ما حقيقة دور منظمات المجتمع المدني في نظر النازحين؟/ آفين علو

بين الحاجة والغياب: حقيقة دور منظمات المجتمع المدني في نظر النازحين
2025-12-15
على أطراف مخيم الطلائع، تجلس أميرة أحمد داخل خيمتها المهترئة، تحتضن طفليها بينما تراقب السماء الملبّدة كمن يراقب مصيراً لا يملك منه شيئاً. تقول بصوت يشبه الخيط المشدود بين التعب والرجاء لـ”963+”: “صرنا نعرف المطر من الخيمة… من وين يدخل ومن وين يطلع. ومع هيك، ننتظر المنظمات. يمكن يجي يوم يتغيّر شي بحياتنا”.
هذه الجملة وحدها تلخص المساحة التي يعيش فيها عشرات الآلاف من النازحين: بين جهود تُبذل، وتقصير واضح، ومساعدات تتراجع عاماً بعد عام، حتى صار الخوف رفيقاً يومياً، والانتظار طقساً قاسياً يشبه العجز الجماعي.
المنظمات.. بين النظريات الوردية والواقع المرهق
منذ موجات النزوح الكبرى في 2015، كانت منظمات المجتمع المدني جزءاً أساسياً من المشهد الإنساني في شمال شرق سوريا. قدّمت الإغاثة، أدارت المخيمات، وفّرت المياه، دعمت التعليم والصحة وبرامج الحماية.
يقول داؤود داؤود، المدير التنفيذي لمؤسسة “سلام للأمل” لـ”963+”: “بدأنا الاستجابة من أيام هجوم داعش على الحسكة، قدمنا الطعام والماء، نشرنا الوعي حول مخلفات الحرب، ومع عودة بعض الأهالي، أسسنا مساحات آمنة للدعم النفسي، ثم توسعنا لتشمل خدمات الإيواء والغذاء والصحة والتعليم والدعم النفسي والقانوني”.
ويضيف: “عملنا أيضاً لإعادة الاستقرار للعائدين من مخيم الهول عبر برامج التماسك الاجتماعي، تعليم الأطفال، ترميم شبكات المياه والكهرباء، ودعم المنشآت الاقتصادية”.
لكن هذه الصورة لا تكتمل دون ذكر الوجه الآخر: “توقف 75% من التمويل الأميركي دمّر الجزء الأكبر من برامجنا، زادت الفجوة بعد موجات التهجير الناتجة عن العمليات العسكرية في رأس العين وتل أبيض وعفرين، نحاول الآن تعويض النقص عبر تمويل أوروبي”.
تراجع التمويل.. حين يتباطأ العالم ويتسارع الجوع
في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً تنفيذياً يقضي بإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ووقف نشاطها داخلياً وخارجياً لمدة 90 يوماً، بحجة “مراجعة الكفاءة”.
هذا القرار وحده كان كافياً لترك آلاف المشاريع الإنسانية معلّقة، وتعميق هشاشة ملايين النازحين في سوريا، الذين باتوا يعتمدون على مساعدات تتبخر يوماً بعد يوم.
روايات من المخيم… الوعود طويلة والشتاء أقصر من الخيمة
داخل المخيمات، تتعدد الحكايات، لكنها تتفق في نقطة واحدة: ما يصل أقل بكثير مما يحتاجه الناس. وعن غياب المنظمات تقول سارة نبو، من رأس العين والمقيمة في مخيم الطلائع لـ”963+”: “من 4 شهور ما شفنا ولا منظمة دخلت لعنا، يزوروا الإدارة ويرجعوا، إحنا الشابات أكثر ناس متأثرين.. نحتاج تعليم، دعم نفسي، فرصة نرجع نكون بشر طبيعيين”.
وعن نقص التوزيع وضعف الاستدامة تقول بيريفان سيدو، المهجّرة من عفرين والمقيمة في مخيم الحرية في الطبقة لـ”963+”: “ساعدونا أول ما جينا.. خيم، فرشات، شوية أكل، بس بعدين؟ المخيم صار منسي، يجوا يشوفوا الناس وبس، الشتاء عالأبواب والخيمة ما بتصدّ نقطة مي”. مضيفة: “نحنا بدنا نعيش… مو كرتونة كل شهرين أو أكثر”.
أميرة، أم لثلاثة أطفال، تلخص القلق ببساطة موجعة: “من سنة بنسمع إنو رح يفتحوا صفوف تعليمية.. ولادي بلا مدرسة، كيف بدنا نرجّع حياتنا؟”.
ويقول المهجّر محمد حاجو: “المنظمات تهتم بالترفيه… وين التعليم؟”.
المنظمات الدولية والمحلية.. من حضور واسع إلى تراجع مقلق
قبل سنوات، كان المشهد الإنساني في شمال شرق سوريا مختلفاً تماماً، تشرح ذلك بوضوح شهادة ناجي حبو، مسؤول شؤون المنظمات، الذي قال لقناة روج آفا: “كانت عندنا 84 منظمة دولية، و303 منظمات محلية، هلق العدد قلّ كتير… وبعض المنظمات توقّفت بشكل كامل”.
هذه الجملة وحدها تكشف حجم التحوّل: من ساحة مكتظة بالفاعلين الإنسانيين إلى مساحات فارغة إلا من الحاجة، ومن نشاط ممتدّ داخل المخيمات إلى حضور رمزي لا يملك القدرة على سدّ فراغ الواقع.
وتراجع العدد لم يكن مجرد نقصٍ إداري، بل ضربة مباشرة لآلاف العائلات التي كانت تعتمد على تلك المنظمات في أبسط تفاصيل حياتها: من الماء إلى الطبابة، ومن التعليم إلى الدعم النفسي.
المنظمات: ما الذي قُدم… وما الذي غاب؟
ما أُنجز فعلاً كان استجابات طارئة خلال موجات النزوح. توزيع آلاف السلال الغذائية. تشغيل عيادات صحية متنقلة. دعم نفسي للنساء والأطفال. مشاريع لتحسين الصرف الصحي وبناء مدارس مؤقتة”.
بينما كانت الفجوات هي: “ضعف البنية التحتية داخل المخيمات. غياب خطط مستدامة لتحسين الحياة اليومية. نقص البرامج الخاصة بكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. تراجع التغطية الإعلامية لقضايا النزوح. غياب الشفافية في بعض آليات التوزيع”.
“المنظمات لازم تشتغل مع المجتمع… مو عنه”
يقول الناشط المحلي رستم عيسو: “لازم أصحاب المشاريع والمنظمات يشركوا النازحين بأنشطة التنمية، النازح لازم يشارك حتى ما يتأقلم مع النزوح ويعتبره قدر دائم، هذا أفضل حل. دور المنظمة هو الإشراف والتوجيه.. مو العمل نيابة عن الناس”.
وعن البعد القانوني كونها مسؤوليات مراقبة لا إلزام يقول الحقوقي برزان عزم لـ”963+”: “لا يوجد قانون يُلزم المنظمات بنشاط محدد، الإدارة المحلية يحق لها المراقبة… لا الإلزام، وهذا يترك فجوة في المساءلة”.
ويؤكد محي الدين عيسو، المدير التنفيذي لرابطة دار لضحايا التهجير القسري لـ”963+”: “المنظمات المدنية هي خط الدفاع الأول عن حقوق المهجرين، لكنها وحدها لا تكفي، المجتمع الدولي لا يمارس الضغط المطلوب لضمان عودة آمنة وكريمة، وهذا ما يطيل أمد المعاناة”.
وبين الحاجة والرجاء، يعيش النازحون في مساحة صغيرة جداً، مساحة لا يسكنها سوى الانتظار، النازح الذي خسر بيته وأمانه، لا يريد خيمة فقط، بل يريد أن يشعر أن أحداً ما لا يزال يراه ويسمعه ويحسب حسابه.
وترسم تقارير دولية صورة أشدّ وضوحاً عن حجم الفجوة الإنسانية. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA لعام 2025، ما يقارب 6.7 مليون سوري ضمن الفئات الأشدّ ضعفاً يعتمدون على مساعدات مباشرة للبقاء على قيد الحياة، بينما تحتاج المنظمات إلى أكثر من 1.2 مليار دولار سنوياً لتأمين الاحتياجات الأساسية، في وقت لا يتجاوز فيه التمويل المتوفر جزءاً محدوداً من هذا الرقم.
وتشير بيانات “قوة مهام السكان” لعام 2024–2025 إلى وجود نحو 2.3 مليون نازح يعيشون في 1,774 موقع نزوح داخل سوريا، بينها مخيمات رسمية وغير رسمية، تعاني غالبيتها من نقص حاد في الماء والصرف الصحي والخدمات الأساسية.
وتؤكد تقارير أممية أخرى، بينها تقرير مفوضية اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن أكثر من 16 مليون شخص داخل سوريا ما زالوا بحاجة إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، فيما حصل قطاع المياه والصرف الصحي في شمال البلاد على 2% فقط من التمويل المطلوب خلال الربع الأول من عام 2024، ما أدى إلى تفشّي أمراض مرتبطة بتلوث المياه وارتفاع معدلات الإصابة بين الأطفال والنساء. وفي دراسات متخصصة أعدتها منظمات حقوقية وإنسانية عام 2024، يظهر بوضوح أن تراجع التمويل الدولي منذ 2020 وحتى 2024 ترافق مع انخفاض عدد المنظمات الفاعلة وغياب المشاريع طويلة الأمد، خاصة في مجالات التعليم، دعم النساء، برامج الصحة النفسية، ورعاية كبار السن وذوي الإعاقة، وهي خدمات يقول النازحون إنها الأكثر غياباً عن حياتهم اليومية.
+963



