أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

أزمة التنظير في السياسة السورية: الأسباب والمعيقات وحين تسبق الوقائع المفاهيم/ مها سلطان

ديسمبر 15, 2025      

تشهد السياسة السورية، بوصفها حقلاً للدراسة والتحليل، أزمةً في التنظير تتجاوز حدود الاضطراب المفاهيمي إلى إشكال أعمق يتصل بقدرة الأدوات النظرية المتاحة على تفسير التحولات المتسارعة التي شهدتها البلاد منذ لحظة الانعطاف الكبرى في بنية الدولة والمجتمع. فالتنظير هنا لا يُفهم باعتباره تمريناً تجريدياً، بقدر ما هو حاجة معرفية لإنتاج أطر تفسيرية تساعد على قراءة مسار الانتقال، وتفكيك ديناميكيات السلطة، وإعادة تعريف مفاهيم الشرعية والدولة والهوية في واقع شديد السيولة وغير مستقر.

تنبع أهمية مقاربة هذه الأزمة من كونها متصلة مباشرة بالتحولات التي أصابت عالم التنظير السياسي نفسه، وبمدى قدرته على التكيّف مع المتغيرات التي طرأت على بنية النظام الدولي وأنماط التنافس فيه. فقد قدّمت المدارس السائدة في العلاقات الدولية مقاربات متعددة لتفسير الأزمات والتحولات، غير أن تفاعل الحدث السوري وتعقيداته، وتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية، كشف حدود هذه المقاربات، أو قصورها عن احتواء الوقائع الجديدة، ما دفع عدداً متزايداً من الباحثين إلى البحث عن صيغ تفسيرية أكثر مرونة، أو إلى إعادة تركيب مفاهيم مألوفة داخل سياق غير مألوف.

ورغم زخم الإنتاج النظري وتعدد المقاربات، اصطدمت الجهود البحثية بعقبة مركزية تتمثل في غياب نظرية عامة توافقية يمكن الانطلاق منها لبناء منظور جديد، وفي تسارع المستجدات التي تُربك محاولات التثبيت المفاهيمي وتمنع بلورة نموذج تفسيري مستقر. بذلك تحوّل الواقع السوري إلى حالة تجريبية مفتوحة تتقدم فيها الوقائع على المفاهيم، وتفرض على الباحث إعادة اختبار أدواته مع كل تحول جديد.

كما يقتضي هذا الاشتغال النظري العودة إلى البيئة الدولية السابقة للأزمة السورية وما تلاها، لأن فهم السياق السوري لا ينفصل عن الأزمات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل النظام الدولي، وغيّرت قواعد التدخل والنفوذ، وأثّرت في العلاقة بين الدولة والسيادة والفاعلين من غير الدول. وقد ساهمت هذه التحولات في إنتاج ما يمكن تسميته بـ«أزمة تنظير» موازية على مستوى العلاقات الدولية نفسها، انعكست على المقاربة الفكرية للحالة السورية، وأفضت إلى بناء تصورات غير متوازنة في محاولة لفهم واقع دولي لم يعد قابلاً للتفسير بأدوات ما قبل التحول.

عجز المنظورات الكلاسيكية

هذا البعد يؤكده الناشط والباحث السياسي، جابر سلامة، في تصريحات لـ«الثورة السورية»، لجهة وجود أزمة عميقة في حقل التنظير السياسي، مع تشديده في الوقت نفسه على أن التنظير ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة معرفية لفهم انتقال غير مسبوق، وتفكيك ديناميكيات سلطة متشظية مخلوعة، وإعادة تعريف مفاهيم أساسية كالشرعية والدولة والهوية في واقع يتحدّى التصنيفات الجاهزة. وتبرز أهمية قراءة هذه الأزمة، وفق سلامة، في ارتباطها العضوي بتحولات أوسع في علم السياسة والعلاقات الدولية، إذ تبدو المنظورات الكلاسيكية عاجزة عن استيعاب تداخل العوامل المحلية مع الإقليمية والدولية في المشهد السوري، بما يدفع نحو البحث عن صيغ تفسيرية أكثر مرونة أو إعادة تركيب مفاهيم مألوفة في سياق غير مألوف.

ويمكن، بحسب سلامة، فهم سياقات التنظير السياسي في سوريا عبر عدة طبقات متداخلة، تبدأ بالعوامل المحلية المؤسسة، وفي مقدمتها إرث نظام البعث الطويل، وعقود الحكم الشمولي، والأمننة العميقة للمجتمع، والبنية المجتمعية المعقدة بتنوعها الطائفي والإثني والمناطقي، إضافة إلى التحولات الديموغرافية الهائلة التي أعادت تركيب الخريطة البشرية السورية.

لكن السياق الإقليمي والدولي قبل التحرير يلعب دوراً حاسماً في تشكيل هذه العملية التنظيرية. ففي ظل ارتباك إقليمي كبير ناجم عن الحرب الأوكرانية وانشغال روسيا – الحليف الأساسي للنظام المخلوع – بأولويات جديدة، وتفرغ الأوروبيين لأزمتهم المجاورة، تراجع الاهتمام الغربي المباشر بالملف السوري، في وقت تركز فيه الولايات المتحدة على استراتيجيتها الكبرى لاحتواء الصين وتنافس القوى العظمى، ما جعل الشرق الأوسط عموماً، ومن ضمنه سوريا، أقل أولوية في الحسابات الأميركية.

هذا الفراغ النسبي، وفق سلامة، سمح بتصاعد الأدوار الإقليمية الفاعلة، وخاصة لتركيا وإيران وإسرائيل، وتنامي نفوذ فاعلين من غير الدول، مع حضور قوي للأطر القانونية الدولية وتصنيفات الأمم المتحدة التي طالت جماعات وجهات مختلفة، وأثّرت في ديناميكيات الصراع وحدود الحلول السياسية المقبولة دولياً.

من سؤال التحول الديمقراطي إلى سؤال إعادة بناء الدولة

كثير من النظريات الكلاسيكية تفترض دولة قائمة تبحث عن ديمقراطية؛ بينما تشبه الحالة السورية بعد عام 2025 عملية «إعادة تأسيس» لقواعد الدولة ذاتها: حصر العنف، وتعريف الشرعية، وإعادة توزيع السلطة بين المركز والمحليات. هنا تتعطل بعض أدوات التحليل، لأن موضوعها تغير.

تندرج خطوات إعادة التأسيس في عشرات المراسيم والقرارات التي أصدرها الرئيس أحمد الشرع، بهدف تنظيم الحياة السياسية والتشريعية (إعلان دستوري، تشكيل حكومة، قانون انتخابات، برلمان جديد)، وتنظيم عمل المؤسسات (الأمن، الإدارة المحلية، القضاء، الخدمة المدنية)، واستعادة القطاعات الحيوية في البلاد، ولا سيما في الاقتصاد والطاقة، وتعزيز دور مصرف سوريا المركزي، وتأسيس صندوق سيادي، وتعديل قوانين الاستثمار. ويواكب ذلك خطاب سياسي يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الشرعية والعقد الاجتماعي، من خلال التأكيد على الدولة والوحدة والهوية والشراكة مع الشعب.

وفي هذا الإطار، تكتسب زيارات الرئيس الشرع للمحافظات والمدن بعداً سياسياً خاصاً، وآخرها زيارته إلى محافظة اللاذقية ولقاؤه وجهاء من اللاذقية وطرطوس، إذ تشكّل هذه اللقاءات مادة رئيسية للتنظير السياسي بحكم الطبيعة الديمغرافية الحساسة للساحل، واتصاله بكل ما يُطرح من سيناريوهات التقسيم أو الفدرلة. تركيز الرئيس على الساحل له أهداف محددة وله ما بعده، ما يجعل أدوات تحليل سابقة أقل قدرة على الإحاطة بالمرحلة الجديدة.

أزمة المنهج والبيانات

حين تصبح السياسة «غير قابلة للقياس» بسهولة، لا تعود أزمة التنظير نقصاً في الأفكار فحسب، بل تعكس أيضاً نقصاً في «المادة الخام» للبحث كالبيانات الاقتصادية المتضاربة، وخرائط نفوذ متغيرة، وصعوبة الوصول إلى الميدان، وتحول جزء من المعرفة إلى شبكات مغلقة. النتيجة أن الوصف يعلو على التفسير، وتنتشر التعميمات على حساب التحليل المتماسك.

لا تزال طبيعة إنتاج المعلومة في عام 2025 محكومة بتفاوت واضح بين المصادر الرسمية والمحلية والدولية، إلى جانب المصادر المفتوحة؛ خصوصاً في ما يتعلق بالأحداث الأمنية والمحلية. هذا الواقع يدفع الباحث إلى تبني بدائل منهجية، مثل تتبع العمليات، وتحليل الشبكات، وإجراء مقابلات نخبوية، والاعتماد على دراسات حالة مقارنة.

يمكن، على سبيل المثال، النظر إلى التهديدات الإسرائيلية المتكررة لسوريا وإلى الموقف الأميركي منها. فعندما تبلغ التهديدات حد الحديث عن «حرب حتمية مع سوريا»، ثم تعود الإدارة الأميركية إلى التشديد على التهدئة ومسار التوصل إلى اتفاق أمني، وتُرسل مبعوثيها لمنع اندفاعة جديدة نحو الحرب، تصبح كثير من سيناريوهات التنظير التي رافقت تلك اللحظة بحكم المنتفية، لأن شرطها الأساسي – الحرب – لم يتحقق.

الأمر نفسه ينطبق على مسار «الانتقال» في سياقه الاجتماعي. فعندما تندلع احتجاجات أو اضطرابات أمنية في منطقة ما، ثم تتمكن الحكومة من احتوائها بحيث لا تتوسع أو تتحول إلى صدام مفتوح، سواء عبر التهدئة الفورية أو الانتظار أو الوساطات أو الزيارات أو حتى مسارات خارجية، تنتفي سلسلة كاملة من سيناريوهات التصعيد التي بُني عليها جزء من التنظير، ويُعاد ترتيب الأسئلة من جديد. هذا النجاح في إدارة الأزمات يمنع تحولها إلى ملفات استثمار خارجية، لكنه في الوقت نفسه يعيد تعريف وظيفة النظرية التي تجد نفسها أمام واقع يتغير أسرع من أدوات قراءته.

سوسيولوجيا المعرفة السورية: من يكتب النظرية ولمن؟

جزء من «أزمة التنظير» يرتبط بالحقل الأكاديمي نفسه من خلال تمويل موجَّه، أجندات مانحين، استقطاب سياسي، وتباعد بين باحثي الداخل والشتات، ما ينتج معرفة مجزأة أو نظرية مستعارة لا تتجذر في الواقع السوري.

فعملياً، لا يزال الحقل الأكاديمي يعاني قصوراً في معظم مساراته: من تمويل الأبحاث وبرامج «الحوكمة» و«الاستقرار» و«التعافي»، التي تعيد تشكيل لغة البحث وأسئلته، إلى تأثير بيئة النشر (مراكز أبحاث، تقارير سياسات، منصات دولية) التي تميل إلى تفضيل المقاربات السريعة على حساب البناء النظري العميق.

يقول الباحث سلامة إن عملية التنظير السياسي حول سوريا تقودها جهات متعددة ذات دوافع وأهداف مختلفة. فالمراكز البحثية الغربية تعمل غالباً ضمن أطر تمويل حكومي أو مؤسساتي، وتسعى إلى خدمة صنع السياسات الخارجية لدولها وفهم التداخلات الإقليمية. وإلى جانبها توجد مؤسسات فكرية إقليمية تابعة لدول مؤثرة في الصراع تنتج معرفة تخدم رؤيتها الجيوسياسية وتبرر سياساتها. كما تلعب منظمات الأمم المتحدة والهيئات الدولية دوراً في توجيه البحث نحو الجوانب الإنسانية وإدارة الصراع ضمن أولوياتها المؤسسية. أما المراكز البحثية السورية المحلية فتواجه تحديات تمويلية وأمنية كبيرة تقلّص استقلاليتها وقدرتها على تطوير أطر تفسيرية محلية خالصة.

تأثير التمويل يظهر بوضوح في توجّه بعض الدراسات نحو استنتاجات تخدم مصالح الجهات المانحة، ولو بشكل غير مباشر، عبر انتقاء الوقائع أو الأطر التحليلية. وهكذا ينحرف التنظير عن هدفه المعرفي، فيتحول إلى أداة ضمن صراعات القوة المحلية والإقليمية والدولية، ويقترب أحياناً من «البروباغندا الأكاديمية» المغلّفة بلغة علمية.

تحوّل النظام الدولي وتبدل قواعد اللعبة

حين تتغير قواعد اللعبة في النظام الدولي وتتأخر النظريات عن اللحاق، تتعمق أزمة التنظير. فالمنظورات السائدة في العلاقات الدولية – الواقعية والليبرالية والبنائية – تفترض عموماً دولة مستقرة نسبياً كوحدة تحليل. بعد عام 2025، تزداد أهمية «الجيو–اقتصاديات» (الاستثمار، الموانئ، طرق التجارة، العقوبات ورفعها) بوصفها محدداً رئيسياً للسياسة، وتبرز سياسات «خفض التصعيد» كبديل عن التسويات النهائية.

ينعكس ذلك مباشرة على سوريا، ويخلق فراغاً نظرياً عبر كيف يمكن فهم دولة تُعاد صياغتها داخل تنافس دولي متحوّل؟ كيف يمكن قراءة مسارات الانفتاح الدبلوماسي، وتخفيف القيود خلال عام 2025، وتأثيرها على خيارات الفاعلين في الداخل؟ وما الذي يعنيه تصاعد منطق «الصفقات» والترتيبات الأمنية المرتبطة بالاستثمار وإعادة الإعمار؟

يزداد المشهد تعقيداً مع توسع تأثير الفاعلين من غير الدول – من شركات ومجموعات مسلحة وممرات تجارية – في تشكيل السياسة السورية، لتجد الدولة نفسها على خطوط تماس اقتصادية وأمنية تُعاد رسمه. هنا لا تعود الأدوات التقليدية كافية، وتبرز الحاجة إلى مقاربات أكثر تواضعاً ومرونة تعترف بحدودها وتبتعد عن الادعاء بامتلاك تفسير شامل.

مع ذلك، يلفت الباحث سلامة إلى أن التنظير السياسي حول سوريا لا يخلو من جوانب إيجابية، وإن تداخلت عملياً مع السلبيات. فتعقيد الحالة السورية أجبر كثيراً من الباحثين على توسيع أدواتهم التحليلية، ودمج مقاربات من حقول متعددة، وأعاد تعريف مفاهيم أساسية في دراسة الصراعات والدول الهشّة. كما أنتج معرفة سياقية غنية بالتفاصيل الميدانية حول نماذج الحكم المحلي، واقتصادات الحرب، وتشكل الهويات تحت وطأة الصراع.

في المقابل، وقع جزء كبير من هذا التنظير في عدة فخاخ، أبرزها سيولة الواقع السوري التي تجاوزت سرعة تحولاته قدرة النظريات على المواكبة، والاختزالية التي حشرت الصراع في ثنائيات مبسطة، وتأطيره ضمن سرديات جاهزة مستوردة من سياقات أخرى مختلفة، مع إهمال الجذور التاريخية العميقة لإرث نظام البعث وتشكيلاته السلطوية الممتدة لعقود قبل اندلاع الثورة السورية.

يخلص سلامة إلى أن أزمة التنظير في السياسة السورية جزء من تحدٍّ أوسع يواجه العلوم الاجتماعية في زمن الاضطراب الجيوسياسي المتسارع، حيث تتقدّم الوقائع على النظريات، وتتكاثر الروايات بتعدد الفاعلين. ويظهر المشهد السوري كيف أن الفراغ النسبي الناتج عن انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى، وتداخل العوامل المحلية مع الإقليمية والدولية، يستدعي تطوير أدوات تحليلية أكثر تواضعاً ومرونة، تعترف بحدودها، وتتجنب الاختزال والتسييس الضيق للمعرفة.

فهم سوريا اليوم يتطلب مقاربة نقدية تدرك أثر السياقات السياسية والتمويلية على إنتاج المعرفة، وتسعى إلى قراءة الواقع المعقد في تفاعلاته المحلية والإقليمية والدولية المتشابكة. وفي ظل هذا التعقيد، لا يبدو متاحاً سوى الاستئناس بحركة الاقتصاد والتوازنات الإقليمية من جهة، والاعتداد من جهة أخرى – وهي الأهم – بالمنظومة القانونية للأمم المتحدة بوصفها الإطار الأكثر استقراراً ووضوحاً حالياً، وبالنصوص والقرارات ذات الصلة بسوريا.

يمكن لهذه القرارات، المنبثقة عن رؤى دولية أن تشكّل مرجعاً لتحليل سياسي طويل الأمد، حتى مع تبدل الموازين. فالاستقرار النسبي للمسارات القانونية، بوصفها خلاصة وقائع مقروءة بعين السياسة ومتضمنة للتوازنات التي أنتجتها، قد يوفر أرضية أمتن لبناء تنظير أكثر صلابة واتزاناً للحالة السورية في المدى البعيد.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى