الديبلوماسية السورية.. البحث عن توازنات وسط صراع نفوذ إقليمي ودولي/ سلطان الإبراهيم

تقول الحكومة السورية الانتقالية إنها تعمل على إيجاد توازن في العلاقات بعيداً عن الأحلاف لكن ذلك يواجه تحديات كبيرة
2025-12-06
شكّل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أواخر آذار/ مارس الماضي، الحكومة الانتقالية من 23 وزيراً كأول حكومة بعد سقوط نظام بشار الأسد، في أعقاب إصدار الإعلان الدستوري في الشهر ذاته، ليعلن بذلك عن مرحلة جديدة بسوريا، تقوم وفق المسؤولين الحكوميين على الانفتاح على الإقليم والعالم وبناء سياسات تقوم على التوازن بعيداً عن الأحلاف، لكن هذا التوجه الجديد تعترضه تحديات كبيرة، تضع البلاد أمام مسؤوليات مضاعفة، في ظل الانفتاح الغربي الحذر عليها، والبدء برفع العقوبات الاقتصادية تمهيداً لبدء إعادة الإعمار.
مسار معقد
ووسط هذا المسار المعقد، تشير المعطيات إلى أن سوريا بدأت باستعادة مكانتها تدريجياً لكن لا تزال تعاني مشكلات داخلية عديدة، وتبقى محل صراع نفوذ إقليمي ودولي، تجعل من إعادة اندماجها الكلي بالمجتمع الدولي يواجه تحديات وعراقيل كبيرة، مع استمرار تأخر إنجاز اتفاق أمني مع إسرائيل ومواصلة تدخلاتها وهجماتها العسكرية بالبلاد، وما تصفه تقارير إعلامية بصراع حقيقي بينها وبين تركيا صاحبة النفوذ الواضح في الشمال، والتي تمتلك علاقات قوية مع الحكومة الانتقالية، إلى جانب الوجود الروسي في قاعدتين على الساحل، وتمتلك اتفاقيات عسكرية واقتصادية وقعتها في عهد النظام المخلوع.
وبعد عدد من الجولات الإقليمية في السعودية وتركيا والإمارات وقطر، واستقبال العديد من الوفود العربية والإقليمية والعالمية على رأسها باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ووزيرا الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، والألمانية أنالينا بيربوك، التقى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أيار/ مايو الماضي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السعودية، بعد أن أعلن الأخير رفع العقوبات عن سوريا بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فيما اعتبر أنه خطوة لافتة في طريق استعادة العلاقات السورية مع الغرب، وإنهاء مرحلة الانضواء في المعسكر الشرقي.
وفي أعقاب زيارته إلى العاصمة الروسية موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والتأكيد على الالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع روسيا، اعتبرت زيارة الشرع إلى واشنطن في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ولقائه ترامب، بأنها “خطوة تاريخية” في طريق استعادة المكانة الدولية، حيث تم التوقيع على انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، بحث توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل، يعتبر بحسب مسؤولين أميركيين “ضرورياً لتطبيق رؤية ترامب في الشرق الأوسط”.
صراع نفوذ
ورغم تأكيد محللين، أن الرئيس السوري الانتقالي يسعى من وراء التقارب مع الولايات المتحدة، إلى تحقيق أهداف تكتيكية واستراتيجية تتعلق برفع العقوبات عن سوريا وعقد اتفاق سلام مع إسرائيل على المدى البعيد، لتمكين أركان حكمه للبلاد، إلا أن هذا التوجه قد يفتح الباب لتعميق ما يمكن وصفه بصراع النفوذ وتوسعه بين العديد من الأطراف الإقليمية والدولية على الأرض السورية، على اعتبار أن البلاد لا تمتلك الأوراق والقوة اللازمة لبناء سياسة قائمة على التوازنات بين جميع الأطراف، ما يجعل الديبلوماسية السورية محط ترقب وانتظار لقياس مدى الوصول إلى نتائج تخدم مسار التعافي والنهوض واستعادة المكانة.
إعادة تموضع سياسي
يقول حسان فرج، الديبلوماسي بالعلوم السياسية واستراتيجية الدفاع المقيم في فرنسا، إن “دمشق تبدو أمام مرحلة دقيقة من إعادة التموضع الديبلوماسي، فعلى الرغم من الإنجازات العسكرية والسياسية، ما زالت بنية النظام الإقليمي والدولي معقدة وتحذ من قدرة سوريا على تحقيق اختراقات سريعة، حيث تبرز اتجاهات مؤثرة في السياسة أبرزها الاستقرار الداخلي النسبي وحدود السيطرة، والتحديات الداخلية من ملف المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار في ظل محدودية الموارد، إلى جانب تثبيت الأمن في المناطق التي لا تزال خارج السيطرة الكاملة مثل الجنوب وشرق الفرات”.
ويرى فرج خلال تصريحات لـ”963+”، أن “استمرار وجود قوى مسلحة خارجة سلطة الدولة يخلق بيئة داخلية غير مستقرة، ما ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ سياسات خارجية أكثر استقلالية”، معتبراً أن “دمشق تسعى لتفعيل شبكة علاقاتها الإقليمية بعد سنوات من العزلة، وترتكز ديبلوماسيتها على محاولة تثبيت شراكة سياسية وأمنية مع تركيا، والاتجاه نحو تخفيف التوترات مع إيران ولبنان ومحاولة فتح صفحة جديدة، واعتماد خطاب غير تصادمي تجاه حزب الله اللبناني، وبناء قنوات تعاون مع العراق والأردن، إلى جانب الانفتاح على دول الخليج العربي خصوصاً السعودية وقطر، في مسعى لإعادة إدماج البلاد بالمنظومة العربية، إضافةً إلى فتح خطوط اتصال مع مصر وتبديد هواجسها”.
صعوبة إدارة دفة العلاقات الدولية
ويؤكد باحث العلاقات الدولية في هيئة الشرق الأوسط للسياسات ماركو سعد، أن “سوريا خارجة من حرب دمرت البنية التحتية والاقتصاد والعلاقات الدولية أيضاً، وكانت تحت تأثير النفوذ الإيراني والروسي، وعليه فإن الحكومة السورية الجديدة من الصعب عليها إدارة دفة العلاقات الدولية بدون أخطاء، لكنها تحاول حتى الآن العمل على سياسة متوازنة سواءً مع الولايات المتحدة أو روسيا، إلى جانب أن سوريا أصبح لها حضور في الأمم المتحدة وقبول دولي بشكل أكبر، وتم رفع العقوبات عنها باستثناء قانون قيصر الذي يبدو أنه في طريقه للإلغاء أيضاً”.
لكن سعد يشدد خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “علاقة سوريا مع المجتمع الدولي لا تزال أمامها عوائق كثيرة، حيث أنه لا يزال الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص ينظرون إلى الحكومة السورية الجديدة بعين من الشك، ومدى التزامها بحقوق الأقليات وحقوق الإنسان، والابتعاد عن العنف السياسي وترسيخ قيم المواطنة والقانون، لكنهم يرون أنه من الضروري دعم الحكومة الجديدة لأن ذلك هو الحل الوحيد لدعم قيام الدولة الجديدة المدنية التي تقوم على سيادة القانون”.
ووسط التحركات لإعادة بلورة دور سوريا واندماجها بالمجتمع الدولي، وانتظار تبلور التوجه الأميركي في هذا الشأن وما تبحث عنه واشنطن في سوريا، تبرز العلاقة مع إسرائيل وتوقيع اتفاق أمني معها، كأحد الملفات التي تأخذ بعداً إقليمياً ودولياً، في ظل حديث تل أبيب عن البقاء في المناطق السورية التي دخلتها بعد سقوط النظام، وطرحها ملفات داخلية سورية مقابل إصرار دمشق على انسحابها والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، رغم الدفع الأميركي باتجاه عقد اتفاق.
وينوه فرج، إلى أن “احتمالات توقيع اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل لا تزال ضعيفة في المدى المنظور، بسبب مركزية ملف الجولان في الوعي الوطني السوري، وصعوبة تقديم تنازلات قد تفسر داخلياً على أنها مس بالسيادة، لكن مع ذلك قد تشكل التسويات الإقليمية الواسعة على غرار الاتفاقات الإبراهيمية، عامل ضغط على دمشق لإعادة تقييم موقفها إذا ارتبط ذلك بمكاسب كبيرة مثل إعادة الإعمار ورفع العقوبات”.
ويشير، إلى أن “اللقاءات المعلنة بين ترامب والشرع، تعكس بداية مرحلة جديدة لكنها لا تزال ضمن إطار جس النبض أكثر من كونها مسار شراكة مستقرة، حيث تفرض الولايات المتحدة مجموعة من الشروط لتحقيق تقدم بالعلاقة أبرزها مكافحة الإرهاب وإخراج المقاتلين الأجانب وخطوات نحو التطبيع مع إسرائيل، ومعالجة ملف حقوق الإنسان والحد من النفوذ الإيراني، وعليه تبدو فرص بناء علاقة استراتيجية شاملة محدودة”، لافتاً إلى أن “المناقشات واللقاءات بين روسيا وسوريا تعكس توجهاً نحو علاقة أكثر توازناً تقوم على المصالح المتبادلة وليس التبعية، مع الحفاظ على مستويات عالية من التعاون العسكري، بما في ذلك عمليات مشتركة بالجنوب السوري”.
ويعتبر ماركو سعد، أن “الاعتراف الدولي والعلاقات الدولية مهم جداً للحكومة الجديدة من أجل تسهيل مهمتها وبشكل يحافظ على مصالح سوريا، وكل ذلك يساهم في عمليات إعادة الإعمار لكن وفق المصالح، حيث أن كل دولة تبحث عن مصالحها في علاقاتها”.
وعليه، تبقى انعكاسات الديبلوماسية السورية والعلاقات الخارجية، رغم الزخم الكبير الذي اكتسبته منذ سقوط النظام وتشكيل الحكومة الانتقالية موضع ترقب، في ظل ما يعترض ذلك من تحديات، وعدم التماس نتائج بارزة من حيث أنه لم تبدأ حتى الآن أي عمليات لإعادة الإعمار، كما أن عقوبات “قيصر” لا تزال عائقاً أساسياً أمام بدء الاستثمار الأجنبي، وما يتبع ذلك من تحديات اقتصادية عديدة ليس أقلها استمرار تدني سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
+963



