سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

المجتمع السوري بين الرموز الدينية والهوية الوطنية: قراءة في الواقع والمخاوف/ وفاء علوش

 

2025.12.07

يمرّ المجتمع السوري اليوم بمرحلة انتقالية حساسة تتجلى في ملامح التحوّل الاجتماعي والديني والثقافي، حيث تتشابك الذاكرة الجماعية مع تطلعات المستقبل، وبين هذا وذاك ربما تعد لحى الرجال المطلقة من أبرز الرموز  اللافتة بصرياً، وعلى الرغم من أنها تعبّر عن هوية فردية وموقف ديني أو ثقافي، إلا أنها تثير في الوقت نفسه مخاوف لدى البعض، وتطرح أسئلة حول الانتماء والمكانة في الفضاء العام.

وفقاً لمنظور كثيرين ليست تلك الظاهرة مجرد مسألة مظهرية، بل إنها نافذة لصراع أوسع بين الحرية الفردية والانتماء الوطني، بين المخاوف المشروعة وغير المبررة، وبين التحولات الاجتماعية والسياسية التي لا تزال تشكل المجتمع السوري.

في المجتمعات الخارجة من النزاعات الكبرى، تتحول المظاهر إلى رموز محملة بالتاريخ والخوف والذاكرة والصراع، وبعد سنوات طويلة من الحرب والتمزق والانقسام، باتت هذه التحولات أكثر إثارة للنقاش، لا لذاتها، بل لما تحمله من دلالات وتأويلات متناقضة على عمق الصراع السوري السوري.

لا يمكن قراءة هذه الدلالات قراءة سطحية أو اختزالها في كونها اتجاهًا دينياً أو موضة اجتماعية طارئة، كما لا يمكن تحميلها في المقابل أكثر مما تحتمل، فهي في جوهرها انعكاس لمسارات طويلة من القمع والكبت والبحث عن هوية ضائعة، ومحاولة واعية أو غير واعية لاستعادة الذات بعد زمن العنف، قد يراها البعض رمزاً لتصاعد الخطاب الديني وتغوّله على الفضاء المدني، بينما يراها آخرون تعبيراً بسيطاً عن حرية شخصية حُرِموا منها طويلاً، وبين هذين الموقفين، تظهر مساحة رمادية وواسعة هي المساحة الحقيقية لمعنى التحول الاجتماعي.

لم يكن المظهر في سوريا في العقود الماضية مسألة حيادية تماماً فقد ارتبط اللباس، وقَصّ الشعر، واللحية، وحتى التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالجسد، بمنظومة رقابة سياسية وأمنية شديدة، ذلك أن الدولة لم تكن تراقب الفكر والخطاب فقط، بل امتدت سلطتها إلى شكل الإنسان في الفضاء العام، في محاولة لصياغة مجتمع متجانس قسرياً، خالٍ من الاختلافات الظاهرة، ويوحي بوهم الاستقرار، ولذلك، فإن أي عودة للمظاهر الدينية اليوم، ستوهم المجتمع بانعدام الانسجام على الرغم من أننا يمكن أن نفهمها جزئياً بأنها فعل تحرر من قيد سابق، لا مجرد تبنٍّ لأيديولوجيا بعينها.

غير أن هذا التحرر، على الرغم من مشروعيته، لا يُستقبل بالارتياح ذاته من جميع المكونات الاجتماعية، فبالنسبة لفئات واسعة من السوريين، وخاصة أولئك الذين عاشوا تجارب مريرة مع جماعات متطرفة خلال سنوات النزاع، أصبحت اللحية اقتراناً بصرياً لا واعياً بالخوف، والعنف، والتهديد، والإقصاء، وتحولت من كونها علامة دينية اعتيادية إلى رمز ملتبس يحمل إيحاءات سياسية وأمنية، حتى وإن لم يكن صاحبها معنياً بذلك.

بداية من الضرورة الاعتراف بأن هذه المخاوف هي نتيجة مباشرة للإيديولوجيا التي تبناها المجتمع الدولي وروّج لها في فترة معينة، ورسخها النظام السابق بدوره في عقول السوريين في شتى المناسبات، حتى أصبحت مرتبطة بصورة نمطية يتبنى فيها السوريون أحكاماً مسبقة تجاه بعضهم البعض.

من المهم ملاحظة أن التحول الذي تشهده سوريا اليوم ليس دينياً ولا سياسياً صرفاً، ولا اجتماعياً فحسب إنه خليط معقد من كل ذلك، فاللحية هنا واحدة من إشارات “المرحلة الانتقالية”، ويمكن قياسها على كثير من المظاهر التي برزت في مجتمعات أخرى بعد الحروب والانقلابات والثورات، ففي كل انتقال جذري، تظهر مظاهر متطرفة أحياناً، ومبالغ فيها أحياناً أخرى، لكنها في الغالب لا تستمر، بل تتراجع تدريجياً مع استقرار المجتمع وبناء مؤسساته المدنية والسياسية.

من الخطأ والمغالاة إذن قراءة هذه الظاهرة بوصفها مآلاً نهائياً لشكل الدولة أو هوية المجتمع، إنها أقرب إلى “طفرة تاريخية” ناتجة عن فراغ سابق في الهوية، وعن حاجة نفسية واجتماعية لإعادة التشكل، وحين يبدأ المجتمع باستعادة توازنه، وتعود مؤسسات القانون والتعليم والثقافة لدورها الطبيعي، ستخفُت سطوة الرموز الصادمة، ويعود المظهر إلى كونه خياراً فردياً، لا بياناً سياسياً.

تظهر هنا أهمية عدم تصنيف الناس بين متدين وغير متدين، وبين حديث وتقليدي، بل ضرورة فهم المسارات النفسية والاجتماعية العميقة التي دفعت بهذا التحول إلى السطح، فالسؤال الصحيح ليس: هل اللحية جيدة أم سيئة؟ بل: ماذا تقول هذه الظاهرة عن المجتمع الذي أفرزها؟ ما الذي نحتاجه كي لا تبقى سبباً للانقسام، بل تتحول إلى درس في فهم الذات؟.

إن النقاش حول اللحى والتحولات الاجتماعية يقودنا بالضرورة إلى موضوع الهوية السورية، التي يبدو أن كل جماعة تسعى اليوم لاحتكارها لنفسها، وكأنها وحدها ممثلة للمجتمع، بينما تُستبعد الفئات الأخرى أو يُنظر إليها بعين الشك والريبة، فيعكس هذا التوجه صراعاً أعمق حول من يحق له أن يحدد معالم الانتماء الوطني، ومن يُمنع من المشاركة في تشكيل الفضاء العام.

إن المظاهر الدينية التي يراها اليوم البعض تهديداً، لم تكن غريبة على المجتمع السوري يوماً، لكنها اختفت أو انحسرت في فترات طويلة بسبب سياسات القمع وغياب الحريات، خصوصاً خلال عقود حكم الأسد، حيث خُنقت التجارب الفردية والدينية والهوية الذاتية، لذلك يجب أن يُقرأ هذا المظهر ضمن هذا السياق التاريخي  كإشارة إلى استعادة السوريين جزءاً من حرية التعبير عن هويتهم، بعد سنوات من التضييق والقمع، وتجربة لإعادة تعريف الانتماء بعيداً عن احتكار أي جماعة للهوية السورية أو محاولة تصويره كتهديد جديد.

بين هذا الجوع إلى إعادة إثبات الذات وخوف الآخر من التمدد الديني، يقف المجتمع السوري اليوم على عتبة سؤال كبير: ما هو شكل الدولة التي نريدها؟ وما هي الهوية التي نريد أن ننتمي إليها؟ هل هي هوية قائمة على النفي والإقصاء؟ أم هوية تتسع لكل تناقضاتنا، بكل ما تحمله من ندوب واختلافات؟

قد لا يكون الجواب قريباً، لكن المؤكد أن مستقبل سوريا لن يُرسم سوى بالانتقال من منطق الخوف إلى منطق الشراكة، ومن ذاكرة النزاع إلى مشروع الحياة.

جدير بنا القول إن الخوف من الآخر، مهما كان مصدره (حتى وإن كان مفهوماً ضمن سياقه النفسي والتاريخي)، لا يمكن أن يتحوّل إلى معيار أخلاقي يفرض امتيازاً لطرف دون آخر، فالخشية من مظهرٍ ما، بما فيه اللحية، لا تمنح غير الملتحي تفوقاً أخلاقياً أو اجتماعياً يجعله صاحب حق في طلب مراعاة إضافية أو تضييق غير معلن على حرية الآخرين في التعبير عن ذواتهم.

إن تحويل القلق الفردي أو الجمعي إلى قاعدة اجتماعية هو في جوهره شكل جديد من أشكال الهيمنة المقنّعة، يستبدل سلطة الخوف بسلطة القانون، ويعيد إنتاج منطق الإقصاء بصيغة أكثر نعومة، فالتفهّم هنا لا يعني القبول بأن يصبح الخائف مركز المشهد، ولا أن يعاد تنظيم الفضاء العام وفق حساسياته وحده، بل يعني الاعتراف بإنسانيته من دون أن يُسمح لمشاعره بأن تتحوّل إلى أداة ضاغطة على خيارات الغير، فالمجتمع المتوازن لا يُبنى على تفضيل من يخاف أكثر، بل على قدرة أفراده جميعًا على التعايش على الرغم من المخاوف.

تبدو المسافة بين التفهم والتنازل هنا دقيقة للغاية، لكنها حاسمة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، وغالباً ما يُساء فهمها أو يتم خلطها عمداً أو عن غير قصد، فالتفهّم هو قدرة إنسانية عليا على الإصغاء لآلام الآخرين، ومحاولة إدراك جذور مخاوفهم وتجاربهم، من دون السعي إلى إلغائها أو الاستهزاء بها، أما التنازل، فهو قرار مختلف تماماً، فهو يتعلّق بالتخلي عن حقٍ أصيل أو مساحة حرية أو مبدأ أساسي، تحت ضغط عاطفي أو اجتماعي أو سياسي، وفي الحالة السورية، يصبح هذا الخلط أكثر خطورة، لأن المجتمع لا يزال محمّلاً بتركة طويلة من القمع والإقصاء والفرض القسري للهوية الواحدة والرأي الواحد.

وبالتالي فإن تفهّم خوف بعض الفئات من مظاهر دينية معينة، كـ”اللحية وإقامة الصلاة في مكان عام كالشارع مثلاً”، لا ينبغي أن يُترجم إلى مطالبة أصحاب هذه المظاهر بتغيير أنفسهم أو التخفّي أو الاعتذار الضمني عن خيارهم الشخصي، فهنا، يتحول التفهم تدريجياً إلى تنازل، وتتحوّل اللياقة الاجتماعية إلى قيد غير مكتوب، إنها لحظة دقيقة ينزلق فيها المجتمع من محاولة الشفاء إلى إنتاج شكل جديد من الرقابة، مصدره هذه المرة ليس السلطة السياسية المباشرة، بل الحساسية الجماعية المتوترة.

في التفهم المجتمعي الحقيقي لا يُطلب من أحد أن يضمحلّ ليطمئن الآخر، ولا يدعو إلى محو العلامات الفردية في سبيل راحة العامة، بل على العكس، هو يعترف بأن التنوّع بطبيعته مزعج أحيانًا، ومربك، لكنه ضروري للحياة الحرة، وعليه، فإن التحدي الأهم في المرحلة الانتقالية ليس في جعل الجميع يشبهون بعضهم، بل في تدريب الوعي الجمعي على التعايش مع الاختلاف.

وعليه، فإن الطريق إلى الطمأنينة الجماعية لا يمر عبر مراقبة وجوه الآخرين أو تصنيفهم وفق مظهرهم الديني، بل عبر ترسيخ مبدأ بسيط وجوهري: ما دام القانون يحكم، والحقوق مصونة، والمواطنة هي المعيار، فإن الاختلاف لا يكون تهديداً، بل دليلًا على بداية تعافٍ حقيقي لمجتمع تعلم ألا يهتم لدين الرئيس الحاكم، أو لحية أعضاء الحكومة، أو صلبانهم، أو رموزهم الدينية الأخرى، ولا يتدخل في ما يؤمن به الأفراد في داخلهم، بل كيف تُدار الدولة، وكيف يُطبَّق القانون، وكيف تُحمى كرامة الإنسان بمعزل عن معتقده ومظهره، فالإيمان، في جوهره، علاقة شخصية بين الإنسان وربّه، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى أداة امتياز ولا إلى سبب للارتياب

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى