أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

حتى لا يبتلع تضخم الهويات الدولة السورية؟/ رشيد الحاج صالح

 

2025.12.03

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدأ مشهد اجتماعي وسياسي جديد بالتشكّل في الوعي العام للسوريين، يمكن وصفه بظاهرة التضخم الهويّاتي مقابل تراجع الحاجة المتصوّرة إلى الدولة. فمع تفكّك مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، وصعود قوى محلية متعددة، أخذ السوري ينزاح تدريجياً نحو هويات أصغر وأكثر قرباً: الطائفة، والعشيرة، والجماعة المحلية، والمناطق، وحتى الحيّ والمدينة. لم يعد هذا الانزياح مجرد ردّ فعل ظرفي على الحرب، بل تحوّل مع الزمن إلى بنية ذهنية تستقر في المخيال الجمعي، وتؤثر على شكل العلاقة المتوقعة بين الفرد والدولة.

في مرحلة ما قبل الأسدين، وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة لأداء مؤسسات الدولة، كان السوري يشعر – ولو بحد أدنى– أن الدولة تمثّل المرجعية النهائية التي تنظّم حياته اليومية: من الأمن إلى التعليم، ومن القانون إلى الخدمات الأساسية. لكن مع انهيار هذه الوظائف وتراجع قدرتها على إدارة حياة الناس، سواء قبل الثورة أو بعدها، وترسيخ النظام السابق الخوف كأساس لعلاقة الفرد بالدولة، تقدّمت الهويات البديلة باعتبارها الملجأ الأقرب، والأكثر قدرة على تقديم استجابات ملموسة في لحظات الخوف والاضطراب. هكذا انتقلت الثقة من “الدولة” إلى “الجماعة”، وأصبح الانتماء الهويّاتي يقدّم ما يشبه الإحساس بالأمان، في وقت بدت فيه الدولة بعيدة، منهكة.

التضخم الهويّاتي لم يكن عودة بسيطة إلى الانتماءات التقليدية، بل كان إعادة إنتاج موسعة لدورها بحيث تحوّلت الطائفة أو العشيرة أو الجماعة المحلية إلى ما يشبه الدولة المصغّرة. فقد اكتسبت هذه الهويات أدواراً سياسية وأمنية واجتماعية لم تكن جزءاً من وظائفها سابقاً. في بعض المناطق، أصبحت العشائر تفرض ما يشبه “النظام العرفي” بديلاً عن القضاء الرسمي، حتى في المناطق التي بقيت مؤسسات الدولة فيها قائمة شكلياً. وفي حالات أخرى، تحوّلت الهوية المحلية إلى معيار سياسي صريح، بحيث يُحكم على الأفراد من خلال انتمائهم الجغرافي، أو الطائفي، لا من خلال النظر إليهم كمواطنين.

في المقابل، تراجع الشعور بالحاجة إلى الدولة، ليس فقط لأنها ضعفت أو تراجعت، بل لأن صورة الدولة نفسها تغيّرت في ذهن السوريين. فقد باتت الدولة تُرى بوصفها فكرة مجردة لا تملك قدرة على حماية الناس أو تأمين احتياجاتهم الأساسية. ومع غياب الكهرباء والمياه والخبز وارتفاع مستوى الفساد، تآكلت شرعية الدولة بوصفها مزوّداً للخدمات وبات السؤال الأكثر بداهة يطرح نفسه يومياً: ما الجدوى من دولة لا تقدّم ما يفترض أن تكون مسؤولة عنه؟ هذا السؤال الشائع مهّد تدريجياً لتحوّل أعمق: دولة بلا وظائف تصبح، في المخيال العام، دولة بلا ضرورة.

تفاقم هذا المشهد مع تعدد السلطات المحلية التي ظهرت خلال الصراع السوري، حيث أدّت الفصائل المسلحة والمجالس المحلية والإدارات الذاتية المختلفة أدواراً موازية للدولة. ومع استمرار هذا المشهد سنوات طويلة، بدأ السوري يتعوّد على تعدد “الدول” داخل الدولة، وتلاشت فكرة الإطار الوطني الواحد الذي ينظّم حياة الجميع. ونتيجة لهذا الواقع، نشأت أجيال من الأطفال في المدارس والمخيمات على سرديات هويّاتية مكثفة، تستبدل فكرة المواطنة بمفهوم الجماعة، وتحمّل الهوية ما يفوق حدودها الطبيعية، حتى باتت بعض الجماعات تُقدّم نفسها بوصفها مشروع دولة بديلة أو حاملة “حقيقة سياسية” أسمى من فكرة الدولة الوطنية.

تتجلّى آثار هذا التحوّل في جملة من الوقائع اليومية. فحين يقع خلاف مدني في منطقة ما، أو جريمة جنائية، كما حدث في حمص قبل عدة أيام، يتجه أطراف النزاع إلى شيخ عشيرة أو وجهاء محليين بدلاً من القضاء. وحين تظهر أزمة خدمية، يبحث السكان عن حلول عبر علاقاتهم الضيقة لا عبر المؤسسات العامة. وحتى في الخطابات الإعلامية، بات السوري يُعرّف غالباً وفق هويته الطائفية أو المناطقية أو الإثنية، وكأن هذه الأقسام تعادل تعريفه كمواطن داخل دولة واحدة. هذا التحوّل في اللغة يعكس تحولاً أعمق في المخيال، حيث تغدو الهوية أداة تحليل سياسي، ومعياراً للولاء والانتماء، ووسيلة لفهم الواقع.

لكن خطورة التضخم الهويّاتي لا تقتصر على اللحظة الراهنة؛ فهي تهدد إمكانية بناء دولة مستقبلية قادرة على جمع المكونات المنقسمة. فحين يترسخ الاعتقاد بأن الجماعة تغني عن الدولة، يصبح بناء مؤسسات وطنية قوية مهمة صعبة.

إن استعادة مفهوم الدولة في الوعي السوري لا تعني الدفاع عن أي بنية سياسية قائمة، بل تعني إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، بوصفها مؤسسة جامعة تنظّم العلاقات، وتحتكر العنف الشرعي، وتضمن المساواة، وتقدّم الخدمات، وتحدّ من تغوّل الهويات الجزئية. ولا يمكن تحقيق هذا التحول من دون التفكير الثقافي وسياسي طويل الأمد لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة السورية، بحيث يُعاد إنتاج قيم المواطنة والعيش المشترك، ويجري العمل بالتوازي على مسارات العدالة الانتقالية التي تعالج جذور الخوف، وتحد من الجنوح نحو العنف، وتضع حداً لآليات الاحتماء الهويّاتي.

في الفترة الأخيرة، يبدو الوضع في سورية وكأنه لم يُحوّل فقط الخارطة السياسية، بل أعادت تشكيل العقل الجمعي أيضاً. فقد خلّفت الثورة وراءها وعياً مضطرباً تجاه الدولة، وهويات متضخمة تملأ الفراغ الذي تركته مؤسسات ضعيفة ومتداعية. ومع ذلك، فإن بناء المستقبل يظل مرهوناً بقدرة السوريين على إعادة التفكير بعلاقتهم بالدولة، ليس بوصفها خصماً أو ظلّاً باهتاً، بل باعتبارها أساس الاستقرار والعدالة وإطاراً ضرورياً للعيش المشترك. إن تفكيك التضخم الهويّاتي واستعادة المركزية الرمزية والوظيفية للدولة ليستا مسألتين تقنيتين أو سياسيتين فحسب، بل هما مشروع ثقافي واجتماعي طويل يحتاج إلى إرادة وطنية وإلى خطاب يجاوز الانقسامات ويعيد وصل ما انقطع في الوعي السوري خلال سنوات الحرب.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن التضخم الهوياتي الذي شهدته سوريا خلال السنوات الماضية ليس ظاهرة أصيلة ولا تعبيراً حقيقياً عن بنية اجتماعية قديمة، بل هو تضخم مُفتعَل نتج عن تسييس الهويات واستخدامها كأدوات للصراع والشرعية والسلطة. فالهويات التي قُدِّمت بوصفها راسخة ومكتفية بذاتها ليست إلا بناءات سياسية ظرفية جرى تضخيمها في سياق انهيار الدولة، ما جعلها تبدو وكأنها بدائل طبيعية لها. إلا أن الدولة السورية نفسها، بوصفها دولة حديثة، عمرها نحو 100 عام، لم تستكمل شروط ترسخها المؤسسي، وستبقى عرضة للتمزق في أي لحظة إذا ما استمر التعويل على الهويات الجزئية بدلاً من فكرة العقد الوطني الجامع. ومن هنا، فإن أي مشروع للحل لا بد أن يبدأ بتفكيك هذا التضخم الهوياتي، والعودة إلى ترميم الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع، وصياغة علاقة مواطنة تتجاوز التسييس الخطير للهوية، وتعيد للسوريين إحساسهم بأن مستقبلهم لا يُبنى إلا داخل دولة قوية، عادلة، وغير قابلة للانشطار.

وفي خاتمة المطاف، فإن أي سلطة جديدة تطمح إلى إعادة بناء سوريا لا يمكنها النجاح ما لم تُدرك أن الطريق إلى استعادة الدولة يمرّ عبر طمأنة الهويات المتوترة لا مصادمتها. فالسوريون، بعد سنوات الصراع، لا يحتاجون خطاباً يطالبهم بالتخلي عن انتماءاتهم، بل يحتاجون سلطة تحترم هذه الانتماءات وتتيح لها التعبير الثقافي والاجتماعي من دون أن تتحول إلى أدوات سياسية أو جدران فصل. إن تشجيع السوريين على التوافق مع السلطة الجديدة يقتضي من هذه السلطة تعزيز ثقتهم بأن الدولة إطار قادر على حماية الجميع بالتساوي، لا مشروعاً يستهدف أحداً أو يستثني أحداً. ومن خلال بناء مؤسسات عادلة، وضمان المشاركة، واحترام التنوع، وتعزيز الديمقراطية الفعالة، يمكن للسلطة الجديدة أن تخفف من مخاوف الجماعات، وتعيد دمجها تدريجياً في فكرة الدولة بوصفها بيتاً مشتركاً لا تهديداً وجودياً. هكذا فقط يمكن ترميم العقد الوطني وتأسيس دولة تحتضن جميع السوريين بلا استثناء.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى