منوعات

في سراييفو، تبدأ الأحلام وتنتهي/ فراس خليل

السبت 29 تشرين الثاني 2025

معظم الذين عرفوني — على الأقل في العشر سنين الماضية — سمعوا مني مراراً رغبتي في زيارة سراييفو. وكان السؤال يتكرر دائماً: لماذا سراييفو؟

سؤالي كان أبسط من أن يحتاج إلى تفسير معقد. لأن سراييفو، كما وصفها إمير كوستاريتسا، مدينة ساحرة. مدينة محمّلة بالذاكرة والجرح، لكنها لا تزال تُخبئ في جعبتها الكثير من الروح والجمال.

■■ ■

كوستاريتسا، المخرج البوسني الأصل، وُلد في سراييفو لعائلة مسلمة، غير أنه اختار لاحقاً طريقاً مختلفاً، فاعتنق الأرثوذكسية. ترك المدينة مع بدايات الحرب، وكأنه غادرها وفي قلبه غصّة، ولم يعد إليها منذ ذلك الحين. اليوم، يعيش في قريته الخاصة في صربيا، على مقربة من الحدود البوسنية، حيث بنى عالمه الصغير كما يبني مخرج مشهده الأخير، هارباً من ضجيج المدن، مطارداً ذكرى سراييفو التي لا تفارقه.

■ ■ ■

كانت الرحلة إلى سراييفو طويلة ومعقدة، وكأن الطريق نفسه يريد أن يختبر صبري قبل أن يفتح لي أبواب هذه المدينة. لكن، ما إن وصلت حتى شعرت أني لم أقطع مسافات جغرافية فقط، بل مسافة في الذاكرة والروح.

هذه المدينة التي قاومت الحصار الأطول في تاريخ الحروب الحديثة — 1425 يوماً من القصف، القنص، والجوع والصمت الذي يُرعب.

دمٌ كثير سال على تلالها دفاعاً عنها، كل حيٍّ، كل شارعٍ، كل منزلٍ كان شاهداً أو ضحية.

■ ■ ■

عندما تطأ قدماك مقبرة «كوڤاچي» الشهيرة — مقبرة الشهداء التي يقع فيها رفات أولئك الذين دافعوا عن المدينة — تجدها مطلّة على المدينة من مرتفعٍ أخّاذ، كأن كل قبرٍ ينظر نحو الأفق الذي كانوا يحلمون به.

المقبرة ليست مجرد رفات، بل شهادةٌ صامتةٌ أن الحُبّ لأرضٍ لا يُنسى، وأن الأثر الذي يُسكب بالدم لا يُمحى بمرور الأيام.

على إحدى التلال، وفي طريقنا لمشاهدة الشمس وهي تنسحب بهدوء خلف الجبال، التقينا برجل في أواخر العقد السادس من العمر. عاش حياته كلها هنا، ولم يتزوج. لكنه لا يزال يصعد وحيداً، كل يوم تقريباً، ليشارك المدينة لحظة الغروب. حين عرف أننا من لبنان، أشرق وجهه، وبدأ يسرد ذكرياته عن أيام عمله في ليبيا وكيف وقع هناك في حب صوت فيروز.

■ ■ ■

لم أستطع أن أقاوم الاستفزاز الودّي، فسألته:

— من الأفضل، فيروز أم بييلو دوغمي؟

ابتسم، ونظر إليَّ كمن يستعيد صباه، وقال بحسم:

— طبعاً أحب دوغمي أكثر!

ومن هنا انطلق حديث طويل عن هوسنا المشترك بموسيقاهم، واتفقنا سريعاً أن تيفا هو أجمل أصواتهم وأكثرها صدقاً. ثم انسابت الحكايات إلى يوغسلافيا القديمة، وعن البوسنة اليوم. قال لي:

— لم أكن شيوعياً، لكنني رغم ذلك أفضّل تلك الأيام على ما نحن فيه الآن.

وبييلو دوغمي لم تكن مجرّد فرقة موسيقية في يوغسلافيا، بل كانت ظاهرة تشبه البلاد نفسها: متناقضة، صاخبة، جميلة، وممزّقة بين الشرق والغرب. انطلقت من سراييفو، من أحيائها الشعبية ومقاهيها المفعمة بالأحلام، فحملت صوت المدينة إلى كل يوغسلافيا. في موسيقاهم شيء من روح سراييفو نفسها — ذلك المزج بين الحزن والفرح، بين الحنين والتمرّد. كانت أغانيهم مرآة لزمنٍ كان يعتقد أنه خالد، فانكسر، لكن أصداءه ما تزال تتردّد في شوارع المدينة حتى اليوم.

■ ■ ■

وفي أحد مقاهي سراييفو الجميلة، جلسنا إلى الطاولة نفسها مع رجل مسنّ في أواخر عقد الثامن، مزارع من التلال، ذي عينين زرقاوين لامعتين ووجه محفور بالزمن. كنا نأكل الحلوى وهو يحتسي قهوته الثقيلة. ولأن الوقت كان متأخراً، سألناه ممازحين:

— ألا تخشى أن تُفقدك القهوة نومك؟

ضحك وردّ بخفة:

— وهل أنا أنام أساساً؟ هنا الجميع يشرب القهوة بكثرة.

كانت لحظة صغيرة، لكنها كشفت لي طبيعة سراييفو: خليط من الحكمة والعناد والمرح، وشعب يعرف كيف يواجه الليل بابتسامة وفنجان قهوة.

ولم تكن سراييفو بالنسبة إلي مجرد لقاءات عابرة. فقد خططت أن أركض نصف ماراثون بين شوارعها، بين عماراتها القديمة وآثارها الحديثة. وكانت المفاجأة أن هذا السباق كان واحداً من أفضل سباقاتي على الإطلاق من ناحية التوقيت والإنجاز. شعرت وكأن المدينة نفسها تهمس لي وتشجعني مع كل خطوة، لتترك في جسدي إنجازاً وفي قلبي ذكرى لن تزول.

ثم كان هناك صاحب المنزل العجوز، سبعينيّ هو الآخر وكان قد استضافنا ببساطة ودفء. وفي يوم الوداع، أصرّ أن يقلّنا بسيارته القديمة إلى المطار. جلست إلى جانبه وأنا أراقب قيادته المتزنة، فقلت له ممازحاً:

— قيادتك مثالية، كأنك ما زلت في شبابك. ضحك وقال:

— السيارة مثل الروح… إن اعتنيت بها، تعتني بك.

في الطريق تحدثنا عن يوغوسلافيا، وعن الزعيم الراحل تيتو، واتفقنا بلا تردد:

— Yes, Tito was the man.

لكن القصة لم تنتهِ هنا. فهناك سلمى، ابنة صاحب المنزل، التي كنا نتواصل معها طوال مدة الإقامة بخصوص كل ما يتعلق بالحجز وأي شيء آخر كنا نحتاجه. الغريب أننا لم نلتقِ بها وجهاً لوجه أبداً، لكنها كانت معنا دوماً بحضورها اللطيف وردودها السريعة ومساعدتها التي لا حدود لها.

عندما أرسلت لها رسالتي الأخيرة لأشكرها على حسن الضيافة، لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أذكر لها أغنية بييلو دوغمي الشهيرة: Selma. أرسلت لي ابتسامتها كتابةً، وقالت لي:

— كلما ذكر لي أحد هذه الأغنية أشعر بسعادة خاصة.

وكأن الأغنية لم تعد فقط حكاية عن فتاة تُغادر بالقطار، بل أصبحت جسراً صغيراً بين سراييفو وقلبي.

■ ■ ■

وهناك أيضاً تلك الفتاة الشقراء المراهقة التي صادفناها في القطار من سراييفو إلى موستار. كانت تقرأ كتاباً بتركيز شديد، ثم ترفع رأسها بين الحين والآخر لتلتقط صورة وترسلها إلى أحدهم. بدا لي واضحاً أنها ذاهبة إلى لقاء حبيبها. وحين وصلنا موستار، رأيتها فعلاً معه، يمشيان معاً على مهل قرب النهر، بابتسامة العاشقين. وعند عودتنا إلى سراييفو على القطار نفسه، لمحته وهو يوصلها إلى المحطة ليودّعها. مشهد صغير وبسيط، لكنه بدا وكأنه امتداد طبيعي لكل ما تحتفظ به محطة سراييفو العتيقة من قصص.

الوصول إلى تلك المحطة يشبه السفر عبر الزمن. مبناها القديم ما يزال يحتفظ بروح الحكايات التي مرّت به: لحظات وداع ولقاء لا تُحصى، وقصص حب كثيرة. وهنا يكفي أن نذكر القصة الحقيقية لسلمى التي ألهمت الأغنية: فتاة أوصلها شاب كان يحبها في السر إلى المحطة، ولم يستطع أن يعترف لها بحبه، فقال لها فقط وهي تهمّ بالرحيل:

Selma»,pazi da ne zakasniš, i pazi kako prelaziš prugu.

بما معناه: سلمى، انتبهي ألا تتأخري، وانتبهِي كيف تعبرين السكة.

وهكذا خلّدها بييلو دوغمي في واحدة من أجمل أغانيهم، وباتت القصة جزءاً من روح المدينة نفسها.

■ ■ ■

سراييفو لم تكن مجرد مدينة محاصَرة، بل كانت قلباً تتنازعه القوتان — الصرب والبوسنيون — في صراعٍ مريرٍ امتزج فيه الدين بالهوية، والذاكرة بالتراب. كل طرفٍ رأى فيها شيئاً من ذاته، شيئاً من تاريخه، شيئاً يخشى أن يفقده. ولهذا كانت المعركة عليها أكثر من مجرد حربٍ على أرض؛ كانت حرباً على المعنى نفسه.

■ ■ ■

القضية الفلسطينية حاضرة في سراييفو.

ليست حضوراً عابراً أو شعاراً على جدار، بل كوجع تعرفه المدينة وتتنفّسه كأنها مرّت به من قبل. في شوارعها القديمة ترفرف الأعلام الفلسطينية، وتنتشر لافتات الدعم لغزة المحاصَرة، التي تخنقها الجدران كما خنقت القذائف سراييفو ذات يوم.

الناس هنا لا يرفعون الصور والرايات بدافع التعاطف البعيد، بل بدافع الذاكرة. هم يعرفون جيداً معنى أن تُحاصَر مدينتك، أن تُقطع عنها الكهرباء والماء، وأن يتحوّل الليل إلى زمنٍ من الرعب. ولذلك، حين يقولون «فلسطين»، تراهم يضعون قلوبهم في الكلمة.

■ ■ ■

لكن الزمن مضى، وها هي المدينة اليوم تضمّ الجميع في حضنها من جديد. تمشي في شوارعها، فترى الصرب والبوسنيين والكروات يشتركون في الحياة اليومية نفسها، يجلسون في المقاهي ذاتها، ويبتسمون للغرباء بالدفء ذاته. كأنها مدينة غفرت للجميع لتمنح نفسها فرصة أخرى للسلام.

تشعر وأنت تسير فيها أن أهلها يحبونها بصدقٍ نادر، يمتدّ من نظافة شوارعها إلى نظرات الامتنان في وجوههم. كل شيءٍ فيها يوحي بأنهم يعرفون ثمن الحياة، وأنهم اختبروا الهشاشة بما يكفي ليقدّروا نعمة الهدوء. سراييفو اليوم مدينة تشكر ماضيها رغم قسوته، وتحتضن حاضرها كمن يخاف أن يضيع منه ثانيةً.

سراييفو… ليست مجرد مدينة. إنها فسيفساء من الذاكرة واللقاءات، من الأصوات والأغاني، من سباقات الركض وأكواب القهوة، من غرباء يصبحون أصدقاء للحظات. مدينة علّمتني أن الطريق إليها قد يكون طويلاً، لكن الوصول دائماً يستحق العناء. ففي شوارعها لا تسير فقط على الإسفلت، بل على طبقات من التاريخ. وفي مقاهيها لا تشرب فقط قهوة، بل تحتسي مع كل رشفة حكاية عن صمود وحنين. وعلى تلالها لا تراقب فقط الغروب، بل تكتشف أن الزمن لا يقاس بما يمضي، بل بما يبقى حيّاً في القلوب.

وسراييفو، في النهاية، لم تكن مجرد وجهة وصلت إليها، بل مرآة جعلتني أرى نفسي من جديد.

* بيروت

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى