نقد اللامركزية كمشروع مزاجي/ د. عماد العلي

2025.12.04
يعيش المجتمع السوري تجربة سياسية استثنائية لا تتأتى من خصوصية التجربة الثورية بحد ذاتها فحسب، إنما أيضًا مما تفرضه الظروف الداخلية والخارجية من معطيات تلقي بظلالها على أدق تفاصيل العملية السياسية الانتقالية.
وربما لا نلفت إلى جديد إذا ما قلنا إن التحديات والمعيقات أمام بناء الدولة السورية الجديدة تبدو كجبهة متماسكة بشكل أكبر مقارنة بالنوايا والأعمال والآمال، وما مطالب الانتقال إلى الدولة اللامركزية إلا دليل على ذلك. لسنا ضد الدولة اللامركزية من حيث المبدأ، فهذه تمامًا كالدولة المركزية، لها ما لها من إيجابيات وعليها ما عليها من سلبيات، لكن رفضنا للفكرة يأتي من قراءة واقعية للمعطيات الظرفية الراهنة التي تجعل من الدولة اللامركزية عاملًا معيقًا أمام الهدف الأسمى: مشروع الدولة الحديثة، دولة المواطنة والعدل والقانون.
يمكن – إلى حدّ ما – تفهّم أسباب المطالبة باللامركزية بسبب المركزية المتطرفة التي أنتجتها سياسات نظام الأسد والنهج الحزبي البعثي العبثي، حيث تمت إدارة مفاصل الدولة وعمليات صنع القرارات السياسية عموديًا من الأعلى إلى الأسفل. لكن هذه المركزية المتطرفة كانت نتيجة طبيعية للحكم الاستبدادي الذي انتهج التسلط وابتلع الدولة الفعلية وأنتج دولة شكلية. إن القضية الإشكالية ليست في المفاضلة بين المركزية واللامركزية، حيث نعتقد أننا لم نصل بعد إلى رفاهية هكذا مفاضلة، إنما الإشكالية في أن الطرح بحد ذاته يمثل خروجًا عن هدف سياسي من شأنه تحقيق أكبر قدر ممكن من الإجماع، ونقصد بذلك بناء الدولة الحديثة القوية.
نقد مطلب اللامركزية كمشروع مزاجي
بموازاة العبث الأيديولوجي والإعلامي المتشنج الذي أصبح السمة الأبرز في مشهد التطورات اليومية في سوريا، تبرز ما يمكن تسميته بـ“المشاريع المزاجية” التي تبدو عاملًا معيقًا لمسار الانتقال السياسي وبناء الدولة الجديدة من ناحية، والتي تفتقد للعمق التاريخي والنفاذ السياسي والاجتماعي من ناحية ثانية. تتجسد هذه المشاريع المزاجية بمساعٍ مناطقية وطائفية تستغل – أو استُغلت – حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني للترويج لتصورات آنية فارغة المحتوى سياسيًا، متمثلة بسرديات أو أفكار للانفصال أو للحكم الذاتي تحت شعار اللامركزية على أساس مناطقي ومذهبي أو على أساس عرقي أو طائفي. ومجرد النظر إلى الأسس التي تعتمدها هذه المشاريع (المناطقية والإثنية والطائفية) يجعل التشكيك بمصداقية مطلبها (اللامركزية) مشروعًا، لأن مضمون الدولة الفيدرالية لا يقوم على هذه الأسس، وبالتالي لا مجال سوى للنظر إلى المطلب على أنه ذريعة تخفي خلفها طموحًا انفصاليًا يصعب إنكاره.
إلى جانب الأسباب المعلنة أو المرئية لمطلب اللامركزية، يمكن إبراز سبب “مزاجي” غير معلن، يتمثل في ظاهرة الأيديولوجيا المتطرفة التي تعبّر عن نفسها بفكرة رفض السلطة السياسية الجديدة بسبب خلفيتها الإسلامية.
إذا كانت القيادة السورية الجديدة القادمة من ثورة تاريخية ستُرسّخ حكمًا تسلطيًا جديدًا، فهذا لن يعني سوى أن الثورة قد فشلت ولم تحقق أهدافها. لكن لا يمكن الأخذ بهذا السيناريو على أنه حقيقة واقعة ليكون مطيّة للتعبير عن مخاوف تبدو غير واقعية. ومع التأكيد على ضرورة السعي للتفكير بعمق وعقلانية وبمنهجيات معرفية حول علاقة مناسبة بين الدين والسياسة، وهي جزء أصيل من أي عقد اجتماعي توافقي مستقبلي، فإن ذلك يشترط أيضًا الاعتراف بأن أفكار التخويف من “الإسلام” والمبالغة في مظاهر “العلمانية الزائفة” لم تكن سوى شعارات سردية وتسويغية غذّاها نظام الأسد لخدمة مصالحه الضيقة.
من منظور المنطق السياسي، ليس عيبًا وليس خطأ أن تكون القيادة السورية الجديدة ذات خلفية إسلامية. وفي الوقت نفسه، ليس عيبًا وليس خطأ أن يكون هناك من يرفض الأيديولوجيا الإسلامية. إلا أن العيب والخطأ هو أن يكون هذا الرفض نابعًا من مبدأ رفض فكرة أن تكون الغالبية المسلمة على رأس السلطة في البلد، بدلًا من النظر إليها كقوة سياسية تتبنى هذه الأيديولوجيا أو تلك. هنا نصبح خارج أسوار المنطق، ونكون قد انتقلنا من منطقة الرفض السياسي الأيديولوجي في إطار التفاعل السياسي الطبيعي إلى منطقة الرفض الثقافي والديني على أساس المرجعية الطائفية والأحكام المسبقة. لا تخدم هذه العقلية المصلحة الوطنية السورية، بل تفرض علينا الظروف الحالية أن نكون على قدر من المسؤولية التاريخية بالتمسك بالحقوق والقبول بالواجبات، وهذه تتضمن أن نطور وعيًا سياسيًا بالتحول من عقلية الغالبية والأقلية على أساس ديني وطائفي إلى عقلية الغالبية والأقلية على أساس سياسي، أي الانتقال من مستنقع اللعبة الطائفية العبثية إلى رحابة العمل السياسي النزيه.
اللامركزية والطائفية كنتيجة لفراغ فكري
على مرّ التاريخ السوري الحديث، منذ الاستقلال حتى اليوم، تسببت النخبة السياسية – بقصد أو دون قصد – في إفراغ المجال السياسي من مضامينه ليكون مجالًا لممارسة الاستبداد والإرهاب باسم الدولة، وترسخت هذه الصورة عن السياسة والدولة في الوعي الجمعي. ومع ذلك، لعبت النخبة الفكرية والمثقفة دورًا فيما وصلنا إليه من حال، بسبب ابتعادها عن مخاطبة هموم المجتمع السوري، مقابل اهتمامها الواسع بتبني تصورات أيديولوجية وعقائدية أخفقت بدورها في تشخيص المشاكل السياسية والاجتماعية بدقة وعمق. لا يتسع المقام لمعالجة أزمة المثقف السوري، لكن لهذه الأزمة صلة مباشرة بالجدل الراهن حول المركزية واللامركزية، حيث لم تُنتج نخبتنا الفكرية أي تنظير معقول أو تأصيل مقبول في هذا الصدد. ولذلك، يجد الشعب السوري نفسه اليوم محرومًا من الأفكار، فاقدًا بوصلته الفكرية، وبالتالي لا يجد أمامه سوى الانتماء للجماعة، وهذه في أيامنا الحالية بالدرجة الأولى الطائفة. فاللجوء للطائفة ليس بالضرورة بسبب غياب الدولة، إنما أيضًا بسبب غياب الأفكار العقلانية الموجِّهة؛ فعندما تغيب الفكرة يبرز الصنم، كما عبّر عن ذلك مالك بن نبي.
لا ننظر إلى فكرة اللامركزية على أنها فكرة غير وطنية، إنما غير منطقية وغير واقعية استنادًا إلى الظروف الحالية والهشاشة الكبيرة التي تعاني منها الدولة والمجتمع على حد سواء. فسوريا لا تملك التجربة التاريخية والإدارية في هذا المجال. والنقطة الأهم هي صعوبة إنجاز دولة لامركزية في الوقت الذي لم يتم فيه حتى اللحظة إنجاز بناء الدولة، ولا يمكن تصور دولة لامركزية من دون وجود “الدولة” نفسها.
إن اللامركزية ليست الحل لأنها ليست المشكلة، والمركزية ليست الحل لأنها كذلك ليست المشكلة. إن مشكلتنا تكمن في عدم قدرتنا حتى اليوم على التوصل إلى توافق على شكل التنظيم السياسي الذي يشتمل على الدولة والمؤسسة السياسية والمنظومة القيمية وإطار العلاقات الاجتماعية. ومن المؤلم حقًا أننا نفكر بالحلول من دون أن نفهم أساس المشكلة ومكامن الأزمة، ناهيك عن أن الحلول المطروحة لا تتعدى حقيقة كونها عناوين (الدولة الدستورية، دولة المواطنة.. إلخ) يتم وضعها من دون تحليل وتأصيل معرفي ومنهجي، فصارت مجرد شعارات أو سلع رائجة في بازار الضحالة الثقافية.
ما عاشته سوريا على مر السنوات الماضية يتطلب إخضاع كل ما يتصل بالمجال السياسي والاجتماعي لإعادة تفكير فكرية جذرية، بدءًا من مفهوم السياسة مرورًا بالدولة ونظام الحكم وصولًا إلى المواطن الفرد. والقلق من الفشل في بناء الدولة الجديدة هو قاسم مشترك للجميع ولا يقتصر على الأقليات، لأن حدوثه – لا قدّر الله – سيكون كارثة وفشلًا تاريخيًا نخاف من مجرد التفكير بتبعاته. لا يمكن بناء الدولة إلا بوجود مجتمع متماسك حول هذه الإرادة، وهذا هو الهدف الثوري الذي ينبغي أن يكون جوهر الانتقال السياسي.
تلفزيون سوريا



