أبحاث

محمد التركي والوعي العربي – الإسلامي الشقي/ حسام الدين درويش

03 ديسمبر 2025

نحت هيغل تعبير الوعي الشقي، في كتابه “فينومينولوجيا الروح”، ليصف مرحلةً من مراحل تطوّر الوعي، يكون فيها مُنقسمًا بين الوعي بحرّيته وإرادته من جهةٍ، والوعي بوجودٍ مطلقٍ خارجٍ عنه، يبيّن ويفرض محدوديته، من جهةٍ أخرى. وبكلماتٍ أخرى، أكثر عموميةً، تتضمّن كلّ صيغ مفهوم الوعي المُطلق، التي ظهرت قبل هيغل (في الفلسفات اليونانية والأوروبية المسيحية والعربية الإسلامية والمسيحية واليهودية)، وبعد هيغل عند ماركس والفلاسفة الوجوديين (كيركغورد ونيتشه وسارتر وكامو) وفرويد ومدرسة فرانكفورت وهايدغر وريكور… إلخ،  الوعي الشقي هو الانقسام والتناقض في الوعي بين ما هو كائنٌ وما يجب أن يكون.

وفي مداخلتي في الندوة التفاكرية الاحتفائية التي أُقيمت مؤخّرًا لتكريم الفيلسوف التونسي – العربي الألماني الدكتور، محمد التركي، قلت إنّ مفهوم “الوعي الشقي” يصلح لأن يكون عنوانًا لفكر وفلسفة محمد التركي بأسرها من جهةٍ، وللفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر من جهةٍ أخرى. وسأبيّن في ما يلي معقولية هاتين الاطروحتين، أو بالأحرى، هذه الأطروحة المزدوجة، مع الحرص على إبراز التمايزات المهمة والبارزة بين صيغٍ مختلفةٍ من “الوعي الشقي”.

تمكن المُحاججة بأنّ الوعي الشقي وعيٌ إنسانيٌّ، وعي كلّ إنسانٍ، بوصفه إنسانًا. فهو وعيٌ عابرٌ للتاريخ، من دون أن يكون لاتاريخيًّا، بمعنى إنّه محايثٌ للإنسان في كلّ الثقافات والأزمان والأمكنة، لكنه يتخذ صيغا ومضامين مختلفة، وفقًا لخصوصياتٍ سياقيةٍ، عامةٍ تتعلّق بثقافةٍ معيّنةٍ، وخاصةٍ تتعلّق بفردية وفرادة كلّ فردٍ. والتعبير النموذجي الأبرز عن الوعي الشقي في الفكر العربي (الإسلامي) يتمثل في السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان، وجعله عنوانًا لكتابه “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟”.

وعلى الرغم من أنّ الكتاب قد صدر عام 1930، وظلّ مُعبّرًا عن الوعي العربي (الإسلامي) منذ ذلك الحين، يمكن القول إنّ هذه الصيغة والمضمون من شقاء ذلك الوعي موجودان منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر على الأقل، في أعمال خير الدين التونسي والطهطاوي والشدياق والبستاني والأفغاني وعبده وأنطون … إلخ. وعلى الرغم من الصيغة الاستفهامية لهذا السؤال، في كتاب أرسلان، فإنّ الصبغة الاستهجانية هي الأقوى والأبرز فيه غالبًا، بحيث يكون السؤال تعبيرًا عن الشعور بالصدمة والألم أكثر من كونه بحثًا مُقارنًا يهدف إلى الوصول إلى إجابةٍ موضوعيةٍ تساعد على الفهم وامتلاك تأسيسٍ نظريٍّ لممارساتٍ عمليةٍ تعمل على ردم الهوة وجسر المسافة بين “تأخّرنا” و”تقدّمهم”.

تمكن قراءة نصوص محمد التركي وشخصيته أو حياته الفكرية والعامة، وحتى الخاصة، بوصفها تناولًا للسؤال المذكور، ومحاولةً لتقديم إجابةٍ عنه. لكن الوعي الشقي عند محمد التركي ومحاولاته للتعامل معه، أي مع الهوّة بين ما هو كائنٌ في العالم (العربي والإسلامي) وما يجب أن يكون متميِّزةٌ ومتمايزةٌ عن كثيرٍ من ردود فعل ذلك الوعي في العالم (العربي الإسلامي). فقد عمل التركي على تفكيك مثنوية “نحن” و”هم”، التي تقوم على مفاضلةٍ “استشراقيةٍ” ترى أفضليةً جوهريةً للغرب على الشرق، أو مفاضلةٍ استغرابيةً، هي بمنزلة الاستشراق المعكوس، حيث تجعل الأفضلية للشرق (الإسلامي) على الغرب (المسيحي و/ أو العلماني). وفي هذا التفكيك، نظّر التركي لنقدٍ مزدوجٍ، على طريقة عبد الكبير الخطيبي، ومارسه، فاستعان بالفكر الغربي لنقد قصور الفكر العربي واستغرابه، واستعان بالفلسفة العربية الإسلامية لنقد أطروحة المركزية الغربية والفكر الغربي واستشراقه.

ففي تقديمه لترجمته لكتاب ماكس فيبر، “الاقتصاد والمجتمع: الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات (السيادة)، شدّد التركي على محورية سؤال أرسلان في الفكر العربي منذ هجوم نابليون على مصر عام 1798، حتى الوقت الراهن، وتناول بالعرض والنقد إجابات بعض المُفكّرين العرب أو المسلمين (الطهطاوي، الأفغاني، خير الدين التونسي، الكواكبي، عبد الرازق) عنه، ليخلص إلى قصور فكر “زعماء الإصلاح”، في هذا المجال، لأنّ أطروحاتهم بقيت في “عرضها وتحاليلها حبيسة الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي حاولت تشخيصه والسعي إلى تجاوزه. فهي لم ترتفع إلى المرتبة النظرية التجريدية المطلوبة التي تسمح لها بتأسيس مفاهيم جديدةٍ قادرةٍ على خلق البديل النظري الشامل”، كما فعل ماكس فيبر. وقد يعطي هذا الكلام انطباعًا بأنّ التركي كان اختزاليًّا ومثنويًّا، بحيث إنّه يرى في الفكر العربي الكائن مشكلةً وفي الفكر الغربي الحل وما يجب أن يكون. ويمكن لهذا الانطباع أن يتعزّز، عند معرفة أنّه، في تقديمه لترجمته لكتاب أرنست بلوخ “ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي”، رأى في هذا الفيلسوف الغربي قدوةً، تحتاجها الحركة الفلسفية العربية ليُثير فيها الشعور بالأمل الموضوعي والمتطلّع إلى مستقبل زاهرٍ ومشوقٍ”.

ولتبديد الانطباع الواهم والمُحتمل المذكور، تنبغي الإشارة إلى أنّ “فيلسوف التثاقف والتشابك”، أشاد بالدور الرائد الذي قام به بلوخ في التذكير بالتراث العربي الإسلامي وبالأثر الذي كان له في الفكر الغربي، وانتقد ندرة الفلاسفة الغربيين الذين التفتوا إلى ذلك التراث، وقام، هو شخصيًّا، بتدريس الفلسفة العربية الإسلامية في الجامعات الألمانية، وبكتابة كتاب مهمٍّ عنها، باللغة الألمانية “مدخل إلى الفلسفة العربية الإسلامية”، وبنقد المركزية الغربية/ الأوروبية وبعض صيغ الفكر الاستشراقي، والإقصاء الأوروبي للفلسفة العربية الإسلامية ولما هو غير أوروبيٌّ في الفلسفة، عمومًا. ففي مواجهة وعيه الشقي، لم يتقوقّع التركي في خندق ثقافته العربية والإسلامية، ولم يتغرَّب وينسحر بالثقافة الغربية أو الأوروبية، إلى درجة أن ينسلخ عن ثقافته العربية الإسلامية، ويتبرّأ منها، ويتبنى الثقافة الغربية بكلّ “علاتها”، بحيث يفقد توازنه المعرفي العقلاني، بل عمل على تناول كلتيهما بنظرةٍ إنسانويةٍ معرفيةٍ موضوعيةٍ ونقديةٍ متوازنةٍ، لا ترى في “الشرق والغرب”، أو في “نحن وهم”، جوهرين ثابتين أو جامدين يُحيلان على قيمتين ثابتتين أو جامدتين. ويظهر ذلك، بوضوحٍ، في كتابيه “الأنسنة والتثاقف مساهمات في تأملات جديدة حول الإنسان في زمن العولمة” و”مجادلات حول العقلانية في الخطاب العربي الإسلامي المعاصر”، كما أشار وأوضح البروفسور والصديق العزيز سرحان ذويب في مداخلته التقديمية القيمة للندوة المذكورة ولمحمد التركي.

وفي تبنيه للاتجاه الإنسانوي، شدَّد التركي على عالمية المشاكل التي تواجهها الإنسانية في العصر الراهن، وعلى كونية القيم والحلول التي ينبغي تبنيها في مواجهة تلك المشاكل. ولم يتسم وعيه الشقي بالسمة الأنطولوجية التي ترى أن الهوّة بين ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون ذات طابعٍ أنطولوجيٍّ لا مفرّ من الخضوع له وإعلان العجز حياله وأمامه، بل شدّد على السمة التاريخية لتلك الهوّة، وعلى إمكان ووجوب تجاوز المسافة بين قطبيها. واتخذ من طوباوية بلوخ، بوصفه قدوة نموذجيةً للفلسفة العربية، معلّمًا مرشدًا له، حيث تبنى تلك الطوباوية الناقدة للواقعية (الانبطاحية) والساعية، دائمًا، إلى ما هو أفضل، والمُترافقة مع مبدأ الأمل الذي يؤمن بهذا السعي وبإمكانيّة الوصول إلى ما يجب أن يكون. فالطوباوية الفكرية المُتضمِّنة لمبدأ الأمل، ليست مجرّد أضغاث أحلامٍ أو أوهامٍ، بل هي معرفةٌ رصينةٌ واعتقادٌ مسوَّغٌ بمشروعية ومعقولية الاعتقاد بأن هذا العالم ليس “أفضل العوالم الممكنة”، وبأنه بالإمكان أفضل بكثير مما هو كائنٌ، وبأنه ثمّة معنى وجدوى من السعي إلى عالمٍ أفضل تسود فيه العقلانية والمعرفة الرصينة والنقدية وأفكار وقيم الحق والخير والجمال والتسامح ومنظومة حقوق الإنسان… إلخ. فالطوباوية التي يتحدّث عنها محمد التركي، مع أرنست بلوخ، هي طوباويةٌ معرفيةٌ، والأمل الذي يتبناه التركي وبلوخ ليس مجرّد تصوّر طوباويٍّ أو خياليٍّ ولا موقفِ نفسانيٍّ، بل هو موقفٌ وجوديٌّ ومعرفيٌّ ينطلق من تشخيصٍ متوازنٍ لما هو كائنٌ، ولما يجب أن يكون، ويبين تاريخية وإنسانية الهوة القائمة بينهما.

يصعب الفصل بين شخصية محمد التركي، بوصفه شخصيةً عامةً ومفكّرًا وفيلسوفًا، تونسيًّا/ عربيًّا وألمانيًّا، وشخصه، بوصفه فردًا وإنسانًا متعيّنًا. ففكره مضمَّخٌ بحياته ومشاعره وقيمه التي يعيشها ويمارسها، وحياته الخاصة تجسيدٌ لأفكاره وفلسفته عمومًا. وثمّة معقوليةٌ في الأطروحة القائلة إنّ فلسفة بعض الفلاسفة تتضمّن ما هو مُغايرٌ لهم، وغائبٌ عنهم، في حياتهم الشخصية او الخاصة. فروسو، صاحب أحد أهم الكتب الفلسفية في “التربية” وضع أطفاله في ملجأ، وأعلن، عمليًّا ونظريًّا، عجزه عن تربيتهم، وماركس الذي أعلن ضرورة انتقال الفلسفة من فهم العالم إلى تغييره قدَّم الأساس النظري لفهم العالم، ولضرورة تغييره، مع أنّه كان عاجزًا عن تغيير عالمه الشخصي، ومضطرًا إلى الاعتماد على إعانات آخرين، لإعالة أفراد أسرته التي عانت الأمرين من انشغاله بتغيير العالم وإهماله لتغيير عالمه الخاص. على الرغم من أنّ الهوّة بين فلسفة التركي وشخصه ضئيلةٌ عمومًا، فإنّ اللافت أن فيلسوف الأمل كان يكرّر، في حياته الخاصة، أنّه “عاش غريبًا وسيموت غريبًا” وأنّه يشعر بالغربة والاغتراب في ألمانيا وتونس على حدٍّ سواء، وأن لا مفرّ ولا مهرب ولا مخرج من ذلك.

يمكن تأويل ذلك بطرائق متعدّدةٍ، قد تكون أكثرها مأساويةً أنّ المسافة بين الواقع الذي يعيش فيه ويعيشه محمد التركي والواقع المأمول كبيرةٌ إلى درجةٍ جعلته يفقد الأمل في تجاوزها. أما أجمل التأويلات المُمكنة فقد تتمثّل في القول إنّ إنسانوية التركي جعلت منه إنسانًا كونيًّا يتجاوز فكرة الدولة/ الوطن، بالمعنى الضيّق للكلمة، ومستعدًا لدفع الثمن الضروري للحفاظ على الطابع الإنسانوي لحياته الخاصة والعامة. قد يكون مُمكنًا ومعقولًا الجمع بين هذين التأويلين المحتملين، ففيلسوفنا التركي، نفسه، شدّد، دائمًا، على ضرورة التخلّص من القضايا العنادية التي تظهر في صيغة “إما …، وإما …”، وعلى أهمية محاولة تجاوز مثل هذا التخييرات المثنوية، بالمعنى الهيغلي للتجاوز الذي يرتقي بمناقشة المسألة ليصل بها إلى تركيبٍ أعلى وأكثر تعقيدًا وشمولًا.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى