مشاهد من يوم لا يُنسى: حكايات «صغيرة» من الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد/ زينة شهلا

09-12-2025
ما زال كثيرون منا حتى اليوم، وبعد عامٍ كامل على سقوط نظام بشار الأسد ورغم كل ما جرى فيه، يتحدثون باللهفة نفسها عن اللحظات الأولى من تلك الأيام. من تحليلات سياسية ومحاولة تفكيك كيفية انهيار أحد أكثر الأنظمة وحشية في التاريخ، إلى ذكريات شخصية وحميمية جداً؛ لا نملّ من سؤال بعضنا: «وين كنتو بهداك اليوم؟ شو كنتو عم تعملو؟ شو شفتو؟ شو سمعتو؟». وكما تتعدد الحكايات كثيراً، نخاف من نسيانها ونتحسّر لأن الكاميرات والتسجيلات الصوتية لم تلتقطها كلها.
أحاول هنا ملاحقة بعض تلك الحكايات، وتجميد بعض تلك اللحظات «التي لا يُمكن أن تُنسى».
كيف انتهت حكاية سجن عدرا؟
بخلاف السجون الأمنية، مثل سجن صيدنايا وأفرع المخابرات، كان السجناء في سجن عدرا المركزي في دمشق على دراية ببعض تفاصيل معركة ردع العدوان عقب انطلاقها، إذ كانت الاتصالات الخارجية ومُشاهدة القنوات التلفزيونية الرسمية متاحة لهم. مع ذلك، لم يكن أحد يتوقع تماماً تفاصيل تلك الليلة الرهيبة.
«مع أخبار فتح سجن حلب، بدأنا نتفاءل. كنّا نستقصي الأخبار من النشرات ومن أهالينا الذين كانوا بدورهم يتواصلون مع أهالي بعض أصدقائنا الناشطين في سجون أخرى، ونتحدث معهم ‘بالتشفير’ عبر الهاتف. مع ذلك، كنا نتخوف من أن تقف المعركة عند حدود حماه أو حمص دون الوصول إلى دمشق». يتحدث عمرو، الذي كان يقضي عامه الثالث في سجن عدرا، على خلفية تهم أمنية تتعلق بعمله الإنساني والإغاثي، وكان حُكمه السجن المؤبد.
يحتفظ عمرو في ذاكرته حتى اليوم، بتفاصيل ذلك الأسبوع، ساعة بساعة ولحظة بلحظة. يتذكر ونحن نتحدث عبر الهاتف كل مجريات الأحداث، وعندما وصل بالسرد إلى يوم الخميس، قبل سقوط نظام الأسد بأيام، بدأ صوته بالانفعال: «عرفنا حينها من أصدقائنا بأن رئيس سجن عدرا وصلته رسالة تُعطيه مهلة لفتح السجن خلال 48 ساعة، وإلا فإن الثوار من دوما وحرستا قادمون. كانت أشبه بمعلومة سرية لكننا كنا نتداولها، وفعلياً فإن السجن ‘فرط’ وانكسر حاجز الخوف من ليلة الخميس وصباح يوم الجمعة، وصرنا نتحدث بشكل واضح بأن خروجنا بات قريباً».
مساء السبت ومع بدء انهيار قوات النظام في محيط دمشق، وخروج مظاهرة في جرمانا وتكسير تمثال حافظ الأسد، عرف السجناء أن «الفرج بات قريباً»: «حينها قررتُ التوجه إلى حلّاق السجن وكان عنده ازدحام كبير، فالجميع كانوا ينتظرون الخروج ويريدون أن يكونوا بأبهى حُلّة، وقررت ألا أتناول أي طعام، قلت لنفسي: إذا كنت سآكل أي شيء، ليكن في بيت أهلي، لم أعد أريد طعام السجن».
تغير الروتين تلك الليلة، فتأمين الغرف وإحصاء السجناء – وهو إجراء يومي لا بد منه – لم يحدث، وفي الساعة الحادية عشرة ليلاً دخل نحو 70 موقوفاً بتهم «الإرهاب» قادمون من سجن حمص المركزي، وهنا انهارت المعنويات إذ اعتقدَ الجميع أن تمترساً طويلاً لنظام الأسد سيحدث في دمشق، وباتت الدقائق تمر عليهم وكأنها ساعات.
يتابع عمرو: «كانت الواحدة ليلاً، وكنت أتحدث عبر الهاتف مع والدتي وهي تحاول رفع معنوياتي، وفجأة سمعتُ أصواتَ هدير وتكبير، بكيت وقلت لها ‘شكلنا رح نطلع’. بدأ الناس بالركض في الممرات، والجميع يصرخ بأن علينا كسر الأقفال والخروج، وعندها أدركنا بأن كل العناصر هربوا وأقفلوا علينا كل شيء. خلعنا أبواب الحمامات وصرنا نضرب بها على أبواب الزنزانات الحديدية. لدقائق كان السجن بأكمله يهتز تحت وقع هذه الأصوات ‘بف بف بف’، وكنا نسمع صوت إطلاق رصاص كثيف في الخارج دون أن نعلم تماماً ماذا يحدث».
بعدها بدا المشهدُ هكذا؛ موجة بشرية من أكثر من 14 ألف شخصٍ، وقد كسروا أبواب الزنزانات وبدأوا بالركض في الممرات، فالسجن كبير جداً وله طوابق عديدة والباب الأساسي بعيد. البعض خاف وعاد إلى الغرف، إذ سرت إشاعات بأن قوات حفظ النظام قادمون لنقلهم من جديد إلى الأفرع الأمنية: «بعد دقائق عرفنا بأن أصوات الرصاص هي من احتفالات الناس في الخارج، وعند الثانية إلا ربعاً ارتديتُ كل ملابسي وخرجت. سجدت على باب السجن ونظرت حولي وكان أشبه بيوم القيامة: آلاف الناس يبكون، يضمون بعضهم، يصرخون، يركضون، ولا أحد يعلم إلى أين يذهب».
كان عمرو يخطط لقضاء الليلة في مدينة دوما المجاورة مع بعض زملاء السجن، لكنه في زحمة الخروج تاه عنهم، فقرر السير إلى دمشق مع الآلاف غيره، خاصة وأنه قد وعد أحد زملائه، وكان رجلاً مريضاً من مدينة اللاذقية، بألا يفارقه قبل أن يتأكد أنه بمأمن: «كانت ليلة معتمة تماماً دون قمر. مشينا أكثر من 35 كيلومتراً. رأينا أعداداً هائلة من السيارات تخرج من دمشق، ودبابات تسير نحو المدينة، وكان الشارع مليئاً بثياب العساكر الهاربين مرمية على الأرض. كان كثيرون قادمين من دمشق للبحث عن أحبائهم في السجون وكانوا ينادون على أسمائهم، وتمكنا عبر هواتفهم من الاتصال مع أهالينا وطمأنتهم، وكانت أمي تبكي على الهاتف بشكل هستيري».
عندما وصل السائرون إلى مدخل دمشق عند حي القابون، ووجدوا الناس يحتفلون والنسوة يزغردن، عرفوا بأن الأسد هرب وبأن النظام قد سقط: «جلسنا أخيراً لنرتاح بعد سير لم يتوقف. كان الناس ينظرون إلينا ولا يعرفون من نحن، وعندما علموا بأننا خارجون من السجن صاروا يسألوننا عن أسماء أولادهم، وأعطونا طعاماً ومياهاً وهواتفهم لنتحدث مع أهالينا. أذكر سيدة قالت بأن أربعة من أولادها استشهدوا، واثنين آخرين فُقدا في سجن صيدنايا. كانت تمزق صور بشار الأسد المرفوعة على حاجز سيرونيكس».
تابع عمرو سيره ليصل إلى منزله في دمشق، وحتى اليوم، يصف لقاءه بوالدته بأنه «اللحظة التاريخية»، ويحمد الله على خروجه بالسلامة من براثن سجون النظام.
في مشفى المجتهد
مساء يوم الاثنين 9 كانون الأول (ديسمبر)، وفي الساعة السابعة، بدأت الأنباء تتوارد عبر وسائل الإعلام، عن وجود جثامين لمعتقلين أُخرجت من سجن صيدنايا إلى مشفى حرستا. حينها، توقع الأطباء الشرعيون العاملون في مشفى دمشق (أو مشفى المجتهد)، وأطباء مركز الاستعراف، بأن دورهم قد حان.
«بالفعل تلقينا اتصالات في الثامنة مساء تطلب منا الحضور إلى المشفى، بعد أن نُقلت الجثامين بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري ووُضِعَت في البرادات وغرفة التبريد على الفور. وصلنا مباشرة إلى المشفى ووضعنا خطة للكشف عنها، وكان عددها 36 جثماناً»، يقول أحد الأطباء للجمهورية.نت، مفضّلاً عدم ذكر اسمه.
بصوت مرتجف، يتذكر الطبيب كل تفاصيل ذلك اليوم «الرهيب»: «بدأ توافد الأهالي إلى المشفى بأعداد كبيرة جداً وبشكل مستمر، أملاً في أن يعثروا على أي دليل عن أحبابهم المفقودين منذ سنوات في سجن صيدنايا. مع عدم توافر قوات أمن لتأمين المشفى والبرادات من حالة الفوضى، ولامتصاص غضب الناس المفهوم طبعاً، وعدم التصادم معهم ريثما نبدأ بالعمل، قررنا تصوير الحالات، وخاصة التفاصيل الهامة التي قد تفيد في التعرّف على الجثة، وطباعة الصور ووضعها على حائط المشفى مع رقم مجاور لكل حالة، وعند شكِّ الأهالي بأي صورة كانوا يخبروننا برقمها لنبدأ أخذ البيانات منهم، خاصة بيانات الأسنان أو أي وشم أو دليل طبي موجود على جسد المتوفى قبل الاعتقال لتتم عملية المقارنة».
كان بالفعل يوماً لا ينسى في دمشق. تحوّلَ الشارع المجاور لمشفى المجتهد إلى ساحة حزن وبكاء مستمر. آلاف الأهالي القادمين من كل مكان، متسمّرون أمام حائط يحمل صوراً قد تكون دليلاً على نهاية انتظار طال لسنوات. وبالطبع فإن معظمهم لم يحصل حتى اليوم على أي إجابة، فأعداد الجثامين الواصلة كانت محدودة جداً، مقارنة بعشرات آلاف المفقودين الذين ما يزال مصيرهم مجهولاً.
لم يكن الوضع داخل المشفى سهلاً على الكادر الطبي. الكثير من الأهالي استجابوا للإرشادات ووقفوا خارج المشفى بانتظار نتائج الكشف. آخرون تهجموا على الأطباء الذين حاولوا التعامل مع الوضع، وامتصاص غضب الناس ومراعاة أحوالهم النفسية. في الوقت ذاته، كان الطيران الإسرائيلي يُحلق فوق سماء دمشق وينفذ غارات متتالية وعنيفة استمرت لساعات طويلة.
«تابعنا العمل وأداء واجبنا ومحاولة الإجابة على كل استفسارات الأهالي، مع تخوفنا من الأوضاع الأمنية المُنفلتة والغارات الإسرائيلية. كانت ليلة لا تنسى تجمع بين مشاعر غريبة ومختلطة، مشاعر الفرح بالتحرير وأداء واجبنا، وخوف وغضب الناس، والخوف من أصوات الانفجارات وخوف أهالينا علينا، وانتهت بكثير من الأسى أيضاً»، يقول الطبيب.
حكايات إنسانية صغيرة
لا تنسى سماح، وهي من سكان مدينة جرمانا في ريف دمشق، حكاية صغيرة حفرت في ذاكرتها من ليلة سقوط الأسد. كان الناس حينها منشغلين بتأمين بعض المواد الغذائية لمنازلهم، خوفاً من حرب طويلة في دمشق: «نزلت بدوري إلى السوق ولم أعثر على ما أحتاجه، خاصة الزيت. سألت جارتي وهي نازحة من دير الزور، وأرشدتني إلى محلات أخرى لكنها كانت فارغة أو تبيع المواد بأسعار خيالية. عدتُ إلى البيت خالية الوفاض، وبعد فترة قصيرة، رنَّ الجرس وكانت جارتي نفسها وقد وضعت بعض الزيت في سطل لبن صغير. شعرتُ بأنها علبة ذهب وليس علبة زيت. في ذلك اليوم العصيب كنت أعتقد بأنه من الصعب أن نُعطي أي شيء لعائلة أخرى خوفاً من أن نحتاجه مع التخوّف من الأيام القادمة، لكن جارتي كسرت تلك الصورة النمطية».
نزلت سماح إلى الشوارع مع بزوغ أول ضوء من يوم الأحد، رغم خوفها من الرصاص الكثيف: «كان الرصاص فوق رأسي وأنا أضحك وأسلّمُ على الناس وأصافحهم وأقبّلهم، خاصة النساء الوافدات إلى المدينة وكانت فرحتهنَّ كبيرة جداً. رأيت أهالي المفقودين وهم يبحثون عن أبنائهم، وأشخاصاً كانوا معتقلين لدى نظام الأسد وهم يرفعون إشارة النصر. بكيت كثيراً لأن الثمن الذي دُفع لنصل إلى هذه اللحظة كان باهظاً جداً».
تتحدث سماح عن الأيام الأولى من تلك الفترة والتخوفات من أي صدامات في المدينة التي تقطنها أغلبية درزية، واستقبلت خلال سنوات الحرب عشرات آلاف النازحين: «كان هناك اعتقادٌ بأن الناس في جرمانا يحترمون بعضهم رغماً عنهم، لكننا كنا نعرف بأننا جميعاً سنكون الخاسرين من أي صدام محتمل، ومرت تلك الفترة بأفضل شكل ممكن». لكنها تأسفُ لكل التوترات التي عاشتها المدينة لاحقاً، والتي أدت إلى أن معظم سكان جرمانا اليوم خائفون وحذرون، من أي صدام محتمل: «اليوم وبعد عام على سقوط النظام، ما زلنا في وضع غير مستقر. لا أحد يرغب بالمزيد من الفوضى، لكن ما نعيشه للأسف مُحبِط وغير متوقع مقارنة مع الأيام الأولى من هروب بشار الأسد».
أيهم، وهو من سكان ضاحية قدسيا في ريف دمشق، يستذكر أيضاً حادثة لا تشبه غيرها: مع اقتراب المعارك من مدينة حماة، والشعور بأن دمشق قد تُحاصر وبأن الطريق نحو المحافظات الساحلية قد يُقطع لفترة طويلة، فكر الرجل بتقديم نصيحة لجاره المنحدر من مدينة جبلة، بالمغادرة ريثما تتضح الأمور: «كنا نتخوف من انتقامات واسعة ضد أبناء الطائفة العلوية، لكنه قال لي: لا مستحيل ما رح يصير شي».
وفي ليلة سقوط نظام الأسد وقبل أن تتضح كل مجريات الأحداث، قرر أيهم أن يُعطي صديقه مفتاح منزل صديق آخر فارغ في المنطقة ذاتها، ومفتاح إحدى سيارتيه: «طلبت منهم مغادرة منزله إن كان يشعر بعدم الارتياح، أو حتى السفر خارج دمشق».
ومع ساعات فجر يوم الأحد، خرج أيهم من منزله محتفلاً مع الناس، ليكتشف بأن سيارته غير موجودة، وعرف بأن صديقه سافر بها، وتوقع بأن مكوثه في جبلة سوف يطول كثيراً، وكان فَرِحاً ومتأملاً بأنه بخير: «اكتشفتُ بأن الآلاف غادروا دمشق بالسيارات أو سيراً على الأقدام، ولعل المعجزة حينها في أن أحداً لم يتعرّض لهم. بعد يومين اتصل صديقي واعتذر وشكرني كثيراً، ورجع إلى دمشق سالماً مع السيارة بعد أسبوع. كانت نهاية سعيدة لذلك الأسبوع الرهيب، قبل أن تحصل الكثير من الأمور التي جعلتنا نشعر بالإحباط بعدها».
موقع الجمهورية



