محطات

من يكتب للطفل السوري ويقود وعيه؟/ أريج بوادقجي

09 ديسمبر 2025

نملك في سورية إرثاً أدبياً غنياً موجّهاً إلى الطفل، صاغته تجارب كتّاب وفنانين آمنوا بأن الكلمة واللون والموسيقى ليست ترفاً، بل أدوات لبناء الوعي. في الخمسينيات، أصدر فاروق نور الدين مجلة سمير الطفل من حلب، لتكون أول مجلة للأطفال. وفي الضفة المقابلة كان للطفل السوري منبره الثقافي المعروف والذي الذي أصبح علامة فارقة في أدب الطفل العربي، ألا وهو مجلة أسامة، التي شكّلت منذ أواخر ستينيات القرن الماضي وعي أجيال من الكتّاب والفنانين، وكانت النبع الأول الذي نهلنا منه نحن المثقفين السوريين أولى دروس الجمال والفكر.

وفي زمن لاحق، ظهرت مجلة شامة الموجهة إلى الطفولة المبكرة خلال سنوات الحرب لتواصل المسيرة في ظروف أصعب، رافعة راية القيم والفن والأدب للجميع، محاولة أن تبني في قلب الطفل السوري جداراً من الأمل وسط أنقاض الواقع. كانت المجلة، رغم كل العوائق المادية واللوجستية، مشروعاً ثقافياً مقاوماً للانهيار، يقدم محتوى لغويّاً وفكرياً وفنيّاً راقياً، يوازي بين الإبداع والمسؤولية، بين الخيال والهوية.

والآن، ماذا علينا أن نفعل، هل نرمي الحجارة في ينابيعنا الأولى؟ اعتدتُ أن أعود إلى منزلي محمّلةً ببعض الكتب والمجلات الموجهة إلى الطفل، فأوزّع ما تيسّر منه على الصغار الذين أصادفهم في طريقي. لكنني، منذ مدة، لم أفعل. وحين التقيتُ الطفل غيث سألني بإلحاح طفولي يشبه طرقات صغيرة على باب قلبي: “ما القصة؟ أين الكتب والقصص؟”.

أشحت وجهي، وأجبته ضاحكةً، محاوِلة إخفاء الحقيقة: “ربما طارت… هربت من القفص!”.

أطرق غيث رأسه بحزن وقال: “لا شيء الآن… سوى القراءة في الحصص”.

قصتنا قديمة

يقول الباحث هيثم يحيى الخواجة: “الحكايات التي تعد أولى وسائل التربية الثقافية تمهد إلى دور المدرسة، فالمدرسة السورية تهتم بالمطالعة والتعبير والأنشطة الفنية والمسرحية، مما يؤثر فعليا في بناء شخصية الطفل، وتنمية الخيال والجمال لديه. ولاغرو في أن الاهتمام باللغة العربية الفصيحة حقق المنشود في دعم ثقافة الطفل السوري، فالطفل يتربى على القصص القرآني والأمثال والحكم والأجناس الأدبية الغنية بثقافتها وقيمها”. لكن هذا المشهد الغني بدأ يتآكل مع مرور الوقت، في ظل ضعف المؤسسات الثقافية، وترك الطفل في مواجهة محتوى رقمي عشوائي بلا بوصلة ولا مسؤولية تربوية، فما سبب هذا التآكل؟

الكتابة في ظل الانكماش

يصف الكاتب سامر أنور الشمالي واقع أدب الطفل اليوم بأنه نتيجة طبيعية لانكماش الحياة الثقافية: “في السنوات الأخيرة، تراجع حضور كتاب الطفل والاهتمام به داخل سورية، نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أثرت في كل جوانب الحياة الثقافية. دفع هذا التراجع كتّاباً كثيرين إلى الهجرة، فيما يعمل من بقي منهم عن بُعد مع جهات غير سورية، بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً وتقديراً لإبداعهم”. ويضيف الشمالي: “السبب الأبرز وراء هذا الواقع هو ضعف دور اتحاد الكتّاب والهيئة العامة للكتاب، اللذين لم يعودا يشكلان مظلة فاعلة لدعم كتّاب أدب الطفل. أما الناشر السوري، فقد أصبح يبحث عمّن يكتب للأطفال من دون مقابل مادي أو بأجر زهيد، ما دفع الأدباء المعروفين إلى العزوف عن التعاون معه”. وتفسّر هذه المشكلات جزئياً سبب هيمنة السطحية البصرية عبر الرسوم الرقمية، في حين تراجعت جودة النصوص وتأثيرها التربوي على الطفل.

الصورة أيضاً تُربّي

تؤكد الفنانة عدوية ديوب أن الكتاب الموجّه للطفل ليس نصاً فحسب، بل لغة بصرية كاملة: “فالطفل يتلقّى 70% من معارفه عبر الصورة، مما يجعل الرسوم مسؤولية جمالية وتربوية كبرى”. وتضيف: الصورة في كتاب الطفل ليست زينة، بل شريك في بناء المعنى، والجسر بين المعرفة والمتعة، بين النص والدهشة. وهذا ما نسعى إلى تحقيقه بصفتنا فنانين مؤمنين بأهمية أدب الأطفال وفنه، لكن ما نلاحظه الآن غياب أدب الأطفال القيّم مقابل انتشار الحالة التجارية المتمثلة بالشخوص ذات القوالب الجاهزة والاستهلاكية سماتها العنف والأنانية الفردية بعيدة عن واقع الطفل السوري وبيئته. كما نلاحظ سيطرة المباشرة والاستسهال في المعالجة والبنية اللونية والشكلية، وسيطرة عباءة التكرار والتقليد للشخصيات والبيئة الزمانية والمكانية سيما القصص التاريخية، والأهم من ذلك تجاهل دور المستفيد وهو الطفل، وغياب دوره ورأيه واعتباره متلقياً فقط، وغياب الدراسات الخاصة بهذا المنتج. تلكم تحديات اللغة البصرية في كتاب الطفل في سورية سيما في ندرة دور نشر سورية تؤمن بأهمية الصورة الموجه للطفل بل غيابها.

حين يملأ الفراغ من لا يملك الضوء

يحذّر رئيس تحرير مجلة أسامة سابقا، الشاعر قحطان بيرقدار، من الفراغ الثقافي الذي يعاني منه الطفل السوري: “حين يُغَيَّب أصحاب الخبرة ظُلماً تظهر خفافيش الظلام التي لا هم لها سوى أن تمتص الدماء المتبقية في هذا البلد المنكوب. هذا الفراغ أنتج رسّامي ديجيتال ركيكين، وكتّاباً بلا وعي تربوي، ومحتوى يتسلّل إلى عقل الطفل محمّلاً بالكراهية”.

يضيف بيرقدار أن هذا الفراغ لا يتعلق بعدم الإنتاج فقط، بل بغياب الرؤية والرسالة، ما يجعل أي محتوى ثقافي للطفل هشاً وغير قادر على التغيير.

كذلك يقدّم رئيس تحرير مجلة أسامة سابقا، الشاعر بيان الصفدي، رؤية فلسفية عميقة عن التحديات: “على الرغم من الكم الهائل مما يُكتب للطفل عربياً، فالناتج خليط من ثقافة اجترار وغباء وتنطع واستعراض. السبب الرئيس هو كتاب يعكسون واقعاً علمياً ومجتمعياً متخلّفاً. أدب الطفل المنشود يعمل على قيم محبة الناس والطبيعة والعلم والفن والمعرفة، وبخيال خلاق ولغة راقية وصورة صادقة. في سورية خطونا خطوات مهمة أدبياً وفنياً، وهو ما يشكّل اختباراً لما سيقدّم لاحقاً. أكبر خطر على ثقافة الطفل هو زجّها بالتقسيم القومي أو الديني أو الطائفي أو العرقي أو الجنسي. الإنسان الذي نريده حر، خلاق، ذكي، إنساني، يتعامل مع كل البشر كأنهم أسرته، ومع الأرض كأنها بيته”.

تضيف الكاتبة روعة سنبل، الحاصلة على عدة جوائز عربية في مجال أدب الأطفال: “بناء وعيٍ سليم لطفل اليوم مهمة صعبة في كل مكان بسبب سيطرة وسائل الإعلام والتواصل التي قد يكون لها دور سلبي، خاصة مع غياب الرقابة الأبوية أحياناً. وفي حالة الطفل السوري فإن المهمة أصعب وأكثر حساسية بسبب التركة الثقيلة لسنوات الاستبداد والحرب والعنف التي أدت لتراجع الوعي المجتمعي عموماً”.

وتؤكد سنبل أن بناء وعي الطفل السوري مسؤولية تكاملية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام، وأن دور كاتب الأطفال السوري المتمكن محوري: من خلال كتابة صادقة وواعية تلامس واقع الطفل، توسع خياله، تنمي حسّه الجمالي ووعيه الأخلاقي، وتغرس فيه قيم التعايش والمواطنة ونبذ العنف. لكنها تشدّد على أن ضعف الدعم المؤسسي، وندرة دور النشر المحترفة، وغياب برامج التأهيل، كل هذا يحدّ من هذا الدور ما لم تُهيَّأ بيئة ثقافية حقيقية تضمن حرية الإبداع والدعم المالي والمعنوي.

استعادة البوصلة

لم تكن جولتي هذه بهدف الحصول على إجابةٍ مقنعة للطفل غيث، الذي ما زال متلهفا للحصول على قصة أو مجلة مطبوعة منذ عام، ولم تكن بهدف إقناعه بأهمية أدب الأطفال، ولم تكن كذلك بهدف إقناعه بأهمية ما أنجزه أفراد آمنوا بأهمية أدب الأطفال رغم الظروف الصعبة والحروب الداخلية والخارجية وقلة الدعم، فهو وأصدقاؤه القراء السوريون والعرب الناطقون وغير الناطقين بالعربية تعلقوا بما أنجز وأصبحوا جزءا منه، بل ووثقوا محبتهم بفيديوهات وصور شكلت إرثا رقميا ضخما. لكن جولتي هذه كانت بهدف التأكيد على أن ما يحتاجه أدب الطفل السوري اليوم ليس مبادرات متناثرة، ولا رهانات خاسرة على مجموعة من مدّعي الكتابة والسماسرة، فكاتب الأطفال الحقيقي مثله مثل الطبيب والمهندس وممرض الإسعاف يعمل لخدمة الناس وليس لخدمة أدلجة أو نظام، وهو الآن في أمسّ الحاجة إلى مشروع ثقافي وطني متكامل، كنا نحلم به منذ زمن، وحان وقت تحقيقه، يضع الطفل في قلب السياسات الثقافية، ويعيد الثقة بالمبدعين، وينشئ بيئة إنتاج حديثة تجمع النص والصورة والموسيقى في انسجام تربوي وفني.

نحتاج رقابة ذكية لا تكمّم الأفواه بل تفتح العيون، وإلى وعي بأن كل ما يُقدّم للطفل اليوم سيُترجم غداً إلى شكل الوطن الذي نعيش فيه. فالطفل الذي نمنحه الحكاية، يمنحنا المستقبل. والثقافة التي تُضيء طريقه، هي وحدها التي ستفتح أبواب الوعي نحو مستقبل أفضل.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى