العلاقات اللبنانية – السورية: من إرث الوصاية إلى اختبار التكافؤ/ علي قاسم

تعيين سفير لبناني في دمشق فرصة تاريخية لكنها هشة ونجاحها مرهون بإرادة سياسية حقيقية من الطرفين وبدعم إقليمي ودولي يضع الاستقرار فوق أي حسابات فئوية أو أيديولوجية ضيقة.
لحظة مفصلية في مسار علاقة تاريخية معقدة
السبت 2025/12/06
العلاقات بين لبنان وسوريا من أعقد العلاقات الثنائية في المنطقة العربية، إذ ظلت لعقود طويلة رهينة توازنات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة، ورهينة نفوذ مباشر وغير متكافئ للنظام السوري داخل الساحة اللبنانية. ومع حلول نهاية عام 2025، شكّل تعيين السفير اللبناني هنري قسطون في دمشق، بعد أربع سنوات كاملة من الشغور الدبلوماسي، حدثًا أعاد طرح سؤال جوهري: هل نشهد اليوم انتقالاً حقيقياً من نمط الوصاية الذي طبع تاريخ العلاقة الحديث إلى نمط جديد يقوم على التكافؤ والندية والاحترام المتبادل للسيادة الدولتين؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية التي شكّلت هذه العلاقة. منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تحولت سوريا من جار إلى فاعل مركزي داخل لبنان. دخلت قواتها الأراضي اللبنانية رسمياً عام 1976 بدعوة من الرئيس سليمان فرنجية، ثم تحول هذا الوجود تدريجياً إلى احتلال سياسي وعسكري طويل الأمد استمر حتى ربيع 2005. خلال هذه الفترة، التي يُشار إليها غالباً بـ”مرحلة الوصاية السورية”، كان القرار اللبناني في قضايا إستراتيجية عدة – من تشكيل الحكومات إلى تعديل الدستور إلى رسم السياسات الأمنية – خاضعاً إلى حد كبير لموافقة دمشق أو على الأقل لتأثيرها المباشر. وقد بلغ هذا النفوذ ذروته في التسعينيات مع تمديد ولاية الرئيس إلياس الهراوي ثم إميل لحود بتعديل دستوري فرضته دمشق.
عودة السفير اللبناني تعني، نظرياً على الأقل، إعادة توازن داخلي لصالح المؤسسات الرسمية، وإن كان النجاح في هذا المسعى يتوقف على مدى قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها فعلياً
شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شياط – فبراير 2005 نقطة تحول دراماتيكية. أدت الضغوط الدولية والحراك الشعبي اللبناني المعروف بـ”ثورة الأرز” إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559، ثم إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان في أبريل 2005. غير أن الانسحاب العسكري لم يعنِ بالضرورة انسحاباً سياسياً كاملاً، إذ ظلت قنوات النفوذ السوري مفتوحة عبر حلفاء محليين، وعبر حزب الله بشكل خاص، مما أبقى العلاقة في حالة توتر دائم وانقسام داخلي حاد بين تيار يرى في سوريا تهديداً للسيادة اللبنانية وتيار آخر يعتبرها عمقاً استراتيجياً.
رغم هذا التاريخ المعقد، تأخر إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين حتى تشرين الأول – أكتوبر 2008، عندما أعلن الرئيسان بشار الأسد وميشال سليمان في ختام قمة دمشق الرباعية إقامة علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء لأول مرة منذ الاستقلال. عُيّن حينها ميشال الخوري أول سفير لبناني في دمشق، في خطوة وصفت آنذاك بالتاريخية. لكن مسار التمثيل الدبلوماسي لم يكن مستقراً: شهد شغوراً بين 2013 و2017، ثم عودة مع تعيين سعد زخيا سفيراً ثانياً حتى 2021، ثم شغوراً طويلاً آخر استمر أربع سنوات كاملة حتى تعيين هنري قسطون في تشرين الثاني – نوفمبر 2025. هذا التذبذب الدبلوماسي يعكشف بوضوح أن العلاقة الرسمية ظلت رهينة التوازنات الداخلية اللبنانية والإقليمية أكثر من كونها علاقة دولة بدولة مستقرة.
تعيين السفير قسطون في نهاية 2025 لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي روتيني، بل كمؤشر سياسي ذي دلالات متعددة الأبعاد. أولاً، يأتي في سياق إقليمي جديد تماماً بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول – ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة انتقالية في دمشق تسعى لاستعادة شرعيتها العربية والدولية. ثانياً، يتزامن مع رغبة لبنانية واضحة في استعادة الدولة اللبنانية لقنواتها الرسمية مع سوريا، بدلاً من ترك هذه القنوات محتكرة من حزب الله أو من بعض الأجهزة الأمنية. ثالثاً، يحمل التعيين في طياته وعداً بحل عدد من الملفات العالقة التي أثقلت العلاقة لسنوات: مصير نحو ألفي سجين سوري في السجون اللبنانية، ملف النازحين السوريين، ضبط الحدود ومكافحة التهريب، وإعادة ترسيم العلاقات الاقتصادية في ظل انهيار العملتين والاقتصادين معاً.
من الناحية السياسية الداخلية اللبنانية، يُنظر إلى هذه الخطوة كمحاولة لتعزيز موقع الدولة اللبنانية في إدارة ملفها السوري، وبالأخص في ظل الفراغ الرئاسي المستمر والضعف الحكومي. فطوال السنوات الماضية، كان حزب الله هو القناة شبه الوحيدة بين بيروت ودمشق، مما منح الحزب نفوذاً إضافياً داخلياً وإقليمياً. عودة السفير اللبناني تعني، نظرياً على الأقل، إعادة توازن داخلي لصالح المؤسسات الرسمية، وإن كان النجاح في هذا المسعى يتوقف على مدى قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سلطتها فعلياً.
تعيين السفير اللبناني في دمشق عام 2025 لحظة مفصلية في مسار علاقة تاريخية معقدة. إنه ليس مجرد استئناف للتمثيل الدبلوماسي، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة على أسس جديدة
أما على المستوى الإقليمي، فإن الخطوة تعكس رغبة سوريا الجديدة في كسر عزلتها العربية والدولية، وتأتي متسقة مع مسار التطبيع العربي التدريجي مع دمشق الذي بدأ بعودتها إلى الجامعة العربية في أيار – مايو 2023 ثم تسارع بعد تغيير النظام. في الوقت نفسه، تُظهر دول الخليج اهتماماً متزايداً بلبنان كمدخل لإعادة ترتيب الأوراق في سوريا الجديدة بعيداً عن النفوذ الإيراني السابق. وبالتالي، يصبح تعيين السفير اللبناني في دمشق حلقة في سلسلة أوسع من إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
من زاوية مستقبلية، يتوقف نجاح هذه الخطوة على عوامل عدة. أولها القدرة على معالجة الملفات العالقة بطريقة شفافة وعادلة، بعيداً عن منطق الانتقام أو الابتزاز السياسي. ثانيها مدى استقلالية القرار اللبناني عن الضغوط الداخلية والخارجية، في ظل استمرار نفوذ حزب الله العسكري والسياسي. ثالثها إرادة الحكومة السورية الانتقالية في احترام سيادة لبنان فعلياً، لا قولاً فقط. فإذا نجح الطرفان في تحويل العلاقة من نمط أمني متوتر إلى شراكة اقتصادية وسياسية متكافئة، فقد يشكل عام 2025 بداية حقيقية لمرحلة جديدة. أما إذا بقيت الملفات العالقة معلقة، واستمر احتكار قنوات النفوذ غير الرسمية، فستظل العلاقة عرضة للانتكاس في أي لحظة.
في الخلاصة، يمثل تعيين السفير اللبناني في دمشق عام 2025 لحظة مفصلية في مسار علاقة تاريخية معقدة. إنه ليس مجرد استئناف للتمثيل الدبلوماسي، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة بدلاً من الهيمنة والتبعية. نجاح هذه المحاولة لن يعزز فقط السيادة اللبنانية والاستقرار السوري، بل قد يشكل نموذجاً لكيفية تجاوز دول المنطقة إرث الوصايات والتدخلات، وتحويل جيرة تاريخية ثقيلة إلى شراكة إستراتيجية تخدم شعبي البلدين وتساهم في استقرار الإقليم ككل. إنها فرصة تاريخية، لكنها هشة، ونجاحها مرهون بإرادة سياسية حقيقية من الطرفين وبدعم إقليمي ودولي يضع الاستقرار فوق أي حسابات فئوية أو أيديولوجية ضيقة.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب



