الأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

من ذروة السلطة لقاع الهامش: التحوّل الدرامي للعلويين بسوريا تحديث 09 كانون الأول 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

————————————-

أحوال المُكوِّن العلوي في سورية… مراجعة الذات وآفاق الولادة الجديدة/ جعفر العلوني

08 ديسمبر 2025

على امتداد نصف قرن، وُضع السوريون العلويون في صورةٍ لم يصنعوها، صورةٍ تربطهم بالسلطة أكثر ممّا تربطهم بأنفسهم. ومع انهيار المجتمع تحت ثقل الاستبداد، صار لا بدّ من إعادة النظر في موقعهم ودورهم. واليوم، في ذروة الحدث السوري، يقف العلويون أمام سؤال طال تأجيله: كيف يستعيدون هويتهم من تاريخٍ لم يكتبوه؟ وكيف يشاركون في ولادة سورية جديدة لا يختصرهم فيها أحد؟

وتحاول هذه المقالة فهم الطريقة التي صيغت بها علاقة المُكوِّن العلوي بالدولة والمجتمع، وكيف تشوّهت، بفعل السلطة وخطابات الخوف المتبادلة، المرآة التي يُرى فيها “العلويون”، ويرون هم أنفسهم فيها على نحوٍ لا يشبه تاريخهم ولا واقعهم. فالكلام عن المُكوِّن العلوي، جزء من مراجعة سورية أوسع، تُسائل البنى التي سمحت لنظامٍ واحد أن يحتكر الدولة، وأن يحوّل التعدّد ذريعةً للهيمنة بدل أن يكون أساساً لشراكة وطنية متكافئة.

ابتلاع المُكوِّن العلوي: توريث المنظومة

منذ عام 1963، حين وُضِع المجتمعُ السوري كلّه في إناء الحزب الواحد، بدأ الانصهار الكبير: ذوبان التعدّد في شعارٍ واحد، والتنوّع في قالبٍ واحد، وانصهار المواطنين في كتلة صمّاء لا يُسمح لها أن تقول “أنا”. كان حزب البعث، في جوهره، مشروعاً لابتلاع الدولة والمجتمع معاً، وحين جاء حافظ الأسد إلى السلطة، أخذ هذا الابتلاع شكلاً أكثر نهماً وإحكاماً. ابتلع الأسد العلويين كلّهم: احتكرهم وجعلَ منهم درعاً لسلطته، لا قوّةً لذواتهم. وبفعل القمعِ الممنهج، صار سكوتهم ضرورةً وجودية: مَن حاول أن يقول لا، سواء من داخلهم أو خارجهم، جرى سحقه.

رسّخ حافظ الأسد سلطته بهندسة طائفية معقّدة: ضبّاط أمنيّون وعسكريون من الطائفة العلوية، واقتصاديون ورجال أعمال من الطائفة السُّنية، ونخب بيروقراطية مدجّنة من طوائف مختلفة. لكنّها، في جوهرها، كانت سلطة الشخص الواحد. لم يكن ما جرى “حكم الطائفة”، كما روّج هو وخصومه، بل كان حكم الأسد باسم الطائفة وضدّها معاً. لم تكن الطائفية التي نُسبت إلى العلويين إلا قناعاً استعمله نظام الأسد الأب ليعزل هذا المُكوِّن عن محيطه من جهة، وليُسخِّر أبناءه لخدمته من جهة أخرى. هكذا غُيّب العلويون تماماً: لم يكونوا موجودين إلا عبر رجال الأمن الذين لا يمثّلون أحداً إلّا سلطتهم، ولا يعنيهم من “الطائفة” سوى أنها رصيد يُستثمَر للترهيب. وهكذا رُسمت صورة قاتمة للعلويين في المجتمع السوري: صورةٌ ابتدَعها النظام ورعاها، لا خدمةً لهذا المُكوِّن بقدر ما هي خدمة لبقائه هو وحده.

وحين ورث بشّار الأسد السلطة، ورث معها المنظومة بأثقالها كافّة: بنيتها الأمنية، سردياتها، علاقتها الملتبسة مع المُكوِّن العلوي وغيره من مُكوِّنات النسيج السوري. لم يُحدِث الابن قطيعةً مع نهج الأب، بل على العكس؛ عمّقه وأعاد ضخّه بصورة أكثر هدوءاً وخفاءً. وعوضاً عن أن يُعيد المُكوِّن العلوي إلى موقعه الطبيعي كغيره من مُكوِّنات المجتمع السوري، شدّ وثاقه أكثر إلى سردية السلطة. وحين سلّم الاقتصاد لأحد أفراد العائلة، بدا وكأنه يمنح العلويين “واجهةً اقتصاديةً” تُضاف إلى حضورهم الأمني المزعوم، بينما كانت الحقيقة أنّه يعمّق الانطباع الزائف بأنّ العلويين يتحكّمون بمفاصل الدولة والمال، في حين أنهم كانوا أبعد ما يكونون عن أيّ نفوذٍ فعلي. فالواقع الاقتصادي للعلويين، كما عاشوه في قراهم ومناطقهم، كان يناقض تماماً الصورة الدعائية التي روّجتها السلطة. لم تكن هناك بنية تحتية تُذكر: قرى غارقة في الحرمان، طرق متهالكة، مدارس فقيرة، غياب شبه كامل للمشافي والجامعات، وبيئة اقتصادية خانقة دفعت كثيرين إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الساحلية أو الخارجية، أو الانخراط القسري في مؤسّسات الدولة الأمنية والعسكرية. لم يكن هذا الاندفاع نحو الجيش نابعاً من إيمان بالنظام أو عقيدته أو حتى رئيسه، بل كان بحثاً عن راتب يقي الحدّ الأدنى من الجوع. لقد جعل النظام من الجيش ملجأً اقتصادياً لليائسين، ثم قُدِّم ذلك على أنّه “ولاء طائفي”، وهو في الحقيقة استغلال اقتصادي وسياسي مكثّف لمجتمع مسحوق.

وهكذا، بينما كانت عائلة الأسد تمثّل واجهة “النعمة” في سرديّة النظام، كان العلويون أنفسهم يعيشون في أقصى درجات الفقر. كان النظام يخاطبهم بمنطق الحماية، بينما يمارس عليهم في الوقت نفسه تهميشاً اقتصادياً يضمن بقاءهم معتمدين عليه، خائفين من فقدانه، وأسهل للتجنيد والاستخدام.

الثورة وسردية الاستهداف

وجاء عام 2011. انفجرت الثورة، وانفجر معها تاريخٌ مُثقل بالخوف والدعاية والذاكرة المجروحة. عادت سرديّة النظام الأولى إلى السطح بقوّة: “الاستهداف الطائفي”، “الذبح على الهُويَّة”، “حماية الدولة، لا النظام”. كانت هذه السردية امتداداً مباشراً لندوب الثمانينيّات؛ ندوب استخدمتها السلطة في كل لحظة لتعبئة الطائفة وشحنها بالخوف، ولأنّ الخوف أعمق من أن يُمحى بسهولة، ظلّ الصوت العلوي الداخلي يتردّد بين الحيرة والشكّ والارتباك: المعارضة بدت شبهَ مستحيلةٍ، بسبب القبضة الأمنية التي كانت الأقسى داخل بيئتهم، ولأنّ الانتقال خارج سردية النظام كان يتطلّب ثقةً بالسياق الوطني العام لم تتوافر في لحظة انفجار غير متكافئ، ولم تعرف المعارضة أو باقي مكوّنات المجتمع توفيرها لهم.

ورغم أنّ أصواتاً سورية علوية معارضة ارتفعت من داخل الجبال والساحل والمدينة (أصوات قليلة ومعزولة ومحاصَرة)، فإنّ الكيان الاجتماعي الأوسع وجد نفسه مُقحَماً في السردية الرسمية للنظام، نتيجة تاريخ طويل من التخوين والتهديد وتضييق منافذ النجاة.

في هذا السياق، وقع الخطأ التاريخي: عدم وقوف هذا المُكوِّن، بوصفه كياناً مستقلاً، أو جماعةً اجتماعيةً، أو حتى “طائفة دينية”، إلى جانب احتجاجات لم تطالب النظام بأكثر من الحرية. كان لهذا الموقف العلوي (لو حدث) أن يساهم بسرعة في إنهاء نظامٍ استخدم أبناء هذا المُكوِّن، ثم استنزفهم وتركهم لمصير مجهول. وهكذا، تحوّل العلويون مستودعٍاً بشريّاً للقتال، وقدّموا من شبابهم أعداداً هائلة. ومع الوقت، صار واضحاً أنّ السلطة استعملت هذا المُكوِّن، وغيره بطبيعة الحال، حين احتاجت إليهم، ثم تركتهم يواجهون المجهول، بينما كانت عائلة الأسد ودوائرها الضيّقة تمضي في نهب الدولة واقتسام الغنائم.

سردية الفلول ومجازر الساحل: إعادة إنتاج الخوف

مع سقوط نظام الأسد، انكشف الفراغ الذي أخفاه القمع الأمني عقوداً طويلة، ومع هذا الفراغ طافت السرديات المتعدّدة والمتنوّعة حول العلويين. وعلى أنقاض المؤسّسات ظهر خطابٌ جديد سرعان ما التصق بالمُكوِّن العلوي: “سردية الفلول”. هي سرديّة أعادت إنتاج الخوف، إذ تعاملت بعض القوى في السلطات الجديدة مع العلويين، بوصفهم امتداداً آلياً للنظام السابق، لا مواطنين وقعوا تحت وطأة سلطة استخدمتهم أكثر مما حمتهم. تعمّقت هذه السرديّة حين رُوِّجت، بشكل مباشر أو موارب، فكرة أنّ كل ما يرتبط بالعلويين هو جزء من “مخلّفات” النظام السابق، وأنّ إعادة بناء الدولة تمرّ عبر تفكيك إرثهم الاجتماعي والأمني والثقافي من دون تمييز.

لم تَمضِ أسابيع حتى بدا أثر هذه السرديّة على الأرض. فمع غياب الضبط المؤسّساتي، وانتشار السلاح، وتعدّد الفصائل المسلّحة، اندلعت مجازر الساحل، وكانت سلسلة عمليات انتقامية ومجازر جماعية مدروسة، حكمتها الرغبة في الاقتصاص والانتقام أكثر ممّا حكمتها حقّاً رغبة مطاردة “الفلول”. وهكذا وجد العلويون أنفسهم مرّةً أخرى في قلب حلقة عنف، لا بفعل موقعهم السياسي، إنما بفعل رواية تُعيد إنتاج أشباح الماضي. المشهد كان صادماً: ذاكرة الثمانينيّات تعود من تحت الركام؛ الأصوات التي لطالما استخدمها الأسدان: “أنتم مستهدفون”، “سيذبحونكم”…، عادت بلسان آخر، وتحت راية مختلفة، لتوقظ الخوف ذاته، وتعيد تشكيل الانقسام ذاته. إلى جانب هذا كله، لم يَتأخّر الخراب الاجتماعي بالظهور: آلاف المُسرَّحين من الجيش والقوى الأمنية ومؤسّسات الدولة الأخرى، مجتمعات ريفيّة مفكّكة، موظّفون بلا رواتب، وقرى لم تعرف يوماً الخدمات الأساسية. التهمة كانت جاهزةً: “فلول النظام”. والحقيقة التي يعرفها كل من عاش في تلك الجغرافيا أنّ الفقر كان القاعدة، وأنّ الانخراط في الجيش أو الأمن لم يكن تعبيراً عن ولاء أعمى أكثر ممّا كان محاولةً للنجاة المعيشية في مناطق تركها النظام عقوداً خارج الحياة الاقتصادية. وهكذا بدا أنّ السلطات الجديدة تحاسب “الطائفة” على نفوذٍ لم تمتلكه يوماً، وتُعاقبها على امتيازات لم تذق طعمها أصلاً.

في هذا المناخ المتوتّر، وبعد سقوط النظام، وما تبعه من مجازر وعمليات انتقامية، بدأ الحديث للمرّة الأولى عن ضرورة وجود إطار علوي يُعبِّر عن مُكوِّنٍ ظلَّ، منذ صعود الأسد الأب، مطموساً داخل صورة واحدة فرضتها السلطة عليه. ومن هنا برزت الحاجة إلى كيانٍ يجمع هذه الجماعة التي خرجت من قلب الكارثة مُثقلةً بجراح قديمة وجديدة. هكذا تشكّل “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى” في لحظة حرجة، محاولةً لخلق إطار يُعيد للعلويين صوتهم بعد عقود من الاستخدام والاستثمار والتخويف، ويمنحهم قناةَ تمثيل تُخرجهم من الاحتكار التاريخي الذي فرضه النظام السابق، ومن خانة الاتهام الجمعي التي ترسّخت مع صعود السلطات الجديدة.

وسط هذا التحوّل العاصف، يبرز اليوم تحدٍّ جوهريٍّ أمام المُكوِّن العلوي في سورية: عدم تكرار الخطأ التاريخي الأكبر الذي تراكم على امتداد القرن الماضي، أي مزج الديني بالسياسي، وجعل الانتماء الطائفي وعاءً تُسكَب فيه قرارات تُحدّد مصير الجماعة بأكملها. وهو ما كان قد كرّسه الأسدان بشكل أو بآخر. هذا المزج لم يحمِ أحداً في الماضي، ولم يؤدِّ إلّا إلى تحويل المُكوِّن رهينةً تُقاد بفتاوى الخوف وتُحاصَر بخطابات النجاة.

نحو دور وطني جديد

لكن، من هم العلويون اليوم، في سورية؟ هناك مثقّفون، وكتّاب، وفنّانون، وجامعيون، وحقوقيون، وأبناء قرى وجبال، خرجوا من صمتهم الطويل، لا ليدافعوا عن “طائفة”، بل عن شرطٍ إنسانيٍّ انكسر فيهم كما انكسر في سواهم. وهناك طبقة رمادية واسعة: موظّفون، أساتذة، عمّال، مثقّفون، أقاموا حياتهم داخل الدولة من غير أن يكونوا جزءاً من سلطتها. لم يهتفوا للنظام، ولم يخرجوا عليه. ظلّوا في منطقةٍ بينيّة، حيث النجاة نوعٌ من السياسة. هذه الفئة هي الأكثر عدداً وتعقيداً، وهي، مع الأولى، الأقرب إلى حياة الناس وإيقاعها. وهناك منفيّون: شباب وشابّات من مختلف الميادين المهنية، حملتهم المنافي قبل أن يحملوا حقائبهم. غادروا هرباً من الخدمة العسكرية، أو من آلة الحرب التي أرادت تحويلهم وقوداً. وهناك “اليساريون القدامى”: سياسيون مُكابِرون، أساتذة ومناضلون سابقون في أحزاب سُحِقت أو شُرّدت، عاشوا السجون والملاحقات، وظلّوا يمارسون المعارضة سرّاً أو في المنفى. لم يتصالحوا مع النظام، ولم تلمّهم “الطائفة”. هم، في برزخ اليوم، يحملون تجربة الاضطهاد كما يحملون سؤال الدولة المدنية، ويقدّمون نموذجاً كان النظام يخشاه دائماً، وهم الأقدر على قراءة اللحظة الراهنة. وهناك “الأجساد المكسورة”: ضبّاطٌ وجنود سابقون، دخلوا الحرب امتثالاً أو خوفاً أو فقراً. خسروا أبناءهم، بيوتهم، أدوارهم، ثم خرجوا من النظام كما يخرج الجندي من معركة بلا جهة. هؤلاء لا يطلبون ثأراً ولا سلطة، يطلبون اعترافاً بأنهم كانوا جزءاً من ماكينة حرب لم يكونوا مهندسيها، ويجب أن تسرع السلطات الجديدة في تسوية أوضاعهم.

وهناك طبقة الفقراء والمعدومين في الجبال والقرى، عاشوا الفقر وغياب الدولة قبل الأسديْن، وبعدهما. وهي الطبقة التي عانت من المجازر أخيراً، التي قامت بها فصائل وعصابات تابعة للسلطات الحالية. وهناك الطبقة المرتبطة بالنظام السابق أو من يسمّون “الفلول”: ضبّاط أمن، قادة مجموعات، مسترزقون، تجّار حرب، ووجوهٌ صنعتها السلطة وارتبط وجودها باستمرارها. هؤلاء هم الإرث الأكثر ثِقلاً على “الطائفة”، لأن النظام سخّرهم كي يظهر العلويون كلّهم على صورتهم. وهناك “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”، الذي تشكّل بعد السقوط، ليعلن نفسه صوتاً للطائفة وحدوداً لهُويَّتها. وهو مجلس، على أهميته، لا يمكن له أن يختصر الطائفة، أو أن يكون صوتها الوحيد والأوحد.

من هذا التنوّع الذي يتشكّل منه المُكوِّن العلوي، تنهض الحاجة إلى إعادة النظر في البنية التي تَشَكّلَت باسمه بعد سقوط النظام. فمكوّنٌ يحمل في ذاكرته طبقاتٍ من التاريخ والفلسفة والبحث والجدل الروحي والاجتماعي والثقافي لا يمكن أن يُختَزَل في هيئة دينية صرفة، ولا أن تُدار أصواته المتعدّدة بمنطق الواحد الذي يتكلّم عن الجميع. لقد أظهرت تجربة نصف قرن، بوضوح جارح، الثمن الذي دُفع حين حُوِّل هذا المُكوِّن إلى ظلّ لسلطة واحدة، وصوت واحد، وصورة معلّقة على جدار القوة، لا دور لها الآن إلا التبرير.

لذلك، يصبح من الضروري أن يتحوّل الإطار القائم إلى مرجعية مدنيّة تُشبه حقيقة هذا المُكوِّن كما هو: وجوه فكرية، وأكاديمية، وحقوقية، وسياسية، وشبابية، وشرائح واسعة لم تكن جزءاً من الحقل الديني. وجود الشخصيات الدينية يظلّ ممكناً، لكن حضوراً بين حضور آخرين، لا سلطة تمثّل وحدها ما لا يمكن جمعه في يد واحدة. فاللحظة السورية، بما تكشفه من هشاشة وبما تفتحه من إمكانيات، تحتاج إلى لغة تُوازن بين الذاكرة والمسؤولية، وتفصل بين الدين بوصفه تراثاً وممارسةً شخصية، والسياسة بوصفها شأناً عامّاً مشتركاً.

وحين تترسّخ هذه البنية المدنية، يصبح ممكناً انتقال هذا الإطار إلى مهمّته الأعمق: المساهمة في صياغة رؤية لسورية المقبلة. ليست رؤية دفاعية، ولا خطاب اعتذار أو بيانات تبريرية، بل رؤية تحدّد موقع هذا المكوّن في وطنٍ يُعاد بناؤه على مبدأ المواطنة، لا على إرث القرب من السلطة أو البعد عنها. وفي قلب هذه الرؤية، تبرز مسألة العدالة التي لا يمكن الالتفاف عليها. فالاعتراف بضرورة محاسبة بشّار الأسد ومَن تورّط في الدم السوري هو خطوة لتحرير المُكوِّن ذاته من عبء علاقةٍ لُفِّقت حوله لعقود، وترسيخ انتمائه إلى المجال الوطني العام، لا إلى ظلّ السلطة المنهارة. كما أن على هذا الإطار أن يوضّح موقفه من موضوع الحماية الخارجية، ومن كل دعوة لاستدعاء قوى خلف الحدود ورفضها. فالسيادة لا تتجزّأ، وحماية المُكوِّنات لا يمكن أن تكون بديلاً عن حماية الوطن كاملاً. والالتزام بوحدة سورية وأراضيها يجب ألا يكون شعاراً سياسياً، بل اعترافاً بأنّ العلويين، بتاريخهم وجغرافيتهم وصلاتهم الاجتماعية، جزء من نسيج لا يُفكّكه مشروع تقسيمي، ولا تحميه حدود مصطنعة.

خاتمة

يمكن للمرجعية المدنيّة الجديدة أن تدخل في علاقة واضحة مع السلطة السورية الراهنة: علاقة تقوم على الشراكة في إعادة بناء دولة لم تُنجِز بعدُ عقدها الاجتماعي، دولة يتساوى فيها الجميع في الحقّ والمسؤولية، ويخرج فيها المكوِّن العلوي من موقع “الملفّ” أو “التهمة” إلى موقع الفاعل في مستقبلٍ يريد أن يكون جزءاً منه لا أكثر ولا أقل.

وهنا يصبح من الضروري فتح ملفّات الساحل، وإجراء تحقيقات شفّافة، ومحاسبة المتورّطين في الانتهاكات، وتسوية أوضاع أبناء هذا المُكوِّن، وإعادة الاعتبار لحقوقهم المدنية والمعيشية، فالمواطنة تُستعاد بإجراءات تفكّك إرث العنف وتعيد بناء الثقة بين الناس والدولة، لا بشعارات عامة.

كأنّ ما انكشف في سورية جرح ظلّ محتجباً نصف قرن. وأكثر ما يظهر اليوم أيضاً أمام هذا الجرح هو الإنسان السوري نفسه، الذي يقف وجهاً لوجه أمام تاريخه. وفي المسافة بين ما انتهى وما لم يبدأ بعد، يتقدّم المُكوِّن العلوي (كما سائر المُكوِّنات)، لا بوصفه جماعةً تطلب حمايةً أو امتيازاً، بل بوصفه جزءاً من سؤالٍ أكبر: كيف يُعاد وصل الإنسان بالأرض التي انقطع عنها؟ وبالزمن الذي لم يعشه بعد؟

العربي الجديد

——————————-

 “عينا الشافعيّ” وحكام دمشق الجدد/ مالك داغستاني

2025.12.04

في واحدة من قصائده القليلة، يقول الإمام الشافعي “وعينُ الرِضا عن كلِّ عيبٍ كَليلةٌ.. ولكنَّ عينَ السُخطِ تُبدي المَساويا”. البعض يتّهم من يرى أي بارقة أمل في سوريا بأنه إنما يفعل ذلك لأسباب مصلحية وغالباً طائفية. وعلى النقيض، يجدُ البعض أن من ينتقد أية نقيصة لدى الحكومة الجديدة، خائناً كامل المواصفات.

يوم الثلاثاء 25 من تشرين الثاني/ نوفمبر، قضيت يوماً ساخناً على وسائل التواصل الاجتماعي ومع ذلك لم أُدوّن أي حرف. درّبت أعصابي خلال السنوات الماضية على نوع من البرود في لحظات الهيجان العام، وكعادتي لم أنشر أو أعلّق عند أحد. فمنذ شهور وطّدتُ نفسي ألا أدخل في سجالات على هذا الفضاء السامّ. أقول يوماً ساخناً وسوف أضيف هنا أنه نموذجياً، بمعنى أنه يوم قابل للدرس والتأمّل. ففي المظاهرات التي شاركت بها أعداد معقولة من أبناء الطائفة العلوية في الساحل وحمص وحماة، استجابةً لدعوات على وسائل التواصل، ومنها الدعوة الأهم لرئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ غزال غزال، كانت هناك بعض المطالب المحقة للمتظاهرين، مع مطالب أخرى شطّت بعيداً عند آخرين.

الكلُّ على وسائل التواصل، مع استثناءات نادرة، كان ينقل فقط الصور والمقاطع المصورة التي تؤيد انحيازه، متجاوزاً الصور المخالفة، بعماءٍ تام، وكأنها لم تكن. كلٌّ ينقل الهتافات الصادرة عن الجموع التي ستؤيد فكرته ووجهة نظره وتموضعه، متفادياً الهتافات التي تدحض تلك الفكرة ووجهة النظر. الأدهى أنه كانت هناك حالة تشبه الاستجداء لصور يريدها البعض بشدّة، كأن تكون لقتيلٍ على الأرض أو جريح على الأقل. بل كان هناك من ادّعى أنه تمَّ إطلاق الرصاص الحي على صدور المتظاهرين مما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى، ليتبين لاحقاً أن هذا لم يحدث. رأيت مقطعاً مصوراً ليلاً، يعلق صاحبه أنه بمواجهة المظاهرات النهارية، فإن شباناً يكسرون واجهات المحلات في اللاذقية. دققت في المقطع، وكانت الصور لشبان يركضون من دون أي فعل تكسير (ربما الأمر حصل فعلاً لكن خارج تلك الصور).

كانت لافتة صور رجال الأمن العام وهم يحمون تلك المظاهرات، بما يؤكد أن هناك قراراً مركزياً صارماً بإظهار تلك الصورة. وأتت تعليقات “عين الرضا” لتشيد بالدولة الجديدة، الخالية من الشوائب، فها هي تحمي مظاهرات العلويين المناوئة للسلطة. في حين كانت “عين السخط” ترى الأمر طبيعياً، ولا يحتاج للحديث عنه فذلك من واجب أي دولة، وكأنما الأمر جرى على هذا النحو في سوريا خلال العقود الماضية إبّان حكم الأسدَين. حالة الطرفين، للأسف، يمكن أن تصنف على أنها عورٌ أخلاقي عميق، يتحول أحياناً الى هيستيريا تقترب من الكوميديا. وللعلم ومن باب الطرافة، لدي أصدقاء سامّين وهيستيريين من الطرفين، ومع ذلك أحافظ عليهم من باب الحفاظ على النوع، وإلا فكيف سأرى اللوحة كاملة؟

ما الذي كان يمنع هؤلاء من الإشادة بالمظاهرة والمطالب المحقة من جهة، ومن الجهة الأخرى تثمين حماية أفراد الأمن العام للمتظاهرين في سابقة سورية غير معروفة؟ وما

المانع من نقد بعض الشعارات والمطالب، ومن استنكار دخول مظاهرة مضادة في الاتجاه الآخر؟ المسألة ليست ماءً وزيتاً لا يجتمعان. كلنا يعلم أن أفراد عناصر الأمن العام ليسوا ملائكة، فمنهم من ارتكب الجرائم والانتهاكات بالأمس القريب، وربما ما زال، لكن من الواضح أنه كانت لديهم في ذاك اليوم تعليمات مشدّدة، وعلى الأرجح تدريبات لضبط ردات الفعل والتعامل الإيجابي، وهذا أمر جيد ويجب أن نثني عليه ونطالب باستمراره، عبر تكثيف الدورات والتدريبات لأفراد الشرطة على الحيادية والحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان، ليكون هناك إثباتٌ يوميّ على الأرض، اليوم وفي المستقبل، أننا مقدمون على مرحلة مختلفة جذرياً. وبالمقابل هؤلاء حموا يومها مواطنين سوريين أولاً، حتى لمن لم يعد يرى نفسه كذلك. هاتان هما العينان اللتان لم يوردهما الشافعي في بيته الشعري الشهير. عينان لا تعيش إحداهما في فسطاطٍ بمواجهة فسطاط العين الأخرى.

رغم كل ما يجري، ما زالت لديَّ قناعة تامة أن هؤلاء الذين يعيشون هذه السلبية المُصمتَة، انتصروا مثل جميع السوريين تماماً فجر يوم 8 من ديسمبر 2024، لكنهم لم يدركوا ذلك حتى اليوم. ومن الجهة المقابلة فإن من لا يرى سلبيات المرحلة الحالية، والتشوهات التي تعتريها، هو متضرر بما يحدث. وبموقفه المتعامي، يأكلُ من رصيد مستقبل البلد، من دون أن يعي ذلك. كلا الجانبين، المتمترسين في كلا الطرفين الحادّين لهذا الاستقطاب، لا يختلفان بالمساهمة في إعاقة مشروع بناء الدولة. دولة، يريدها عموم السوريين، تتمتع بالحد الأدنى من مقومات الدول الطبيعية. حيث هناك أخطاء وجرائم وهناك إنجازات.

المشكلة في عين السخط وعين الرضا أنهما لا تقفان عند حدود الموقف الأخلاقي أو المزاجي فحسب، بل تتحوّلان، من حيث لا يشعر أصحابهما، إلى موقف سياسي مُعطِّل. فالدول الخارجة من نزاعات طويلة لا تُبنى عبر فرط التفاؤل ولا عبر فرط التشاؤم، إنما تحتاج لبذل الجهود بهدف تشكيل قدرة جماعية على رؤية الواقع كما هو، لا كما نرغب أو نخشى أن يكون.

من البدهي أن أية سلطة تحتاج إلى رقابة نقدية صارمة تكبح انزلاقها. لكنها تستحق وتحتاج بالقدر نفسه إلى اعتراف منصف بما تحققه، على الأقل تشجيعاً على استكمال ما يحتاج إلى إصلاح. والأهم أن القدرة على إنتاج رأي عام غير مُستقطَب بحدّة، واحد من الشروط التي تحتاجها سوريا اليوم من أجل نجاح العدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات الأهلية، ومن ثمَّ بين الدولة والمجتمع. ولهذا فإن الإصرار على النظر بعين واحدة، راضية أو ساخطة، ليس مجرد خطأ في التقدير، بقدر ما هو إسهام مباشر ومؤذٍ في إضعاف إمكانية نشوء دولة طبيعية في سوريا للمرة الأولى منذ عقود.

في تصريح “أغنيس كالامارد” الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، بعد زيارتها لدمشق قبل نحو أسبوعين، والزيارة بحد ذاتها سابقة تاريخية، قالت “إن السلطات الجديدة في سوريا اتخذت خطوات لإظهار التزامها بالإصلاح والعدالة الانتقالية والمصالحة، إلا أن الديمقراطية ما تزال غائبة.. إن عرض خطط الإصلاح وتشكيل لجان للعدالة الانتقالية،

والترحيب بمنظمات حقوقية دولية، كلها مؤشرات على حدوث تغيير في سوريا.. كل هذه الأمور مؤشرات جيدة جداً، لكنها ليست عميقة جداً”. ولكن لماذا أورِدُ هذا الاقتباس؟ أفعل ذلك لأني عبره، أريد القول إن تلك السيدة كانت تمتلك عينين سليمتين، لا كليلتين ولا ساخطتين.

مع ذلك، وعلى الرغم من أنها رئيسة “Amnesty” أعرق منظمة تهتم بحقوق الإنسان في العالم. حتماً سوف نجد من كلا الطرفين، خصوصاً أولئك الذين اعتادوا “الأستذة الفارغة”، منْ سيُكذّب ما ورد في تصريحها، وسيقبل بشقٍ من كلامها، وربما يستشهد به، وسيغفل ويتعامى عن الشقِّ الآخر بالمطلق، مع أن النظر بعينين سليمتين ليس موقفاً وسطيّاً باهتاً ولا ميوعة سياسية، إنما هو الشرط اللازم للمساعدة في بناء الدولة.

الدول التي نجحت في العبور من حروب أهلية، لم تفعل ذلك لأن شعوبها أكثر طيبة، هي إنما فعلت لأنها امتلكت شجاعة مواجهة الحقائق كما هي، لا كما يرغب كل فريق أن يراها. أسأل نفسي أحياناً، هل ما يحدث لدينا طبيعي؟ وجوابي على الدوام، نعم، فبلدنا يحاول أن يحبو باتجاه التعافي. ولذا ما زال لدينا النوعان المتخاصمان من عيني قصيدة الشافعي. عين الرضا المزيّف الراضية بكل شيء، وعين السخط المُتَخيَّل الساخطة من كل شيء، وبينهما الغائبة على الدوام هي سوريتنا الجريحة والمكسورة.

تلفزيون سوريا

—————————-

أخيراً وصل قطار الثورة في سورية إلى العلويين…/ عمار ديوب

03 ديسمبر 2025

خرجت عدة محافظات سورية، فيها كتلةٌ كبيرةٌ من العلويين في الأسبوع الماضي (يوم 25/11/2025)، باعتصاماتٍ ضخمة بعض الشيء، وأتت إثر هجوم في مدينة حمص لبعض المجموعات من عشيرة بني خالد على أحياء فيها أغلبية علوية، ومارست نهباً وحرقاً وإرعاباً للسكان. جاء الهجوم بعد جريمة قتل زوجين من هذه العشيرة والكتابة على جدران منزلهما بشكلٍ طائفي، بما يوحي بأنّ القاتل علوي، وهناك تسجيل لرئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر”، الشيخ غزال غزال، بعد الهجوم، حثَّ فيه العلويين على التظاهر والمطالبة بالحقوق، ولم يَرفض أن يحكم سورية سنّي، ولكنه رفض الانتهاكات.

استغل الشيخ “فتنة” حمص ليدعو إلى التظاهرات. والحقيقة هنا أن انتهاكات واسعة وقعت على سوريين من الطائفة العلوية في العام المنصرم، ولم تتبنَ السلطة خطة لإيقافها أو معالجتها، وهذا أتاح للشيخ ولشخصيات “طائفية” استغلال ذلك، والتحدث باسم العلويين. وهذه مشكلة تتحملها السلطة. رَفعت الاعتصامات مطالب كثيرة، فهناك السياسية، وتتعلق بشكل الدولة، الفيدرالية، اللامركزية، وهناك الاجتماعية، وتتعلق بالطرد من العمل وغياب فرصه، وتوقف الأجور لكثيرين. وفي غياب الاستقرار الأمني واستمرار الجرائم، تصبح العائلات، وهي بالملايين، مهدّدة بالجوع والإذلال الشديد. وهناك مطالب تتعلق بغياب الاستقرار الأمني، حيث تتكرّر حالات القتل والخطف، ولا سيما للنساء، وهناك مطالب للعمل في المؤسّسات الخدمية كذلك، كالشرطة أو الوظائف العامة وسواها. وهناك مطالب حقوقية أيضاً، بالإفراج عن المعتقلين، وهذه أثارت نقاشاً عميقاً… فقد يكون من حقّ السلطة عدم الإفراج عنهم في حال كانوا ضبّاطاً مجرمين، ولكن ليس من حقها رفض معرفة الأهالي أين يوجد المعتقلون ومصيرهم، وهناك كثرٌ منهم اعتقلوا عشوائياً.

لم تكن إذاً التظاهرات فقط استجابة لحادثة حمص أو لدعوة غزال فقط، كانت بسبب سياسات السلطة تجاه الطائفة العلوية واستبعادها وبشكل مقصود عن كل ما يخص الدولة. هذه الاعتصامات، ورغم ثقل الانتهاكات منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول (2024)، رسالة سياسية واضحة إلى السلطة بضرورة اعتماد سياسات تشاركية، وإيقاف الانتهاكات، وملاحقة المجرمين الذين قَتلوا مئات الأشخاص فقط لأنّهم علويون. الاعتصامات هذه، ورغم أن من قام بها سوريون علويون، ليست فقط مطالب علوية محضة، بل هي مطالب عامة ومن أجل دفع السلطة “ومساعدتها” للانتقال نحو دولة تمثل جميع السوريين، ورفع الظلم والحرمان والإذلال، والتي أوقعها نظام بشّار الأسد وما وقع منها بعد سقوطه. هل يمكن أن تصبح علوية سياسية؟ نعم، وهذا إن لم تسارع السلطة إلى اعتماد سياسات تشاركية.

هل نتجنّى على السلطة بالاستنتاجات السابقة؟ هناك مطلب لكل السياسيين السوريين، والسلطة نفسها لا تتجاهله، ولكنها لا تسير به خطوة واحدة بشكل جاد، وهو البدء بتنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية، فهي وحدها التي ستقود إلى السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية الوطنية وعودة الحقوق إلى أصحابها. أتاح تأجيل تنفيذها المجال لمختلف أشكال الانتهاكات، وأبقى المجتمع بكليته في حالة خوف من الآخر. كثرٌ من السُنة يخشون سقوط السلطة فيمحضونها ولاءهم المطلق، وتصبح الطائفة العلوية بأكملها فلولاً! والطائفة العلوية تخاف لكثرة ادّعاء أوساط قريبة من السلطة أنها الطائفة التي حمت بشار الأسد، ووحدها التي وقفت معه. ويُستنتج بسهولة من تحليلاتهم هذه أنه ليست لها أيّ حقوق في الدولة الجديدة. الأهم أن مختلف الطوائف تشعر بالخشية من السلطة الجديدة القادمة من هيئة تحرير الشام، وهي تنظيم سلفي جهادي. والسؤال: لماذا لا يخافون إذاً؟ في كل الأحوال، أعلنت السلطة عن حل “الهيئة” بعد الوصول إلى الحكم.

إذاً اختار السوريون العلويون طريق الاحتجاجات السلمية، بعدما حاول بعض فلول الأسد توريطهم في تمرّدٍ واسعٍ ورفضوا ذلك في مارس/ آذار الماضي، وحتى لجنة التحقيق التي شكّلتها السلطة، ذكرت أن الفلول لم يتجاوزوا الـ290 شخصاً. إذا هناك رفض علوي، ترافق مع رمي السلاح. تقول هذه الاعتصامات إن أصحابها منضوون في الدولة الجديدة، وهي التي تضمن الحقوق لهم. كانت حماية الأمن العام الاعتصامات ردّاً إيجابياً من السلطة نفسها، وقد خرجت مظاهرات مضادة، ومَنع الاحتكاك الواسع بينها. هنا نجحت السلطة بإيقاف تمدّد الفتنة التي بدأت بجريمة حمص وأُريد لها أن تتسّع بذلك الهجوم. ولكن ومهما قيل عن دعوة غزال غزال وأنّها تريد إضعاف السلطة وتوريطها بمذبحة جديدة مثلاً، أو أنّه ينسج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري للانقلاب على السلطة، وما إلى ذلك من هذا الكلام، فإن الدعوة إلى الاعتصامات لإيقاف الانتهاكات مسألة حق وعدالة. ولكن هل هذا كل شيء. هل نجحت السلطة، ويجب تعظيم عملها، وانتهى الأمر؟

منذ اليوم الأول لهروب بشّار الأسد، اختارت الطائفة العلوية “الاستسلام” للوضع الجديد، فتخلّت عن السلاح، ووقعت انتهاكات كبيرة فيها، ومطالبات الثلاثاء أوضحت فشل السلطة في الإتيان بوزيرٍ علويٍّ لتمثيلها، ويمكن الكلام نفسه بخصوص الوزير الدرزي أو الوزيرة المسيحية، وبالتالي، ما ذكر أعلاه من مطالب يجب أن تبادر السلطة إلى تحقيقها، وهي تخص كل السوريين، بل وتؤثر على مستقبل السلطة نفسها.

لقد فضلت السلطة الحصول على شرعيتها من الخارج، واحتكار التمثيل السياسي لصالح جماعاتها القادمة من هيئة تحرير الشام أو الباحثين عن مناصب في العهد الجديد. وتقول تحليلات إن السلطة حلّت الهيئة، واستبدلتها بالهيئة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية، والتي تلعب دوراً هاماً، وقد استولت على كل تركة حزب البعث، وهي أشبه بفرعٍ أمنيٍّ؛ تراقب وتسمح وتمنع وتشارك في القرارات السيادية مع المحافظين وكبار الضباط في الجيش والأمن. رغم دعم الخارج لها، هناك الكثير من الاشتراطات الخارجية عليها، وهناك قراءة للقرار الذي أَخرج الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة عقوبات مجلس الأمن بأنه وضع السلطة تحت المراقبة بشكل دقيقٍ: شكل الحكم، الانتهاكات، وضع الأقليات، وضع الفصائل السلفية، الأجانب، الحدود مع الدولة الصهيونية، وطبعاً كل سياساتها الأمنية والعسكرية، وربما حتى مظاهرات الثلاثاء الفائت.

لم يخرج السوريون العلويون بكثافة في ثورة 2011، كما لم تخرج الأغلبية السنية في كل من حلب ودمشق، وكذلك لم تخرج أحياء سنية في حمص وحماه، فيما تظاهرت أحياء أخرى. خرج أخيراً “العلويون والمدن الكبرى”، وبدأت الاعتصامات تُشاهد في كل المدن السورية ولها مطالب متعددة. فهل نُسخف ونستهزئ ونرفض نزول الناس إلى الشارع؟ الاعتصامات من حقوق الناس، والدولة تكفلها، أيّ دولة، ربما باستثناء كوريا الشمالية.

السلطة معنيّة بقطع الطريق على غزال غزال وحكمت الهجري ومختلف المشايخ الساعين إلى العمل بالحقل السياسي وتسييس الطوائف وتشكيل الدولة الطائفية، ولكن ذلك كله حدث بسبب إدارة ظهرها للسياسات التشاركية ولكل الشعب السوري، وعدم تجريم الخطاب الطائفي والكراهية بشكل ممنهج، وبالترافق مع تجريم الأسدية، والأنكى تقديم نفسها ممثلة عن الطائفة السنية فقط، بل وتنظيم شؤونها دينياً وتجاهل شؤون بقية الطوائف، وهذا الفعل يُقرأ تنظيماً سياسياً! المدخل الحقيقي للشرعية هو الداخل، أي تمثيل كل السوريين في السلطة والدولة، والطريق نحو ذلك هو الدعوة إلى مؤتمر وطني عام، تتمثل فيه كل النخب السورية لمناقشة كيفية النهوض بالدولة، وأن يكونوا ممثلين حقيقيين لمختلف المحافظات، وبكل تنوّعها الديني والقومي والسياسي والاقتصادي والثقافي. كل الشرعية الخارجية قابلة للتبدّد، فهي مشروطة، وهكذا هو عالم المصالح والعلاقات الدولية؛ فهل تعود سلطة الرئيس أحمد الشرع إلى المصدر الأساسي لشرعيّتها بعد مرور عام على هروب بشّار الأسد؟

العربي الجديد

————————

 الشارع يتكلّم والدولة تصمت: أزمة التمثيل في سوريا/ نوار جبور

الأربعاء 2025/12/03

كانت التظاهرات التي شارك فيها العلويون في حمص والساحل لحظة انكشف فيها المشهد السوري على حقيقته؛ فليست أهميتها في عدد المشاركين، بل في أنها أعادت إظهار أمرين جوهريين ينهضان مع كل حركة في الشارع، وكأنهما القانون الخفي الذي يحكم السياسة حين تتراجع عن دورها.

الفعل يبدأ من رجال الدين

أولًا، أن أي فعل سياسي في سوريا  مهما حاولنا تجميله أو توصيفه بعبارات حداثية أو تخيّلية  ما يزال يبدأ من رجال الدين أو من شخصيات تحمل خلفية دينية واضحة. كأن الوعي الجمعي السوري لا يزال معلّقًا بدلالة واحدة: أن الهوية الدينية هي المرجّح الوحيد، والضامن الوحيد، والمحرك الوحيد لأي خروج إلى الشارع. وكأن الفاعل الاجتماعي الذي كان مستترًا لم يعد قادرًا على الظهور إلا بهذه الصيغة، المشايخ والكهنة وقادة العشائر، باستثناء التجربة الكردية التي وجدت بحكم تاريخها وخصوصية نشأتها إطارًا سياسيًا منظّمًا يقوم مقام هذا الغياب لكن السلطة أيضاً تفاوضه وتعاركه في آن معاً.

هذا ليس خطأ الناس بقدر ما هو نتاج تاريخ طويل جعلت فيه السلطات المتعاقبة من السياسة وظيفة هامشية، وضيّقت المجال العام حتى اختنق أي فعل دنيوي مستقل. أما السلطة الجديدة، فهي تُعيد إنتاج هذا الإرث: دستور لم يُكتب ليُفاوض أحدًا، ومؤسسات بلا ممارسة سياسية فعلية، وبلاد ينتظر فيها الناس القرارات من دون أن يكون لهم أي حق تشاركي. وهكذا، حين يُخنق الفعل السياسي، يعود الناس إلى آخر ملاذ عرفوه: الدين. ليس لأنهم يريدونه، بل لأن الدولة نزعت منهم كل الأدوات الأخرى. وهذا لا يعني ان تفعيل السياسية لهو أمر سهل. لكن أي فعل سياسي حقيقي لا يولد في الفراغ ولا في الأزقة الدينية وحدها؛ يحتاج إلى إطار عمومي مفتوح، يسمح بتبادل المعنى، وتشكيل مصلحة مشتركة، وصنع خطاب يخرج الناس من ضيق الطائفة إلى تعبيرات أكثر أفقية. ورغم أن السلطة تسمح نسبيًا لمنظمات المجتمع المدني بالعمل، إلا أن الصلة بين هذا النشاط المدني وبين الفاعلين السياسيين شبه مقطوعة، ما يجعل الحركة الاجتماعية بلا حامل سياسي حقيقي.

ثانيًا، لا بد من السماح بإنشاء قنوات سياسية فاعلة في الساحل والعلويين تحديدًا، لأن السلطة تمارس اليوم دورًا إداريًا منفصلًا كليًا عن الناس، وتتنازع مع الإعلام المفتوح على تعريف حقوقهم واحتياجاتهم. وما يُلام عليه العلويون في تظاهراتهم وشعاراتهم التي رأى فيها البعض نزعة طائفية أو تنازعية ليست سوى نتيجة إهمال طويل لمطالب كرّروها مرارًا – وبالطرق الممكنة – لمعالجة هذا الانفصال، لكن من دون أي استجابة. لقد فقد مئات الآلاف من العلويين سرديتهم كاملة حول حربٍ أهلية يُمنَع الحديث عنها أو تأويلها، ولم تعد المشكلة في موقعهم السياسي فقط، بل في طريقة إدارة حضورهم داخل الدولة.

معاملة العلويين كضحايا

فُصل آلاف الموظفين والجنود من الفئة الرابعة والخامسة من أعمالهم بلا أيّ تعويضات، ومن دون أن تُحاسَب الجهات التي أصدرت القرارات. وبالرغم من قسوة ما جرى، تقبّل العلويون الأمر وانتظروا بلا ردّة فعل جماعية؛ لا عن رضا، بل لأنهم اعتادوا تاريخيًا تحمّل الصدمات من دون توفر قنوات مطلبية أو سياسية تُعبّر عن الظلم. يضاف إلى ذلك أن المناطق ذات الغالبية العلوية لا تُدار عبر أبناء الساحل في الأجهزة الشرطية والأمنية؛ فمعظم عناصر الشرطة والأمن العام غرباء عن بيئتها. هذا الإقصاء يقطع صلتهم بالدولة، ويجعل حضور السلطة عليهم حضورًا خارجيًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، فتتعمّق القطيعة بدلاً من أن تُحلّ.

وترافق هذا كله بأن يُعامَل العلويون يومًا كضحايا يحتاجون حماية، ويومًا آخر كخطر انفصالي أو ككتلة قابلة للتخريب. وفي الحالتين تُنزَع عنهم فردانيتهم وقدرتهم السياسية، ويُعاد إنتاجهم كجماعة تُستدعى عند الحاجة وتُقصى عند الحاجة، لا كفاعل سياسي له حقوق ومسار. هذا التقلّب في التمثيل ليس عرضًا جانبيًا للأزمة؛ بل جزءاً من طريقة إدارة الدولة لهم. فالسلطة السورية – كما اختبروها لمدة عام تقريباً – تحضر في الساحل كجهاز إداري خارجي يفرض ولا يحاور، ويُدير الحياة اليومية كما لو أن هذه المناطق ليست جزءًا من بنيته، بل هامش يُنظَّم ويُخاف منه.

وضع العلويين في موقع المساءلة ضرورةٌ بحكم كونهم جزءًا من بنية القوة، لكن لا يمكن لهذه المساءلة أن تتحول إلى انتقام أو إلى خطاب يشتمهم في الساحات والجوامع. هذا الهوس الإعلامي بتجريمهم جماعيًا يدمّر أي إمكانية لتشكّل دولة، ويحوّل السلطة إلى ميليشيا، ويكرّس الخوف بدلاً من السياسة.

حجم الاستجابة للشيخ غزال

كان مفاجئًا حجم الاستجابة للشيخ غزال المقيم في الخارج. والمفارقة أن الشيخ نفسه لم يكن يومًا في موقع يؤهّله لتمثيل الطائفة العلوية أو النطق باسمها: لا تاريخ ديني راسخ، ولا حضور اجتماعي يجعل منه واجهة معنوية. بمعنىً آخر، هو لم «يمتلك» الطائفة؛ بل خلق دور له مأمول فيه ليس من اي استحقاق أو أهمية بل ركام وتعب وانهيار السياسية والطائفة بشكل كُلي والبحث عن قائد للنجاة.

المثال الدقيق هنا هو المقارنة مع التجربة في السويداء ومحاكاتها: فالهجري يمتلك تاريخًا طويلًا في المشيخة والوجاهة الاجتماعية، وهذا ما يجعل حضوره مقبولًا أو مفهوماً سياسيًا واجتماعيًا، لأنه امتداد تقليدي لبنية دينية–اجتماعية مركزية راسخة، ولأنه كان في حوار مباشر مع السلطة الجديدة وانقطع عن سلطة الأسد. الشرعية هنا ليست من الخطاب؛ بل من الاستمرارية والاعتياد، من الجذر لا من السطح حتى من يختلفون مع الهجري يرفعون صوتهم بقسوة نحوه لأن حتى الخلافات معه قديمة. وما يُحاكَى في التجربة الدرزية لا يصلح بالضرورة في بيئة لم تُبنَ مرجعياتها بالطريقة ذاتها.

فالعلويون أنفسهم أقل مركزية في علاقتهم بمشايخهم مقارنة بطوائف أخرى؛ لا يمتلكون بنية دينية عمودية أو مرجعية قاطعة تقود الجماعة أو تحكمها. وهذا تحديدًا ما لم تفهمه السلطة أو لم تُحسن التعامل معه: لم تُصغِ طويلًا لمطالب العلويين، ولم تدرك أن تموضعهم خلف النظام لم يكن خيارًا سياسيًا بقدر ما كان انحباسًا داخل مدار حرب أهلية صنعتها السلطة ثم أصبحت شرطًا وجوديًا لهم. العلوي لم يقف خلف النظام لأنه مشروعه أو لأنه يراه تمثيلًا سياسيًا له، بل لأن النظام نجح في إدخال البلاد في صراع طائفي يبتزّ الجماعة باستمرار، ويجعل الاصطفاف يبدو قدرًا لا فكاك منه. ومع الحضور الإيراني الإقليمي وتعميق الانقسام الهويّاتي، أصبحت الطائفة نفسها مادة سياسية واجتماعية . بهذا المعنى، لم يكن صعود غزال دليل قوة، بل دليل هشاشة: هشاشة المجال السياسي، وهشاشة البنية الاجتماعية، وهشاشة قدرة الجماعة على إنتاج مرجعيات حقيقية خارج منطق الخوف.

الذعر الذي تصنعه السلطة

هناك بنية أخطر: بنية “الذعر” الذي تصنعه السلطة – الأسد أو سلطة الرئيس الشرع – وتعيد تدويره. فهناك دائمًا تصور لهوية «منتصرة» وأخرى «خاسرة»، مع أن هذا لا يعكس توازنات القوة ولا معنى لهذه القوة أصلاً، شيء وحيد يُعكس ذعرًا يُعاد إنتاجه داخل المجتمع. وقد كان العلويون الساحة الأكثر قابلية لهذا الذعر، مرة بوصفهم مهدَّدين، ومرة بوصفهم مُهدِّدين، وفق ما تقتضيه سردية السلطة في كل مرحلة. في العقود السابقة، وضعهم النظام داخل موقع الخوف من الإبادة، خوف صُنع بخطاب الحماية، وبتحويل السياسة إلى مسرح طائفي. لم يعد العلوي يرى نفسه كفاعل سياسي؛ بل كجماعة تُدافع عن وجودها. هكذا وُلد الذعر الأول: ذعر للجماعة.

أما اليوم، فانقلب المشهد إلى ذعر من الجماعة. فجأة، تُعامل السلطة العلويين كشبهة سياسية: جماعة ذات نزعات انفصالية أو قابلة للانتقام والعقوبة. لم تُعامَل كفاعل له مطالب وحقوق، بل كخلل ينبغي ضبطه. هكذا يُنتَج الذعر الثاني: ذعر من الجماعة. والنتيجة واحدة: جماعة وُضعت دائمًا داخل دائرة الخوف، ولم يُسمح لها يومًا بالتحرك داخل دائرة السياسة. لا تمثيل سياسي، لا قنوات مطلبية، لا اعتراف بحقوق داخل المجال العام. الهوية تُدار بالخوف هذا ما لم نتحدث عن خطورة الدعوة للمسامحة والرحمة من مبدأ تأويلي تكون فيها الذات السورية متجاوزة لقيم قروسطية نحو قيم أكثر اتساعاً وحياة، وبذلك يُقصى العلويون عن السياسة مرّتين: مرة بوصفهم ضحايا عليهم أن يتسلحوا، ومرة بوصفهم تهديدًا.وهذه هي الورطة التي تصنعها السلطة عندما تتحكم بالهويات بدل أن تنظمها:

هويات تُنتَج بالذعر، وتُستهلك بالذعر، وتُعاقَب بالذعر.

دولة صامتة سياسيًا

هناك دولة صامتة سياسيًا، بالرغم من الكثير من الحريات التي يبدو أنها ممكنة، ومع حريات سلبية لا تصل إلى الفعل السياسي، ولا إلى تعريف من هو المواطن الذي يستطيع الفعل. الشرطة، الأمن العام، والأوامر الإدارية ليست أدوات كافية لقيام دولة؛ فهناك صمت سياسي عميق يستدعي الهويات لكي تقوم مقام الدولة وتقول لنا ما سيحدث وماذا يريد الناس. لكن كل هذه الهويات لا تملك أدوات سياسية. الذي يتكلم هنا ليس الفعل السياسي بل الذاكرة والجرح والخوف والانتقام والإيمان الغيبي. والشارع لم يُخلق ليكون مكانًا للنيات الهوياتية والاعتراض السياسي؛ هو مكان للعمل والاقتصاد والعلاقة والحياة اليومية. لكن الشارع بات مهيّأً للاشتباك فقط، لأنه بلا نقابات، وبلا مؤسسات وسيطة، وبلا لغة تفاوض. إنه تواصل وحشي. وبات الناس يمدحون الأمن العام ليس لأنه يؤدي وظيفته، بل لأنه يدير أزمة وحشية قد تندلع في أي لحظة في الشارع. هناك مشاهدات لا بدّ من التوقف عندها. أولها أن حجم إدارة المخاطر كان جيّدًا نسبيًا؛ فالأمن العام تحرك بسرعة لإيقاف اشتباكات أهلية كانت قابلة للتمدّد خلال دقائق في الشارع، خصوصًا أن مدن الساحل وحمص شهدت في أوقات سابقة تشاحنًا ممكنًا داخل الشارع بين بيئتين أهليتين. هناك رفض مجتمعي لأي حراك للعلويين، ثم لأي حراك لا يكون موازيًا للسلطة. الرفض لم يكن سياسيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن جرح هويّاتي مفتوح يُسارَع فيه إلى شتم العلويين بطريقة مشينة، وتحميلهم جرحًا تُحسَم تعقيداته في الشارع لا في السياسة. هذا المشهد نفسه يفضح فجوة عميقة: هوّة من جروح الهوية، جروح راكمتها سنوات الحرب والاصطفافات القسرية، ولم تُعالَج سياسيًا ولا اجتماعيًا. كل طرف يرى في حراك الآخر تهديدًا لا مطلبًا، وهناك إحساس بأن العلويين مصدر خطر على نحوٍ مبالغ فيه، وانزلاق سريع نحو صدام لا محاولةً لانتزاع حقوق. وهذه الحالة ليست مجرّد خلل في المزاج الشعبي؛ بل دليل واضح على الافتقار إلى الحد الأدنى من معايير العمل السياسي الذي كان يفترض بالسلطة أن تؤسسه. فالسياسة، حين تغيب، تترك الناس أمام خيار واحد: الشارع. والشارع في بلد مثخن بالذاكرات الطائفية لا ينتج السياسة؛ بل ينتج خوفًا مضاعفًا. السلطة، التي كان يفترض أن تنشئ إطارًا سياسيًا جامعًا يخفف من حدّة هذه الجروح، تركت الهوية تتعامل مع نفسها من دون وساطة، ومن دون قانون، ومن دون لغة مشتركة. وهكذا يصبح كل حراك قابلًا لأن يُقرأ كتهديد وجودي، لا كمساحة تفاوض. وكان الرد على خروج العلويين شتائم متطرفة وصلت إلى تظاهرات في ألمانيا، في واحدة من أكثر صور التفريغ الاجتماعي فجاجة. قد يُفهم هذا السلوك ضمن منطق الحشود في لحظات الخوف، لكنه يكشف أيضًا مأزقًا أعمق: إلى متى ستظل الشتيمة هي اللغة الوحيدة المتاحة للتعبير، وتظل السياسة هي الغائب الأكبر؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يطالب بترميم الحياة العامة في حين أنَّ أدواته الوحيدة هي الانفعال والصمت، لا النقاش ولا الفعل السياسي؟

المدن

———————————–

وأنا أنا… هل أنتَ أنت؟/ هنادي زرقة

لماذا كنتُ “سوريةً” ترفض الظلم أيام نظام الأسد، وغدوتُ، الآن، شاعرة “علوية” بنظر أصدقاء الأمس؟

8/12/2024

لم يكن يوم فرح عادي بالنسبة إليّ. كان مسبوقًا بأسبوع من التوتر والترقّب والخوف من حرب أهلية. لكنّ الأهم أنه كان مسبوقًا بالسؤال التالي: هل سيسقط الأبد فعلًا؟

ثمّ سقط الأبد. لم يكن الأمر مستحيلًا كما كنا نظن. عبَرَت يومذاك جملة صديقتي الراحلة مها جديد في ذاكرتي: “اليوم للسوريين، وبكرا للسوريين”. كم تمنيت أن تكون معنا في تلك اللحظات، هي وفايز عطاف وهالة سعيد، كي يشاهدوا هتاف كثر لحظة السقوط: “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”.

لم تكن تلك الليلة مفرحة لكلّ السوريين. أذكر أني قضيت الليل وأنا أتلقى رسائل من أصدقاء خائفين من الانتقام، لا بوصفهم مستفيدين من نظام الأسد، بل لانتمائهم إلى طائفته ذاتها.

أرسلَت لي صديقتي صور بناتها وأبناء أختها وقالت لي: “إذا قتلونا اكتبي عنا، فأنا أحب طريقة كتابتك”. أخذتُ أطمئنها أن لا شيء من هذا سيحدث، فالسوريون يهتفون في الساحات بوحدة الشعب. لكنّ الغريب كان سرعة تغيير المواقف وصور البروفايلات، من جانب أشخاص كانوا داعمين للأسد حتّى لحظة السقوط، كما لو أنهم كانوا مع الثورة منذ اليوم الأول.

في ذاك اليوم، كانت لدي أمسية شعرية برفقة شاعرة إيرانية معارضة للنظام الإيراني. وفي نهاية الأمسية، وجّهت إليّ مشاركة إيرانية سؤالًا: هل أنت سعيدة بسقوط الأسد ومجيء الإسلاميين؟ أجبت: نعم، سعيدة جدًا! فابتسمت وقالت: لا تتسرّعي وانظري إلى حالنا!

لم آبه بما قالته، إذ لم أكن أريد لأي فكرة أن تعكّر فرحتي. بدأتُ أقنع نفسي ومن حولي بأن هذه السلطة جاءت بتوافق دولي يشمل السعودية التي بدأت تخلع ثوب التشدد، وأن حكم المتطرفين لم يعد مقبولًا. لم أكن غافلة عن جرائم “النصرة” و”هيئة تحرير الشام”، وكنتُ أشكّ بقدرة السلطة الجديدة على تطبيق العدالة الانتقالية لأنها، أيضًا، ارتكبت جرائم بحق السوريين. لكنّ التفاهمات الدولية أربكتني، شأني شأن كثير من السوريين، وخلطت الأوراق في عقلي، فتأملتُ خيرًا.

لم يطل بنا الوقت حتى بدأت السلطة الجديدة ترتكب انتهاكات، “مؤسساتية” إن صح التعبير، تتمثّل بتعيين أشخاص تابعين لها في دوائر الدولة لا يتّصفون سوى بالولاء. وكنا نواجه هذه التعيينات بالتهكم على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن راحت الانتهاكات تتمثّل بقتل أشخاص واختطاف نساء من الطائفة العلوية في حمص وحماة والساحل، لا ذنب لهم سوى انتمائهم الطائفي، في حين أجرى المجرمون الحقيقيون تسويات وراحوا يقودون “السلم الأهلي”.

أخذت “الانتهاكات الفردية” تزداد يومًا بعد يوم، وحصيلتها فلاحون وعمال بسطاء ونساء. وبلغ التحريض الطائفي أشده في شهر شباط/فبراير، وعادت الانقسامات الطائفية لتظهر. وراح سوريون يعتبرون الجرائم أحداثًا عابرة، يبرّرونها كما يبررون خطف النساء، فيما رأى آخرون فيها مسامير في نعش الدولة السورية المزمع بناؤها. وشهدت الساحة السورية تحوّلَ كثير من مناصري الأسد إلى داعمين للشرع، ما إن ارتدى بدلة رسمية وشذّب لحيته قليلًا.

بدأ الخوف يتعاظم لديّ. ها هو شبح الحرب الأهلية يعود، كما لو أن 14 عامًا من الاقتتال لم تكن كافية. اتصلتُ بصديقي، وهو شاعر معروف في اللاذقية، وطلبتُ إليه أن يرفع صوته ضدّ الانتهاكات، فقد غدا بحكم انتمائه الطائفي مقربًا من السلطة الحالية وأحد نشطاء السلم الأهلي. “حقكم تخافوا. إذا نحنا خايفين شوي”، قال لي. فسألته: “من نحن؟ ومن أنتم؟”. أجابني: “إنتو العلويين!”.

وقعت الكلمة عليّ وقع الصاعقة، فبادرت إلى سؤاله: “هل أنا بنظرك علوية؟ ماذا عن صداقتنا الطويلة ووقوفي إلى جانب ضحايا الأسد؟”. لم يجب، بل أكمل: “يجب أن نعطي السلطة الجديدة الفرصة ونأخذ بيدها. مهما قتلوا، لن يقتلوا بقدر ما قتل الأسد”. استشهدت له بآية “من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا”، وأكملت قائلة إن “أي سلطة يتاح لها التمكّن لعقود خمسة، قد تقتل بدورها كما قتل الأسد”. لكنه أغلق الهاتف قبل أن نكمل الكلام.

كان ذلك قبل مجازر الساحل بأيام قليلة. وحين بدأت المجازر تجتاح الساحل، ولم تكتف الميليشيات بالقتل بل عمدت إلى إذلال البشر ونهب الممتلكات وحرقها، لم يكن أمامنا سوى الصراخ من مضاجعنا الآمنة: “أوقفوا التحريض الطائفي …أوقفوا القتل”.

صمت كثير ممّن كانوا يكتبون خلال الأعوام الماضية “صمتكم يقتلنا”، وادّعى يعضهم أن الصمت موقف، وأن لا طاقة لهم على مواجهة التشبيح والتهديد. فعبرت في ذاكرتي التهديدات التي كنتُ أتلقاها بوصفي “خائنة للطائفة”، وكذلك الاستدعاءات إلى الفروع الأمنية. وسألتُ نفسي: لماذا كنتُ “سوريةً” ترفض الظلم أيام نظام الأسد، وغدوتُ، الآن، شاعرة “علوية” بنظر أصدقاء الأمس؟

وضعتني مجازر الساحل أمام تاريخي وجهًا لوجه، وبدأت أتفقد الخسارات التي منيتُ بها منذ عام 2011. تذكرت مقابلة أُجريت مع الشاعر عباس بيضون بعد حرب تموز/يوليو 2006. يقول عباس: “أنا، كشخص (…) منشق وخارج عن الجماعة (الطائفة). لكنّي أنتمي سوسيولوجيًا، تربويًا وحياتيًا وثقافيًا، إلى هؤلاء الناس، وقد أثر فيّ ذلك بعمق، وفوجئت بدرجة الاهتزاز الداخلي بعد قصف الضاحية وقصف الجنوب (…) فجأة عندما دُمّرت، شعرت أن جزءًا كبيرًا من حياتي سقط معها”.

وذكّرني ذلك بسؤال وجهه أستاذ مادة الرياضيات إلى أخي: “صحيح أن أختك مرتدة؟”. فأجابه: “تقصد أنها لم تعد مسلمة؟”. فسارع الأستاذ إلى التوضيح: “أقصد أنها معارضة للأسد، وأنها خرجت عن الطائفة”.

كانت المجازر تطال أحياء جبلة وتحرق ذكرياتي، وتتوالى معها صور أصدقائي المعارضين للأسد يسقطون قتلى. خمسة أيام مرّت لم أعرف فيها أي خبر عن أهلي. كنتُ أرى ماضيّ أمامي يُقتل وتُحرق جثته على مرأى ومسمع من أصدقائي الذين شاركوني إياه، من دون أن ينبسوا بكلمة.

كان جلّ همّي أن يعرّفني الناس بأنّي سوريةٌ فحسب. لم أكن أعير اهتمامًا للمكان الذي ولدتُ فيه. لكني، فجأة، شعرت بأن انتمائي للقرية التي يحرقون تخومها يفوق أي انتماء. تلك القرية التي قطعتُ علاقتي بدروبها وشجرها وكائناتها إثر اندلاع الثورة. كان الحريق يقترب، وكنت خائفة من أن يعمي رماد الحرائق عينيّ، فلا أعود أعرف من أنا.

كانت النيران والمجازر المرافقة لها كافية لحرق علاقات وتحويلها إلى رماد. كثير من الأصدقاء الذين فتحت لهم بيتي وقلبي أيام الأسد، لم يتّصلوا أو يكرّروا الجملة التي كنت أقولها لهم: “بيتي مفتوح لكم ولأهلكم!”.

تذكّرت صديقتي وجميع الخائفين ليلة السقوط. خجلتُ منهم، وبكيت. انهرتُ مرات أمام دموع أخوتي وخوف أحفادي. أنا الآمنة في برلين، وهم برقابهم تحت السكاكين.

بلغ التجاهل ببعض الأصدقاء حد المقاطعة. وحين امتدت المجارز لاحقًا إلى السويداء، وبلغ التحريض الطائفي ذروته، شعرت بالانتماء إلى أقلية، لا طائفية، بل أقلية ترفض القتل وترغب ببناء دولة. دولة مدنية ذات مؤسسات.

انطوت منشورات بعض الأصدقاء على عنف لفظي مستتر وتماهت مع السلطة الجديدة، فيما شكّل البعض مجرّد كتلة صماء. وأعرب أصدقاء عن تصديقهم السرديات الكاذبة التي كانوا يفضحونها أيام الأسد، وراحوا يبررون الارتكابات لمجرد انتمائهم السوسيولوجي إلى السلطة المنتصرة.

من “نحن” ومن “أنتم”؟، راح يكبر السؤال في ذهني. فهرعت إلى المرآة لأتأكد: هل ثمة دم على شفتيّ؟ وأخذتُ أنظر إلى يديّ: هل قتلتُ أحدًا بهما؟ هل أنا، بحكم انتمائي السوسيولوجي، قاتلة؟

ليس هذا الخذلان طعنة في قلبي فحسب، بل في قلب سوريا. أتذكر مها جديد وفايز عطاف وهالة سعيد ومصعب النبهان، وأحسدهم لأنهم رحلوا قبل هذا الدمار الأخلاقي الكبير.

وأشعر، مع سقوط الأسد، بأن أقنعة علمانية ومدنية كان كثر يتلطّون خلفها سقطت، وأننا صرنا عراة أمام بعضنا، مشلوحين في مهب الريح.

موقع أوان

———————–

 من الظل إلى الواجهة: صعود غزال غزال في لحظة الانهيار

الخميس 2025/12/04

إهداءٌ أول إلى “سماحة العلّامة ومرجع الطائفة العلوية الشيخ غزال فضل غزال”، ثم تبدأ الموسيقى.

يعلو صوت شابٍ بأغنية تحمل مناخاً تعبويّاً واضحاً، تتداخل معها صورٌ للشيخ وهو يمسك عباءته ويسير على طريقٍ ترابي، فيما تنساب الكلمات على الشاشة:

“يا حفيد الأكرمين، يا ابن الأطهار… يا نور الأنوار، نحن خلفك، نحن بصفّك…

أنت العالِم والعلاّمة وحاملُ ذو الفقار…

أنت الفارسُ في وجه الأخطار، يا بَيّ الأحرار”…

هذه الأغنية، التي تحوّلت في الأشهر الأخيرة إلى نغمة رنين في هواتف عددٍ كبير من شباب الساحل السوري، باتت تُسمع أيضاً في البيوت التي خرج منها غزال غزال.

فقد أصبح الرجل ـ من دون إعلانٍ أو مسارٍ إعلامي مباشر ـ صورةً ورمزاً في وجدانٍ محلّي يبحث عن مرجعية وسط الاضطرابات التي عصفت بالمنطقة خلال العقد الأخير.

إرث ديني

تنتمي عائلة غزال إلى واحدة من أكثر العائلات رسوخاً في التاريخ الديني للطائفة العلوية في ريف اللاذقية الشرقي. وفي تلك القرى التي تتداخل فيها روابط القرابة بالأدوار الدينية، بدأ اسم الشيخ غزال غزال يخرج تدريجياً إلى العلن خلال العقود الماضية، بوصفه واحداً من خطباء الجبال الذين تُفتح لهم بوابات التأثير الهادئ داخل المجتمع.

الشيخ غزال، المولود عام 1962 في قرية تلا التابعة للحفّة، لم يكن بعيداً عن إرث عائلته. فهو ابن الشيخ وهيب غزال، العلّامة المعروف، الذي شكّل الحاضنة الدينية الأولى له. وفي بيتٍ يتقاطع فيه الدين بالتعليم، حفظ غزال نصوص التراث الديني منذ طفولته، وتشرّب أساليب الخطابة ومخاطبة الناس عن والده، قبل أن يوسّع ذلك الإرث لاحقاً خارج حدود القرية والمسجد.

تلقى غزال تعليمه في مدارس اللاذقية، ثم توجه إلى دمشق ليلتحق بكلية الشريعة. وبعدها انتقل إلى لندن ونال شهادة في الشريعة من “الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية”. ومع عودته إلى سوريا، عمل إماماً وخطيباً ضمن مديرية أوقاف اللاذقية، وتولى التدريس في مدارس دينية. وقد تبدو هذه المسارات “اعتيادية” في سيرة أي رجل دين، لكنها في سوريا تحمل معنىً إضافياً: الاندماج داخل المؤسسة الدينية الرسمية التي شكّلت تاريخياً أحد أذرع الدولة، في زمن حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد.

لم يظهر الرجل سياسياً بشكلٍ مباشر، لكنه تحرك في أكثر المساحات حساسية: الدين، والمجتمع، وتلك الطبقة الرقيقة التي تفصل الطائفة العلوية عن الدولة الأمنية التي رعتها. لذلك نظر إليه كثيرون بوصفه “رجل دين من داخل البنية”، لا من خارجها؛ جزءاً من شبكة غير مكتوبة تنظّم العلاقة بين السلطة والطائفة.

علاقة ملتبسة

لا توجد وثائق تشير إلى أنّ غزال غزال لعب دوراً سياسياً مباشراً داخل النظام. لم يتولَّ مناصب في حزب البعث، ولم يظهر في المناسبات الرسمية الرفيعة، ولم يَرِد اسمه ضمن لائحة رجال الدين الذين قدّموا دعماً صريحاً للنظام بعد عام 2011.

ومع ذلك، فإن وجوده داخل موقع ديني رسمي في منطقة تُعدّ القلب الاجتماعي للطائفة العلوية، كان كفيلاً بإلباسه صفة “القريب من السلطة” أو “الرجل الذي يعمل في ظلّها”.

هناك عناصر عديدة عزّزت هذا الانطباع:

موقعه الرسمي: عمله كمفتٍ لمنطقة اللاذقية أو ضمن مديرية الأوقاف يعني أنّ الدولة اعتمدته في موقع ديني ـ إداري، أي أنّه يتحرك داخل الإطار المؤسسي الذي شكّل إحدى أدوات النظام لضبط المجتمع.

البيئة العلوية المغلقة: في الساحل، وضمن الطائفة التي أحكم النظام سيطرته عليها لسنوات طويلة، يُنظر عادةً إلى رجال الدين الرسميين باعتبارهم جزءاً من “البنية التي تخدم السلطة”، بحكم أن الدولة اعتمدت هذا النوع من المرجعيات لتدجين المجال الديني.

القراءة السياسية ما بعد 2024: عقب الانهيارات التي أصابت السلطة في الساحل، عاد بعض الخصوم الإعلاميين للربط بين اسم الشيخ غزال ومؤسسات النظام السابقة. كان هذا الربط، في كثير من الأحيان، مجرد انطباع أو نتيجة الانتماء إلى مؤسسة دينية رسمية في زمن الأسد، أكثر منه علاقة سياسية مباشرة.وهكذا، حتى لو لم يكن الرجل مقرّباً سياسياً من الأسد بالمعنى التقليدي ــ لا عضوية حزبية، ولا موقعاً أمنياً ــ فإن تموضعه داخل هياكل دينية رسمية في منطقة علوية مركزية يكفي لخلق هذا الانطباع. وكلما اهتزّت منظومة النظام وتراجعت، أصبح هذا النوع من الانطباعات أكثر حضوراً.

ومع ذلك، فإن أحاديث أبناء المنطقة ترسم صورة مغايرة: غزال غزال كان بالنسبة لهم شيخاً تقليدياً ظلّ بعيداً عن الاستعراض السياسي. لم يتصدّر المشهد، ولم يقفز إلى المنصّات، ولم يُتاجر بخطابات الولاء. لكنه لم يكن غائباً عن مراقبة ما يجري، خصوصاً خلال السنوات الأولى من الحرب السورية، حين تلقّى المجتمع العلوي أقسى ضرباته: القتل المتراكم، التجنيد القسري، غياب آلاف الشبان، والانهيار النفسي والاجتماعي الذي أصاب الساحل.

ورغم كلّ ذلك، بقي غزال خارج دائرة الضوء. لم ينخرط في لجان المصالحات، ولم يقترب من المعارضة، ولم يحاول لعب دور الوسيط. ظلّ خطابه محصوراً داخل الدائرة الدينية المحلية، وكأنه كان ينتظر لحظة أخرى ــ لحظة أكثر وضوحاً ــ ليقول ما لديه بالفعل.

ظهور الصوت

جاءت تلك اللحظة بعد سقوط بشار الأسد، حين ارتُكبت “مجازر” في الساحل السوري وشُكّلت لجان تحقيق خرجت نتائجها إلى العلن. في هذا المناخ المضطرب، خرج اسم الشيخ غزال غزال من هامش الخطب المحلية وقاعات التدريس، وبدأ يظهر في مقاطع مصوّرة وبيانات مكتوبة تدعو إلى حماية المدنيين العلويين، ووقف العنف، ومحاسبة المتورطين في الخطف والقتل.

كان الانتقال لافتاً، إذ تحوّل خطاب الرجل من لغة وعظية تقليدية إلى لغة سياسية مباشرة، تصوغ نفسها بوضوح حول “العلويين المدنيين” الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب موجة عنف.

بهذه النقلة، خرج غزال من موقع “الشيخ المحلي” ليصبح وجهاً علوياً صاعداً في مرحلة فقدت فيها الطائفة مرجعياتها القديمة، ولم تُنتج بعدُ البدائل الجديدة.

في خضمّ تلك اللحظة، قاد غزال تأسيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الذي يضم نحو مئة شيخ من مختلف المحافظات. وبهذه الخطوة، أعلن نفسه ـ ومعه مجموعة من رجال الدين ـ كمرجعية دينية ــ اجتماعية للطائفة في مرحلة فراغ قيادي كامل.

أصدر المجلس بيانات علنية طالبت بـ”حماية دولية للعلويين، لجنة تحقيق مستقلة في الانتهاكات، فدرالية أو لامركزية كضمانة للأقليات، اعتصامات سلمية ورفض الانتخابات الجديدة لغياب تمثيل عادل”.

ووصف غزال الواقع في الساحل بأنه “ساحة لتصفية حسابات طائفية”، مؤكداً أن العلويين يتعرضون لـ “قتل، اختطاف وتمييز”، وداعياً إلى وقف العنف فوراً.

بهذا الخطاب، تموضع غزال في موقع معارض للنظام الفعلي الجديد، ولو على نحو غير مباشر. وكان هذا تحوّلاً غير مسبوق لرجل دين لم يُعرف عنه أي دور سياسي خلال عقود.

وبقدر ما لامس خطابه مخاوف فئة واسعة من أبناء الطائفة الذين شعروا بأن أحداً يعبّر أخيراً عن “خوفهم الوجودي”، أثار أيضاً انتقادات حادة من أطراف رأت في خطابه محاولةً لإعادة إنتاج الطائفية بصيغة دينية مهذّبة.

خطاب مضادّ

على الجانب الآخر، برزت حملة معاكسة تتهم الشيخ غزال بأنه “رجل دين وظّفته الدولة لعقود”، وأن خطابه الجديد ليس سوى محاولة لإعادة تلميع دورٍ قديم في خدمة السلطة. معظم هذه الاتهامات صدرت عن قوى سياسية وعسكرية جديدة في الساحل؛ قوى صاعدة رأت في أي مرجعية دينية مستقلة تهديداً مباشراً لنفوذها.

وذهب بعض المنتقدين أبعد من ذلك، متّهِمين إيّاه بأنه يؤسس لـ”علوية سياسية” جديدة تستثمر الخوف وتستخدم اللغة الدينية لحماية مصالح مجموعات محددة داخل الطائفة. غير أن أغلب هذه الادعاءات لم يُدعَم بوثائق أو قرائن واضحة، وظلّ يتحرك في إطار الصراع على التمثيل داخل مجتمعٍ علوي مشرذم أكثر من أي وقتٍ مضى.

حتى اليوم، يبقى من الصعب تحديد حجم الحاضنة الشعبية لغزال غزال. فالمجلس الذي أسّسه لا يمتلك آليات انتخابية، وتعتمد شرعيته على شبكة من المشايخ والعائلات، لا على تمثيل مؤسساتي واضح.

ومع ذلك، فإنّ ظهوره الإعلامي في لحظة الانهيار، وصعوده كصوتٍ يحاول حماية المجتمع من الداخل، جعلاه لاعباً يصعب تجاهله. في المقابل، يرى آخرون أن صعوده مرتبط بلحظة فراغ سياسي وأمني، وأنه قد يتراجع مع استقرار المشهد أو مع بروز قوى تمثيلية أكثر تنظيماً.

بين الرسمية والبديل

لم يكن المجلس الإسلامي العلوي الجديد الذي أسّسه الشيخ غزال غزال امتداداً للمجلس الذي ظهر في عهد حافظ الأسد. فالمجلس الأول كان هيئة دينية رسمية مرتبطة بوزارة الأوقاف، تعمل تحت مظلة الدولة، وتضمّ مشايخ يُنظر إليهم تقليدياً على أنهم أقرب إلى القيادة السياسية منهم إلى المجتمع.

كان دور المجلس القديم واضحاً: دعم الدولة، تثبيت سرديتها وإدارة الشأن الديني ضمن الحدود التي ترسمها السلطة. لكن مع انهيار النظام بعد عام 2024، وتفكك البُنى التي كانت تنظّم الحياة الدينية والسياسية للطائفة العلوية، برزت الحاجة إلى مرجعية مختلفة تماماً.

في هذا السياق ظهر المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر بقيادة الشيخ غزال، مع إضافة كلمة “الأعلى” للتمييز عن هيئة النظام القديمة وخلق هوية جديدة. جاء المجلس الجديد بصفته جهة مستقلة، معارضة للسردية التقليدية، ومنفصلة عن مؤسسات الدولة السابقة، في محاولة لبناء مرجعية دينية علوية خارج قبضة السلطة.

وُلد هذا المجلس كردّ فعل مباشر على الأزمة السورية، وعلى شعورٍ واسع لدى أبناء الطائفة بأنهم كانوا مُستَخدَمين ضمن آلة السلطة حيناً، ومهمّشين حيناً آخر.

وبذلك بدا المجلس الجديد أشبه بهيئة دينية موازية ظهرت لملء الفراغ القيادي الذي نتج عن سقوط البنية الرسمية، أو حتى لتحدّي المشيخة التقليدية التي بقيت مرتبطة بالدولة لعقود طويلة.

بهذه الصيغة، بدا مجلس الشيخ غزال أول محاولة لصناعة مرجعية علوية مستقلة منذ عقود ــ مرجعية تتحدث باسم الطائفة لا باسم السلطة، وتطرح خطاباً دينياً وسياسياً جديداً يتجاوز موقع “الشيخ الرسمي” نحو موقع “المرجعية التي تدّعي تمثيل الخوف والمصير”.

مواقف سياسي

ظهرت مواقف غزال غزال السياسية في مرحلتين حاسمتين من تطوّر الأزمة السورية، حيث خرج خطابه من الإطار الوعظي التقليدي إلى مساحة سياسية ــ اجتماعية أكثر وضوحاً.

    المرحلة الأولى: التحذير المبكر

في السنوات الأولى للأزمة، حين بدأت تتشكّل خطوط الانقسام الطائفي، برزت أصوات علوية تدعو إلى الإصلاح وتحذّر من انزلاق الطائفة إلى الصدام. وفي هذا السياق ظهر بيان “العقل العلوي” الذي حمل لغة نقدية غير مسبوقة، وتقاطعت مع مواقف الشيخ غزال الذي دعا آنذاك إلى التفكير في مستقبل سوريا كدولة مواطنة، تجنّب التورط في الصراع الطائفي والحذر من الاصطفاف الكامل خلف السلطة.

لم يكن الشيخ غزال في تلك المرحلة معارضاً مباشراً، لكنه كان يدقّ ناقوس الخطر: الصراع الطائفي سيأكل المجتمع العلوي قبل غيره.

    المرحلة الثانية: المطالبة بالضمانات

ومع تصاعد المخاوف على مصير الأقليات، خصوصاً بعد تجاوز الحرب مراحلها الأولى، أخذ خطاب الشيخ غزال منحىً أكثر صراحة. تحوّلت رسالته من “التحذير” إلى المطالبة بضمانات سياسية ودستورية، ورأى أن النظام اللامركزي الطريق الأكثر واقعية لحماية الطائفة ومناطقها، الضمانات الدستورية ضرورة وليست ترفاً، حقوق الطائفة يجب أن تُصان دون أن تُستخدم كأداة للتحريض أو الصراع.

هذا التحوّل جعل خطابه قريباً من مشاريع سياسية جديدة تحاول تأطير الهوية العلوية داخل سياقٍ وطني تعددي وعلماني، بعيداً عن الاستخدام الأمني الذي هيمن لعقود.

من شيخ محلي إلى حامل مشروع

بهذا المعنى، تمثّل مواقف الشيخ غزال ــ ومعه إرث والده الشيخ وهيب غزال ــ كسراً للنمط التقليدي الذي ارتبط برجال الدين في الساحل. فالرجل لم يكتفِ بدور الواعظ المحلي، ولا بدور الموظف في مؤسسة رسمية، بل دفع بخطابٍ يستبطن مشروعاً سياسياً جديداً يقوم على: هوية علوية غير طائفية، دولة لامركزية، حقوق مدنية واضحة وتحرير المجال الديني من قبضة السلطة.

هذه المقاربة أثارت حساسية داخل الطائفة، لكنها في الوقت نفسه لامست مخاوف شريحة واسعة تشعر بأن “العلويين بلا ضمانات” في مشهد سوري يعاد تشكيله.

حركة في منطقة رمادية

اليوم، يتحرّك غزال غزال في منطقة رمادية تجمع بين الديني والسياسي والاجتماعي. ويستفيد من مجموعة عوامل متشابكة: انهيار المؤسسات القديمة، غياب بدائل قيادية واضحة، حاجات مجتمعٍ خائف يبحث عن صوتٍ يمثّله ورمزية موقعه الديني في لحظة فراغ تاريخي. هكذا يقدّم نفسه ممثلاً لشريحة واسعة تشعر بأنها مهمّشة ومهددة، وفي الوقت نفسه يطرح خطاباً يلمّح إلى طموح سياسي غير مباشر ــ سواء عبر المجلس الذي أسّسه أو عبر موقعه الرمزي داخل الطائفة.

وفي بلد يُعاد تشكيله من الصفر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحوّل غزال غزال إلى مرجعية دينية ــ سياسية قادرة على لعب دور في مستقبل الساحل؟ أم أنّ حضوره سيبقى ظاهرة طارئة وُلدت من مرحلة السقوط وتختفي مع استقرار البُنى الجديدة؟

الساحل نفسه لا يملك جواباً واضحاً بعد. وربما لن يملكه قريباً.

—————————

 غزال يدعو لمقاطعة احتفالات سقوط الأسد: “نظام أشدُّ ظلماً

السبت 2025/12/06

دعا رجل الدين السوري العلوي غزال غزال، أبناء طائفته إلى مقاطعة الاحتفالات بمرور عام على سقوط الحكم السابق اعتباراً من 8 كانون الأول/ديسمبر، رفضاً لما وصفه بأنه “ظلم جديد” يتعرض له العلويون بعد إطاحة الرئيس المخلوع  بشار الأسد في مثل هذا التاريخ من العام 2024.

وبدأت مناطق سورية عدة بإحياء الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام المخلوع بشار الأسد، في احتفالات تُوجت العام الماضي بدخول المعارضة العاصمة دمشق، منذ أواخر تشرين الثاني/نوفمبر.

كما شهدت اللاذقية ومدن أخرى، بينها طرطوس وحمص وريف حماة الغربي، خلال الأيام الماضية تظاهرات احتفالية بمناسبة مرور عام على سقوط النظام، شارك فيها آلاف المدنيين، وسط عروض فنية وشعارات تُمجد “نهاية الحقبة الأسدية”. وتُعد هذه الاحتفالات انعكاساً لتبدل المزاج المحلي بعد أربعة عقود من القبضة الأمنية وإرث الحرب.

“نظام أشد ظلماً”

وقال غزال، الذي يرأس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، في بيان نُشر على صفحة المجلس في “فايسبوك”، إن السلطات الحالية “تحت شعار الحرية تريد الاحتفال بالإكراه باستبدال نظام ظالم بنظام أشد ظلماً”. وأضاف: “اعتقلوا وقتلوا وذبحوا وخطفوا وحرقوا… والآن يهددون لقمة العيش، ويجبروننا قسراً على المشاركة باحتفالات بُنيت على دمائنا وآلامنا وأوجاعنا… وتكميم أفواهنا”.

وأعلن غزال أن الرد سيكون “سلمياً وواضحاً”، عبر إضراب عام وشامل لمدة خمسة أيام تبدأ في الثامن من الشهر الجاري وتمتد حتى 12 منه، مع التزام البقاء في المنازل، وذلك “رفضاً لتمكين ظلم جديد أشد بطشاً وأكثر استبداداً وإقصاء وقسوة”.

احتجاجات واحتفالات متعارضة

وخاطب غزال أبناء طائفته بالقول: “سنواجه اعتداءهم برد جماعي سلمي واضح يقيّدهم ويُذَكرهم بقوة إرادتنا التي لا تُقهر”.

وكانت التظاهرات قد خرجت الشهر الماضي في مدينة اللاذقية ومناطق أخرى ذات غالبية علوية احتجاجاً على الاعتداءات المتكررة ضدهم، في أكبر موجة احتجاج تشهدها هذه المناطق منذ سقوط الأسد، استجابة لدعوات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل المجلس الإسلامي العلوي الأعلى.

وتزامنت تلك التظاهرات الاحتجاجية مع مظاهر احتفال واسعة في مدن مختلطة أو خاضعة للمعارضة، حيث بدت البلاد منقسمة بين من يحتفل بمرور عام على إسقاط النظام السابق، ومن يعتبر أن مرحلة ما بعد الأسد حملت “ظلماً جديداً” لا يقل قسوة.

—————————–

 من ذروة السلطة لقاع الهامش: التحوّل الدرامي للعلويين بسوريا

الاثنين 2025/12/08

لم تكن الطائفة العلوية في سوريا تتخيّل، حتى في أكثر قراءاتها تشاؤماً، أنها ستصل إلى اللحظة التي تشعر فيها بالخوف من المستقبل، وتصف نفسها بأنها “مضطهدة” أو “متروكة” في بلد حكمه أحد أبنائها نصف قرن.

لكن التاريخ لا يمضي بخط مستقيم، ولا يمنح امتيازاً أبدياً لأي جماعة. وما عرفه العلويون منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم، هو ربما المثال الأكثر درامية على كيفية تغيّر موقع طائفة من قلب السلطة إلى أطراف المجتمع في جيل واحد.

من الجبل إلى القصر

قبل حكم الأسد، كان العلويون جماعة مهمّشة. يعيشون في جبال اللاذقية، يمتهنون الزراعة والعمل الموسمي، ويعانون من نظرة اجتماعية ودينية دونية.

لم يكن لهم حضور سياسي يُذكر، ولم يكن لهم نفوذ اقتصادي أو عسكري. كانوا جزءاً من “أطراف سوريا”، بينما كانت المدن الكبرى ــ دمشق وحلب وحمص وحماة ــ تمثل المركز السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد.

ومع دخولهم الكلية الحربية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، بدأ تحول بطيء ولكنه جوهري. الجيش أصبح الباب الذي أتاح لأبناء القرى العلوية النفاذ إلى الدولة المركزية، في وقتٍ كانت النخب المدينية تنفر من الحياة العسكرية.

ثم جاءت سبعينيات القرن الماضي لتشكّل نقطة الانعطاف الأكبر، فقبل وصول الأسد الأب إلى السلطة، لم يكن للعلويين حضورٌ يُذكر داخل الدولة السورية. كانوا أبناء القرى المرتفعة في جبال اللاذقية؛ فقراء، متفرقين، يحملون إرثاً دينياً مطارَداً وطبقاتٍ اجتماعيةً منهكة.

لم تكن الطائفة مضطهدةً رسمياً، لكنها كانت محاصرةً بخيال سياسي واجتماعي جعلها خارج مركز البلاد، وخارج دائرة “الشرعية” التي احتكرتها النخب السنية المدينية لعقود.

أقليةٌ على هامش المدن، تتوارث الفقر أكثر مما تتوارث الأرض، وتُصنَّف بعيداً عن “المركز السوري” الذي صنعته النخب الحضرية في دمشق وحلب وحمص.

وفجأة، فتحت الكلية الحربية نافذةً واسعة، نافذةٌ لم تكن مجرد بوابة للهروب من الجبل، بل للخروج من تاريخ كامل.

ومن خلف تلك النافذة، بدأ الضباط العلويون بالظهور واحداً تلو الآخر في الجيش، وفي أجهزة الأمن، وفي مواقع القرار… كأنهم يتسللون إلى قلب الجمهورية من فجوة لم ينتبه إليها أحد.

انقلاب حافظ الأسد لم يكن مجرد وصول ضابط علوي إلى السلطة، بل لحظة إعادة ترتيب كاملة للبنية السياسية السورية. وبدلاً من أن يكون النظام “علوياً” كما يُشاع، كان في الحقيقة نظاماً يحكم باسم الدولة لكنه يعتمد في بنيته الأمنية والعسكرية على أبناء الطائفة.

لم يكن العلويون “يحكمون” بقدر ما كانوا يحرسون الحكم.

وفي التسعينيات، شهدت شريحة من العلويين صعوداً طبقياً سريعاً: وظائف حكومية ثابتة، استقرار اجتماعي نسبي، حضور متزايد في الأجهزة الأمنية، وارتباط عضوي بالمعادلة التي صاغها النظام لنفسه: “نحن نحميكم… وأنتم تحموننا”.

لكن خلف هذا المشهد، كانت الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير.

فالعلوي، موظفاً كان أو ضابطاً، لم يكن جزءاً من السلطة بقدر ما كان جزءاً من آلةٍ لا يملك التحكم بها. آلةٌ مركزها عائلة واحدة ورجل واحد، فيما بقيت الطائفة خارج دائرة القرار الفعلي. وكان العلويون أنفسهم يدركون ذلك.

الجملة التي تتردد في القرى الساحلية كانت تختصر كل شيء: “نحن حراس السلطة… ولسنا السلطة”.

ومع أن قلةً من أبناء الطائفة شقّوا طريقهم إلى عالم المال والنفوذ في دمشق، بقي الجزء الأكبر يعيش في ظروفٍ صعبة: قرى بلا خدمات، شباب بلا فرص، واقتصاد هش يقوم على الرواتب العسكرية والتحويلات.

الأسد الابن

جاء بشار الأسد محمّلاً بوعود إصلاح، ومسنوداً بطبقة رجال أعمال جديدة، كان بعضهم من أبناء الطائفة. لكن هؤلاء، في جوهرهم، لم يمثلوا العلويين بقدر ما مثلوا القصر وشبكات المصالح المحيطة به.

اندلعت احتجاجات عام 2011.

في تلك اللحظة، لم يترك النظام للطائفة مساحة للاختيار. انهارت لغة الدولة، وحلّت مكانها لغة التهديد: “إذا سقطتُ… سيسقط دمكم”.

وبتلك المعادلة، تحولت القرى العلوية إلى مستودعات بشرية للحرب: مئات الآلاف جُنّدوا قسراً أو طوعاً، وعشرات الآلاف قُتلوا أو فُقدوا، وقرى بأكملها فقدت رجالها وتحولت إلى مجتمعات تقودها النساء.

ومع مرور السنوات، كان السؤال يزداد حدة: “لماذا نقاتل؟ ولمن نقاتل؟”

لكن النظام كان أقوى من الأسئلة، والطائفة كانت أضعف من الاعتراف بأن الحرب لم تكن حربها.

وخلال عشر سنوات، تحولت كثير من قرى الساحل إلى قرى بلا رجال. مئات الآلاف جُنّدوا، عشرات الآلاف قُتلوا، آلاف الفقدان والمفقودين. رأى العلويون أبناءهم يُستنزفون دفاعاً عن نظام لم يمنحهم يوماً حرية الاختيار بين الحرب والسلم.

والأهم: لم يكن لديهم صوت سياسي مستقل. وجدت الطائفة نفسها تدافع عن سلطة لم تكن تملك أدواتها، وعن دولة لم تشارك في بنائها.

سقوط النظام

حين سقط النظام سقطت معه الصورة التي علّق عليها العلويون أمنهم لعقود.

تبيّن لهم أن “حماية النظام لهم” كانت وعداً هشاً بنته ماكينة إعلامية، لا حقيقة سياسية.

فجأة وجدت الطائفة نفسها بلا جيش يحميها، بلا مؤسسات، بلا حليف دولي واضح، بلا قيادة داخلية موحدة، وبلا سردية تحمي هويتها. هذا الانكشاف لم يكن صدمة سياسية فقط، بل صدمة وجودية.

بدأ كثير من العلويين يشعرون بأنهم ضحايا للنظام قبل أن يكونوا ضحايا لسقوطه.

بدأ أبناء الطائفة يسألون: كيف تحولت الطائفة التي “حكمت سوريا” ــ وفق الخطاب العام ــ إلى طائفة “مضطهدة” تشعر بالخوف من كل شيء؟

الإجابة جاءت من داخلها: لأن النظام لم يعاملهم يوماً كجماعة سياسية، بل كوسيلة للبقاء.

وعندما سقط، تركهم في مواجهة تبعات تاريخه وحدهم. ظهرت مظلومية جديدة، لكنها هذه المرة مظلومية ضد النظام نفسه: “ضحّى بأبنائنا، استخدمنا، ثم تركنا نواجه العاصفة”.

المجازر الأخيرة

كان الهجوم الذي نفذته مجموعة من فلول النظام على مركز للأمن العام في الساحل، الشرارة الأولى. خلال ساعات، تدخلت فصائل عديدة في المنطقة ــ بعضها بدافع الثأر، بعضها بدافع الفوضى ــ واندلعت موجة عنف كبيرة.

قُتل مدنيون، خُطف آخرون، ووقعت انتهاكات أعادت إلى الأذهان أسوأ صور الحرب.

بالنسبة للعلويين، كانت هذه اللحظة لحظة الانهيار الأكبر: لم تعد الطائفة ترى نفسها مهدَّدة فقط، بل ترى أن “حماة الأمس” صاروا سبباً في استهدافها اليوم.

ردّ الرئيس أحمد الشرع بتشكيل لجان تحقيق مستقلة، خطوة غير مألوفة في تاريخ سوريا، هدفت لاحتواء الفوضى ومنع تحوّلها إلى حرب أهلية.

لكن الجرح كان قد انفتح: العلويون صاروا يشعرون بأنهم الطرف الأضعف في معادلة سياسية جديدة تتشكل دونهم.

مع الأحداث الأخيرة، تحوّل النقاش داخل الطائفة من سؤال “كيف نحمي أنفسنا؟” إلى سؤال “ما موقعنا في الدولة الجديدة؟”.

صار الحديث عن الفيدرالية واللامركزية والضمانات الدستورية جزءاً من النقاش العام داخل الساحل. هذه الطروحات التي كانت تُعتبر خيانة أو انفصالاً قبل سنوات، أصبحت اليوم مطلباً لحماية الهوية، وسيلة لضمان مشاركة سياسية ومحاولة لتجنّب مصير الطوائف المهزومة في التاريخ. رأى العلويون أن الدولة المركزية التي حمَتهم ظاهرياً هي نفسها التي تخلّت عنهم في لحظة الحقيقة.

بعد سقوط النظام، لم تعد الطائفة قادرة على الالتفاف حول آل الأسد.

ظهرت شخصيات دينية واجتماعية جديدة ــ مثل الشيخ غزال غزال ــ تقدم خطاباً مختلفاً: لا امتيازات، لا ولاء أعمى، بل شراكة سياسية وحقوق مدنية.

للمرة الأولى منذ مجيء حافظ الأسد، بدأ العلويون يفكرون في أنفسهم كجماعة مواطنين، لا كذراع أمنية للسلطة.

ليس لأن الدولة تستهدفهم، ولا لأن النظام الجديد يعاديهم، بل لأنهم: فقدوا نفوذهم القديم، النظام الذي وُصف بأنه “نظامهم” لم يكن لهم، لكنه وفّر لهم حماية رمزية، ومع سقوطه، تلاشت هذه الحماية.

ضحاياهم بالآلاف، واقتصاد مناطقهم في الحضيض، وبناهم الاجتماعية متصدعة.

يفتقدون تمثيلاً سياسياً حقيقياً، لا حزب، لا مجلس ولا قيادة موحدة. يواجهون خطاباً عاماً يحمّلهم مسؤولية النظام السابق، وهو خطاب يختلط فيه الغضب السياسي بالأسطرة الطائفية.

بهذا المعنى، يشعر العلويون اليوم بأنهم مضطهدون ليس لأن أحداً يسعى لاضطهادهم، بل لأنهم في موقع الهشاشة الكاملة: هشاشة سياسية، وهشاشة اجتماعية، وهشاشة وجودية.

المرحلة المقبلة

بعد خمسين عاماً من الحكم الأمني، خرجت الطائفة من السلطة… وخرجت معها من خوف طويل. لم يكن سقوط الأسد نهاية الطائفة، بل نهاية استخدام الطائفة كدرع.

اليوم، يكتب العلويون فصلهم الأول خارج السردية الرسمية. المستقبل غامض، لكنه للمرة الأولى مفتوح أمام خيارات جديدة: لا حماية مزيفة، لا تمثيلاً وهمياً ولا دولة تتحدث باسمهم.

هناك فقط مجتمع يبحث عن مكانه الحقيقي في سوريا تُبنى من جديد.

وتقف الطائفة العلوية اليوم على عتبة إعادة تعريف كبرى: من هم؟ ما دورهم؟ وما موقعهم في سوريا جديدة تتشكل دون وصاية الأسد؟

ويمكن القول ان  اللحظة الراهنة ــ رغم قسوتها ــ قد تكون الفرصة الأولى منذ قرن ليعيد العلويون تعريف أنفسهم خارج ظل السلطة، وخارج قيد الخوف.

———————–

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى