منوعاتموسيقا

ذاكرة الكاسيت السوري… الماضي معلقاً على شريط/ أنس مراد

16 ديسمبر 2025

لصعوبة ملاحقته، واستحالة حجبه، شكّل الكاسيت فضاءً للحرية في سورية خلال عقدَي السبعينيّات والثمانينيّات، وحتّى منتصف التسعينيّات؛ موعد ربط سورية بشبكة الإنترنت العالمية.

بعيداً عن ضيق التعريفات التاريخية والعلمية، لا يُمثل تعاطي الإنسان مع الأرشيف مجرد حفظٍ للوثائق أو تسجيلٍ للأحداث، بل هو خوضٌ عميق في طبيعة الزمن ذاته وتشابكه المعقد مع الوجود الإنساني. إنها محاولة جذرية لنقف ملياً عند مفهوم “الوجود” حداً مفصلياً يُعرّف الماهية الأرشيفية. تتسم موجودات الأرشيف بوجودٍ من نوع خاص؛ إنه وجود “لا زمنيّ” أو وجود مع وقف التنفيذ. فالمادة الأرشيفية، سواء كانت وثيقة رسمية أو تسجيلاً شخصياً، هي موجودة فعلياً، لكنها معزولة عن فاعليتها اليومية والمباشرة، هي كينونة مُعلّقة، ربما تُستدعى لتُضيء لحظتها الماضية في حاضرٍ جديد، وهنا، ينكشف الأرشيف وكأنه انغماس في ما هو خامد ومُطفأ، هو أشبه بالرماد المُستخرج من حريق الصراع بين الإنسان والزمن، هذا الرماد، هو البقايا مُحنّطة من الأفعال والأصوات واللحظات التي يحفظها الإنسان بعيداً عن متناول الزمن مرة أخرى، لكن ماذا لو لم يكن الفناء لمرة واحدة؟

يكتسب هذا الموضوع أبعاداً جديدة عند تناول أرشيف الشرائط السورية، والفعالية التي أقامتها المبادرة مؤخراً في بيت فارحي بدمشق في 29 نوفمبر. أرشيف الشرائط السورية هو مشروع بدأ عام 2018، بهدف حفظ وبحث ومشاركة الإنتاج الموسيقي الغزير على شرائط الكاسيت في سورية، تحديداً من سبعينيّات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الثانية. تأسست النواة الأولية للأرشيف من مجموعة تضم مئات الأشرطة جمعها المنتج والمؤرشِف مارك جرجس (موسيقيّ ومنتج صوت أميركي من أصول عراقية سورية) في زياراته المتكررة إلى سورية بين عامَي 1997 و2010.

تمثل سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته ذروة شيوع الكاسيت واستخدامه الشخصي في سورية، وهي حقبة شهدت تداخل سياقات مُركبة فرضتها حيثيات تلك المرحلة، ومنعطفات جوهرية عاشتها سورية والمنطقة على مستويات مُتعددة، كالقبضة السياسية، وتثبيت أركان “الدولة الأمنية”، وانحسار الفضاء العام وتضاؤل مساحات التعبير العلني والسياسي الحر، فمن ينسى بطاقات البونات، وطوابير التموين المذلّة؟ التي استخدمها النظام طريقةً لتوزيع المعونات الضرورية للحياة على الشعب السوري المحاصر اقتصادياً. لقد أثّرت ظروف سورية المعزولة في بنية المجتمع السوري، وفي شكل العلاقة بين الفرد والسلطة، وخلقت مناطق رمادية غير مؤسّساتية أو رسمية، أفرز من خلالها المجتمع السوري نتاجاً تماشى وما أتيح له من أدوات وحريات، وهنا تستطرد الأفكار وتنداح لتصل لأكثر مما هو مجرد أرشيف صوتي، بل مرآة خلفية عكست الوجدان الشعبي ومحاولاته المستمرة للحياة والتعبير بعيداً عن لغة الخطاب الرسمي المُهيمن

في وقتٍ كان النظام السوري يسعى لصبغ البلاد بلون واحد، وقولبة كل مظاهر الحرية والإبداع بأطر تفريغية بهدف استيعابها ومن ثم تهميشها، كان هناك في زوايا الأحياء المترامية في أنحاء سورية حياة خارجة عن سيطرة أي أيديولوجيا، حياة تتفاعل بقوة دفع ذاتية على الرغم من التقشف والتشديدات الأمنية والخوف؛ هذا ما تكشفه شهادات جيلَي السبعينيّات والثمانينيّات من سرديات عفوية عن علب بلاستيكية صغيرة، تُخفي بين شرائطها المغناطيسية متسعاً غنياً من الحرية؛ خلقت روابط بين السوريين، وكانت دبوس تثبيت للكثير من الذكريات المشتركة، فمع ابتسامة رقيقة تحدثت إحدى الصديقات عن شعور الفرح العارم عند اكتمال المبلغ الكافي لشراء الكاسيت والذي كانت تجمعه من مصروفها المدرسي، بالرغم من الوضع المادي الرديء، وتذهب “لتطبّق” شريطَ كاسيت يحتوي مجموعةً مختارةً مفضلةً لديها، وآخر يشير إلى عربات جوالة يدفعها أصحابها متنقلين بين الحارات تصدح بآخر الأغاني المنتشرة، لم يكن الأمر مستهجناً؛ فأماكن بيع الكاسيت كانت تتنوع ما بين البسطات، والعربات الجوالة، أو المحال التي تبيعها إلى جانب العطور والزهور وصور المطربين والمشاهير، وأيضاً كانت تختلف حسب مصدر الكاسيتات إمّا أعمال شركات الإنتاج الكبرى، أو تبيع الأغاني الشعبية للفنانين السوريين المحليين، وكانت المؤسسات الثقافية تهمل رعاية المواهب الفنية، باستثناء الرعاية المحدودة عبر الإذاعة والتلفزيون أو نقابات الفنانين، أو أندية الضباط، أو مهرجانات حزب البعث واتحاد شبيبة الثورة، والتي اقتصرت على أسماء محدودة تكتسح المسارح وتتصدر الشاشات، فيما وفّر الكاسيت المنبر المجاني والمنخوب للأصوات السورية التي لم يكن لها نصيب بالظهور أو حظوة لدى ذوي الشأن، وكان المساحة التي انتشرت بسبب حب الناس وإقبالهم عليها. لم يكتب لمعظم هذه الأصوات أن تخرج لفضاءات أكبر من حفلات الأعراس والاحتفالات الاجتماعية، التي كانت تُسجل على كاسيتات وتباع باسم الفنان متبوعاً بمكان الحفلة أو مناسبتها، أو كانت تسجل في استديوهات ذات أدوات فقيرة تتناسب والقدرات المادية المتواضعة لهؤلاء الفنانين الناشئين الذين كانوا غالباً ما يعملون بمهن مختلفة لتجنب الفقر، فالفن في سورية كان حينها، وما يزال، لا يطعم الخبز. كانت هذه الأصوات غالباً ما تعيد تسجيل المواد التراثية، أو تَدور في منتجها الجديد في نطاق فطري له سياق توليدي مستنبط من التراث، سواء كانت المادة موسيقية أو غنائية أو شعرية أو تحمل قصصاً وسيراً محبّبه لدى تلك الأجيال، في سياق متصل أدّى صعود الطبقة الوسطى في المجتمع السوري، وهجرة سكان الريف إلى المدينة التي ازدادت بسبب الحال الاقتصادية المعدومة، لاغتراب الأفراد عن بيئاتها الطقسية الطبيعية، ما أضعف في الوقت ذاته العنصر الناقل والحافظ في تلك البيئات، فنشأت في المدن الكبرى مجتمعات صغيرة مكثّفة من تلك التي في القرى والضيع والتي تركت ليطويها الزمن وتجف على مهل. أعادت هذه المجتمعات الصغيرة ضخ شخصيتها التراثية بالطريقة ذاتها أي بإعادة التراث ذاته، أو بالنسج على منواله.

تناقل السوريون عبر الكاسيت أغاني المطربين الثوريين “الممنوعة” من مصر ولبنان والعراق، وقصائد لشعراء ممنوعين مثل نجم والنوّاب، وحفلات جامعية، ودروساً دينية، إنشاداً دينياً شبه ممنوع، وحتى أنه جرى في منتصف الثمانينيّات تداول أول محتوى إباحي عربي، عبر كاسيت لامرأة تحكي مغامرات جنسية باللهجة المصرية. 

ارتبط الكاسيت مع فقر الإمكانيات والشّح، تجلى ذلك بالإمكانيات التقنية المتدنية التي أنتجت تسجيلات رديئة الجودة، وباختيار أنواع كاسيتات ذات جودة صناعية ضعيفة لا تضمن استدامة المادة الصوتية أو حفظها بأفضل حال، ما أدى إلى تلف المُسجَّل الصوتي مع تقدم الزمن. هذه الـ”رديئية “خرجت من مجرد كونها عيباً تقنياً، لتبقى دليلاً على فقر الإمكانات في مقابل غنى الإرادة الشعبية للتعبير والحياة، وتُبرز كيف تحولت التكنولوجيا البسيطة إلى مصدر دخل وتعبير عن هوية صوتية خاصة، وعلى سبيل المثال نتناول عملية تسجيل صوت نداءات بائعي البسطات في الأسواق الشعبية، أو الباعة الجوالين، مثل النداء الشهير والمستخدم حتّى اليوم “يلي عنده نحاس بطاريات برادات خربانة”، إذ تحولت هذه العملية لمصدر رزق وعمل يمتهنه أشخاص تميّزوا بالقدرة على صياغة تلك التسجيلات بهوية صوتية فريدة، وبسبك مناسب وتسويقي يدفع الزبون للإقبال والشراء.

لقد جسّد شريط الكاسيت الوسيط الشعبي الأول بين السوريين، في وقت دأب فيه النظام السابق على تفرقتهم، ما جعله سجلاً نداً للتاريخ الرسمي، وانعكاساً صادقاً لوجدان الناس اليومي وثقافتهم الشفوية، موثقاً الأساليب الحياتية لمختلف المجتمعات والطوائف التي تتشارك الجغرافية السورية (العرب، الأكراد، الآشوريون، الأرمن، إلخ)، وهو ما يحتاجه السوريون اليوم في غياب الخطاب الرسمي الجامع.

ليست شرائط الكاسيت مجرد ذاكرة صوتية، بل هي “مخزون وجودي” ومصدر لا يقدر بثمن للباحثين في الموسيقى، والأنثروبولوجيا، والتاريخ الاجتماعي، والأدب. إنها تشرع نافذة على الــ”الوجود اللازمني” لحياة أصرّت على النبض، وأجيال اجترحت مساحات للحرية قد تبدو خجولة خافتة، لكنها لا تزال تسمح للماضي أن يتدفق نحو الحاضر.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى