سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

القيادات النسائية قادمة: عن «مديرية إعداد وتطوير القادة» ودوائرها/ حسام جزماتي

10-12-2025

        منذ أيام أعلنت جهة غامضة تُطلق على نفسها اسم «دائرة إعداد وتطوير القيادات النسائية» عن برنامجها «الريادي» المُخصص لبناء قدرات المرأة السورية ورفع كفاءتها بعنوان (رِفعة). ودعت الإناث، من مختلف المحافظات، إلى الانتساب له وتَلقي تدريباته بهدف «بناء جيـلٍ جديد من القائدات القادرات على صناعة التغيير والمساهمة الفعّالة في التنمية الوطنية» وفق محاور: الكاريزما والتأثير، والتفكير الاستراتيجي، وعادات القائدة، والإدارة والتكنولوجيا، ومستقبل العمل، واللغة المهنية (الإنكليزية).

        تقول الدائرة إنها تتبع لـ«مديرية إعداد وتطوير القادة» التي لا نعرف عنها، أيضاً، سوى إعلان مماثل نشرته قبل أشهر لملء شواغر لديها بوظيفة «مدرب في التطوير السياسي» في شتى المحافظات كذلك، باختصاصات: النظرية السياسية، والنظم السياسية، والعلاقات الدولية، والسياسات العامة والإدارة العامة، وغيرها. مما بات يشي بالتبعية لجهة عامة سيتبين أنها وزارة الخارجية والمغتربين التي امتدت أذرعها إلى مجالات لا تدخل، في العادة، من ضمن اختصاصها. ليس أولها «الأمانة العامة للشؤون السياسية» ولا يبدو أن آخرها هذه المديرية الغريبة التابعة لها لتأهيل «القادة» المُختارين من كوادر «الشؤون السياسية» باستهدافهم بتدريبات نوعية.

        لا نعلم شيئاً، تقريباً، عن هذه المديرية التي تكتفي برقم جوال يوناني للتواصل. لكن جامعة دمشق أتاحت لنا فرصة التعرّف، لأول مرة، على الدكتورة دعوة الأحدب، مديرة «دائرة إعداد وتطوير القيادات النسائية»، حين دعتها، ظهر يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لإلقاء محاضرة بعنوان «من مقاعد الجامعة إلى مقاعد القيادة» تناولت نقل الطالبة من عقلية الدارسة المنتظِرة للفرص إلى المبادِرة الصانعة للتغيير، وسمات «القائدة الشابة» في بيئة متغيرة، وسُبل تطوير المهارات اللازمة لقيادة الذات والأسرة والمجتمع، وكيف يُمكن للقناعات أن تتحول إلى مشاريع، وكيف تصنع الطالبة أثرها في سوريا الجديدة. مُشددة على ضرورة الوعي لدى المرأة العاملة وتعزيز مهاراتها بالدورات التدريبية، والتأكيد على دورها الفاعل بما يُساهم في مرحلة التعافي بعد الحرب الطويلة. وفي المحاضرة ظهرت مهارات دعوة الأحدب وسعة اطلاعها ورسالتها في النهوض بـ«المرأة المسلمة» بطريقة تبتعد عن النسوية وحتى عن «النسوية الإسلامية».

        كانت تلك هي المناسبة الأولى لاحتكاك الأحدب بسوريات الداخل في مجال عام. فرغم أنها مولودة في مدينة حماة في منتصف الستينيات إلا أنها قضت معظم عمرها؛ نشأتها ودراستها وعملها، خارجاً. فمنذ أواخر السبعينيات أقامت وتعلمت في دولة الإمارات العربية المتحدة. هناك حصلت على بكالوريوس في علم النفس الاجتماعي، وإجازة جامعية في الدراسات الإسلامية باختصاص فقه الأحوال الشخصية (الأسرة). وبعدما حازت شهادة الدكتوراه، في العام 2006، درّست علم الاجتماع وعلم النفس في جامعة الشارقة وجامعة الخليج الطبية بعجمان والجامعة الأميركية في الإمارات بدبي. ثم انتقلت للعيش في تركيا حيث أسست، في إسطنبول، مركز «المستشارة» المُختص بتقديم العلاج النفسي والزواجي للنساء. حتى عادت مؤخراً إلى سوريا بعد أكثر من نصف قرن من الاغتراب سببه والدها عبد الحميد الأحدب.

        والذي ولِد في حماة في العام 1939، وتخرج مبكراً في كلية الشريعة بجامعة دمشق في العام 1960، وانتسب قبل ذلك إلى جماعة الإخوان المسلمين ليُصبح أحد شيوخها الشبان النَشِطين. حتى شارك، مع زميل دراسته سعيد حوى، في جمع تواقيع أبرز مشايخ السنّة، في حماة وحمص وحلب ودمشق، على العريضة الشهيرة الرافضة لمشروع الدستور الذي طرحه حافظ الأسد، الرئيس الجديد وقتئذ، وفي الاضطرابات اللاحقة المرتبطة بذلك في العام 1973 والتي عُرفت بـ«أحداث الدستور». ولما انكشف دور الشيخين تم القبض على سعيد حوى، الذي قضى خمس سنوات في السجن إثر ذلك، فيما تخفّى الأحدب داخل البلاد ثم هرب إلى لبنان، لينتقل منه إلى الإمارات، ثم الأردن، وأخيراً تركيا حيث توفي في غازي عنتاب في العام 2024. ومن بين أولاده السبعة لم يشتهر مؤخراً إلا ابنته «دعوة» التي منحها هذا الاسم الدال على رسالته، والتي لم تتابع مع والدها انتقاله إلى عمّان بسبب زواجها بالمهندس المدني فداء الجندي الذي أنجبت منه بكرهما ياسر، مدير المعهد الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية الجديدة.

        يؤشر تأسيس «مديرية إعداد وتطوير القادة»، وفرعها النسائي، مرة أخرى، إلى اختلاط دور السلطة الجديدة في نظر نفسها؛ بين «الدولة» ومنظمة المجتمع المدني و«الأكاديمية» الخاصة للتنمية البشرية. أمّا تعيين دعوة الأحدب فهو، أيضاً، اعتماد مُتجدد على نموذج أبناء الإخوان المسلمين الذين تجاوزوا الحالة التنظيمية إلى ما بعدها؛ يمينها ويسارها في الوقت نفسه. حين تُولّد الدراسة بالإنجليزية في جامعات الخليج، أو الأردن، تجديداً شكلياً في الخطاب يُخفي بمهارة ثباتاً تقليدياً متناوب الظهور، وأصولية صلبة ربما تظهر بشكل خطر في موقف مفصلي.

        ففي صفحتها العامة، التي أُنشئت بعد سقوط الأسد، تكتب الأحدب ما يُشبه مقالات قصيرة عن الأوضاع الراهنة. وعقب أحداث الساحل تبنت رواية السلطة عن «محاولة انقلابية» نفذتها «فلول النظام السابق بدعم خارجي»، مما أدى إلى اشتباكات عنيفة، ومجازر تتجاهلها الكاتبة التي ترى في ما جرى جانباً إيجابياً رغم كل شيء، فقد دفعت «الشعب السوري» إلى التكاتف والوقوف صفاً واحداً خلف القيادة الحالية، وكلهم ينادي «حي على الجهاد». وكانت كفيلة «بتشفّي قلوب» كثير ممن كانوا حانقين من تأخير تطبيق العدالة، إذ رأوا بأعينهم كيف تحققت!

        نأمل ألا يكون هذا برنامج صناعة القيادات النسائية، فقد امتلأت البلاد بأمراء الحرب ولا تنقصها أميراتها.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى