الأحداث التي جرت في الساحل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

نظامان ومعارضتان أمام تحدي الواقع المهترئ/ عمار ديوب

16 ديسمبر 2025

مُنعت الثورة السورية من الانتصار عدة مرات منذ 2011 وإلى 2024. منعتها الدول الداعمة لبشار الأسد و”الداعمة” للمعارضة المكرّسة، إذ هناك فارق بين المعارضة والثورة. دُعمت الأولى لتطويع الثانية، ومنعها من الانتصار وتحقيق أهدافها في الانتقال الديموقراطي والعدالة الاجتماعية. حدثت تحولات كثيرة على الثورة، وتعيّنت بالأسلمة والتسليح ورُبط الأخير بالتمويل الخارجي. وانتهى ذلك، ببروز الفصائل السلفية والجهادية التي سيطرت على المشهد السوري. قبالة ذلك اجتاحت داعش الحدود، وتشكلت قوات التحالف الدولي لمحاربتها 2014، وشُكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قوىً برية في الحرب هذه، وبالتالي، انتهت الثورة بما هي ثورة شعبية للوصول إلى الحرية والكرامة والمواطنة والعدالة الاجتماعية والانتقال الديموقراطي. لقد صارت الحرب مذهبية، وطائفية، وإقليمية ودولية، وبالتالي، التغى الانتقال الديموقراطي، الذي ارتبط بأهداف الثورة، إلّا من القرارات الدولية، ولا سيما 2254، وبيانات المعارضة، التي تراجعت مواقعها بشكل كبير لصالح كل من داعش وهيئة تحرير الشام وقسد وفصائل الجيش الوطني وسلطة بشار الأسد، وجميعها ليست معنية بالانتقال الديموقراطي، وكل منها تابعة لدولة، أو أكثر، ومعنية بالحفاظ على سلطتها، واستُنقعت سورية على هذا النحو إلى 2024.

بدا ذلك العام عام التغيير، سيما مع عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر (2023) في غزّة وضد الدولة الصهيونية، ولكن، ومع استهداف هذه الدولة لحزب الله في الأشهر الأخيرة من عام 2024، استقر الوضع السوري داخل قطار التغيير. في ذك العام حاولت الدول الخليجية، باستثناء قطر والكويت، استدراج بشار الأسد وتعويمه والتطبيع معه وكذلك تركيا، وحتى أوروبا اتجهت للانفتاح نحوه؛ أَوقف كل ذلك التدخل الإيراني، والدعم الروسي، فلم يَستغل بشار هذا الانفتاح؛ وهذا كان لمصلحة السوريين، إذ لم تضع تلك الدول شروطاً جادة تتعلق بالانتقال الديموقراطي.

كانت الأوضاع العامة تحت حكم بشّار الأسد خلال السنوات الأخيرة في غاية التأزم، وتطوّر الأمر مع الاستنقاع والتدخل الدولي ورُسمت الخرائط بين قوى الأمر الواقع، وحتى انتفاضة السويداء التي بدأت في منتصف آب 2023 واستمرت لعام ونصف العام لم يفكر بالقضاء عليها عسكرياً، والسبب ضعف جيشه وتضعضع سلطته وغياب الحجة كذلك، فهم أقليات، وهو يدعي كذباً الدفاع عنها، فكيف يحاربها كما بقية المدن السورية. كان لي رأي، أن النظام بغاية الضعف والهزال، ولو وُجدت قوة عسكرية منظمة وبشكل جيد، ومن السويداء، لتمكنت من إسقاطه، ولكن اللعبة الأممية أبقته. هناك تعقيدات دولية وإقليمية كانت تمنع، ولكن الأوضاع الداخلية المهترئة بالكامل كانت تستدعي تغيير النظام، حتى وضع الجيش كان مهلهَلاً، وقد آثر ترك السلاح وعدم المواجهة مع بدء عملية ردع العدوان، هناك خفايا حول الأمر وكيفية تحييد الدول عن تثبيت بشار وجيشه في السيطرة والحكم، ولكن، كانت أوضاع العسكريين في غاية السوء، ويريدون بدورهم الخلاص كما كل السوريين.

لم تستطع المعارضة السورية أن تتوحد على مشروعٍ وطني ديموقراطي بعد الثورة، طبعاً كما كانت قبلها، ولكن الأسوأ عدم قدرتها على قيادة الثورة وحلها مشكلاتها، والاستجابة لأهداف الثورة وبشكل جذري، كما أشرنا لها أعلاه. هذا الأمر أتاح لأن تستطيع جماعة الإخوان المسلمين التلاعب بسياسات الثورة، وبدعم من دول إقليمية، ولصالح احتكار المعارضة والوصول للسلطة لاحقاً؛ كانت الأوهام عظيمة. لعب الإخوان دوراً في تفكيك المعارضة على أسس طائفية، وأسلمة الثورة، وضمن هذا المناخ تعاظمت الأسلمة والسلفية بل والجهادية في مناطق الثورة، وسيطرت عليها، وساعد نظام بشار الأسد بذلك، سواء بإطلاق سراح عدد كبير من الجهاديين، أو بإشراك حزب الله والميليشيات الطائفية الشيعية في مواجهة الثورة، وكذلك بممارسات طائفية لبعض قطعان الشبيحة، وهناك شبيحة من كل الطوائف، وارتكاب المجازر على الهوية الطائفية، وبالتالي، تراجعت قوى الثورة الديموقراطية الوطنية.

أدى التحكّم الخارجي بالنظام وببقية قوى الأمر الواقع، وبدءاً من عام 2018 إلى “تقسيم” سورية إلى أربعٍ مناطق، ضمن توافقات دولية. هناك خفايا كثيرة بما يخص علاقات كافة قوى الأمر الواقع بالدول المتحكمة في سورية، فمثلاً هناك علاقات لهيئة تحرير الشام بكل من فرنسا وبريطانيا وأميركا وربما روسيا وإيران سابقة لرحيل بشار الأسد، والأمر كذلك يخص الأخير و”قسد”، وربما حتى فصائل الجيش الوطني. هذا التحكم، أعاق بدوره الحل السياسي، ومَنع تجسده، وكانت تلك الأعوام من 2018 وإلى هروب بشار، تمريراً للوقت، ولكنها كانت كارثية، وأدّت إلى تعميق الانقسامات الأهلية. كانت التعبئة الطائفية السابقة للحظة السقوط هي السبب في الانتهاكات. وسريعاً ما عادت الهويات الطائفية والقومية لتتقدم بعد تراجعٍ رصدته مختلف الأقلام المعنية بالشأن السوري عن أفكارٍ أتت في بيانات العملية العسكرية لردع العدوان، وكانت ترتكز على مفردات وصياغات أقرب إلى المشروع الوطني الديموقراطي والاعتراف بكل الجماعات السورية، وأنّها كلّها ستكون شريكة في النهوض بالدولة، وهذا ما عادت عنه هيئة تحرير الشام، وترفض الركون إليه وقد صارت هي السلطة.

لقد رفض بشار الأسد كل المبادرات الداخلية والخارجية، وتفّه القرار 2254. فهل يختلف دور أحمد الشرع في إعاقة الانتقال الديموقراطي عن بشار الأسد، وهو أحد الأطراف المشاركة بالقضاء على فصائل الجيش الحر في إدلب خاصة، وتهميش المعارضة وقبلها الثورة، ودمغها بالإرهاب، ولن نتكلم عن قيادات في المعارضة كانت قد أثنت على جبهة النصرة كميشيل كيلو وجورج صبرا وأحمد معاذ الخطيب وآخرين كثر، بالوقت الذي كانت تُجتث فيه فصائل الجيش الحر ولا سيما في إدلب. كان الثناء على رؤية بائسة: كل من يقاتل النظام هو بصف الثورة. كان تفكيراً ساذجاً، وبراغماتياً بشكلٍ صبياني، واستثمرت فيه جبهة النصرة، ولاحقاً هيئة تحرير الشام، خير الاستثمار. وفعلاً أصاب الشرع حينما قال: إنه لا ينتمي للربيع العربي.

وصل الشرع إلى دمشق، وكان أمامه قرار مجلس الأمن 2254، الذي ينظم عملية الانتقال الديموقراطي، وهناك دعم دولي كبير للحظة وصوله، وقال الرجل لقد حيّدنا روسيا، أثناء المعارك، وهناك دعم بريطاني كبير له، وبالتأكيد تركي وخليجي، والأهم الأميركي الواسع؛ فلماذا رفض تطبيق القرار أعلاه، وأن يقود هو مجلساً سياسياً للإشراف على الانتقال الديموقراطي، واتجه، منذ مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري و”انتخابات” مجلس الشعب لاحتكار كل سلطات الدولة بين يديه.

سياسات العام الفائت هي: محاولة الاستحواذ على السنة وتهميش كل من العلويين والدروز بشكل خاص، ومحاولة استقطاب المسيحيين، والمناورة بخصوص المواطنة أو الديموقراطية. في الاقتصاد، تسليم القطاع الخاص، وبسبب ذلك، لم تشهد سورية استثمارية خارجية ذات معنى بل وتراجعت البرجوازية السورية عن العمل أو العودة. في الموقف العام من الشعب هناك تجاهل كامل لأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وجرى رفع أسعار الغاز المنزلي، والكهرباء، والاتصالات، والخبز، والإيجارات، وهناك أكثر من 90% عند خط الفقر ومنهم 80% من الشباب عاطلون عن العمل، وما زالت الأوضاع الأمنية غير مستقرة، وقد كادت حمص تنفجر إثر حادثة جنائية، وساعد في ضبط الأمر تخلّي السوريين العلويين بلحظة الهروب. المشكلة حالياً أن السلطة لم تعمل على خطة وطنية لمعالجة نتائج المجازر الطائفية في الساحل أو السويداء، وفي كل سورية وفي حمص طبعاً.

سياسات السلطة الراهنة، والدعم الخارجي لها، وهو مشروط بكل الأحوال، لن يساهما في وضع خطة للانتقال الديموقراطي. جملة الأزمات ستعيق هذا التأسيس، وهي متعددة الأشكال، وسابقة لفترة بشار وفي أثناء حكمه وما جرى من مجازر بعد هروبه، وبغياب قوى وطنية قادرة على إسقاط السلطة، فإن سورية قد تتجه نحو السيناريو الأسوأ وهو التفكك والتحكم الخارجي وستفشل كل الأحلام التي تتوهمها السلطة في الاستقرار.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى