سوسيولوجيا التحرير… هشاشة مفهومة بعد خراب طويل/ جمعة حجازي

16 ديسمبر 2025
مضت سنة على لحظةٍ سُمّيت في الوعي العام “التحرير”. لم تكن المناسبة مجرّد تاريخ في روزنامةٍ سياسية، بل لحظة كثيفة الدلالات، واختباراً اجتماعياً حيّاً لتبدّل علاقة السوريين بذواتهم وبوطنهم وبالمجال العام. من هنا؛ يغدو النظر في “العام الأوّل” بحاجةٍ إلى عدسةٍ لا تتوقّف عند التبدّل في موازين السلطة أو في بنية القرار، بل تتوغّل في نسيج الحياة اليومية.
تلك هي عدسة “سوسيولوجيا التحرير”: علمٌ يتقصّى كيف تتبدّل المجتمعات حين تكسر آليات القهر، وكيف تُحوِّل الكرامة من شعارٍ إلى ممارسة. بهذا المعنى، يصبح العام الأوّل بعد التحرير مختبراً اجتماعياً فريداً، تتجاور فيه مؤشّرات الاستعادة مع علامات التعثّر، ويُختَبَر فيه سؤالٌ جوهري: كيف ننتقل من ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة، إذ لا يظهر معنى التحرير من فراغ؛ فالفهم يحتاج إلى عودةٍ للجذور: ما الذي جعل التحرير ضرورةً تاريخية؟ النظام البائد الذي سقط لم يُدَر بوصفه مؤسّساتٍ عامّة تُقاس بخدمة الناس، بل بصفته منظومة مغلقة تُعيد إنتاج ولاءاتٍ شخصية وطائفية. في خطابٍ قوميٍّ عام، ولكن في ممارسة تُصنّف المجتمع طوائف تُدار وتتوازن لا مواطنين ذوي حقوق. في هذا التناقض الطويل، تراكمت أخلاق الخيبة وتآكلت ثقة الناس بالوعد العام للدولة، حتى جاء انفجار 2011 بوصفه تجلياً طبيعياً لتراكماتٍ بنيوية وليس حادثاً عابراً. تحليل الاجتماع السياسي لتلك الحقبة يكشف مفارقةً قاسية هي أنّ قوى اجتماعية تشكّلت تاريخياً داخل مشروعٍ بعثيٍّ شعبوي، وجدت نفسها خارج مشروع الدولة حين صار الولاء الشخصي والزبائنية والاحتكار الأمني هي لغة إدارة الحياة العامّة. ووفقاً لما قاله المفكّر العربي عزمي بشارة، لهذا بدت الثورة في جانبٍ من تكوينها انفجاراً داخلياً لقاعدةٍ اجتماعية طالما اعتقدت أنّها جزءٌ من العقد الوطني، فإذا بها تُقصى تدريجياً لصالح شبكاتٍ طفيلية جديدة. التحرير جاء ليضع حدّاً لهذه الحلقة؛ ليعيد فتح المجال العام أمام مواطنٍ لا يُعرَّف بمراتبه في الولاء، بل بحقوقه وكرامته وقدرته على المشاركة.
مجتمعٌ مدنيٌّ يتعلّم منطق المؤسّسة
بعد عقودٍ من احتكار التنظيم لصالح الأجهزة، بدأت تظهر ملامح مجتمعٍ مدنيٍّ مستقل: جمعيات، مبادرات، نقابات تحاول استعادة دورٍ أُقصيت عنه طويلاً. الولادة حدثت، لكنها هشّة؛ كوادرٌ قادمة من سياقاتٍ ثورية وعسكرية تتعلّم تدريجياً لغة المؤسّسة، فنّ التفاوض، إدارة الاختلاف، بناء اللوائح الداخلية، حماية الاستقلال عن السلطة. هذا التحدّي لا يُختصَر في نصيحةٍ أخلاقية؛ إنّه مسارٌ للتعلّم المؤسّسي: كيف يُبنى تمثيلٌ حقيقيٌّ للمصالح الاجتماعية، وكيف تُدار المشاركة بلا أن تتحوّل إلى ولاءٍ جديد. وفي العام الأوّل، يظهر المجتمع المدني حقلاً يُجرِّب فيه السوريون أدواتهم الجديدة: مشاوراتٌ محلية حول أولوية الخدمات، تحالفاتٌ نقابية لحماية المعايير المهنية، منصّاتٌ قانونية ترشد إلى حقوق السكن والأراضي والملكية، منتدياتٌ تُناقَش فيها أشكال اللامركزية. كلّ ذلك يحتاج إلى وقتٍ كي يترسّخ، لكنه يتيح أن تُدار السياسة من خارج الثنائية التي حُبست فيها طويلاً: ثنائية الأمن والولاء.
هويةٌ وطنية قيد التشكل
في العام الأوّل، ظهرت رغبةٌ عامة في استعادة هويةٍ وطنيةٍ جامعة تُقاس بالمواطنة لا بالانتماء الضيّق. احتفالاتٌ موحّدة في محافظاتٍ بعيدة، حواراتٌ حول الرموز الوطنية، إشاراتٌ متزايدة إلى “وحدةٍ في تنوّع” تُقرّ بالخصوصيات الثقافية والدينية والإثنية من دون أن تُحيلها إلى جزرٍ مغلقة. لكن الهوية ليست مرسوماً يُعلَن فينتهي النقاش؛ إنّها مفاوضةٌ طويلة بين تصوّراتٍ مختلفة للدولة: مركزية أم لا مركزية؟ مدنية أم دينية؟ هذه أسئلةٌ ليست نظرية؛ إنّها تمسّ توزيع السلطة والموارد والمعنى الرمزي لوجود الناس سوياً. من منظور السوسيولوجيا أو علم الاجتماع، هنا تُذكّر بأن الهوية تُبنى عبر زمنٍ من الحوار لا عبر قرارٍ فوقي. البلديات والجامعات والنقابات والتجمعات الأهلية، كلها أطرافٌ في عملية إعادة تخيّل “مَن نحن؟” التحدّي أن تُصاغ اللغة الجامعة من دون إقصاء، وأن يُترجم ذلك في قانونٍ يساوي بين المواطنين، وفي إدارةٍ لا تُميِّز إلّا بمقدار الخدمة، وفي ثقافةٍ إعلامية تُغذّي المشترك بدلاً من صناعة العدوّ.
الاقتصاد الهش
دمّرت الحرب البنية الإنتاجية وأفرزت اقتصاداً مظلماً قائماً على الريع غير المشروع وشبكات التهريب والمخدّرات والاحتكار. العام الأوّل يفتح سؤالاً صعباً: كيف ننتقل من اقتصاد العنف إلى اقتصاد القيمة؟ التقديرات تتحدّث عن كلفة إعادة إعمارٍ تتجاوز مئات مليارات الدولارات، لكن المال وحده لا يصنع العدالة؛ قد يعيد إنتاج الطفيلية باسم الاستثمار إذا لم تُبنَ منظوماتٌ صارمة للشفافية والمنافسة العادلة ومنع تضارب المصالح. لا يمكن للعام الأوّل أن يحمل دلالاتٍ عميقة في بلدٍ خرج من خمسة عشر عاماً من حربٍ مدمّرة. المؤشّرات التي ظهرت خلال هذه الفترة تكشف هشاشةً متوقّعة: بنية إنتاجية شبه منهارة، سوق عمل متشظية، وموارد عامة مثقلة بديونٍ وعقوباتٍ لم تُرفع بالكامل. في علم الاجتماع الاقتصادي، يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها “زمن إعادة التأسيس” لا زمن القياس؛ إذ لا يمكن لمجتمعٍ عاش اقتصاد حربٍ معسْكر أن يُنتج في عامٍ واحد صورة مكتملة عن الاستقرار. العقوبات الدولية، حتى بعد تخفيفها الجزئي، ما تزال تضغط على سلاسل التوريد وعلى قدرة الدولة في تمويل الخدمات الأساسية، ما يجعل أيّ قراءةٍ للعام الأوّل أقرب إلى رصد اتجاهاتٍ أولية لا إلى إصدار أحكامٍ نهائية، كما يقول بيير بورديو: “الهياكل لا تزول بمجرد إعلان سقوطها؛ إنّها تعيد إنتاج نفسها في الظل ما لم تُفكَّك عملياً”، وهذا ينطبق على شبكات الريع والفساد التي تحتاج إلى وقتٍ أطول لتفكيكها. لذلك؛ فإنّ الاقتصاد السوري في عام التحرير الأوّل هو اقتصادٌ في طور التقاط الأنفاس، لا في طور تقديم صورةٍ نهائية عن المستقبل.
المطلوب أن يُعاد ترتيب الأولويات: حماية القطاعات كثيفة العمالة، دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُعيد الحياة للمدن والقرى، إصلاح بيئة الأعمال بما يكسر احتكار القِلّة، ربط الاستثمار بمؤشّراتٍ اجتماعية واضحة: إيجاد فرص عملٍ لائقة، احترام المعايير البيئية، مساهمةٌ حقيقية في البنية التحتية لا تعطيلها. ليس ذلك ترفاً؛ إنّه عصب الاستقرار الاجتماعي. فالمواطن الذي يجد عملاً كريماً ويُعامل باحترام في السوق وفي الدائرة الحكومية، هو مواطنٌ يُعيد إنتاج الثقة في الدولة وفي القانون.
إعادة تفاوض على العلاقة بين القانون والحياة اليومية
في جوانبٍ كثيرة، تبدو السوسيولوجيا هنا مرآةً تُظهر أبسط المشاهد: مواطنٌ يُراجع بلدية تطلب منه ملفّاً محدّداً وتقدّم له الخدمة ضمن وقتٍ معلوم، صحافيٌّ يتقدّم بمعلومةٍ ويقابله مسؤولٌ بتوضيحٍ لا بإنكارٍ أو اتّهام، شارعٌ تُنظّم فيه حركة السير بلا حاجةٍ لعنفٍ رمزي، نقابةٌ تُدير انتخاباتٍ شفّافة تُفضي إلى تمثيلٍ حقيقي. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها هي التي تبدّل معنى “الوطن” في المخيال العام. التحرير حين يُقرأ اجتماعياً ليس حدثاً يُعلَن في قاعةٍ رسمية؛ إنّه سلسلةُ عاداتٍ تتكوّن، وأعرافٍ مدنيةٍ تُترجَم في كلّ تماسٍ بين المواطن والمؤسّسة. هذا ما يجعل العام الأوّل محكّاً حقيقياً: هل تتبدّل العادات؟ هل يكفّ الناس عن النظر إلى الدولة بوصفها عصا ويبدؤون النظر إليها بصفتها خدمةً عامة؟ هل تتوقّف الإدارة عن اعتبار المواطن “ملفاً” وتتعامل معه حقاً لا يُنتقص؟ هل يعتاد الإعلام أن يحمي الحقيقة لا أن يُغذّي الاستقطاب؟ هذه الأسئلة لا تُجاب نظرياً؛ تُجاب في اليوميات. وهي التي تجعل من التحرير مسيرةً لا محطة.
طاقة الشعارات
الطاقة الرمزية الهائلة المخزّنة في الشعارات والاحتفالات تحتاج أن تُترجَم إلى مؤسّساتٍ حيّة. هذا يعني دستوراً يحمي الحريات ويضمن الفصل بين السلطات ويؤسّس لرقابةٍ فعّالة، وتعليماً يبني المواطنة والتفكير النقدي ويحمي المدرسة من كلّ أنواع التسييس الذي يُضعف ثقتها، واقتصاداً يضمن الكرامة عبر عملٍ لائق لا عبر إعاناتٍ ظرفية تُعيد إنتاج التبعية. يعني أيضاً بناء ذاكرةٍ عادلة لا تمحو الماضي، بل تُديره بأدوات الحقيقة والاعتراف والمساءلة كي لا يتكرّر. ويعني تمكين المجتمع المدني المستقلّ ليكون شريكاً في مساءلة السلطة وفي صياغة السياسات، من دون أن يتحوّل إلى ذراعٍ للبيروقراطية أو واجهةٍ لاحتكارٍ جديد. فالهويّة السورية تحتاج أن يُعاد تخيّلها بدقّة: إطارٌ جامع للتنوّع، تُقاس فيه المواطنة بما يضمنه القانون لا بما تمنحه الجماعات. هذا يحتاج حواراً يسمع الجميع، ويستوعب المخاوف المشروعة، ويمنح ضماناتٍ قانونية وثقافية تُطمئن على الحقّ في الاختلاف. الانتقال من ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة هو التحوّل الأعمق: أن يصبح القانون ضامناً للحريات لا أداة قمع، وأن تغدو المؤسّسات صديقةً للمواطن لا خصماً، وأن تُصبح الرقابة الاجتماعية جزءاً من قيم الخدمة لا سلاحاً يُشهر في وجه المختلف.
وحدة سورية: ضمانة العيش المشترك
في خضمّ النقاشات التي أعقبت التحرير، برزت أصوات تدعو إلى الفيدرالية أو حتى الانفصال، تحت عنوان حماية الأقليات أو ضمان التمثيل. لكن هذه الطروحات، مهما بدت جذّابة للبعض في لحظة القلق، ليست سوى فخٍّ تاريخي؛ فالتجارب التي عرفها العالم من البوسنة إلى كرواتيا تُظهر أنّ تفكيك الدولة لا يفضي إلى حماية، بل إلى حروبٍ جديدة وصراعاتٍ لا تنتهي. سورية، بكلّ تنوّعها، لا يمكن أن تُبنى إلّا موحّدة، لأنّ الوحدة هي الضمانة الوحيدة لعيشٍ مشترك بلا تمييز، ولحماية الجميع من منطق الغلبة الذي يطلّ برأسه كلّما تفتّت الكيان العام. ما حدث في الساحل والسويداء كان جرحاً وفخّاً في آن؛ درساً يجب أن نتعلّمه لا أن نكرّره. الدولة، مهما بدت مثقلة بالإرث، تعمل منذ اللحظة الأولى على إعادة بناء نفسها لتكون إطاراً جامعاً لا أداة قهر، ولن يكتمل مشروع التحرير إلّا حين يدرك الجميع أنّ سورية الجديدة لا تُصان إلا بوحدتها، وأنّ كلّ دعوة إلى تقسيمها ليست حمايةً لأحد، بل هي تهديد للجميع. إذا أردنا أن نعيش بسلام، علينا أن نكون متحدين، وأن نعيد الاعتبار لفكرة أنّ الدولة ليست خصماً بل ضمانة، وأنّها الإطار الوحيد الذي يجعل القانون أقوى من السلاح، والمواطنة أوسع من العصبية. هذه ليست شعارات؛ إنّها شروط النجاة في زمنٍ لا يرحم الكيانات الضعيفة. سورية الجديدة لن تكتمل إلّا بوحدتها، لأنّ الوحدة هي الشرط الأوّل لكلّ مشروع حرية وعدالة، وهي الطريق الوحيد لتحويل التحرير من حدثٍ سياسي إلى ثقافةٍ اجتماعية دائمة.
الحرية مسيرةٌ طويلة
ليس عام التحرير الأوّل ميدالياتٍ تُعلّق على الصدور، ولا نهاية طريقٍ متخمٍ بالوعود. هو باكورة مسيرةٍ طويلة تحتاج الصبر والاتّساق والندية بين المجتمع والدولة. الدلالة الأعمق التي حملها هذا العام أنّ “الشعب السوري ما بينذل” لم يكن مجرّد هتافٍ في لحظة مواجهة؛ كان إعلاناً عن إرادةٍ جماعية تعلّمت أن تجعل من القانون عادةً ومن الكرامة ممارسة. ما لم تُترجم الأعلام المرفوعة إلى معاملاتٍ عادلة وخدماتٍ محترفة وصحافةٍ مسؤولة، سيظلّ المعنى معلّقاً في الهواء. وما لم تجرِ إدارة العدالة الانتقالية بذكاءٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ يوازن بين الحقّ والعيش المشترك، سيعود الماضي ليتنكّر في هيئة المستقبل.
هكذا، ومع نهاية العام الأوّل، تتكوّن قناعةٌ رسّختها التجربة أكثر مما رسّختها الخطب: إنّ سورية الجديدة قد وُلدت. ليست مولوداً مكتمل الأعضاء بعد، لكنها خرجت إلى الضوء بما يكفي كي يُرى وجهها من دون وساطة. ولدت حين عاد الفضاء العام إلى أهله، وحين صار القانون قادراً على أن يتكلّم باسم الضعفاء لا باسم الأقوياء فقط، وحين أصبح من الممكن أن تُدار المصالح لا بالتخويف بل بالحجّة، وأن تُدار الاختلافات لا بالإقصاء بل بالتفاوض المفتوح. ولدت لأنّ الحرية استُعيدت من مقام الشعار إلى مقام العادة. وحين تصبح الحرية عادةً، تغدو السياسة فنّ العيش المشترك لا صناعة الخوف. في عبارةٍ تصلح خاتمةً ودلالةً معاً، قال فانون إنّ “المهمة التاريخية لكلّ جيل هي أن يكتشف رسالته، إمّا أن ينجزها أو أن يخونها”. لقد اكتشفت الأجيال السورية رسالتها أخيراً: أن تُحوّل التحرير من لحظةٍ مجيدة إلى زمنٍ صالح للعيش، وأن تجعل من القانون لغة اليوميات، ومن الكرامة بوصلة كلّ إدارةٍ وكلّ مدرسةٍ وكلّ سوق. عند هذه العتبة، يمكن القول بثقةٍ لا التباس فيها إنّ سورية الجديدة قد وُلدت، وإنّ الحرية، بعد أعوامٍ من الفقد، قد استُعيدت.
العربي الجديد



