عن الإنترنت والحق بالإنترنت/ مالك ونوس

12 ديسمبر 2025
تستمر قضية الحرية هاجسًا لدى المحكومين، وبينما يبقى المساس بها كابوسًا يؤرق عيشهم، فإنه ليس لدى الحاكمين، بدورهم، سوى هاجس إيجاد الفرص وابتكار الأفكار حول سُبل الانتقاص منها والنيل من المتمتعين بها مهما بلغ تطور الدول التي يحكمونها وتقدّمها العمراني. دَرَجَ الحكام على هذا الأمر في شرقنا العربي والآسيوي، واعتاد الناس على عدم التفاجُؤ كلما ابتدع الحاكم شكلًا من أشكال العَسْف لحرمان الناس من حقوقها الأساسية؛ الحق بالحياة والحرية والعمل والأمان والمساواة والحقوق الاقتصادية والثقافية، والتي تبعًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تمنحها أي دولة أو حكومة، بل هي متأصلة يجب أن يتمتع بها الفرد لمجرد أنه من البشر.
ولكن، هل يجب التذكير دائمًا بهذه الحقوق كونها باتت بديهية ويعرفها الجميع، وأصبح أي مساس بها عرضةً لانتشار أخباره عبر وسائل الإعلام كافة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ويلاقي الإدانة والرفض من الجميع؟ المعطيات حول الانتقاص من الحرية، والمحاولات المستمرة للانقضاض على مكتسبات الناس الضعفاء التي حصلوا عليها بعرقهم ودمائهم، كثيرة. وبسبب كثرة هذه المحاولات، والأشكال التي تتبدّى عبرها، والتي بات الحكام يبدعون في طرق النيل منها لكيلا تظهر أساليبهم فجةً قاسيةً، كلها تشير إلى أن على الإنسان أن يبقى متحفزًا يدافع عن مكتسباته ويصون حريته، لأن هناك فرقًا كاملة، يشغِّلها الحكام وأجهزتهم على مدار الساعة، لا عمل لها سوى ابتكار أنجع الوسائل لسلب الضعفاء ما بين أياديهم من بقايا حرية وحقوق، يومًا في إثر يوم، وحقًا في إثر آخر.
لا يخطر في بال أحدٍ منا، أنه قد يأتي يوم وتعمل سلطات البلاد التي ينتمي إليها على منعه من الوصول إلى الإنترنت. كيف يحصل هذا، وقد بات الولوج عبر هذه الشبكة إلى المعلومات التي أصبحت مشاعًا، أمرًا يكاد يقارب عملية التنفس التي توفر حاجة الجسم من الأوكسجين، فهل يمكن منع أحدنا من التنفس والحصول على الأوكسجين بموجب قرار صادر عن إحدى السلطات؟ تلك هي الإنترنت، لم تعد ترفًا أو سبيلًا للتسلية والترفيه عن النفس، لقد باتت حاجةً، وتعمَّقت هذه الحاجة وأصبحت أساسية لكل قطاعات الحياة وأشكال النشاط الإنساني، لدرجة أن تَوقُّفها أو تعطيلها، أو حتى تقليل سرعة نقل البيانات عبرها، سيعطل النشاط الإنساني ويؤثر على طرق العيش وسُبُلِه.
تثير الأنباء الواردة من أفغانستان، والمتعلقة بحرمان مواطني البلاد من الولوج إلى الشبكة العنكبوتية عبر قطع خدمة الإنترنت عن عدد من الولايات في البلاد بحجة “مكافحة الرذيلة”، أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، البحثَ من جديد في الحريات العامة وحقوق الإنسان، وفي المجالات والحاجات والنشاطات الجديدة التي لا يمكن إلا تصنيف قدرة الإنسان على الحصول عليها حقًا من حقوقه الأساسية، علاوة على ضرورة تجريم محاولات الانتقاص منها. لم تُدرج المؤسسات الدولية “الحق بالوصول إلى الإنترنت”، أو ما يطلق عليه “الحق بالنطاق العريض”، بندًا من البنود التي تنص عليها شرعة حقوق الإنسان أو حرية الرأي والتعبير، ربما لأنه لم يخطر في بال هذه المؤسسات أن تعمل دولٌ أو أجهزةٌ على تقييد هذه الحقوق، أو منع أبنائها من التمتع بها.
لكن الحق بالنطاق العريض، شأنه شأن الحق بالحصول على المعلومات، صار لازمًا أن يصبح مكفولًا. ولطالما كان الحصول على المعلومات عبر قنوات كثيرة، ومنها الصحافة، والعمل الصحافي من أجل نشر الرأي، حقًا مكفولًا لكل فرد من أجل التمتع بحرية الرأي والتعبير، وهو من الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقول في المادة 19 منه: لكل إنسان الحق “في التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلةٍ ودونما اعتبارٍ للحدود”. وفي هذا الإطار يندرج التعبير عبر الصحف ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي توفرها شبكات الإنترنت، والتي توفِّر المعلومات والأنباء وينشر الرأي عبرها كما كان الأمر سابقًا مع الصحافة المطبوعة وغيرها من وسائل الإعلام.
مع الأيام، وفي دول كثيرة، تجاوز موضوع الحرية بالوصول إلى الإنترنت موضوع الحق بالتعبير أو حرية الرأي ليصبح ملازمًا للحق بالعمل؛ إذ ارتبط موضوع الولوج إلى الإنترنت على نطاقٍ واسعٍ بالعمل لدى كثيرين، أفرادًا مؤسسات، وبات انقطاع هذه الخدمة يصنَّف كارثة لتسببه بتعطيل أعمالٍ كثيرين صارت أعمالهم متعلقة بالإنترنت سواء للإنتاج أو الإدارة أو التسويق والتصريف، علاوة على تحول شركات كثيرة لتكليف موظفيها بالعمل من المنازل، والاستغناء عن المكاتب توفيرًا للطاقة والمصاريف والجهد، ودرءًا للزحام في الطرقات الذي في النهاية ينعكس تقليلًا من الانبعاثات الكربونية فيصب في صالح تحسين البيئة.
تحيلنا واقعة قطع الحكومة الأفغانية الإنترنت، إلى سنوات سابقة، حين قطع الرئيس المصري الراحل، حسني مبارك، الاتصالات والإنترنت لمدة خمسة أيام عن مصر خلال ثورة 2011، من أجل التأثير على قدرة الثوار على التواصل فيما بينهم وتنسيق التحركات أملًا في إضعافهم وإنهاء ثورتهم. أثار هذا الفعل المخاوف لدى الناس في دول كثيرة، وركز على المخاطر من قدرة أي حكومة فرض سلطتها المطلقة على الإنترنت وبنيتها التحتية والتحكم بها لدرجة تصل إلى قطعها. في ذلك الوقت، وبعد خطوة مبارك، بدأت تظهر هواجس لدى مشرعين أميركيين وجماعات الحقوق المدنية، من مشروع قانون يجيز للرئيس الأميركي إغلاق شبكة الإنترنت في حال الطوارئ، مخافة استخدام الرئيس الصلاحيات التي يتيحها له القانون من أجل حرمان الأميركيين، في حالات معينة، من الوصول إلى الإنترنت.
ولا يمكن التنبؤ بردود فعل الجموع في حال التضييق على خدمات الإنترنت، إلا بعد مراجعة حالات محددة، حين شهدت بعض البلدان اضطرابات بسبب تضييق هذه الخدمات. في هذا السياق، اندلعت شرارة انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أو ما سمي “الحراك اللبناني”، عندما صدر قرار حكومي بفرض رسوم ضريبة على استخدام تطبيق واتساب للاتصالات فخرج الشباب اللبناني إلى الساحات احتجاجًا على القرار. ثم تصاعد الاحتجاج ليطاول أداء الحكومة والفساد الذي يضرب كل مؤسساتها، واستمر بتطوره ونضجه، حتى صار عابرًا للطوائف والمناطق مركزًا على هدف قلب النظام الطائفي وخلع الطبقة السياسية الطائفية المكونة من زعماء الطوائف، وزعماء الحرب الأهلية اللبنانية جميعهم، وكبار المنتفعين والمتمولين الذين راكموا الثروات على حساب فقر الشعب اللبناني وهجرته وحرمانه والحروب التي فُرضت عليه. وهو ما عبر عنه شعار “كلن يعني كلن”، أي الرموز التاريخية من ممثلي الطبقة التي قادت الحرب الأهلية وأمدت بعمرها وأورثت الأجيال اللاحقة مصائب ستبقى قائمة لحين خلع هذه الطبقة.
لقد تكرس مع الأيام، وفي ظل التضييق على شبكة الإنترنت مفهومٌ جديد، هو الاحتجاج الرقمي، لتكون الثورة في النيبال تجسيدًا حقيقيًا لهذا الاحتجاج العارم الذي اندلع بعد قرار حجب مواقع التواصل الاجتماعي الأساسية، في 4 أيلول/ سبتمبر الماضي، التي انتشرت فيها مقاطع فيديو ودعوات للاحتجاج على حياة البذخ التي يعيشها أبناء رموز الطبقة الحاكمة وضد الفساد والفقر. وبدلًا من الاستجابة لمطالب المحتجين، حجبت الحكومة هذه المواقع، فهاج الناس وخرجوا إلى الشوارع، وهاجموا المواقع الحكومية وأحرقوها، واستقال رئيس الوزراء وعدد من المسؤولين، في واقعة مثّلت انتصارًا للاحتجاج الرقمي في العصر الحديث.
يا ترى هل هي المخاوف من مصير مشابه لحكومة النيبال هو ما دفع الحكومة الأفغانية للعودة عن قرارها، بعد أيام من اتخاذه، فأعادت خدمة الإنترنت، مدعية أن أعطالًا أصابت شبكة الألياف الضوئية وأثرت عليها؟ أيًّا يكن من أمرٍ، اقترنت الإنترنت بالحرية، واقترنت بالعمل وفُرَصِه، واقترنت بالاقتصاد الحديث والإعلام وكل أشكال النشاط الإنساني وباتت حاجةً كحاجة الإنسان للهواء، وليس للماء والطعام، فهل يصح بعد اليوم حجبها؟
ضفة ثالثة



