زيارة أحمد الشرع لواشنطن الناجحة -مقالات، تحليلات وتقارير- عن هذه الزيارة التاريخية تحديث 09 كانون الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق ورفعها
——————————-
ما سر مدح ترامب المستمر للرئيس الشرع؟
السبت 2025/12/06
برزت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من التصريحات الداعمة من دونالد ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع، بلغت حدّ وصفه بـِ “القائد الواعي” و”الرجل الذي يمكن العمل معه”، في لغةٍ تكاد تكون غير مسبوقة من رجلٍ بنى جزءاً من شرعيته السياسية على محاربة “الأنظمة المارقة”.
ما بدا في البداية تلميحاً، تحوّل تدريجياً إلى خطابٍ صريح، أثار حفيظة أطراف إقليمية عدة، ودفع مراقبين إلى طرح أسئلة جوهرية: ما السر في مدح ترامب المستمر للرئيس الشرع؟ وما السر في هذا التحوّل؟ وهل نحن أمام علاقة تكتيكية عابرة، أم استراتيجية دائمة؟
ليست مشاعر بل حسابات
يؤكد مراقبون أن “العواطف والمشاعر ليس لها محل في مصالح الدول، فما بالك بأميركا”، وأن ما يجري لا يُفسَّر إلا بمعادلةٍ باردة: المنفعة المتبادلة، فالسياسة السورية في عهد الشرع، كما يُشار إليها، أضحت “ناجحة بمعايير الواقعية”، لأنّها تحوّلت من الدفاع الأيديولوجي إلى إدارة الملفات بمنظور اقتصادي- جيوسياسي متوازن.
فمن جهة، تجاوزت دمشق مرحلة العزلة عبر إعادة بناء علاقاتها مع دول الخليج ومعظم العواصم الأوروبية، ونجحت، ولو جزئياً، في كسر الحصار عبر ممرات تجارية بديلة وشراكات استثمارية ذكية، أبرزها مع شركات طاقة غربية بدأت تستكشف حقول غاز في الساحل السوري.
ومن جهة ثانية، تقدّم سوريا نفسها اليوم كـَ “حاجز طبيعي” أمام النفوذ الإيراني في بلاد الشام، لا عبر الخطاب فقط؛ بل عبر حركة عسكرية وسياسية ملموسة: سحب وحدات استشارية إيرانية من مناطق استراتيجية، وإعادة هيكلة بعض الفصائل المحلية، وتعاون أمني متزايد مع أجهزة غربية في ملف مكافحة الإرهاب وتدفقات المخدرات.
وقال الدكتور سامر الصفدي، استشاري التحالف السوري الأميركي للسلام والإزدهار، في حديث لـِ “المدن”: “يُعزى دفاع الرئيس دونالد ترامب عن نظيره السوري أحمد الشرع إلى عدة أسباب رئيسة، أولها وأهمها العلاقة الشخصية الوطيدة التي نشأت بينهما منذ لقائهما الأول في الرياض، والرئيس ترامب، بطبيعة خلفيته كرجل أعمال اعتاد عقد الصفقات، يُولي أهمية كبرى للعلاقات الشخصية المباشرة مع القادة الآخرين، فقد أُعجب ترامب منذ اللحظة الأولى بشخصية أحمد الشرع القوية والجذابة، وتطورت بينهما علاقة ودية ممتازة منذ ذلك اللقاء، ثم توطدت أكثر في لقاءات لاحقة عقدت في نيويورك وواشنطن”.
وتابع: “إضافة إلى هذه العلاقة الشخصية المتميزة، يرى ترامب في الشرع رجلاً ذا مبادئ راسخة وشخصية قوية، وهو ما يتماشى مع قيم ترامب السياسية والشخصية، وقد عبّر ترامب عن ذلك صراحة بتسميته الشرع (قائداً قوياً جداً) و(بطلاً)، مؤكداً رغبته في دعم سوريا بقيادته ومساعدتها على أن تصبح دولة مزدهرة وناجحة”.
وأضاف: “أما على الصعيد الاستراتيجي، فإن الولايات المتحدة ترى في سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع جزءاً أساسياً من رؤيتها لشرق أوسط جديد، يسعى ترامب لبنائه، وبالتالي ووفق هذه الرؤية، ستكون سوريا حليفاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة في المنطقة، تساهم في تحقيق الأهداف الأمريكية الكبرى، وأبرزها: قطع النفوذ الإيراني تماماً في سوريا والمنطقة، استكمال مكافحة تنظيم داعش والقضاء عليه نهائياً، إزالة النفوذ الروسي والصيني تدريجياً، بناء علاقة تحالفية طويلة الأمد ومستدامة مع سوريا، مواجهة ما يُسمى (المعسكر الشرقي: إيران وروسيا والصين وحلفاؤهما)، وبذلك فإن دعم ترامب لأحمد الشرع يجمع بين الإعجاب الشخصي الحقيقي والمصلحة الاستراتيجية الأميركية العميقة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية جديدة تقوم على تحالفات قوية مع قادة أقوياء وموثوقين من وجهة نظر واشنطن”.
الشرع.. مفتاح الشرق الأوسط الجديد
يرى محللون أن ترامب، في عودته المحتملة إلى البيت الأبيض، لا ينظر إلى الشرع كـَ “خصم سابق”؛ بل كشريك محتمل في إعادة ضبط المنطقة، وفق رؤية “أميركية أولًا” تسعى إلى “تقليل التورّط العسكري المباشر، خلق سوق استثمارية جديدة (نفط، غاز، إعادة إعمار)، بناء جدارٍ سوري-أردني- عراقي ضد التمدد الإيراني، ودفع عجلة “اتفاقيات إبراهيم” شرقاً، لتضم دمشق يوماً ما — شرط التفاوض مع إسرائيل حول الجولان.
وهو ما تلمّح إليه تصريحات الشرع في أيلول/ سبتمبر 2025، حين قال: “سوريا بنت علاقة جيدة مع أمريكا والغرب، نحن لسنا معادين لأحد، بل معادون للفوضى فقط”.
ومنذ ذلك الحين، تضاعفت الاتصالات غير الرسمية بين دمشق وواشنطن، عبر قنوات أوروبية وعربية، وبرزت مؤشرات ميدانية: لقاءات استخباراتية ثنائية في عمّان وأنقرة، دعم أميركي خفي لمشاريع طاقة في طرطوس، وموافقة ضمنية على رفع بعض القيود على الوقود والمواد الأساسية، ضمن “تفاهمات هادئة” لا ترقى بعد إلى رفع العقوبات، لكنها تُمهّد لها.
من جهته، قال الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، المختص في العلاقات الدولية في حديث لـِ “المدن”: ترامب (رجل صفقات) يعتمد على علاقاته الخاصة، وبعد غياب طويل، تبحث أميركا عن علاقات جيدة مع سوريا، خصوصًا مع نظام جديد” في دمشق يتبع سياسة التوازن الدولي، فقد زار وفدها واشنطن وموسكو في شهر واحد”.
وأضاف: “دمشق تقدّم ميزات للدول الكبرى في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، وواشنطن بضغط كبير من ترامب تُسارع لرفع العقوبات، وهو بلسم للحكومة السورية”.
ورأى أن “الهدف: عودة الحياة الاقتصادية، ودعم السلم الأهلي وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار”، مضيفا: “في المقابل، تنتظر دمشق أهدافاً ملموسة: استثمارات، عقود نفط وغاز، أو الضغط على قسد”.
واعتبر أن “العلاقة اليوم في مرحلة بناء الثقة، وقد تستغرق سنوات، فسوريا تحافظ على توازن قواعد روسية بشروط جديدة، ومصالح صينية في خط الحرير”.
وأكد أن “دمشق تسعى إلى التوفيق بين مصالح الدول الكبرى، وتحقيق أكبر قدر من الفائدة للمواطن السوري: في الإعاشة وفرص العمل ونظام التأمين الاجتماعي، ومن هنا فإن الانفتاح اقتصادي بشكل مدروس، يضمن مصالح التاجر السوري والمستثمر السوري، فالسياسة السورية متوازنة وحكيمة، وترسل رسائل إيجابية، وتدعم الاستقرار، وإذا قدّمت أميركا شروطًا أفضل من الروس أو الصينيين، فهذا موضوع نقاش”.
“التسوية” تقترب لكنها هشّة
ما يعزز فرضية أن العلاقة ليست عابرة، هو تزامُن هذه التطورات مع “تباشير تسويات” إقليمية ودولية أوسع: تصريحات مسؤولين أوكرانيين حول استعدادهم لـِ “حلول وسط”، تقارب روسي-أميركي على خلفية الملف الأوكراني، ورغبة صينية في لعب دور وسيط اقتصادي في إعادة إعمار سوريا.
لكن الخبراء يحذّرون، من أن “العلاقة لا تزال قابلة للانكسار، ونجاحها يعتمد على عوامل حاسمة: قدرة دمشق على تنفيذ إصلاحات فعلية (اقتصادية وأمنية)، التزامها بمسار بعيد عن المحور الإيراني، وتقبّل الداخل الأميركي، خصوصاً الكونغرس، لأي تقارب مع نظامٍ ما زال مُصنّفاً رسمياً كداعم للإرهاب حتى منتصف 2024”.
العلاقة الأميركية- السورية لم تعد تُدار في الخفاء فقط، هي اليوم على طاولة المصلحة المعلنة، لكنها لم تُختَم بعد، وما يجري بين ترامب والشرع قد يكون بداية “صفقة القرن الجديدة”، أو مجرد مقدمة لاستهلاك سياسي قصير الأمد، لكنّ الفرق بين الاحتمالين هو الوقت، والتنفيذ، وحسابات إسرائيل وإيران، وفق وجهة نظر محللين.
المدن
——————————
انشغال ترامب باستقرار سوريا/ بسام مقداد
السبت 2025/12/06
في سبعينيات القرن الماضي، كان زميل الدراسة في موسكو، ممن يسمونهم “الشوايا” في سوريا، يحدثني عن صورة لبنان في مخيلة “كل سوري”: “تحت كل سجرة بلبنان في صبية عم تغني وترقص”. لكن “الدني تغيرت بهاك الدني”، على قول الست فيروز، وأصبح اللبنانيون يغبطون السوريين على الكثير الذي أحرزوه خلال سنة واحدة من طرد الطاغية وأسياده الإيرانيين وأذرعهم. وأصبح ترامب مستعداً لاستدعاء نتنياهو إلى واشنطن ليقول له، من بين أمور أخرى، “لا تعرقلوا تقدم سوريا”.
وعلى الرغم من المخاوف التي تبديها نخب سورية على مستقبل تطور البلاد، في ظل قيادة سوريا الإسلامية الحالية، إلا أن هذه القيادة خاضت حتى الآن عدة جولات من المفاوضات “غير المباشرة” مع إسرائيل. كما أثبتت أنها قادرة على إسقاط الجنسية السورية عن حوالي مليوني شخص من الإيرانيين وأتباعهم من الميليشيات الشيعية، والتي حصلوا عليها أثناء الاحتلال الإيراني لسوريا.
هذا في حين أن القيادة اللبنانية التي وصلت إلى السلطة بدعم أميركي وأوروبي غير مسبوق، وجدت نفسها “مضطرة” لتقديم شبه اعتذار لحزب الله وجمهوره عن تكليف سياسي مدني بترؤس الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. وقامت قيامة حزب الله ضد تعيين سيمون كرم، ونظم مظاهرة دراجات نارية لم تتخط حدود الضاحية الجنوبية. لكنها جعلت البعض يبرر التعيين، ويقول بأن لغة التفاوض هي السبيل الوحيد لإبعاد شبح الحرب الإسرائيلية المقبلة، وأن التفاوض ( المباشر أو غير المباشر) مع إسرائيل ليس موجهاً ضد أي من الطوائف.
إيران التي طردتها سوريا ما زالت تستبيح لبنان. وقد وجد مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي في تردد القيادة اللبنانية على الحسم في مسألة حصر سلاح الميليشيات بيد الدولة فرصة سانحة للتحدث بإسم اللبنانيين، ويزعم بأن الحفاظ على سلاح حزب الله أهم بالنسبة للبنانيين من الخبز والماء. ولم ينبرِ للرد عليه من الرسميين سوى وزير الخارجية اللبنانية، واكتفى الآخرون في تقديم ما يشبه الاعتذار عن بدء التفاوض مع إسرائيل، كسبيل وحيد متاح لدرء خطر الحرب الإسرائيلية المقبلة لاقتلاع حزب الله وسلاحه من كافة الأراضي اللبنانية.
ومن خارج سرب القيادة الرسمية اللبنانية، انبرت مقدمة برامج تلفزيونية لبنانية شيعية للرد على وقاحة علي أكبر ولايتي، كما وصفتها صحيفة “أوكرانيا” التي تصدر بالعربية في 27 تشرين الثاني/ نوفومبر المنصرم. وقالت مقدمة البرامج الشيعية يأن نقطة ماء من الليطاني أو العاصي أو البردوني “بتسوى” حزب الله ونظام الملالي وعاصمتهم العطشى المهددة بنقلها إلى مكان قريب من مياه الشرب.
حيال التردد والتخاذل الذي تبديه القيادة اللبنانية في تنفيذ قراراتها بحصر السلاح بيدها،على الرغم من كل الدعم الأميركي والأوروبي غير المسبوق، والذي تحول إلى ضغوط و”تفهّم” للحرب الإسرائيلية المقبلة على حزب الله ولبنان، يجري تقديم سوريا كقارئ واقعي للحقائق على الأرض. وينشغل ترامب في الاهتمام باستقرار سوريا وعدم عرقلة إسرائيل لجهود الشرع في بناء دولة قابلة للحياة والتطور.
موقع vesty الإسرائيلي الناطق بالروسية والتابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، نشر في مطلع الشهر الجاري نصاً بعنوان “ترامب أرسل إشارة إلى إسرائيل: لا تعرقلوا تقدم سوريا”. واستهل الموقع نصه بالقول إن الرئيس الأميركي عبر مجدداً عن دعمه لنظام الشرع، وهذه المرة على خلفية المعركة الشرسة التي خاضها الجيش لإسرائيلي على الجانب السوري ( بيت الجن في ريف دمشق)، ودعا تل أبيب للحوار مع دمشق. وقال الموقع إن ترامب أرسل إشارة شديدة الوضوح للقيادة الإسرائيلية: الامتناع عن الأعمال التي قد تزعزع نظام أحمد الشرع. واتصل بنتنياهو واستدعاه إلى واشنطن “في أقرب وقت ممكن”.
ووفق الموقع، كتب ترامب على منصته الخاصة Truth Social في أول الشهر الجاري يقول: “نحن سعداء للغاية بالنتائج التي تحققت في سوريا، ونبذل كل ما في وسعنا لتمكين الحكومة السورية من بناء دولة مستقرة ومزدهرة”. ولم ينس ترامب “أنا” الفاقعة التي تميزه، فأضاف قائلاً: “السوريون محظوظون جدًا برفعي العقوبات، وأنا متأكد من أنهم يُقدّرون هذه الخطوة تقديرًا كبيرًا. ومن الضروري أن تواصل إسرائيل حوارًا جادًا وهادفًا مع الجانب السوري، إذ لا ينبغي لأي شيء أن يعيق تطور سوريا”.
وفي حين لا تبخل إدارة ترامب ومبعوثيها بتوجيه الانتقادات والاتهامات للقيادة اللبنانية بتفويت الفرصة المتاحة للبنان، لاتخاذ القرار الحاسم بجمع السلاح من الأيدي التي تعبث بأمن البلد ومصيره، يكيل ترامب المديح والثناء على الشرع. فيضيف على منصته الخاصة بالقول “إنه (الشرع) يعمل بنشاط لبناء علاقات طويلة الأمد ومثمرة مع إسرائيل. وهذه فرصة تاريخية للبناء على النجاحات التي تحققت بالفعل في الشرق الأوسط”.
يذكّر الموقع الإسرائيلي بأن ترامب أغدق الثناء على الشرع حتى قبل دعوته إلى البيت الأبيض. وظهرت تعليقاته الإيجابية حول الرئيس السوري الجديد بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام المنصرم. كما يذكّر باللقاء الأول مع الشرع في الرياض في أيار/مايو المنصرم، وبزيارته للبيت الأبيض أوائل الشهر الماضي وقول ترامب فيه: “أتفق معه تمامًا. وأنا واثق من أن هذا الرئيس السوري مناسب تمامًا لمنصبه”.
الموقع العبري الروسي lechaim.ru أشار في 16 المنصرم إلى أن حاخام الجالية السورية في نيويورك يوسف حمرا أعلن أنه سيدلي بشهادته أمام الكونغرس الأميركي، الذي سيبحث في الأسبوع التالي لتاريخ نشر النبأ في إمكانية رفع عقوبات “قانون قيصر” عن سوريا.
ونقل الموقع عن مؤسسة التراث اليهودي السوري، أن الحاخام حمرا يعتزم إبلاغ المشرعين الأميركيين بأن العقوبات لا تزال تسبب أضراراً جسيمة للاقتصاد السوري، وتعيق ترميم المواقع الدينية والثقافية اليهودية، وتحول دون الحفاظ على آخر بقايا الوجود اليهودي الذي يعود تاريخه إلى قرون مضت في سوريا.
وأشار الموقع إلى أن يوسف حمرا هو شقيق أبراهام، آخر حاخام للطائفة اليهودية قبل هجرتها النهائية من سوريا. وهو يحاول إحياء ما تبقى من عناصر الحياة اليهودية في عهد الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي التقى باليهود السوريين خلال زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي، وحصل على مباركة الحاخام خلال زيارته إلى واشنطن.
صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti نشرت في 12 الشهر المنصرم نصاً عنونته بالقول “ماذا سيؤدي إليه التخفيف الجزئي للعقوبات الأميركية على سوريا؟”.
أشارت الصحيفة في مستهل النص إلى أنه لا تزال قائمة القيود الاقتصادية المفروضة على بشار الأسد وحاشيته وتجار المخدرات و”الجهات الفاعلة الإقليمية المزعزعة للاستقرار”.
تستطرد الصحيفة في الحديث عن العقوبات الجزئية التي رفعت عن سوريا، وعن التسهيلات في عمليات التصدير الأميركية، بما فيها جميع الخدمات “التي تساعد في سلام سوريا وازدهارها”. وتقول إن واشنطن تواصل البحث في رفع إسم سوريا عن قائمة الدول الممولة للإرهاب.
نقلت الصحيفة عن المحاضر في معهد الإستشرق التابع لمدرسة الاقتصاد العليا أندريه زيلتين (Andrey Zeltyn) قوله إن الولايات المتحدة تحاول إخراج روسيا من الشرق الأوسط باستخدام العصا والجزرة. ويرى أنه، من الناحية النظرية، ومن أجل الحفاظ على الفوائد المالية والاقتصادية المحتملة من الولايات المتحدة، ستكون السلطات السورية مستعدة حتى للقطيعة التامة مع موسكو.
المدن
——————-
ترامب “العاشق”/ صبا ياسر مدور
السبت 2025/12/06
هل وقع ترامب في حب سوريا؟ ذلك ما يبدو على الرئيس الأميركي، الذي بات يؤلف المدائح في سوريا ورئيسها أحمد الشرع. وهو أمر يدعو للتفاؤل بالطبع، ومن الواضح أنه سمح حتى الآن بقطع أشواط مهمة نحو رفع العقوبات، والاعتراف بشرعية القيادة السورية بعد سقوط النظام السابق في المجتمع الدولي.
وفي الوقت الذي يحتفل فيه السوريون بالذكرى الأولى لسقوط النظام وانتصار الثورة، يبدو أن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة وسائر دول العالم وغالبية دول الإقليم، هو إنجاز الثورة الأهم، الذي سمح بالاستقرار النسبي، والبدء بإجراءات رفع العقوبات وبناء شبكة العلاقات عبر العالم، وكذلك الانخراط في قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وغيرها من عناصر القوة والتمكين للدولة بعد الانتصار.
غير أن اهتمام ترامب بالشأن السوري، كما أعلن مرات عدة، سيكون قليل الأهمية ما لم يدفع ذلك نحو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على سوريا، والمشاركة في إنهاء الوضع الشاذ في شمال شرق سوريا، وإدماج عناصر قسد في الجيش السوري، وسيطرة الحكومة على جميع الأراضي هناك، وهو أمر ينبغي أن يتحقق قبل نهاية هذا العام، فضلا بالطبع عن إنهاء الوضع الانفصالي في السويداء، والضغط على إسرائيل لوقف دعم المتمردين على الدولة هناك.
تحقيق مثل هذه الأهداف في واقع الأمر، سيكون خطوة هائلة نحو الاستقرار والتنمية، ووضع البلاد على طريق التعافي من آثار أكثر من نصف قرن من الحكم الاستبدادي، ونحو 14 عاماً من الحرب ضد الشعب السوري. لكن مساعدة الولايات المتحدة في تحقيق كل ذلك، قد يجري بآليات بطيئة، وربما غير متناسبة مع تطلعات الشعب السوري، وقد تكون الحلول المطروحة هشة ووقتية، والأدهى أن تكون محكومة بمطالب واشتراطات تتعلق بالقرارات الاستراتيجية لسوريا، داخلياً وخارجياً.
وفي واقع الأمر، يمكن تفهم السياسات الواقعية التي مارستها الحكومة السورية بعد سقوط النظام قبل نحو عام، ولا نشك بأن هذه الواقعية أسهمت في إخماد الثورة المضادة، ومنعت تقسيم سوريا، وهي تقترب من تحقيق هدف النمو الاقتصادي، وهي ذاتها السياسات التي ألهبت اهتمام ترامب بسوريا ورئيسها، وحرمت نتنياهو من ذرائع للتمادي في اعتداءاته نحو ما كان مهتماً بفعله، وهو خلق كيان درزي انفصالي يمتد من السويداء إلى لبنان يعزل فيه درعا، ويهدد دمشق، ويخلق أسباباً تدعو سكان الساحل أيضاً إلى التمرد وبناء كيان خاص على أساس طائفي. أي بمعنىً آخر، تقسيم سوريا بحكم الأمر الواقع، وذلك سيكون مصدر تعزيز أمن الكيان على الجبهة السورية لعشرات السنوات المقبلة.
مجرد تجنيب سوريا وقوع هذا السيناريو، هو بحد ذاته إنجاز كبير، لكنه إنجاز غير مرئي، وقد يفوت أمره على البعض في غمرة تقييم منجزات القيادة السورية بعد عام واحد من انتزاعها للسلطة. وهي بالطبع منجزات تتضمن ما تحقق، وما أوقف تدهوره، ومنعه من أن يكون سبباً في فشل الثورة.
وبالعودة إلى الويات المتحدة، فإن إدارتها الحالية بدأت علاقاتها بالفعل مع القيادة السورية بوساطة وتدخل من قبل كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكن ما تحقق منذ اللقاء الأول بين ترامب والشرع في الرياض في أيار/ مايو الماضي، كان نتيجة لجهد واضح واختيارات كان بعضها صعب، لكنه ناجح، بما ذلك ضبط النفس الذي مورس بصبر شديد، سواء في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، أو في مواجهة الحملات الانفصالية، أو أعمال الشغب من قبل فلول النظام المخلوع أو ممن كان مستفيداً من وجوده.
مضت القيادة السورية بشكل ثابت نحو أهداف واضحة، وما ميز جهودها خلال العام الأول بعد فتح دمشق، أنها لم تسمح للحوادث الجانبية والاستفزازات المتكررة داخلياً وخارجياً، بتشتيت الانتباه والجهد عن الأهداف المركزية، أو الدخول الاضطراري في معارك خاسرة. وهذا بحد ذاته وصفة سحرية للنجاح حققتها سوريا، رغم أنها تتطلب سلوكاً صعباً ومعقداً، فشل فيه الكثيرون.
هذا النمط غير المألوف عموماً في الشرق الأوسط، حقق ما لم يكن في الأفق المتخيل، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت ترامب يحب سوريا، ويدافع عن رئيسها، ويقابله ثلاث مرات خلال بضعة أشهر، ويخطط لزيارة دمشق، وربما يخطط لشراكة معها في المستقبل، بعد أن تحقق وجودها كدولة عربية مركزية لها كلمة مسموعة في سائر قضايا المنطقة.
المدن
——————————-
انضمام سورية إلى التحالف ضد داعش… خطوة نحو الاستقرار أم ورطة امنية؟/ مهيب الرفاعي
05 ديسمبر 2025
يشكّل الإعلان الأميركي عن انضمام سورية رسميّاً إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تحوّلاً استراتيجيّاً في موقع دمشق من معادلة الحرب على الإرهاب، وانتقالاً من موقع الخصومة والاتهام إلى موقع الشراكة والاعتراف، على اعتبار أنّ التحالف الذي أنشأته واشنطن عام 2014 لمحاربة التنظيم في العراق وسورية كان أحد أبرز عناوين العزلة السياسية للنظام السوري المخلوع، إذ ظلّت دمشق خارجه ومحلّ اتهام بالتواطؤ غير المباشر مع تمدّد التنظيم. أمّا اليوم، فإنّ دخولها على أنّها الشريك رقم 90 في هذا التحالف، يُعيد رسم خريطة الاصطفافات الإقليمية والدولية، ويمنح الإدارة السورية الجديدة شرعية أمنية ودبلوماسية طال انتظارها، في مقابل التزامها بضوابط التحالف ومُقتضيات التنسيق العملياتي والاستخباري. وبذلك لا يصبح الانضمام مجرّد إجراء رمزي، بل خطوة تؤسّس لتحوّل في البنية السياسية للأزمة السورية، حيث يُعاد إدماج دمشق في النظام الدولي من بوابة مكافحة الإرهاب، بما يحوّل الحرب على داعش إلى أداة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة السورية والولايات المتحدة، ويكرّس من جهة أخرى نهاية مرحلة العداء السياسي والأمني وبداية اختبار الثقة بين الطرفين.
معادلة الشرعية والأمن
عموماً، يدلّ المشهد المرسوم في النصّ على انتقال نوعي في هندسة الأمن الإقليمي والسوري معاً؛ فدمشق ما بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأوّل 2024 تتخلّى عن موقعها الطويل طرفاً يُعايش التحالف الدولي في حالة عداءٍ مُسيطر عليه وتتجه إلى صياغة علاقة شراكة سياسية وأمنية مُعلنة مع منظومة مكافحة “داعش” التي تقودها الولايات المتحدة، في مسارٍ يدمج مطلب الاعتراف الدولي بمقتضيات إعادة تشكيل الدولة. ولا يقتصر هذا التحوّل على توقيع إعلان تعاون سياسي، بل يقدّم نفسه آلية لإعادة تعريف وظيفة الدولة السورية وانتقالها من سلطةٍ اعتمدت سنوات القمع والأمن منهج حكم، وأدارت التوازنات عبر وسطاء مسلّحين واقتصاد ظلّ، وشركات أمنية خاصة وبنية عسكرية ما دون الدولة، إلى دولة تسعى إلى إعادة بناء احتكار العنف المشروع وتركيب مؤسّسات قادرة على الضبط والسيطرة وتقديم الخدمات.
في المقابل، ترى واشنطن والعواصم الشريكة أنّ إدماج دمشق في مظلّة التحالف يمكن أن يحوّل سورية من مصدر اضطراب إقليمي إلى صمّام أمان ضد ارتدادات الجهادية العالمية (Global Jihadism) وتدفقّات المقاتلين الأجانب، وأن يهيّئ منصّة عملية لصفقات أمنية- سياسية- عسكرية على تخوم الجولان، ومع الجيران المباشرين (أولهم إسرائيل)، شرط أن يترافق ذلك مع مؤشّرات موثوقة على التزام الحوكمة الرشيدة وتفكيك شبكات القمع القديمة والانتقال من فكر العناصر والفصائل إلى فكر الدولة. ضمن هذه المعادلة، يصبح الإعلان السياسي مرحلة تجريب لبناء الثقة؛ إذ لا تُمنح الإدارة الجديدة شرعية مجانية، لكنه يفتح نافذة اختبار يتوقّف نجاحها على قدرة الحكومة الانتقالية على إنتاج سلوك جديد ومُستدام، وعلى استعداد واشنطن لتقديم حوافز ملموسة؛ مثل رفع العقوبات وتعليق قانون قيصر واحتضان الإدارة الجديدة وترتيب علاقاتها العامة ورفع قوانين محاسبة سورية، من دون التفريط بخطوطها الحمراء المرتبطة بحقوق الإنسان ووضع الشركاء المحليين.
شراكة أم توريط بمهمة صعبة
لم تكن الحملة التي شنّتها وزارة الداخلية السورية بالتعاون مع جهاز الاستخبارات، وطاولت 61 هدفاً، وانتهت باعتقال مئات المُشتبهين، ومصادرة ذخائر وأسلحة متوسّطة وخفيفة ومواد مُتفجّرة، مجرّد نشاط أمني روتيني، بقدر ما هي أداة إشارة استراتيجية تقودنا إلى تعريف الجمهور الدولي بأنّ الدولة الجديدة قادرة على التحرّك ضدّ أخطر تهديد عابر للحدود من دون الانزلاق إلى انتهاكات فجّة تجرّ عليها مزيداً من العقوبات؛ وتعريف الشركاء الإقليميين (إن صحّ التعبير)، سيما إسرائيل والأردن والعراق ولبنان وتركيا، بأنّ الحدود يمكن أن تُضبط، وأنّ دمشق تُقرن خطاب “لن نشكّل تهديداً” بأفعال ميدانية قابلة للقياس؛ وإبلاغ الداخل السوري، وخصوصاً الفاعلين المسلحين (ما دون الدولة) الذين اعتادوا اقتصاد الحرب، بأنّ زمن احتكار السلاح خارج المؤسسات يقترب من نهايته وأنّ ثمّة بنية أمنية جديدة تتشكّل حول وزارة الداخلية والمديرية الوطنية لمكافحة الإرهاب.
غير أنّ هذا التوقيت المُترابط مع رفع أسماء قيادية من قوائم الإرهاب (أحمد الشرع وأسعد الشيباني) وإعلان تعاون سياسي من دون مكوّن عسكري فوري يفتح باب تأويل معاكس يرى في الحملة شكلًا من التوريط أو على الأقل مقايضة مع الخارج، بمعنى أنّ خطاب الإدارة الجديدة قائم على طلب سند سياسي ودبلوماسي واقتصادي مُتمثّل بتخفيف/ رفع العقوبات، مع تقديم رؤوس خلايا “داعش” وتعطّيل شبكاته، وهو تأويل إن لم يُدحض بإصلاحات داخلية واضحة سيُستخدم ذريعةً من خصوم السلطة الجديدة ومعارضيها لتصوير العملية تلميعاً شكلياً يُعيد تدوير أدوات قمع قديمة تحت لافتة جديدة. لذلك تصبح قابلية هذه الحملة للاستدامة مشروطة بقدرتها على الالتزام بقواعد استخدام القوّة، وبإظهار أنّ معيار الاستهداف هو الخطر الفعلي على أمن الدولة وأمن المنطقة عمومًا، لا الانتماء السياسي، وبأنّ أيّ تعاون استخباري مع الحلفاء لن يتحوّل إلى قناة تصفية حسابات داخلية.
ملف “داعش” مُقلق في المنطقة، لا سيما وأنّ التنظيم ليس مجرّد جماعة عابرة، بل آلة عنف مُصمَّمة على الإبادة وإعادة إنتاج الرعب بصيغٍ جديدة، إذ تُشرعن إيديولوجيته التكفيرية القتل الجماعي والاغتصاب والتطهير الطائفي، بينما تكتيكاته الحربية التي تبدأ بالكمائن الليلية، العبوات الناسفة، الاغتيالات المُمنهجة، والعمليات الانتحارية والانغماسية، من شأنها أن تحوّل أيّ فضاء هشّ إلى مسرح للدم والفوضى، بلا خطوطٍ حمراء. بعد انكسار دولته الظاهرية، لم يمت “داعش”، بل تحوّل إلى شبكة مرنة تعمل كخلايا نائمة تنبُض بالقتل كلما تسنح الفرصة، تعتمد على اقتصادٍ أسود مُتقنٍ من تهريب وابتزاز وبيع آثار، يموّل شبكات القتل والتجنيد، وتستثمر السجون ومخيّمات النزوح كسوقٍ بشري لتجنيد جديد؛ مع الانفتاح على العمل الرقمي، حيث صاغت آلتُه الدعائية سردية انتقامية تجذب الضعفاء ومغسولي الدماغ، في حين أنّ قدرته على الإلهام والتخطيط جعلت تهديده عابراً للقارات، عبر خلايا صغيرة في أفريقيا وآسيا وأوروبا قادرة على إشعال موجات دماء بمفردها. هذا المزيج من عقيدة قاتلة، ومرونة تكتيكية، وموارد تمويلية، وبراعة دعاية يجعل من “داعش” وبالاً طويل النفس على سورية، وقنبلة موقوتة تهدّد وترهق المؤسسة الأمنية والعسكرية على حدّ سواء.
شبح العقلية الأمنية
وضع ملف مكافحة داعش تحت راية الداخلية وتفعيل قنوات ارتباط عملياتي مع غرف التحالف وقاعدة التنف، يعكسان إدراكاً بأنّ التهديد الراهن ليس جيشاً نظاميّاً على جبهة تقليدية، بل عقد شبكية صغيرة، متحرّكة، تتغذّى على الجغرافيا المفتوحة للهضاب والبادية وعلى تداخل خطوط السيطرة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما يستدعي قدرات أمنية مُتخصّصة في مكافحة الإرهاب ومُتدرّبة على العمليات الخاصة، وسلاسل قيادة أقصر، ومحاكم وسجون قادرة على الاحتجاز المطوّل وفق معايير قانونية تمنع تدوير المسلحين عبر المعتقلات إلى ساحات القتال. من هذه الزاوية يصبح تشغيل القبضة الأمنية الحديدية ضرورة تكتيكية لمنع التفكّك الأمني وإغلاق ثغرات التهريب وإعادة فرض حدّ أدنى من النظام العام بعد سنوات من خصخصة العنف. الخطر الفعلي أن يتحوّل هذا المسار إلى إعادة إنتاج أمننة الحكم عبر استخدام شعار مكافحة داعش لتصفية خصوم سياسيين أو عسكريين محليين (سواء في مناطق العشائر السنية أو في مناطق الأقليات أو حتى في أرياف المدن الكبرى)، ما قد يُعيد دوامة التمرّد القائمة على القمع ويستنزف الشرعية الناشئة.
إلا أنّ هذه الضرورة تصطدم بإرث اجتماعي ثقيل من عسكرة الإدارة وتغوّل الأجهزة على المجال المدني، الأمر الذي يفرض على القيادة الجديدة هندسة دقيقة للتوازن بين الحزم والشرعية عبر تقنين الصلاحيات الأمنية بقوانين واضحة ومُعلنة، وإخضاع القوّة العمومية المُتمثّلة بقوات الأمن العامة وجهاز الاستخبارات لرقابة قضائية وبرلمانية ومجتمعية فعّالة، وصياغة مدوّنات سلوك مُلزمة وتدريب منهجي على العمليات الأمنية الدقيقة، وتوخّي الدقة الإعلامية وعدم ربط أيّ عملية اعتقال بالعمليات التي تجريها على المستوى الأعلى ضدّ التنظيم؛ لأن أيّ توسّع أمني غير منضبط سيُترجم سريعاً في الأطراف إلى رواية تعبئة مضادّة (Counter Mobilization)، وتغذي الاغتيالات وحروب الثأر المحلية.
تمويل الحملة وطبيعة إسناد التحالف
ربما يتجه تمويل العمليات وإسنادها واقعيّاً إلى معادلة ثلاثية الأبعاد تجمع بين دعم ائتلافي تقني وعملياتي مُكثّف، وممرّات تمويل دولية مُقيّدة للغرض الإنساني، وإعادة بناء قاعدة الموارد المحلية عبر ضبط المعابر والجمارك وتنظيف سلاسل الإمداد من اقتصاد التهريب الذي استفادت منه شبكات مسلّحة لعقدٍ كامل؛ ففي الشق الخارجي، يمكن توقّع حزم تمكين لا تمرّ نقدًا بل على هيئة قدرات جاهزة للاستخدام تشمل منصّات استطلاع ومراقبة جوية وفضائية، وصولًا إلى الاستطلاع الإلكتروني وتشارك البيانات عبر خلايا اندماج استخباري، وتوفير مروحيات نقل وإخلاء، ودعم لوجستي ميداني، وإتاحة ضربات دقيقة حسب قواعد اشتباك مُتّفق عليها تقلّص مخاطر الاحتكاك مع الشركاء الآخرين وتمنع الانزلاق إلى مواجهات بينية. يكمّل هذه الحزم الداعمة برنامج إعادة هيكلة لقطاعي الدفاع والداخلية يركّز على بناء وحدات مكافحة الإرهاب المُختارة، وتطبيق فحص أمني مُعمّق لمجنّدي الأجهزة لمنع تسرّب عناصر متطرّفة، وتحديث منظومات الاتصالات والقيادة والسيطرة، وإنشاء سجن عالي التحصين ومحاكم مُتخصّصة لمعالجة ملف معتقلي التنظيم وفق معايير احتجاز ومرافعات شفّافة بما يحدّ من دوائر التطرّف داخل السجون. أما على المدى الاقتصادي فسيعتمد أيّ انفراج على تعليق مساطر العقوبات مُحدّدة الهدف أو ترشيدها وفتح نوافذ تمويل عبر آليات مُتعدّدة الأطراف لبرامج التعافي المُبكّر والمياه والكهرباء والصحة والتعليم، على أن تُربط هذه الموارد بمؤشّرات أداء واضحة وإطار امتثال وتدقيق مستقل، لأنّ البديل المتوقّع عبر ضخ سيولة غير مشروطة في قنوات دولة لم تُعالج هشاشتها المؤسسية بعد ولم يؤتِ رفع العقوبات أُكله بعد، سيُعيد إنتاج اقتصاد ريع أمني يرسّخ شبكات الزبائنية ويُقوّض الثقة المُجتمعية والدولية معًا.
سيناريوهات ما بعد سقوط “الخلافة”
تكشف إعادة ظهور نشاط “داعش” بعد إعلانات سابقة بانتهاء عملياته، الفارق البنيوي بين تدمير الشكل الإقليمي للدولة التي أقامها عام 2014 وبين تفكيك شبكته التي أعادت التموضع في نمط التمرّد مُنخفض الكلفة عالي المرونة، حيث تعمل مجموعات في جيوب نائية كالبادية وجبل البشري والسخنة وأطراف دير الزور، وفي تدمر وريف دمشق وحماة، وريف درعا الجنوبي الشرقي؛ مُستفيدة من اقتصاد الظل العابر للحدود، ومن منصّات التجنيد في السجون ومخيّمي الهول والروج، ومن تشتّت سلاسل القيادة بين مؤسّسات الدولة وقوات الأمر الواقع في الشمال الشرقي، بما يمكّنها من تنفيذ كمائن ليلية، واغتيالات انتقائية، وزراعة عبوات تُعيد إنتاج الخوف وتُنهك الخصوم على المدى الطويل.
لذا فإن تحويل التعاون السياسي إلى انضمام مؤسسي كامل للتحالف بالرقم 90، يبدو السيناريو الأكثر منطقية لتجاوز تنسيق الظل، شريطة أن يُستبق بإطار دمج أمني- عسكري مع الفصائل المُتناحرة مثلاً، والمضي قُدمًا بدمج “قسد” بحيث يضمن وحدة القيادة وتكامل مناطق العمليات، وإلا ظلّ الاحتمالان السلبيان ماثلين وهما، إمّا استمرار تنسيق محدود يفتقر لآليات المُساءلة وتبادل البيانات بوقت مناسب بما يبقي دورة العنف دائرة ويعقّد جذب التمويل للإعمار، وإمّا انهيار القنوات وعودة الجغرافيا السورية إلى مربّعات نفوذ متنافسة تُتيح للتنظيم توسيع اقتصاد الكمون وإعادة البناء الصامت.
المؤشّر الفعلي على الاتجاه الذي ستّتخذه الأمور لن يكون عدد البيانات التي تصدرها وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع، ولا حرارة الخطاب الإعلامي عبر ضيوف القنوات و”المؤثرين”، بل سلّة معطيات صلبة يمكن رصدها ميدانيًا مثل تراجع معدلات الهجمات بالعبوات ونيران القنص في البادية ومحاور دير الزور، واحتكار السلاح والعنف الشرعي بطريقة منهجية مُحوكمة خلال ربع سنوي متتالٍ، مع انخفاض منحنى التجنيد داخل المخيّمات عبر برامج إعادة تأهيل جدية وقابلة للتحقّق، وبدء مسارات قضائية علنية بحقّ عناصر مُنتمية لأيّ من الفصائل المحسوبة على التنظيم ومتورّطة في الانتهاكات، توازيها آليات عدالة ترميمية للمجتمعات المُتضرّرة، وإرساء بروتوكولات اشتباك مشتركة مع الشركاء تمنع حوادث النار الصديقة وتُقفل مسارات التهريب العابرة للحدود.
تُستخدم هذه العمليات الأمنية ضدّ التنظيم أداة اعتماد أمام واشنطن والشركاء، وليست خالية من مخاطرة التوريط إن لم تُدعَم بإصلاح حقيقي؛ لا سيما وأنّ قوات سوريا الديمقراطية أيضا دخلت على الخطّ وصرّحت بأنها أعلنت عن إحباط عمليات لتنظيم داعش شرق الفرات وأنّ علاقتها بالتحالف علاقة وطيدة، في محاولة لوضع نفسها أمام الإدارة السورية الجديدة.
ثمّة بعدٌ واضح لتجميع أدوات القسر وإعادة هندسة الحقل السوري المُسلّح داخليّاً، وهو قد يتحوّل إلى تشديد أمني إن غابت الضمانات القضائية والرقابية؛ لأنّ تمويل العمليات سيكون مزيجاً من تمكين ائتلافي غير نقدي، وتمويل استقرار مشروط وإيرادات داخلية مُقوّمَة بحوكمة صارمة ضدّ التسرّب. ومع دعم التحالف، سيتركز على الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والضربات الدقيقة والتدريب وبناء منظومات الاحتجاز والتتبّع وتمويل خدمات أساسية لخفض مخاطر الارتداد. أمّا عودة “داعش” رغم إعلان هزيمته، فما هو إلا بقاء شبكاته المرنة وقدرتها على استثمار فراغات السلطة واقتصاد الحرب ومصادر التجنيد في السجون والمخيّمات، ما يجعل كبحه مرهونًا بتكامل أمني- مؤسّسي داخلي، وبقنوات تنسيق صلبة، وبحزمة استقرار ميداني تُغلق منافذ التمويل والتجنيد وتثبت أنّ شعار عدم تهديد الجوار يستند إلى بنية دولة متماسكة لا إلى بيانات ظرفية.
العربي الجديد
——————————-
سيف قيصر.. الخصم والحكم/ بشار الحاج علي
2025.12.03
منذ اللحظة التي أُقرَّ فيها قانون “قيصر”، لم يعد هذا القانون مجرد إطار تشريعي عابر، بل أصبح رمزًا واضحًا للهيمنة الأميركية على سوريا والمنطقة بأسرها. الهدف الرسمي الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية كان حماية حقوق الإنسان وفرض تغييرات سياسية داخل الدولة السورية، ولكن الواقع على الأرض كشف أن القانون تحوّل إلى أداة ضغط دائمة، تُستخدم ليس فقط لمعاقبة النظام السابق ولا حتى الحكومة السورية، بل لضمان أن أي دولة أو جهة ترغب في إقامة علاقات اقتصادية أو سياسية مستقلة مع سوريا تظل تحت السيطرة الأميركية.
أصبح القانون بذلك سلاحًا متعدد الاستخدامات، يمارس الضغوط السياسية والاقتصادية ويهيمن على كل خطوة استراتيجية لأي طرف يتعامل مع دمشق.
الأمر الأكثر تعقيدًا هو الشروط الجوهرية التي تربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ دمشق لما يُسمى “الالتزامات المطلوبة”!
هذه الشروط تشمل مجالات متعددة، سياسية وأمنية واقتصادية، من بينها الإفراج عن سجناء محددين، والسماح بوجود مراقبة دولية على الأنشطة العسكرية والأمنية، وتقديم تسهيلات لإعادة الهيكلة الاقتصادية بما يخدم مصالح واشنطن في المنطقة. على الورق تبدو الشروط محددة وواضحة، لكنها في التطبيق العملي مفتوحة للتفسير الأميركي، حيث يمكن لأي خطوة تُنفذها دمشق أن تُقرأ على أنها غير كافية أو جزئية، بحسب مصالح الإدارة الأميركية المتغيرة أو التوازنات الداخلية في الكونغرس.
هذا التناقض يضع الحكومة السورية في موقف هش، يجعل أي تقدم ملموس عرضة للتقويم الانتقائي، ويؤكد أن العقوبات ليست مجرد أداة قانونية بل وسيلة مستمرة للضغط السياسي.
الجانب الأكثر صعوبة وعبثية في هذا القانون يكمن في آلية الرقابة نفسها. من يفرض العقوبات هو نفسه الذي يقرر مدى الالتزام بها!
فالكونغرس، ووزارة الخارجية، ووزارة الخزانة، ووزارة الدفاع، ووكالات الاستخبارات، وأجهزة رقابية متعددة، كلها تشارك في تقييم مدى التزام الحكومة السورية بالشروط المطلوبة. هذا التعدد ليس مجرد تعقيد إداري، بل يعكس استراتيجية متعمدة لتحويل القانون من أداة تقويم إلى أداة ضغط مستمرة. الخصم هنا يصبح الحكم، مما يلغي أي إمكانية لنزاهة التقييم، ويجعل أي خطوة إيجابية من دمشق خاضعة لإعادة تفسير مستمرة بحسب المصلحة الأميركية. وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ “عبثية العقوبات”: لا يوجد معيار مستقل لتقييم الجهد المبذول، ولا جهة خارجية محايدة يمكنها أن تضمن مصداقية عملية التحقق، وبالتالي يظل القانون أداة للهيمنة أكثر من كونه أداة للتفاوض أو للعدالة السياسية.
حتى إذا نفّذت دمشق جميع الشروط المطلوبة بالكامل، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا حصولها على أي تخفيف ملموس للعقوبات. فالإدارة الأميركية تحتفظ بحق تفسير الخطوات المنفذة بأنها جزئية أو محدودة، وهو ما يسمح بفتح باب التفاوض وفق مصالحها الاستراتيجية وحدها!
هذه المرونة الأميركية تجعل أي وفاء بالشروط على الأرض عملية محفوفة بالمخاطر، حيث يمكن لأي تقدم اقتصادي أو سياسي أن يُقرأ على أنه غير كافٍ، ما يترك دمشق في حالة من عدم اليقين المستمر. وبذات الوقت يصبح القانون أداة ضغط دائمة، تحافظ على الهيمنة الأميركية، وتحول أي تحرك اقتصادي مستقل إلى لعبة سياسية خطرة تتطلب دائمًا التحقق من رضا واشنطن.
القرار النهائي حول مدى التزام الحكومة السورية بالشروط المطلوبة ليس بيد جهة واحدة، بل يتوزع على شبكة معقدة من المؤسسات الأميركية، تشمل الكونغرس الذي يمكنه ممارسة ضغوط سياسية داخلية لتحديد مدى التخفيف وفق الاعتبارات الحزبية والانتخابية، ووزارة الخارجية التي تركز على الأبعاد الدبلوماسية والتحالفات الإقليمية، ووزارة الخزانة التي تتحكم بالعقوبات الاقتصادية والمالية المباشرة وغير المباشرة، ووزارة الدفاع التي تقيّم أي نشاط عسكري محتمل وتأثيره على مصالح الولايات المتحدة، ووكالات الاستخبارات التي تقدم تقييمات دقيقة وشاملة، وأجهزة رقابية متعددة تقوم بتحليل المعلومات بشكل متقاطع.
هذا التعدد، بدل أن يكون وسيلة للشفافية، يحول القانون إلى شبكة معقدة للتحكم بالعقوبات، ويجعل أي خطوة إيجابية من دمشق مرهونة بتوافق داخلي أميركي أكثر من كونها ردّ فعل على الالتزام بالشروط.
تجربة قانون قيصر — وهو يمثل أهم العقوبات الأميركية — تُظهر أن أي نظام رقابي داخلي من قبل صانع العقوبات يعكس تضاربًا جوهريًا. الخصم لا يمكن أن يكون الحكم، وإلا فقدت العملية أي مصداقية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى آلية مراقبة مستقلة، دولية أو متعددة الأطراف، تكون قادرة على تقييم الالتزامات السورية بشكل موضوعي وشفاف، بعيدًا عن المصالح الأميركية المباشرة. بدون هذه الآلية ستظل العقوبات أداة ضغط مستمرة، تهيمن على سوريا وكل من يحاول بناء علاقات مستقلة، وتجعل أي خطوة إيجابية على الأرض خاضعة لتفسير سياسي انتقائي.
يمكن القول إن النظام الحالي للعقوبات الأميركية يحول أي تحرك دبلوماسي أو اقتصادي من قبل دمشق إلى عملية محفوفة بالمخاطر، حيث يُقرأ كل تقدم صغير أو أي خطوة إصلاحية على أنها ناقصة أو مشروطة بمصالح واشنطن الداخلية.
هذا الواقع يكشف جوهر عبثية القانون، ويؤكد أن العقوبات الأميركية ليست مجرد أداة لحماية الحقوق أو لتحقيق التغيير السياسي، بل هي سلاح سياسي متكامل يستخدم للسيطرة على المنطقة، وتحويل أي دولة أو جهة تسعى للتعاون مع سوريا إلى رهينة للمصالح الأميركية.
السؤال المحوري الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لأي دولة الالتزام بشروط أميركية متغيرة باستمرار، من دون وجود جهة مستقلة تحكم على الالتزام بموضوعية؟
الإجابة تكشف حقيقة النظام الحالي للعقوبات، وتؤكد ضرورة تطوير آليات رقابة حقيقية تحفظ الحقوق الاقتصادية والسياسية لأي دولة، بعيدًا عن الابتزاز السياسي المستمر.
إن استمرار الوضع الحالي يعني أن العقوبات ستظل أداة ضغط دائم، وأن أي تقدم سياسي أو اقتصادي سيكون دائمًا رهينة للتقديرات الأميركية، ما يحوّل كل محاولة للتعاون الدولي إلى مسرح سياسي يتجدد فيه الابتزاز والهيمنة بلا توقف.
في النهاية، يمكن القول إن قانون قيصر لم يعد مجرد قانون، بل أصبح نموذجًا لما يمكن أن يتحول إليه أي إطار تشريعي عندما يتحكم الخصم بالرقابة والتقييم بنفسه.
هذه الدروس السياسية يجب أن تكون محور أي نقاش مستقبلي حول العقوبات الدولية، فهي توضح الحاجة الملحة لإنشاء آليات مراقبة مستقلة تضمن أن أي عقوبة أو إجراء دولي يتم تقييمه بعدالة وموضوعية، بعيدًا عن مصالح صانع العقوبات، بما يحفظ الحد الأدنى من العدالة الدولية ويمنع استخدام القانون كسلاح دائم ضد الدول والشعوب.
تلفزيون سوريا
——————————-
======================



