تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

“ملفات دمشق”: تحقيقات استقصائيّة تكشف ماكينة نظام الأسد للقتل والفساد

مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين – ICIJ

الولايات المتحدة الأميركية

04.12.2025

يكشف مشروع “ملفات دمشق” كيف حوّل مسؤولون سوريون حياة البشر إلى مجرد أوراق. فشهادات الوفاة الموقّعة من أطباء مستشفيي حرستا وتشرين العسكريين سيئي الصيت، تُدرج سبب الوفاة بشكل شبه موحّد على أنه “توقف قلبي تنفّسي”. الوثائق تكشف عن قتل ممنهج مارسه نظام الأسد بحق المعتقلين.

انضمّ صحافيون من أنحاء العالم لكشف تفاصيل مروّعة جديدة حول أحد أكثر أنظمة القتل وحشية في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

اعتماداً على مجموعة من وثائق وسجلات الاستخبارات السورية السرّية التي حصلت عليها هيئة الإذاعة الألمانية NDR وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، تكشف تحقيقات “ملفات دمشق” البنية الداخلية لأجهزة أمن الأسد وصلاتها بحكومات أجنبية ومنظمات دولية.

أمضى الـ ICIJ وNDR و126 صحافياً من 26 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

نحن أمام أكثر من 134 ألف وثيقة مكتوبة باللغة العربية، بحجم يبلغ نحو 243 غيغابايت من البيانات. وتمتد هذه الوثائق على مدى أكثر من ثلاثة عقود، من عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتعود إلى المخابرات الجوية والمخابرات العامة. وقد خضعت هاتان الجهتان الاستخباريتان لعقوبات واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

تتضمن المواد مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف تفاصيل العمليات اليومية لشبكة المراقبة والاعتقال التابعة لنظام الأسد، إلى جانب تنسيق هذه الأفرع مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا، كما تشمل مجموعة البيانات شديدة الحساسية أسماء أفراد سابقين في أجهزة الاستخبارات السورية.

بالإضافة إلى ذلك، حصلت NDR وشاركت مع ICIJ وشركائها أكثر من 33 ألف صورة عالية الدقة توثّق، بشكل مروّع، مقتل أكثر من 10,200 معتقل سوري خلال الفترة الممتدة أساساً بين عامي 2015 و2024.

آلة الإخفاء القسري

تكشف السجلات عن سياسة دولة قائمة على الاعتقال الجماعي والإعدام، فخلال حكم الأسد، اعتُقل ما لا يقل عن 150 ألف سوري وتم إخفاؤهم قسرياً، بينما كان النظام يسحق أي شكل من أشكال المعارضة خلال سنوات الحرب.

وبعد سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، بدأ الأهالي يبحثون في السجون والمشارح عن أي أثر لأقاربهم المفقودين، يدقّقون في كتابات على جدران الزنازين، ويبحثون في المقابر الجماعية، ويقارنون بقايا الملابس، وغالباً ما كانوا يعودون بلا إجابات.

يكشف مشروع “ملفات دمشق” كيف حوّل مسؤولون سوريون حياة البشر إلى مجرد أوراق. فشهادات الوفاة الموقّعة من أطباء مستشفيي حرستا وتشرين العسكريين سيئي الصيت، تُدرج سبب الوفاة بشكل شبه موحّد على أنه “توقف قلبي تنفّسي”.

يمثّل كل ملف عائلة تُركت للحيرة، وحياة مُحيت، ونظاماً صُمّم لإخفاء جرائم القتل الجماعي خلف واجهة إدارية. وباستخدام هذه البيانات، تمكّن شركاء “ملفات دمشق” من تقديم أدلة لأهالٍ حول مصير ذويهم المتوفين داخل السجون.

يُعدّ مخزون الصور هذا أكبر مجموعة من صور معتقلين سوريين يحصل عليها صحافيون على الإطلاق. وقد التقطها مصوّرون عسكريون، وتُظهر محتجزين قضوا في مستشفيات النظام وسجونه، حيث تم ترقيم جثثهم وفهرستها بدقة بيروقراطية، ومن بين الصور الموجودة في الأرشيف صور للناشط البارز مازن الحمادة. ولم يكن للرأي العام السوري أي علم بوجود هذه الصور حتى الآن.

أجرى فريق من الصحافيين من الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) وشبكة NDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ، تحليلًا معمّقًا لعينة من مئات الصور. وأظهر التحليل أن الضحايا في غالبيتهم بدت عليهم علامات التجويع وآثار الأذى الجسدي، وكان كثيرون منهم عراة.

 تكشف صور “ملفات دمشق” أنه بعد وفاة كل معتقل، كانت الجثث تُنقل وتُصوَّر وتُفهرَس. وفي معظم الحالات، كان يُكتب رقم المعتقل على بطاقة بيضاء تُوضَع على الجسد، أو يُكتب بالأسود على الذراع أو الساق أو الجذع أو الجبين، أو يُضاف لاحقًا فوق الصورة.

وكان مصوّر عسكري، ينتعل حذاءً مطاطيًا أو أغطية جراحية بلاستيكية فوق حذائه، يلتقط صور الجثة من زوايا عدة، ثم يحفظ هذه الصور في مجلدات رقمية منظّمة بدقة.

أُرسلت هذه الصور بشكل مستقل إلى السلطات الألمانية، التي تتصدر الجهود الدولية لملاحقة أعضاء سابقين في نظام الأسد، كما باتت الصور بحوزة المركز السوري للدراسات والأبحاث الثانونية، وهو منظمة ألمانية توثّق الانتهاكات الحقوقية.

وحيثما ظهرت أسماء المعتقلين على جثامينهم، استخرجها كل من ICIJ و NDR، ثم شاركت NDR المعلومات مع ثلاث جهات لمساعدة العائلات في التعرف على أقاربهم المفقودين: “الهيئة المستقلة للأمم المتحدة لشؤون المفقودين في سوريا” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”تعافي”، وهي مبادرة تدعم ناجين من الاعتقال والتعذيب.

أموال الأمم المتحدة

تكشف وثائق “ملفات دمشق” استفادة نظام الأسد من علاقاته مع وكالات تابعة للأمم المتحدة كان يفترض أن تقدّم المساعدات للمدنيين السوريين. فخلال سنوات الحرب، دفعت هذه الوكالات ما لا يقل عن 11 مليون دولار لشركة أمنية سورية خاصة كُلّفت بحماية مكاتب الأمم المتحدة، ليتبيّن الآن أن هذه الشركة مملوكة  من أجهزة استخبارات الأسد وتخضع لسيطرتها.

على الرغم من التحذيرات التي أطلقتها منظمات حقوقية عام 2022 بشأن ارتباط الشركة بالنظام، استمرّ التعاقد معها لعامين إضافيين، ما أدى إلى ضخّ ملايين الدولارات لصالح الجهات نفسها المتّهمة بتعذيب السوريين وقتلهم.

كما تكشف إحدى المذكرات التي عثر عليها فريق التحقيق والصادرة عن وزير الخارجية آنذاك فيصل المقداد، أن النظام كان يتوقع من موظفي شركات الأمن السورية التجسّس على موظفي الأمم المتحدة لصالح أجهزة الاستخبارات السورية.

استناداً إلى الوثائق والسجلات المرتبطة بها، أعدّ الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) وشركاؤه قائمة مفصّلة بأصول رجل الأعمال السوري وعضو عائلة الأسد رامي مخلوف داخل سوريا وخارجها.

سجلّ من الرعب

يكشف مشروع “ملفات دمشق” البنية الكاملة لغرف التعذيب التابعة لنظام الأسد بتفاصيل مروّعة. ويوفّر أدلّة جديدة عن كيف عملت مؤسسات الأمن التابعة للأسد كـآلة قتل موحّدة، بالإضافة إلى مساهمة التجاهل الدولي ونظام المساعدات المعيب وتدفّق الأموال في إبقائها قائمة.

المؤسسات الحقوقية السورية التي يمكن لأهالي الضحايا التواصل معها هي:

“المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”، وهو منظمة ألمانية توثّق الانتهاكات الحقوقية. أيضاً شاركت NDR المعلومات مع ثلاث جهات لمساعدة العائلات في التعرف على أقاربهم المفقودين: “الهيئة المستقلة للأمم المتحدة لشؤون المفقودين في سوريا” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”تعافي”، وهي مبادرة تدعم ناجين من الاعتقال والتعذيب.

Photo credits: NDR and ICIJ

Illustrations on cover: ICIJ – Molly Crabapple

———————————————

ملفات دمشق”: أكثر من 30 ألف صورة توثّق أرشيف الموت لدى نظام الأسد/ نيكول صادق وكاري كيهو (ICIJ)

04.12.2025

صور لأكثر من 10 آلاف ضحية من ضحايا نظام الأسد تكشف بتفاصيل مروّعة ودقيقة، حملة ممنهجة من التعذيب والقتل الجماعي.

رجل ممدّد على سطحٍ معدني هزيل، فارق الحياة. تُلتقط له الصور من زوايا متعددة: عن قرب تظهر أسنانه الصفراء المتكسّرة، ومن الجانب تبدو عيناه المعتمتان كزجاجٍ مغبّش، ومن مسافة أبعد يظهر جسده كاملًا. الرقم المدوّن عليه: 3659.

رجل آخر، يحمل الرقم 4038، ملقى في الجزء الخلفي من شاحنة ما، جسده العاري والمتيبّس تغطيه بقع من الدم، والذباب يحوم حوله.

أما الناشط مازن حمادة، رقم 1174، فيظهر بزيّ السجن ممدّدًا فوق أرضية رخامية. آثار القيود بارزة على معصميه، وقدماه الحافيتان تحملان آثار كدمات واضحة.

الرقم 2389 يعود إلى طفل حديث الولادة.

تُظهر صور أخرى جثثاً مكدّسة كأكوام الحطب؛ أذرع وأرجل نحيلة متشابكة، أضلاع وعظام الترقوة والكتفين نافرة من كومة من الهياكل. أفواه مفتوحة وعيون نصف مغمضة، وأجساد معذّبة مهيّأة للطرح.

هذه الرفاة الهزيلة ليست سوى الناتج البشع لآلة القتل التي أدارها الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

صمت ثقيل ووحشي يخيّم على هذه الصور وأكثر من 33 ألف صورة إضافية عالية الدقة، توثّق أشخاصًا – معظمهم رجال – اعتُقلوا وقُتلوا على يد النظام السوري، خصوصًا بين عامَي 2015 و2024.

التُقطت هذه الصور على يد مصوّرين تابعين للشرطة العسكرية السورية، وهي جزء من تحقيق “ملف دمشق”، المستند إلى أكثر من 134 ألف سجل حصلت عليها القناة الألمانية NDR، وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) وشركاء إعلاميين آخرين.

يكشف مشروع “ملفات دمشق” جوانب جديدة من طريقة عمل أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة للحكومة السورية السابقة. وتمثّل الصور المسرّبة أكبر مجموعة موثّقة من صور ضحايا المعتقلات السورية تصل إلى مؤسسة إعلامية حتى اليوم. قُتل فُقد أكثر من 10,200 معتقل، ووصل عدد الصور الملتقطة في أحد الأيام إلى 177 صورة.

حصلت NDR على هذه المواد من خلال ضابط سوري سابق شغل منصب رئيس “وحدة حفظ الأدلة” في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامَي 2020 و2024، قبل أن يسلّمها إلى وسيط، ومنه وصلت إلى القناة الألمانية. وقال الضابط في مقابلة مع NDR:  “هناك أشياء يجب أن يعرفها الناس. هناك عائلات يجب أن تعرف أين هم أبناؤها وما الذي حدث لهم”.

كانت الصور تُرسل إلى المحاكم العسكرية، حيث يوقّع القاضي على حالات الوفاة، مانحاً بذلك — عملياً — أفراد نظام الأسد حصانة قضائية عن جرائمهم، وفق ما قاله ضابط عسكري سابق. وقد شغل هذا الضابط منصب رئيس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامَي 2020 و2024. وقد سلّم الصور إلى مصدر شاركها بدوره مع قناة NDR.

وقال الضابط في مقابلة مع NDR: “هناك أمور يجب أن يعرفها الناس. هناك أشخاص تحتاج عائلاتهم أن تعرف أين هم وما الذي حدث لهم”.

حتى الآن، لم يكن السوريون على علم بوجود هذه الصور أو حجمها.

بشار الأسد، الذي يُقال إنه يعيش اليوم في روسيا بصفة لاجئ، حكم سوريا طوال سنوات الحرب الأهلية الدامية التي امتدّت لثلاثة عشر عامًا، عقب موجة الاحتجاجات الواسعة ضد الحكومة. وخلال تلك الحقبة، سعت السلطات إلى القضاء على أي مظهر للمعارضة داخل البلاد، فلاحقت من اعتبرتهم خصومًا سياسيين، وخُطف كثيرون منهم، فيما قضى الآلاف داخل السجون.

وتقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية تُعنى بتوثيق ضحايا الحرب، أن النظام السوري أخفى قسريًا أكثر من 160 ألف شخص، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي أكبر بكثير.

عانى المعتقلون في حياتهم صنوفًا من الانتهاكات، وحتى بعد وفاتهم، حُرم كثيرون منهم من حقّهم في دفن لائق، في إهانة جديدة لكرامتهم.

وعندما انهار النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تمكنت عائلات كثيرة من دخول السجون والمشارح بحثًا عن أبنائها. فتّشوا بين الممرّات، وعلى جدران الزنازين، وفي المقابر الجماعية، بحثًا عن أي أثر أو قطعة قماش أو كتابة قد تساعدهم على معرفة مصير أحبّائهم. لكن آلاف العائلات لم تعثر على شيء، وتحوّل ما تبقّى لديها من أمل إلى ألم أكبر، وسط شعور قاسٍ بأن الحقيقة ربما ستبقى مجهولة إلى الأبد.

تأتي “ملفات دمشق” لتكشف جانبًا من مصائر هؤلاء، وتوثّق ما حدث لهم بعد اختفائهم.

وعلى رغم أن هذه الوثائق بما تحمله من معلومات موجعة، لا يمكنها أن تمنح عائلات الضحايا سلامًا كاملًا أو تعويضًا عمّا فقدوه، فإن وجودها نفسه يضمن أن من غُيّبوا سيبقون حاضرِين، وأن ذكراهم ستبقى خالدة مهما حاولت السلطات محو أثرهم.

تشكل صور “ملفات دمشق” امتدادًا صادمًا لسلسلة الصور التي وُثّقت لضحايا تعرّضوا للقتل بين عامي 2011 و2013، والتي تمّ تهريبها إلى خارج سوريا قبل أكثر من عقد على يد منشقّ عُرف باسم قيصر.

أدّت صور قيصر إلى موجة من المحاكمات الدولية والعقوبات ضد الحكومة السورية، وكانت جزءًا أساسيًا من الأدلة المستخدمة في أول محاكمة للتعذيب ضد النظام السوري في ألمانيا عام 2020، والتي انتهت بالحكم بالسجن المؤبد على العقيد السابق أنور رسلان، بعدما ثَبُت ارتباطه بآلاف حالات التعذيب، إضافة إلى الحكم بالسجن أربع سنوات ونصف السنة على الضابط السابق إياد الغريب بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وألهمت هذه الصور أيضًا صدور قانون قيصر في الولايات المتحدة، الذي فرض عقوبات على الأسد والحكومة السورية، وسمح لوزارة الخارجية الأميركية بجمع الأدلة وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا.

وفي عام 2014، أدلى قيصر—الذي كشف لاحقًا عن هويته الحقيقية بوصفه فريد المذهان، الرئيس السابق لقسم الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية بدمشق—بشهادته أمام فريق من المدّعين الدوليين. وأوضح أن الضباط كانوا مكلّفين بتوثيق جثامين المعتقلين لإثبات تنفيذ الأوامر. وكانت هذه الصور تُستخدم أيضًا لاستخراج شهادات وفاة من دون أن تضطر العائلات لرؤية الجثامين، وغالبًا ما كانت الأسباب المدوّنة للوفاة مختصرة بـ”توقف قلب” و”توقف قلبي تنفّسي”.

وعلى الرغم من الأدلة المتوافرة، نفت الحكومة السورية صحة صور قيصر.

الدفعة الجديدة من الصور تكشف حجم عمليات القتل واستمراريتها خلال أحد عشر عامًا إضافيًا، إلى جانب الإجراءات البيروقراطية الدقيقة التي اتُّبِعت في تصوير الجثامين وتوثيقها.

وقد أجرى فريق من صحافيي ICIJ وNDR وSüddeutsche Zeitung تحليلًا معمّقًا لعيّنة تضم مئات الصور. وأظهر التحليل أن الضحايا في غالبيتهم تبدو عليهم علامات سوء المعاملة وسوء التغذية. وتبيّن أن كل معتقل كان، بعد وفاته، يُنقل ليُصوَّر ويُسجّل رقمه. غالبًا ما كان الرقم يُكتب على بطاقة موضوعة فوق الجثمان، أو على أحد أطرافه أو على الجذع، أو يُضاف رقميًا إلى الصورة. وكان مصوّر عسكري يلتقط الصور من زوايا متعددة ثم يحفظها في ملفات رقمية منظّمة بدقة.

وتتضمّن عناوين الصور معلومات تشمل رقم المعتقل، واسم المصوّر الأول، وتاريخ التقاط الصورة، وفي حالات كثيرة الجهة الأمنية المسؤولة عن اعتقاله، مثل الشرطة العسكرية، إدارة المخابرات الجوية وإدارة المخابرات العامة.

وبالاستناد إلى الوثائق الأخرى ضمن ملفات دمشق وإلى زيارات ميدانية أجراها الصحافيون، يبدو أن غالبية هذه الصور التُقطت داخل مستشفيات عسكرية كان يُنقل إليها المعتقلون.

على الرغم من أن معظم مسؤولي النظام السوري حوّلوا المعتقلين إلى مجرد أرقام، فإن بعض الصور تضمّنت أسماء أصحابها. وقد تمكن كلٌّ من ICIJ و NDR من استخراج نحو 320 اسمًا من بين الضحايا. من بينهم: عادل، حسن، مالك، وليد، حسين، يوسف، سعد، فادي، ياسين، فاطمة، وغيرهم الكثير…

قال أحد أفراد عائلة الناشط مازن الحمادة، الذي كان من بين الضحايا: “الحرية التي نعيشها اليوم جاءت بفضل تضحيات مازن والشهداء الآخرين الذين قدّموا حياتهم رخيصة لأجلنا”، وأضاف: “هناك ألم كبير لفقدانه، لكن الشعور الغالب هو الفخر… الفخر بمازن وبالتضحيات التي قدّمها من أجل الوطن”.

الخطوات التي ستتخذها الحكومة السورية الجديدة أو السلطات الدولية – سواء استخدمت هذه الصور كأدلة لمحاسبة المتورّطين، أو شاركتها مع العائلات التي أنهكها الانتظار لمعرفة مصير أبنائها – ستحدد ما إذا كان يمكن تحقيق قدر من العدالة لعشرات الآلاف من الضحايا. وقد تكون هذه فرصة أخيرة لاستعادة كرامة من فقدوا حياتهم، بعد كل هذه السنوات.

 أرشيف الموت

يتضمن ملف دمشق أكثر من 33,000 صورة لجثث أشخاص اعتُقلوا وقتِلوا على يد نظام الأسد.

ملفّات دمشق المسرَّبة تتضمّن صورًا فوتوغرافية مروِّعة عالية الدقة توثّق مقتل أكثر من 10,200 معتقل سوري. ولفهم الحقائق التي تجسّدها هذه الصور بشكل أفضل، حلّل فريق من الصحافيين في ICIJ وNDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ عيّنة عشوائية من 540 صورة، ما أتاح لهم الوصول إلى نتائج بهامش ثقة إحصائي يبلغ 98 في المئة. تستند الأرقام التالية إلى ذلك التحليل، بالإضافة إلى مواد أوسع جُمعت ضمن تحقيق ملفّات دمشق.

تركّز الصور الواردة في الملفّات بمعظمها على جثمان شخص واحد، وغالبًا ما تُلتقط على نحو سريع وفق تسلسل موحّد: ثلاث صور لكل ضحية من زوايا مختلفة. وتظهر هنا صورة للناشط مازن الحمادة، بعدما منحت عائلته الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ وNDR الإذن باستخدام هذه الصور.

بعض الصور يوثّق وجود أكثر من معتقل واحد في اللقطة، وفي أكثر من 75 في المئة من الصور التي تم تحليلها، وُجدت الجثث على الأرض أو فوق سطح معدني، من دون أكياس موتى أو أغطية أو أكفان. قرابة نصف الجثث كانت عارية، بينما كان ثلثها شبه عارٍ.

نادرًا ما تضمّنت الصور أسماء المعتقلين؛ إذ اختُزلوا إلى أرقام ضمن عملية منهجية لتوثيق الوفيات.وتتضمّن كل صورة تقريبًا بطاقةً بيضاء – إمّا موضوعة على الجسد أو بالقرب منه أو أضيفت لاحقًا إلى الصورة – تحمل رقم المعتقل وتحدّد الفرع الأمني المسؤول عن احتجازه، فيما حملت بعض الجثث علامات كُتبت مباشرة على أجسام الضحايا.

تظهر على ما يقارب ثلاثة أرباع الجثث علامات واضحة على التجويع، وهي من أكثر الحالات شيوعًا في هذا الدليل المصوَّر، بينما بدا على ثلثي الضحايا تقريبًا أثر أذى جسدي كالكدمات والتمزّقات. أكثر من نصف الجثث كانت عليها إصابات في الوجه أو الرأس أو العنق – غالبًا نتيجة ضربات قوية، وأحيانًا جروح قطعية أو طعنات.

تكشف الصور، المصنَّفة بعناية ضمن مجلّدات رقمية، عن نظام احتجاز وتعذيب وتصفية تديره أجهزة الدولة بطريقة منهجية. وخلال مسار التحقيق، تبيّن لفريق ملفّات دمشق أن هذه الصور شاركتها جهات مستقلّة مع السلطات الألمانية، التي تقود جهود ملاحقة أعضاء سابقين في نظام الأسد قضائيًا، كما باتت الآن بحوزة المركز السوري للدراسات القانونية والبحوث، وهو منظمة ألمانية غير حكومية توثّق انتهاكات حقوق الإنسان.

وحينما كانت الصور تتضمن أسماء المعتقلين، استخرج ICIJ وNDR هذه الأسماء، وتولّت NDR مشاركتها مع ثلاث جهات لمساعدة العائلات على التعرّف إلى ذويها المفقودين: المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة؛ والشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ ومبادرة تعافي الداعمة لضحايا الاعتقال والتعذيب.

ما مصير الصور؟

توجد الصور حاليًا بحوزة السلطات الألمانية – الجهة التي تقود الجهود الدولية في ملاحقة الجرائم التي ارتكبها مسؤولون في النظام السوري – إلى جانب مركز الدراسات والأبحاث القانونية السوري، وهو منظمة ألمانية تعمل على توثيق الانتهاكات والدفاع عن ضحاياها.

وفي الحالات التي تضمّنت الصور أسماء المعتقلين، عملت ICIJ وNDR على استخراجها، وشاركت NDR هذه الأسماء مع أربع جهات:

المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة

الشبكة السورية لحقوق الإنسان

مبادرة تعافي الداعمة لضحايا الاعتقال والتعذيب

المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية

مراسلون مساهمون:

محمد كوماني (إريج)؛ فولكمار كابيخ، أنطونيوس كيمبمان، أمير موسوي، بنديكت سترنز، سيباستيان بيتيلكو، سليمان تدمري (NDR)، بنديكت هيوبل، لينا كامبف، ليا وينمان (سوددويتشه تسايتونج)؛ دينيس أجيري، أوغستين أرمنداريز، كاثلين كاهيل، يلينا كوسيتش، خيسوس إسكوديرو، ويتني جوينر، ديفيد كينر، دلفين رويتر، ديفيد رويل، فيرغوس شيل، وأنجي وو (الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين).

———————————————–

الأذرع الخلويّة: شركات الاتصالات السورية تُسلّم بيانات عملائها إلى مخابرات “الأسد”/ أحمد عاشور (أريج) – هلا نصر الدين (درج)

04.12.2025

هذا التحقيق جزء من مشروع “ملفات دمشق” الذي يستند إلى 134 ألف وثيقة من أجهزة المخابرات السورية، حصلت عليها إذاعة NDR الألمانية، وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ ومؤسسات إعلامية عدة أخرى. يكشف هذا التحقيق، أن إدارة الاتصالات بشعبة المخابرات العسكرية السورية، حصلت على بيانات لعملاء شركتي الاتصالات سيرياتيل وMTN سوريا في عهد نظام الرئيس السابق بشار الأسد؛ ما شكّل انتهاكاً لخصوصية عملائها، ومراقبة الخصوم السياسيين للنظام السابق.

آب/ أغسطس 2024، تتوسط ساحة الكرامة بالسويداء مجموعة من الرجال ترفع لافتات مناهضة للنظام السوري السابق، وخلفها عبارة مكتوبة بخط اليد على الجدار: “يسقط بشار الأسد… ذيبين حرة”.

لم تكن هذه المجموعة تدرك آنذاك أنها تخضع للمراقبة منذ نحو شهر، وأن ملفات اتصالات عدد من أعضائها معروضة على مكتب مدير إدارة المخابرات العامة السورية بالإحالة من الفرع الفني 280، بعنوان: “التحريض وإثارة الفوضى في محافظة السويداء”.

في الشهر نفسه، ساعد هذا الفرع الفروع الأمنية الأخرى على تتبّع 15 هدفاً، أُلقي القبض على ثمانية منهم، عبر تحديد مواقعهم باستخدام “الراشدة 4G” (سيارة مجهزة للتنصت).

وخلال عام 2023، تتبّعت المخابرات العامة السورية على الأقل أنشطة 233 رقماً خلوياً، ولم تُحل إلى أفرع أجهزة أمن الدولة سوى 30 حالة منها، ورُفعت بشأن بعضها مذكرات، في حين حفظت بقية الحالات “لعدم صحة الشبهة” المحيطة بأصحابها.

مئات المستندات التي تحمل بيانات اتصال، صادرة من وواردة إلى أرقام أشخاص عدّتهم مخابرات النظام السوري السابق أهدافاً تستحق التتبّع، طرحت سؤالاً عن كيف وجدت هذه البيانات التفصيلية طريقها إلى الأذرع الأمنية للنظام السابق؟ في حين أن أصحابها في غالبيتهم ثبت “عدم صحة الشبهات” التي تحيق بهم.

يكشف هذا التحقيق أن إدارة الاتصالات 225 بشعبة الاستخبارات العسكرية، حصلت على بيانات اتصال بعض عملاء شركتي الاتصالات السوريتين سيرياتيل وMTN سوريا، لتحيلهم إلى المخابرات العامة، في انتهاك لالتزام الشركتين بحماية البيانات الشخصية لعملائها، وفق المادة 50 من قانون الاتصالات.

يوضح التحقيق أن الإدارة التقنية في شركة سيرياتيل -على وجه الخصوص- كانت تحمّل كل بيانات عملائها واتصالاتهم على قاعدة بيانات إدارة الاتصالات DATADB، من دون إذن قضائي. وعلى رغم تغيير مجلس الإدارة وإدخال تغييرات على الإدارة التنفيذية للشركة عام 2020، فإنها -في ما يبدو- سارت على النهج نفسه حتى سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وما زالت الإدارة التنفيذية نفسها في سيرياتيل تدير شؤون الشركة في ظل الحكومة الانتقالية الحالية.

تحت الرقابة الخلوية

في صيف 2023، وصل الاحتقان ذروته في السويداء، وتصاعدت الاحتجاجات بساحة الكرامة في قرية ذيبين جنوب السويداء ضد نظام الأسد، عقب توجيه صفحة “تجمع أحرار جبل العرب” -التي أُنشئت على “فيسبوك” في أيار/ مايو 2022- الدعوة لأبناء السويداء بالتظاهر لتحقيق “الحرية والكرامة”.

وبعد نحو ثمانية أشهر من الحراك، اتهمت الصفحة النظام “بإرسال ميليشيات فيلق القدس الإيرانية إلى محيط السويداء، وتعزيز قطعه العسكرية والأفرع الأمنية”، مؤكدة سلمية الحراك، على رغم ما وصفته “بالتصعيد”.

ومع دخول الحراك عامه الأول، وضعت قوات الأمن حاجزاً عند مدخل المدينة، ما استفزّ منظمي الحراك؛ فنشرت الصفحة بياناً لتأكيد سلميتها ورفضها وضع الحاجز، ملوّحة باستعداد “أحرار الجبل للتصدي بوجه أي عدوان”. وقبل أن ينفلت زمام الأمور، أعلنت الصفحة في بيان لها في آب/ أغسطس 2024، وقف التصعيد مبدئياً.

وبينما كانت قوى الأمن تحاصر حراك السويداء على الأرض بإقامة حواجز حول المدينة، كان الفرع 280 بالمخابرات العامة يجمع معلومات عن ناشطي السويداء، بعد رصد عناصره منشورات صفحة “تجمع أحرار جبل العرب”.

في 8 تموز/ يوليو 2024، كان رئيس الفرع منهمكاً في قراءة معلومات عن ناشط بالسويداء يُدعى رباح غبرة، أحد المتفاعلين مع الصفحة، ليُصدر على المستند الذي يحمل رقم 11903، قراراً بدراسة المكالمات الصادرة من رقم هذا الناشط والواردة إليه.

خاطب الفرع 280 الفرع 300 بالكتاب رقم 11404، في 30 تموز/ يوليو 2024، للحصول على بيان بالاتصالات التي أجراها صاحب شريحة سيرياتيل الخلوية، مع التسجيلات الصوتية للمكالمات، في الفترة بين 22 نيسان/ أبريل والأول من أيار/ مايو من العام ذاته، لتبدأ كرة الثلج بالتدحرج.

كشف سجل مكالمات غبرة عن موقعه الجغرافي، وتواصله مع غيره من ناشطي السويداء. وعلى إثره، وُجه كتاب برقم 11992 في 8 آب/ أغسطس للحصول على التسجيلات الصوتية لأصحاب الأرقام المتواصلة مع غبرة.

ثم سرعان ما اتسعت دائرة التتبع؛ فطلبت المخابرات بيان المكالمات الصادرة والواردة من رقم آخر، تبيّن لاحقاً أن ملكيته تعود الى الناشط فؤاد عادل بو حمدان، الذي رافق غبرة في التظاهرات.

لم تكن دائرة التواصل مقتصرة على أفرع المخابرات العامة؛ فالفرع 300 وجه خطاباً بتاريخ 6 أيلول/ سبتمبر 2024، برقم 6503 إلى إدارة الاتصالات بوزارة الدفاع، للحصول على الرسائل النصية والبيانات والأرقام الصادرة والواردة المتواصلة مع “بو حمدان”.

بعدها بثلاثة أيام، أحالت إدارة الاتصالات إلى الفرع 300 الرسائل النصية المتوافرة وأرقام المكالمات الصادرة من هذا الرقم والواردة إليه، لتتكشف أمام المخابرات العامة أدق تفاصيل التنسيق للتظاهرات التي على كان رأسها كل من غبرة وبو حمدان.

 مستند يثبت تزويد إدارة الاتصالات إدارة المخابرات العامة ببيانات ناشط السويداء

عرضت حينها المخابرات العامة ما توصلت إليه على فرع أمن الدولة بالسويداء 312؛ “للعلم وإجراء اللازم”.

“كيف حصلتم على هذه المعلومات؟”، يقولها غبرة مندهشاً عندما أخبره فريق التحقيق بما ورد عنه في ملفات المخابرات، كان يظن بلا دليل جازم أنه تحت طائلة المراقبة نظراً الى نشاطه السياسي، ما أدى عام 2015 إلى صدور مذكرات توقيف في حقه من فروع أمنية عدة.

كان غبرة في مقدمة تظاهرات صامتة في ساحة الكرامة منذ نهاية عام 2021، وصولاً إلى ذروتها في آب/ أغسطس 2023؛ احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردّية في البلاد.

انطلقت التظاهرات يومياً من الساحة المعروفة بـ”ساحة الكرامة”، لكنّ أعداد المشاركين تراجعت مع الوقت، حتى وصلت إلى 15 متظاهراً؛ جلّهم وجدنا تفاصيل مكالماتهم وأوقات إجرائها، ومواقع الاتصالات، مرصودة في ملفات المخابرات العامة.

يقول غبرة: “عزف الناس عن المشاركة في التظاهرات نظراً الى تلقيهم -بخاصة الموظفين- تهديدات من الأمن السياسي”، مسترجعاً تطورات نحو أربع سنوات من التظاهرات المتفرقة التي شارك فيها بنفسه ضد النظام في السويداء، تلقى خلالها تهديدات من المخابرات والأجهزة الأمنية، في محاولة لدفعه إلى التوقف عن المشاركة المستمرة في “حراك السويداء”، غير أنه واصل نشاطه حتى سقوط النظام.

أحمد أبازيد، منسق منصة الذاكرة السورية التي أجرت أبحاثاً عن الهيكل الإداري والتنظيمي للأفرع الأمنية السورية المختلفة، شاهد عيان على تسجيلات مدونة لناشطين في وثائق المخابرات العسكرية قبل الثورة، يقول: “وضع المراقبة بعد الثورة أصبح أشرس وأوسع”، مؤكداً اعتقال ناشطين نتيجة رصد اتصالاتهم.

يضيف أبازيد أن الوصول إلى بيانات الاتصالات ومعلومات المتصلين كان متاحاً لأفرع أمنية عدة، ولا يحتكر فرع واحد هذه المعلومات. كما أن المخابرات العامة والعسكرية والجوية وشعبة الأمن السياسي تنسق في ما بينها للحصول على المعلومات الخاصة بالمستهدفين.

دائرة المراقبة

قادتنا الملفات المُسرَّبة إلى نمط انتهجته المخابرات العامة للوصول إلى بيانات اتصالات من يقع في دائرة استهدافها؛ تبدأ هذه العملية بمخاطبة الفرع 280 لأحد الفروع الداخلية بالمخابرات العامة، طلباً لمختلف أنواع البيانات المتعلقة بالأرقام الخلوية. ومن ثم، يتواصل الفرع المعني بإدارة الاتصالات 225 بشعبة الاستخبارات العسكرية، للحصول على معلومات عن أصحاب الشرائح الخلوية وبيانات اتصالاتهم.

ودأبت المخابرات على تدريب عناصرها على أصول التعامل مع إدارة الاتصالات، مستهدفة رفع قدرات عناصر الفرع 280 في مختلف أوجه “مكافحة التجسس”؛ ومنها معالجة تقارير بيانية فنية متعلقة بالاتصالات الصادرة والواردة والرسائل النصية للهدف، وسجل مكالمات المتواصلين، إلى جانب التعامل مع تقارير بيانية فنية متعلقة بالاتصالات الدولية الصادرة والواردة، ومعرفة تبعية تلك الأرقام، فضلاً عن الاستفادة من تقارير بيانية فنية مرتبطة بالاتصالات الخلوية؛ كحركة الهدف وأماكن وجوده والتغطية وأرقام الماكينات التسلسلية IMEI وIMSI.

وخلال عام 2023، تتبعت المخابرات العامة الأنشطة التي تُجرى -على الأقل- على 233 رقماً خلوياً، غير أنه في 86 في المئة من الحالات المستهدفة “حُفظ الموضوع لعدم صحة الشبهة”، فيما ظلت 12 حالة “تحت المراجعة”.

وفي الحالات المتبقية (30 هدفاً)، تضافرت جهود الأفرع المخابراتية لتوقيف المستهدفين، ونجحت بالفعل في توقيف سبع حالات، في الربع الأخير من عام 2023، باستخدام ما يسمى بـ”الراشدة”.

والراشدة هي سيارات مزودة بأجهزة تنصت سيّرتها المخابرات في الشوارع السورية، لمراقبة الاتصالات السلكية واللاسلكية، لتحديد موقع صاحب الرقم المستهدف، وإلقاء القبض عليه.

وفي سبيل ذلك، أجرت المخابرات العامة تدريبات لعشرة من عناصرها في 2023، لرفع قدراتهم على استثمار “الراشدة” للتعقب، بإشراف من سمّتهم بـ”الأصدقاء الصينيين”.

تنسيق منظم بين حلقات مخابراتية متتابعة، لكن هناك حلقة مفقودة يقع في القلب منها سؤال عن كيفية حصول إدارة الاتصالات على هذه البيانات “السرية”، وفق المادة 50 من قانون الاتصالات السوري لعام 2010. كان هذا الأمر محركاً أساسياً لنا، لكشف هذه الحلقة المفقودة.

بيانات في خدمة النظام

في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2023، خاطب الفرع 300 إدارة الاتصالات بالكتاب رقم 9/300/7720، طالباً معرفة الأرقام الخلوية المسجلة على رقم هوية وطنية لشخص ما، فردت إدارة الاتصالات بعدها بيومين بالكتاب رقم 4/225/119242، بعدم وجود أرقام شرائح مسجلة على هذا الرقم.

ما جذب انتباهنا أن معلومات إدارة الاتصالات اعتمدت على “البيانات المتوافرة من كلتا الشركتين”. هذه الجملة رصدناها مدوَّنة في ستة مستندات أخرى، تتضمن تقديم إدارة الاتصالات معلومات متعلقة بأصحاب أرقام خلوية، أو معلومات عن الشرائح الخلوية المسجلة على أرقام هوية وطنية.

فمن هما هاتان الشركتان؟

تعمل في سوريا شركتان تقدمان خدمات اتصالات خلوية؛ واحدة باسم “سيرياتيل موبايل تيليكوم” والأخرى MTN سوريا. أُسست الأولى عام 2000، ثم أُطلقت العلامة التجارية للثانية في سوق الاتصالات السورية عام 2007 .

كتبت كلتا الشركتين عبر موقعيهما الإلكتروني أنهما ملتزمتان “بحماية بياناتك الشخصية باستخدام معايير أمان متعارف عليها في القطاع”.

وعندما تفجرت قضية استيراد شرائح خلوية من شركة مشتبه في تعاملها مع وزارة الدفاع الإيرانية عام 2021، نفت MTN سوريا اعتمادها على شرائح هذه الشركة، مؤكدة أنها تجري اختبارات على شرائحها منعاً للاختراق.

وإن اعترفت سيرياتيل بشراء شرائح من هذه الشركة، فإنها أكدت في الوقت نفسه التزامها “بمستويات متعددة من الحماية لضمان خصوصية العملاء وأمانهم”.

على رغم هذا، فإن ملف تحقيق أجراه الفرع 251 في المخابرات العامة في 2020 مع مدير إحدى الإدارات التقنية بشركة سيرياتيل، يثبت أن شركة الاتصالات الخاصة زوّدت إدارة الاتصالات التابعة للاستخبارات العسكرية ببيانات اتصالات عملائها.

يقول هذا المدير عند سؤاله عن العلاقة بين شركة سيرياتيل وإدارة الاتصالات 225: “إدارة تكنولوجيا المعلومات تزوّد الإدارة المذكورة بما يلي: الملفات الصادرة من مختلف منظومات شركة سيرياتيل كافة، التي تدار من خلال نظام السحب والتوزيع الموجود ضمن حوكمة البيانات”.

ويضيف أن الإدارة التي يرأسها تزود إدارة الاتصالات، “بالمعلومات الخاصة بالمشتركين واتصالاتهم كافة، من خلال تحميل الملفات التي تضم هذه المعلومات على قاعدة بيانات خاصة بإدارة الاتصالات؛ وهي قاعدة بيانات تسمى DATADB. كما يوجد مخدم احتياطي في محافظة طرطوس توجد عليه نسخة احتياطية من قواعد البيانات، نظراً الى أهميتها للإدارة المذكورة”.

التحقيق مع مدير إحدى الإدارات التقنية في سيرياتيل يشير إلى تعاون الشركة مع المخابرات

لا تبدو هذه الممارسات جديدة؛ فعند اندلاع احتجاجات عام 2011، طُلب من شركة سيرياتيل تتبّع مواقع حاملي بعض الأرقام، وصلت في كانون الأول/ ديسمبر 2011، إلى تسعة آلاف و147 رقماً خلوياً، وفق موظفين سابقين في الشركة.

من خلال عدد من الموظفين، سُرّبت هذه القائمة. وبالحصول على نموذج من أحد الملفات المسربة، وجدنا تقاطعات عدة بينها وبين مستندات 2024؛ يتمثل أحدها في وجود ملحوظة أن بعض الأرقام كتب إلى جانبها أنها “بطلب من المقدم على – الفرع 225″، ونحو 134 رقماً كان يتم تعقبها باستخدام IMEI لجهاز الموبايل -وهو كما ورد في ملفات المخابرات العامة لعام 2024 يعني أرقام الماكينات التسلسلية- وكتب بجانبها “Black list-Branch 225”.

والفرع 225 هو رقم إدارة الاتصالات التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، التي أوضح مدير إحدى الإدارات التقنية السابق في شركة سيرياتيل أنها تزود الإدارة المذكورة بكل معلومات المشتركين واتصالاتهم.

ووُضعت شعبة الاستخبارات العسكرية على قائمة العقوبات الأوروبية عام 2011؛ لدورها في مساعدة النظام على ممارسة القمع.

يقول الدكتور نضال ظريفة، الموظف السابق في سيرياتيل حتى عام 2009، إن إدارة الاتصالات كانت تحتفظ بكل معلومات عملاء سيرياتيل حتى قبل عام 2011. وبعد اندلاع الثورة، زادت عملية التدقيق في هذه المعلومات، واستُثمرت لتحقيق مكاسب عسكرية.

وفي عام 2024، طلبت المخابرات العامة من إدارة الاتصالات، ومن الفروع الأخرى، معرفة آخر تغطية لبعض الأرقام الخلوية، كما وجدت في سجلات الاتصالات تفاصيل عن الموقع الجغرافي للقائم بالاتصال.

يقول ظريفة، الحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة ديسبورغ-إيسن الألمانية، إن موقع القائم بالاتصال يُسجّل بشكل تلقائي في سجلات الشركة، وبالتالي لا تحتاج الأجهزة الأمنية إلى تقنيات متقدمة لمعرفة الموقع الجغرافي للمُستهدَف.

مواطنو الشرق تحت الرصد

على النهج نفسه، استخدمت الأذرع الأمنية سجلات الاتصالات، للوصول إلى الموقع الجغرافي لمجموعة من الأشخاص المشتبه في “نشاطهم مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في المناطق الشرقية”.

مطالعة مستندات رصد هؤلاء الناشطين، قادتنا إلى حلقات الدائرة ذاتها؛ التي تبدأ من الفرع 280 بالمخابرات العامة، الذي خاطب الفرع 300 بالكتاب رقم 13287 بتاريخ 28 آب/ أغسطس 2024، لموافاته بمعلومات عن 26 رقماً، وتحديد آخر موقع تغطية لحامليها.

بعدها بنحو أسبوع، أحال الفرع 300 الطلب إلى إدارة الاتصالات، لترد عليه الإدارة ببيانات تفصيلية عن مالكي الأرقام التي تنوعت بين سيرياتيل وMTN.

كان من الغريب وجود رقم عبد عيد العسكر، الذي يعود لشركة MTN سوريا، ضمن هذه القائمة التي وصفتها المخابرات بأنها “تنشط تحت الميليشيات الكردية (قسد)”؛ فالرجل الخمسيني الذي ينحدر من بلدة محيميدة غرب دير الزور، سبق أن ظل قيد اعتقال “قسد” أكثر من شهر مطلع عام 2022.

لم يكن للعسكر أي أنشطة سياسية، فهو تاجر بلاط وسيراميك ورخام، لكنّه زُج به في خلاف تجاري؛ فبعدما تعهدت الحكومة السورية عام 2019 بإعادة بناء كنيسة شهداء الأرمن، التي دمرها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، وَكلت إليه الكنيسة مهمة المشاركة في أعمال الترميم، بناءً على توكيل رسمي، يقول إنه معتمد من القصر الجمهوري.

سارت الأمور بداية الأمر في مسارها الطبيعي، وقبل بدء العمل استُدعي العسكر الى مكتب أحد الفروع الأمنية لإعطائه الضوء الأخضر ببدء العمل. لكن ما عكّر صفو عمليته التجارية أن أحد المقربين من الفرقة الرابعة طلب منه فسخ التعاقد، طمعاً في أن يتولى هو عملية المشاركة في الترميم. لكنّ العسكر أخبره بضرورة توجيه طلب فسخ التعاقد إلى الكنيسة.

بعدها، استُدعي العسكر إلى فرع الأمن العسكري بدير الزور، حيث تلقى أمراً حاسماً من أحد الضباط: “تعليمات رئيس الفرع تقتضي ألا تتعامل مع الكنيسة مطلقاً، وأي مخالفة لهذا الأمر ستلقي بك في السجن”.

يعتقد تاجر السيراميك أن تقريراً يتضمن وشاية بحقه، تتهمه “بالتعاون مع قسد والأكراد”، وضعه لاحقاً على رادار المتابعة الأمنية؛ فقد وصلته تعليمات غير مباشرة أكثر من مرة بعدم التواصل مع “أشخاص معارضين للنظام أو مطلوبين أمنياً”.

حينها، قطع العسكر تواصله مع زوج ابنته وابن أخيه المقيم في بيروت؛ لأنه مطلوب لأداء الخدمة العسكرية، وينتابه الخوف من تلقي اتصال من أي شخص مطلوب أمنياً، ظناً منه أنه بعدها “سيذهب إلى صيدنايا (سجن صيدنايا)”.

ما جمع بين العسكر وغبرة ليس فقط وضعهما في دائرة الاستهداف الأمني عبر تتبّع سجل مكالماتهما وموقعهما في منطقتين مختلفتين، بل أيضاً أنهما وضعا ثقتهما في شركتي اتصالات تقدمان أنفسهما شركتين خاصتين، يعتمدان في أرباحهما على مكالمات العملاء واشتراكاتهم.

ففي ظل العقوبات الخانقة التي تعرضت لها سوريا عقب 2011، والتي طاول بعضها قطاع الاتصالات، واصلت الشركتان تحقيق إيرادات من العقود مع العملاء، بلغت نحو 282.17 مليون دولار لصالح سيرياتيل عام 2024، ونحو 120 مليون دولار في MTN.

شكلت هذه الإيرادات العمود الفقري لاقتصاد الشركتين، وفق تقاريرهما المالية؛ ما يفرض أن يكون ولاء الشركتين ينصب على عملائهما. لكن التدقيق في هيكل ملكية الشركتين وإدارتهما، يكشف عن روابط قد تفسر كيف انتهى المطاف ببيانات اتصالات كل من تاجر دير الزور وناشط السويداء، وغيرهما، في أروقة أجهزة المخابرات السورية.

سيطرة حكومية

في عام 2000، انطلقت سيرياتيل كأول شركة اتصالات خلوية في سوريا، ومنذ انطلاقها أثارت موجة من الجدل لارتباطها بعائلة الأسد؛ لامتلاك ابن خال بشار الأسد، رجل الأعمال رامي مخلوف، حصة الغالبية فيها.

ووقع مخلوف تحت طائلة عقوبات وزارة الخزانة الأميركية عام 2008، لشبهات تتعلق “ببناء إمبراطوريته التجارية مستغلاً علاقاته بأعضاء النظام السوري، وتلاعبه بنظامه القضائي، واستخدامه مسؤولي المخابرات السورية لتخويف منافسيه التجاريين”.

وعقب اندلاع الاحتجاجات السورية مطلع عام 2011، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية سيرياتيل على قائمة العقوبات؛ لصلتها بمخلوف. كما تعرضت الشركة للعقوبات الأوروبية والبريطانية، للسبب ذاته.

وتضمنت مجموعة من التقارير مؤشرات عن تعاون بين شركات الاتصالات الخلوية الخاصة والمخابرات العسكرية لقمع الاحتجاجات المتصاعدة. فعام 2012، أفادت بلومبرغ بأن الفرع 225 أمر شركتي سيرياتيل وMTN سوريا بحظر الرسائل النصية التي تحتوي على كلمات مفتاحية؛ مثل “ثورة” أو “تظاهرة”.

تقول ديما سمارو، خبيرة الحقوق الرقمية، إن عمليات المراقبة على الاتصالات الخلوية بدأت قبل الثورة بأعوام عدة، عندما زودت شركات أوروبية وصينية شركتي سيرياتيل وMTN سوريا بأنظمة تقنية، سمحت للأجهزة الأمنية بتعقب الاتصالات. وعقب اندلاع الثورة اشتدت عمليات المراقبة.

وتضيف سمارو، التي شاركت في تقرير صدر عام 2021 عن مؤسسة أكسس ناو لدراسة التجسس الرقمي في سوريا، أن شركات الاتصالات السورية أتاحت للسلطات السورية الوصول الى بيانات المستخدمين؛ ما أدى إلى معرفة مواقع الناشطين. وأشارت إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تدخل على أنظمة هذه الشركات بشكل مباشر، ومن دون إذن قضائي، ما وُصف وقتها بـ”التحالف بين النظام وشركات الاتصالات في قمع المواطنين”.

بحلول عام 2020، أُعيدت هيكلة قطاع الاتصالات الخلوية في سوريا؛ فقد أحكمت الحكومة قبضتها عليه بفرض حراسة قضائية على شركة سيرياتيل، تمثلها الشركة السورية للاتصالات، عبر رئيس مجلس إدارتها محمد مازن المحايري.

وفي تموز/ يوليو 2021، رفُعت الحراسة القضائية المفروضة على الشركة، ليتغير هيكل مجلس إدارتها.

ومع هذه التطورات، أُدخلت على الشركة تغييرات إدارية؛ فقد استقالت المديرة التنفيذية ماجدة صقر، وعُين مكانها مريد صخر الأتاسي رئيساً للمديرين التنفيذيين.

طاولت الحراسة القضائية MTN سوريا أيضاً عام 2021، وعُينت شركة “تيلي إنفست ليمتد” ممثلة برئيس مجلس إدارتها، حارساً قضائياً، وما زالت الحراسة سارية حتى الآن. تبع ذلك إجراء تغييرات إدارية في هيكل إدارة الشركة بتعيين محمد وسيم شطة مديراً تنفيذياً للشركة.

الوجوه القديمة في العهد الجديد

ظلت الأوضاع في الشركتين على هذا النحو، مع تغييرات محدودة في هيكل الإدارة، حتى سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وبعد سقوط النظام، سارعت الشركتان إلى رفع العلم السوري الجديد على موقعيهما، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لهما، معلنتين مباركتهما النظام الجديد.

وبعد أشهر عدة، استقال مدير شركة MTN سوريا ليحل محله نائبه، محمد مازن المحايري، ممثل  الحارس القضائي السابق على سيرياتيل، ومعاون وزير الاتصالات والتقانة عام 2018.

في المقابل، ظل الهيكل الإداري لشركة سيرياتيل قائماً، من دون المساس بعناصره؛ وعلى رأسهم مريد صخر الأتاسي، الذي كان يشغل عام 2020 منصب المدير العام للمعلوماتية، قبل ترقيته إلى منصبه الحالي.

 وتحت السلطة الإدارية لرئيس المدير التنفيذيين، يأتي المدير التنفيذي التقني، الذي يشرف على إدارات كشفت تحقيقات المخابرات العامة عام 2020 عن صلتها بإدارة الاتصالات بالمخابرات العسكرية.

ويفوض مجلس إدارة سيرياتيل المدير التنفيذي في تسيير أمور الشركة اليومية، والتواصل مع الجهات العامة والخاصة، وفق السجل التجاري للشركة.

وورد اسم الأتاسي بصفته المدير العام للمعلوماتية في مستندات التحقيق، الذي أجرته المخابرات العامة مع مدير إحدى الإدارات التقنية في سيرياتيل عام 2020، في إطار تحقيق داخلي تجريه الشركة عن المتسبّب في حادثة اختراق تعرضت لها “المخدمات الخارجية” للشركة في كانون الأول/ ديسمبر 2018.

حينها، لم تسفر تحقيقات وحدة أمن المعلومات بسيرياتيل، وإدارة الاتصالات بالمخابرات العسكرية، عن توجيه الاتهام الى أي موظف مشتبه في تورطه بالاختراق. وكانت هذه الحادثة امتداداً لسلسة اختراقات -لم يُعلن عنها- لأنظمة الشركة بدأت منذ عام 2014، منشأ بعضها بلدان أوروبية وآسيوية وإفريقية. ويرجع المدير، الذي حقّقت معه إدارة الاتصالات في 2020، هذه الاختراقات إلى “ضعف الحالة الفنية لوحدة أمن المعلومات بشركة سيرتيل”.

بهذا، انُتهكت بيانات عملاء شركة الاتصالات الأكبر في سوريا؛ مرة على يد مخترقين مجهولين جاؤوا من كل حدب وصوب، والأخرى بتقديم معلومات اتصالات العملاء إلى إدارة الاتصالات بالمخابرات العسكرية. والأخيرة غذت الأفرع الأمنية الأخرى بمعلومات مستخدمين لسيرياتيل وMTN سوريا؛ لتبقى يد النظام ممدودة حتى في مناطق تقوضت فيها دعائم سيطرته في آخر سنوات حكمه.

“بشكل عام، السلطات السورية مُلزمة بحماية حقوق الإنسان لجميع السوريين؛ بما في ذلك الحق في الخصوصية. في حال انتهاك شركات الاتصالات السورية حق المستخدمين في الحفاظ على خصوصيتهم، ينبغي على الحكومة السورية التحقيق في الأمر ومحاسبة الشركات أو المسؤولين عن الانتهاك. وبموجب مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تقع على عاتق الشركات مسؤولية تجنب التسبب في أي انتهاكات لحقوق الإنسان أو الإسهام فيه، ومعالجة المخاطر ذات الصلة المرتبطة مباشرةً بعملياتها وعلاقاتها التجارية”.

اليوم، يحتفظ عبد عيد العسكر من دير الزور، ورباح غبرة من السويداء، بأرقامهما الخلوية ذاتها التي كُشفت أنشطتها في عهد النظام السابق. فقد الأول خصوصيته، ومُنع -تحت وطأة المراقبة- من التواصل مع زوج ابنته المقيم في الخارج، وحُدّدت حريته حتى اضطر إلى الانفصال عن زوجته، يقول: “دمرتني المراقبة تدميراً حتى خسرت زوجتي”.

أما غبرة، فيُلقي باللوم على شركات الاتصالات، لاعتقاده بأنها انحازت ضده وضد رفاقه في ما سمي بـ “حراك السويداء”، قائلاً: “شركات الاتصالات لا تلتزم الحيادية، ولو توافرت أجواء الاستثمار الحر، لخضعت الشركات للشروط والمعايير، لكنها -بدلاً من هذا- تخضع للنظام”.

ساهم في إعداد هذا التحقيق محمد حسان

———————————————

ملفات دمشق”.. كيف درّبت الصين وإيران استخبارات الأسد للتجسّس على السوريين؟/ محمد بسيكي -أحمد حاج حمدو

04.12.2025

طوّع نظام الأسد قبل سقوطه تقنياتٍ مختلفة للتجسّس على السوريين ثم الإيقاع بهم، سواء أولئك المطلوبين أمنيًا أو من يمتلكون الأموال في سبيل ابتزازهم، وذلك بعد أن حصل النظام على تدريبات من جمهورية الصين الشعبية وإيران.

في 23 حزيران/ يونيو 2024، كان يومًا اعتياديًا للصحافية حنين عمران (26 عامًا) عندما كانت تتنقّل ضمن العاصمة السورية دمشق، لقضاء حاجياتها اليومية، ولكنّها لم تكن تعلم أن أجهزة الأمن السورية كانت تلاحق تحرّكاتها، لتقبض عليها في منتصف ذلك اليوم، بعد بضعة دقائق من استقرارها بمكانٍ محدّد.

في ذلك اليوم، تنقّلت عمران، التي كانت تعمل من دمشق مع وسائل إعلام تُعارض نظام الأسد بأسماء مستعارة، في أحياء عدة داخل دمشق، وفي منتصف يومها دخلت إلى أحد المراكز التعليمية في دمشق، لاستخدام الإنترنت والشحن الكهربائي الذي يوفّره المركز، ولكن فجأةً دخل شخص غريب الأطوار، أخذ نظرة سريعة على الجالسين في أحد القاعات، وخرج ليعود بعد دقائق ويطلب من الجميع إبراز هويتهم الشخصية.

بدأ هذا الشخص بالصحافية حنين، التي كانت قريبة من باب القاعة حينها، وعندما عرّف عن نفسه أنه من السياسية (فرع الأمن السياسي) حصل على هوّيتها ولم يعاين هويات بقية الموجودين لأن المستهدفة كانت حنين.

اعتُقلت حنين في فرع المخابرات الجوية في مطار المزّة العسكري، وتعرّضت خلال الاعتقال لأنواعٍ شتّى من التعذيب خلال التحقيق وخارجه، وذلك عقب استرجاع كامل بيانات أجهزة الاتصال الخاصة بها، لينتهي بها الأمر في المستشفى” كما تقول لفريق التحقيق، موضحةً أنّه تم القبض عليها بجهاز التجسّس على اتصالاتها، وتعتقد الشابّة أن تتبّعها تم بواسطة الجهاز المعروف باسم “الراشدة” واسمه التقني IMSI catcher.

تقول حنين: “قبل الاعتقال بفترة قصيرة، كانت تصلني رسائل نصية لاستعادة كلمات المرور على الهاتف، وعندما تم اعتقالي وجدت ثلاث سيارات تقف في الخارج، كما أن اعتقالي جاء بعد دقائق من وصولي إلى ذلك المركز وجلوسي هناك.

حنين لم تكن الوحيدة التي اعتُقلت بعد تتبّعها بواسطة تقنيات للتجسّس في عهد نظام الأسد المخلوع، إذ أظهرت وثائق اعتقال عشرات “الأهداف” بعدما تم تتبّعها والتجسس عليها رقميًا من القوى الأمنية في عهد نظام بشار الأسد.

التقنيات التي استخدمها نظام الأسد للتجسّس على السوريين، واعتقالهم، تستخدمها الدول عادةً لحماية أمنها ومكافحة الجريمة المنظّمة، ولكنَّ الأسد طوّع هذه المقدرات لملاحقة معارضين، وفي وقتٍ لاحق، لمن يمتلكون الاعمال التجارية.

جاء ذلك فيما كان النظام السوري وحلفاؤه على الأرض السورية (حزب الله وإيران) تحت الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي.

كشفت نسخ رقمية من وثائق شاركها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، ضمن مشروع “ملفات دمشق”، مع “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج”، أن نظام الأسد المخلوع قبل سقوطه حصل على تدريبات من عناصر تقنية واستخباراتية من جمهورية الصين الشعبية وإيران، لاستخدام أجهزة هذه “الراشدات”، وهي من طراز 4G هدفها “تتبع المطلوبين” والإيقاع بهم.

ومشروع “ملفات دمشق” هو مشروع تحقيقات استقصائي تشاركي يديره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون هيئة البث العامة الألمانية NDR، ويضم  صحافيين من مختلف أنحاء العالم لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة وحشيةً في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

أمضى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين و NDR والوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، و126 صحافياً من 24 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا خلال حكم الأسد.

يكشف تحقيق “ملفات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد وصلاته بحكومات أجنبية ومنظمات دولية، ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملف/ وثيقة مكتوبة في الغالب باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات.

تغطي هذه الوثائق مدة زمنية لأكثر من ثلاثة عقود، من عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتعود أصولها إلى مخابرات سلاح الجو، وإدارة المخابرات العامة في سوريا.

وقد فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيتين عقوبات واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل المواد مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف آليات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا.  كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من عناصر المخابرات السورية السابقين.

واستمرّ نظام الأسد بتدريب كوادر على استخدام “الراشدة 4G” حتّى نهاية عام 2024، إذ تكشف صور رقمية للوثائق التي اطلع عليها فريق التحقيق والصادرة عام 2023، عن حصول عناصر عدة من المخابرات على تدريبات متقدّمة على الراشدة 4G من “الأصدقاء الصينيين”.

وفي عام 2024 واصلت المخابرات خطة التدريب هذه، وتم تكثيفها.

إضافةً الى ذلك، طوّع الأسد منظومات التعقّب الأخرى كافة لضمان استمرار حكمه، بما في ذلك ملاحقة المعارضين، أو من يمتلكون العملة الأجنبية.

الراشدة، أو كما تُعرف باسمها العالمي IMSI catcher (اختصارًا لـ International Mobile Subscriber Identity catcher)، هي جهاز يُستخدم لاعتراض إشارات الهواتف المحمولة والتقاط هوية المشترك الدولي (IMSI) الخاصة بها.

تدريب تحت إشراف “الأصدقاء الصينيين”

في شهر أيلول/ سبتمبر 2024 وبينما كان النظام السوري المخلوع يكافح للبقاء في ظل تزايد العزلة الدولية وتعاظم مفاعيل العقوبات بفعل قانون قيصر، كانت أجهزة الاستخبارات تحرص على تطوير قدراتها لمواجهة التجسس وتقيم دورات تدريبية لأجل ذلك.

تورد برقية تحت عنوان “تقرير باطلاع السيد العميد الركن المهندس رئيس الفرع” 280 تحت بند سري للغاية.

مفاد الوثيقة، طلب “ترشيح موظف لاتباع دورة تدريبية في مجال مكافحة التجسس”.

تطلب البرقية من العميد ترشيح موظفين اثنين لحضور تدريب عملي للمرة الثانية حول “إدارة المصادر والمعالجة الفنية”. وعلى الفور، تم تكليف المساعد1 حسين، باتباع الدورة المذكورة.

وثيقة صادرة عن إدارة المخابرات العامة لترشيح موظفين لاتباع دورة تدريبية في مكافحة التجسس – سراج/ICIJ/ NDR

في السياق نفسه، تم تركيب منظومة التعقب بالتغطية وتدريب عناصر على استثمارها وأصول التعامل مع إدارة الاتصالات لتأمين متطلبات تعقب الأهداف، وتدريب عشرة عناصر من القسم (جهاز المخابرات) على استثمار الراشدة، للتعقب بالتغطية وتنفيذ مهمات تدريبية لرفع قدرتهم وجاهزيتهم لتعقّب الأهداف.

وجاءت هذه الإنجازات كجزء من خطة عمل شاملة، تفصح عنها وثيقة بعنوان “الأعمال التي أٌنجزت في عام 2023″، ومنها أيضاً “إجراء دورة تدريبية للعناصر بإشراف الأصدقاء الصينيين على استخدام الراشدة (4G)”.

تقول الريم كمال، وهي مسؤولة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية في “البرنامج السوري للتطوير القانوني SLDP”: “إن الانتهاك بالتجسس هو انتهاك الخصوصية، ولكن ما يتبعه يمكن أن يرقى الى جرائم ضد الإنسانية مثل التعذيب والإخفاء القسري، وبالتالي يمكن أن تكون هذه الشركات قد ساعدت في جرائم  دولية، لافتةً إلى أن هناك دولاً سنّت قوانين لتنظيم أعمال الشركات والحدّ من المخاطر المرتبطة بأنشطتها.

كما اعتمد الاتحاد الأوروبي أخيرًا توجيه العناية الواجبة للاستدامة المؤسسية (CSDDD)، الذي يفرض على الشركات الكبيرة – بما فيها بعض الشركات غير الأوروبية التي تنشط داخل السوق الأوروبية – واجبًا قانونيًا بتحديد مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان والبيئة، ومنعها، ومعالجة آثارها السلبية في سلاسل الإمداد وسلاسل القيمة.

أهداف تحت المراقبة

تشير وثيقة حصرية أخرى إلى أنه تم معالجة مجموعة الأهداف (التي تم تعقبها) المحالة من السيد اللواء مدير إدارة المخابرات العامة، وتم توقيفها واعتقالها، إضافةً إلى معالجة مجموعة من المواضيع الواردة إلى القسم عن طريق عناصر الفرع (280) ومجموعة من مصادر الفرع.

كان يرأس جهاز المخابرات السورية في ذلك العام، حسام لوقا (مواليد 1964)، وهو ضابط مخابرات سوري، يُعتقد أنه في روسيا حالياً، وكان قد شغل منصب مدير إدارة المخابرات العامة السورية خلال فترة حكم حزب البعث منذ العام 2019 لغاية سقوط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024.

بخبرته الطويلة في أجهزة الأمن السورية، لعب لوقا دورًا محوريًا في تقوية مجتمع المخابرات السوري، ويُعرف بمشاركته في عمليات أمنية واستخباراتية متنوعة داخل سوريا.

بإشراف ومتابعة من لوقا، تم تتبّع 233 هدفاً (الرسم التوضيحي أدناه) لأشخاص عاديين بهدف إلقاء القبض عليهم، من بينها 178 بتهم (مواضيع مختلفة) من دون تحديد تفاصيلها، وموضوعين يتضمّنان فسادًا في مؤسسات الدولة، وخمس مواضيع استخراج جوازات سفر، و11 موضوع مخدرات، و17 موضوع تعامل بغير الليرة السورية، و20 موضوع مطلوبين لصالح إدارة المخابرات.

ومن بين الأهداف الـ 233 التي تم تعقبها، رُفعت مذكرات تعقّب ومتابعة بخمس أهداف (مطلوبين)، وبقي 12 هدفاً آخر قيد المعالجة، في حين أحيلت ستة أهداف إلى الفرع 300، و7 أهداف إلى الفرع 285، في حين ذهبت بقية الأهداف إلى الفرعين 235 و315.

ومن بين الأهداف الـ 233 التي تم تعقبها، رُفعت مذكرات تعقّب ومتابعة بخمس أهداف (مطلوبين)، وبقي 12 هدفاً آخر قيد المعالجة، في حين أحيلت ستة أهداف إلى الفرع 300، و7 أهداف إلى الفرع 285، في حين ذهبت بقية الأهداف إلى الفرعين 235 و315.

رسم توضيحي أعدته المخابرات السورية عن الإجراءات المتخذة حول  الأشخاص الذين تم تعقبهم بالراشدة – سراج/ICIJ/ NDR

وجاء في وثيقة الأعمال التي أُنجزت عام 2023، أنه تم التعاون مع بعض الفروع لتوقيف الأهداف المحالة إليها عن طريق (الراشدة)، وفي الربع الأخير من هذا العام تمت متابعة (30) هدفاً وتوقيف (7) أهداف، كان من بينها 11 هدفًا للفرع 322، وتم التمكن من القبض على أربعة أهداف منها، وخمسة أهداف للفرع 345، وأربعة أهداف للفرع 320، وعشرة أهداف تدريبية.

وتلخّص أفرع المخابرات خلاصة عملها في التجسّس على المواطنين سنويًا، ضمن ملف يُسمّى “أهداف المنظومة”، واطلع فريق التحقيق على وثيقة عن أهداف منظومة التتبّع بين عامي 2019 – 2024.

وفي كل هدف من أهداف هذه المنظومة حُدِّد عدد من الأرقام التي تم تعقبها، وتشمل قوائم لعدد أرقام هذه الهواتف وأسماء أصحابها والتهمة التي يتم التعقب على أساسها.

تظهر “أهداف المنظومة” مئات الأرقام الخليوية، المرفقة بأسماء مالكيها، وأماكن وجودهم، والتهم الموجّهة إليهم، والتي تتراوح بين تهم سياسية واقتصادية، مثل “التواصل مع إرهابي” أو “هدف خاص” أو تهريب المواشي، أو التحدث عن الأسلحة، وفي بعض التهم يظهر أن “الهدف” تتم ملاحقته لأنه تواصل مع رقم لبناني وشتم حزب الله، وظهر أن “أهدافًا” أخرى تعاملت بغير الليرة السورية.

وفي نهاية الملف، يظهر مصير “الهدف” والذي غالباً يتم توقيفه والقبض عليه، أو الاستمرار في ملاحقته، أو حتّى فشل ملاحقته بسبب إيقافه الخط الخليوي، حتّى أن أهدافًا تم الوصول إليها ولكن تبيّن أن الأشخاص الذين تم تسجيل أرقام الهواتف باسمهم هم أصلاً معتقلون، ويُستخدم رقم الهاتف من شخص آخر قام بشرائه بعد توقّفه من الشركة، والبعض منهم قُبض عليهم بعد تتبعّهم عبر IMEI.

وفي وثيقة غير محدّدة التاريخ، اطلعنا على نسخة منها (مرفقة ادناه)، تعود الى العام 2024، أبدى الفرع 280 التابع للمخابرات العامة، المساعدة في تعقّب 19 هدفًا / شخصًا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر أي قبل سقوط الأسد بفترة قصيرة، بواسطة الراشدات 4G، وبلغ عدد المطلوبين لصالح أربعة أفرع أمنية مشهود لها بالقمع وتعذيب المعتقلين، 19 مطلوباً، وهي الأفرع (322 – 318 – 325  وفرع مكافحة التجسس 300)، وطلبت هذه الأفرع دفعة واحدة إلقاء القبض على 19 شخصًا، وتم القبض على أربعة منهم بواسطة الراشدات.

استخدام تعسّفي للتكنولوجيا

منذ اندلاع الثورة، عمل النظام السوري على توظيف التكنولوجيا للإيقاع بالمعارضين، وقُطعت الإنترنت عن حواضن كبيرة كانت تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن انتهاكات تطال المدنيين خلال التظاهرات ضد الأسد.

يقول مهران عيون، مدير فريق “سلامتك” المتخصص بالأمن الرقمي والمواطنة الرقمية: “في بدايات الثورة السورية، كانت الاتصالات مقطوعة بشكلٍ كامل عن مدينة دوما ومحيطها، ولكن في الوقت نفسه كانت الهواتف داخل المدينة تلتقط إشارة اتصال، ما يؤكّد وجود راشدات تنتحل صفة برج الاتصال”.

وأضاف عيون، أن النظام انتقل باستخدام الراشدات في المرحلة الأخيرة قبل سقوطه، لتعقّب التجّار أو من يقومون بأي أنشطة مالية، بغرض جمع أكبر قدر ممكن من الأموال، وليس لأغراض جنائية أو لمصلحة عامة، وذلك لأن الفترة الأخيرة قبل سقوط الأسد لم تشهد أي عمل ثوري أو عسكري في المدن الكبرى ولا سيما دمشق.

كما لفت إلى أن الدول تمتلك “الراشدة” ولكن استخدامها يحتاج إلى أمر قضائي ومصلحة عامة، وفي حال اختراق البيانات من دون أمر قضائي يؤدّي ذلك الى محاكمات وغرامات مالية، وهذا ما لم يحدث في زمن النظام المخلوع.

كان المهندس وسيم حسن تقني اتصالات، ويعمل سابقًا في بناء “مقسم النصر” بدمشق في غرفة المراقبة المركزية الخاصة بالاتصالات الأرضية Operations and Maintenance Center OMC، وكان وما زال الجزء الخلفي من مبنى مقسم النصر مسؤولاً عن مراقبة  كل الاتصالات في سوريا والتحكم بها، وفي المبنى نفسه كانت تقع غرف مراقبة الاتصالات من قبل الفرع 225.

انشقَّ حسن وغادر سوريا، لأن الفرع 225 كلّفه بعمل خوارزمية للكشف عن العلاقة بين المتّصلين، ففي حال كانت هناك مجموعة يتصل أعضاؤها ببعضهم بشكل متكرر فهذا يشير إلى أنّهم تنسيقية، ويقول: “حينها أخبرني رئيس الفرع 225 العميد بأن لدي كل الصلاحيات لتشكيل فريق من المهندسين والمبرمجين  لعمل هذه الخوارزمية، لأن طلبها من الخارج يحتاج إلى مناقصة والكثير من الوقت”.

قبل انشقاقه في بدايات الثورة السورية، رافق حسن أحد زملائه في العمل بجولة مع معدّات تقنية على مدار أيام عدة، ليكتشف لاحقًا أن الجهاز كان يستخدم الراشدة من دون معرفة نوع المعلومات التي كانت تُجمع حينها، وقبل بدء المهمّة، تم تركيب هوائي اتصال على السيارة وربطها بالجهاز.

تدريب الاستخبارات في الصين

لا يُعتبر امتلاك أجهزة IMSI catcher انتهاكًا في حدِّ ذاته، إذ تمتلك غالبية الدول حول العالم الأجهزة ذاتها، ولكنّها تستخدمها لأغراض أمنية وعسكرية بحتة، وفي الحروب، ولضبط الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة. غير أنّه وبعد انطلاق الثورة السورية، طوّر نظام بشار الأسد أدواته عبر استقدام راشدات جديدة 4G والحصول على تدريبات تقنية بمساعدة مباشرة من دولة الصين حليفة الأسد حينها.

بدأت العلاقات السورية – الصينية في عام 1956 بعد استقلال سوريا، وكانت العلاقات حينها محدودة في فترة الحرب الباردة في التسعينات حتى مطلع الألفية، عندما شهدت هذه العلاقات تحسّنًا ملحوظًا بزيادة التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين.

في عام 2004، ارتقى التعاون الاقتصادي بشكل كبير حين أصبحت الصين من أكبر موردي السلع إلى سوريا. تشير وثائق جهاز المخابرات الجوية السورية إلى أنه بين عامي 2012 و2024، تلقى ضباط مخابرات وعسكريون سوريون تدريبات على تقنيات مختلفة من عسكريين ومخابرات صينيين. وقد زارت وفود سورية الصين مرارًا وتكرارًا لهذا الغرض.

وبالعودة إلى وثائق عام 2012، تبيّن أن قيادة جهاز المخابرات الجوية السورية أرسلت عددًا من العسكريين إلى الصين لحضور ورشة عمل لمدة ثلاثة أشهر ونصف الشهر على أنظمة الرادار العسكرية YLG-6M.

تُظهر وثيقة اطلعنا عليها، أسماء ضباط سوريين تم إيفادهم الى الصين لحضور دورات تدريبية في تخصصات مختلفة في مجال الاتصالات السلكية والدفاع، وتم ترشيح أسمائهم من المخابرات الجوية السورية التي كان يقودها جميل الحسن، وهو موضوع على لوائح العقوبات الأوروبية والأميركية.

وكانت الصين من ضمن الدول التي دعمت نظام الأسد سياسيًا خلال سنوات الثورة، واستخدمت حق النقض (الفيتو) لمرات عدة ضد مشاريع قوانين قُدِّمت في مجلس الأمن الدولي لإدانة الأسد.

لم تردّ السفارة الصينية في برلين، ولا الخارجية الصينية على طلبات فريق التحقيق والزملاء في هيئة الاذاعة والتلفزيون الألمانية NDR للتعليق.

استرجاع المعلومات وفتح الأقفال

امتدّ عمل أجهزة الأمن في عهد الأسد، إلى إجراء دورات تدريبية بإشراف الإيرانيين أيضًا، تضمنت تزويد “شعبة الأقفال” التابعة لأحد أفرع المخابرات السورية بأجهزة خاصة لفتح مختلف أنواع الأقفال واستلام عدة خاصة يدوية لفتح السيارات ونسخ مفاتيحها، وكشف ترددات فتحها وإغلاقها ونسخها على مفاتيح جديدة.

وتم اتباع دورة تدريبة لـ “تأهيل عناصر الاستخبارات السورية على فتح أقفال المنازل والمكاتب”، وذلك بحسب وثيقة توضح ما أُنجز على هذا الصعيد عام 2023.

كذلك، تم تجهيز “شعبة كشف الجرائم الرقمية” بمهارات عدة، من بينها إجراء دورات تدريبية متقدّمة في مجال استرجاع المعلومات من وسائط التخزين المختلفة ( هارد – فلاشة – كرت ذاكرة ..) وبخاصة التالفة منها.

وسعت المخابرات السورية الى تطوير قدراتها تقنيًا بدعم من الإيرانيين، من خلال مواكبة التطبيقات الحديثة، ومتابعة ورصد مواقع التواصل الاجتماعي والهندسة الاجتماعية، إضافةً إلى اتباع دورات في مجال فتح الأقفال الميكانيكية الحديثة والخزنات الميكانيكية والإلكترونية بمختلف أنواعها.

حصل عناصر الاستخبارات أيضًا على دورات في مجالات فتح “السيارات الحديثة التي تعمل على البصمة وكيفية نسخ ترددات أجهزة تحكم السيارات الحديثة، بالإضافة الى السعي للتزود بالتجهيزات والأدوات اللازمة للعمل”.

تشير وثائق من جهاز المخابرات السورية، يعود تاريخها إلى الفترة 2012-2014، إلى أن إيران دربت أفرادًا عسكريين سوريين، بما في ذلك كيفية الرد على هجمات الصواريخ غير الموجهة على الطائرات. علاوة على ذلك، يُزعم أن إيران ساعدت في صيانة طائرات الحكومة السورية في حالات عدة، وأنها باعت طائرات لسوريا.

فيما تشير وثيقة تعود لعام 2018، إلى مصنع للأسلحة الكيميائية في الغوطة، قرب دمشق (حران العواميد)، يُديره بشكل أساسي عمال إيرانيون.

اطلعنا أيضا على وثيقة أخرى، يعود تاريخها إلى عام 2023، تشير إلى أن “زملاء إيرانيين” دربوا ضباط مخابرات سوريين على فتح أقفال السيارات والمكاتب وأبواب المنازل ونسخ المفاتيح. ويبدو أن التدريب كان يهدف إلى تحسين قدرتهم على مواجهة أهداف استخباراتية.

أيضاً، لم ترد وزارة العدل الإيرانية ولا مكتب المرشد الأعلى على طلبات فريق التحقيق، والزملاء في هيئة الاذاعة والتلفزيون الألمانية NDR للتعليق.

تكنولوجيا التعقب قبل الثورة السورية

لنظام الأسد إرث سابق في استيراد أجهزة وتقنيات التجسس ومعدات إلكترونية لتعقّب الاتصالات والإنترنت.

وأفضى البحث مفتوح المصدر، الى الكشف عن شركات عدة حول العالم، زوّدت النظام السوري قبل اندلاع الثورة بأجهزة تكنولوجية للتعقب، ويوضح كيف اشترى النظام معدات اتصالات استُخدمت في التعقب ومكّنته من توقيف معارضين واعتقالهم وتعذيبهم على خلفية التجسّس على مكالماتهم واتصالاتهم.

قبل شهر من اندلاع الثورة السورية، وتحديدًا في شباط/ فبراير 2011، حصل النظام السوري على نظام المراقبة المركزي (CMS) أميركي الصنع، تم توريده إلى المؤسسة السورية للاتصالات.

على إثر ذلك، دفعت الشركة الموردة غرامة قدرها 100 ألف دولار أميركي لمكتب الصناعة والأمن التابع للخارجية الأميركية.

ويستطيع هذا النظام جمع بيانات عن تصفّح الإنترنت والبريد الإلكتروني والدردشة عبر الإنترنت والمكالمات الصوتية عبر الإنترنت (VOIP). واعتبرت الخارجية الأميركية أن بإمكان الحكومة السورية استخدام هذا النظام لتعزيز قمع الشعب السوري.

إضافةً الى ذلك، حصل النظام السوري على تقنيات Deep Packet Inspection (DPI) لتحليل حركة الإنترنت، وقد مكنت المخابرات السورية من مراقبة نشاطات الإنترنت (تصفح، بريد إلكتروني، إلخ)، كما باعت إحدى الشركات، أنظمة “فحص عميق للحزم” والتي يُمكن استخدامها في عمليات التجسس للنظام السوري.

وفي مرحلة ما بعد اندلاع الثورة، والعقوبات الدولية على نظام الأسد، يبدو أن الأخير اتّجه إلى الصين لاستيراد أنظمة تكنولوجية، وقد واجهت شركات صينية كثيرة تهماً عدة ببيع معدات اتصالات لأنظمة سلطوية مثل إيران وسوريا، مثلاً يكشف تقرير لشبكة رويترز أن شركة “هواوي” الصينية العملاقة استعملت شركات واجهة تحت أسماء سكاي كون وكانيكولا.

اهتمام الأسد بالمنتج الصيني

قبل سقوط النظام السوري بأشهر، أعدّ “الفرع 280” دراسةً مفصّلة عن شركة صينية اطلع عليها فريق التحقيق، وتضمّنت الدراسة معلومات تفصيلية عن الشركة التي تولّد حلولاً ذكية، والأنظمة ذات الصلة، وتقدم بطاقات تشمل تحديد الهوية والتوثيق وتخزين البيانات ووسائل النقل.غير أنّه لم يتم التحقق ممّا إذا كانت الشركة قد ورّدت أي معدّات لنظام الأسد، أو بُنيت أية علاقة تجارية بين الطرفين.

يقول المهندس وسيم حسن: “خلال عملي، كانت المعدات في غالبيتها تأتي من شركة هواوي الصينية، وكانت تزوّدهم بالتقنيات والمعدّات كافة، حتى أن الموظفين كانوا يدخلون في منافسة للحصول على بعثات تدريبية إلى الصين”.

وأوضح أنه في عام 2011 وبعد العقوبات وانسحاب غالبية الشركات من سوريا، دخلت هواوي بقوة مع الحكومة السورية، فكانت تزوّد مؤسساتها بالتكنولوجيا المطلوبة، “حتى أنني عملت سابقًا مع صينيين وكانوا يأتون لتركيب سيرفرات ومعدات أخرى، وكان هناك خبراء صينيون يعملون باستمرار في مركز السورية للاتصالات”.

وبحسب تقرير لشبكة SC Media للأمن الرقمي، كانت شركات كثيرة في هونغ كونغ والصين تبيع جهاز “الراشدة” في السوق السوداء مقابل مبالغ وصلت الى 15 ألف دولار أميركي شرط “الوعود باستخدامه قانونياً”.

تقول الريم كمال، وهي مسؤولة قانونية في وحدة حقوق الإنسان والأعمال التجارية في “البرنامج السوري للتطوير القانوني SLDP”: “هناك عواقب قانونية في هذه الحالة. وبموجب المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، ثمة طرق عدة لانخراط الشركات في هذا النوع من الانتهاكات”.

وأضافت كمال، أنه حتى لو لم تتسبّب هذه الشركات مباشرةً بأضرار، إلا أنها متواطئة عبر شركة وسيطة، فهي لا تعرف الوسيط إلى أين سينقل هذه التكنولوجيا، ولكن من مسؤولية الشركة البائعة، معرفة الطرف الذي سيستفيد من هذه التكنولوجيا قبل عملية البيع.

الوصول إلى بيانات حسّاسة من دون أمر قضائي

أظهرت النسخ الرقمية من الوثائق التي اطّلعنا عليها، أن أجهزة الأمن كان لديها وصول إلى معلومات حسّاسة عن جميع مستخدمي الهواتف المحمولة.

كانت أفرع الأمن كافة ترفع أسماء محددة أو أرقام هواتف أو أرقاماً وطنية لأشخاص، وتخاطب الفرع 300 ليتواصل مع “إدارة الاتصالات” لجلب البيانات المطلوبة، بما في ذلك الأرقام الصادرة والواردة، واسم صاحب الرقم، وآخر ظهور جغرافي له، وفي بعض الأحيان محتوى مسجّل للمكالمات والرسائل، وهو ما يتقاطع مع كلام الخبير غزال.

وفي سؤال حول ما إذا كان يمكن لأجهزة الأمن الوصول الى منظومة العائدية وباقي المنظومات من دون تسهيل أو موافقة من شركات الاتصالات، أجاب علاء غزال، تقني متخصص بالسلامة الرقمية وأمن المعلومات: “معظم المنظومات، وبشكل أساسي منظومات العائدية والتغطية وIMEI وIMSI، تحتاج الى قيام شركة الاتصالات بإعطاء وصول لها لتتمكن من الحصول على المعلومات والبيانات”.

وأضاف أن شركات الاتصالات لديها منظومتَي العائدية والتغطية.

وتُعرّف منظومة العائدية، على أنّها تقدّم بيانات رقم الهاتف بما في ذلك بيانات صاحب الرقم، مكان الشراء وتاريخه وبيانات نقطة البيع، أمّا منظومة التغطية، فتقدّم معلومات عن أبراج الاتصالات التي اتصل بها أي جهاز أو رقم  هاتف، والتي تمكّن من تحديد موقع الأشخاص من خلال تتبع الرقم أو الجهاز.

ويقول مهران عيون، مدير فريق “سلامتك” المتخصص بالأمن الرقمي والمواطنة الرقمية: “هذا يعني أن الأفرع الأمنية لديها وصول إلى البنية التحتية لشركات الاتصال، ويظهر ذلك من خلال معرفتها باستخدام الشخص رقم هاتف جديد، أو معرفة ما يملكه أي شخص من أرقام هواتف عن طريق الرقم الوطني”.

لم ترد شركتا الاتصال سيريتل وإم تي إن على أسئلة فريق التحقيق، حول ما ورد من اطلاع المخابرات السورية على بيانات المستخدمين الحسّاسة وشمول الذين تم توقيفهم بالاستفادة من خدمات أبراج الاتصالات وتحديد نطاق تغطيتها الجغرافي.

===================

التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.

شارك في جمع المعلومات الزميل وائل قرصيفي.

درج

———————-

ملفات دمشق”: الأمم المتحدة دفعت 11 مليون دولار لشركة تملكها مخابرات الأسد/ ديفيد كينر

05.12.2025

على مدى أكثر من عقد، ضخّت وكالات الأمم المتحدة ملايين الدولارات في الشركة على رغم التحذيرات الصادرة عن مدافعين عن حقوق الإنسان.

داخل مركز تسوّق باهت في دمشق، وفي نهاية ممر غير مُضاء في الطابق الرابع، يقع مكتب لشركة “شروق” للحماية والحراسة والخدمات الأمنية. تشير لافتة عند المدخل إلى أن الممر مراقَب بالكاميرات.

ليست هذه شركة أمن عادية. فخلال الحرب الأهلية السورية، دفعت الأمم المتحدة لـ”شروق” ما لا يقل عن 11 مليون دولار لتوفير خدمات أمنية لحماية مكاتبها – من مقرها الفعلي في فندق “فور سيزونز” بدمشق إلى مراكزها الإقليمية الأخرى.

تكشف وثائق داخلية الآن، أن الشركة كانت مملوكة سرًا لأجهزة الاستخبارات التابعة لنظام الرئيس السابق بشار الأسد. ففيما كانت الأمم المتحدة تضخ الأموال في الشركة، كانت تلك الأجهزة الاستخباراتية تشنّ حملة عنيفة لسحق أي معارضة لنظام الأسد.

تأتي الوثائق التي تُظهر ملكية إدارة المخابرات العامة لـ”شروق”، من مجموعة أوسع تضم ما يقارب الثلاث عشرة وثيقة، تحتوي على معلومات متّسقة داخليًا حول الشركة. وقد حصل عليها مصدر تمكّن من الوصول إليها في الأيام الفوضوية الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد. وتحدّث “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) مع المصدر عن كيفية الحصول على الوثائق، وتحقّق من التفاصيل الأساسية المتعلقة بـ”شروق” وفروع المخابرات السورية الواردة فيها من خلال معلومات منشورة ومتاحة للجمهور.

قال المدير العام لـ”شروق”، وائل الحاو، في رسالة إلكترونية إلى ICIJ، إن الوثائق التي حصلت عليها المنظمة “غير صحيحة وغير دقيقة”، مضيفًا أن “شروق” لم تكن في أي وقت مملوكة لأي مؤسسة حكومية، وأن أصحابها هم رجال أعمال مدنيون بارزون في سوريا، لكنه لم يذكر أسماءهم.

وأكد فريق الأمم المتحدة في سوريا لـ ICIJ، أن المنظمة لا تزال تتعامل مع شركة “شروق” كمقاول حتى اليوم. وذكر الفريق أنه لم يجد أثناء عملية الشراء “أي وثائق رسمية أو أدلة يمكن التحقق منها”، تشير إلى ملكية إدارة المخابرات العامة في عهد الأسد للشركة.

وتُظهر وثائق أخرى صادرة عن أجهزة مخابرات الأسد – حصل عليها ICIJ بشكل منفصل عن الرسائل الخاصة بملكية “شروق” – تدخُّل النظام السابق في شؤون الشركة. ففي مذكرة واحدة، يقترح ضباط مخابرات إرسال رسالة إلى منظمة “هيومن رايتس ووتش” باسم “شروق”، وفي أخرى يضع ضباط كبار خططًا لعرقلة “إعادة تقييم” من جانب الأمم المتحدة لعقودها مع الشركة.

كتب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في مذكرة مسرّبة أخرى، أن ضمان احتفاظ شركة شروق وغيرها من شركات الأمن بعقودها مع الأمم المتحدة، أمر مهم، لأن كوادر هذه الشركات كانت تراقب موظفي الأمم المتحدة لصالح نظام الأسد.

حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة غير حكومية أخرى هي برنامج التنمية القانونية السوري، الأمم المتحدة عام 2022 من الروابط المتعددة المبلَّغ عنها بين شركة شروق ونظام الأسد. وردّت الأمم المتحدة بأن هذه العقود لا تنتهك معاييرها، وواصلت التعاقد مع شروق لعامين إضافيين.

تعود مذكرة المقداد، ووثائق مخابرات الأسد ذات الصلة، إلى أرشيف يضم أكثر من 134 ألف سجل حصلت عليه هيئة الإذاعة الألمانية NDR وراجعه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وهي ملفات تشكّل أساس تحقيقات “ملفات دمشق”، وهو مشروع جديد يقوده الاتحاد مع 25 شريكًا إعلاميًا في 20 دولة. يكشف المشروع جهاز النظام الواسع للاعتقال والتعذيب والقتل بحق المواطنين السوريين، وكذلك الدور الذي لعبته منظمات دولية في تمويل النظام خلال هذه الحملة القمعية.

وتُظهر وثائق داخلية منفصلة لشركة شروق حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أن الشركة كانت مملوكة لفرع من فروع أجهزة المخابرات السورية. وتقدّم هذه المصادر مجتمعة نظرة غير مسبوقة على كيفية استفادة نظام الأسد من عقود الأمم المتحدة، ثم ضغوطه لاحقًا على المنظمة لضمان استمرار تدفق الأموال بعد كشف صلات شروق بالنظام.

وُقِّعت عقود الأمم المتحدة مع شروق، التي عملت تحت أسماء عدة، في خضمّ الحرب الأهلية الدامية في سوريا. فقد بدأت الانتفاضة عام 2011 كحركة احتجاجية سلمية، ثم تحولت إلى صراع مسلح بين نظام الأسد ومعارضيه، أودى بحياة مئات آلاف السوريين واستدرج قوات عسكرية من الولايات المتحدة وروسيا وإيران. واستخدم النظام السابق أساليب بالغة الوحشية للحفاظ على قبضته على السلطة، شملت القصف العشوائي والتعذيب والهجمات بالأسلحة الكيميائية، قبل أن يسقط في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

وقّعت وكالات الأمم المتحدة أكثر من 130 عقدًا وأمر شراء مع شركة شروق بين عامي 2014 و2024. وخلال هذه الفترة، دفع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وحده ما مجموعه 9 ملايين دولار لشروق، كما تعاقدت الشركة مع وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.

قالت إيما بيلز، كبيرة المستشارين في المعهد الأوروبي للسلام، إن عقود الأمم المتحدة مع شروق تعني أن أموال المساعدات كانت تذهب مباشرة إلى جيب نظام يموّل جهازًا أمنيًا احتجز وقتل عشرات آلاف السوريين، وآلة حرب قصفت مواطنيها لأكثر من عقد.

في وثائق داخلية مسرَّبة، وصفَ مديرو “شروق” الشركة بأنها ذراع لإدارة المخابرات العامة، إحدى أكثر مؤسسات إنفاذ حكم الأسد قسوة. وبينما كان كثير من المتعاقدين مع الأمم المتحدة في سوريا على صلة بشخصيات مقرّبة من النظام، تكشف هذه الوثائق عن أول حالة معروفة لوكالات أممية تستأجر شركة مملوكة بشكل مباشر لجهاز استخبارات تابع للأسد.

في وثيقة تعود إلى حزيران/ يونيو 2019، أرسلت الشركة شيكًا بقيمة 50 مليون ليرة سورية، أي نحو 100 ألف دولار، إلى إدارة المخابرات، مرفقة برسالة من وائل الحاو يوضح فيها أن هذه الأموال تمثّل «حصة الإدارة من أرباح شركة شروق».

وفي رسالة مسرّبة عام 2021، طلب الحاو من مدير إدارة المخابرات مساعدته في الحصول على تراخيص سلاح، مؤكدًا أن على شروق أن تحظى بمعاملة خاصة لأنها «الشركة الوحيدة المملوكة والمسيطر عليها من إدارة المخابرات العامة». لكن الحاو قال في رده على الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إن المعلومات بشأن صلات شروق بأجهزة مخابرات الأسد مصدرها شركات منافِسة تسعى للإساءة إلى سمعتها.

يعرّف موقع شروق الإلكتروني الشركة بأنها «شركة الأمن الأولى في سوريا»، ويتباهى بتوظيفها أكثر من ألفي موظف. وتُظهر بيانات المشتريات المتاحة للعلن التابعة للأمم المتحدة، أنها كانت المتعهد الأمني الرئيسي الوحيد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا بين عامي 2015 و2024؛ وذكر فريق الأمم المتحدة في سوريا، في رده على الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أن هذه العقود لم تكن لتأمين مقرات البرنامج فحسب، بل شملت أيضًا حماية مكاتب مشتركة لوكالات أممية عدة في دمشق. وفي إحدى طلبات العروض الصادرة عن البرنامج خلال تلك الفترة، سعت الأمم المتحدة إلى توظيف حراس أمن يتولون «تفتيش جميع الأشخاص والممتلكات أو السيارات» التي تدخل منشآتها.

في الوقت نفسه الذي يُزعم أن عقود وكالات الأمم المتحدة مع شروق ساعدت في تمويل إدارة المخابرات العامة، كانت تقارير المنظمة ذاتها توثّق جرائم حرب ارتكبها هذا الجهاز. فقد ذكر تقرير للأمم المتحدة عام 2023 أن ضباط الإدارة عذّبوا مدنيين سوريين، من بين ذلك تعريضهم لصدمات كهربائية متكررة، فيما وثّق تقرير آخر صدر عام 2015 حالات اغتصاب وتعذيب جنسي نفّذها ضباط من إدارة المخابرات العامة بحق معتقلين. وفي عام 2022، أدانت محكمة ألمانية ضابطًا في الإدارة، هو أنور رسلان، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما فيها التواطؤ في القتل والتعذيب والعنف الجنسي.

لطالما تعرّضت الأمم المتحدة لانتقادات حادة من منظمات حقوقية ومدنية بسبب ما وُصف بأنه «صفقة مع الشيطان» مع نظام الأسد. فخلال الحرب الأهلية، حوّلت السلطات السورية مسار المساعدات الإنسانية الأممية بعيدًا عن المناطق المعارضة التي كانت في أمسّ الحاجة إليها، وضمنت أن تذهب عقود الأمم المتحدة المربحة إلى المقرّبين من النظام، بينما وظّفت وكالات أممية، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان، عشرات الأصدقاء والمقرّبين السياسيين من الأسد وكبار مسؤولي حكومته؛ وشمل ذلك أفرادًا من عائلة وزير الخارجية فيصل المقداد نفسه، إذ استعانت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بأخيه ليكون حلقة الوصل مع وزارة الخارجية السورية، فيما وظّفت منظمة الصحة العالمية زوجته مستشارة لديها.

وفي ردّ مكتوب إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، قال فريق الأمم المتحدة في سوريا إن المنظمة التزمت بالكامل بجميع إجراءات الشراء الخاصة بها عند التعاقد مع شروق، وإنها أجرت «تحريات معزَّزة للعناية الواجبة» بشأن الشركة في ذلك الوقت، لكنه أشار أيضًا إلى أن العمل في سوريا في ظل حكم الأسد كان «معقّدًا للغاية»، وأن وكالات الأمم المتحدة كانت تملك «خيارات محدودة للغاية في السوق» للحصول على الكثير من الخدمات الأساسية.

خلال عملية المناقصة على عقود الأمن التابعة للأمم المتحدة عام 2022، كتب فريق الأمم المتحدة في سوريا أن نظام الأسد سحب تراخيص عدد من شركات الأمن الأخرى، ما ترك الوكالات الأممية أمام خيارين فقط لتأمين الحراسة بما ينسجم مع معايير الأمم المتحدة: شروق، وشركة أخرى مرتبطة بالنظام تُدعى بروغارد، وقد صُنّفت الشركتان على أنهما من “المورّدين عاليي المخاطر”.

وكتب فريق الأمم المتحدة أن الوكالات الأممية “لم تكن لديها بدائل مجدية، ولذلك واصلت التعاقد مع شروق على رغم ملف المخاطر المرتفع”، مضيفًا أن “شروق قدّمت قيمة أفضل مقابل المال”.

بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، لم تختفِ شروق، بل أعادت إطلاق نفسها بهوية جديدة؛ إذ أعادت تصميم شعارها ليتضمّن العلم السوري الجديد، ونشرت إعلانات تطلب حراس أمن خلال أسابيع قليلة من انتقال السلطة.

وقال وائل الحو، الذي ورد أنه شغل منصب المدير العام لشروق منذ عام 2018، للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، إنه “عقب سقوط نظام الأسد القمعي”، دقّقت الحكومة السورية الجديدة في عمليات شروق، وخلصت إلى أن الشائعات بشأن صلات الشركة بالنظام السابق “كاذبة ومفبركة”، ومُنحت ترخيص لمواصلة نشاطها، مضيفًا: “نحن نواصل عملنا بشكل قانوني، وبموافقة رسمية من السلطات المختصة الحالية”.

تكشف مذكرات صادرة عن إدارة المخابرات العامة، تم الحصول عليها بشكل منفصل عن وثائق شروق الداخلية، ارتباط الشركة بأجهزة استخبارات الأسد. ففي تموز/ يوليو 2021، بعثت منظمة هيومن رايتس ووتش برسالة إلى شروق تطلب فيها تعليقها على تقرير كان قيد الإعداد، وأبلغتها بأنها تعتزم وصف الشركة بأنها توظّف ضباطًا سابقين في الجيش السوري، وأن لها صلات بماهر الأسد، شقيق بشار الأسد.

ويتضمن مشروع “ملفات دمشق” مذكرة موجّهة إلى رئيس إدارة المخابرات العامة تصف هذه الرسالة وتحذّر من أن تجاهل الرد عليها سيمنح هيومن رايتس ووتش مبررًا لنقل معلوماتها عن شروق إلى الأمم المتحدة. وتقترح المذكرة إعداد رد باسم شروق يتضمّن أدلة على الوضع القانوني للشركة، و”تأكيدًا على أن منظمات الأمم المتحدة كانت على علم بالطبيعة الحقيقية للشركة وأهدافها وكوادرها في وقت توقيع كل عقد”.

وتدخّلت إدارة المخابرات العامة مرة أخرى في أعمال شروق في آب/ أغسطس 2022، عندما حذّرت لجنة من كبار ضباط الاستخبارات السورية بعد علمها بأن مكتب رئيس فريق الأمم المتحدة في سوريا يقوم بـ”إعادة تقييم” لعقود المنظمة مع شروق. وكتب الضباط في مذكرة، أن هذه المراجعة تمثّل تهديدًا واضحًا للأمن القومي.

في مواجهة هذه المراجعة، تحرّكت أجهزة المخابرات السورية بقوة للضغط على الأمم المتحدة للإبقاء على علاقتها مع شركات الأمن الخاصة في البلاد. وقد حصل مسؤولو استخبارات الأسد في نهاية المطاف على ما أرادوه؛ إذ بلغت قيمة العقود التي مُنحت لشركة شروق في عامي 2023 و2024، آخر عامين من عمر النظام، أكثر مما كانت عليه في أي سنة سابقة.

وأوصى كبار ضباط المخابرات بالتأكيد لمسؤولي الأمم المتحدة ألا خيار أمامهم سوى الاعتماد على شركات سورية، موضحين أن بإمكان النظام منع استخدام شركات أمنية أجنبية عبر رفض منح تأشيرات دخول لموظفيها، أو، في حال حاولت شركة أجنبية توظيف سوريين، اشتراط موافقة النظام عليهم “لأسباب أمنية”، في إشارة ضمنية إلى أن هذه الموافقة لن تُمنح.

وقال فريق الأمم المتحدة في سوريا للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، إنه لا يملك أي “توثيق أو مراسلات” حول هذه المراجعة، وإنه “غير مطّلع” على تواصل مسؤولين سوريين مع مسؤولي الأمم المتحدة خلال تلك الفترة لضمان استمرار منح العقود لشروق أو شركات أخرى.

أخفت أجهزة استخبارات الأسد كذلك صلات الشركات بالنظام، إذ أوصت اللجنة بإبلاغ الأمم المتحدة كذبًا بأن هذه الشركات مؤسسات خاصة “لا علاقة أو تبعية لها لأي جهة رسمية”، وأن الحكومة السورية لا تتدخل في أنشطتها. فيما أشارت المذكرة ذاتها إلى أن وزارة الداخلية أمرت جميع شركات الأمن الخاصة باتخاذ “احتياطات أمنية شاملة” لإخفاء هويات موظفيها، لا سيما العناصر الأمنية العاملين لديها.

وفي مذكرة منفصلة، شرح فيصل المقداد، الذي كان آنذاك وزيرًا للخارجية ولاحقًا أصبح نائبًا للرئيس، لماذا كان النظام مصمّمًا على الحفاظ على هذه العقود؛ إذ كتب أن هذه الشركات “تشكّل صمام أمان ضد أي تحركات مشبوهة” من جانب موظفي الأمم المتحدة، وأن هذا الرصد ضروري لأنه “لا يخفى على أحد أن بعض [موظفي الأمم المتحدة] قد يكونون من بين من يقدّمون خدمات استخباراتية لأجهزة معادية”، محذرًا من أن السماح للأمم المتحدة بالتعاقد مع شركات حراسة غير سورية سيعني قدرتها على العمل “بعيدًا عن أنظار الجهات المختصة”.

وقال فريق الأمم المتحدة في سوريا للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين: “لم نرصد أي حادثة” تشير إلى أن شروق أو شركات أخرى راقبت مسؤولي الأمم المتحدة. من جهته، كتب وائل الحو للاتحاد أن شروق لا علم لها بمذكرات إدارة المخابرات العامة أو المقداد، وأن حراس الشركة “لم ولن يتجسسوا مطلقًا على موظفي الأمم المتحدة”.

وكتب المقداد أيضًا أن الدولة السورية كانت تستولي على جزء من الأموال التي تدفعها الأمم المتحدة كرواتب للعاملين في تلك الشركات. فمع مرور البلاد بأزمة اقتصادية، حافظت الدولة على سعر صرف رسمي يقيّم الليرة أعلى بكثير من سعرها في السوق السوداء، وكانت الأمم المتحدة تسدد مستحقات شركات الأمن الخاصة عبر تحويل مبالغ بالدولار الأميركي إلى مصرف سوريا المركزي، الذي يحوّلها بدوره إلى الليرة السورية وفق السعر الرسمي، ما يتيح للدولة الاستحواذ على الفارق بين السعرين، وهو ما عبّر عنه المقداد بالقول إن “خزينة الدولة تستفيد من تحويل هذه الرواتب”.

تزامنت إعادة تقييم الأمم المتحدة لعقودها مع شركة شروق، مع موجة من الانتقادات العلنية من خبراء سوريين ودوليين بشأن التعاقد مع شركات متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ردّ مسؤولو الأمم المتحدة على هذه الشكاوى بالدفاع بقوة عن عقود المنظمة مع شروق وعن عملياتها الأوسع في سوريا.

في رسالة إلكترونية تعود إلى حزيران/ يونيو 2022، حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، ردّ مسؤول رفيع في الفريق القطري للأمم المتحدة، فرانشيسكو غالتييري، على تقرير نقدي بعنوان Rescuing Aid in Syria، محذرًا قيادة مركز أبحاث بارز مقره واشنطن من أن مثل هذه التقارير “قد يلحق أضرارًا بالسمعة ليس فقط بالأمم المتحدة، بل أيضًا بمؤلفي هذه المواد والمنظمات التي يمثلونها”.

يتكوّن الحضور الرئيسي للأمم المتحدة في سوريا حاليًا من 12 كيانًا غير مقيم و17 كيانًا مقيمًا، من بين 29 كيانًا إجمالاً، ويقدّم معظمها مساعدات إنسانية وتنموية.​ توظّف وكالات الأمم المتحدة نحو 2000 موظف في سوريا، وفق ما أفادت به للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين. وفي مؤتمر صحفي عقد في اليوم التالي لسقوط نظام الأسد، قال متحدث باسم الأمم المتحدة إن منظماتها تشغّل نحو 1800 شخص للعمل في سوريا، منهم نسبة صغيرة من الأجانب. حصلت المنظمات الأممية العاملة في سوريا على نحو 651 مليون دولار تمويلًا لعملياتها الإنسانية هناك في عام 2024.

تستبعد الأمم المتحدة المتعاقدين الذين فُرضت على مالكيهم عقوبات من مجلس الأمن، لكنها غير ملزَمة باتّباع أنظمة العقوبات الصادرة عن الدول الأعضاء منفردة، وهو ما جنب الأسد وأفراد عائلته وكبار مسؤولي نظامه، الذين وفّرت لهم روسيا والصين الحماية داخل المجلس.

عمليًا، كان المقرّبون من النظام يسجّلون الشركات بأسماء مدنيين لتجنّب التدقيق؛ وتتضمن “ملفات دمشق” عشرات الإقرارات لسوريين يؤكدون أنهم يملكون شركات على الورق فقط، فيما تعود الملكية الحقيقية إلى شخصيات من داخل النظام.

على رغم أنّ هذه الإقرارات لا تذكر شروق بالاسم، لكن رسالة وائل الحو المرفَقة بالشيك المرسل إلى إدارة المخابرات العامة، تشير إلى أن حصة الأرباح كان “متنازَلًا عنها سابقًا لصالحكم” من مدنيين سوريين، في تلميح إلى ترتيب مماثل بـ”أسماء واجهة”.

أبلغ الفريق القطري للأمم المتحدة الاتحادَ الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن وكالات الأمم المتحدة أجرت “عناية واجبة معزَّزة” على شركات الأمن المتعاقدة معها، شملت محاولات التحقق من معلومات الملكية. وأوضح أن السجلات الرسمية للشركات في سوريا “لم تكن مفيدة كمصدر موثوق”، لذلك اعتمدت عملية التدقيق أيضًا على مصادر أخرى للمعلومات، من بينها المعلومات مفتوحة المصدر والتقارير الإعلامية.

مع ذلك، يرى بعض المنتقدين أن عناية الأمم المتحدة الواجبة لم تذهب بعيدًا بما يكفي. وقال مسؤول سابق في الأمم المتحدة، تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل حساسة، إن “[وكالات الأمم المتحدة] لم تقم، سواء عن قصد أو من باب الإهمال، بما يلزم من عناية واجبة للتحقيق في هذه العقود”، مضيفًا: “إذا قالوا إن هذه بيئة معقدة، فأنا أتوقع من الأمم المتحدة أن تقوم بعملها الكامل على الأرض للتحقيق في هذه البيئة المعقدة ومعرفة من يقف خلف من على وجه الدقة”.

Photo credits: ICIJ – Aref Tammawi

Illustrations on cover: ICIJ – Molly Crabapple

————————————

ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”/ داس بيستي أم نوردن – NDR

05.12.2025

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.

في شمال شرقي دمشق يقف مبنى مستشفى حرستا العسكري، الذي كان يُعد لعقود رمزاً للرعاية الطبية المميزة لعناصر النظام وعائلاتهم. لكن خلف هذه الصورة الرسمية، يخفي المبنى طابقاً مظلماً حُوّل بعد اندلاع الثورة السورية إلى جناح لاحتجاز المعتقلين، حيث تعرّض كثيرون للتعذيب وبعضهم قضى داخله.

تحدّثت NDR وWDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ مع أكثر من 10 أشخاص عملوا في ذلك الطابق أو أمضوا فيه فترات اعتقال.

وبحسب النتائج، كان المبنى يُستخدم كمستشفى – بما في ذلك جناح الاحتجاز المعزول – حتى عام 2015. ثم استُخدم كمبنى إداري، وموقع مركزي لتوثيق ضحايا التعذيب على يد النظام.

رسمت شهادات الناجين صورة مروّعة: الضرب المبرح، الإهمال الطبي المتعمّد، والإهانات المستمرة. فراس الشاطر، الذي أمضى 10 أيام في الطابق السابع عام 2012، قال إن التعذيب هناك “كان بلا هدف… 24 ساعة يومياً”، ويصف هو وشهود آخرون الجنود وهم يضربون المرضى عشوائيًا باستخدام القبضات والأحزمة.

قال الشاطر: “دخلت ممرضة وأطفأت سيجارتها على قدمي فجأة”، إذ أُطفئت سجائر عدة على جسده خلال فترة إقامته. لم ينجُ كثر من رفاقه المعتقلين من هذه المحنة. تابع الشاطر، الذي كتب لاحقًا عن تجربته في كتاب: “أطلقت عليه اسم مستشفى الموت”.

وأكّد بعض الشهود الذين تعرضوا للتعذيب في المستشفى، أن الأطباء أصبحوا أيضًا مرتكبي جرائم. نائل الماجرَبي، الذي يعيش اليوم في شتوتغارت الألمانية، روى كيف عالجه طبيباً في حرستا من دون تخدير بعد إصابته برصاصة في ساقه: “صرخت حتى فقدت الوعي”، ثم وضع الطبيب الكحول تحت أنفه وانتظر حتى استعاد وعيه قبل مواصلة الإجراء، وأثناء ذلك، سمع الماجربي  أحد الحراس يخبر الطبيب أن السجين يجب أن يشعر بالألم. كما أفاد الماجربي أيضًا أن زملاءه المعتقلين ماتوا بسبب التعذيب في الطابق السابع.

لكن توثيق هذه الانتهاكات صعب للغاية، فهويّات المعتقلين أُخفيت عمداً، و كانوا معصوبي الأعين، ولا يعرفون أسماء عناصر الطاقم. لذلك بقيت هذه الجرائم لسنوات بلا أسماء ولا مسؤولين.

تغيّر هذا الوضع بعد تسريب قاعدة بيانات ضخمة عُرفت باسم “ملفات دمشق” إلى NDR، تضم عشرات آلاف الوثائق الصادرة عن أجهزة المخابرات والشرطة العسكرية السورية. وقد تم تحليل البيانات بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) ومؤسسات إعلامية دولية. ومن بين الوثائق أكثر من 70 شهادة وفاة صادرة من مستشفى حرستا بحق معتقلين، تحمل جميعها توقيع أطباء، وتذكر في غالبيتها أن الوفاة كانت نتيجة “توقف القلب”. 

لكن هذا كان إخفاءً متعمدًا للسبب الحقيقي للوفاة، بحسب أحد الأطباء الذين وقّعوا شهادات الوفاة هناك، والذي يرغب في عدم الكشف عن هويته. وأضاف: “تخيلوا لو كتبتُ: لقد عُذّب وهو الآن ميت. بالطبع لا أستطيع كتابة ذلك”.

المدعي العام الألماني ينس رومل، الذي سبق أن نظر في قضايا مشابهة، أكد أن إعطاء شهادات وفاة مزوّرة يمكن أن يشكّل دوراً مباشراً في تسهيل القتل المنهجي، وبالتالي تعتبر هذه جريمة جنائية. وبموجب الولاية القضائية العالمية، تستطيع ألمانيا ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم حتى لو ارتُكبت في الخارج وضحاياها غير ألمان.

خلال التحقيق، تمكن الصحافيون من تحديد 18 طبيباً عملوا في مستشفى حرستا ويعيشون اليوم في ألمانيا، بعضهم في مناصب طبية رفيعة. وتواصل الفريق مع عدد منهم، جميعهم نفوا أي صلة بالتعذيب، على رغم اعتراف بعضهم بأنهم كانوا يدخلون إلى الطابق السابع. أحدهم يحمل الاسم الذي قال الماجرَبي إنه كان يسمعه مراراً أثناء تعذيبه، لكنه شدّد على أنه “عمل بشكل مهني”، وأن الانتهاكات ارتكبها عناصر الحراسة.

حتى الآن، لم يُثبت التحقيق مسؤولية فردية على أي من الأطباء، وتبقى قرينة البراءة قائمة. لكن سوزانا يوهنا، رئيسة “اتحاد ماربورغ”، تدعو إلى متابعة القضية سريعاً: “الأطباء من أصل سوري يشكلون جزءاً أساسياً من النظام الصحي الألماني، لكن من الضروري كشف أي شخص ربما شارك في جرائم تعذيب. لا يمكن السماح لهؤلاء بمزاولة المهنة هنا”.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 7,000 طبيب سوري يعملون في ألمانيا.

———————————–

ملفات دمشق”: بعد 13 عاماً من البحث… سوري يكتشف مصير شقيقه/ يفيد كينر ونيكول صادِق

05.12.2025

سربٌ ضخم من السجلات يكشف أدلة جديدة على عمليات القتل التي ارتكبها نظام الأسد — ويمنح بعض العائلات فرصة لإغلاق جرحٍ طال انتظاره.

جلس ثائر النجار في مكتبٍ ضيّق داخل قبو أحد فنادق دمشق، ترتجف يداه وهو يتأمّل ورقةً واحدة أمامه. لم يكن يُسمع في المكان سوى أزيز مروحة السقف يشقّ الصمت.

كانت لحيته البيضاء تجعله يبدو أكبر من سنواته السبع والخمسين، رغم أنّ ذراعيه ما زالتا تحملان قوة سنوات عمله حدّاداً. سلّمه الصحافي قبل قليل مستنداً يتضمّن ثلاثة أسطر فقط مكتوبة بالعربية. رفع نظارته إلى عينيه، عدّلها بعناية، وبدأ يقرأ:

“أثناء تقديم المعالجة للموقوف عماد سعيد النجار في قسم الإسعاف، لم يستجِب لعمليات الإنعاش، رغم الاستمرار في المحاولة لمدة 30 دقيقة حتى لحظة الوفاة”.

فتح النجار فمه ليتكلّم، لكنه ابتلع كلماته. تجعّد وجهه وبدأ بالبكاء. ثم اندفع خارج الغرفة المضاءة بالنيون، يتردّد صدى صرخاته في الممرّ.

بعد دقائق، عاد ببطء وهو يشدّ بيده على ورقة شهادة وفاة شقيقه عماد، المؤرّخة في 14 آب/ أغسطس 2012.

على مدى 13 عاماً، بحث النجار وعائلته عن عماد، منذ اعتقاله على يد قوات أمن النظام السوري السابق. كان النجار يشتبه بأن شقيقه الأكبر قد مات في السجن، لكنه لم يمتلك دليلاً حتى هذه اللحظة.

عندما اندلعت الثورة ضد الرئيس بشار الأسد عام 2011، كان ثائر وعماد النجار، البالغان حينها 44 و46 عاماً، من الداعمين للاحتجاجات السلمية المطالِبة بإسقاط النظام، كما قال لـ”الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”. وبعدما أن بدأت قوات الأسد بإطلاق النار على المتظاهرين، انضمّ ثائر النجار إلى التمرّد المسلح الوليد. أمّا عماد، الذي كان يعاني من التهاب في العظام، فلم يكن قادراً على القتال — لكن ذلك لم يكن يعني الكثير بالنسبة لأجهزة الأسد الأمنية: فسرعان ما بات الشقيقان مطلوبَين.

في أحد الاشتباكات مع قوات النظام، أصيب النجار برصاصة في ظهره. ويقول إن كل أعضاء مجموعته المسلّحة الآخرين قُتلوا في المواجهة. جريحاً ومعزولاً أكثر فأكثر، لجأ هو وعماد إلى منزل والديهما في وسط دمشق. لكن ثائر النجار سرعان ما خشي أن تأتي قوات الأسد لاعتقالهما، وبعد ليالٍ قليلة مثقلة بالقلق، فرّ هارباً.

وبعد يومين فقط، تحققت مخاوفه. اقتحم عناصر الأمن باب المنزل، كما يروي، وطرحوا عماد أرضاً وهددوا حياة والدتهما قبل أن يقتادوه — مع شقيقهما الأصغر إياد — إلى السجن.

يقول النجار إن إياد أُفرِج عنه بعد أسبوع، وقد كانت الكدمات تغطّي جسده بأكامله. وبعد أيام قليلة، فارق الحياة متأثّراً بالتعذيب الذي تعرّض له في السجن.

أما شهادة وفاة عماد — تلك التي كان النجار يمسك بها الآن — فكانت تظهر أن عماد توفي بعد 10 أيام فقط من المداهمة التي استهدفت منزل والديهما.

على مدى السنوات الـ13 من الحرب الأهلية في سوريا، اعتقل نظام الأسد وعذّب وقتل آلاف المواطنين. وعندما انهار النظام أخيراً في كانون الأول/ ديسمبر 2024، استعاد آلاف الأشخاص مثل النجار بحثهم عن أحبّتهم المفقودين. توافدوا إلى السجون والمستشفيات ومواقع المقابر الجماعية؛ قلبوا أكوام الأوراق المبعثرة وفحصوا الجثث في مشارح المستشفيات، أملاً في بالعثور على أفراد عائلات اختفوا منذ سنوات — أو على الأقل الحصول على قدر من اليقين بشأن مصيرهم.

النجار، الذي أصبح اليوم أباً لأربعة وجدّاً أيضاً، قام بعدّة زيارات عدة  مع أحد أبنائه إلى سجن صيدنايا، ذلك المجمع العسكري الشهير خارج دمشق حيث قتل نظام الأسد آلاف المعتقلين، بحثاً عن عماد. يقول النجار: “دخلنا إلى الزنزانات من الداخل. كان عماد رسّاماً، وكان يرسم على الجدران، لذلك كنّا ننظر إلى الجدران على أمل أن نجد أيّاً من رسوماته”.

لكن — كحال آلاف العائلات — خرجا من المكان خاليَي الوفاض.

يقول النجار: “قبل سقوط النظام، كنّا نعيش على أمل أنّه ما زال على قيد الحياة. لكن بعد سقوط النظام” — وبعد البحث عبثاً عن عماد — “فقدنا الأمل”.

يرى حبيب نصّار، وهو مسؤول رفيع في مجال حقوق الإنسان لدى “المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية” التابعة للأمم المتحدة، أنّ انهيار النظام شكّل “زلزالاً نفسياً وعاطفياً هائلاً” لعائلات القتلى والمعتقلين. وفتح السجون، كما يقول، كان “اللحظة التي أدركت فيها عشرات آلاف العائلات أنّ أحبّاءهام قد لا يعودون أبداً”.

بعد عامٍ على ذلك، ما زالت العائلات المكلومة تواجه فراغاً كبيراً في المعلومات حول أولئك الذين اختفوا داخل شبكة السجون الواسعة التابعة للنظام. كثيرون يقولون إنهم يشعرون بأن الحكومة الجديدة تخلّت عنهم، ويطالبون بإجراءات عاجلة — لكن مسؤولين ومحققين يؤكدون أن معرفة الحقيقة قد تستغرق أكثر من عقد.

يوفّر “ملفّ دمشق”، وهو تحقيق يستند إلى أرشيف يضمّ أكثر من 134 ألف وثيقة أمنية واستخباراتية سورية حصلت عليها القناة الألمانية NDR وشاركتها ICIJ مع 126 صحافيًا من 26 مؤسسة إعلامية في 20 دولة — لمحة غير مسبوقة عن آلة القتل التابعة لنظام الأسد. يمثّل مقتل عماد واحداً من أكثر من 10 آلاف حالة موثّقة في هذه الملفات، التي تتضمن صوراً للضحايا ولشهادات الوفاة.

يكشف هذا التحقيق عن الأدلة المروّعة على حملة القمع التي مارسها النظام: عشرات الآلاف من الصور التي التقطها مصوّرون عسكريون لمعتقلين توفّوا تحت التعذيب وفي ظروف الاحتجاز القاتلة. ولتفكيك الحقائق التي تكشفها هذه الصور، أجرى فريق من صحافيي ICIJ وNDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ الألمانية تحليلاً لعيّنة عشوائية من 540 صورة، وتبيّن أنّ ثلاثاًة من كل أربعة ضحايا تظهر عليهم علامات الجوع الشديد، وأنّ نحو ثلثيهم بدت على أجسادهم آثار الأذى الجسدي. فيما كانت قرابة نصف الجثث عارية — تُركت مكشوفة على الأرض أو فوق سطحٍ معدني.

كلّ عملية قتل تعني عائلةً محطّمة تبحث عن إجابات، وتحاول مواجهة أحزانها وغضبها تجاه ما سُرق منها. لكن، ومع ذلك، لا تمثّل هذه السجلات سوى جزء صغير من معاناة سوريا — جرحٌ عميق سيبقى حاضراً في بنيتها الاجتماعية والسياسية لأجيال قادمة.

أجرى ICIJ وNDR مقابلات مع سبع عائلات تم التحقّق من وفاة أحبّائها ضمن السجلات. في بعض الحالات، مثل حالة النجار، شكّلت هذه الوثائق أول دليل تتلقّاه العائلات على وفاة أقاربها. وقد شاركت NDR أسماء الضحايا الواردة في “ملفّ دمشق” مع أربع منظمات غير حكومية ومنظمات حكومية دولية، على أمل أن تساعد عائلات أخرى على معرفة ما حدث لأحبّتهم.

انخرط نظام الأسد في جهود منهجية لإخفاء عمليات التعذيب والقتل التي ارتكبها بحق المواطنين السوريين. وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أمضت قوات الأمن سنوات في نقل آلاف الجثث من مقبرة جماعية في ضاحية بدمشق إلى موقع صحراوي سرّي لمنع اكتشافها. كما كان المعتقلون الذين يموتون في سجون دمشق يُنقلون بشكل روتيني إلى مستشفيات عسكرية قريبة، وفقاً لتحقيق أممي، حيث كان الأطباء يصدرون تقارير طبية تفيد بأن سبب الوفاة هو “توقف قلبي رئوي“.

يكشف “ملفّ دمشق” بوضوح البنية البيروقراطية التي حوّلت وفاة كل معتقل إلى مجرّد معاملةٍ ورقية باهتة، صُمّمت لإخفاء حملة القتل الجماعي. فمعظم شهادات الوفاة في هذا الأرشيف الضخم وقّعهاكانت موقّعة من أطباء في مستشفيي حرستا وتشرين العسكريين في دمشق، وهما مؤسستان اشتهرتا بسوء معاملة السجناء، فيما سجّلت الغالبية العظمى من تلك الشهادات سبب الوفاة على أنه “توقف قلبي رئوي” أو “توقف قلبي”. وقال أحد الأطباء السابقين في مستشفى حرستا لـNDR إن شهادات الوفاة كانت تُعدّ مسبقاً وتُسلّم للأطباء ليوقعوا عليها فقط.

بعد أكثر من عقدٍ من البحث عن أيّ أثر لشقيقه، بالكاد استطاع النجار أن يصدّق المستند بين يديه. تساءل بصوت يملؤه الذهول: “هل هذه الوثيقة دقيقة؟ أم أنه من الممكن أنها تعرّضت للتلاعب؟”.

كانت الورقة عبارة عن صورة لشهادة الوفاة، التُقطت داخل أحد أفرع الأمن التابعة للنظام السابق. وكان النجار يتوق بشدّة لرؤية النسخة الأصلية، رغم علمه بأنّ العثور عليها يكاد يكون مستحيلاً.

بعد الإطاحة بالأسد، سمح الحكّام الجدد في سوريا لفترة وجيزة للمواطنين بتصوير الوثائق داخل أفرع الأمن السابقة، لكنهم منعوا إخراج النسخ الأصلية. ومع تثبيتهم قبضتهم على السلطة، أغلقوا الوصول إلى أرشيف النظام السابق. ورغم أنهم أنشأوا لجنة للتحقيق في مصير المفقودين، فإنّ عائلات مثل عائلة النجار ما زالت تشعر بأنها بلا أي مؤشر عن موعد الحصول على أبسط المعلومات.

من خلال إغلاق الوصول إلى الأرشيف، أخفى المسؤولون سجلات لا تكشف فقط أسماء الضحايا، بل أيضاً أسماء الذين يتحمّلون مسؤولية مقتلهم — وهي معلومات قد تعيد فتح جروحٍ تحاول سوريا بصعوبة مداواتها. يقول النجار إنه لا ينوي السعي للانتقام من بقايا منظومة الأسد عمّا فعلوه بعائلته — مع استثناء واحد: فإذا عثر على الشخص الذي تسبب بمقتل شقيقه، كما قال، “لن أسامحه أبداً”.

ويقول النجار إنه لن يُخبر والدته، البالغة من العمر 90 عاماً، بوفاة عماد. فهي ما زالت تعتقد أن ابنها الأكبر قد يعود إليها يوماً ما، ولم يكن قادراً على حرمانها من ذلك الأمل.

في ذروة الحرب الأهلية السورية، بلغ حجم الموت مستوى فاق قدرة سجون ومستشفيات النظام ومستشفياته على الاستيعاب. وبحسب تقارير، حوّل موظفو أحد المستشفيات العسكرية موقف السيارات المجاور إلى مشرحة بدائية لاحتواء تكدّس الجثث. ويوثّق “ملفّ دمشق” هذا الانهيار المؤسسي: إذ إن بعض السجلات ليست سوى ملاحظات مكتوبة على عجل تتضمّن قوائم بأسماء معتقلين قضوا تحت الاحتجاز.

التقيتُ في إسطنبول رجلاً سأطلق عليه اسم يوسف. روى لي تجربته الشاقة كمريض تائه داخل منظومة المستشفيات السورية. كان ذا بنية ضخمة، ولا تزال على جسده آثار الرحلة القاسية التي خاضها عبر ثلاثة مراكز تحقيق وأجنحة مستشفى المزة. في أيار/ مايو 2013، وأثناء اعتقاله لدى الاستخبارات الجوية، اشتد عليه المرض فنُقل إلى مستشفى 601 في المزة.

بدأ يوسف حديثه قائلاً: “رأيتُ جثثاً في الغرف المخصّصة للفروع الأمنية المختلفة”. وأضاف أن المكان كان مكتظاً إلى حدّ كبير، وأن النظافة كانت أمراً ثانوياً: “ستة أشخاص على كل سرير في المستشفى، مقيّدون معاً من الأرجل. وإذا مات أحد السجناء على السرير، كانوا يفكون القيد عن ساقه، ويضعون الجثة في الحمام أو في الممر، وكنّا نضطر للمرور فوقهاها. … كانت تبقى هناك ليوم أو يوم ونصف. بعض السجناء كانوا يُجبرون على نقل الجثث إلى كراج سيارات في المزة”.

ذلك الكراج — الواقع على مقربة من قصر الأسد — كان خلفية متكررة في كثير من الصور التي هرّبها “قيصر”. فبعدما أن امتلأت مرافق مستشفى المزة وضاقت بالجثث، كما قال قيصر لاحقاً، حوّل السوريون جزءاً من موقف السيارات المجاور إلى مشرحة بدائية بسقفٍ من الإسمنت وجوانب مفتوحة. وتُظهر الصور صفوفاً من الجثامين — بعضها عارٍ، وبعضها ملفوف بالبلاستيك — يشرف عليها موظفو المستشفى وقد وضعوا الأقنعة على وجوههم، على الأرجح للتخفيف من رائحة الموت.

على ظهر إحدى الأوراق، كُتبت بخطّ أزرق مرتجف سجلاتٌ تختصر عمراً كاملاً من الفقد: “يامن عوّاد الخليف … تاريخ الاعتقال 27/8/2012 … الوفاة 1/9”.

كانت والدة الخليف، نعيمة عبدالله، البالغة 65 عاماً، تعلم منذ سنوات أن ابنها قد مات. أحد أفراد العائلة العاملين في الأجهزة الأمنية أخبرها بعد 10 أشهر من وفاته. لكن المعرفة، رغم ذلك، لا تقدّم عزاءً. فكما قال جميع أفراد العائلات الذين تحدّث إليهم ICIJ، فإن الحصول على ورقة هو بداية البحث، لا نهايته.

تعتقد عبدالله أن يامن وشقيقه أيمن — وهو ابنٌ آخر فقدته في حرب سوريا — يرقدان في مقابر جماعية في محيط دمشق.

قالت لـ ICIJ: “كنتُ أسهر حتى الفجر أفكّر أين هما. أين أيمن؟ أين يامن؟ إذا كنتم قد قتلتموهما فأعيدوهما إليّ. لا أريد شيئاً آخر. فقط أريد أولادي. أن يختفوا بلا أثر، بلا علامة… لماذا؟”.

تعيش عبد الله في شقة بالطابق الثالث في حي التضامن بدمشق، في واحد من الأبنية القليلة التي لم تترك القذائف ندوبها على جدرانه. فقد دمّر القتال العنيف الحيّ، وتحولت كتل كاملة منه إلى ركام. كما تعيش في الشقة الصغيرة شقيقة الخليف، إيمان، وكذلك ابنه مازن، الذي تيتم بعد مقتل والده.

تتذكّر عبد الله ابنها يامن، الذي كان في سن الـ26 حين قُتل، كونه شاباً هادئاً وطيّباً. لم يشارك في التظاهرات السلمية الأولى ضد النظام، لكنه انضم إلى إحدى مجموعات المعارضة المسلحة بعدما فرضت قوات الأسد حصاراً على حيّهم.

فرّت العائلة من التضامن مع اشتداد القتال، لكن يامن الخليف عاد سريعاً ليواصل القتال. وعلى أحد حواجز الميليشيات الموالية للأسد، طلب العناصر رؤية هويته أثناء عبوره شارع نسرين، وهو شريان تجاري رئيسي في الحي. وكانت بطاقة هويته تُظهر أنّه من أبناء دير الزور — وهي محافظة يغلب عليها السنّة في شمال شرقي سوريا، وكانت من أكثر المناطق حماسةًاً في دعم الانتفاضة.

وكان ذلك وحده كافياً ليُحكم عليه بالإعدام. وعندما أدرك الخليف أن اعتقاله بات محتوماً، كانت فرصته الوحيدة هي الهرب. عندها فتح عناصر الأمن النار عليه. تقول عبد الله: “عندما أطلقوا النار عليه، خطا بضع خطوات، ثم سقط”. (صديقٌ كان برفقته في ذلك اليوم نجا من الاعتقال ووافق لاحقاً على رواية القصة لعبد الله).

بالنسبة لعبد الله وإيمان، فإن غضبهما على مصير يامن يرتبط أيضاً بالانقسامات الطائفية التي غذّت الحرب في سوريا. وأثناء رواية عبد الله اللقصة، لم تُخفِ إيمان استياءها من أنها لم تذكر أن شارع نسرين كان معروفاً بكونه معقلاً للميليشيات الموالية للأسد، وكثيرٌ من عناصرها كانوا من الطائفة العلوية — وهي طائفة إسلامية غير سنّية. وقد كانت هذه الطائفة، التي ينتمي إليها آل الأسد، تهيمن على المناصب العليا في الأجهزة الأمنية خلال حكمه.

قالت إيمان لوالدتها وهي تروي الحكاية: “قولي كل شيء، لا تخافي — قولي إن العلويين أخذوه”.

فأجابتها عبد الله: “إذا سألتِني عمّا أكرهه أكثر من أي شيء، سأقول إنني أكره شارع نسرين. لو كان الأمر بيدي لهدمته”.

وبينما علمت عائلة يامن الخليف في نهاية المطاف بخبر مقتله، فإنها لم تحصل يوماً على أي معلومة عن مصير شقيقه أيمن. وفي زمن حكم الأسد، كانت عبد الله وإيمان تتشبثان بأملٍ ضئيل بأن أيمن لا يزال حيّاً في مكان ما داخل شبكة سجون النظام. آنذاك، كانت الشائعات تنتشر كالنار: مراكز اعتقال سرّية تحت الأرض، يُعتقد أنها تحتجز أكثر من 100 ألف شاب وفتاة من المفقودين.

لكن بعد سقوط النظام، عمد السوريون إلى اقتلاع أرضيات مراكز الاعتقال… ولم يجدوا شيئاً. أمضت إيمان أسابيع وهي تبحث بجنون في السجون والمستشفيات، لكنها لم تعثر على أي أثر لشقيقها. كل ما وجدته كان الخراب الذي خلّفه النظام وراءه: طفل صغير حُبس وحيداً في زنزانة انفرادية، ومعتقل ينزف من آثار التعذيب الذي تعرّض له في الساعات الأخيرة قبل انهيار السلطة. قالت: “كانوا جميعاً قد فقدوا عقولهم”.

بالنسبة لعبد الله وآلاف العائلات الأخرى، مثّلت نجاح الثورة نهاية الأمل بفي العثور على أحبّتهم أحياء. وقد ولّد ذلك ليس فقط مطالب ملموسة — كجثمان يُدفن أو دعم مالي — بل أسئلة مؤجلة طويلاً حول كيفية احتمال هذا الفقد الهائل الذي عانوه. “لقد أصبح المعتقلون”، تقول إيمان، “وجع قلب النصر”.

في أحد أيام الجمعة من شهر أيلول/ سبتمبر، احتشد سكان قرية جنوب دمشق داخل مبنى إسمنتي منخفض قرب مركز البلدة. في الداخل، كانت الجدران مغطاة بملصقات تحمل صور رجال ونساء وأطفال، وتصفهم بأنهم “الشهداء المفقودون الأبطال” في البلدة. كان أكثر من 400 شخصاً في عداد المفقودين.

في زاوية الغرفة، كانت أفراح موسى حسين، البالغة من العمر 10 أعوام، ترفع صور والدها وعمّها. جلست والدتها، فاطمة علي حسن، إلى جانبها. قالت فاطمة: “نحن نعلم أن أبناءنا وإخوتنا تعرّضوا للتعذيب والقتل. نتحدث عن الأمر نفسه منذ تسعة أشهر، لكن لا أحد يمكن أن نطلب منه الدعم”.

كان هذا اللقاء، الذي عُقد في قرية شبعا، جزءاً من حركة شعبية تُعرف باسم “خيام الحقيقة”. بدأت المبادرة في ضاحية جرمانا بدمشق، بعدما أثار غضب العائلات قيام مجموعة من الأهالي بطلاء جدران الزنازين في أحد مراكز احتجاز الأسد — لأسباب لا تزال غامضة. كان المعتقلون غالباً يكتبون أسماءهم ورسائلهم على الجدران، ورأت عائلات المختفين أن طلاء الجدران يُعدّ طمساً لمعلومات قد تكون مهمة لمعرفة مصير أحبّتهم.

انتشرت “خيام الحقيقة” منذ ذلك الحين إلى خمس مناطق أخرى، مانحةً العائلات مساحة تيشاركن فيها تجاربهان وتيعبّرن عن مطالبهان من الحكومة الجديدة. تقول أماني عبود، وهي منسّقة في “”خيام الحقيقة”” وناجية من سنوات من التعذيب في سجون الأسد، إن الحركة اختارت اللامركزية ورفضت تلقي أي دعم مالي لتظل مرتبطة مباشرةً بقضايا العائلات. وأضافت: “إنها مساحتهم للحديث”.

كانت جدران فعالية “خيام الحقيقة” في شبعا مصفوفة بملصقات تحمل مطالب العائلات. جاء في أحدها: “لا عدالة من دون الكشف عن المصير”. وفي آخر، توسّل أحد الأبناء قائلاً: “أريد أن أعرف: أين أبي؟”.

غالباً ما يقع العبء على عاتق جلال نوفل، الطبيب النفسي الهادئ الطباع والبالغ من العمر 62 عاماً، في إبلاغ العائلات بأن التحقيق سيستغرق وقتاً أطول بكثير مما يأملون. نوفل هو أحد الأعضاء الـ12 في المجلس الاستشاري لـ”الهيئة الوطنية للمفقودين” التابعة للحكومة السورية، والتي أُنشئت في أيار/ مايو لمساعدة المواطنين على معرفة مصير أفراد عائلاتهم المختفين. يضمّ المجلس محامين متخصتصين بالقانون الإنساني الدولي، وخبراء في الطب الشرعي، وناشطين كرّسوا حياتهم للدفاع عن المعتقلين السوريين. ويُعدّ نوفل المتخصص الوحيد في الصحة النفسية داخل المجلس.

قال نوفل، وهو يحتسي قهوته في أحد مقاهي دمشق: “نقول لهم بصراحة: لا نملك إجابات. وللاقتراب من الإجابات، نحتاج إلى ما لا يقل عن عشر سنوات”.

يلتقي نوفل كثيراً بعائلات المختفين في تجمعات شبيهة بفعالية “خيام الحقيقة” في شبعا. الكثيرعديد من هذه العائلات، كما يقول، ترغب في تقديم عينات DNA لمقارنتها مع الرفات الموجودة في المقابر الجماعية — وهي مهمة لا تمتلك المؤسسات السورية البنية التحتية ولا التمويل اللازمين للقيام بها. ويضيف: “مضاهاة الحمض النووي بالعظام والأنسجة الخاصة بالمفقودين… هيو نوع من المستحيل”.

لم يبدأ الدفاع المدني السوري، وهو الجهة المكلّفة بتحديد مواقع المقابر الجماعية واستخراج الرفات، حتى الآن بعملية إخراج الجثامين. وقد اكتشفت بالفعل نحو 100 مقبرة جماعية في مختلف أنحاء سوريا — وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل كبير. وفي أفضل السيناريوهات، يقدّر خبراء المجموعة أن التعرف على جميع مواقع المقابر، واستخراج الجثث، وإجراء فحوص الحمض النووي، سيستغرق بين 10 و20 عاماً.

هذا الجدول الزمني الطويل يثير غضب الكثير من السوريين، كما يعترف نوفل. ويقول إن مبادرات مثل “خيام الحقيقة” يمكن أن توفر مساراً للعائلات — من خلال تعزيز الروابط المجتمعية لمواجهة حجم الفقد، ومن خلال دعم جهود المجتمع المدني للضغط على اللجنة. ويضيف: “سنواصل العمل بالتوازي مع ضغطكم”، وهو ما يقوله للعائلات.

أما عبود، منظمة “خيام الحقيقة”، فتقول إن الناشطيناء مارسوا ضغطاً على اللجنة، لكنها لم تستجب لمطالبهم. وتتابع: “العائلات تريد دعماً مالياً، وتريد محاسبة، وتريد محاكمات. فلماذا يُؤجَّل كل ذلك الآن؟”.

يحمل نوفل طموحات كبيرة للجنة: فهو يأمل في خطة وطنية للدعم النفسي والاجتماعي، وفِرَق متنقلة تقدّم الإجابات للقرى في مختلف أنحاء البلاد، وفرق متخصصة للتحقيق والتدقيق في ملفات النظام السابق والمقابر الجماعية. لكن هذه الخطط لا تقدّم مساعدة للسوريين الذين يبحثون عن إجاباتأجوبة الآن. وفي ظل غياب المعلومات من الحكومة، اضطرّاضطُر كثيرون إلى تولي مهمة البحث بأنفسهم عن أي خيط يكشف مصير أحبّتهم.

مثل ثائر النجار، وإيمان الخليف، وآلاف السوريين الآخرين، اضطرت الناشطة البارزة وفاء مصطفى إلى البحث في سجون النظام ومستشفياته لمعرفة المزيد عن مصير والدها، الذي اعتقلته أجهزة أمن الأسد عام 2013.

قالت مصطفى: “لم أتخيّل يوماً أنني سأكون في مستشفى المجتهد أبحث بين الملفات ومحاولات التعرّف، فقط لأعرف إن كان والدي هناك. هذا بحد ذاته شكل من أشكال العذاب”.

على الرغم من أن “الهيئة الوطنية للمفقودين” تتحدث عن مسار طويل قد يستغرق سنوات للوصول إلى إجابات، فإن الحكومة السورية فشلت في اتخاذ أبسط خطوة: مشاركة شهادات الوفاة والوثائق الموجودة في أرشيف النظام السابق مع العائلات.

يعتقد الصحافيان عامر مطر وعمرو خيطو، اللذان يعملان على توثيق منظومة الأمن في عهد النظام السابق، أن الحكومة الجديدة لا تنوي القيام بذلك. في أحد مقاهي المدينة القديمة بدمشق، قال الصديقان القديمان إنهما شاهدا بأعينهما كيف أسيء التعامل مع الوثائق التي تعود للنظام السابق والمحفوظة في السجون والفروع الأمنية.

وأضاف خيطو: “سياسة الحكومة تبدو أشبه بعملية منهجية لطمس الأدلة التي تدين الأسد”.

التقى مطر وخيطو قبل نحو عقدين من الزمن عندما كانا طالبين في جامعة دمشق؛ وبدآ معاً إنتاج الأفلام الوثائقية مع انطلاق الانتفاضة ضد الأسد عام 2011. ومع مرور الوقت، تعرّضا للاعتقال، ثم اضطرّا إلى مغادرة البلاد في السنوات الأولى من الثورة، وواصلا عملهما من الخارج.

وعندما سقط الأسد في عام 2024، اغتنم مطر وخيطو الفرصة لكشف معلومات حول آلاف السوريين الذين اختفوا في سجون النظام. اعتقدا أن أمامهما نافذة زمنية قصيرة لحفظ سجلات تعدّ جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية السورية — وثائق تجعل من المستحيل على العالم أن ينسى ما حصلجرى، ويمكن أن تساعد في جهود محاسبة المسؤولين عن الجرائم. أرسلا كاميرات ثلاثية الأبعاد إلى أعضاء فريقهما داخل البلاد لمسح السجون والفروع الأمنية رقمياً وتصوير مئات الوثائق الموجودة هناك.

وعندما عاد مطر وخيطو إلى البلاد بأنفسيهما، قالا إنهما شاهدا السلطات الجديدة لا تكتفي بالفشل في حماية الوثائق، بل تقوم عمداً بإتلافها. وفي أحد فروع أجهزة مخابرات الأسد، قال مطر إنه وجد مقاتلين مرتبطين بالحكومة الجديدة وهم يدمرون السجلات الموجودة هناك.

واجه مطر أحد أولئك الرجال، فأخبره أن الوثائق “تحتوي على الكثير من المشاكل” — أي على أدلة تتضمن أسماء سوريين كانوا يبلّغون أجهزة مخابرات الأسد عن جيرانهم. يقول مطر إنه حاول إقناعهم بالتوقف، موضحاً لهم أن تلك الملفات قد تحتوي على معلومات عن شقيقه الذي فُقد عام 2013.

“فقال لي: أخوك مقتول“، يروي مطر. “فجننت. من أنت لتخبرني بهذا؟!”.

بعد تلك الأيام الفوضوية التي أعقبت سقوط الأسد، أُغلقت النافذة القصيرة التي كانت متاحة لتوثيق شبكة السجون. وكما توقّع مطر وخيطو، فقدا معظم قدرتهما على الوصول إلى المعتقلات — ويرجع ذلك جزئياً، كما يقولان، إلى أن السلطات الجديدة كانت تملأ السجون من جديد بالمعتقلين.

ومع تشديد السلطات قيود الوصول، وجدت عائلات المفقودين نفسها معزولة عن الوثائق التي كان يمكن أن تكشف مصير أحبّتها.

ومع ذلك، وفي تلك الفترة القصيرة، جمع مطر وخيطو ما يكفي من المعلومات لإنشاء متحف سجون سوريا، وهو تحقيق يوثّق أدوات القمع التي استخدمها نظام الأسد. يضم المتحف الافتراضي نموذجاً ثلاثي الأبعاد لسجن صيدنايا الشهير، ووثائق توضّح آلية عمله، وشهادات لعدد من الناجين. ويخطط مطر وخيطو لتوسيع المتحف ليشمل فروعاً أخرى من أجهزة أمن الأسد خلال الأشهر المقبلة.

بعد إطلاق المتحف الافتراضي في المتحف الوطني بدمشق، يقول مطر إن شخصاً ادّعى أنه مرتبط بوزارة الداخلية هدّده وأبلغه بأن الحكومة لا تريد نشر أي وثائق تخصّ النظام. وبعد تسعة أيام فقط، اعتُقل مطر أثناء محاولته مغادرة سوريا. وقال متحدث باسم وزارة الداخلية في بيان إن مطر يُحقَّق معه بتهمة “الحصول غير القانوني” على وثائق تابعة للأجهزة الأمنية واستغلالها لمصلحته الشخصية.

تحدث مطر إلى ICIJ من ألمانيا بعد الإفراج عنه، وقال إن أحد المحققين طالبه بالملفات المصوّرة وحاول تجنيده للعمل مخبراً.

يقول مطر: “قال لي المحقق: إذا لم تخبرنا بكل شيء فعلاً، فسندمّر صورتك كصحافي. سنقول إنك سرقت وثيقة، ولن يستطيع أحد أن يعمل معك بعد ذلك”.

بعد تمضيته قضائه ليلة في السجن، احتفظت السلطات بجواز سفره وأطلقت سراحه إلى حين استكمال التحقيق. وبعد عشرة أيام، سُمح له بمغادرة سوريا. يقول مطر: “أظن أنهم اعتقدوا أن الأمر سيكون سهلاً… أن يُجبروني على التوقف عن هذا العمل، وأن أسلّمهم كل البيانات التي بحوزتنا”.

يشكّل اعتقال مطر أحدث دليل على أن الحكومة السورية ترى أن فتح أرشيف نظام الأسد أمام عائلات المفقودين ليس خطوة بسيطة على الإطلاق. فالمؤيدون لنهج اللجنة الوطنية للمفقودين يجادلون بأن على الحكومة الجديدة التحقق من أي معلومة قبل مشاركتها مع العائلات. ويقول نوفل إن سجلات النظام السابقة تقدّم أسباب وفاة مزيّفة بشكل واضح: فكيف يمكن لحكام سوريا الجدد أن يطلبوا من المواطنين الوثوق بهذه الوثائق كما هي؟

لكن إلى جانب الخوف من أن الوثائق لا تكشف الحقيقة كاملة، هناك أيضاً خوف من أنها ربما تكشف أكثر مما ينبغي. فكما اكتشف المقاتلون الذين واجههم مطر، يتحتوي الكثيرعديد من وثائق النظام ليس فقط على أسماء ضحاياه، بل أيضاً على أسماء المتورطين في الجرائم — الأشخاص الذين قال ثائر النجار إنه سيمزّقهم لو وجدهم.

هؤلاء ليسوا فقط مسؤولين كباراً في النظام قد يواجهون محاكمات في سوريا أو خارجها، بل أيضاً هم منفذونين على المستوى الميداني، ومدنيونين أُجبروا أو خُوِّفوا لتقديم معلومات عن جيرانهم. ويخشى البعض أنه إذا وصلت تلك الوثائق إلى أيدي آلاف العائلات الثكلى والغاضبة، فقد تُشعل موجة عنف لا تستطيع الدولة السورية الهشّة السيطرة عليها.

إنّ البحث عن المفقودين في سوريا يشبه اختبار “رورشاخ” لوجهة نظر كل شخص تجاه الحكومة الجديدة. فالمؤمنون بنهجها التدريجي يرون أنها تقدّر حدود قدراتها وتهشّم النسيج الاجتماعي للبلاد. أمّا الذين يعتقدون أن الحكومة غير جادة في معالجة ملف المفقودين، فيرون مؤشرات مقلقة الىعلى أنها تتحرك لخنق الحريات التي دفع السوريون ثمناً باهظاً للحصول عليها.

يقول مطر: “لم أخف يوماً من مواجهة النظام السوري، أو مواجهة داعش. وإذا أراد النظام الجديد بناء ديكتاتورية، يمكننا أن نقاتل. وإذا كانوا يحاولون إخافتنا، فلن نخاف”.

كثير من السوريين لا يريدون لا قتال الحكومة ولا التصفيق لها. إنهم فقط يحاولون إعادة بناء حياتهم المدمَّرة، لكنهم يشعرون بأن السلطات الجديدة تخلّت عنهم.

في فعالية “خيام الحقيقة” في شبعا، قالت فاطمة علي حسن إنها فقدت زوجها وابنها في سجن صيدنايا. كانت تريد إجابات عمّا حدث لهما، وتريد معرفة كيف ستتمكن من دفع تكاليف تعليم ابنتها أفراح.

وأضافت: “لقد شكّلوا لجاناً كثيرة لتقييم احتياجات العائلات، لكنهم لم يهتموا بنا”.

المساهمون:

Denise Ajiri, Kathleen Cahill, Jelena Cosic, Jesús Escudero, Whitney Joiner, Karrie Kehoe, Delphine Reuter, Angie Wu, David Rowell, Fergus Shiel, Annys Shin, Antonio Cucho Gamboa (ICIJ), Benedikt Heubl, Volkmar Kabisch, Antonius Kempmann, Amir Musawy, Sebastian Pittelkow, Benedikt Strunz, Sulaiman Tadmory (NDR), Hannah el-Hitami (Süddeutsche Zeitung).

Photo credits: ICIJ – Aref Tammawi

Illustrations on cover: ICIJ – Molly Crabapple

———————————————

البعثي النزيه”: قصّة تعيينات قضاة محكمة الإرهاب الدموية/ وائل قرصيفي ومودّة كلّاس (سراج)

13.12.2025

وثائق حصرية من أقبية المخابرات الجوّية تكشف عن اصطفاء النخبة للعمل في محكمة الإرهاب.

بدايات العام 2013، ومع اقتراب الثورة السورية من عامها الثاني، أصدر وزير العدل في نظام الأسد المخلوع نجم حمد الأحمد، قراراً حمل الرقم 491/ل، تضمّن أسماء الناجحين في مسابقة كانت الوزارة أعلنت عنها مسبقاً، للانضمام للدفعة السابعة من المعهد القضائي، المؤسّسة المخوّلة آنذاك بتأهيل القضاة عموماً في سوريا.

من بين الأسماء الـ267 التي شملها القرار المذكور، كان اسم رازي الفريج، الذي يبدو أن النظام السابق قرّر استحقاقه الوصول إلى مؤسّسة نخبوية مثل “المعهد القضائي”، نتيجة امتلاكه مؤهّلاً استثنائياً وهو الولاء. فهو نجل فهد جاسم الفريج، وزير الدفاع في نظام الأسد بين 18 تمّوز/ يوليو 2012 و1 كانون الثاني/ يناير 2018، والمتّهم بجرائم حرب، والمطلوب أمام القضاء الفرنسي عقب صدور مذكّرة توقيف بحقّه في عام 2023.

هكذا، لم يحتج رازي الفريج “دراسة حالة” أمنية من مخابرات نظام الأسد، التي أحكمت قبضتها على النظام القضائي منذ المرحلة الأولى، بداية بتأهيل خرّيجي كلّيات الحقوق في المعهد القضائي، وصولاً إلى تعيينهم في مناصب قضائية حسّاسة، بمنصب قاضٍ، كمحكمة الإرهاب التي تمتلك في ذاكرة السوريين سجلاً حافلاً بالقمع المغلّف بغطاء القانون.

يكشف هذا التقرير المعمّق، عبر وثائق حصرية اطّلعت عليها الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، ضمن مشروع “ملفّات دمشق”، بالتعاون مع الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ، كيف أشرف هذا الجهاز الدموي على اختيار التعيينات القضائية في البلاد، بسلطة كاملة تعتمد الولاء للنظام، فساداً وإهداراً لأبسط حقوق الإنسان.

و”ملفّات دمشق” هو مشروع تحقيقات استقصائي تشاركي، يديره “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون مع هيئة البث العامّة الألمانية NDR، ويضمّ صحافيين من مختلف أنحاء العالم، لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة، وحشيةً، في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشّار الأسد.

أمضى ICIJ وNDR و126 صحافي من 24 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا أثناء حكم الأسد.

يكشف مشروع تحقيقات “ملفّات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد، وصلاته بحكومات أجنبية ومنظّمات دولية، ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملفّ مكتوب في الغالب باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات.

تغطّي هذه الوثائق فترة زمنية تمتدّ على أكثر من ثلاثة عقود، من العام 1994 حتى كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، وتعود أصولها إلى مخابرات سلاح الجوّ وإدارة المخابرات العامّة في سوريا.

وقد فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيين، عقوبات واسعة من الولايات المتّحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل الموادّ مذكّرات داخلية وتقارير ومراسلات، تكشف آليّات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتّصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتّحدة تعمل داخل سوريا.

كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من عناصر المخابرات السورية السابقين.

اصطفاء أمني حسب المنطقة

تُظهر صور وثائق صادرة عن فرع الأمن الجوّي في إدارة المخابرات الجوّية في عام 2012، مراسلات داخلية تطالب فروع تلك الإدارة في المناطق الشمالية والشرقية والوسطى والجنوبية والساحلية، إضافة إلى فرع المهامّ الخاصّة وفرع التحقيق، إجراء “دراسة” عن مواطنين سوريين ترد أسماؤهم في سبع قوائم مُنفصلة مصنّفة حسب المناطق، وتضمّ كلّ منها ما بين 39 إلى 200 اسم من المتقدّمين لمسابقة الدورة السابعة للمعهد القضائي في عام 2012.

يلاحَظ في جميع المراسلات من إدارة المخابرات الجوّية إلى فروع المناطق، تشديدها على ضرورة إرسال “دراسة الحالة” للأسماء الواردة في القوائم بالسرعة القصوى قبل تاريخ 17 كانون الأوّل/ ديسمبر 2012، أي قبل أسابيع قليلة من صدور النتائج المُعلن عنها من وزارة العدل، في قرار الوزير نجم الأحمد بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2013.

اختُتمت المراسلات بين فروع المخابرات الجوّية بكتاب صادر من العميد أركان همام زينة، الذي كان مكلّفاً حينئذ بتسيير أمور فرع الأمن الجوّي، إلى اللواء عامر العشّي رئيس فرع المعلومات في إدارة المخابرات العامّة في نظام الأسد. ويشير الكتاب إلى تعذّر وصول دراسة حالة حول المواطنين من فرعي المخابرات الجوّية في المنطقتين الشرقية والشمالية من دون تبرير لذلك، لكنّ الحقيقة هي أنهما كانتا خارج سيطرة نظام الأسد في تلك الفترة.

وتُظهر صور الوثائق ديباجة مكرّرة كانت تستعملها أجهزة مخابرات نظام الأسد، لتصنيف المتقدّمين إلى المعهد القضائي، بناء على ميولهم السياسية ومدى انخراطهم أو عائلاتهم في الثورة. فعدا سطحية التعاطي المخابراتي مع عمليّة معقّدة كهذه، فإن التصنيف البسيط ضمن ثلاثية “موالٍ – محايد – معارض”، كان العامل الرئيسي في تحديد المسار المهني لمئات القضاة المحتملين، واستبعاد العديد منهم بسبب عدم رضا المخابرات عن توجّهاتهم السياسية أو تاريخهم العائلي. وقد شكّل ذلك أحد ركائز منظومة أوسع جامدة واختزالية هدفها الوحيد اصطفاء القضاة ممّن ينطبق عليهم الثالوث المقدّس لدى مخابرات الأسد: “بعثي – جيّد السمعة والأخلاق – سمعة العائلة حسنة”، وفق ما تُظهره وثائق اطلّع عليها معدّا التحقيق.

المعارضة فقط سوء أخلاق

دراسات الحالة الصادرة عن المخابرات الجوّية التي عاينها صحافيو “سراج”، تضمّ في قائمتها الكاملة 1,027 اسماً ممّن تقدّموا للدورة السابعة في المعهد القضائي، نجح منهم في النهاية 267 اسماً فقط، هم المعلن عنهم في قرار وزارة العدل، مع استبعاد كامل لكلّ من صنّفته المخابرات على أنه “معارض سيّئ الأخلاق”. بل ونجد في دراسة حالة لمتقدّم من السويداء تصنيفاً يلومه على الميول السياسية لشقيقه. إذ جاء في دراسة حالته: “شقيقه معارض سلبي حاقد يشارك في المظاهرات ويشجّع عليها، من أسرة متأثّرة بالمعارضة (المذكور متأثّر بشقيقه)”.

اقتران المعارضة بسوء الأخلاق لدى المخابرات الجوّية يشمل حتى البعثيين. ففي دراسة حالات المتقدّمين من محافظة درعا الذين نجح العديد منهم في المسابقة، نجد تكراراً لملاحظة أنهم بالإضافة إلى كونهم بعثيين، فهم لم يشاركوا في المظاهرات وليسوا “متعصّبين دينياً”.

تضمّ قائمة الناجحين النهائية التي أصدرتها وزارة العدل في عام 2013، أغلبية ساحقة ممّن صنّفتهم المخابرات على أنهم من “البعثيين ذوي الأخلاق الحسنة”، باستثناء نجل وزير الدفاع السابق رازي فهد الفريج، الذي لا تظهر دراسة حالة له، أسوة بأكثر من ألف من المتقدّمين غيره.

وتُظهر وثائق شاركها معنا موقع “زمان الوصل”، المفارقة الكبرى في معايير الأخلاق الحسنة المؤهّلة للعمل في القضاء لدى مخابرات الأسد. إذ إن رازي الفريج الذي سيصبح فيما بعد قاضياً من دون الحاجة إلى “دراسة حالة”، كان قد حُرّر بحقّه ضبط يحمل رقم 48 في عام 1997، وبطاقة جرمية برقم 81199 بتهمة “التحرّش الجنسي”.

هذه التصنيفات رغم سطحيتها، فإنها كانت المحدّد الرئيسي للتعيينات والنجاح من عدمه في مسابقات المعهد القضائي. وطبقاً للأمينة العامّة لنقابة المحامين في سوريا أميمة إدريس – التي عيّنتها النقابة بعد أشهر من سقوط نظام الأسد- فإن التغوّل الأمني كان السلطة الرئيسية في اختيار الناجحين، إضافة إلى تدخّلات ووساطات من القيادات الحزبية في حزب “البعث” والوزراء، وهي عمليّة استمرّت على حالها بعد تغيير اسم المعهد القضائي في عام 2013، ليصبح المعهد العالي للقضاء عبر القانون 23 الذي أصدره الرئيس المخلوع بشّار الأسد.

وتلفت إدريس في حديث إلى “سراج” إلى أن سطوة المخابرات لم تقتصر على غربلة المتقدّمين بحسب ولائهم وميولهم السياسية، بل كذلك بحسب انتمائهم المناطقي والطائفي، بحيث كانت التعيينات تميل إلى محافظات الساحل السوري، وهو ما تؤيّده الوثائق، إذ ينتمي أكثر من 20 في المئة من الناجحين إلى محافظة واحدة هي محافظة طرطوس.

من النيابة إلى محكمة الإرهاب

في منتصف العام 2015، أعلنت وزارة العدل في قرارها رقم 3891/ل، تعيين خرّيجي الدفعة السابعة من المعهد القضائي في النيابة العامّة في مختلف المحافظات السورية، وقد تمّ تعيين رازي فهد الفريج في النيابة العامّة في محافظة حماة، كما تضمّ قائمة التعيينات سبعة قضاة آخرين هم: مريم الدغلي ومحمّد الصفر وعلاء صالح وسحر سليطين ووائل الموصلي ومحمّد قلا عواد وباسم الجدي، الذين سينضمّون إلى الفريج بعد ذلك بسنوات للعمل في “محكمة الإرهاب”.

وكانت هذه المحكمة التي يقتصر عملها على العاصمة دمشق، قد استُحدثت من قِبل نظام الرئيس المخلوع بشّار الأسد، بموجب القانون رقم 22 الصادر بتاريخ 25 تمّوز/ يوليو 2012، وتصدر قراراتها بموجب قانون مكافحة الإرهاب الصادر قبل تأسيسها بـ 23 يوماً، وذلك في 2 تمّوز/ يوليو 2012.

استعمل النظام السوري محكمة الإرهاب والأحكام الصادرة عنها لسنوات طويلة من عمر الثورة السورية، كأداة قمع وإخضاع للتخلّص من معارضيه، وبحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فإن عدد القضايا التي نظرت فيها المحكمة منذ تأسيسها وحتى العام 2020 بلغ أكثر من 90 ألف قضيّة، أفضت إلى إصدار أكثر من 20 ألف حكم بالسجن، وأكثر من 2,100 حكم بالإعدام، كان معظمها غيابياً ولم ينفّذ، لأن المحكومين لم يكونوا معتقلين عند صدور الحكم.

ولم تكن أحكام السجن والإعدام الصادرة عن المحكمة الأداة الوحيدة لخنق معارضي الأسد، بل أصدرت كذلك آلاف أحكام الحجز ومصادرة أموال المعارضين، بما فيها حبس الميراث عن أطفال المعارضين للنظام.

المحكمة التي وصفتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بأنها “فرع أمن إضافي” للنظام السوري المخلوع، كانت تحاكم المعتقلين الموقوفين من دون أي مذكّرات قضائية أو تهم واضحة، في تواطؤ واضح مع الأجهزة الأمنية، كما أن قضاة هذه المحكمة – معروفي الولاء سابقاً – كانوا يتعاملون مع الاعترافات الواردة من فروع الأمن تحت التعذيب، على أنها إقرار من المتّهمين، وتصدر أحكامهم بناء على ذلك. هذا عدا أن العديد من جلسات المحكمة كانت تتمّ في حضور عناصر أمنية لترهيب الموقوفين.

كما وثّقت “الشبكة” آليّة متكاملة لابتزاز عائلات المعتقلين، مارستها محكمة الإرهاب من خلال إجراءات لوجستية بطيئة ومعقّدة، مما يسهّل عمل الشبكات المافيوية التابعة للنظام لابتزاز أهالي المعتقلين، مقابل مبالغ مالية ضخمة للحصول على معلومات عن أبنائهم، إضافة إلى الرشى الضخمة التي يحصل عليها قضاة التحقيق في المحكمة، لإصدار إخلاء سبيل للمعتقلين المحوّلين من الفروع الأمنية.

في خضم هذه المنهجية في التعيينات، لمع نجم رازي فهد الفريج وزملاء له من خرّيجي الدفعة السابعة في المعهد القضائي، إذ عمل سبعة منهم على الأقلّ في محكمة الإرهاب، في فترات متفرّقة خلال سنوات الثورة حتى سقوط نظام بشّار الأسد في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024.

في حديث لـ “سراج” قال قتيبة ح. وهو معتقل سابق لدى فرع أمن الدولة في العام 2016، إن القاضي السابق رازي الفريج الذي كان يشغل منصب قاضي التحقيق الحادي عشر في محكمة الإرهاب، طلب من والده عبر وسيط دفع مبلغ 8 ملايين ليرة سورية (ما يعادل 16 ألف دولار أميركي آنذاك) مقابل الإفراج عنه وإصدار أمر بإخلاء سبيله.

قتيبة كان قد اعتُقل بسبب “تشابه أسماء”، وتعرّض للتعذيب في المعتقل، وبسبب عدم قدرة عائلته على دفع المبلغ المطلوب من الفريج، رفض الأخير الإفراج عنه، وأبلغ والده بأن ابنه لن يخرج “طالما بقيت قاضياً في المحكمة”، بحسب كلام قتيبة.

وقد استمرّ الفريج برفض جميع طلبات إخلاء سبيله، ثم وجّه له تهماً جديدة بتشكيل منظّمة إرهابية وتمويل الإرهاب، ليبقي عليه خلف القضبان لثلاثة أعوام كاملة، إلى أن تتمّ تنحية الفريج من منصبه وتنتهي معاناة قتيبة بإخلاء سبيله في شهر كانون الثاني/ يناير 2019، بانتظار استكمال محاكمته من قِبل القاضي الرابع في محكمة الإرهاب، الذي استنكر توقيفه لهذه المدّة الطويلة بحسب كلامه، ليخرج قتيبة من السجن بعد انتظار طويل.

محاسبة منتظرة

سطوة وزير الدفاع السابق فهد الفريج التي كانت سبباً في تزكية ابنه لدى المخابرات الجوّية، من دون حاجة إلى “دراسة حالة”، تلاشت بعد إقالة والده من منصبه. إذ عزله الرئيس المخلوع بشّار الأسد في عام 2018 من عمله في محكمة الإرهاب بعد أشهر من إقالة والده، لينتقل للعمل في محكمة الصلح في منطقة الحجر الأسود في ريف دمشق.

وبعد سقوط نظام الأسد، أصدر وزير العدل السابق في الحكومة السورية الانتقالية شادي الويسي، قراراً في شباط/ فبراير 2025 باعتبار ثمانية قضاة بينهم رازي الفريج بحكم المستقيلين، بسبب انقطاعهم عن عملهم، وسط أنباء عن فراره من البلاد خشية المحاسبة.

لم يتسنَ لنا الوصول إلى رازي الفريج للتعليق، ولا يزال مكانه مجهولاً، فيما أشار مصدر مطّلع من خلال عمله في سلك القضاء السوري لـ “سراج”، إلى أن الفريج يقيم في الإمارات بعد هربه من سوريا.

هذا القرار تبعه مرسوم في حزيران/ يونيو الماضي، أصدره رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وحمل رقم 88 للعام 2025، عزل بموجبه 67 قاضياً عملوا سابقاً في محكمة الإرهاب الملغاة، من بينهم بعض القضاة الذين تأهّلوا للمحكمة من خلال المعهد القضائي، وذلك بعد تحقيقات أجرتها الحكومة الانتقالية عبر وزارة العدل.

وأكّدت وزارة العدل في بيان عقب صدور المرسوم، أنها أحالت ملفّات بعض القضاة المعزولين إلى النائب العامّ لاستكمال التحقيقات الجزائية، ودعت السوريين للتقدّم بالشكاوى والأدلّة حول تجاوزات قضاة المحكمة أمام السلطات.

وتؤكّد الأمينة العامّة لنقابة المحامين في سوريا أميمة إدريس أن “وزارة العدل الحالية عملت على إجراء عاجل لإصلاح الفساد المرتبط بالمعهد القضائي، وذلك عبر قرار وزير العدل مظهر الويس بإلغاء الدورة الرابعة للمعهد العالي للقضاء، نتيجة لتوصيات اللجنة التفتيشية التي شكلتها الوزارة”.

وبحسب إدريس فإن “الحكومة الانتقالية لجأت إلى حلّ إسعافي، عبر الإعلان عن مسابقة جديدة لتعيين قضاة، ومن خلالها ترشّح نقابة المحامين الأسماء بعد التدقيق في مسيرتهم المهنية، وسمعتهم الأخلاقية والسلوكية، واشتراط عدم تورّطهم في أيّ تجاوزات في عهد نظام الأسد المخلوع”، معتبرة أن “هذه الآليّة ستوفّر أفضل الخيارات الموجودة حالياً للارتقاء بمستوى القضاء السوري”.

رغم ذلك، اعتبر قاضٍ منشق عن النظام السابق، أن “السلطات الانتقالية في سوريا أضعفت سردية الثورة وضحايا الفساد القضائي، من خلال قرارها بعزل قضاة محكمة الإرهاب في المرسوم 88″، في ما وصفه بـ”العمل الانتقامي”.

وأوضح القاضي الذي تحدّث إلى “سراج” شريطة عدم الكشف عن اسمه بسبب عودته إلى السلك القضائي، أن “السبيل القانوني الصحيح كان يجب أن يتمّ عبر إخضاع هؤلاء القضاة لمستويين من المحاكمات، وهي: المحاكمات الإدارية أمام مجلس القضاء الأعلى، ثم عزلهم في حال ثبوت أي تجاوزات لصلاحياتهم، والانتقال بعدها إلى إجراءات نزع الحصانة عنهم، وتحريك الدعوى العامّة بحقّهم من خلال “مجلس الإذن” المخوّل بهذا الشأن، وعندها يحضر القضاة أمام قاضي التحقيق لمحاكمتهم وتطبيق عقوبة السجن في حال ثبتت إدانتهم”.

علاوة على ذلك، لا يزال قتيبة وأمثاله يعانون حتى اليوم من آثار سلطة محكمة الإرهاب، والأحكام التي أصدرتها بحقّ آلاف السوريين. فبعد سقوط النظام وعودته إلى سوريا، اكتشف قتيبة أنه ممنوع من السفر بسبب صدور حكم غيابي بحقّه بالسجن عشر سنوات في العام 2020، وغرامة تبلغ 241 مليون ليرة سورية (قرابة 190 ألف دولار أميركي آنذاك).

يقول: “قضيت زيارتي إلى سوريا ما بين وزارتي العدل والمالية”، ورغم كلّ محاولاته لم ترفع السلطات عنه منع السفر بعد. فالموظّفون أخبروه بوجود قسم خاصّ في وزارة العدل لهذه الحالات بسبب كثرتها، وأقصى ما استطاع الحصول عليه هو إذن سفر لمرّة واحدة مكّنه من مغادرة البلاد.

ويضيف: “كنت حيّاً مع وقف التنفيذ منذ خروجي من السجن إلى أن غادرت البلاد، وما زلت حتى اليوم أعمل لسداد الديون التي تراكمت عليّ وعلى عائلتي بسبب السجن وخسارة العمل. لا أعلم لِمَ أحمل عواقب حكم محكمة ألغتها الحكومة الجديدة حتى اليوم”.

لم تستجب وزارة العدل السورية لطلبات “سراج” المتكرّرة للردّ على أسئلتها بخصوص التعيينات وما ورد في التقرير

————————

الأخضر بيد الأسد”… كيف جنّد النظام السوري المخلوع جواسيس للإيقاع بـالمتعاملين بالدولار/ أحمد حاج حمدو ووائل قرصيفي (سراج)

11.12.2025

كان الإتجار بالعملات الأجنبية زمن نظام الأسد أشبه بالانتحار بسبب تشديد قبضة المخابرات على المتداولين، وسن قوانين تجرّم امتلاك هذه العملات وتداولها. مع ذلك، لجأ كثيرون إلى السوق السوداء لإخفاء حقيقة امتلاكهم عملات أجنبية، وانخفاض سعر الصرف الرسمي.

في أواخر عام 2013 وفي حي المالكي في العاصمة دمشق، صعدَ رجلٌ داخل سيارة من نوع شيفروليه خمرية اللون ليجتمع مع سائقها بهدف تبديل العملة السورية مقابل الدولار الأميركي. سائق السيارة كان نشطاً كمندوب حوالات مالية في تلك المنطقة، ويعمل بحذر مع زبائن يريدون تصريف عملات أجنبية إلى الليرة السورية ولا سيما الدولار.

كان عمله “الأشبه بالانتحار” يلقى رواجًا، لأن تصريف العملة الأجنبية عن طريق القنوات الرسمية لا يتوازى مع سعرها الحقيقي في السوق السوداء، وكذلك الحال فإن غالبية من لديهم عملة أجنبية (ولا سيما الدولار واليورو) ويريدون بيعها، أو حتّى يريدون شراءها، يلجأون إلى السوق السوداء، لإبعاد الشبهات عنهم، ولا سيما مع وجود قوانين عدة جرّمت تداول الدولار أولًا ثم جرّمت امتلاكه.

على  رغم التضييق الأمني ومحاولات النظام لتجريم التعامل بالدولار وغيره من العملات، لم يكن سائق السيارة يعلم أن الزبون الذي استقل سيارته هو عنصر تابع لفرع المخابرات العسكرية 251.

خلال عملية تبادل العملات، التقط “المخبر” صورة للمندوب وأرسلها للمسؤول عنه في الفرع عبر تطبيق “واتسآب” للرسائل الفورية، لتنتهي صورة عن هذه الرسالة في وثيقة موقّعة من رئيس الفرع 251 وموجّهة إلى القسم 40، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، تأمر بتوقيف مندوب الحوالات وتقديمه “بشكل فوري” إلى أحد أقسام الشرطة ومصادرة الهواتف التي في حوزته، وذلك “بالسرعة القصوى لضرورة التحقيق”.

هذا المندوب لتصريف العملات، لم يكن الوحيد الذي اعتُقل، إذ جنّدت مخابرات النظام السابق الوسائل المتاحة لديها لاعتقال كل من يتداول العملات الأجنبية، سواء بغرض التصريف أو حتّى في مرحلةٍ لاحقة اقتناء هذه العملات، وذلك بعد إصدار قوانين عدة لحصر العملات الصعبة بيد الأسد.

يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية، خالد تركاوي، أن كل الإجراءات التي قام بها الأسد، كانت تهدف الى ابتزاز كل من يملك الدولار أو غيره من العملات الأجنبية، عبر وضعهم أمام خيارين، إمّا صرف الأموال عن طريق النظام بالسعر الذي يقرّره أو الملاحقة القانونية، لافتاً إلى أن هذه القوانين لم يكن غرضها أي معادلات اقتصادية بل تحصيل أموال لاستمرار العمل العسكري وتحقيق النصر.

اطلع فريق الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، على نسخ رقمية لوثائق كثيرة توضح كيف وظف نظام الأسد أجهزة مخابراته لتعقب واعتقال كل من يتعامل بالدولار الأميركي أو غيره من العملات الأجنبية عقب المرسوم 3 للعام 2020، والذي أصدره رئيس النظام المخلوع  بشار الأسد وجرم فيه التعامل بأي عملة غير الليرة السورية.

و”ملفات دمشق”، هو مشروع تحقيقات استقصائي تشاركي يديره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون مع هيئة الإذاعة العامة الألمانية NDR، ويضم  صحافيين من مختلف أنحاء العالم لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة وحشيةً في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

أمضى الـ ICIJ وNDR و126 صحافياً من 26 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

يكشف مشروع تحقيقات “ملفات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد وصلاته بحكومات أجنبية ومنظمات دولية. ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملف مكتوبة في الغالب باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات.

تغطي هذه الوثائق أكثر من ثلاثة عقود، أي منذ عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024. وتعود أصولها إلى المخابرات الجوية وإدارة المخابرات العامة في سوريا.

فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيتين عقوبات واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل الوثائق مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف آليات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا.

كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من عناصر المخابرات السورية السابقين.

تجنيد عملاء للاستيلاء على “الدولار”

في وثيقة أُخرى، بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر 2023، يصدر رئيس فرع المخابرات العسكرية 251 أمراً للقسم 40 (فرع الخطيب) بتوقيف ثلاثة مندوبي حوالات في مناطق متفرقة من العاصمة دمشق بتهمة التعامل بالعملات الأجنبية. وتضم الوثيقة تفاصيل حول مكان عملهم الأساسي والذي يستخدمونه كغطاء لتقديم الحوالات، وصوراً التقطها عناصر المخابرات خلسة للمندوبين خلال عمليات تبادل الأموال وتفاصيل شخصية أخرى كأرقام الهواتف وغيرها. وكما هو الحال في الوثيقة الأولى، يضمن رئيس الفرع صور شاشة “سكرين شوت” يعتقد أنها أرسلت مباشرة من العناصر المخوّلين بعملية التعقب والإخبار.

هذه العمليات لم تكن فقط بهدف تنفيذ المراسيم والقوانين الصادرة عن السلطات في النظام فقط، بل كان لها هدف اقتصادي أوسع بكثير ويهدف الى احتكار القطع الأجنبي في البلاد وتوجيهه إلى مصادر مقربة من النظام ولصالح شخصيات مقربة منه على ما يشير الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي.

بعد حظر تداوله من الأسد، أصبح السوريون يستخدمون رموزًا مشفّرة للحديث عن الدولار الأميركي، سواء في أحاديثهم الشخصية أو عبر الهاتف، فكانوا يُطلقون عليه أسماء مثل (المغضوب، بقدونس، الأخضر والأول، وغيرها). ولكنَّ هذه الاستراتيجية لا يبدو أنّها قد فاتت أجهزة المخابرات السورية في عهد الأسد، إذ يشير أحد المستندات التي تشمل خلاصة التجسس على أرقام هواتف معيّنة، إلى أن المخابرات السورية حدّدت اسم أحد الأشخاص في محافظة السويداء على أنّه يتداول الدولار الأميركي، واستنتجت ذلك عند سؤاله عن سعر “الأول” في إشارة إلى الدولار الأميركي، وذلك خلال التنصت على هاتفه كما يبدو.

تجريم التداول ثم تجريم امتلاك العملة الصعبة

كانت حيازة العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، من المحرّمات في سوريا، حتّى أن وجود مبلغ 100  دولار في جيب أحد السوريين ربما يجعله عرضةً للمساءلة، لأن حمله يُعتبر غير قانوني.

لذلك كان العمل في تحويل العملات أو تصريفها خارج سلطة النظام السوري، يُعتبر من أنواع المهن (الانتحارية) لشدّة خطورتها، ولا سيما في السنوات الأخيرة عندما اشتدَّ جوع النظام السوري لكسب المزيد من الأموال.

تم منع تداول الدولار (والعملات الأجنبية عموماً) في الأسواق السورية للمرة الأولى بشكل رسمي عام 1986، وذلك من خلال القانون رقم 24 لعام 1986 الذي صدر في عهد حافظ الأسد، وكان يجرّم بيع العملات الأجنبية وشراءها خارج المصارف وشركات الصرافة المرخصة، وحيازة مبالغ كبيرة من الدولار بدون تصريح، كما يعاقب المخالفين بالسجن والغرامات. وكان هذا القانون هو الأساس الذي بُني عليه تجريم تداول العملات الأجنبية في السوق المحلّية.

استمرَّ العمل بالقانون رقم 24 حتّى عام 2013 عندما أصدر بشار الأسد، بعد اندلاع الثورة بعامين القانون رقم 29 لعام 2013، الذي حمل عنوان “مكافحة التعامل غير الشرعي بالعملات الأجنبية”، وأهم ما جاء في هذا القانون، كان تجريم تداول العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية بما في ذلك المصارف المرخصة وشركات الصرافة.

وجرّم هذا القانون أيضًا بيع أو شراء الدولار أو أي عملة أجنبية في السوق السوداء، إضافةً إلى تحويل الأموال أو المضاربة على سعر الصرف. اللافت في هذا القانون أنّه شدّد العقوبات لتصل إلى السجن بين 3 و10 سنوات حسب درجة الجرم، إلى جانب مخالفات مالية كبيرة.

وفي عام 2020، شهدت الليرة السورية انهيارًا حادًّا، إذ وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 1000 ليرة سورية للمرّة الأولى بتاريخ الليرة، وذلك في كانون الثاني/ يناير 2020، ولكن في نهاية العام، بلغ سعر صرف الدولار الواحد نحو 3000 ليرة سورية.

هذا الانهيار دفع الأسد، في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، إلى اعتبار أن السبب الجوهري لانهيار الليرة يعود إلى حجز ودائع بمليارات الدولارات تعود الى سوريين في البنوك اللبنانية، وذلك بعد “أزمة المصارف” في لبنان عام 2019.

وقال الأسد حينها، خلال زيارته معرض “منتجين 2020” إن “ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربما فُقدت في القطاع المصرفي اللبناني، وأن هذا الرقم بالنسبة الى اقتصاد سوريا رقم مخيف”، لافتًا إلى أن “الأموال أخدوها وحطوها بلبنان ونحن دفعنا الثمن”.

ولكن هذا التصريح لم يكن رد فعل الأسد الوحيد حينها، بل كان الأسد قد شدّد في مطلع العام ذاته الخناق على السوريين الذين يملكون العملات الأجنبية، عبر المرسوم 3 للعام 2020، واستخدم للمرّة الأولى وبشكلٍ صريح عبارة “حظر حيازة العملات الأجنبية”، إذ جاء في المادة الأولى منه، أنّه “يُحظر التعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري”. وتم في هذا المرسوم تشديد العقوبات على نحوٍ واسع وإضافة مواد قانونية تنص على مصادرة العملات الأجنبية التي يتم تداولها.

الهيمنة على العملة الصعبة

يبدو أن النظام السوري لم يهدف من هذه القوانين إلى تنظيم تدفّق العملة في السوق، أو حتّى حماية الليرة السورية، بل لحفظ حصّة الأسد في كل دولار يدخل إلى سوريا، على ما يوضح الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي.

وقال تركاوي: “كل هذه القوانين كان هدفها حصر بيع الدولار بالمصرف المركزي، وكان النظام يريد أن تحدث عمليات البيع عن طريق المصرف المركزي لثلاثة أهداف”.

الهدف الأول بحسب تركاوي، هو انخفاض قيمة الليرة السورية التي لم تعد مقبولة بالاستيراد وأصبحت الدول الأخرى تطالب حصرًا بالدولار، لافتًا إلى أنّه كان من الصعب تمويل الجيش أو دفع المستحقات للروس أو الإيرانيين إلّا بالدولار، وكذلك الحال بالنسبة الى المواد الغذائية مثل مناقصات الإطعام للجيش وغيرها، التي كانت تُستورد، لأن مؤسسات الدولة لم تعد منتجة.

أما السبب الثاني، فهو معرفة مصادر التمويل وحجمها، وهي معلومة استخباراتية مهمة للنظام السوري، إذ إن الدولار الذي يأتي من الخارج على شكل دعم، كان يصب عند نظام الأسد. ويوضح تركاوي أن إحدى سيارات المصرف المركزي كانت تقف عند مدخل مدينة دوما لتصريف الدولار على الليرة السورية، وبذلك كان النظام يحصل على الدولار وعلى معلومة استخباراتية.

أمّا السبب الثالث، فيكمن في أن النظام كان يعتبر الدولار نفسه تجارة رابحة يجب ألا تخرج من يده، ويشير تركاوي إلى أنّه رصد في عام 2023 عملية تسليم 300 ألف دولار في دمشق قرب فندق الشام، على رغم حظر ذلك قانونيًا، ولكنَّ القانون لم يكن مطبّقًا على المقرّبين من النظام الذين يدفعون له الأموال.

وقال أيضًا: “الخلاصة ممّا كان يفعله النظام السوري، هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال، وعدم السماح بدخول أو خروج أموال إلى سوريا أو من سوريا بدون أن تكون له حصّة فيها، لذلك طوّع قوانين وتهماً عدة لتحقيق هدفه بمشاركة السوريين في أموالهم، مثل قوانين لمنع تداول العملات الأجنبية أو مكافحة وتمويل الإرهاب أو حماية الوطن، وهي كلها قوانين مطوّعة لهدف الأسد”.

مخالفة للدستور السوري

تمثّل القوانين التي سنّها نظام الأسد، وتحديدًا القانون الأخير الذي يمنع امتلاك العملات الأجنبية، تعارضًا مع الدستور السوري الذي سنّه النظام نفسه في عام 2012، وكذلك الأمر تتعارض مع ما قبله من الدساتير.

تقول آلاء يونس، وهي باحثة قانونية مع البرنامج السوري للتطوير القانوني: “من الناحية الشكلية تستطيع أي دولة سنّ قانون وجعله نافذًا، لكن مشروعيته شيء آخر تمامًا”.

وتشرح يونس: “في الحالة السورية، تخالف هذه القوانين الدستور نفسه، ولا سيما ما يتعلق بحرية التصرّف بالأموال وحرية التعاقد، كما أنها لم تصدر عن سلطة تشريعية مستقلة أو ضمن إطار يضمن الضرورة والتناسب”،كما لفتت إلى أن ما حدث هو استخدام “تشريعات استثنائية” للتضييق على الناس ومعاقبتهم اقتصاديًا.

وتنص المادة 15 من الدستور السوري لعام 2012، على أن “الملكية الخاصة جماعية أو فردية مصانة”، كما تنص المادة على أنه “لا يجوز المصادرة العامة للأموال»، و«لا تُنزع الملكية الخاصة إلا لمنفعة عامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون”.

وترى يونس، أنه إلى جانب إشكاليتها الدستورية، فإن القوانين التي سنّها النظام في ما يخص تداول العملات الأجنبية، تصطدم أيضًا بالتزامات سوريا الدولية، إذ يتيح القانون الدولي تنظيم السوق المالية، لكنه لا يجيز تجريم مجرد حيازة العملة الأجنبية ولا استخدام أجهزة المخابرات للتجسّس على المواطنين.

درج

——————————————-

ما الذي تركه اللواء كفاح ملحم في دفتر أرقام الهاتف بعد فراره؟/ وائل قرصيفي (سراج)

سوريا

09.12.2025

“سراج” تكشف عن خبايا دفتر الهاتف الشخصي لرئيس مكتب الأمن الوطني في نظام الأسد المخلوع، كفاح ملحم.

ليلة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، ومع اقتراب قوات المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام من دمشق، كانت أنباء هروب بشار الأسد – والتي لم يبلَّغ بها حتى شقيقه ماهر بحسب مصادر- بمثابة صفارة إنذار أخيرة لأبرز رجالات النظام للفرار قبل القبض عليهم من جحافل المقاتلين القادمين إلى العاصمة.

تتضارب الروايات حول مصير كبار قيادات الجيش وفروع الأمن في سوريا، فمنهم من يشاع أنه هرب إلى روسيا، فيما تتداول مصادر أخرى أن كثراً منهم مختفون في العراق ولبنان. في المقابل، تتفق المصادر جميعها على الخوف الذي عصف بالكتلة الصلبة للنظام ليلة سقوطه، الخوف الذي دفع بأحد أكبر قادة  نظام الأسد، اللواء كفاح ملحم، الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية، ومدير مكتب الأمن الوطني لغاية سقوط النظام خلفاً للواء علي مملوك، الى مغادرة مكتبه والهرب تاركاً وراءه وثائق وأوراق كثيرة، بينها وثيقة خاصة جداً،هي “دفتر هاتفه الشخصي” الذي كان من الوثائق المهمة التي عاينها فريق التحقيق في الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج ضمن المشروع الاستقصائي الدولي “ملفات دمشق”.

و”ملفات دمشق” هو مشروع تحقيقات استقصائية تشاركي يديره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون مع هيئة البث العامة الألمانية NDR، ويضم  صحافيين من مختلف أنحاء العالم، لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة وحشيةً في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

أمضى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وNDR والوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، و126 صحافياً من 26 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

ويكشف مشروع “ملفات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد وصلاته بحكومات أجنبية ومنظمات دولية. ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملف مكتوبة غالباً باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات.

تمتد هذه الوثائق على مدى أكثر من ثلاثة عقود، من عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتعود أصولها إلى مخابرات سلاح الجو وإدارة المخابرات العامة في سوريا.

وقد فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيتين عقوبات واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل المواد مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف آليات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا.

كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من ضباط  المخابرات السورية وعناصرها السابقين.

بحسب تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، فإن كفاح ملحم يقيم اليوم في روسيا، رفقة عدد من كبار ضباط الجيش والمخابرات. ومن البديهي بمكان القول إن علاقات ملحم تمتد رأسياً وأفقياً على امتداد توسّع أذرع النظام في سوريا. إلا أن الدفتر الشخصي الذي تركه وراءه كان فرصة لفريق “سراج” الذي اطلع على صفحاته الصفراء، لمعرفة جانب من خبايا تواصلات أحد كبار مجرمي الحرب في النظام السوري.

من هو اللواء كفاح ملحم؟

ينحدر من قرية جنينة رسلان بريف محافظة طرطوس، حيث ولد عام 1961. بدأ عمله العسكري في قوات الحرس الجمهوري قبل أن ينتقل للعمل في المخابرات العسكرية في عام 1994. وتدرج في الرتب والمناصب إلى أن أصبح، عشية الثورة، رئيساً لفرع التحقيق 248 سيئ الصيت في منطقة كفرسوسة في دمشق، والذي يتبع لقيادة المخابرات العسكرية (الأمن العسكري).

في عام 2012، ومع اشتداد وتيرة التظاهرات خلال الثورة السورية، عينه بشار الأسد رئيساً لفرع المخابرات العسكرية في حلب ثم اللاذقية، حيث ذاع صيته بسبب دوره في قمع التظاهرات وتعذيب المعتقلين، بحسب تقارير حقوقية من بينها تلك الصادرة عن”هيومن رايتس ووتش”. فيما تشير تقارير أخرى إلى أنه عمل مع هلال الأسد -الذي قُتل عام 2014- على تجنيد الشبيحة وتسليحهم لقمع التظاهرات في المحافظتين.

هذا الولاء المطلق للنظام والسجل الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان كانا سبباً في تسلمه رئاسة فرع المعلومات (الفرع 294)، إلى أن عينه رئيس النظام المخلوع  بشار الأسد مديراً لشعبة المخابرات العسكرية منذ عام 2019 وحتى بداية العام 2024. هنا توسعت مهام ملحم بالإشراف على عمليات التعذيب والقتل والإعدام خارج القانون، إذ كان له إشراف كبير على الجرائم الواسعة التي ارتُكبت في سجن صيدنايا، ما دفع بالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إلى فرض عقوبات عليه في عام 2020، بسبب دوره في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا.

أدرجت الولايات المتحدة كفاح ملحم على قائمة العقوبات عام 2020 / مصدر الصورة: مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)

في بداية عام 2024، وضمن ما عرّفه مركز جسور للدراسات بأنه “إعادة تشكيل للمنظومة الأمنية”، عيّن بشار الأسد كفاح ملحم مديراً لمكتب الأمن الوطني بعد إعفاء اللواء علي مملوك. وأصدر تعميماً سرياً يربط جميع فروع الأمن بمكتب الأمن الوطني، في ما اعتبره المركز محاولة من الأسد لتقليص سلطة قادة الفروع الأمنية بعدما تراجعت سيطرته عليهم لصالح الروس والإيرانيين، وذلك عبر تعيينه رؤساء فروع أصغر سناً وأكثر ولاء له، في مقدّمهم كان اللواء كفاح ملحم.

بدوره، قال الباحث والكاتب السوري حسام جزماتي إن تعيين ملحم في هذا المنصب كان “نتيجة تراكمية لإثباته ولاء وإخلاصاً للنظام وللمهام الموكلة إليه”، وربط تعيينه بفترة “ارتياح” لدى النظام بداية عام 2024 مع الانفتاح العربي والدولي على الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو ما منحه الثقة بعدم حاجته الى مدير أمن وطني قوي وفاعل بقدر حاجته الى مدير أمن منضبط أشبه ما يكون بـ “سكرتير”.

هرم الهواتف والرتب

لا نعلم بالضبط التواريخ التي بدأ فيها اللواء ملحم تدوين أرقام الهواتف في دفتره الشخصي ومتى انتهى منها قبل هروبه، فما بين سطور هاتفه والرتب الكثيرة التي تسبق الأرقام، نجد شخصيات توفيت بالفعل، وأخرى ترفعت في الرتب ثم هربت مع سقوط النظام، كحال اللواء نفسه، أو لا تزال متوارية عن الأنظار. ويُمكن القول إن الغوص في دفتر اللواء الشخصي هو بمثابة محاولة رسم تشكيل هرمي لتراتبية المخابرات السورية وأجهزتها من رؤساء الأجهزة الأمنية ورؤساء الفروع التابعة لها وإدارة المناطق المختلفة والاختصاصات.

في تدوينه للأرقام، يتبع ملحم نظاماً لا يكاد يحيد عنه. فهو يدوّن الرتبة بداية، ثم اسم الشخص، فالفرع الأمني أو التشكيل العسكري الذي ينتمي إليه، سواء كان تابعاً لقوات النظام السوري أو لقوات أخرى “صديقة” كما كان يحلو للنظام وصف حلفائه الروس والإيرانيين.

نظام تدوين الأسماء والأرقام  لدى ملحم  دقيق، مُصنّف، ويحترم الرتب العسكرية. كما يمنح صاحبه، وهو من كان مدير الأمن الوطني في سوريا، وصولاً سريعاً إلى الأرقام الشخصية وأرقام المكاتب لأكبر المسؤولين الأمنيين في البلاد.

ويعزو جزماتي ذلك إلى تاريخ ملحم في دراسة الهندسة ومن ثم العمل عن قرب مع باسل الأسد، زميله السابق في مدرسة اللاييك وكلية الهندسة، حيث كان ملحم “مرساله إلى رئاسة الوزراء ومسؤولي الدولة”، ما يجعل الوصول إلى أي شخص ورقمه وعنوانه بسرعة ضرورة من ضرورات العمل.

يعج دفتر اللواء ملحم بالرتب الرفيعة في مخابرات الأسد، وفي مقدمها المخابرات العسكرية التي كان رئيساً لها قبل تعيينه في إدارة مكتب الأمن الوطني، فنجد اسم العميد كمال حسن، والذي أصبح لواء في ما بعد وترأس جهاز المخابرات العسكرية خلفاً لملحم نفسه بعد ترقيته قبل الهرب إلى روسيا إبان هروب بشار الأسد. اليوم يمثل اللواء حسن أحد أعمدة التمرد ضد الحكومة السورية الانتقالية، إذ تشير تقارير آخرها تحقيق لوكالة رويترز في 6 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، إلى أن حسن، كما رجل الأعمال المقرب من الأسد رامي مخلوف، ينفقان ملايين الدولارات على تمويل آلاف المقاتلين في الساحل السوري لافتعال تمرد عسكري ضد السلطات السورية.

كما نجد أسماء 8 ألوية في الجيش والمخابرات، وهم: اللواء محمد الرحمون الذي كان رئيساً لإدارة المخابرات الجوية في المنطقة الجنوبية، واللواء وجيه عبد الله الذي كان مديراً للمكتب العسكري في القصر الجمهوري، واللواء أديب سلامة معاون مدير إدارة المخابرات الجوية، واللواء بديع معلا قائد مقر الموحد الساحلي في بانياس، المسؤول عن متابعة العمليات الجوية في المنطقة الساحلية.

ويُعرف معلا بأنه مبتكر فكرة استخدام “الألغام البحرية” لقصف المدنيين في سوريا، كما كان مسؤولاً عن مطار حميميم الذي يضم القاعدة الأكبر لروسيا في سوريا. وهناك اللواء حسن الكردي الذي كان قائداً لإدارة المركبات العسكرية، واللواء مفيد خضور الذي كان رئيساً للفرع 291 في المخابرات العسكرية، واللواء عدنان إسماعيل وهو قائد الفرقة الثالثة في الجيش السوري، والعميد جمال يونس الذي أصبح برتبة لواء، وترأس اللجنة الأمنية والعسكرية في المنطقة الشرقية.

وعلى عكس عادته في تدوين الاسم والمنصب بشكل واضح، سجّل ملحم في دفتره رقماً بعنوان “اللواء مدير الإدارة السياسية” من دون اسم. لكن يرجح أنه يشير إما إلى اللواء عبد الكريم سليمان الذي شغل المنصب ما بين عامي 2004 و2018، أو إلى اللواء حسن حسن الذي شغل المنصب خلفاً لعبد الكريم سليمان.

تحت الألوية، يصنف دفتر اللواء الهارب الكثير من العمداء والعقداء في مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية، في مقدمهم العميد توفيق حيدر مدير مكتب الأمن القومي، الذي حلّ مكانه مكتب الأمن الوطني  بقيادة علي مملوك في عام 2012 عقب تفجير مكتب الأمن القومي في العاصمة دمشق. وهناك العميد غسان إسماعيل نائب مدير إدارة المخابرات الجوية، والعميد شفيق صارم من مرتبات الجيش السوري، والعميد طه حاج طه الذي كان رئيساً لفرع الأمن السياسي في اللاذقية، والعميد عماد محمد الذي كان في سلاح الجو والمخابرات الجوية وتوفي في عام 2019.

يبرز من بين الأسماء العمداء الذين ترأسوا فروع المخابرات والشرطة العسكرية في مختلف المحافظات السورية، والذين عملوا تحت إمرة اللواء ملحم حين كان رئيساً للمخابرات العسكرية حتى بداية العام 2024، وفي مقدمهم العميد سمير نظام الذي كان رئيساً لفرع الشرطة العسكرية في دمشق، والعميد تامر الدخيل الذي كان رئيساً لفرع الأمن العسكري في حلب، والعميد وفيق ناصر الذي كان رئيساً للفرع 256 التابع للمخابرات العسكرية، والعقيد أسامة رئيس الفرع 217 التابع للمخابرات العسكرية في السويداء.

مرة أخرى يخرج اللواء عن عادته في التدوين الواضح للأسماء والأرقام، فنجد الأرقام التالية من دون أسماء: رئيس الفرع 248، ورئيس الفرع 235 والذي يُعرف باسم فرع فلسطين (غالباً محمد خلوف أو ياسين ضاحي)، ورئيس الفرع 237 أو فرع اللاسلكي، وجميعها تتبع لإدارة المخابرات العسكرية.

الرتب الأقل حظاً

فيما ينعم اللواء كفاح ملحم والكثير من رجالات النظام، بمن فيهم بشار الأسد نفسه، بحياة مرفهة في موسكو، يتوارى الكثيرون ممن يردون في دفتر اللواء عن الأنظار خوفاً من المحاسبة، إذ إن بعض الأسماء في دفتره لم تعد أكثر من رتب على ورق؛ فلم يكونوا محظوظين كحال اللواء الهارب.

في الصفحة الخامسة من دفتر اللواء ملحم، نجد اسم العميد علي الصالح، الذي لم يتسنّ له الهروب كحال اللواء ورفاقه، فانتهى به الأمر في قبضة قوات الأمن في الحكومة السورية الجديدة، بحسب ما أوردته قناة العربية في كانون الثاني/ يناير 2025.

كما أعلنت قوات الأمن في الحكومة السورية الانتقالية في نيسان/ أبريل الماضي، عن اعتقال العميد حامد برهوم الذي نجد اسمه في دفتر اللواء ملحم. ونشرت قوات الأمن السورية صوراً للعميد برهوم بعد اعتقاله إثر كمين، إذ تم توقيفه مع عناصر تابعين للنظام الساقط وبحوزته سلاح من نوع كلاشينكوف.

أما العميد حبيب صافيا الذي كان رئيس جهاز الشرطة العسكرية في حلب، فقد لقي مصرعه في حادث سير على طريق دمشق في العام 2019 وسط تكهنات حول “حادث مدبر” من النظام ضمن صراعات على النفوذ في الأجهزة الأمنية.

الأصدقاء متعدّدو الجنسيات

دأب النظام السوري منذ بداية تدخّل حلفائه لصالحه مع اشتداد عود الثورة السورية، على استعمال مصطلح “الأصدقاء” للإشارة الى حلفائه العسكريين، خصوصاً إبان التدخل الروسي الذي قلب موازين المعارك لمصلحة النظام لفترة طويلة قبل سقوطه. لكن الأصدقاء كانوا روساً أحياناً وإيرانيين في أحيان أخرى، وانضمت دول مثل الصين ودول غير معترف بها مثل أبخازيا الى حلف “الأصدقاء”، والذين كانوا “أشقاء” لدى بعض المغالين من أنصار الأسد.

ولا يغيب ذكر الأصدقاء الروس والإيرانيين من دفتر هواتف اللواء كفاح ملحم. إذ نجد أسماء متفرقة لمترجمين روسيين وإيرانيين، وأسماء ضباط مثل “الرائد يوري” الذي يرد في مكان آخر باسم “العقيد يوري”، والمقدم الروسي “ادكار”. كما يدون اللواء رقماً للواء روسي يحمل اسم “بلال” يبدو أنه يمارس نشاطاته في القامشلي.

حضور الأصدقاء أو “الأشقاء” الإيرانيين يبدو أكثر فجاجة في صفحات اللواء. إذ نجد رقماً للحاج عامر الحيدري أو “قائد لواء زين العابدين” كما يصفه ملحم، وهو ميليشيا عسكرية تأسست في محافظة دير الزور بدعم من إيران وحزب الله. وكذلك رقم محمد السعيد قائد لواء القدس، وهو ميليشيا فلسطينية – سورية تأسست في مدينة حلب عام 2013، وتشير مصادر عدة إلى تلقّيها دعماً مالياً ولوجستياً من الحرس الثوري الإيراني.

علاوة على أسماء القادة العسكريين التابعين لميليشيات بولاءات مختلفة، يبرز اسم ورقم اللواء جميل السيد الذي يصفه الكثيرون بأنه “رجل النظام السوري في لبنان”، إذ كان مديراً للأمن العام. واعتُقل سابقاً على خلفية التحقيقات في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري قبل أن يُفرج عنه بعد سنوات.

ولا ينسى اللواء أصدقاءه ومواطنيه السوريين كذلك، فنجد اسم راجي فلحوط الذي أسس في السويداء ميليشيا الفجر التي كانت مدعومة من فرع المخابرات العسكرية الذي قاده ملحم لسنوات عدة. وقد انتهى الأمر بفلحوط مجهول المصير بعد معارك مع تشكيلات عسكرية أخرى في المحافظة في تموز/ يوليو 2022 انتهت بالقضاء على ميليشياته و”فقدان الاتصال به”.

اللواء الأخطبوط

تكشف مئات الأسماء والأرقام المدونة بخط يد اللواء ملحم عن تشعب علاقاته وقوته، ليس فقط ضمن الدوائر العسكرية والاستخباراتية في سوريا، بل تمتد إلى مختلف المؤسسات المدنية والطبية والإعلامية ورجال المال وحتى شخصيات “المعارضة”.

في قمة أرقام اللواء ملحم، نجد أسماء لحيتان الاقتصاد السوري في عهد نظام الأسد، وهم رامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد وصاحب الإمبراطورية الاقتصادية الأضخم في سوريا – والتي تقلصت في وقت لاحق بعد إبعاده لمصلحة أسماء الأسد- وأبو سليم دعبول الذي كان مديراً لمكتب رئاسة الجمهورية في عهد الأسدين الأب والابن وواحداً من أثرى رجال الأعمال في البلاد، وحسام قاطرجي أحد أشهر أذرع النظام الاقتصادية والخاضع لعقوبات دولية بسبب نشاطاته الاقتصادية المشبوهة.

للمؤسسات الحكومية غير العسكرية حصتها أيضاً في دفتر اللواء ملحم، فنجد أرقاماً للكثير من الوزارات والوزراء، لعل أبرزها وزير شؤون رئاسة الجمهورية منصور عزام الذي تؤكد تقارير صحافية أنه كان على متن الطائرة الشخصية التي نقلت رئيس النظام المخلوع بشار الأسد إلى موسكو. كما نجد رقماً لـ “رئيس الحكومة” من دون اسم، يشير إلى رقم اتصال داخلي. ولعل شخصاً بمرتبة لواء لا يهتم كثيراً لاسم رئيس الوزراء بل للموقع بحد ذاته. ويتكرر الحال مع رقم مفتي الجمهورية المدون من دون اسم، علماً أن آخر من شغل هذا المنصب حتى إلغائه عام 2021 كان الشيخ بدر الدين حسون، والذي اعتُقل عقب سقوط نظام الأسد، وظهر في فيديو بثته وزارة العدل السورية أمام قاضي التحقيق.

تمتد أذرع اللواء ملحم إلى مجموعات وأفراد عُرفوا لسنوات باسم “المعارضة الداخلية”، أو ما كان يحلو للنظام تسميته “المعارضة تحت سقف الوطن”.

إذ نجد رقماً للتواصل مع المعارض علاء عرفات، والذي كان عضواً في هيئة التفاوض السورية ومنصة موسكو. ويبدو أن اللواء يعتبره ممثلاً للمعارض قدري جميل الذي يضع اسمه بين قوسين إلى جانب اسم عرفات. ويتكرر في الصفحة نفسه تدوين رقم المعارض محمد سيد رصاص ممثلاً، في ما يبدو، للمعارض حسن عبد العظيم، وكلاهما عضوان في الحزب الشيوعي وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، ما يفتح السؤال حول طبيعة العلاقة بين مدير الأمن الوطني في نظام الأسد وبعض رموز المعارضة السورية.

في رده على أسئلة “سراج”، قال رصاص إنه لا يعلم سبب ورود رقمه في هاتف اللواء ملحم، مؤكداً عدم حصول أي تواصل مسبق على الإطلاق، وأوضح أنه ممنوع من السفر بأمر صادر من مكتب الأمن القومي منذ عام 2008، وهذا هو المكتب الذي ترأسه ملحم لاحقاً بعد تغييره ليصبح مكتب الأمن الوطني.

كما أمضى رصاص 15 عاماً في السجن بين عامي 1980 و1995 بعد محاكمته أمام محكمة أمن الدولة بسبب انضمامه الى الحزب الشيوعي.

في زحمة الأرقام والرتب العسكرية والاستخباراتية والسياسية، نجد أرقاماً لمهنيين وآخرين لا بد منهم حتى في حياة لواء متهم بجرائم حرب. فنجد رقماً لعامل صحية وحلاق، ورقماً لـ “أبو شاكر هجرة وجوازات”، الدائرة المدنية التي كان السوريون يعانون من الوقوف فيها لساعات طويلة للحصول على وثائق السفر، ويحتاج فيها مسؤول بحجم مدير الأمن الوطني الى رقم هاتف أحدهم لتسريع العمليات لمقربيه.

درج

———————————

تحقيق “ملفات دمشق” يثير جدلاً في سورية حول حقوق الضحايا/ عدنان علي

05 ديسمبر 2025

أعلنت المؤسّسة المستقلة للمفقودين في سورية، أنها تتابع من كثب ما ورد في التحقيق الاستقصائي الدولي “ملفات دمشق”، الذي كشف عن تفاصيل جديدة حول نظام القتل الممنهج الذي كان يتبعه النظام السوري السابق بحق المعتقلين في سجونه، استناداً إلى أكثر من 134 ألف وثيقة استخبارية سرية، مشدّدة على أن إبلاغ العائلات مباشرةً يشكّل “أولوية قصوى”.

وقالت المؤسسة في بيان الجمعة، إنها تلقّت خلال الأيام الماضية تواصلاً واسعاً من عائلات المفقودين التي تبحث منذ سنوات عن أي معلومة حول مصير أبنائها، مؤكدة أنها تدرك “الأثر العاطفي العميق” لمثل هذه التقارير، والقلق الذي تسببه احتمالية معرفة ذويهم للمصير عبر الإنترنت بطريقة “لا تراعي كرامتهم وحقّهم في اتخاذ القرار”.

وأضافت أن المعلومات التي تتلقاها تأتي من مصادر متعددة، بينها العائلات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، وأن جميع هذه المواد تقدم طوعاً بهدف توضيح مصير المفقودين وتقديم الدعم للعائلات. وأوضحت أن كل المعلومات تخضع لعملية تحقق وتحليل دقيقة، وغالباً ما تحتاج إلى عناصر إضافية قبل التوصل إلى نتائج موثوقة وقابلة للبناء عليها. وذكرت أن إبلاغ العائلات مباشرة هو “الأولوية القصوى” بمجرد توفر وضوح كاف حول النتائج. وأكدت أهمية التعاون مع اللجنة الوطنية للمفقودين التي أنشئت حديثاً لقيادة الجهود الوطنية المتعلقة بهذا الملف، معتبرة أن التنسيق بين الجهات الأممية والوطنية عنصر أساسي لمعالجة القضية منهجياً.

ولفتت المؤسسة إلى أنها تتعامل مع البيانات المتعلقة بالأشخاص المعرّفين أو القابلين للتعرف إليهم بأعلى درجات السرية، ووفق قواعد الأمم المتحدة لحماية البيانات والخصوصية والأمان، مشيرة إلى أن أي معلومات ترد إليها من وسائل الإعلام تخضع للإجراءات نفسها ولا تُنشر أو تُناقش في منصات عامة. وقالت إنها لا تكشف ولا تناقش أي تفاصيل خاصة بالمفقودين عبر المنصات العامة أو وسائل الإعلام، بما في ذلك المعلومات الواردة مؤخراً في التقارير المتداولة، مؤكدة أنها لم تكن طرفاً في إعداد التحقيق الاستقصائي “ملفات دمشق”. وحذّرت المؤسسة المستقلة للمفقودين من أن المعلومات يجب ألّا تستخدم بطريقة تعيد إيذاء العائلات أو تضر بها، وأن أي نتائج أو استنتاجات يجب أن تُقدم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم.

وكان تحقيق استقصائي نشرته وسائل إعلام دولية كشف عن نظام قتل ممنهج نفّذه النظام المخلوع في حق المعتقلين في سجونه، استناداً إلى أكثر من 134 ألف وثيقة استخبارية سرية. واعتمد التحقيق على وثائق حصلت عليها هيئة الإذاعة الألمانية وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، ملاحظاً آليات عمل أجهزة الأمن السورية وعلاقاتها مع حكومات أجنبية ومنظمات دولية.

وأظهرت الوثائق والصور، التي التقطها مصورون عسكريون، جثث معتقلين مرقمة ومصنفة، بعضها عار ويظهر عليه آثار تجويع وتعذيب، كما تشير الوثائق إلى تنسيق بين أجهزة الأمن السورية وحلفائها، مثل روسيا وإيران، إضافة إلى ارتباطات مالية مع شركات أمنية موالية لنظام الأسد تلقت أكثر من 11 مليون دولار من وكالات تابعة للأمم المتحدة.

وكانت وزارة العدل السورية حذّرت في بيان لها أمس من قيام بعض وسائل الإعلام والمنصّات الإلكترونية بـ”نشر عشوائي لوثائق وصور ومعلومات تتعلق بضحايا انتهاكات جسيمة وتعذيب خلال حقبة النظام المخلوع”، مؤكدة أن هذا النشر “يتعارض مع حقوق الضحايا ويمس مشاعر ذويهم”.

وأضاف البيان تعليقاً على التحقيق الاستقصائي الذي حمل عنوان “ملفات دمشق”، إن المواد المتداولة “مسربة وجُمعت بطرق متباينة ولا تراعي الضوابط القانونية والأخلاقية”، مشيرة إلى مخاوف من استغلالها في “عمليات ابتزاز أو متاجرة” تعد انتهاكاً لكرامة الضحايا وقضيتهم.

ودعت وزارة العدل المنظمات والأفراد والجهات التي بحوزتها وثائق أو صور أو بيانات متعلقة بضحايا الانتهاكات إلى تسليمها للجهات الرسمية المختصة، سواء وزارة العدل أو الهيئات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، لضمها إلى الملفات قيد الدراسة ضمن إجراءات قانونية تضمن صون كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم، وحماية الأدلة من العبث، وتوثيقها وفق الأطر المعتمدة إبلاغ ذوي الضحايا بالطرق الرسمية والإنسانية اللائقة، مع تخليد ذكراهم بوسائل تراعي القيم الأخلاقية والإنسانية.

وأكد بيان الوزارة أن السلطات السورية ستلاحق كل من يخرق الأنظمة والقوانين أو يتاجر بآلام الضحايا أو يستغل قضيتهم لأغراض غير مشروعة. وشددت على التزامها بمبادئ سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية على أسس مؤسسية راسخة.

من جهته، اعتبر الباحث السوري أحمد أبازيد أن الملفات لم تُظهر الصور أو الأسماء،  باستثناء قسم قليل تواصلت مع عوائلهم، وهو أمر إيجابي. ولفت في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن نشر التحقيقات الاستقصائية اعتماداً على مستندات توفرت لمؤسسات صحافية وحقوقية من دون كشف صور أو أسماء، لا يعد انتهاكاً لخصوصية المعتقلين أو الملف، وهو جزء من عمل هذه المؤسسات، ومساهمة فاعلة في كشف مملكة الرعب لدى النظام السابق.

ولفت إلى أن معظم التحقيقات السابقة كانت نتيجة بيع الفيديوهات والوثائق من المصادر قبل سقوط النظام، أو لإخلاء المسؤولية بعد سقوط النظام، باستثناء ملف قيصر الذي كان من الحالات القليلة للتسريب الذي ترافق مع انشقاق وعمل ثوري. واعتبر أن المسؤولية تقع على الجهات الرسمية التي لديها هذه الملفات والصور وغيرها منذ سقوط النظام أو بعده بقليل، في أن تتقدم في مسار كشف الحقيقة وإبلاغ العوائل بالحقائق الأولى على الأقل عن وفاة أبنائها حتى التحقيق في كل التفاصيل المتبقية، لافتاً إلى تأخر غير مبرّر لعام كامل، أنجزت فيه مؤسساتٌ خاصة من كشف المقابر والتحقيق في الوثائق ما لم تنجزه الجهات الرسمية.

العربي الجديد

————————————–

منظمات تنفي مشاركتها في “ملفات دمشق” بينها “المؤسسة المستقلة” المعنية بالمفقودين

نفت عدة مؤسسات حقوقية معنية بالشأن السوري، مشاركتها في تحقيق “ملفات دمشق” الذي كشف عن وثائق تضم أكثر من 134 ألف سجل أمني واستخباراتي سوري حصلت عليها القناة الألمانية (NDR) وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) و24 مؤسسة إعلامية.

وأحدث كشف الوثائق وأسماء المعتقلين، جدلًا على مواقع على التواصل الاجتماعي، حول أخلاقيات التعامل مع هذه الوثائق، خصوصًا أن ملف المفقودين والمعتقلين، من الملفات عالية الحساسية في سوريا.

وقال معدو التحقيق الذي نُشر أمس 4 من كانون الاول ، إنه عند ظهور أسماء المعتقلين، شاركت (NDR) المعلومات مع ثلاث جهات لمساعدة العائلات في التعرف على أقاربهم المفقودين: “المؤسسة المستقلة للأمم المتحدة لشؤون المفقودين في سوريا” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”تعافي”، وهي مبادرة تدعم ناجين من الاعتقال والتعذيب، إلا أن تلك المؤسسات نفت لاحقًا.

وتتكوّن “ملفات دمشق” من مجموعتي بيانات تسلمتهما “NDR” في عام 2025 من مصدرين مختلفين.

المصدر الأساسي للصور كان رئيس “وحدة حفظ الأدلة” في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامي 2020 و2024، والذي قام بنسخ الملفات إلى قرص صلب ثم تأمينه خلال فترة الثورة، بهدف فضح جرائم النظام، بحسب قوله، ووصلت البيانات إلى “NDR” عبر وسطاء.

الهيئة الوطنية: التسريب دون موافقة مخالف للقانون

الهيئة “الوطنية للمفقودين”، أكدت في بيان نشرته اليوم 5 من كانون الأول، أنّ الوثائق والسجلات المتعلقة بالاعتقال والاختفاء القسري ومصير المفقودين هي جزء من الأرشيف الوطني السوري، الذي يخص الشعب السوري بأكمله، وعليه، يجب أن تُدار بشكل حصري وفق أطر قانونية ومؤسسية وطنية واضحة.

وذكرت الهيئة بأنّ تسريب أو نشر وثائق رسمية أو صور للضحايا دون موافقة الجهات المختصة يُعدّ مخالفة للقانون، ويُعرّض الضحايا وذويهم للأذى، ويُربك مسارات العدالة.

و حتى تاريخ إصدار هذا البيان، لم تتسلم الهيئة أية ملفات إضافية مرتبطة بما تداولته وسائل الإعلام مؤخرًا، ولم يصلها سوى جزء محدود من المواد الرقمية،بالتالي وفق الهيئة لا يمكن للهيئة اعتماد ما يُنشر في الإعلام لتحديد مصير أي شخص، ولا يصدر أي إعلان رسمي بخصوص مصير المفقودين إلا بعد اكتمال الإجراءات الفنية والقانونية داخل الهيئة.

“المستقلة”: لم نشارك بالتحقيق

وقالت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التابعة للأمم المتحدة،في بيان نشرته مساء أمس 4 من كانون الأول، إن المؤسسة المستقلة ليست ولم تكن جزءًا من إعداد التقرير أو التحقيق الأخير الذي يتم تداوله.

وأشارت المؤسسة، إلى أهمية التعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين التي تم إنشاؤها لقيادة الجهود الوطنية بشأن هذه القضية الحيوية للبلاد.

ولا تقوم المؤسسة، بحسب البيان، بالكشف عن أي معلومات شخصية أو خاصة بملفات المفقودين أو مناقشتها عبر المنصات العامة أو وسائل الإعلام أو المصادر المفتوحة، وهذا يشمل التقارير الأخيرة المتداولة.

وأكدت المؤسسة، أن المعلومات يجب ألا تُستخدم أبدًا بطريقة تؤدي إلى إعادة إيذاء العائلات أو الإضرار بها، ونشدد على أن أي نتائج يجب أن تحترم كرامتهم وحقوقهم.

“المركز السوري”:  الصور وصلتنا ولم نشاركها

المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير، أصدر بيانًا توضيحيًا عقب نشر التحقيق، قال فيه إن الصور المشار إليها في تقرير الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين لم يتم الحصول عليها من قبل المركز، ولا تربطه أي علاقة بالتحقيق المنشور.

وأشار المركز إلى أنه حصل على مجموعة من الصور المُسرّبة بعد سقوط النظام مباشرة عبر المعتقل السياسي السابق منصور المنصور، الذي استلمها بدوره من ضابط في الشرطة العسكرية. وقد وصلت هذه الصور إلى المركز في سياق عمله كإحدى المنظمات السورية التي اضطلعت بدور محوري في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجهود المساءلة.

وأجرى المركز تحليلًا أوليًا لهذه الصور، تمكن خلاله من تحديد هوية حوالي 1,900 ضحية بالاسم، حيث أطلع المركز “الهيئة الوطنية للمفقودين” على النتائج الأولية للتحليل في إطار التنسيق المهني العام بين الجهات السورية العاملة في هذا المجال.

ومن أبرز المعلومات المتعلقة بالصور الموجودة لدى المركز:

    العدد الإجمالي للصور: 23,281 صورة.

    يوجد حوالي ثلاث صور لكل ضحية في المتوسط.

    عدد الضحايا الذين تظهر صورهم: 7,437 ضحية.

    الغالبية من الذكور، مع وجود صورة واحدة لامرأة.

    تعود أغلبية الصور للفترة بين حزيران 2015 وكانون الأول 2019.

    يوجد عدد محدود من الصور تعود لعامي 2013 و2012، ولا توجد أي صور من عام 2014.

“تعافي”: لا نملك صورًا أو مستندات

أحمد حلمي، مدير مبادرة “تعافي” خرج بفيديو مسجل يوضح فيه، أنه ليس لدى المبادرة صور أوز مستندات تتعلق بما نشرته “ملفات دمشق”.

وقال: لقد تواصلت معنا الجهة التي قامت بالتحقيق الصحفي منذ ما يقارب الشهر وسألونا عن الطريقة التي يمكننا، كمبادرة تعافي، أن نساعد بها ضمن إطار التحقيق الصحفي الذي لم نكن نعرف عنه أي معلومات قبل هذا التواصل، مشيرًا إلى أن أولوية المبادرة هي ضمان عدم نشر صور قاسية وقوائم أسماء بشكل عشوائي على الإنترنت، احتراماً لكرامة ومشاعر الأهالي.

كما يجب بحسب حلمي، مشاركة كل ما لديهم مع الجهات المختصة المسؤولة.

وأضاف: هذه الجهة شاركت معنا جدولًا محدودًا جدًا يضم مجموعة من الأسماء، وبعض المعلومات غير الكاملة وغير الكافية لمعرفة مصير أي أحد، وغير كافية حتى للبدء بالتواصل مع أهالي الأسماء الموجودة في هذه الملفات.

“الشبكة السورية”: وصلتنا جداول بيانات فقط

فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قال في منشور له على صفحته على “فيسبوك“، إن الشبكة لم  تتسلم أي صور أو وثائق مرتبطة بما يُعرف بـ”ملفات دمشق”،  مضيفًا بل وصلتنا فقط جداول بيانات (ملفات إكسل) تتضمن معطيات أولية عن قرابة 1500 شخص الغالبية العظمى منها مسجلة لدينا.

وأضاف: نتوجّه بالشكر لكل من شاركنا معلومات أو بيانات وساهم في دعم جهود التوثيق.

وعن طريقة تعامل الشبكة مع هذه المواد، قال عبد الغني، من حيث التحقّق والتحليل والنشر وسائر المراحل ذات الصلة، فهي تخضع لمعايير حقوقية ومهنية دقيقة.

وتابع: لم ننشر في أي وقت مضى، ولن ننشر مستقبلًا، أي بيانات أو أسماء أو صور من دون موافقة من الأهالي، كما نتّبع سياسة واضحة في إبلاغ ذوي الضحايا عبر جلسات تواصل تدريجية، ونحرص على أن تكون المعلومات دقيقة وموثَّقة، إضافة إلى ذلك، نخضع كل ما يَرِد إلينا من معلومات أو مواد لعملية تحقّق جديدة.

وزارة العدل تحذر

أصدرت وزارة العدل السورية، أمس 4 من كانون الأول بيانًا حول نشر بعض وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية وثائق وصورًا ومعلومات تتعلق بضحايا تعرضوا لانتهاكات وتعذيب خلال عهد النظام السابق.

وأوضحت العدل أن هذه المواد مسربة وجمعت بطرق غير قانونية، ولا تراعي الضوابط القانونية والأخلاقية اللازمة.

وأشارت الوزارة إلى أن النشر العشوائي لهذه الوثائق والصور يتعارض مع حق الضحايا ويمس مشاعر ذويهم، محذرة من استغلال بعض الجهات لهذه المواد في عمليات ابتزاز ومتاجرة لا تمت للقيم الإنسانية بصلة، بحسب تعبيرها، وتشكل انتهاكًا لكرامة الضحايا وأسرهم.

وشددت الوزارة على ثلاثة مبادئ رئيسة في هذا السياق، هي صون كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم، وحماية الأدلة وعدم العبث بها، وتوثيقها ضمن الأطر المعتمدة.

96 ألف مختفٍ قسرًا

يبلغ عدد المختفين قسرًا في سجون نظام الأسد منذ آذار 2011 حتى آب 2025، 96,321 شخصًا، بينهم 2329 طفلًا و5742 سيدة (أنثى بالغة)، بحسب بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.

وقدّرت “الشبكة السورية” أعداد المعتقلين المفرج عنهم من سجون النظام بعد سيطرة المعارضة على المدن بنحو 29 ألف معتقل ومختفٍ قسرًا، بينهم مئات الأطفال والنساء، وهو رقم يشمل من كان معتقلًا بسبب ارتكابه جرمًا جنائيًا والمختفين قسريًا.

ولا توجد إحصائية بعد المختفين قسرًا الذين أفرج عنهم، أو تقدير لعدد المختفين قسرًا من مجموع المفرج عنهم من مختلف السجون، الذين سجنوا لأسباب جنائية مثلًا.

توثيق “الشبكة السورية” يمكن ألا يكون شمل جميع المختفين قسرًا في معتقلات النظام.

عنب بلدي

———————————

صور ووثائق جديدة توثّق مقتل 10 آلاف معتقل تحت التعذيب في سورية/ حسام رستم

04 ديسمبر 2025

في واحد من أخطر التسريبات التي خرجت من داخل المؤسسات الأمنية السورية منذ بدء الثورة عام 2011، كشف فريق التحقيق السويدي “Uppdrag granskning”، بالتعاون مع الشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية (ICIJ) والقناة الألمانية NDR، اليوم الخميس، عن أرشيف ضخم يضم أكثر من 70 ألف صورة توثّق وفاة 10,212 معتقلاً داخل سجون النظام السوري المخلوع، بين عامي 2015 و2024.

وتُعرف هذه الوثائق اليوم باسم “ملف دمشق”، ونُشرت حصرياً بالتزامن مع مؤسسات إعلامية عالمية كبرى، من بينها صحيفة “واشنطن بوست”، و”لوموند”، و”إل باييس”، و”زود دويتشه تسايتونغ”، إضافة إلى منصات إعلامية في السويد.

وتضم الملفات المسربة صوراً لجثث معتقلين، وتقارير رسمية عن الوفيات، وملفات بيانات شخصية، ووثائق تحقيق وتعذيب، فضلاً عن مراسلات داخلية بين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام المخلوع، وشهادات وفاة، وتقارير مراقبة السجناء. وتعود معظم الوثائق إلى أجهزة الشرطة العسكرية، والأمن العسكري، ومخابرات أمن الدولة، وجهاز الاستخبارات الجوية، وسجن صيدنايا العسكري، ومستشفى حرستا العسكري.

ويظهر القسم الأول من التسريب، الذي جاء من ضابط سابق في الشرطة العسكرية، صوراً لـ10,212 معتقلاً قضوا نتيجة التعذيب أو التجويع أو الإعدام. وتُظهر الصور جثثاً عارية أو شبه عارية، وأجساداً هزيلة بشكل غير طبيعي، وآثار كدمات، وحروق، وأدوات قطع، وأرقاماً مكتوبة على الجسد أو موضوعة على أوراق بجانبه، إضافة إلى مجموعات جثث في ممرات ومشارف المستشفيات العسكرية.

وبحسب التحقيق، التُقطت هذه الصور في اللحظات الأخيرة قبل نقل الجثث إلى أماكن الدفن الجماعي، وتعدّ جزءاً من “البيروقراطية الأمنية” للنظام السابق المخلوع. ويحتوي القسم الثاني من التحقيق على بيانات شخصية مفصلة، وتواريخ دخول وخروج (وفاة) المعتقلين، وسجلات تعذيب داخل الزنازين، وأسماء المحققين والضباط، وأوامر تنفيذ الإعدامات، وتقارير نقل الجثث.

كما تُظهر الوثائق نظاماً إدارياً محكماً وثّق عمليات القتل بطرق منهجية، ما يرفع مستوى الأدلة من “شهادات” إلى إثباتات رسمية مسرّبة، بحسب التحقيق. ووصف الناجي السوري عمر الشغري، الذي تعرّض للاعتقال والتعذيب قبل أن يهرب ويستقرّ في السويد، التسريب بأنه “الدليل الذي انتظرته العائلات سنوات”. وقال الشغري، وفق ما نقل عنه التلفزيون السويدي “SVT”: “كل بيت في سورية فقد شخصاً. كل أم تنتظر ابنها. هذا التسريب ليس مجرد صور، إنه محاسبة حقيقية”.

وقالت المدعية العامة السويدية المختصة بجرائم الحرب، ريتا ديفغون، إن “حجم هذه الجرائم وتوثيقها يدل على نمط واسع ومنهجي. هذا النوع من الأدلة قابل للاستخدام في محاكمات دولية مستقبلية”. وأكد القائمون على التحقيق أنهم سلّموا قوائم أسماء محددة إلى وكالة الأمم المتحدة للمفقودين (IIMP)، وثلاث منظمات حقوقية دولية، للمساعدة في عملية التعرف إلى المفقودين.

وعلى الرغم من مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال نحو 160 ألف سوري في عداد المفقودين. ولم تتلق آلاف العائلات السورية أي إجابة حول مصير أبنائها الذين اعتُقلوا خلال سنوات الاحتجاجات وما بعدها. وطوال هذه السنوات، أنكر النظام المخلوع تنفيذ عمليات قتل أو تعذيب منهجي بحق المعتقلين، قبل أن تظهر صور “قيصر”، واليوم “ملف دمشق”، لتكشف حجم الجرائم التي ظلّت خلف الجدران المعزولة للسجون والأفرع الأمنية.

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، إن الوثائق تشكل مجموعة أدلة جديدة إضافية، جرى تحليلها، ومن خلالها جرى الحصول على أسماء معتقلين قُتلوا تحت التعذيب، وبيانات لمتورطين في عمليات القتل. وأضاف أن الشبكة السورية حصلت أيضاً على كمّ كبير من الوثائق التي توثّق آلافاً من حالات الاعتقال القسري، التي تعزز البيانات وتساهم في مسار كشف الحقيقة والمحاسبة.

وأكد عبد الغني أن الوثائق التي أُعلن عنها اليوم يمكن أن تستفيد منها المؤسسات الحقوقية والوطنية، وهي تؤكد أيضاً ما كشفته الشبكة طوال سنوات من أن عمليات التعذيب في سجون النظام المخلوع ممنهجة وواسعة النطاق.

العربي الجديد

——————————–

قيصر يلمح لـ”ملف دمشق”: ظاهرة مخزية

تسريب آلاف الصور تظهر فظاعات ارتكبت بحق المعتقلين في سجون النظام السابق

الرياض – العربية.نت

05 ديسمبر ,2025

علّق المساعد أول فريد المذهان، المعروف بلقب “قيصر”، نظراً لأنه سرب آلاف الوثائق من أقبية الأفرع الأمنية التابعة لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ما دفع لفرض عقوبات أميركية قاسية عام 2019 على ما بات يعرف بـ”ملف دمشق”.

“ظاهرة مؤلمة ومخزية”

فعلى مدى الساعات الماضية، انشغل العديد من السوريين على مواقع التواصل بتسريب آلاف الصور التي تظهر مرة أخرى الفظاعات التي كانت ترتكب بحق المعتقلين في سجون النظام السابق، حيث وثق أرشيف ضخم، قد يفوق أرشيف ملف “قيصر”، أكثر من 70 ألف صورة التقطها مصورو الشرطة العسكرية السورية لتوثيق الوفيات في السجون، معظمها بين عامي 2015 وحتى سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي (2024).

ووضع المذهان كلامه برسم وزارة العدل السورية، والهيئة الوطنية للمفقودين، متحدثاً عن ظاهرة مؤلمة ومخزية انتشرت منذ سقوط النظام.

كما قال إنه رغم الامتنان والتقدير لجهود وعمل بعض المؤسسات الإعلامية والمنظمات الإنسانية والحقوقية التي لا شك في نزاهتها في إظهار الحقيقة، لكن تسريب معلومات ووثائق يُروج لها على أنها بطولات لأشخاص كانوا يعملون في أجهزة نظام الأسد من أطباء وضباط وعناصر أمنيين وعسكريين أمر غير مقبول.

وتابع أن الادعاء كذباً أن المسربين عملوا وجندوا خلال سنوات الثورة لصالح جهات ومنظمات حقوقية وإنسانية وإعلامية دولية، ومنحهم صفات مثل “الشجعان” و”منشقِّين”، أمر خاطئ، وذلك لأنهم في الحقيقة لم ينشقوا يوماً كما يزعمون، بل ظلّوا أوفياء لآلة القتل طوال سنوات الثورة، بحسب تعبيره.

أيضاً رأى أن منهم من بقي يمارس “أفعالاً إجرامية” حتى يوم السقوط وهروب الأسد، ثم قرروا ركوب الموجة حاملين معهم آلاف الوثائق والمستندات والصور.

واتهمهم بأنهم لم يحملوا تلك الوثائق والصور نصرة لقضية المعتقلين أو خدمة للعدالة، بل عرضوها في سوق السياسة والإعلام للمقايضة لمنحهم اللجوء الى إحدى الدول الغربية ليعيشوا بسلام وأمان رغم إجرامهم ودمويتهم، بحسب تعبيره.

إلى ذلك، طالب المذهان أن تعمل الحكومة على تنسيق وثيق مع المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية الدولية، بحيث لا يصدر أي تصريح أو معلومة أو تسريب يتعلق بهذه الملفات إلا عبر التنسيق والتعاون الوثيق مع وزارة العدل والهيئة الوطنية للمفقودين، موضحاً أن ذلك يأتي حرصاً على تحري الحقيقة أولاً، وصوناً لمشاعر أهالي المفقودين.

توثيق النظام بنفسه عبر الأمن والشرطة للفظائع

يذكر أن ما بات يعرف بـ”ملف دمشق” وصل عبر قرص مدمج إلى فريق من الصحافيين من إذاعة شمال ألمانيا (NDR) ومن ثم إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، وتضمن أكثر من 70 ألف صورة لآلاف السوريين الذين يشتبه بقتلهم من قبل قوات الأمن السورية.

كما وثق صور 10,212 شخصاً ماتوا في الاحتجاز أو بعد نقلهم من السجون إلى المستشفيات العسكرية.

وكشف هذا الأرشيف الذي يعد أكبر من مجموعة الصور السابقة المعروفة باسم “ملفات قيصر” والتي نُشرت عام 2014 عمق المأساة التي حلت بالمعتقلين في السجون خلال عهد الأسد.

وكما في حال ملفات قيصر، تم تسريب الصور الجديدة من قبل عقيد سابق، كان يرأس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق، وفقاً لـNDR التي قالت إن العقيد شارك الملفات عبر وسطاء بشرط عدم الكشف عن هويته.

فيما بينت تلك الصور أن نظام الأسد لم يرتدع حتى بعدما تفجرت قضية قيصر في 2014 وأدت إلى فرض عقوبات أميركية على النظام السابق.

فقد استمرت عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل على نطاق واسع.

أما الأغرب فكان في توثيق النظام بنفسه عبر قوات الأمن والشرطة لهذه الفظائع.

——————————–

بين كشف الحقيقة وصون كرامات الضحايا: جدلٌ أخلاقي يتجدّد مع “ملفّات دمشق”/ زينة علوش

خبيرة دولية في حماية الأطفال

08.12.2025

أستعيد هنا ما كتبه أحد الباحثين حول ضحايا الأبارتهايد: إنّ حرمان الأفراد من رواية قصّتهم الخاصة، ومن القدرة على تسمية العنف الذي تعرّضوا له، هو “فعل عنف مضاعف”. فالرواية ليست فقط تمريناً في التذكّر، بل استعادة للكرامة وللحق في امتلاك الحقيقة التي عاشها الأشخاص بأجسادهم وذاكرتهم.

أثار نشر “درج” سلسلة تحقيقات عن الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري، ضمن مشروع “ملفّات دمشق” الذي يقوده الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وتشارك فيه نحو 25 مؤسسة صحافية دولية، نقاشاً واسعاً حول حدود العمل الصحافي ومسؤوليته الأخلاقية.

بعد نشر الملصق الترويجي للمشروع، عبّر عدد من الناجيات والناجين من أهالي المفقودين والمغيّبين قسراً عن اعتراضهم على الطريقة التي أُعلن بها عن المشروع، معتبرين أنّ بعض ما ورد قد خرق مبادئ حماية الخصوصية وحقّ الضحايا في التحكم برواياتهم.

في المقابل، نشر فريق “درج” توضيحاً واعتذاراً، شرح فيه التوتر الدائم بين احترام الحدود الأخلاقية للعمل الصحافي من جهة، وضرورة فضح فظائع النظام السوري وإبقائها في دائرة الضوء كي تتحمّل الحكومات والمؤسسات الدولية مسؤولياتها من جهة أخرى. تأتي هذه الاعتذارات كخطوة مهمّة نحو المساءلة والشفافية، وإقراراً بأنّ العمل الصحافي الملتزم يجلس دائماً على تقاطع دقيق بين واجب إطلاع الرأي العام على جرائم كبرى، وواجب احترام أخلاقيات المهنة وحقوق الأكثر تضرّراً.

فالإعلام ليس معصوماً من الأخطاء، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ للتغطيات الصحافية تأثيرات غير مقصودة على من تعرّضوا للعنف، مهما بلغت درجة التفكير بالمعايير الأخلاقية الواجب الالتزام بها. وهذا ما أكّدته مراجعة فريق “درج” الداخلية التي حملها التوضيح الأخير.

من هنا يبرز السؤال: أين تقع تلك “الشعرة الفاصلة” التي تتيح عملاً مهنياً رصيناً وأخلاقياً في آن؟

هل يُدان الصحافي لكشفه الحقيقة في سياق خُنقت فيه الحقائق لعقود؟ وهل يكفي الاعتذار وحده لإعادة الثقة إلى من شعروا بالضرر أو الانتهاك؟ وما الآليات التي يمكن أن تقلّل هذا التوتر بين الإلحاح الأخلاقي على فضح الجرائم، وبين ضرورة احترام وكالة (Agency) الأفراد والمجتمعات المتضررة؟ وهل تقع المسؤولية حصراً على الإعلام، أم أنّ الحلّ يستوجب بناء هياكل مؤسساتية فعّالة للمساءلة والعدالة الانتقالية؟

هذه الأسئلة ليست جديدة، بل تعبّر عن معضلة أعمق: ما المبادئ الأخلاقية التي يمكن الارتكاز إليها لتقليل الأذى الناتج من كشف معلومات حسّاسة، من دون التضحية بحقّ المجتمعات في الوصول إلى معرفة موثوقة حول الجرائم والانتهاكات؟

أستعيد هنا ما كتبه أحد الباحثين حول ضحايا الأبارتهايد: إنّ حرمان الأفراد من رواية قصّتهم الخاصة، ومن القدرة على تسمية العنف الذي تعرّضوا له، هو “فعل عنف مضاعف”. فالرواية ليست فقط تمريناً في التذكّر، بل استعادة للكرامة وللحق في امتلاك الحقيقة التي عاشها الأشخاص بأجسادهم وذاكرتهم.

غير أنّ هذا المبدأ لا يقدّم حلاً كاملاً. فماذا نفعل في الحالات التي تكون فيها أصوات الضحايا غائبة — لأنهم مختفون أو مقتولون، أو لأنّ الصدمة تجعل مشاركتهم مستحيلة؟ ومن يملك السلطة الأخلاقية للحديث باسمهم؟

عشنا إشكالاً مشابهاً في العمل على توثيق شهادات راشدات وراشدين تعرّضوا لعمليات إتجار بهدف التبنّي غير الشرعي. هؤلاء الذين حُرموا من حقّهم الأساسي في معرفة جذورهم، والذين حملت تجارب تبنّيهم جروحاً قاسية — ليست الانتهاكات الجنسية أعنفها — كانوا واضحين في مطلب أساسي: أن تُنشر الروايات بطريقة لا تعرّض “المتاجرين” بهم للخطر. ليس حمايةً للمتورطين، بل لأنّ هؤلاء ما زالوا يحملون أجزاءً من الحقيقة حول عائلاتهم البيولوجية.

طالب الكثير منهم بإخفاء معلومات نملكها فعلاً أو تمويه تفاصيل قد تقود إلى كشف الجناة، لأنّ ذلك — ولو فتح نافذة صغيرة — قد يقرّبهم خطوة من معرفة أصلهم وهويتهم.

لكن حين بدأت حملات علنية تطالب بالكشف عمّا نعرف، وجدنا أنفسنا أمام معضلة بلا حلّ بسيط: فعدم تسمية المتورطين، على رغم امتلاك الأدلة، ترك هؤلاء الأشخاص رهائن لدى من يستخدم الحقيقة كأداة ابتزاز. وفي غياب منظومة مساءلة قانونية أو أخلاقية، بات الطريق إلى معرفة الجذور البيولوجية يمرّ عبر أفراد يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من المسؤولية والشفافية.

يلقي هذا النوع من الإشكاليات بظلاله اليوم على النقاش حول “ملفّات دمشق”. فغياب أصوات الضحايا والمعتقلين والمقتولين والمفقودين يجعل أي نشر للمعلومات محفوفاً بخطر تمثيل غير دقيق أو مؤذٍ. ولكن في الوقت ذاته، إبقاء هذه الفظائع طيّ الكتمان يساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب ويمنح الأنظمة القمعية القدرة على إعادة إنتاج عنفها.

لا توجد وصفة أخلاقية جاهزة، لكن يمكن تأكيد مبدأين أساسيين يشكّلان نقطة توازن وسط هذا التعقيد، أولاً: صون الوكالة الإنسانية (Agency)، أي تمكين الناجيات والناجين والأسر والأقارب ومن بقي منهم من تحديد ما يريدون مشاركته، وكيف، وإلى أي مدى. ما يتطلّب أن تُبنى عمليات التوثيق والشغل الصحافي على شراكة واحترام، لا على الاستحواذ على الروايات أو المعرفة.

ثانياً: واجب كشف الحقيقة بمسؤولية، فالتوثيق الصحافي ليس عملاً محايداً، بل هو فعل مقاومة للعنف المنظّم. لكن هذه المقاومة ينبغي أن تقوم على الشفافية، والسياق، وتوضيح أسباب النشر وحدوده، والإجراءات المعتمدة لحماية الأشخاص وعائلاتهم.

سيبقى هذا التوتر قائماً. ولن يكون هناك حلّ كامل، لأنّ الجرائم التي ارتكبها النظام السوري — من اعتقال وتعذيب وإخفاء وقتل — خلقت فراغاً في أصوات الذين غابوا من جهة، ووضعت أهلهم والمجتمع في حالة انتظار دائمة من جهة أخرى.

لكن يبقى المبدأ الأخلاقي الأكثر ثباتاً هو: بذل أقصى جهد للحفاظ على كرامة الأشخاص ووكالتهم في رواياتهم بالتوازي مع وضع آليات واضحة وشفافة لكشف الحقائق، والتمهيد للنشر بطريقة تُتيح فهماً مسبقاً لما سيُعرض.

فهذا التوتر لن يهدأ من دون مساءلة جميع المتورطين في هذه المأساة التي ما زالت تُدمي حياة السوريين والسوريات حتى اليوم.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح كبوصلة تتصل بالنية الأساسية: لماذا نكتب؟

نشر “ملفّات دمشق” هو تذكير بأنّ المأساة مستمرة، وأنّ المتورطين كُثُر، وقد يكون بعضهم في صلب محاولات الإسكات اليوم.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى