تطور الاقتصاد السوري تحديث 16 كانون الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
——————————————–
تحديث 16 كانون الأول 2025
———————————
جيش سوري أميركي ناعم/ شعبان عبود
16 ديسمبر 2025
على امتداد أكثر من عقد، شكّلت المنظمات السورية – الأميركية خط الدفاع السياسي والأخلاقي عن القضية السورية داخل العاصمة واشنطن. كانت تلك المنظمات، بمختلف توجهاتها وخلفيات أعضائها، بمثابة القلب النابض الذي أبقى الملف السوري حاضراً في مؤسسات صنع القرار الأميركية، وفي الكونغرس تحديداً، حين كاد العالم ينصرف عن المأساة السورية تحت وقع التحولات الدولية والإقليمية. فبينما كانت دول عديدة تعيد فتح خطوطها مع النظام السابق، كان السوريون الأميركيون يطرقون أبواب المكاتب التشريعية والدوائر المختصة من دون كلل، لشرح الجرائم والانتهاكات، والدفع نحو تشريعات تُحمّل المسؤولية لمرتكبيها.
لقانون قيصر، أحد أبرز قوانين العقوبات على النظام السوري السابق، قصة طويلة من الجهد والتراكم. صحيح أنّه قانون أميركي من حيث الصياغة والإقرار، لكنه وُلد من رحم العمل الدؤوب لسوريين أميركيين آمنوا بأن مساءلة الجناة واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة سياسية. ومع كل حملة ضغط أو جلسة استماع أو ورقة سياسات، كانت هذه المنظمات تنجح في منع سقوط القضية من الذاكرة الدولية. ورغم المنافسات الداخلية التي طبعت العلاقة بين بعضها، فإن تلك المنافسات ظلّت صحية طالما كان جوهرها العمل، والبحث عن طرق أكثر فاعلية للتأثير.
ومثل أي عمل عام، كان هناك من يسعى إلى الظهور أو يبالغ في تقدير دوره، لكن ذلك يبقى تفصيلاً صغيراً أمام الجهود الكبيرة التي بذلها معظم الناشطين والعاملين في هذا الحقل. هؤلاء الأشخاص، في غالبيتهم، ضحّوا بوقتهم واستقرارهم، واشتغلوا بصمت في كواليس السياسة الأميركية، واضعين نصب أعينهم خدمة بلدهم الأم ومساندة ضحاياه. وبعضهم استطاع بناء علاقات استراتيجية داخل مؤسسات حساسة، وهو ما منح المنظمات قدرةً على التأثير الفعلي وليس الرمزي فقط.
ومع التطورات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق، بدأ مشهد جديد يتشكّل في العلاقة بين دمشق وواشنطن. فمجرد بدء التواصل المباشر بين الإدارتين الأميركية والسورية برئاسة أحمد الشرع، وعودة قنوات الاتصال الدبلوماسية، جعل مسألة رفع العقوبات، بما فيها قانون قيصر، قضية وقت لا أكثر. كما دخلت عوامل إقليمية مؤثرة على الخط، إذ مارست السعودية وتركيا وقطر ضغوطاً واضحة من أجل تسريع رفع تلك العقوبات. وفي ظل هذه المعطيات، تراجع بطبيعة الحال الدور المباشر للمنظمات السورية الأميركية في ملف العقوبات تحديداً، لأن اللعبة انتقلت إلى مستوى حكومي – حكومي، وأصبحت ترتيبات رفع القيود الاقتصادية جزءاً من تفاهمات إقليمية ودولية واسعة.
غير أنّ هذا التحوّل لا يلغي قيمة ما أنجزته تلك المنظمات طوال السنوات الماضية، ولا يقلّل من دورها المستقبلي. فمع اقتراب سورية من مرحلة جديدة، تتجه فيها تدريجياً نحو الاستقرار وإعادة البناء، تتبدل المهام وتتغير الأولويات. ستنتقل هذه المنظمات من مرحلة الدفاع السياسي والحقوقي إلى مرحلة بناء الجسور: جسور بين المؤسسات السورية ونظيراتها الأميركية في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة، وجسور مع الشركات، والجامعات، ومراكز البحث، بما يخدم إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية. كما يتوقع أن تلعب دوراً مهماً في جذب الاستثمارات، وتحريك شبكات السوريين في الولايات المتحدة، وتحويل خبراتهم المتراكمة إلى رافعة للتنمية داخل سورية.
لم تكن المنظمات السورية الأميركية مجرّد مجموعات ضغط، بل كانت أشبه بجيش ناعم وأنيق في قلب واشنطن، جيش صنع فرقاً حقيقياً حين كان الصمت هو الخطر الأكبر. واليوم، وهي تدخل مرحلة جديدة، ما زال أمامها الكثير لتقدّمه لسورية وللجالية السورية في الولايات المتحدة، وربما يكون دورها القادم أكثر حساسية وأعمق أثراً من أي وقت مضى.
العربي الجديد
——————————-
ماذا يُخبرنا أثر العنقاء عن اقتصاد سوريا؟/ مسلم عبد طالاس
مؤشرات التعافي بعد عامٍ من سقوط نظام الأسد
16-12-2025
مرّ عام كامل على سقوط نظام عائلة الأسد، وهي مناسبة تُحتّم التوقف عندها اقتصاديّاً بقدر ما هي منعطفٌ سياسيٌّ. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتعلق بمدى ما تحقَّق خلال هذا العام، وما إذا كانت المؤشرات الأولية تسمح بالحديث عن بداية تعافٍ اقتصاديٍّ أم عن استمرار حالة الجمود التي رافقت سنوات الصراع.
في الظروف الطبيعية يُقاس الأداء الاقتصادي عبر المؤشرات الكميّة، وعلى رأسها معدل النمو، إلا أن هذا الأخير بطبيعته مؤشر بطيء الظهور ويحتاج إلى ما يشبه فترة حضانة. وتتضاعف صعوبة التقييم عندما تكون البلاد خارجة من نزاع طويل وتُعاني من ندرة شديدة في البيانات، كما هو الحال في سوريا، حيث يُصبح أي حكم مباشر ضرباً من التخمين. لكن غياب الأرقام لا يعني غياب القدرة على التحليل. فالأدبيات الاقتصادية طوّرت أدوات تُساعد على قراءة ما يجري عندما تنعدم البيانات الرسمية، من أبرزها مفهوم «أثر العنقاء» الذي يتتبع كيفية نهوض الاقتصادات من تحت الرماد بعد الحروب الكبرى.
يرجع ظهور هذا المفهوم إلى ملاحظات أورجانسكي وكوجلر في السبعينيات حين لاحظا أن دولاً خرجت من صراعات كبرى سجّلت نمواً مرتفعاً عقب توقف العمليات العسكرية، نمواً يفوق في بعض الأحيان ما تُحققه الدول المُستقرة. وقد واصل كولير وهوفلر إثراء هذا النقاش بتأكيد أن السنوات الأولى للسلام غالباً ما تَتَّسم بطفرة نمو استثنائية، بينما أشار مانكور أولسون إلى أن الحروب، رغم كلفتها، قد تُزيح أحياناً عوائقَ مؤسسية متصلبة وتشابكات مصالح كانت تكبح النشاط الاقتصادي. ما يجمع بين هذه المقاربات هو أنّ الارتداد الاقتصادي الأولي لا يتطلب إصلاحات جذرية أو تدفقات استثمارية ضخمة، بل يكفي في العادة تحسّن الحد الأدنى من الأمن كي تعود الأصول الإنتاجية العاطلة إلى العمل. هذا ما يُطلق عليه النمو الاسترجاعي، وهو عملية استعادة النشاط الطبيعي الذي كان معطلاً بفعل الاقتتال، حيث تعود المصانع للإنتاج لمجرد فتح الطرق وتأمين الوقود، ويستأنف المزارعون العمل بمجرد تراجع المخاطر، وتستعيد شبكات النقل والكهرباء جزءاً من فاعليتها دون أن تدخل أموال جديدة إلى السوق. لذلك حققت دول مثل رواندا والبوسنة معدلات نمو تجاوزت 30 بالمئة في السنوات الأولى للسلام، وهو الحد الأدنى المُتوقع عندما تستقر الأوضاع ويتحرر الاقتصاد من الخوف.
وعند النظر إلى سوريا بعد عام واحد من التغيير السياسي، لا نجد أثراً لهذا الارتداد الطبيعي. فالبنك الدولي يتوقّع نمواً للاقتصاد السوري لا يتجاوز 1 بالمئة في عام 2025، وهو رقم لا يعكس فقط ضعفاً اقتصادياً، بل يُشير بوضوح إلى غياب الديناميكية الأساسية التي يُفتَرض أن تنطلق تلقائياً بعد الحرب. الفجوة بين هذا الرقم ومعدلات تتراوح بين 25–40 بالمئة شهدتها اقتصادات خرجت من صراعات مشابهة ليست فارقاً تقنياً، بل علامة على أن الأصول العاطلة لم تعد للعمل وأن شروط التعافي الأولى لا تزال غائبة. فلو توافر حد أدنى من الاستقرار الأمني، لكانت عجلة الإنتاج قد دارت ولو جزئياً، ولشهدنا نمواً يتجاوز 5–10 بالمئة على الأقل، وهو المستوى الذي ينشأ من عودة النشاط المُعلّق أكثر مما ينتج عن أي سياسة حكومية. إن غياب هذا الارتداد يعني أن الاقتصاد السوري ما يزال فعلياً في حالة ما قبل التعافي، أي في وضع لا يختلف كثيراً عن سنوات الحرب نفسها.
لا تكمن المعضلة هنا في تأخر السياسات الاقتصادية أو ضعف الاستثمارات، بل في غياب البيئة الأولية التي تسمح للنشاط الاقتصادي بأن يلتقط أنفاسه. فالمشهد الأمني، رغم انحسار القتال الرسمي، لم يصل إلى حالة تسمح بحرية حركة البضائع والعمالة. إذ ما تزال مناطق واسعة خارج السيطرة الكاملة للدولة، والسلطات الفعلية على الأرض متعددة، مما يجعل النشاط الاقتصادي محفوفاً بالكلفة والمخاطر. وفي خلفية هذا كلّه يعمل اقتصاد حرب لم يتفكك بعد؛ منظومة قائمة على المعابر الخارجة عن السيطرة الرسمية، والرسوم غير القانونية، وشبكات التهريب، والجهات المسلحة التي تستفيد من استمرار الهشاشة. في مثل هذه البيئة تُصبح كلفة العمل في الاقتصاد النظامي أعلى من كلفة العمل في السوق الموازية، فيتردد المنتجون في العودة إلى قنوات الإنتاج الشرعية.
يزداد المشهد تعقيداً مع صعود بنية موازية للسلطة الاقتصادية حملت معها نموذجاً إدارياً ريعياً كان قد تطور في إدلب، ثم تمدد بسرعة في اقتصاد هشٍ يُعاني أصلاً من ضعف الدولة. ما حدث ليس تفكيكاً لاقتصاد الحرب القديم، ولا بناء لمؤسسات دولة حديثة، بل إنتاج خليط جديد يجمع بين شبكات الفساد التي نشأت في إدلب وتلك الموروثة عن نظام الأسد، لتتشابك مصالح الطرفين في التحكم بالأسواق والموارد. ومع هذا التشابك أصبحت تكلفة تشغيل الأصول الإنتاجية أعلى من عوائدها، وفقد الاقتصاد النظامي قدرته على منافسة أنماط الجباية الموازية، مما جعل العودة الطبيعية للإنتاج شبه مستحيلة. وهكذا لم تعد الدولة تحتكر السلطة الاقتصادية أو تُحدد قواعد موحدة للسوق، بينما تستمر البنية الموازية في إعادة تدوير اقتصاد الحرب بصيغة جديدة.
تصف بعض الأدبيات الاقتصادية السنة الأولى لما بعد انتهاء النزاع بالنافذة الذهبية للتعافي، وهي الفترة التي تمتاز بوجود رغبة عامة في إعادة البناء، وبضعفِ شبكات المصالح القديمة، وباستعدادِ المستثمرين للنظر إلى البلد باعتباره على أعتاب تحوّل مؤسسيٍّ. ضياعُ هذه السنة من دون أيِّ تحسن ملموس لا يُمثل إخفاقاً ظرفياً، بل خسارةً لفرصة نادرة لا تُعوض بسهولة. فكل شهر إضافي يَمرُّ في بيئة غير مستقرة يُعمّق جذورَ اقتصاد الحرب، ويُقلل من قدرة الدولة على فرض قواعد جديدة، ويزيد كلفة الإصلاح إلى درجة قد تجعل عودة الاستثمار الخارجي أشبه بالمستحيل.
عندما نقرأ المشهد السوري عبر عدسة «أثر العنقاء»، تَتضح لنا صورة اقتصاد لم يدخل بعد مرحلة التعافي. معدلات النمو شبه معدومة، الأصول الإنتاجية العاطلة ما تزال خارج دورة العمل، فيما يلتهم اقتصاد الحرب والفساد الحصة الأكبر من الحوافز، والدولة ليست في موقع يسمح لها بإعادة بناء مؤسسات السوق، يكاد المناخ الاستثماري يكون غائباً، وحركة الإنتاج لم تستعد إيقاعها الطبيعي. هذا ليس اقتصاداً ينهض من رماده، بل اقتصاد مُعلق في منطقة رمادية لا تنتمي إلى الحرب ولا إلى السلام، مهما روّج في الخطاب الرسمي عن تدفقات مالية قادمة. فالعبرة في نهاية المطاف لا تكمن في الوعود، بل في عودة دورة الإنتاج إلى الحياة.
موقع الجمهورية
———————————
الشيوخ الأميركي ينهي النقاش حول مشروع موازنة الدفاع.. ما مصير “قانون قيصر”؟
2025.12.16
أنهى مجلس الشيوخ الأميركي تصويتاً إجرائياً يقضي بإنهاء النقاش حول مشروع قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2026، في خطوة تمهد للتصويت النهائي على الموازنة التي تتضمن بنداً يقضي بإلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019”.
وقال “التحالف السوري الأميركي” إن تصويت مجلس الشيوخ بالأغلبية على إنهاء النقاش الإجرائي يفتح الطريق أمام التصويت النهائي على مشروع الموازنة، قبل إحالتها إلى مكتب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للتوقيع عليها ودخولها حيز النفاذ.
ماذا يعني التصويت الإجرائي؟
لا يعد التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ تصويتاً نهائياً على مضمون الموازنة، بل هو تصويت إجرائي يهدف إلى إغلاق باب النقاش، وهو شرط أساسي للانتقال إلى التصويت النهائي.
وبموجب النظام التشريعي الأميركي، فإن إقرار أي قانون اتحادي يمر بثلاث مراحل إلزامية:
إقرار مجلس النواب.
إقرار مجلس الشيوخ.
توقيع الرئيس الأميركي أو تجاوز فيتو رئاسي محتمل.
وبالتالي، فإن تصويت مجلس الشيوخ النهائي المرتقب خلال الأيام المقبلة هو الخطوة الحاسمة قبل إحالة مشروع الموازنة إلى البيت الأبيض.
وجرى إدراج إلغاء “قانون قيصر” ضمن قانون موازنة الدفاع الوطني باعتباره تشريعاً ذا طابع أمني واستراتيجي، إذ درج الكونغرس الأميركي على ربط العقوبات والملفات الجيوسياسية الكبرى بقوانين الدفاع، لما توفره من سرعة في الإقرار وضمان تمرير تشريعات حساسة ضمن حزمة واحدة.
النواب الأميركي حسم المرحلة الأصعب
وكان مجلس النواب الأميركي قد صوت، في 11 كانون الأول الجاري، لصالح مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026، بأغلبية 312 صوتاً مقابل 112، متضمناً ملحقاً ينص على إلغاء قانون قيصر إلغاءً غير مشروط.
ويعد تصويت مجلس النواب المرحلة التشريعية الأصعب نظراً لتوازنات الكتل السياسية، ما جعل هذا التصويت مؤشراً قوياً على وجود توافق سياسي واسع داخل الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حول إنهاء العمل بالعقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر”.
وخلال الجلسة، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، براين ماست، إن الكونغرس “سيزيل العقوبات عن سوريا التي فُرضت أساساً بسبب نظام بشار الأسد وتعذيبه لشعبه”، مضيفاً أن الولايات المتحدة “ستمنح سوريا فرصة للمضي قدماً في مستقبل ما بعد الأسد”.
ماذا يعني إلغاء “قانون قيصر”؟
بحسب النص التشريعي الكامل لمشروع الموازنة، تنص الفقرة (أ) على إلغاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر” لعام 2019.
في المقابل، تضع الفقرة (ب) آلية رقابية لاحقة، تُلزم الرئيس الأميركي بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس خلال فترة تمتد لأربع سنوات، تتضمن تقييماً غير سري، مع ملحق سري عند الحاجة، حول التزام الحكومة السورية بعدد من المعايير، أبرزها:
مكافحة تنظيم داعش والتنظيمات المصنفة إرهابية.
إبعاد المقاتلين الأجانب عن مواقع القرار.
احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية.
الامتناع عن أعمال عسكرية أحادية ضد دول الجوار.
تنفيذ اتفاق 10 آذار 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية.
مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
مكافحة إنتاج وتهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاغون.
كما تنص الفقرة (ج) على أن يقوم الرئيس الأميركي بإبلاغ الحكومة السورية رسمياً بنتائج هذه التقارير.
وأثار إدراج هذه الآلية جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت تشكل “آلية سناب باك” لإعادة فرض العقوبات تلقائياً، غير أن النص، وفق الصيغة المعتمدة، لا ينص على إعادة تلقائية للعقوبات، بل يكتفي بإطار رقابي يمنح الكونغرس صلاحية التدخل لاحقاً عبر تشريع جديد في حال الإخلال بالشروط.
شكل “قانون قيصر”، منذ إقراره عام 2019، أحد أبرز أدوات الضغط الأميركية على نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد،، لكنه انعكس أيضاً على الواقع المعيشي والاقتصادي للسوريين.
ومع سقوط الأسد أواخر عام 2024، بدأت مراجعة شاملة للسياسة العقابية، ترافقت مع تحركات دبلوماسية أميركية – سورية، ولقاءات مباشرة بين الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، والرئيس السوري، أحمد الشرع.
وخلال الأشهر الماضية، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة خففت بعض القيود الاقتصادية، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد للإلغاء التشريعي الكامل.
وفي حال إقرار مشروع الموازنة في التصويت النهائي لمجلس الشيوخ، وتوقيعه من قبل الرئيس الأميركي، يصبح إلغاء “قانون قيصر” قانوناً نافذاً ودائماً قبل نهاية عام 2025، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة في الاقتصاد السوري، تقوم على إعادة الإعمار والانفتاح المالي والتجاري، بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
—————————
تتضمن إلغاء “قيصر”.. “الشيوخ” الأمريكي يقر ميزانية الدفاع إجرائيًا
صوت مجلس الشيوخ الأمريكي، بشكل إجرائي، على مشروع قانون ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، بما يتضمنه من إلغاء لعقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا، تمهيدًا للتصويت النهائي.
ونال المشروع ثقة 76 عضوًا مقابل رفض 20 عضوًا له، ضمن التصويت الذي أجرى الاثنين 16 كانون الأول الحالي.
ويعتبر التصويت الإجرائي مرحلة روتينية، تستبق انعقاد جلسة التصويت الرسمية، وغايتها منع أي تعطيل أثناء التصويت النهائي.
وبمجرد إقرار قانون ميزانية وزارة الدفاع في مجلس الشيوخ، يتحول إلى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ليصادق عليه ويوقعه، ويصبح قانونًا نافذًا بعد ذلك.
وقال عضو التحالف الأمريكي السوري للسلام، عبد الحفيظ شرف، عبر صفحته على منصة “فيسبوك”، إن ما حصل هو تصويت على إيقاف النقاش في ميزانية وزارة الدفاع، ووضعه للتصويت النهائي وهو ما سيتم خلال هذين اليومين.
وذكر شرف، “بند إلغاء قانون قيصر مر كما هو دون أي تعديل، ولا يوجد أي خطر على إلغائه، وسيصل بعد ذلك ضمن مشروع الموازنة إلى مكتب الرئيس، ترامب، ليوقعه ويصبح ساريًا”.
وبين، أن أي تعديل على قانون الميزانية، سيضطر مجلس الشيوخ إلى إرساله لمجلس النواب للتصويت عليه مجددًا، وهذه عملية إجرائية معقدة ستأخذ وقتًا، والميزانية لابد من إقرارها قبل إجازات الكونجرس القادمة.
رائد الأعمال السوري الأمريكي، طارق نعمو، أوضح في منشور له على منصة “فيسبوك” عقب اجتماع مجلس الشيوخ، إن التصويت الإجرائي سيجعل التصويت النهائي على مشروع الموازنة وإلغاء قانون قيصر، محسوما شكليًا.
نعمو، الذي حضر اجتماع الرئيس السوري، أحمد الشرع مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، براين ماست، في 9 من تشرين الثاني الماضي، أكد أن مسار الإلغاء بات واضحًا باتجاه مكتب الرئيس، دونالد ترامب، للتوقيع النهائي.
رحلة إلغاء “قيصر”
وكان مجلس النواب الأمريكي، صوت ليل الخميس 10 من كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع، الذي تضمن بندًا يقضي بإلغاء “قانون قيصر” المفروض على سوريا.
ويتيح تصويت الكونجرس على الصيغة النهائية لملحق إلغاء القانون أن يصبح قانونًا ترفع بموجبه العقوبات الأمريكية عن سوريا بشكل نهائي ودائم قبل عيد الميلاد.
وكانت وزارتا الخزانة والتجارة الأمريكيتان أعلنتا تمديد تعليق تطبيق عقوبات قانون “قيصر” جزئيًا لمدة 180 يومًا.
وجاء في بيان مشترك بين الوزارتين، في 10 من تشرين الثاني الماضي، أن القرار يستبدل الإعفاء السابق الذي صدر في 23 أيار الماضي.
وأشار البيان إلى أن التعليق الجديد يوقف العمل بمعظم العقوبات المفروضة بموجب القانون، باستثناء تلك التي تشمل معاملات مالية أو تجارية مع روسيا وإيران.
وأتى البيان بعد زيارة الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض التي تعد الأولى لرئيس سوري للولايات المتحدة الأمريكية.
ماهو “قانون قيصر”
“قانون قيصر” هو مشروع قانون أقره مجلس النواب الأمريكي، في 15 من تشرين الثاني 2016، ووقع عليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 21 من كانون الأول 2019 (خلال ولايته الأولى).
وينص القانون على معاقبة كل من يقدم الدعم للنظام السوري السابق، ويلزم رئيس الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الدول الحليفة لنظام “الأسد”.
ويشمل القانون كل من يقدم الدعم العسكري والمالي والتقني للنظام السابق، من الشركات والأشخاص والدول، حتى روسيا وإيران، ويستهدف كل من يقدم المعونات الخاصة بإعادة الإعمار في سوريا.
وتعود تسميته باسم “قانون قيصر” إلى الضابط السوري المنشق عن النظام، فريد المذهان، والذي سرب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل عام 2014، قتلوا تحت التعذيب، وكان مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) أكد صحتها، وأثارت الرأي العام العالمي حينها، وعرضت في مجلس الشيوخ الأمريكي.
————————–
سوريا دون “قيصر”.. اختبار السياسة ورحلة التعافي/ وسيم العدوي | محمد كاخي | أمير حقوق
منذ إقرار قانون “قيصر” عام 2019، شكّل هذا التشريع إحدى أبرز أدوات الضغط الأمريكي على النظام السوري السابق، مستهدفًا مؤسساته ومسؤوليه بتهم ارتكاب جرائم حرب، لكنه كان أيضًا مؤثرًا على المواطنين السوريين.
ومع سقوط النظام أواخر 2024، بدأت تتشكل بيئة سياسية جديدة دفعت نحو إعادة النظر في العقوبات، لتتحول القضية إلى محور نقاش واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، وينتهي المطاف بالقانون ملغى بأغلبية أصوات مجلس النواب الأمريكي، ليمر بعدها إلى مجلس الشيوخ والرئيس الأمريكي، قبل نهاية العام.
بدأت مسيرة إلغاء القانون فعليًا في حزيران 2025، حين قدّم النائب “الجمهوري” جو ويلسون مشروع قانون لإلغاء “قيصر”، لتبدأ سلسلة من التحركات الدبلوماسية والسياسية، انتهت بموافقة مجلس النواب الأمريكي على الإلغاء الشامل ضمن قانون الدفاع الوطني للعام 2026، وسط جدل بين مؤيدين من الحزبين “الديمقراطي” و”الجمهوري” على حد سواء، يرون هذه الخطوة دعمًا للشعب السوري، وبعض المعارضين الذين حذروا من فقدان ما وصفوها بـ”أداة ضغط مهمة”.
يحاول هذا الملف توضيح الإجراءات القانونية لإلغاء القانون في أروقة السياسة الأمريكية، والمطالب من دمشق بالتوازي مع إلغاء القانون، وأثر ذلك سياسيًا واقتصاديًا في سوريا.
عقدة الكونجرس تنفرج
بعد مشروع السيناتور جو ويلسون، تكثفت اللقاءات بين الإدارة الأمريكية والحكومة السورية الانتقالية، وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دعمه للإلغاء، معتبرًا أن العقوبات فقدت جدواها بعد سقوط النظام السابق، وأصدر أوامر تنفيذية لتعليق أجزاء منها بانتظار قرار من الكونجرس بهذا الشأن.
في تشرين الثاني 2025، استقبل ترامب الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بالبيت الأبيض، وأكد الطرفان أن رفع العقوبات شرط أساسي لإعادة الإعمار والاستقرار، وسارعت وزارة الخزانة الأمريكية بدورها إلى إصدار تراخيص عامة سمحت بمعاملات اقتصادية كانت محظورة، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا للإلغاء النهائي.
إعادة إعمار سوريا من أبرز المهمات الصعبة بعد سقوط نظام الأسد – كانون الأول 2025 (LAURENCE GEAI/MYOP FOR LE MONDE)
إعادة إعمار سوريا من أبرز المهمات الصعبة بعد سقوط نظام الأسد – كانون الأول 2025 (LAURENCE GEAI/MYOP FOR LE MONDE)
عبر ميزانية “الدفاع”
لكن ذلك لم يكن كافيًا لإلغاء القانون، فقد أُدرجت عقوبات “قيصر” ضمن موازنة الدفاع الأمريكية (قانون الدفاع الوطني–NDAA) لأن الكونجرس عادة ما يربط التشريعات ذات الطابع الأمني أو الاستراتيجي بموازنة الدفاع، لضمان تمريرها بسرعة، ولإبراز أن العقوبات على سوريا لم تكن مجرد أداة اقتصادية بل جزءًا من السياسة الدفاعية والأمن القومي الأمريكي.
وقال الخبير القانوني في شؤون الكونجرس الأمريكي المحامي سمير صابونجي لعنب بلدي، إنه عندما أرادت الإدارة الأمريكية معاقبة النظام السوري السابق أعدّت مجموعة من العقوبات وأدرجتها تحت اسم “قيصر” ضمن مادة في قانون الدفاع الوطني الأمريكي، وعندما تم تشديد العقوبات أيضًا جرى ذلك بموجب مادة في القانون المذكور، لأن أسهل طريقة لإقرار قانون عقوبات مثل “قيصر” هي إدراجها في قانون أوسع يضم بنودًا ومواد عديدة مثل قانون الدفاع الأمريكي.
ولو أراد المشرّعون الأمريكيون إعداد عقوبات ضد النظام السوري، أو إلغاء للعقوبات، في قانون منفرد فهذا يتطلب جهودًا أكبر وستكون احتمالات التصويت على الفرض أو الإلغاء أقل من حالة إدراجه كمادة في قانون الدفاع الوطني، أوضح صابونجي، لأن قانون الدفاع عليه إجماع بشكل دائم، وسنويًا يوافق الكونجرس الأمريكي بشكل طبيعي على قانون الدفاع نظرًا إلى أهمية ميزانية وزارة الدفاع في الولايات المتحدة.
ويمثل النجاح في إدراج بند إلغاء قانون “قيصر” ضمن موازنة وزارة الدفاع الأمريكية دليلًا على رغبة من قبل مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين في إنجاح التصويت على هذا البند، وفقًا للخبير ذاته.
“صفر خلافات” في النواب الأمريكي
لساعات طويلة ناقش النواب قانون الدفاع الوطني الأمريكي ضمن جلسة مجلس النواب الأخيرة التي أقر فيها القانون، قال المحامي صابونجي، حيث طرحوا مواضيع متعددة، ولكن لم تكن هناك اعتراضات على إلغاء قانون “قيصر” بذاته، إذ يتضمن قانون الدفاع بنودًا كثيرة منها الميزانية وحجم الأموال التي سيتم صرفها على القضايا المتعلقة سواء بإسرائيل أو أوكرانيا أو تايوان، وغير ذلك من البنود التي تحتاج إلى نقاش.
ومن المؤكد وجود خلافات بالرأي بين “الديمقراطيين” و”الجمهوريين” حول الميزانية المطلوبة من قبل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ولذلك فإن الاعتراضات من الجانبين كانت منصبة على قضايا أخرى بعيدة عن “قيصر”، وغالبًا ما كانت النقاشات حول التسويات والتنازلات من الجانبين.
في حال عدم الالتزام
لا عودة لـ”قيصر”.. بل عقوبات ضد أفراد
برايان ماست رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، وهو “جمهوري” من ولاية فلوريدا الأمريكية، كان يعارض إلغاء قانون “قيصر” بطريقة غير مشروطة، ثم عدل عن موقفه هذا، وقال ضمن جلسة النواب الأمريكي، “إننا نلغي العقوبات عن سوريا حتى نعطيها فرصة لبناء مستقبل أفضل في حقبة بعد الأسد”.
ولكنه ذكر أيضًا أن الكونجرس الأمريكي يعطي الرئيس الأمريكي القدرة على فرض عقوبات ضد أفراد في سوريا، في حال قرر الرئيس أن ذلك سيكون لمصلحة الولايات المتحدة.
وأشار صابونجي إلى أن هذا الموقف من النائب ماست يتوافق مع موقف الرئيس ترامب بضرورة إعطاء فرصة لسوريا لإعادة بناء ما دمره الأسد، أي أنه غيّر موقفه السابق بشكل شبه كلي.
وكشف المحامي الأمريكي أنه لم يتم وضع بند ضمن قانون إلغاء “قيصر” ينص على “عودة عقوبات قيصر مجددًا (Snapback Provision) في حال فشلت سوريا في تطبيق أي من المعايير المطلوب منها الالتزام بها”، ولكن تم إعطاء المرونة للرئيس الامريكي بفرض عقوبات محدودة تستهدف أفرادًا بعينهم فقط.
الجلسة شهدت تصويتًا بالموافقة بالأغلبية من قبل الحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” على قانون الدفاع الوطني الأمريكي ومن ضمنه إلغاء “قيصر”، وهو ما يرى فيه الخبير صابونجي تغييرًا في الكونجرس بعد موقف الإدارة الأمريكية الداعم لرفع القانون.
وبعد مرور قانون موازنة وزارة الدفاع (ومن ضمنه إلغاء عقوبات قيصر) في مجلس النواب، سيمر إلى مجلس الشيوخ، ومنه إلى البيت الأبيض لتوقيعه، قبل نهاية العام.
“قيصر” أمام الشيوخ الأمريكي
ذكّر المحامي سمير صابونجي بما حدث سابقًا منذ عدة أشهر عندما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي لمصلحة نسخة من قانون الدفاع الوطني، وكان من ضمنها بند لإلغاء قانون “قيصر” بشكل غير مشروط، موضحًا أن ما سيحدث حاليًا هو إجراء مصالحة بين هذه النسخة والنسخة التي صوّت لمصلحتها مجلس النواب، مؤكدًا وجود توافق كبير بين مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين على أن إجراء التصويت هو روتيني ومن غير المتوقع حدوث تعطيل أو تعديل.
ويتوقع الخبير الأمريكي أن يحدث تمرير سريع من قبل مجلس الشيوخ لقانون الدفاع في جلسته المقررة بداية الأسبوع المقبل، وعندها ستتم إحالة القانون إلى الرئيس الأمريكي الذي سيوقع عليه، وبعد ذلك يدخل القانون حيز التنفيذ، ويتوقع أيضًا أن يكون ذلك قبل عطلة عيد الميلاد نهاية الشهر الحالي.
وردًا على صلاحيات الرئيس الأمريكي بالاعتراض على القوانين، أشار صابونجي إلى أنه إذا وافق مجلسا النواب والشيوخ على قانون وتمت إحالته للرئيس الأمريكي يمكن له الاعتراض على القانون من خلال رفض توقيعه، وعندها يحال إلى الكونجرس فإذا لم يحصل القانون على ثلثي أصوات الكونجرس يفشل إقرار القانون.
ولكن في حالة قانون الدفاع، فإن عدد النواب الموافقين على القانون في مجلس النواب يبلغ 312 نائبًا أي 74% من العدد الكلي للنواب، وهذه النسبة تقارب الأغلبية المطلقة، وحتى لو اعترض الرئيس الأمريكي على القانون، سيتم تمريره لأنه حاصل على الأغلبية في مجلس النواب وسيحصل على الأغلبية في الكونجرس، ومن المستبعد جدًا أن يعترض الرئيس الأمريكي على قانون الدفاع الوطني وهذا أمر لم يحصل سابقًا.
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي أعضاء غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن – 11 تشرين الثاني 2025 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي أعضاء غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن – 11 تشرين الثاني 2025 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
واشنطن تراقب ودمشق مطالَبة بالإثبات
امتحان الأعوام الأربعة
إلغاء قانون “قيصر” ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل يعكس حالة من تموضع استراتيجي يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ويعكس اعترافًا ضمنيًا بأن معادلات القوة والتحالفات قد تغيّرت.
وبينما تستعد سوريا لالتقاط أنفاسها بعد سنوات من العزلة، يبقى السؤال الأبرز: هل يحمل هذا التحول بداية إعادة دمج سوريا في المشهد السياسي العالمي، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية في لعبة النفوذ الكبرى؟
تغيّر سياسة واشنطن لآليات الرقابة
الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، يرى أن تصويت مجلس النواب الأمريكي بشأن قانون “قيصر”، يمثل تحولًا استراتيجيًا في مقاربة واشنطن للملف السوري، وتغير السياسة الأمريكية من العقوبات الشاملة نحو آليات رقابة وتقييم دوري، بما يسمح بإعادة إدماج سوريا تدريجيًا في محيطها السياسي والاقتصادي.
وأوضح فوزي، في حديث إلى عنب بلدي، أن رفع “قيصر” لن يعني انتهاء الضغوط، بل إعادة تنظيمها وفق منهج “المشروطية السياسية”، عبر تقارير تصدر كل 180 يومًا لمدة أربع سنوات.
ويمنح ذلك دمشق فرصة لتحسين صورتها خارجيًا وتخفيف عزلتها، لكنه في الوقت نفسه سيخضعها لاختبار علني في واشنطن وأوروبا حول مدى التزامها بالمعايير الأمنية والحقوقية المطروحة، وفق ما ذكره فوزي.
دعم لدمشق وتقليص للتوتر
الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، يعتبر أن التصويت يشكّل رسالة سياسية أمريكية تعكس توجهًا داعمًا للحكومة السورية وللاستقرار الإقليمي، في إطار ما يبدو أنه استراتيجية جديدة لإدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد في الشرق الأوسط.
ويشكّل إلغاء قانون “قيصر” خطوة مفصلية تفتح بابًا واسعًا أمام تغيّرات محتملة في الوضع السوري.
لكنه ليس حلًا سحريًا، وفق ما قاله الكاتب السياسي درويش خليفة، فـ”من جهة، يعيد الإلغاء جزءًا من الأمل للسوريين بإمكانية استعادة الاستقرار السياسي وتحريك النمو الاقتصادي، ومن جهة أخرى يضع البلاد أمام التزام ثقيل بضرورة إصلاحات داخلية عميقة تشمل مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة مؤسسات الجيش والأمن والقضاء بما يضمن احترام حقوق الإنسان، والانفتاح على القوى المحلية لتوسيع المشاركة في الحياة السياسية”، بحسب ما قاله خليفة لعنب بلدي.
دوافع اقتصادية وأمنية وسياسية
بينما بدا قرار التصويت خطوة مفصلية في التحول الأمريكي تجاه دمشق، فإن فهم خلفياته يكشف أن الأمر لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل نتيجة تراكم اعتبارات معقدة وتشابك مصالح داخلية وخارجية.
ولم تتجه الإدارة الأمريكية نحو هذا المسار إلا بعد مراجعة شاملة لتداعيات استمرار العقوبات على مسار الاستقرار الإقليمي، وعلى موقع واشنطن نفسه في خريطة التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار، تتقاطع عدة عوامل دفعت صناع القرار في واشنطن إلى إعادة حساباتهم وفتح الباب لنهج أكثر مرونة تجاه سوريا.
وحول الدوافع، أوضح الباحث في الشؤون العربية علي فوزي ثلاثة مسارات تقف خلف القرار الأمريكي:
اعتبارات اقتصادية تتعلق برغبة واشنطن في فتح باب الإعمار وإحياء الاقتصاد السوري بما يخدم مصالح إقليمية ودولية.
ضرورات أمنية تمنع ترك الساحة السورية لفراغ قد تستغله الجماعات المتطرفة أو قوى إقليمية منافسة.
حسابات سياسية داخلية تميل لإعادة ضبط أعباء السياسة الخارجية، إلى جانب ضغوط أوروبية وتركية وخليجية لتحريك الملف السوري نحو تسوية جديدة.
استعادة التوازن السياسي
في حديثه إلى عنب بلدي، يرجح الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي أن رفع العقوبات عن دمشق يُنظر إليه كمدخل لاستعادة التوازن الاقتصادي والسياسي في سوريا، بما يسمح بإعادة انفتاح دولي عليها بعد سنوات من القيود التي فرضها قانون “قيصر” ومنع أي تعامل رسمي مع الحكومة السورية.
ويرى “الجمهوريون” أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يمرّ عبر الملف السوري تحديدًا، ما دفعهم لدعم الإدارة الأمريكية في خطوة رفع العقوبات بعد أكثر من أربعة عقود من إجراءات العزل الاقتصادي، ويهدف هذا المسار إلى إعادة تنشيط العلاقات بين واشنطن ودمشق وتقليص نقاط التوتر بما يخدم الرؤية الأمريكية لمنطقة أكثر استقرارًا وأقل استنزافًا.
اختبار لدمشق
بحسب مسودة وثيقة أُعدت في إطار قانون تفويض الدفاع الوطني، فإن رفع القانون يتطلب مراجعة الوضع في سوريا كل 180 يومًا على مدى أربع سنوات، لضمان اتخاذ دمشق الإجراءات المناسبة.
وحددت المادة المجالات التي يجب على الحكومة السورية التقدم فيها، وهي:
العمل مع الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم “الدولة” ومنع عودته.
إبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة والأجهزة الأمنية.
حماية الأقليات الدينية والعرقية وضمان تمثيلها بشكل عادل.
الامتناع عن أي عمل عسكري غير مبرر ضد الدول المجاورة.
تنفيذ اتفاق 10 من آذار (بين الحكومة السورية و”قسد”) بما في ذلك الإجراءات الأمنية والسياسية.
مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب وأنشطة الانتشار.
محاكمة الأفراد المسؤولين عن انتهاكات “جسيمة” لحقوق الإنسان، منذ 8 من كانون الأول 2024.
اتخاذ خطوات يمكن التحقق منها لوقف إنتاج وتهريب المخدرات، بما في ذلك “الكبتاجون”.
ويرى الباحث في الشؤون العربية علي فوزي أن البنود التي حدّدتها مسودة القانون، تشكّل معايير رقابية واضحة قابلة للقياس، لكن تنفيذها، بحسب فوزي، يواجه جملة من التحديات، أبرزها:
هشاشة المؤسسات الرسمية واستمرار نفوذ المجموعات المسلحة.
الارتباطات الإقليمية لبعض القوى داخل سوريا، ما يعرقل إعادة هيكلة مراكز القرار.
الفساد الاقتصادي واحتكار شبكات النفوذ لملفات الإعمار.
انعدام الثقة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والمكوّنات المحلية، مما يجعل اتفاق 10 من آذار بحاجة لضمانات دولية حقيقية.
وأشار فوزي إلى أن واشنطن ستنتقل من سياسة “المحاسبة عبر العقوبات” إلى “الإدارة عبر التقييم”، بينما ستتعامل أوروبا بتفاوت بين دول منفتحة على إعادة العلاقات تدريجيًا وأخرى ستربط أي خطوة بملفات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.
واعتبر أن مجمل التحركات من شأنها إعادة صياغة المشهد السوري خارجيًا، بحيث تكون العودة التدريجية مشروطة بمدى التزام الحكومة السورية بخريطة المطالب الدولية.
ترتيب البيت الداخلي
أما الكاتب السياسي درويش خليفة، فيعتقد أن العامل الحاسم في رفع العقوبات نهائيًا، هو ترتيب البيت الداخلي، في ظل تشتت جغرافي ومجتمعي، وانتشار السلاح، وتعدد التدخلات الخارجية.
ويرجح أن ضبط هذه العناصر شرط أساسي لعودة مسار الدولة لتتقاطع فيها القوى المتحركة مع الطريق المؤدي إلى دمشق.
ربما تتباطأ الحكومة في تطبيق مطالب الولايات المتحدة، تحت ذرائع عدة، منها مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وضعف الإمكانات الذاتية، لكن هذا سيرتب عليها ضغوطًا متزايدة، وخاصة أن إصدار تقريرين سلبيين من الرئيس الأمريكي للكونجرس سيؤدي إلى تغير في العلاقة مع السلطات السورية، حسب تعبير خليفة.
انفتاح مشروط
بدوره، يعتقد الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، أن الانفتاح الأمريكي مشروط بعدم إشعال المنطقة أو الدفع نحو صدامات، ولا سيما مع إسرائيل، إلى جانب ضمان عدم عودة الوجود الإيراني والميليشيات الموالية له إلى سوريا.
هذا التحول يُعدّ مؤشرًا على انتقال الدبلوماسية السورية نحو مقاربة أكثر انفتاحًا على الغرب، بعد أن كانت لسنوات مرتبطة بالمحور الشرقي، وبذلك تقترب دمشق اليوم من السياسات الغربية وتخرج من تصنيفات ومحاور الصراع التقليدية، قال علاوي.
ولا يتوقع علاوي حدوث مراجعات جوهرية للسياسات الجديدة، إذ يقتصر الدور الأمريكي على مراقبة الأوضاع الميدانية والتدخل عند أي خرق للتفاهمات.
وتراهن واشنطن على قدرة الحكومة السورية على تعزيز السيطرة داخل البلاد، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتهيئة مناخ يسمح بدخول الشركات والاستثمارات بما يخفف من أي تبعات مستقبلية محتملة، بحسب ما أوضح علاوي.
ما المطلوب من الحكومة السورية؟
رغم أن التصويت على رفع قانون “قيصر” شكّل تحولًا لافتًا في الموقف الأمريكي، فإن ذلك لا يعني أن الطريق بات مفتوحًا بلا شروط أمام دمشق.
فالإلغاء، حسب الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، بقدر ما يمثل انفراجًا اقتصاديًا وسياسيًا، يأتي مقرونًا بتوقعات واضحة من واشنطن والمجتمع الدولي لضمان استقرار ما بعد العقوبات.
وبذلك، ينتقل العبء الآن إلى الجانب السوري، الذي يجد نفسه أمام مرحلة اختبار حقيقية تتطلب خطوات ملموسة لتعزيز الثقة، وتأكيد الجاهزية للانخراط في مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والدولية.
الحكومة السورية أمام اختبار كبير، ونجاحها في تحويل التصويت الأمريكي إلى مكسب سياسي واقتصادي يعتمد على اتخاذ سلسلة خطوات عاجلة، بحسب فوزي، أبرزها:
إطلاق عمليات ميدانية حقيقية ضد فلول تنظيم “الدولة”، وإتاحة تقارير موثوقة حول النتائج.
إبعاد المقاتلين الأجانب من مواقع القرار وإعلان خطة تنفيذية واضحة بشأنهم.
تطبيق اتفاق 10 من آذار مع “قسد” بصورة شفافة، بما يشمل الإجراءات الأمنية والسياسية المطلوبة.
إصدار قرارات تضمن حماية الأقليات وتفعيل آليات شكاوى مستقلة.
مكافحة الفساد وفتح عطاءات الإعمار بآليات شفافة وخاضعة لرقابة محلية ودولية.
التحرك دبلوماسيًا لشرح خطة الاستجابة للشركاء في الكونجرس والعواصم الأوروبية.
ويخلص فوزي إلى أن القرار الأمريكي يفتح نافذة سياسية نادرة لسوريا، لكن استثمارها يتوقف على الإرادة الواقعية لدى دمشق، فالفرصة متاحة لإعادة بناء الدولة واقتصادها، أما تجاهل الشروط فسيعيد البلاد إلى دائرة الضغط والعقوبات بشكل أشد تنظيمًا.
“قيصر” والاقتصاد السوري
يُنتظر من الحكومة السورية تسريع إصدار التشريعات الاقتصادية، وتطوير بيئة عمل أكثر مرونة لجذب الشركات ورؤوس الأموال، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية لتهيئة الظروف الملائمة لإعادة الإعمار.
ومنذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية العقوبات على دمشق، تأثرت مختلف قطاعات الاقتصاد السوري بشكل كبير، ما جعل من مسألة رفع هذه العقوبات أو تعديلها موضوعًا بالغ الأهمية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.
الحد من هيمنة السوق السوداء
قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في 16 من أيلول الماضي، إن الحوالات المالية إلى سوريا تمثل “شريان حياة” للاقتصاد السوري، وإن التحويلات من الإمارات العربية المتحدة وحدها تتراوح بين 700 و800 مليون دولار سنويًا.
وتوقع الحصرية نموًا “كبيرًا” في القطاع المصرفي السوري خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن عدد المصارف سيصل إلى ما بين 30 و35 مصرفًا محليًا وأجنبيًا وعربيًا، وأكد أن سوريا ستمتلك حينها سياسة نقدية فعالة قادرة على تحقيق النمو واستقرار الأسعار، مع عودة واسعة للاستثمارات والمشاريع الكبرى.
الباحث الاقتصادي والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، يرى أن الانتقال لن يكون سريعًا، فالمصارف المراسلة ستتحرك بحذر نتيجة سياسات الحد من المخاطر وتكاليف إعادة فتح العلاقات الدولية، إلى جانب الحاجة الملحّة لتطوير أنظمة الامتثال مثل: اعرف عميلك (KYC) واعرف عملك (KYB).
ومع ذلك، أشار فيف إلى وجود اتجاه واضح نحو إعادة تفعيل القنوات الرسمية، مع مؤشرات على عودة استخدام نظام “سويفت” وتوسّع المنظومة الرقابية، ما يمهّد لانتقال تدريجي من الحوالات غير الرسمية إلى قنوات مؤسساتية أكثر شفافية.
ويذهب الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري، في الاتجاه نفسه، ويرى أن رفع العقوبات سيمنح الجهاز المصرفي فرصة للاندماج مجددًا في البيئة المالية الإقليمية والدولية، بشرط أن ترافقه إصلاحات داخلية حقيقية.
ويشير المصري إلى أن تحديث البنية التحتية المصرفية، وتعزيز آليات التحقق من العملاء ومكافحة غسل الأموال، هي الخطوة الأولى نحو إعادة تفعيل القنوات الرسمية، ما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على الحوالات غير المنظمة.
ويتقاطع ذلك مع تقدير الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، الذي اعتبر في حديثه إلى عنب بلدي أن رفع العقوبات يوفّر فرصة مهمة للجهاز المصرفي كي يعيد بناء مكانته، بشرط أن ترافقه إصلاحات جدية في البنية التقنية والقانونية، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال.
ويرى حلبي أن استقلالية مصرف سوريا المركزي ووضوح سياسته النقدية عنصران مهمان لاستعادة الثقة وتخفيف دور السوق السوداء، وأن أي تحول حقيقي يتطلب أيضًا تطوير الكوادر المصرفية وتحديث الأنظمة التشغيلية.
وبرأي الخبراء، فإن إنهاء هيمنة “السوق السوداء” لن يكون بضربة واحدة، لكنه مسار تدريجي يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم بدائل موثوقة وآمنة للمواطنين وللمتعاملين الماليين داخل البلاد وخارجها.
تأثير الإلغاء على قيمة الليرة السورية
ارتفعت قيمة الليرة السورية بعد تصويت مجلس النواب الأمريكي، في 10 من كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع، لكنها عاودت التراجع مجددًا مع افتتاح السوق في 13 من كانون الأول.
وأوضح المحلل والباحث الاقتصادي بنجامين فيف، أن رد الفعل الأول للسوق يرتبط عادة بالانطباعات الإيجابية، وهو ما يفسر الارتفاع السريع الذي سجلته الليرة مع تقدم التصويت الأمريكي باتجاه الإلغاء، لكن فيف يشير إلى أن هذا التحسن لا يمكن اعتباره مؤشرًا كافيًا على التعافي، إذ يبقى تأثيره مرهونًا بمدى قدرته على الاستمرار، وبوجود تدفقات مالية حقيقية عبر قنوات رسمية وسياسات نقدية موثوقة تدعم الاستقرار.
ويرى فيف أن تحسن الليرة، رغم فوائده في تخفيف التضخم المستورد وبث بعض الثقة في الأسواق، قد يحمل آثارًا جانبية إذا تجاوز حده الطبيعي، مثل تراجع القيمة المحلية للتحويلات الخارجية أو تأثر القدرة التنافسية للمنتجات السورية، لذلك، تبقى “الاستدامة” هي الاختبار الأهم، بحسب فيف، فغياب الثقة أو استمرار غياب التدفقات المنظمة قد يجعل التحسن مؤقتًا، ويعيد الأسواق إلى حالة القلق نفسها التي سبقت القرار، في وقت يبحث فيه المستثمرون عن استقرار يمكن توقعه بدلًا من القفزات المفاجئة.
تحسين الواقع المعيشي؟
مع الاتجاه نحو رفع العقوبات، يتساءل الشارع السوري حول الكيفية التي سينعكس بها ذلك على حياتهم اليومية، في ظل تدهور طويل أصاب مستويات الدخل والقدرة الشرائية.
يرى الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، أن التحسن المعيشي لن يتحقق بمجرد تخفيف القيود، بل يتطلب عامًا على الأقل من العمل المتواصل لإعادة تنشيط القدرات الإنتاجية المحلية، خصوصًا في القطاعات الزراعية والصناعات الغذائية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي.
ويشير حلبي في حديثه إلى عنب بلدي إلى أن الاستثمار في إنتاج القمح والشعير والزيتون، وتوسيع مشاريع الطاقة الجديدة، وإعادة تأهيل شبكات الاتصالات، يمكن أن يزيد الإيرادات العامة ويتيح خيارات استيراد أكثر توازنًا، بما يخفف الضغط على الأسعار ويحمي المنتجات المحلية في الوقت نفسه.
من جانبه، يربط الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري، بين رفع العقوبات وبين قدرة المواطنين على تحسين مستوى معيشتهم من خلال خلق بيئة استثمارية أكثر نشاطًا، فمع عودة التحويلات عبر القنوات الرسمية وتراجع الاعتماد على السوق السوداء، يتوقع المصري انخفاض تكاليف التحويلات وسرعتها، ما ينعكس مباشرة على دخل الأسر.
كما يرى المصري أن دخول الشركات الجديدة وزيادة المنافسة سيؤثر على الأسعار نحو الانخفاض، بينما يسهم تشغيل اليد العاملة في رفع الدخل وتحريك السوق، وقد تكون إزالة “العقبة الخارجية”، المتمثلة بالعقوبات، الخطوة الأولى فقط، إلا أن تحسين الواقع المعيشي يتطلب استقرارًا داخليًا وتشريعات واضحة تشجع المستثمرين على العمل داخل البلاد، حتى تتحول هذه التوقعات الاقتصادية إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن.
السوريون متفائلون
يتفاءل الشارع السوري بتحسن الواقع الاقتصادي في سوريا مع إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون “قيصر”، وبحسب استطلاع إلكتروني أجرته عنب بلدي على موقعها الإلكتروني، يعتقد 54% من المصوتين الـ552 أن الواقع الاقتصادي في سوريا سيتحسن بشكل ملحوظ بعد رفع عقوبات “قيصر”.
بينما يعتقد 27% بأن التحسن سيكون محدودًا بسبب الأزمات الداخلية التي لا تزال تعيشها سوريا، و20% فقط من المصوتين رأوا أن رفع العقوبات لن يؤثر أبدًا على الواقع الاقتصادي السوري.
من مذكرات تفاهم إلى مشاريع على الأرض
وثق مركز “كرم شعار للاستشارات” مذكرات تفاهم بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار أمريكي في 31 من تشرين الأول الماضي، وبلغ عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها سوريا منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول 2024 نحو 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات النقل الجوي والمواني والجسور والطاقة والصحة والتعليم والزراعة والإغاثة.
ومع تراجع العقبات الخارجية التي كان أبرزها قانون “قيصر”، تبدو مذكرات التفاهم الموقعة خلال الفترة الماضية أمام فرصة حقيقية للانتقال من الأدراج إلى التنفيذ الفعلي، بحسب ما يرى الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري.
ومن المتوقع أن يفتح رفع القيود عن التحويلات المالية الطريق أمام بدء تنفيذ مشاريع متوقفة خلال أشهر قليلة، شرط استكمال المسار الإجرائي الذي يفرض على الحكومة السورية رفع تقارير دورية كل ستة أشهر لضمان الالتزام بالمعايير المطلوبة.
ويرى المصري أن هذه الرقابة تمنح المستثمرين درجة أعلى من الاطمئنان، بعد ما كانت العقوبات السبب المباشر في تجميد عدد كبير من الاتفاقيات.
لكن تحويل هذه المذكرات إلى مشاريع ناجزة يتطلب، وفق الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، إصلاحات أعمق داخل البيئة التشريعية والإدارية في سوريا، فغياب الشفافية وضعف الحوكمة كانا من أبرز الأسباب التي جعلت الاستثمار متوسط وطويل الأجل محفوفًا بالمخاطر.
ويرى حلبي أن تحسين بيئة الأعمال لن يتحقق دون مراجعة القوانين الناظمة، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، إضافة إلى تفعيل دور غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال، مقابل تقليص الدور التنفيذي للحكومة مع بقاء دور إشرافي ورقابي وتخطيطي حكومي، معزز بصلاحيات واضحة للجان المختصة في مجلس الشعب القادم.
وبرأي حلبي، فإن نجاح هذه المنظومة شرط أساسي لانتقال مذكرات التفاهم من مرحلة التوقيع إلى واقع اقتصادي يمكن قياسه على الأرض.
عنب بلدي
———————–
من العقاب إلى الاحتواء: ماذا يعني إلغاء “قيصر” لمسار سوريا السياسي/ معاذ الحمد
إلغاء “قيصر”.. مسار أميركي جديد بين التحوّل المؤسسي واستمرار القيود
2025-12-15
يُنظر إلى إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن تشريع الدفاع بوصفه مؤشراً على تحوّل في مقاربة واشنطن للملف السوري، حيث بات مرتبطاً بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، مع فتح نافذة سياسية واقتصادية أمام الحكومة السورية الانتقالية. وفي مقابل الحديث عن فرصة لتعزيز الشرعية وإعادة الإعمار، تبرز مقاربات تؤكد أن هذه الخطوة لا تغيّر توازنات القوى الإقليمية، ولا تلغي أدوات الرقابة والمساءلة، ولا تنهي التباينات الدولية حول مستقبل سوريا وملفاتها الشائكة.
تحوّل أميركي
في هذا السياق، أقرّ مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي، مشروع قانون إلغاء عقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا، ضمن التصويت على تفويض الدفاع للعام الجديد، بعد مداولات عديدة وإعادة للتصويت مرتين، حيث صوّتت غالبية أعضاء المجلس لصالح مشروع القانون.
في قراءة أميركية لهذا التطور، تقول هبة القدسي، مديرة مكتب جريدة الشرق الأوسط في واشنطن، لـ”963+” إن إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن قانون ميزانية الدفاع، يشكّل “دليلاً واضحاً على تحوّل جوهري في أولويات الكونغرس تجاه سوريا”، معتبرة أن هذا التطور يعكس رؤية جديدة لدمشق بوصفها “شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار الإقليمي”، وليس دولة عدوة كما كان يُنظر إليها سابقاً.
وتوضح القدسي أن وضع الإلغاء ضمن ميزانية الدفاع، لا في تشريع منفصل، “يعكس قناعة متنامية داخل الكونغرس بأن الملف السوري بات جزءاً من الأمن القومي الأميركي، المرتبط بأمن إسرائيل ومحاربة تنظيم داعش، وليس مجرد أداة عقابية ذات طابع إنساني”.
وفي ما إذا كان هذا التحول مؤسسياً أم ظرفياً مرتبطاً بإدارة الرئيس دونالد ترامب، تقول القدسي إن “المؤشرات تدل على مزيج من العاملين”، مشيرة إلى أن الإلغاء جاء نتيجة جهود ديبلوماسية مكثفة من الحكومة السورية الانتقالية، مدعومة بالشتات السوري وضغوط إقليمية من حلفاء واشنطن، إلى جانب تعهّدات مباشرة من ترامب عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مايو 2025، وإصداره أمراً تنفيذياً مؤقتاً في يونيو الماضي”.
وتضيف أن “التصويت الواسع داخل مجلس النواب، بدعم من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يعكس توافقاً مؤسسياً يتجاوز الإدارة الحالية”، لافتة إلى أن الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون بعد انتخابات 2024 “يرى في إلغاء قيصر فرصة لإعادة توجيه الموارد الأميركية نحو تهديدات أكبر مثل الصين، مع الحفاظ على رقابة تشريعية صارمة”.
وفي مقابل هذه القراءة، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر، رئيس المركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث في بيروت، لـ”963+” إن إلغاء القانون “لن يؤثر على توازنات القوى الإقليمية”، لكنه سيسهم بشكل مباشر في “مساعدة سوريا على إعادة الإعمار واستعادة عافيتها الاقتصادية”.
رقابة مستمرة
وفي ما يتعلق بآليات الرقابة، تؤكد القدسي أن المراجعات الدورية كل 180 يوماً تُعد “أداة كلاسيكية للرقابة التشريعية تهدف إلى موازنة السلطات”، موضحة أن القانون يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير تثبت التزام الحكومة السورية بمحاربة “داعش”، وحماية حقوق الأقليات، ومنع التجنيد الأجنبي، وعدم الانخراط في أعمال عسكرية غير مبررة ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، مع إمكانية إعادة فرض عقوبات جزئية في حال الإخلال بهذه الشروط.
وترى القدسي أن هذه الآلية تمثل “مزيجاً من الضغط السياسي وضمان الالتزام”، معتبرة أنها تشكل “عصاً معلّقة” فوق الحكومة السورية الانتقالية لدفعها نحو الإصلاحات الداخلية والتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه أداة يضمن بها الكونغرس استمرارية السياسة الأميركية تجاه سوريا عبر الإدارات المقبلة.
وفي الشأن الإقليمي، تقول القدسي إن إلغاء قانون قيصر “يندرج ضمن استراتيجية احتواء ذكي تستهدف تقليص النفوذ الروسي والإيراني في سوريا”، خاصة في ظل محاولات موسكو الحفاظ على قواعدها العسكرية، وتراجع نفوذ طهران بعد سقوط النظام السابق، مشيرة إلى أن الدعم المالي الأميركي المرافق للإلغاء “يهدف إلى تعزيز الحكومة الانتقالية ومنع الانهيار الاقتصادي الذي قد يعيد إنتاج الفوضى والإرهاب”.
رهانات داخلية
وفي السياق الداخلي السوري، يقول سامر كعكرلي، سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي السوري، لـ”963+” إن البيان القانوني المتعلق برفع العقوبات يشكّل “نصاً قصيراً لكنه يفتح نافذة مهمة لتعزيز شرعية الحكومة الانتقالية، داخلياً وخارجياً”، معتبراً أن هذه الخطوة تعبّر عن سعي الطبقة السياسية إلى استعادة أدوات الدولة وإعادة وضعها في حالة توازن داخل المنظومة الدولية.
ويوضح كعكرلي أن البعد الخارجي لرفع العقوبات يتمثل في “محاولة إثبات قدرة الدولة السورية على مواجهة التحديات، والتعامل معها كجزء من المجتمع الدولي”، لافتاً إلى أن تراجع النفوذ الروسي والإيراني، ولا سيما في قطاع النفط، يتيح هامشاً أوسع للسياسة الخارجية السورية لتكون “أكثر استقلالية أو أقل ارتباطاً بمصالح قوى خارجية”.
وعلى المستوى الداخلي، يرى كعكرلي أن تحسن مستوى المعيشة بعد عام على تشكيل الحكومة الانتقالية “قد يسهم في تعزيز شرعيتها الشعبية”، مؤكداً أن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً للمطالبة بإصلاحات أوسع، تشمل رفع كفاءة الإدارة، وتحسين الخدمات، وإلغاء القيود التي فرضتها العقوبات، إلى جانب الالتزام بخطط اقتصادية واضحة، وتنشيط التبادل التجاري، وإطلاق برامج تدريبية، وتفعيل مؤسسات الرقابة.
وفي مقابل الرهانات الاقتصادية، حذر كعكرلي من تحديات مؤسسية قد تواجه الحكومة الانتقالية، أبرزها “خطر استبدال النفوذ الداخلي بنفوذ خارجي ناجم عن تدفق رؤوس الأموال من دون أطر رقابية قوية، ما قد يؤدي إلى نشوء مصالح جديدة ومستويات فساد مختلفة، إضافة إلى احتمالات الفوضى وضياع الحقوق القانونية في ظل غياب الخبرة المؤسسية، والضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة”.
ويؤكد أن تدفق الاستثمارات “لا يصنع دولة بحد ذاته”، بل يجب أن يُستخدم كأداة لتحسين أداء المؤسسات، من خلال الاعتماد على كوادر أكاديمية ومحاسبية متخصصة، وتوزيع الموارد بشكل عادل، مشيراً إلى أن تزايد المطالب الشعبية بتحسين مستوى المعيشة سيشكل أحد أكبر التحديات في المرحلة المقبلة.
ويشدد كعكرلي على ضرورة أن تتجاوز الحكومة الانتقالية هذه التحديات عبر “اشتراط نقل التكنولوجيا مع الاستثمارات، وتطبيق مبادئ الحوكمة، وتعزيز الرقابة الإدارية، وإصلاح القطاع العام ليبقى خزان خبرة في مواجهة التوسع المتوقع للقطاع الخاص، ولا سيما الأجنبي”، مشدداً على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية والتشريعية فوراً باعتبارها “صمام أمان” أمام موجة عقود إعادة الإعمار المرتقبة.
وفي ما يتعلق بملف المحاسبة والعدالة الانتقالية، يؤكد كعكرلي أن رفع العقوبات يجب أن يكون مشروطاً بمعايير واضحة للمساءلة، محذراً من أن الانفتاح الاقتصادي قد يتحول إلى ذريعة لتجاوز هذا الملف تحت عناوين إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات، إذا لم يُرفق بخطط شفافة ومؤسسية لمتابعة الجرائم.
وختم كعكرلي بالقول إن “رفع العقوبات القسرية ليس نهاية الطريق”، مؤكداً أن الحكومة الانتقالية المنشودة “ليست حكومة صفقات دولية، بل حكومة توزيع عادل للموارد على السوريين”.
وفي مقاربة موازية للمشهد الإقليمي، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر لـ”963+” إن أدوار القوى الإقليمية في الملف السوري ما تزال متباينة، مشيراً إلى أن “تركيا في موقع، والسعودية في موقع آخر، وإيران في موقع مختلف أيضاً”، مؤكداً أن لكل دولة مصالحها الخاصة في مسار الانتقال السياسي السوري، بين الدعم والعرقلة.
وحول المخاطر الإقليمية المحتملة لرفع العقوبات، يرى جابر أن التباين بين واشنطن وبعض العواصم الإقليمية “أمر حتمي”، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل شرق الفرات، ودور “قسد”، والوجود العسكري المتعدد داخل الأراضي السورية، إلا أنه يؤكد أن هذا التباين “لن ينعكس سلباً على مسار رفع العقوبات”.
ويختم جابر بالقول إن “الاختلافات الإقليمية والدولية ستستمر”، لكنها “لن تشكل عائقاً أمام تخفيف أو رفع العقوبات، طالما أن القرار الأميركي يسير في هذا الاتجاه”.
وكان قد أعرب النائب الأميركي جو ويلسون عن امتنانه لإقرار الإلغاء الكامل لقانون “قيصر”، معرباً عن تطلعه لإقراره سريعاً في مجلس الشيوخ ثم توقيعه من الرئيس الأميركي، مشيراً إلى أن الإلغاء جاء شاملاً ودون أي شروط بعد إزالة بند إعادة فرضه تلقائياً، وتحويل صلاحية فرض العقوبات إلى الرئيس الأميركي بحق أفراد بدلاً من القانون.
وبحسب وكالة “سانا” الرسمية، جاء هذا التطور عقب جهود ديبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة ومنظمات سورية أميركية، إضافة إلى مساندة دول شقيقة وصديقة، علماً أن “قانون قيصر” الصادر عام 2019 فرض عقوبات واسعة استهدفت أفراداً ومؤسسات مرتبطة بنظام بشار الأسد حتى الإطاحة به أواخر عام 2024.
+963
———————————
إلغاء قانون قيصر: كواليس الجهود السورية الأميركية/ أيهم الشيخ
14 ديسمبر 2025
يُعد تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” نقطة تحول حاسمة في تطور العلاقات بين واشنطن ودمشق، إذ يُجسد تغييرًا جذريًا في السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد فترة طويلة من العزلة والعقوبات الصارمة.
لم يكن التقدم نحو إلغاء “قانون قيصر” قرارًا مفاجئًا أو منعزلًا، بل نتيجة لعملية سياسية وتشريعية معقدة، تجمعت فيها مساعٍ إقليمية ودولية قادتها بشكل أساسي المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، إلى جانب جهود دبلوماسية سورية مكثفة، ودور متزايد للجالية السورية في الولايات المتحدة.
وقد التقت هذه الجهود مع توجه داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز على تعزيز استقرار سوريا، ومنع عودتها إلى حالة الفوضى أو تحولها إلى ميدان للصراعات المفتوحة.
في حديث خاص لموقع “الترا سوريا”، كشف الدكتور سامر الصفدي، عضو المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار، عن الجهود الرئيسية التي بذلها اللوبي السوري الأميركي لإلغاء قانون قيصر في الكونغرس الأميركي.
وأوضح الصفدي أن هذه الجهود جاءت بعد سقوط النظام السابق، مشيرًا إلى مواجهة عقبات من لوبيات أخرى، بما في ذلك اللوبي الإسرائيلي “إيباك”، بالإضافة إلى معارضة محدودة من بعض السوريين المؤيدين للنظام البائد في الولايات المتحدة.
أجاب الصفدي على سؤال حول الجهود الرئيسية لإلغاء قانون قيصر، قائلًا إن اللوبي السوري الأميركي تفاعل مع عدد كبير من أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ لدفعهم نحو التصويت لرفع القانون.
وأضاف: “كان هذا التفاعل عبارة عن اجتماعات مستمرة منذ سقوط النظام البائد، بالإضافة إلى دعوات لأعضاء الكونغرس للقاء أبناء الجالية السورية لتوضيح ضرورة رفع قانون قيصر عن سوريا”.
وأكد أن هناك عقبات من مصادر أخرى، أبرزها اللوبي الإسرائيلي “إيباك”، وعدد قليل من السوريين في أمريكا الذين ما زالوا مؤيدين للنظام السابق، مشيرًا إلى أن هؤلاء فشلوا في محاولاتهم لعرقلة الإلغاء.
وفيما يتعلق بوجود شروط سرية أو غير معلنة لضمان تمرير الإلغاء في مجلس النواب، وكيف تحولت الشروط السابقة إلى توصيات غير ملزمة، نفى الصفدي وجود أي شروط سرية.
وقال: “لم يكن هناك أي شروط سرية لضمان تمرير الإلغاء في مجلس النواب، بل كانت عملية إقناع من خلال الجلوس مع أعضائنا ونوابنا في مجلس النواب وإقناعهم بأن رفع العقوبات أو إلغاء قانون قيصر يجب أن يكون غير مشروط”.
وأشار إلى أن الجلسات كانت طويلة، وأن الحكومة السورية الحالية لعبت دورًا كبيرًا في إقناع النواب، خاصة النائب براين ماست، الذي التقى الرئيس أحمد الشرع شخصيًا وقنعه بأهمية الرفع غير المشروط.
كما ساعدت الإدارة الأميركية، بما في ذلك الرئيس الأميركي والسفير تام باراك، في هذا الجهد، موضحًا أن الإقناع ركز على أن الرفع المشروط سيؤثر سلبًا على تحريك العجلة الاقتصادية ودخول الاستثمارات إلى سوريا، مما أدى إلى نجاح الجهود في رفع العقوبات بشكل غير مشروط.
أما بالنسبة لدور الجالية السورية في واشنطن في الضغط على النواب، وكيف سيساهم ذلك في تعزيز الدعم الأميركي لسوريا الجديدة، فأكد الصفدي أن الدور كان كبيرًا من خلال التفاعل مع النواب في مجلس النواب الأميركي.
وقال: “لن يتوقف هذا الدور حتى بعد رفع العقوبات، بل على العكس، سنستمر في العمل من أجل سوريا”.
وأوضح أن الجهود ستتحول الآن من دعم رفع العقوبات إلى دعم اقتصادي لسوريا من قبل الولايات المتحدة، من خلال الضغط على أعضاء الكونغرس لمساعدة سوريا اقتصاديًا، وفتح مجالات الاستثمار، ودعم الشركات الأميركية، وتسهيل أمورها في سوريا.
لم يكن إلغاء “قانون قيصر” تشريعًا مستقلًا، بل جرى تضمينه في حزمة تشريعية أوسع وأكثر أهمية، وهي “قانون تفويض الدفاع الوطني”، الذي يُعدّ إلزاميًا من أجل تمرير ميزانية وزارة الحرب الأميركية، الأمر الذي يفسر الدعم القوي الذي حظي به من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وفي تصريح خاص لموقع “الترا سوريا”، أكد خالد الصعيدي، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP)، أن إلغاء قانون قيصر ضمن مسار إقرار قانون الدفاع الأميركي (NDAA) يمثل تحولًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا لسوريا.
وأوضح الصعيدي أن هذا الإجراء يخفف القيود التي كانت تعيق التعاملات التجارية والمالية، ويقلص مخاطر “العقوبات الثانوية” التي منعت الشركات والبنوك الأجنبية من العمل في السوق السورية.
يتمثل الأثر الاقتصادي المباشر لهذا الإلغاء في تحسن مناخ الأعمال وعودة تدريجية للتجارة الرسمية والتحويلات المصرفية، مما ينعكس إيجابًا على توافر العملات الأجنبية.
ومن المتوقع أن تكون قطاعات الطاقة والبناء من أوائل المستفيدين، من خلال مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، مثل محطات الكهرباء، وشبكات النقل والإسكان.
على الصعيد النقدي، قد تشهد الليرة السورية تحسنًا نسبيًا أو استقرارًا مرحليًا نتيجة زيادة التدفقات المالية وانخفاض الاعتماد على السوق السوداء.
ومع ذلك، يبقى هذا الأثر محدودًا دون إصلاحات مالية ونقدية موازية، كما أشار الصعيدي.أما فيما يتعلق بجذب الاستثمارات العربية، ولا سيما السعودية، فإنها تمثل فرصة استراتيجية، خاصة في مجالات الطاقة، الإسكان، الزراعة، والمواد الإنشائية. وشدد الصعيدي على أهمية توفير ضمانات قانونية، آليات تحكيم دولي، وبيئة أعمال شفافة لضمان نجاح هذه الاستثمارات.
ويبقى التحدي الأبرز في الجانب الأمني والاستقرار، إذ إن أي استثمار أجنبي طويل الأجل مرتبط بشكل مباشر بوضوح المشهد الأمني، واستدامة الاستقرار، وقدرة الدولة على حماية المشاريع ورؤوس الأموال.
وختم الصعيدي بأن التعافي الاقتصادي الحقيقي لن يتحقق برفع العقوبات وحده، بل بتكامل الإصلاح الاقتصادي مع الاستقرار الأمني والمؤسساتي.
وفي حديث لموقع “الترا سوريا” كشف المستشار السياسي والاقتصادي الأميركي طارق نعمو عن التفاصيل الخفية وراء إلغاء “قانون قيصر” الذي فرض عقوبات قاسية على سوريا لسنوات.
وصف نعمو العملية بأنها “ثمرة جهود سياسية وتشريعية ممتدة، بدأت خارج قاعات الكونغرس وانتهت داخلها، بعد صراع معقد أدى إلى تحول جذري في نظرة الإدارة الأميركية إلى الواقع السوري الجديد”.
زيارة فكّت الجمود السياسي
أوضح نعمو أنه، بعد نيسان/ أبريل الماضي، وفي ظل تجميد شبه كامل للملف السوري في واشنطن، استفاد من علاقته الشخصية الوثيقة بعضو الكونغرس كوري ميلز – حيث يقيمان في الحي ذاته بولاية فلوريدا – ليفتح حوارًا مختلفًا.
لم يركز النقاش على العقوبات مباشرة، بل على أهمية رؤية التغييرات في سوريا ميدانيًا بعيدًا عن التقارير القديمة.
بناءً على ذلك، رافق نعمو النائب ميلز في رحلة إلى سوريا لم تكن رسمية بروتوكولية، بل استطلاعية سياسية تهدف إلى استيعاب التحولات العميقة التي شهدتها البلاد.
وبعد العودة، أثار ميلز داخل الإدارة الأميركية نقاشًا حاسمًا: هل يؤدي استمرار العقوبات إلى تحويل سوريا إلى نموذج فاشل مشابه للعراق أو ليبيا؟ أم أن الانخراط المدروس أفضل للمصالح الأميركية وأقل تكلفة؟
يقول نعمو: بدأ التغيير التدريجي في التوجه السياسي بواشنطن. من الخلاف الشديد إلى الإلغاء التام، مشيرًا إلى أن عملية إلغاء القانون لم تكن يسيرة، إذ استمرت المناقشات أشهرًا داخل الكونغرس وسط انقسام حاد في مجلس النواب.
ووفقًا للمستشار الأميركي فقد كان هناك تيار يرى في “قيصر” أداة ضغط أساسية، مقابل آخر اقتنع بأن القانون تحول إلى عقاب جماعي يؤثر على الشعب السوري أكثر من كونه آلية سياسية فعالة.
وتابع: “في الأسابيع الأخيرة قبل التصويت النهائي، مارست جهات إقليمية ولوبيات ضغوطًا قوية للحفاظ على القانون أو تمرير نسخة مشروطة تشمل آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات تلقائيًا”.
لكن هذه المحاولات فشلت، يوضح نعمو، لأن الظروف تغيرت جذريًا: النظام السابق الذي استهدفه القانون لم يعد قائمًا، وسوريا دخلت مرحلة انتقالية جديدة، فاستمرار “قيصر” كان سيُعيق الاستقرار وجهود إعادة الإعمار، ما يتعارض مع المصالح الأميركية نفسها.
اختتم نعمو حديثه مؤكدًا أن المناقشات الختامية كانت حامية، لكن إرادة الأغلبية حسمت الأمر لصالح إلغاء كامل غير مشروط، مما يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين واشنطن ودمشق.
الترا سوريا
———————————
“قيصر” يغادر.. فهل يمكن أن يعود؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.12.13
تابع السوريون باهتمام بالغ التصويت على مسألة إلغاء “قانون قيصر” وهو الذي طالما ترك انعكاساته السلبية في الواقع الاقتصادي السوري، ومن ثم المعيشي، لكل السوريين بلا استثناء.
صحيح أن هذا القانون الأميركي بالأساس جاء في مواجهة نظام الإجرام الأسدي، ومن أجل محاصرته وكبح اشتغالاته الكبتاغونية، ومعاداته للإنسانية، واعتداءاته على شعبه بسلاح الكيماوي المحرم دولياً، إلا أنه ترك آثاره وذيوله السلبية على جملة الواقع السوري، وعلى كل حيوات الناس السوريين البسطاء، الذين عاشوا وعايشوا سنوات طويلة من القحط وقلة سبل العيش، والفوات المعيشي، وصولاً إلى حالة ونموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الفاشيست الأسدي قبل 8 كانون أول 2024.
وعندما فر نظام بشار الأسد إلى موسكو، وسقط نظام الاستبداد، لم يعد من مبرر لا منطقياً ولا معقولياً أن يستمر ثقل “قانون قيصر” وكل العقوبات الأخرى كمعوق فعلي لعملية التنمية المزمعة في سوريا، بعد أن مضت سوريا في عملية البناء ومحاولات العمل حثيثاً على الاستقرار داخل أسوار الوطن السوري، وكان مطلباً شعبياً وحكومياً سورياً وكذلك من كل أصدقاء الشعب السوري، أن يتم رفع “قانون قيصر” من فوق كاهل الواقع السوري، ثم يعاد تأسيس العلاقة السورية الغربية ومنها الأميركية بالضرورة على أسس جديدة ومداميك بناء تقطع مع الماضي كلياً وتعيد بناء العلاقات بين سوريا والدول الأخرى وفق صيغة الاحترام المتبادل بين الدول، وعدم التعدي على الآخرين، والالتفات بشكل فعلي، إلى اشتغال حقيقي وجدي على حالة الاستقرار والبناء وإعادة سوريا إلى موقعها الأصلي في بناء نفسها، والتعاون مع كل الدول على طريقة وصيغة المنافع المتبادلة والمشتركة.
ونتيجة جهود دول صديقة وشقيقة للشعب السوري مثل المملكة العربية السعودية والدولة التركية، وكذلك دولة قطر الشقيقة، كان العمل ضمن السياسات الأميركية على الانتهاء من كل القوانين التي تثقل كاهل الشعب السوري ، ثم تنهي سنوات العذاب والقهر والحصار، والتوجه نحو الاستثمار في سوريا، والعمل ضمن مسارات إعادة الإعمار الأكثر ضرورة للسويين جميعاً ، ومن أجل عودة المهجرين قسراً إلى وطنهم مرة أخرى ، وكانت الخطوات جميعها توحي بأن التحرك كان جدياً على مسار الانتهاء من “قانون قيصر” حتى تم التصويت مؤخراً وإيجاباً عليه في مجلس النواب الأميركي، تهيئة لعملية إقراره من مجلس الشيوخ الأميركي، ثم توقيعه النهائي من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو ما يمكن توقعه بالفعل بعد أن مر بسلاسة وانسيابية في مجلس النواب الأميركي.
اليوم وقد تم ذلك، فإن كثيرا من المتابعات والمتطلبات باتت تقع على كاهل الحكومة السورية حتى لا يفكر الأميركان مرة أخرى بالعودة إلى صياغات جديدة لقانون “قيصر” وما يشبه “قيصر”، وحتى لا يتم تعويق مسارات التنمية في سوريا التي سبق وأعلن عنها مراراً وتكراراً وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، من أن عام 2026 سيكون عام التنمية السورية وإعادة البناء، وهو عمل تنموي واقتصادي مهم للغاية لا بد له من الاستمرار، دون معوقات جدية.
ويبدو أن بعض المعوقات مازالت مستمرة ومتتابعة، ومنها بالطبع إشكالية شمال شرقي سوريا، وعدم الوصول بعد إلى آلية تنفيذية تؤدي إلى تطبيق فعلي وملموس لاتفاق 10 آذار 2025، الموقع بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي.
إن التمنع من قبل “قسد” مازال مستمراً، فهي لا تريد تطبيق الاتفاق المذكور، ولا تود الاندماج الجدي والحقيقي داخل المؤسسة العسكرية السورية ومن ثم وزارة الدفاع السوري المركزية، ولا المدنية، إلا وفق شروطها التعجيزية، وخاصة ما يتعلق بموضوع إصرارها على مسألة اللامركزية السياسية، التي ستكون (كما يبدو) مدخلاً أساسياً وإجبارياً للفيدرالية والتقسيم، وهو موضوع دستوري لا يحق لأي فئة سورية فرضه على السوريين جميعاً دون عملية استفتاء ديمقراطية عليه.
كذلك فإن إصرار “قسد” على البقاء ككتلة عسكرية كبرى ووازنة ومتماسكة، دون الموافقة على الاندماج أو التفتيت، داخل أتون المؤسسة العسكرية السورية الرسمية، كل ذلك ومعه مسار كل ما يتعلق بالجنوب السوري، واستمرار مجموعة الهجري العسكرية بخطف محافظة السويداء، والتعلق بإسرائيل، وسياسات بنيامين نتنياهو، وعدم القبول بالتعاطي مع حكومة دمشق مما يخلق حالة من التشظي والانقسام، وخطورة ذلك على المستقبل والواقع السوري، حيث تلعب إسرائيل بهذه المسألة، وتريد المساومة عليها عبر مفاوضاتها المتقطعة مع دمشق، تعويقاً للتفاهم الأمني المزمع بين دمشق وإسرائيل.
كثير من التحديات في سوريا أمام الحكومة السورية، التي من الممكن أن يتكئ عليها الفاعل الاستراتيجي الأميركي والغربي عموماً في لحظة زمنية ما، وبالتالي الانزياح إلى حجج وذرائع كي تعود المسألة إلى المربع الأول في عودة العقوبات لا قدر الله. وهو ما لا يجب أن يكون، ولا أن يصير، إذ إنه يكفي سوريا 14 عاماً من الحصار والقمع والقتل وقلة الحيلة، وبالتالي يفترص أن تعمل الحكومة السورية الحالية على الخروج كلياً من عنق الزجاجة، وإعادة صياغة العلاقة مع الداخل وكذلك الخارج وفق مصلحة السوريين وربط أواصر القربى و الحوار والتواصل بين كل الفئات الأثنية والطائفية والأيديولوجية في الواقع السوري، ومن ثم عدم السماح لأي عملية تعدٍ على أي مكون من مكونات المجتمع السوري وإعادة العمل على صياغة العقد الاجتماعي السوري الوطني الجامع، الذي يتم تأسيسه على فكرة الوطنية السورية أولاً، وإعادة إنتاج دولة المواطنة، ولا غيرها يمكن أن يتقدم عليها، بعد أن غيبها نظام الاستبداد الأسدي عقوداً طويلة، عانى الشعب السوري فيها وطوال 54 عاماً من الفساد والإفساد، وخطف الوطن السوري، وإشاعة جو من الرعب والخوف وقمع الكلمة الحرة ، وكم الأفواه، وتفتيت الواقع السوري، حتى باتت سوريا في آخر سلم حقوق الإنسان عالمياً، بعد أن تم هدر إنسانية الإنسان السوري، وإلغاء السياسة من المجتمع على يد الإجرام الأسدي وحكم العصابة الطغيانية الأسدية.
تلفزيون سوريا
—————————
ماذا بعد إلغاء عقوبات قيصر؟/ رانيا مصطفى
15 ديسمبر 2025
في خطوة من المفترض أن تشكّل فرصةً ثمينةً، من المفترض أن يدخل السوريون العام الجديد (2026) وقد تخلّصوا من عقوبات قانون قيصر لحماية المدنيين لعام 2019، الذي يتيح معاقبة أفراد ومؤسّسات أجنبية تتعامل مع الكيانات السورية الخاضعة للعقوبات الأميركية؛ فبعد أن أقرَّ مجلس النواب الأميركي (10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري) قانون تفويض الدفاع الوطني، والمتضمّن إلغاء هذا القانون، من المتوقّع أن يصوّت عليه مجلس الشيوخ أيضاً بالإيجاب، وأن يوقِّعَه الرئيس دونالد ترامب قبل نهاية العام. وسيقود هذا الإلغاء إلى التخفيف من حالة عدم اليقين التي قيَّدت عمل المصارف والتجارة في سورية، ما سيسمح باندماج سورية دولياً، ويشجّع على الإقبال على الاستثمار في البلاد، ويسهّل حركة الأموال من وإلى سورية.
ورغم دورها المهم في إضعاف نظام الأسد، لم تحمِ عقوبات قيصر المدنيين، كما ينصّ عنوانها، وقد جاءت على خلفية صور قيصر المسرّبة لتعذيب آلاف الضحايا في الأفرع الأمنية السورية، ولم يتأثّر بها الأسد والدائرة المحيطة به مباشرة، لكنّها ضيَّقت دائرة المستفيدين بسبب ضيق الموارد، وهذا يمكن ملاحظته في معظم المراسيم والقرارات التي صدرت في السنوات الخمس الأخيرة من حكمه، وكانت تصبّ في مزيد من تركيز النهب بيد بشّار الأسد وزوجته (أسماء الأخرس)، وقاد ذلك إلى انصراف رجالات النظام إلى الاعتماد على ما يعرف باقتصاد الكبتاغون مورداً أساسياً للنظام والعائلة. في حين أن العقوبات الأميركية شملت مؤسّسات حكومية، ومنها البنك المركزي، وشملت كل من يتعامل مع تلك المؤسّسات المُعاقَبة من أفراد وشركات خارجية، ومنعت استيراد وتصدير النفط ومواد البناء. هذه العقوبات، إلى جانب سياسات النهب والاحتكار وغياب دور الدولة والتضييق على الصناعيين والتجّار لنهب ما في جيوبهم، التي كان يمارسها نظام الأسد على السوريين في مناطق سيطرته، قادت إلى المزيد من الإفقار وتفشّي الفساد وانتشار الاقتصاد الأسود. بالتالي؛ فعقوبات قيصر وباقي العقوبات الأميركية، لم تكن عقاباً للأسد بقدر ما كانت لها تبعات مُدمِّرة لكل بنية الدولة السورية ومؤسّساتها، فيما لم يقدّم الأسد وفريقه الاقتصادي خطّةً استثنائيةً وطنيةً لتجاوز الآثار المُدمِّرة لهذه العقوبات.
كانت عقوبات قيصر سياسيةً بامتياز لإحداث ضغوط على الأسد لتغيير سلوكه وفق مقتضيات المصالح الأميركية، وجاء إلغاءُ القانون من دون أثر رجعي في ما يتعلّق بعودة العمل به، لكنّه يضع شروطاً على السلطة الجديدة، ويتيح للرئيس الأميركي فرض عقوبات جديدة. وبالتالي؛ هو يُخضِع الحكم الجديد أكثر للتبعية الأميركية. معظم الشروط، وإن تلاقى بعضها مع مطالب للسوريين، إلّا أنّها تصبّ في المصلحة الأميركية، وواشنطن غير معنية بشروط الديمقراطية والنظر إلى مطالب الشعب. فقد عاد الأميركيون عبر نصّ إلغاء قيصر إلى ثمانية شروط، تتعلّق بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب الأمنية، وحماية وحقوق الأقليات وتمثيلها العادل، والامتناع عن الأعمال العسكرية غير المبرّرة (أميركياً) ضدّ دول الجوار، ومنها إسرائيل، وتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025) سياسياً وأمنياً، ومكافحة غسيل الأموال والأنشطة المتعلّقة بالإرهاب، ومحاكمة المتورّطين بالانتهاكات المرتكبة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومكافحة المخدّرات واتخاذ خطوات ملموسة لوقف الإنتاج والتهريب. وسيكون الرئيس الأميركي مُكلَّفاً متابعةَ مدى التزام حكومة دمشق بالشروط وإطلاع الكونغرس عليها دورياً. والشروط الأميركية تمسّ سيادة الدولة السورية في ما يتعلّق بفرض عدم مواجهة إسرائيل، خاصّةً أن الأخيرة تحتلّ أجزاء من الجنوب، وتتوغّل في الأراضي وتخرّب الممتلكات وتعتقل السوريين، عدا عن دعمها لمطالب الانفصال في السويداء.
في كل الأحوال، أُلغي القانون الذي لطالما استخدمه الأسد شمّاعةً لعدم تبنّيه خططاً تنموية للنهوض بالبلاد، ولتبرير عجزه عن تقديم دعم للسوريين، فيما كان مستمرّاً في سياسات النهب والاحتكار حتّى هروبه، الأمر الذي قاد إلى انفضاض ما تبقّى له من حاضنة شعبية كانت تؤيّده، وتجويف المؤسّسات العسكرية والأمنية التي تحمل هذا النظام، وكان لهذا العامل دورٌ كبير في سقوطه وانسحاب (واختفاء) جيشه خلال معركة ردع العدوان. السلطات الجديدة تكرّر سياسات الأسد النيوليبرالية، ولكن بطريقة أكثر فظاظة، وقد ألغت الدعم عن السلع الأساسية، ورفعت أسعار الكهرباء من دون قدرة السوريين على الدفع، فيما يجري تجاوز مؤسّسات الدولة ووزاراتها بهيئات تتبع للرئيس فوراً، ومستقلة مالياً، مع غياب أيّ شفافية. ولا تزال البلاد مقسّمةً اقتصادياً بين أربع مناطق نفوذ بموازنات منفصلة، إذ لم تُدمَج مناطق إدلب وشمالي حلب مع دمشق اقتصادياً، ولا مالياً، مع استمرار التعامل بالليرة التركية والدولار في تلك المناطق. وبالتالي؛ لم تقدّم السلطة الانتقالية خطّةً طوال السنة الفائتة لإعادة الهيكلة المالية والمصرفية، ولم تضع خطّةً اقتصاديةً واضحةَ المعالم للنهوض استعداداً لاقتناص فرصة رفع العقوبات.
السلطة الجديدة شديدة الهشاشة، وتحكمها عطالة تمنعها من إعادة هيكلة نفسها باتجاه العمل المؤسّسي والدولتي. فبنيتها الفصائلية لا تسمح بذلك، لأنها قائمة على التوازنات الهشّة، التي في أساسها كانت توازنات الحكم في إدلب مع ضمّ فاعلين جُدد. والرئيس أحمد الشرع مضطر لإدارة هذه التوازنات حتى لا ينفجر الوضع الداخلي، فيمسك بالسلطة ويمركزها في يده، ويحاول الإمساك بالموارد كلّها عبر الاعتماد على قيادات ضمن هيئة تحرير الشام، وفي غالبيتهم تربطهم به صلات قرابة، ومنهم إخوته، فيما وزّع موارد الدولة بين قياداته العسكرية الذين أصبحوا مدراء في مؤسّسات الدولة، ويشترون الولاءات، ولكل منهم جهازُه الأمني الخاص، وما زالت تحكمهم العقلية المليشياوية.
في ظلّ هذا الوضع الهشّ، من الصعب أن يكون هناك جذب للاستثمارات، لكن إن سمح إلغاء عقوبات قيصر بتنفيذ بعض المشاريع، فسيكون تقاسمها غنيمةً بين الفاعلين هو الأساس، وضمن توازنات القوى ذاتها، مع البحث عن موارد جديدة، وقد يكون بعضها مرتبطاً بالفساد والتحكّم الأمني وغسيل الأموال. هذا سيجعل من الصعب أن يكون الشعب مستفيداً من رفع العقوبات، مع استمرار تصاعد الفساد والكسب غير المشروع، والتفكّك المناطقي في ظلّ محاولة كل منطقة، وليس السويداء فقط، إدارة شؤونها بسبب غياب دور الدولة وقدرتها على التخطيط المركزي.
العربي الجديد
——————————
ماذا بعد قيصر؟/ أحمد خضر أبو إسماعيل
لا شكّ أن ملف “قيصر” كان مسماراً متيناً في نعش نظام الأسد البائد. فالصورة المروّعة التي استطاع فريد المذهان، بالتعاون مع أسامة عثمان، نقلها إلى الإدارة الأميركية، جعلت النظام محاصراً بين فكي كماشة. لم يستطع إنكار الصور، ولم يملك الجرأة على الاعتراف بها، بعدما تجاوزت تلك الوثائق أسوار قلعته الأمنية لتغدو أضخم عملية تهريب في تاريخ القضية السورية، من حيث قيمتها المعنوية والمادية.
هذه الصور لم تفضح بنية العنف فحسب، بل جرّدت النظام من أي غطاء أخلاقي، ووضعت الأسد عارياً أمام العالم، ويداه ملطختان بدماء السوريين. وعلى هذا الأساس، فُرضت عقوبات قاسية على الدولة السورية عموماً، وعلى رموز النظام البائد خصوصاً، ما أدى إلى استنزافه اقتصادياً، وصولاً إلى انهياره خلال أحد عشر يوماً، بعد ثورة امتدت على مدار أربعة عشر عاماً.
الانهيار الاقتصادي.. الضربة القاضية للأنظمة الشمولية
في سرديات الطغاة، لا مكان لهموم المواطن، ولا اعتبار للأوضاع المعيشية المزرية التي يرزح تحتها. ولهذا، تأتي الأزمات الاقتصادية بوصفها كرة ثلج تتدحرج بلا توقف، تكبر على نحو مرعب، حتى تُسقط أعنف الأنظمة وأكثرها توحشاً عبر التاريخ.
اليوم، تقف الإدارة الجديدة في دمشق أمام درس تاريخي لا يحتمل التأويل. فالراعي الأميركي في المنطقة يمنحها فرصة حقيقية، وتبدو الولايات المتحدة وكأنها تقدم للعالم نموذجاً جديداً لحكم الجماعات الإسلامية. ويُعدّ الرئيس أحمد الشرع تجربة نادرة في هذا السياق؛ فمن سجون العراق إلى قصر الشعب في دمشق، حكاية رسمت واشنطن ملامحها بعناية فائقة.
بين الشرعية الدولية ووجع الناس
لكن، في مقابل هذه التحولات الكبرى، يبقى المواطن السوري رازحاً تحت أعباء التضخم، وانهيار العملة، وغلاء المعيشة. أما فكرة رفع العقوبات، سواء كانت مشروطة أم غير مشروطة، فهي خارج حسابات الطبقة المسحوقة التي تبحث عن الخبز والدواء قبل أي خطاب سياسي.
من هنا، تبدو الأولوية واضحة: على الإدارة في دمشق إعادة ترتيب البيت الداخلي قبل السعي المحموم لاكتساب الشرعية الدولية. فالتجربة السابقة لا تزال حاضرة، والعبرة قاسية: “حلفاء اليوم هم أعداء الغد”، والموقف الروسي من نظام الأسد البائد خير شاهد على ذلك.
الإنسان قبل الوطن
تقف سورية اليوم عند مفترق تاريخي حاسم: إما أن تنجح تجربة “الإسلاميين” في الحكم، وتثبت قدرتها على بناء دولة، وإما أن تسقط التجربة إلى الأبد. ويزداد هذا الاختبار تعقيداً في ظل انعدام البدائل الجدية من أصحاب المشاريع العلمانية والديمقراطية، نتيجة تصحّر سياسي عاشته البلاد على مدى نصف قرن.
إن بناء الشرعية لا يبدأ من المنابر الدولية، بل من الداخل. فبناء الإنسان السوري يجب أن يسبق أي مشروع سياسي أو دستوري. والاستقرار الاقتصادي هو المدخل الحقيقي لذلك، حتى إن السلم الأهلي ذاته يحمل في جوهره مضموناً مادياً ومعيشياً.
السلم الأهلي… صفقة العدالة لا المحاصصة
أبناء الثورة، من معتقلين، ومغيبين قسراً، ومنفيين في بلاد اللجوء، وعائلات الشهداء، يحتاجون إلى دولة تحتضن جراحهم، لا إلى خطابات عاطفية. يحتاجون إلى مؤسسات وقوانين تضمن حقهم في المواطنة، وتترجم تضحياتهم إلى عدالة وإنصاف. عندها فقط تستطيع السلطة السياسية أن تشتري السلم الأهلي، لا بالقوة ولا بالشعارات، بل بالحقوق.
أما الرهان على الاستقواء بالشرعية الدولية، وبناء عروش من الوهم على حساب تضحيات الشعب، والاستئثار بالسلطة، وتوزيع المناصب بوصفها “مكاسب ثورية” ضمن نظام محاصصة مقنّع، فليس سوى خطوة أخرى على طريق النهاية؛ نهاية لا يتمنى السوريون رؤيتها، بعد أن رحل “الأبد” وسُحق تحت أقدام الأحرار.
العربي الجديد
————————————
«ومُعظَمُ النارِ من مُستصغرِ الشّررِ»: لماذا ينبغي أن تأخذ الحكومة احتجاجات سائقي التاكسي في دمشق بجدية؟/ سقراط العلو
15-12-2025
شهدت العاصمة دمشق، منذ سقوط نظام الأسد، عدة اعتصاماتٍ لسائقي التاكسي، كان آخرها في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) أمام وزارة النقل، للاحتجاج على القانون رقم (16) الذي أصدره النظام السابق في العام 2021، وأتاح بموجبه للسيارات الخاصة الصغيرة والمتوسطة العملَ في النقل العام عبر التطبيقات الإلكترونية.
أعادني مشهد الاعتصام الأخير إلى العام 2019 حين كنتُ طالباً في الماجستير بالجامعة الكاثوليكية في لشبونة حيث واجهتني في امتحان مادة السياسات العامة مهمة كتابة نص يقدّم موقفي من احتجاجات سائقي التاكسي البرتغاليين ضد شركة أوبر. يومها فعلتُ ما يفعله الطلاب عندما يتقاطع السؤال الامتحاني مع ما يعرفونه عن ذائقة الأستاذ والجامعة؛ فكتبت إجابةً مثاليةً نيوليبرالياً. استدعيتُ «اليد الخفية» لآدم سميث، ودافعتُ عن حرية السوق كآليةٍ وحيدة لتنظيم المنافسة، واعتبرتُ تدخّل الدولة في تحديد الأسعار أو حماية المهنة خطراً على كفاءة الاقتصاد وقدرته على الابتكار. ذهبت في الحجاج إلى أقصى ما يُمكن أن ينسجم مع منطق «المنافسة المفتوحة» و«تحرير السوق»، وأنا أعرف مسبقاً أن هذه الإجابة ستطرب أستاذ المادة، الذي يرى في الحدّ من دور الدولة علامة نضجٍ فكري، أكثر مما يراه مسألةً موضعَ نقاش.
لم تكن الإجابة حينها تعبيراً عن تجربةٍ حية مع السوق بقدر ما كانت استجابةً لتمرين نظري، يفترضُ كما أدبيات النيوليبرالية أن السوق مساحة عادلة بأطرافٍ عقلانية مُحدِّد مكسبها الوحيد هو الكفاءة. لا سائقي تاكسي يُعيلون أسرهم، ولا مدناً متوترة تعيش ضغط الغلاء، ولا مهناً هشّة لا تملك قدرة التكيّف. اليوم، لا بد من تغيير زاوية النظر إلى السوق بوصفه علاقة اجتماعية وسياسية تتقاطع فيها القوة، وعدم المساواة، وموازين النفوذ. من هنا تبدو احتجاجات سائقي التاكسي في دمشق مدخلاً مناسباً لطرح قضيةٍ ذات بُعد عالمي ألقت بظلالها على سوريا، وتوسيعها لنقاش حدود عدالة السوق الحر ودور الدولة، خصوصاً في إطار التوجه المُعلن للحكومة الانتقالية نحو السياسات النيوليبرالية، واستشراف الأثر الاجتماعي المحتمل لتلك السياسات قياساً على تجربة بشار الأسد في التحول الاقتصادي.
في ظاهر الأمر، يبدو الصراع بين سائقي التاكسي والتطبيقات الرقمية صراعاً بين «تقليدي» و«حديث»، سيارة تقف في الشارع، وأخرى يُمكن حجزها عبر الهاتف. لكن ما تغيّره تلك المنصّات لا يقتصر على شكل الطلب في سوق النقل فقط، بل يمتد إلى بُنية العلاقة الاقتصادية فيه. ففي النموذج التقليدي، يقوم عمل السائق على تفاوض مباشر مع الراكب ضمن إطار سعري تحدّده التعرفة الرسمية والعرف الاجتماعي. أمّا في نموذج أوبر ويلا غو، فالعلاقة لم تعد بين طرفين، بل بين ثلاثة؛ تطبيق يحتكر المعلومة وخوارزمية التسعير، وراكب، وسائق يتحول من فاعل مستقل إلى طرف مُلحق بمنصّة تملك القدرة على تحديد العمولة، وطريقة احتساب الأجرة، وحتى إقصائه عبر تقييمات الزبائن.
هذا الانتقال من علاقة تفاوض مباشر إلى علاقة تحكمها خوارزمية، هي ما أسماه عددٌ من الباحثين «رأسمالية المنصّات»، حيث ينتقل جزءٌ كبيرٌ من النشاط الاقتصادي إلى أنماط جديدة من الاحتكار القائم على البيانات والشبكات، بدلاً من الأشكال التقليدية. فالمنصّة لا تبيع خدمة النقل فقط، لكنها تُسيطر على البنية التحتية الرقمية التي تمر عبرها الطلبات، وبالتالي كلما زاد عدد المستخدمين والسائقين، أصبح من الأصعب على منافس جديد أن يدخل السوق، وأصبح موقع المنصّة أقرب إلى احتكار فعلي.
من وجهة نظر ليبرالية كلاسيكية، تعمل مثل تلك المنصّات على رفع كفاءة السوق، وخفض التكاليف، وتنظيم أفضل للعرض والطلب، وتقديم خدمة أكثر أماناً وشفافية. نظرياً هذا صحيح، باشتراط أن المعلومات متاحة للفاعلين في السوق بالتساوي، وأن الأطراف متكافئة تقريباً، وأن التفاوض حُرّ. أمّا في الواقع، فلا شيء من ذلك يتحقق؛ فالمنصّة هي الطرف الوحيد الذي يرى الصورة الكاملة للسوق، يعرف الطلب في كل لحظة، ويتحكم في سعر الرحلة، ويمتلك إمكانية إعادة توزيع الريع داخلياً بما يخدم نموه هو أولاً.
هنا تبدأ فكرة «حرية السوق» في التهافت نظرياً. فالسوق لا يعود مساحةً مفتوحةً لتعدّد الفاعلين، وإنما قناةً واحدةً يمرُّ عبرها النشاط الاقتصادي، والحرية هي حرية دخول المنصّة بشروطها، لا حرية تفاوض في سوق متعدد. وفي هذا الإطار، يُمكن الاستعانة بنقد الاقتصادي كارل بولاني لفكرة «السوق المجرّد» في كتابه التحول الكبير، وهو السوق الذي يتحرك خارج المجتمع؛ حيث اعتبر بولاني في تحليل مبكر جداً، هو أقرب للنبوءة في عصرنا، أن تحويل العمل والخدمات إلى «سلع» تتحكم بها قوى العرض والطلب من دون حماية اجتماعية سيُفضي إلى ما أسماه «الحركة المزدوجة»، من جهة توسّع للسوق، ومن جهة ثانية رد فعل اجتماعي يسعى إلى إعادة توجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع وقيم العدالة والحماية.
ويُعد احتجاج سائقي التاكسي في كل الدول التي دخلتها تلك المنصّات تقريباً، أحد وجوه هذه الحركة المزدوجة، فالسوق توسّع رقمياً بشكلٍ أعاد تنظيم القطاع، وقوبل ذلك برفضٍ اجتماعي من فئات ترى أن هذا التنظيم يأتي على حساب قدرتها على البقاء والمنافسة. ومما يُعزّز عدم العدالة في سوق النقل، هو قدرة تلك المنصّات، وبخاصة ذات الرساميل الكبرى، على التأثير في القرارات الحكومية سواءً عبر قنوات شرعية أو غير شرعية، كما حدث في قضية عُرفت باسم «وثائق أوبر»، والتي أظهرت تعاوناً وتسهيلاتٍ لدخول أسواق بشكل غير قانوني بين الشركة وسياسيين أوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين كان وزيراً للمالية. فإذا كان هذا الحال في دول أوروبية، فكيف كان الحال حين ظهرت تلك التطبيقات والمنصّات في سوريا، وسُمح لها بالعمل في ظل مظلة أسماء الأسد الاقتصادية؟
وتفتح مثل تلك الحالات النقاش حول إمكانية حيادية الدولة تجاه السوق، ومدى واقعية ذلك؟ فالدولة لا تقف خارج مشهد المنافسة، بل هي فاعلٌ فيه يبحث عن تعظيم مصالحه السياسية والاقتصادية. إذ أن السماح لمنصّات النقل بالعمل في بلد ما، أو تقييدها، لا يتم وفق معيار «الصالح العام» المُجرّد، بل وفق مزيجٍ من ضغط نقابات، ومصالح مستثمرين، واعتبارات انتخابية أو أمنية. وهذا النوع من القرارات ليس تقنياً، وإنما محصلةٌ لصراع أصحاب مصالح داخل الدولة وخارجها.
وكمثال على تدخّل الدولة كفاعل في تنظيم السوق ووضع شروط التنافس، يُمكن أن نستعرض ثلاثة نماذج مفيدة في إطار الحديث عن قطاع النقل:
أولها فرنسا، حيث واجه نموذج أوبر عقبةً قانونيةً تتمثّل في أن رخصة التاكسي تعتبر أصلاً اقتصادياً استثمر فيه السائقون سنواتٍ من عملهم ومدخراتهم. فحين دخلت الشركة دون أن تتحمّل تكلفة هذه الرُّخَص، اعتبر السائقون أن الدولة سمحت بعملية تنافس غير عادلة لصالح رأسمال جديد. فاحتشدوا، وأغلقوا الطرق، ودخلوا في صدامات مباشرة مع الشرطة. مما دفع الحكومة إلى تبني مقاربة وسطية عبر عدة إجراءات لتنظيم المنافسة، منها: حظر تشغيل السائقين غير المرخّصين، وإلزام سائقي المنصّات بالحصول على ترخيص مهني، وتنظيم الأسعار والعمل، وفرض حدٍّ أدنى من الحماية الاجتماعية، ووضع إطارٍ قانوني يضمن منافسةً عادلةً مع التاكسي التقليدي. هنا تدخلت الدولة لتنظيم السوق، ومنع أن يتحول تحريره إلى إزاحة لفئة مهنية بأكملها.
أمّا ألمانيا فانطلقت من فلسفة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي ترى أن السوق ليس عادلاً من تلقاء ذاته، وأن مهمة الدولة أن تضمن التكافؤ في شروط المنافسة. لذا لم يُسمح للمنصّات بالدخول كفاعل حر كامل، بل خضعت منذ البداية لمنظومة شروط قريبة من شروط التاكسي التقليدي؛ تسعير مضبوط، رخص مُحددة، التزامات ضريبية واجتماعية واضحة. أي أنها لم تعطِ «ذراع السوق الخفية» فرصةَ الانفراد برسم ملامح القطاع، بل قيّدته منذ البداية بفكرة العدالة، حيث لا تُمنح شركة واحدة، بحكم بنيتها الرقمية، امتيازاً بنيوياً يُحوّل المنافسة إلى مسارٍ أحادي ينتهي باحتكارٍ جديد.
أما النموذج الثالث، فهي البرتغال التي اختارت ما يُمكن اعتباره نموذجاً وسطاً بين الحظر والفتح المطلق. لم تمنع تطبيقات النقل، لكن وضعت قانوناً خاصاً لها يُعرّف نوعية العمل داخل تلك المنصّات، ويُحدد سقوفاً للعمولات، ويضبط العلاقة بين السائق والتطبيق والدولة. إذ كان هدف السياسة العامة خلق توازن بين رفع معدلات النمو، والحفاظ على قدرة الفئات الأضعف على متابعة حياتها بكرامة، وعدم تحويل النمو إلى عملية سحق بطيء لمهن تعتاش منها جماعات واسعة.
وفي التجارب الثلاث، كانت احتجاجات سائقي التاكسي بمثابة تحدٍ لقدرة الدولة على فرض منطق العدالة على السوق دون تقييد حريته، والحكومات في استجاباتها المتفاوتة تعاطت مع الاحتجاجات ضمن هذا المنظور، فالقضية ليست اختباراً لمدى ولائها لليبرالية الاقتصادية بوصفها عقيدة، وإنما قضية عدالة، فانتقلت تلك الحكومات من سؤال هل نسمح للسوق بالعمل؟ إلى سؤال بأي شروط نسمح له؟
إذا انتقلنا بهذه الأدبيات والتجارب إلى دمشق، يُصبح من واجب الحكومة التعامل مع احتجاج سائقي التاكسي كمؤشر مُبكر لحساسية القرارات الاقتصادية، وخصوصاً فتح السوق في قطاعات معينة، وما يترتّب عليه من آثار اجتماعية وسياسية. فالسوق السوري ليس مُشبعاً بنقاباتٍ قوية، ولا تحكمه دولة قادرة على التعويض، ولا يعيش في ظل نمو معقول يسمح للفئات المتضررة بإعادة التموضع. إضافةً إلى الواقع الاقتصادي المتردي، حيث يعيش أكثر من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر. في بنية كهذه، لا يوجد أي هامش لتجريب سياسات السوق بالطريقة نفسها التي جُرِّبت بها في بيئات أكثر استقراراً.
وبالرغم من عدم مسؤولية الحكومة الانتقالية عن ترخيص تلك المنصّات، إلا أن معالجة المشكلة وإعادة تنظيم سوق النقل العام بطريقة عادلة يقع على عاتقها. والأهم من ذلك، الاستفادة من هذا الدرس ومراعاة الجوانب الاجتماعية والسياسية لتوجّهاتها المُعلنة نحو تقليص القطاع العام، ورفع الدعم، والتحرير المتسارع للتجارة لصالح الواردات، وسن القوانين الناظمة للاقتصاد، مثل مشروع القانون الضريبي الموحّد، والذي يميل في جوهره إلى حماية رأس المال الكبير، بينما يترك الشركات الصغيرة والمتوسطة أمام تكاليف إنتاج مُتصاعدة من دون حمايةٍ تُذكر. إضافةً إلى غياب الشفافية في توزيع الاستثمارات على الشركات، والتركيز على جذب استثماراتٍ عقارية وخدمية عالية الربحية، في ظل غياب الحديث أو التوجه، ولو بالحد الأدنى، نحو برامج الحماية الاجتماعية التي تحمي ما تبقّى من قدرة الطبقات الشعبية على البقاء.
في مثل هذا السياق، تُصبح احتجاجات سائقي التاكسي في دمشق أبعد من مجرد مطالب فئوية، ويجب أن تُفهم حكومياً على أنها مقدمةٌ لاحتجاجاتٍ قادمة في قطاعات اقتصادية أخرى قد تتضرر من نتائج «إعادة بناء الاقتصاد» بالطريقة الحالية الارتجالية وغير الشفافة، والتي بالضرورة ستُلقي عبء العملية على أكتاف الفئات الأضعف.
فوفقاً للأدبيات الناقدة لليبرالية الجديدة، فإن تحرير السوق من دون حمايةٍ ترافقه يؤدي إلى تركُّز الثروة في يد قلة، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع قاعدة الفقر، وبالتالي تراكم غضب اجتماعي ينفجر عند أول فرصة. أما من حيث التجربة العملية، فليس أوضح من مثال التحول الاقتصادي الذي أحدثه بشار الأسد، وكيف شكّلت نتائجه المقدمات الاقتصادية للثورة السورية، وعلى رأسها خسارة القاعدة الشعبية الريفية لحزب البعث. فإذا كانت على المستوى النظري والعملي تلك هي نتائج التلاعب غير المدروس بالاقتصاد، في ظل نظام أمني متوحش ممسك بتلابيب المجتمع، فكيف بمجتمع خرج لتوّه من حرب، ولم يُرمّم بعد شبكات تضامنه، ولا يملك مؤسسات قادرة على امتصاص الخسائر؟
في امتحان لشبونة 2019، كان من السهل أن أكتب دفاعاً نظرياً عن تحييد الدولة لصالح «اليد الخفية». أما في دمشق 2025، فيُصبح هذا الدفاع غير مقنع. ليس لأن السوق شرٌّ في ذاته، بل لأنه في غياب قواعد عادلة، يميل إلى خدمة الأقوى. ولأن إعادة بناء الاقتصاد اليوم شرطٌ لازمٌ لكنه غير كافٍ، إلا إذا كانت العدالة سابقة على التفكير فيه. وهنا أطرح سؤالي الختامي، هل مَن يقوم اليوم رسمياً على صناعة القرار الاقتصادي السوري، يُفكر بنضج 2025 في ضوء الأدبيات وتجربة سوريا في التحول الاقتصادي عام 2005، أم أنه يُفكر بعقل الطالب الذي يُحاول تحصيل العلامات من خلال إرضاء توجهات مُدرّس المادة؟
موقع الجمهورية
———————————
براتب أقل من 100 دولار المعلمون في سوريا يلوّحون بالإضراب
إدلب – أحمد العقلة
الثلاثاء 2025/12/16
مع مرور مهلة 8 كانون الأول من دون تنفيذ الحكومة وعودها بزيادة الرواتب، يواجه المعلّمون السوريون أزمة متفاقمة بعد تحويل مستحقاتهم إلى الليرة السورية، ما أدّّى إلى انخفاض حادّ في القيمة الشرائية، وسط فوضى إدارية وتفاوت في قيمة الرواتب ومواعيد قبضها.
انهيار قيمة الراتب
بدأت وزارة التربية صرف رواتب شهري نوفمبر وديسمبر عبر منصّات مثل “شام كاش”. لكن التأخير والتفاوت في قبض الرواتب أثارا استياءً واسعاً، خصوصاً أن الرواتب السابقة كانت تتراوح ما بين 130 و180 دولاراً في إدلب، وأقل من ذلك في ريف حلب (أقل من 100 دولار)، قبل التحويل الذي جعلها تعادل نحو 1.2 مليون ليرة أو أقل، مع سعر صرف رسمي يتجاوز 12 ألف ليرة للدولار.
ويعاني قطاع التعليم منذ سنوات، خصوصاً في شمال غرب سوريا، انهياراً متواصلاً في قيمة الرواتب، وغياب التمويل المستقر، ما أدّى إلى موجة استقالات متكرّرة في صفوف المعلمين، وتراجع جودة التعليم، إضافة إلى اضطرابات في انتظام العملية التعليمية.
كثر من المعلمين يرَون أن تحسين الرواتب وتأمين الحاجات التعليمية يشكّلان ضرورة عاجلة للحفاظ على استمرارية القطاع، وضمان مستقبل آلاف الطلاب الذين يواجهون تحديات متتالية تهدد حقهم في التعلم.
لم يتلقوا أي رد
خالد العبيد، مدير مدرسة أكد لـ”المدن” أن صرف الرواتب جاء وسط فوضى كبيرة. وقال: “بعض المعلمين حصلوا على مليوني ليرة، بينما آخرون من ذوي الخبرة تلقوا 1.2 مليون فقط، وفي بعض الحالات انخفض الراتب إلى 450 ألف ليرة. لكن هناك حالات استثنائية وصلت فيها الرواتب إلى 90 مليون ليرة لمعلم مكلف، ما يثير شكوكاً حول الآلية. وأرسلنا العديد من الطلبات للمعنيين لتوضيح الأمر، لكن لم نتلقَ أي رد من المجمعات التربوية”.
هذه التغييرات جددت موجة الاحتجاجات التي بدأت الشهر الفائت تحت اسم “إضراب الكرامة”، والذي علق موقتاً حتى كانون الأول الجاري، في انتظار زيادات مرتقبة. لكن الاستياء يدفع نحو تصعيد التحركات من جديد، في ظل عدم تنفيذ الوعود بتحسين الرواتب.
محمد عبد اللطيف، أستاذ رياضيات، أكد أن المعلمين تفاجأوا بانخفاض الراتب الفعلي من 150 دولاراً إلى نحو 100 دولار، على رغم أن الوعود كانت بزيادته 100 في المئة. وقال لـ”المدن”: “الفوضى في الرواتب أثارت غضباً عاماً في المدرسة، ووردت مئات الشكاوى ولم نلق أيّ رد. حتى أن مسؤولي المجمعات التربوية لا يعرفون الأسباب، وحالهم لا يختلف عن حالنا”.
بدورها، كشفت الأستاذة سمية الأعرج أن المعلمين اتفقوا في الأيام القليلة الماضية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على تنفيذ إضراب شامل إذا لم يُعدّل الراتب. وقالت: “نشعر بتهميش واضح وخداع من التربية والمالية، حيث تُطلق الوعود من دون تنفيذ، وهذه الفوضى تهدد بتدمير العملية التعليمية كلياً”.
انخفاض القدرة الشرائية
ويشكو المعلمون من انخفاض القدرة الشرائية للراتب بقيمة تصل إلى 40 في المئة بسبب الغلاء الفاحش للأسعار. وهم متروكون من دون حوافز إضافية تعوّض تآكل الراتب، ما يزيد الضغوط المعيشية والنفسية عليهم. هذا فضلاً عن أن تدهور أوضاع المعلمين يثير مخاوف من هجرة الكفاءات التعليمية. ويطالب المعلمون بزيادة لا تقل عن 100 في المئة، وتوحيد سلسلة الرواتب بين المناطق، وفتح حوار حقيقي مع النقابات. ويلّوحون بأن عدم الاستجابة السريعة لمطالبهم قد تدفعهم إلى تنفيذ إضراب عام يؤدي إلى شلل تعليمي واسع، ما يهدد مستقبل أجيال في مناطق تعاني أصلاً تحديات بنيوية عميقة.
وكان وزير المالية، محمد يسر برنية، أعلن سابقاً بدء مشاورات رسمية بين وزارتي المالية والتربية، في حضور وزير التربية، الدكتور محمد تركو، بهدف إحداث تحسين نوعي في رواتب المعلمين والعاملين في قطاع التعليم. وأكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار الجهود المستمرة لإصلاح منظومة الأجور والرواتب في سوريا، مشيراً إلى أن قطاع التربية والتعليم يُعد الأكبر من حيث عدد العاملين على مستوى القطاع العام.
“المدن” تواصلت مع أحد المسؤولين في وزارة التربية بغية الاستفسار عن المشاكل الحالية في الرواتب والحلول المرتقبة. لكن المسؤول اعتذر عن التصريح بسبب الفوضى التي شهدتها الأجور هذا الشهر.
يشار إلى أن المعلمين ضمن ملاك وزارة التربية في سوريا كانوا يتقاضون رواتب تتراوح بين 400 و550 ألف ليرة سورية حسب الأقدمية (40 – 50 دولاراً)، في حين يتقاضى العاملون الإداريون رواتب تتراوح بين 350 و450 ألف ليرة سورية، قبل أن يصدر مرسوم بزيادتها بنسبة 200 في المئة.
———————
ارتفاع قياسي بإيرادات المؤسسة السورية للتجارة خلال 2025
تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية وطرح عقارات للشراكة مع القطاع الخاص
الرياض – العربية
15 ديسمبر ,2025
ارتفعت إيرادات المؤسسة السورية للتجارة بمعدلات غير مسبوقة خلال العام الحالي بدعم من تنفيذ عدد من الإصلاحات المالية والإدارية.
وقال مدير المؤسسة السورية للتجارة، عامر قسوم، إن المؤسسة عملت على إعادة التوازن المالي لعدد من عقاراتها التي كانت تعاني من تداعيات ملفات فساد خلال حكم النظام السابق أثرت سلباً على أدائها، كاشفاً أن الإيرادات السنوية كانت لا تتجاوز مليون دولار قبل البدء بالإجراءات الإصلاحية بعد تحرير سوريا.
وأضاف أن الهيكلة الجديدة ساهمت في رفع الإيرادات إلى أكثر من 8 ملايين دولار، ما يعكس تحولاً ملموساً في الكفاءة التشغيلية والعائد الاستثماري، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
وأوضح أن المؤسسة طرحت عقاراتها المميزة للاستثمار، كمستودع الزاهرة بريف دمشق، ومجمع تابع لها في حمص، ومستودع الأعظمية في حلب، وغيرها بمبلغ تجاوز 10 ملايين دولار، وذلك ضمن مسار تطوير العمل المؤسسي.
وحول مشاريع الشراكة الجديدة، أوضح قسوم أن المؤسسة تعمل على الشراكة مع القطاع الخاص في العديد من صالاتها ما يحقق عائداً مالياً كبيراً لخزينة الدولة، مبيناً أن عدد العقارات المستثمرة لدى المؤسسة بلغ حتى الآن 350 عقاراً، منها 110 عقارات تم التمديد لها و152 عقاراً مملوكاً، مشيراً إلى أن الاستثمار في وحدات التبريد يحقق عائداً سنوياً يقدر بنحو 2 مليار ليرة سورية.
—————————
سوريا تفتح الباب كاملاً للاستثمار الأجنبي.. تملك بنسبة 100% وفق “هيئة الاستثمار“
دمشق تقدم إعفاءات ضريبية كاملة للاستثمار في قطاعي الزراعة والصحة
الرياض – العربية
16 ديسمبر ,2025
أكد رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن إصدار سوريا لقانون جديد للاستثمار يحمي حقوق المستثمرين الأجانب ويمنحهم ضمانات وحوافز تصل إلى إلغاء الضرائب بشكل كلي في بعض القطاعات.
وأضاف الهلالي في مقابلة مع “العربية Business” على هامش منتدى الحدود الشمالية للاستثمار المنعقد في مدينة عرعر شمال السعودية، أن الهيئة وقّعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية اتفاقية مع وزارة الاستثمار السعودية، تهدف إلى تعزيز ودعم وحماية الاستثمارات السعودية في سوريا، إلى جانب دعم الاستثمارات السورية الراغبة في الدخول إلى السوق السعودية، واصفًا الاتفاقية بأنها خطوة مهمة لضمان وضوح الحقوق والالتزامات لكلا الطرفين.
أشار الهلالي إلى أن المستثمر الأجنبي يحق له تملك استثماره في سوريا بنسبة 100%، دون الحاجة إلى شريك محلي، وذلك بموجب قانون الاستثمار الجديد الصادر خلال عام 2025.
“فروست آند سوليفان” للعربية: رفع العقوبات عن سوريا يفتح الباب لاستثمارات بعوائد 20%
قصص اقتصادية اقتصاد سوريا “فروست آند سوليفان” للعربية: رفع العقوبات عن سوريا يفتح الباب لاستثمارات بعوائد 20%
وأشار إلى أن قانون الاستثمار الجديد يُعد من بين أفضل عشرة قوانين استثمارية على مستوى العالم، بعد الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية بالتعاون مع جهات استثمارية في السعودية وقطر والأردن والإمارات، لافتًا إلى أن القانون يوفر بيئة استثمارية آمنة ويعزز ثقة المستثمرين.
وبيّن أن القانون يمنع وضع اليد على أي مشروع استثماري من قبل الحكومة، سواء كان مملوكًا لمستثمر سوري أو أجنبي، كما يتيح للمستثمر غير السوري استقدام ما لا يقل عن 40% من العمالة غير السورية، في ظل توقعات بعودة أعداد كبيرة من السوريين خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بالحوافز، كشف رئيس الهيئة عن إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعي الزراعة والصحة، إضافة إلى حوافز لقطاع الصناعة، حيث يتم خصم نحو 80% من الضرائب في حال تصدير 50% من الإنتاج الصناعي إلى الخارج.
وأكد أن الحكومة السورية عملت على تعزيز حماية الاستثمارات، مع منح المستثمر السعودي مزايا إضافية في إطار الاتفاقيات الموقعة بين البلدين.
—————————
سورية وقطر… شراكة اقتصادية واستثمارات بقيمة 21 مليار دولار/ نور ملحم
16 ديسمبر 2025
تشهد العلاقات الاقتصادية بين سورية وقطر تطوراً متسارعاً في المرحلة الراهنة، في ظلّ مؤشرات واضحة على عودة الانفتاح العربي على دمشق، ومساعٍ مشتركة للانتقال من إطار الدعم المحدود إلى شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد. ويأتي هذا الحراك في وقت تبحث فيه سورية عن شركاء عرب قادرين على المساهمة في معالجة الاختناقات العميقة التي أصابت اقتصادها خلال سنوات الحرب والعقوبات الغربية، ولا سيّما في قطاعات الطاقة والمال والبنية التحتية، ما يمنح التعاون مع دولة قطر أهمية خاصة على المستويَين الاقتصادي والسياسي.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في تصريح لـ”العربي الجديد” على هامش الاحتفال باليوم الوطني لدولة قطر، الذي أقيم مساء أمس الاثنين في دمشق، استمرار الدعم القطري لملفات إعادة الإعمار والبناء، مشيراً إلى وجود تعاون مالي واقتصادي متنامٍ يشمل مختلف القطاعات. وأوضح برنية أن المرحلة الحالية تشهد نقاشات متقدمة حول توسّع عمل مؤسسات مصرفية قطرية داخل سورية، في إطار دعم القطاع المالي وتنشيط الاستثمارات، معتبراً أن هذا التوجه يشكّل خطوة مفصلية لإعادة تحريك القطاع المصرفي، وفتح قنوات تمويل جديدة للمشاريع الاستثمارية، ولا سيّما في مجالات البنية التحتية والإسكان والخدمات.
وأضاف برنية أن التعاون القطري – السوري لا يقتصر على ملف الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات المال والمصارف، إذ يُنظر إلى دخول المؤسّسات المالية القطرية إلى السوق السورية بوصفه مدخلاً أساسياً لتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، وتمهيد الطريق أمام عودة الاستثمارات العربية والأجنبية، وأشار إلى أن سورية بحاجة ملحّة إلى تمويل طويل الأجل، وشراكات مصرفية قادرة على دعم النشاط الإنتاجي، بما ينسجم مع خطط الحكومة لإعادة البناء وتحفيز النمو الاقتصادي.
من جانبه، قال سفير دولة قطر لدى سورية، خليفة عبد الله آل محمود، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إنّ حجم الاستثمارات القطرية في سورية تجاوز 21 مليار دولار، تتركز في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمطارات، وأشار إلى وجود مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مجال الطاقة، تتضمن تنفيذ خمس محطات لتوليد الكهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى نحو خمسة آلاف ميغاواط، من المقرّر إنجازها خلال عامَين، معتبراً أن هذه المشاريع تُعد من أكبر الاستثمارات العربية في قطاع الطاقة داخل البلاد من حيث الحجم والأثر المتوقع.
وأوضح السفير أن التعاون بين البلدَين يشمل أيضاً قطاعات التجارة والمالية والسياحة والاتصالات والتعليم العالي، إضافة إلى استمرار توريد الغاز القطري، وتعزيز مشاركة المؤسّسات المالية القطرية في دعم القطاع المصرفي السوري. واعتبر أن هذا الانخراط يعكس موقفاً قطرياً ثابتاً تجاه سورية، في مرحلة تراهن فيها دمشق على دعم الأشقاء العرب لاستعادة دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي، كما أشار إلى أنّ دولة قطر فتحت أبوابها أمام السوريين، مع تسهيل منح تأشيرات الدخول عبر منصة “هيا” خلال فترات زمنية قصيرة، في خطوة تعكس بعداً إنسانياً موازياً للتعاون الاقتصادي.
وفي السياق العملي لهذا التعاون، كشف مدير تطوير الأعمال في شركة (UCC) القطرية، بهاء مظلوم، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنّ الشركة تستجر يومياً ما بين ثلاثة وأربعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي منحةً من دولة قطر، يجري توزيعها على محطات توليد الكهرباء، بما يسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية. واعتبر مظلوم أن الاستثمار في قطاع النفط والغاز في سورية واعد جداً، لكنه يحتاج إلى عمل كبير وتوافر شروط مناسبة، وفي مقدمتها إرساء نظام مصرفي متطور يسمح بمرونة دخول وخروج الأموال.
وشدّد مظلوم على أنّ أي شركة، قطرية أو دولية، لن تدخل السوق السورية ما لم تتوافر ضمانات كافية لحماية أعمالها وأموالها وأرباحها، لافتاً إلى أن هذه الملفات تُناقش حالياً مع الحكومة السورية، ولا سيّما بعد رفع العقوبات الأميركية عن القطاع، ما يفتح الباب أمام عودة تدريجية للاستثمارات في مجال الطاقة.
أرقام التبادل التجاري بين سورية وقطر
تشير بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية إلى أن حجم التبادل التجاري بين سورية وقطر بلغ نحو 120 مليون دولار خلال العام الماضي، مع توقعات بارتفاعه خلال السنوات المقبلة نتيجة الانفتاح الاقتصادي وبدء تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى. وتتركز الواردات السورية من قطر أساساً في الغاز الطبيعي والمشتقات النفطية، إلى جانب المواد الغذائية والمعدات الصناعية، في حين تشمل الصادرات السورية إلى السوق القطرية منتجات زراعية مثل الحمضيات والخضار وبعض الصناعات الخفيفة.
ويعتقد اقتصاديون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمواً ملحوظاً في حجم التبادل التجاري، في حال تفعيل الاتفاقيات الجديدة، وانسياب الاستثمارات القطرية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والسياحة، ما ينعكس مباشرةً على تعزيز حجم المبادلات التجارية الثنائية.
مرحلة جديدة عنوانها الشراكات
ويرى الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور عمار اليوسف، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الانخراط القطري المتزايد في الاقتصاد السوري يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، ويعكس ثقة نسبية بمرحلة ما بعد العقوبات والعزلة. ويشير اليوسف إلى أن التركيز على قطاع الطاقة يشكّل مدخلاً أساسياً لمعالجة واحدة من أعقد الأزمات التي تواجه الاقتصاد السوري، إذ إن تحسّن التغذية الكهربائية ينعكس مباشرة على الصناعة والاستثمار وبيئة الأعمال، ويسهم في خفض كلف الإنتاج وتحسين تنافسية السلع المحلية.
ويضيف اليوسف أنّ دخول مؤسّسات مالية قطرية إلى السوق السورية، في حال جرى ضمن أطر قانونية واضحة ونظام مصرفي أكثر مرونة، يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل في مسار التعافي الاقتصادي، من خلال إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وفتح قنوات تمويل جديدة طال انتظارها. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن نجاح هذه الشراكات يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وضمانات حقيقية لرأس المال العربي والأجنبي، وتحديث القوانين الناظمة للاستثمار.
العربي الجديد
—————————
الصادرات السعودية إلى سوريا تتجاوز الضعف في 2025
l 15 ديسمبر 2025
سجلت الصادرات السعودية إلى سوريا قفزة بأكثر من الضعف خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في مؤشر على تنامي العلاقات التجارية بين البلدين رغم التحديات القائمة.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه دمشق والرياض إلى إعادة تنشيط قنوات التعاون الاقتصادي والصناعي.
أرقام تتجاوز العام الماضي
أوضح وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، أن صادرات المملكة إلى سوريا، بلغت نحو 1.2 مليار ريال خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام، رغم صعوبات حركة الأموال ووجود عوائق تجارية.
وبالمقارنة، بلغت الصادرات السعودية إلى سوريا 558 مليون ريال فقط خلال عام 2024 بأكمله.
سلع صناعية وغذائية في الصدارة
بحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية، تصدرت اللدائن ومصنوعاتها قائمة الصادرات إلى سوريا، تلتها منتجات البن والشاي والبهارات والتوابل، ثم منتجات الخزف، فالفواكه، ثم المنتجات الكيماوية غير العضوية.
وتعكس هذه التركيبة تنوع الصادرات بين السلع الصناعية والغذائية.
نماذج تعاون صناعي
أشار الخريف إلى أن البلدين يعملان على تسريع الاستفادة من نماذج طبقتها المملكة بنجاح، تشمل المدن الصناعية، وتمويل الصادرات، وهيئة تنمية الصادرات، وهيئة المحتوى المحلي.
ورأى أن هذه النماذج تمثل فرصاً كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي بين الجانبين.
تعافٍ تدريجي للصناعة السورية
من جانبه، أوضح وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، أن عجلة الإنتاج بدأت بالدوران مجدداً في سوريا، لكنها لا تزال بحاجة إلى وقت لاستعادة كامل طاقتها.
وأشار إلى أهمية ما وصفه بـ”الكوريدور السعودي السوري” كمنصة لدعم التعاون، خاصة في نقل التكنولوجيا والاستفادة من التجربة الصناعية السعودية.
مصانع تعود إلى العمل
لفت الشعار إلى أن سوريا تركز حالياً على تطوير الصناعات الخفيفة والمتوسطة والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، مع بدء تشغيل نحو 1200 مصنع للإنتاج والتصدير، عقب إصدار قرابة 2500 ترخيص صناعي.
وأضاف أن مدينة حلب وحدها تضم حالياً نحو 540 مصنعاً يعمل معظمها بطاقة إنتاج شبه كاملة، في إشارة إلى تحسن تدريجي في النشاط الصناعي.
————————-
=======================
تحديث 13 كانون الأول 2025
———————————
“قيصر” يغادر.. فهل يمكن أن يعود؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.12.13
تابع السوريون باهتمام بالغ التصويت على مسألة إلغاء “قانون قيصر” وهو الذي طالما ترك انعكاساته السلبية في الواقع الاقتصادي السوري، ومن ثم المعيشي، لكل السوريين بلا استثناء.
صحيح أن هذا القانون الأميركي بالأساس جاء في مواجهة نظام الإجرام الأسدي، ومن أجل محاصرته وكبح اشتغالاته الكبتاغونية، ومعاداته للإنسانية، واعتداءاته على شعبه بسلاح الكيماوي المحرم دولياً، إلا أنه ترك آثاره وذيوله السلبية على جملة الواقع السوري، وعلى كل حيوات الناس السوريين البسطاء، الذين عاشوا وعايشوا سنوات طويلة من القحط وقلة سبل العيش، والفوات المعيشي، وصولاً إلى حالة ونموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الفاشيست الأسدي قبل 8 كانون أول 2024.
وعندما فر نظام بشار الأسد إلى موسكو، وسقط نظام الاستبداد، لم يعد من مبرر لا منطقياً ولا معقولياً أن يستمر ثقل “قانون قيصر” وكل العقوبات الأخرى كمعوق فعلي لعملية التنمية المزمعة في سوريا، بعد أن مضت سوريا في عملية البناء ومحاولات العمل حثيثاً على الاستقرار داخل أسوار الوطن السوري، وكان مطلباً شعبياً وحكومياً سورياً وكذلك من كل أصدقاء الشعب السوري، أن يتم رفع “قانون قيصر” من فوق كاهل الواقع السوري، ثم يعاد تأسيس العلاقة السورية الغربية ومنها الأميركية بالضرورة على أسس جديدة ومداميك بناء تقطع مع الماضي كلياً وتعيد بناء العلاقات بين سوريا والدول الأخرى وفق صيغة الاحترام المتبادل بين الدول، وعدم التعدي على الآخرين، والالتفات بشكل فعلي، إلى اشتغال حقيقي وجدي على حالة الاستقرار والبناء وإعادة سوريا إلى موقعها الأصلي في بناء نفسها، والتعاون مع كل الدول على طريقة وصيغة المنافع المتبادلة والمشتركة.
ونتيجة جهود دول صديقة وشقيقة للشعب السوري مثل المملكة العربية السعودية والدولة التركية، وكذلك دولة قطر الشقيقة، كان العمل ضمن السياسات الأميركية على الانتهاء من كل القوانين التي تثقل كاهل الشعب السوري ، ثم تنهي سنوات العذاب والقهر والحصار، والتوجه نحو الاستثمار في سوريا، والعمل ضمن مسارات إعادة الإعمار الأكثر ضرورة للسويين جميعاً ، ومن أجل عودة المهجرين قسراً إلى وطنهم مرة أخرى ، وكانت الخطوات جميعها توحي بأن التحرك كان جدياً على مسار الانتهاء من “قانون قيصر” حتى تم التصويت مؤخراً وإيجاباً عليه في مجلس النواب الأميركي، تهيئة لعملية إقراره من مجلس الشيوخ الأميركي، ثم توقيعه النهائي من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو ما يمكن توقعه بالفعل بعد أن مر بسلاسة وانسيابية في مجلس النواب الأميركي.
اليوم وقد تم ذلك، فإن كثيرا من المتابعات والمتطلبات باتت تقع على كاهل الحكومة السورية حتى لا يفكر الأميركان مرة أخرى بالعودة إلى صياغات جديدة لقانون “قيصر” وما يشبه “قيصر”، وحتى لا يتم تعويق مسارات التنمية في سوريا التي سبق وأعلن عنها مراراً وتكراراً وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، من أن عام 2026 سيكون عام التنمية السورية وإعادة البناء، وهو عمل تنموي واقتصادي مهم للغاية لا بد له من الاستمرار، دون معوقات جدية.
ويبدو أن بعض المعوقات مازالت مستمرة ومتتابعة، ومنها بالطبع إشكالية شمال شرقي سوريا، وعدم الوصول بعد إلى آلية تنفيذية تؤدي إلى تطبيق فعلي وملموس لاتفاق 10 آذار 2025، الموقع بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي.
إن التمنع من قبل “قسد” مازال مستمراً، فهي لا تريد تطبيق الاتفاق المذكور، ولا تود الاندماج الجدي والحقيقي داخل المؤسسة العسكرية السورية ومن ثم وزارة الدفاع السوري المركزية، ولا المدنية، إلا وفق شروطها التعجيزية، وخاصة ما يتعلق بموضوع إصرارها على مسألة اللامركزية السياسية، التي ستكون (كما يبدو) مدخلاً أساسياً وإجبارياً للفيدرالية والتقسيم، وهو موضوع دستوري لا يحق لأي فئة سورية فرضه على السوريين جميعاً دون عملية استفتاء ديمقراطية عليه.
كذلك فإن إصرار “قسد” على البقاء ككتلة عسكرية كبرى ووازنة ومتماسكة، دون الموافقة على الاندماج أو التفتيت، داخل أتون المؤسسة العسكرية السورية الرسمية، كل ذلك ومعه مسار كل ما يتعلق بالجنوب السوري، واستمرار مجموعة الهجري العسكرية بخطف محافظة السويداء، والتعلق بإسرائيل، وسياسات بنيامين نتنياهو، وعدم القبول بالتعاطي مع حكومة دمشق مما يخلق حالة من التشظي والانقسام، وخطورة ذلك على المستقبل والواقع السوري، حيث تلعب إسرائيل بهذه المسألة، وتريد المساومة عليها عبر مفاوضاتها المتقطعة مع دمشق، تعويقاً للتفاهم الأمني المزمع بين دمشق وإسرائيل.
كثير من التحديات في سوريا أمام الحكومة السورية، التي من الممكن أن يتكئ عليها الفاعل الاستراتيجي الأميركي والغربي عموماً في لحظة زمنية ما، وبالتالي الانزياح إلى حجج وذرائع كي تعود المسألة إلى المربع الأول في عودة العقوبات لا قدر الله. وهو ما لا يجب أن يكون، ولا أن يصير، إذ إنه يكفي سوريا 14 عاماً من الحصار والقمع والقتل وقلة الحيلة، وبالتالي يفترص أن تعمل الحكومة السورية الحالية على الخروج كلياً من عنق الزجاجة، وإعادة صياغة العلاقة مع الداخل وكذلك الخارج وفق مصلحة السوريين وربط أواصر القربى و الحوار والتواصل بين كل الفئات الأثنية والطائفية والأيديولوجية في الواقع السوري، ومن ثم عدم السماح لأي عملية تعدٍ على أي مكون من مكونات المجتمع السوري وإعادة العمل على صياغة العقد الاجتماعي السوري الوطني الجامع، الذي يتم تأسيسه على فكرة الوطنية السورية أولاً، وإعادة إنتاج دولة المواطنة، ولا غيرها يمكن أن يتقدم عليها، بعد أن غيبها نظام الاستبداد الأسدي عقوداً طويلة، عانى الشعب السوري فيها وطوال 54 عاماً من الفساد والإفساد، وخطف الوطن السوري، وإشاعة جو من الرعب والخوف وقمع الكلمة الحرة ، وكم الأفواه، وتفتيت الواقع السوري، حتى باتت سوريا في آخر سلم حقوق الإنسان عالمياً، بعد أن تم هدر إنسانية الإنسان السوري، وإلغاء السياسة من المجتمع على يد الإجرام الأسدي وحكم العصابة الطغيانية الأسدية.
تلفزيون سوريا
———————————
المركزي السوري: إلغاء “قيصر” سيوسع حركة التحويلات المالية
اعتبر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية إلغاء مجلس النواب الأميركي عقوبات “قانون قيصر” نقطة مفصلية للاستقرار النقدي في البلاد.
ويعد “قانون قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات على سوريا منذ عام 2019 أحد أبرز أدوات الضغط الاقتصادي على خلفية الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد بحق السوريين.
ومن شأن إلغاء القانون الذي تضمن عقوبات اقتصادية ومالية واسعة النطاق أن يمهد الطريق أمام عودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية، بما يسهم في دعم مسار التعافي الاقتصادي للإدارة السورية الجديدة.
وقال حصرية لوكالة الأنباء السورية (سانا) إن إلغاء القانون “يمثل محطة مفصلية ستنعكس إيجابا على الاستقرارين النقدي والاقتصادي في سوريا”.
وأضاف أن إلغاء القانون سيفتح المجال أمام:
توسيع حركة التحويلات المالية.
زيادة انسيابية التجارة.
استعادة جزء مهم من الثقة بالقطاع المصرفي السوري.
وشدد على أن مصرف سوريا المركزي سيواصل اتخاذ الإجراءات الكفيلة باستثمار هذه الفرصة بما يخدم استقرار سعر الصرف ودعم مسار التعافي الاقتصادي.
وقال أيضا: “إذا كان إلغاء قانون قيصر يبدو كالمعجزة، فإنه بحد ذاته لن يصنع المعجزات، فالمعجزة الحقيقية تتحقق عندما نعمل جميعا على الاستفادة من هذه الخطوة المهمة في بناء بلدنا ومؤسساته، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وجذب الاستثمارات”.
وفي وقت سابق قال الحصرية -للجزيرة- إن إنهاء العمل بقانون قيصر الأميركي سيكون المحطة الأخيرة والأهم لتمهيد الطريق أمام دمج بلاده في النظام المصرفي العالمي.
وأضاف حاكم مصرف سوريا المركزي أن الحكومة وضعت خططا لتطوير النظام المالي والمصرفي فور رفع عقوبات قيصر، وأن المصرف تلقى تدريبات في وزارة الخزانة الأميركية وتباحث مع بنوك كبرى بشأن خطواته المستقبلية.
تحسن اقتصادي
ونقلت وكالة سانا عن خبراء قولهم إن إلغاء العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وإعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية الحيوية.
واعتبر هؤلاء أن نتائج إلغاء قانون قيصر ستظهر تدريجيا مع تحسن بيئة الأعمال وعودة قنوات التمويل الخارجي، وإتاحة فرص أوسع للاستثمار.
وفي وقت سابق، قال خبراء اقتصاديون -للجزيرة نت- إن إلغاء قانون قيصر يعد محطة مهمة على طريق التعافي الاقتصادي وعودة سوريا إلى النظام المالي العالمي.
ورجح هؤلاء انخفاض أسعار السلع الأساسية بالتوازي مع تحسن سعر صرف الليرة السورية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ومن ثم تحسن النشاط التجاري في الأسواق السورية.
والخميس الماضي أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قانون موازنة الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، ويتضمن بندا يلغي عقوبات قانون “قيصر”.
وينتقل المشروع إلى مجلس الشيوخ، حيث يمتلك الجمهوريون أغلبية مريحة، لتصويت متوقع عليه الأسبوع المقبل قبل نهاية العام الجاري، ثم يوقعه الرئيس ترامب، ليدخل إلغاء العقوبات حيز التنفيذ.
المصدر: الجزيرة + الأناضول + الصحافة السورية
———————————
سوريا تودّع فجوة رقمية مزمنة …مشروع وشيك يحرّرها من العزلة/ ناظم عيد
السبت 2025/12/13
يترقّب السوريون انفراجات وشيكة بشّر بها وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، الذي اختار احتفالية عيد التحرير، ليعد السوريين، في كلمة له من ساحة الأمويين وسط دمشق، بأخبار مُفرحة تخصّ الاتصالات والإنترنت خلال الفترة المقبلة.
وأتبع ذلك بتصريح إعلامي أكد فيه أن سوريا ذاهبة نحو أفضل شبكة إنترنت على الإطلاق، وبما يناسب القرن الحادي والعشرين. وفي ما يشبه التماس التفهّم وتقدير الموقف، قال هيكل:”حقكم علينا، طبيعة مرحلة إصلاح قطاع الاتصالات احتاجت إلى وقت”..
وعد استراتيجي
إلا أن الإعلان الأهم الذي انطوى على أبعاد استراتيجية فنيّة أكثر مما هي شعبويّة، كان ما أعلنه الوزير على أحد حساباته، ويتعلق بمشروع – SilkLink “ﺳﻴﻠﻚ ﻟﻴﻨﻚ”، الذي سيضع سورية على خريطة العالم الرقمية كممر استراتيجي لحركة البيانات بين آسيا وأوروبا.
ويمثل المشروع ـ وفقاً للوزيرـ نقلة نوعية في بنية الاتصالات من خلال إنشاء شبكة ألياف ضوئية جديدة وواسعة، وتسعى الوزارة لتنفيذه بطريقة “PPP” مع نخبة الشركات العالمية، وبأعلى جودة وأسرع وقت.
وأكد هيكل أن “سيلك لينك” هو رؤية لمستقبل رقمي يليق بالسوريين، ويرتقي إلى مستوى قدراتهم وتطلعاتهم الكبيرة، وخطوة لاستعادة مكانة سوريا التاريخية كنقطة لقاء للعالم، ومركز للتواصل والتبادل، تماماً كما كنا على امتداد طريق الحرير.
هواجس وفضول
وأثارت تبشيرات وزير الاتصالات فضولاً كبيراً لدى كل السوريين لمعرفة التفاصيل، وبدرجة أكبر لدى الفنيين والتقنيين في سوريا والمنطقة، الذين يدركون بدقّة متطلبات مشروع كـِ “سيلك لينك”، خصوصاً بالنسبة إلى بلد كسوريا يعاني ما يعانيه من انهيارات في البنى التحتية لكافة القطاعات، ومنها قطاع الاتصالات.
فالمشروع يُصنف بأنه بالغ الإستراتيجية…لذا من البديهي أن تكون الهواجس مشروعة..
من هنا حاولت “المدن” التحرّي عن مزيد من التفاصيل حول المشروع “سيلك لينك”، وتمحورت أسئلتنا لوزير الاتصالات حول ست نقاط: هل تملك سوريا البنية التحتية اللازمة لتنفيذ المشروع ؟ هل لدى سوريا الإمكانات المالية الكافية؟ وفي حال تم المشروع، هل سنشهد توطين مخدمات في سوريا تابعة لشركات كبرى مثل غوغل مثلاً؟ وكيف يمكن استثمار الربط الجديد لتكون سوريا وسيط تخديم لدول الجوار والاقليم والمنطقة؟ وفي حال تم إنجاز المشروع .. ماهو مصير الربط الحالي الذي يخدم سورية عبر قبرص؟ وكم المدة الزمنية التي تتوقعونها لإنجاز المشروع بالنسبة لسوريا؟
في إجاباته على أسئلة “المدن”، أوضح وزير الاتصالات، عبر مكتبه الإعلامي، أن المشروع يهدف إلى تأسيس بنية تحتية جديدة بالكامل من الألياف الضوئية العابرة لسورية، بسعة تصل إلى 100 تيرابت/ الثانية. ويشير إلى أن البنية الحالية غير كافية، لكن يتم تجاوز هذه المشكلة عبر المشروع ذاته، الذي يشكل نقلة نوعية في البنية الرقمية.
تمويل بالشراكة
وبخصوص عقدة التمويل لفتت “الاتصالات” إلى أنه سيتم تمويل المشروع عبر آلية PPP (الشراكة بين القطاعين العام والخاص) ، ويتم الاعتماد على استثمارات من شركات عالمية للمساهمة في التنفيذ.. دون أية تفاصيل أخرى تتعلق بجنسية شركاء التمويل.
وفي الأسابيع المقبلة، سيتم الإعلان عن الشريك الإستراتيجي الذي سيحظى بتنفيذ المشروع، وهو من الشركات العالمية، وتتحفظ “إعلام الاتصالات” على استيضاحنا حول جنسية الشريك الذي سيتم الإفصاح عنه قريباً.
سوريا وسيط إقليمي
يهدف المشروع، وفق الوزير، إلى بناء مركز إنترنت إقليمي في سورية، وهو ما يفتح الباب أمام توطين مخدمات لشركات عالمية مثل “غوغل” ومثيلاتها. كما يتضمّن المشروع تفعيل نقاط اتصال إقليمية مع الأردن، تركيا، العراق، ولبنان، ويهدف إلى جعل سورية مساراً بديلاً يربط أوروبا بالشرق.
هذا يتيح لسورية أن تكون وسيطاً رقمياً يقدم خدمات نقل البيانات والتبادل للدول المجاورة، ما يعزز مكانتها الاقتصادية والتكنولوجية.
الربط مع قبرص باقٍ
أما بخصوص مصير الربط الحالي عبر قبرص، فأوضح أنه لا يمكن الاستغناء عن الربط الدولي مع قبرص، ووُقعت اتفاقية مع شركة ميدوسا لإنزال أول كابل بحري يصل سورية مع إسبانيا.
يذكر أن فكرة مشروع “سيلك لينك” كانت من جملة المصفوفات الكثيرة التي تم تداولها “كأحلام” منذ سنوات.. وأخفقت الدولة ممثلة بوزارة الاتصالات والتقانة في تنفيذها أو حتى مجرّد المباشرة بذلك
———————————
النظام الضريبي الجديد داعم للصناعة السورية
السبت 2025/12/13
أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن النظام الضريبي الجديد يشكّل شريكاً أساسياً في دعم الصناعة السورية وتحفيز النمو الاقتصادي، من خلال تعزيز الشراكة الحقيقية بين الدولة والقطاع الصناعي، بما يسهم في رفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين مستوى الدخل.
وأوضح برنية أن النظام الضريبي الجديد يتضمن إعفاءات وحوافز واسعة تساعد المنشآت الصناعية على تجاوز التحديات، وقد صُمم ليكون داعماً للنمو لا عبئاً على الصناعيين، مشيراً إلى أن سياسة وزارة المالية تقوم على التمكين والشراكة وليس الجباية، بما يسمح بتوسع الإنتاج وتحقيق نمو حقيقي ينعكس إيجاباً على الإيرادات العامة.
وبيّن الوزير أن الحكومة تقدم حزمة إعفاءات وحوافز خاصة للمنشآت الصناعية المتضررة أو المدمرة بهدف إعادة تأهيلها وتشغيلها، لما لذلك من أثر مباشر على تحريك عجلة الإنتاج وتشغيل اليد العاملة. كما أشار إلى التنسيق مع وزارة الاقتصاد والصناعة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، باعتبارها قاعدة صناعية مستقبلية قادرة على خلق قيمة مضافة كبيرة.
وأكد استمرار التعاون مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية لمراجعة سياسات الاستيراد والتصدير والتعرفة الجمركية، بما يحقق توازناً يحمي الصناعة الوطنية من المنافسة غير العادلة ويعزز قدرتها الإنتاجية.
وشدد برنية على أن الدولة ليست منافساً للقطاع الخاص بل شريكاً له، معرباً عن تفاؤله بعودة النشاط الصناعي، ولا سيما صناعة النسيج، وفتح صفحة جديدة مع الصناعيين لإعادة بناء ما تضرر وإحياء الصناعات الوطنية.
———————————
=======================
تحديث 12 كانون الأول 2025
———————————
“قانون قيصر” الأميركي ازاء سوريا… ما هو؟ ماذا يعني إلغاء عقوباته؟/ جوزيف ضاهر
بعد تصويت مجلس النواب الأميركي، ينتظر اقرار مجلس الشيوخ وموافقة الرئيس الأميركي
آخر تحديث 11 ديسمبر 2025
أقر مجلس النواب الأميركي في العاشر من ديسمبر/كانون الأول مشروع قانون دفاعي ضخم هو “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA)، الذي يجيز إنفاقا عسكريا قياسيا يبلغ 901 مليار دولار سنويا، ويتضمن كذلك إلغاء “قانون قيصر” لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019.
ويُعد هذا القانون من أبرز الإجراءات التي اتخذتها واشنطن ضد النظام السوري السابق وحلفائه، ولا سيما بسبب طبيعته الثانوية التي تتيح معاقبة أفراد ومؤسسات أجنبية تتعامل مع كيانات سورية خاضعة أصلا للعقوبات الأميركية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن خلال اجتماع في السعودية مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في مايو/أيار الماضي، عزمه رفع جميع العقوبات عن سوريا، فيما علقت إدارته العقوبات مؤقتا. غير أن إلغاء عقوبات “قيصر” بصورة دائمة لا يتم إلا من خلال تشريع يصدر عن الكونغرس.
ومن المتوقع أن يحظى مشروع قانون الدفاع بالموافقة النهائية قبل نهاية العام، بعد تصويت مجلس الشيوخ، ليوقعه الرئيس ترمب ويصبح نافذا. كما قُدم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مشروع قانون آخر إلى الكونغرس لإلغاء “قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان لعام 2003″، وقانون حقوق الإنسان في سوريا لعام 2012، ومن المرجح أن يُبحث في مطلع العام المقبل.
ما هو “قانون قيصر”؟
يتيح “قانون قيصر” لعام 2019 معاقبة أي حكومة أو جهة خاصة تقدم دعما للنظام السوري السابق أو للكيانات المرتبطة به، أو تسهم في إعادة إعمار سوريا، إضافة إلى أي دعم يقدم لحكومتي روسيا وإيران في سوريا. ويخول القانون الرئيس الأميركي فرض عقوبات على أي شركة أو فرد يستثمر في قطاعات الطاقة أو الطيران أو البناء أو الهندسة في سوريا، وكذلك على من يقدم قروضا للنظام السابق (المادة 102).
كما فتح القانون الباب لاستهداف مصرف سوريا المركزي، بناء على تقرير من وزير الخزانة يحدد ما إذا كانت هناك “أسباب معقولة” للاعتقاد بأن المصرف مؤسسة مالية معنية أساسا بغسل الأموال (المادة 101). وفي ديسمبر 2020، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، أعلن البنك المركزي السوري على قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة، رغم أنه كان محجوبا قانونيا أصلا بموجب الأمر التنفيذي رقم 13582 واللوائح الخاصة بالعقوبات السورية.
ويمنح القانون الرئيس الأميركي، بعد تسعين يوما من دخوله حيز التنفيذ، صلاحية تقييم “الجدوى والمخاطر والمتطلبات العملياتية للوسائل العسكرية وغير العسكرية لتعزيز حماية المدنيين داخل سوريا” (المادة 303).
ويختتم القانون بنصوص تتيح للرئيس تعليق العقوبات (المادة 401)، شرط احترام حقوق الإنسان الأساسية في سوريا وبدء مسار للمساءلة.
النتائج الاقتصادية المتوقعة لإلغاء “عقوبات قيصر”
في هذا السياق، يُرجح أن يسهم إلغاء “قانون قيصر” لعام 2019 في تهيئة ظروف أفضل لمسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في سوريا. فعلى الرغم من أن السلطات في دمشق وقّعت الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار منذ مطلع العام، فإن معظم هذه المشاريع بقي في إطار الإعلان ولم ينفذ فعليا. ومن شأن رفع العقوبات أن يسهل ويُسرع تنفيذ هذه المشاريع، كما من المرجح أن يشجع شبكات الأعمال والمال في الخارج، سواء من السوريين أو من المستثمرين الأجانب، على دخول السوق السورية بعدما كانوا مترددين بسبب تجميد العقوبات مؤقتا وخشيتهم من إعادة فرضها لاحقا.
وإلى جانب رفع عقوبات أخرى مفروضة على كيانات وأفراد وشركات، من المتوقع أن يؤدي إلغاء “قيصر” إلى تخفيف حالة الشك والارتباك التي كانت تقيد عمل المصارف والمصدرين وشركات النقل والتأمين عند التعامل مع سوريا. ما يعني أن القيود المفروضة على التبادل التجاري والمالي ستتراجع، وهو ما يفتح الباب أمام تعزيز اندماج سوريا اقتصاديا في محيطها الإقليمي والدولي. وسيُسهل ذلك أيضا عمليات استيراد السلع والخدمات الأساسية الضرورية لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، لا سيما في القطاعات المتضررة مثل الإسكان والبنية التحتية والخدمات العامة.
غير أن رفع العقوبات، وكما أشير في مقالات سابقة، لا يعني بالضرورة تجاوز التحديات البنيوية العميقة التي تعيق مسار التعافي الاقتصادي. فالمشكلات الهيكلية في الاقتصاد السوري ما تزال قائمة، بدءا من ضعف القطاعات الإنتاجية الأساسية كالزراعة والصناعة، ومرورا بانهيار منظومة الخدمات العامة، ووصولا إلى غياب الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد وتخصيص الإنفاق العام.
ومن دون اعتماد إصلاحات جذرية تضع تحسين ظروف المعيشة والعمل في صدارة الأولويات الوطنية، وتعيد بناء القطاعات الإنتاجية، وتؤسس لنظام حوكمة اقتصادية قائم على الكفاءة والنزاهة، فإن رفع العقوبات قد يتحول إلى فرصة ضائعة. بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دوائر التهميش والتخلف، وتفاقم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، نتيجة استمرار الفساد وتغييب المحاسبة واستبعاد فئات واسعة من المشاركة الاقتصادية.
هل هناك تهديد محتمل للسيادة السورية؟
رغم أن إلغاء “قانون قيصر” يُعد خطوة إيجابية تصب في مصلحة سوريا اقتصاديا وسياسيا، فإن ذلك لا يعني أن القرار جاء من دون شروط وضوابط صارمة. فمشروع قانون الدفاع الأميركي ينص بوضوح على أن الرئيس يحتفظ بحق إعادة فرض العقوبات متى رأى أن ذلك يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي، كما يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية على مدى أربع سنوات، توضح التزام السلطات السورية بجملة من الشروط السياسية والأمنية.
وتتضمن هذه الشروط أن تستمر سوريا في محاربة تنظيم “داعش”، وتواصل انخراطها في التحالف الدولي ضد التنظيم، وأن تضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية، بما في ذلك تمثيلهم في مؤسسات الحكم. كما تُمنع السلطات السورية من القيام بأي عمليات عسكرية أحادية ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، ويُشترط أن تظهر تقدما في تنفيذ الاتفاقات الأمنية الدولية. كذلك يجب أن لا تمول دمشق أو تؤوي أفرادا أو جماعات تُصنف على أنها تهدد الأمن القومي الأميركي أو أمن حلفاء واشنطن، وأن تتخذ خطوات عملية لإبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب العليا في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية. إضافة إلى ذلك، يُطلب من الحكومة السورية فتح تحقيقات رسمية، والمباشرة بمحاكمات بحق المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ تاريخ 8 ديسمبر 2024، بما يشمل مرتكبي المجازر بحق الأقليات الدينية.
ومع أن المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان وضمان المساواة في الحقوق والتمثيل العادل للأقليات الدينية والإثنية عناصر إيجابية ونجاحات مهمة لأنصار سوريا أكثر ديمقراطية وشمولية، فإن هذه المتطلبات تقوّض السيادة الوطنية السورية بطرق مهدِّدة. وإلى جانب ذلك، فإنها تعزز الهيمنة السياسية لواشنطن على دمشق عبر فرض شروط تخدم مصالحها الجيوسياسية ومصالح حلفائها الإقليميين، ولا سيما إسرائيل. فالنصوص القانونية توكل إلى دمشق، بشكل غير مباشر، مهمة حماية أمن إسرائيل، على الرغم من استمرار الأخيرة في شن هجمات على الأراضي السورية، وارتكاب انتهاكات واحتلال مناطق من الجولان. كما يُحتمل أن تستغل هذه الشروط في تجديد المطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، ضمن أي اتفاق محتمل لوقف الضربات أو تسوية الصراع على الجبهة الجنوبية.
إن الرسالة الأميركية واضحة، وتتلخص في أن رفع العقوبات وإنهاء العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة على سوريا مشروطان بقبول السلطات السورية توجيهات واشنطن، وضمان مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين. وبذلك، يتحول ملف العقوبات من أداة للضغط السياسي إلى أداة لإعادة صياغة شروط العلاقات الوطنية، وإعادة تشكيل موقع سوريا الإقليمي وفقا لمصالح خارجية قد لا تراعي بالضرورة أولويات الداخل السوري.
المجلة
———————————
سوريا تسقط قيصر.. لحظة فاصلة بين ذاكرة التحرير وبداية الخروج من الحصار/ نوار شعبان
2025.12.12
في الذكرى التي يستعيد فيها السوريون تفاصيل يوم التحرير وسقوط منظومة الأسد وأعوانه، يتقاطع المشهد الوطني مع حدث دولي غير مسبوق. الكونغرس الأميركي يصوّت على إلغاء قانون قيصر، القانون الذي شكّل منذ عام 2019 أحد أكبر أنظمة العقوبات التي فُرضت على سوريا خلال سنوات النزاع. هذا القرار لا يعبّر فقط عن تحول في المزاج السياسي داخل واشنطن، بل يعكس إدراكًا دوليًا بأن سوريا الجديدة التي تشكّلت بعد ديسمبر 2024 تختلف جذريًا عن سوريا التي فُرض عليها هذا القانون قبل خمسة أعوام. هكذا يصبح إلغاء قيصر حدثًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد، يتجاوز حدود القرار التشريعي ليعبّر عن تغيّر عميق في كيفية نظر العالم إلى الدولة السورية الجديدة.
لقد جاء قانون قيصر في مرحلة كان فيها النظام السابق محاصرًا داخليًا وخارجيًا، وكانت العقوبات تُقدَّم كأداة لردع الانتهاكات ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد والسلطة. لكن الواقع الذي عاشه السوريون كان أشد قسوة من النوايا المعلنة، فالعقوبات لم تتوقف عند رموز النظام السابق، بل امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، فأصيبت القطاعات الأساسية بالشلل، وارتفعت تكاليف المعيشة، وتوقفت مشاريع إعادة الإعمار، وتجنبت الشركات الدولية العمل في سوريا خوفًا من التعقيدات القانونية. وحتى الاستثناءات الإنسانية لم تمنع تعطّل تحويلات المغتربين أو أزمة تأمين المستلزمات الطبية أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية نتيجة للقيود المصرفية التي فرضت عزلة خانقة على الاقتصاد السوري.
ومع سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، تغيّر المشهد بالكامل. فالدولة الجديدة التي بدأت تتشكّل على أنقاض السلطة القديمة ليست امتدادًا لها، بل مشروع سياسي مختلف يحاول إعادة بناء المؤسسات، وإعادة ترتيب العلاقات الخارجية، وفتح صفحة مختلفة مع المجتمع الدولي. في هذا السياق، يصبح استمرار العقوبات سابقًا لا معنى له، لأنها صُممت للتعامل مع نظام لم يعد موجودًا. ومن هنا، فإن إلغاء القانون لا يمثل مكافأة سياسية بقدر ما يعكس فهمًا بأن أدوات الضغط القديمة لم تعد مناسبة لواقع مختلف، وأن سوريا الجديدة بحاجة إلى بيئة اقتصادية تستطيع من خلالها إعادة بناء الدولة المتهالكة.
قرار الكونغرس بإلغاء قيصر يحمل رسائل متعددة. أولها أن الولايات المتحدة باتت مستعدة للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة باعتبارها شريك، وليس كيانًا خارج الشرعية الدولية. وثانيها أن المجتمع الدولي يرى أن فتح المجال الاقتصادي أمام سوريا سيُسهم في تعزيز الاستقرار الداخلي، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل استمرار القيود الخانقة التي أعاقت الصناعة والتجارة والمصارف طوال السنوات الماضية. ورسالته الثالثة أن البلاد لم تعد تُعامل كملف أمني مغلق، بل كدولة تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى دعم اقتصادي مدروس كي لا تنزلق إلى أزمات أعمق.
تأثير القرار لن يكون آنياً، لكنه سيكون ملموسًا في المدى القريب والمتوسط. فالمصارف الدولية ستبدأ بالتعامل بحذر أقل، والشركات ستعيد النظر في دخول السوق السورية، ومشاريع الإعمار ستستعيد إمكاناتها بعد أن كانت مجمّدة. وستتمكن الحكومة من فتح خطوط ائتمان جديدة، والتفاوض مع مؤسسات التمويل الدولية، وجذب استثمارات في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة. كما سيخف الضغط على سعر الصرف نتيجة لانفتاح القنوات المالية، وسيتمكن السوريون في الخارج من تحويل أموالهم بطرق أسرع وأقل كلفة. وحتى القطاعات الإنسانية ستستفيد من إزالة التعقيدات التي كانت تجعل استيراد المعدات الطبية أو إرسال الدعم اللوجستي عملية شديدة الصعوبة.
إن الرمزية التي يحملها القرار لا تقل أهمية عن أثره الاقتصادي. ففي اليوم الذي يستعيد فيه السوريون ذكرى تحرر بلادهم من النظام السابق، يفتح العالم أمامهم نافذة جديدة للخروج من الحصار. فالتحرير السياسي لا يكتمل إلا بتحرير الاقتصاد، وإلغاء قيصر يشكل أحد أهم مفاتيح هذا التحرير. إنه إعلان بأن سوريا ليست محكومة بالبقاء في هامش النظام الدولي، وأنها قادرة على استعادة مكانتها تدريجيًا إذا واصلت بناء مؤسساتها الجديدة ومنع إعادة إنتاج دوائر الفساد والسلطة التي كانت تحكمها لعقود.
ورغم ذلك، فإن رفع العقوبات لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يمنح البلاد فرصة للعمل، وهي فرصة لا بد أن ترافقها إصلاحات داخلية، ومكافحة للفساد، وتثبيت للاستقرار الأمني، وبناء لثقة المستثمرين، وإعادة تنظيم الهياكل الاقتصادية. الطريق طويل، لكن ما تغيّر اليوم هو أن البلاد أصبحت قادرة على السير فيه بعدما أزيح عن كتفيها أحد أثقل الأحمال التي كبّلتها خلال السنوات الماضية.
إن لحظة إلغاء قيصر ليست مجرد خطوة تشريعية، بل هي محطة في سردية سوريا الجديدة، دولة تحاول الوقوف بعد سقوط طويل، وتعيد بناء علاقتها بالعالم، وتبدأ بفتح الأبواب التي أُغلقت في وجهها لسنوات.
وبين ذاكرة التحرير وقرار واشنطن، يتشكل فصل جديد من قصة البلاد، فصل عنوانه أن سوريا تتقدم نحو المستقبل لا بوصفها بلدًا محاصرًا، بل بلد يستعيد مكانه وحقه في أن يعيش ويُبنى من جديد.
تلفزيون سوريا
———————————
سُوريا تطوي صفحة َ«قانون قيصر»!
غيّر فريد ندى المذهان، الرئيس السابق لقلم الأدلة في الشرطة العسكرية في دمشق، تاريخ سوريا حين قرّر عام 2014، أن يخاطر بحياته، ويهرب إلى خارج البلاد حاملاً قرابة 45 ألف صورة التُقطت بين الأعوام 2011- 2013 لجثامين وفيّات، ماتَ أغلبهم تحت التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، وهو ما صار الملفّ الأكثر شمولاً ودقةً للجرائم المهولة التي ارتكبها نظام بشار الأسد ضد السوريين الذين ثاروا ضد نظامه عام 2011.
تحت الاسم المستعار، قيصر، تواصلَ المساعد أول السابق في الجيش، مع معارضين سوريين ساهموا في تخفّيه، وفي دراسة وتصنيف وتحليل الصُور في مختبرات مؤسسات قانونية ومحاكم، فتمكن الآلاف من معرفة مصيرِ أقاربهم المعتقلين أو المختطفين قسراً، واستفادت منظماتُ حقوق الإنسان العالمية من هذه الوثائق في إعداد تقارير بشأن ظروف الاحتجاز في سوريا قُدّمت في محاكم لسوريين كانوا يعملون في أجهزة النظام السابق، واعتُقلوا بتهم التعذيب والخطف والقتل.
كلّفت قطر شركة محاماة في بريطانيا بتعيين مدّعين دوليين سابقين وخبراء في الأنثروبولوجيا الطبية نشروا تقريراً أكد في العام 2014 صحة الصور التي التقطها قيصر، وحسب تصريح أحدهم، البروفسور ديفيد، «تثبت هذه الصور وجود صناعة قتل لم نشهدها منذ الهولوكوست».
عُرض الملف، عام 2014، خَلف أبواب مغلقة أمام 11 وزير خارجية، وفتح المدعي العام في باريس بعدها تحقيقاً في جرائم الحرب التي مارسها نظام الأسد، ونجحت الجهات التي حافظت على سرّية «قيصر» في إيصال الملفّات إلى الكونغرس الأمريكي الذي أقرّ في عام 2016 «قانون قيصر لحماية المدنيين» الذي فَرض عقوبات على الكيانات التي تتعامل مع حكومة الأسد وأجهزتها العسكرية والاستخبارات، وتضمّن القانونُ عقوبات على النفط ومصادر الطاقة، وإعادة الإعمار.
أصبح القانون جزءًا من «قانون إقرار الدفاع الوطني» للسنة المالية 2020، وتم إلغاؤه في مجلس النواب أيضاً أول أمس الأربعاء، ضمن حزمة مشاريع القانون نفسه، وبعد إقرار مجلس الشيوخ والرئيس الأمريكي، المتوقعان خلال فترة قريبة، ستتحرر سوريا من أكبر قيدٍ على اقتصادها وعمرانها واجتماعها منذ بداية تاريخها كدولة حديثة.
شكّلت مخاطرة قيصر إنجازاً كبيراً أدى في النهاية لنشر الوعي العالمي حول الفظاعات التي تعرّض لها الشعب السوري، وكان إقرار قانون قيصر، في أمريكا، ذروةً لكفاح كبير شاركت فيه شخصيات وجهات ودول عربية وغربية، ويتوّج إلغاءُ مجلس النواب الأمريكي لهذا القانون، بدوره، ذروةً للملحمة السورية الطويلة التي انطلقت عام 2011، وسجّلت انتصارا هائلاً بإسقاط النظام في 8 كانون اول/ ديسمبر 2024، وها هي تعطي معنى سورياً وعربياً وعالمياً لهذه الملحمة الشعبية الكبيرة.
كَسرُ هذا القيد الكبير، هو مكافأة للسوريين على نضالهم الطويل، وهو ما سينعكس بالتأكيد على البلدان العربية المجاورة، والمحيط الإقليمي، الذي عانى، بسبب نظام الأسد، من استعصاء سياسي واقتصادي وتاريخي هائل. كان لافتاً، في هذا السياق، تعليق المذهان (قيصر) نفسه على الحدث، بقوله: «ها نحن اليوم، بفضل الله، نخطو نحو انفراج طال انتظارُه، وتُطوى صفحاتٌ مريرة أثقلت كاهل الجميع».
القدس العربي
———————————
سوريا نحو الاندماج بالاقتصاد العالمي بعد إلغاء الكونغرس الأمريكي «قانون قيصر»/ هبة محمد
عقب إلغاء مجلس النواب الأمريكي، «قانون قيصر» تمهيداً لرفعه نهائياً، والتخلص من العقوبات القاسية عليها، باتت سوريا، حسب ما قال محللون لـ»القدس العربي» أقرب للاندماج فعليا في النظام الاقتصادي العالمي، وتشغيل نظام التحويلات المالية، وتهيئة بيئة اقتصادية لتنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات التي عقدتها مع دول وشركات عالمية للمشاركة في إعادة الإعمار، فضلا عن إمكانية استقطاب القروض.
قرار النواب الأمريكي
وأقرّ مجلس النواب الأمريكي، ليل الخميس، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي لعام 2026، متضمنا بندا يقضي بالإلغاء الكامل لـ»قانون قيصر» الذي فرض بموجبه أشد العقوبات على سوريا.
ويُعاد المشروع إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه قبل إحالته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوقيع، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية في خطوة من شأنها فتح الباب أمام مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة في البلاد.
وجاء التصويت بأغلبية واسعة بلغت 312 صوتا مقابل 112 لتمرير مشروع ميزانية الدفاع بمبلغ قيمته 900 مليار دولار، تشمل زيارة رواتب العسكريين بنسبة 3.8% إضافة إلى تحسينات الإسكان والمرافق العسكرية، مع تعزيز إشراف الكونغرس على وزارة الحرب «البنتاغون» في حل وسط بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. واعترض عدد من النواب المحافظين لأن مشروع القانون لا يفعل المزيد لخفض الالتزامات الأمريكية في الخارج.
ويبدأ تفعيل القانون أول يناير/كانون الثاني 2026، مما يلغي «قانون قيصر» نهائيا، بعد سنوات من فرضه على سوريا، لتنهي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأمريكية على دمشق بعد إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.
العقوبات على سوريا خلال حكم الأسد
رئيس المجلس السوري الأمريكي، فاروق بلال، قال لـ «القدس العربي» إنه «خلال خمسة عقود من حكم الأسد البائد، أصبحت سوريا هدفا لسلسلة واسعة من العقوبات الأمريكية والغربية نتيجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام، وسياساته العدوانية القائمة على دعم الإرهاب وتصدير الأزمات إلى دول الإقليم والعالم».
وزاد: «بعد سقوط النظام السوري وهروب بشار الأسد، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارا تاريخيا يقضي بإلغاء معظم العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وذلك في إطار دعم الإدارة الأمريكية للحكومة السورية الجديدة، وإنهاء مرحلة طويلة من العزلة الاقتصادية والسياسية التي عاشتها البلاد».
قانون قيصر ظل حسب المتحدث «العقبة الأكبر»، نظرا لكون إلغائه «يحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي. ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام، بدأنا في المجلس السوري الأمريكي، وبدعم غير محدود من الجالية السورية في الولايات المتحدة، العمل على المطالبة بإلغاء هذا القانون. وقد تضافرت جهودنا مع جهود الحكومة السورية الجديدة حتى وصلنا إلى النسخة الأخيرة التي أقرّها مجلس النواب ضمن حزمة موازنة وزارة الدفاع لعام 2026، والتي تنص على إنهاء «قانون قيصر» بشكل كامل ومن دون أي شروط ملزمة».
المراحل المقبلة
النسخة النهائية، وفق بلال «سترفع إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليها الأسبوع المقبل، ثم تحال إلى الرئيس الأمريكي للتوقيع عليها كي تصبح قانونا نافذا، حيث توقع المتحدث «أن تكتمل هذه العملية قبل عطلة عيد الميلاد».
واعتبر المتحدث أن «إلغاء قانون قيصر سيساهم بشكل مباشر في تهيئة البيئة الاقتصادية المطلوبة لتنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات التي عقدتها سوريا مع عدد من الدول والشركات العالمية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا. كما سيفتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات الخارجية في مختلف القطاعات الحيوية».
وأشار إلى أن «الكرة الآن في ملعب الحكومة السورية الجديدة لاتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية مشجعة تعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وتطلق مرحلة جديدة من النمو، والاستقرار، وإعادة البناء».
نقطة تحول
وتبدأ مرحلة جديدة في سوريا مع إلغاء قانون قيصر، حسب ما وصف الخبير الاقتصادي سمير سعيفان في حديثه مع «القدس العربي» حيث قال إن إلغاء القانون، الذي أقرّه مجلس النواب وينتظر موافقة مجلس الشيوخ «كتحصيل حاصل» ثم توقيع الرئيس ترامب، يمثل خطوة حاسمة تشبه «السقوط الثاني» بعد سقوط نظام الأسد. وأوضح أن هذه الخطوة تفتح الباب الثاني أمام سوريا للانطلاق مجددًا، بعد إسقاط النظام الذي فتح الباب الأول، وأصبحت سوريا بالتالي أمام مرحلة جديدة وتحديات كثيرة صعبة.
أهمية الإلغاء للنظام المالي والاقتصادي
ويضيف سعيفان أن لهذه الخطوة أهمية قصوى لأنها تمكن النظام البنكي السوري من العودة للعمل وربط سوريا ماليا بالعالم، وهو ما يفتح الباب أمام البنوك الخاصة كي تزيد رؤوس أموالها إلى جانب إصلاح بنوك القطاع الحكومي، مما يجعلها وعاء لإدارة الاستثمارات والمساعدات المالية، وأن تلعب الدور الأساسي في تمويل التنمية وتقديم بقية الخدمات أسوة ببلدان العالم، فبدون نظام ومؤسسات مالية ومصرفية حديثة لا يمكن للاستثمارات أن تأتي وتعمل في سورية، وأشار إلى أن غياب نظام مصرفي فعال يعيق أي نشاط اقتصادي، وأن تجربة العام الماضي، حين تم تجميد قانون قيصر لمدة ستة أشهر ثم تمديده، لم تحقق الكثير من المتغيرات، إذ تحسنت بعض الجوانب بينما تفاقمت أخرى، خصوصا الغلاء المعيشي.
النظام المصرفي والاستثمار: الطريق لإعادة الإعمار
وفي ضوء ذلك، يوضح سعيفان أن رفع العقوبات وإعادة تشغيل النظام البنكي والمالي في سورية يفتح المجال تدفق الاستثمارات والمساعدات والحصول على القروض، بما يمكن من إعادة إطلاق الاقتصاد السوري وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي عملية معقدة وتتطلب مبالغ هائلة، وقدّر البنك الدولي حجمها الأولي بأكثر من 200 مليار دولار، مع احتمال أن تكون المبالغ أعلى أو أقل.
لافتا إلى ان تنفيذ هذه الخطوات يمهد لإعادة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، ويحسن ظروف المقيمين في المخيمات بعد سنوات من المعاناة، ويعالج التأثيرات الكارثية على التعليم والثقافة والتكوين المهني والنفسي للسكان.
إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية
وتعتبر هذه المرحلة وفق الخبير الاقتصادي السوري فرصة لإطلاق برامج شاملة لإعادة الإعمار المادي، التي تشمل البنية التحتية، والمساكن، والمدارس، والمستشفيات، والمباني الإدارية، فضلا عن التنمية المجتمعية، حيث قال: إن سقوط قانون قيصر يفتح الطريق أمام كل هذه الجوانب التي تحدثنا عنها والتي تحتاج اليوم إلى تحضير رؤية لكل منها، وأن يتم تشكيل ورش لدراسة ومناقشة هذه المسائل وإعداد برامج لإعادة اللاجئين والنازحين والمقيمين في الخيام، وبرامج أخرى لإطلاق الاقتصاد، ولتنظيم عملية إعادة الإعمار وما تحتاجه وكيف ومن أين نبدأ، حيث شهدنا من قبل مجرد مناقشات ثانوية لكن لم توضع برامج فعلية، ومن هنا تحتاج الحكومة إلى برامج كثيرة وإطلاق ورش لمناقشة كل جانب من هذه الجوانب وهو عبء كبير يتطلب من الحكومة والسلطة الانتقالية أن تكون أكثر انفتاحا بمشاركة خبرات واسعة جدا في هذا المناقشات وأن تعتمد على الكادر الكفء في إدارة هذه الجوانب المختلفة، وبنفس الوقت لا بدها لها أن تطلق عملية إعادة بناء وهي إعادة إعمار مادي للبنية التحتية والمساكن والمباني الإدارية والمستشفيات التي هدمت والبيوت التي تضررت والمدارس وغيرها».
كما أوضح سعيفان أن إلغاء قانون قيصر وتدفق المساعدات والاستثمارات يتيح للحكومة أن تطلق برامج لإعادة اللحمة للمجتمع السوري الذي تأذى بسبب الحرب وبسبب أحداث العام الجاري في الساحل والسويداء، كما يمكنها من إطلاق برامج لتطوير الكوادر الحكومية وبناء جيش محترف وجهاز شرطة وفق المعايير الدولية، وتطوير الهياكل المؤسسية لدولة وترسيخ العقلية المؤسسية لدى كوار الخدمة العامة، وهذه كلها أهداف حيوية لضمان الاستقرار المؤسسي والاجتماعي».
وشدد على أن البيئة الاستثمارية تتطلب الحد من الفساد إلى مستويات منخفضة، إذ ابتليت سورية بالفساد خلال العقود الماضية وتفشى كالسرطان في الجسم وأصبح مبرر مجتمعيًا، فإن ظل الفساد متفشيًا ومبرر اجتماعيًا، فلن تتدفق الاستثمارات بشكل فعّال، وستظل النتائج الاقتصادية محدودة.
أثر الإلغاء على حياة المواطن
وفيما يتعلق بحياة المواطن السوري اليومية، أكد سعيفان أن المواطن يشعر بالأثر الإيجابي لإلغاء قانون قيصر يبدأ، في ظل معدلات بطالة وفقر مرتفعة للغاية، أولا من خلال حصوله على فرصة عمل وراتب يضمن له حياة كريمة، . وعندما يحصل على خدمات تعليم جيدة وخدمات صحة جيدة وسكن جيد، ويبدأ المواطن يشعر بالنتائج الإيجابية لإلغاء قانون قيصر عندما يرى أن جهود إعادة بناء منزله قد بدأت، وفي سورية أكثر من 300 ألف منزل مدمر وأكثر من 700 ألف بيت متضرر، «وسيشعر المقيمون في المخيمات بالآثار الإيجابية لإلغاء قانون قيصر عندما يرى برامج محددة لمغادرتهم الخيام الى مساكن دائمة، سواء بعد عدة أشهر أو عام أو أكثر، وعدم ترك هذا الملف معلقا كما في الماضي. وأكد أن رفع العقوبات، جنبا إلى جنب مع تنفيذ الخطوات الاقتصادية والاجتماعية، سيمكن المواطن من ممارسة حريته وكرامته التي ثار من أجلها ودفع أثمان باهظة على مدى 14 عام، وأن يرى وطنه أخيرًا ينعم بالحريات العامة في التنظيم والتعبير والاعتقاد، وبما يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في سوريا».
مكسب سياسي
في السياق ذاته، قال المحلل السياسي أحمد هواس إن إزالة «قانون قيصر» خطوة مهمة على اعتباره مكسبا سياسيا كبيرا للسوريين، خاصة أن هذا القانون فرض على النظام السوري السابق في عام 2019، لكنه بقي سيفا مسلطا على رقاب المواطنين.
وأوضح في حديثه مع «القدس العربي» أن السنوات التي تلت تحرير سوريا شهدت مجموعة من العقبات والتحديات أمام الدولة السورية، أبرزها العقوبات المفروضة من بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1970، لكن أقسى هذه العقوبات كان «قانون قيصر» الذي منع التحويلات البنكية وأثر بشكل مباشر على الاقتصاد والطيران وحياة المواطن السوري اليومية.
انعكاسات الإلغاء
وفي ضوء ذلك، أشار هواس إلى أن إزالة «قانون قيصر» سينعكس إيجابا على سوريا من ناحيتين أساسيتين. أولا، من الناحية الاقتصادية، ويعني ذلك اندماج سوريا فعليا في النظام الاقتصادي العالمي، وتشغيل نظام التحويلات المالية، وإمكانية استقبال إيداعات بنكية في المصارف السورية من قبل الدول الداعمة.
وأضاف أن الخطوة ستتيح عقد مؤتمرات لإعادة بناء سوريا، ودخول شركات النفط والغاز والطاقة بشكل عام، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا يعزز استقرار الليرة السورية ويمنح الاقتصاد جرعة من الثقة المطلوبة لبدء مرحلة جديدة من التعافي والنمو.
الأبعاد السياسية
وعلى المستوى السياسي، أوضح هواس أن سوريا تعود بشكل طبيعي للاندماج في المجتمع الدولي والنظام العالمي، مما يرسل مجموعة من الإشارات المهمة، أبرزها رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في أن تكون سوريا دولة مستقرة.
وأشار إلى أن «هذا التوجه يعني أن أي جهود انفصالية، سواء من قبل «قسد» في الشمال الشرقي أو في الجنوب في منطقة السويداء، لن تثمر، مما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي على حد سواء».
واختتم حديثه بالقول إن إلغاء «قانون قيصر» يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، تشير إلى مستقبل أفضل، يمكن فيه للمواطنين والشركات والحكومة أن يتحركوا بحرية أكبر، وأن تبدأ البلاد حقا في استعادة مكانتها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، مع توفير مؤشرات قوية على تحسن البيئة الاستثمارية وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية في مستقبل سوريا.
القدس العربي
—————————————
كسر الجليد: “شيفرون على الساحل السوري”/ مازن الشاهين
اختيار “شيفرون” لم يكن عبثياً، فالشركة التي انسحبت من السوق السورية عام 2004، تملك شبكة واسعة من المشاريع في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
2025-12-12
في خطوة وُصفت بأنها سياسية بقدر ما هي اقتصادية، بدا اللقاء بين دمشق وإحدى كبريات شركات الطاقة الأميركية مؤشراً على تحوّل أعمق في المقاربة الدولية تجاه سوريا، حيث لا تتحرك الشركات الكبرى في بيئات ما بعد النزاع دون غطاء سياسي مباشر، ولا تُفتح ملفات الطاقة بمعزل عن الحسابات الجيوسياسية. فالاجتماع، وفق قراءات متقاطعة، لم يكن مجرد بحث تقني في الغاز والنفط، بل رسالة عن بداية تفكيك تدريجي للعزلة، ورهان على الاقتصاد كبوابة لإعادة التموضع الدولي، مع بقاء العقوبات رهناً بقرار سياسي، وملف الطاقة منصة لاختبار علاقة جديدة قد تعيد رسم موقع سوريا على خريطة شرق المتوسط.
المبعوث قبل المستثمر
يرى المحلل السياسي نجم العبدالله أن ما يجعل هذا الاجتماع حدثاً مفصلياً ليس اسم “شيفرون” فحسب، بل جلوس المبعوث الأميركي توماس باراك إلى يمين الرئيس الشرع، وفي العُرف الديبلوماسي الاقتصادي لا تتحرك الشركات الأمريكية بهذا الحجم في مناطق النزاع أو الدول الخاضعة للعقوبات دون “ضوء أخضر” ساطع من البيت الأبيض.
يرى العبدالله في تصريحات لـ”963+” أن حضور المبعوث الأميركي توماس باراك يعكس تمسّك واشنطن بنفوذها في شرق المتوسط، ويدل على أن دخول “شيفرون” يمثل إعادة تموضع أميركية وتجميداً ضمنياً للعقوبات، مع بداية استثناءات لقطاع الطاقة ورسالة طمأنة للأسواق بأن دمشق باتت بيئة قابلة للاستثمار، مؤكداً أن الملف يُدار سيادياً لا تجارياً، وأن الحكومة تراهن على الاقتصاد لكسر العزلة السياسية عبر خلق واقع يفرض نفسه دولياً ويولّد لوبي ضغط داخل واشنطن لصالح التطبيع.
ويضيف أن الاتصالات بدأت قبل شهرين ضمن تنافس غاز المتوسط، وأن الاجتماع كان “بروفة” لعودة سوريا إلى الخارطة الدولية بوابةً أميركية، رغم بقاء عقبات قانونية مرتبطة بـ”قانون قيصر” واحتمال تعقيدات جيوسياسية مع روسيا التي تعد الساحل منطقة نفوذ استراتيجية لها.
لماذا “شيفرون”؟ ولماذا الساحل؟
اختيار شركة “شيفرون” والتركيز على السواحل السورية يحمل أبعاداً استراتيجية مهمة، كما يقول المهندس إياد العلوان مدير سابق في وزارة النفط السورية في تصريحات لـ”963+”.
ويضيف: اختيار “شيفرون” تحديداً لم يكن عبثياً، فالشركة التي انسحبت من السوق السورية عام 2004، تملك شبكة واسعة من المشاريع في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، خاصة في إسرائيل ومصر وقبرص. وعودتها المحتملة إلى الساحل السوري تعكس اهتماماً استراتيجياً بالثروات البحرية السورية، التي يُعتقد أنها تحتوي على احتياطيات ضخمة غير مستغلّة من الغاز الطبيعي، لكنها بقيت خارج نطاق التطوير بسبب العقوبات والصراع الداخلي. وأن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك حجم احتياطيات الغاز الكامنة في شرق المتوسط، ودخول شركة أمريكية إلى هذا المربع في سوريا يعني حجز مقعد لواشنطن في سوق الطاقة المستقبلية للمنطقة، وقطع الطريق على الانفراد الروسي أو الصيني بالموارد السورية، التي تحتاج إلى التكنولوجيا ورأس المال. حيث يعاني قطاع النفط السوري من تهالك البنية التحتية، و”شيفرون” لا تملك المال فحسب، بل تملك تكنولوجيا الحفر في المياه العميقة التي تفتقر إليها الشركات المحلية والحلفاء التقليديون لسوريا حالياً.
ويشير العلوان إلى أن الاجتماع يأتي في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة هيكلة قطاع الطاقة الذي تضرر بشدة خلال السنوات الماضية، وسط تراجع في الإنتاج المحلي وارتفاع فاتورة الاستيراد.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 70 ألف برميل يومياً، مقارنة بأكثر من 450 ألفاً قبل عام 2011. وتأمل الحكومة السورية في جذب استثمارات أجنبية لإعادة تشغيل حقول الغاز والنفط، مستفيدة من الاستقرار النسبي في الساحل السوري وبنية تحتية قائمة يمكن تطويرها بتكاليف أقل من إنشاء مشاريع جديدة.
ومن الناحية الجيولوجية، تقع السواحل السورية ضمن نطاق شرق المتوسط الغني بالغاز الطبيعي، حيث تعمل شركات أمريكية وأوروبية بالفعل في مياه إسرائيل وقبرص ومصر، وتشير المعلومات إلى أن الاحتياطيات البحرية السورية قد تصل إلى 250 مليار متر مكعب من الغاز، ما يجعل أي مشروع استكشافي محتملاً ذا أهمية استراتيجية لشركات الطاقة الكبرى.
مخاطر الاستثمار في مناطق ما بعد الصراع
يشير الخبير في العلاقات الدولية يوسف الخياط في تصريحات لـ”963+” إلى أن شيفرون ستبدأ بخطوات صغيرة جداً (مسح، دراسة، تقييم)، وأن الدخول الكامل ليس قريباً ما لم يستقر الملف السياسي. وقد طرحت شيفرون أسئلة حول الإطار التشريعي والقانوني، فأي اتفاق يحتاج إلى استثناءات من العقوبات الأميركية، وهو أمر ممكن قانونياً، لكنه قرار سياسي من واشنطن بالدرجة الأولى ولا شيء مستحيلاً إذا كانت هناك إرادة سياسية، لكن الشركات الأميركية لن تتحرك دون ضوء أخضر كامل، ووجود المبعوث الأميركي كان الإشارة الأوضح إلى أن الملف يتجاوز الأبعاد التقنية، وأن ملف الطاقة منصة لبناء علاقة جديدة بين الطرفين. وقد اختارت واشنطن، بحسب الخياط، الباب الأقل حساسية لفتح قناة مع دمشق، والاجتماع بين دمشق وشيفرون ليس مجرد لقاء تقني ولا حدثاً اقتصادياً عابراً، بل لحظة مفصلية تعكس تغيراً في معادلات المنطقة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات كان يُعتقد أنها غير ممكنة قبل سنوات. بالمقابل، يقول الاقتصادي السوري حسام عرنوس في تصريحات لـ”963+” إن أي تعاون مع شركة أميركية بحجم شيفرون سيعيد ثقة الشركات العالمية، فهو اختراق سياسي واقتصادي في آن واحد. وشيفرون لا تدخل منطقة من دون دراسة سياسية وتجارية معمّقة، وحضورها يعني أنها ترى احتمالات حقيقية في السواحل السورية، وهي تطلب شفافية وضمانات تحكيم مستقلة. وأي اتفاق سيفتح الباب لإصلاحات اقتصادية أوسع، ربما عبر تشكيل لجنة مشتركة لمراجعة التشريعات
أما الفوائد المحتملة فهي رفع إنتاج الكهرباء بشكل كبير، وتخفيف فاتورة استيراد المشتقات، وهامش مالي جديد للخزينة، وخلق فرص عمل في الساحل، وتحسين الخدمات العامة. ويختم عرنوس: “قد لا تأتي الحفارات غداً، لكن اللحظة السياسية ـ الاقتصادية التي سمحت بهذا الاجتماع هي ما سيكتب مستقبل الساحل السوري”. وتابع لـ”963+” أبرز التعليقات من الجانب الأميركي حول الاجتماع بين دمشق وشيفرون عبر الفضاء الإلكتروني: جون ماكفيرسون ـ مستشار سابق في وزارة الطاقة الأمريكية، قال: “شيفرون لا تختبر المياه عبثاً، مجرد موافقتها على حضور اجتماع بهذا المستوى يعني أن الشركة ترى احتمالات تجارية حقيقية، لكن القرار النهائي سيعتمد على قدرة سوريا على تقديم ضمانات سيادية قوية وحماية للاستثمارات”. أليسون باركر ـ خبيرة شؤون الشرق الأوسط في معهد بروكينغز، قالت: “الاجتماع يمثل تغيراً في لغة السياسة الأمريكية تجاه دمشق. واشنطن لا ترغب في خسارة شرق المتوسط لصالح روسيا وتركيا، وملف الطاقة قد يكون مدخلاً لإعادة الحضور الأمريكي بطريقة هادئة”.
وقال ديفيد رولينغ ـ محلل جيولوجي في شركة خدمات استكشافية أميركية: “النقطة التي يجب التأكيد عليها هي أن الساحل السوري يقع ضمن حزام جيولوجي يمتد من دلتا النيل إلى قبرص ولبنان الاحتمالات متوسطة إلى عالية، لكن من الصعب تقدير الأرقام دون مسوحات ثلاثية الأبعاد حديثة”.
كاثرين ميلر ـ خبيرة قانون الطاقة في جامعة جورجتاون، قالت: “أي عقد سيُبرم بين الحكومة السورية وشيفرون سيحتاج إلى مسار معقد لتجاوز العقوبات. من الناحية القانونية الأمر ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب قراراً سياسياً واضحاً من البيت الأبيض”.
+963
———————————
العودة بعد 40 عاماً: البنك الدولي يعلن مصافحة دافئة مع سوريا/ ناظم عيد
الجمعة 2025/12/12
قطع محمد يسر برنية، وزير المالية السوري، الطريق على أي هواجس يمكن أن تعتري السوريين في علاقة بلدهم مع البنك الدولي، لجهة اشتراطات التمويل التقليدية التي يتوجس خبراء التنمية عادة من انعكاساتها الاجتماعية في بلدان العالم الثالث، بناءً على قراءات وتجارب سابقة. خصوصاً إن لم تحظ تمويلات مؤسسات الإقراض الدولية بإدارة كفؤة عندما يتعلق الأمر بالقروض التمويلية.
ولفت الوزير برنيّة في بيان عقب التوقيع على الوثيقة الأخيرة لمشروع إصلاح خطوط الربط الكهربائي بين سوريا والبنك الدولي، إلى أن المشروع ممول من خلال منحة وليس بقرض، وهناك مشاريع أخرى يجري التحضير لها مع البنك الدولي، في قطاعات مختلفة ستمول بنفس الطريقة وسيتم الإعلان عنها خلال العام.
تحول في مسار الإعمار
الحدث بمجمله ينطوي على انعطافة حقيقية، إن كان فيما يتعلق بعلاقة سوريا مع البنك الدولي، أو بخصوص حساسية قطاع الكهرباء السوري ومنظومة التوليد والتوزيع المتهالكة، التي تبدو بأمسّ الحاجة للاستدراك لأنها مرتكز تنموي أساس.
فالخبير الاقتصادي والتنموي الدكتور إيهاب اسمندر يرى أن الإعلان عن مشروع إصلاح خطوط الربط الكهربائي (SEEP) الممول بمنحة (وليس قرض) من البنك الدولي، يشير إلى تحوّل مهم في مسار إعادة الإعمار في سوريا.
ويعتبر اسمندر في حديثه مع “المدن” أن الإعلان عن المشروع يكتسب خصوصية كبيرة في واقع صعب، دمار هائل للشبكة الكهربائية السورية، حيث انخفضت القدرة الإنتاجية بنحو 50% منذ عام 2011، مما أدى لعجز يومي كبير، حيث يبلغ الطلب حوالي 9000 ميغاواط بينما لا يتجاوز الإنتاج 2600 ميغاواط.
إنعاش الاقتصاد الكلّي
إضافة إلى الجانب الفني ثمة منعكسات مرتقبة على مستوى الاقتصاد الكلي، وبهذا الشأن يلفت اسمندر إلى استقرار قطاع الكهرباء هو شرط أساسي لأي انتعاش اقتصادي، وتنعكس آثاره على عدة مستويات:
يقلل الربط الإقليمي واستيراد الكهرباء من الضغط لاستثمار أموال في مشاريع توليد باهظة التكلفة، ويساعد في خفض فاتورة استيراد الوقود الأحفوري المستخدم في التوليد المحلي.
يعد توفر الكهرباء بشكل مستقر عامل حاسم لإعادة تشغيل المصانع والمشاريع التجارية والزراعية (كل زيادة بنسبة 10% في إمدادات الكهرباء في الاقتصادات النامية يمكن أن تؤدي إلى زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% إلى 2.5%).
يسهم استقرار الخدمة الكهربائية بشكل مباشر في تحسين خدمات التعليم والصحة والمياه.
توفير ظروف أفضل لعودة النازحين واللاجئين.
إشارة بليغة
في بُعد آخر، ينظر الخبير اسمندر إلى جانب لا بد من التطرق إليه وهو أن عودة البنك الدولي لتمويل مشروع في سوريا، بعد حوالي 40 عاماً يعتبر إشارة مهمة، واعتراف بحصول تغيير نوعي في البلاد، وهذا بحد ذاته يزيد الثقة بمستقبل الأوضاع في سوريا.
ويُثمّن التمويل كمنحة وليس قرضاً باعتباره: يخفف العبء المالي عن الموازنة العامة ويجنب زيادة الديون، وكون التمويل منحة وليس قرضاً يعني أن سوريا لن تتحمل التزامات سداد مستقبلية أو فوائد، مما يخفف الضغط على موازنة الدولة. كما يعني أن البنك الدولي يرى في إصلاح الكهرباء استثماراً أساسياً للتعافي الاقتصادي والإنساني العاجل.
لكن من وجهة نظر الخبير هذا لا يعني غياب أي شروط، فالمشروع سيُنفذ وفق معايير البنك الدولي، مع إشراف على التنفيذ والجوانب المالية والبيئية، وأي تجاوز قد يعرض التمويل المستقبلي للخطر.
إذاً المنحة تبدد المخاوف من أعباء الديون، لكنها لا تلغي اشتراطات الحوكمة والشفافية.
بُعد إنساني
ويشير اسمندر إلى سياق منح البنك الدولي: تعامل البنك كحالة طارئة لدولة خارجة من صراع، تهدف لتثبيت أساسيات التعافي الإنساني والاقتصادي، ويوضح أن البنك الدولي يتعامل مع سوريا كدولة في مرحلة ما بعد صراع، حيث إصلاح الكهرباء حاجة إنسانية واقتصادية ملحة لتحسين الظروف المعيشية ودعم عودة النازحين.
· كون هذا أول مشروع للبنك في سوريا منذ نحو 40 عاماً يجعل منه علامة مهمة على عودة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وقد يمهد الطريق لمزيد من الدعم.
دور أكبر منتظر
ويرى الخبير التنموي أنه يمكن للمؤسسات الدولية لعب دور الوسيط والميسر في المشاريع الإقليمية المعقدة (مثل الربط الكهربائي الثلاثي مع الأردن ولبنان)، ومساعدة الأطراف على تذليل العقبات السياسية والفنية والمالية.
فبالإضافة للبنى المادية، يحتاج القطاع لإصلاحات في السياسات والتشريعات ودعم فني لبناء استراتيجيات وخطط استثمارية مستدامة ورفع الكفاءة الإدارية.
ثم تسهيل وتنسيق المشاريع العابرة للحدود التي تعزز أمن الطاقة للدول المتجاورة.
وتقديم المساعدة الفنية ووضع معايير للإدارة والشفافية لضمان كفاءة القطاع على المدى الطويل.
ويختم اسمندر بأن المنحة بحد ذاتها خطوة إيجابية لكنها أولية، ونجاحها مرهون بتنفيذها السليم في بيئة صعبة، ومدى استكمالها بمشاريع توليد ضخمة وإصلاحات مؤسسية
سلسلة ترتيبات
من جهته الخبير الاقتصادي وأستاذ اقتصاديات الطاقة في جامعة دمشق د. زياد عربش، يلفت إلى أن المشروع أُقر في حزيران 2025، كأول مشروع من نوعه في سوريا منذ نحو 40 عامًا، ويهدف إلى إعادة تأهيل خطوط نقل الطاقة المتضررة خلال الحرب لتحسين الاستقرار الشبكي واستيراد الكهرباء.
وبين عربش في حديثه مع “المدن” أنه تم التوجه خلال زيارات وفد البنك الدولي لسورية، واجتماعاته مع المعنيين في قطاع الكهرباء في سورية،وخبراء مستقلين، نحو تخفيض الفاقد واعتماد هندسة الشبكات للتخفيف من للفاقد الفني للكهرباء.
ويضيف: يُشرف على تنفيذ هذا المشروع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، مع دعم فني من شركة استشارية دولية لإدارة المشروع، والامتثال لمعايير البنك الدولي في السلامة والبيئة.
استثمار بلا ندم
ويرى أستاذ اقتصاديات الطاقة أن المشروع يدعم فعلاً جهود وزارة الطاقة السورية في التعافي الاقتصادي، ويُعتبر استثماراً “بدون ندم” لاعادة ربط سورية بشبكات دول لمنطقة مرة أخرى وعلى أسس سليمة.
فالدعم المالي كتمويل هو منحة من الجمعية الدولية للتنمية (IDA)، وليس قرضاً، كما تجري مفاوضات لمنح إضافية تصل إلى مليار دولار على ثلاث سنوات في قطاعات متنوعة، مع إعلانات متوقعة مستقبلاً.
وكان البنك الدولي قد أقر المنحة في حزيران الماضي (مع شريحة اخرى مماثلة) بهدف دعم الخدمات الأساسية والمعيشة، وسط جهود إعادة الإعمار بعد سنوات من العزلة السورية.
حقيقة الفاقد
يـذكر أن الشبكة الكهربائية في سوريا تعاني من نوعين من الفاقد (الضياعات) التي تؤثر على استدامة التيار.
فاقد فني نتيجة قدم الشبكات والأعطال التي تمتد لمسافات طويلة، كما تعاني المنظومة من قدم التجهيزات في محطات ومراكز التحويل.
ويُقدر الفاقد الفني بأكثر من 17%، يضاف إليه فاقد كبير في محطات التوليد نتيجة انتهاء العمر الفني للمجموعات، وانخفاض المردود إلى نسب متدنية جداً تقل عن 28%، رغم أن مردودها التصميمي كان 54% للعنفات الغازية و40% للعنفات البخارية.
أما النوع الثاني من الفاقد فهو فاقد الاستجرار غير المشروع (السرقة) حيث يشكل فاقد الاستجرار غير المشروع ما يزيد على 15% رغم أن التصريحات الرسمية كانت تقلل من آثار هذه المشكلة، وتعتبر كامل الفاقد الفني والاستجرار غير المشروع لا يزيد على 22%، فيما الفنيون يقدرون الفاقد بأكثر من 30 %.
——————–
سوريا توقع مع البنك الدولي أول مشروع منذ 40 عاماً لإصلاح خطوط الكهرباء
الحكومة السورية أعلنت عن مشاريع أخرى مع البنك الدولي في قطاعات مختلفة
الرياض – العربية
11 ديسمبر ,2025
أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن توقيع الوثيقة الأخيرة الخاصة بمشروع إصلاح خطوط الربط الكهربائي مع البنك الدولي، ليكون بذلك أول مشروع للبنك في سوريا منذ نحو أربعة عقود.
وقال برنية، اليوم الخميس، إن المشروع ممول بمنحة وليس بقرض، وسيسهم في دعم جهود الدولة السورية، ولا سيما وزارة الطاقة، في تحسين توفير الكهرباء اللازمة لدعم الاقتصاد الوطني.
وكشف عن وجود مشاريع أخرى يجري التحضير لها مع البنك الدولي في قطاعات مختلفة، مؤكداً أنها ستمول أيضاً عبر منح، وسيتم الإعلان عنها خلال العام المقبل، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تعلن عن إعفاءات ضريبية غير مسبوقة
اقتصاد اقتصاد سوريا سوريا تعلن عن إعفاءات ضريبية غير مسبوقة
يذكر أن وزير المالية كان قد أعلن في يونيو الماضي موافقة مجلس إدارة البنك الدولي على تقديم منحة بقيمة 146 مليون دولار لإصلاح خطوط نقل الكهرباء، وهو ما مثل أول مشروع للبنك في سوريا منذ نحو 40 عاماً.
—————–
الحصرية: إلغاء “قانون قيصر” يمهّد لتوسيع التحويلات المالية
الجمعة 2025/12/12
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، أن إلغاء “قانون قيصر” يُعتبر محطة مفصلية ستنعكس إيجاباً على الاستقرار النقدي والاقتصادي في البلاد.
وفي تصريح لـ”وكالة الأنباء السورية” (سانا)، قال: “إذا كان إلغاء قانون قيصر يبدو كالمعجزة، فإنه بحدّ ذاته لن يصنع المعجزات، فالمعجزة الحقيقية تتحقق عندما نعمل جميعاً على الاستفادة من هذه الخطوة المهمة في بناء بلدنا ومؤسساته، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وجذب الاستثمارات”.
وشدد الحصرية على أن إلغاء “قانون قيصر” سيفتح المجال أمام توسيع حركة التحويلات المالية وزيادة انسيابية التجارة واستعادة جزء مهم من الثقة بالقطاع المصرفي السوري.
وأعلن في تصريحه أن المركزي السوري سيواصل اتخاذ الإجراءات الكفيلة باستثمار هذه الفرصة بما يخدم استقرار سعر الصرف ودعم مسار التعافي الاقتصادي.
وفي وقت سابق، صوت مجلس النواب الأميركي بالأغلبية لصالح إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر” الذي أُقرّ في كانون الأول 2019 لمعاقبة النظام السابق على جرائم الحرب التي ارتكبها بحق الشعب السوري خلال سنوات الثورة، وفق ما ذكرت “سانا”.
———————-
=======================
تحديث 11 كانون الأول 2025
———————————
ماذا يعني إلغاء “قانون قيصر” لسوريا؟/ عمر كوش
لقطات من أداء الرئيس أحمد الشرع لصلاة الفجر في المسجد الأموي الكبير بدمشق في الذكرى الأولى لتحرير سوريا. الصور من سانا
الرئيس السوري أحمد الشرع في المسجد الأموي الكبير بدمشق في الذكرى الأولى لتحرير سوريا (المصدر: سانا)
يشكل تصويت الكونغرس الأميركي لصالح مشروع “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA) للسنة المالية 2026، خطوة هامة بالنسبة إلى سوريا والسوريين، كونه يتضمن بندا بإلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” (المعروف اختصارا بـ “قانون قيصر”)، الذي أنهك الاقتصاد السوري، وأثقل كاهل السوريين منذ أن فُرض في ديسمبر/ كانون الأول 2019.
وكان يهدف إلى الضغط على نظام الأسد البائد، كي يتوقف عن قتل المدنيين السوريين، وقضى بفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وشكل ورقة ضغط مؤثرة في السياسة الأميركية تجاه هذا النظام وحلفائه.
جاء إلغاء القانون نتيجة تضافر جهود كبيرة، بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وتركيا، وقطر، إلى جانب الجهود الدبلوماسية السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة. وتقاطعت هذه الجهود مع رغبة الرئيس ترامب في منح سوريا فرصة للاستقرار والنهوض، لذلك وضع ثقله السياسي من أجل بناء الإجماع المطلوب في الكونغرس، وسعيه إلى أن يكون الإلغاء كاملا، وليس جزئيا أو مشروطا، بغية إتاحة المجال أمام الشركات الأميركية والدولية للاستثمار في سوريا، دون الخوف من عودة فرضه من جديد.
لم يكن إلغاء “قانون قيصر” تشريعا مستقلا، بل جرى تضمينه في حزمة تشريعية أوسع وأكثر أهمية، وهي “قانون تفويض الدفاع الوطني”، الذي يعتبر “إلزاميا” من أجل تمرير ميزانية وزارة الحرب الأميركية، الأمر الذي يفسر الدعم القوي الذي حظي به من الحزبين؛ الجمهوري، والديمقراطي.
وبعد تصويت مجلس الشيوخ، سيحال إلى مجلس النواب للتصويت عليه، ثم يرسل إلى المكتب البيضاوي، كي يوقع عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور وصوله إليه، حسبما أُعلن سابقا، ووقتها سيصبح قانونا نافذا.
أهمية الإلغاء
يعد إلغاء أو إزالة “قانون قيصر” خطوة هامة جدا؛ لأنه يشمل عقوبات ثانوية، عابرة للحدود، تطال جميع الأفراد الذين يتعاملون مع نظام الأسد، والكيانات الداعمة له، وخاصة الروسية والإيرانية، ويتضمن عقوبات واسعة على قطاعات حيوية، اقتصادية ومالية ومصرفية، تستهدف بشكل أساسي حظر التعامل مع النظام في مشاريع إعادة إعمار سوريا.
لذلك فإن إلغاءه يعد أمرا بالغ الأهمية من الناحية الاقتصادية والسياسية، كونه يفتح الباب للشروع في عملية إعادة الإعمار، وتأهيل البنى التحتية، وتحسين الوضع الاقتصادي المنهار، وتمكين سوريا من دمج قطاعها المالي في النظام المالي العالمي، ومن عودة ملايين النازحين واستقبال اللاجئين.
وستنعكس آثاره على ظروف حياة السوريين المعيشية، كونه سيفتح المجال أمام المستثمرين العرب والأجانب للاستثمار فيها، والسماح بتدفق الأموال الضخمة التي تتطلبها عمليات إعادة الإعمار، وخطط التنمية التي وضعتها الحكومة السورية، مما يساعد على تحفيز النمو الاقتصادي.
كما تكمن أهمية الإلغاء في انعكاس آثاره على تعزيز الاستقرار السياسي، والتعاون الإقليمي والدولي مع سوريا، إلى جانب تحسين الوضع الإنساني، عبر زيادة تدفق المساعدات الإنسانية للمدنيين السوريين المتضررين من تبعات سنوات الحرب المدمرة.
شروط غير ملزمة
جاء الإلغاء شاملا ودون أي شروط، ولم يتضمن بندا للعودة التلقائية إليه، أي أن الإلغاء يعني رفع عقوبات قيصر نهائيا، مع تضمنه شروطا غير ملزمة، حيث يطلب من الإدارة الأميركية تقديم تقرير إلى الكونغرس في مدة لا تتجاوز الـ 90 يوما من تاريخ إقراره، ثم كل 180 يوما بعد ذلك على مدى أربع سنوات.
وأهم الطلبات أو “التمنيات”:
اتخاذ الحكومة السورية إجراءات فعالة ملموسة لمحاربة “تنظيم الدولة”، والمجموعات الإرهابية الأخرى، والتعاون مع الولايات المتحدة، من أجل منع عودة التنظيم.
ألا تقوم الحكومة بأي عمل عسكري أحادي الجانب ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وأن تواصل إحراز تقدم في إبرام اتفاقيات أمنية دولية.
اتخاذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة ومؤسسات الدولة والأمن.
اتخاذ خطوات تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتسمح بالتمثيل العادل والمتكافئ في الحكومة، بما يشمل الوزارات والبرلمان.
أن تقوم بإجراءات ملموسة وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 الذي وقعه كل من الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سورية الديمقراطية مظلوم عبدي.
القيام بخطوات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفقا للمعايير الدولية، ومكافحة إنتاج وتهريب المخدرات.
أن تقوم الحكومة السورية بإجراءات من أجل ملاحقة قضائية فعالة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويمنح نص الإلغاء الرئيس الأميركي صلاحية إعادة النظر في فرض عقوبات على أفراد إذا لم يتمكن من تقديم إفادة إيجابية خلال فترتين متتاليتين من التقارير المطلوبة، من دون إلزامه بذلك، ويشترط ألا تشمل العقوبات عمليات استيراد السلع.
بارقة أمل
كان طبيعيا أن يخرج السوريون إلى ساحات مدنهم احتفالا بتصويت الكونغرس الأميركي بإلغاء “قانون قيصر”، لأنه يمنحهم بارقة أمل بتحسين اقتصاد بلدهم، وتخفيف معاناتهم التي استمرت سنوات طويلة.
يظهر واقع الحال أن أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، ويوجد نحو 10 ملايين سوري بحاجة ماسة إلى المساعدات. كما يتواجد أكثر من 2.5 مليون نازح في الداخل، بينهم 1.5 مليون ما زالوا يعيشون في مخيمات، أغلبها في الشمال السوري.
ويشير آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي إلى أن حوالي 12.9 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان، بمن في ذلك 3.1 ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد.
وأدت الأزمة الاقتصادية الموروثة من نظام الأسد البائد إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب والنساء، حيث تتجاوز نسبة البطالة 50% في بعض المناطق، فيما يعتمد جزء كبير من السكان على الاقتصاد غير الرسمي، والمعاملات اليومية للبقاء على قيد الحياة.
بالنظر إلى أوضاع غالبية السوريين، فإنهم يأملون في أن تشكل إزالة “قانون قيصر” نقطة تحول حاسمة في مسار أوضاعهم المعيشية مع انطلاق عجلة نمو الاقتصاد السوري. وأن تشكل خطوة هامة باتجاه إعادة بناء مؤسسات وإدارات الدولة بعد سنوات من العقوبات التي كبلت مفاصلها المالية والإنتاجية.
ويمكن القول إن سوريا أضحت، بعد أكثر من عقد من القيود الاقتصادية والأزمات الكارثية، أمام فرصة حقيقية لاستعادة عافيتها ونموها.
التحديات
لا شك في أن إزالة “قانون قيصر” خطوه هامة، تعني الكثير بالنسبة إلى سوريا والسوريين، لكنها تتطلب اتخاذ خطوات من طرف الحكومة السورية، وذلك من أجل الاستفادة منها لتحسين أوضاع السوريين المعيشية، وجذب الاستثمارات والمستثمرين العرب والأجانب، أهمها:
توفير بيئة قانونية مناسبة، من خلال قضاء مستقل وعادل ونزيه؛ لأن المستثمر يخشى من وقوع نزاعات، ومن أجل حلها لا بد من قضاء مستقل ومحاكم فعالة.
تخطيط اقتصادي مدروس وسليم، واتخاذ إجراءات تشجع على الاستثمار بواسطة منح امتيازات مدروسة، وقوانين شفافية في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب تخطيط اقتصادي متماسك وهادف.
إصلاح شامل للإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي، وتحديث الاقتصاد السوري، الذي أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود مديدة.
تبرز تحديات كثيرة أمام الحكومة السورية على مستوى بنية مؤسسات الدولة، وإرساء قواعد الحوكمة والشفافية، وتوجيه الموارد إلى القطاعات المدنية، وإصلاح الجهاز الإداري المنهك والمترهل، كي لا يقف عقبة أمام عملية إعادة الإعمار، خاصة أن البنك الدولي يشير، في تقرير أصدره في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية.
ويعد وجود مناطق خارج سيطرة الدولة في منطقتي الجزيرة السورية، والسويداء تحديا كبيرا أمام عملية إعادة الإعمار، على مستوى وطني شامل.
كما أن إسرائيل باعتداءاتها وتوغلاتها واحتلالها تشكل تحديدا كبيرا أمام استقرار سوريا وممكنات استفادتها من رفع عقوبات “قانون قيصر”، كونها تسهم في التأثير على الأمن الضروري جدا لتأمين ثقة المستثمرين، وزيادة مساهماتهم.
في مطلق الأحوال يفتح إلغاء “قانون قيصر” الأبواب أمام تعافي سوريا، عبر دخول الاستثمارات، وتدفق التحويلات المالية، والعودة إلى النظام المالي العالمي. والأهم أن كل ذلك سينعكس على حياة السوريين، سواء من جهة توفير فرص العمل والتشغيل، أو تحسين أوضاعهم المعيشية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
————————-
حقيقة الأهداف الأميركية في سوريا/ غازي دحمان
نفت وزارة الخارجية السورية وجود اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن إقامة قاعدة عسكرية أميركية في جنوب سوريا، ويبدو النفي ظاهريا صحيحا؛ ذلك أن وزارة الخارجية لطالما سكتت في السابق عن التعليق على القضايا التي قد تكون صحيحة، كما أن الوزارة التي يقودها الوزير الشيباني تعتبر شريكا أساسيا في صنع القرار السياسي، فيما يخص العلاقات الخارجية.
بيد أن ثمة مؤشرات عديدة على وجود نوع من التنسيق مع الجانب الأميركي، في المجال العسكري، ما يعني أن نفي الوزارة صحيح من زاوية معينة، وهي عدم وجود قاعدة بشكل صريح، لكن قد يتخذ هذا الوجود تسميات أخرى أو نمطا مختلفا لظروف وأسباب معينة.
إعادة انتشار
يمكن وضع التحرك العسكري الأميركي في سوريا في إطار إعادة انتشار، أو تموضع جديد ضمن الأراضي السورية، على اعتبار أن القوات الأميركية موجودة بالأصل في قواعد بشرق سوريا وفي “التنف”.
ومن ثم قد لا تضطر واشنطن إلى زيادة أصولها العسكرية في سوريا، وإنما إعادة تنظيم هذا الوجود بما يتناسب والتطورات الجديدة، المتمثلة بإعادة دمج قوات “قسد” ضمن هياكل الجيش السوري، وكذلك الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل، والمزمع توقيعه في مرحلة قريبة.
التمهيد لهذا الانتشار، جاء على لسان المبعوث الأميركي توماس براك الذي أكد على هامش زيارة الرئيس الشرع، واشنطن والتوقيع على اتفاق انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة ” تنظيم الدولة (داعش)”، أن سوريا باتت شريكا أساسيا للولايات المتحدة.
وكذلك تأكيد الرئيس السوري نفسه أثناء زيارته واشنطن، أن سوريا باتت حليفا جيوسياسيا للولايات المتحدة الأميركية، مع ما يتطلبه هذا التحالف من تنسيق أمني مشترك بين الطرفين.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تحركات أميركية في البادية السورية، ما يؤشر على وجود توجه أميركي يقضي بإعادة توزيع القوات الأميركية في سوريا ضمن نطاقات جديدة.
وقد أكدت الزيارات التي قام بها قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر إلى دمشق في سبتمبر/أيلول، وأكتوبر/تشرين الأول، وجود تفاهمات تخص الانتشار العسكري الأميركي.
كما زار وفد عسكري من التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، مواقع عسكرية على أطراف البادية، مثل مطار “الضمير”، ومطار “السين”، وهي مناطق مفتوحة على البادية السورية، وتمتاز بقربها من العاصمة دمشق وجنوب سوريا. وبالتزامن وصلت طائرات ومدرعات أميركية إلى قاعدة “التنف”، ما يعكس توجها أميركيا لتعزيز الوجود الأميركي في المنطقة.
ويبدو أن منطقة ريف دمشق من جهاتها الأربع: البادية، وشرق لبنان، وجنوب سوريا، والغرب، هي الوجهة المقصودة للقوات الأميركية والتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وقد أجرت قوات التحالف عمليات إنزال في مناطق الضمير والقلمون مؤخرا، استهدفت خلايا نائمة لتنظيمات متشددة.
على ذلك، يبدو أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا قد يتخذ نمطا جديدا على شكل غرفة عمليات لإدارة الأمن ومكافحة الإرهاب، في إطار إعادة هيكلة الوجود الأميركي، تراعي التطورات الجديدة في الملف السوري، وتطوير واشنطن أهدافها على ضوء ذلك.
الأهداف الأميركية
إعادة الانتشار الأميركي في سوريا تفرضه جملة من الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية، تشكل دافعا قويا للحراك الأميركي الحالي:
أولا: إعادة تعريف الوجود الأميركي في المنطقة، فالحرب على “تنظيم الدولة” لم تعد كافية بحد ذاتها لتغطية هذا الوجود، نظرا لضعف هذا التنظيم، وبروز قوة محلية قادرة على ردعه.
فلا بد تاليا من إحداث تغيير في شكل هذا الوجود ومهمته، عبر بناء منظومة سياسية وأمنية جديدة على شكل مشروع إستراتيجي يتقاطع فيه الأمن بالسياسة والاقتصاد، وتحويل دور هذا الوجود من مجرد الحرب على تنظيم في طور الانهيار، إلى فاعل رئيسي في ضبط الديناميات التي تشهدها بلاد الشام، على وقع التغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة.
ثانيا: ضبط التفاعلات في منطقة بلاد الشام: يؤكد السياق العام للتحرك الأميركي وجود توجه إستراتيجي لدى القيادة العسكرية الأميركية يهدف إلى وضع خريطة بلاد الشام تحت القبضة الأميركية:
الهدف الأول: التصدي للنفوذ الإيراني وسد المناطق الرخوة التي من الممكن العبور منها، فضلا عن إغلاق المنطقة في مواجهة مشاريع الصين المستقبلية، وإضعاف الوجود الروسي في سوريا.
الهدف الثاني: مراقبة خطوط التماس بما يضمن توفر إنذار مبكر قبل حصول تطورات على نمط عملية طوفان الأقصى عام 2023، وذلك في إطار ترتيبات أميركية تهدف إلى الانتقال لمرحلة صنع السلام التي يسعى الرئيس ترامب إلى أن يصبح أحد أهم فاعليها.
ثالثا: إدارة التوازنات وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، تدرك واشنطن أنها إزاء مشهد متحرك وقابل للتفجر في ظل صراعات ناشئة بين أطراف إقليمية تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها، مثل إسرائيل، وتركيا، مع وجود نسبة عالية من إمكانية حصول احتكاكات عنيفة بينهما في سوريا، وكذلك أطراف محلية على خلاف مع دمشق، مثل الكرد والدروز، وتسعى إلى تحقيق أهداف انفصالية، ومن ثم فإن الوجود الأميركي في سوريا من شأنه ضبط التفاعلات الجارية، وإعادة توجيهها ضمن أطر جديدة محلية وإقليمية.
وفي السياق ذاته، فإن التحرك الأميركي في سوريا يهدف إلى رسم قواعد تشكيل المشهد الإقليمي، بما يسمح لها بالتحكم في قواعد الاشتباك وإدارة التصعيد، وتوجيه أدوار الفاعلين في المرحلة المقبلة؛ بهدف إخراج المنطقة من دائرة الصراعات وتحويلها إلى قطب اقتصادي يَصب جزءا من عائداته في رصيد أميركا، من خلال انخراط شركاتها في البنى الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، عبر مشاركتها في تشكيل طرق التجارة، وخطوط نقل الغاز، ومشاريع الإعمار.
ويساهم موقع سوريا الجغرافي في تشكيل الموقف الأميركي الجديد، إذ تغادر سوريا منطقة الإهمال الإستراتيجي في تفكير إدارة ترامب التي سبق أن وصف رئيسها سوريا بأرض الرمال والموت، لتصبح عقدة جغرافية تمتد من المتوسط إلى العراق، وتركيا، والأردن، وإسرائيل، وترتبط بمشاريع واشنطن الجيوسياسية والجيوقتصادية في المنطقة بشكل عضوي.
ومن ثم فإن استقرارها يمثل استثمارا مهما ضمن بنية المصالح الأميركية، ولذلك، نلحظ إلقاء أميركا بكامل ثقلها؛ للحفاظ على الأمن فيها، وتثبيت منظومتها الإستراتيجية الجديدة.
يتقاطع الاهتمام الأميركي مع توجه إقليمي يسعى إلى تثبيت الاستقرار في سوريا، والحفاظ على وحدة التراب، ولجم الاندفاعة الإسرائيلية التي تهدف إلى تفتيت سوريا بما يرتد سلبا على أمن دول المنطقة.
وتدرك الأطراف الإقليمية أن انخراط أميركا في الملف السوري، هو أفضل الحلول المتاحة لإخراج سوريا من دائرة الاحتمالات السيئة.
يتزامن ذلك مع رهان سوري بأن التشبيك الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة الأميركية سيمنح دمشق فرصة لبناء قدراتها الأمنية والعسكرية، والحصول على الموارد اللازمة لبناء مؤسسات أمنية فاعلة.
كما أن تحولها إلى لاعب فاعل وقادر على ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار على الأرض السورية، يستلزم دعما دوليا لا يمكن استجلابه إلا من خلال التفاهم مع الطرف الأميركي، الذي بدون شك يُعتبر الفاعل الأساسي الذي يتحكم بكامل خيوط اللعبة في المنطقة، بعد تراجع أدوار روسيا، والصين، وانخراط معظم اللاعبين الإقليميين ضمن المشروع الجيوسياسي لواشنطن.
قد يأخذ الوجود الأميركي في سوريا شكلا مختلفا عن النمط القائم على وجود قواعد عسكرية على الأرض، وثمة توقعات بأن يجري دمج خبراء أميركيين ضمن هياكل الجيش السوري، تحت مسمى تدريب القوات، والمساعدة على نجاح عمليات دمج الفصائل من خارج الجيش الحالي؛ “قسَد وفصائل السويداء”.
لكن المرجح أن تشهد المرحلة القادمة تكثيفا للإجراءات الأميركية الهادفة إلى إعادة هيكلة الوجود الأميركي في سوريا للتعامل مع المستجدات الطارئة، وترسيخ الترتيبات الأميركية في المنطقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب سوري
الجزيرة
———————
مجلس النواب الأميركي يقر إلغاء “قانون قيصر” للعقوبات على سورية/ محمد البديوي و عبد الله البشير
11 ديسمبر 2025
أقرّ مجلس النواب الأميركي، ليل الأربعاء – الخميس، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمنا مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. ومن المقرر أن تتم إعادة مشروع القانون مرة أخرى إلى مجلس الشيوخ بعد تعديل بعض البنود على أن يتم التصويت عليه، ثم يرفع إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.
وجاء التصويت بأغلبية واسعة بلغت 312 صوتا مقابل 112 لتمرير مشروع ميزانية الدفاع بمبلغ قيمته 900 مليار دولار، تشمل زيارة رواتب العسكريين بنسبة 3.8% إضافة إلى تحسينات الإسكان والمرافق العسكرية، مع تعزيز إشراف الكونغرس على وزارة الحرب “البنتاغون” في حل وسط بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. واعترض عدد من النواب المحافظين لأن مشروع القانون لا يفعل المزيد لخفض الالتزامات الأميركية في الخارج.
وكان من المقرر أن يتم التصويت على القانون دون تعديلات على أن يرفع مباشرة إلى مكتب الرئيس، بدلا من إعادته إلى مجلس الشيوخ مرة أخرى، غير أن خلافات أعضاء مجلس النواب الأميركي الجمهوريين أدت إلى تعديل بعض البنود بعيدا عن قانون قيصر، رغم محاولات من بعض الأعضاء الداعمين لإسرائيل ربط إلغاء “قيصر” بشروط ملزمة للحكومة السورية.
ويبدأ تفعيل القانون أول يناير/كانون الثاني 2026، مما يلغي قانون قيصر نهائيا، بعد سنوات من فرضه على سورية، لتلغي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأميركية على دمشق بعد إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.
دمشق ترحب
من جانبها، رحّبت الخارجية السورية بالتصويت لصالح إلغاء القانون، معتبرة الخطوة “ناتجة عن انخراط دبلوماسي بنّاء قادته الحكومة السورية مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية”. وقالت الوزارة، في بيان، صدر اليوم، إن “هذا التطور يعد محطة محورية في إعادة بناء الثقة، وفتح مسار جديد للتعاون، ويمهّد لتعافي الاقتصاد في سورية بشكل أوسع، ويتيح عودة الفرص التي حُرم منها الشعب السوري لسنوات بسبب العقوبات، ويؤسس لمرحلة من التحسّن الملموس في حركة الاستيراد، وتوافر المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، وتهيئة الظروف لمشاريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد الوطني”.
العربي الجديد،
———————————
ما هي الشروط التي فُرضت على سوريا جراء إلغاء “قانون قيصر“
الخميس 2025/12/11
صوّت مجلس النواب الأميركي لصالح مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026، والذي تضمن ملحقاً ينص على إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019″، بواقع 312 صوتاً مقابل رفض 112 عضواً.
لكن التفاصيل الملحقة بالملحق، أثارت الجدل حول ما إذ تضمنت بنداً ينص على إعادة فرض العقوبات تلقائياً: “ميكانيزم سناب باك”.
تفاصيل القرار
ووفق ما جاء في النص التشريعي الكامل:
الفقرة (أ): يُلغى بموجب هذا القانون جميع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019”.
الفقرة (ب): يقدم رئيس الولايات المتحدة في موعد لا يتجاوز 90 يوماً من تاريخ نفاذ القانون، ثم كل 180 يوماً، ولمدة 4 سنوات، تقريراً غير سري (مع ملحق سري عند الضرورة) إلى لجان: الشؤون الخارجية، والخدمات المالية، والشؤون القضائية، في مجلس النواب، وإلى لجنة العلاقات الخارجية، والمصارف، والإسكان، والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ.
ويتضمن التقرير إثبات الرئيس الأميركي ما إذ كانت الحكومة السورية قد التزمت بما يلي:
1- اتخاذ إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك تنظيم القاعدة وفروعه، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور داعش.
2- أزالت، أو اتخاذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية في الحكومة السورية، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.
3- احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، والتمثيل العادل والمتوازن في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان.
4- لا تقوم بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، بما في ذلك إسرائيل، ومواصلة إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي عندما يكون ذلك مناسباً.
5- تتخذ خطوات حقيقية وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بما في ذلك إجراءات دمج القوات الأمنية وتحقيق التمثيل السياسي.
6- اتخاذ إجراءات فعّالة لمكافحة غسيل الأموال، تمويل الإرهاب، تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
ويتضمن البند (6)، أن تكون الإجراءات متوافقة مع المعايير الدولية، وألا تكون على علم بتمويل أو مساعدة (مالياً أو من خلال نقل الأسلحة)، أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعين للعقوبات، بما في ذلك المنظمات “الإرهابية” الأجنبية والمصنفين كإرهابيين عالميين، ممن يشكلون تهديداً للأمن القومي الأميركي، أو لحلفاء وشركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
7- قيام الحكومة السورية بملاحقة قضائية نشطة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بما في ذلك المسؤولين عن المجازر بحق الأقليات الدينية.
8- اتخاذ تتخذ خطوات قابلة للتحقق لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك “الكبتاغون”.
الفقرة (ج): يقوم رئيس الولايات المتحدة بإبلاغ الحكومة السورية بنتائج التقرير المطلوب بموجب الفقرة (ب).
عبد النور: العقوبات القطاعية انتهت
وما أثار الجدل حول وجود بند يعيد فرض عقوبات قيصر تلقائياً، هو ما جاء في الفقرة (د)، و “القاعدة العامة” الواردة في النص التشريعي برقم (1). وتنص الفقرة (د) على فرض العقوبات، بينما القاعدة العامة تخوّل الرئيس الأميركي بإعادة النظر في فرض عقوبات على أفراد بموجب الصلاحيات القائمة، في حال عجز عن تقديم التقرير وفقاً لما ورد من بنود في الفقرة (ب).
ويوضح السياسي السوري المقيم في واشنطن أيمن عبد النور، أن ما ورد معناه أن الكونغرس مخول بعقد جلسة بالتوافق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتقرير نوع العقوبات، لكنه أكد أن العقوبات القطاعية انتهت، مثل عقوبات “قيصر”، بينما إذ تم التوافق على فرض عقوبات جديدة، فإنها قد تستهدف افراداً أو مؤسسات، وبالتالي لن يؤثر ذلك على المستثمرين.
ويضيف عبد النور لـ”المدن”، أن المستثمر بوسعه أن يطمئن بأنه لن تكون هناك عقوبات قطاعية جديدة على سوريا، أو تطبيق “ميكانيزم سناب باك”، بعد إتمام إلغاء عقوبات قيصر بشكل نهائي، موضحاً أن مجلس الشيوخ سيصوت على الإلغاء الأسبوع المقبل، وسيقوم الرئيس الأميركي بالتوقيع عليه في نفس اليوم.
ويلفت السياسي السوري إلى أن الدور المقبل “وهو الأكبر”، يقع على عاتق الحكومة السورية، لترتيب كامل المناخ الاستثماري، وليس فقط الاقتصار على قانون الاستثمار، موضحاً أن توفير المناخ تطوير المحاكم، وسن قوانين تجارية ومالية، سياسات شفافة بالقوانين النقدية، وبنية تحتية متطورة، حوامل طاقة بأسعار مناسبة، بهدف جلب المستثمرين إلى سوريا.
———————————
نهاية حقبة “قيصر”: كيف يقرأها الاقتصاديون في سوريا؟/ هيام علي
حاكم المصرف المركزي: سيعزز السيولة ويربط النظام المصرفي بالأسواق العالمية ومتخصصون: منعطف تاريخي
الخميس 11 ديسمبر 2025
بعد تصويت مجلس النواب، من المتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ على مشروع قانون إلغاء قانون “قيصر” الأسبوع المقبل، ثم يقدم إلى الرئيس دونالد ترمب ليصادق عليه حتى يعد نافذاً.
أقر مجلس النواب الأميركي فجر اليوم الخميس مشروع قانون موازنة الدفاع الوطني للعام 2026، والذي يتضمن بنداً يلغي عقوبات قانون “قيصر” التي كانت مفروضة على سوريا منذ عام 2019.
وكان مجلسا الشيوخ والنواب أدرجا في نسخة توافقية من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 بنداً لإلغاء عقوبات “قيصر” لعام 2019، وهي خطوة ينظر إليها على أنها أساس لإنعاش الاقتصاد وإطلاق عملية التنمية والبناء في بلد يحتاج إلى 216 مليار دولار لإعادة الإعمار وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي.
ويشترط بحسب الوثيقة، تقديم تقارير منتظمة من البيت الأبيض تثبت أن الحكومة السورية تحارب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتحافظ على حقوق الأقليات الدينية والعرقية داخل البلاد، ولا تتخذ أية إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل.
وبعد تصويت مجلس النواب، من المتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ على مشروع القانون الأسبوع المقبل، ثم يقدم إلى الرئيس دونالد ترمب ليصادق عليه وبعد ذلك يعد قانوناً نافذاً.
ويذكر أن ترمب أعلن عزمه رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، خلال اجتماعه الأول مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مايو (أيار) الماضي بالسعودية وعلقت إدارته العقوبات موقتاً، إلا أن رفع عقوبات “قيصر” الأكثر صرامة بصورة نهائية يستلزم صدور قانون من قبل الكونغرس.
يذكر أن الكونغرس كان أقر قانون “قيصر” خلال الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 2019 لمعاقبة أركان نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد على تهم تتعلق بجرائم حرب ضد المدنيين في سوريا.
حاكم المركزي السوري: إلغاء “قيصر” ذو مغذى اقتصادي مهم
حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر حصرية كتب عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” منشوراً قال فيه “يعد ’قانون قيصر‘ أحد أهم تشريعات العقوبات الجماعية”، معتبراً أن هذا الإلغاء ذو مغذى اقتصادي مهم.
مشيراً إلى أن أهم جوانب فرض القانون وإلغائه هي تأثير عقوبات “قيصر” التي أدت إلى تقييد القنوات المصرفية الدولية ورفع كلف التحويلات، مما انعكس على قدرة المصرف في أداء دوره الكامل داخل الاقتصاد الوطني.
وتابع حصرية “ثانياً التحديات في السياسة النقدية، إذ برزت العقوبات صعوبات في إدارة الاحتياطات وتنظيم السيولة، والحد من التقلبات الحادة في سوق الصرف، إضافة إلى ضغوط تضخمية نتجت من اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد”.
وتابع “التحويلات والتجارة الخارجية، إذ شهدت التحويلات الواردة من الخارج ارتفاعاً في الكلفة واتجاهاً أكبر نحو القنوات غير الرسمية، وتأثرت التجارة الخارجية نتيجة محدودية التعاملات البنكية المراسلة”.
ورأى حصرية أن رفع العقوبات يخلق فرص مهمة، إذ سيمثل أي تخفيف أو رفع للعقوبات فرصة للمضي قدماً في ربط النظام المصرفي بالأسواق المالية العالمية وتعزيز تدفق الاستثمارات، وتسهيل حركة التجارة والمدفوعات.
وعن الاستعداد للمرحلة المقبلة أكد حصرية أن المصرف سيعمل على تعزيز الإطار الرقابي وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتهيئة المصارف المحلية لعودة العلاقات مع البنوك المراسلة بما يضمن امتصاص التدفقات المالية المحتملة.
وعن تأثير إلغاء قانون “قيصر” على استقرار الليرة السورية، أوضح حصرية أن “المركزي السوري سيركز على تحسين إدارة السيولة وتطبيق أدوات نقدية أكثر فاعلية، وتوسيع استخدام القنوات الرسمية للتحويلات بهدف دعم استقرار سعر الصرف”.
وقدم حاكم مصرف سوريا المركزي الشكر إلى السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا، قائلاً “نتطلع إلى تعاون دولي يدعم إعادة تشغيل القنوات المصرفية، وتقديم مساعدات فنية لرفع كفاءة النظام المالي وتمكين الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من تخفيف القيود”، مؤكداً أن المصرف سيتابع دوره المحوري في تعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التدفقات الاستثمارية، وتمكين عملية إعادة بناء الاقتصاد الوطني بما يضمن تحقيق النمو والتنمية المستدامة.
القطاع المصرفي السوري إلى ازدهار
مدير “فرنس بنك سوريا” نديم مجاعص أعرب عن تفاؤله بمستقبل الاقتصاد السوري، مؤكداً أن القطاع المصرفي إلى تطور وتوسع خصوصاً مع تنشيط نظام “سويفت” أمام البنوك السورية.
مشيراً لـ”اندبندنت عربية” إلى أن الازدهار ينتظر القطاع المصرفي السوري كما ينتظر الاقتصاد والمجتمع السوري ككل، متوقعاً انضمام مزيد من المصارف الجديدة إليه، خصوصاً أن عملية إعادة الإعمار قادمة والاستثمارات التي ستضخ إلى سوريا كبيرة ومهمة وتحتاج إلى قطاع مصرفي واسع وكبير وقادر على استيعاب حاجاتها وتخديمها بصورة أمثل، وأكثر توافقاً مع الخدمات المصرفية الموجودة في العالم.
وأكد أن القطاع المصرفي السوري لاعب أساس في مواكبة النمو الاقتصادي المرجو والمتوقع، وبرأيه سوريا مقبلة على ثورة اقتصادية كبيرة، وعادة الدول يكون لديها مشكلة في جذب الاستثمارات وجذب الطلب، أما سوريا فإن القطاع المصرفي لديه تحدي مواكبة الطلب المقبل والمتوقع أن يكون أكبر من قدراته واستيعابه الأولي، إلا أنه أكد أن المصارف السورية الحالية قادرة على المواكبة، خصوصاً أن سياسات المصرف المركزي أصبحت أكثر قدرة على تلبية متطلبات العمل المصرفي ودفعه إلى الأمام.
مجاعص أوضح أن هناك رافعة سياسية دولية تدفع باتجاه بناء الاقتصاد السوري، وهذا ما يفسر اهتمام حكومات وشركات كبرى ومهمة من دول عديدة بالاستثمار والعمل في سوريا.
تحقيق التعافي الاقتصادي المطلوب لسوريا مرهون
من جانبه، اعتبر المتخصص الاقتصادي السوري إيهاب اسمندر أن ما حدث اليوم يمثل منعطفاً تاريخياً فعلياً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، فبموافقة الكونغرس على إلغاء عقوبات قانون قيصر ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، يصبح الطريق مفتوحاً للتوقيع الرئاسي لإنهاء العمل بهذا القانون مع نهاية العام الحالي بحسب ما هو مفترض، وفي حال اكتمال الإجراءات ستتاح لسوريا فرص اقتصادية مهمة، بما في ذلك عودة المستثمرين الأجانب وتحريك رؤوس الأموال المتوقفة، وأعلن سابقاً عن جذب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال عام 2025 لكن تنفيذها كان يعترضه هذا العائق.
وتابع “أيضاً سيفتح الإلغاء الباب أمام تصدير النفط والغاز واستيراد المعدات الصناعية ويمهد لدمج سوريا في النظام المالي العالمي، مما يمكن المصرف المركزي من أداء مهامه الأساس وإعادة ربط البلاد بشبكة ’سويفت‘ للتحويلات المصرفية”.
المتخصص السوري أكد لـ”اندبندنت عربية” أن إلغاء قانون قيصر سيفسح المجال أمام بدء عملية إعادة الإعمار التي تحتاج إليها البلاد بشدة، والتي تقدر كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار، مستدركاً “لكن لا بد من الإشارة إلى أن تحقيق التعافي الاقتصادي المطلوب لسوريا مرهون بإصلاحات داخلية وتذليل تحديات أخرى، مثل تطوير البنية التحتية وبناء بيئة استثمارية سليمة ومستقرة”.
على الحكومة ترتيب البيت الداخلي
إلى ذلك قال المتخصص الاقتصادي عمار يوسف لـ”اندبندنت عربية” إن إلغاء قانون “قيصر” يعني أن سوريا باتت قادرة على إطلاق عملية إعادة الإعمار والبناء وكل مذكرات التفاهم الاستثمارية التي وقعت طوال هذا العام ستبدأ بالتحول إلى اتفاقات تمهيداً للشروع بالتنفيذ على أرض الواقع، فلم تعد هناك عقوبات تخيف الشركات والأموال ورجال الأعمال من دخول سوريا، والتحويلات المصرفية ستصبح متاحة وأيضاً التقنيات الحديثة والتكنولوجيا ستجد طريقها إلى سوريا من دون عوائق، بمعنى أن حتى الاستيراد سيتغير شكله من الآن فصاعداً ليتحول من سلع استهلاكية وكمالية وسيارات وغيرها إلى مستلزمات إنتاج وطاقة ومعدات تنقيب واستخراج النفط ومحطات توليد كهرباء وطائرات ومعدات بناء حديثة وغيرها”، معتبراً أن الكرة الآن أصبحت في ملعب الحكومة السورية التي عليها أن تدرك كيف تدير مرحلة ما بعد قيصر من خلال بناء مناخ استثماري متماسك وملبٍ لتطلعات المستثمرين والشركات، وإنجاز الأمور كافة التي يسأل ويطلبها المستثمر عند الدخول للعمل داخل بلد، مثل القضاء العادل والسريع وإنشاء غرف للتحكيم وتوفير القدر الكافي من المرونة والإجراءات الإدارية المبسطة والقوانين الواضحة غير القابلة للاجتهاد ونظام مصرفي متطور، كل ذلك وما يندرج تحت مسمى الأمن الاقتصادي الذي يجب أن يقترن بتوافر الأمن والاستقرار الداخلي.
متوقعاً أن تجذب سوريا استثمارات مهمة وكبيرة وبعضها سيكون على مستوى إقليمي ودولي وقطاع الطاقة خير مثال، إذ تمكن من استقطاب اهتمام كبرى الشركات في العالم والولايات المتحدة، وقبل أيام كان وفد من شركة “شيفرون” داخل سوريا وأعتقد وحسب المعلومات أنه جرى الاتفاق معها فعلاً على استثمار نفط وغاز الساحل، أيضاً كان هناك وفد من شركة “كونكو” ووفد آخر من وزارة الطاقة السعودية مع أربع شركات.
وأشار إلى أن كل ذلك يدخل ضمن ما يمكن أن نسميه مؤشرات إلى أن سوريا اليوم تعد قبلة الاستثمار، ولا أستبعد أن تتحول سوريا إلى مركز مالي عالمي وأيضاً معبر لخطوط النفط والغاز مع توافر كل الشروط لتحقيق ذلك بدءاً من الموقع التجاري والجغرافي، ومع حاجة الشركات ورجال الأعمال إلى وجهة استثمارية جديدة لأموالهم.
وأضاف “لقد انتهى زمن ’قيصر‘ وانتهت معه عقود من الحصار والعقوبات”، متمنياً أن تتمكن الحكومة السورية من ترتيب البيت الداخلي على أعلى مستوى أمام الاستثمارات والأعمال والأموال”.
وتوقع أن تتمكن سوريا من جذب مالا يقل عن 150 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة، كاستثمارات ستتوجه إلى مختلف القطاعات بما فيها البنى التحتية.
———————————
هل يُشكّل قانون قيصر العقبة الوحيدة أمام إعادة إعمار سوريا؟/ باسل المحمد
2025.12.10
تزامناً مع إحياء السوريين الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام، برزت تطورات لافتة في واشنطن تتعلق باقتراب تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، فقد كشف مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم عن مساعٍ متقدمة داخل الكونغرس لإجراء تصويت على موازنة وزارة الدفاع الأميركية، المتضمنة بنداً يقضي بإلغاء قانون قيصر، ووفق غانم من المقرر أن يجري التصويت يوم الأربعاء، 10 كانون الأول الجاري.
وفي السياق نفسه أكد مراسل وول ستريت جورنال جاريد مالسن عبر منصة “إكس” أن الكونغرس الأميركي “وافق للتو” على إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، وأضاف:” ستنشر الليلة الصيغة النهائية المضمنة في تعديل قانون تفويض الدفاع الوطني.
ورغم أهمية هذه الخطوة والجهود الدبلوماسية التي بُذلت في سبيلها وما رافقها من دعم عربي وإقليمي من حلفاء سوريا، إلا أن هذا التصريح يفتح في المقابل الباب لسؤال محوري: هل يكفي الإلغاء المرتقب لقانون قيصر لإطلاق عجلة إعادة الإعمار في سوريا، أم أن مسار الإعمار ما يزال مرتبطاً بعوامل وعقبات أخرى تتجاوز إطار العقوبات الأميركية؟
مؤسسات متهالكة
تشكل بنية مؤسسات الدولة واحداً من أعقد التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد التحرير، فسنوات الحرب الأربع عشرة، وما رافقها من تسخير شبه كامل لموارد الدولة لصالح آلة النظام العسكرية، وحرمان القطاعات المدنية من أبسط متطلبات التطوير، إضافة إلى العقوبات الأوروبية والأميركية التي عطّلت قدرة المؤسسات على مواكبة التحول العالمي، كلها عوامل أسهمت في إنتاج جهاز إداري منهك ومترهل تحول اليوم إلى عبء ثقيل على مسار إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق كشف آخر تقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول الماضي، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ 345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية (طرق، كهرباء، ماء، وشبكات حكومية).
ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن جذور هذا التدهور تعود إلى الحقبة السابقة، لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ يوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الحكومة الحالية لم تُطلق بعد برنامجاً فعلياً لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، مضيفاً أن آليات التوظيف ما تزال ضعيفة بعد خروج عدد كبير من الموظفين لأسباب مختلفة، الأمر الذي زاد هشاشة البنية المؤسسية وأفقدها القدرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.
هذا التشخيص يتقاطع مع الموقف الرسمي الذي عبّر عنه وزير المالية السوري محمد يسر برنية عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الرياض نيته رفع العقوبات عن سوريا.
وأكد برنية في تصريحات صحفية أن الحكومة تعمل على “إصلاح شامل لإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي”، ضمن جهد أوسع لتحديث اقتصاد أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود. لكنه في المقابل شدد على أن رفع العقوبات ليس سوى الخطوة الأولى في مسار تعافٍ طويل.
اقرأ أيضاً
قيصر والشرع
هل ألغت واشنطن “قانون قيصر” فعلاً أم ما يزال سارياً قانونياً؟
ضعف الحوكمة والتشريعات
يمثل ضعف الحوكمة وغياب إطار تشريعي ورقابي ناضج أحد أبرز التحديات التي تقف أمام إطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، حتى في حال رفع العقوبات الأميركية بالكامل.
وتؤكد دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات أن أي خطة إعمار لن تحقق نتائجها ما لم تُبنَ على مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وفاعلة تضمن نزاهة إنفاق الموارد ووصولها إلى مستحقيها، وتحول دون إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبية التي رسخها النظام المخلوع طوال عقود.
وتتقاطع هذه الدراسة مع رأي مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم الذي قال في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر – المتوقع قريباً – لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات وإطلاق الإعمار موضحاً: لرفع دخل المواطن وزيادة قيمة الصادرات وجذب الشركات الدولية، نحن بحاجة إلى تخطيط اقتصادي سليم، وبحاجة إلى قضاء نزيه وعادل، فالشركات الأجنبية تخشى دائماً من وقوع نزاعات، ولحل هذه النزاعات لا بدّ من قضاء مستقل ومحاكم فعّالة.
ويضيف غانم أن البيئة الاستثمارية لا تُبنى فقط عبر الامتيازات، بل عبر شفافية كاملة في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب بنية تخطيط اقتصادي متماسكة، مؤكداً أن هذا كله لا يقل أهمية عن رفع قانون قيصر نفسه.
وتدعم مراكز الأبحاث الدولية هذا التقييم، إذ يحذّر تحليل صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 31 تشرين الأول الماضي من أن مشاريع الإعمار قد تتعرض للاستحواذ من قبل قوى سياسية نافذة إذا لم تُعالج مظاهر ضعف الحوكمة.
ويشير التحليل إلى أن الفترة الأولى بعد التحرير شهدت طرح بعض الأصول الحكومية للخصخصة دون شفافية كافية حول هوية المشترين أو شروط الصفقات، مما أثار مخاوف جدّية من إعادة إنتاج نمط المحسوبية والفساد الذي طبع الاقتصاد السوري خلال عقود مضت.
تعدد مناطق السيطرة
يمثّل غياب سلطة سياسية موحّدة على كامل الجغرافيا السورية أحد أبرز التحديات التي تعيق إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار على مستوى وطني شامل، فإلى جانب العوائق الإدارية والاقتصادية، ما تزال سوريا عملياً بلداً مقسم السيطرة بين مناطق خاضعة للحكومة السورية، ومناطق تديرها قوات “قسد” شرق الفرات، إضافة إلى منطقة السويداء في الجنوب السوري.
هذا التشتت في النفوذ يصعّب بناء رؤية متماسكة للإعمار، ويحدّ من قدرة الحكومة على وضع سياسات وطنية موحّدة أو تنفيذ مشاريع كبرى تتطلب سلطة تنفيذية واحدة وإطاراً قانونياً متسقاً.
ويشير باحثون إلى أن انعدام الاستقرار السياسي الكامل يشكل في الوقت الراهن العائق الأكثر تأثيراً على قرارات التمويل الدولي؛ فالدول المانحة لا تزال تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة انتقالية لم تُحسم ملامح نظام الحكم فيها بشكل نهائي، مما يقلل من استعدادها لضخ استثمارات أو تمويلات طويلة الأجل في بيئة تُوصف بأنها غير مستقرة وتفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل السياسي.
وفي هذا السياق يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي أنه لا يمكن التقليل من أثر قانون قيصر على مسار الإعمار، لكنه يبقى عاملاً من مجموعة عوامل أوسع تعرقل عملية إعادة البناء بطريقة تولّد الأمن والاستقرار.
ويضيف الدسوقي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أهم الشروط الحاسمة لنجاح الإعمار هو استعادة سلاسل القيمة الوطنية المحرّكة للاقتصاد السوري، وهو أمر متعذّر في ظل وجود مساحات جغرافية واسعة ما تزال خارج سيطرة الحكومة، ما يجعل من الصعب إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية بصورة مترابطة أو استعادة الانتظام الطبيعي لحركة التجارة الداخلية.
إسرائيل وعرقلة الإعمار
يشكّل الدور الإسرائيلي أحد أكثر العوامل الخارجية تأثيراً على إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، ليس فقط من زاوية الاعتداءات العسكرية المتكررة، ومحاولة اللعب على وتر التنوع العرقي والطائفي في سوريا، بل من حيث انعكاس هذا السلوك على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي المطلوب لبدء أي استثمار طويل الأمد.
ورغم مرور عام على التحرير ما تزال إسرائيل تشنّ غارات مكثفة وتنفّذ توغلات داخل الأراضي السورية، تجاوز عددها أكثر من 1000 غارة و400 توغلاً منذ سقوط النظام، كان آخرها المجزرة التي وقعت في بلدة بيت جن بريف دمشق وراح ضحيتها العشرات.
وينعكس هذا الواقع الأمني المضطرب مباشرة على ثقة المستثمرين الخارجيين، كما يوضّح الباحث الاقتصادي يونس الكريم الذي يرى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ونمط القصف المتكرر يجعل الشركات الدولية تتخوف من ضخ استثمارات كبيرة في سوريا، خشية أن تضغط إسرائيل على واشنطن لفرض عقوبات إضافية أو تمديد عقوبات قائمة في حال لم تستجب الحكومة السورية لشروط معينة تريد إسرائيل فرضها على سوريا.
ويشير الكريم إلى أن هذا العامل وحده كفيل بإبطاء مسار إعادة الإعمار، حتى لو رُفع قانون قيصر بالكامل.
على الجانب السياسي تدرك الحكومة السورية حجم هذا التحدي وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في ندوة حوارية ضمن أعمال منتدى الدوحة 2025، حيث قال: نعمل مع الدول الفاعلة على مستوى العالم للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وجميع الدول تؤيد مطلبنا هذا. وهناك مفاوضات مع إسرائيل، والولايات المتحدة منخرطة معنا في هذه المفاوضات، والجميع يدعم حق سوريا في استعادة تلك الأراضي.
تلفزيون سوريا
————————-
تأثيرات إلغاء قانون قيصر على الواقعيين الاقتصادي والمعيشي للسوريين
كانون الأول 11, 2025
تتبادر إلى أذهان كثير من السوريين، وتزامناً مع تصويت مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون موازنة الدفاع التي تتضمن إلغاء “قانون قيصر”، أسئلة حول انعكاسات ونتائج هذا التصويت على واقعهم الاقتصادي.
وفي هذا الصدد، تحدث نقيب الاقتصاديين السوريين محمد البكور في مقابلة مع الإخبارية، الخميس 11 كانون الأول، عن الانعكاسات الاقتصادية المباشرة لإلغاء القانون على السوريين، ومدى تأثيره على حياتهم المعيشية.
وأشار البكور إلى أن تأثيرات إلغاء قانون قيصر والعقوبات المترتبة عليها، تشمل مجالات عدة، من بينها “تسهيل حصول البنك المركزي مستقبلاً على القطع الأجنبي وبكميات أكبر، وبالتالي رفع قدرته على التحكم بسعر الليرة وتثبيت هذا السعر”.
ونوه نقيب الاقتصاديين في هذا المجال، إلى أن “ما يحمي المواطن ويفيده، هو تثبيت سعر الليرة وحمايتها من التأرجح في سعرها، وهذا ما لا يمكن للبنك المركزي فعله دون وجود السيولة الكافية”.
تأثيرات على تأمين السلع
ومن جانب آخر، فإن من التأثيرات الإيجابية لإلغاء قانون قيصر، حسب بكور، هو أن الكثير من السلع والمواد “يصبح بالإمكان استيرادها، بعد أن كانت سابقاً محظورة، وفي حال وجودها في السوق السورية، فتكون مرتفعة السعر”.
وذكر نقيب الاقتصاديين، أن أهم ما يذكر في هذا المجال كذلك، فتح الباب أمام الكثير من المعامل والمصانع للانطلاق بشكل مباشر بعد أن انتفت معوقات استيراد المعدات المطلوبة بشكل كامل، و”التي كانت موجودة مسبقاً”.
وأضاف: “يمكن استيراد المعدات المطلوبة بشكل كامل.. وتأمين معامل حديثة مما يجعلها في قدرة أكبر على الإنتاج محلياً، وبتكلفة أقل، وتلبية حاجة المواطن من حيث الجودة ومن حيث السعر”.
إيجابيات على الاستثمار
وفيما يتعلق بتأثير رفع القانون على الاستثمار، يرى نقيب الاقتصاديين بأن هذا المحور هو من أهم التأثيرات الإيجابية، حيث كان قانون قيصر من معوقات جذب الأموال والاستثمار الخارجية.
ويبين البكور في ذات السياق، أن جذب الاستثمارات لا ينعكس فقط على ضخ الأموال وإعادة الإعمار، وإنما أيضاً على تشغيل اليد العاملة، وبالتالي “انخفاض نسب البطالة وارتفاع معدلات التشغيل، وهي بالضرورة تؤدي إلى تحسين الأجور”.
إدخال التقنيات الحديثة
وأخيراً أشار نقيب الاقتصاديين، إلى أن تأثيرات إلغاء قانون قيصر، تشمل التمكن من إدخال تقنيات حديثة، وفي مختلف القطاعات ومن بينها القطاع المالي، وهذا يعني بالضرورة “إعادة تأهيل الكوادر البشرية الموجودة في سوريا، وزيادة خبراتها”.
وصوت مجلس النواب الأمريكي، الخميس 11 كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع التي تتضمن إلغاء “قانون قيصر” ضد سوريا.
وقال رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأمريكي محمد علاء غانم عبر حسابه في “إكس”، إن مجلس النواب أجاز مشروع موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 وفيها مادة إلغاء قانون قيصر إلغاء غير مشروط بنتيجة تصويت 312 موافقاً و112 معترضاً.
وأضاف غانم: “بعد إجازته في النواب يتجه المشروع الآن لمجلس الشيوخ ليجري التصويت عليه الأسبوع المقبل ويرسل بعدها لمكتب الرئيس الأمريكي للتوقيع عليه”.
وأشار إلى أن تصويت النواب كان هو التصويت الأصعب وقد انتهينا منه ألف مبارك لسوريا ألف مبارك للسوريين 2026 بدون عقوبات”.
ويعد قانون قيصر، الذي أقره الكونغرس الأمريكي لحماية المدنيين السوريين في كانون الأول 2019، واحداً من أقسى العقوبات الاقتصادية والقانونية التي فرضت على نظام الأسد البائد بسبب جرائمه تجاه الشعب السوري.
المصدر: الإخبارية
———————————
بعد عام من سقوط الأسد.. الإصلاح الإداري بين الطموح الشعبي ومعيار الولاء/ أحمد الكناني
10 ديسمبر 2025
شكل سقوط نظام الأسد فراغًا إداريًا واسعًا في البلاد، إذ ارتبطت مفاصل الدولة الحساسة بأركانه التي فرت معه إلى موسكو، أو هربت خارج البلاد بعد التحرير مباشرة، وعليه عملت “حكومة الإنقاذ” منذ فجر الـ 8 من كانون الأول/ ديسمبر على استلام إدارة البلاد بالتنسيق مع آخر رئيس حكومة في عهد الأسد محمد غازي الجلالي، وذلك لقيادة المرحلة الانتقالية، وأخذ إدارة البلاد على عاتقها بشكل مباشر.
مع مرور عام على سقوط نظام الأسد أقرت السلطة الجديدة العديد من التغييرات الإدارية والحكومية، والتعديلات الجوهرية داخل المؤسسات، في إجراءات تهدف إلى إعادة هيكلية مؤسسات الدولة، الأمر الذي تخلله العديد من الأخطاء حسب خبراء، فيما يرى آخرون أن إجراءات الحكومة شكلت بيئة خصبة لإعادة الهيكلية المنهكة في المفاصل الحكومية.
تقييم إداري
يرى الأكاديمي والباحث مروان حمي أن ملف الإصلاح الإداري في سوريا ما بعد الأسد بدأ فعليًا في كانون الأول/ ديسمبر 2024 مع تشكيل حكومة تصريف الأعمال، ومن ثم الحكومة الانتقالية في آذار/ مارس 2025، وحققت سلسلة من الإنجازات الجزئية، كخطوة أولية نحو إعادة الهيكلة المؤسسية، إلا أنها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي والاستدامة اللازمة لتحقيق تحول نوعي، حيث صدرت مراسيم رئاسية في أيار/ مايو لإعادة تنظيم الوظائف القيادية وتقييم الأداء السنوي بنسبة 60% كحد أدنى للإبقاء، إلا أن ذلك لا يُعد تقدمًا في مكافحة الفساد المؤسسي المتصاعد بعد سقوط الأسد، لاسيما تعيين معظم الوزراء التابعين لهيئة تحرير الشام في الحكومة، واعتماد مبدأ الولاءات بالدرجة الأولى.
يتطلب ملف الإصلاح المؤسساتي استراتيجية متكاملة لبناء نظام حكومي مستدام يعتمد على مبادئ الشفافية والكفاءة والمساءلة
ويؤكد الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن ملف الإصلاح الإداري في سوريا يظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، إذ يحمل في طياته جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فمن الناحية الإيجابية، فتح هذا الملف الباب أمام إعادة هيكلية المؤسسات الحكومية بشكل كامل، بما يسمح بتبسيط الإجراءات وتجاوز الروتين الذي لطالما شكّل عائقًا أمام المواطنين والموظفين على حد سواء، كما ساهم في معالجة الترهل الإداري عبر تسريح أعداد كبيرة من الموظفين غير الفاعلين بطريقة هادئة، دون أن يثير ذلك اعتراضات شعبية واسعة، وهو ما يُحسب للحكومة كخطوة أولية نحو ترشيد الجهاز الإداري.
وفي جانب آخر، يرى الكريم أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُستكمل بإصلاحات تشريعية وثقافية جذرية، فالإصلاح الإداري لا يمكن أن يقتصر على تسريح الموظفين أو إعادة توزيعهم، بل يجب أن يترافق مع إعادة بناء المنظومة القانونية والإدارية بما يضمن الشفافية والعدالة في التوظيف والترفيع، وإلا فإن الإصلاح قد يتحول إلى مجرد عملية شكلية أو أداة لتصفية الجهاز الوظيفي من دون إيجاد بدائل حقيقية تعزز الكفاءة وتخدم المصلحة العامة، لافتًا إلى أنه على الرغم من قيام بعض الوزارات بإعادة هيكلة نفسها عبر الدمج أو الإلغاء، فإن ذلك عقّد العمل في بعض مفاصل الدولة وأربك العديد من القرارات الحكومية، عدا عن التصريحات الحكومية التي ما زالت أكبر بكثير من حجم الإنجازات الفعلية.
معايير مرجعية
يوضح الأكاديمي حمي مجموعة المعايير الإدارية التي اعتمدتها السلطة الجديدة خاصة بعد الإعلان الدستوري، والمستمدة ظاهريًا من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الإدارية (UNDP2025)، والتي تُرْكز على الكفاءة والشفافية والشمولية، إلا أن تطبيقها يكشف عن تناقضات جوهرية وفشل في التنفيذ، حيث حددت المعايير الرئيسة لترشيح الوزراء والقيادات، وتصنيفات العاملين، وفقًا للمرسوم رقم 45 لعام 2025، إلا أنه يتضح سيطرة المقربين من هيئة تحرير الشام على 70% من الحقائب السيادية مما يخرج المعايير عن مسارها نحو الولاءات السياسية بدلًا من المهنية.
يضيف الخبير الاقتصادي الكريم أن معيار الولاء السياسي والأمني يأتي بالدرجة الأولى في التعيينات، يليه المعيار الديني، ثم مدى علاقات الشخص الدولية، في حين يأتي المؤهل العلمي في إطار شكلي أكثر منه كأساس اختيار فعلي، لافتًا إلى أن غياب الشفافية في التعيينات والقرارات، وعدم وجود مسابقات أو معايير واضحة للتوظيف، جعل الجهاز الإداري يفتقر إلى قواعد مؤسسية عادلة.
كما نوه الكريم إلى أن الحكومة حاولت تدارك بعض قصورها عبر الدورات التدريبية للكوادر في مؤسسات حساسة مثل وزارة الخارجية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة توافق هذه البرامج مع مهارات الأشخاص الذين جرى تعيينهم أساسًا وفق الولاءات، ويرى أن هذه السياسات مجتمعة سوف تؤدي إلى ترهل إداري واسع قريبًا، وانعكاس سلبي على إنتاجية مؤسسات الدولة.
قانون عاملين.. ولكن
بحسب الأكاديمي حمي يعد قانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام2004 ، الإطار التقليدي لتنظيم العلاقات الوظيفية في القطاع العام، وهو غير مفعل في المرحلة الانتقالية، حيث أوقفته الحكومة الجديدة، مما أدى إلى فراغ تشريعي يعرِض نحو 1.2 مليون موظف حكومي لعدم الاستقرار في الحقوق والتعويضات، إلا أن ثمة بديلًا قانونيًا مُطورًا قيد الإعداد والتطبيق الجزئي هو مشروع “قانون الخدمة المدنية” الذي أَصدرته وزارة التنمية الإدارية في حزيران/يونيو 2025 عبر القرار رقم 302، والذي يعتمد إطارًا تنظيميًا مرنًا، لكن التتبع الإداري لما سبق يعكس فشلًا في التطبيق من حيث نظام الإعارة والندب، وإثارة المخاوف من تسريحات تعسفية بلغت 20% من الموظفين في الوزارات السيادية.
فيما يعتقد الخبير الاقتصادي الكريم بأن “قانون الخدمة المدنية” يشوبه العديد من الثغرات القانونية والتشريعية، لأنه صادر عن سلطة مؤقتة وليست دائمة، في ظل غياب مجلس الشعب والنقابات التي تدافع عن حقوق العاملين. وبالتالي، فهو أقرب إلى صيغة إذعان منه إلى قانون شرعي ينظم العلاقة بين الدولة والموظفين، لافتًا إلى ضرورة وضع سقف للأجور في مؤسسات الدولة، إذ أن غياب هذا السقف سيؤدي إلى تفشي الفساد، خاصة مع وجود رواتب تصل إلى 20.000 دولار، في حين أن موظفين سابقين في حقبة النظام السابق لا تتجاوز رواتبهم 150 دولارًا.
إصلاح إداري
يتطلب ملف الإصلاح المؤسساتي استراتيجية متكاملة لبناء نظام حكومي مستدام يعتمد على مبادئ الشفافية والكفاءة والمساءلة، ويتم ذلك حسب الخبير الاقتصادي يونس الكريم بتفعيل المجلس التشريعي والمجتمع المدني والنقابات المعنية بحقوق العاملين، باعتبارهم المدافعين الأساسيين عن حقوق العمال والموظفين. مشددًا على أهمية إعادة دراسة قانون الخدمة المدنية بعد صدور العديد من التعيينات المخالفة لأحكام القانون الجديد، وتفعيل الهيئة العامة للتنمية الإدارية داخل المؤسسات الحكومية بشكل أكثر فاعلية في المتابعة والتقييم، على أن تكون هيئة مستقلة لا تتبع لأي وزارة، لضمان حيادها، وممارسة دورها الرقابي والإشرافي بكفاءة.
الترا سوريا
———————————
سوريا: إعفاء ضريبي عن فترة نظام الأسد
الخميس 2025/12/11
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بإعفاء المكلفين بضريبة دخل الأرباح الحقيقية والضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى، ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل من كامل الفوائد والجزاءات والغرامات إذا سددوا المستحقات حتى نهاية آذار 2026، ومن نصف هذه الغرامات إذا تم السداد خلال الفترة الممتدة من نيسان حتى حزيران 2026.
ووفقاً للفقرة “أ” من المادة الأولى من المرسوم الرئاسي، يعفى المكلفون بضريبة دخل الأرباح الحقيقية وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل، وكذلك المكلفون بالضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل من كامل الفوائد والجزاءات والغرامات على اختلاف أنواعها إذا سددوا الضريبة أو الرسم العائد لأي من السنوات المذكورة حتى 31 آذار 2026، فقاً لـ”وكالة الأنباء السورية” (سانا).
كما نصت الفقرة “ب” على أنه يعفى المكلفون بضريبة دخل الأرباح الحقيقية وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل، وكذلك المكلفون بالضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأي من سنوات 2024 وما قبل، من نسبة في المئة من الفوائد والجزاءات والغرامات على اختلاف أنواعها إذا سددوا الضريبة أو الرسم العائد لأي من السنوات المذكورة في الفترة من 1 نيسان وحتى 30 حزيران 2026.
ويعفى المكلفون الذين سددوا أياً من الضرائب والرسوم المشار إليها في الفقرتين السابقتين قبل نفاذ هذا المرسوم من الفوائد والجزاءات والغرامات غير المسددة، ولا ترد الفوائد والجزاءات والغرامات المسددة قبل نفاذ هذا المرسوم.
ووفقاً للمادة الثانية، تطبق أحكام المادة الأولى من هذا المرسوم على تكاليف الأرباح الحقيقية ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي العائدة لعام 2024 وما قبل، التي توضع موضع التحصيل بعد نفاذ هذا المرسوم، وعلى التكاليف العائدة لأعوام 2024 وما قبل بالنسبة لبقية الضرائب والرسوم المشمولة بأحكام هذا المرسوم إذا تم تسديد أي منها قبل انقضاء السنة التي تستحق فيها الضريبة أو الرسم وتوضع موضع التحصيل وفقاً للنصوص النافذة.
كما تطبق على الغرامات الناجمة عن تطبيق أحكام القانون رقم 25 وتعديلاته المتعلق بالاستعلام ومكافحة التهرب الضريبي، بالإضافة إلى الذمم الشخصية التي تحصلها الدوائر المالية
————————–
=======================
تحديث 10 كانون الأول 2025
———————————
من اقتصاد الأفراد إلى الحوكمة: هل تغيّر النموذج الاقتصادي في سوريا بعد سقوط النظام؟/ أغيد حجازي
10 ديسمبر 2025
منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، أخذ الاقتصاد السوري بعدًا جديدًا؛ إذ تحوّل تدريجيًا من اقتصاد مؤسساتي إلى اقتصاد يخضع لمنطق الأشخاص والأفراد. وتكرّس هذا التحوّل مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، حيث أحكمت دائرة ضيقة مرتبطة بعائلته وأقاربه وشخصيات مقربة منه سيطرتها على الاقتصاد السوري، من الاستثمارات الكبرى إلى عقود الاستيراد، وصولًا إلى الوكالات الحصرية للشركات العربية والأجنبية. وبقي هذا النهج الاقتصادي قائمًا، موروثًا مع انتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000.
ومع سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، تبرز اليوم، بعد مرور عام على المرحلة الجديدة في سوريا، أسئلة جوهرية حول طبيعة التحوّل الاقتصادي: هل انتقل الاقتصاد بالفعل من حكم الأفراد إلى الحوكمة المؤسساتية؟ أم أنّ النهج المترسّخ منذ نصف قرن ما يزال مستمرًا بصيغ جديدة؟ وما مخاطر غلبة الاقتصاد الفردي على المؤسسي؟ وما هو تقييم الاقتصاد السوري بعد عام على سوريا ما بعد الأسد؟
مراسيم جمهورية
أصدر الرئيس أحمد الشرع خلال العام الجاري سلسلة من القرارات الاقتصادية، كان أبرزها تشكيل “اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير”، التي تُعد الجهة المسؤولة عن إقرار السماح أو المنع للسلع المستوردة والمصدّرة. وبحسب المرسوم، تتبع اللجنة للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية التي يرأسها الدكتور ماهر الشرع. كما يرأس اللجنة مدير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وهي هيئة أحدثها رئيس الجمهورية، وتتولى إدارة جميع المنافذ الحدودية والبحرية والجمارك، وترتبط بدورها مباشرة برئاسة الجمهورية.
كما أُحدث “الصندوق السيادي”، الذي يهدف – وفق المرسوم – إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية، وتنشيط الاقتصاد عبر استثمارات متنوعة ومدروسة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعّلة إلى أدوات إنتاج وتنمية. ويرتبط الصندوق أيضًا برئاسة الجمهورية.
وفي سياق مشابه، أُحدث “صندوق التنمية”، الذي يتبع كذلك لرئاسة الجمهورية، ويهدف إلى المساهمة في عملية إعادة الإعمار وتمويل مشاريع متعددة عبر القرض الحسن.
هياكل اقتصادية ناشئة وضعيفة
في هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي محمد علبي إن متابعة المشهد الاقتصادي تُظهر أن الإدارة الحالية للاقتصاد “لا تُدار عبر المؤسسات الرسمية، بقدر ما تُدار عبر شبكة ضيقة من مراكز القوة التي تشكّلت حول الرئاسة”. وأضاف أن الحكومة والوزارات “ليست صاحبة القرار الاقتصادي الفعلي، بل مجرد أدوات تنفيذية”، وأنها “لا تشارك بصورة حقيقية في صياغة السياسات أو التخطيط الاستراتيجي”.
وأشار علبي إلى أن القرار الحقيقي – وفق تقديره – “يصدر من دائرة مغلقة يقودها أشقاء الرئيس، ماهر وحازم، إضافة إلى مجموعة من الإداريين السابقين في هيئة تحرير الشام”. وأوضح أن هذه الدائرة الضيقة “أنتجت رجال أعمال جددًا تحولوا إلى أدوات تنفيذية لإعادة هيكلة السوق، وتوجيه الاستثمارات، وإدارة ملفات التسويات مع رؤوس الأموال القديمة”، معتبرًا أن هذه الشبكة “تعمل خارج الأطر المؤسسية التقليدية” وتمسك بالملفات الكبرى من إدارة الموارد إلى التحكم بالمعابر والعقود الاستراتيجية.
من جهته، قال الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات”، ملهم الجزماتي، ردًا على سؤال حول آلية إدارة الاقتصاد السوري حاليًا، إن التجربة العملية خلال العام الأول “تشير إلى وضع انتقالي معقّد يصعب تصنيفه بوضوح”. وأوضح أن الحكومة “بدأت بتأسيس هياكل اقتصادية جديدة مثل صندوق التنمية والصندوق السيادي والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية”، إلا أن هذه الهياكل “ما تزال ضعيفة القدرات وتفتقر إلى البنية اللازمة لتحويلها إلى مؤسسات حقيقية قادرة على صياغة القرار الاقتصادي وتنفيذه”.
وأضاف الجزماتي أن هذه الهياكل “مرتبطة مباشرة بالرئاسة دون وجود هيئة رقابية عليها”، مشيرًا إلى أن الملفات الاستراتيجية، ولا سيما الاستثمار والطاقة، “ما تزال تُدار عمليًا عبر قنوات محدودة داخل الدائرة القريبة من الرئاسة، في مزيج يجمع بين محاولة بناء مؤسسات جديدة واستمرار مركزية القرار بيد عدد محدود من الأفراد”.
وبيّن أن هذا التداخل بين المؤسسية الناشئة والقرار الفردي “يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد”، حيث تتشكّل المؤسسات تدريجيًا، فيما يفتح “غياب جهاز إداري متمرس وافتقار الوزارات للأدوات التنفيذية” المجال أمام تدخلات فردية لتعويض هشاشة البنية المؤسسية. ومع ذلك، يؤكد الجزماتي أن ملامح التحول بدأت بالظهور من خلال “ازدياد الاهتمام بوضع قواعد أكثر انتظامًا لإدارة الاقتصاد، وإن بقي أثر هذا التحول محدودًا في المدى القصير”.
مخاطر اقتصاد الأفراد
رأى علبي أن استمرار إدارة الاقتصاد عبر أشخاص أو شبكات نفوذ تحمل مخاطر بنيوية، أهمها غياب القدرة على التنبؤ، معتبرًا أن المستثمر – سواء كان محليًا أو أجنبيًا – “يحتاج قواعد واضحة، لا قرارات تتغير بتغير مزاج أصحاب النفوذ أو نتيجة صراعات داخلية”. وأضاف أن اقتصاد الامتيازات والاحتكار “يتعزز عندما يصبح القرب من مركز القوة أهم من الكفاءة أو القدرة الإنتاجية”، وهو ما يحدّ من تشكّل قطاع خاص حقيقي، ويُبقي البلاد “عالقة في اقتصاد ريعي في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء قدراتها الإنتاجية”.
وأشار إلى أن غياب المؤسسات الفعالة يقلل من الشفافية، ويجعل سوريا “أقل قدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي”، لأن الشركاء الدوليين “لا يتعاملون بسهولة مع بيئة تتحكم بها شبكات غير خاضعة للمساءلة”، بحسب تعبيره.
وختم علبي مشيرًا إلى أن الاقتصاد السوري اليوم “يُدار من خارج البنية المؤسسية”، وأن الوزارات والمصرف المركزي “لا يشكّلون مراكز صنع قرار أو تخطيط استراتيجي”، بل “أدوات تنفيذية لتوجهات تُقرر في دوائر صغيرة محيطة بالرئاسة”. ومع استمرار الانقسام بين ثلاث منظومات اقتصادية مستقلة، يرى أن المشهد “يبقى بعيدًا عن نموذج الدولة الموحدة”، وهو ما يجعل “أي خطوة إصلاحية قابلة للانهيار” ويُبقي الاقتصاد “رهينة لأشخاص لا لقواعد مؤسسية قادرة على الصمود أو التطور”.
تقييم الاقتصاد بعد عام
أما في تقييمه للاقتصاد بعد مرور عام على سقوط النظام، قال الجزماتي إن الصورة الحالية يمكن وصفها بأنها “حركة من دون تقدم فعلي”. وأوضح أن اقتصاد ما بعد الحرب “بدأ يستقر شكليًا”، لكن هذا الاستقرار “لم يترافق مع نمو إنتاجي أو توسع في النشاط الحقيقي”. وأشار إلى أن تحسن سعر الصرف نسبيًا “لا يعكس قوة اقتصادية، بل يعكس شحًا في السيولة داخل السوق”، ما خفّض الطلب على الدولار بطريقة “لا تعبّر عن قدرة إنتاجية أو تجارية متصاعدة”.
وفي السياق نفسه، قال إن غياب نشاط مصرفي فعّال وعدم القدرة على تأمين تمويل للقطاع الخاص “أبقيا الحركة الاقتصادية محدودة ومترددة”. وأضاف أن الهشاشة تتفاقم مع “المسار الجديد الذي بدأت الحكومة تنتهجه في ملف الطاقة”، حيث يتراجع الدعم الحكومي للكهرباء تدريجيًا، في خطوة يراها الجزماتي “انتقالًا محسوبًا نحو نموذج اقتصادي أقرب إلى اقتصاد السوق وأبعد عن الحمائية التقليدية”.
وفيما يتعلق بالوعود الاستثمارية التي رافقت الأشهر الأولى، اعتبر أنها “بقيت في إطار مذكرات تفاهم لم تتحول إلى مشاريع منفذة”، مشيرًا إلى أن البيئة الاقتصادية “ما تزال غير جاهزة لاستقبال استثمارات ضخمة”، ليس لغياب الإرادة السياسية، بل لغياب “البنية المؤسسية والإدارية القادرة على ترجمة الوعود إلى وقائع اقتصادية”.
ومن جانبه، رأى الخبير الاقتصادي، عامر شهدا، أن تقييم الاقتصاد السوري “يعتمد بالأساس على ميزان المدفوعات والميزان التجاري، إضافة إلى عجز الموازنة ومسألة إزالة التشابكات المالية بين مؤسسات الدولة”. وأضاف: “لا يهمني اليوم أن أرى سيارات جديدة ولا زيادة في الاستيراد في ظل عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات”، معتبرًا أن النظرة السريعة إلى الميزانين، مع نظرة موازية إلى الوضع المعيشي للمواطن “هي الأساس الحقيقي للتقييم”.
وتابع أن المشاريع التي جرى الترويج لها على أنها اقتصادية “هي في الواقع مشاريع سياسية”، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي تحدث عن نمو بنسبة 1%، لكنه وصف التقدير بأنه “غير صحيح ومتناقض مع التقرير السابق”، وأنه يأتي ضمن “إطار دبلوماسي بروتوكولي”. وأكد أن التعافي الاقتصادي “له مقومات ومؤشرات لم تظهر حتى الآن”، مشيرًا إلى أن المؤسسات الحكومية “تتحدث فقط عن التكاليف دون الموارد”، وأن التقارير الجمركية “تذكر الأوزان فقط دون الإيـرادات”، معتبرًا أن هذا كله “يصُب في خانة غياب الشفافية” ويمنع بناء تقييم اقتصادي دقيق.
——————————–
هل يُشكّل قانون قيصر العقبة الوحيدة أمام إعادة إعمار سوريا؟/ باسل المحمد
2025.12.10
تزامناً مع إحياء السوريين الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام، برزت تطورات لافتة في واشنطن تتعلق باقتراب تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، فقد كشف مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم عن مساعٍ متقدمة داخل الكونغرس لإجراء تصويت على موازنة وزارة الدفاع الأميركية، المتضمنة بنداً يقضي بإلغاء قانون قيصر، ووفق غانم من المقرر أن يجري التصويت يوم الأربعاء، 10 كانون الأول الجاري.
وفي السياق نفسه أكد مراسل وول ستريت جورنال جاريد مالسن عبر منصة “إكس” أن الكونغرس الأميركي “وافق للتو” على إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، وأضاف:” ستنشر الليلة الصيغة النهائية المضمنة في تعديل قانون تفويض الدفاع الوطني.
ورغم أهمية هذه الخطوة والجهود الدبلوماسية التي بُذلت في سبيلها وما رافقها من دعم عربي وإقليمي من حلفاء سوريا، إلا أن هذا التصريح يفتح في المقابل الباب لسؤال محوري: هل يكفي الإلغاء المرتقب لقانون قيصر لإطلاق عجلة إعادة الإعمار في سوريا، أم أن مسار الإعمار ما يزال مرتبطاً بعوامل وعقبات أخرى تتجاوز إطار العقوبات الأميركية؟
مؤسسات متهالكة
تشكل بنية مؤسسات الدولة واحداً من أعقد التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد التحرير، فسنوات الحرب الأربع عشرة، وما رافقها من تسخير شبه كامل لموارد الدولة لصالح آلة النظام العسكرية، وحرمان القطاعات المدنية من أبسط متطلبات التطوير، إضافة إلى العقوبات الأوروبية والأميركية التي عطّلت قدرة المؤسسات على مواكبة التحول العالمي، كلها عوامل أسهمت في إنتاج جهاز إداري منهك ومترهل تحول اليوم إلى عبء ثقيل على مسار إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق كشف آخر تقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول الماضي، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ 345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية (طرق، كهرباء، ماء، وشبكات حكومية).
ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن جذور هذا التدهور تعود إلى الحقبة السابقة، لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ يوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الحكومة الحالية لم تُطلق بعد برنامجاً فعلياً لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، مضيفاً أن آليات التوظيف ما تزال ضعيفة بعد خروج عدد كبير من الموظفين لأسباب مختلفة، الأمر الذي زاد هشاشة البنية المؤسسية وأفقدها القدرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.
هذا التشخيص يتقاطع مع الموقف الرسمي الذي عبّر عنه وزير المالية السوري محمد يسر برنية عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الرياض نيته رفع العقوبات عن سوريا.
وأكد برنية في تصريحات صحفية أن الحكومة تعمل على “إصلاح شامل لإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي”، ضمن جهد أوسع لتحديث اقتصاد أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود. لكنه في المقابل شدد على أن رفع العقوبات ليس سوى الخطوة الأولى في مسار تعافٍ طويل.
اقرأ أيضاً
قيصر والشرع
هل ألغت واشنطن “قانون قيصر” فعلاً أم ما يزال سارياً قانونياً؟
ضعف الحوكمة والتشريعات
يمثل ضعف الحوكمة وغياب إطار تشريعي ورقابي ناضج أحد أبرز التحديات التي تقف أمام إطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، حتى في حال رفع العقوبات الأميركية بالكامل.
وتؤكد دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات أن أي خطة إعمار لن تحقق نتائجها ما لم تُبنَ على مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وفاعلة تضمن نزاهة إنفاق الموارد ووصولها إلى مستحقيها، وتحول دون إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبية التي رسخها النظام المخلوع طوال عقود.
وتتقاطع هذه الدراسة مع رأي مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم الذي قال في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر – المتوقع قريباً – لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات وإطلاق الإعمار موضحاً: لرفع دخل المواطن وزيادة قيمة الصادرات وجذب الشركات الدولية، نحن بحاجة إلى تخطيط اقتصادي سليم، وبحاجة إلى قضاء نزيه وعادل، فالشركات الأجنبية تخشى دائماً من وقوع نزاعات، ولحل هذه النزاعات لا بدّ من قضاء مستقل ومحاكم فعّالة.
ويضيف غانم أن البيئة الاستثمارية لا تُبنى فقط عبر الامتيازات، بل عبر شفافية كاملة في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب بنية تخطيط اقتصادي متماسكة، مؤكداً أن هذا كله لا يقل أهمية عن رفع قانون قيصر نفسه.
وتدعم مراكز الأبحاث الدولية هذا التقييم، إذ يحذّر تحليل صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 31 تشرين الأول الماضي من أن مشاريع الإعمار قد تتعرض للاستحواذ من قبل قوى سياسية نافذة إذا لم تُعالج مظاهر ضعف الحوكمة.
ويشير التحليل إلى أن الفترة الأولى بعد التحرير شهدت طرح بعض الأصول الحكومية للخصخصة دون شفافية كافية حول هوية المشترين أو شروط الصفقات، مما أثار مخاوف جدّية من إعادة إنتاج نمط المحسوبية والفساد الذي طبع الاقتصاد السوري خلال عقود مضت.
تعدد مناطق السيطرة
يمثّل غياب سلطة سياسية موحّدة على كامل الجغرافيا السورية أحد أبرز التحديات التي تعيق إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار على مستوى وطني شامل، فإلى جانب العوائق الإدارية والاقتصادية، ما تزال سوريا عملياً بلداً مقسم السيطرة بين مناطق خاضعة للحكومة السورية، ومناطق تديرها قوات “قسد” شرق الفرات، إضافة إلى منطقة السويداء في الجنوب السوري.
هذا التشتت في النفوذ يصعّب بناء رؤية متماسكة للإعمار، ويحدّ من قدرة الحكومة على وضع سياسات وطنية موحّدة أو تنفيذ مشاريع كبرى تتطلب سلطة تنفيذية واحدة وإطاراً قانونياً متسقاً.
ويشير باحثون إلى أن انعدام الاستقرار السياسي الكامل يشكل في الوقت الراهن العائق الأكثر تأثيراً على قرارات التمويل الدولي؛ فالدول المانحة لا تزال تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة انتقالية لم تُحسم ملامح نظام الحكم فيها بشكل نهائي، مما يقلل من استعدادها لضخ استثمارات أو تمويلات طويلة الأجل في بيئة تُوصف بأنها غير مستقرة وتفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل السياسي.
وفي هذا السياق يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي أنه لا يمكن التقليل من أثر قانون قيصر على مسار الإعمار، لكنه يبقى عاملاً من مجموعة عوامل أوسع تعرقل عملية إعادة البناء بطريقة تولّد الأمن والاستقرار.
ويضيف الدسوقي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أهم الشروط الحاسمة لنجاح الإعمار هو استعادة سلاسل القيمة الوطنية المحرّكة للاقتصاد السوري، وهو أمر متعذّر في ظل وجود مساحات جغرافية واسعة ما تزال خارج سيطرة الحكومة، ما يجعل من الصعب إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية بصورة مترابطة أو استعادة الانتظام الطبيعي لحركة التجارة الداخلية.
إسرائيل وعرقلة الإعمار
يشكّل الدور الإسرائيلي أحد أكثر العوامل الخارجية تأثيراً على إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، ليس فقط من زاوية الاعتداءات العسكرية المتكررة، ومحاولة اللعب على وتر التنوع العرقي والطائفي في سوريا، بل من حيث انعكاس هذا السلوك على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي المطلوب لبدء أي استثمار طويل الأمد.
ورغم مرور عام على التحرير ما تزال إسرائيل تشنّ غارات مكثفة وتنفّذ توغلات داخل الأراضي السورية، تجاوز عددها أكثر من 1000 غارة و400 توغلاً منذ سقوط النظام، كان آخرها المجزرة التي وقعت في بلدة بيت جن بريف دمشق وراح ضحيتها العشرات.
وينعكس هذا الواقع الأمني المضطرب مباشرة على ثقة المستثمرين الخارجيين، كما يوضّح الباحث الاقتصادي يونس الكريم الذي يرى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ونمط القصف المتكرر يجعل الشركات الدولية تتخوف من ضخ استثمارات كبيرة في سوريا، خشية أن تضغط إسرائيل على واشنطن لفرض عقوبات إضافية أو تمديد عقوبات قائمة في حال لم تستجب الحكومة السورية لشروط معينة تريد إسرائيل فرضها على سوريا.
ويشير الكريم إلى أن هذا العامل وحده كفيل بإبطاء مسار إعادة الإعمار، حتى لو رُفع قانون قيصر بالكامل.
على الجانب السياسي تدرك الحكومة السورية حجم هذا التحدي وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في ندوة حوارية ضمن أعمال منتدى الدوحة 2025، حيث قال: نعمل مع الدول الفاعلة على مستوى العالم للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وجميع الدول تؤيد مطلبنا هذا. وهناك مفاوضات مع إسرائيل، والولايات المتحدة منخرطة معنا في هذه المفاوضات، والجميع يدعم حق سوريا في استعادة تلك الأراضي.
تلفزيون سوريا
———————————
لحظات قريبة فاصلة.. كيف يحسم مجلس النواب الأميركي قانون قيصر؟/ أحمد الكناني
“قيصر”: هل ينهار جدار العقوبات قبل نهاية العام؟
2025-12-10
شكل رفع العقوبات الأميركية عن سوريا مساراً تشريعياً وقانونياً معقداً، أفقد السوريين فرحتهم بعد 6 أشهر من إعلان الرئيس دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا في الرياض، بوساطة سعودية تركية، إلا أن صلاحيات الرئيس الأميركي تنص على رفع العقوبات الإدارية، وليس التشريعية المتعلقة بالكونغرس وهي الحالة التي تنطبق على قانون “قيصر” الذي تم اقراره عام 2019، الأمر الذي أخر رفع العقوبات لحاجتها الامتثال لمسار تشريعي يبدأ من مجلس الشيوخ إلى النواب وصولاً للرئيس الأميركي للتوقيع عليه.
نجحت الإدارية الأميركية نتيجة للضغط السعودي والتركي، بتوجيه الرأي العام داخل الكونغرس تجاه رفع العقوبات عن سوريا، كجزء من سياسة واشنطن الخارجية الجديدة في الشرق الأوسط، وهو ما حقق نجاحه في المرحلة الأولى في مجلس الشيوخ بقيادة السيناتور جين شاهين التي وضعت بند “رفع عقوبات قيصر” ضمن قانون ميزانية وزارة الدفاع، إذ يتضمن البند الخاص بقانون قيصر رفع العقوبات بشكل غير مشروط، إضافة إلى تفاصيل متعلقة بإعادة فتح السفارة الأميركية، ونال وقتها 77 صوتاً موافقاً مقابل اعتراض 22 عضواً على بنود متعلقة بميزانية وزارة الدفاع، وليس على قانون قيصر، ومن هنا بدأت اللعبة السياسية؟
ضغط مسبق
تعي الإدارة السورية الجديدة الثقل الكبير لمجلس النواب في التصويت على قانون قيصر، إذ أن موافقته على القانون الصادر من مجلس الشيوخ بعد دراسته، يعني أن العقوبات ارتفعت، وتنتظر توقيعاً من الرئيس ترامب، أما في حال وضعت عليه تعديلات جوهرية، فذلك يستدعي إعادته إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه بينهم، ومن ثم إعادة إرساله من جديد للنواب، في سياق زمني قد يأخذ قرابة العام، وتجنباً لهذا السيناريو، عملت الدبلوماسية السورية عبر لوبياتها تنسيق الاجتماعات، واستمالة أعضاء مجلس النواب للتصويت دون أي تعديل، إلا أن ذلك استدعى بالضرورة لقاء الرئيس السوري الانتقالي احمد الشرع برئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب برايان ماست صاحب التأثير الأكبر في مجلس النواب، والرافض لرفع العقوبات عن سوريا دون شروط.
استطاع الرئيس الشرع خلال اجتماعه مع برايان ماست الإجابة عن كافة تساؤلاته حول الوضع في سوريا، وكيفية إدارة العديد من الملفات التي تخص “ماست”، كونه مرتبطاً باللوبي الإسرائيلي، ولديه علاقات جيدة ذات ثقل بحلف الأقليات، وهو ما ركز عليه في حديثه مع الرئيس الشرع، بخصوص كيفية حمايتهم من وجود متطرفين، إضافة للشأن الداخلي السوري، ومحاربة الإرهاب، خاصة وأن للرجلين ماضي متعلق بالقضايا الجهادية.
شروط محتملة
على الرغم من الانطباعات الإيجابية التي أبداها “برايان ماست” بلقاء الرئيس الشرع، إلا أن السياسية الأميركية قائمة على الأفعال لا التلميحات، وعليه تترقب دمشق بقلق ما سيفضي إليه مجلس النواب من تصويت دون تعديل، أو تعديلات تخشاها دمشق، إذ سبق أن حصلت محاولات أميركية “غير ناجحة” في مجلس الشيوخ، اقترحها السيناتور ليندسي غراهام رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، والسيناتور الديمقراطي كريس فان هولن ويعتبر الشخص الثاني في نفس اللجنة، كانا قد وضعا مدة 6 أشهر لمراجعة وتقييم التزام الحكومة السورية بالشروط الأميركية، وفي حال ورود تقريرين سلبيين عن الحكومة السورية يتم إعادة تفعيل قانون قيصر، وهو ما تخشاه دمشق، من حيث خروج مثل هذه الأصوات في مجلس النواب.
إضافة إلى أنه ثمة وجود مخاوف من تحرك اللوبي الإسرائيلي للضغط بوضع شروط، تتوافق مع المطالب الخاصة بمسارات التطبيع والاعتراف بالنقاط الجديدة المحتلة جنوباً، أو شروط ذات الصلة بملف الأقليات، أو المقاتلين الأجانب، وجميعها قد يتم استخدامها في مجلس النواب ضمن شروط تأخذ طابعاً تشريعياً.
فنزويلا الحاسمة
تشير مصادر خاصة من داخل الكونغرس الأميركي لـ”963+” إلى أن إعلان واشنطن الحرب الأميركية على فنزويلا سيساهم بشكل رئيسي بتسريع التصويت على رفع قانون قيصر دون تعديلات، كون رفع قانون “قيصر” مدمج كبند ضمن قانون ميزانية وزارة الحرب (الدفاع سابقاً)، والتي تستعد لحرب مقبلة وتوقيع سريع لإقرار الميزانية قبل عطلة نهاية العام، من حيث رواتب العسكريين، والتجهيزات اللوجستية والصاروخية، وبالتالي التصويت والمسارعة به دون تعديل يشكل هدفاً وطنياً أميركياً.
المصادر أكدت أنه ظل التحديات التي تعيق سوريا اقتصادياً بسبب قانون قيصر، تحتاج دمشق للموافقة من مجلس النواب دون تعديل، ووصوله إلى الرئيس الأميركي كقانون متكامل خاص بوزارة الحرب الأميركية، الأمر الذي بدت ترتسم ملامحه في أروقة مجلس النواب.
كما تشير المصادر إلى أن الاجتماعات الأخيرة بين رئيس لجنة العلاقات الخارجية برايان ماست وأعضاء مجلس النواب أقرت ضمنياً وبشكل غير رسمي نيتها التصويت دون أي تعديل، مع وضع “توصيات” وليس شروط على القانون، تكون متعلقة بحماية الأقليات، وملف المتطرفين، والمشاركة السياسية، وهي المطالب الرئيسية الأميركية من الإدارة السورية.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+
+963
———————————–
سوريا بعد التغيير…اقتصاد بطيء الحركة وتفاؤل حذر
دمشق – واصل حميدة
الأربعاء 2025/12/10
بعد مرور عام على التغيرات السياسية الجذرية في سوريا، تتشكّل ملامح المشهد الاقتصادي الحالي في السوق المحلية وسط تفاؤل حذر، وهذا ما يؤشّر إلى تحول تدريجي في المناخ المالي.
تشير شهادات العمال والتجار وأصحاب المنشآت في قطاعات متنوعة (التجارة، الشحن، المطاعم، الصرافة) إلى أن الوضع الراهن يقع في خانة “الأمل الملموس”، وإن كان لا يزال يوصف بأنه أقل من المتوسط بقليل، بعد سنوات طويلة من الانهيار والضغوط الهائلة.
التحرير النقدي يدفع عجلة السوق
يُجمع المراقبون على أن التّغير الأبرز الذي أحدث راحة في التعامل، هو الانتقال من نظام السوق المغلقة إلى الحرية في تداول العملات الأجنبية. هذا التحول قضى على حالة التقييد والخوف التي كانت سائدة، حيث كان التعامل بالدولار يعرّض للمساءلة القانونية. هذه الأريحية الكبيرة سهّلت حركة البيع والشراء، خصوصاً مع الزوار والأجانب.
بالتزامن مع هذه الحريّة، أدت التطورات إلى انخفاض في سعر الدولار من مستوياته القياسية، وهو ما أسفر عن خفض ملموس في أسعار السلع، وتحسّن نسبي في القدرة الشرائية للمواطنين. وبناءً على ملاحظات التجار، فقد انعكس هذا مباشرة على حركة المبيعات، حيث زادت كمية السلع التي يمكن للمستهلك شراؤها مقارنة بالعام الماضي، وتوافرت المواد الأساسية (كاللحوم والدواجن) في شكل واسع، خلافاً للفترة السابقة التي شهدت نقصاً وانقطاعاً للكثير من السلع.
التفاؤل الحذر في قطاع الأعمال
وبسبب الدمار والتهجير، تحوّل قسم كبير من الملاّك إلى مستأجرين نتيجة سنوات الحرب الطويلة. ومع ذلك، أظهرت الأسواق حيوية جديدة، فكأنّ “السوق تموت ثم تعود”. وقد دفع التفاؤل العام التجار إلى إظهار ثقة كبيرة، تجسّدت في حركة إقبال على شراء الأقمشة والتجهيز للمواسم القادمة. كما شهدت البلاد تحسناً في الوضع الأمني، وهذا ما منح المواطن حرية التنقل بين المحافظات التي كانت مهددة سابقاً من عناصر النظام السابق وميليشياته، وساعد في الوقت نفسه على عودة الزوار الأجانب، وهو ما يبشر بتحسن تدريجي في الحركة السياحية والاقتصادية.
تحديات الطاقة وتوقيت التحسن
على صعيد التحديات، يقرّ الجميع بأن التحسن الاقتصادي الشامل لا يمكن أن يتحقق “بكبسة زر أو بعصا سحرية”، خصوصاً بعد مرور البلد في ظروف مدمرة. وهناك إجماع على ضرورة التحلي بالصبر، وعلى أن الحكم على جدوى التغيير الاقتصادي لا يمكن أن يتمّ في غضون عام واحد.
وتتمثل المطالب الملحّة لأصحاب المشاريع في ضرورة توفير الطاقة (الكهرباء والماء)، التي تُعدّ العصب الرئيس لأي مشروع استثماري، حيث أن صعوبة توفرها لا تزال تشكل العقبة الأكبر.
أما بخصوص الإجراءات الكلية، فيرى المواطنون أنّ تحديد سياسات التعافي يقع على عاتق الخبراء وأصحاب الاختصاص في السلطات، في حين يقتصر دورهم عمليّاً على مراقبة النتائج، في الوقت الذي لم يظهر بعد الأثر المباشر لرفع العقوبات، على أرض الواقع، على الرغم من التفاؤل المعنوي بشأن مفاعيله المنتظرة.
المدن
—————————
———————————
“المركزي السوري” يحذر من هجمات إلكترونية وروابط احتيال
2025.12.10
أصدر مصرف سوريا المركزي، اليوم الأربعاء تحذيراً أمنياً عاجلاً للمواطنين مع تزايد محاولات الهجمات السيبرانية التي تستهدف الحسابات المصرفية الإلكترونية عبر روابط التصيّد والرسائل المجهولة المصدر.
وقال المصرف في بيان نشره على معرفاته الرسمية إن الهجمات الأخيرة تهدف إلى سرقة البيانات المصرفية والوصول غير المشروع إلى حسابات المستخدمين لسحب الأموال، مؤكداً ضرورة رفع مستوى الحذر أثناء استخدام الخدمات البنكية عبر الإنترنت.
ودعا المركزي المستخدمين إلى عدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق مع أي جهة وتجنّب فتح الروابط أو الرسائل المجهولة المصدر أو إعادة نشرها، والإبلاغ عنها فوراً والاعتماد حصراً على التطبيقات والمواقع الرسمية للمصارف عند تسجيل الدخول أو تنفيذ العمليات المالية.
وشدد المصرف على أن الأجهزة قد تُصاب ببرمجيات خبيثة بمجرد الضغط على الرابط أو الصورة دون أن تظهر مؤشرات واضحة للمستخدم، ما يجعل الوعي والانتباه “خط الدفاع الأول” لحماية البيانات.
ويأتي هذا التحذير في ظل تنامي الهجمات الإلكترونية عالمياً ومحلياً، وفي إطار جهود المصرف المركزي لتعزيز أمن المعلومات وحماية أموال المتعاملين.
المركزي السوري يحذر من مخاطر العملات الرقمية
وفي شهر آب الفائت حذّر مصرف سوريا المركزي، اليوم الثلاثاء، من مخاطر التعامل بالعملات الرقمية داخل البلاد، مؤكداً أنها غير قانونية ولا تمثل عملة رسمية معتمدة.
وأوضح المصرف في بيان توعوي أن هذه العملات الافتراضية تُتداول إلكترونياً عبر الإنترنت من دون أي إشراف أو ترخيص رسمي، ولا تمثل عملة قانونية معتمدة، مشدداً على أن عمليات البيع والشراء بها لا تتمتع بأي غطاء قانوني، ما يجعل المتعاملين بها عرضة لمخاطر متعددة.
وأشار البيان إلى أن أبرز هذه المخاطر يتمثل في غياب الإطار التنظيمي والقانوني لهذه العملات، وإمكانية استخدامها في أنشطة غير مشروعة، الأمر الذي يعرّض المستخدمين للملاحقة القانونية ويجعل استرداد الأموال في حال الخسارة أمراً شبه مستحيل.
—————————-
=======================



