الممتعضون والطائفيون والأقلويون كخوارزمية/ أحمد الشمام

2025.12.11
تتسق المواقف العامة فيما بينها بناءً على مشتركٍ عام؛ حياة وثقافة مشتركة، عادات وتقاليد، تاريخٍ مشترك، بطولاتٍ قديمة وأخرى في الماضي القريب إبّان النضال ضدّ الاستعمار.
هناك عقد اجتماعي وذاكرة جمعية تشكّل نسيجًا يجمع مختلف البنى الاجتماعية والثقافات الفرعية والخصوصيات المتعددة ضمن إطار دولةٍ ووطن. تبقى تلك الاختلافات وذلك التعدد مصدرَ إثراءٍ وتنوّع، ويبقى – رغم تناقض المصالح – منضبطًا بعدم المساس بالمشترك العام وقواعده التي أقرتها الأعراف والأخلاق العامة والتاريخ؛ وهو ما يمكن اعتباره أساسًا للشعور الوطني.
تُعرّف الخوارزمية بأنها جملة عملياتٍ متسلسلة تسعى للوصول إلى هدف محدد؛ ولا يمكن اعتبار العمل الجماعي لشعبٍ ما على أرضٍ ما خوارزمية، بقدر ما هو الأرضية التي تُبنى عليها علاقاتُ تشابكٍ وتنافسٍ ومصالحُ لكلٍّ منها غاياتٌ وأهداف، لتشكيل خوارزميات خاصة بكل جماعة وفرد. غير أن مفهومًا آخر للخوارزمية ظهر الآن في وسائل التواصل الاجتماعي وبرمجتها العامة؛ ليربط الأشخاص ذوي الاهتمامات المحددة بخبرٍ أو فعلٍ أو شعور، ويجمعهم فيما يشبه جزرًا إلكترونية وفضاءاتٍ افتراضية يتخيّل أصحابها أنهم العالم كله، أو ينفصلون عن المجتمع المحيط وينزعون إلى مفارقته والتمايز عنه، مدفوعين بشعور التشابه المثير للاهتمام، وبروابط التكرار والنزوع الذي يتشكل بحسب موجات التأثير والانفعال، عفويةً كانت أم مخططة.
في دولة خارجة من حربٍ ضروس مثل سوريا، وقد جهد الأسد في تفتيت المجتمع وخندقته وضرب بعضه ببعض، يصبح احتمال التخطيط لتشكيل تلك الخوارزميات فعلاً حشديًا مرسومًا بدقة تبعًا لمبدأ أن إشعال فتيلٍ في غابة كفيلٌ بنشر الدمار والفوضى. ويعلم الجميع أن ما بعد اشتعال الغابة من شرارة صغيرة – وفي غياب الجهود المؤسسية والمجتمعية لتطويقها – تصبح المأساة مدفوعة بعوامل موضوعية يمكنها أن تدمر أي بلد، ولو كان متحضرًا كألمانيا أو أميركا. وفي حين تلعب المدينة والحي دورًا في تجميع الناس في المجتمعات الغربية التي تفككت فيها الجماعات، تلعب في بلدان الشرق عواملُ الخوف واللجوء إلى العصبيات والمرجعيات القديمة، وحتى الروايات المتخيلة، دورًا في استعادة بنى وحوامل ما قبل الدولة. وعند انتشار النار يبقى السؤال ليس عن الحريق ومنعكساته وآليات ترميم ما تبقى ومسؤولية من يرمّم، بل عمّن أشعل النار وقدح فتيل المقتلة.
تشتغل الخوارزميات الإلكترونية كخوادم لتشكيل إطارٍ جامع لأفراد مختلفين، بناءً على المشاعر والانفعالات، لتتشكل روابط بين ذوي الميول والعواطف المتشابهة والمصالح المشتركة والدوافع – بمعزل عن مشروعيتها – لتحويل أفراد إلى جماعات ضغط، أو جماعات تضاف إلى الجماعات ما دون الدولة.
بالمقابل، يمكن القول بوجود خوارزمية أخرى يقبلها علم الاجتماع الثقافي، تتمثل بجملة قواعد وتعابير وأنماط تحليل وسلوك تجاه أحداث معينة؛ وفق منظومة تفكيرٍ تتكرر وتترسخ شيئًا فشيئًا لتصبح أكثر حدّةً ومفارقة، وتعتمد تنميط الآخر وإحالة سلوكه إلى جوهر محدد ديني أو قومي أو تاريخي، وتفسير الواقع على أساسه. وسرعان ما تغدو طريقة ثابتة لاستقبال المعلومات وتفسيرها وفهم المحيط وأحداثه.
وفقًا لهذا التصور، وفي الحدث السوري بعد تحرير دمشق وتداعي بعض منتسبي جماعات ما قبل الدولة (الطائفة، العرقية)، تصبح لدينا خوارزمية سلوكية تشترك فيها القراءات وتقاد المواقف نحو الزاوية ذاتها. والمثير أن تلك الخوارزمية يشترك فيها المثقف العلماني اليساري مع الطائفي والعنصري وصاحب النزوع الإثني والأقلوي.
تكمن المشكلة هنا في استحضار القديم الذي يرسخ الحركة الأولى أو النأمة الأولى من الاختلاف، ثم تُؤجّجها المصلحة والمحيط، مع جملة إشارات صغيرة هنا وهناك؛ لتكتمل النمطية والآلية التي يُقرأ فيها الحاضر بكل تداخلاته. ووفقًا لذلك، قد يدفع حدثٌ راهن إلى تفسير أو تأويل من قبل شخص بسيط متحجر الذهنية وربما طائفي أو إقصائي، ليتلقفها آخرون فتتشكل نواة إشاعة لذهنية القطيع أو الحشد، التي يلبيها المثقف أو يخضع لها. يضاف إلى ذلك السلطة الرمزية التي تمارسها الجماعة على أفرادها لتشكّل قوة لا مرئية تدفعهم للالتزام بها والخوف من الخروج عنها حفاظًا على الجماعة. وهو ما نشهده في القراءة الهجرية لكل من يخرج عنها، والـ”قَسَدية”، إذ تتلطى كل منهما زورا خلف الجماعة القومية أو الطائفية وتعتبرها وعاءً ضامًّا وإطارًا سياسيًا، بل وتحتكر صوتها. ولا تحيد سياسة الفلول عن ذلك أيضًا.
ثمة آلية أخرى ضمن تلك الخوارزمية لدى الجماعات؛ وهي اختطاف الجماعة من قبل عصابة تنتمي إليها. هذه المرحلة التي نعيشها الآن ويحترفها المرتزقة. فعندما أعدمت قسد الطفلة همرين في عامودا عام 2013م وانتفض الكرد ضدها، خرجت كتل سياسية كردية بمقولة: “الدم الكردي على الكردي حرام”. وعندما حاججنا مثقفي السويداء عزلهم مجتمعهم تحت العنوان نفسه: “الدم الدرزي على الدرزي حرام”. فيما بعد قتلت قسد الكثير من الكرد، وها هي ميليشيات الهجري تقتل الوطنيين الدروز. وهذا لا يعني مجرد إدانة الفعل وتعريته، بل ضرورة أن يفهم الوطنيون – من أي بيئة أو جماعة – أن عليهم الخروج من ذهنية العصبية والمقولات التي انتهكت دمًا رخيصًا، والثورة على سلطاتها لأجل انعتاقها وحريتها.
أما على صعيد الأفراد والمثقفين؛ فإن مجرد وجود تحفظ على سياسة سلطة ما، ووجود فعل مضاد أو مقابل من هذه السلطة تجاه الرأي المعارض – وهو اختلاف محمود غالبًا – يؤدي إلى تفارق بسيط وعدم استيعاب النقد، فيؤسس لتباعد بين الطرفين، لينمط كل طرفٍ الآخر ويبحث عن الصور التي ترسخه. لكن القيادة الجديدة لم تطرح رؤية تفارق، ولم تعالج أي اعتراض على سياستها بالقوة في المجال السياسي؛ بل أقرت مرحلة انتقالية مع عدم وجود الأحزاب، بما يدفع إلى تشارك الجميع في مرحلة البناء، ويفتح مسيرة تعاونٍ وتشاركٍ في الهم العام، ورفع الأنقاض، وبناء الدولة، ثم انفتاح العمل السياسي خارج أطر الأحزاب القديمة التي يجب أن تخرج من ذهنياتها المفوتة وتنميطاتها وعلاقاتها المتخشبة.
إن السلطة الجديدة لا ترسّخ هذا التفارق، لكن هناك من يؤمن بضرورة وجود رأيٍ وموقفٍ سياسي مضاد للحكومة بناءً على مرجعيته، أو على فوزها بما لم يستطع الآخرون إنجازه، فيعتبره اختلاف محاصصة، رغم كثيرٍ من أخطاء السلطة وتجاوزاتها. وهنا نتحدث بعيدًا عن أحداث الساحل والسويداء التي جاءت ذريعة قوّت موقف المفارقين أيديولوجيًا وصلبت موقفهم وأعطتهم حجة أقوى، ووضعتهم في موقف القارئ الدقيق للأحداث عبر قراءات متسقة مع تنميطاتهم، فصدّقوا ذلك وانخرطوا في التحشيد، فزادهم الحشد صلابةً وتبجحًا، بل ونزلوا إلى مستوى هذه الحشود البعيدة عن أهداف الدولة، ودوافعها الجماعاتية أكثر من كونها دولتية.
وفي العودة إلى نقطة التفارق الأولى، باعتبار المثقف محايدًا أو ثائرًا أو رماديًا – أي الرفض أو الإنكار أو الانتقاد – والذي لاقى صدرًا رحبًا في وسائل الإعلام وفي الثقافة والسياسة، لن ننسى مقولة سيدة من السويداء للرئيس الشرع في قصر الشعب: “أنا أول معارضة لك”. هناك إذن قفزة يخطوها هذا المفارق المثقف أو الأيديولوجي المنمّط أو صاحب العقدة من الإسلام السياسي؛ فيصبح كمن يحاول الخروج عن قبيلته، فيجد أنه لا بدّ أن ينخرط في فعلٍ جماعاتي، فينتكس إليها. وكذلك ابن الطائفة وابن العرقية.
ما يقتضي ضرورة تفكيك هذه الذهنيات وأنماط التفكير. ولعل مرحلة البناء تعيد للسوريين قراءة ذواتهم واكتساب طرق تفكير جديدة في قراءة الآخر، مع ضبط شتى التصورات عن هذا الآخر، الموجود أو المتخيّل، الذي قد يكون أنت.
تلفزيون سوريا



