجّه نحو العاصمة وريفها وإنهاء حكم الاستبداد، وبدأت عملياتها من محاور درعا والقنيطرة، وذلك بالتنسيق مع “غرفة عمليات الجنوب”، سيطرت خلالها على العديد من المدن والبلدات والثكنات العسكرية بين درعا ودمشق.

وبالتزامن مع تقدّمها، أصدرت “عشائر حوران” بياناً أكدت فيه: اعتبار “غرفة عمليات الجنوب” المرجعية الوحيدة للمنطقة، ضرورة التزام الأهالي بقرارات الغرفة واتخاذ كل الإجراءات لحماية المجتمع، الدعوة الصريحة لكل العسكريين إلى الانشقاق عن النظام، مع تعهّد العشائر بتأمين سلامتهم ووصولهم إلى أهلهم”.

في المقابل، كانت القطعات العسكرية للنظام في درعا بحالة استنفار كامل، مع استمرار موجات انشقاق صغيرة (أكثر من 25 عنصراً بينهم ضابط في بداية اليوم)، في حين تحوّلت محاولات “التمسّك بالحواجز” إلى عبء أمني على النظام أكثر من كونها نقاط دفاع حقيقية.

السويداء.. “معركة الحسم” وطرد الأجهزة الأمنية

لم يكن ما حدث في السويداء أقل درامية من درعا والقنيطرة، فالمحافظة التي حاول النظام تقديمها لسنوات بوصفها “خزاناً صامتاً”، تحوّلت فجأة إلى جبهة حاسمة.

وكانت فصائل محلية في السويداء، أبرزها “حركة رجال الكرامة” و”تجمع لواء الجبل”، قد أعلنت تشكيل “غرفة عمليات معركة الحسم”، بهدف واضح هو “طرد قوات النظام وأجهزته الأمنية من السويداء بالكامل”، معلنةً “النفير العام، ودعوة ضباط وعناصر النظام إلى الانشقاق وإلقاء السلاح”.

وخلال اليوم العاشر، تسارعت التطورات في السويداء، حيث سيطرت فصائل “معركة الحسم” على مبنى قيادة الشرطة ومبنى “حزب البعث” وسرية حفظ النظام وفرع الأمن السياسي.

كذلك، سيطرت على “الفوج 405” غربي السويداء، والسجن المركزي، حيث أطلقت سراح المعتقلين، بينهم موقوفون على خلفيات سياسية وجنائية، وسط مطالبات مدنية بضبط الأمن ومنع الفوضى والانتقام، كما أمهلت النظام، 24 ساعة لإخلاء المربع الأمني.

ومع ساعات الليل، اندلعت اشتباكات عنيفة في محيط مبنى أمن الدولة داخل مدينة السويداء، وسط تقارير عن انسحابات متسارعة لـ”قوات الأسد” باتجاه العاصمة دمشق، وانشقاقات واسعة في صفوف الجيش والأمن، لم تعد البيانات قادرة على حصرها بدقة.

شرقي سوريا.. دير الزور تخرج من حسابات النظام

على الجبهة الشرقية، كان المشهد مختلفاً في الشكل، لكنه متقاطع في المضمون: قوات النظام تتراجع بهدوء وتسلّم مناطق واسعة لـ”قسد”، ليست بالضرورة حليفة كاملة، لكنها “أقل خصومة” من المعارضة.

وحينذاك، أكّدت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا بأنّ “الفرقة الرابعة بدأت سحب قواتها من مواقعها شرقي دير الزور إلى المطار العسكري”، مشيرةً إلى أنّ عمليات الانسحاب شملت: “حواجز في مدينتي الميادين والقورية”.

بالتزامن، أفادت مصادر محلية في دير الزور بأنّ “قسد” بدأت التقدم من منطقة الصالحية باتجاه مناطق انسحبت منها قوات النظام والمليشيات الإيرانية، مستقدمةً تعزيزات عسكرية من الحسكة، بهدف توسيع سيطرتها في المنطقة وصولاً إلى محيط التنف، في مسعى لفرض وقائع جديدة على خطوط التماس في الشرق.

وفي ساعات المساء، سيطرت “قسد” على مدينة دير الزور، كما سيطرت على معبر البوكمال الحدودي مع العراق، ما يعني عملياً خروج النظام من واحدة من أهم نقاط الربط البرية مع إيران.

هذا التحوّل جعل شرقي سوريا -من دير الزور إلى البوكمال- خارج حسابات النظام، وأظهر عجزه عن فتح جبهة جديدة هناك، في وقتٍ كان يخسر فيه الشمال والوسط والجنوب في آن واحد.

أوّل مقابلة لـ”الجولاني” منذ انطلاق “ردع العدوان”

قال زعيم “هيئة تحرير الشام” (أبو محمد الجولاني)، إنّ هدف فصائل “ردع العدوان”، التي تشنّ هجوماً على “قوات الأسد” وميليشياته، الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية المطاف.

وتحدَّث “الجولاني”، في أوّل مقابلة إعلامية له منذ سنوات مع شبكة “سي إن إن” الأميركية، في مكان غير معلن داخل سوريا، عن خطط لإنشاء حكومة قائمة على المؤسسات و”مجلس يختاره الشعب”.

المواقف الدولية والإقليمية.. “الأسد تحت حصار سياسي”

لم تكن الجبهات العسكرية وحدها هي التي تتحرك في اليوم العاشر، ففي الكواليس السياسية والدبلوماسية، بدا أن ملف “الأسد” نفسه بات مطروحاً على الطاولة بصراحة غير مسبوقة.

    عروض بالخروج.. وضغوط من الحلفاء والخصوم

كشفت مصادر دبلوماسية لـ تلفزيون سوريا، حينذاك، أنّ دولاً عربية وخليجية عرضت على بشار الأسد السفر مؤقتاً ريثما تتضح التطورات الميدانية في سوريا.

وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد أكّد، أنّ زوجة بشار الأسد وأبناءه غادروا إلى روسيا، في حين توجّه أصهاره إلى الإمارات العربية المتحدة، بينما حثّه مسؤولون مصريون وأردنيون على مغادرة سوريا وتشكيل “حكومة في المنفى”.

من جهتها، تحدثت مصادر لبنانية عن أنّ مسؤولين في بيروت أبلغوا “حزب الله” أن: “الولايات المتحدة وتركيا ودولاً عربية تدعم إنهاء حكم بشار الأسد بشكل جدي”، في رسالةٍ قرأها مراقبون بوصفها محاولة لدفع الحزب إلى إعادة حساباته في سوريا.

    مواقف إيران وروسيا وإسرائيل

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صرّح، حينذاك، بأنّه “لا يمكن التنبؤ بمصير الأسد”، في أوّل اعتراف علني من هذا المستوى حول مستقبل رأس النظام.

ونقلت “رويترز” عن مسؤول إيراني كبير، أنّ “طهران تعتزم إرسال صواريخ ومسيرات ومستشارين عسكريين إضافيين إلى سوريا، تقديم دعم استخباري عبر الأقمار الصناعية بالتنسيق مع روسيا”، مشيرةً إلى أنّ “حزب الله” أرسل بعض عناصره الإشرافية إلى مدينة حمص، خلال الليل، في محاولة لتثبيت خطوط الدفاع عن وسط سوريا.

وهذه التصريحات تزامنت، ليل (6و7 من كانون الأوّل 2024) مع بدء إيران إجلاء مسؤوليها، بما في ذلك دبلوماسيين وعسكريين وقادة في “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” من سوريا إلى العراق ولبنان، مشيرة إلى أن بعض عمليات الإجلاء تجري عبر طائرات إلى طهران، في حين يغادر آخرون عبر طرق برية، وبعضهم عبر ميناء اللاذقية، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”.

أمّا روسيا، فقد نقلت “بلومبرغ” عن مصدر مقرّب من الكرملين، أنّ “موسكو لا تملك خطة لإنقاذ الأسد، ولا تتوقع وضع خطة ما دام الجيش يترك مواقعه في الميدان”.

وبالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، فقد أعلن جيشه أنّه يعزّز قواته الجوية والبرية في الجولان المحتل، بناءً على تقييم التطورات في سوريا.

    تركيا، أميركا، أوروبا.. إعادة فتح الملف السياسي

على خط أنقرة-واشنطن، نقلت “رويترز” عن مصادر تركية، أنّ وزير الخارجية هاكان فيدان أبلغ نظيره الأميركي أنطوني بلينكن بأنّه “على نظام الأسد التحرّك بواقعية وبدء عملية سياسية وحوار مع المعارضة.

من جانب الولايات المتحدة، فقد أعلن البيت الأبيض أنّه يراقب الوضع في سوريا من كثب، ويجري اتصالات مع دول المنطقة، مشدداً على أن: “رفض النظام الانخراط في العملية السياسية واعتماده على روسيا وإيران أدّيا إلى الظروف الحالية”.

وفي تصريح خاص لـ تلفزيون سوريا، حينذاك، أكّدت وزارة الخارجية الأميركية أن القوات الأميركية في سوريا لم تنخرط في الأحداث الجارية، وأنّ العلاقة مع “قسد” تقتصر على محاربة تنظيم “داعش”، وأنّ ما يحدث في سوريا “صراع داخلي” بين النظام والمعارضة، والولايات المتحدة لا تعتزم التدخل عسكرياً، مع التأكيد أنّ الحل السياسي هو السبيل الوحيد للاستقرار.

أما على المستوى الأوروبي، فقد اعتبر رئيس بعثة الاتحاد إلى سوريا أن ما يجري “فرصة للدفع بالحل السياسي”، مؤكداً أن “الأزمة السورية” لا يمكن حلّها عسكرياً، وأن المطلوب هو عملية سياسية متكاملة تستند إلى القرارات الدولية.

وفي هذا اليوم أيضاً، أجرى المبعوث الألماني إلى سوريا ستيفن شنيك، محادثات مع ممثلي وشخصيات بارزة من المجتمع والعشائر السورية، أكّد خلالها على ضرورة تعزيز الحوار والعيش المشترك بين مختلف المكونات السورية، بعيداً عن الانتقام أو العداء.

وعلى مستوى الحدود البرّية والبعثات في سوريا:

    الأردن أغلق معبر جابر، مع السماح بعودة الأردنيين ومنع المغادرة، داعياً مواطنيه مغادرة سوريا “في أقرب وقت ممكن”.

    السفارة العراقية في دمشق دعت رعاياها الراغبين بالمغادرة إلى التواصل معها، كما فعلت ذلك السفارة الروسية.

خلاصة اليوم العاشر (6 من كانون الأول/ديسمبر 2024)

يمكن تلخيص اليوم العاشر من معركة “ردع العدوان” في عناوين كبرى: حيث تحرّر ريف حمص الشمالي بالكامل تقريباً، كما تحوّل الطريق الدولي (M5) إلى خط إمداد رئيسي للفصائل، التي اقتربت من أسوار مدينة حمص، أمّا الجنوب السوري، فقد اشتعل بثلاث غرف عمليات مترابطة:

    “غرفة عمليات الجنوب” ومعركة “كسر القيود” في درعا والقنيطرة.

    “غرفة عمليات فتح دمشق” أعلنت صراحة أنّ وجهتها العاصمة.

    “غرفة عمليات معركة الحسم” في السويداء، حيث انتهى يومها الأول بانسحاب النظام من المدينة وسيطرة الفصائل المحلية على معظم المواقع الأمنية والعسكرية.

عشرات الحواجز والثكنات والألوية سقطت، وعشرات المدن والبلدات تحرّرت، ومئات العناصر انشقوا، في صورة جعلت الجنوب الخطر الأكبر على دمشق من خاصرتها الجنوبية والغربية.

وفي شرقي سوريا، خرجت نظام الأسد عملياً من معظم المنطقة، بعد انسحاب قواته إلى مطار دير الزور العسكري، مقابل تقدّم “قسد” وسيطرتها على المدينة ومعبر البوكمال.

سياسياً، بحثت عواصم عربية وغربية علناً وخلف الكواليس مستقبل “الأسد”، بين عروض بالخروج المؤقت، ورفض لتقديم السلاح، وتشجيعٍ متزايد للحل السياسي، في حين حاولت إيران رفع كلفة سقوط النظام عبر وعود بالسلاح والمستشارين، أمّا روسيا فقد أرسلت إشارات متزايدة بأنّها لن تخوض معركة إنقاذ أخيرة.

الحدود مع سوريا أُغلقت، السفارات دعت رعاياها للمغادرة، والحديث الدولي ينتقل من سؤال “هل سيسقط النظام؟”، إلى “كيف سيُدار اليوم التالي لسقوطه”؟

باختصار: كان (6 من كانون الأول 2024)، اليوم الذي اشتعل فيه الجنوب السوري، وانفتح فيه الشرق، واكتمل فيه تقريباً طوق الضغط حول دمشق، نعم في هذا اليوم بدا أنّ “سقوط الأسد” لم يعد احتمالاً سياسياً يُناقَش، بل مساراً عسكرياً متقدّماً على الأرض، ينتظر فقط لحظة الدفع الأخيرة من حمص والبوابات الجنوبية للعاصمة.

تلفزيون سوريا

————————-

تحرير سلمية بريف حماة.. أول اختبار سياسي لقوات “ردع العدوان”/ سامر القطريب

2025.12.06

سيطرَت “إدارة العمليات العسكرية” على مدينة سلمية في الخامس من كانون الأول 2024، بعد انسحاب قوات النظام المخلوع وميليشياته منها، وقوبل دخول قوات “ردع العدوان” باستقبال حافل من الأهالي، حيث تم إعلان تحريرها من سلطة نظام الأسد. تعد المدينة ذات أهمية على عدة مستويات منها العسكري والسياسي، على الصعيد العسكري يجعلها موقعها بريف حماة الشرقي نقطةَ وصلٍ بين مناطق الوسط والشرق، أما أهميتها السياسية والاجتماعية فهي تأتي باعتبارها مركزا تاريخيا للطائفة الإسماعيلية، ما جعل العيون تراقب الأحداث فيها والمعارك وهي تقترب من حدودها، لذلك كان دخول المدينة اختبارا لانضباط وهوية قوات “ردع العدوان” التي تشكلت من فصائل عسكرية ذات توجهات إسلامية.

قبل سقوط النظام، انقطعت الاتصالات والإنترنت عن المدينة لأيام، وانتشرت الشائعات والمخاوف. اقتصر التواصل مع الأهالي حينها على الاتصالات العادية، واضطر بعضهم إلى الذهاب إلى مناطق في محيط المدينة تصلها تغطية الإنترنت، لنقل الأخبار إلى الصحافة أو إلى ناشطين في الخارج.

“في تلك الظروف، تلقّيت اتصالًا من رقم غريب. كان المتصل أخي، وأخبرني أن الرقم يعود لأحد المقاتلين الذي سمح له باستخدام هاتفه للتواصل معي. ذلك الاتصال كان مؤشرا إيجابيا على انضباط المقاتلين وعلاقتهم الوثيقة بالأهالي، فهم جميعا أبناء سوريا من شمالها إلى جنوبها”، يقول أحد الصحفيين لموقع تلفزيون سوريا.

تنسيق على المستوى المحلي والدولي

قبل دخول “قوات ردع العدوان” إلى المدينة، أصدرت غرفة العمليات بيانات وجهتها لأهالي المدينة، وقبل تحريرها جرت اتصالات مع الوجهاء والمعارضة المدنية في المدينة، إضافة إلى المجلس الإسماعيلي الأعلى، رتبت للدخول إلى المدينة من دون قتال، وتقول مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا إن اتصالات جرت على مستويات دولية وإقليمية أيضا، لتحييد المدينة المعروفة بتنوعها الطائفي عن الأعمال العسكرية.

الردع

في 5 كانون الأول وبعد اجتماع بين وفد من قوات “ردع العدوان” ومسؤولين في المجلس الأعلى الإسماعيلي المحلي ووجهاء من المدينة، تم الاتفاق على إنهاء المظاهر المسلحة التابعة للنظام المخلوع وحلّها وتسليم السلاح، وتحييد المدينة عن أي أعمال قتالية، وقالت المصادر حينها إن “أهالي سلمية سيديرون مدينتهم على غرار ما حصل في حلب عقب التحرير ويتكفلون بحمايتها ريثما تتضح التطورات..”.

ويروي المحامي المتقاعد ورئيس المجلس الوطني الإسماعيلي السابق تامر المير تامر المعروف بـ “أبوصائب” لموقع تلفزيون سوريا الأجواء التي سادت المدينة قبيل التحرير “قبيل التحرير ساد القلق والترقب في المدينة لأنه لم يكن هناك شيء معروف بعد لكن الناس كانت متفائلة بالقادم للخلاص من هذا الكابوس (النظام المخلوع)”.

ويوضح أن التنسيق جرى بين اللجنة التي تم تشكيلها لاحقا وقوات ردع العدوان، وبدأ الأمر باتصال مباشر معه من خلال شباب المدينة المعارضين المقيمين في الخارج ويتابع “تحدثنا بشأن عبور القوات لسلمية، حماة لم تكن محررة حينها، تواصلت مع المجلس الإسماعيلي وسألنا عن وضع ميليشيات الدفاع الوطني لأن الخوف كان منهم، فأخبرنا المجلس بأنهم فروا من المدينة باتجاه طرطوس، تواصلنا مع القوات وقلنا لهم أهلا وسهلا بكم نستقبلكم بكل رحابة صدر وبالورود بشرط عدم حدوث أي تجاوزات فقالوا لنا من المستحيل حدوث ذلك.. هنا شكلنا لجنة مع المجلس من 6 أشخاص واستقبلتهم اللجنة على مداخل سلمية وكان الاستقبال جيدا جدا وعبرت القوات لاحقا إلى حمص”.

ويشير إلى أنهم تواصلوا مع أفراد من “الهيئة الإسلامية” قبل تشكيلها، حيث عمل الجميع معا بكافة طوائفهم وانتماءاتهم لتحييد المدينة عن أعمال القتال ودخول قوات ردع العدوان لتحرير المدينة، حيث كان “المير تامر” شخصية توافقية استطاعت بجهود الجميع تحييد “فلول النظام”.

من جهته يقول المهندس بسام الجرف وأحد مؤسسي الهيئة الإسلامية في سلمية التي أعلن عنها بعد التحرير “قبل التحرير كان عملنا منظما لكنه كان سريا للغاية لضرورات معروفة وفقدنا خلاله العديد من كوادرنا بين شهيد ومغيب، لذلك لم نكن معروفين لقيادة ردع العدوان والتي كانت تظن المدينة من لون واحد غالبا، لذلك تواصلهم كان مع المجلس الإسماعيلي قبيل التحرير ونحن كان تواصلنا فرديا معهم، ولم يكن لدينا تخوف منهم بل على العكس نحن كنا بانتظارهم وجاهزين للتعاون بشتى السبل وخرجنا لاستقبالهم على أطراف المدينة قبل دخولها بيوم وأعطيناهم الصورة الحقيقة للبلد والمغايرة للصورة التي زرعها النظام السابق بأذهان الجميع، ولاحقا تم اللقاء مع بعض الضباط  في المسجد الكبير أول يوم من دخول القوات”.

وفور وصول الأمن العام لإدارة المدينة “تم اللقاء معهم في مسجد التوحيد وقدمنا المساعدة لهم في ضبط الوضع العام وبالأخص مؤسسات الدولة وتم توزيع شباب منهم ومن كوادرنا لحماية المنشآت العامة بالمدينة بدءا بالمطحنة والفرن ومركز البحوث غربا وباتجاه المدينة والدوائر فيها وكازيات الدولة سادكوب ومنطقة الصيادة”. يقول الجرف.

ويضيف “لم تكن لدينا أية مخاوف من اشتباكات مع ميليشيا النظام بل كنا على ثقة منذ سنوات أن قوات النظام لن تدافع عن سلمية بل قد تستخدمها ورقة ضغط عالمية وأن ميليشيا الدفاع الوطني والتي غالبها من سلمية لن تقاتل باعتبارهم متطوعين لأجل الراتب ليس أكثر وسيفرون عند أول رصاصة وهذا ما حدث”.

ويشير إلى أن “سلمية مدينة معارضة للنظام تاريخيا ومظاهرات 2011 المميزة فيها كانت خير دليل على ذلك ولذلك كان استقبال أهلها لقوات الردع بالأهازيج حالة طبيعية وصادقة وتحمل رسالة للجميع أن سلمية ضد الظلم ومع الحق إلا من شذ من شذاذها”.

وكان الملفت في المدينة خروج الأهالي لاستقبال القوات العسكرية والاحتفال في الشوارع وحرق كل ما يمت بصلة للنظام المخلوع ورئيسه بشار الأسد وخاصة أمام “شعبة حزب البعث”ومبنى السرايا الحكومي، رغم طلب قوات “الردع” والوجهاء والمجلس الأعلى من الأهالي البقاء في منازلهم. وعقب ذلك في السادس من كانون الأول 2024 خروج مظاهرات جددت مطالبها التي بدأت عام 2011 بإسقاط النظام والتوجه إلى دمشق.

وفي 16 من كانون الأول الفائت، شهدت مدينة سلمية إقبالاً كبيراً من قبل عناصر النظام المخلوع والمدنيين على تسليم سلاحهم، امتثالاً للتعميم الصادر عن إدارة العمليات العسكرية.

وزارة الدفاع السورية: هدفنا كان إسقاط النظام

وبشأن تلك المرحلة قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لموقع تلفزيون سوريا، “تقع مدينةُ سَلَمية في قلب سوريا تقريبًا، مما يجعلها نقطةَ وصلٍ بين مناطق الوسط والشرق، وبالتالي موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا لأي عملياتٍ عسكرية.  من جهةٍ أخرى، تحتوي على تنوّعٍ اجتماعي وتضم مكوناتٍ متعددة”.

وأوضحت “مدينةُ سَلَمية هي أولًا وأخيرًا مدينةٌ سورية، والمجلسُ الإسماعيلي الأعلى وباقي مكونات شعبها هم أبناء هذا الوطن، حالهم كحال أي مواطنٍ في أي بقعةٍ على جغرافيا الأرض السورية. ولم يكن التعامل معها إلا ضمن نفس سياستنا في التعامل مع أي مدينةٍ أخرى أو أي طائفةٍ أخرى”.

وتابعت الإدارة “فمنذ بدء عملية ردع العدوان أطلقنا نداءاتٍ للشعب السوري بكل طوائفه ومكوناته أننا لسنا دعاةَ ثأرٍ ولا قتل، بل نحن أصحابُ حق، وهدفنا هو إسقاط النظام المجرم وتحقيق العدالة والحرية لكامل الشعب السوري”.

وتشير الإدارة إلى أن الاتفاق على دخول المدينة من دون قتال وتحييدها عن العمل العسكري، لم يكن يشكل هدفا سياسيا أو رسالة سياسية مباشرة وتضيف “قد يراها البعض رسالة، ولكننا لا نراها رسالةً، بل هي منهجُنا وخطُّ سيرنا منذ بداية العملية. فالمتتبع لمجريات العملية يرى بوضوح كيف تعاملنا مع جيش النظام البائد الذي ألقى السلاح ولم يقاتل وكذلك الأمر تم في مدينة سَلَمية، حيث أعلنّا أن القانون هو سيدُ الموقف والقرار، وهو فوق الجميع، وهو من سيتولى محاسبةَ من تلطخت أيديهم بالدماء، دون أي عمليات ثأرٍ أو انتقامٍ من قواتنا أو غيرها، وبضماناتنا كجيشٍ يحمي شعبه، وعلى هذا دخلنا المدينة”.

وختمت الإدارة بالقول “قواتُ ردع العدوان هي اليوم نواةُ الجيش السوري الجديد وعاموده الفقري. وكما أسلفنا، فنهجُنا واضح وهدفُنا واضح. نحن موجودون لحماية أهلنا وشعبنا، ومستعدون للتضحية بدمائنا لحماية أي مواطنٍ سوري من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، لينعم وطنُنا وشعبُنا بالأمان والطمأنينة بعد ما عاشه من سنين الحرب. ويكون هدفُنا جميعًا، جيشًا وشعبًا ومؤسساتِ دولة، أن نعمل لنُبني وننهض ببلدنا ونبدأ عصر الاستقرار والازدهار”.

تنسيق وتواصل مع قوات “ردع العدوان”

حافظت المؤسسات الإسماعيلية في المنطقة على تنسيق وثيق مع قوات “ردع العدوان” منذ بداية تقدمها من شمالي سوريا في بداية كانون الأول 2024، حيث بدأ التواصل معهم بشكل رسمي في 3 من كانون الأول . وفق ما يقول مأمون الخطيب عضو المجلس الإسماعيلي في سلمية لموقع تلفزيون سوريا.

ويضيف أنه بتوجيه من “المجلس الإسماعيلي الوطني” في سوريا تم تشكيل لجنة تنسيق ومتابعة تمثل المنطقة وتمت الموافقة على التعاون مع قوات “ردع العدوان” حيث توصلت حكومة الإنقاذ السورية آنذاك إلى اتفاق مع المجلس الإسماعيلي يقضي بدخول سلمي وآمن إلى المنطقة بكاملها، وهو كان الخطوة الأولى التي ضمنت أمن المنطقة واستمر تعاوننا معهم بعد سقوط النظام”.

ويتابع “يثق الناس بالمجلس الإسماعيلي، لذا اتبعوا رؤيته، وقد وعدتنا إدارة العمليات العسكرية في قوات ردع العدوان بضمان الأمن في منطقة سلمية وريفها بكافة مكوناتها، وفي باقي المناطق التي يتواجد فيها الإسماعيليون مثل مصياف والقدموس والخوابي والمناطق الأخرى”.

استقبل سكان المدينة قوات ردع العدوان في 5 من كانون الأول 2024، حيث تركوا بعض العناصر في المدينة و أكملوا طريقهم جنوبا إلى حمص. وكان لمتطوعي المجلس الإسماعيلي والمجتمع المحلي كما يقول “الخطيب” دور كبير في الحفاظ على الأمن وإبلاغ قوات “الأمن العام” بأي تهديدات قد تؤثر على أمن المنطقة والسكان حيث شارك حوالي ألفي متطوع في حماية أحياء المدينة وقراها والمنشآت الحكومية.

ويضيف “في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وقعت بعض حالات الخطف ونهب المواشي، خاصة في ريف سلمية. ولكن بعد أن وحدت وزارة الدفاع جميع الفصائل المسلحة وعززت قوات الأمن العام وجودها في المنطقة تحسن الوضع الأمني بشكل جيد حيث أصبحت الأمور أكثر تنظيماً تدريجياً، ونجحنا في توزيع المسؤوليات”.

“واليوم وبفضل التنسيق القائم بين سكان سلمية والأمن الداخلي الموجود في المنطقة تحسن الوضع الأمني في سلمية إلى حد كبير، لكن لم تخلُ الأمور من الصعوبات لذلك أجرينا المزيد من الحوار معهم  للتأكيد على موضوع عدم التدخل في الحريات الشخصية”.

وبحسب “الخطيب”، يتم احتواء المشكلات التي تحدث في المدينة من خلال تنسيق على مستوى عالٍ مع الجهات الرسمية وإدارة المنطقة وقوات الأمن الداخلي. “إذ يغلب على مدينة سلمية روح التآزر المجتمعي ونأمل أن يكون نموذج سلمية قابلاً للتطبيق في مناطق أخرى من البلاد لكن الأمر يحتاج إلى جهد ووقت وحوار إضافيين. إنه ببساطة مسألة وقت وقبول ومشاركة”.

بعد التحرير.. صوت من الغوطة يجمع الثوار في سلمية

لعبت شخصيات مؤثرة دورا أيضا في السلم الأهلي بمدينة سلمية قبل تحريرها وبعده، من هذه الشخصيات منشد الثورة أبو ماهر صالح، الذي سبق قوات “ردع العدوان” إلى مدينة سلمية وعن ذلك يقول لموقع تلفزيون سوريا، إنه دخل إلى مدينة سلمية ليلا من دون تنسيق وكان واثقا من أنها “بلد ثورة” مشيرا إلى أن لديه معارف من أبناء المدينة يقطنون خارجها، ويضيف “دخلت إلى سلمية قبل قوات ردع العدوان بحوالي 3-4 ساعات وعرفت عن نفسي للأهالي وقلت لهم أنا أبو ماهر من الغوطة ونحن إخوة والنظام فرق بيننا، وأنا أعلم أن سلمية لولا الطوق الأمني الذي كان حولها كانت حررت منذ زمن..”.

ويضيف “نحن السوريون نؤمن أننا قبل حكم الأسد ونظامه كنا نعيش في (الجنة) الجميع يعرف سلمية ويعرف الغوطة لكن النظام جاء بالطائفية وغذاها وزعم حماية الطوائف، سوريا واحدة بأهلها وناسها وهذا التواصل ضروري ويجب أن يستمر، مثلا في بداية التحرير قمنا بدعوة أهل سلمية إلى إدلب وأهل إدلب إلى سلمية وإلى السويداء وهكذا.. وكنا نرتب لقدوم أهل طرطوس إلى إدلب لكن وقعت الأحداث المؤلمة في آذار..”.

وحول تحقيق السلم الأهلي يرى أبو ماهر صالح أنه “يجب أن يتضافر وعي الحكومة السورية مع وعي المجتمعات المحلية إضافة لعمل الشخصيات المؤثرة والثورية والمحبوبة المتوافق عليها والتي حافظت على توازنها خاصة خلال العام الجاري وما وقع فيه من أحداث مؤلمة في الساحل والسويداء، وذلك وعيا وإيمانا منها بأن سوريا للجميع ولن يعمرها سوى أهلها..”.

تلفزيون سوريا

——————————-

عام على سقوط الأسد.. أوروبا تُسرّع عودة اللاجئين رغم هشاشة الواقع/ بتول الحكيم

6 ديسمبر 2025

بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، تتجه أوروبا نحو الدفع بخيار العودة الطوعية للسوريين، رغم التحذيرات الأممية التي تشكك بواقعية هذا التوجه، حيث شرعت دول عدة في الاتحاد الأوروبي بمراجعة سياسات اللجوء عبر تشجيع العودة، معتبرة أن الوضع بات أكثر استقرارًا، رغم تحذير التقارير الحقوقية والأممية من غياب الضمانات الأمنية والخدمية التي تجعل العودة آمنة وقابلة للاستمرار.

وفي هذا السياق، أعلنت معظم دول الاتحاد الأوروبي وقف إعادة دراسة طلبات لجوء السوريين، مع التوجه لسحب الإقامات من الذين زاروا سوريا، انطلاقًا من فرضية أنها أصبحت آمنة، فيما تؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أن البيئة الحالية لا تزال بعيدة عن شروط العودة الآمنة، في ظل انتشار مخلفات الحرب التي تهدد حياة آلاف العائدين.

وتشدّد التقارير الأممية والإنسانية على أن غياب الخدمات الأساسية يعمق مخاطر عدم الاستقرار ويدفع كثيرين إلى النزوح مرة أخرى، بينما تواجه الحوافز المالية الأوروبية انتقادات واسعة، لكونها لا تعالج المخاطر الحقيقية على أرض الواقع.

لماذا يدفع الاتحاد الأوروبي نحو عودة اللاجئين؟

يقول الخبير الاقتصادي، رضوان الدبس، لموقع “الترا سوريا” إن الاتحاد الأوروبي كان ولا يزال بحاجة للاجئين، إلا أن عدد اللاجئين الكبير تجاوز احتياج الدول الأوروبية، وتحول إلى عبء، ما نتج عنه تشدّد في سياسات الإقامات وقبول اللجوء في الفترة الأخيرة، وتحول القبول إلى سياسة انتقائية للقبول. ولفت إلى أن بعض الدول كانت قد صرحت عن عشرات آلاف المبالغ التي تصرف على اللاجئ سنويا، ضمن قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والاندماج والسكن، وذلك لحين دخولهم سوق العمل، في حين أن أغلب هذه الدول تعاني من ضغوطات اقتصادية تعود للتضخم والحروب التجارية.

وأضاف الدبس أن سوق العمل أصبح يعاني من عدم قدرته على استيعاب الكم الهائل من العمالة، ما ساهم في ارتفاع نسبة البطالة، كما بدأ وجود اللاجئين يمثل مشكلة للسكان الأصليين، فظهر التزاحم على العمل، الذي أدى بشكل طبيعي لانخفاض الأجور وزيادة ساعات العمل، ما أدى لاعتراضات من نقابات العمل وبعض الأحزاب الرافضة لوجود اللاجئين، والتي اتخذت من هذا الواقع ذريعة للضغط على الحكومات، ما يمثل ضغطًا داخليًا.

انعكاس عودة اللاجئين على البنية الاقتصادية

من جهة أخرى، يوضح الدبس أن عودة اللاجئين في الوقت الراهن لسوريا، تشكل ضغطًا على البنية التحتية المهترئة والمتهالكة، فلا تزال كافة القطاعات الخدمية غير قادرة على تغطية احتياجات ربع السكان تقريبًا، وكذلك أزمة السكن التي نتجت عن عودة أعداد من اللاجئين، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد السوري، الذي يحتاج إلى وقت طويل للتعافي.

وأكد الخبير الاقتصادي في ختام حديثه لـ”الترا سوريا” على ضرورة دخول استثمارات حقيقية في كافة القطاعات، تمهيدًا لعودة اللاجئين، مشيرًا إلى أن توفر عوامل الاستقرار والأمن تساهم في دخول الاستثمارات والشركات وجهود إعادة الإعمار، التي تساهم في زيادة فرص العمل ودعم البنى التحتية، إضافة إلى تفعيل منظمات المجتمع المدني لدفع عجلة الاقتصاد، كما في تركيا وأوروبا.

مقومات العودة الطوعية

من جانبه، يُعرف المستشار في القانون الدولي والناشط في مجال حقوق الإنسان، الدكتور عبد العزيز النجيب، “العودة الطوعية” – بحسب القانون الدولي – بأنها عودة أي شخص طالب للجوء بإرادته الحرة، على أن تكون عودته آمنة، ويضمن القانون الدولي هذا الحق للاجئين من خلال المعاهدات والاتفاقيات، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف والاتفاقية الخاصة بعدم العودة القسرية، ما يعني أن العودة الطوعية بالدرجة الأولى يجب أن تنتج عن زوال أسباب اللجوء كالحروب والكوارث الطبيعية وتهديد الحياة والحريات، وضمان الأمان وتوفر عناصر الحياة الكريمة وممارسة الحقوق للعائدين.

ويضيف الدكتور النجيب لـ”الترا سوريا” أن القانون الذي تسعى الدول الأوروبية لتطبيقه في إعادة اللاجئين هو قانون سياسي بحت، مؤكدًا أن اتفاقيات اللجوء والهجرة الموقعة والقانون الدولي بين دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، تنص على أنه لا يمكن إعادة أي لاجئ إلى بلاده دون زوال مبررات اللجوء، وفي سوريا تحديدًا لا تزال مناطق كاملة تعاني من وجود مخلفات الحرب والألغام والذخائر، التي تشكل خطرًا مباشرًا على حياة العائدين.

وأضاف المستشار في القانون الدولي أن من جهة أخرى، لم يلاحظ أي تدخل من هذه الدول في المساهمة بإعادة الإعمار، فالإعادة القسرية لا يحق اتخاذها بحق أي لاجئ إلا في حال ارتكابه جرمًا أو مخالفة جسيمة، لافتًا إلى أن بعض الدول الأوروبية تسعى إلى دفع اللاجئين للعودة عبر تقديم مساعدات مالية أو حوافز لتسهيل العودة، لا يعتبر هذا من العودة القسرية، ولا تنص القوانين الدولية على منعه ما لم يتضمن شكلًا من أشكال الإكراه.

معوقات العودة الطوعية للاجئين

وضمن هذا الإطار، تؤكد الناشطة في مجال حقوق الإنسان والحقوقية، جمانة سيف، لـ”الترا سوريا” أن إعادة اللاجئين السوريين قسرًا غير إنساني، وقد يؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة في سوريا، نظرًا لتهدّم البنية التحتية وعدم توفر الخدمات إلا بالحد الأدنى، فضلًا عن فقدان كثير من اللاجئين لمساكنهم نتيجة الدمار. كما أنه يخالف الادعاءات الأوروبية الداعمة للاستقرار وإعادة الإعمار في سوريا، ما يجعل من دعم القطاعات الأساسية والخدمية الخطوة الأهم لترغيب اللاجئين في العودة الطوعية.

وأوضحت الناشطة في مجال حقوق الإنسان أن سياسة إعادة اللاجئين بشكلها الحالي لا تنسجم مع مبادئ الحماية الدولية للاجئين، مضيفة أن بعض السياسات التي تنتهجها بعض الدول الأوروبية، والمتمثّلة في التضييق على اللاجئين تدخل ضمن ممارسات الإكراه غير المباشر على العودة، ومن ضمنها بعض الزيارات الرسمية التي قام بها بعض المسؤولين في هذه الحكومات لتفعيل الإعادة، والتي قوبلت برفض مبرر ومنطقي من وزارة الخارجية والمغتربين السورية.

الترا سوريا

————-

وداعاً لدولة الكبتاغون والطوابير”.. ما الذي تغير في سوريا؟

العربية.نت ـ جوان سوز

06 ديسمبر ,2025:

دخلت سوريا مرحلة جديدة منذ نحو عام بعد سقوط النظام السابق، وفرار رئيسه بشار الأسد إلى موسكو في الثامن من ديسمبر الماضي.

فقد طوت البلاد حكم عائلة دام قرابة 54 عاماً، وسط فرح عامر تجلى في العديد من المدن السورية خلال الأيام الماضية.

وبحسب آراء العديد من المحللين السوريين، شهدت البلاد تغييرات كثيرة، ودخلت مرحلة تتطلب وقتاً للتغلب على التحديات التي تواجه الرئيس أحمد الشرع.

“وداعاً لدولة الكبتاغون”

وفي السياق، قالت نغم قدسية، أكاديمية سورية تقيم في دمشق في معرض تقييمها للوضع بعد عامٍ على سقوط الأسد: “سياسياً عادت سوريا لتكون دولة فاعلة تفاوض لتحقيق مصالح شعبها، وأعادت رسم صورة جديدة لها، من دولة مصدّرة للكبتاغون إلى دولة تسير نحو استقرارها الداخلي ومن خلاله تحقيق استقرار المنطقة، فيما تعيد تشكيل علاقاتها مع دول الجوار والدول العظمى، بناءً على المصالح المشتركة، بعد أعوام من العزلة الدولية، وذلك لا بد أن ينعكس إيجاباً على الأفراد في المستقبل القريب”.

“لا طوابير”

كما أضافت المحاضرة في كلية الإعلام بجامعة دمشق للعربية.نت، أن الناس لم تعد ترى الطوابير في الشوارع. وقالت “خدمياً، لم نعد نشهد طوابير على الخدمات الأساسية كالفيول والخبز، حيث باتت أغلب الاحتياجات الأساسية متوفرة بسهولة، رغم استمرار الضائقة الاقتصادية ونقص السيولة حالياً”، وفق تعبيرها.

كما رأت أن كافة المعطيات تشير إلى أن سوريا تسير نحو تحسن اقتصادي ينعكس تدريجياً على الحياة المعيشية.

لكنها اعتبرت أن “التحدي يبقى في مدى إمكانية إعادة تشكيل بنية مجتمعية متماسكة تترفع فيها عن الأوجاع وتتقبل اختلاف الآخر”.

خروج من العزلة

من جهته أشار المحلل السياسي والأكاديمي أحمد الكناني إلى أن “سقوط نظام الأسد بلا شك شكل تحولاً سياسيا كبيراً ، إلا أنه أفرز العديد من المتغيرات السريعة خلال عام واحد”

وأضاف أن سوريا خرجت من عزلتها الدولية عبر سياسة الشرع المنفتحة على الغرب، والتي أفضت بوساطة سعودية تركية إلى رفع عقوبات قيصر، وما تلى ذلك من لقاءات جمعت الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى الانفتاح على أوروبا وتحول سوريا بشكل كامل من المعسكر الشرقي إلى الغربي، الأمر الذي يحسب للإدارة الجديدة في سياستها الخارجية”.

إلا أن ذلك لا يعني أن سوريا باتت بمنأى عن التحديات، وفق رأيه.

فقد رأى الكناني أن البلاد ” تحولت داخلياً إلى ساحة مقسمة، بسبب التوترات في الساحل السوري والسويداء، إضافة إلى تعنت قوات سوريا الديمقراطية شمال شرق البلاد في موقفها السياسي والعسكري حول بنود اتفاق مارس نتيجة لمخاوف داخلية وحالة عدم الثقة”.

كما اعتبر أن “العمل السياسي معطل بسبب طبيعة المرحلة الانتقالية”.

وكانت سوريا قد شهدت توترات أمنية في بعض المناطق بعد الإطاحة بنظام الأسد بأشهر، كما حصل في الساحل ولاحقاً في محافظة السويداء، جنوب البلاد.

كذلك كانت دمشق قد أبرمت اتفاقاً مع قسد في مارس الماضي، إلا أنه لم ينفّذ بعد بسبب بعض العراقيل.

————————-

===================

تحدبث 05 كانون الأول 2025

——————————-

 في نقد السرديات المنحازة عن “ردع العدوان”/ إياد الجعفري

2025.12.05

تشكل الذكرى السنوية الأولى لعملية “ردع العدوان” مناسبة مفيدة في مراجعة السرديات المنحازة التي تشكلت بخصوصها، بعيد نجاحها في إسقاط نظام الأسد.

أما فائدة هذه المراجعة فتكمن في الحاجة لتشكيل وعي موضوعي ينظر للمستقبل بعقلية تأخذ بالأسباب، لا بعقلية دوغمائية تحول انتصار ثورة هذا الشعب العظيم إلى أيديولوجية تؤسس لطغيان جديد، بدلا من التأسيس لنظام حكم رشيد، يحفظ كرامة وحرية الإنسان التي من أجلها اندلعت تلك الثورة في نظر مفجريها الأوائل، على الأقل.

فـ “ردع العدوان” مثلت بالتأكيد تحولا تاريخيا غير سوريا التي عرفناها على مدار 54 سنة، وأنهت استعصاء ثورتها الذي استمر 13 سنة. لذا لا بد من الوقوف بإجلال أمام هذا الحدث، لكن من دون أن نسمح للانحيازات المعرفية الرائجة أن تحكم نظرتنا نحوه. إذ إن هذه العملية العسكرية بدت تخالف المنطق في نظر كثيرين من جراء تطوراتها الدراماتيكية السريعة التي أسقطت نظام الأسد خلال 11 يوما فقط، بصورة حرمت حتى المراقبين الخبراء من فرصة التقاط الأنفاس بهدف التحليل، في وقتها. ومع تفاقم حدة الاستقطاب بين ألوان الطيف السوري خلال الأشهر التالية لذلك، ازداد أثر الانحيازات المعرفية في تشكيل سرديات غير موضوعية تشرح كيف سقط نظام الأسد بهذه السلاسة، بعد أن يئس كثيرون من أبناء الحاضنة الثائرة من سقوطه، وبعد أن بدا لكثيرين داخل سوريا وخارجها أنه تجاوز الخطر الوجودي منذ العام 2018، وأن لا بد من التكيف مع بقائه طويل الأمد.

من بين تلك السرديات، نجد في أقصى اليسار تلك السردية المتطرفة التي تقرأ “ردع العدوان” على أنها عملية “استلام وتسليم” تمت بترتيب خارجي. يردد هذه السردية بصورة خاصة فلول نظام الأسد وأنصاره وحلفاؤه السابقون الذين عجزوا –ربما حتى اليوم– عن استيعاب التحول التاريخي المتمثل في رحيله. لكن لتلك السردية أصداؤها حتى في أوساط شريحة من الرماديين وبعض المعارضين السابقين للأسد، من جراء حصر رؤيتهم في تفاصيل الحدث العسكري المتمثل في العملية، والأجواء الإقليمية المحيطة بها حينها، من دون أن يمتلكوا القدرة على أخذ الأثر التراكمي لثورة العام 2011 وما تلاها بعين الاعتبار. هذا الأثر ظهر جليا في اهتراء وتهالك نظام الأسد في السنوات الأخيرة قبيل سقوطه، بصورة جعلته عاجزا عن القيام بدور “الدولة” اقتصاديا وإداريا، حتى تجاه حاضنته الموالية التي رفعت الصوت عاليا في انتقاده في صيف العام 2023 بصورة غير مسبوقة. ناهيك عن تعنت رأس هرم النظام ذاته في فهم دروس ما حدث بعيد 2011، وقراءة المشهد على أنه “انتصار” له بعيد 2018، بدلا من أن يقرأه على أنه أزمة عصيبة تسببت قراراته في تعقيدها بصورة جعلت بقاءه في سدة الحكم رهنا بتدخل قوى خارجية، لا بقدرات نظامه الذاتية التي تآكلت. هذا التعنت، والعجز عن قراءة المشهد بصورة موضوعية، جعله يتعالى على محاولات إعادة تأهيل نظامه بعيد 2020، بصورة أضاعت عليه فرصا عدة لإعادة شرعنة نظامه إقليميا ودوليا، إلى جانب تراكم خبرات فصائل “ردع العدوان”، وأبرزها “تحرير الشام”، من جراء المعارك السابقة مع النظام، والدروس التي تعلموها منها، والتي ترجمت في تخطيط وإعداد نوعي للعملية التي أسقطت الأسد، وفي تنفيذ احترافي إلى درجة كبيرة، خاصة على صعيد الاختراقات الاستخباراتية والاتصالاتية، والتسويات مع قادة من الوزن الثقيل داخل النظام قبيل وخلال العملية.

على الضفة المقابلة، وفي أقصى يمين السرديات المنحازة، نجد تلك التي تقدم “ردع العدوان” على أنها “نصر إلهي” تم بسواعد “المجاهدين”، وبالإدارة والتخطيط المميز للعملية من جانب أكبر فصائلها “تحرير الشام” حصرا. وهي السردية التي أسست لاحقا لشعار “من يحرر يقرر”.

وهي قراءة متطرفة أيضا، تخلو من ملاحظة الأسباب الموضوعية الأخرى التي ما كان لفصائل “ردع العدوان” أن تحقق ما حققته من دون توافرها. أولى تلك الأسباب تغير المزاج الإقليمي والدولي، بحدة، ضد المشروع الإيراني في المنطقة، بعد عملية طوفان الأقصى في غزة بتشرين الأول 2023. فقد انتهت حقبة تقبل الكيان الإسرائيلي لـ “قواعد اللعبة” في الصراع البارد مع إيران، الأمر الذي ترجم تدميرا دراماتيكيا لأذرع هذا المشروع في لبنان وسوريا، إلى جانب التورط الروسي في أوكرانيا، والذي جعل موسكو تخفض تقييمها لأهمية نظام الأسد في قائمة مصالحها، بعد أن بات ثمن حمايته أكبر من عوائد تلك الحماية. وهو أمر ينطبق بدرجة أقل –لكنها كانت ملحوظة– على الموقف الإيراني من نظام الأسد أيضا. وكلنا يذكر الضغوط الإيرانية الكثيفة على بشار الأسد في السنتين الأخيرتين كي يدفع ثمن إنقاذ كرسي حكمه، من دون أن ننسى أهمية الدعم الخارجي، التركي بصورة خاصة، حتى مع تذبذب هذا الدعم في آخر سنتين. إلى جانب ذلك، ما كان لـ “ردع العدوان” أن تحقق ما حققته بهذه السلاسة، لولا تأثير الإعلام المعارض التراكمي على مدار سنوات في تنفير الحاضنة الموالية للأسد منه، بصورة جعلت هذه الحاضنة غير راغبة في تقديم المزيد من الأضحيات البشرية على محراب سلطته، كما فعلت قبل أكثر من عقد من الزمن.

مع أخذ كل ما سبق من أسباب وعوامل بعين الاعتبار، يمكن أن نفهم كيف سقط الأسد بهذه السلاسة. أما أبرز درس يمكن أن نتعلمه من ذلك الحدث، فهو أن القوة المسلحة وحدها قد تتيح “نصرا” مؤقتا، كما حدث مع نظام الأسد وحلفائه بعيد العام 2018. ومع عدم ترجمة هذا “النصر” إلى عوائد سياسية واقتصادية تتيح استقرارا بعيد الأمد، انهار النظام بصورة مفاجئة، وكأنه بيت من ورق. هذا الدرس مفيد للغاية من أجل سوريا المستقبل. فنصر “ردع العدوان”، بتاريخيته التي لا يمكن إنكارها، يحتاج إلى ترجمة لعوائد سياسية واقتصادية تتيح استقرارا بعيد الأمد. هذه الترجمة تتطلب تفكيرا نقديا موضوعيا يأخذ بالأسباب، بعيدا عن أي دوغمائية أو “شعاراتية”.

تلفزيون سوريا

——————————-

الشرع وتلفيق الـ«نيو ـ جهادية»: المنبر إسرائيلي والحجاب مصري/ صبحي حديدي

قد لا تكون داليا زيادة، الباحثة المصرية المقيمة في واشنطن، معروفة على نطاق واسع في العالم العربي، لكنها في بلدها مصر أشهر من نار على علم؛ لأنّ توصيفاتها، المشاعة عن إنصاف أو إجحاف، يمكن أن تبدأ من «جاسوسة إسرائيلية»، لأنها ببساطة تعتبر ردود دولة الاحتلال الإسرائيلي على 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 مشروعة تماماً، كما تناصر العدوان الإسرائيلي ضد إيران؛ وقد تمرّ بأنها عملت مع سعد الدين إبراهيم وأدارت «مركز ابن خلدون» قبل أن تغدر به، وبالحركة الوطنية المصرية عموماً؛ وليست تنتهي عند صفة «المخبر المحلي» الشهيرة، من خلال إدارة «معهد دراسة العداء العالمي للسامية والسياسة» ISGAP في واشنطن.

طريف، إلى هذا، أنها تواصل ارتداء الحجاب حيث تقيم وتعمل في الولايات المتحدة، فتستثير لدى بعض «خبراء» الشرق الأوسط إعجاباً من طراز خاصّ، تمتزج فيه خلائط الفضول والزهو بهذه المرأة المصرية/ المسلمة/ العربية، التي تنافس العديد من الصهاينة في محبة دولة الاحتلال؛ وتمارس طرازاً من جلد الذات حول القضية الفلسطينية (لأنها ذهبت بعقول المصريين والعرب أجمعين، كما صرّحت ذات مرّة) يندر أن يصدر عن عربي، فكيف بامرأة… محجبة! وكانت الصحافية الأمريكية المخضرمة روبن رايت قد وضعت زيادة ضمن فئة «جيل الحجاب القرنفلي»، حيث النساء مؤمنات بعقيدة الإسلام، وثائرات في الآن ذاته، مطالبات بحقوقهنّ، وثابتات على مواقفهنّ النسوية.

أحدث تدويناتها على منصة X تضمنت إشادة حارّة بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية، أوضحت خلالها أنها فرّت من تهديدات الإخوان المسلمين في مصر، لتجد هؤلاء «الأشرار» هنا أيضاً «في كل مكان من الولايات المتحدة، يستخدمون التكتيكات ذاتها» التي شاعت «خلال الانتفاضة الثانية»، ويخرجون في «الاحتجاجات ذاتها، وهم يرتدون الكوفية ذاتها، ويرفعون الأعلام ذاتها، ويحرقون العلم الأمريكي ذاته»… كذلك حرصت على طمأنة جمهورها الأمريكي بأنّ حظر «الإخوان المسلمين» ليس علامة إسلاموفوبيا، بدليل أنّ الجماعة محظورة في مصر أيضاً، وها أنها وهي المسلمة المحجبة ترحّب بالقرار.

أمّا أحدث «دراسة»، مسهبة على نحو ما، وأكثر حشداً للمزاعم والتلفيقات والأكاذيب، فقد جاءت بعنوان «الشرع في سوريا والتحوّل الأشدّ خطورة للنزعة الإسلامية السياسية»، وقد كُتبت باللغة الإنكليزية؛ ولم تختر لها زيادة منبراً للنشر سوى… «مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية»، الإسرائيلي، اليميني المحافظ، وشديد الولاء لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو! ليس من دون أسباب جلية وراء اختيار هذا الموقع، لا تخدم توجهات «معهد دراسة العداء للسامية» الذي تعمل له زيادة فقط، بل تمتثل بصفة شبه حرفية للخطّ التحليلي الذي يعتمده المركزفي قراءة سوريا الجديدة بعد انهيار نظام «الحركة التصحيحية» وسلطة الأسدَين الأب والوريث.

المقولة، إذا صحّت التسمية بأي معنى، تسير على النحو الافتراضي التالي: الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الذي تفضّل زيادة الاحتفاظ باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، لا ينتمي إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، بل هو انتقدهم في السابق؛ ولا يمثّل تراثاً فصائلياً على غرار «داعش»، من حيث الأساليب والممارسات والخلفيات العقائدية. لكنه أسوأ، وأشدّ خطورة على المنطقة والعالم قاطبة، لأنه اليوم أبرز قيادي في تطوّر نوعي عالي التهديد ضمن تيارات الإسلام السياسي، تختار له زيادة تسمية الـ»نيو ـ جهادية». وإذْ تبلغ هذه الخلاصة القاطعة، باستخفاف تحليلي يستغفل العقول من دون الاكتراث بأيّ طراز من الحذلقة، فإنّ زيادة لا تتكلف عناء تبيان معطى واحد يتوجب أن يكون محورياً في مخططها الافتراضي: جهادية جديدة ضدّ مَن، على وجه التحديد، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً؛ ما دامت دبلوماسية الرئيس الانتقالي قد أنجزت، حتى الساعة، اختراقات انفتاح نحو محيط عربي وإقليمي ودولي واسع النطاق، لم تغبْ عنه مراكز قوى كبرى مثل قصر الإليزيه والكرملين والبيت الأبيض؟

وقد يكون صحيحاً أنّ زيادة المتحدرة من أصل مصري أشطر، لجهة التثاقف الأكاديمي واستخدام المفردات ذات العيار الثقيل، من مواطنيها أبطال الردح أمثال أحمد موسى وعمرو أديب ومصطفى بكري ومحمود بدر؛ غير أنّ افتضاح خطاب هؤلاء لن يستغرق ثواني معدودات قبل أن تتكشف مرجعياته الأمنية، المكشوفة أصلاً في ناظر سواد المصريين خصوصاً. فارق زيادة أنّ التلفيق الذي تشيعه لا يتوجه إلى أبناء مصر، أو الشرائح الأوسع في العالم العربي، وربما الإسلامي أيضاً؛ بقدر ما يلبي مباشرة ما تتطلبه جهات عليا سياسية وأمنية وأكاديمية في دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة والغرب عموماً، وما تستطيب إشاعته والترويج له من تلفيق وشيطنة وتشويه وتضليل حول سوريا الجديدة عموماً، والسلطات الانتقالية خصوصاً.

على سبيل مثال أوّل حول نمط من التثاقف لا رنين له إلا حيث تتعالى أنغام التنميطات الاستشراقية، تعرّف زيادة الـ»نيو جهادية» بأنها «إيديولوجيا جديدة هجينة تمزج بين الإسلاموية السياسية، والجهادية، والاشتراكية التسلطية»؛ وتضيف: «هي حركة تستعير ألْمَعيّة الإخوان المسلمين، وتستوعب البراغماتية التكتيكية التي دشنها حزب العدالة والتنمية في تركيا، وتحتفظ بالصرامة العنفية لدى «القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية». أكثر من هذا، تضيف زيادة: «ما يميزها هو استخدام الواقعية السياسية للمناورة على صراعات القوّة الإقليمية والدولية، وفي الآن ذاته استغلال وعد العدالة الاجتماعية الاشتراكي الأجوف غير المتحقق، للتحكم في السياسة الداخلية وتوطيد الحكم التسلطي».

ولا مفرّ من أن تلجأ زيادة إلى الكذب الصريح، بمعنى الاختلاق هذه المرّة وليس التلفيق وحده، فتجزم بأنّ الشرع «منح الجنسية السورية للجهاديين الأجانب وأدخلهم في جيشه وشرطته»، خلال مراحل سيطرته على محافظة إدلب؛ وهذا، بالطبع، ادعاء كاذب لأنّ الشرع/ الجولاني سابقاً لم يكن يملك سلطة التجنيس في إدلب، أوّلاً؛ ولأنّ أيّ قانون حول التجنيس لم يصدر بعدُ حتى الساعة، ثانياً، وسبق للرئيس الانتقالي أن علّق على هذا الملفّ خلال مؤتمر صحافي مع الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، مطلع أيار (مايو) الماضي. ذلك لا يعني أنّ السلطات الانتقالية سوف لن تسهّل، أو تصعّب، حصول الجهاديين الأجانب على الجنسية السورية في أي موعد قريب أو بعيد، غير أن زعم زيادة يبقى كذبة صارخة.

بذلك، وطبقاً لتشخيصات زيادة، فإنّ قدرات الشرع ورجاله، في مستوى مهارات المناورة والتكتيك والمرونة و«الألمعية»، لا تخادع الشعب السوري أو قطاعاته الأوسع التي التفّت وتلتفّ حول السلطات الانتقالية لأسباب شتى ليس هنا مقام استعراضها مفصلة، فحسب؛ بل تخدع، أيضاً، أساطين التحليل والاستخبار والاستعلام لدى الأقطاب الأعظم في خرائط العالم الجيو ـ سياسية، ولدى شركات استثمار ومال وأعمال عملاقة وكونية، ليس من اليسير استغفال ملياراتها. وهكذا، فإنّ الجهات التي تنجو من شراك الشرع وتتنبه إلى أحابيله، هي زيادة نفسها صاحبة «الدراسة»؛ صحبة «مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية»، الإسرائيلي الذي نشرها؛ وربما جامعة تافتس (الأشهر في انحيازاتها الصهيونية) التي خرّجت هذه المحجبة المصرية فريدة زمانها…

وتبفى إشارة تأكيد بأنّ وقوف هذه السطور عند «دراسة» زيادة لم يكن له من دافع آخر سوى أنّ المنبر كان إسرائيلياً، بما ينطوي عليه هذا التفصيل من دلالات شتى متقاطعة، سياسية أو فكرية أو أخلاقية؛ وأنّ الكاتبة تواصل إبراز الحجاب، بوصفه إحدى أفضل أدوات التخفّي لدى مخبرة محلية، لا تتقن أفانين التلوّن.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

——————————-

ما الذي سقط فعلًا يوم هرب الأسد؟/ شادي كرم

من السهل أن نحتفل بسقوط الأسدية وأن نغلق القوس عند هذه الجملة. الأصعب أن نسأل: ما معنى سقوط الأسدية إذا حضرت مكانها ذهنية إقصائية جديدة؟

5/12/2025

ما الذي سقط فعلًا في ذاك اليوم الذي هرب فيه الأسد؟ الرجل أم الطريقة؟ التمثال أم المخيّلة التي صنعت التمثال؟ بعد عام على “التحرير”، السؤال لا يعود ترفًا نظريًا، بل يصبح ميزانًا أخلاقيًا بسيطًا: هل توقّف القتل بوصفه سياسة؟ هل خرج السوري من خانة “اللحم المتاح” إلى خانة الإنسان؟

كان مفهومًا أن لا تُحلّ كل العقد خلال سنة. كان مفهومًا أن الخراب عميق، وأن اقتصاد بلد منكوب لا يتعافى بمرسوم. ما لم يكن مفهومًا، ولا مقبولًا، أن نكتشف بسرعة أن زمن المجازر لم ينتهِ، بل غيّر لهجته ورايته فقط. أن تُرتكب جرائم موصوفة في الساحل وفي السويداء، وأن يُدفن أحياء تحت اسم جديد لذريعة قديمة: “أخطاء فردية”، “اختلال في القيادة الميدانية”، “رد فعل منفلت”. هذه الجمل سمعناها من قبل، مع فارق وحيد هو صورة الرئيس المعلّقة خلف المكتب.

كان يفترض أن يكون العام الأول بعد الأسد عامًا يفتح الدفاتر للمحاسبة، دون أن يضيف إليها فصولًا أخرى. عامًا يُسمّي القتلة ولا يحميهم، يحاكم الأجهزة ولا يعيد تدويرها، يُعلن أن الدم لم يعد أداة تفاوض، وأن الانتماء الديني أو المذهبي ليس تصريح مرور إلى السلاح. بدلًا من ذلك، رأينا ما يشبه إعادة تمثيل للمسرحية نفسها: جمهور جديد في الصالة، ممثلون بلهجة أخرى، والنص هو ذاته تقريبًا. دولة انتقالية تتحدّث عن “وحدة البلاد” وتوقّع في الوقت نفسه اتفاقات أمنية تُعطي الخارج حقّ “الفيتو” على أمن الداخل. سلطة ترفع شعار المواطنة، وتترك مناصب القرار موزّعة وفق مفاتيح الطوائف والعشائر وأجهزة السلاح.

من السهل أن نحتفل بسقوط الأسدية وأن نغلق القوس عند هذه الجملة. الأصعب أن نسأل: ما معنى سقوط الأسدية إذا حضرت مكانها ذهنية إقصائية جديدة؟ ما معنى أن يهرب الدكتاتور إذا تحوّلت تيارات داخل “الأكثرية” إلى وريث طبيعي لمنطقه، ترفع الرايات ذاتها، وتستخدم الخطاب الأمني ذاته، وتعامل الأقليات بوصفها أوراق تفاوض أو “احتياطي ثأر”؟

في ساحات السنة الأخيرة، سمعنا شعارًا يلخّص كل ما سبق: “بدنا نحكم بالصرماية”. هذه ليست سقطة لغوية، هذه خلاصة عقل سياسي يرى الحكم فعل إخضاع لا عقد عيش مشترك. يرفض الفيدرالية وهو يمارس التقسيم، ويلعن “الإمارات الطائفية” وهو يقيم نسخًا منها تحت رعاية هذا الفصيل أو ذاك الاحتلال.

في العام الأول بعد الأسد، ما زال السوري يدخل إلى مكتب الدولة وهو يخاف من الكرسي قبل أن يخاف من الجالس عليه. ما زالت الأم تنتظر خبرًا عن ابنها في ممرات النظام الجديد كما انتظرته من قبل في أروقة الفروع الأمنية. تغيّر الختم على الورقة، وتغيّر اسم الجهاز، ولم تتغيّر الجملة التي تُلقى على العائلات: “ملفّه حساس، انتظروا”. والأشدّ قسوة أنّ عبارة “مات تحت التعذيب” لم تُدفَن مع الدولة القديمة، بل عادت بوجوه وتفسيرات أخرى. الثورة التي رفعت شعار “الحرية للمعتقلين” أنجبت سجونًا جديدة، بأسماء أكثر لياقة، وأجهزة أكثر تهذيبًا في الكلام، لا في التعذيب.

المأساة أن جزءًا من السوريين اليوم يتصرّف كما لو أن سقوط الأسد منحه رخصة لمراجعة حق الآخرين في الوجود. العلويون مطالبون باجتياز امتحان دائم لإثبات إنسانيتهم، والكرد مطالبون بالاعتذار عن لغتهم قبل أن يطالبوا بحقوقهم، والدروز مطالبون بتكييف خياراتهم السياسية مع “مزاج الأكثرية” إذا أرادوا الأمان. كل من يرفض هذا المنطق يُتّهم بأنه “ضد الثورة” أو “فلول”، وكأن الثورة تعني انتقال حقّ القتل من يد إلى يد، لا انتقال البلاد من منطق الإلغاء إلى منطق القانون.

السلطة الانتقالية التي يفترض أن تكون نقيض الأسدية تحوّلت في أكثر من مفصل إلى امتداد لها. كلما سقط مدني برصاصة جيشها أو فصيل محسوب عليها، خرجت اللغة ذاتها التي نعرفها منذ حماة الأولى: “تم فتح تحقيق”، و”نرفض هذه التصرفات الفردية”، و”سنعمل على محاسبة المتورطين”. لا أسماء، لا محاكم علنية، لا اعتراف سياسي بأن ما جرى جريمة دولة. فقط إدارة للغضب، وشراء للوقت، ودفن للملف في درج “التعقيدات الميدانية”.

لا شيء يُعرّي السلطة كعلاقتها بالأقليات ساعة الخطر. من يرفض اليوم الاعتراف بما تعرّض له سكان قرى الساحل، وبما واجهه الدروز في السويداء، وبما يعانيه الكرد، يعيد إنتاج نسخة من وطن لا مساواة فيه في الدم ولا معيار واحد للعدالة. الأسد كان يتصرف كمن يقول: “أحمي الأقليات من الأكثرية المتوحشة”. السلطة الانتقالية تردّد بنبرة مختلفة: “نضبط تجاوزات هامشية، لكنّ المهم أننا أسقطنا الديكتاتور”. في الحالتين، الضحية لا تُسأل، ولا تُشفى، ولا تُحترم. تُستخدم كذريعة فقط.

خيانة العام الأول ليست فقط في ما ارتُكب، بل في ما لم يُفعل: لا هيئة حقيقية للعدالة الانتقالية، ولا محاكم علنية لكبار مجرمي النظام السابق، ولا تفكيك جدّي لأجهزة التعذيب، ولا قانون يحظر صراحة التحريض الطائفي، ولا حدّ أدنى من الاعتراف الرسمي بالمجازر. كيف نطلب من مجتمع عاش نصف قرن تحت الاستبداد أن يثق بسلطة ترفض حتى تسمية جرائمها، وتصرّ على إدراجها في خانة “الظروف الاستثنائية”؟

كان يمكن للعام الأول أن يكون عامًا لسياسة أخرى. كان يمكن أن يُعلن فيه أن لا أحد فوق النقد، لا زعيم طائفة ولا رئيس مجلس ولا قائد فصيل. أن يُقال بوضوح إن الشيخ حكمت الهجري، كما أي مرجع ديني أو زعيم محلي، يخطئ ويصيب، وأن ربط مصير محافظة برأي رجل واحد هو إعادة اختراع للتأليه، وإن جرى ذلك باسم “الدفاع عن السويداء”. كان يمكن أن يُقال إن الأكثرية العددية ليست تفويضًا مفتوحًا لأحد، وأن من يهتف “بدنا نحكم بالصرماية” يُهين “الطائفة” قبل أن يهين خصومه.

في بلد مثل سوريا، التحرر الحقيقي لا يبدأ من قصر الرئاسة بل من تغيير تعريف البطولة. البطل ليس من يرفع عدد قتلاه، بل من يضع حدًّا للقتل. البطل ليس من يعيد رسم خريطة الطوائف، بل من يُخرج السياسة من رِقّ الطائفة. وحدهم الذين رفضوا القتل في ذروة الحرب، الذين فضّلوا أن يتهمهم جمهورهم بالضعف على أن يغرقوا في دم جيرانهم، هؤلاء هم النواة الوحيدة الممكنة لسوريا مختلفة.

هل تحررنا؟ السؤال قاسٍ، لكنه ضروري. من تحرر من ماذا؟ أبناء الساحل الذين يعيشون اليوم بين خوفين، من انتقام لم يقع بعد وصمت يلتهم ذاكرة قتلاهم، هل تحرّروا؟ أهالي السويداء الذين يواجهون حصار السلطة الانتقالية وخطاب التخوين لأنهم يرفضون أن يكونوا حديقة خلفية للغلبة، هل تحرّروا؟ الكرد الذين يُقصفون بحجة “منع الانفصال”، هل تحرّروا؟ المعتقلون في السجون الجديدة، الذين لا يهمهم لون العلم المرفوع فوق السجن بل اسم الجلاد الذي يفتح باب الزنزانة، هل تحرروا؟

التحرّر ليس واقعة مجردة تقع حين تغادر طائرة حاملة لرئيس إلى مطار بعيد. التحرر فعل أخلاقي جماعي، وقرار واعٍ بأن ما كان محرّمًا في زمن الأسد سيبقى محرّمًا بعده، بل أكثر. أن المجزرة ليست أداة مشروعة أبدًا، وأن “المصلحة العليا” لا تبرّر دفن القرى مرتين، وأن القوة العددية لا تمنح شيكًا على بياض. دون هذا، نحن نعيش فقط انتقالًا في إدارة الجحيم، لا خروجًا منه.

بعد عام على هروب الأسد، ربما الجملة الأكثر صدقًا هي التالية: أسقطنا الرجل ولم نسقط النظام الذي في رؤوسنا. إذا أردنا لهذا اليوم أن يكون موعدًا في التاريخ لا مجرد تاريخ في الروزنامة، فعلينا أن نجرؤ على قول جملة واضحة دون مواربة: لا معنى لكل ما حدث إذا كان الأسد قد خرج من القصر ليعود إلينا على هيئة سلطة انتقالية عمياء، أو نزعة غلبة لا تختلف كثيرًا عن ماضي البلاد. عندها نكون قد غيّرنا اسم الديكتاتور فقط، وتركنا سوريا في مكانها ذاته: بلد بلا عدالة، وبلا مساواة، وبلا حرية تسع الجميع.

موقع أوان

——————————-

 من “منطق بسمارك” إلى “منطق الحوار”.. حدود القوة وإمكانات التفاهم في توحيد سوريا/ علي سفر

2025.12.05

مع استعادة الجمهور لذكرى أيام التحرير، وتتالي صور تقدّم قوات ردع العدوان صوب المناطق السورية، تحضر في تعليقات العموم على الخيار الذي غيّر وجه سوريا أقوال تشير إلى أن الحل العسكري للأزمة السورية، وبعد أن استبعده العالم كله في مختلف المؤتمرات وجلسات التفاوض، أثبت أنه السبيل الوحيد لإزالة الطغمة المجرمة التي حكمت البلاد بالحديد والنار. وبناءً على نجاعة المسار الذي سُطّر في يوم السابع من كانون الأول لعام 2024، يقول المتحمسون إن الحل الوحيد الناجع لاستعادة وحدة البلاد لا بد أن يكون عسكريًا أيضًا!

ومع ورود الفكرة أمام المحللين، لا بد أن تبرز التجارب التاريخية التي يمكن مقاربتها من أجل التفكير بسلامة هذا الخيار في الوقت الراهن، وفي مقدمتها تجربة توحيد ألمانيا التي قادها المستشار “الحديدي” أوتو فون بسمارك.

من الصعب اليوم، في لحظة ما بعد السقوط، التفكير بسوريا ككيان يمكن إعادة تجميعه بمنطق يشبه ما حدث في القرن التاسع عشر. في ذلك الزمن كان يُسمح لقوة مركزية، متماسكة ومتصاعدة، أن تشنّ حروبًا مدروسة ضد جيرانها، وتصوغ بعدها ترتيبًا سياسيًا جديدًا يفرض وحدة الإمبراطورية الألمانية الحديثة. كان السياق الدولي يقتضي أن يكون “الحديد والدم” أدوات تأسيس، وأن تكون الحروب جزءًا طبيعيًا من بناء الدول الكبرى.

أما في سوريا، فإن مثل هذا الخيار ليس متاحًا، لا من الناحية الواقعية، ولا من الناحية الأخلاقية، ولا حتى من ناحية ما يسمح به الميدان، وما تقبله المجتمعات المتضررة، وما تتيحه شبكات النفوذ الممتدة في الداخل والخارج.

لقد خرجت سوريا من زمن النظام البائد لا كجغرافيا متماسكة تنتظر إعادة اللّمّ، بل كمساحة اجتماعية وسياسية متشظية على مستويات متعددة: مناطق، قوى محلية، سلطات أمر واقع، حضور إقليمي كثيف، ذاكرات جريحة، ونُظُم معيشية متباينة. حين ننظر إلى المشهد كما هو، ندرك أن أدوات بسمارك لا تصلح للقرن الحادي والعشرين؛ وأن الاتكاء على خيار القوة ليس مجرد استدعاء لحلّ قديم، بل هو تجاهل لعمق الانقسام وتعقيده.

فلا وجود أولًا لمركز قادر يعادل ما انطلق منه المشروع البسماركي، والمقصود هنا هو الدولة البروسية التي امتلكت جيشًا منضبطًا، وإدارة فعّالة، وقاعدة اجتماعية واضحة، وتفوّقًا اقتصاديًا مقارنة ببقية الدويلات الألمانية.

أما في سوريا ما بعد السقوط، وبغضّ النظر عن التقييم الميداني لقدرة المركز على فرض إرادته عبر المواجهة العسكرية، فإنه هو نفسه لا يريد فرض تسوية بالقوة.

كما أن القوى الأخرى الموجودة على الأرض—سواء كانت محلية، أو مناطقية، أو سياسية—لا تملك الشرعية ولا القوة الكافية ولا القبول الوطني الواسع. والأهم أنها ليست مراكز صلبة بقدر ما هي سلطات هشّة، مرتبطة بشروط نشأتها، ومقيّدة بتوازنات الأمن والاقتصاد والدعم الخارجي.

هذا الوضع لا يقود صانع القرار إلى التماس إمساك بزمام الأمور عبر الصيغ التي عرفتها البلاد في الخمسينيات والستينيات، أو تلك التي فرضها النظام لاحقًا بقوة الأجهزة، بل يدفعه نحو قراءة وقائع ولادة زمن سياسي جديد تحتاج فيه البلاد إلى تضافر القوى في الداخل نحو هدف استعادة عافيتها، وإلى تحييد اللاعبين الإقليميين والدوليين المتعددين. ففي زمن بسمارك كان هناك لاعب خارجي أساسي واحد يجب تحييده أو هزيمته، وهو فرنسا. أما اليوم فإن أحد أهم أسباب استبعاد الخيار العنفي هو كثرة القوى الإقليمية المنخرطة في الشأن السوري، حيث ثمة شبكة من الدول المؤثرة، لكل منها ارتباطاتها وتحالفاتها ورهاناتها داخل الجغرافيا السورية.

توحيد البلاد بالقوة في بيئة كهذه يعني إشعال سلسلة من النزاعات المتداخلة، لا حسمها. بل سيحوّل أي مشروع مركزي إلى ساحة صدام إقليمي مفتوح، يعرقل التوحيد بدل أن ينجزه.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب النظر إلى التحولات الاجتماعية التي شهدها السوريون، وبروز الوعي المحلي كأداة فاعلة. فسوريا التي نراها اليوم ليست تلك التي عرفها الناس قبل عقود؛ إذ نشأت بفعل المقاومة المدنية، وبفعل الصراع السياسي، وبفعل التجارب المحلية في الإدارة والخدمات، مجتمعات تمتلك إحساسًا عميقًا بحقها في إدارة ذاتها، وفي الدفاع عن مصالحها المباشرة، وفي المطالبة بصوتها الخاص في أي صياغة وطنية. هذا الوعي الجديد لا يمكن سحقه أو تجاوزه، لأن المجتمعات نفسها لم تعد تقبل الصيغ القديمة، ولا بنى الإخضاع التي راكمها النظام. إن محاولة إعادة فرض سلطة مركزية حديدية ستنتج رفضًا شاملًا، وربما دورات جديدة من العنف.

ويبقى في نهاية تحليل أسباب استحالة التوجّه نحو خيارات القوة أن الكلفة الأخلاقية والسياسية لتجديد الحرب ستكون فادحة، بعد أن انكشفت هشاشة النسيج الاجتماعي السوري بما يكفي، وفُتحت الجروح الداخلية إلى درجة تجعل أي صدام جديد خطرًا على ما تبقى من الروابط.

إن التوحيد بالقوة لا يؤدي إلى وحدة وطنية، بل إلى غلبة وقتية، ثم إلى انفجار مؤجّل. وقد أثبتت التجارب العالمية أن القوة لا تصنع دولة، وأن الدولة التي تُبنى بالعنف تظل محكومة بالعنف.

ويبقى السؤال الملح حاضرًا: إذا كان الخيار البسماركي غير ممكن، فما هو المتاح؟

يبقى ما نجحت به تجارب أخرى في أوروبا والعالم: الحوار، والتفاوض، وصياغة عقد اجتماعي جديد يأخذ الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

في التجربة البريطانية، لم تُبنَ المملكة المتحدة عبر حرب ساحقة، بل عبر اتحاد تدريجي حافظ على خصوصيات الممالك. وفي التجربة الإيطالية، لم يكن السيف وحده أداة الوحدة، بل السياسة والصفقات والبحث عن نقطة توازن بين الشمال والجنوب.

إن سوريا تحتاج إلى مقاربة تشبه هذه النماذج التي تجمع بين الاعتراف بالتنوّع، والبحث عن مساحات مشتركة، وبناء مؤسسات تسمح بالحياة المشتركة بعيدًا عن الهيمنة.

استعادة سوريا لوحدتها ليست حدثًا عسكريًا ولا سياسيًا لحظيًا، بل هي مشروع طويل يعترف بأن البلاد خرجت من الاستبداد إلى واقع جديد لا يسمح بعودة النموذج القديم.

لقد انتهى زمن “منطق بسمارك”، ولم يعد ممكنًا، لا من ناحية القوة، ولا من ناحية المجتمع، ولا من ناحية العالم. وما تبقّى أمام السوريين هو الطريق الأصعب والأطول، لكنه الأكثر واقعية وأقل كلفة: “الحوار” بوصفه أداة تأسيس، لا خيارًا اضطراريًا.

حوار يضمن وحدة البلاد من خلال المصالحة بين مكوناتها، لا عبر إخضاع أحدها للآخر. وحوار يبني وطنًا قابلًا للحياة، لا مجرد دولة قابلة للسيطرة.

تلفزيون سوريا

—————————–

ماذا يقول نشطاء السويداء في ذكرى انتصار الثورة؟/ أحمد العكلة

دمشق- في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري، يعيش السوريون الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية، الذي جاء بعد عملية “ردع العدوان” في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، التي أسقطت نظام بشار الأسد وأعادت الأمل في بناء سوريا جديدة عمادها القانون والمواطنة.

لكن في محافظة السويداء، جنوب سوريا، يأتي هذا الاحتفال محاطا بظرف قاس، تتخلله ذكريات الأحداث الدامية في يوليو/تموز الماضي، حيث اندلعت اشتباكات طائفية أدت لمقتل أكثر من 1600 شخص، بين عشائر بدوية وفصائل مسلحة درزية.

ورغم ذلك، يبرز صوت المشاركين في مظاهرات ساحة الكرامة -التي كانت قلب الحراك الثوري في السويداء منذ 2023- إصرارهم على الفصل بين فرحة الانتصار الوطني وأزمات اليوم المحلية، معتبرين أن الثورة كانت انتصارا للكل، لا لفصيل أو طائفة.

الانتصار للجميع

والحراك في السويداء، الذي بدأ كتمرد سلمي ضد سلطة الأسد في 2023، تحول إلى نقطة فاصلة في مسار الثورة السورية، حيث أسهمت مظاهراته بتعزيز الزخم الوطني الذي أدى إلى سقوط النظام.

وتتردد اليوم، مع مرور عام على “ردع العدوان”، أصوات النشطاء في السويداء لتؤكد أن الفرح بالانتصار ليس متناقضا مع الغضب من “أحداث يوليو”، بل هو دليل على الوعي الوطني.

وفي ظل الدعم الدولي المتزايد من أميركا وأوروبا ودول الخليج وتركيا لاستقرار سوريا، يرى الوطنيون في السويداء أن اللحظة الحالية تتطلب إعادة بناء الثقة من خلال العدالة الانتقالية والمحاسبة، لتجنب الوقوع في فخ الطائفية أو الفدرالية الانفصالية.

ويقول مدير مديرية الأمن الداخلي في مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، متحدثا عن الذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية، إن ذلك يُمثّل نصرا لكل الأحرار والشرفاء، مشيرا إلى دور مجموعته في عمليات التحرير منذ بداية الثورة.

وأكد عبد الباقي في حديث خاص للجزيرة نت، أنهم كانوا يدا بيد مع أهلهم في درعا وإدلب ودمشق وحمص وحماة وجميع المحافظات الثائرة، حيث تولوا الملف الأمني كقادة لتجمع أحرار جبل العرب، الذي انطلقت منه شرارات الانتفاضات داخل محافظة السويداء، سواء على مستوى المظاهرات السلمية أو العمليات الأمنية أو الرد على الهجمات في أي محافظة مثل دمشق أو درعا.

وأضاف أنهم شاركوا مع الثوار في عمليات ضد النظام السوري السابق ومليشياته، مشيرا إلى أن أحداث يوليو/تموز كانت خيانة من حاكم المحافظة السابق، الذي تسلط على القرار ودعم العصابات مباشرة وفلول النظام، مما أدى لإعاقة المشهد ونشوب اقتتال داخلي.

مساع للحل

وأوضح المسؤول عبد الباقي أن هذا الاقتتال أدى لانتهاكات وإجرام بحق المدنيين من بعض المجموعات غير المنضبطة داخل قوات الأمن الداخلي والجيش، وحتى المجموعات التي هاجمت بشكل عشوائي، ما أثار ردود فعل سلبية لدى أهالي السويداء.

ومع ذلك، أكد أنهم يسعون باستمرار لحل هذه العقبات، مشددا على أنهم كانوا في الصفوف الأولى لمظاهرات ساحة الكرامة، التي لا تزال عالقة في الذاكرة كرمز لدولة العدل والقانون والمؤسسات؛ دولة مدنية ديمقراطية عادلة دون تمييز حزبي أو عنصري أو طائفي أو مناطقي، و”دون احتكار السلطة على أساس ديني”.

وقال إن هذا المطالب تتحقق اليوم مع الأحرار والثوار المجاهدين، وعلى رأسهم الرئيس السوري أحمد الشرع والوزراء والمسؤولون الأمنيون في سوريا الجديدة.

وتطرق عبد الباقي للانتهاكات التي حدثت، قائلا إنها تعز عليهم كمدنيين ونساء وأطفال، مستذكرا أن الرئيس نفسه اعترف بالخطأ الذي حصل، كما تحدث وزير الخارجية عن “الفخ” الذي وقع في السويداء، وأنهم يعالجون الأمر.

وأكد أن كل من ارتكب انتهاكات بحق المدنيين، موثقة بالأدلة والصور، يخضع للمحاكمة ويتم تسليمه إلى اللجنة المكلفة بمتابعة التحقيقات في ملف السويداء، مبينا أن هدفهم بسط العدل والقانون، حيث يكون القانون فوق الجميع، مع العمل الحقيقي على الأرض، وأن الأحرار والشرفاء على تواصل دائم معهم.

وأشار عبد الباقي، إلى دوره كقائد لتجمع أحرار جبل العرب، حيث كان المسؤول الأمني عن الجنوب بتنسيق مع هيئة تحرير الشام، وكان ملفهم مع العميد شاهر عمران الذي سلّم الملف، وعلى تنسيق معه بشأن العميد.

محاولات للتعكير

وفي السياق، ومع اقتراب ذكرى الثورة، شهدت منصات التواصل السورية، خلال اليومين الماضيين، انتشار مقطع فيديو يُظهر رجل الدين الدرزي الشيخ رائد حكمت المتني وهو يتعرض لحلق لحيته وشاربه على يد عناصر قيل إنهم يتبعون مليشيا “الحرس الوطني” الموالية لحكمت الهجري، ومن ثم تم رمي جثته أمام المشفى الوطني في المدينة بعد تعرضه للتعذيب.

ويقول أحد النشطاء السياسيين داخل محافظة السويداء -رفض الكشف عن اسمه- “في السويداء شاركت برفع العلم السوري الحالي خلال مظاهرات 2024، وبالنسبة للذكرى الأولى فهي “درة الثورة السورية”، مشيرا إلى كيف كانت السويداء رمزا للوحدة قبل أن تُخترق بالفصائل.

ويضيف للجزيرة نت “صبيحة 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 كانت السويداء درّة الثورة، والسوريون كانوا يرفعون نشطاء السويداء على الأكتاف، حتى بدأ الهجري مهاجمة المحررين واعتبارهم من تنظيم الدولة الإسلامية، وأسقط العلم السوري ورفع علم كيان الاحتلال وحرّض المناطق التي يقطنها الدروز لتوريط أبناء الطائفة الدرزية ضد إخوانهم السوريين”.

ويتابع أن “السنوات من 2011 إلى 2024 زادت الشرخ بين السوريين، لكن الانتصار جاء نتيجة تراكم نضال وطني، لا انهيار سلطة الأمر الواقع. واليوم، مع فشل المشروع الانفصالي، يجب على السلطة الجديدة تقديم ضمانات دستورية لمنع تكرار أحداث يوليو، مثل تسليم المجرمين للعدالة وتجريم الخطاب الطائفي”.

ورغم ألم الأحداث التي شهدها شهر يوليو/تموز الماضي في المحافظة الجنوبية، يرى الوطنيون في السويداء أن الدعم الدولي والإقليمي لسوريا الموحدة يفتح الباب لمرحلة جديدة، شريطة المحاسبة والعدالة.

إسقاط للطائفية

ويقول الناشط قتيبة عز الدين، من السويداء، وساهم في تنظيم فعاليات ساحة الكرامة، إن في الذكرى فرصة لإعادة رأب الصدع.

ويضيف للجزيرة نت “أهل السويداء أثبتوا أنهم حراس مبادئ الثورة، بلا مبالغة ولا متاجرة وذلك بعد تحديهم النظام الأمني السابق في عقر داره، ومن موقع قوة لا ضعف. لم يساوموا على قيمهم، ولم ينزلقوا إلى الهاوية الطائفية التي ابتلعت الثورة”.

ويؤكد أن “الوعي أن الدولة ككيان مكتمل هي محصلة نضال الشعوب، يذيب العائلية والطائفية في عقد اجتماعي ينبثق عنه دستور يحفظ الحقوق”.

ويردف “بعد سقوط وهم الفدرالية في السويداء، والفوضى التي زادت الفساد والخوف، يبحث الناس تلقائيا عن طرق العبور نحو الدولة، خاصة مع تحول السلطة الجديدة إلى مركز جاذب”.

وأكد أن “الثورة ليست مجرد انتصار عسكري، بل وعي جماعي بأن الدولة هي الخلاص الوحيد من الشرخ الذي أحدثته سنوات السلطة والفصائل”.

المصدر: الجزيرة

———————–

إيكونوميست: “كذبة” الأسد لم تتحقق والفترة الانتقالية بسوريا فاقت التوقعات

روّج النظام السوري السابق منذ 1971 وحتى انطلاق الثورة عام 2011 لفكرة أن البلاد أمام خيار مصيري: “إما آل الأسد وإما الفوضى”. لكن بعد سنة من انتصار الثورة، تبيّن أن “كذبة” النظام السابق لم تتحقق، وفق مجلة إيكونوميست.

وقالت المجلة البريطانية إن سوريا أثبتت قدرتها على الصمود “بصورة مذهلة”، على الرغم من تحقق شرط حذر النظام السابق من أنه سيدفع بالبلاد إلى الفوضى، وهو تسلم “جهادي سابق” زمام السلطة.

وأشادت المجلة بأداء الرئيس السوري أحمد الشرع، مؤكدة أنه قدم أداء “مثيرا للإعجاب” في الحفاظ على تماسك البلاد، ونجح عبر جهود دبلوماسية حثيثة في رسم صورة جديدة لسوريا أمام المجتمع الدولي.

وقالت إن أكبر دليل على نجاح الحكومة الحالية يكمن في التمعن في كل السيناريوهات، التي لم تحدث حال سقوط الرئيس “الطاغية المكروه” بشار الأسد وفق تعبير المجلة.

وأكدت أن سوريا لم تنزلق إلى الفوضى بعد سقوط الأسد، ولم تستولِ جماعات مسلحة متحاربة على البلاد، ولم تتفجر حرب أهلية بعد نجاح الثورة مثل ما حصل مع دول عربية أخرى، ولم تنفذ موجات تصفيات أو انتقامات سياسية.

ولفتت أيضا إلى أن قيادة الشرع اتسمت بالبراغماتية، إذ لم يحاول فرض الشريعة الإسلامية على جميع أطياف المجتمع السوري، مما بدّد المخاوف من قيام نظام ديني متشدد بعد رحيل الأسد.

كما أن سوريا الجديدة لم تغرق جيرانها بمخدر الكبتاغون، بل بنت علاقاتها مع دول الخليج بهدف تعزيز الاستثمارات لتحسين اقتصاد البلاد المتهالك.

سوريا حليفة للغرب

وبعد أن كانت سوريا “عميلا سلطويا” لإيران وروسيا، انحازت الآن إلى صف الغرب والولايات المتحدة، وهي نقطة تُحسَب لصالح الحكومة الجديدة، برأي إيكونوميست.

ويذكر أن السفارة الأميركية بدمشق، أعلنت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، انضمام سوريا رسميا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014.

ونفذت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بعد ذلك عملية عسكرية مشتركة مع وزارة الداخلية السورية، استهدفت أكثر من 15 مخزنا ومستودع أسلحة تابعا لتنظيم الدولة في جنوب سوريا وريف دمشق.

ضرورة مشاركة السلطة

ولكن حذرت إيكونوميست من أن أسلوب الرئيس الجديد يثير تساؤلات مبكرة، إذ لم يلقِ بالا لإعادة بناء مؤسسات الدولة الرسمية التي دمّرها الاستبداد، وإعادتها لدورها الطبيعي، وفضّل بدلا من ذلك إنشاء هياكل موازية يديرها أناس مقربون له.

وأشارت إلى أن قرار الشرع بإنشاء سلطة جمارك جديدة يقودها “رفيق جهادي سابق له (الوزير قتيبة أحمد بدوي)” يثير مخاوف من إنشاء شبكات نفوذ بديلة للدولة، خاصة أن الجمارك أكبر مصدر للإيرادات الضريبية في سوريا.

ودعت المجلة الشرع إلى تعزيز دور الوزارات وبذل المزيد من الجهود لتقاسم السلطة -التي ما زالت تتركز اليوم في يد مجموعة محدودة من أقاربه والمقربين منه- وتوسيع التواصل مع منظمات المجتمع المدني.

وخلصت إلى أن أكبر تحدٍّ يواجه الشرع الآن هو إقامة حكم يختلف عن النظام الفردي الذي أطاح بالبلاد، وأبرز اختبار لذلك سيكون شكل البرلمان السوري الجديد، المتوقع في يناير/كانون الثاني.

المصدر: إيكونوميست

—————————

الشرع بعد عام في السلطة: نجاح في الخارج.. ومطبّات في الداخل

بعد عام من وصوله الى السلطة، نجح الرئيس السوري أحمد الشرع في تلميع صورته على الساحة الدولية والتحرّر من عقوبات أرهقت بلاده. لكنه لم ينجح بعد، وفق محللين، في إرساء مؤسسات تضبط الأمن وتحظى بثقة جميع السوريين.

وزعزعت الأحداث الدامية على خلفية طائفية في معقلي الأقليتين العلوية ثم الدرزية، والهجمات الإسرائيلية المستمرة، مسار المرحلة الانتقالية، فيما كانت انتظارات السوريين كبيرة لأن يقود الشرع بلدهم إلى برّ الأمان والاستقرار بعد نحو 14 عاما من نزاع مدمّر.

ويقول كبير باحثي سوريا في “مجموعة الأزمات الدولية” نانار هواش: “بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، فتحت سوريا فصلا جديدا ظنّ كثيرون أنه مستحيل، إذ بنيت علاقات دبلوماسية، وبدأت الاستثمارات تعود، وبدأت البلاد بالتخلّص من سنوات من العزلة”.

ويضيف: “لكن إعادة التأهيل دوليا لا تعني الكثير، إذا لم يشعر جميع السوريين بالأمان في شوارعهم”.

في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وصلت الفصائل الإسلامية بقيادة الشرع الى دمشق، بعد هجوم مباغت انطلق من معقلها في شمال غرب البلاد، ومكّنها خلال أقل من أسبوعين من الإطاحة ببشار الأسد الذي حكمت عائلته البلاد بقبضة من حديد لأكثر من خمسة عقود.

خلال العام الماضي، جاب الشرع مرتديا بزات رسمية وربطات عنق ملوّنة، عواصم كبرى، بعدما تخلى عن اسمه العسكري وماضيه الجهادي. حظي بإعجاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شرّع له أبواب البيت الأبيض ووصفه بـ”صديق” و”رجل قوي”.

تحدّث الشرع في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك. وتنقّل بين فرنسا والسعودية وقطر وتركيا. ووصل إلى موسكو التي فرّ اليها الأسد وسبق أن قصفت طائراتها مرارا معقل الشرع في إدلب.

وأزالت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات اقتصادية عن بلاده، بموازاة شطب اسمه عن قوائم الإرهاب الأمريكية وفي مجلس الأمن.

ووقّعت دمشق التي زارها موفدون من أنحاء العالم، مذكرات واتفاقات استثمار بمليارات الدولارات في مجالات عدة بينها البنى التحتية والطاقة.

“تمثيل متنوع”

لكن في الداخل، لا يزال يتعيّن على الشرع القيام بالكثير.

ويقول هواش: “فاز الشرع في الخارج، لكن الحكم الحقيقي يتأتى من الداخل” حيث “يحتاج السوريون إلى رؤية قوات منضبطة، وتمثيل متنوع، ومساءلة حقيقية عند وقوع انتهاكات”.

كلّ ذلك، برأيه، عبر “مؤسسات قوية.. تتمتع باستقلالية حقيقية”، أي “قضاء قادر على كبح جماح السلطة، وبرلمان لا يكتفي بالتصديق على القرارات، ومجتمع مدني قادر على العمل بحرية”.

ويقول هواش إنه يمكن للشرع أن “يحوّل الانتصار العسكري الى إرث دولة مستدام، إذا عززت المرحلة الانتقالية التعددية بدلا من تركيز السلطة”.

واتخذ الشرع خطوات عدة لترسيخ حكمه في المرحلة الانتقالية. فأصدر إعلانا دستوريا منحه صلاحيات مطلقة. وشكّل حكومة حظي مقربون منه بحقائبها الرئيسية. ولم تلحظ آلية اختيار مجلس الشعب الذي يتعيّن عليه بعد تسمية ثلث أعضائه، أي انتخابات مباشرة.

وحصر الشرع السلطات بيده واستُبعد تمثيل مكونات رئيسية، بينها الأكراد. ووقّع الطرفان اتفاقا لدمج مؤسسات الإدارة الكردية ضمن الدولة، لكن مهلة تنفيذه توشك على الانتهاء، من دون إحراز تقدّم على صعيد تطبيقه.

وعمّقت أعمال العنف التي أودت بحياة أكثر من 1700 علوي في الساحل في آذار/مارس، وأكثر من ألفي قتيل بينهم 789 مدنيا درزيا في محافظة السويداء في تموز/يوليو، الانقسامات والمخاوف.

ونشر مقاتلون في الجيش الجديد مقاطع فيديو وثقوا فيها قتلهم أشخاصا عزّل في المنطقتين وتنفيذهم إعدامات ميدانية. وحاولت السلطات احتواء الموقف عبر إجراءات بينها تشكيل لجان تحقيق محلية وتوقيف متورطين وبدء محاكمات.

“وضع حرج”

ويقول الباحث في معهد نيو لاينز نيك هيراس: “فشل الشرع مرتين كقائد للمصالحة الوطنية”، ما يطرح “أسئلة مشروعة حول مدى رغبته الشخصية في كبح جماح” فصائل كانت لها “اليد الطولى بإيصاله” إلى دمشق.

ويرى أن الرئيس السوري الذي لا يبدو مستعجلا لإجراء انتخابات في “وضع حرج، لأنه لا يملك جهازا أمنيا موحدا قادرا على إنفاذ قواعد وضعتها حكومته”.

وتتألف قوات الأمن والجيش الجديدة من مقاتلي فصائل إسلامية وجهادية، بينها مجموعات من المقاتلين الأجانب، وغالبا ما يرتبط اسمها بانتهاكات.

ويشكّل ضبط قادة تلك الفصائل “تحديا”، وفق ما يقول الباحث في العلوم السياسية في جامعة تورونتو جمال منصور. فهم “أمراء حرب باتوا في مناصب رسمية أو شبه رسمية”.

ويفسّر هذا برأيه “حالات التفلّت الأمني” التي تشهدها مناطق عدة من عمليات قتل وخطف أودت بالعشرات منذ مطلع العام.

ويرى منصور أن كل هذا يساهم في تكريس “أزمة ثقة” بين الشرع والأقليات، معربا عن اعتقاده في الوقت ذاته بأن “غالبية من السوريين تؤمن أن الشرع هو الخيار الوحيد”، لأن البديل عنه هو “الفراغ المرعب”.

كما يواجه الشرع تحديا رئيسيا في الحفاظ على وحدة سوريا، مع ارتفاع أصوات في الجنوب وأخرى في الساحل الذي شهد تظاهرات غير مسبوقة احتجاجا على الوضع الأمني والمعيشي، تطالب بالانفصال أو بحماية دولية، وإصرار الأكراد على حكم لا مركزي.

وتشكّل إسرائيل التي ترغب بدورها بتكريس منطقة خالية من السلاح تصل تخوم دمشق، وتتوغل قواتها بشكل يومي في عمق سوريا، تحدّيا آخر لسلطة الشرع.

وخاض الطرفان السوري والإسرائيلي جولات تفاوض مباشر على مستوى وزاري، لكن ذلك لم يوقف هجمات إسرائيل التي حذرها ترامب الاثنين من زعزعة استقرار سوريا.

ويرى منصور أن إسرائيل تضع الشرع في “وضع حرج”، مع مواصلة ضغطها و”التمادي في هجماتها وفي عرض عضلاتها وقوتها”.

(أ ف ب)

————————–

===================

تحدبث 04 كانون الأول 2025

——————————-

 عام على سقوط نظام الأسد.. كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟/ ميشال شماس

2025.12.04

لم يترك نظام الأسد بسقوطه شيئاً سوى الخراب الشامل على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية. لم يورّث دولة يمكن إصلاحها، بل دولة مدمّرة، لذلك فإن التحدي اليوم لا يتمثل في ملء فراغ، بل في إعادة بناء ما لم يُبنَ أصلاً: سياسة تعيد للناس دورهم، ومجتمع مدني مستقل يشكّل قاعدة لأي دولة عادلة. هذا الخراب ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة غياب السياسة عن المجتمع السوري لعقود طويلة، حيث جرى تعطيلها منذ الوحدة مع عبد الناصر وما تبعها من استيلاء حزب البعث على السلطة، وبعد ذلك استئثار الأسدين بمقدرات البلد بالقمع وكمّ الأفواه، حتى صار العمل السياسي مرادفًا للخطر لا للأمل.

واليوم، بعد مضي عام على سقوط نظام الأسد، يبرز سؤال جوهري: كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟ وكيف ننهض بالمجتمع المدني ليكون فاعلاً لا مجرد متفرج؟

في سوريا اليوم لم تُستعد السياسة بعد سقوط الأسد؛ فالسلطة الجديدة ما زالت عاجزة، أو ربما لا تريد، أن تعيد السياسة إلى المجتمع، لأنها تدرك أن السياسة تعني مشاركة الناس ومساءلة السلطة. وأما الأحزاب والقوى السياسية، فلا حول لها ولا قوة، بعيدة عن الواقع اليومي للناس، ولا تملك امتداداً داخلياً أو أدوات فعل حقيقية. والمجتمع، المنهك أصلاً، ما زال يرى في السياسة عبئاً إضافيًا لا أفقاً للخلاص. لتبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء السياسة من أساسها، وربطها بحياة الناس اليومية، وجعل المجتمع المدني قاعدة لأي مشروع وطني جديد.

وفي ظل هذا الفراغ السياسي، برزت نقاشات حادة حول كيفية التعامل مع السلطة الجديدة. وقد اتخذت هذه النقاشات ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1- المقاطعة المطلقة:

يرى بعض الناشطين أن أي تعامل مع السلطة الجديدة هو خيانة لدماء الضحايا، خصوصًا بعد المجازر في السويداء والساحل. خطابهم يقوم على رفض التعاون أو المشاركة في أي مؤسسات رسمية، معتبرين أن السلطة لا يمكن أن تتغير من الداخل. هذا الموقف المتشدد يطرح إشكالية سياسية، فالعزلة قد تترك الساحة فارغة أمام الفصائل المسلحة أو القوى المتطرفة.

2- الاشتباك السياسي المسؤول:

في المقابل، هناك من يرى أن المقاطعة المطلقة غير كافية، وأن المطلوب هو اشتباك سياسي نقدي مع السلطة الجديدة. هذا الطرح يقوم على فكرة أن المشاركة المشروطة، القائمة على النقد والمساءلة، قد تفتح مساحات للعمل المدني والسياسي، وتمنع السلطة من الانفراد بالمجتمع. أصحاب هذا الرأي يعتبرون أن الانخراط الجزئي أفضل من ترك الساحة فارغة.

3- الناس العاديون المنهكون:

غالبية السوريين اليوم غير منخرطين في هذه النقاشات أصلاً. أولوياتهم هي تأمين لقمة العيش والخدمات. هذا الموقف ليس لامبالاة، بل نتيجة الإرهاق وانعدام الثقة بعد سنوات من الحرب والقمع، حيث يرون أن السياسة لا تقدّم حلولاً بل تزيد المعاناة. بالنسبة لهم، الأولوية هي الأمن والغذاء والكهرباء والماء والتعليم والطبابة، لا المؤتمرات أو البيانات الحزبية. وهذا المزاج الشعبي يفرض على أي مشروع سياسي أن يبدأ من تحسين حياة الناس اليومية، وإلا سيبقى مشروعاً نخبوياً معزولاً مهما كانت شعاراته براقة.

أمام هذا الواقع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟ وكيف ننهض بالمجتمع المدني؟

إن إعادة السياسة للمجتمع لا تعني فقط فتح المجال الحزبي أو إصدار قوانين، بل تعني استعادة الناس لدورهم كمواطنين فاعلين، لا مجرد متلقين أو ضحايا. وهذا يتطلب كسر الخوف التاريخي من العمل السياسي، وخلق مساحات آمنة للنقاش والتنظيم، وتجديد الخطاب السياسي ليكون واقعياً وغير نخبوي، ويضع أولويات الناس في المقدمة. كما يتطلب ربط السياسة بالعدالة الانتقالية، لأن الاعتراف بالضحايا وجبر الضرر هو المدخل الحقيقي لأي مصالحة وطنية، وأساس لأي شرعية سياسية جديدة.

وتعني أيضًا تفعيل دور المجتمع المدني الذي يُعتبر الحاضنة الطبيعية للسياسة، وما يربط الناس ببعضهم خارج منطق السلطة والسلاح. وللنهوض به، لا بد من استقلاليته عن السلطة وجماعات قوى الأمر الواقع، وبناء شبكات حماية مجتمعية، وتدريب الناس على المشاركة، وإعادة تعريف العمل المدني كفعل سياسي يومي، لا مجرد نشاط خيري. كما أن الربط بين المحلي والوطني ضروري، بحيث تكون المبادرات الصغيرة جزءًا من تصور أوسع لبناء دولة عادلة، لا مجرد رد فعل على الأزمات.

وهنا تبرز أهمية التربية السياسية، عبر المدارس والجامعات والمنتديات، لتنشئة جيل جديد يرى في السياسة خدمة عامة لا تهديدًا، ويكتسب أدوات الحوار والمساءلة.

ولا يجب أن نغفل دور السوريين في الشتات، فهو لا يقل أهمية؛ فهم قادرون على نقل خبرات وتجارب ديمقراطية من المجتمعات التي يعيشون فيها، وربط الداخل بالخارج في شبكة واحدة من التضامن والمعرفة. بهذا الشكل يصبح المجتمع المدني ليس مجرد وسيط محلي، بل فضاءً ممتدًا يتغذى من الداخل والخارج معًا، ويعيد تعريف السياسة كخبرة جماعية عابرة للحدود، قادرة على بناء الثقة وتوسيع المشاركة من القاعدة، من المبادرات المحلية، والمجالس الأهلية، والنقابات المستقلة، والمنظمات المدنية. هذه الأجسام، ورغم محدودية إمكانياتها، فإنها قادرة على خلق وعي جديد، وتدريب الناس على المشاركة، وبناء شبكات تضامن.

المطلوب اليوم هو بناء قوى سياسية جديدة تنشأ من رحم المجتمع، تخضع للمساءلة الشعبية، وتعمل على تنظيم مصالح الناس والدفاع عن حقوقهم.

لا يكفي أن نرفض السلطة أو نلعن المعارضة، بل علينا أن نبتكر أدواتنا، وننظّم أنفسنا، ونحوّل السياسة من خطر إلى أفق، ومن شعار إلى ممارسة يومية. فالمجتمع الذي يستعيد السياسة يستعيد ذاته، ويبدأ فعليًا بكتابة مستقبل مختلف. بإرادتنا الحرة ووعينا الجمعي نصنع مستقبلنا، ونحوّل الخراب إلى فرصة لبناء وطن يتسع للجميع.

تلفزيون سوريا

——————————-

 حصاد السنة الأولى لانتصار الثورة السورية.. ما أبرز الإنجازات والتحديات؟/ عبد المجيد عرفة

2025.12.04

بعد مرور عام على انتصار الثورة السورية، تقف البلاد أمام مفترق حاسم يجمع بين إنجازات ملموسة وتحديات كبرى. وفي هذا المقال نستعرض حصاد السنة الأولى للحكومة السورية الجديدة على المستويين الداخلي والخارجي، وما يواجهه السوريون في طريق بناء دولتهم المنشودة.

أولًا: الإنجازات على المستوى الداخلي في سوريا

بدأت الحكومة السورية الجديدة عمليًا بخلق بنية شعبية موازية للسلطة، تكون من خلالها مطلّة على الواقع المجتمعي في كل بلدة ومدينة سورية. فقد شجّعت ورعت ولادة مجالس محلّية وأهلية منتخبة من البنى المجتمعية للبلدات والمدن السورية، وكانت تدخلية الحكومة الجديدة قليلة نسبيًا. وتركت للبنى المجتمعية بتنوعها — من القبائل والمدينة والريف، مضافًا إليها التنوع الديني والإثني والطائفي — أن تنتخب من ينوب عنها ويكون ممثلًا عن المجتمع بنسبة كبيرة، ولسان حاله وصوته الذي يظهر بشكل جماعي ومنظم في تعاطيه مع الحكومة الجديدة وكذلك في تعامله مع الناس الذين وضعوا ثقتهم به ليكون صوتهم في حل مشكلاتهم المجتمعية على كل المستويات.

كما بدأت الحكومة السورية الجديدة برعاية انتخاب ممثلين لمجلس الشعب المنتظر، ولو أن آليته كانت معقدة، وأن ثلثه متروك لرئيس الجمهورية أحمد الشرع، وقد لا يعجب ذلك البعض. ومع ذلك لم يكتمل مجلس الشعب إلى الآن رغم مضي سنة على انتصار ثورتنا السورية.

وكشاهد عيان ومراقب مهتم سياسيًا وإنسانيًا، أرى أن هذه التجربة قد نجحت، وكان لها مردود إيجابي بصناعة صوت مجتمعي يعبر عن الناس ويتابع مصالحهم مع الدولة، بحيث تمت معالجة كثير من الاحتياجات الضرورية للناس، مثل الكهرباء والماء وصيانة البنية التحتية المنهارة كالشوارع والنظافة وغيرها.

بعد سنة، هناك تحسن كبير في هذه الخدمات، ولو أن الواقع الاقتصادي للناس ما يزال ضعيفًا. لذلك احتجّت على ارتفاع أسعار الكهرباء، وكانت سعيدة بانخفاض أسعار مشتقات النفط، واستمرت تطالب بتحسين جميع الخدمات.

ومن جهتها رفعت الحكومة الجديدة المعاشات لموظفيها، وفتحت باب التطوع في جيشها، ووسّعت كادرها الوظيفي على كل المستويات. وهذا يؤمّن البنية التحتية للسيولة المالية التي تعود على السوريين جميعًا بتحسن أحوالهم الاقتصادية والمعيشية. والآمال ما تزال كبيرة، فما زلنا في بداية السنة الثانية لحكومتنا الجديدة. إذ يتشجّع السوريون المغتربون والمستثمرون على الاستثمار في سورية، مما يساعد في تحريك الاقتصاد وتحسين حياة جميع السوريين.

ثانيًا: الإنجازات على المستوى الخارجي

كان من المهم أن يعلن رئيس الدولة أحمد الشرع عن “تصفير المشاكل” مع دول الجوار، وكان ذلك عبر تصحيح العلاقات مع لبنان والتعامل وفق المصالح المتبادلة.

وكذلك كان الحال مع العراق، والتركيز على المصالح المشتركة من نفط وغيرها.

أما الأردن، فقد حصل توافق على كل المستويات، وخاصة في مكافحة المخدرات صناعةً وتهريبًا وغير ذلك.

وأما تركيا، فنعلم أن قادة الدولة الحاليين كانوا على تنسيق كامل مع الحكومة التركية وما زالوا، ونرى أن العلاقات بين سورية وتركيا استراتيجية، وكذلك العلاقة مع قطر والمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي.

وكان الأهم بالنسبة للحكومة السورية الجديدة بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تُعدّ قائدة العالم. وقد كان لتركيا والسعودية وقطر دور إيجابي في ذلك، حيث أصبحت العلاقة خلال هذا العام إيجابية جدًا، وتوِّجت بالتحاق سورية بالتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وكذلك الحال في بناء علاقات إيجابية واعدة مع الدول الأوروبية ولقاء أغلب قادتها مع الرئيس أحمد الشرع.

وكان من المهم التعامل المدروس مع روسيا وفق نظرية المصالح المتبادلة، مع غض الطرف عن الماضي الوحشي لروسيا في سورية خلال سنوات الثورة. فللدولة السورية مصالح في هذه العلاقة عسكريًا واقتصاديًا، وكذلك لروسيا، خاصة استمرار قواعدها على البحر الأبيض المتوسط.

كما فُعِّلت العلاقة مع الصين، وتم خلق فرص واعدة لهذه العلاقة.

التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة

أولًا: إسرائيل – أهم وأخطر تحدٍّ يواجه الحكومة

راهنت إسرائيل على تقسيم سورية وإضعافها بعد سقوط النظام البائد. وقد بدأت بحملة عسكرية عبر قواتها الجوية، حيث طال القصف معظم القدرات العسكرية للدولة السورية تقريبًا. وتصرفت من موقع القوة والإملاء في مواجهة الحكومة السورية الجديدة التي رفضت التورط في حرب غير متكافئة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه رفضت التنازل عن أي من حقوقنا المشروعة في الجولان.

وأعلنت الحكومة التزامها باتفاق فضّ الاشتباك المبرم عام 1974 مع إسرائيل، لذلك رفضت بحث موضوع السلام ومصير الجولان كما تريد أمريكا وإسرائيل، فهو موضوع سابق لأوانه.

كما باشرت إسرائيل باحتلال فعلي لأراضٍ سورية في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة وريف دمشق المحاذية لها، وقامت بأعمال تحصين وبناء دشم في المرتفعات والمواقع العسكرية، وبناء حواجز عسكرية، وضيّقت على الناس، وتصرفت وكأنها الحاكمة على طول الشريط الحدودي.

اعتقدت إسرائيل أن هذا التصرف سيجبر الحكومة السورية الجديدة على تقديم تنازلات عبر التخلي عن الجولان، وفرض نزع السلاح من دمشق إلى حدود الجولان حيث الاحتلال الإسرائيلي، كما حصل في المفاوضات السابقة مع إسرائيل التي فشلت.

رفضت الحكومة السورية ذلك، وعوّلت على الولايات المتحدة ودعم أصدقائها في كبح جماح إسرائيل.

وكان ردّ أهالي بيت جن المسلح على توغلات إسرائيل وسقوط جنودها جرحى رسالة واضحة لها بأن تخريبها وتوغّلها على الحدود لن يمرّا دون محاسبة، وأنها ليست مطلقة اليد، وستجد الشعب السوري في مواجهتها. ولذلك يجب عليها أن تعدل عن سياساتها العدوانية.

ثانيًا: قانون قيصر وإلغاؤه

إن أهم تحدٍّ أمام الشعب السوري والحكومة الجديدة هو قانون قيصر الذي وضعته أمريكا ضد النظام الساقط، لكنه تحوّل إلى عقبة أمام حركة الحكومة السورية الجديدة في إعادة ربط سورية بالاقتصاد العالمي وجلب المال والاستثمار وبناء البلاد.

وقد قطعت الحكومة السورية الجديدة، بمساعدة الولايات المتحدة، معظم الطريق نحو إلغاء قانون قيصر وتبعاته عن سورية وشعبها وحكومتها.

ثالثًا: فلول النظام البائد

حاول بعض فلول النظام — من ضباط وعناصر ومخابرات النظام الساقط المتضررين من الثورة — التحرك بالسلاح ضد الحكومة الجديدة. فواجهتهم قوات الجيش الوطني السوري، ووقع صراع عسكري سقط فيه ضحايا من الطرفين، وانتهت الفتنة. وتم التهويل بها من قوى داخلية وخارجية، فأرسلت الحكومة السورية لجنة تقصّي حقائق، وكذلك الأمم المتحدة، وجاءت نتائج اللجنتين متقاربة. وحُولت النتائج إلى الجهات القضائية لمحاكمة المتورطين في الأحداث سواء من قوات الحكومة السورية أو من الفلول، وأُغلق الملف بشكل عام.

رابعًا: ملف الجزيرة السورية

وُلدت قوات سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي لمحاربة داعش في السنوات السابقة. وهي في بنيتها الكردية تُعدّ فرعًا لحزب العمال الكردستاني، الذي كان عدوًا استراتيجيًا لتركيا خلال السنوات الماضية. أما الآن، فقد قرر الحزب حل نفسه، والدخول في مصالحة تاريخية مع الدولة التركية.

وكذلك الحال بالنسبة لقوات سورية الديمقراطية؛ فلم تعد تراها الولايات المتحدة الطرف القابل للتعويل عليه في محاربة داعش. كما حصل توافق بين مظلوم عبدي قائد قسد، والرئيس أحمد الشرع، على أن يُنفَّذ — حتى نهاية هذا العام — دمج قسد ومناطق سيطرتها بالدولة السورية.

هناك مماطلة من قسد، لكنني أعتقد أن قسد، دون دعم أمريكي، عاجزة عن خوض صراع مع الحكومة السورية وتركيا، ولذلك ستكون المناطق التي تسيطر عليها قسد تحت سلطة الحكومة السورية الموحدة ولو بعد حين.

خامسًا: ملف السويداء

الهجري لا يمثل الدروز السوريين، بل يمثل نفسه فقط.

فالشيخ الهجري، بما يمثله من حراك مدعوم من إسرائيل بالمال والسلاح، وما ينعكس على أرض السويداء ومحيطها، وما صاحبه من تجاذبات وصراعات كانت ميليشياته طرفًا فيها، وكانت قوات الحكومة السورية والعشائر العربية طرفًا آخر، وما رافق ذلك من أخطاء من جميع الأطراف.

للهجري خطط انفصالية تطال السويداء، وقد أعلن اسمًا جديدًا لها: “الباشان”، واعتمد على إسرائيل، وكون ميليشيات عسكرية أسماها “الحرس الوطني”، وقام بتصفية العديد من الدروز المختلفين معه جسديًا، كما حصل مع الشيخ رائد المتني الذي اعتقلته قوات “الحرس الوطني” وقتلته بعد يومين من الاعتقال.

وتعوّل الحكومة السورية الجديدة في صبرها على الشيخ الهجري وأفعاله على التوافق مع أمريكا، التي تريد أن تكون سورية موحدة ومستقرة ومزدهرة، وأن يكون لها دور في السلام لها ولجوارها، كما صرح بذلك الكثير من المسؤولين الأمريكيين أكثر من مرة.

هذه هي أهم الإنجازات والتحديات التي واجهها الشعب السوري وحكومته الجديدة. ونحن نعتقد أننا لا نزال في بداية مشوارنا الطويل لبناء حكومتنا السورية الواعدة التي تحقق لكل الشعب السوري الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.

تلفزيون سوريا

——————————-

من اليأس إلى الفعل: كيف هزم السوريون «الأبد»؟/ وائل مرزا

من بين كل الأسئلة التي طُرحت بعد الثامن من كانون الأول، يوم سقط «الأبد» في دمشق ودخل السوريون عهداً جديداً، يبقى سؤالٌ واحدٌ أشبه بمفتاح لفهم المشهد كلّه: كيف تحوّل شعبٌ مثخنٌ باليأس، مسحوقٌ بالخوف، محاصرٌ بالبؤس، إلى قوةٍ تاريخية قادرة على تغيير مصير بلدٍ كامل؟ كيف أصبح السوريون، الذين كان يُراد لهم أن يعيشوا بلا ذاكرة وبلا مستقبل، هم الذين كتبوا الصفحة الأهم في تاريخهم الحديث؟

لعلّ أعجبَ ما في الإجابة أنها لا تبدأ في ساحات التحرير، ولا في معارك ردع العدوان التي أنهت النظام، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير.. في لحظات اليأس ذاتها.

فعلى مدى عقود، لم يكن اليأس شعوراً عابراً في سوريا بقدر كونه مناخاً عاماً أشبهَ ما يكون بظلٍ ثقيل يهبط على الأزقة والبيوت والنفوس. كان السوريون يتنفسون اليأس كما يتنفسون الهواء؛ يرونه في وجوه بعضهم، في صمتهم، في نظراتهم التي تهرب من المستقبل. ومع ذلك، وبدل أن يكون ذلك اليأس موتاً، كان أشبه بنقطة الغليان التي تتحوّل فيها المادة من السكون إلى الحركة. فاليأس، حين يبلغ نهاياته، يعيد خلق الشعوب من جديد، بدل أن يقتلها، لأن الإنسان، حين يفقد كل شيء، يكتشف أنه لم يعد لديه ما يخسره، ويكتشف أن الخوف يفقد سلطته بمجرد أن يعاد النظر في جوهره.

من هنا، لم يكن التحول العظيم الذي شهدته سوريا صنيعة لحظةٍ واحدة، ولا نتيجة تخطيط دقيق، بقدر كونه نتيجةً لتراكمات مديدة عمّقت الوعي الداخلي في الناس بأن «الاستمرار في اليأس بات أقسى وأخطر من القيام بالفعل». ولم يتحول السوريون إلى قوة تاريخية لأن الظروف الدولية خدمتهم أو لأن القوى الإقليمية مهدت الطريق لهم، وإنما لأن ملايين البشر عاشوا الإحساس نفسه، حتى أصبح اليأس نفسه هو الوقود الذي أطلق الفعل. هكذا، وُلدت الحركة من قلب السكون، والصرخة من قلب الصمت، والإرادة من قلب الإذعان الطويل. وفوق كونه خروجاً على نظام سياسي، كان ما فعله السوريون في لحظة التحرير خروجاً على حالة نفسية قُدّمت لهم لعقود بوصفها قدراً لا يُرد.

إن من الظلم اختزال المسار كله في لحظة الانتصار أو في حدث عسكري واحد؛ فالحقيقة أن الثورة السورية، بمعناها الأعمق، صُنعت ببطء شديد على يد الصابرين والثابتين الذين واصلوا العمل رغم السخرية والتشكيك والاستهزاء. أولئك الذين لم يلتفتوا إلى من وصفوهم بالتهور والجهل، ولا إلى من اتهموهم بالمغامرة أو العبث. وبنفس الطريقة، استمرّ من حفروا الأنفاق تحت الحصار بينما العالم مشغولٌ بأخبار الطقس. واستمرّ من علّموا الأطفال في الخيام وكأن التعليم مقاومة. واستمرّ من واسوا الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن وكأن المواساة فعل سياسي. واستمرّ من وثّقوا الجرائم فيما العالم يشيح بوجهه. واستمرّ من رفضوا بيع كرامتهم بوجبة طعام أو بطاقة أمنية. هؤلاء هم الذين صنعوا التحوّل، وليس من اعتلوا المنابر بعد النصر. فالتاريخ، في لحظاته الحاسمة، لا يكتبه الساخرون ولا المتفرجون؛ وإنما يكتبه أولئك الذين واجهوا السخرية بثبات، والهزيمة بالأمل، والظلام بعودة مستمرة إلى فكرة الحرية.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن سقوط نظامٍ حكم بالحديد والنار لأكثر من خمسين عاماً يحتاج إلى قوة عسكرية هائلة، لكن الحقيقة أن الأنظمة تسقط بسقوط صورة الخوف داخل قلوب الناس، وليس بالقوة وحدها. وهذا تحديداً ما حدث حين اكتشف السوريون، في لحظة نادرة من الوعي الجمعي، أن السلطة ليست إلهاً، وأن القوة ليست حكراً على من يملك الدبابة، وأن الحياة نفسها تُقاس بالكرامة أكثر منها بعدد السنوات. اكتشفوا أن الإنسان الذي لا يخاف لا يُهزم. ومن هنا تحوّل شعبٌ كان بلا أمل سابقاً إلى قوة تاريخية تُسقط نظاماً راسخاً، لأن الوعي تغيّر، ولأن الداخل تغيّر، ولأن تعريف الذات تغيّر مع أول لحظة صدق مع النفس.

ومع سقوط «الأبد» تغير السؤال من: كيف أسقط السوريون النظام؟ إلى: ماذا سنفعل بهذه الروح الجديدة؟ كيف سنحول التحول الداخلي الذي تراكم طوال سنوات إلى مشروع لبناء الدولة؟ فالتحرير ليس نهايةً بقدر كونه بداية. وكل ما أنجزه السوريون في المعركة هو أنه فتح لهم باب الإمكان، وفتح أمامهم فرصة بناء وطنٍ لم يُبنَ بعد. فالحرية التي انتُزعت بدماء الناس يجب أن تتحول إلى قانون، والكرامة التي عاشها الناس في ساحات التحرير يجب أن تتحول إلى عدالة، والوعي الشعبي الذي ولد من التجربة يجب أن يتحول إلى بوصلة للمشاريع الكبرى.

هذا التحول يفرض، أولاً، رفع القيم التي صنعت النصر إلى مستوى المؤسسات؛ فالدولة الجديدة لا يمكن أن تُبنى على الانفعالات أو على ردود الفعل، وإنما على مبادئ صلبة تجعل السلطة خادمة للناس لا مالكة لهم. ويقتضي، ثانياً، رفض العودة إلى صناعة الأصنام والتماثيل التي أنتجت المأساة السابقة؛ فالشعوب تتحرر عندما تتحرر الفكرة، وعندما تستقرّ المؤسسية مكان الفرد، والقانون مكان الهوى، وليس عندما يتحرر الأشخاص. ويقتضي، ثالثاً، أن يتحول الإدراك الذي صنعه السوريون تحت القصف وفي السجون وفي المنافي إلى منهج جديد في التفكير السياسي، يعترف بأن الشعب هو خزان الشرعية الوحيد، وأن الدولة لا يمكن أن تستقيم إلا إذا كانت مؤسساتها امتداداً لإرادته.

لكن التحدي الأخطر بعد التحرير قد يكمن في منع عودة اليأس بصيغة جديدة، أكثر منه في البناء التقني ولا الإصلاح الإداري. فاليأس قبل سقوط النظام كان يأساً من الخارج، من سلطة مغلقة وقاسية. أما اليأس بعد التحرير فقد يكون من النفس، من التعثر، من بطء التغيير، من ضغط الحياة اليومية. وهذا النوع من اليأس أخطر لأنه يضرب القدرة على الاستمرار، ويحوّل الانتصار إلى ذكرى بدلاً من أن يكون مشروعاً للمستقبل. ولهذا فإن أكبر واجبات المرحلة المقبلة هو حماية النفس الوطنية من الانكسار الداخلي، وتذكير المجتمع دائماً، بالفعل قبل القول، بأن الشعب الذي أسقط الأبد قادر على بناء ما بعده، وأن امتلاك الإرادة هو أول عناصر النهضة، وأن النصر لا يصبح تاريخياً إلا إذا تحول إلى نهضة تعيد تشكيل الوجدان العام.

إن التجربة السورية اليوم هي روايةٌ عن إعادة خلق شعب أكثر من كونها روايةً عن سقوط نظام وحسب. إنها عن ملايين البشر الذين اكتشفوا أنهم أكثر قوّة مما ظنّوا، وأنهم حين توحّدوا حول فكرة الحرية أصبحوا كتلة وجدانية واحدة لا يستطيع أي نظام أن يقف في وجهها. ولهذا، فإن اللحظة الراهنة هي لحظة تحضير لمستقبل يليق بثمن التحرير أكثر من كونها لحظة تأمل في الماضي. مستقبل تُكتب فيه القوانين على ضوء التجربة، وتُبنى فيه المؤسسات على أساس الكرامة، ويُعاد فيه تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن كعقد شرف لا يمكن نقضه.

لقد هزم السوريون «الأبد» حين تحررت نفوسهم قبل أن تتحرر مدنهم، وحين اكتشفوا قوتهم الداخلية قبل أن يكتشف العالم قوتهم العسكرية. واليوم، لم يعد أمامهم إلا مهمة واحدة تتمثل في أن يجعلوا من هذا النصر مشروعاً دائماً، وأن يحولوا اليأس القديم إلى طاقة بناء جديدة، وأن يتذكروا دائماً أن الشعوب التي تصنع لحظةً تاريخية قادرةٌ على حماية مستقبلها، وأن النصر الحقيقي لا يكمن في إسقاط الطغيان بقدر ما يتمثل في بناء وطن لا يمكن للطغيان أن يعود إليه.

كاتب سوري يقيم في أمريكا

القدس العربي

————————–

سوريا الجديدة بعد عام من سقوط الاسد/ سعود آل مسعود

لم يكن أحد يتوقع أن تتمكن دمشق، في غضون اثني عشر شهرا، من تجاوز مرحلة الانهيار التي كانت حتمية

04 ديسمبر 2025

في قراءة المشهد السياسي يتم الاستناد إلى القواعد التاريخية التي لا تتغير كثيرا، وإحدى هذه القواعد تقول إن الدول التي تمر بثورات عنيفة وسقوط مفاجئ للأنظمة، غالبا ما تنجرف نحو الفوضى والانهيار الاقتصادي والتقسيم، فهذا هو الدرس الذي استوعبناه من تجارب عديدة في المنطقة والعالم.

ولكن التجربة السورية الجديدة، بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد وصعود الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تقدم نموذجا برغماتيا يكسر هذه القاعدة.

لم يكن أحد يتوقع أن تتمكن دمشق، في غضون اثني عشر شهرا، من تجاوز مرحلة الانهيار التي كانت حتمية، وقد راهن الكثيرون على أن الدولة السورية ستتحول إلى مجموعة من الكانتونات المتناحرة، أو أنها ستغرق في مستنقع الديون والفقر، ولكن القيادة الجديدة أثبتت أن الإرادة السياسية القادرة على اتخاذ القرارات الصعبة هي المفتاح.

لقد تجلت هذه الإرادة أولا في المنجزات الداخلية التي مست حياة المواطن مباشرة، ففي الجانب الاقتصادي، شهدت البلاد ضخ الاستثمارات وبدأ العمل على إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة، وهذا العمل لم يقتصر على الوعود بل ترجم إلى نتائج ملموسة، منها عودة الكهرباء إلى معظم المدن، ورفع رواتب الموظفين، وهو ما يمثل رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة تضع الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في صدارة أولوياتها.

أما على الصعيد السياسي والدولي، فقد حققت دمشق قفزات نوعية، ففي الوقت الذي كانت فيه سوريا معزولة تماما، استطاع الرئيس أحمد الشرع أن يعيدها إلى قلب المعادلة الدولية، وقد كان حضور سوريا الجديدة في الأمم المتحدة، وإلقاء الشرع لخطابه هناك، بمثابة إعلان عن عودة الدولة إلى الساحة العالمية.

هذا الحضور تعزز بزيارات رفيعة المستوى، حيث زار الشرع عواصم دولية مؤثرة مثل باريس وموسكو والرياض وأنقرة، بل واستُقبل في البيت الأبيض، وهو ما يمثل تحولا دراماتيكيا في المواقف الدولية تجاه دمشق، وهذه التحركات تؤكد أن القيادة الجديدة تتبنى سياسة تصفير المشاكل، وتحافظ على علاقة متوازنة مع دول المحيط الإقليمي والدول الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا، وهو نهج يضمن لسوريا الجديدة مصالحها بعيدا عن الاستقطاب الحاد.

ولكن هذا النجاح لا يعني أن المشهد يخلو من تحديات معقدة، فالقيادة الجديدة تدرك أن بناء الدولة يتطلب نفسا طويلا في التعامل مع الملفات الشائكة، ومنها في الشمال الشرقي حيث لا يزال ملف قوات “قسد” يمثل تحديا يتطلب حلا سياسيا يضمن وحدة الأراضي السورية، وفي الجنوب لا تزال هناك تحديات في السويداء تتطلب معالجة اجتماعية وسياسية وأمنية.

أما التحدي الأبرز، فهو ملف التدخلات الإسرائيلية المتكررة الذي أظهرت فيه الدولة السورية الجديدة حكمة في التعامل مع هذه التدخلات، الأمر الذي جنبها الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تقوض جهود الاستقرار وإعادة الإعمار، وهذا التعامل هو دليل على أن القيادة الجديدة تضع مصلحة الدولة العليا فوق أي حسابات عاطفية أو ردود فعل متسرعة.

في الختام، يمكن القول إن التجربة السورية الجديدة في عامها الأول قدمت دليلا قويا على أن التحول من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة هو التوجه الصائب، حيث نجحت القيادة الجديدة في تحويل سوريا من دولة فاشلة ومعزولة إلى دولة تستعيد مكانتها وتفرض احترامها على الساحة الدولية، أما التحديات المتبقية فهي تحديات دولة في طريقها نحو استعادة عافيتها وليست تحديات دولة منهارة، ويمكن اعتبار الاستثمارات التي تتدفق، وعودة العلاقات لطبيعتها مع الدول المؤثرة، والتحسن الملموس في حياة المواطن، وطريقة التعامل مع التحديات القائمة، كلها مؤشرات تدفعنا إلى التفاؤل بأن سوريا تسير على طريق التعافي حتى تستعيد مكانتها في المنطقة.

المجلة

——————————-

عام على سقوط نظام الأسد: هل نجونا حقًا؟/ سارة خازم

أستيقظ قلقة كل صباح على ضجيج الحي الذي ازدادت حيويته منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر الماضي بشكل تدريجي، مع ازدياد عدد الباعة المتجوّلين والتحسن الطفيف في القدرة الشرائية للمواطن السوري، بعد قرار الحكومة الجديدة برفع رواتب الموظفين الحكوميين. على ظهر كل سيارة متجوّلة مكبّر صوت يردّد من دون توقف، وبصوت مشوش، شريطًا مسجلًا بصوت البائع، يشرح فيه ما يريد بيعه والسعر المطلوب، ويضيف إليه في غالب الأحيان جملة تميزه عن غيره وتضفي طابعًا من الألفة مع المشتري.

“يلا يا أبو العيلة، يلا يا ست البيت، الدولار نزل والخضرة ببلاش”، يصيح أحد الباعة عبر المكبّر بلهجته الثقيلة و”الغريبة” عن لهجة سكان هذا الحي الشعبي الذي تسكنه غالبية علوية. عرفت لاحقًا لدى شرائي بعض الخضراوات منه أنه قدم مع عائلته من مدينة إدلب إلى اللاذقية، وأن حركة الشراء في “حاراتنا” ليست جيدة كما في بقية الأحياء. وعزا ذلك بابتسامة متفهمة بأن الناس تفضّل الشراء من سكان الحي نفسه على الشراء من “غريب”، فوافقته على ذلك ومشيت.

لم يكن صوت ابن إدلب في حيّنا الشيء الجديد الوحيد. فبعد انقطاع دام أكثر من عشر سنوات، عادت السيارات التي تبيع أسطوانات الغاز إلى الأحياء بعدما كان بيعها محصورًا بمعتمدين تسمح لهم الدولة ببيع أسطوانة واحدة لكل عائلة كل ثلاثة أشهر.

ما يميّز هذه السيارات عن غيرها محليًا هو أن الباعة يسجّلون إحدى أغاني فيروز بدلًا من صوتهم ويبثونها عبر المكبّر، وهذه ظاهرة موجودة في سوريا فقط، ومن قبل سقوط نظام الأسد. لم نعرف مصدر الفكرة ومن صاحبها، لكننا استطعنا، كسوريين، فهم السبب الذي يدفع إلى فعل ذلك، وهو اجتماع غالبيتنا ــــ برغم استقطاباتنا التي تزداد حدة ــــ على حب فيروز.

استطاعت سيارات بيع الغاز في سوريا تحقيق هدفها في بناء علاقة ودية مع الشاري من دون إزعاجه، والأهم من ذلك، استطاعت إدخال فيروز إلى جميع البيوت والمؤسسات السورية من دون استثناء ومن دون استئذان حتى. فبرغم انقطاع صوتها لـ 14 عامًا من الشوارع، بقيت موجودة في الحيّز الخاص لكثير من السوريين، خصوصًا في صباحاتهم. واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، عادت من خلال الباعة المتجولين، تباغتنا فجأة وبأغرب الطرق، لتثير فينا حنينًا وألمًا، وربما حزنًا أليفا.

“نطرتك سنة، ويا طول السنة”. انسلّ صوت فيروز من سيارة الغاز إلى سريري في أحد الصباحات ليذكّرني بأن أيامًا قليلة تفصلنا عن الذكرى السنوية للسقوط أو “التحرير”. ففكّرت بأنها كانت من أطول السنوات التي مرّت علي وأكثرها ألمًا. لم أكن أنتظر حبيبًا كفيروز، بل أسوأ. كنت أنتظر أن تتغير البلاد وتتغيّر معها حياتي، فلا أضطر للهجرة مجددًا، لكن للسياسة رأي آخر.

“وحدن بيبقوا”

سافرتُ إلى بيروت بنيّة الاستقرار عام 2022 وعدت إلى سوريا بعدما قضيت أكثر من سنة هناك. سافرتُ بعدها برحلة عمل إلى الإمارات، حيث كان سوق العمل وقتها يعج بالسوريين ومستعدًا لاستقبال عدد أكبر، إلا أنّي فضلت العودة إلى سوريا أيضًا. بعد سقوط النظام، وبعد مجازر الساحل بشهور قليلة، سافرتُ برحلة عمل أخرى إلى قطر، وهناك، حيث كل شيء يمثل النقيض التام لسوريا، وقفت على حافة الاختيار بين البقاء في أمان مطلق والعودة لبؤرة العنف.

في مطار الدوحة، بينما كنت أركض للحاق برحلتي المتجهة إلى سوريا، بكيت بشدة طوال الطريق إلى الطائرة، حتى أنّي لم ألتفت كعادتي لأغلفة الكتب الملونة، المعروضة بترتيب شديد، ولا للعطور أو الشوكولاتة الفاخرة. لم أكن أعرف إن كان السبب هو الاشتياق لسوريا أو رعب العودة إليها مجددًا، لكنّي ركبت طائرة العودة في مطلق الأحوال.

استقبلني أحد الأصدقاء في مقهاه الثقافي في مدينة اللاذقية إثر عودتي. تحدثنا عن أخيه الموسيقي المهاجر الذي أصبح يسمع عتابا الساحل السوري في غربته بعدما كان يسمع الجاز ويعزفه في سوريا. وحكى لي عن الضغوط التي تعرض لها، هو نفسه، للمغادرة بعد مجازر الساحل. لكنّ صورة إقفاله المقهى ورحيله ظلّت تلاحقه في كوابيسه، فرفض الفكرة وقرّر البقاء. سكتَ قليلًا وسألني: “وأنتِ، ما هي الصورة التي تمنعك من الرحيل بشكل نهائي، وما هو سر عودتك دائمًا؟”.

إلى اليوم، ما زلتُ لا أعرف الجواب، وكلّما فكرت فيه أصبحت الإجابة عصيّة علي أكثر. ففي كل مرة أعود فيها من بلد ما، أترك خلفي فرصًا لحياة أفضل وأصدقاء حقيقيين أصبحوا منتشرين في كل مكان عدا سوريا، وأعود إلى منفاي حيث أنا وحيدة تمامًا، مجرّدة من أبسط حقوقي، ومعرّضة للقتل في أي لحظة بجريمة كراهية طائفية.

أفكّر بأن العودة في كل مرة ليست بطولة رومانسية ولا شجاعة، بل أقرب لتمثيل حقيقي لمتلازمة ستوكهولم. إنها إذعان للبلاد ــــ أو الجلاد في حال تبنّينا نظرية متلازمة ستوكهولم ــــ يسمح لها بأن تنهش ما تبقى من رأسي. أستطيع أن أشعر به، بينما تتلاعب الأدوية النفسية بكيميائيته. يتقلص وينكمش كلما زادت فترة وجودي داخل سوريا، إلا أنّي ما زلت أحاول في كل صباح أن أصرخ ما تبقى فيه على ورقة بيضاء لأثبت لنفسي وللعالم أنّي ما زلت حية.

في المقهى المعتاد، وفي أحد أيام خريف ما بعد السقوط، جلستُ وحيدة. كانت جميع الوجوه حولي جديدة، ولم يكن هناك الكثير من الأشياء المألوفة حولي سوى صوت فيروز، يتماهى مع أصوات الشبان العالية. فهي الثابت الوحيد الذي أصرّ صاحب المقهى على عدم تغييره طوال 15 عامًا. وبعدما قدم لي الشاب الذي يعمل في المقهى كأس المتة مع الإبريق الساخن، تسلّل صوت فيروز إليّ من بين الأصوات الصاخبة للحظة، قائلًا: “هجّ الحمام بقيت لحالي.. لحالي”، فبكيتُ من دون كتف أتكئ عليه.

“عصفورة الشجن”

حين أستعيد ما حصل خلال هذه السنة التي تلت سقوط النظام، أستطيع تحديد ثلاث لحظات فقط شعرت فيها بالحرية أو الانعتاق، وهي لحظة انتشار خبر هروب بشار الأسد، وأوّل حديث سياسي أخوضه بصوت عالٍ، وأول مادة صحفية كتبتها بعد السقوط. كل تلك اللحظات تنتمي إلى مرحلة “ما قبل المجازر”، أي المجازر الطائفية التي قامت بها قوات تابعة للحكومة السورية الجديدة في الساحل السوري، وكل ما أتى بعدها كان محمّلًا بالخوف والدماء.

على امتداد هذا الساحل، تغيّر شكل المدن والأرياف على حد سواء، وتغيّر معها نمط معيشة سكانها. طغى اللون الرمادي والأسود على مساحات واسعة ممّا كان سابقًا جبالًا وسهولًا خضراء بفعل الحرائق، كما قلّت حركة النساء، العلويات بالتحديد، في الأماكن العامة، خصوصًا بعد غروب الشمس بسبب حالات الخطف التي ما زالت  تستهدفهن إلى اليوم. وتغيّر نمط لباسهن خوفًا من المضايقات أو الاعتداء في ظل جو إسلامي جديد يدعو لـ”الحشمة” بطرق مختلفة.

بقي الخوف الذي أنهكنا أيام الأسد حاضرًا بأشكال مختلفة، حيث أُعيد إنتاجه من قبل السلطة الجديدة ليشمل حياتنا اليومية والافتراضية. فبين الخوف من القتل بجريمة طائفية أو رصاصة طائشة، والخوف من هجمة الكترونية قد تمتدّ لاعتقال تعسفي ضد من يتجرأ على السلطة، عشنا حياتنا خلال هذه السنة.

برغم ذلك، أو نتيجة لذلك ربما، ازداد تعلقي بهذا الساحل، وبدأت أشعر بالانتماء إليه أكثر. حتى لهجتي التي كنت أواريها سابقًا لأتفادى تنميطي وربطي بحاضنة الأسد ومؤيديه، أصبحت أعتبرها اليوم جزءًا مني لا يجوز إخفاؤه حتى لو أصبح خطرًا علي. فاليوم، حرف القاف الذي يميز اللهجة الساحلية أصبح عبئًا على صاحبه بعدما كان رمزًا للقوة والسيطرة. والذي كان يمارس التشبيح من خلاله على أيام نظام الأسد، عاد اليوم ليدينه.

 بين إعادة تعريفي وتنميطي هنا وهناك بسبب لهجتي أو انتمائي الطائفي، أضعت تعريفي الحقيقي. ففي لبنان مثلًا، لطالما كنت سوريّة لا تشبه السوريين ولكن تذكّر اللبنانيين بالاحتلال السوري، وفي قطر كنت العلوية الغريبة والمشكوك بانتمائها السياسي، وفي سوريا كنت طوال هذه السنة “الصحافية الفلول”. أينما حللت كانت هناك صورة جاهزة عني عليّ أن أبذل جهدًا لتحطيمها وإعادة بناء أخرى تشبهني، ولكن مؤخرًا لم أعد أعرف كيف أفعل ذلك.

وفي بحثي عن ذاتي بين هذا العنف وذاك، أدركتُ أن ما تبدّل خلال هذا العام لم يكن شكل السلطة فقط، بل معنى الوطن نفسه وتعريفي لنفسي من خلاله. وبرغم ما سُلب مني لأجله، أجدني معلّقة به، بهذا الساحل الذي صار أشبه بمرآة مشروخة نرى فيه ما كنا، وما فقدناه، وما لا نعرف بعد إن كنا سنصبحه. ربما لأجل ذلك، ولأن هذا المكان صار يُعيد تشكيلنا بالقوة بدل الاختيار، لم أعد قادرة على الادعاء بأنه وطن. إنه أرض أعود إليها، نعم، لكن ليس لأنها تمنحني الأمان، بل لأن الهرب منها لم يعد يشبه النجاة أيضًا.

وفي تلك اللحظة، حين يختلط حبّ المكان بالخوف منه، والانتماء له بضرورة تركه، يتردّد صوت فيروز بداخلي كما لو أنه يلخّص عامًا كاملًا: “أنا يا عصفورة الشجن… مثل عينيكِ بلا وطن”.

رصيف 22

———————–

حماة.. المدينة التي أرادها حافظ الأسد عبرة فكانت بوابة سقوط نظام ابنه

انتهى اليوم السابع من معركة ردع العدوان بتحقيق قوات الردع تقدما إستراتيجيا نحو مدينة حماة من محورين أساسيين، بعد السيطرة على اللواء 87، ومدرسة المجنزرات، ومقر الفرقة 25 في المحور الشرقي، وبلدات خطاب، وأرزة، والمجدل في المحور الغربي مع تنفيذ عمليات إشغال وهمية تجاه جبل زين العابدين وبلدة قمحانة، لصرف أنظار قوات نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

هذه التطورات الميدانية يرويها أحد المقاتلين في قوات ردع العدوان التي كانت جزءا من خطة واسعة وضعتها إدارة العمليات العسكرية التي تمكنت من إسقاط نظام الأسد في المدينة في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024.

الساعات الأخيرة قبل التحرير

فمدينة حماة، التي أراد النظام السوري أن يجعلها درسا مرعبا لكل من يطالب بالحرية، تحولت في تلك الساعات إلى ساحة انتصار طال انتظاره أكثر من 4 عقود.

فبعد الهزيمة المفاجئة لقوات الأسد وانسحابها من حلب أواخر نوفمبر/ تشرين الأول 2024، حاول النظام إعادة تنظيم صفوفه انطلاقا من حماة، فحشد ما استطاع من جنود وعتاد، وأطلق عمليات معاكسة بهدف صد تقدم المعارضة السورية التي كانت قد سيطرت على ريف إدلب الجنوبي وتوغلت في الحدود الإدارية لمحافظة حماة، ولا سيما في البلدات الشمالية والشمالية الغربية التي شهدت معارك شرسة.

وتحصنت قوات النظام في جبل زين العابدين المطل على المدينة وريفها الشمالي، وشكّلت خط دفاع محكم. غير أن الفصائل المعارضة استعملت طائرات “الشاهين” المسيرة وصواريخ موجهة مضادة للدروع لاختراق هذا التحصين، في حين فشلت الغارات التي نفذتها طائرات النظام وروسيا في وقف التقدم.

إعلان التحرير

في مساء الخامس من ديسمبر/ كانون الأول، علت أصوات التكبير في أرجاء حماة معلنة تحريرها لأول مرة من قبضة النظام، لتطوى بذلك صفحة من الجرح الذي بقي مفتوحا منذ مجزرة فبراير/شباط 1982، حين حاصرت قوات الأسد الأب وشقيقه رفعت المدينة، ودمرت ثلث منازلها وقتلت عشرات الآلاف من سكانها.

رمزية الانتصار

كتب أحد المقاتلين في قوات ردع العدوان “كانت معركة تحرير حماة من أعظم محطات النصر الأخير.. تهاوت العصابة المجرمة بسرعة كبيرة، وكان لاستقبال أهل حماة للمقاتلين أثر عظيم في النفس يستحيل أن يُنسى”.

وفي شهادة مدونة من داخل حماة، تحدثت إحدى النساء عن الأيام الثلاثة الأخيرة من المعركة، قائلة “لما انقطع الإنترنت بحماة خلال معركة التحرير، ما بقي لنا غير أخبار التلفزيون.. كنت أجلس 24 ساعة دون انقطاع، وكل خبر كان أجمل من الذي قبله. كانت الأحداث تتسارع بشكل لم أره في حياتي. جزى الله المجاهدين الذين حررونا كل خير، وأعظم لهم الأجر في جنات النعيم. كانت الفوضى تعم أركان النظام، والرعب يدب في قلوب أجهزته. أحجار الدومينو سقطت بسرعة، حتى أصبحت هذه الثورة واحدة من أعظم الثورات في التاريخ”.

مجزرة حماة 1982

وقعت مجزرة حماة في فبراير/شباط 1982 واستمرت 27 يومًا، نفذتها عدة فرق وألوية من الجيش السوري، وعلى رأسها سرايا الدفاع، بهدف القضاء على المعارضة المسلحة في المدينة.

أسفرت المجزرة -وفق روايات متعددة- عن مقتل نحو 40 ألف شخص، وأكثر من 17 ألف مفقود، بينما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل قرابة 10 آلاف منهم، وأسماء 4 آلاف مفقود.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

————————-

حلب.. أنموذج  الإدارة الجديد وطريق الخلاص من قلعتها إلى دمشق

كانون الأول 4, 2025  

مع مواصلة إدارة العمليات العسكرية تقدمها في محيط مدينة حماة وسط تقهقر قوات النظام البائد، أطل القائد العام لإدارة العمليات العسكرية حينها، السيد الرئيس أحمد الشرع، في الرابع من كانون الأول على مدرج قلعة حلب، العاصمة الاقتصادية للبلاد التي تبسط فصائل الثورة السيطرة عليها بشكل كامل لأول مرة.

حملت الزيارة إلى حلب بين سطورها رسائل متعددة، فعلى الصعيد العسكري، تعد الزيارة إعلاناً رسمياً لتحرير المدينة وإيذاناً بأفول حكم النظام البائد وبزوغ عهد جديد، في وقت كان إعلام نظام الأسد المخلوع وحلفاؤه يروجون لمساعيهم في استعادة السيطرة على حلب.

التأسيس لعهد جديد

يرى الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي، أن زيارة القائد الشرع إلى حلب حملت هدفين واضحين، الأول للتأكيد على مواصلة معركة ردع العدوان حتى إسقاط النظام.

أما الهدف الثاني فكان من وجهة نظر عاصي هو الشروع في بناء هيكل حكم بديل يملأ الفراغ في حال تحقق ذلك السيناريو”.

ومع استمرار المعارك في وسط البلاد وعقب زيارة قلعة حلب، نشرت إدارة العمليات العسكرية بياناً لقائد غرفة العمليات، توجه فيه برسالة إلى أهالي مدينة محردة بريف حماة جاء فيها: “لقد أحسنا معاملة أبناء الديانة المسيحية في إدلب وحلب، وكذلك سنحرص على حمايتكم والحفاظ على ممتلكاتكم، فأدعوكم للاطمئنان وأطلب منكم رفض الحرب النفسية التي يمارسها النظام المجرم، فلا تنزحوا من بيوتكم وقراكم”.

وفي هذا الصدد يقول عاصي: “من الممكن أن تحمل قلعة حلب جانباً رمزياً تاريخياً، فهو نمط تاريخي معروف بأن السيطرة على حلب مدخل للسيطرة على بلاد الشام”.

ويؤكد عاصي أن حلب كانت حقاً “مفتاح النصر” لأن النظام البائد كان قد جمع قواته فيها، فانهارت هذه القوات ثم أعاد تجميع ما بقي منها في حماة، ومع القضاء على بقايا النظام هناك، سقط النظام في دمشق سقوطاً نهائياً.

ويرجح عاصي أن “الشرع ربما أراد أن يقول إن ظهوره في قلعة حلب، يعني أنه قادم للسيطرة على كامل سوريا، مثلما كانت تفعل كل الجيوش التي تسيطر على بلاد الشام تاريخياً”.

وبذلك باتت حلب ثاني مدينة بعد إدلب تحت السيطرة الكاملة لقوات ردع العدوان، وكانت القوات دخلت إلى عدة أحياء في اليوم الثالث من المعركة (29 تشرين الثاني 2024)، ثم أكملت سيطرتها في اليومين الرابع والخامس قبل أن تتوجه بعدها إلى حماة وسط البلاد، حيث تدور معارك طاحنة.

إدارة مدنية

ولم يرتكز الحكم الجديد أثناء ردع العدوان على القوة العسكرية والسياسية فقط، بل على الإدارة المدنية أيضا، فما إن تراجعت حدة المعارك في مدينة حلب ومحيطها بشكل تدريجي، حتى أعلن عن إدارة كانت معدة مسبقاً لتسيير شؤون المدينة التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة وسط دعوات للموظفين للالتحاق بأعمالهم فوراً.

وفي هذا الصدد، يشير الباحث السياسي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية محمد زكوان كوكه، إلى أن إدارة العمليات العسكرية عملت بالتزامن مع التخطيط للمعركة، على الاستعداد لتحديات في حال تحرير حلب.

وبالعودة إلى الإجراءات الأولى للسلطة المدنية، كلفت حكومة الإنقاذ آنذاك كوادرها بتأمين الاحتياجات الملحة لسكان حلب، كما شهدت المدينة نشاطاً للمنظمات في عدة جوانب، ومنها توزيع الخبز المجاني للقاطنين، واستئناف تشغيل محطات المياه وتوليد الكهرباء وكذلك محطات الوقود.

ويعقب كوكه: “لم تنتظر حكومة الإنقاذ آنذاك سوى ساعات قليلة عقب تحرير حلب حتى دخلت مؤسساتها الخدمية إلى المدينة وبدأت بعمليات إدارة الاحتياج وفق خطة طوارئ شاملة”، إذ لم تكن هذه الإدارة وليدة اللحظة، إنما كان يتم الإعداد لها كما كان يتم الإعداد والتجهيز لمعركة ردع العدوان.

يستذكر الباحث في مركز قاسيون للدراسات إبراهيم قيسون أن كوادراً من الاختصاصات كافة خضعت للتدريب كي تكون مهيئاة للدخول واستلام زمام الأمور في حلب من بلديات ونظافة وأفران وشرطة.

وأضاف قيسون في حديثه لموقع الإخبارية: “جرى تخريج أعداد هائلة من الدورات الشرطية في منطقة إدلب ومنطقة درع الفرات، وهذه المناطق صغيرة مقارنة بحجم هذه القوات”.

وعلى صعيد التعليم العالي، يشير الباحث إلى أن جامعات إدلب والشمال المحرر خرجت عشرات الآلاف من كافة الاختصاصات، وقد دخلوا سوق العمل في ظروف قاسية ما سهّل من مهمة الانتقال للمناطق المحررة حديثاً وإدارتها ضمن خطط الطوارئ.

أنموذج حي

لا تقف أهمية حلب عن كونها عقدة الممرات التجارية الدولية، إذ تتميز أيضاً بأنها أقدم مدينة متعايشة بتنوعها القومي والديني والمذهبي، علاوة على ذلك، شكلت حلب أثناء معركة ردع العدوان أنموذجاً أولياً وحياً لما سيكون عليه شكل الإدارة الجديدة في المحافظات الأخرى.

وبالنسبة لهذا النموذج، يرى كوكه أن إدارة العمليات العسكرية عملت على تحويل بيانات التطمين الموجهة للأهالي إلى خطوات عملية عبر زيارات للفعاليات المجتمعية والدينية، كما عملت على إحلال الشرطة محل القوات العسكرية خلال أيام قليلة.

إلا أن الإدارة المدنية واجهت تحديات خدمية في الأيام الأولى التي تلت العمليات العسكرية، لذلك اتخذت حكومة الإنقاذ، على الفور، عدة قرارات وخطوات أخرى، فيما يخص تأمين المستلزمات الأساسية، مثل المحروقات للمخابز العامة والخاصة.

ويسلط قيسون الضوء على  مسألة تأمين الخبز لأعداد هائلة مباشرة، ما إن قطع النظام البائد مادة الطحين عن المدينة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، يضيف الباحث محمد زكوان كوكه: “ترافق كل ذلك مع حملة مجتمعية من المناطق المحررة سابقاً باتجاه حلب، ساهم فيها المجتمع الأهلي ومنظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع قيادة العمليات لتلبية احتياجات المدينة إلى حين الانتهاء من حالة الطوارئ”.

وبالإضافة إلى ما سبق، شغلت الإدارة الجديدة محطات المياه واستأنفت عملية الضخ في مناطق باب النيرب ومحطة تشرين، بينما أجرت عمليات صيانة للأعطال في محطة سليمان الحلبي، مشيرة وقتها إلى أن خدمة المياه ستعود لوضعها الطبيعي تدريجياً.

ومن الخبز والمياه إلى الاتصالات، حيث بدأت شركة سيريا فون للاتصالات العاملة في إدلب آنذاك، بتركيب أبراج في عدة مناطق بمدينة حلب، وخاصة حلب الجديدة والجميلية ومبنى الإذاعة.

ويضيف كوكه أن هذه الاستراتيجية شكلت خارطة طريق أعادت مدينة حلب بتعدادها السكاني وتنوعها إلى سكة الحياة الطبيعية خلال أيام معدودة على الرغم من استمرار معارك التحرير.

ويوضح قيسون أن العناصر العسكرية خضعت لدورات مكثفة ودائمة لكيفية التعامل مع الناس من طوائف مختلفة إلى جانب الالتزام بالقوانين المحلية والدولية.

ومن وجهة نظر قيسون، فإن المسألة الثانية ترتبط بالناحية الأمنية وضبط السرقات ومنع الاعتداءات والاستفزازات الطائفية، وهو أمر مهم لكسب الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.

وحمل ظهور قائد العمليات الأول في قلعة حلب رسالة بددت أوهام النظام باستمرار حكمه، وبأن ما بعد السابع والعشرين من تشرين الثاني لعام ٢٠٢٤ ليس كما قبله، كما قدم أنموذج الإدارة الطارئة في حلب صورة لقدرة الحكم الجديد على إدارة مدن كبرى أمام المجتمع السوري والدولي  دون ترك المجال للفوضى والفراغ الأمني.

المصدر: الإخبارية

—————————-

جبل زين العابدين.. المعركة الحاسمة التي فتحت الطريق لسقوط الأسد

شكل جبل زين العابدين سدا منيعا أمام قوات ردع العدوان التابعة للمعارضة السورية والمتقدمة خلال معركة التحرير نحو مدن حماة، وحمص، والعاصمة دمشق، وكان خط الدفاع الأول عن المدينتين. وكشفت السيطرة عليه كامل مدينة حماة، ومنحت المهاجمين أفضلية إستراتيجية حاسمة.

ويقع جبل زين العابدين إلى الغرب من جبل كفراع شمال مدينة حماة، على بعد نحو 5 كيلومترات، مقابل بلدة قمحانة.

في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2024، تحول جبل كفراع إلى مسرح لمعارك شرسة شكلت نقطة مفصلية في مسار معركة تحرير سوريا، وانتهت بسقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

تفاصيل هذه المعارك يرويها مراسلا “سوريا الآن” همام دعاس وأحمد أمين، إلى جانب شهادات من العميد منير الشيخ جمعة، قائد الفرقة 56 بوزارة الدفاع السورية.

بداية المواجهة

يقول العميد جمعة إنه مع بدء العمليات، جعلت قوات ردع العدوان من جبل زين العابدين جبهة إشغال لامتصاص تركيز قوات النظام، خاصة بعد سقوط العشرات من مقاتلي المعارضة خلال محاولات الاقتحام المباشرة.

وفي المقابل، اعتمدت قيادة العمليات العسكرية خطة بديلة للتوغل من الجهة الشرقية لحماة عبر سلسلة التلال المحيطة، منها تلة الرائع والفان الشمالي.

تكتيكات الالتفاف والتمويه

وانطلقت قوات ردع العدوان من محور كوكب وصولا إلى قرية رسم البغل، حيث جرى توزيع الهجوم إلى محورين:

    المحور الجنوبي: مهمته قطع الطريق الإستراتيجي بين حماة وسلمية.

    المحور الغربي: مهمته تنفيذ خرق نحو منطقة المزارب لفتح ثغرة في دفاعات النظام.

هذه الثغرة وفرت فرصة دخول قوات العصائب الحمراء التي نفذت هجوما مباغتا، أصيب خلاله اللواء سهيل الحسن المعروف بلقب “النمر”، أحد أبرز ضباط النظام.

ويكمل العميد جمعة أن المهاجمين استغلوا انشغال قوات النظام بجبل زين العابدين، ودفعوا بمجموعات خاصة إلى عمق جبل كفراع، مانعين أي انسحاب أو إعادة انتشار.

ومع تصاعد الاشتباكات، تمكنت القوات من الوصول إلى أول أحياء مدينة حماة من الجهة الشرقية، لتبدأ مرحلة السيطرة الكاملة عليها.

التحرك نحو جبل زين العابدين

وبعد دخول حماة، تقدمت قوات ردع العدوان باتجاه جبل زين العابدين من الخلف، في خطوة مباغتة لم يتوقعها جيش الأسد، مما أدى إلى انهيار خطوط دفاعه هناك.

يتذكر المقاتلون بفخر لحظة دخولهم المدينة، إذ خرج الأهالي من منازلهم لاستقبالهم بعد سنوات من الحصار والمعاناة، في مشهد مؤثر جمع بين الأطفال والشيوخ والنساء، وهم يعانقون المقاتلين.

وتحولت ساحة العاصي -الساحة الرئيسية في حماة- إلى مركز احتشاد للمدنيين وقوات ردع العدوان، لما تمثله من رمزية تاريخية لأهالي المدينة.

المصدر: الجزيرة

—————–

===================

تحدبث 03 كانون الأول 2025

——————————-

 حتى لا يبتلع تضخم الهويات الدولة السورية؟/ رشيد الحاج صالح

2025.12.03

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدأ مشهد اجتماعي وسياسي جديد بالتشكّل في الوعي العام للسوريين، يمكن وصفه بظاهرة التضخم الهويّاتي مقابل تراجع الحاجة المتصوّرة إلى الدولة. فمع تفكّك مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، وصعود قوى محلية متعددة، أخذ السوري ينزاح تدريجياً نحو هويات أصغر وأكثر قرباً: الطائفة، والعشيرة، والجماعة المحلية، والمناطق، وحتى الحيّ والمدينة. لم يعد هذا الانزياح مجرد ردّ فعل ظرفي على الحرب، بل تحوّل مع الزمن إلى بنية ذهنية تستقر في المخيال الجمعي، وتؤثر على شكل العلاقة المتوقعة بين الفرد والدولة.

في مرحلة ما قبل الأسدين، وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة لأداء مؤسسات الدولة، كان السوري يشعر – ولو بحد أدنى– أن الدولة تمثّل المرجعية النهائية التي تنظّم حياته اليومية: من الأمن إلى التعليم، ومن القانون إلى الخدمات الأساسية. لكن مع انهيار هذه الوظائف وتراجع قدرتها على إدارة حياة الناس، سواء قبل الثورة أو بعدها، وترسيخ النظام السابق الخوف كأساس لعلاقة الفرد بالدولة، تقدّمت الهويات البديلة باعتبارها الملجأ الأقرب، والأكثر قدرة على تقديم استجابات ملموسة في لحظات الخوف والاضطراب. هكذا انتقلت الثقة من “الدولة” إلى “الجماعة”، وأصبح الانتماء الهويّاتي يقدّم ما يشبه الإحساس بالأمان، في وقت بدت فيه الدولة بعيدة، منهكة.

التضخم الهويّاتي لم يكن عودة بسيطة إلى الانتماءات التقليدية، بل كان إعادة إنتاج موسعة لدورها بحيث تحوّلت الطائفة أو العشيرة أو الجماعة المحلية إلى ما يشبه الدولة المصغّرة. فقد اكتسبت هذه الهويات أدواراً سياسية وأمنية واجتماعية لم تكن جزءاً من وظائفها سابقاً. في بعض المناطق، أصبحت العشائر تفرض ما يشبه “النظام العرفي” بديلاً عن القضاء الرسمي، حتى في المناطق التي بقيت مؤسسات الدولة فيها قائمة شكلياً. وفي حالات أخرى، تحوّلت الهوية المحلية إلى معيار سياسي صريح، بحيث يُحكم على الأفراد من خلال انتمائهم الجغرافي، أو الطائفي، لا من خلال النظر إليهم كمواطنين.

في المقابل، تراجع الشعور بالحاجة إلى الدولة، ليس فقط لأنها ضعفت أو تراجعت، بل لأن صورة الدولة نفسها تغيّرت في ذهن السوريين. فقد باتت الدولة تُرى بوصفها فكرة مجردة لا تملك قدرة على حماية الناس أو تأمين احتياجاتهم الأساسية. ومع غياب الكهرباء والمياه والخبز وارتفاع مستوى الفساد، تآكلت شرعية الدولة بوصفها مزوّداً للخدمات وبات السؤال الأكثر بداهة يطرح نفسه يومياً: ما الجدوى من دولة لا تقدّم ما يفترض أن تكون مسؤولة عنه؟ هذا السؤال الشائع مهّد تدريجياً لتحوّل أعمق: دولة بلا وظائف تصبح، في المخيال العام، دولة بلا ضرورة.

تفاقم هذا المشهد مع تعدد السلطات المحلية التي ظهرت خلال الصراع السوري، حيث أدّت الفصائل المسلحة والمجالس المحلية والإدارات الذاتية المختلفة أدواراً موازية للدولة. ومع استمرار هذا المشهد سنوات طويلة، بدأ السوري يتعوّد على تعدد “الدول” داخل الدولة، وتلاشت فكرة الإطار الوطني الواحد الذي ينظّم حياة الجميع. ونتيجة لهذا الواقع، نشأت أجيال من الأطفال في المدارس والمخيمات على سرديات هويّاتية مكثفة، تستبدل فكرة المواطنة بمفهوم الجماعة، وتحمّل الهوية ما يفوق حدودها الطبيعية، حتى باتت بعض الجماعات تُقدّم نفسها بوصفها مشروع دولة بديلة أو حاملة “حقيقة سياسية” أسمى من فكرة الدولة الوطنية.

تتجلّى آثار هذا التحوّل في جملة من الوقائع اليومية. فحين يقع خلاف مدني في منطقة ما، أو جريمة جنائية، كما حدث في حمص قبل عدة أيام، يتجه أطراف النزاع إلى شيخ عشيرة أو وجهاء محليين بدلاً من القضاء. وحين تظهر أزمة خدمية، يبحث السكان عن حلول عبر علاقاتهم الضيقة لا عبر المؤسسات العامة. وحتى في الخطابات الإعلامية، بات السوري يُعرّف غالباً وفق هويته الطائفية أو المناطقية أو الإثنية، وكأن هذه الأقسام تعادل تعريفه كمواطن داخل دولة واحدة. هذا التحوّل في اللغة يعكس تحولاً أعمق في المخيال، حيث تغدو الهوية أداة تحليل سياسي، ومعياراً للولاء والانتماء، ووسيلة لفهم الواقع.

لكن خطورة التضخم الهويّاتي لا تقتصر على اللحظة الراهنة؛ فهي تهدد إمكانية بناء دولة مستقبلية قادرة على جمع المكونات المنقسمة. فحين يترسخ الاعتقاد بأن الجماعة تغني عن الدولة، يصبح بناء مؤسسات وطنية قوية مهمة صعبة.

إن استعادة مفهوم الدولة في الوعي السوري لا تعني الدفاع عن أي بنية سياسية قائمة، بل تعني إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، بوصفها مؤسسة جامعة تنظّم العلاقات، وتحتكر العنف الشرعي، وتضمن المساواة، وتقدّم الخدمات، وتحدّ من تغوّل الهويات الجزئية. ولا يمكن تحقيق هذا التحول من دون التفكير الثقافي وسياسي طويل الأمد لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة السورية، بحيث يُعاد إنتاج قيم المواطنة والعيش المشترك، ويجري العمل بالتوازي على مسارات العدالة الانتقالية التي تعالج جذور الخوف، وتحد من الجنوح نحو العنف، وتضع حداً لآليات الاحتماء الهويّاتي.

في الفترة الأخيرة، يبدو الوضع في سورية وكأنه لم يُحوّل فقط الخارطة السياسية، بل أعادت تشكيل العقل الجمعي أيضاً. فقد خلّفت الثورة وراءها وعياً مضطرباً تجاه الدولة، وهويات متضخمة تملأ الفراغ الذي تركته مؤسسات ضعيفة ومتداعية. ومع ذلك، فإن بناء المستقبل يظل مرهوناً بقدرة السوريين على إعادة التفكير بعلاقتهم بالدولة، ليس بوصفها خصماً أو ظلّاً باهتاً، بل باعتبارها أساس الاستقرار والعدالة وإطاراً ضرورياً للعيش المشترك. إن تفكيك التضخم الهويّاتي واستعادة المركزية الرمزية والوظيفية للدولة ليستا مسألتين تقنيتين أو سياسيتين فحسب، بل هما مشروع ثقافي واجتماعي طويل يحتاج إلى إرادة وطنية وإلى خطاب يجاوز الانقسامات ويعيد وصل ما انقطع في الوعي السوري خلال سنوات الحرب.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن التضخم الهوياتي الذي شهدته سوريا خلال السنوات الماضية ليس ظاهرة أصيلة ولا تعبيراً حقيقياً عن بنية اجتماعية قديمة، بل هو تضخم مُفتعَل نتج عن تسييس الهويات واستخدامها كأدوات للصراع والشرعية والسلطة. فالهويات التي قُدِّمت بوصفها راسخة ومكتفية بذاتها ليست إلا بناءات سياسية ظرفية جرى تضخيمها في سياق انهيار الدولة، ما جعلها تبدو وكأنها بدائل طبيعية لها. إلا أن الدولة السورية نفسها، بوصفها دولة حديثة، عمرها نحو 100 عام، لم تستكمل شروط ترسخها المؤسسي، وستبقى عرضة للتمزق في أي لحظة إذا ما استمر التعويل على الهويات الجزئية بدلاً من فكرة العقد الوطني الجامع. ومن هنا، فإن أي مشروع للحل لا بد أن يبدأ بتفكيك هذا التضخم الهوياتي، والعودة إلى ترميم الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع، وصياغة علاقة مواطنة تتجاوز التسييس الخطير للهوية، وتعيد للسوريين إحساسهم بأن مستقبلهم لا يُبنى إلا داخل دولة قوية، عادلة، وغير قابلة للانشطار.

وفي خاتمة المطاف، فإن أي سلطة جديدة تطمح إلى إعادة بناء سوريا لا يمكنها النجاح ما لم تُدرك أن الطريق إلى استعادة الدولة يمرّ عبر طمأنة الهويات المتوترة لا مصادمتها. فالسوريون، بعد سنوات الصراع، لا يحتاجون خطاباً يطالبهم بالتخلي عن انتماءاتهم، بل يحتاجون سلطة تحترم هذه الانتماءات وتتيح لها التعبير الثقافي والاجتماعي من دون أن تتحول إلى أدوات سياسية أو جدران فصل. إن تشجيع السوريين على التوافق مع السلطة الجديدة يقتضي من هذه السلطة تعزيز ثقتهم بأن الدولة إطار قادر على حماية الجميع بالتساوي، لا مشروعاً يستهدف أحداً أو يستثني أحداً. ومن خلال بناء مؤسسات عادلة، وضمان المشاركة، واحترام التنوع، وتعزيز الديمقراطية الفعالة، يمكن للسلطة الجديدة أن تخفف من مخاوف الجماعات، وتعيد دمجها تدريجياً في فكرة الدولة بوصفها بيتاً مشتركاً لا تهديداً وجودياً. هكذا فقط يمكن ترميم العقد الوطني وتأسيس دولة تحتضن جميع السوريين بلا استثناء.

تلفزيون سوريا

——————————-

جدل الهوية والمواطنة في سوريا الجديدة/ عبدالله تركماني

2025.12.03

بدا جدل الهوية والمواطنة واضحاً يوم الجمعة الماضية في الذكرى الأولى لعملية “ردع العدوان”، فقد انقسم السوريون إلى شارعين متضادين، مما يفرض علينا اجتراح حلول فكرية وسياسية ناجعة لهذه الإشكالية.

ونقطة البدء تكمن في محاولة استكشاف كيفية المواءمة بين الهوية الوطنية السورية الجامعة والهويات الفرعية في بلد متعدد المكوّنات الثقافية والاجتماعية، أي كيف يمكن أن تكون العلاقة بين الهويات الفرعية المختلفة في إطار الهوية الوطنية الجامعة؟ أهي علاقة “مغالبة” تحت مبررات “الأكثرية والأقلية”، أم ينبغي أن تكون على أساس المساواة والشراكة الوطنية ومبادئ الحق والعدل واحترام حقوق الإنسان؟

مع العلم أنّ سيرورة الهوية تحررها من القيود البدائية في اتجاه التواصل مع الآخر، وبقدر ما أنّ هذه السيرورة للهوية تعزز الفردانية فإنها، في المقابل، لا تلغي الوعي الجمعي المتمثل في وجود قيم مشتركة بين السوريين، مما يدفع باتجاه البناء والتكامل والاندماج الاجتماعي الوطني. ومن المعوّقات يمكن أن نلاحظ محاولات الأنظمة التسلطية أن تسم المجتمع بسمة واحدة، حيث تحوّله إلى “جمهور مصفق”، كما ظهر في سوريا طوال عهد آل الأسد، وأيضاً منذ 8 كانون الأول/ديسمبر، وخلق وعي جديد يتماهى مع أيديولوجية النخبة الحاكمة واستراتيجيتها على المدى البعيد، بما يؤدي إلى “الاستلاب الاجتماعي”، فقد وصل بعض السوريين إلى حالة من الفعل المنساق بدلالات الشعارات والرموز والصور التي تهيمن على فضاءاتهم، والتي حوّلها النظام التسلطي، عبر آلته الدعائية والخطابية، إلى حالة من الأجندة التي تختزل الذاكرة الجماعية الوطنية برؤية “أخوة المنهج السلفي”. مما جعل الهوية الوطنية الجامعة دوغمائيات بأطر مقدسة مغلقة، تخالف حقيقة حرية الإرادة، وتجعل من الآخر عدواً، بما يؤجج الصراعات الدينية والمذهبية والقومية، التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك المجتمع، إذ عندما يقود التطلع إلى التفاعل مع الآخرين باسم العلاقة مع المقدس، أي بحكم قيمة سلبية مسبقة ضد هذا الآخر.

في حين أنّ الدولة الوطنية الحديثة تقوم على ضمان الحقوق والحريات والهويات والفرص لكل الجماعات المكوّنة للمجتمع، من دون الحاجة إلى الاستيعاب القسري، من خلال مشاركة الجميع في صنع القرار، أي صيغة إدارة تقوم على قاعدة عريضة، تحتوي داخلها كل المكوّنات المجتمعية، التي يحظى كل مكوّن منها بنصيب في المشاركة بالإدارة، بالطبع استناداً إلى الكفاءة والقدرات وليس إلى المحاصصات المعطلة للجدوى.

ويبدو أنّ الاحتواء اللامركزي، كإسلوب مخالف كلياً لأسلوب الهيمنة المركزية، يخلق إمكانية توازن جديد بين الدولة والمجتمع، يقوم على مبدأ الحوار والجمع بين وحدة الهوية الوطنية واستقلالية إدارة موسّعة، تقدّم مجالاً واسعاً لتقاسم الإدارة والثروات والفرص، بما يساعد على الحدِّ من النزعات الانفصالية، ويملأ فراغ المطالب الحقوقية، عبر حماية اللغة والثقافة، في سياق عملية تكامل وطني. أي أنّ الدولة اللامركزية، إدارياً وليس سياسياً، جغرافياً وليس قومياً، تنطوي على فوائد عديدة: تغليب المصلحة الوطنية العامة على مصالح الهويات الفرعية، وتفسح في المجال لترسيخ وجود دولة مدنية تصون حقوق جميع مكوّناتها، وإنهاء الثقافة السياسية السائدة لصالح مفاهيم الحداثة السياسية، وترسيخ العلاقات التعاقدية المعبّر عنها بـ”العقد الاجتماعي”. ولعلَّ هذا التوجه يساعدنا على التخلص من الثقافة التي تزعم سموّها وطهوريتها المطلقة، كخطاب استعلائي ضد الثقافات والهويات الأخرى، يؤدي إلى تأجيج مشاعر الكراهية والإقصاء لمكوّنات الهويات الفرعية.

إنّ كثيراً من النزاعات والأعمال الوحشية تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها، إذ عبرها تنشأ “الهويات القاتلة”، مجسَّدة في فن الكراهية، الذي يأخذ شكل إثارة القوى المتطرفة لهوية ربانية مزعومة السيادة والهيمنة، تحجب باقي الهويات.

ولا شك أنّ أزمة الهوية السورية ناتجة عن غياب مشروع الدولة الوطنية الحديثة، إضافة إلى الانهيار الشامل في أنساق المجتمع السوري، حيث الانقسام الهوياتي يتفاقم بشكل عميق، وهشاشة مفهوم الوحدة الوطنية التي ما زالت تُعدّ من المصطلحات التي تجمع بين السوريين على الصعيد النظري، إلا أنها على الصعيد العملي مجرد تعبير رغبوي، يُستخدم في إطار المجاملات الخالية من مضمون عملي، وتكون عادة وسيلة للتغطية على ظاهرة التهرّب من الاستحقاقات، أو التركيز على الولاءات ما قبل الوطنية. ولا شك أنّ حالتنا الموصوفة أعلاه رسّخها نظام آل الأسد، من خلال صهر جميع أفراد المجتمع السوري في بوتقة واحدة، وإعادة تشكيلهم على أساس الولاء المطلق للوطن المختزَل برمز سلطة الاستبداد “سورية الأسد أو لا أحد”. وكذلك التركيز على الدعاية العقائدية، بل التلقين العقائدي منذ الصغر، وخلق عالم وهمي مهيمن وبرّاق ومنسجم مع أيديولوجية سلطة الاستبداد. والخشية أن تكرر قيادة المرحلة الانتقالية التوجهات نفسها، من خلال تعميمها للاتجاهات السلفية، كما نلمس ذلك في التعليم والجيش وقوات الأمن.

وهكذا، فإنّ المهم تعزيز الانتماء الإيجابي، الإرادي والحر والمعاصر، لكل مكوّنات الشعب السوري، على أنها عوامل تنوّع وغنى. مما يقتضي وضع حدٍّ للانتماء السلبي الإكراهي، في ظل التوصيفات العددية (الأكثرية والأقلية)، وكذلك إنهاء وصاية البعض على الآخر تحت أي مسمى (قومي أو ديني). ويكمن الحل في التصالح مع التاريخ، وقبول الواقع الديمغرافي كنتيجة تاريخية عبرت الزمن وأخذت صورتها الحالية، إضافة إلى إقامة نظام ديمقراطي تعددي وشراكة سياسية حقيقية، ووضع حدٍّ للاستعلاء القومي والديني. باعتبار أنّ الحداثة السياسية جاءت بالدولة الوطنية الحديثة بوصفها الوحدة الاجتماعية التي توحّد الناس بواسطة روابط مدنية، قائمة على الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية للمواطنة.

إنّ دولة المواطنين السوريين المتساوين في الحقوق والواجبات هي الأقدر على احتضان حقيقي لتعدد الهويات، ومعالجة الطائفية، لأنها دولة جامعة ترعى الاختلاف وتمنع الخلاف، وهي ناظم لتطبيق القانون، من غير انغلاق أو احتكار. حيث لا يمكن الحديث عن هوية أغلبية وهوية أقلية، لاسيما إذا كان القصد التسيّد والتفوّق والأحقية، لأنّ ذلك سيؤدي إلى التصادم مع الآخر وفرض الهيمنة عليه، يقابله ردّ فعل ورفض، وقد يؤدي ذلك أيضاً إلى الانكماش والانكفاء.

إنّ الفوات التاريخي للوطنية السورية يطرح علينا مهمة المساهمة في إعادة صياغة المفاهيم المرتبطة بهذه الوطنية، أي المساهمة في تجديد الثقافة السياسية لدى السوريين. خاصة أنّ موضوع علاقة الهوية الوطنية الجامعة مع الهويات الفرعية للمكوّنات السورية سيكون حاضراً بقوة. إذ لا بدَّ من صياغة برنامج عمل فاعل لاستدراك التدهور الحاصل على صعيد إعادة تشكيل الهوية السورية الجامعة، مع الأخذ بعين الاعتبار التنوّع القومي والديني والمذهبي، مما يؤدي إلى إدارة هذا التنوّع بما يخدم إغناء الحياة الاجتماعية السورية. وهنا من الضروري رفض أية مشاريع مستقبلية تقوم على أساس المحاصصة القومية والطائفية لمؤسسات الدولة، بل إنتاج خطاب وطني جامع، يقوم على فكر واعٍ حضاري مدني حامل لمشروع ديمقراطي يوفر الحرية والكرامة للشعب السوري.

إنّ السعي إلى إحياء الهوية الوطنية السورية لا ينطوي على إلغاء الهويات الفرعية، كي تكون قادرة على تلبية حاجات الاجتماع السياسي، أي إعادة بناء الدولة السورية الحديثة، باعتبار أنّ غياب هذه الهوية عامل أساسي في استفحال الكارثة السورية، خاصة تسهيل التفريط السياسي بالوطن السوري. على أساس صياغة سوريا الجديدة، سوريا الوطن والمواطنة والتعدّد والتنوّع، على قاعدة الديمقراطية السياسية والاجتماعية. ومن المؤكد أنّ إعادة بناء الوطنية السورية ليست أمراً يمكن إنجازه عبر إجراءات فوقية، وهي ملازمة للعملية السياسية ونتيجة متدرجة لها، ولكنها لا تُبنى على المحاصصات من أي نوع، وإنما على أساس الكفاءة والولاء للدولة الوطنية.

تلفزيون سوريا

————————–

 عام على سقوط نظام الأسد: العبور الصعب نحو الدولة/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2025/12/03

لم يكن سقوط نظام الأسد وانهياره العام الماضي الحدث الأبرز في تاريخ سوريا وحسب؛ بل وعلى الصعيد العالمي أيضاً. ففي يوم واحد انكسرت جدران الخوف التي شُيّدت على مدى عقود، وانهارت منظومة القمع الوحشية، التي كبّلت المجتمع وحوّلت الدولة إلى سجن كبير. بدا المشهد وكأن سوريا تفتح أبوابها على فصل جديد من تاريخها، فصل يَعِد بالحرية والعدالة والكرامة، ويمنح شعبها فرصة طال انتظارها لاستعادة معنى الوطن. غير أن هذه اللحظة، بكل ما حملته من رمزية وأمل، لم تكن سوى بداية طريق طويل محفوف بالتحديات. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع سوريا أن تعبر من لحظة السقوط إلى بناء دولة مستقرة؟ وهل تنجح السلطة الجديدة في تقديم نموذج حكم يُطمئن الناس ويعيد الثقة؟ أم أن البلاد ستظل معلّقة بين ماضٍ لم يُحاسب وحاضر لم يُبْنَ بعد؟

هذا الأفق المفتوح على الأمل سرعان ما اصطدم بواقع بالغ التعقيد، وبإرث ثقيل من الخراب البنيوي الذي خلّفه النظام السابق في مؤسسات الدولة والمجتمع معاً. فبعد أيام من الفرح والاحتفال بسقوط نظام القمع والاستبداد، وجد السوريون أنفسهم أمام دولة منهارة، بلا مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة، وبلا كوادر مؤهلة تملك الخبرة في إعادة البناء. الخراب لم يكن سياسياً وأمنياً فقط، بل امتد إلى الثقافة والاقتصاد والوعي العام، حيث ترك النظام وراءه فراغاً هائلاً في الخبرة والمعرفة، ونسف أي تقاليد للعمل المدني أو السياسي المستقل. في هذا السياق، بدت السلطة الجديدة كأنها تواجه مهمة شبه مستحيلة، إدارة بلد خرج للتو من قبضة الاستبداد، لكنه مثقل بأزمات متراكمة، ومحاصر بعقوبات دولية، يتربص به خصوم داخليون وخارجيون. لذلك لم يكن الإنجاز الحقيقي في العام الأول هو بناء مؤسسات أو إطلاق مشاريع كبرى، بل مجرد القدرة على الصمود، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، وفتح مسارات تدريجية نحو التغيير، بعيداً عن أوهام الحلول السريعة أو المعجزات.

المشهد السياسي الذي تلا سقوط نظام الأسد لم يتشكل نتيجة توافق وطني أو انتخابات حرة، بل جاء محكوماً بميزان القوة على الأرض. فالمجموعات المسلحة، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، سارعت إلى ملء الفراغ السياسي والأمني، وفرضت أمراً واقعاً بتعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية. هذه الخطوة، التي رُوّج لها كتحول سياسي، لم تمر عبر صناديق الاقتراع أو نقاش شعبي؛ بل جاءت من خارج الأطر المدنية، وكرّست منطق الغلبة لا الشراكة. الحكومة التي شُكّلت لاحقاً لم تنبثق من انتخابات حرة، بل من ترتيبات داخلية بين الفصائل، في حين صدر إعلان دستوري يحكم المرحلة الانتقالية من دون أن يُعرض على السوريين أو يُناقش علناً. وحتى “انتخابات” مجلس الشعب التي أُجريت لاحقاً لم تكن سوى عملية تعيين مقنّعة، افتقرت إلى الشفافية والمنافسة. وهكذا بدا أن الثورة نجحت في إسقاط النظام، لكنها لم تنجح بعد في تأسيس بديل ديمقراطي، يعكس تطلعات السوريين ويمنحهم حق تقرير مصيرهم.

والوضع الاقتصادي لم يكن أقل قسوة من المشهد السياسي، بل ربما كان أكثر إلحاحاً على حياة الناس اليومية. فمع انهيار مؤسسات الدولة ، وجد السوريون أنفسهم أمام اقتصاد مشلول وأسواق مضطربة. ورغم بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة، مثل رفع الرواتب وتحسّن نسبي في توفر المواد الأساسية وتحسن التغذية الكهربائية، فإن هذه الخطوات لم تُترجم إلى تحسّن فعلي في حياة الناس؛ إذ سرعان ما التهمتها موجات الغلاء، نتيجة رفع  أسعار الكهرباء والإنترنت، وهذا ما جعل الفاتورة المعيشية أكثر قسوة على الفئات الفقيرة والمتوسطة.

خلف هذه التفاصيل اليومية يكمن مأزق أعمق: لا خطة اقتصادية واضحة المعالم طُرحت، ولا رؤية لإعادة الإعمار، ولا حتى إجراءات إسعافية لوقف التدهور المعيشي. فالحكومة بدت عاجزة عن التعامل مع التحديات الاقتصادية، سواء بسبب ضعف الخبرة أو غياب أدوات التنفيذ. والعقوبات الدولية ما زالت تخنق الاقتصاد وتمنع تدفق الاستثمارات وتُقيّد حركة التجارة، يضاف إليها استمرار شبكات الفساد في العمل، وهو ما عمّق شعور المواطنين بأن شيئاً لم يتغير فعلياً. فالاقتصاد السوري، الذي كان يحتضر تحت حكم الأسد، دخل مرحلة جديدة من الجمود تُهدد بانفجار اجتماعي إذا لم تُبادر السلطة إلى معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، وتقديم حلول واقعية تُعيد الثقة وتفتح باب التعافي.

أما ملف العدالة الانتقالية الذي فتح رسمياً  بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين قبل نحو سبعة أشهر، في خطوة اعتُبرت ضرورية لمعالجة إرث الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وكذلك تلك التي وقعت في عهد السلطة الجديدة. غير أن هذا المسار، الذي أثار في بدايته بعض الآمال، لم يُقدّم حتى الآن شيئاً ملموساً يطمئن الضحايا أو يعيد الثقة للمجتمع. صحيح أن السجون والفروع الأمنية فُتحت، لكن ملفاتها بقيت طي الكتمان، بعد أن جرى العبث بها والمتاجرة بها من قبل بعض الجهات، ما أفقدها مصداقيتها وأثار شكوكاً حول نوايا السلطة في كشف الحقيقة كاملة.

هذا البطء في مسار العدالة لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يُبقي الجرح مفتوحاً ويزرع بذور نقمة قد تنفجر في أي لحظة، خصوصاً في ظل استمرار التهميش والتجاهل. فالعدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لأي استقرار مستدام. وإذا لم تُعالج آثار المرحلة السابقة بشجاعة وشفافية، فإن سوريا الجديدة ستظل معلقة بين ماضٍ لم يُحاسب وحاضر لا يُبنى.

وعلى مستوى المجتمع والوعي العام، فلم يُترجم سقوط نظام الأسد إلى ولادة ثقافة سياسية جديدة أو إلى انفتاح مدني واسع. فالإرث الثقيل من الاستبداد ترك فراغاً هائلاً في الخبرة والمعرفة، ونسف أي تقاليد للعمل المدني أو السياسي المستقل. ومع غياب مؤسسات قادرة على تأطير المشاركة الشعبية، ظلّ المجتمع يتأرجح بين الحماسة الثورية والخيبة اليومية، وبين الرغبة في التغيير والخوف من الفوضى. والإعلام بقي أسيراً للاستقطاب، والتعليم لم يُحدث نقلة نوعية، فيما استمرت أنماط التفكير التي كرّسها النظام في السيطرة على الوعي العام. وهكذا وجد السوريون أنفسهم أمام مهمة مضاعفة: ليس فقط إعادة بناء الدولة والاقتصاد، بل أيضاً إعادة بناء الإنسان، وإحياء قيم المواطنة والحرية والعدالة، التي من دونها لن يكون لأي مشروع سياسي أو اقتصادي معنى.

وبالرغم من مرور عام على سقوط النظام السابق، لا تزال البلاد تواجه تحديات وجودية تهدد وحدة الدولة ومشروعها الوطني. فالمشهد الأمني مازال هشاً، حيث تستمر عمليات القتل والخطف، في حين ترفض بعض المناطق، مثل السويداء وشمال شرق سوريا، الانضمام إلى الدولة وتتمسك بإدارات محلية، وهذا ما يجعل معضلة توحيد سوريا أكثر تعقيداً. وفي ظل هذه الانقسامات، تبدو البلاد كأنها تقف على مفترق طرق: لا هي عادت إلى الاستبداد، ولا دخلت فعلياً في مرحلة بناء ديمقراطي مستقر. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً، فالثورات تُقاس بقدرتها على تغيير الوعي وفتح مسارات جديدة للتاريخ.

وسوريا، بالرغم من الجراح، بدأت تكتب فصلاً جديداً يحمل إمكانية النهوض إذا توفرت الإرادة وتوحدت الرؤية وصدقت النوايا، خصوصاً أن مستوى الحرية في الكلام والنقد بدا مرتفعاً مقارنة بالماضي، وهو مؤشر على أن جدار الخوف قد كُسر بالفعل وأن الطريق نحو التغيير بات مفتوحاً.

المدن

——————————-

عام على رحيل الأسد: عن الثورة والشرعية/ موفق نيربية

جاء في بيان للجان التنسيق المحلّية في شهر أغسطس عام 2011 في سوريا، حين ابتدأ الناس يتلمّسون أولى ملامح التغيير في ثورتهم، ما يلي: «إن قضية الثورة السورية المجيدة لا تقتصر على إسقاط النظام، بل هي تتطلع إلى بناء نظام ديمقراطي وطني، يصون حرية السوريين وكرامتهم، ويضمن كذلك استقلال البلاد ووحدة مجتمعها وشعبها. إننا نرى في إسقاط النظام الهدف الأولي للثورة، لكنه ليس غاية بحد ذاته، إنما الغاية هي حرية سوريا وحرية السوريين. وطريقة إسقاط النظام تحدد كيف ستكون سوريا بعده. فإذا أسقطناه بمظاهراتنا السلمية، التي تشارك فيها مدننا وبلداتنا وقرانا، ونساؤنا وأطفالنا ورجالنا، كانت فرص الديمقراطية في بلدنا أكبر بكثير، مما لو سقط بمواجهة مسلحة، على صعوبة ذلك أو حتى استحالته، أو بفعل تدخل عسكري دولي، وستكون الثورة أسست شرعية جديدة تؤسس لمستقبل كريم لسوريا كلها».

إنّ شرارة التغيير المرجوّ تنطلق من إسقاط النظام، لكنّ مضمونه وجوهره في عقل شباب الثورة هو الديمقراطية التي تصون حرية السوريين وكرامتهم، واستقلال البلاد ووحدة مجتمعها وشعبها، باتّجاه شرعية جديدة تؤسّس لمستقبل كريم لسوريا كلّها.

مع «مؤتمر النصر» الذي انعقد على أساس «من يحرّر يقرّر»، وأعطى الصلاحيات بمجملها للرئيس الجديد، ومن حرّر هو الفصائل على ما انتهت إليه في الأعوام الأخيرة؛ ثمّ نقل «حكومة إدلب»، كما هي في الأسابيع الأولى إلى كل البلاد، ثمّ «مؤتمر الحوار الوطني»، الشكلانيّ بإصرار عجيب، وتشكيل الحكومة الانتقالية – كما سميت- بنموذج باهت وشاحب عن «مشاركة الأقليّات».. وغير ذلك! «قطعت جهيزة قول كلّ خطيب» حين اندلعت أحداث الساحل، وأسفرت عن مجزرة أيقظت من الحلم، وتمّ بثّ وتعميم الردّ على من ينتقد ما حدث بنتيجتها: هي حدّ أدنى كان متوقّعاً أضعاف أضعافه بعدما حدث خلال أربعة عشر عاماً، وهذا عمل «أولياء الدم». رغم ذلك تفاءل الناس، وأهل الساحل منهم، باتّفاق العاشر من مارس هذا العام بين الشرع ومظلوم عبدي، الذي عبّر عن العزم على بناء الوحدة الوطنية والاعتراف بالحقوق الكردية. لكنّ مصير هذا الاتّفاق ما زال مجهولاً بجوهره الحقيقي. كان هذا على هامش البحث عن الشرعية- التي أرادها شباب الثورة جديدةً «تؤسّس لمستقبل كريم لسوريا كلها»- لكنّ مناط ذلك البحث كان في الخارج بشكلّ خاص، مع تنويعات داخلية، حدث أن بعضها غير مطمئن إطلاقاً بدوره. والحقيقة أن البحث عن الدور والشرعية في الخارج ليس بخصيصة حديثة، بل هي ملتصقة بتاريخ المشرق، أو شرق المتوسّط، منذ اتفاق الحسين-مكماهون، واتّفاقية سايكس بيكو، وما بعد ذلك من مؤتمرات واتفاقات، وتأسيس بلاد جديدة في المنطقة، وتوزّع الحصص بين «حماتها» الخارجيين. كما لم ينته البحث بعد تلك الفترة، أثناء الاستقلال ثمّ بعده في الانقلابات المتكرّرة.. حتى أصبح السؤال عن معلومات النشاط والدور الخارجي أساساً لأيّ تحليل ورؤية.. أساساً لأيّة شرعية طارئة، وما أكثرها.

كان ملك الشرعية الخارجية حافظ الأسد: الذي أراد علاقة متطورة مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد السوفييتي، ومع «المعسكر الرجعي» في المنطقة و»جبهة الصمود والتصدْي»؛ كما فعل في الداخل بتكريسه تقاليد حزب البعث الهجينة في البناء الاقتصادي، وتعزيز العلاقات مع بعض الاقتصاديين في البازار الشاميّ (الشلّاحيين) مع ضجيج طبقي مستمرّ عن طريق استمرار سياسة التأميم. وقد ترك لبعض الحرّيات مجالاً في البداية ليغري الخارج والداخل، وانفتح على القوى المنظّمة سابقاً مع وضع حدود أمام حركتها. لكنّه في الواقع كان حريصاً على تلك الشرعية الداخلية – الشكلية- مؤقّتاً، وبينما يؤسس ويبني مملكته الأمنية العسكرية الهائلة، في حين حاول الاحتفاظ بالجانب الخارجي منها، ولكن بنجاح نسبي فقط.

حاولت مادلين أولبرايت وجاك شيراك والجيران العرب والأوروبيون، دعم بشار الأسد بدوره، لكنه سقط بشكل أسرع من أبيه، رغم استفادته من تجربة الفترة الانتقالية ذاتها، حين ارتدى لبوس الإصلاحي الحداثوي لفترة قصيرة، سرعان ما تلاشت. يمكننا التسليم بالطبع بأهمّية العامل الخارجي في تأسيس الشرعية، لكن ذلك عابر ما دام العقد بالتراضي ما بين السلطة والشعب غائباً. وإذا اكتفى الناس لفترة محدودة بمبادلة الطاعة بالأمان والأمن، فإن ذلك غير دائم ولا كافٍ على الإطلاق.

لا يمكن أن تكون شرعية لسلطة في دولة معيّنة إلّا من خلال «اعتراف» الناس بالسلطة، بهيبتها، بقبولها والرضا بها، ومن ثمّ من خلال تنفيذهم لتعليماتها… الملتزمة بالعقلانية والقانون- الطبيعي على الأقل، المتعلّق بحقوق الحرية والحياة والتملّك، وبحقوق الإنسان عموماً- بل وبدستور مدني حديث وديمقراطي. كذلك لا تحظى تلك السلطة بالحق في ادّعاء السيادة الوطنية إلّا من خلال اعتراف المجتمع الدولي بها، ولكن أولاً من خلال تمثيلها لمطالب الناس.. والثورة في حالتنا.

ما حدث في سوريا في العقود الأخيرة كان مذبحة للعقل والمنطق، فالشرعية تأتي- عند ماكس فيبر- من التقاليد مثلاً كما في دولة ملكية وراثية، أو من قائد له من الكاريزما ما يكفي لسلطة مؤقتاً، أكثر أو أقلّ… أو من العقلانية وسيادة القانون وحكم الدستور. لكنّ ذلك المبحث قد توسّع كثيراً في القرن المنصرم، لينتقل من الشرعية الوصفية المذكورة إلى الشرعية المعيارية التي تعقّدت روائزها وزادت من دور المجتمع والمصلحة، أو هي زادت من شرعية تلك الشرعية.

على الرغم من تعريف السلطة الشرعية كحالة خاصة من السلطة الفعّالة التي هي بدورها حالة خاصة من سلطة الأمر الواقع، فإن الأولى فقط هي التي تُوصف بشكل مناسب بأنها تخدم مواطنيها. أما السلطة غير الشرعية – ولكن الفعالة ولو بواقع الحال – فلا تخدم من تهدف إلى حكمهم، على الرغم من أنها قد تدعي ذلك.

وقبل مئات السنين، أكّد توماس هوبس على وجود سلطة قوية تمنح الأمن، وجون لوك على حقوق الأفراد، في حين دافع جان جاك روسو عن الإرادة الجمعية التي تعكس رغبات الجماعة. وهؤلاء عصبة التنوير والحداثة السياسية. لذلك، للحكومة السورية الحالية أن تحوز الرضا العام وتحمي أمن جميع السوريين الفردي والجماعي، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي… ثمّ تنظر من دون تلكّؤ في الديمقراطية، صاحبة تاج الشرعية في العصر الراهن.

يتلمّس السوريون معالم لافتة في إيحاءاتها، منها العودة لاستنهاض ما يسبق الدولة الوطنية باتّجاه الطائفية والعشائرية، وما يسبق الدولة المدنية باتّجاه الدولة الدينية، وما يسبق الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد الريعي الفظّ، أو الزبائني الفاسد، وما يسبق المستقبل إلى الماضي، ومجمل ما تقوم به السلطة المؤقّتة وحصيلته هو الدفع بهذا الاتّجاه الخطر، بنوايا طيّبة أو غير طيّبة لا فرق في النتيجة والمآل …

ولو كانت قوة السلطة لازمة لحماية تطبيق القانون، فإن تمركزها المتصاعد والحثيث سوف يعيد للسوريين كوابيسهم السابقة، وهو استسهال لتحقيق الانضباط بالأوامر والرهبة، بدلاً من الرضا المفترض أن تحوزه سلطة شرعية، ولو كانت لا تزال في بداياتها. بحثنا في ذلك كثيراً في عهد الأسدين الأوّل والثاني، ولا بأس بالبحث أيضاً بعد سقوط ذلك العهد وبداية عهد آخر ما زال ملتبس التكوين والتوجّه. ونعلم جيداً أن بيان الثّوار الأوائل ذاك، أصبح تاريخاً بشكلٍ مؤقت أو دائم، لكننا سنحتفل أيضاً وكلّ عام بسقوط الأسد، وسوف نتأكّد من التوجّه نحو الدولة الحديثة ونبقى على خطّها: الديمقراطية ذات الحريات وحقوق الإنسان، والشرعية ذات الدستور العصري وسيادة القانون والتنمية المستدامة!

كاتب سوري

القدس العربي

———————–

 الثامن من كانون الأول 2024.. يوم دُفنت السلطة الأسدية بلا عزاء/ د. طلال المصطفى

2025.12.03

لم يكن يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 يومًا عاديًّا في التاريخ السوري المعاصر، ولا محطة عابرة في سجلّ نظامٍ استبدادي عاش نصف قرن يفرض نفسه على كل شيء: على السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والمجتمع، والذاكرة، والتاريخ، واللغة، وحتى على الصمت.

في هذا اليوم انكشف القناع الأخير عن السلطة الأسدية؛ السلطة التي ادّعت البقاء إلى الأبد، فإذا بها تُدفن فجأة إلى الأبد، بلا جنازة ولا عزاء. لم تكن الوفاة حدثًا منفصلًا، بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التحلّل. فمنذ ثورة آذار/مارس 2011 بدأت السلطة الأسدية تتآكل، لا من أطرافها فقط، بل من قلبها، من المنطقة التي كانت تصوّرها دائمًا على أنها “مركز القرار وموطن الاستقرار”. حكمت بالحديد والنار، ودفعت المجتمع السوري إلى حافة التشظّي، ثم اشترت الوقت بدماء السوريين، وبصفقات اقتصادية ومالية مكشوفة مع ميليشيات داخلية وخارجية، حتى غدت دولةً تُدار من تجار الحرب والميليشيات أكثر مما تُدار من مؤسسات الدولة نفسها. لم يعد بالإمكان الحديث عن “دولة” بالمعنى السياسي أو القانوني، بل عن كيان هشّ قائمٍ بالاسم فقط، وممدودٍ بالحياة بأجهزة التنفس الروسية والإيرانية.

من شرعية الاستثناء إلى تفكك المركز

لم تستمد السلطة الأسدية شرعيتها من عقد اجتماعي أو عملية سياسية طبيعية، بل من الاستثناء بوصفه قاعدة دائمة للحكم. فحالة الطوارئ غير المعلنة، وخطاب الخطر الوجودي، والحالة الأمنية المستمرة، وتبرير التضييق بوصفه ضروريًا للحفاظ على الاستقرار المجتمعي؛ كل ذلك شكّل أساسًا لشرعية مصطنعة. لكن في علم السياسة لا يمكن لنظام يقوم على الاستثناء أن يؤسس استدامة طويلة، فهو يعمل عبر إنتاج الخوف والعنف لا عبر إنتاج العقد الاجتماعي.

ومع الزمن تصدّعت هذه الشرعية، وتحوّل الاستثناء من أداة سيطرة إلى علامة عجز، فقد انتقلت السلطة بعد ثورة 2011 من دولة الأجهزة الأمنية إلى دولة الميليشيات.

عندما ابتلعت السلطة الأسدية الدولة

منذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970 لم تُبنَ الدولة السورية بوصفها تعبيرًا عن المصلحة العامة، بل كامتداد لشبكات السلطة. فقد اختُزلت الدولة في السلطة، واختُزلت السلطة في العائلة، واختُزلت العائلة في شخص واحد. وهكذا تحولت سوريا إلى “سوريا الأسد”: دولة شكلية، في حين الواقع كان نظامًا سلطويًا شخصانيًا.

في هذه البنية لم يكن المواطن شريكًا بل تابعًا، ولم تكن المؤسسات أدوات خدمة بل أدوات مراقبة وضبط. وحين ضعفت السلطة ظهر الفراغ: دولة بلا جهاز فعّال، وكيان قانوني بلا قدرة تنفيذية. ما انتهى في كانون الأول 2024 لم يكن “الدولة السورية”، بل الشكل السلطوي للدولة، ذلك الشكل الذي صادرها وحوّلها عن وظيفتها العامة.

حين تحوّلت السلطة إلى شبكة مصالح

شهدت السنوات الأخيرة تراجع منطق الشرعية السياسية أمام منطق المنفعة. فقد أصبحت السلطة شبكة مصالح متقاطعة بين ضباط الأمن، ورجال الأعمال التابعين للسلطة، والوسطاء، وأمراء الحرب، والميليشيات الطائفية المحلية والخارجية.

لم يعد الحكم تعبيرًا عن “المصلحة الوطنية”، بل عن: حصة كل فاعل. وفي ظل هذه البنية لم يعد ممكنًا استعادة المعنى الوطني. لقد أصبحت السلطة شركة احتكار سياسي واقتصادي، وحين تطغى المنفعة على المصلحة العامة لا يسقط النظام دفعة واحدة، بل يتفكك تآكلًا… كما حدث بالفعل.

الانهيار البطيء للسلطة الأسدية

في البداية كان القرار متركزًا في يد واحدة: بشار الأسد ومن حوله. ثم بدأ المركز يتفكك تدريجيًا؛ فقدت السلطة قدرتها على إدارة الأزمات، ثم على ضبط الاقتصاد، ثم على السيطرة على أطراف البلاد، ثم فقدت لاحقًا احتكار العنف نفسه لصالح قوى مسلحة خارج المؤسسة الرسمية.

تراجع المركز لصالح الأطراف — بعضها خارجي (روسيا وإيران)، وبعضها داخلي (ميليشيات الحرب). لم يكن الانهيار حدثًا فجائيًا، بل عملية طويلة امتدت لسنوات. لم يسقط النظام بسلاح واحد، بل مات بألف اختراق وتصدّع، حتى أصبح مركز القرار مجرد عنوان بلا مضمون، وقشرة بلا قلب.

موت الاستبداد في الذاكرة الجماعية

يموت الاستبداد — سوسيولوجيًا — حين تُكسر سطوته في الوعي قبل كسرها في الواقع. وفي هذا اليوم تحديدًا حدثت لحظة قطيعة رمزية: لم يعد النظام صورة أسطورية. لم يعد “الأب”، ولا “الحامي”، ولا “القدر”. صار مرئيًا في هشاشته، بشريًا في ضعفه، بلا هالة.

فقدت السلطة سلاحها الأكثر فعالية: الخوف. ومع تراجع الخوف تآكلت الطاعة، ومع تآكل الطاعة انهار الاستبداد نفسيًا قبل انهياره سياسيًا. وحين يموت الاستبداد نفسيًا، يكون موته السياسي مجرد إجراء شكلي. لقد انتهى زمن الخوف غير المرئي، وصار السوريون قادرين على النظر إلى السلطة الأسدية لا بعين الرعب، بل بعين التفكّه. وهذه نهاية أعظم من أي هزيمة عسكرية.

لماذا لم يظهر الحزن؟

ببساطة: لأن معظم السوريين لم يكونوا يومًا أصحاب السلطة، ولا شعروا بأنها تمثلهم. فالحزن يحتاج إلى علاقة انتماء وشعور بالخسارة، وهذا لم يكن موجودًا.

السلطة التي حكمت بالقهر لا تُفتقد، والسلطة التي استنزفت المجتمع لا تُرثى. تحمّل السوريون عقودًا من الإذلال الممنهج، وتجنّبوا المواجهة حفاظًا على البقاء، لكنهم لم يمنحوها حبًا أو ولاءً حقيقيًا. وعندما انتهت، كان الشعور السائد أقرب إلى الراحة الداخلية، وربما الانتقام الرمزي بتحطيم مجسّمات العائلة الأسدية في المؤسسات والساحات.

إن الاستبداد الذي يقطع صلته بالشعب يخسر حقه في الفقدان، ويغادر المسرح بلا تصفيق، بلا احترام، وبلا أي أثر عاطفي يُذكَر.

ما بعد الموت: استعادة الدولة

موت السلطة الأسدية لا يعني تلقائيًا بداية الديمقراطية. فالمرحلة الانتقالية ستكون معقدة ومليئة بالتحديات: صراع النخب، إرث العنف، هشاشة الاقتصاد، وانقسام المجتمع. لكن السوريين اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يتجاوز حكم الفرد والحزب الواحد.

الخيار المطروح ليس بين الفوضى والاستبداد، بل بين إعادة إنتاج السلطة القديمة بصيغ جديدة، أو بناء مشروع وطني جامع. المستقبل سيحدده ميزان القوى بين إرادة المجتمع وإرادة بقايا السلطة. وإذا استطاع السوريون تحويل الذاكرة المؤلمة إلى تجربة تعلّم تاريخية، فسيكونون قادرين على صناعة نمط جديد للحكم لا يقوم على الهيمنة بل على المشاركة.

سوريا ما بعد السلطة الأسدية صفحة لم تُكتب بعد، لكنها — للمرة الأولى منذ عقود — صفحة مفتوحة على إمكانية قيام دولة طبيعية: دولة مواطنين لا رعايا، ودولة قانون لا أجهزة أمن، دولة تنتمي لشعبها… لا لعائلة حاكمة.

تلفزيون سوريا

——————————-

 عام على الانتصار وبداية نهضة سوريا/ سونير طالب

2025.12.03

تمرّ علينا اليوم الذكرى الأولى لتحرير سوريا من النظام البائد، مناسبة وطنية فارقة تستدعي وقفة تأمل عميقة، وتحليلا دقيقا لمسار أربعة عشر عاماً من الصمود والتضحيات، ورسم رؤية استراتيجية لمستقبل وطن مستقر وموحد. لم يكن هذا التحرير مجرد حدث سياسي أو انتصار عسكري، بل استعادة لإرادة شعب أصيل قرّر استعادة كرامته وحقه في الحرية، وإعادة صياغة دوره الفاعل في بناء دولة قوية وذات سيادة.

لقد أثبتت التجربة السورية أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن قدرة الشعب على الصمود تحت وطأة القمع هي حجر الأساس لأي نهضة وطنية حقيقية.

لقد خلفت الحرب أضراراً عميقة على مستويات متعددة، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حجم الخسائر في البنية التحتية السورية تجاوز 108 مليارات دولار، في حين تصل كلفة إعادة الإعمار إلى نحو 216 مليار دولار. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية، بل تعكس تحديات استراتيجية تتطلب رؤية وطنية متكاملة لإعادة بناء الدولة بمؤسسات فعالة، واقتصاد مستدام، ورأس مال بشري قادر على قيادة عملية التنمية والتحديث. وفي هذا الإطار، يبرز دور المجتمع المدني كركيزة أساسية في عملية إعادة البناء، حيث لعب دوراً محورياً خلال سنوات النزاع في حماية المواطنين، وصون النسيج الاجتماعي، ودعم الحقوق الإنسانية، ليصبح اليوم شريكاً استراتيجياً في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التنمية المستدامة.

إن نجاح مرحلة إعادة البناء يتطلب نهجاً مؤسسياً متكاملاً، يبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، مروراً بدعم الاقتصاد المحلي وتمكين الشباب والكفاءات الوطنية، وصولاً إلى تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة. ويشكل هذا النهج فرصة تاريخية لتحويل معاناة السنوات الماضية إلى بداية عهد جديد يتميز بالعمل الجماعي والتكاتف الوطني، مع مراعاة العدالة الاجتماعية والشمولية في المشاركة السياسية والمدنية. فكل خطوة نحو البناء هي خطوة نحو استعادة كرامة الوطن، وتحويل الحرية التي انتزعها الشعب إلى واقع ملموس ومستدام.

ولا يكتمل هذا البناء الوطني إلا بترسيخ الوحدة الشاملة لجميع مناطق سوريا تحت مظلة وطنية واحدة، من السويداء إلى الحسكة، ومن الساحل إلى المدن الداخلية، بحيث يشعر كل مواطن بأنه شريك فاعل في صياغة القرار الوطني ومستقبل بلده. إن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي شرط أساسي لاستقرار الدولة وبناء مؤسسات قوية، قادرة على حماية حقوق الجميع.

وفي هذا السياق، يظل الاعتراف بتضحيات الشهداء—المدنيين والقيادات الوطنية والعاملين في المجتمع المدني وأبطال الميدان—واجباً أخلاقياً واستراتيجياً، حيث إن دماءهم شكّلت الأساس الذي بنيت عليه الحرية، ويجب أن تكون حافزاً لكل سوري للمساهمة بفعالية في إعادة البناء الوطني.

إن سوريا التي نحلم بها بعد عام من التحرير ليست مجرد مكان يُعاد ترتيبه بعد الحرب، بل مشروع إنساني متكامل، يجمع بين استعادة الهوية الوطنية، وإعادة بناء الدولة، وتمكين المجتمع، وإرساء أسس التنمية المستدامة. الطريق مليء بالتحديات، من إعادة الإعمار إلى تعزيز مؤسسات الدولة، لكن الإرادة الوطنية قوية، والشعب السوري موحد، والمجتمع المدني نشط، والكوادر الوطنية حاضرة لبناء مستقبل أفضل.

إن ما تحقق خلال العام الأول بعد التحرير يمثل بداية عهد جديد، عهد يتطلب من كل مواطن أن يكون شريكاً فاعلاً في بناء الوطن، ليس بالكلمات فحسب، بل بالمشاركة العملية والعمل الجاد. المستقبل أكثر إشراقاً، لأنه مبني على إرادة السوريين، وعلى مشروع وطني يضم كل المدن والمناطق تحت مظلة واحدة، حرّة ومستقرة، يحتضن جميع أبنائه دون استثناء، ويستند إلى قيم العدالة، المواطنة، والتنمية المستدامة. هذا هو الالتزام الوطني الذي يجب أن يوجه كل جهودنا، والتحدي الذي يجب أن ننتصر فيه، لإعادة بناء سوريا موحدة وذات سيادة.

تلفزيون سوريا

————————–

سوريا بعد عام من الأسد/ علي قاسم

بعد عام من غياب الأسد، يمكن القول إن سوريا ستظل في حالة سيولة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، حيث لم تتبلور بعد مؤسسات بديلة قادرة على إدارة الدولة بشكل مستقر.

غياب الأسد فرصة لبناء العقد الاجتماعي

الخميس 2025/12/04

إن التفكير في مستقبل سوريا بعد غياب الرئيس بشار الأسد عن السلطة لا يمكن أن يُختزل في التحليل السياسي أو الأمني وحده، بل يتطلب مقاربة شاملة تربط بين المسارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، مع إدماج الدور العربي والإقليمي والدولي في آن واحد. فبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، وتعدد مراكز القوى، وتدخلات إقليمية ودولية واسعة، فإن أي تغيير في رأس السلطة لا يمكن عزله عن إعادة توزيع القوة العسكرية، وإعادة صياغة الاقتصاد المنهك، وإعادة بناء العقد الاجتماعي الممزق، في ظل مصالح متشابكة لدول الجوار والقوى الكبرى.

على المستوى الأمني، يُتوقع أن يشهد الجيش السوري والأجهزة الأمنية حالة من إعادة التشكل، حيث سيؤدي غياب القيادة المركزية إلى تنافس بين الفرق العسكرية والشبكات الاستخباراتية التي راكمت نفوذًا خلال سنوات الحرب. هذا التنافس قد يُترجم في صورة انقسامات أو ولاءات متباينة، خصوصًا في ظل ضعف الانضباط المؤسسي وتراجع القدرة على التمويل والتسليح. كما أن الميليشيات المحلية، التي لعبت دورًا محوريًا في حماية المدن والمناطق، ستسعى إلى تعزيز استقلاليتها، مما يفتح الباب أمام مزيد من التشرذم الأمني.

لكن هذه المعادلة الأمنية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد. فالمؤسسة العسكرية التي تفتقر إلى التمويل المستدام ستجد نفسها عاجزة عن إعادة بناء قدراتها، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الاعتماد على الدعم الخارجي. كما أن الميليشيات المحلية ستسعى إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية، سواء من خلال الضرائب غير الرسمية أو عبر شبكات التهريب، مما يجعل السيطرة العسكرية مرهونة بالقدرة على تأمين الموارد المالية. هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد يعكس واقعًا جديدًا حيث تصبح القوة العسكرية مرتبطة مباشرة بالقدرة على إدارة الموارد.

الانقسامات الطائفية والإثنية ستجعل من الصعب صياغة مشروع وطني جامع في فترة قصيرة. ومن المرجح أن تستمر حالة التشرذم مع بروز دعوات إلى اللامركزية كحلول لتخفيف حدة الصراع

على المستوى الاجتماعي–الإنساني، فإن غياب الأسد قد يُنظر إليه من قبل قطاعات واسعة من المجتمع بوصفه فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، غير أن الانقسامات الطائفية والإثنية، إضافة إلى آثار الحرب الطويلة، ستجعل من الصعب صياغة مشروع وطني جامع في فترة قصيرة. ومن المرجح أن تستمر حالة التشرذم، مع بروز دعوات إلى اللامركزية أو الفيدرالية كحلول لتخفيف حدة الصراع، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف الهوية السياسية للدولة السورية. لكن هذه الدعوات لن تكون قابلة للتنفيذ ما لم تُدعَم بموارد اقتصادية كافية، وما لم تُترجم إلى ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار.

البعد الإنساني يتجلى أيضًا في قضية اللاجئين والنازحين. فبعد أكثر من عقد من النزوح، يعيش ملايين السوريين في دول الجوار أو في مخيمات داخلية، ويشكل غياب الأسد فرصة لإعادة التفكير في سياسات العودة وإعادة الإدماج. غير أن هذه العودة لن تكون ممكنة دون ضمانات أمنية قوية، ودون مشاريع اقتصادية توفر فرص العمل والخدمات الأساسية. وهكذا يصبح ملف اللاجئين مثالًا صارخًا على الترابط بين الأمن والاقتصاد والمجتمع.

على المستوى الإقليمي والدولي، فإن غياب الأسد سيُحدث ارتباكًا في موازين القوى. فروسيا، التي بنت إستراتيجيتها على دعم النظام، ستجد نفسها أمام خيار إعادة صياغة تحالفاتها الداخلية، بينما قد ترى إيران في المرحلة الانتقالية فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم شبكات محلية. في المقابل، قد تعتبر تركيا أن غياب الأسد يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة في الشمال، فيما ستسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بعملية انتقالية ذات مصداقية.

وهنا يبرز الدور الإسرائيلي كعامل لا يمكن تجاهله. فقد كثّفت إسرائيل تدخلاتها العسكرية في سوريا بشكل غير مسبوق، إذ تشير تقارير بحثية مثل دراسة الصادرة عن “شتام هاوس”(2024)  إلى تنفيذها أكثر من ألف غارة خلال عام واحد، استهدفت مواقع مرتبطة بإيران وحزب الله، إضافة إلى بنى تحتية عسكرية سورية. هذا التصعيد يعكس إستراتيجية إسرائيلية متعددة المحاور، تهدف إلى منع إعادة تموضع القوات الإيرانية في الجنوب، وتوسيع نطاق نفوذها العسكري في العمق السوري، وخلق واقع أمني جديد حول الجولان المحتل. تقرير “مركز كارنيج لدراسات الشرق الأوسط”  (2025)يؤكد أن هذه الضربات أسفرت عن تدمير نسبة كبيرة من القدرات العسكرية التقليدية السورية، وأعادت رسم حدود النفوذ في الجنوب بما يخدم المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد. لكن هذه الضربات ليست أمنية فقط، إذ إنها تُضعف قدرة الدولة السورية على حماية بنيتها الاقتصادية، وتزيد من هشاشة مشاريع إعادة الإعمار، مما يربط الأمن بالاقتصاد بشكل مباشر.

أما الدور العربي، فهو لا يقل أهمية عن الأدوار الدولية. فالأردن، الذي يتأثر مباشرة بما يجري في الجنوب السوري، معني بترتيبات أمنية تضمن استقرار الحدود وتحد من تهريب السلاح والمخدرات، إضافة إلى منع موجات نزوح جديدة قد تُثقل كاهله الاقتصادي والاجتماعي. لبنان، بدوره، يواجه معضلة مزدوجة؛ من جهة يعتمد حزب الله على خطوط إمداد عبر سوريا، ومن جهة أخرى يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية تجعل أي موجة نزوح جديدة كارثية. لذلك، لبنان معني بوجود ترتيبات تقلص النفوذ الإيراني وتحد من تدفق اللاجئين.

غياب الأسد لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني

أما قطر والسعودية، فقد لعبتا أدوارًا سياسية ودبلوماسية بارزة. قطر استثمرت في دعم المعارضة سياسيًا وإعلاميًا، وهي اليوم تطرح نفسها كوسيط قادر على فتح قنوات تفاوض بين الأطراف المتصارعة، إضافة إلى دعمها مشاريع إنسانية وإغاثية تمنحها نفوذًا ناعمًا في الملف السوري. السعودية، من جانبها، انتقلت من مرحلة المواجهة المباشرة مع النظام إلى تبني سياسة أكثر براغماتية، خصوصًا بعد الانفتاح على دمشق في إطار المصالحات الإقليمية. هذا التحول يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني، وفي الوقت ذاته إلى فتح الباب أمام ترتيبات أمنية–اقتصادية جديدة. ومن المهم الإشارة إلى أن الرياض لعبت دورًا في تهيئة الأرضية لمحادثات بين أطراف سورية والبيت الأبيض، في محاولة لإيجاد صيغة توافقية تضمن مصالحها ومصالح واشنطن.

إن إدماج الدور العربي في التحليل يوضح أن مستقبل سوريا لا تحدده فقط القوى الكبرى، بل أيضًا مصالح دول الجوار التي لا تستطيع تحمل استمرار الفوضى. فالأمن الأردني واللبناني مرتبط مباشرة بالاستقرار السوري، والدور الخليجي مرتبط بترتيبات إعادة الإعمار والمصالحة السياسية. وهكذا يصبح البعد العربي جزءًا لا يتجزأ من المعادلة الأمنية–الاقتصادية–الاجتماعية.

بعد عام من غياب الأسد، يمكن القول إن سوريا ستظل في حالة سيولة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، حيث لم تتبلور بعد مؤسسات بديلة قادرة على إدارة الدولة بشكل مستقر. إن التحدي الأكبر يكمن في بناء شرعية جديدة، سواء عبر انتخابات انتقالية أو عبر توافقات داخلية–خارجية، لكن هذه الشرعية ستظل هشة ما لم تُدعَم بإصلاحات بنيوية في مؤسسات الدولة، وبإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس أكثر شمولًا وعدالة. وفي هذا السياق، فإن أي إصلاح اقتصادي لن يكون ممكنًا دون استقرار أمني، وأي استقرار أمني لن يكون ممكنًا دون موارد اقتصادية كافية، وأي عقد اجتماعي لن يكون ممكنًا دون معالجة ملف اللاجئين والنازحين، وأي ترتيبات إقليمية لن تكون ممكنة دون إدماج الدور العربي في المعادلة.

في المحصلة، فإن غياب الأسد لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني. هذه المرحلة ستتسم بقدر كبير من عدم اليقين، لكنها قد تفتح أيضًا نافذة لإعادة التفكير في مستقبل سوريا كدولة متعددة المكونات، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس جديدة تتجاوز منطق الهيمنة الفردية نحو منطق المشاركة والتوازن، مع إدراك أن الأمن والاقتصاد والمجتمع والدور العربي والدولي في هذه المرحلة ليسوا مسارات منفصلة، بل منظومة واحدة متشابكة تحدد معًا ملامح المستقبل السوري.

كاتب سوري مقيم في تونس

العرب

————

جيلٌ كبر مع الثورة.. كيف يرى سوريا بعد عام على الإطاحة بالأسد؟/ إبراهيم محمد

دمشق- ذات صباح رمادي بمدينة إدلب السورية، يفتح خزيمة العيدو، طالب العلوم السياسية، نافذة غرفته المطلة على شارع مزدحم، الضوضاء التي تصل إليه اليوم لا تشبه صخب طفولته حين وقعت مجزرة الأقلام في بلدة حاس قضاء المدينة.

بين الإطلالتين، مرت 14 سنة غيّرت كل شيء: السلطة، والمؤسسات، وحتى الأسئلة التي يطرحها الشاب العشريني عن بلده ومستقبله.

ويواجه خزيمة، كسائر أبناء جيله (مواليد 1998- 2005)، سؤالا وجوديا بشأن الهوية والانتماء ورؤية البلاد، فقد نشأ هذا الجيل في ظل الحرب والنزوح، والآن يخطو مرحلة الشباب في دولة تتشكل من جديد، ويعيد فيها تعريف علاقته بالحاضر والمستقبل.

ذكريات ومستقبل

ويصف خزيمة طفولته بقوله للجزيرة نت إنه “عاشها كلها داخل الثورة”، حيث المظاهرات الأولى وصدى القصف، ومجزرة الأقلام في المدرسة، كلها مشاهد محفورة في ذاكرته.

ورغم ذلك، يشعر اليوم بتغير ملموس بعد عام على سقوط النظام ويعيش “فرحا شديدا ممزوجا بحزن على الشهداء والمعتقلين الذين لم يشهدوا هذه اللحظة”.

واليوم يمكن لخزيمة أن يحلم أن يصبح سياسيا أو دبلوماسيا، ويُمثّل بلده في المحافل الدولية، وهو “حلم كان يبدو مستحيلا في السابق”.

أما أحمد علي (22 عاما) طالب هندسة معلوماتية من مدينة حلب، فلم يكن شعوره كخزيمة بانطلاق الثورة، ويقول إنه يحمل ذاكرة مشوشة عن طفولته، كأن شريطا قد مُسح من حياته.

ويقول للجزيرة نت “ما أتذكره هو رائحة القرية حين كانت العائلة كلها تجتمع، قبل أن تبتلع الثورة تفاصيل البيت وتفصلنا عن بعضنا”، مشيرا إلى أن 14 عاما مضت لم ير خلالها أخاه.

وحين يستعيد أحمد صورة سوريا القديمة، يقفز إلى ذهنه مشهد الرشوة والذل، وطوابير تأجيل الخدمة الإلزامية، والقلق على الحواجز، والأسئلة المعتادة عن الدولار أو الهاتف المجمرك، فقد كان الخوف جزءا من الشارع.

ويشير إلى أنه لم يشعر بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، بأي تغيير جذري في حياته، ويقول “الطرقات انفتحت، لكني لا أرى استقرارا، بل على العكس، الخوف من المستقبل يلازمني”.

ويصف وضعه المعيشي بأنه أصعب من ذي قبل، فدخول البضائع الأجنبية وضعف الرواتب جعلا الحياة اليومية سباقا على فرصة شبه معدومة.

ورغم دراسته في هندسة المعلوماتية، لا يرى أحمد مستقبلا لمجاله في حلب، ويوضح أن طموحاته تواجه سخرية من المحيط، حتى عند تطوير تطبيقين إلكترونيين للأطباء، لم يأخذا على محمل الجد، يقول بلا تردد “لا مستقبل هنا، ومن يريد العيش يبحث عن عمل بالخارج”.

في انتظار الأمل

فيما يستعيد محمد بلال، (22 عاما)، من ريف حلب ويعيش في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، طفولته في حي شرقي المدينة، حيث كان يساعد والده في المكتبة بعد انتهاء الدوام المدرسي. ويقول “لا أتذكر كيف بدأت الثورة ولا أعرف شيئا عنها، كان عمري 8 سنوات فقط”.

وعاش محمد أغلب طفولته هاربا من الحرب والنزوح، فقد نزح من مدينة حلب إلى ريفها ومن ثم إلى مناطق شمال شرق سوريا حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

ويشير إلى أنه لم يمتلك وثائق شخصية لأنه كان مطلوبا للنظام السابق، مما جعله محاصرا “لا أستطيع الخروج، وحياتي كلها كانت هروبا من الحرب والبدء من الصفر” يقول محمد للجزيرة نت.

ويصف سوريا بأنها “وطن بدائي”، ويشير إلى العقوبات التي تمنعه من ممارسة أشياء بسيطة مثل شحن الألعاب الإلكترونية التي يحب ممارستها، وهو يخشى العودة إلى مدينته، ويقول “أفتقد الأمان لا أثق أنني لن أتعرض لمكروه لقد رأينا ما حدث خلال عام بعد سقوط النظام”.

ولكن رغم ذلك يرى بارقة أمل عبر الانفتاح الدولي على سوريا قائلا “أشعر أن هناك فرصة متقدمة من الممكن أن تعطى لسوريا عندما أرى الرئيس السوري أحمد الشرع يجتمع مع نظيره الأميركي دونالد ترامب”، لكن أمله يتراجع أمام “خطاب الكراهية بين السوريين” على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويحلم الشاب محمد بتحويل شغفه بالألعاب الإلكترونية إلى مصدر دخل عبر الإنترنت إذا أزيلت العقوبات، ويؤكد استقلالية وذكاء جيله قائلا “جيلنا مختلف عن سابقه، لقد تعلمنا من الإنترنت”.

تغير ملموس

ومن مدينة درعا، يروي الطالب في كلية الحقوق، مراد المفعلاني، (20 عاما)، ذكرياته الأولى مع الثورة، والهتافات في المظاهرات، وتوتر البيت، والشوارع الفارغة قبل الغروب.

وعندما كان يسمع عبارة “سوريا قبل 2024″، يختصرها بـ3 كلمات: بلد الحواجز، والخوف، وانعدام الأمل. واليوم، يلاحظ تغيرا ملموسا، فالحركة في المدينة أهدأ، والناس يتحدثون أكثر عن العمل والدراسة والمستقبل بدلا من أخبار المداهمات والخوف المعتاد.

لكنه يشعر بقوة الخوف من المستقبل، كما يقول، “لم يعد ذاك الخوف القديم، لكنْ هناك خوف من القادم”.

ويرى مراد فرصا أفضل اليوم للتدريب والدراسة، رغم أن الطريق لا يزال صعبا، ويؤكد أن أكبر تحدٍّ يواجهه هو إيجاد وجهة واضحة وسط التغييرات السريعة ويقول “كل شيء يتغير بسرعة، وأنا ما زلت أبحث عن طريقي (مستقبلي)”.

وأمله الأكبر -كما يقول- يكمن في متابعة الدراسة خارج البلاد والعودة لخدمة منطقته، ويضيف “الحلم الأقرب لي هو إيجاد هدف وطريق واضح لحياتي”، ويتابع “تربّينا على الخوف لكننا لم نستسلم له ونحاول أن نجد معنى لحياتنا بعد سنين الضياع”.

ضبابية المشهد

وتشير دراسات إلى أن الأجيال التي نشأت في بيئات ما بعد التحولات العنيفة، سواء كانت ثورات أو حروبا، تحمل سمات مشتركة: ذاكرة منقوصة، وشعورا طويل الأمد بعدم اليقين، ورغبة في القطع مع البُنى القديمة حتى لو لم تتبلور بدائل واضحة.

ووجدت دراسة صادرة عن مركز كارنيغي أن الشباب الذين نشؤوا خلال الاضطرابات غالبا ما يعانون مستويات أعلى من القلق بشأن المستقبل، خاصة في ظل اقتصاد هش وفرص غير مستقرة.

أما تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فيؤكد أن شباب ما بعد النزاعات أكثر استعدادا للمشاركة الاجتماعية، وأكثر اندفاعا نحو التعليم والتقنيات الحديثة، لكنهم يشعرون بأن المؤسسات الرسمية أهملت احتياجاتهم، وأن الانتقال السياسي لم يترجم إلى تحسّن ملموس في حياتهم اليومية، ما يدفعهم للتفكير في الهجرة حتى في الدول التي شهدت تغيرا سياسيا كبيرا.

المصدر: الجزيرة

—————-

3 من كانون الأول.. يوم انهيار دفاعات حماة واستنجاد “الأسد” بمجلس الأمن/ سعيد اليوسف

2025.12.03

كان اليوم السابع من معركة “ردع العدوان” (3 من كانون الأول 2024)، واحداً من أكثر الأيام حسماً في مسار العملية، مع وصول الفصائل إلى أبواب حماة وبدء انهيار الدوائر الدفاعية التي بنى عليها نظام الأسد، ثقله في وسط البلاد لعقدٍ كامل.

فمن الشمال الذي يدفع باتجاه ربط جبهات حلب بحماة، إلى سهل الغاب الذي يضغط حول مدينة حماة، إلى الانهيارات المتسارعة داخل صفوف “قوات الأسد”، كانت كلّ المؤشرات تدل على أن الطريق نحو سقوط “الأسد” بات أقرب من أي وقت مضى.

شمالي حماة وسهل الغاب.. يوم تطويق المدينة

مع ساعات الصباح الأولى، تحوّل ريفا حماة الشمالي والغربي إلى مسرح رئيسي لليوم السابع، حيث أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” السيطرة على مدينتي طيبة الإمام وحلفايا وبلدة معردس، وهي عقد رئيسية كانت تمثّل لسنوات خطاً دفاعياً أول عن مدينة حماة.

بالتوازي، سقطت “تلة الناصرية” الاستراتيجي شمالي حماة، لتُفتح الطريق نحو بلدة خطاب ورحبة التسليح، التي لم تلبث أن أعلنت الفصائل السيطرة عليها أيضاً.

السيطرة على رحبة التسليح و”اللواء 87″، بما تمثّله من مخازن أسلحة وذخيرة، جعلت أي محاولة لـ”قوات الأسد” وميليشياته، لإعادة بناء خط دفاعي منظّم شمالي المدينة، شبه مستحيلة.

كذلك، سيطرت فصائل “ردع العدوان” على جبل “كفراع” الاستراتيجي، الذي يبلغ ارتفاعه 625 متراً، ويقع شرقي “جبل زين العابدين”، ويُعد موقعاً حيوياً نظراً لإطلالته على مناطق واسعة في ريف حماة الشمالي.

على محور ريف حماة الغربي، كانت أخبار سهل الغاب لا تقلّ ثقلاً: فصائل “ردع العدوان” فرضت سيطرتها على حزام واسع من القرى والبلدات: “العمقية، الحواش، جسر بيت الراس، الحويجة، المنارة، الحويز، الحمرا، باب الطاقة، المهاجرين، الشريعة، الجماسة، والتويني”.

وتعني هذه السيطرة كامل الشريط الذي استعادته قوات النظام، عام 2019، وعُدّ يومها نقطة انقلاب في ميزان القوى بالشمال والوسط السوري.

استعادة هذا الشريط خلال ساعات قليلة، ومعه عقد نارية تشرف على طريق “الغاب-حماة”، عنى عملياً أن المدينة باتت مهدّدة من محورين: الشمالي والشمالي الغربي، وأنّ أي انسحاب للنظام من المدينة سيكون مكشوفاً تحت نيران المعارضة.

في عمق خطوط نظام الأسد، واصلت كتائب “شاهين” حرب الاستنزاف التقنية، حيث استهدفت رتلاً عسكرياً ومنظومتي تشويش في جبل “زين العابدين”، إلى جانب تدمير “عربة BMP، ورشاش 23 ” في مدرسة المجنزرات شمالي حماة.

ذروة اليوم الميدانية جاءت مع بثّ مشاهد لاستهداف غرفة عمليات لقوات النظام في مصياف بريف حماة الغربي، عبر مسيّرة انقضت على مبنى يُعتقد أنه يضم ضباطاً كباراً.

الضربة على مصياف -أحد أهم مراكز الثقل العسكري والأمني للنظام في الوسط السوري- حملت رسالة أبعد من المجال الجغرافي: “خطوطكم الخلفية لم تعد آمنة”.

انهيارات داخل حماة وانسحاب نحو سلمية

لم يعد الضغط على حماة عسكرياً فقط، فمع اقتراب الفصائل من أسوار المدينة، تأكّدت أنباء عن انشقاق عشرات العناصر من قوات النظام في المحافظة، تزامناً مع حملة اعتقالات واسعة في أحياء “البياض، والجلاء، والمحطة، وجنوب الملعب، وطريق حلب، والحاضر، والصابونية”، استهدفت شباناً بين 17 و40 عاماً.

قوات نظام الأسد، حاولت تعويض النزيف البشري بحملات تجنيد قسرية في قلب مدينة حماة، لكن مشاهد الهروب والانشقاق كانت أكثر تعبيراً عن المزاج العام داخل صفوفه.

لكن التطور الأخطر خلال اليوم السابع هو ما كشفته مصادر ميدانية حول انسحاب فعلي لـ”قوات الأسد” من داخل حماة إلى مدينة سلمية في الريف الشرقي.

ترافق ذلك مع: “سحب مبالغ مالية ضخمة من المصارف، إغلاق مكاتب الصرافة، تفريغ مقار أمنية من محتوياتها”، في مؤشر على أن النظام بدأ يدرك أن معركة المدينة حُسمت عملياً، متراجعاً نحو خط دفاع داخلي جديد في سلمية.

“رسائل تطمين موجهة لأهالي محردة”

في بلدة محردة -ذات الغالبية المسيحية- شمالي حماة، سعت “إدارة العمليات العسكرية” إلى قطع الطريق على سردية النظام الطائفية، فوجّهت رسالة تطمين مباشرة إلى الأهالي، أكّدت فيها أن المعركة ليست ضد أي مكوّن اجتماعي، وإنما ضد من حمل السلاح دفاعاً عن النظام.

الدعوة إلى تجاهل دعاية نظام الأسد والميليشيات الإيرانية عكست إدراكاً مبكراً لحساسية هذا الشريط السكّاني، وحرصاً على تفكيك واحدة من أهم أوراق “الأسد” في الوسط السوري.

أولى ساعات اليوم.. تقدّم “فجر الحرية” في ريف حلب

مع الدقائق الأولى من منتصف الليل، كانت غرفة عمليات “فجر الحرية” تعلن سيطرة قواتها على سلسلة من البلدات والقرى في ريف حلب الشمالي: “مسقان، حردتنين، معرسة الخان، زيتان، السفارنة، وتل جبين”.

هذا التقدّم ثبت أن محور الشمال لم يعد فقط جبهة مساندة، بل ركيزة رئيسية في خنق ما تبقّى من خطوط دفاع نظام الأسد حول حلب، وربطها بجبهة ريف حماة المتقدمة بسرعة.

في الوقت نفسه، كانت “إدارة العمليات العسكرية” تواصل ضرباتها الدقيقة في عمق تمركزات النظام قرب مدينة حماة، إذ دمّرت طائرة مسيّرة من طراز “شاهين” سيارة عسكرية قرب دوار سباهي داخل مدينة حماة، في رسالة واضحة أن قلب المدينة لم يعد بعيداً عن مرمى نيران المعارضة.

حلب بعد التحرير.. من خرائط السيطرة إلى تفاصيل الحياة اليومية

بعيداً عن ضجيج المدافع في حماة، كان اليوم السابع هو أوّل يومٍ تبدأ فيه حلب بالتصرّف كمدينة محرَّرة بالكامل، تحاول التقاط أنفاسها.

على المستوى الأمني والعسكري، أصدرت “إدارة العمليات العسكرية” بياناً دعت فيه عناصر قوات النظام الذين بقوا في أحياء المدينة إلى مراجعة مراكز محددة لتسوية أوضاعهم قبل نهاية الأسبوع، ملوّحة بأنّ مَن يتخلّف عن ذلك يفقد “حصانة الأمان” التي منحتها لهم في الأيام الأولى لدخول المدينة.

وعلى خط الخدمات، بدأت شركة “سيريا فون” للاتصالات تركيب أبراج جديدة في أحياء مثل الجميلية، حلب الجديدة، ومحيط مبنى الإذاعة، لتعويض انهيار شبكات “سيريتيل” و”MTN” وانقطاعها عن الخدمة بعد انسحاب مؤسسات النظام من المدينة.

هذا المشهد، الذي مزج بين هوائيات الاتصالات الجديدة وصور المقاتلين في الساحات، لخص لحظة انتقال المدينة من زمن الحصار والقصف إلى زمن إعادة البناء والبحث عن تغطية شبكة وهاتف ولقمة خبز.

ظهور رياض حجاب

سياسياً ورمزياً، سجّل اليوم السابع الظهور الأبرز لـ(رياض حجاب)، رئيس الوزراء السابق المنشق عن النظام، الذي أكّد في كلمة متلفزة أن السيطرة على حلب “تمت من دون إراقة دماء أو تجاوزات”، مشدداً على وحدة التراب السوري ورفض مشاريع التقسيم، داعياً إلى التسامح بوصفه شرطاً لمستقبل سوري مشترك.

كانت تلك واحدة من الإشارات الواضحة إلى محاولة المعارضة السوريّة تقديم نموذج مغاير عن سنوات الفوضى والتشظي، واستثمار لحظة الانهيار في بناء خطاب جامع.

المدنيون تحت النار.. أثقل 48 ساعة في الشمال السوري

في حين كانت الفصائل تثبّت مكاسبها في حماة، دفع المدنيون في إدلب وحلب الثمن الأكبر نتيجة للغارات الروسية-الأسدية، حيث استهدفت طائرات حربية مدينة خان شيخون جنوبي إدلب، ما أدّى إلى مقتل مدنيين وإصابة آخرين، بالتوازي مع غارات على السفيرة شرقي حلب.

هذه الغارات، مع عشرات الهجمات السابقة -خلال يومي 1 و2 كانون الأول- دفعت نائب المنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة إلى وصف اليومين الماضيين بأنهما “الأكثر عنفاً” في شمال غربي سوريا منذ بداية التصعيد، مع التأكيد أن استهداف المخيمات والمستشفيات والمدارس “غير قابل للتبرير”.

“تحرّك في درعا”

بالتوازي مع تصاعد المعارك في حماة والشمال السوري، لم تهدأ الجبهة الجنوبية، إذ شهدت درعا تصعيداً لافتاً، خلال اليومين السادس والسابع من المعركة، تمثّل بهجوم نفّذه شبّان محليون مسلّحون على حاجز لفرع “أمن الدولة” في مدينة الحارّة، استهدف المفرزة الأمنية المعروفة بقيادة حملات دهم واعتقال بحق معارضي النظام.

وتزامن ذلك مع مظاهرة ليلية في بلدة الجيزة، رفع خلالها المحتجون راية الثورة السورية وهتفوا لإسقاط نظام الأسد، معلنين دعمهم العلني لعملية “ردع العدوان”، في مشهد جسّد تلاقي الحراك الشعبي والمسلح بين الجنوب والشمال ضد نظام الأسد في آن واحد.

“المواقف الإقليمية والدولية”

إقليمياً، حاولت عدة عواصم اللحاق بسرعة التطورات، ففي الدوحة، أكّدت قطر أنها تعمل مع شركائها في المنطقة للبحث عن صيغة تنهي العمليات القتالية وتفتح الباب أمام حل سياسي شامل.

وأفادت قناة “العالم” الإيرانية، أن فريقاً استشارياً إيرانياً وصل إلى دمشق، بشكل عاجل، لمساعدة “قوات الأسد” في مواجهة هجمات الفصائل شمالي سوريا.

وبحسب القناة، فإنّ الوفد يترأسه القائد السابق لقوات “فيلق القدس” في سوريا، الجنرال جواد الغفاري، وذلك بعد أربع سنوات على مغادرته سوريا وتعيين بديل عنه.

وكان الجنرال غفاري قاد، إلى جانب قائد “الحرس الثوري” السابق، قاسم سليماني، المعارك في مدينة حلب، عام 2017، والتي انتهت بخروج فصائل معارضة نحو شمالي سوريا، فضلاً عن مشاركته في معارك دير الزور وتدمر والبادية السورية.

وفي طهران، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن بلاده “ستفعل ما بوسعها لمواجهة الفصائل المسلّحة” في سوريا، في حين اتهم السفير الإيراني في دمشق، إسرائيل بالوقوف وراء ما يجري، مستشهداً بتزامن انطلاق “ردع العدوان” مع وقف إطلاق النار في لبنان.

لاحقاً، خرج مستشار للمرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، ليهاجم تركيا، معتبراً أنها وقعت في “فخ أميركي-إسرائيلي”، متعهداً بمواصلة دعم نظام الأسد “حتى النهاية”، ما يعكس عمق الارتباك الإيراني، في ظل انعدام خطة واضحة لاستعادة زمام المبادرة على الأرض.

في العراق، عكست تصريحات المتحدث باسم الجيش العراقي، يحيى رسول، في لقاء على قناة “رابعة” العراقية، موقفاً مناقضاً تماماً لما يجري على الأرض في سوريا.

وقال “رسول” إنّ “نظام الأسد في سوريا لن يسقط”، معتبراً أن من حق “فصائل المقاومة العراقية” القتال في سوريا، مشيراً إلى أن لدى الجيش العراقي “استخبارات في كل مكان بسوريا، وتخترق فصائل المعارضة أيضاً”، واصفاً المعارضة السورية بأنهم “إرهابيون وقتلة”، وأنه إذا تمكنوا من السيطرة “سيقومون بذبح الأهالي”.

جاءت هذه التصريحات في لحظة كانت فيها فصائل “ردع العدوان” تتقدم سريعاً على أبواب حماة، بما بدا معه الخطاب الرسمي العراقي في وادٍ، ووقائع الميدان في وادٍ آخر.

أمّا روسياً، فقد أظهرت شكلاً آخر من “إعادة التموضع”: رتل عسكري ضخم يضم نحو 40 آلية نُقل من الرقة إلى عين عيسى في ريفها الشمالي، لتعزيز قواعدها القريبة من مناطق سيطرة الجيش الوطني، في حين بدا وكأنّها تحاول رسم خطوط تماس جديدة تحفظ لها أوراق نفوذ في حال تغيّرت موازين القوى جذرياً في حماة ووسط سوريا.

    “اتصالات بين العسكريين الأميركيين والروس في سوريا”

في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن إجراء العسكريين الأميركيين والروس في سوريا اتصالات “عبر الخط الساخن” بخصوص التطورات الأخيرة شمالي البلاد.

وقال المتحدث باسم البنتاغون، باتريك رايدر، إنّ الاتصالات، التي كانت معلقة سابقاً، عادت مؤخراً بسبب التطورات الميدانية، حيث “تعمل القوات الأميركية والروسية قريباً من بعضها جغرافياً”، ما يعكس حذراً متزايداً من انزلاق الأوضاع إلى صدام مباشر بين الطرفين على الأرض السورية.

    بطلب من “الأسد”.. مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة بشأن سوريا

دبلوماسياً، كان مجلس الأمن يستعد لعقد جلسة طارئة ومفتوحة لمناقشة الوضع في سوريا، وذلك بطلب من نظام الأسد نفسه.

وقال مندوب “الأسد” لدى الأمم المتحدة، قصي الضحاك، إنهم “طلبوا عقد جلسة طارئة وعاجلة لمجلس الأمن، لمناقشة الأوضاع شمالي سوريا والوضع في حلب”.

وأشار الضحاك إلى أنّ الطلب دعمته وفود الجزائر (العضو العربي في مجلس الأمن)، وروسيا والصين وغويانا وموزامبيق وسيراليون، لافتاً إلى أنّ الجلسة ستُعقد بعد ظهر الثلاثاء (3 من كانون الأول)، في محاولة من النظام لنقل المعركة من الميدان إلى منبر الأمم المتحدة، والظهور بمظهر “الضحية” أمام المجتمع الدولي.

عملية ردع العدوان وانهيار قوات النظام السوري

من جانبها، ركّزت العواصم الغربية على الجانب الإنساني، حيث دعت سويسرا إلى وقف فوري للتصعيد واستئناف العملية السياسية وفق “القرار 2254″، في حين طالبت المبعوثة البريطانية إلى سوريا بضمان حماية المدنيين والبنية التحتية في الشمال، محذّرة من استهداف فرق الإنقاذ والعاملين في الحقل الإنساني.

كيف تابع السوريون اليوم السابع؟

على مستوى الشارع، تابع السوريون اليوم السابع -كما في اليوم السادس- عبر شاشتين متوازيتين:

    شاشة الخريطة العسكرية: خرائط تلفزيون سوريا ومُدخلات مراسليه أظهرت تقدّم الفصائل على تخوم حماة وسهل الغاب، مع أخبار متتابعة عن سقوط قواعد للنظام، وانشقاقات في صفوفه، وضربات لمسيّرات “شاهين” على الرتل وغرف العمليات في حماة ومصياف، حيث بدت لهم هذه الخرائط كأنّها “إعادة كتابة” لصورة البلاد بعد سنوات من الجمود.

    شاشة الحياة اليومية: في حلب، كان الناس يتابعون تركيب أبراج الاتصالات وتنظيم طوابير الخبز وشبكات الإغاثة في الأحياء التي خرجت حديثاً من قبضة النظام، وفي حماة، امتزجت مشاعر الخوف والأمل: عائلات تتهيأ للنزوح من أحياء قريبة من الجبهات، وأخرى ترحّب سراً بتقدّم الفصائل وتراقب عن بعد بياناتها الموجهة لأهالي محردة وجنود النظام، أمّا في دمشق والساحل، ساد جو من الذعر الاقتصادي والسياسي، مع استمرار حملات التجنيد والاعتقال، وتكاثر الشائعات عن “اليوم الذي يلي سقوط حماة”.

خلاصة اليوم السابع (3 من كانون الأول 2024)

يمكن تسجيل اليوم السابع من “ردع العدوان” كيوم انتقلت فيه المعركة فعلياً من كونهـا هجوماً مباغتاً في الشمال السوري إلى عملية إعادة رسم للعمق السوري: حلب تثبّت تحرّرها وتدخل اختبار الإدارة المدنية، حماة تُخنق من الشمال وسهل الغاب وتتتحوّل إلى جبهة الحسم المقبلة، وسلّم الانهيار داخل بنية النظام -من انشقاقات إلى ارتباك أمني واقتصادي- يتسارع على وقع ضربات المسيرات والصواريخ.

في المقابل، بدت المواقف الإقليمية والدولية متأخرة خطوة عن الميدان: إيران ترفع سقف التصريحات بلا خطة عملية، روسيا تعيد تموضع قواتها، والغرب يكتفي بالبيانات التي تطالب بحماية المدنيين واستئناف العملية السياسية.

وبين هذه وتلك، عاش السوريون يوماً جديداً معلّقاً بين الخرائط والخبر العاجل، مدركين أكثر من أي وقت مضى أن ما يجري حول حماة وحلب لم يعد معركة حدود، بل بداية النهاية الفعلية لـ”حقبة الأسد”، التي ستنهار وتنتهي تماماً بعد أيام قليلة فقط.

——————-

 خسائر استراتيجية في معركة مختلفة.. كيف تراجع النظام السوري عسكرياً؟/ عبد الناصر القادري

2024.12.03

لم يعد لدى النظام السوري ما كان يملكه عسكرياً قبل تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، فهو في مرحلة مفصلية لم يشهد لها مثيل منذ أقوى زخم عسكري للثورة السورية بين عامي 2013 و2015، خصوصاً مع التقدم العسكري الذي حققته عمليتي “ردع العدوان” و”فجر الحرية” في محافظتي حلب وإدلب، وما تشهده حالياً معارك محافظة حماة وسط سوريا.

وسيناقش هذا التقرير الوضع العسكري المباشر للنظام السوري، وكيف تراجعت قوته العسكرية بشكل هائل وما أبرز الخسائر العسكرية التي مني بها، وهل سيتمكن من تجاوز أزمته حالية في ظل خسارته لدعم أغلب حلفائه في نقطة تحول قد تحسم الصراع عسكرياً أو سياسياً؟

لماذا هذه المعركة مختلفة عن سابقاتها؟

يعد انتزاع مدينة حلب من يد النظام خسارة استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، فهي أهم مدينة في سوريا بعد العاصمة السورية دمشق، وأكبر كتلة سكانية في سوريا، وذات بعد اقتصادي وصناعي وتجاري شديد الأهمية، إلى جانب التأثير المعنوي الذي أسهم في انكسار كبير في صفوف قوات النظام مع خسارة ريفها الغربي ثم السيطرة عليها من قبل الفصائل بشكل كامل.

من الناحية العسكرية، خسر النظام السوري عدداً من أهم مواقعه السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا بما ذلك مطارات مدنية وعسكرية وأفواج وكليات ومعامل تصنيع أسلحة وذخائر، وهذه لمحة عن أبرزها:

    مطار حلب الدولي (ثاني أكبر ميناء جوي في سوريا، بعد مطار دمشق الدولي)

    مطار النيرب العسكري بحلب

    مطار منغ العسكري شمالي حلب.

    مطار كويرس العسكري شرقي حلب.

    مطار أبو الظهور العسكري (ثاني أكبر قاعدة جوية شمالي سوريا بعد تفتناز) شرقي إدلب.

    الفروع الأمنية (السياسة والعسكرية والجوية) والجنائية وقيادة الشرطة بمدينة حلب

    مبنى المحافظة (القصر البلدي) وقصر الضيافة الرئاسي بحلب

    سجن حلب المركزي بحلب

    اللواء 80 دفاع جوي شرقي حلب

    الفوج 46  غربي حلب

    الفوج 111 غربي حلب

    مدفعية الزهراء غربي حلب

    الأكاديمية العسكرية بمدينة حلب

    المدرسة الفنية الجوية بمدينة حلب

    مدفعية الميدان بمدينة حلب

    كلية التسليح بمدينة حلب

    مدرسة المشاة شمالي حلب

    معامل الدفاع في السفيرة شرقي حلب

    المحطة الحرارية شرقي حلب

    مستودعات السلاح في خان طومان جنوب غربي حلب

    البحوث العلمية (معقل إيران في حلب) غربي حلب

    البحوث العلمية الزراعية (إيكاردا) جنوبي غربي حلب

    جبل عزان بريف حلب الجنوبي (7 كتائب دفاع جوي)

    عقدة الطريقين الدوليين M5 وM4

    مدرسة المجنزرات بريف حماة الشمالي (مقر قيادة الفرقة 25 التي يقودها سهيل النمر)

    جبل كفراع الاستراتيجي بريف حماة الشمالي

وهذه المناطق المدنية والعسكرية تمثل خسارة كبيرة جداً بالنسبة للنظام ومكسب هائل بالنسبة للفصائل، حيث سيطرت فصائل “ردع العدوان” و”فجر الحرية” على عتاد عسكري وذخائر لا يمكن للنظام أن يعوضها في ظل الوضع السياسي الإقليمي والدولي.

فالمكاسب لم تشمل سيطرة جغرافية واستراتيجية فقط، بل تضمنت طائرات ودبابات ومجنزرات ومدافع ومضادات أرضية وصواريخ وذخائر وآليات عسكرية، وهذه “الغنائم العسكرية” تعد الأكبر منذ بدء الثورة السورية من حيث ظرف الزمان والمكان.

لكن السؤال المطروح، في ظل الظروف الحالية كيف سيتم تعويض هذه الخسائر من قبل النظام في ظل خوضه لمعركة شرسة جداً على تخوم مدينة حماة، وسط إصرار “ردع العدوان” على الاستمرار في أكبر معارك الثورة السورية مع النظام.

إمداد عسكري متناقص

ومن المهم الإشارة إلى أن خسارة النظام السوري لمعامل الدفاع في حلب تُعدّ ضربة قاسية، حيث كانت هذه المعامل تشكّل العمود الفقري لإنتاج وصيانة العتاد العسكري. بفقدانها، يواجه النظام تحديات كبيرة في تأمين الإمدادات اللازمة لقواته القريبة من حلب في حماة وحمص.

وحالياً لا يوجد مصادر بديلة قريبة بذات التدفق السابق بل هي في تناقص وسيضطر النظام للتعويض عبر معامله الأخرى في مصياف وريف دمشق، مما يزيد من اعتماده على الواردات الخارجية ويعرضه لضغوط لوجستية واقتصادية في ظل أي تحركات إيرانية تتصل بالإمداد العسكري.

وفي سياق ذلك، قال العقيد المنشق عن جيش النظام عبد الجبار العكيدي، في تصريح لموقع “تلفزيون سوريا” إن، جيش النظام السوري يعتمد بشكل أساسي على الأسلحة المستوردة، وأغلبها يأتي من روسيا، والصين، وإيران في السنوات الأخيرة. معامل الدفاع في منطقة السفيرة كانت تسهم فقط في إنتاج بعض الذخائر المتوسطة مثل الذخيرة للبنادق الكلاشنكوف، رشاشات الدوشكا 14.5 و23 ملم، وبعض قذائف الهاون. لذلك قد تكون لخسارتها أهمية، لكن دورها ليس جوهرياً في تغطية احتياجات جيشه”.

وأضاف أن “النظام يمتلك مستودعات أسلحة وذخيرة موزعة في عدة مواقع، كما أن لديه معامل دفاع أخرى خارج السفيرة، أبرزها في دمشق ومصياف وأماكن أخرى أيضاً قد تمده بالذخيرة”.

ماذا يملك النظام من سلاح مهم اليوم؟

لا شك أن قدرات النظام العسكرية ما زالت قوية ولا يُستهان بها رغم الخسائر التي مُنيت بها قواته، ويمكن أن تشكّل كتلة صلبة في العديد من المدن، لا سيما في حمص، طرطوس، اللاذقية، دمشق وريفها. وترتكز قوة النظام العسكرية على العناصر التالية:

القوات الجوية

طائرات مقاتلة ومروحيات، لكن تكلفة تشغيلها عالية جدًا، مع صعوبة في الإمدادات اللوجستية، خاصة ما يتعلق بالطاقة بين الجزيرة السورية ووسط سوريا.

الطلعات الجوية تحتاج إلى صيانة وقطع غيار، وكثير منها غير متوفر بسبب العقوبات المفروضة وصعوبة الحصول على البدائل.

الطائرات المسيرة

يعتمد النظام على الطائرات المسيّرة الإيرانية، مثل:

مهاجر-4: للاستطلاع.

أبابيل-3: للمهام المتعددة والهجمات الانتحارية.

شاهد-123: للاستطلاع والهجوم.

عقاب-1: للأغراض المتعددة.

تُستخدم هذه الطائرات لتعزيز قدرات النظام في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات العسكرية.

الدبابات والمدرعات

يحتفظ جيش النظام بعدد من الدبابات والمدرعات رغم الخسائر التي تكبدها خلال السنوات الأخيرة.

المدفعية الثقيلة

لا تزال المدفعية تُشكل عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيات النظام الهجومية والدفاعية.

الأسلحة الاستراتيجية

صواريخ الدفاع الجوي “سام”: تشمل طرازات مثل:

سام-2، سام-3، سام-5، سام-6، سام-8، سام-22، وسام-24.

توفر هذه المنظومات قدرات دفاعية مهمة تتراوح بين قصيرة وبعيدة المدى، لكن فعاليتها تأثرت بعوامل مثل تقادم الأنظمة، ضعف الصيانة، قلة التدريب، والتحديات أمام الطائرات الحديثة والصواريخ الموجهة.

صواريخ سكود: تشمل الأنواع القصيرة، المتوسطة، وبعيدة المدى. تم اتهام النظام باستخدامها ضد المدنيين في شمالي وشرقي سوريا، مما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل.

الأسلحة الكيميائية:

أعربت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في نوفمبر 2024 عن “قلق بالغ” إزاء وجود ثغرات كبيرة في إعلان النظام عن مخزونه من الأسلحة الكيميائية.

هناك مخاوف من وجود كميات غير معلنة من هذه المواد، حيث استخدم النظام الأسلحة الكيميائية عشرات المرات بين عامي 2012 و2023، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

الحرب المعنوية والتجنيد الإجباري

يخوض النظام السوري في هذه الأيام واحدة من أكثر معاركه مع الفصائل المناوئة له صعوبة، فرغم قوة جيش النظام السوري عند بدء الثورة وقبضة أجهزته الأمنية، إلا أنه لم يتمكن من هزيمة الفصائل العسكرية التي تشكلت بعد الثورة على مختلف تسمياتها وتوجهاتها منفرداً، ما اضطره للاستعانة بحزب الله وإيران ومن ثم روسيا، وعمل على منع تسريح الجنود الموجودين بالخدمة الإلزامية وجند عشرات آلاف المتطوعين “الشبيحة” واستدعى قوات الاحتياط مع استمراره في سحب الشباب إلى الخدمة الإلزامية.

ومع الانهيار الكبير في ريف حلب الغربي وريف إدلب الجنوبي في بدايات إطلاق المعركة، هربت قوات النظام على إثر سحب عدد كبير من الميليشيات الإيرانية وحزب الله من الجبهات في شمالي سوريا متجاوزة مناطق السيطرة المتفق عليها، وكان رئيس النظام السوري وجميع أركان حكمه في غياب كامل عن المشهد لأربعة أيام متتالية، سيطرت “ردع العدوان” على مدينة حلب وكامل إدلب ومناطق حيوية واستراتيجية، ما زاد من خسائر النظام المعنوية وقوى من إرادة المهاجمين.

وعلى مدار سنوات استنزف النظام جيل كامل من الشباب من خلال التجنيد الإجباري الذي تسبب بآلاف حالات الانشقاق وهروب الشباب إلى إدلب وأرياف ريف حلب، بالإضافة إلى ملايين الهاربين من الخدمة الإلزامية إلى خارج سوريا.

واعتمد على قوة الميليشيات المحلية والأجنبية، التي ظهرت ضعيفة للغاية بعد سلسلة واسعة من الضربات التي تعرضت لها قياداتها الإيرانية من قبل سلاح الجو الإسرائيلي على مدار الأشهر الماضية.

وعلى إثر هذه الانهيارات العسكرية، بدأ النظام حملة تجنيد غير مسبوقة في غوطة دمشق الشرقية، حيث تنتشر أكثر من عشر دوريات للشرطة العسكرية والأمن العسكري في شوارع المدن والبلدات، وتنفذ عمليات مداهمة للمنازل.

وأكدت المصادر لموقع تلفزيون سوريا، اعتقال أكثر من 200 شاب من المطلوبين للخدمة الإلزامية والاحتياطية. وشملت الحملة مدنا وبلدات عدة، أبرزها دوما وسقبا وكفر بطنا، وسط استياء شعبي واسع، وسط استدعاء مجندين كانوا في إجازات، وإلزامهم بالعودة الفورية إلى قطعاتهم،

وهذا التجنيد يدل على حالة التخبط التي يقودها النظام لوضع شباب صغار في السن لا يعرفون استخدام السلاح في مقدمة الجبهات مع مقاتلي “ردع العدوان” رغم المخاطر التي قد يوقعون قوات النظام بها في حال الاستسلام السريع.

أين إيران وحزب الله؟

ومع أهمية الشجاعة التي بدت من مقاتلي “ردع العدوان” و”فجر الحرية” في بدء الهجوم وكسر تحصينات جيش النظام بعد سنوات من الإعداد والتجهيز وهو ما ظهر في الأسلحة المصنعة محلياً وطريقة إدارة المعركة، إلا أن غياب ميليشيا حزب الله وقوات الحرس الثوري وغير ذلك من المقاتلين الأجانب الداعمين للنظام أسهم في إظهار نقاط الضعف العسكرية له.

وحاولت إيران منذ الأيام الأولى للعملية إثارة ضجة إعلامية وسياسية عن أنها لن تترك النظام يسقط متهمة الفصائل التي تقود العملية بالإرهاب، إلا أن كل ما فعلته لم يتجاوز المساعدة والتصعيد السياسي دون أي جهود عسكرية تذكر للعديد من الأسباب، والتي يتقدمها الوضع الدولي والإقليمي بعد العدوان الإسرائيلي على غزة ومن ثم لبنان بتقليم أظافر إيران في المنطقة، والذي منعها من التقاط الأنفاس، خصوصاً وأن إسرائيل اغتالت معظم قيادت إيران وحزب الله الذين كان لهم دور في سوريا، قبل أن تسحب طهران البقية.

والمرجح أن طهران أكّدت للنظام أنها لن تتمكن من تقديم أي دعم عسكري له لانقطاع التواصل المباشر، فقد منعت إسرائيل طائرة شحن إيرانية من الهبوط من سوريا، وهناك قصف محتمل لأي شحنة قد تصل من حزب الله إلى سوريا.

كما أن انشغال حزب الله بترتيب وضعه الداخلي في لبنان جعله يقلص وجوده العسكري في سوريا. هذا الانسحاب أحدث فراغاً كبيراً في الجبهات التي كان يغطيها الحزب في حلب وغيرها.

ولم يكن وزير الخارجية الإيراني ليزور تركيا بهذه الصورة، إلا لقلة الحيلة الميدانية وأنه يريد التفاوض ليطلب من أنقرة إيقاف العملية، إلا أن الأخيرة أبلغته على لسان وزير الخارجية التركي أن أنقرة تريد الحل في سوريا بمفاوضات مباشرة بين النظام والمعارضة بوساطة تركية، معلناً ببساطة فشل الزيارة الإيرانية.

وهو ما تبعه جنون في وسائل الإعلام الإيرانية ضد تركيا وخروج مظاهرات غاضبة أمام السفارة التركية بطهران ضد عملية “ردع العدوان” ثم التصريحات التي تلت ذلك على لسان علي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني “كنا نأمل أن يتمكن السيد حقان من تصحيح بعض أخطاء السياسة الخارجية التركية، مضيفاً أنه “لم نتوقع أن تقع تركيا في الفخ الذي حفرته لها أميركا وإسرائيل”، وهو دليل آخر على ضعف خيارات طهران في سوريا اليوم.

ولا يوجد أي تعويض لدعم إيران وحزب الله والميليشيات العراقية التي كانت تقاتل إلى جانب النظام بشراسة تحت شعارات طائفية، ومع إغلاق الحدود العراقية وقصف الحدود اللبنانية واغتيال كل قيادات حزب الله تقريباً، يخسر النظام واحدة من أكبر أوراقه الميدانية.

ماذا عن الغطاء الجوي الروسي؟

ومنذ بدء عملية “ردع العدوان” كانت روسيا مشاركة في قصف السوريين على المنوال الاعتيادي الذي تقصف به مع بعض الطلعات الجوية المكثفة للمراقبة عبر طائراتها الأربع الموجودة في قاعدة حميميم بريف اللاذقية.

والحقيقة أن تراجع الدور الروسي مرتبط بأولوية جبهاتها في أوكرانيا، مع اعتبارها أن المعركة تجري أصلاً خارج نطاق نفوذها على المياه الدافئة (محافظات الساحل السوري) ومن مصلحتها التخلص من النفوذ الإيراني في سوريا.

وروسيا اليوم غير قادرة على تخصيص موارد كبيرة لدعم النظام السوري، فقد انخفضت طلعات الطائرات الروسية مع قوات الفرقة 25 التي تقودها قوات العميد سهيل الحسن (النمر) والتي سبق أن أسهمت من قبل في السيطرة على حلب فيما عرف بمعركة “دبيب النمل” عام 2016.

ولا شك أن الضغوط الاقتصادية والسياسة على روسيا دفعها لإعادة ترتيب أولوياتها مما حد من تدخلها العسكري المباشر بعد قرابة 3 سنوات على سحب معظم قواتها وخبرائها العسكريين من سوريا، وهو ما لن يتمكن النظام السوري من تعويض خسائره في الميدان ولذلك تتمكن “ردع العدوان” من التقدم في حماة وربما فيما بعدها أيضاً.

—————————-

إدارة العمليات العسكرية”.. غرفة قادت عملية ردع العدوان التي أسقطت بشار الأسد

تشكيل عسكري ضمّ فصائل معارضة -انضوت سابقا تحت ما يعرف بغرفة عمليات “الفتح المبين”- للنظام السوري كانت تتمركز شمال البلاد، وشكّل من أجل إدارة عملية “ردع العدوان” في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وضمّ كلا من هيئة تحرير الشام، وحركة أحرار الشام، والجبهة الوطنية للتحرير، ومجموعات من الحزب التركستاني.

النشأة والتأسيس

أنشئت “غرفة عمليات الفتح المبين” عام 2019، وكانت مسؤولة عن تنسيق العمليات العسكرية في الشمال السوري وإدارتها في إدلب وأرياف حلب واللاذقية وحماة منذ عام 2020.

وفي منتصف عام 2020، أصدرت هيئة تحرير الشام -المكون الأكبر في الغرفة- بيانا عن “توحيد الجهد العسكري”، ومنعت تشكيل أي فصيل عسكري أو غرفة عمليات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وحصرت الأعمال العسكرية في “غرفة عمليات الفتح المبين”.

وأعلنت الحركة في مؤتمر صحفي عقدته عام 2023 عن ترتيب بناء جديد للقوة العسكرية للفصائل العاملة في المنطقة، وقالت إن هذه الخطوة ساهمت في “تحقيق توازن القوى في المنطقة”.

وبعدها ظهر تشكيل “إدارة العمليات العسكرية” مع إعلان انطلاق معركة “ردع العدوان”، وضمّ الفصائل ذاتها التي كانت تابعة سابقا لـ”الفتح المبين”.

2 – شمال سوريا – ريف إدلب – مقاتلون في غرفة عمليات “الفتح المبين” التابعة للمعارضة السورية (مواقع التواصل)

الفصائل المنضوية

ومن أبرز فصائل المعارضة التي شاركت في “ردع العدوان”:

    هيئة تحرير الشام

تعد هيئة تحرير الشام الفصيل الأبرز وأكبر الفصائل المعارضة، وهي تكتل عسكري من فصائل مسلحة سورية، تكوّن من اندماج 5 فصائل، هي: “جبهة فتح الشام”، و”لواء الحق” و”جبهة أنصار الدين” و”جيش السنة”، كما انضمت لها لاحقا كتائب وألوية وشخصيات دعوية عدة.

وأعلن عن إنشاء هيئة تحرير الشام عام 2017 بعد انطلاق مفاوضات أستانا بين الحكومة السورية والمعارضة، بمشاركة روسية تركية إيرانية، وهي ترفض هذه المفاوضات وتعدّها جزءا من “المؤامرة على الثورة السورية”.

لم تعلن الهيئة بشكل رسمي عن تبني خط أيديولوجي واضح، بل حرصت على التأكيد على أنها كيان مستقل لا يمثل امتدادا لتنظيمات وفصائل سابقة، وأن تشكيلها يمثل “خطوة ذابت فيها جميع التسميات”.

وتضع الهيئة على رأس أولوياتها “إسقاط النظام السوري”، وتؤكد أنها تمثل مرحلة جديدة من مراحل الثورة السورية، تطوى فيها صفحة الخلافات، وتعود فيها الانتصارات، وأنها جاءت على خلفية ما تمر به الثورة من “مؤامرات تعصف بها، واحتراب داخلي يهدد وجودها”.

ومن أبرز العمليات التي قادتها الهيئة عام 2017، معركة السيطرة على حي المنشية في درعا، واستهداف فرعي الأمن العسكري وأمن الدولة في حيي الغوطة والمحطة بمدينة حمص بهجومين متزامنين.

    الجبهة الوطنية للتحرير

الجبهة الوطنية للتحرير هي اتحاد بين مجموعة من فصائل المعارضة السورية المسلحة في محافظة إدلب، وأعلن عنه في أغسطس/آب 2018، بالتزامن مع تهديدات الجيش السوري بالهجوم على هذه المنطقة.

ويضم التشكيل فصائل كبرى من الجيش الحر في الشمال السوري، منها “جبهة تحرير سوريا” وجيش إدلب الحر. وأعلنت الجبهة أن أحد أهداف هذا التشكيل “التصدي لكافة محاولات النظام للتقدم تجاه المناطق المحررة”.

وتأسست “جبهة تحرير سوريا” أوائل عام 2018، وتضم في صفوفها حركات عدة، من بينها “جيش الأحرار” الفاعل في منطقة إدلب، و”ألوية صقور الشام” و”تجمع دمشق”، و”كتائب نور الدين زنكي”.

وكتائب نور الدين زنكي هي فصيل إسلامي مسلح، نشأ بعيد اندلاع الثورة السورية 2011 لإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، يتمركز في مدينة حلب وريفها، ويجمع بين العملين العسكري والمدني، لكنه لم يعد فاعلا منذ عام 2019.

    حركة أحرار الشام

أعلن عن إنشاء حركة أحرار الشام عام 2011 مع بداية دخول الثورة السورية مرحلة القتال المسلح. تصف نفسها بأنها “حركة إسلامية إصلاحية تجديدية شاملة، وإحدى الفصائل المنضوية والمندمجة ضمن الجبهة الإسلامية”. وتقول إنها “تكوين عسكري، سياسي، اجتماعي، إسلامي شامل، يهدف إلى إسقاط نظام الأسد وبناء دولة إسلامية”.

وحددت الحركة رسالتها بأنها تعمل على” تحرير الأرض والإنسان وبناء مجتمع إسلامي في سوريا عبر العمل المؤسسي، وتستمد منهجها ومشروعية وجودها من الإسلام”.

نشط مقاتلو الحركة في مختلف المحافظات السورية، لكن قوتها تتركز في محافظتي إدلب وحلب شمالي سوريا، حيث برزت قوتها في مواجهة الجيش السوري بمواقع عدة، مثل طعوم وتفتناز وجبل الزاوية وسراقب وأريحا وبنش وغيرها من قرى إدلب.

ومن أهم المعارك التي خاضتها الحركة معركة مدينة الرقة عام 2013، وكانت أول مدينة تخرج عن سيطرة الجيش السوري، ومعركة مطار تفتناز العسكري بريف إدلب في العام نفسه.

عملية ردع العدوان

عملية “ردع العدوان”، وأطلقتها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وأعلن عن أهدافها حسن عبد الغني الناطق باسم غرفة عمليات الفتح المبين، وقال إنها تهدف إلى توجيه “ضربة استباقية لقوات النظام السوري”، وتعدّ أول اختراق لخطوط التماس بين الطرفين في محافظة إدلب منذ الاتفاق “التركي الروسي” لوقف إطلاق النار في مارس/آذار 2020.

واستطاعت المعارضة السورية في الأيام الأولى من المعركة السيطرة على مدينة حلب ومواقع إستراتيجية مهمة فيها، منها مقرّ الفوج 46، وبلدة خان العسل ومركز البحوث العملية وقلعة حلب والجامع الأموي، إضافة إلى محافظة إدلب بالكامل.

وفي اليوم الـ12 من المعركة، أعلنت المعارضة السورية سيطرتها على العاصمة دمشق، وإسقاطها حكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من 50 عاما. وذكرت الصحف الغربية أن الأسد غادر البلاد مع أسرته قبل وصول المعارضة إلى العاصمة.

المصدر: مواقع إلكترونية

——————————–

سجن صيدنايا “المسلخ البشري” الذي ابتلع أبناء أم كارم الـ6 وآلاف السوريين

بين فرحة آلاف العائلات السورية برؤية أبنائها يعودون إلى أحضانهم بعد سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فقد أعلنت المعارضة السورية إسقاط حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من 50 عاما، وبقيت بعض الأمهات على أبواب الانتظار، يحدوهن الأمل في عناق أبنائهن، لكن ذلك الأمل مات قبل أن يولد.

في ريف درعا، تعيش “أم كارم” واحدة من أكثر قصص الفقد والحرمان إيلاما، بعدما خطفت الاعتقالات في زمن نظام الأسد منها ستة أبناء، ولم تر أيا منهم منذ سنوات.

تفاصيل الاعتقال

وتروي أم كارم لمراسل “سوريا الآن” مالك أبو عبيدة تفاصيل تلك المأساة: “أولادي ستة.. ستة الحمد لله رب العالمين، كلهم اعتقلوهم وما طلعوش”.

وتستعيد بصوت منكسر يوما أسود في حياة عائلتها، حين لجأت قوات المعارضة في درعا إلى الوديان، اعتقل النظام أبناءها مع كثيرين كانوا يفرون هربا. ومنذ ذلك اليوم، لم يفرج عن أي منهم.

وتضيف أن جنود النظام حينها كانوا يتركون النساء ويقبضون على الرجال، بذريعة ما سموه “التسويات”، ليقتادوا من يقع في قبضتهم مباشرة إلى السجون.

وتقول إنها زارت أبناءها أربع مرات في بدايات الاعتقال، لكنهم لاحقا اختفوا في سجن صيدنايا، المعروف بـ”المسلخ البشري”، ولم تعد تعرف عنهم شيئا. وفي كل زيارة، كان الرد نفسه: “مش موجودين”.

رسائل من وراء القضبان

وتشير أم كارم إلى أنها كانت تتلقى أخبارا خفية عن أبنائها من معتقلين آخرين، كانوا يرسلون السلامات إلى أهاليهم كإشارة على وجودهم داخل السجن، لكن تلك الرسائل لم تتحول يوما إلى لقاء حقيقي. وتقول بأسى: “ما عادش والله شوفتهم يوم، ما ظل عندي غير رب العالمين. أبوهم انجلط وراهم وتوفى، والبيت اللي كان يعج بالحياة صار فاضي”.

وتفرق أبناء أم كارم بين السجون والمنافي؛ اثنان اعتُقلا في الوادي بريف درعا، واثنان حاولا الهرب عبر مهرب إلى تركيا أو إدلب، لكنهما أُوقفا وأعيدا إلى صيدنايا.

وأحدهم وصل إلى تركيا، لكنه حين عاد لزيارة أمه، أوقفه حرس الحدود وأُرسل مباشرة إلى السجن. أما الآخر، وكان في الصف الحادي عشر، فقد أجبر على الانضمام إلى إحدى الفصائل ثم اعتقل هو الآخر.

الأمل انهار

مع سقوط نظام الأسد، تجدد الأمل لدى أم كارم، فكانت من مئات الأمهات اللواتي انتظرن عند بوابات السجون، يستمعن للأسماء التي تُعلن تباعًا. لكنها لم تسمع أسماء أبنائها، ولم يُفتح لها الباب لرؤيتهم.

اليوم، تقول الأم المكلومة، إنها لم تعد تنتظر لقاءهم على هذه الأرض، بل ترجوه في الآخرة: “إن شاء الله أرتقي أنا وإياهم، بدنا عن النعيم إن شاء الله”.

حكاية أم كارم ليست إلا صورة مصغرة لمأساة آلاف العائلات السورية التي تلاشى حلمها بلقاء أحبائها، بعدما خرج آخر المعتقلين من السجون دون أن يكون أبناؤهم بينهم.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، محمد رضا جلخي، أن عدد الأشخاص الذين فُقدوا خلال عقود حكم عائلة الأسد، وفترة الحرب التي أعقبت الثورة، قد يتجاوز 300 ألف شخص. وأضاف جلخي -رئيس الهيئة التي شُكّلت في مايو/أيار الماضي- أن تقديراتهم تشير إلى أن العدد يتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وربما أكثر، نظرًا لصعوبة الحصر، مشيرًا إلى أن صلاحيات الهيئة تمتد من عام 1970 إلى الوقت الراهن، دون إطار زمني محدد لإنهاء عملها.

المصدر: الجزيرة

——————————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى