سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

دمشق في تخريب العمران/ بشير البكر

الاثنين 2025/12/15

مرت مدينة دمشق بظروف استثنائية مديدة. ومن الطبيعي ألا تعود اليوم كتلك التي عرفناها، حينما كان البلد حالما، وهو يشرع النوافذ لاستقبال رياح الستينيات الجميلة، ذات الوعد الكبير في السياسة والفن والثقافة. لقد مر الزمن بقسوة، وترك آثاره الحادة على البشر والحجر. كان على المدينة أن تكبر، ويتسع فضاؤها، بسبب زيادة عدد السكان، لكن ما يثير الشجون هو خسارة بعض معالم الطابع المديني الخاص، الذي شكل مصدر جمالها، ورصيد الرمزية التاريخية، بوصفها أول مدينة مأهولة في العالم.

تولد الصدمة حين يعاين المرء التغير السلبي الكبير، بفعل حكم الثلاثي، العسكر الذين لم يتلقوا تربية مدنية عصرية ذات صلة بأصول الحكم، وعائلة الأسد ذات الجذور الريفية، وقادة حزب البعث، صاحب الفكر القومي، الذي تركز اهتمامه على طمس الشخصية المحلية، لصالح البعد العربي. كل من تلك الأطراف الثلاثة، نال من مدينة دمشق بقدر ما استطاع، استنزفها إلى الحد الذي أرضى جوعه ونزواته، وامتصها حتى وصلت مرحلة من الخواء.

لا يقتصر الخراب الذي أصاب العاصمة، على الدمار الناجم عن الحرب، بل الإهمال، وسوء التعامل مع الفضاء المديني العام، وهذا أمر لا يحتاج إلى جهد حتى يكتشفه المرء في الأحياء القديمة والحديثة على السواء. هناك تجاوزات مقصودة، وأخطاء ناجمة عن أمية حضارية، كانت متفشية بقوة في أجهزة دولة الفساد، التي تحالفت مع الطائفية الإيرانية من أجل تدمير شخصية دمشق، وصياغة أخرى مختلفة، ذات طابع تشيعي معزز بعشرات المراكز الدينية التي تنشر التشيع على الطريقة الإيرانية.

هناك زوايا في المدينة من الصعب أن تهرم، عاشت عمراً مدياً ولم تظهر عليها علامات الشيخوخة، كما هو طاهر اليوم على نحو قاس جدا، طمس ملامح النضارة التي تميزها. تمكنت الدكتاتورية من أن تنال من العمارة القديمة، التي ورثتها الأجيال عن الأجداد والدول الأجنبية، التي استقرت لفترة ومن ثم رحلت. ومن الملاحظ الفوارق الكبيرة بين دمشق، وبين المدن القديمة التي لا تزال تحافظ على تراث عمراني يعود إلى زمن بعيد، كإسطنبول، وباريس، ولندن، وروما. أنماط من العمارة تشهد على حضارات متعددة، عاشت، ورحلت، وتركت خلفها بصمة قوية، ظاهرة في الحجر والبنيان وفلسفة التخطيط، التي تتجلى في هندسة المكان واستقبال الضوء وماء المطر، في طرقات الدخول والخروج، ما يساعد على الحرب والوقاية منها، ما يحمله زمن السلم من علامات. وكل ذلك بفضل الاهتمام والرعاية وعدم التفريط برأس المال الرمزي.

لا يذهب الظن، مهما بلغ سوء النية، إلى أن الدول تسيء إلى الأشجار والبساتين، تجتث الأزهار والحقول من أجل بناء معسكرات تدريب وحقول رماية، وسجون، وثكنات، وعشوائيات لإسكان الوافدين من أرياف المدن الأخرى. خلطة عجيبة لم تحافظ فيها المدينة على شخصيتها. لم يتمدن الريف حين غزا المدينة، بل فقدت المدينة طابعها، وخسر الريف لونه. ونتج عن هذه التشوه العجيب تدمير الهارموني الطبيعي، الذي كان يصل بين الحضر والأرياف، بوصفها مكونات متكاملة في توازن، تتوزع فيه الوظائف، ويختلف الشكل والمضمون ضمن تنوع النسيج العام.

يمكن لحي صغير أن ينشأ على طرف المدينة، من أجل حل مشكلة تسكين فئات ذات دخل محدود، لكن يجب أن يتم ذلك وفق فلسفة حضرية في مزيج من العلم والفن، تقوم على دراسة الأرض ومصادر المياه وتلوث الهواء والحدائق العامة والمنتزهات والكهرباء والتضخم السكاني والحالة الاجتماعية والتعليم ومرافق العمل ووسائل المواصلات، والخدمات الصحية، وأماكن العبادة، والأسواق. تخضع العملية للدراسة وفق نظام صارم من التخطيط، لا يخالف القواعد التي شكلت أساس بناء المدينة من جهة، ومن جهة ثانية، لمنع الريف من أن يزحف نحو المدينة، ليغير إيقاعها، ويفرض نمطه الخاص في العمران والعادات والتقاليد.

من المؤسف أن كل الأخطاء والسلبيات العمرانية متوافرة في ضواحي دمشق، وعلى سبيل المثال، تلك القائمة على طريق المطار. لم يكن الأمر متعذرا من أجل التزام قواعد عمرانية توفر للسكان الراحة والاستقرار وتحقق التوازن بين المدينة والريف، بل ساد الفساد والإهمال وعدم احترام المدينة، وهو ما أنتج حالة عشوائية من التلوث لا تراعي أبسط جماليات المدينة. ويكفي نظرة إلى أطراف من جبل قاسيون حتى يشاهد المرء قدرا من التشوه العمراني، من خلال السكن الشعبي، الذي لم يلتزم بأي قانون حضري، وشرعته سلطة آل الأسد من أحل بناء أكواخ في صيغة منازل لرجال الأمن القادمين من الأرياف، وخاصة من الساحل، وبدلا من أن يتم تشجير هذا الجبل وتحويله إلى منطقة سياحية تم زرعه بالعشوائيات، التي تتطلب جهودا جبارة لنقلها من هذا المكان، وإعادة هندسة المنطقة على نحو عمراني حديث وفق الشخصية العامة لمدينة دمشق. 

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى