مقالات سينمائيةمنوعات

عمر أميرالاي… عندما صوّر سورية في السجن الكبير/ أنور محمد

03 ديسمبر 2025

في السينما الوثائقية عند المُخرج السوري عمر أميرالاي (1944 – 2011)، بحسب أفلامه الـ19، سنرى كيف يتفاعل فيها الإدراكان الشعوري والفكري ويتجادلان. الإدراكان يُولِّدان موقفاً عند المُشاهِد من التناقضات الإدارية والاقتصادية للسلطة السياسية في سورية القديمة التي يُصَوِّر أفعالها وصدى أفعالها، في الحياة المُعاشة للناس، وبكثيرٍ من التركيز الفكري، وبصدقٍ ووضوح، ليس لأن ما يصوِّره يجيء في باب السينما التسجيلية، ولكنَّها مواقفه كصاحب مشروعٍ سينمائي جادّ وحادّ في رؤيته الاجتماعية. فنحن مع صورةٍ تذهب صِراعاتها الطبيعية من العفوية إلى الملحمية، خصوصاً فيلميه: الدجاج 1977 وعن ثورة الدجاج 1978، واللذين سنرى فيهما سخريةً لاذعةً يحقِّقها كذروةٍ قصدية، إذ يقول عمر: “اخترت أن أحكي عن البشر بلغة الحيوان، فذلك نوعٌ من التعبير عن قَهر المُثقَّف، وعجزه عن إنطاق الناس”. فكما لو أنَّنا مع أحداثٍ روائية لا تكتفي بدفعنا إلى التفكير، بل وإلى التأمُّل. فالأحداثُ يتوالد بعضها من بعض، وهو ينزع الأقنعةَ ويُعري الوجوه، فيعيد إلى الذاكرة كتاب “كليلة ودمنة” لعبد الله بن المقفَّع، ورواية “مزرعة الحيوانات الثورية” لجورج أورويل.

كذلك في معظم أفلامه: محاولة عن سد الفرات 1972 (مُنع الشريط من العرض وهو أوَّل أفلامه)، الحياة اليومية في قرية سورية 1974، وفيه يقرأ، يبحث، يدرس كيف يعيش الناسُ في العدم، وقد جرى اغتصاب وعيهم بالوجود، مع نضوب المياه والموارد الغذائية وشحّهما (أيضاً منع عرضه). فيلم مصائب قومٍ 1981؛ (مُذكِّراً بشطر المتنبي الذي صار مثلاً)؛ سنرى فيه كيف تَبرد نار الحرب اللبنانية بالتدريج رغم أنَّها مُشتعلة، فمن المفاجأة والخوف حين وقعت، إلى أن تتحوَّل إلى أمرٍ عادي واعتيادي في الحياة اليومية للبنانيين، وكيف يستفيدُ منها التجار، فيما يدفع فاتورتها الفقراء والمعدومون، رائحة الجنَّة 1982، فيلم الحبُّ الموؤود 1983 صَوَّره في مصر عن حال المرأة التي لا تَخرج من قفص اتِّهام الرجل لها، مُتَّخذاً من العادات والأعراف سنداً وسيفاً لقمعها، فيديو على الرمال 1984، فيلم العدوّ الحميم 1986، سيّدة شيبام 1988، فيلم شرقي عدن 1988، نور وظلال 1994، فيلم السيّدة رئيسة الوزراء بنازير بوتو 1990، المُدرِّس 1995 عن التشكيلي فاتح المُدرِّس، في يوم من أيَّام العنف العادي 1996 عن موت صديقه ميشيل سورا يوثق حياته وموته على أيدي الجماعات الإرهابية في لبنان، وفيلم هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدَّث عنها المرء 1997، وهو فيلمٌ عن الكاتب المسرحي سعد الله ونُّوس في أيامه الأخيرة يذهب فيه عمر أميرالاي إلى الحوار الطويل عن تردّي الثورة والموت النظري للمثقَّف العربي، وفساد الدولة والخروج من التاريخ، والنهاية القاسية والكارثية للمشروع الثقافي النهضوي؛ فهزيمة 5 حزيران 1967، وزيارة الرئيس أنور السادات إسرائيل، والانتفاضة الفلسطينية الأولى، انتهاءً بحرب الخليج الثانية، وفيلم طبق السردين 1997، والرجل ذو النَّعل الذهبي 1999 وهو عن رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وفيلم طوفان في بلاد البعث 2003.

المُخرج والمؤلِّف السينمائي عمر أميرالاي الذي درس المسرح في الجامعة الدولية للمسرح بباريس عامي 1966-1967، ثمَّ تحوَّل إلى دراسة السينما بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، ثمَّ ترك الدراسة فيه بسبب ثورة الطلبة عام 1968، هو يشتغل بحثاً؛ أبحاثاً سينمائية، محاولاً قدر الإمكان النفاذَ إلى نواة التخلف التي سبَّبت هذه المآسي التاريخية. ففي دراساتِه؛ لقطاته التي يقيم بينها علاقات منطقية، يحاول صدمنا، ودفعَها إلى التحكُّم بنا، فهو يريد من اللقطة كونها واقعية، أن تؤثِّر في ذهننا وعقلنا. فالصورة، اللقطة في تتابعها تكشفُ عن الذي كان مجهولاً، عن الذي كان مُستَتِراً، وقد أضحى معلوماً ومعروفاً، فنعيش مع راهن، مع أفكار وتداعيات. بل إنَّ عمر أميرالاي يُحوِّل لقطاته إلى مُنبهاتٍ حسيِّة؛ فنرفض، نستنكر، ننشده، نغضب، نشارك، وربَّما نتحيَّن لننتقم أو نثأر. عمر يستثير انفعالاتنا أو يلتقط الصور كصاحب مشروع فكري، كباحث. وهي الصور المحمَّلة بمضمون انفعالي فتصفعنا بسوطها. فشخصياته، وإن كانت ضحية لأهداف الفساد أو القائمين بأعماله في سورية القديمة، إلا أنَّهم يبدون أو يصوِّرهم كأبطال دراميين كون الصراع – الألم ينزُّ منهم، وهم فوق التجاهل والاستغباء والاستبعاد والنفي. هي شخصياتٌ حتى لو اختلفنا معها وضحكنا منها – من أفعالها، فهي شديدةُ الغنى والثراء والتباين.

المُخرج السينمائي عُمر أميرالاي في أفلامه أسَّس لسينما تسجيلية/ وثائقية غير مُندغمة بالمألوف والمُعتاد، سينما من صدماتٍ شعورية تحفر عميقاً في مجاهيل الوجود والفكر الإنساني. سينما بحثَ فيها عمر عن معنى العدم الإنساني حين يحتكر المستبدُ الوجودَ لحسابه، ويُحوِّل الناس إلى أرقام. ولذا فهي سينما غير مُحايدة، سينما تستثير بواعث شعورنا. سينما صوَّر فيها سورية في (السجن)، سورية المحرومة من الحريَّة، وبتفاصيل واقعية، صوّر الشروخ والفجوات/ الصراعات، بديكور وألبسة وألوان – إضاءة طبيعية؛ بقصد التوضيح لا الإيحاء، وحوار أيضاً طبيعي، لا خطابة فيه ولا ابتذال – عمر أميرالاي كان يُصوِّر ولا يصف أحداثاً (خام) بيولوجية صرفاً، فينتقل من الفردي/الخاص إلى الجماعي/العام. عمر كان في سينماه يُصوِّر الرعب الذي يعيشه السوريون تحت حكم آل الضبع، وذلك بعينٍ ذات حركةٍ جدلية.

عمر أميرالاي كما أنه مُخرجٌ هو مؤلفٌ؛ فقوَّة روحه في أفلامه هي من قوَّة الطبيعة الإنسانية، لأنَّ صوره عقلية التقطها بواقعية حسِّية، فتستثير جهازنا العصبي. فالحدث والأحداث يجيئان على أساس من رؤيته الفكرية القائمة على الملاحظة والتجريب، وليس على التخييل، فنراه يقوم برفع وصاية المُستبد عن العقل، بل ويسخر منه ويهزأ. لأنَّ العقل يُمثّل قوَّةً عظمى، فيفسّر ويحلّل ويؤوّل وينتقد السلطة التي تمارس القهر والإرهاب والتسلط الفكري والسياسي على الناس، ذلك ليُرينا الحقيقة الفعلية في الزمان والمكان نحو سورية جديدة؛ سورية الآنية المُفكّرة وعياً وفعلاً.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى