إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سورياعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 16 كانون الأول 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

———————————————

تحديث 16 كانون الأول 2025

———————————

اغتيال ناشط سياسي في السويداء معارض لسلطة الهجري/ عدنان علي و سلام حسن و محمد كركص

15 ديسمبر 2025

قُتل شاعر وناشط سياسي في محافظة السويداء نتيجة إطلاق نار من جانب مجهولين، في ما يُعتقد أنها عملية اغتيال سياسي على خلفية انتقاده الفصائل العسكرية المهيمنة في المحافظة، وسط تزايد الشكاوى من الانفلات الأمني في السويداء، التي لم تعد تخضع منذ شهور لسلطة الحكومة في دمشق.

وذكرت شبكات محلية في السويداء أن أنور فوزات الشاعر (48 عاماً)، تعرض لإطلاق نار من مسلح مجهول الهوية أمام منزله الكائن في قرية بوسان في ريف السويداء الشرقي الليلة الماضية، ما أدى لإصابته بجروح خطيرة أودت بحياته. وأوضحت شبكة “السويداء برس” أن جيران الشاعر هرعوا على صوت إطلاق نار في وقت متأخر من الليل، ليجدوه مصاباً بثلاث رصاصات، إحداها كانت في الرأس، وأسعفوه على الفور إلى مشفى السويداء الوطني، لكنه وصل مفارقاً الحياة، وهذا ما أكدته مصادر طبية في المشفى.

وأضافت الشبكة أن عائلة المغدور قررت إقامة موقف تشييع له، صباح اليوم الاثنين، في مسقط رأسه بقرية بوسان، من الساعة الثانية عشرة حتى الساعة الثانية ظهراً. ونفت المصادر الأهلية في بوسان المزاعم التي نقلتها بعض الصفحات عن فرض “قوات الحرس الوطني” (القوى المسيطرة في المحافظة ويديرها الزعيم الديني حكمت الهجري) حصاراً أمنياً على القرية عقب الحادثة، أو منع السكان من الدخول والخروج، مشيرة إلى أن عائلة المغدور ستتوجه صباحاً لجلب جثمانه من المشفى الوطني.

من جانبه، كتب شقيق المغدور تدوينة مقتضبة على صفحته في فيسبوك قال فيها: “بعملية جبانة وغادرة اغتيال شهيد كلمة الحق أنور فوزات الشاعر الثائر الوطني الحر من أمام منزله”. وأضاف: “قسماً بالله لن يهدأ لي بال حتى نرد الصاع صاعين لكل من حرض ودفع ونفذ”.

وربطت بعض المصادر من عائلة الشاعر جريمة القتل بالموقف السياسي للضحية، فيما لم تتبين أي تفاصيل عن القاتل حتى هذه الساعة. والمغدور أبٌ لثلاث بنات، كان مكلفاً برئاسة بلدية بوسان منذ مطلع العام الجاري. وانتشرت تعليقات عديدة في السويداء تدعو إلى تحقيق موسع في الجريمة وكشف الجناة ومحاسبتهم، وسط توترات أمنية مستمرة تشهدها المحافظة.

يُذكر أن الشاعر أنور فوزات الشاعر كان معروفاً في الأوساط الثقافية المحلية، وكان آخر منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل انتقادات لفصائل مسلحة محلية، ويصفها بأنها مرتبطة بجهات أمنية سابقة تابعة للنظام السابق. ومع ذلك، لم يصدر أي تأكيد يربط بين المنشور والحادثة.

وقبل أيام كان قد قتل الشيخ رائد المتني والشيخ ماهر فلحوط بعد اعتقالهما لبعض الوقت من جانب قوات الحرس الوطني بدعوى مشاركتهما في مؤامرة خارجية ضد محافظة السويداء. من جانبه، اتهم الشيخ سليمان عبد الباقي، قائد “تجمع أحرار جبل العرب” في محافظة السويداء، المليشيا التي يديرها الشيخ حكمت الهجري بالمسؤولية عن عملية الاغتيال بسبب انتقاد الشاعر تلك المليشيا.

————————————-

السويداء.. مقتل شاعر وناشط سياسي اشتهر بانتقاده لحكمت الهجري وميليشياته

كانون الأول 15, 2025

قتل الشاعر والناشط السياسي أنور فوزات الشاعر برصاص مجهولين في قرية بوسان بريف السويداء الشرقي، وسط اتهامات لميليشيات حكمت الهجري بالوقوف وراء مقتله بسبب مواقفه الناقدة لتلك الميليشيات.

وذكرت مصادر طبية محلية أن الشاعر وصل إلى المشفى الوطني بمدينة السويداء مفارقاً الحياة مساء أمس، الأحد 14 كانون الأول، جرّاء إطلاق نار تعرّض له من قبل مجهولين.

وأكدت المصادر أن إحدى الرصاصات استقرت في الرأس، وأخرى في الصدر، وثالثة في القدم، ما أدى إلى وفاته، مشيرة إلى أن إطلاق النار وقع أمام منزل الضحية في قريته بوسان، حيث سارع الجيران إلى إسعافه بعد سماعهم أصوات الرصاص.

واتهم مدير أمن السويداء سليمان عبد الباقي، عبر حسابه في فيسبوك، الميليشيا التي يديرها حكمت الهجري بالوقوف وراء عملية اغتيال الناشط السياسي، معتبراً أن مقتله جاء على خلفية مواقفه الناقدة لتلك المجموعات.

كما ربطت مصادر من عائلة الضحية الجريمة بموقفه السياسي الداعم للحكومة ونشاطه العلني، إذ كان الشاعر معروفاً في الأوساط الثقافية والاجتماعية في السويداء، وشغل منذ مطلع العام الجاري منصب رئيس بلدية بوسان.

ويشار إلى أن آخر منشور للناشط على مواقع التواصل الاجتماعي تضمن انتقادات لفصائل مسلحة محلية تابعة للشيخ حكمت الهجري، وصفها بأنها “ذيل” تركه النظام البائد في السويداء.

كما تداول ناشطون تسجيلاً صوتياً ينسب للشاعر قبل مقتله يتحدث فيه عن التلاعب والتضليل الذي تقوم به ميليشيا الهجري بحق بعض المواطنين في السويداء، إضافة إلى منشور سابق له هنّأ فيه السوريين بمناسبة عيد التحرير.

وتأتي هذه الحادثة في ظل فلتان أمني تشهده معظم مناطق محافظة السويداء الخاضعة لسيطرة ميليشيات يديرها الشيخ الهجري، ولا سيما تكرار حوادث القتل والاغتيال بعد الأحداث الأخيرة التي أشعلتها مجموعات خارجة عن القانون في تموز الماضي، وأسفرت عن إصابة عدد من المدنيين وعناصر من الجيش وقوى الأمن.

المصدر: الإخبارية

—————————-

جدل في السويداء عقب اغتيال الشاعر والناشط أنور فوزات الشاعر

15 ديسمبر 2025

أثار اغتيال الشاعر والناشط السياسي أنور فوزات الشاعر في قريته بوسان بريف السويداء الشرقي موجة غضب عارمة وتساؤلات حادة حول الخلفيات والمتورطين، وسط مناخ من التوتّر الأمني والفوضى المسلحة التي تعيشها المحافظة.

حادثة الاغتيال، التي نفذت بثلاث طلقات من سلاح حربي أصابت الرأس والصدر والقدم، سرعان ما تحوّلت إلى بؤرة لتصادم سرديات متضاربة واتهامات خطيرة تمسّ القوى المسيطرة على الأرض.

تصدّر المشهد اتهامات علنية وُجهت إلى “قوات الحرس الوطني”، وهي القوة المهيمنة فعليًا على المحافظة. فمن خلال منشور على “فيسبوك”، اتهم مدير أمن السويداء، سليمان عبد الباقي، هذه القوى مباشرة باغتيال الشاعر على خلفية مواقفه الناقدة.

وزاد من حدة الاحتقان قيام قوات الحرس الوطني، بحسب روايات محلية، بفرض طوق أمني وإغلاق مداخل بلدة بوسان بعد الحادثة مباشرة، وهو إجراء رأى فيه الكثيرون محاولة للسيطرة على الموقع أو كتم الأنفاس.

وكان الشاعر، الذي يشغل منصب رئيس بلدية بوسان، معروفًا بمواقفه الصريحة. فقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي آخر منشوراته التي انتقد فيها فصائل مسلحة محلية ووصفها بأنها “ذيل” للنظام السابق، كما تداول ناشطون تسجيلًا صوتيًا منسوبًا له ينتقد فيه تلاعب القوات. هذه المواقف جعلت دوافع الاغتيال سياسية في نظر الكثيرين، حيث نعاه الشيخ ليث البلعوس واصفًا إياه بـ “شهيد كلمة الحق”، فيما كتب شقيقه على “فيسبوك” عازمًا على أن “لن يهدأ له بال حتى نرد الصاع صاعين”.

لكن المشهد لم يكن خاليًا من التضارب. فقد نفت مصادر أهلية من بوسان نفسها صحة أخبار فرض الحصار، مؤكدة أن العائلة ستتوجه لجلب الجثمان، وهو ما يضعف الرواية السابقة. كما لم يصدر أي بيان رسمي أو تأكيد قاطع يربط بين الانتقادات والاغتيال.

تأتي هذه الجريمة في سياق انهيار أمني متصاعد في السويداء. وقد شهدت المحافظة سلسلة من حوادث القتل والاغتيالات، كان آخرها مقتل الشيخين رائد المتني وماهر فلحوط، قبل أيام، على يد القوات نفسها المتهمة اليوم.

———————————

عرب الـ26/ يعرب العيسى

16 ديسمبر 2025

أتمنى أن تكون مخاوف وليست تنبؤاً، لكنّني مسكونٌ منذ أسابيع بشبح إسرائيل. أرى في كل لحظةٍ ما يقرّب احتمال دخولها البرّي الواسع في الأراضي السورية.

هذا الاحتمال الوارد (بل المرجّح) فيما لو حصل، سيفعل أشياء كثيرة، أولها أنه سيكشف عن سخف نقاشاتنا الحالية وصغرها، سيجعل خلافاتنا وانقساماتنا مجرّد لعب أولاد. سيكون صفعة الانتباه التي ستحتاجها رعونتنا.

عملياً، ولو كنّا منقسمين حول ذلك الآن، فإسرائيل هي عدوّنا، مثلنا مثل الفلسطينيين واللبنانيين (وإن لا يظنّ بعضهم هذا) والسعوديين والعراقيين والأردنيين.

مؤشّرات وأسباب كثيرة تجعل هذا التخوّف واقعياً؛ أولها طبيعة إسرائيل، فهي لن تفوّت لحظة الضعف السوري، وستقضمها لأقصى حد تستطيع.

ما تفعله في الجنوب السوري منذ بداية العام، وتصاعده في الأشهر الثلاثة الأخيرة، مشابهٌ لما كانت تفعله في جنوب لبنان بين عامَي 1978 و1982، أي بين عمليتَي الليطاني وسلامة الجليل، والذي انتهى باجتياح لبنان، وحصار بيروت، ثم الانسحاب منها، للسيطرة على نصف لبنان الجنوبي نحو 18 عاماً.

إحساسها بفرط القوة سيدفعها لتسييله أرضاً جديدة. وخلافاً لما ترسله الولايات المتحدة من إشارات إيجابية نحو سورية، ونحو الإدارة الحالية، إسرائيل عادةً لا تعتني كثيراً بأشياء من هذا القبيل. ولها سوابق لا تحصى في عصيان رغبات الولايات المتحدة، أو على نحوٍ أدق مخالفةُ التصريحات العلنية للإدارات الأميركية، منذ ريغان. وكان من جديدها أخيراً قصف جوي استهدف قيادات “حماس” في قطر.

توغلاتها البرّية في قرى القنيطرة ودرعا وريف دمشق، التي كادت تتجاوز 400 توغّل، منها 160 في الأشهر الثلاثة الأخيرة، تشير تفاصيلها بالمحصلة إلى أن إسرائيل تعمل على إفراغ منطقة الجنوب بالكامل من أي قدرة على المقاومة الشعبية، ومن أي احتمال لمفاجآت على الطريق. تعتقل ناشطين محتملين، تصادر قطع السلاح القليلة المتناثرة في بيوت الفلاحين. تجرّف أرضاً زراعية، تحفر خندقاً في تلّة، ترفع ساتراً ترابياً، تدخل البيوت لتسأل أصحابها عن قطعة السلاح الثانية التي أخفاها الابن الغائب، تنصب حواجز لتفتش هويات العابرين وتسألهم عن أقاربهم، تمهّد إعلامياً لوجود جماعات حوثية في قرية حدودية لا يصل عدد سكانها إلى ألف نسمة، وجماعات مرتبطة بـ”حماس” وبإيران وبحزب الله، في منطقة تعتبر معظم هؤلاء أعداءها الوجوديين.

جمع هذه المؤشرات، وتمريرها في غربال تاريخ إسرائيل منذ نشوئها، وكل ما نعرفه، ويعرفه العالم عنها، تظهر أن الخطر يقترب منّا كزحف الحيّة. وأن علينا جميعاً الاستعداد لذلك، وأولنا السلطة التي لا تملك أيّ سلاح تواجه به الخطر الحقيقي سوى إعادة بناء البيت الداخلي، ومدّ اليد صادقةً لجميع السوريين بكل مكوناتهم ومناطقهم، وعليها لأجل ذلك أن تتوقف عن التصرف كقبطان مغرور في مركب يغرق.

نحتاج على المستوى الوطني لوضع خطة طوارئ لمواجهة الخطر إذا ما وقع المحظور. وعلى المستوى الشخصي، أخشى ألّا أخشى هذا الاحتمال، وأخشى في الوقت نفسه أن أفرط في توقّيه عبر تلك الخدعة النفسية القديمة، أي بإنكاره واستبعاده. بكل الأحوال أحتاج خطة شخصية، وقد رسمتها خلال دقيقتين، فلو حدث ذلك، فها أنا، أول واحد يعلن عن نفسه بهذه الهوية: أنا من عرب الـ 26.

العربي الجديد

—————————-

محنة الموحّدين الدروز في سورية… بين اللامركزية ومأسسة الانفصال/ علي العبدالله

15 ديسمبر 2025

تتعرّض طائفة الموحّدين الدروز في سورية إلى امتحان عسير يهدّد كيانها ومصيرها، امتحان نجم عن اجتماع ثلاثة عوامل متداخلة ومتشابكة ومتعارضة في آن. العامل الأول قيام سلطة جديدة في دمشق خلفيتها سلفية جهادية تتبنى توجّهات فئوية ضيقة، وتتّخذ قرارات سياسية وإدارية تنفيذاً لهذه التوجّهات: نظام سياسي رئاسي ومركزي؛ تعيينات في المراكز السيادية والأمنية على أساس الولاء لا الكفاءة، ومن لون واحد؛ يتوجّه إلى تركيز معظم الصلاحيات بيد الرئيس الانتقالي، ما يعني أن توجهها العام إقامة نظام سلطوي. العامل الثاني تبنّي قادة طائفة الموحّدين الدروز الروحيين، الشيخ حكمت الهجري على وجه الخصوص، وجزء كبير من نخبها الثقافية والسياسية، توجّهات تتباين عن توجهات السلطة إلى حدّ التعارض الكامل. العامل الثالث اشتباك جيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية حول النفوذ في سورية تجسّد في تيارَيْن عريضَيْن: تيار يدعو ويعمل على حفظ الاستقرار في سورية عبر المطالبة بصيانة وحدة أراضيها، واستقرارها في دولة واحدة وسلطة واحدة وجيش واحد تتبنّاه الدول العربية وتركيا والإدارة الأميركية؛ وتيار يعمل في تحويل سورية إلى دولة قائمة على محاصصة دينية ومذهبية فتبقى دولةً هشّةً يسهل التأثير في خياراتها وقراراتها، يتبنّاه الكيان الصهيوني وتيارات في إيران ومليشياتها العراقية.

من السجال السياسي إلى المواجهة العسكرية

قادت مطالبة قادة الموحّدين الدروز بالتعددية والتشاركية إلى سجال سياسي قبل أن ينزلق الموقف إلى مواجهات دامية راح ضحيتها مئات القتلى وآلاف الجرحى والمصابين وخسائر كبيرة في ممتلكات السوريين الدروز وبدو المحافظة، بالإضافة إلى حركة نزوح من القرى والبلدات نحو مركز المحافظة وإخراج البدو منها. وقامت قوات السلطة وفزعات البدو باختطاف عشرات من أبناء طائفة الموحّدين الدروز، بما في ذلك نساء، ونقلتهم إلى خارج المحافظة. توقّفت المواجهات بعد تدخّل الكيان الصهيوني عسكرياً لصالح الموحّدين الدروز بضغط من شيخ عقل الطائفة في فلسطين، الشيخ موفق طريف.

استثمر الشيخ حكمت الهجري، وشخصيات مدنية وعسكرية، المواجهات والخسائر البشرية والمادية الكبيرة في تغذية المشاعر العدائية ضدّ السلطة الجديدة في دمشق، وانتقل من المطالبة بلامركزية إدارية في نظام تعدّدي تشاركي إلى المطالبة بحكم ذاتي، وصولاً إلى المطالبة بإقامة كيان درزي مستقل، مطالبة مشفوعة بطلب حماية دولية خاصّة من الكيان الصهيوني؛ إذ لم يكتفِ الشيخ الهجري والقوى التي يتزعمها، وتسيطر على المحافظة سياسياً وعسكرياً برفع علم الكيان الصهيوني في الاعتصامات والتظاهرات وإطلاق التسمية التوراتية (جبل الباشان) على جبل العرب، بل رُفِعت صور مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في مسيرة سيارات داخل مدينة السويداء.

لم يقد وقف إطلاق النار بين السلطة السورية الجديدة والكيان الصهيوني بوساطة أميركية إلى إنهاء الصراع وحلّ الخلاف بين السلطة والشيخ الهجري، وإنما غيّر شكل المواجهة فقط؛ حوّلها إلى خطوط تماس وحواجز ومتاريس ومواجهة منخفضة الحدّة عكستها اشتباكات متقطّعة وهجمات متبادلة عند الحواجز. وفرضت السلطة حصاراً على المحافظة بإغلاق طريق دمشق السويداء وقطع الأغذية والأدوية والمحروقات والكهرباء عنها، في محاولة لدفع الشيخ الهجري إلى القبول باختياراتها السياسية والإدارية وبشروطها لحلّ الخلاف. تراجعت تحت ضغوط دولية فوافقت على إدخال الأغذية والأدوية والمحروقات، الطحين والمحروقات بشكل رئيس، التي ترسلها الأمم المتحدة وفتحت طريق دمشق السويداء، ورفضت التفاوض السياسي مع وفد من الموحّدين الدروز من الموالين للشيخ الهجري، وصل إلى عمّان، وحصرته بالتفاوض الأمني، ورشّحت العميد أحمد الدالاتي لذلك، وهو المتهم بالإشراف على الحملة العسكرية والمقتلة التي حصلت في المحافظة، ما زاد في تعميق المفاصلة؛ إذ نهبت قوىً عسكريةٌ تابعةٌ للشيخ الهجري منازل البدو واحتجزت المئات منهم رهائن، ومنعت دخول مسؤولين وموظفين تابعين للسلطة إلى مركز المحافظة، بما في ذلك اللجنة الوطنية السورية للتحقيق في أحداث السويداء، وربطت ذلك بالمطالبة بلجنة دولية لذلك؛ وهذا ما كان، فزار وفدٌ من لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن سورية السويداء مرَّتَيْن، كما زار عدداً من المجتمعات النازحة في محافظات درعا ودمشق وريف دمشق. وبدأت القوى السياسية الموالية للشيخ الهجري وبتوجيه منه بمأسسة انفصال المحافظة بتشكيل قوة عسكرية موحّدة تحت اسم “الحرس الوطني”، أتبعته بتشكيل اللجنة القانونية العليا ولجان للإدارة المحلية، ولجنة خاصّة بالتعليم، وبإجراء استفتاء على الانفصال عبر دعوة أبناء المحافظة من السوريين الدروز إلى التوقيع على عريضة بهذا الخصوص.

بطرحه مطالبه الاستقلالية: حكم ذاتي بداية وانفصال في النهاية، ورفضه خريطة الطريق التي توافق عليها ممثّلو السلطة السورية الجديدة والأردن، والمبعوث الأميركي توم برّاك، ضيّق الشيخ الهجري على نفسه وعلى أبناء طائفته بوضعهم أمام خيارات صعبة: اشتباك انتحاري مع السلطة السورية الجديدة وفزعاتها البدوية يستجلب تدخّلاً صهيونياً، ويفضي إلى ضحايا ودمار، وإلى ترسيخ قطيعة نفسية وشعورية عميقة بين السُّنة العرب وأبناء الطائفة، وإلى مواجهة مديدة تشلّ الحياة اليومية في المحافظة، أو انقسام بين أبناء الطائفة واشتباك بينهم، خاصّةً أن ليس ثمّة إجماع بينهم على مطلبَي الانفصال والحماية الصهيونية، وهو ما عكسه إعلان جبل العرب الذي أصدرته شخصيات سياسية وثقافية من قلب السويداء (14/11/2025)، وظهور إرهاصات معارضة، وهو ما عكسته الاعتقالات التي نفّذها “الحرس الوطني” ضدّ معارضي توجّهات الشيخ الهجري داخل المحافظة، وشملت اعتقال الشيخ رائد المتني، الذي قتل على أيدي عناصر “الحرس الوطني” بعد تعرّضه للتعذيب والإهانة، والشتم وقصّ اللحية والشوارب، وفق تسجيلات مصوّرة انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، وعاصم أبو فخر، وغاندي أبو فخر، وماهر فلحوط الذي قتل هو الآخر تحت التعذيب، وحسام زيدان، وزيدان زيدان، وعلم الدين زيدان. كما سيطر موالون للشيخ الهجري على موقع سويداء24 وطردوا طاقمها الذي عُرف بمهنيته وحياديته. جاءت الاعتقالات والقتل لتعكس عمق التوتر النفسي والسياسي السائد بين السوريين الدروز إلى درجة حصول تعذيب وإهانة وقصّ شوارب وقتل، بعد أن كانت الإهانة والشتم وقصّ الشوارب مادّةً لحملة إعلامية وسياسية ضدّ السلطة السورية الجديدة لقيام عناصر من قواتها بذلك ضدّ مواطنين من أبناء الطائفة خلال الهجوم على المحافظة. والمؤسف أن مثقّفين من الموالين للشيخ الهجري دافعوا عن عمليات القتل، وادّعوا أن ذلك إعدام بتهمة الخيانة قرّرته محكمة ميدانية.

استعصاء شديد

تواصلت السجالات الإعلامية، والقطيعة السياسية، بين السلطة السورية الجديدة في دمشق وقيادة التحرّك الانفصالي في محافظة السويداء، مع تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بملفّ المحافظة، ما أثار حفيظة قوى وشخصيات من أبناء المحافظة، ودفعها إلى استغراب تعنّت الشيخ الهجري وتمسّكه بمواقفه وهو يرى المواقف الإقليمية والدولية السلبية من مطالبه ويلمس انسداد الأفق أمام تحقيق مشروعه: انفصال السويداء عن الدولة السورية، بل اتساع دائرة الرفض لهذا المشروع، والإجماع الإقليمي والدولي شبه الكامل على المحافظة على وحدة الأراضي السورية ورفض دعوات الانفصال والتقسيم، بما في ذلك الكيان الصهيوني والرئيس الروحي لطائفة الموحّدين الدروز في فلسطين، موفق طريف، وتبعات القطيعة القاسية على المواطنين في حياتهم واستقرارهم وظروف عيشهم القاسية وتعليم أبنائهم.

لقد اشتدّ الاستعصاء وتعمّق على خلفية تحديد السلطة السورية الجديدة لتوجّهاتها، وأخذها قراراتها، من دون اعتبار للتركيبة المجتمعية السورية؛ وتمسّكها بمواقفها وقراراتها بتجاهل تام لاعتراضات القوى السياسية والاجتماعية ولطبيعة الخلاف وتبعاته المدمرة على البلاد والعباد في حال لم يلق طريقاً مناسباً لحلّه. وموقف الشيخ الهجري، الذي اعتمد سياسة الهروب إلى الأمام؛ فراح يرفع سقف مطالبه كلّما أحسّ أنها لم تلقَ استجابةً من السلطة السورية الجديدة، وأنها لم تلقَ دعماً إقليمياً ودولياً. وقد زاد في حراجة موقفه ما ارتكبته قوات “الحرس الوطني” من جرائم قتل بحقّ معارضي توجّهاته وخياراته، أضعف سرديته ضدّ جرائم السلطة السورية الجديدة التي برّر بها مطالبته بالانفصال. واقع الحال أن الأطراف السياسية والعسكرية في المشهد السوري، من السلطة السورية الجديدة إلى “الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية”، وأذرعها العسكرية، و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وقوات الأمن الداخلي (الأسايش)، مروراً بالشيخ الهجري وحرسه الوطني إلى “الجيش الوطني”، العمشات والحمزات بشكل خاص، تمارس القمع والقتل وهي تدّعي البحث عن العدالة والمساواة. والأدهى أن دعاة اللامركزية، من “قسد” إلى الشيخ الهجري، سلطويين واستبداديين مثلهم مثل السلطة الجديدة في دمشق، ما سيحول اللامركزيات إلى مركزيات مصغّرة، ويجعل حياة المواطنين في اللامركزيات مثلها مثل حياة المواطنين في الأنظمة المركزية، وأن الموالين لهم وحواضنهم الاجتماعية تستمرئ القتل ما دام هو يطاول خصومها.

في طريق الحلّ

انعكس الاستعصاء الخانق الذي يشهده ملفُّ محافظة السويداء سلباً على الموقف الوطني العام، وعلى السلطة السورية الجديدة وقواها الأمنية والعسكرية؛ إذ حدّد مساحة تحرّكها وانتشارها، فغدت كما لو كانت تقف عند حدود بين دولتَيْن، وثبّت خطوط التماس بينها وبين قوات “الحرس الوطني”؛ وشلّ قدرتها على تنفيذ ردّ واسع وكبير على استفزازات الطرف الآخر لتلافي تدخّل صهيوني جديد؛ ومنعها من تحقيق هدف ثمين في ما يخصّها، ألا وهو بسط سيطرتها على المحافظة، ما هزّ صورتها في أعين الموالين لها وأضعف موقفها في المفاوضات مع “قسد”، التي استثمرت القطيعة بين السلطة الجديدة، ووجهاء الطائفة العلوية والشيخ الهجري والموالين له من أبناء طائفة الموحّدين الدروز، وطالبت بجلوسهم معها إلى طاولة التفاوض، كما أثّر الاستعصاء في صورة الشيخ الهجري وقدرته على إدارة الملفّ في نظر الموالين له، بعد أن تلاشت فرصة تحقيق أهدافهم وغرقوا في وضع نهاية غير واضحة، وفي نظر أبناء الطائفة الذين يعانون تبعات القطيعة على حياتهم اليومية، حيث نقص الأغذية والأدوية والوقود وضعف الخدمات، وما يثيره الاستعصاء من قلق وتوتر نفسي واجتماعي، وما ينطوي عليه من مخاطر عليهم وعلى أبنائهم ومستقبلهم، خاصّة بعد قتل الشيخَيْن المتني وفلحوط، وما يمكن أن يترتّب عليه من اقتتال داخلي. يستدعي الموقف الدقيق والخطير مراجعة المواقف والعودة إلى التواصل بين الطرفين لكسر الجمود وفتح فرص جديدة لاستعادة الثقة ولمّ شمل الصفّ الوطني.

يمكن أن يبدأ الهجري بقبول عودة البدو إلى المحافظة واستعادة منازلهم وحياتهم السابقة باعتبارها تجسيداً عملياً لإيمانه بالتعدّدية والتشاركية، ويمكن للسلطة السورية الجديدة ملاقاة ذلك في منتصف الطريق عبر تحديد صيغة للامركزية تخفّف هواجس ومخاوف أبناء طائفة الموحّدين الدروز على خصوصيتهم وكرامتهم، وتبعث رسالة إلى بقيّة المكوّنات، من العلويين إلى المسيحيين والإسماعيليين والكرد والسريان الآشوريين، مفادها أنه يمكن الوصول إلى قواسم مشتركة.

العربي الجديد

—————————

تفاصيل زيارة توم برّاك إلى إسرائيل: تفاهمات حول ملفات المنطقة/ نايف زيداني

16 ديسمبر 2025

يشعر ترامب بخيبة أمل من مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية

ناقش رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين آخرين، مع سفير الولايات المتحدة في تركيا، والمبعوث الخاص إلى سورية توم برّاك، وعدد من المسؤولين الأميركيين، أمس الاثنين، عدة ملفات تتعلق بلبنان، وسورية، وغزة، وتركيا، وحتى السعودية، وسط استعراض مزاعم إسرائيلية بشأن بعض التطورات في المنطقة.

ونقلت صحيفة يسرائيل هيوم العبرية، اليوم الثلاثاء، عن مسؤولين دبلوماسيين لم تسمّهم، قولهم إنه اتُّفق في الاجتماع على إطار لمواصلة الحوار المدني مع لبنان، وهناك توقّع بأن يجري توسيعه قريباً إلى مجالات إضافية، بعد أن عُقد قبل نحو أسبوعين اجتماع أول بين ممثلين إسرائيليين ولبنانيين، وُضعت فيه الأسس لمحادثات لاحقة، تتعلق بمنع تعاظم قوة حزب الله، وكذلك بقضايا مرتبطة بخط الحدود، وعمليات جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. وناقش لقاء نتنياهو مع برّاك الاتفاق على إطار المحادثات، وعلى المواضيع التي تجب مناقشتها بين إسرائيل ولبنان، ومن بينها التنسيق في مسألة إعادة سكان من جنوب لبنان من قرى وُصفت بأنّها غير مؤيدة لحزب الله، إلى منازلهم.

وبحسب المسؤولين، جرى في الاجتماع تعزيز التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة في القضايا المتعلقة بسورية ولبنان. وقالوا إن هناك إجماعاً على أن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها بشكل فعّال، أي مهاجمة التنظيمات والمسلحين طالما أنهم يشكلون تهديداً حقيقياً”. كما ناقش اللقاء، تشديد التنسيق مع الجيش اللبناني لتمكينه من أداء مهمته في كشف مخازن الأسلحة والذخيرة التابعة لحزب الله في جنوب البلاد. واستعرضت إسرائيل أمام برّاك بيانات ومعلومات، تزعم أن اللبنانيين ليسوا حازمين بما يكفي في هذه المهمة، وأن الجيش الإسرائيلي مضطر بسبب ذلك إلى تنفيذ ضربات ضد مواقع لا ينجح الجيش اللبناني أو لا يرغب في العمل فيها.

إسرائيل: لا يمكن الاعتماد على قوات الأمن السورية

وبشأن سورية، عرضت إسرائيل معلومات تزعم أنه لا يمكن الاعتماد على قوات الأمن السورية. كما زعمت أن أحد عناصر هذه القوات نفّذ هجوماً قُتل فيه جنديان ومواطن أميركي. وبينما تبنّت واشنطن رواية الحكومة في دمشق بأن المنفّذ من تنظيم داعش، زعم المسؤولون الإسرائيليون، أن الأمر لا يتعلق بمهاجم منفرد، وأن القوات السورية مسؤولة عن مجازر ضد الأقليات، ومن بينها الدروز والعلويون. وطلب الممثلون الأميركيون في الاجتماع، بأن يجري تنسيق “النشاطات” الإسرائيلية في سورية، وأن تسمح إسرائيل لقوات الحكومة بفرض النظام. واستهدف هجوم السبت، دورية أميركية سورية مشتركة، قرب مدينة تدمر في قلب البادية السورية، وأدى إلى مقتل عسكريَين اثنين ومدني أميركيين.

التدخّل التركي والتطبيع مع السعودية

كذلك، ناقش المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون، في اللقاء نفسه، موضوع تركيا وتدخّلها في مختلف الساحات والجبهات. وأوضحت إسرائيل أن معارضتها القاطعة لدخول قوات تركية إلى قطاع غزة ما زالت قائمة. وبخصوص سورية، طلبت إسرائيل الحفاظ على حرية عملها الجوي في الدولة، فيما يقترح الأميركيون تعزيز التنسيق في هذا السياق، عبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، لتجنب الاحتكاك مع الأتراك.

العربي الجديد

إلى ذلك، نقلت الصحيفة العبرية، قول مسؤول أميركي، لم تسمّه، إن خيبة الأمل في واشنطن من عدم إحراز تقدّم في مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، وانضمام الأخيرة إلى “اتفاقيات أبراهام”، موجّهة إلى كلا الطرفين، وعليه فإن السعوديين لم يحصلوا نتيجة لذلك على توقيع فوري لصفقة طائرات “إف-35” ولا على مطلبهم بشأن المنشأة النووية. وأشار إلى أن خطوات إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة، بشأن إقامة مستوطنات جديدة، وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، هي من بين العوامل التي أدت إلى فشل التسوية مع السعودية.

وتابع المسؤول أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشعر بخيبة أمل، لكنه لا يتراجع، إذ إن انضمام السعودية إلى “اتفاقيات أبراهام”، يُعدّ خطوة مفتاحية للحل الشامل في المنطقة. وأكد المسؤول أيضاً، أن البيت الأبيض ووزارة الخارجية نقلا رسائل تعبّر عن عدم ارتياحهما لاغتيال القيادي في “حماس” رائد سعد، لكنه وصف التقارير حول الموضوع بأنها “مبالغ فيها”. وأضاف أن “إسرائيل يحق لها أن تدافع عن نفسها… لكن في الخلفية هناك وقف إطلاق نار وخطوات لإنهاء الحرب، ويجب الحذر من إفشال ذلك. خطة ترامب أعادت جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء، وكادت تعيد أيضاً جميع القتلى، وعلى إسرائيل أن تمنح فرصة لاستكمالها”.

العربي الجديد

————————

زيارة باراك إلى إسرائيل: تفاهمات أمنية أم إعادة ضبط للصراع السوري؟/ معاذ الحمد

زيارة باراك لتل أبيب.. سوريا بين الشروط الإسرائيلية والوساطة الأميركية

2025-12-15

في ظل الحراك الأميركي المتزايد تجاه الملف السوري، جاءت زيارة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إلى إسرائيل لتسلّط الضوء على مسار معقّد من التفاهمات الأمنية والضغوط السياسية المتبادلة، وسط تباين واضح في قراءة طبيعة هذه التحركات وحدودها.

ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، يسعى باراك خلال زيارته إلى بحث وضع “خطوط حمراء” تتعلق بسوريا، في وقت تشير فيه التقديرات الأميركية إلى أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يُنظر إليه في واشنطن على أنه “حليف يحاول تحقيق استقرار الدولة السورية ودفعها للأمام”، مع خشية أميركية من أن تؤدي كثرة العمليات الإسرائيلية إلى تقويض حكمه. غير أن هذه المقاربة، بحسب الباحث والمحلل السياسي حسان عليان، تصطدم بواقع مختلف على الأرض.

خطوط حمراء

ويقول عليان لـ”963+” إن “سوريا تواجه شروطاً إسرائيلية تعجيزية”، موضحاً أن “الإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع تمتلك معرفة كاملة بالمطالب الإسرائيلية، إلا أن هذه المطالب تقوم على تقديم تنازلات سورية واسعة من دون مقابل إسرائيلي حقيقي”.

ويضيف أن “الحديث يقتصر جزئياً على الانسحاب من الجنوب، من دون التطرق إلى قضايا أساسية مثل جبل الشيخ أو الجولان”، معتبراً أن ذلك “نقطة سلبية في مسار التعاطي الحالي”.

وفي مقابل الإشادة الأميركية بالشرع، يرى عليان أن هناك تناقضاً صارخاً في السلوك الإسرائيلي، إذ يقول إن “الإشادة الأميركية بالشرع، ولا سيما من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتناقض مع السياسات الإسرائيلية التي تمضي في استباحة الجغرافيا السورية”، مشيراً إلى أن “إسرائيل تسعى إلى استثمار الواقع الديموغرافي في مناطق الساحل والسويداء وبين الأقليات والأكراد، من دون ضمان أمن أو سيادة سوريا”.

في هذا السياق، يبرز الدور التركي كعامل توازن محتمل. ويشير عليان إلى أن “اصطفاف تركيا إلى جانب سوريا”، مستنداً إلى العلاقة الخاصة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وترامب، “قد يسهم في فرض وقائع جديدة تتيح تحسين الشروط السورية والحد من الضغوط الإسرائيلية”.

ويربط ذلك مباشرة بزيارة باراك، معتبراً أن “زيارة توم باراك إلى إسرائيل ولقاءه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأتي في سياق إعطاء دفعة لمسار التهدئة في ظل التحديات الداخلية الإسرائيلية والملفات المرتبطة بسوريا”.

تفاهمات أمنية

ويتقاطع هذا الطرح جزئياً مع قراءة محمود حسين، نائب رئيس اتحاد الجامعات الدولي للشؤون الإعلامية، الذي يرى أن “زيارة توم باراك إلى إسرائيل ولقاءه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمكن أن تسهما في تعزيز التوازن بين تركيا وإسرائيل في الملف السوري، عبر فتح قناة اتصال مباشرة تتيح لتل أبيب دوراً أكثر فاعلية في الشأن السوري من دون المساس بالمصالح التركية”.

ويضيف حسين لـ”963+” أن “تصريحات باراك حول التعاون مع المنطقة تعكس توجهاً أميركياً لدمج تركيا ضمن مسار التفاهمات الإقليمية”، معتبراً أن ذلك “قد يخفف من حدة التنافس السابق ويفتح المجال أمام فرص مشتركة لدعم الاستقرار، ولا سيما في جنوب سوريا”.

وبحسب حسين، فإن الزيارة لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تحمل أبعاداً أمنية مباشرة، إذ يقول إن “الزيارة قد تمهد لإعادة رسم خطوط النفوذ في الجنوب السوري، من خلال تبادل وجهات النظر بشأن وقف إطلاق النار وتخفيف التوترات”، مرجحاً أن “تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة تحديد المناطق الأمنية بطريقة تقلل الاحتكاك بين الفصائل المحلية والتدخلات الخارجية”.

ويضيف أن “الحديث عن محادثات هادئة مع إسرائيل يدل على وجود مساحة لإدارة مشتركة للأزمات بما يخفض احتمالات المواجهة الإقليمية”.

وفي المقابل، يقدم الديبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي مقاربة أكثر تحفظاً، مؤكداً أن “زيارة توم باراك لا تفتح قناة تفاوض أمنية بين دمشق وتل أبيب بالمعنى التقليدي، بل تؤسس لمسار اتصال أمني منخفض السقف”، موضحاً أن “واشنطن تقوم بدور صندوق البريد الموثوق أكثر من كونها وسيطاً سياسياً”.

ويشرح الحاج علي لـ”963+” طبيعة هذا المسار بالقول إن “ما يجري تداوله يقتصر على تفاهمات تقنية تتعلق بقواعد الاشتباك وخطوط الفصل ومنع الاحتكاك غير المحسوب في جنوب سوريا”، مشدداً على أنه “لا يشمل أي اعتراف متبادل، ولا مفاوضات سلام، ولا حتى مساراً سياسياً موازياً”.

ويضيف أن “أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو إدارة المخاطر لا حلها، وهو إنجاز مؤقت بطبيعته الهشة”.

وحول خلفيات التحرك الأميركي، يقول الحاج علي إن الزيارة “تندرج ضمن مقاربة مزدوجة تقودها واشنطن، تقوم أولاً على إدارة الصراع، ثم على إعادة ضبط السلوك الإسرائيلي ضمن هوامش واقعية، من دون السعي إلى تقييد إسرائيل استراتيجياً”.

ويضيف أن “الهدف الأميركي هو منع تل أبيب من الذهاب بعيداً في خطوات قد تحرج الولايات المتحدة أو تهدد استقرار مرحلة ما بعد الأسد، ولا سيما في ظل هشاشة الجنوب السوري وتشابك الفاعلين المحليين”.

في المقابل، يرى عليان أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط مباشرة، إذ يقول إن “التحركات الأميركية الأخيرة، بما فيها رفع مشروع قانون قيصر مؤقتاً، تمنح واشنطن أدوات ضغط على نتنياهو لمنع التصعيد وعدم توظيف الملف السوري لخدمة أجندته الداخلية”.

ويضيف أن “رفض دمشق لمطالب مثل إنشاء ممر إنساني من الأراضي المحتلة باتجاه السويداء يعكس تمسكها بوحدة الأراضي السورية”، معتبراً أن ذلك “يتقاطع مع مواقف إقليمية لتركيا والسعودية”.

مكاسب محدودة

وعن المكاسب المحتملة لدمشق، يقول الحاج علي إن “نجاح واشنطن في فرض تفاهمات أمنية مؤقتة مع إسرائيل قد يمنح دمشق مكاسب ديبلوماسية تكتيكية”، موضحاً أن أبرز هذه المكاسب هو “الانتقال من موقع الملف الهامشي إلى الشريك الضروري”.

ويضيف أن “أي تفاهم أمني، ولو كان مؤقتاً، يوفر اعترافاً عملياً بقدرة الحكومة على ضبط الأرض، ويخفف الضغط العسكري في الجنوب، ويفتح نافذة تواصل غير معلنة مع الغرب يمكن استثمارها لاحقاً في ملفات العقوبات وإعادة الإعمار”.

وفي السياق نفسه، يربط حسين بين التفاهمات الأمنية والوضع الاقتصادي، قائلاً إن “نجاح أي تفاهمات أمنية برعاية واشنطن بين سوريا وإسرائيل من شأنه أن يعزز موقع سوريا في المعادلة الإقليمية”، وإن ذلك يتم “عبر منح الحكومة السورية اعترافاً دولياً وفرصة لإعادة تحريك الاقتصاد”.

ويضيف أن “الرفع الجزئي للعقوبات، الذي أُعلن عنه مؤخراً، قد يفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار، بما يعزز مكانة سوريا كشريك استراتيجي في المنطقة بعد سقوط النظام السابق”.

لكن الحاج علي يختتم بتحذير واضح، إذ يقول إن “هذه المكاسب تبقى محدودة وغير استراتيجية، وترتبط بقدرة دمشق على تحويل التفاهم الأمني إلى رصيد سياسي”، محذراً من أن “الزيارة قد تُستهلك كما استُهلكت مبادرات سابقة إذا اقتصر الأمر على التزامات أمنية صامتة من دون استثمار سياسي فعلي”.

وفي خلاصة المشهد، تتقاطع تصريحات المصرحين عند توصيف زيارة باراك كـ”خطوة أميركية تهدف إلى التهدئة وإدارة المخاطر، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم التباين بين الرهانات السورية، والحسابات الإسرائيلية، والسقف الأميركي الذي لا يتجاوز، حتى الآن، حدود ضبط الصراع لا حسمه”.

+963

———————————

رسالة أميركية إلى نتنياهو.. زعزعة استقرار سوريا خط أحمر

الرياض- العربية.نت

15 ديسمبر ,2025

وسط المساعي الأميركية المستمرة من أجل الدفع نحو اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، يرتقب أن يلتقي مبعوث الرئيس الأميركي، توم براك، اليوم الاثنين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فيما أفادت مصادر مطلعة بأن براك سيطرح جملة من الخطوط الحمراء المتعلقة بالنشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وفق ما نقلت قناة ” i24news” الإسرائيلية.

إذ سيبحث المبعوث الأميركي خلال لقائه نتنياهو وعدد من المسؤولين مجموعة من القضايا الإقليمية، مع تركيز خاص على الوضع في سوريا.

قلق أميركي

وفي السياق أوضحت المصادر أن “الولايات المتحدة تخشى أن تؤدي كثرة العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري إلى زعزعة استقرار البلاد”.

كما أشارت إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى لتحقيق اتفاق أمني بين البلدين لتفادي أي تصعيد.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع زار واشنطن الشهر الماضي والتقى ترامب الذي أثنى على العمل الذي يقوم به من أجل بناء البلاد، متعهداً بدعمه ورفع كافة العقوبات الأميركية.

كما سعت واشنطن خلال الأشهر الماضية إلى تهدئة العلاقات بين الجانب السوري والإسرائيلي، وعقد ما يشبه الاتفاق الأمني في الجنوب.

يشار إلى أن زيارة براك إلى تل أبيب تأتي فيما تواصل القوات الإسرائيلية توغلاتها شبه اليومية في جنوب البلاد. فمنذ سقوط النظام السوري السابق العام الماضي، نشرت إسرائيل قوات ومعدات عسكرية في جنوب سوريا متجاوزة المنطقة العازلة التي تعود لعام 1974، بما في ذلك نقطة المراقبة الاستراتيجية في جبل الشيخ. في حين أعلن نتنياهو أنه “يريد إنشاء منطقة منزوعة السلاح من دمشق حتى جبل الشيخ”، وهو ما رفضه الجانب السوري.

في حين لم تسفر 6 جولات من المحادثات التي جرت بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين بوساطة أميركية، عن التوصل إلى اتفاق أمني يهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة الحدودية، علماً أن المفاوضات توقفت منذ سبتمبر الماضي (2025) وفق رويترز.

وقبل أيام قليلة كشف وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن المحادثات الجارية مع دمشق حول اتفاق أمني تواجه عقبات متزايدة، مؤكداً أن الجانب السوري طرح مطالب جديدة أدت إلى توسيع الفجوة بين الجانبين.

العربية

—————————-

 أميركا تمنح إسرائيل في سوريا حرية حركة “بالحدّ الأدنى

الاثنين 2025/12/15

كشف إعلام العبري عن طلب الولايات المتحدة من إسرائيل حصر نشاطها العسكري في سوريا عند حده الأدنى، وذلك خلال الاجتماع الذي جمع المبعوث الأميركي توم باراك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين.

واشنطن طلبت العودة للمفاوضات

ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر إسرائيلي قوله إن الاجتماع بين باراك ونتنياهو كان “جيداً ومثمراً”، وأضافت أن رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، من المتوقع أن يزور واشنطن، هذا الأسبوع.

ونقلت الصحيفة العبرية عن مصادر قولها إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحدث مع الشيخ محمد هاتفياً، اليوم الاثنين، وناقشا “خطة الرئيس ترامب بشأن قطاع غزة”، كما تناولت “التطورات الأخيرة حول غزة” و”التداعيات السياسية للمبادرة الأميركية”.

من جهتها، نقلت صحيفة “معاريف” عن مصدر أمني إسرائيلي، قوله إن تل أبيب أوضحت للمبعوث الأميركي الخطوط الحمراء التي لا يمكن القبول بتجاوزها في سوريا. وأضاف: “طرحنا مع باراك مبادئ مهمة لأمننا بينها منع تمركز إرهابيين على حدودنا ومسألة الحفاظ على حرية العمل ضد التهديدات الناشئة”.

ووفق المصدر، فقد طلبت واشنطن من تل أبيب العودة للمفاوضات الأمنية مع سوريا للتوصل إلى اتفاق أمني، وكذلك حصر النشاط العسكري في سوريا بحده الأدنى.

تفاهمات إسرائيلية- أميركية

في غضون ذلك، قالت القناة (15) العبرية، إن إسرائيل والولايات المتحدة توصلتا خلال الاجتماع بين باراك ونتنياهو، إلى تفاهمات بشأن استمرار الرغبة الإسرائيلية في مهاجمة التهديدات في سوريا، وحول استمرار مفاوضات الاتفاق الأمني.

وأضافت أن التفاهمات تشمل استمرار العمل الإسرائيلي ضد التهديدات في سوريا، إضافة إلى استمرار مفاوضات الاتفاق الأمني.

وفي وقت سابق، الاثنين، التقى باراك مع نتنياهو، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين إسرائيل وسوريا، بعد العملية الإسرائيلية الأخيرة في قرية بيت جن في ريف دمشق الغربي، والتي أودت بحياة 13 شخصاً بينهم نساء وأطفال، وذلك جراء قصف إسرائيلي انتقامي، استهدف القرية، بعد إصابة عدد من جنودها إثر تعرضه جنودها لمقاومة من قب شبان سوريين.

———————-

 باراك يحدد لنتنياهو الخطوط الحمراء للنشاط الإسرائيلي بسوريا

الاثنين 2025/12/15

أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه أجرى حواراً بنّاءً لتحقيق السلام والاستقرار الإقليميين،

واستبقت قناة “آي نيوز-24” العبرية اللقاء بالقول، إن اللقاء سيحدد خطوطاً حمراء بشأن النشاط الإسرائيلي في سوريا، فيما ذكرت “اكسيوس” أن إدارة ترامب، ترى أن نتنياهو يقوض جهود أميركا لاستقرار سوريا ويعرقل التوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل.

وأوضحت القناة “آي نيوز -24” الإسرائيلية، أن باراك سيلتقي نتنياهو ومسؤولين آخرين في إسرائيل حول عدد من القضايا الإقليمية، لكنه سيركز على سوريا، مشيرةً إلى أن الإدارة الأميركية، ترى في الرئيس السوري أحمد الشرع حليفاً يحاول استقرار الدولة، ودفعها إلى الأمام، ولذلك ترغب في تجنب أي إجراءات يرونها تقوض حكمه.

وأضافت أنه في الولايات المتحدة تخشى أن تؤدي كثرة العمليات الإسرائيلية إلى انهيار النظام في سوريا، إضافة إلى رغبتهم في التوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر إسرائيل من القيام بأي أعمال قد تؤدي من إعاقة تطور سوريا، مشدداً على ضرورة أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع دمشق.

سوريا مكان أفضل

وقبل أسبوعين، نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن ترامب ضغط على نتنياهو لتغيير نهجه في سوريا وغزة. وقال مسؤول أميركي للموقع إن ترامب طلب من نتنياهو خلال مكالمة هاتفية بينهما، الاثنين، التعامل بهدوء مع العمليات العسكرية في سوريا، وتجنب اتخاذ إجراءات تستفز الحكومة السورية.

وأضاف المسؤول أن الرئيس ترامب أبلغ نتنياهو أن القيادة السورية الجديدة تريد جعل سوريا مكاناً أفضل، كما طلب منه أخذ الأمر “ببساطة” عندما يتعلق الأمر بالعمل العسكري داخل سوريا.

توتر في إسرائيل من باراك

وكان موقع “واللا” العبري، كشف الثلاثاء الماضي أن توتراً متصاعداً يسود داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن توم باراك. ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي كبير، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بات يعتبر المبعوث الأميركي “جهة معادية” في بعض الملفات، وأنه “متأثر بشدة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان”، في مقاربته للملف السوري.

وبحسب الموقع، قال المسؤول الإسرائيلي إن باراك “يتصرف وكأنه سفير تركي”، في إشارة إلى ما تعتبره تل أبيب انحيازاً من المبعوث الأميركي نحو الرؤية التركية المتعلقة بمستقبل الشمال السوري والترتيبات الأمنية الحدودية، الأمر الذي ترى فيه إسرائيل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.

وترى القيادة الإسرائيلية، وفق تقرير “واللا”، أن المقاربة الأميركية الجديدة – التي تمنح أنقرة وزناً أكبر في هندسة المرحلة المقبلة في سوريا – قد تؤدي إلى تقليص مساحة الحركة الإسرائيلية داخل العمق السوري، وتعزيز نفوذ تركيا وإيران على حساب الدور الإسرائيلي، ما دفع نتنياهو إلى رفع مستوى الاعتراض داخل قنوات التواصل مع واشنطن.

————————

زيارة تحت الضغط.. كيف تختبر واشنطن حدود الحركة الإسرائيلية في سوريا/ عزيز موسى

16 ديسمبر 2025

في لحظة إقليمية بالغة الحساسية وصل المبعوث الأميركي توم باراك إلى إسرائيل حاملًا ملفات أمنية وسياسية شديدة التعقيد يتقدّمها الملف السوري، زيارة لم تأتِ في سياق دبلوماسي روتيني، بل في توقيت يختبر توازنات هشة، ويعيد طرح أسئلة قديمة بصياغات أكثر حدّة، إذ لم يكن الحوار مجرّد تبادل لوجهات النظر بل محاولة أميركية لرسم حدود الحركة الإسرائيلية في ساحة سورية تتآكل فيها هوامش الخطأ، وتزداد فيها كلفة المغامرة.

هذا اللقاء الذي اتّخذ طابع الخطاب المباشر للبحث بقضايا أمنية حساسة، والذي يعكس إدراكًا أميركيا متزايدًا بأن إدارة الأزمات باتت ضرورة ملحّة لتشمل محادثاتٌ امتدت بين الأمن والسياسة، وبين الحاضر القَلِق والمستقبل المفتوح على كل الاحتمالات، في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات أو على الأقل منع انهيارها.

الخطوط الحمراء الأميركية وحدود الحركة في سوريا

خلال لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، نقل باراك رسائل واضحة من واشنطن، تضمّنت ما وصفه بـ”الخطوط الحمراء” التي ينبغي مراعاتها في التعامل مع الساحة السورية، فحوى هذه الرسائل أن التوجّه الأميركي يقوم على دعم الحكومة السورية ورفض أي خطوات من شأنها زعزعة النظام، في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية بالغة الحساسية، ووفق ما أوردته “قناة i24” الإسرائيلية، ترى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الضربات الإسرائيلية العابرة للحدود تُقوّض الجهود الأميركية الرامية إلى دعم الاستقرار في دمشق، وتُضعف المساعي الرامية إلى بلورة تفاهمات قد تقود إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.

في المقابل تؤكد دمشق رسميًا رفضها لعمليات التوغل والاعتداءات المستمرة وأنه لا يمكن القبول بمقترح أن يكون الجنوب السوري منطقة عازلة بالكامل، إضافة لعدم المضي في أي اتفاق أمني قبل الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تم التوغل بها بعد 8 ديسمبر 2024 والعودة لاتفاق 1974، مع التأكيد أن سوريا لن تكون تهديدًا لأي من دول الجوار، محذّرة من أن استمرار الأوضاع الحالية في الجنوب في ظل فراغ أمني، قد يفتح الباب أمام أطراف متعددة لاستغلاله، وفي هذا السياق تعمل دمشق على بلورة مناورات سياسية وميدانية تهدف إلى منع ترسيخ التوغلات عبر صياغة تفاهمات مع قوى إقليمية ودولية.

تباين المقاربات

كشفت صحيفة “معاريف” العبرية أنه تم طرح مجموعة من المبادئ الحاسمة بالنسبة لإسرائيل خلال الاجتماع، أهمها منع “العناصر الإرهابية” من التمركز قرب الحدود، وضرورة الحفاظ على حرية العمل في الساحة السورية لمواجهة ما اعتبرته “تهديدات ناشئة”، بما يوضح رفض إسرائيل “للخطوط الحمراء” الأميركية في هذا السياق، إلا أن باراك عرض الرؤية الأميركية للاستقرار الإقليمي والتي تشدد على نزع فتيل أي صراع على نطاق واسع خاصة في ظل التوتر على عدة جبهات معًا، فيما أكد مصدر لصحيفة “جيروزاليم بوست” أن  التفاهمات بين الجانبين ركزت على احتفاظ إسرائيل بحرية العمل لتحييد التهديدات وهو ما تعتبره أحد القضايا المحورية، إضافة إلى التقدم في المحادثات التي تتوسط بها الولايات المتحدة بهدف صياغة ترتيبات أمنية جديدة.

يتضح تناقض الرؤية الأميركية مع الرؤية الإسرائيلية في التعامل مع الملف السوري من ناحية الآليات والأدوات، وهو ما يؤدي بدوره إلى إطالة عملية عدم تثبيت الاستقرار في سوريا، ويعكس مدى الضغط الإسرائيلي المتصاعد باستثمار السيطرة الجغرافية المفروضة بالقوة العسكرية في معادلات جديدة تعيد ترتيب السيطرة الأمنية للمصلحة الإسرائيلية في الجنوب السوري.

كما يعكس الاجتماع مصلحتين متوازيتين، إذ تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على هامش للمناورة وتوضيح حدود القطاع الأمني، بينما تسعى الولايات المتحدة من جانبها إلى الحد من الاحتكاك ومنع تدهور الأوضاع في ساحات قد يؤدي فيها أي خطأ إلى إشعال جبهات متعددة، كما تدرك كل من واشطن وتل أبيب أن الاجتماع لم يكن في إطار شكلي، بل حلقة أخرى في سلسلة من التنسيقات الرامية إلى التأثير على الوضع في المنطقة.

ضغط أميركي يقابله ارتياب إسرائيلي

أشارت العديد من التقارير الإعلامية أبرزها “أكسيوس” إلى أن هناك امتعاضًا أميركيًا من التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري وهذا يقوض الجهود الأميركية الرامية لمساعدة الحكومة السورية في تحقيق الاستقرار، كما أن الرئيس ترامب ضغط على نتنياهو لتغيير نهجه في سوريا وضرورة التعامل بهدوء وعدم التصعيد العسكري، مؤكدًا سعي الحكومة في دمشق أن تجعل من سوريا مكانًا أفضل، ما يعد واحدًا من أبرز الملفات التي سيتم نقاشها في اللقاء المرتقب بين الرئيس ترامب ونتنياهو أواخر الشهر الجاري.    

في هذا الإطار ذهب مسؤولون داخل الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ موقف متشدد من المبعوث باراك، إذ نقل موقع “واللا” العبري أن نتنياهو يعتبر المبعوث الأميركي “جهة معادية” في بعض الملفات و”بأنه متأثر بالرؤية التركية” في مقارباته للملف السوري من خلال منح تركيا وزنًا كبيرًا في هندسة الواقع في سوريا، وهذا من شأنه أن يؤدي لتقليص مساحات العمل الإسرائيلية في العمق السوري، ماتعتبره تل أبيب انحيازًا من قبل باراك نحو الرؤية التركية التي تتعلق بمستقبل سوريا والترتيبات الأمنية الحدودية، وما تقرأه الأوساط الإسرائيلية على أنه تهديد لمصالحها الاستراتيجية.

—————————————

معادلات أعمق في الجنوب السوري/ باسل الحاج جاسم

14 ديسمبر 2025

لا يمكن النظر إلى التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري تحرّكاً عابراً، أو استجابة ظرفية لمشهد أمني محلي… ما يجري اليوم جزء من معادلة أوسع تتصل مباشرة بمسار الانفتاح الأميركي على سورية، ومحاولة واشنطن إعادة صياغة مقاربتها الملف السوري بعد سنوات من الجمود.

أعاد هذا الانفتاح، بمعنييه السياسي والأمني، تحريك الساحة، وأعاد حسابات اللاعبين الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل التي اعتادت أن تكون الطرف الأكثر تأثيراً على شكل المقاربات الأميركية في الجنوب. وهي تتحرّك انطلاقاً من قاعدة ثابتة، أي تحول سياسي أو تفاهمات دولية تخص سورية يجب أن تمر عبرها، أو على الأقل ألا تتعارض مع أمنها وحدودها ووجودها في الجولان السوري المحتل.

وليست زيادة التوغلات الإسرائيلية مجرّد رسائل عسكرية، بل هي لغة سياسية ميدانية تهدف إلى إعادة رسم حدود الدور الإسرائيلي في لحظة تشعر فيها تل أبيب بأن شيئاً ما يتغير من دون مشاركتها المباشرة… ما تريده إسرائيل واضح، التأكيد أن الجنوب السوري، بكل تعقيداته الأمنية، سيظل ضمن مجال مراقبتها، وأن أي تفاهمات دولية، مهما كان شكلها أو عمقها، لا يمكن أن تتجاوز مصالحها الأمنية. والرسالة هنا ليست موجهة فقط إلى دمشق، بل إلى واشنطن أيضاً، فإسرائيل، كما أثبتت السنوات الماضية، تنظر إلى الجنوب السوري امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وتعتبر أنها تملك حق “الفيتو” غير المعلن على أي ترتيبات تخص تلك المنطقة. ومن هنا يمكن فهم الاندفاع الإسرائيلي لفرض وقائع جديدة، ومنع تشكل توازنات قد تفرض عليها التزامات مستقبلية.

على الجانب السياسي، تلجأ دولة الاحتلال إلى خطاب الطريق المسدود، كلما شعرت بأن هناك دينامية جديدة تتشكّل خارج إرادتها، وليس هذا الخطاب توصيفاً للواقع بقدر ما هو أداة ضغط، تستخدمه إسرائيل عندما تحتاج إلى رفع سقف التفاوض، أو عندما تلاحظ أن الطرف الآخر بدأ يكتسب دعماً دولياً، أو عندما تحتاج إلى المزيد من الوقت لترتيب أوراقها الداخلية. وهي تدرك أن أي تفاهمات حول الجنوب، ولو كانت أمنية فقط، قد تمتد آثارها عقوداً، ولذلك تحاول التحكم في إيقاع النقاش، لا في نتائجه فحسب.

أما الولايات المتحدة، فخياراتها تبدو أكثر براغماتية، لا تبحث حالياً عن اتفاق شامل، بل عن صيغة تمنع الانفجار وتضمن وجوداً منظماً في الجنوب السوري، أقصى ما يمكن أن تدفع نحوه في المرحلة الحالية تفاهمات أمنية أولية، تضع قواعد اشتباك وتقلص احتمالات الاحتكاك، من دون الدخول في الملفات الثقيلة مثل الحدود النهائية أو المياه أو مستقبل الجولان، ما تريده واشنطن إدارة التوازنات، وليس إنتاج حل نهائي.

وبين هذه المعادلات، يبدو الجنوب السوري مرشّحاً لمرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ، وهناك ثلاثة سيناريوهات واقعية يمكن النظر إليها، مثل عودة روسية جزئية، ليس بمستوى بين 2017 و2020، بل ضامناً للتهدئة، لا قوة انتشار موسّعة، روسيا المثقلة بجبهة أوكرانيا لا تملك ترف العودة الكاملة، لكنها أيضاً لا تريد ترك الجنوب مساحة خالصة لواشنطن أو تل أبيب.

السيناريو الثاني تعزيز الحضور الأميركي، وهو احتمال قوي إذا لمست واشنطن أن ترتيبات الجنوب يمكن أن تتحوّل إلى ملف استراتيجي له انعكاسات على أمن إسرائيل والأردن والعراق. وقد يتحوّل الوجود الأميركي المحدود اليوم إلى نقطة ارتكاز أمنية أكثر وضوحاً في حال ظهرت مؤشّرات لتفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب، أو في حال توسّعت التوترات.

السيناريو الثالث، هو الأكثر واقعية، اتفاق أمني مؤقت، يحدد حدود الحركة العسكرية، وآليات المراقبة، وضمانات دولية محدودة، وهذا النوع من الاتفاقات عادة ما يستخدم بوابة إلى مراحل أكبر، لكنه لا يلامس القضايا السياسية الكبرى، بمعنى آخر، سيكون الاتفاق الأمني بداية الطريق، لا نهايته.

في الداخل الإسرائيلي، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً مركزياً، نتنياهو، المحاصر بملفات قضائية وانقسامات سياسية واحتجاجات داخلية، ليس في موقع يسمح له بخوض مفاوضات قد تفتح عليه أبواباً إضافية من النقد، وبالنسبة له، المماطلة ليست تكتيكاً خارجياً فحسب، بل ضرورة داخلية. وكل شهر يمر من دون اتفاق جديد يعني تثبيتاً أعمق للسيطرة الإسرائيلية على الجولان، وتغييراً إضافياً في الوقائع الديمغرافية والإدارية، الوقت هنا ليس أداة تفاوض، بل جزء من الاستراتيجية.

يبقى القول إن الجنوب السوري يدخل مرحلة إعادة صياغة، تتقاطع فيها رسائل إسرائيلية حادة، واحتياجات أميركية لإدارة الاستقرار، ومحاولات سورية لفتح نوافذ سياسية جديدة، وتحرّكات روسية للعودة إلى مربّعات النفوذ القديمة، وما يجري اليوم على الأرض يشير إلى أن الطريق نحو أي اتفاق، مهما كان محدوداً، سيبدأ من الأمن قبل السياسة، ومن التهدئة قبل التسوية.

العربي الجديد

—————————-

سيناريوهات خلبية وامتعاض أميركي.. كيف تدير إسرائيل سياستها تجاه سوريا؟/ أحمد الكناني

15 ديسمبر 2025

لم تمض أيام على تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك، حول انعدام الثقة الإسرائيلية بدمشق، حتى أعلنت تل أبيب عن مخاوف أمنية وعسكرية محتملة لتكرار سيناريو السابع من أكتوبر في أراضيها، وفقًا لما نقلته صحيفة “معاريف” العبرية، وعليه “ستتخذ القوات الإسرائيلية المزيد من إجراءاتها الاحترازية في الأراضي السورية، على اعتبار أن المنطقة العازلة يمكن أن تشكل خطرًا عليها كما حدث في مناطق غلاف غزة عندما شنت حماس هجومًا في أكتوبر 2023”.

بدأت إسرائيل بعد حاثة بيت جن تصعيد الخطاب تجاه الإدارة الجديدة بشكل كبير، إذ بدأت باتهام الحكومة بالضلوع بشكل غير مباشر في الحادثة، عزز ذلك تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بخصوص اتساع الفجوة بين سوريا وإسرائيل، وظهور مطالب جديد لديها، كون الاتفاق مع سوريا بات بعيدًا في الفترة الحالية، عما كان عليه سابقًا.

ثقة متناقصة

شهدت العلاقة بين سوريا وإسرائيل، بعد سقوط النظام في الـ 8 من كانون الأول/ ديسمبر، العديد من التجاذبات بين التصعيد والتهدئة، والمفاوضات والتعليق، وفي كافة الحالات عملت دمشق على إرسال طمأنة للجانب الإسرائيلي عبر قنوات التواصل غير المباشرة، سواء في تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، أو من خلال الوسيط الأميركي، والذي يعمل كفاعل رئيسي في العلاقة بين الجانبين بحسب الرئيس الشرع في مؤتمر الدوحة.

إلا أن التصريحات الإسرائيلية الرسمية باتت تتجه مؤخرًا لإعلان غياب الثقة كسبب رئيسي في تعثر المفاوضات مع سوريا، وآخرها ما حمله المبعوث الأميركي براك إلى الجانبين في حديثه مع صحيفة “ذا ناشيونال”، حيث أشار إلى أن إسرائيل لا تثق بالسوريين بعد، ولهذا السبب لا يتم أي اتفاق، رغم أن دمشق قدمت كل ما طلبته واشنطن منها حسب المبعوث.

يبدو واضحًا أن الخلاصة الأميركية التي حملها براك شكلت تناقضًا مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث كان قد طالب بتوقيع اتفاق سلام كشرط رئيسي للانسحاب المحدود من الأراضي التي دخلوها بعد سقوط النظام، وعليه لا يمكن أن تطلب إسرائيل اتفاق سلام من طرف غير موثوق بالنسبة إليها، الأمر الذي يدل على أن قضية الثقة ليست إلا من باب المماطلة، وإضاعة الوقت.

طوفان الجنوب

تكشف صحيفة “معاريف” العبرية عن استعدادات عسكرية تجريها القوات الإسرائيلية تحسبًا من سيناريو هجوم محتمل مشابه لعملية “طوفان الأقصى” قد يكون قادمًا من الجنوب على الجبهة الشمالية للجولان المحتل، وبناء على هذه المعطيات المفترضة تصر تل أبيب على مطلب المنطقة العازلة كي لا يتحول الجنوب منطلقًا للهجمات عليها.

تؤكد دمشق رسميًا على أنها لن تقبل مطلب المنطقة العازلة في الجنوب السوري، لاعتبارات متعلقة بالسيادة بالدرجة الأولى، وأمنية في الدرجة الثانية، إذ يمكن أن يؤدي الفراغ الأمني جنوبًا إلى استغلال أطراف إقليمية كإيران للحالة المفروضة، وشن عمليات ضد إسرائيل عبر وكلائها، وتعطيها ذريعة أكبر في الاحتلال وقضم الأراضي الجنوبية، أو قد تفتعل إسرائيل نفسها ذرائع متعلقة بهجمات للتثبيت والإبقاء على حالة الفوضى، وفي كلا الحالتين دمشق هي المتضررة.

وفي هذا الإطار دمشق تعي الاستراتيجية الإسرائيلية، ولهذه الأسباب بدأت بتحركات محدودة لكسر حالة التبعية والرضوخ التام جنوبًا، كما حصل في خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، حيث ناورت الدوريات الأمنية أمام الحواجز الإسرائيلية وتجاوزتها للمرة الأولى، ورغم أن ذلك يزيد من القلق الإسرائيلي، إلا أنه يعطي دافعًا إقليميًا جديدًا لضرورة صياغة التفاهم الأمني، ولو كان بوجود القوات الروسية كفصل حقيقي في إطار التوازن الإقليمي.

واشنطن ممتعضة

تشير العديد من تقارير الوسائل الإعلامية، وأبرزها صحيفة “وول ستريت جورنال”، إلى امتعاض أميركي تجاه السياسات الإسرائيلية في الجنوب السوري، كون الرئيس الأميركي يسعى لتهدئة تامة، فيما تعارض التصرفات الإسرائيلية مآرب واشنطن، وهو ما أشارت إليه أصوات داخلية إسرائيلية أبرزها أفنير جولوف المدير السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، والذي أشار إلى أن الاتفاق مع سوريا هو الثمن المطلوب دفعه من نتنياهو لترامب.

وفي هذا الإطار يشير الخبراء إلى أن إسرائيل تعمل جاهدة لإضعاف سوريا مستغلة الورقة الطائفية كما هو الحال في السويداء، وتفتيت الجنوب جغرافيًا، الأمر الذي يقوض من الجهود الأميركية ويصورها على أنها تتستر على مسار الفوضى الإسرائيلية، فيما يرى خبراء بأن نتنياهو يبالغ في مخاوفه الأمنية تجاه سوريا، ويزيد من الحرج الأميركي تجاه سوريا، والتي بدأت تعول على دمشق كحليف جديد لها في المنطقة.

—————————-

 مياه الجولان.. “قضية استراتيجية في محاولات التوغّل الإسرائيلي”/ كفاح حسيان

2025.12.15

تقبع خلف الأسباب الأمنية التي أعلنتها إسرائيل لتوسّعها في هضبة الجولان أسباب أخرى طالما كانت المحرّك الأساسي لأطماعها في الجولان حتى قبل احتلاله، عام 1967، وأولها الطمع في مياهه.

فبالإضافة إلى أهميته الجغرافية والعسكرية يعتبر خزاناً مائياً استرتيجياً يتحكّم بالجزء الأهم من الموارد المائية في المنطقة حيث تُشكّل المياه المنحدرة من قمم جبل الشيخ سواءً من الأمطار أو من ذوبان الثلوج المصدر الرئيسي لأهم الأنهار المغذية لبحيرة طبريا، التي هي أكبر خزّان مائي للمياه العذبة في فلسطين المحتلة ومصدر مهم وحيوي للأمن المائي الإسرائيلي.

الجولان سلسلة جبلية يرتفع في شمالها جدار جبلي شامخ هو جبل الشيخ -أعلى قمة في سوريا بارتفاع 2814 متراً- وهو من أجمل المناطق المناخية في جنوب غربي سوريا وأوفرها بالمصادر المائية.

فالهطولات المطرية تتراوح ما بين 800 و1000ملم في الشمال، وبين 400 و700ملم في الجنوب والغرب بالإضافة إلى تساقط الثلوج سنوياً خاصة في الأنحاء التي ترتفع لأكثر من 600 متر فوق سطح البحيرة بمعدل 15-20 يوماً سنوياً.

يقدّر معدل ما يتلقّاه الجولان من مياه الأمطار وذوبان الثلوج 1.2 مليار متر مكعب، ويشتهر بينابيعه ذات المياه العذبة وأهمها نبع بانياس الغزير الذي يغذي نهر بانياس، وهو المغذّي الرئيسي لبحيرة طبريا، ويتشكّل من منابع تتفجر من حضيض جبل الشيخ الجنوبي الغربي قرب قرية بانياس في الجولان السوري المحتل.

ويقدّر التصريف السنوي المتوسط لنهر بانياس بـ95 مليون متر مكعب بغزارة قصوى شتوية تصل إلى 16م3 /ثا (متر مكعب بالثانية) ودنيا صيفية تنخفض إلى 2م3 /ثا، وهو أحد أهم روافد نهر الأردن.

بحيرة طبريا كانت ضمن الحدود السورية حتى عام 1923، وقت الانتداب البريطاني الذي ضمّها بعد ذلك إلى فلسطين، وذلك وفقاُ لمصالح الصهاينة ومخططاتهم اللاحقة باحتلال فلسطين والسيطرة على الموارد المائية في المنطقة، كما جاء في مذكرة المنظمة الصهيونية، خلال مؤتمر السلام 1919، بأنّ “جبل الشيخ هو الأب الحقيقي للمياه في فلسطين”.

هذه البحيرة تتميّز بأنها أخفض بحيرة مياه عذبة في العالم باعتبار أن سطح البحيرة يقع على 213 متراً تحت سطح البحر، وكانت مصدر رئيسي من مصادر مياه الشرب في إسرائيل، وهي جزء من مشروع شبكة توصيل المياه الإسرائيلة الذي ينقل المياه من بحيرة طبريا إلى مناطق بعيدة كالقدس وبيسان، وإلى القسم الجنوبي من الساحل، وإلى النقب.

كانت سوريا، حتى عام 1967، تستخدم مياه البحيرة، وحُرمت من هذا الحق بعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان.

ومن أشهر البحيرات في الجولان أيضاً بحيرة مسعدة التي تقع بكاملها على فوهة بركان إلى الجانب الشرقي من قرية مسعدة في شمالي الجولان، يبلغ طولها 650 متراً وعرضها 600 متر ومساحتها حوالي 1.5 كم مربع وعمقها حوالي 9 أمتار بتخزين 3.50 مليون متر مكعب وتقع على علو 945 متراً فوق سطح البحر.

البحيرة خزّان يتغذّى من مياه الأمطار والثلوج الذائبة وبعض الينابيع الصغيرة، وهي في الوقت نفسه تزود عدة ينابيع بالماء كينبوع الدفلة، وهضبة الجولان تشتهر بينابيعها العذبة التي تبلغ حوالي 100 كنبع عين فيت ونبع عين قنية.

ولم تكتفِ إسرائيل باستغلال المياه، بل استغلت أيضاً الطبيعة والمناخ اللذين يتميز بهما جبل الشيخ، فهو ذو درجات حرارة معتدلة صيفاً ومنخفضة شتاء حيث يتزين بحلته البيضاء من الثلوج لإقامة أكبر المشاريع السياحية.

تحتل إسرائيل حالياُ نحو 1176 كيلومتراً مربعاً من أراضي الجولان، منها 100 كيلومتر مربع من مساحة المناطق التي كانت منزوعة السلاح وفق اتفاقية هدنة 1949.

وفي اتفاقية 1974 لفض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل سيطرت قوة الأمم المتحدة (أندوف) على الجبل ضمن إطار المنطقة العازلة، ولكن بعد 8 كانون الأوّل/ديسمبر 2024 وتحرير سوريا من نظام المخلوع بشار الأسد، قرّرت إسرائيل الانسحاب من هذه الاتفاقية وبدأت بالتوغل في القرى المجاورة للمنطقة العازلة لتوسيعها بحجة الحفاظ على أمنها.

ولكن النوايا المضمرة كانت غير ذلك، وتخفي خلفها الرغبة بالسيطرة على الجولان وموارده من مياه وأراضي خصبة والضغط على الدولة السورية للتخلي عن الأراضي السورية المحتلة، عام 1967، تحت ضغط اللحظة التاريخية حيث سوريا تمر بمرحلة ضعف بعد أن دمر نظام الأسد كثيراً من مقدرات البلاد وتركها في حالة ضعف، فتوغّلت إسرائيل خلال شريط من الأراضي السورية على طول الجولان وصولاً إلى منطقة المثلث الحدودي الأردني السوري الفلسطيني.

ومؤخراً توغّلت اسرائيل ضمن منطقتي عرنة وبيت جن، في سياق التوغّل الإسرائيلي في الأراضي السورية بذريعة الحفاظ على أمنها.

ولكن في خفاياها وضمن أجندة إسرائيل التوسعية غير المعلنة، السيطرة على المزيد من الموارد المائية وخاصة في ظل موجة الجفاف التي تضرب منطقة الشرق الأوسط.

فبيت جن وعرنة تتميزان بمياه أنهارهم العذبة والينابيع التي تعتبر مصدراً رئيسياً لمياه الشرب والري في ريف دمشق، حيث يتدفق نهر الأعوج -الشريان الثاني لحوض دمشق- قرب عرنة، ویتشكل حوض الأعوج من تلاقي مسيلان موسميان هما الجيناني والسبراني، اللذان يتغذيان من ذوبان الثلوج من جبل الشيخ.

وترفد السيبراني ينابيع عين عيسى وعين المالحة وعين سابا والرشاشيح وغيرها بتصريف وسطي حوالي 0.6م3/ثا (حيث يصبح السيبراني دائم الجريان من ينابيع المياه جوفية)، ويرفد نهر الجيناني عدة ينابيع كنبع بيت جن ونبع المنبج ونبع الطماسيات، ويرفده إلى الأسفل من منطقة أم الشراطيط مياه نبع الطبيبية.

وأهمية نبع بيت جن أنّه من الينابيع التي تتدفق على مدار العام ويتميز بمياهه العذبة والباردة التي تبنع من قاع جبل الشيخ بتصريف حوالي 0.84 م3/ثا، ونتيجة لتجمع هذه المصادر يصبح تصريف نهر الأعوج حوالي 4.7 م3/ثا (في الظروف الطبيعية)، وطوله 70كم ماراً بغوطة دمشق ليصل في آخر مساره -في السنوات الوفيرة بالهطولات المطرية- إلى سبخة الهيجانة.

السيطرة الإسرائيلية على منطقة عرنة وبيت جن تعني السيطرة على منابع نهر الأعوج وحرمان غوطة دمشق من المصدر الحيوي للحياه والأراضي الزراعية، وإضافة مصدر مائي يزيد من استقرار الأمن المائي لإسرائيل.

يمكننا القول إنّ الاحتلال الإسرائيلي للجولان ليس احتلالاً عسكرياً فقط، بل يرسم خريطة تحكم مائي وله تداعيات على الأمن المائي السوري وخاصة في ظل تغير المناخ وشح المياه فأي حل سياسي أو مفاوضات لايمكن أن تتجاهل البعد المائي، والمساءلة الدولية وقضايا الحقوق يجب أن تشمل موارد المياه إلى جانب الأرض.

تلفزيون سوريا

————————-

مفقودو السويداء.. الملف الشائك الذي لا يزال مفتوحًا/ كرستين مجيد الشوفي

14 ديسمبر 2025

خلّف أسبوع العنف الدامي الذي شهدته السويداء منتصف تموز/ يوليو آلاف الضحايا ومئات المفقودين الذين تراوحت مصائرهم بين من وُجد في السجون، فتم إطلاق سراحه لاحقًا أو لا يزال للآن مسجونًا، وبين من اكتُشف مصيرهم إما من مشاهدة جثامينهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر تواصل الخاطفين مع ذويهم، ومنهم من لم يظهر له أثر حتى اللحظة.

وفي ظل وجود أسرى في السويداء من القوات الحكومية والعشائر، انطلقت مفاوضات غير معلنة منذ الأيام الأولى لانقضاء الصدام العسكري أفضت لتحرير عشرات المغيبين لدى الطرفين، فيما لا يزال نحو 50 مدنيًا مسجونين في سجن عدرا بعد إطلاق سراح نحو 50 آخرين بينهم طفل، إثر المفاوضات.

لم تعلن الجهات المعنية في السويداء، حتى الآن، عن أي احصائية، فيما خصصت وزارة الداخلية في 23 تموز/ يوليو حسابات في تطبيقي الواتساب وتيلغرام للإبلاغ عن المفقودين جراء أحداث السويداء. ثم دعت قيادة الأمن الداخلي في السويداء يوم ٥ تشرين ثاني/ نوفمبر ذوي المفقودين لمراجعة مبنى قيادة الشرطة لتسجيل البلاغات واستكمال البيانات، لكن أي من الجهتين لم تنشر احصائيات موثقة لعدد الضحايا أو المفقودين. بينما حصلت “ألترا سوريا” على احصائية من مصادر خاصة تشير إلى أن عدد المفقودين من الرجال 300 رجل حتى تاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر لم يُكشف مصيرهم.

كما برز دور مركز الاستعراف السوري في الأشهر الماضية، باعتباره أحد المصادر التي تابعتها الأهالي والذي ساهم بالكشف عن مصير عدد من المفقودين، فقد نشر المركز صورًا وأوصافًا لأشخاص مجهولي الهوية، وأضاف وسائل للتواصل وتقديم المعلومات، إذ تمكّنت عائلات عديدة من التعرّف إلى أبنائها من خلال الصور المنشورة أو عبر التواصل المباشر مع المركز، ما جعله إحدى الأدوات الرسمية المحدودة المتاحة أمام الأهالي في ظل غياب بيانات شاملة وموحدة حول أعداد المفقودين وظروف اختفائهم.

عمليات الاختطاف والتحرير

أقرت الحكومة الانتقالية بوجود 111 مدنيًا محتجزًا في سجن عدرا بريف دمشق، قبل أن تُفرج عن أحد المسنين لتدهور وضعه الصحي، ولاحقًا، وفي 22 من أيلول/ سبتمبر، أُفرج عن 24 منهم، ثم 36 آخرين بينهم الطفل وئام الزغير (15 عامًا)، في مساء الأربعاء 8  تشرين الأول/ أكتوبر بالتزامن مع تسليم القوى المحلية في السويداء عائلتين من العشائر بينهم أطفال ونساء وفق مصادر خاصة لـ “ألتراسوريا”، لتنخفض الحصيلة النهائية إلى 50 سجينًا في عدرا.

في حين كان الملف قد شهد تطورًا جديدًا في 23 تموز/ يوليو بعد أن نشرت صفحة “محافظة السويداء” في منصتها على تلجرام مقطعًا مصورًا يظهر فيه مجموعة من النساء من ريف السويداء الغربي، وعددهن 8 وطفل، إلى جانب محافظ السويداء مصطفى بكور. وقد تم إطلاق سراحهم بعد أسبوع من تداول الفيديو، أي في أواخر تموز/يوليو ونقِلوا إلى مدينة جرمانا عبر الهلال الأحمر من بلدة بصر الحرير.

وفي 17 آب/ أغسطس اختُطف عدد من المدنيين من محافظة السويداء أثناء توجههم من صحنايا بريف دمشق إلى السويداء عبر معبر بصرى الشام “الإنساني” بينهم نساء وأطفال وشابان، ليتم في  22 آب/ أغسطس تحريرهم وتسليمهم لذويهم بحضور العميد أحمد الدالاتي في مقر الأمن العام في دمشق، دون الكشف عن تفاصيل الجهة الخاطفة أو سير عملية التحرير.

ثم أعلنت وزارة الداخلية في 21 من تشرين الثاني/ نوفمبر عن تحريرها لخمسة مواطنين من أهالي قرية الثعلة بينهم ثلاثة نساء، كانوا مختطفين في بلدة المسفرة المحاذية لريف السويداء، دون أن تدلي بأي معلومات إضافية، وهم المواطن طلال ذيب وزوجته محمودة هلال قريشة، وابنته ريم طلال الذيب، إضافة لإلهام أبو زين الدين والشاب رافي حبيب (من ذوي الاحتياجات الخاصة). وجاء الإفراج عنهم بعد أربعة أشهر على فقدانهم، ثم ابتزاز ذويهم من قبل الخاطف الذي أطلق على نفسه لقب “الشيخ أبو علي” عبر مفاوضات طالب خلالها بفدية قدرها عشرة آلاف دولار عن كل فرد، مع تهديدات بالقتل في حال عدم الدفع ليحَرروا إثر عملية أمنية وصفتها الداخلية بـ “النوعية”.

شهادات من عائلات المفقودين

رماح أيمن مسعود، مسعف متطوع في الهلال الأحمر السوري لأكثر من سنتين، فُقد أثره في الخامس عشر من تموز عندما كان ووالده في المنزل في منطقة دوار العمران، عُثر على جثمان والده أيمن مسعود في المنزل بينما لم يُعثر على رماح، ومنذ ذلك الوقت لم تسطع العائلة الحصول على تسجيل أو فيديو يؤكد أو ينفي مصيره، وسط تضارب الشائعات المتداولة بين وجوده في سجن عدرا أو في محافظة درعا أو وفاته، المعلومات التي وصلت لشقيق رماح تقول بأنه شوهد ينزل من سيارة مصفحة تابعة لقوات الأمن العام إلى نقطة طبية وأُجبِر على إسعاف أحد الجرحى في أحياء المدينة. كذلك وردت للعائلة معلومة أخرى في ٣ آب/ أغسطس أفادت بأن شابًا احتُجز في أحد سجون درعا أكد رؤيته لرماح هناك، غير أن العائلة لم تتأكد من صحة هذه المعلومة. لتتحول قضية رماح إلى أبرز ملفات الفقدان في المحافظة.

تشهد المحافظة بشكل دوري ومستمر، وقفات تضامنية تطالب بالكشف عن مصير المفقودين في ظل غياب استجابة رسمية واستمرار ضبابية مستقبلهم. بالإضافة لوقفات ينظمها متطوعو الهلال الأحمر للمطالبة بالافراج عن زميلهم المغيّب رماح مسعود.

فُقد الشاب حسن سليم الحلبي (مواليد 1994) في تاريخ 16 تموز/ يوليو، في قريته الصورى الصغيرة، بحسب ما ذكر شقيقه في تصريح خاص لـ “ألترا سوريا”، وأوضح أن الجهة الخاطفة كانت تتبع للجهاز الأمني وفق ما عرّفت عن نفسها خلال المفاوضات التي جرت لاحقًا مع عائلة الحلبي، حيث طالبت بتسليم ثلاثة مقاتلين من العشائر محتجزين في السويداء مقابل إطلاق سراح حسن الحلبي. بعد تواصل دائم أُرسِل مقطع فيديو يظهر به حسن إلى جانب عدد من المدنيين وهم (ربيع سعيد، عائلة ربيع الخطيب، نبيل الحلبي وزوجته). ليتبين لاحقًا أنهم كانوا محتجزين في ريف حماة قبل أن يُفرج عنهم، باستثناء حسن وربيع سعيد اللذين نُقلا إلى سجن عدرا في ريف دمشق.

تمكّن حسن من التواصل مع عائلته وتم التأكد من سلامته عبر الصليب الأحمر الدولي، وذكر شقيقه أن  العائلة حاولت توكيل محامٍ له إلّا أن رد أحد المحامين كان بأنه “غير مخول قضائيًا بالتعاطي مع هذا الملف”.

وبيّن المصدر أن “اللجنة القانونية العليا في السويداء” كانت قد تواصلت مع العائلة لجمع معلومات حول حادثة الاختفاء، دون تقديم أي تفاصيل عن سير عملية المفاوضات أو مصير حسن. علّق الحلبي قائلًا: “من حقنا نحن أهل المختطفين أن نعرف كيف تتم المفاوضات”. واختتم حديثه بالقول: “جرت عمليات الإفراج وكنا ناطرين يطلع حسن وما طلع”.

وفي شهادة أُخرى لـ “ألتراسوريا” من جمال بندق (أحد سكان ريف السويداء الغربي). عن شقيقه حسين بندق، قال: “حسين من مواليد 1970 من الذين ثاروا ضد نظام الأسد، فُقد في قريته ريمة حازم في الريف الغربي في 23 تموز/ يوليو”، وأضاف: “لم نصل إلى أي معلومة مؤكدة حول مصيره”، إذ لم يرد اسمه ضمن قوائم المفقودين المتداولة، ولم تجد العائلة جثمانه. ما دفعها بعد أشهر من الانتظار إلى ترجيح خبر وفاته وإقامة مراسم لتشييعه، لتتفادى الألم الذي عاشته خلال فقدان ابنها الآخر ناصر بندق في عهد النظام السابق الذي كان موظفًا في وزارة الإعلام وناشطًا في إغاثة المناطف المنكوبة والمحاصرة حينها في الغوطة وريف دمشق ثم اعتُقل من منزله في صحنايا على خلفية مواقفه المناهضة للأسد، لتكتشف لاحقًا أنه قد فارق الحياة تحت التعذيب في المعتقل دون أن تستلم جثمانه. ما جعل انتظار مصير حسين أشد ألمًا من تشييعه وفتح جرح قديم لم يتعاف بعد.

يبقى السؤال الذي يردده الأهالي في كل وقفة: أين أبناؤنا؟ ومتى سيُكشف مصيرهم؟

ملف لا يزال معلقًا بين التصريحات الرسمية والقصص المؤلمة التي تنتظر نهاية ما.

الترا سوريا

———————————

 كيف ستتصرف “قسد” عند اندلاع أي مواجهة سورية – إسرائيلية؟/ سمير صالحة

2025.12.14

تبحث إسرائيل منذ لحظة سقوط نظام الأسد في مطلع كانون الأول من العام الماضي عن فرص لتسجيل اختراقات ميدانية، أمنية، سياسية، واقتصادية تجاه المكونات السورية الموصوفة بالأقليات. فهي تسعى لذلك مع المكون الدرزي على حدودها الجنوبية، ومع المكون الكردي في مناطق شمال شرقي سوريا عبر تسجيل اختراقات في الخط الجغرافي الفاصل. في حين تترقب نجاح جهود التواصل مع المكون العلوي في مناطق الساحل المطل على حوض شرق المتوسط.

وبقدر ما تركز تل أبيب على فعل ذلك ميدانيا في سوريا، وتعطي الأولوية للصفقات الاستراتيجية طويلة المدى مع “قوات سوريا الديمقراطية “، تتحرك منذ زمن بعيد عبر التواصل مع هذه المكونات وتياراتها وأجنحتها في الخارج خصوصا في العواصم والمدن الغربية.

من هنا، لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الساحة السورية خطوة تكتيكية مبعثرة، بل أصبح تحركاً منظماً يهدف إلى تغيير التوازنات والوصول إلى البنى ووضع قواعد اشتباك وفتح أبواب لترتيبات أمنية وسياسية جديدة. لكن أبرز ما يقلق تل أبيب ويقف في طريقها اليوم هو تقارب مواقف واشنطن وأنقرة ودمشق بشأن مستقبل سوريا وتفاهمات محتملة مرتبطة بملف “قسد”  والوضع في شمال شرقي سوريا.

تدرك “قسد”، التي تراقب المشهد بحذر، أن ساعة الصفر تقترب يوماً بعد يوم، وأن محاولة إطالة عمر المفاوضات مع دمشق حول تفاصيل اتفاقية العاشر من آذار لم تعد مجدية. عليها البحث عن خيارات بديلة أبعد من الرهان على إسرائيل أوغيرها ولكن ليس خارج الحدود السورية.

فكيف ستتصرف مثلا عند اندلاع أي مواجهة سورية–إسرائيلية أو تركية–إسرائيلية؟ هل ستتمكن من التلطي خلف مناورات التفاهمات المؤقتة، أو الاحتماء بالمسافة الرمادية التي اعتمدتها لسنوات، معتمدة على صراعات الآخرين والدعم الأميركي لها مقابل البقاء في موقع المتفرج؟

يتغير المشهد السوري بسرعة مذهلة. تطرق إسرائيل أبواباً جديدة، وتبحث دمشق عن سبل إغلاق ثغرات قديمة. وفي قلب هذا المشهد، تجد “قسد”  نفسها أمام جملة من الأسئلة الصعبة التي لم تعد قابلة للتأجيل:

لمن ستنحاز إذا انفجرت الجبهة؟ هل ستقف إلى جانب الدولة السورية،في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية؟ أم ستتمسك بالحياد الذي اعتمدته لسنوات؟

هل ستُغرى بوعود تل أبيب ومساراتها الجديدة داخل المشهد السوري، أم ستلتحق بمعركة الدفاع عن الأرض السورية؟ وإلى أي خيارات أخرى قد تلجأ عند تراجع الدعم الأميركي وبروز حسابات سورية جديدة؟

لا يمكن فصل مأزق قوات سوريا الديمقراطية اليوم عن تقاطع الإشارات الصادرة في آن واحد عن واشنطن وأنقرة وتل أبيب. تصريحات قيادات “قسد” في الصحافة الإسرائيلية، وتمسّكها بدور لتل أبيب في مستقبل المشهد السوري، لم تعد مجرد تفاصيل إعلامية، بل مؤشرًا سياسيًا أثار قلقًا واسعًا على المستويين السوري والإقليمي.

في المقابل، باتت واشنطن ترى دمج “قسد” ضمن البنية العسكرية والأمنية للدولة السورية شرطًا أساسيًا لإنتاج بيئة أكثر استقرارًا وأقل قابلية للاهتزاز، في ظل مسار رفع العقوبات وإعادة التأكيد على وحدة وسيادة الأراضي السورية.

أما أنقرة، فقد عبّرت بوضوح عن رفض أي دور إسرائيلي قرب حدودها، معتبرة أن ابتعاد “قسد” عن تعهدات اتفاق العاشر من آذار يقوّض الثقة ويهدد الاستقرار، محذّرة من أن المسار الإسرائيلي لا يمكن أن يكون بديلاً عن تفاهمات إقليمية قائمة على وحدة الدولة السورية.

بين عرض إسرائيلي مغرٍ لكنه محفوف بالمخاطر، وضغط أميركي باتجاه الدمج، وتحذير تركي صريح، تجد “قسد” نفسها أمام لحظة حاسمة لم تعد تسمح بالمناورة أو شراء الوقت، وسط خيارات استراتيجية تحدد مستقبل دورها في سوريا.

ستتلمس “قسد” طريقها وسط كل هذه التساؤلات والتقلبات السريعة والمفاجئة عاجلا أم آجلا. هناك أولاً الخيارات الاستراتيجية الواجب اعتمادها أمام سيناريو المواجهة السورية–الإسرائيلية على الأرض السورية، وإلزامية الوقوف إلى جانب أحد الطرفين: الدفاع عن الدولة السورية أم محاولة الحفاظ على الحياد الذي اعتادته لسنوات، أو الانخراط مع إسرائيل واستغلال الفرص المتاحة. كل خيار يحمل طبعا تبعاته السياسية والعسكرية، ويستدعي تحليلاً دقيقاً قبل اتخاذ أي خطوة.

كل خطوة إسرائيلية في سوريا، وكل تفاهم سوري–تركي–أميركي، يضغط على “قسد”  لمراجعة موقفها. تطور الخيارات أمام “قسد” مرتبط بتغيرات المشهد على الأرض وبالتحركات الإقليمية والدولية. سيناريو المواجهة العسكرية مع إسرائيل يتركها أمام امتحان صعب، بعدما بنت كل حساباتها على احتمال التطبيع السوري الإسرائيلي وأخذ حصتها من دون أية تضحيات.

احتمال انخراط “قسد” في معركة مواجهة إسرائيل دفاعاً عن السيادة السورية، لا يضعها أمام اختبار إبراز قدراتها العسكرية فقط، بل سيمنحها فرص تعزيز موقعها على الخريطة السورية بما يرضي أكثر من طرف محلي وإقليمي. خيار آخر مثل الرهان على محاولة البقاء في موقع المتفرج، مع الاستفادة من الدعم الأميركي وصراعات الآخرين، وهو خيار اعتمدته خلال سنوات الثورة والتحرير، قد يسمح لها بالحفاظ على القوة الذاتية والمواقع الاستراتيجية، لكنه سينهي كل طروحاتها السياسية والدستورية والاجتماعية. الأخطر في كل ذلك هو إنخراطها في المعارك بجانب إسرائيل ضد الشعب السوري ومحاولة استغلال الفرص التي تقدمها تل أبيب لتعزيز نفوذها وموقعها، وهو ما يعني سقوط كل حساباتها الداخلية وتدمير علاقاتها داخل مكونات بنت خطط دمجها وتوحيدها منذ سنوات.

تدرك “قسد” أن كل خيار تعتمده سيكون له تبعاته وارتداداته على مشروعها السياسي وطموحاتها الإقليمية، سواء تعلق الأمر بالدفاع عن الدولة السورية، أو الحفاظ على حيادها التقليدي، أو الانخراط في المعركة إلى جانب إسرائيل. ورغم ذلك، قد يكون هناك سيناريو رابع تلجأ إليه “قسد” ، وتصنعه بنفسها لنفسها وهي تبحث عن محاولة موازنة علاقاتها في الداخل وتبديل نظرة البعض في الخارج.

تتصرف إسرائيل وفق استراتيجية طويلة المدى، تسعى من خلالها لتثبيت نفوذها في سوريا عبر استغلال المكونات المحلية والضغط على دمشق للقبول بصفقات أمنية وسياسية محددة. يهدف التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل إلى تغيير قواعد الاشتباك وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تفاهمات سياسية.

أما دمشق، فهي تعمل على ضبط الحدود، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإغلاق الثغرات التي قد تستغلها إسرائيل أو أي طرف آخر لتفتيت السيادة السورية. تراقب تركيا، من جهتها، الموقف عن كثب، موازنة بين مصالحها الإقليمية والضغوط الدولية، ومحاولة تقييم ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية ستفتح المجال لتفاهمات جديدة أم لصراع مفتوح. في حين تواصل واشنطن لعب دور الوسيط، محاولة الحفاظ على توازن القوى بين حلفائها وضمان نجاح خطتها الإقليمية الجديدة، من دون أن تغفل عن المخاطر التي قد تنجم عن أي تصعيد.

ستجد “قسد”  أمام هذا المشهد السوري –الإقليمي الجديد صعوبة في الاستفادة من التوازنات التي أعطتها ما تريد لسنوات، لأن هذا التحول في المعادلات والمواقف الإقليمية، الذي بدأ بدونها، يحد بشكل كبير من فرصها للمناورة والتمسك بخياراتها ما عليها أن تفعله بعد الآن ليس خطوات تكتيكية، بل خيارات استراتيجية تحدد مستقبل مشروعها السياسي وطموحاتها الإقليمية.

الخيارات المتاحة أمام “قسد” ليست سهلة، وكل خيار يحمل تبعات سياسية وعسكرية واضحة ويعيد رسم الخرائط على حسابها. فكيف ستوازن بين مصالحها قصيرة المدى وطموحاتها السياسية والإقليمية؟

أي موقف ستتبناه سيعيد رسم حدود نفوذها ويؤثر في تحالفاتها وحساباتها الداخلية والخارجية. الخيارات أمامها محدودة، لكنها ليست معدومة.

الزمن الذي صنعت فيه “قسد”  فائض القوة قد انتهى

تلفزيون سوريا

——————————-

هتاف في عرض عسكري/ حايد حايد

15 ديسمبر 2025

في الذكرى الأولى للإطاحة بنظام الأسد، لم تكن دمشق تشبه في شيء المدينة التي عرفتها ذات يوم. تدفقت الحشود إلى الشوارع حتى ساعات متأخرة من الليل. صدحت الموسيقى من المقاهي، وتسللت من السيارات التي جابت شوارع المدينة بلا كلل أو توقف، وارتفعت من منصات مؤقتة، جاذبة المحتفلين إلى رقصات عفوية، لتضفي على المدينة أجواء احتفالية. وللحظة وجيزة، بدا وكأن السوريين يحاولون إطلاق العنان لعقود من الفرح المكبوت دفعة واحدة.

ومع ذلك، وسط كل هذا الضجيج والفرح، شق الهواءَ هتاف واحد بدا مميزا ولافتا خلال عرض عسكري رسمي، توعدت مجموعة من الجنود بأن تراق دماء عدوها فتجري كالأنهار، في إشارة واضحة إلى إسرائيل. وكان لتلك الكلمات وقع أكثر حدة من الاحتفال المحيط بها.

قبل عام واحد فقط، ما كان لهذا الهتاف أن يجذب أي انتباه أو يثير أي اهتمام. فقد كانت سوريا وإسرائيل تعيشان في حالة من “العداء المجمد” لفترة طويلة، فالصراع بينهما متأصل ومعلّق دون حل، والخطاب التحريضي أمر معتاد ولا يحمل أهمية تذكر. أما اليوم، فالوضع مختلف.

منذ وصولها إلى السلطة، حاولت السلطات الانتقالية جاهدة أن تتجنب الظهور بمظهر التهديد لإسرائيل، كما أنها دخلت معها في مفاوضات حساسة تهدف إلى خفض حدة التوتر. وفي ظل هذه الخلفية، كان سماع وحدة عسكرية رسمية تردد هتافات تعيد إحياء خطاب سفك الدماء كسقوط حجر في مياه راكدة.

وما لبث أن أثار هذا الحجر موجات متلاحقة من التداعيات. انتشرت مقاطع فيديو للهتاف كالنار في الهشيم بين المشككين بنظام دمشق الجديد في إسرائيل وخارجها، واستغلوه كدليل على عدم إمكانية الوثوق بالسلطات الانتقالية.

وسواء كان المقصود من هذا الهتاف أن يكون تحديا للرئيس أحمد الشرع أم لا، فقد كشف عن صدع في سياسة ضبط النفس؛ صدع سوف يتسع أكثر ويخرج عن السيطرة إذا تعثرت المحادثات وتواصلت الضربات الإسرائيلية.

جاء الهتاف تعبيرا عن التضامن مع فلسطين، وبدأ بالإشارة إلى غزة، ليبلغ ذروته بتعهد بتحويل الجثث إلى ذخيرة وجعل دماء العدو تتدفق كالأنهار. الشعار بحد ذاته مألوف (واعمل من دمك أنهار) متجذر في المظاهرات العامة منذ زمن طويل، وكثيرا ما يتردد في العروض العسكرية التي تنظمها الفصائل الفلسطينية، بما فيها الجناح العسكري لحركة “حماس”.

إلا أنه اكتسب أهمية إضافية بسبب الخلفية والسياق الذي جاء خلاله. فهو لم يكن مجرد شعار عابر يردده صوت واحد، ولا لحظة ثانوية على هامش الاحتفالات. بل كان جزءا أساسيا من الحدث الرئيس ليوم التحرير الرسمي: عرض عسكري في العاصمة، مصمم بدقة وتأنٍ لإبراز قوة الدولة.

وزاد الحضور من أهمية الهتاف. فقد حضر العرضَ العسكري الرئيس الشرع برفقة شخصيات بارزة من مختلف أطياف القيادة الانتقالية. وفي ذاك السياق، لا يمكن اعتبار أي شيء عرضيا أو عفويا.

شكّل الهتاف تناقضا حادا مع موقف الحكومة تجاه إسرائيل، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول مدى سيطرة الشرع. وبالنسبة لكثير من المراقبين، عزّز الشكوك حول ما إذا كان يفرض سيطرة كاملة على القوات العاملة حاليا تحت راية الدولة. وقد واجهت السلطات الانتقالية صعوبات جمة في فرض انضباط موحد على الهيكل العسكري الذي أنشئ بسرعة من عدة جماعات مسلحة متباينة. فكان الاندماج غير متكافئ، والولاءات متداخلة، وما زالت ثقافة القيادة في حالة تغير مستمر.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن هذا الهتاف يدل على ما هو أكثر من تهاون بسيط في الانضباط. ففي بعض أوساط المؤسسة العسكرية، ينظر البعض إلى المفاوضات مع إسرائيل على أنها سابقة لأوانها أو مهينة. ومع تصاعد الاستياء تجاه إسرائيل وسط الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية ووقوع الضحايا بين الحين والآخر، ربما كان الهتاف وسيلة للتعبير عن الإحباط من نهج الشرع المتحفظ نسبيا. والتاريخ حافل بأمثلة تروي لنا كيف ترسل قوى الدولة المنقسمة داخليا إشارات متناقضة.

انزلاق الضوابط

وسواء كان الهتاف عرضيا أم مقصودا، سرعان ما أصبح التمييز بين الأمرين ثانويا. حيث تعامل المسؤولون الإسرائيليون مع الهتاف باعتباره تصعيدا. وبالنسبة للمشككين في عملية الانتقال في سوريا، فقد تحول إلى سلاح سياسي، استشهدوا به كدليل على أن دمشق ما زالت متحالفة مع جماعات مسلحة تُكن العداء لإسرائيل، وأن أي تواصل مع الشرع قائم على الوهم. وذكرت التقارير أن شخصيات بارزة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية اجتمعت خلال ساعات لتقييم تداعيات مقطع الفيديو ذاك.

وأشار بعض المسؤولين إلى أنه لا بد من توجيه “رسائل شديدة اللهجة” إلى دمشق، للمطالبة بتوضيح وإدانة. وذهب آخرون إلى ما هو أبعد، حيث نشر وزير شؤون الشتات الإسرائيلي الفيديو على الملأ، معلنا أنه “لا مفر من الحرب”. وأبرزت سرعة انتشار المقطع، والتصعيد المتسارع للخطاب الذي أعقبه، مدى هشاشة الوضع الراهن.

من جانبها، لم تقدم دمشق أي تفسير للهتاف أو إدانة علنية له، على الرغم من المطالبات الإسرائيلية. ويعكس هذا الصمت معضلة استراتيجية حقيقية. فالتحرك السريع نحو النأي بالقيادة عن الحادثة قد يوحي بقمع ما يعتبره كثير من السوريين غضبا مشروعا إزاء تصرفات إسرائيل في سوريا وخارجها، الأمر الذي قد يصب الوقود على نار الاستياء. إلا أن التقاعس عن اتخاذ أي إجراء ينطوي على مخاطر لا يستهان بها، فهو يسمح للجهات الفاعلة الداخلية بتقويض المفاوضات وتشكيل سياسة البلاد بدلا من الالتزام بها.

في الوقت الراهن، ربما يأمل الرئيس الشرع أن تتلاشى هذه الأزمة من تلقاء نفسها، وأن لا تعدو كونها ضجيجا سيتبدد بمجرد التوصل إلى اتفاق. بيد أن هذا الأمل معلق على تقدم لا يزال ضبابيا. وإذا استمرت المفاوضات في التعثر وتواصلت الضربات الإسرائيلية، فسوف يصبح ضبط النفس أكثر صعوبة. وستتعمق مشاعر الاستياء في الداخل السوري، وتتسع الثغرات في استراتيجية الشرع وتصبح أكثر وضوحا.

وتكشف هذه الحادثة عن التحدي الحقيقي الذي يواجه القيادة الانتقالية في سوريا: الحفاظ على المفاوضات الحساسة في الخارج مع احتواء الضغوط المتزايدة في الداخل. وفي منطقة تتقدم فيها الرمزية على التصعيد في كثير من الأحيان، سوف تمتد تكلفة المحادثات المتعثرة إلى ما هو أبعد من الشلل الدبلوماسي. وبالنسبة لسوريا، ينطوي ذلك على خطر تعزيز نفوذ الجهات المتشددة وتقويض المرحلة الانتقالية الهشة أصلا.

وعلى نطاق أوسع، يهدد هذا الوضع بتقويض ضبط النفس الذي منع حتى الآن اندلاع أي مواجهة أوسع، ليتم استبداله بحلقة مألوفة من الاستفزاز والرد يصعب على معظم الأطراف الفاعلة السيطرة عليها كليا. ولن تتوقف الآثار والتداعيات عند الحدود السورية-الإسرائيلية، بل ستمتد لتشمل المنطقة بأسرها، وتجرها مرة أخرى نحو نمط مألوف من الريبة وانعدام اليقين، في الوقت الذي بدأ فيه الكثيرون يعقدون الآمال حول قيام نظام جديد.

المجلة

————————————-

السويداء والدولة السورية: صدام الثقة وحدود الحلول/ محمود خلف الديري

15 ديسمبر 2025

تقع محافظة السويداء في جنوب سورية، وتُعرف بوصفها المعقل الرئيسي للطائفة الدرزية داخل البلاد. وعلى مدى السنوات الماضية، تحوّلت العلاقة بين السويداء ومركز الدولة من حالة هشة من التفاهم السلبي إلى صدامات مفتوحة تارة، وتفاوض حذر تارة أخرى. ومنذ منتصف عام 2025، تصاعدت الأحداث في المحافظة إلى مستوى أوسع من العنف والمساءلة، ما يفرض طرح سؤال مركزي: إلى أين تتجه العلاقة بين الحكومة السورية وسكان السويداء في المستقبلين القريب والمتوسّط؟

خلفية موجزة: جذور التوترات وأحداث 2025

لم تكن الاحتكاكات في السويداء حدثاً طارئاً أو وليد لحظة عابرة، غير أنّ صيف 2025 شكّل منعطفاً حاسماً نقل التوترات من نطاقها المحلي المحدود إلى مواجهة مفتوحة ذات أبعاد أمنية وسياسية معقّدة. فقد خرجت الاشتباكات بين مجموعات درزية ومجموعات قبلية عن إطار النزاعات الاجتماعية التقليدية، لتتحول إلى مواجهات دامية خلّفت قتلى وجرحى، وأدّت إلى موجات نزوح واسعة، ما وضع المحافظة أمام واحدة من أخطر أزماتها منذ سنوات.

وأدّى تضارب الأرقام والروايات حول أعداد الضحايا والمهجّرين، إلى جانب تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، إلى تحويل الحدث إلى ملف مشحون يتجاوز كونه صراعاً محلياً، ليغدو قضية وطنية تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالرهانات السياسية. وفي هذا السياق، لم تعد السويداء مجرد ساحة اضطراب داخلي، بل تحوّلت إلى نقطة اختبار لقدرة الدولة على إدارة التنوع واحتواء الأزمات، من دون الانزلاق إلى منطق العقاب الجماعي أو الاعتماد على المقاربات العسكرية الصِرفة.

وبالتوازي، سعت الحكومة المركزية إلى إعادة فرض السيطرة النظامية عبر سلسلة من الإجراءات الأمنية والسياسية، تُوّجت بالإعلان عن خريطة طريق لإعادة دمج السويداء تدريجياً ضمن البنية المؤسسية للدولة، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، مع تعهدات بتحقيق العدالة وتعويض المتضررين وفتح تحقيقات في الانتهاكات التي رافقت الأحداث. غير أنّ هذه الخطوات، على أهميتها الشكلية، اصطدمت بحاجز انعدام الثقة المتراكم، ولا سيما في ظل اتهامات بوقوع عمليات انتقامية واستخدام القوة المفرطة، ما عزّز شعوراً واسعاً لدى قطاعات من السكان بأن المقاربة المتّبعة تعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها.

العناصر المؤثرة في مسار العلاقة

    الجانب الأمني: إن وجود تشكيلات محلية مسلّحة، مثل ما يُعرف بـ”الحرس الوطني الدرزي” أو مجموعات محلية أخرى، في مقابل قوات أمن مركزية، يجعل أي حل عسكري “نهائي” صعب التحقيق من دون كلفة إنسانية وسياسية كبيرة. وقد استمرت الاشتباكات المتقطعة حتى أواخر عام 2025، بما يكشف هشاشة أي هدنة قائمة.

    الشرعية والثقة: تقوّض معاناة المدنيين والتقارير عن انتهاكات أو عمليات انتقام أي خطاب حكومي يتحدث عن “إعادة دمج طوعية”. وبناء ثقة حقيقية يتطلب خطوات ملموسة في مجال العدالة الانتقالية، وحماية حقوق الضحايا، وتقديم ضمانات واضحة بعدم التمييز.

    الأمن الإقليمي والدولي: أدّت تدخلات جهات إقليمية، واهتمام منظمات تُعنى بشؤون الأقليات، إلى إضفاء بعد خارجي على ملف السويداء. كما نادى زعماء دروز من دول الجوار بآليات حماية وبإشراك المجتمع الدولي في الضغط من أجل تسوية تحفظ الحقوق. هذه العوامل تضيف متغيرات جديدة إلى قدرة دمشق على المراهنة على الحل الأمني وحده.

    الإدارة المحلية والاقتصاد: يفاقم تدهور الخدمات والوضع الاقتصادي المحلي حدة الضغط الاجتماعي، وقد يتحول هذا الضغط إلى انفجار سياسي إذا لم تُعالَج الملفات المعيشية بسرعة وبحساسية تراعي خصوصية المجتمع المحلي.

سيناريوهات مستقبلية محتملة

    الاندماج الحذر تحت سقف الدولة (سيناريو الإصلاح الجزئي): تواصل الحكومة تنفيذ خريطة الطريق عبر تفعيل مؤسسات الدولة، وفتح تحقيقات توصف بأنها “رمزية”، قد تُترجم بتعيينات محلية ووعود بتعويضات محدودة، مع انتشار قوات أمنية مركزية لضبط المشهد. يفضي هذا المسار إلى استقرار نسبي، لكنه يبقى هشّاً ما لم تتغير عناصر الثقة والعدالة أو تُمنح ضمانات مؤسسية للأمن المحلي. وقد يمنع هذا السيناريو تصعيداً أكبر أو نزعات انفصالية، لكنه لا يعالج جذور الشكوك المتراكمة.

    تفكيك جزئي للحل الأمني وتهيئة حكم محلي موسّع (سيناريو اللامركزية التفاوضية): يقوم هذا السيناريو على اتفاق بين دمشق وممثلين محليين دروز على صيغة من اللامركزية الأمنية والإدارية، تشمل قوات محلية تُدار بدرجة من الاستقلال تحت رقابة مركزية، إلى جانب برنامج تنمية اقتصادي يخفف الضغوط المعيشية. يتطلب هذا الخيار ضمانات دولية أو وساطة محايدة، إضافة إلى توافق ديني–قبلي محلي، وقد يسهم تدريجياً في إعادة بناء الثقة، لكنه لا يحظى بقبول فوري لدى بعض الدوائر الأمنية المركزية التي تخشى فقدان النفوذ.

    تفاقم الصراع والدخول في دوامة عنف طويلة الأمد (السيناريو الأسوأ): قد يؤدي استمرار الخروقات الأمنية، وما يقابلها من ردود فعل مسلحة للفصائل المحلية، إلى توسيع دائرة العنف والتهجير، مع مخاطر تدخلات خارجية أو استغلال الملف من قبل جهات إقليمية. يحمل هذا السيناريو كلفة إنسانية وسياسية باهظة، ويُضعف أي فرصة مستقبلية لإعادة بناء مؤسسات موثوقة.

مقترحات عملية لتيسير علاقة أكثر استقراراً

    تحقيقات مستقلة وشفافة: تشكيل لجنة تحقيق وطنية أو مستقلة تضم ممثلين محليين وخبراء دوليين لتقصي أحداث صيف 2025 ومنع الإفلات من العقاب، على أن تكون نتائجها قابلة للتحقق والتصديق.

    ضمانات أمنية محلية: اعتماد صيغة هجينة تسمح بوجود تشكيلات أمنية محلية منضبطة قانونياً ضمن إطار رقابي مركزي، بما يمنع الفراغ الأمني أو هيمنة طرف واحد.

    برنامج إعادة إعمار وتنمية: التركيز العاجل على الخدمات الأساسية، مثل الصحة والمياه والتعليم وفرص العمل، لتجنّب انفجار اجتماعي جديد.

    حوار سياسي وطائفي: إشراك القيادات الدينية والمجتمعية الدرزية في حوار دائم مع الدولة، بما يساهم في تهدئة المخاوف من التهميش أو الانتقام، ويضبط توقعات الطرفين.

إن مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية ومحافظة السويداء ليس محسوماً بعد، إذ يعتمد المسار بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف على تغيير قواعد التفاعل من منطق الأمن والقوة إلى منطق الحقوق والضمانات. فإذا نجحت دمشق في تقديم خطوات حقيقية قابلة للقياس في مجالات العدالة والحماية والتنمية، مع مشاركة محلية فعلية، تبرز فرصة لاستقرار طويل الأمد. أمّا إذا استمرت المقاربات الأمنية التقليدية من دون معالجة سياسية واجتماعية شاملة، فستظل السويداء بؤرة توتر تهدّد استقرار الجنوب السوري على نطاق أوسع.

والخلاصة أن أي حل مستدام لن ينجح إلا من خلال توازن دقيق بين ضمانات أمنية تحمي الجميع، وإصلاحات سياسية ومجتمعية تبني ثقة جديدة.

العربي الجديد

——————————–

عن أرض الصومال وجبل باشان وزوبعة توم برّاك/ وسام سعادة

12 – ديسمبر – 2025

شهد كاتبُ هذه السطور في الأسابيع الخوالي استياء طالبة جامعية في بيروت، عند المناداة عليها لاستلام شهادتها في حفل تخرج، من التعريف بها على أنها قادمة من الصومال، ومسارعتها الى تصويب الأمر على أنها مواطنة من «أرض الصومال». الكيان غير المعترف به دولياً الى الحين، إنما الذي تُخاطر كلٌ من ادارة دونالد ترامب والحكومتين البريطانية والأثيوبية بالاعتراف به، مقابل استضافة قاعدة عسكرية بالنسبة للأمريكيين، وعلى أساس العلاقة الكولونيالية التاريخية مع هذه المستعمرة السابقة بالنسبة الى الانكليز، وفي مقابل منفذ بحري بالنسبة الى أثيوبيا التي فقدت واجهتها البحرية بعد انفصال إريتريا عنها.

في المقابل، تتصدى الصين لأي تكريس لانفصال صوماليلاند عن بقية الصومال، لأن في مثل هذه الخطوة تسويغ لانفصال تايوان عن برّ الصين.

لم تكد تمر مشهدية هذا الاستياء الذي يختزن ما في ذاكرة «الأرض صوماليين» – سكان المستعمرة البريطانية السابقة من احتقان تجاه الصومال – المستعمرة الإيطالية السابقة، حتى جاء اختبار شبيه، عبر مواقع التواصل هذه المرة: اداء لأغنية فهد بلان «عا البال بعدك يا سهل حوران» إنما من بعد إدخال تعديل على الكلمات لتصبح «يا جبل باشان».

وباشان مصطلح جغرافي تقريبي توراتي، يمتد ليشمل من الجولان وحوران الى شمالي غرب الأردن الحالي، الاقليم المناط بـ»عوج ملك باشان من بقية الرفائيين» كما جاء في العهد القديم، والناحية المعطاة لسبط منسى في القسمة بين أسباط بني إسرائيل، وهو المجال الموافق لمُلك الغساسنة في العصر القديم المتأخر، وربما كانت «بيسان» هي تحوير لباشان. لكن الاسم لم يعد استخدامه خارج حقل الدراسات التوراتية في حديث العهود الا حين أطلقت اسرائيل على توغلاتها في سوريا بعد سقوط نظام آل الأسد تسمية «عملية سيف باشان». كان هذا قبل أن تعتمده جماعة الشيخ حكمت الهجري في إثر الأحداث التنكيلية بدروز السويداء اسماً لكيان «دولة جبل باشان»، التي لم يعرف بعد إن كانت تعني محافظة السويداء فحسب، وحينها ما مصير دروز جرمانا وصحنايا؟ ليس قليلاً أنه بعد ثنائية تسميَتي «جبل الدروز» و»جبل العرب» يتم اعتماد تسمية جبل باشان في مئوية الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من السويداء لتمتد الى دمشق. هذه الثورة السورية الكبرى لعام 1925 قلّما جرى الاشتغال بعقلية بحثية جدية على التمييز بصددها بين حيثياتها التاريخية وبين الأساطير المنسوجة حولها، وإنْ كانت قد أظهرت بحد ذاتها هشاشة التقسيم الاستعماري الفرنسي لسوريا بين دول إدارية على أساس مناطقي أو طائفي، مثلما أظهرت هشاشة التجاوز الفعلي لهذه التقسيمات وطغيان منطق أنّ الجماعات الأهلية في هذه البلاد إما تكون متغلّبة أو مَغلُوبة، ليس هناك من احتمال ثالث. وبما أن جمهور الدروز السوريين لم يفهم لماذا ارتدّ انقلاب التغلب من فئة الى أخرى في دمشق اجتياحاً لمناطقهم، وتحريقا لقراهم، مع أنهم ما كانوا محسوبين بالكلية على التغلب المتداعي، فقد زكّى ذلك لدى جزء مُعتبر منهم خيار الانفصال الفوري، من جانب واحد، على اعتبار أن لا عقد اجتماعياً – وطنياً سورياً يمكن ارتجاؤه من الآن فصاعداً، لتنضّم باشان العتيدة الى لفيف من الكيانات المعلنة من جانب واحد في غير مكان من العالم، ولتُقارن على الأرض السورية بكيان روجافا / قسد. وهذا شأن صوماليلاند قبل سواها. مع أن مساحة جمهورية أرض الصومال تقترب من مساحة سوريا بأكملها في مقابل عدد سكان قريب من نظيره في لبنان.

    ليس قليلاً أنه بعد ثنائية تسميتي «جبل الدروز» و»جبل العرب» يتم اعتماد تسمية جبل باشان في مئوية الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من السويداء لتمتد الى دمشق

ثلاثة عقود ونصف تفصل بين انفصال أرض الصومال والتعديل على أغنية فهد بلان. هناك من استشاط غضباً لأنه جرى تحريف الأغنية من سهل حوران الى جبل باشان، وهناك من ذكّر بالهوية الدرزية للفنان السوري، معتبراً أنه اذاك فنان «باشاني» ولو بمفعول رجعي.

لم تتبدل في هذه الحقبة من التاريخ – بين ظهور أرض الصومال وظهور دولة جبل باشان – خرائط الشرق الأوسط على نحو واسع رسمياً، باستثناء استقلال جنوب السودان. لكن الدول الوطنية اضمحلّت من الصومال الى العراق فسوريا فاليمن فليبيا ومن ثم السودان مجدداً، بنتيجة الحروب الأهلية والتدخلات الاستعمارية الجديدة المباشرة ، وبنتيجة المكابرة على التعدديات الاثنية والدينية والمناطقية من جهة، أو تعظيمها على نحو جوهراني، انطوائي.

باستثناء مصر وتونس والمغرب لا يبدو أن الدولة – الأمة قد نجح زرعها في البلدان المنتسبة الى جامعة الدول العربية. في الوقت نفسه، المراجعة الخرائطية الكبرى لم تحدث بعد، وثمة عراقيل كثيرة تحول دونها. أما الفدرالية، التي لم تعد كلمة «تابو» منذ الإقرار الدستوري العراقي بها بعد الإسقاط الأمريكي لصدام حسين، والتي لم تُفلح محاولة الاقلاع بها لا في العراق، ولا في اليمن، ولا في السودان، رغم الإقرار الرسمي لها أو استحسانها، فإنها لا تزال مفهوماً لم ينشط بالحد الكافي كي يكون مدخلاً للحل الوطني الديموقراطي في أوضاع معظم بلدان المنطقة. «عسر هضم» الفدرالية هنا، واستمرار رجمها هناك، أعاد تزكية النزعات الانفصالية.

المفارقة أنه، في وقت تنتعش فيه هذه النزعات، من دارفور الى باشان الى روجافا، فان المبعوث الترامبي الخاص توم برّاك، اللبناني الأصل، لا يترك مناسبة الا ويتطرق فيها لأهمية مراجعة «نظام التجزئة» الذي يفصل لبنان عن سوريا. وهذا فتح الباب لبنانياً للتندر، ومقارنة كلام برّاك مع أدبيات القوميين الاجتماعيين. هذا ما يدفع لإعادة قراءة ما كتبه انطون سعادة قبل قرن من الآن ونيّف، في مقالته «سقوط الولايات المتحدة من عالم الإنسانية الأدبي» – يقصد الأخلاقي بمصطلحات اليوم. حيث كتب: «الولايات المتحدة هي الدولة التي كان يرجو العالم أن تكون صلة التفاهم السياسي والأدبي بين الشرق والغرب، فخيّبت رجاءه بصورة محزنة جداً. والشرق الذي كان يعتبر الولايات المتحدة صديقة له، يرى الآن أنّ هذه الصديقة لا تَفرق في شيء عن أخواتها الغربيات الطامعات في التلذذ بالاستعمار والاستعباد. فإذا نفر الشرقيون من الولايات المتحدة بعد ما بدا لهم منها، فالذنب في ذلك ليس ذنبهم، بل هو ذنب الولايات المتحدة وحدها.

فالشرق كان يريد أن يحب الولايات المتحدة وأن يحتفظ بصداقتها، ولكنها هي التي صرمت حبال المحبة وأبت أن تكون محبوبة ومحترمة من الشرقيين.» كانت الخيبة وقتها، لأن أمريكا وبعد اتصالها بمبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، ومبادئ الرئيس ويلسون، ارتضت بالتقسيم الكولونيالي للمشرق بين الفرنسيين والانكليز. اذا؟ هل يوحي توم برّاك، بهذا المعيار، لشبهة عودة الولايات المتحدة الى «عالم الإنسانية الأدبي»؟ بل يوحي، أكثر ما يوحي بالتعادل والتماثل بين خطاب التشكيك في واقعية الفصل الكياني بين سوريا ولبنان وخطاب تسويغ النزعات الانفصالية كما خطاب الوحدات الوطنية الفاقدة لشروطها أو المتطلعة عبثاً الى تحقيق ذاتها بالتغلب الفئوي. لكن هذا التماثل ليس مطلقاً.

إذا كان أهل الصومال البريطاني السابق، أرض الصومال، يشعرون فعلا بأنهم استُعمروا بعد الاستقلال الوطني عن الاستعمار من قبل الصومال الايطالي السابق، فمعنى هذا أنه، ومنذ رحيل المستعمر القادم من وراء البحار، وهذه المجتمعات تزاول لعبة من يرث المستعمر من بين السكان الأصليين يا ترى. بدل خطابية استعمار في مقابل تحرر وطني، صرنا الى وضعية جماعات تستشعر الواحدة أنها إمّا ضحية استعمار فئة بلدية أخرى، وإمّا منتدبة لتحرير الفئات الأخرى، من نفسها في غالب الأحيان، ورغما عنها بطبيعة الحال.

 كاتب من لبنان

 القدس العربي

————————–

توتر متصاعد في سوريا مع زيادة التوسع الإسرائيلي

دمشق: «الشرق الأوسط»

15 ديسمبر 2025 م

تزداد حدة التوتر على الحدود السورية – الإسرائيلية مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، لا سيما في الجنوب الغربي للبلاد. ففي قرية بيت جن، استفاق الأهالي، الشهر الماضي، على أصوات اشتباكات وانفجارات، انتهت بمقتل 13 مدنياً، بينهم 5 من عائلة واحدة، وفق روايات السكان المحليين.

وقالت إسرائيل إن العملية استهدفت عناصر مسلحة كانت تخطط لهجمات عبر الحدود، بينما نفى الأهالي وجود مسلحين، معتبرين ما جرى اعتداءً مباشراً على قريتهم.

هذه العملية، وغيرها من التحركات الإسرائيلية الأخيرة داخل سوريا، أدت إلى تعقيد المشهد الإقليمي، وأجهضت أي حديث عن تقارب محتمل بين دمشق وتل أبيب، رغم وجود ضغوط أميركية في هذا الاتجاه، حسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

فبعد سقوط نظام بشار الأسد، أواخر العام الماضي، وصعود قيادة جديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع، برزت إشارات حذرة إلى رغبة سورية في عدم الانخراط في صراع مع إسرائيل، إلا أن تل أبيب أبدت شكوكاً عميقة حيال القيادة الجديدة.

إسرائيل تعزز وجودها

ميدانياً، عززت إسرائيل وجودها داخل المنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة قرب الجولان، وأقامت نقاط تفتيش ومنشآت عسكرية ومهابط مروحيات، خصوصاً في مناطق استراتيجية مثل جبل الشيخ. وتؤكد إسرائيل أن هذا الوجود مؤقت، ويهدف لمنع تهديدات أمنية، لكنها لم تقدم جدولاً زمنياً للانسحاب.

في المقابل، يخشى سوريون أن تكون هذه التحركات مقدمة لفرض أمر واقع دائم، مستشهدين بتجربتي جنوب لبنان وغزة، حيث ما زالت إسرائيل تحتفظ بمناطق عازلة ونقاط عسكرية. كما تزامنت هذه التطورات مع أزمات داخلية سورية معقدة، أبرزها التوترات في السويداء وتعثر التفاهم بين الدولة السورية والقوى الكردية.

انتقادات متزايدة لسياسة تل أبيب

دولياً، تواجه السياسة الإسرائيلية انتقادات متزايدة، حتى من واشنطن، التي تدعم توحيد الدولة السورية. ورغم ذلك، يستبعد خبراء أي انسحاب إسرائيلي قريب، في ظل اختلال موازين القوى؛ ما يترك المدنيين في الجنوب السوري عرضة لأخطار أمنية.

يقول قاسم حمادة، العامل من قرية بيت جن السورية، إنه لم يعد يحتمل الوضع بعد أن فقد 5 من أفراد عائلته في هجوم إسرائيلي.

وأضاف أن إسرائيل «تضرب حيثما ترغب، وتدمر ما ترغب، وتقتل من ترغب، ولا أحد يحاسبها».

الشرق الأوسط

———————————

=======================

تحديث 13 كانون الأول 2025

———————————

 اتفاق بلا سلام ولا حرب.. ما الذي تريده إسرائيل من الترتيبات الأمنية مع سوريا؟/ باسل المحمد

2025.12.12

تسارعت في الأشهر الأخيرة التسريبات والتقارير التي تتحدث عن اقتراب تفاهم أمني بين سوريا وإسرائيل، وسط ضبابية كثيفة تحيط بطبيعة الاتصالات التي تجري برعاية الولايات المتحدة.وفي حين تتحدث وسائل إعلام غربية وعبرية عن محادثات “متقدمة” قد تفضي إلى اتفاق يحدّ من الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات داخل الأراضي السورية، خرج مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس الأربعاء لينفي بشكل قاطع التوصل إلى أي اتفاق أو تفاهم حتى الآن، مؤكداً أن ما جرى لا يتجاوز “مناقشات أولية” ضمن مسار دبلوماسي أوسع تقوده واشنطن لإعادة تركيب المشهد الأمني في المنطقة.

غير أنّ هذا النفي الرسمي لا يلغي المعطيات التي كشفتها وسائل إعلام عبرية، إضافة إلى التصريحات السابقة لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، والتي أكدت وجود اتصالات أمنية تناولت ملامح تسوية محتملة على الحدود الشمالية.

وأمام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتضارب تصريحات المسؤولين الإسرائيلية حول اقتراب التوصل لتفاهم مع الجانب السوري يبرز السؤال التالي: هل تبحث إسرائيل عن اتفاق يضبط قواعد الاشتباك فقط؟ أم عن صيغة تسمح لها بالحفاظ على تفوقها الأمني وتوسيع هامش نفوذها في الجنوب السوري؟ أم أن هناك نموذج آخر تسعى إليه دولة الاحتلال لإدارة علاقتها مع سوريا؟

الأمن مقابل الأمن

على خلاف نماذج التفاوض التقليدية التي حكمت العلاقة السورية–الإسرائيلية لعقود، لا تبدو تل أبيب معنية اليوم بإحياء معادلة “الأرض مقابل السلام”، بل تتجه نحو صيغة مختلفة جوهرياً تقوم على “الأمن مقابل الأمن”، مستغلة في ذلك حالة الهشاشة التي تعاني منها سوريا على جميع المستويات بعد سقوط النظام المخلوع.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل تعتمد إدارة صراع محسوبة تهدف إلى إبقاء سوريا في حالة ضعف وتشرذم، وترسيخ نفوذ أمني مباشر وغير مباشر داخل الجنوب السوري.

هذا الموقف عبر عنه بوضوح الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تامير هيمان في تصريحات سابقة قائلاً إن “الفوضى في سوريا مفيدة بالنسبة لإسرائيل، وأضاف “دعهم يتقاتلون مع بعضهم البعض” في إشارة إلى التوترات التي تشهدها الساحة السورية بعد سقوط النظام.

وفي هذا السياق يرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأميركية رائج أبو بدوية أن إسرائيل التي كانت تفاوض دمشق خلال التسعينيات على تسوية تستند على مبدأ “الأرض مقابل السلام” في ملف الجولان، انتقلت اليوم إلى مقاربة مختلف تماما بعد تغير خرائط السيطرة عقب سقوط النظام.

ويشير أبو بدوية إلى أن تل أبيب باتت تركّز على تثبيت تفوقها الأمني عبر اشتراطات واضحة، يأتي في مقدمتها إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، وهي صيغة تمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً واسعاً، وتمنع أي وجود عسكري سوري أو إقليمي في محيط الحدود، وتتيح لها أو لوكلائها المحليين الاحتفاظ بنقاط نفوذ مختارة، إلى جانب ضمان حرية حركة للطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية.

ويشبّه أبو بدوية هذه المقاربة بما فعلته إسرائيل سابقاً عبر “الشريط الأمني” في جنوبي لبنان (1982–2000)، لكنه يشدّد على أن النسخة السورية تبدو أعمق وأوسع، وتعتمد على قبول دولي ضمني بوجود “منطقة أمنية” تضمن لتل أبيب تفوقاً طويل الأمد داخل الجغرافيا السورية.

من ناحيته يؤكد الباحث صادق أبو عامر رئيس مجموعة الحوار الفلسطيني أن العلاقة الإسرائيلية مع سوريا تندرج ضمن ثوابت في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، سواء قبل سقوط النظام أو بعده، وتتقاطع هذه الرؤية ضمن سياسات إسرائيل الأمنية ومفهومها للأمن القومي ليس فقط في سوريا وإنما في دول الطوق عموما.

ويضيف أبو عامر لموقع تلفزيون سوريا أن إسرائيل تستغل حالة الضعف الموجودة حالياً في سوريا، لتثيبت تفوق أمني واستخباراتي طويل الأمد، قد يتجاوز منطقة الحدود المشتركة بين البلدين إلى مناطق أخرى في العمق السوري.

“سلام” مفروض بالقوة

يرى متابعون للشأن الإسرائيلي أن المشروع الإسرائيلي الراهن في سوريا لا يقتصر على تسوية مؤقتة أو اتفاق أمني محدود، بل يتجاوز ذلك إلى سعي تل أبيب لفرض شروط تسوية من موقع قوة تصل إلى “اتفاقية سلام” بشروط إسرائيلية.

وفي هذا السياق يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة أن تل أبيب تسعى إلى فرض سلام مع سوريا يقوم على القوة والإخضاع لا على الندية والتفاهم المتبادل؛ سلام يضمن لإسرائيل تحقيق مصالحها الاستراتيجية من جهة، ويُبقي سوريا ضعيفة ومثقلة بأزماتها الداخلية من جهة أخرى.

ويؤكد هلسة لموقع تلفزيون سوريا أن النموذج الذي تريده إسرائيل يقوم على أن تبقى هي الطرف المهيمن في المنطقة؛ وأي طرف يدخل معها في اتفاق سلام لا يدخل من موقع شريك متساوٍ، بل من موقع مضطر يهدف قبل كل شيء إلى تجنّب الأذى والسطوة الإسرائيلية.

ويظهر هذا المنطق في التسريبات السياسية الإسرائيلية التي تحدثت، في تشرين الثاني الماضي، عن وصول المفاوضات مع دمشق إلى “طريق مسدود” بسبب رفض إسرائيل الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتمسكها في المقابل بصيغة لا تقبل سوى انسحابات محدودة مقابل “اتفاق سلام شامل” مع سوريا، لا مجرد ترتيب أمني محدود.

وأوضحت المصادر السياسية الإسرائيلية نفسها أن تل أبيب ترفض مطلب الرئيس السوري أحمد الشرع بالانسحاب الكامل من كل النقاط التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وتربط أي خطوة من هذا النوع بحزمة شروط أوسع تخدم رؤيتها للسلام القائم على التفوق والردع، لا على استعادة سوريا لسيادتها الكاملة.

وتتلاقى هذه القراءة مع تحليلات مراكز أبحاث إسرائيلية؛ إذ يشير تحليل لـمعهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل صدر في أيار الماضي إلى أن مقاربة إسرائيل لسوريا بعد سقوط النظام السابق تعتمد بشكل أساسي على القوة الصلبة وتوسيع منطقة عازلة في الجنوب السوري، مع التركيز على إنشاء “حزام أمني” فعلي بدل الاستثمار في مسار سياسي جاد مع القيادة السورية الجديدة، بما يكرّس إسرائيل لاعباً أمنياً متحكِّماً في الجنوب لا شريكاً في تسوية متوازنة.

اتفاق “لا حرب” برعاية أميركية

في موازاة الحديث الإسرائيلي عن اتفاقات أمنية أو ترتيبات واسعة مع سوريا، يبرز خيار ثالث تتعامل معه إسرائيل بجدية أكبر، ويتمثل في صيغة “اللاحرب، واللاسلام”، وهي مقاربة تسعى من خلالها تل أبيب إلى تثبيت الوضع القائم من دون الدخول في التزامات سياسية أو سيادية عميقة.

ويشير الباحث رائج أبو بدوية إلى أن هذا النموذج، المتوقع تنفيذه برعاية أميركية، يقوم على اتفاق “عدم اعتداء” يجنّب الطرفين التصعيد، ويمنح إسرائيل فرصة للاحتفاظ بمكاسبها الحالية من دون إعادة الجولان أو الاعتراف بسيادة سورية كاملة على الجنوب.

ويقوم هذا التصور الإسرائيلي ـ بحسب أبو بدوية ـ على جملة من المبادئ العملية منها؛ وقف العمليات العسكرية المباشرة وإبقاء التوترات تحت سقف مضبوط، الحفاظ على السيطرة في المناطق الاستراتيجية من دون التزام بانسحاب شامل، قبول سوري ضمني بالأمر الواقع عبر فتح قنوات اقتصادية وإنسانية محدودة.

أما الباحث محمد هلسة فيرى أن هذه المقاربة تتقاطع مع الرؤية الأميركية من دون أن تتطابق معها، فالإدارة الأميركية ـ خصوصاً في ظل توجهات ترمب ـ تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها فرصة لإخراجها من المحور الإيراني وضمّها إلى المحور الأميركي ـ السعودي، ما قد يوفّر لها دعماً سياسياً واقتصادياً، لكن إسرائيل رغم استفادتها من هذا السياق، تفضّل مقاربة أكثر حذراً، تُقدّم الأمن على أي اعتبارات أخرى.

ويشير هلسة إلى أن تل أبيب تنظر إلى سوريا الجديدة بقلق، مستندة في ذلك إلى الخلفية الجهادية التي جاء منها السلطة الجديدة في دمشق، وإلى رمزية مشاهد الجيش السوري وهو يهتف لغزة خلال احتفالات يوم التحرير، ما يعزز منسوب الريبة الإسرائيلية.

ونتيجة لذلك ـ يضيف هلسة ـ تميل إسرائيل إلى خيار “لا حرب” لأسباب أمنية وأسباب سياسية تتعلق بدعم واشنطن للحكومة السورية، وإلى خيار “لا سلام” بسبب افتقارها للثقة في السلطة الجديدة في دمشق، وبناءً على قراءة إسرائيلية تعتبر المشهد السوري غير مستقر ومشحوناً بخلفيات عدائية تجاهها.

وهكذا يمكن القول خيار “اللاحرب واللاسلام” يصبح بالنسبة لإسرائيل أداة لإدارة الصراع لا لحله؛ وهو صيغة توفر هدوءاً نسبياً على الحدود تحت المظلة الأميركية، وتمنح تل أبيب الوقت والمساحة لتعميق ترتيباتها الأمنية، من دون تقديم أي تنازل يمسّ جوهر تفوقها العسكري والسياسي في الجنوب السوري.

———————————

 البنزين في السويداء: أزمة مفتعلة واقتصاد ظلّ تحكمه البنادق/ فراس الحلبي

السبت 2025/12/13

في حين تبدو محطات الوقود في محافظة السويداء مغلقة أو شبه خالية من البنزين، تنتشر المادة بكثافة لافتة للانتباه على البسطات وجوانب الطرقات، وفي محطات متنقلة، بأسعار لا تقل عن ضعف السعر الرسمي. هذا المشهد اليومي يكشف جانباً من أزمة مركبة تتجاوز مسألة نقص مادة أساسية، تتضح معها ملامح خلل إداري عميق بين الحكومة السورية الانتقالية في دمشق والسلطات المحلية الناشئة في السويداء، إضافة إلى منظومة فساد متشابكة تحكمها قوى مسلحة واقتصاد موازٍ تشكّل بعد أحداث تموز.

بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية تحرير أسعار الوقود، منهيةً سنوات من التسعير القائم على شرائح مدعومة وغير مدعومة في عهد النظام السابق. مع بداية التحرير، توحّد سعر ليتر البنزين في معظم الأراضي السورية عند نحو دولار و20 سنت، باستثناء مناطق الإدارة الذاتية النفطية في شمال شرق البلاد حيث بقي السعر أدنى. في السويداء، لم تُسجّل أي أزمة مباشرة بعد التحرير، وكانت المادة متوفرة بكميات كافية، سواء للبنزين أو للمازوت.

وقود على شكل مساعدات إغاثية

لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً. أحداث تموز/يوليو، وما رافقها من اشتباكات بين القوات الحكومية والفصائل المحلية، أدت إلى تلاشي أي وجود فعلي للحكومة المركزية داخل المحافظة. ومع بروز سلطات محلية تشكّلت برعاية الشيخ حكمت الهجري، دخلت السويداء مرحلة إدارة أمر واقع. في الأيام الأولى للاشتباكات، قطعت الحكومة السورية توريدات الوقود بشكل كامل. وبعد استقرار نسبي أواخر تموز/يوليو وبدء تنفيذ وقف إطلاق النار، لم تعد التوريدات كما كانت، إذ تحوّلت المسألة إلى جزء من استعصاء سياسي وخلاف إداري مفتوح.

إحدى المفاصل الأساسية للأزمة كانت آلية ترصيد ثمن صهاريج الوقود. قبل أحداث تموز/يوليو، كان أصحاب محطات الوقود يرصّدون قيمة الطلبات في المصرف المركزي بالسويداء -يدفعون ثمنها مسبقاً- إلا أن الحكومة أوقفت أي تعامل مع فروع المصارف في المحافظة، مبرّرةً ذلك بتعرّض بعضها لعمليات سطو خلال الفوضى. لاحقاً، حاولت الحكومة حصر الترصيد في بلدة المزرعة في ريف السويداء الغربي، حيث افتتح المحافظ مصطفى بكور فرعاً للمصرف التجاري في منطقة تخضع لسيطرة القوات الحكومية. هذا الطرح قوبل برفض من أصحاب المحطات، الذين اشترطوا الترصيد في المصرف المركزي بدمشق، بدعم وضغط من اللجنة القانونية في السويداء، التي اعتبرت الخطوة محاولة لفرض أمر واقع إداري.

استمر الجمود لعدة أسابيع، وخلال هذه الفترة لم يدخل الوقود إلا على شكل مساعدات إغاثية وبكميات محدودة، ما خلق طلباً هائلاً في السوق. ومع مطلع آب/أغسطس، انفجرت السوق السوداء وبلغ سعر ليتر البنزين نحو 100 ألف ليرة سورية، في وقت كان سعره الرسمي لا يتجاوز 12,500 ليرة. هذه السوق اعتمدت على مصادر متعددة: تهريب من مناطق سيطرة الحكومة بمشاركة حواجز حكومية وحواجز للفصائل المحلية، إضافة إلى تورّط  أصحاب المحطات أنفسهم. كذلك مواطنون عاديون باتوا يسافرون إلى ريف دمشق أو درعا لتعبئة الوقود وبيعه في السويداء بأسعار مضاعفة. حتى أن بعض شاحنات نقل المساعدات شاركت في عمليات تهريب الوقود.

انفراج مؤقت

أواخر أيلول/سبتمبر، وافقت الحكومة السورية على الترصيد في المصرف المركزي بدمشق. انتظمت عملية دخول الوقود تدريجياً، وتراجعت السوق السوداء نسبياً بين نهاية أيلول/سبتمبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن هذا الانفراج كان مؤقتاً. ففي 11 تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت الحكومة السورية تخفيض أسعار الوقود، ليصبح سعر ليتر البنزين 85 سنت (نحو 10,500 ليرة)، والمازوت 75 سنت (نحو 9,000 ليرة). بالتزامن، توقفت فجأة طلبات البنزين إلى السويداء، رغم أن 35 محطة كانت قد أنجزت الترصيد في دمشق وكانت جاهزة للاستلام وفق ما ذكر مصدر في شركة المحروقات لـ”المدن”. بررت مصادر حكومية تقنين إرسال الوقود إلى السويداء بعدم قدرتها على الرقابة وتحكم قوى الأمر الواقع بالمادة وحرمان المواطنين منها.

بين 11 تشرين الثاني/نوفمبر و10 كانون الأول/ديسمبر، لم يصل إلى السويداء سوى 10 طلبات بنزين فقط، في حين تحتاج المحافظة إلى 6-8 طلبات يومياً لتغطية الطلب الفعلي. انعكست هذه الفجوة مباشرة على حياة المدنيين، الذين يضطرون لشراء البنزين بسعر 20 ألف ليرة لليتر الواحد. المشهد الأكثر تناقضاً هو انتشار البنزين على البسطات بجانب المحطات المغلقة نفسها، إضافة إلى محطات متنقلة وبنزين لبناني مهرّب، يدخل عبر طرق تخضع لسيطرة حواجز حكومية من جهة، وحواجز الحرس الوطني من جهة أخرى، ما يطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين هذه الحواجز.

محاولات معالجة غير فعّالة

محاولات السلطات المحلية -اللجنة القانونية العليا- لمعالجة الأزمة بقيت غير فعالة. فقد فرضت على أصحاب المحطات الاحتفاظ بـ1500 ليتر من كل طلب كمخزون احتياطي لا يُصرّف إلا بموافقتها، فيما خُصّص هذا المخزون عملياً لتأمين وقود الحرس الوطني بالسعر الرسمي. أما المواطن العادي، فلا يملك حق الوصول إلى هذا الاحتياطي، ويُترك أمام خيارين: انتظار طوابير قد تمتد ليومين للحصول على عشرة ليترات فقط، أو اللجوء إلى سوق سوداء مزدهرة.

وبالرغم من تسيير دوريات للأمن الداخلي التابع للسلطات المحلية، فشلت محاولات ضبط السوق السوداء. بل تحوّلت تجارة الوقود إلى نشاط مربح لأي شخص يمتلك صلة بالحرس الوطني أو الفصائل المحلية. وتشير مصادر محلية للمدن إلى أن بعض لجان الرقابة على محطات الوقود التي شكلتها اللجنة القانونية نفسها تورّطت في تسهيل تهريب نصف كميات الطلبات إلى السوق السوداء، فيما يُباع النصف الآخر بالسعر الرسمي للطوابير المصطفة.

ولا تبدو أزمة الوقود في السويداء أزمة إمداد بقدر ما هي أزمة إدارة وصراع نفوذ، حيث تحوّلت مادة حيوية إلى أداة ضغط ومصدر ربح في اقتصاد حرب مكتمل الأركان، يدفع ثمنه المدنيون وحدهم.

———————————

سوريا باتت هدفا للاستيطان الإسرائيلي والاتفاق الأمني أصبح بعيدا/ أمال شحادة

مجموعات يمينية تتحرك على الأرض في الكنيست لإنشاء المستوطنات في غزة وجنوب لبنان أيضاً

السبت 13 ديسمبر 2025

عزز الجيش الإسرائيلي انتشاره في مناطق مختلفة عند الحدود مع سوريا وأيضاً في مواقع استراتيجية أخرى في الجنوب مع التهديد بعدم تقديم أي نوع من التنازلات، بل عدم التقدم في المفاوضات حول اتفاق أمني جديد. وكما سُمح لمجموعات اليمين قبل نحو الأسبوعين بإقامة مراسم وضع حجر الأساس لمستوطنة داخل الأراضي السورية، وفُتحت هذه المرة البوابة الحدودية لهم ليدخلوا ويجولوا داخل الأرض السورية، وجعلوا هذه المنطقة مفتوحة لمختلف الصحافيين الذي تجولوا بحرية مطلقة هناك وصولاً إلى مشارف دمشق.

“نبينا موسى احتل الأرض”، “حقنا التاريخي في هذه الأرض”، “النصر يتحقق فقط بالسيطرة على هذه الأرض”، هذه عينة من الشعارات والعناوين التي أطلقتها مجموعات كبيرة من المستوطنين انطلقت في عملية اختراق الحدود والسيطرة على أراضٍ في سوريا ولبنان وغزة، ضمن مشروع واسع تسعى من خلاله إلى فرض الوجود الإسرائيلي.

“روّاد هبشان”، هي أبرز هذه المجموعات الاستيطانية التي تعمل بشكل مكثف في الجولان السوري وتريد استمرار السيطرة على مستوطنة “هبشان” في الجولان. ونفذت تلك المجموعة منذ مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري أكثر من عملية اقتحام للحدود، وعبر المئات من أفرادها مسافة طويلة دون أن يحرك الجيش الإسرائيلي ساكناً، بل أقاموا مراسم وضع حجر أساس لمستوطنة جديدة قبل أسبوعين، وكرروا المحاولة من جديد.

وتستمد هذه المجموعات الدعم من الجيش وأيضاً من بعض الوزراء الذين يعدون الوضع الأمني الحالي يحتم على الجيش استمرار السيطرة والبقاء ليس فقط في قمة جبل الشيخ، إنما في مختلف مناطق الجنوب السوري.

الجيش يساعد في المنطقة العازلة ويلاحق في جبل الشيخ

الملف السوري الذي اتخذ هذه الأيام منحى جديداً بعد دخول آليات وقوات عسكرية تركية إلى سوريا، أعيد طرحه على طاولة الأجهزة الأمنية في إسرائيل بعيداً عن بلورة اتفاق أمني كان متوقعاً الإعلان عن تقدمٍ فيه خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، المقرر نهاية الشهر الجاري في واشنطن.

وجاءت تلك الاقتحامات في ذروة نقاش سبل تعزيز الوجود الإسرائيلي في الجنوب واتخاذ خطوات أمنية جديدة في مواجهة ما تعده إسرائيل خطر تعزيز قوة ووجود تركيا في سوريا.

وعزز الجيش الإسرائيلي انتشاره في مناطق مختلفة عند الحدود مع سوريا وأيضاً في مواقع استراتيجية أخرى في الجنوب مع التهديد بعدم تقديم أي نوع من التنازلات، بل عدم التقدم في المفاوضات حول اتفاق أمني جديد. وسُمح لمجموعات اليمين قبل نحو الأسبوعين بإقامة مراسم وضع حجر الأساس لمستوطنة إسرائيلية داخل الأراضي السورية، وفُتحت هذه المرة البوابة الحدودية لهم ليدخلوا ويجولوا داخل الأرض السورية، وجعلوا هذه المنطقة مفتوحة لمختلف الصحافيين الذين تجولوا بحرية مطلقة هناك وصولاً إلى مشارف دمشق.

جبل الشيخ هدف استراتيجي

“الهدوء الذي نشهده هذه الأيام عند الحدود السورية قد ينهار بشكل مفاجئ”، هذا ما قاله مسؤول عسكري إسرائيلي اعتبر أن مخطط المجموعات اليمينية لاقتحام الحدود والسيطرة على الأرض في غزة ولبنان وسوريا يشكل خطراً على أمن إسرائيل واستفزازاً قد يؤدي إلى إشعال النيران.

لكن هذه المجموعات التي تتسع وتستقطب المئات من اليمين الإسرائيلي تعمل بشكل منظم وفي بعض الأحيان بتنسيق مع أعضاء كنيست من اليمين. فالحديث عن مجموعات أيديولوجية متطرفة بدأ نشاطها قبل أكثر من سنة في غزة وتناغمت مع سياسة الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش الداعية إلى احتلال غزة وإعادة بناء المستوطنات.

هذا الأسبوع، اخترقت المجموعة المنتشرة في الجنوب الحدود باتجاه غزة وكشفت لقطات فيديو عن قيام الجيش بفتح بوابة لهم للدخول ومحاولة الوصول إلى نقطة بعيدة عن الحدود ثم إغلاق البوابة من قبل الجيش، هذه المشاهد شكلت دفعاً لفروع الجمعيات المنتشرة في الشمال لتعلن بعضها عن قرار “إقامة مستوطنات في لبنان وسوريا”، وهي دعوة لم يعترضها أي مسؤول عسكري أو سياسي، ليشكل ذلك الصمت مسوغاً لهم، فاخترقوا الحدود بشكل متزامن تجاه لبنان وسوريا أيضاً.

مجموعة “رواد هبشان” لم تكتف بالتسلل إلى جنوب سوريا ووضع حجر أساس لمستوطنة، بل توجه العشرات منهم إلى جبل الشيخ. وبحسب تقرير نشره الجيش الإسرائيلي، نجح هؤلاء في اختراق نطاق لواء 55 في هضبة الجولان، وفي منطقة جبل الشيخ، وبعد دخولهم لأمتار عدة اشتبكوا مع الجنود الإسرائيليين وتمت مطاردتهم ثم اعتقلهم الجيش وأعادهم الى الحدود.

مؤتمر “اطلاق”

تعمل هذه المجموعات بشكل منظم وعقدت مجموعة “رواد هبشان” مؤتمراً في القدس بعد اختراق السياج في الجولان، شاركت فيه شخصيات معروفة من اليمين مثل موشيه فايغلين وناشط اليمين المتطرف باروخ مرزل وغيرهما. بالنسبة إليهم منطقة “هبشان” هي “جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل منذ أجيال، وهي منطقة فُتحت على يد نبينا موسى”، كما يقول بروفسور عاموس عزاريا الذي يشارك مع عائلته في كل اختراق للحدود، ووصل في المرة الأخيرة حتى المنطقة العازلة التي ما زالت إسرائيل تسيطر عليها.

وبحسب “رواد هبشان” فإن “إنشاء المستوطنات، حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي اليوم، بجنوب سوريا، يشكل امتداداً طبيعياً للاستيطان في الجولان، وسيساعد على استقرار المنطقة، وتعزيز أمن إسرائيل، وتحقيق حقّنا التاريخي في مناطق سُلِبت منا”، وفق ما شدد أعضاء تلك المجموعة في مؤتمرهم.

“أوري تسافون” تحلم في لبنان

وبالإضافة إلى “روّاد هبشان” تعمل في الجانب الآخر من الحدود الشمالية، تجاه لبنان، الحركة التي يطلق عليها اسم “أوري تسافون”. وتقوم هذه الحركة بجولات منظمة على طول الحدود مع لبنان وتُعد مخططاً استيطانياً في جنوب لبنان. وبرأيها فان إقامة المستوطنات هناك والسيطرة على الأرض هي أفضل ما يمكن فعله من أجل ضمان أمن الحدود.

تعمل “أوري تسافون” بشكل منظم من خلال لقاءات منزلية، ومؤتمرات وجولات على طول الحدود.

الدافع الكامن وراء هذا النشاط بحسب الحركة هو “الإيمان بأن هذا هو الحلّ الأمني الحقيقي لشمال إسرائيل وإعادة الحدود التاريخية”، وهدفها إقامة بلدات يهودية في المنطقة “لضمان أمن مستقر وتعزيز الارتباط التاريخي والقومي بأرض إسرائيل”.

وعلى مدار الشهر الأخير اخترقت مجموعات من “أوري تسافون” الحدود مرات عدة، بل حاول نشطاء منها إقامة نقطة استيطانية أطلقوا عليها اسم “مي مروم” في منطقة مارون الراس. واعتبرت الحركة وجود مستوطنة هناك خطوة ضرورية ضمن حل مستقبلي لضمان أمن إسرائيل من خلال الاستيلاء على الأرض اللبنانية وإقامة المستوطنات.

“غزة لنا”

وما بين لبنان وسوريا، تجد هذه المجموعات الطريق إلى غزة أكثر سهولة، وقامت بمحاولات عدة اخترقت خلالها الحدود. وقبل يومين وصل العشرات إلى منطقة الحدود الجنوبية، تدافعوا بقوة واخترقوا البوابة الحدودية وتمكن 9 منهم من التسلل بعد اختراق السياج إلى عمق بضع مئات من الأمتار قبل “الخط الأصفر” الذي فرضه عملياً الجيش الإسرائيلي كحدود بين المنطقة الخاضعة لسيطرته وتلك الخاضعة لسيطرة “حماس”.

ونُقل عن أعضاء هذه المجموعة أن الجهود المكثفة تهدف الى إقامة مستوطنة دائمة. ويقولون إن “غزة لنا. كانت النية الوصول إلى بلدات غوش قطيف المدمرة، والبقاء هناك وإقامة مستوطنة دائمة”.

“النصر فقط بالسيطرة على الأرض”

وبينما تواصل هذه المجموعات تنظيم جولات داخل الحدود يتوقع أن تُنفَّذ تجاه لبنان وسوريا وغزة خلال “عيد الأنوار” العبري، القريب، اقتحامات متعددة وتركز على غزة، حيث تعد لبرنامج خاص وتطالب برفع علم إسرائيل على أنقاض مستوطنة “نيسانيت”، التي سبق وانسحبت منها إسرائيل في عام 2005.

عسكريون وأمنيون حذروا من خطوات كهذه، بينما بعث وزراء وأعضاء في الكنيست برسالة إلى وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، يطالبونه فيها بالمصادقة على إقامة مراسم رفع علم إسرائيل في قطاع غزة، في الـ18 من الشهر الجاري.

ضمن الموقعين على الرسالة 11 وزيراً بينهم 8 من حزب الليكود (يتزعمه نتنياهو)، كذلك وقّع على الرسالة 21 نائباً في الكنيست ينتمون إلى حزبَي القوة اليهودية بزعامة بن غفير و”الليكود” أيضاً.

وجاء في الرسالة “حان الوقت للتأكيد بكل فخر أن غزة جزء من أرض إسرائيل، وأنها تعود حصراً إلى الشعب اليهودي، بالتالي يجب أن تصبح فوراً جزءاً من دولة إسرائيل”.

وأضافت الرسالة، “نطلب ترخيصاً لهذا الحدث الذي يرمي أساساً إلى رفع العلم الإسرائيلي فوق أنقاض نيسانيت”، في إشارة إلى مستوطنة إسرائيلية سابقة في شمال قطاع غزة تم تفكيكها لدى انسحاب إسرائيل من القطاع في عام 2005.

ومن المقرر أن يقام الحدث في الـ18 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، أي في الليلة الخامسة من “عيد الأنوار” اليهودي الذي يُحتفل فيه لثمانية أيام ويبدأ الأحد الـ14 من ديسمبر.

رسالة أخرى وصلت من الحركات والمجموعات المتطرفة بينها حركة “نحالا” اليمينية المتطرفة المؤيدة للاستيطان، والتي أطلقت المبادرة. وجاء في الرسالة، “نشهد في هذه الأيام  محاولات متزايدة لإعادة ترسيخ واقع قديم وخطر، يتمثل في السعي لطمس حقائق تاريخية ووطنية أساسية. اليوم، في ظل الواقع الأمني وبعد أحداث السابع من أكتوبر (2023)، يتضح بشكل جلي أن مفهوم ‘الاحتواء’ والرهان على الهدوء أثبتا فشلهما. لقد تبين أن العدو استغل فترات الهدوء مراراً لبناء قوته، بينما امتنعت إسرائيل عن فرض سيادتها، وكانت النتيجة كارثية”. وأضافت الرسالة، “الآن، بعد سنوات طويلة من محاولات إرساء واقع أمني هش، وبعد سقوط عدد كبير من جنود الجيش والمواطنين، حان الوقت لاستخلاص العِبَر. يجب علينا أن نغيّر النهج، وأن نعمل على ترسيخ ردع حقيقي. وفي قطاع غزة، كما في سائر أنحاء أرض إسرائيل، لا يمكن الاكتفاء بالدفاع فقط. المطلوب هو مبادرة سياسية واضحة، جوهرها أخذ الأرض وتحويلها إلى جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل – خطوة سيادية، تاريخية وأمنية من الدرجة الأولى”.

“إن أخذ الأرض وتحويلها إلى منطقة يهودية مزدهرة سيخلق ردعاً طويل الأمد، وسيرسخ في وعي أعدائنا والعالم بأسره حقيقة انتصار شعب إسرائيل، والأهم من ذلك: سيثبت الانتماء الأبدي لأرض إسرائيل لشعب إسرائيل”، على حد تعبير الرسالة التي اضافت أن “غزة هي جزء من أرض إسرائيل، وتعود حصرياً لشعب إسرائيل، وبناءً على ذلك يجب أن تُضم فوراً لتكون جزءاً من دولة إسرائيل.

إن المنطقة آمنة، وتقع تحت السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي، ولا يوجد أي مانع أمني لإقامة فعالية رفع علم إسرائيل في موقع  كخطوة رمزية ووطنية تعبر عن عودة السيادة”، كما جاء في الرسالة.

———————————

توتر أمني في السويداء بين مليشيات “الحرس الوطني” والقوات الحكومية/ محمد كركص

12 ديسمبر 2025

قالت قناة الإخبارية السورية (رسمية)، نقلاً عن مصدر أمني إن “العصابات المتمردة في السويداء استهدفت سيارة للأمن الداخلي في بلدة المزرعة بواسطة درون محمّلة بالقنابل”، واعتبر المصدر أن الهجوم يشكل “خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار”، مؤكداً أن القوى الأمنية “ستتعامل بحزم للرد على الانتهاكات”.

ومن جهتها اتهمت مليشيات “الحرس الوطني” المسلحة في السويداء والتابعة للشيخ، حكمت الهجري، قوات الأمن الداخلي السورية بتنفيذ “اعتداءات خطيرة استهدفت المدنيين”، وقالت إن “قوات حكومية متمركزة في بلدة المزرعة ومحيطها قامت باستهداف مباشر لأهالي بلدة المجدل عبر طلقات قنص، ما أدى إلى إصابة أحد المواطنين بجروح بالغة، اضطر الأطباء على إثرها لبتر يده”. وأضافت في بيان أن “قوات الحرس تعاملت مع مصدر الإطلاق بالوسائط المناسبة”، وشدد البيان على أن “هذه الانتهاكات تزيد من التزام قواتنا بواجبها في حماية السكان وتعزيز الأمن”.

وفي الجنوب السوري أيضاً، أُصيب عشرات الأشخاص، مساء اليوم الجمعة، إثر انفجار خلال حفل زفاف في قرية عابدين بريف محافظة درعا الغربي، في حادثة جديدة تدل على استمرار حالة الانفلات الأمني في المحافظة. وقال مدير صحة درعا، زياد المحاميد، إن إجمالي عدد المصابين جراء الانفجار بلغ 33 إصابة، بينهم أطفال، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”. وأوضح أنّ 19 من المصابين نُقلوا إلى مستشفى درعا الوطني، بينما استقبل مشفى طفس الوطني ست إصابات، ووصلت ثماني إصابات أخرى إلى المركز الصحي في بلدة الشجرة. ولم ترد تفاصيل إضافية حول طبيعة الانفجار أو ظروف وقوعه.

وفي محافظة القنيطرة، جنوبي البلاد، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، شابين سوريين بعد إيقافهما على حاجز طيّار أقامته بين بلدة أم باطنة وقرية العجرف في ريف المحافظة. كما توغلت قوة إسرائيلية، الجمعة، على طريق معرية – عابدين في منطقة حوض اليرموك بريف درعا، حيث نصبت حاجزاً مؤقتاً وأجرت عمليات تفتيش. وتأتي هذه التحركات بعد سلسلة توغلات وعمليات اعتقال نفذتها القوات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية، شملت مداهمة منزل في حوض اليرموك واعتقال شاب.

وفي شرق البلاد، قُتل عنصر من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وأصيب آخر كان برفقته، إثر استهدافهما برصاص مسلحين مجهولين في بلدة السوسة بريف دير الزور الغربي، ضمن منطقة بادية الجزيرة التي تشهد بين الحين والآخر عمليات مشابهة تُنسب في معظمها إلى خلايا تنظيم “داعش”.

—————————

 لجنة تقصي الحقائق الأممية بالقنيطرة لتوثيق انتهاكات إسرائيل

القنيطرة – نور الحسن

السبت 2025/12/13

وصلت لجنة تقصي الحقائق التابعة للجنة التحقيق الدولية في الأمم المتحدة إلى محافظة القنيطرة، في إطار مهمتها الرامية إلى توثيق الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين وممتلكاتهم في المحافظة.

واجتمعت اللجنة اليوم السبت، مع وجهاء ومخاتير قرى وبلدات محافظة القنيطرة القريبة من خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل، وذلك في مبنى الثقافة بمدينة السلام في القنيطرة. وخلال اللقاء، قدّم الأهالي شكاواهم للجنة الدولية، مستعرضين سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية التي تطال حياتهم اليومية.

وأشار عدد من الأهالي إلى تعرض رعاة الأغنام لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال، إضافة إلى تجريف وقضم أراضٍ زراعية ومنع السكان من استثمارها وزراعتها. كما طالب ذوو معتقلين لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي اللجنة بالضغط على إسرائيل للإفراج عن أبنائهم المحتجزين في سجون الاحتلال.

ودعا وجهاء المنطقة اللجنة الدولية إلى ممارسة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي للانسحاب من المناطق التي سيطر عليها منذ نحو عام، واحترام السيادة السورية. من جهتها، أكدت اللجنة أنها ستعد تقريراً مفصلاً حول الانتهاكات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة، تمهيداً لرفعه إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك.

انتهاكات إسرائيلية مستمرة

ويعتمد سكان محافظة القنيطرة بشكل أساسي على تربية المواشي والزراعة كمصدر رزق، إلا أن قوات الاحتلال تعيق بشكل متكرر ممارسة هذه الأعمال، وتفرض قيوداً على تنقل السكان في المنطقة. وفي هذا السياق، توجه الوفد الأممي إلى بلدة الحميدية، التي يعاني سكانها من انتهاكات متواصلة نتيجة وجود قواعد عسكرية إسرائيلية قريبة من البلدة، في ظل غياب شبه تام للمنظمات الإنسانية والإغاثية.

وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلاتها اليومية والمتكررة في قرى وبلدات محافظة القنيطرة. فقد توغلت صباح اليوم السبت، في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، حيث قامت بتفتيش عدد من المنازل. كما أنشأت حاجزاً مؤقتاً في قرية عين زيوان، وأطلقت نيراناً كثيفة من قاعدة تل أحمر الغربي باتجاه الأراضي الزراعية ومن محيط السياج الفاصل مع الجولان المحتل.

وسجل أيضاً تحليق طيران حربي إسرائيلي في أجواء محافظة القنيطرة، في وقت توغلت فيه قوات الاحتلال في قريتي العجرف والصمدانية العربية، حيث أقدمت على اعتقال مدنيين اثنين قبل الإفراج عنهما بعد ساعات من الاحتجاز.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد المخاوف لدى سكان المحافظة من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، وتأثيرها المباشر على أمنهم وسبل عيشهم، وسط مطالبات متزايدة بتدخل دولي فاعل لحمايتهم ووضع حد لهذه الممارسات.

————————-

=======================

تحديث 12 كانون الأول 2025

———————————

سوريا الجديدة بين واشنطن وتل أبيب ودمشق: صفقة الجنوب بين إلغاء قيصر وشرط أمن إسرائيل/ مجدي الحلبي

مجدي الحلبي

12 ديسمبر ,2025

تتشكل في سوريا اليوم معادلة سياسية وأمنية مختلفة جذرياً عما كان في عهد نظام الأسد. لم تعد الساحة السورية مجرد ملف صراع داخلي أو ورقة في يد حلفاء دمشق السابقين، بل أصبحت محور تفاوض غير معلن بين الولايات المتحدة وإسرائيل و«سوريا الجديدة» بقيادة الشرع، حول مستقبل الجنوب، ومعنى السيادة، وحدود ما يُسمح وما لا يُسمح به على جبهة الجولان.

الركيزة الأولى في هذا المشهد هي التحول الأميركي. واشنطن انتقلت من استراتيجية الحصار والعزل الكامل إلى مقاربة مزدوجة: تعاون أمني متصاعد مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وربطه بحافز سياسي واقتصادي مباشر يتمثل في مشروع إلغاء قانون قيصر داخل الكونغرس. هذا الإلغاء لا يُقدَّم كتنازل مجاني، بل كصفقة مشروطة بوضوح: التزام رسمي من دمشق بعدم استخدام الأراضي السورية في أي هجوم على إسرائيل، وضبط نشاط الميليشيات والقوى الحليفة لإيران في الجنوب، وتثبيت حدود آمنة وقابلة للرقابة على خط الجولان.

بهذه الصيغة، يتحول قانون قيصر من أداة عقاب إلى ورقة تفاوض: رفع العقوبات مقابل أمن إسرائيل من جهة، واستعادة الدولة السورية لقدرتها على التنفس اقتصادياً وجذب الاستثمار من جهة أخرى. واشنطن، ومعها عواصم خليجية مؤثرة، ترى أن خلق دولة سورية موحدة مستقرة، مرتبطة اقتصادياً بالمنظومة الإقليمية، هو الطريق الأجدى لتقليص نفوذ إيران وروسيا والصين، وأكثر فاعلية من إبقاء الخراب والفوضى.

في المقابل، تتعامل إسرائيل مع «سوريا الجديدة» بعين أمنية صرفة. الهاجس الإسرائيلي الأول هو الجنوب: درعا، القنيطرة، ريف دمشق، ومنحدرات جبل الشيخ. هناك إصرار واضح في تل أبيب على منع أي تموضع عسكري يمكن أن يُستغل مستقبلاً ضدها، حتى لو كان تحت راية الجيش السوري الرسمي. لذلك تدفع إسرائيل باتجاه ترتيبات تضمن لها ثلاثة أمور أساسية: عمق أمني أوسع مما نص عليه اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، قدرة مستمرة على مراقبة وضرب أي تهديد محتمل داخل سوريا، وعدم نشوء جيش سوري قوي ومتماسك في الجنوب بعيداً عن السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة.

هنا تحديداً تنكشف فجوة متزايدة بين واشنطن وتل أبيب. الإدارة الأميركية تسعى إلى شريك سوري يمكن التفاهم معه وضبطه بالقانون والعقود والاتفاقات، بينما تميل إسرائيل إلى perpetuation حالة «اللا دولة الكاملة» في الجنوب، التي تسمح لها بهوامش حركة واسعة جواً وبراً. إصرار تل أبيب على فرض صيغة منطقة منزوعة السلاح واسعة من جنوب دمشق حتى الحدود، واحتفاظها بمواقع استراتيجية مشرفة على العمق السوري، يصطدم بتوجه أميركي يُفضِّل عودة الدولة السورية إلى الجنوب تحت رقابة وضمانات، لا تركه فراغاً مفتوحاً.

أما دمشق الجديدة بقيادة الشرع، فتطرح معادلة ثالثة: لا تفريط بالسيادة، ولا عودة إلى فوضى السلاح، مع استعداد لتقديم ضمانات أمنية صريحة. الخطاب السياسي والعسكري الجديد يركز على أن الجيش السوري، بعد إعادة هيكلته، قادر على تولي مسؤولية كاملة عن الحدود، ومنع أي عمل عدائي ضد إسرائيل ينطلق من الأراضي السورية، شرط أن يُسمح للدولة بإعادة بسط سيادتها الفعلية على الجنوب، وأن يُوقف استنزافها بالعقوبات والقصف المتكرر.

بهذا المنطق، تُطرح العودة إلى اتفاق 1974 كإطار قانوني يمكن تحديث آلياته لا مضمونه: مراقبة دولية معززة، قنوات اتصال أمنية واضحة، ومستويات تسليح وانتشار متفق عليها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات، يتوّجه إلغاء قانون قيصر رسمياً عبر الكونغرس، على قاعدة التزام سوري مكتوب بعدم الهجوم على إسرائيل أو السماح باستخدام الأرض السورية لهذا الغرض.

القوة الحقيقية لهذا التحول تكمن في تداخل الملفات: أمن إسرائيل لم يعد منفصلاً عن رفع العقوبات عن دمشق، ومستقبل الجنوب لم يعد شأناً سورياً خالصاً ولا إسرائيلياً صرفاً، بل نقطة توازن بين مشروع دولة تريد أن تقوم من تحت الأنقاض، وقوة إقليمية تريد أماناً مطلقاً على حدودها، وقوة دولية ترى أن استقرار سوريا الجديد هو مدخل لإعادة تشكيل موازين الشرق الأوسط.

هكذا تُرسم خطوط صفقة الجنوب: إلغاء قيصر مقابل تعهد بعدم الهجوم على إسرائيل، اعتراف عملي بسوريا جديدة ذات سيادة مقابل مسؤولية أمنية صارمة، وتفاهم ثلاثي غير معلن يحدد إلى أي حد يمكن أن تكون سوريا دولة كاملة على حدود إسرائيل، بلا حرب، لكن أيضاً بلا سلام مكتمل.

———————————

حكومة على حافة الاضطراب: نتنياهو يحاول الموازنة بين ضغطين/ أحمد الجابر

نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل: ضغوط داخلية واستراتيجية خارجية

2025-12-12

تشهد إسرائيل، في خضم ضغوط داخلية وقضائية غير مسبوقة، حالة من الانقلاب السياسي والاجتماعي — ما يجعل موقع رئيس الحكومة في بؤرة صراع مفتوح بين أحزاب الائتلاف الحاكم، المعارضة، الشارع، والقضاء. إذ لا تواجه حكومة نتنياهو فقط تركة محاكماته في قضايا فساد ورشوة، بل كذلك رفضاً شعبياً واسعاً لسياسات قدمتها على أنها إصلاحات، والتي اعتبرها كثيرون تهديداً لقواعد الديمقراطية الأساسية كما تشير وسائل إعلام عبرية.

ويترافق هذا التصدع الداخلي مع موجة احتجاجات غير مسبوقة: منذ أواخر 2023، خرج مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع في مدن مثل تل أبيب وغيرها، رفضاً لمحاولات الحكومة السيطرة على القضاء وتقييد استقلاليته، معتبرين أن مساعي الإصلاح القضائي ليست إلا درعاً لحماية القادة من المساءلة القانونية “وفق تقارير القناة 12 الإسرائيلية”.

وفي هذا المناخ الهش، تحاول حكومة نتنياهو المدعومة بحلفائها من اليمين المتطرف البحث عن “ورقة إنقاذ” خارج حدود إسرائيل: مشروع “منطقة منزوعة السلاح” في جنوب سوريا، واتفاق أمني محتمل مع دمشق، يُقدَّم على أنه خطوة استراتيجية تمهّد لاستقرار أمني طويل وربما إنجاز تاريخي يعيد صورته كرجل دولة قوي، ويمنحه غطاءً داخلياً ضد الانتقادات القضائية والسياسية وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

لكن هذا المسعى ليس فقط سياسياً بل يُنظر له على أنه محاولة لتصفير الاحتقان، وإعادة رسم أولويات الأمن القومي في مواجهة ضغوط داخلية متصاعدة. وهذه المغامرة الديبلوماسية تأتي في ظل تذبذب داخل الائتلاف الحاكم نفسه: قوى متطرفة تطالب بإجراءات أمنية صارمة واعتبارات أيديولوجية، وأخرى وسطية أو حتى يمينية معتدلة توازن بين الحفاظ على مصالح إسرائيل الدولية وتهدئة الشارع وفق تقرير “القناة 13 الإسرائيلية”.

ويجعل هذا الصدام الداخلي أي اتفاق مع دمشق مهما بدت الشروط إسرائيلية هشاً وغير مضمون التنفيذ، خصوصاً في ظل اشتراط ضمانات أميركية ورفض شعبي واسع للسياسات التي اعتُبرت استبدادية.

إذاً، نتنياهو اليوم ليس في موقع القوة المطلقة؛ بل هو يحوم حول معادلة مزدوجة: إنجاز خارجي كبير مقابل إنقاذ سياسي داخلي، أي فشل يعني سقوط المشروع السياسي للحكومة في مستنقع أزمات متشابكة: قانونية، شعبية، أيديولوجية. بهذا الصراع، لا تُختبر فقط قدرة نتنياهو على إدارة مفاوضات دولية، بل مدى صمود اليمين المتطرف في وجه مطالِب الدولة والمؤسسات.

أهداف سياسة نتنياهو

يقول فراس علاوي، كاتب ومحلل سياسي لـ “963+”، إن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة تعكس سعيه لرفع سقف المفاوضات مع سوريا والوصول إلى اتفاق أمني بشروط إسرائيلية، بما يخفف الضغط الداخلي عليه في ظل التحقيقات القضائية المفتوحة ضده سواء قبل أو بعد السابع من أكتوبر.

ويشير علاوي إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تواجه ضغوطاً كبيرة، سواء من المعارضة أو من الشارع، وأن هناك تحقيقات مستمرة تتعلق بسياسات نتنياهو وقرارات حكومته اليمينية.

ويضيف أن الاستراتيجية الإسرائيلية تهدف إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود مع سوريا لحماية الأمن الداخلي، وابعاد أي نشاطات محتملة على حدودها الجنوبية، إلى جانب تطبيق استراتيجية مماثلة في لبنان لضمان إزالة أي تهديد وجودي داخل الأراضي الإسرائيلية. وأوضح أن إسرائيل تعمل على نزع السلاح من عمق يتراوح بين أربعين وستين كيلومتراً، وفق ما ذكر سابقاً.

أما بالنسبة للضمانات الممكنة لإنجاح أي تسوية، فيرى علاوي أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد الضامن الأكبر، إلى جانب موافقة الحكومة السورية على عدم التدخل الإسرائيلي وعدم دعم الفصائل الانفصالية، أو أي مشاريع تهدد استقرار الدولة السورية. لكنه شدد على أن إسرائيل لن تتمكن من الوصول إلى دمشق مباشرة دون وجود سلاح يضمن سيادة الدولة السورية.

ويحاول نتنياهو التوازن بين الضغط الداخلي والخارجي من خلال التقدم في سوريا ومحاولة تقليص نفوذ حزب الله في لبنان، بهدف تقديم إنجازات لرأي الجمهور الإسرائيلي وتخفيف الضغط القضائي والسياسي عليه، وفق لما تحدث به علاوي.

ويعتقد الكاتب السياسي، أن أي تسوية مع دمشق بدعم أمريكي قد تحقق أهداف إسرائيلية استراتيجية مثل إزالة السلاح من مناطق معينة، ما يُعتبر نجاحاً للحكومة ويخفف الضغط الداخلي عليها، كما يرضي الولايات المتحدة، التي يبرز توتر واضح بينها وبين حكومة نتنياهو بسبب عدم التوصل إلى اتفاقات في سوريا أو بسبب سياساته الإقليمية.

وبحسب علاوي، فإن طلب نتنياهو من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التدخل يأتي في إطار محاولته تقليل الضغط الداخلي الناجم عن المعارضة والشارع الإسرائيلي، مستغلاً الدعم الأمريكي كوسيلة تعزيز لقوته في الداخل.

ويتابع، أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تنشأ في حال سقوط اليمين الحالي ستؤثر على مسار هذه المفاوضات، إذ قد تظهر قوى سياسية بديلة، سواء من الوسط أو اليسار، ستعيد ترتيب أولويات إسرائيل السياسية والأمنية.

ويوضح أن الانقسامات داخل تحالف نتنياهو تجعل أي تسوية داخلية معقدة، حيث يتطلب الوصول إلى اتفاق تلبية شروط القوى المنقسمة، في حين يلجأ نتنياهو إلى التصعيد خارج الحدود لتخفيف الضغط الداخلي.

ويؤكد أن أي استقرار أو هدوء في المنطقة قد يؤدي إلى إعادة فتح التحقيقات القضائية والسياسية ضده، وربما إجبار الحكومة على الاستقالة، وبالتالي مواجهة نتنياهو لمحاكمات تتعلق بالفساد وأحداث السابع من أكتوبر وسياسات اليمين الإسرائيلي منذ استلامه الحكم.

وبالنسبة للاتفاق مع سوريا، يرى علاوي أنه سيكون مؤقتاً، مهما كانت شروطه، إذ قد يشهد تصعيداً في حال صعود قوى ترغب في العودة إلى التوتر. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي الاتفاق إلى تهدئة الجبهات ومنح استقرار نسبي على المدى الطويل، لكنه لن ينهي حالة العداء نهائياً. 

المسار السياسي لليمين المتطرف

يقول مجاشع التميمي، باحث سياسي مقيم في بغداد لـ “963+”، إن سياسة إسرائيل اليوم نصفها سياسي ونصفها مناورة. ويضيف أن مطلب منطقة منزوعة السلاح مشروع أمنياً لكنه يُستغل سياسياً لصالح نتنياهو، وأن نجاح أي تسوية يعتمد على التزامات قابلة للقياس، وطرف ضامن خارجي قوي، وإرادة سورية داخلية واضحة، إضافة إلى شرط أميركي محدد. وبدون هذه الآليات، سيبقى أي اتفاق هشاً وربما مجرد استجابة لضغوط داخلية أكثر من كونه ضماناً للاستقرار الإقليمي.

ويذكر التميمي، أن مطالبة نتنياهو بمنطقة منزوعة السلاح في جنوب دمشق تعكس قلقاً أمنياً حقيقياً، سواء لحماية طرق الرصد أو التصدي لوجود ميليشيات قرب الهضبة والحدود، بالإضافة إلى المخاوف من الفصائل الشيعية في العراق، لكنه شدد على أن هذه المطالب تأتي في ظرف سياسي داخلي حساس، وبالتالي تُستغل أيضاً كأداة تفاوض داخلية وخارجية لإظهار نتنياهو كقائد يحمي الأمن الإسرائيلي قبل أي تنازل سياسي.

ويضيف أن الضمانات الواقعية تشمل آليات مراقبة دولية، والتزامات أميركية صريحة، وخطة مرحلية قابلة للتحقق، ووجود طرف ثالث ضامن مع آليات عقوبات وحوافز واضحة، مشيراً إلى أن غياب هذه الآليات يجعل أي اتفاق هشاً ويحوله إلى مجرد تجميل سياسي.

ويحاول نتنياهو بحسب التميمي موازنة ثلاثة أهداف: تصوير نفسه كقائد يحقق إنجازاً أمنياً ودبلوماسياً، امتصاص غضب الشارع والقضاء، والحفاظ على تحالفه البرلماني، لافتاً إلى أن أي تنازل أمام دمشق يتطلب أيضاً تضحيات داخلية قد تؤدي إلى انشقاقات أو ابتزاز من شركائه.

ويوضح أن البعد السياسي لمطالب نتنياهو مزدوج، فهو محاولة لإنهاء معركته القانونية، ورسالة إلى قواعده بأن لديه سنداً خارجياً قويًا يعزز صورته كقائد لا ينهزم. لكنه حذر من أن ربط القضايا الشخصية بالدبلوماسية يعرضه لاحقاً لاتهامات بتوظيف السياسة الخارجية لخدمة مصالح شخصية.

لكن في الوقت نفسه يؤكد التميمي أن نجاح عملية إخراج نفوذ الميليشيات قد يضعف الحجة الأمنية التي يستند إليها اليمين المتطرف، ما يفتح فراغاً سياسياً قد يعيد ترتيب المشهد تدريجياً. وشدد التميمي على أن استمرار نتنياهو يعتمد على شركائه البرلمانيين، الذين يزودونه بالكتل الحيوية ولكنه مرتبط بمطالبهم الأمنية والقضائية والأيديولوجية، ما يحد من مرونة إسرائيل الدبلوماسية.

ويعبر الباحث السياسي العراقي عن اعتقاده بأن ملفات مثل سوريا ولبنان والضفة تُدار بحذر مفرط أو عبر مناورات خارجية لإظهار القدرة دون تقديم تنازلات جوهرية، مشيراً إلى أن أي اتفاق مبكر سيكون هشاً ومصمماً لتهدئة مؤقتة ما لم يصحبه آليات تطبيق صارمة والتزام دمشق بقطع العلاقة مع الميليشيات الإيرانية وضمان أميركي أو دولي قابل للتنفيذ، وإلا سينحصر الاتفاق في “تهدئة مؤقتة” دون استقرار طويل الأمد.

+963

———————————

سفير سورية لدى الأمم المتحدة: هذه استراتيجتنا للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية/ محمد البديوي

12 ديسمبر 2025

قال السفير السوري الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، الجمعة، إن الاستراتيجية السورية الحالية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية تعتمد على ركائز أساسية حققت نتائج ملموسة على الأرض وعلى الصعيد الدولي، مضيفا أن “ما يريد أن يراه المجتمع الدولي شعب ودولة قادرة على ضبط النفس واحترام المعايير الدولية”، وأنه “لذلك التزمنا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي ينضوي تحت مظلة الأمم المتحدة. نحن نلتزم به على عكسهم تماما. وهذا وحده منح سورية رصيدا سياسيا وشرعية دولية كبيرة ساعدتنا في ملفات لا علاقة لها بإسرائيل سواء في ملف الاستثمارات أو في بناء علاقات جديدة مع دول أخرى”.

وأضاف علبي في لقاء له ضمن فعاليات مؤتمر”سورية متحدة” الذي عقد في العاصمة الأميركية واشنطن: “الخطوة الثانية كانت التقدم للأمام بدلا من الانغلاق على أنفسنا في مواجهة الخط الإسرائيلي العلني الذي كان يريد سورية منقسمة وضعيفة ومعزولة، فبدأنا في بناء علاقات اقتصادية مع المجتمع الدولي وتعزيز التعاون، وكانت هذه هي إحدى الطرق الفعالة للمواجهة بسياسة مضادة لمن يسعون لتقسيمنا”. وأشار إلى أن بلاده تستخدم كل أداة متاحة من أجل الضغط السياسي على إسرائيل سواء عبر الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يقف في صالح سورية، أو عبر العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.

إلى ذلك، أشاد سوريون أميركيون في تصريحات لـ”العربي الجديد”، بقرار مجلس النواب الأميركي إلغاء قانون “قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. وقال رئيس المجلس السوري الأميركي فاروق بلال: “نحن هنا بمشاركة مع المنظمات السورية ننظم فعالية تحت عنوان متحدون من أجل سورية. والآن بعد إلغاء قانون قيصر المحتمل أن يتم قبل عيد الميلاد ننظر إلى سورية الجديدة، وإلى دور الجالية الأميركية في بنائها. العائق الأكبر كان قانون قيصر والعقوبات الأميركية بشكل عام، ولكن القانون كان يؤثر حتى على الأميركيين الذين يرغبون في الاستثمار في سورية، وبما أنه كان يحتاج إلى موافقة الكونغرس فكنا نتضافر على مدى عام كامل مع جهود الحكومة السورية للوصول إلى رفع العقوبات”.

وأضاف بلال أن سورية مع هذا القرار “ستكون بدون عقوبات لأول مرة منذ 50 عاما، مما يفتح نافذة تاريخية بالنسبة لنا كسوريين أميركيين للمشاركة في بنائها”، مشيرا إلى أن الجالية بنت علاقات جيدة مع الحكومة الأميركية وأنها تسعى لتسخير هذه العلاقات. وقال إن هناك العديد من التحديات مثل مشاكل الإعمار وعودة النازحين والتحديات الإقليمية وبعض المناطق الخارجة عن دمشق وغيرها التي تحتاج إلى جهد كبير من الحكومة السورية، إضافة للقرارات التي أورثها نظام بشار الأسد، مما يتطلب من الحكومة أن تسن قوانين تشجع المستثمر الأجنبي لتكون سورية وجهته، إضافة إلى مواجهة معدلات الفقر المرتفعة بين السوريين.

فيما قال مسؤول المناصرة في المجلس السوري الأميركي زيد علوش: “قانون قيصر أصبح في عداد الموتى، الأسبوع المقبل سيصوت مجلس الشيوخ على مشروع ميزانية وزارة الدفاع والذي يتضمن إلغاء قانون قيصر”، مضيفا أن الجالية تعقد الفعالية اليوم من أجل مناقشة مستقبل سورية والاستماع للخبراء والأكاديميين حول كيفية مساعدة سورية، إضافة للاحتفال بعيد التحرير. ومن جانبه، اعتبر الناشط حميد الإمام من ولاية كولورادو أن إلغاء قانون قيصر يعد يوما عظيما لسورية ويفتح الباب أمامها من أجل مستقبل أفضل.

————————————

إيكونوميست: رفض نتنياهو الانسحاب من سوريا قد يخلق أعداء جدداً لإسرائيل

قالت مجلة “إيكونوميست” إن رفض إسرائيل الانسحاب من سوريا قد يؤدي إلى “خلق المزيد من الأعداء” للدولة العبرية.

فبعد ساعات من فرار بشار الأسد، الديكتاتور السوري، من دمشق، في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تحركت القوات الإسرائيلية واحتلت أراضي في جنوب سوريا تمتد من أعلى قمة جبل الشيخ إلى المثلث الحدودي بين إسرائيل وسوريا والأردن عند مدخل وادي الأردن.

وتقول المجلة إن إسرائيل أرادت ملء ما خشيت أن يتحول سريعاً إلى فراغ في السلطة وفوضى عارمة، ومنع أي هجمات مفاجئة على هضبة الجولان. وقد حفرت خندقاً عميقاً هناك يفترض أن يوقف المهاجمين على متن شاحنات صغيرة، كتلك التي استخدمها المهاجمون الذين قدموا من غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

كما تعمل إسرائيل على بناء علاقات مع القرى الدرزية، مستغلةً مشاعر القلق لديها بشأن مستقبلها في ظل الحكومة السورية الجديدة.

ولدى إسرائيل أقلية درزية يشغل العديد من أفرادها مناصب رفيعة في الجيش الإسرائيلي، ولهم أقارب في سوريا.

وتضيف المجلة أن إسرائيل لا تزال تشكّ في نوايا الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع.

ويقول محلل استخباراتي إسرائيلي: “نرى تركيا تعمل بحرية في شمال سوريا، وإيران وحزب الله يحاولان إعادة فتح طرق التهريب إلى لبنان”.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر، زار نتنياهو قوات الجيش الإسرائيلي داخل سوريا وقال بنبرة تنذر بالخطر: “هذه مهمة قد تتطور في أي لحظة”.

وكان ذلك بمثابة تحذير للنظام الجديد في دمشق، الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب خلال اجتماعه الأخير مع دونالد ترامب.

في المقابل، تحث إدارة ترامب إسرائيل على الحوار مع الشرع، وتسعى للتوسط في اتفاق أمني تنسحب بموجبه إسرائيل إلى خط فك الاشتباك لعام 1974.

وفي الأول من كانون الأول/ديسمبر، نشر ترامب على الإنترنت: “من المهم للغاية أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وصادق مع سوريا، وألا يحدث أي شيء يعيق مسيرة سوريا نحو الازدهار”.

ويقول وزير إسرائيلي سابق: “نتنياهو يضيّع فرصة تاريخية لإنشاء ترتيبات أمنية من موقع قوة”.

لكن نتنياهو، الذي يتطلع إلى الانتخابات المقبلة ولا تزال تلاحقه صدمة هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا يبدو مستعداً للتخلي عن المنطقة العازلة.

وتقول كارميت فالنسي، مسؤولة برنامج سوريا في معهد الأمن القومي بتل أبيب: “في الوقت الحالي، لا يبدو أن هناك تهديداً حقيقياً من الجولان، ولا من حكومة الشرع التي تحاول كبح المتشددين”.

وحذّرت من أن أفعال حكومة نتنياهو في سوريا قد “تخلق أعداء حقيقيين لإسرائيل هناك وتحوّل التخوفات إلى نبوءة تتحقق فعلاً”.

القدس العربي

———————————

فيدان: الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تستهدف وحدة وسيادة سوريا

كانون الأول 12, 2025

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس 11 كانون الأول ان الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية بما فيها التوغلات البرية جنوب البلاد، تكشف عن مخطط توسعي يستهدف وحدة وسيادة سوريا.

وقال فيدان في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن هذه الاعتداءات تشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في وقت تواصل فيه الحكومة السورية جهودها لإعادة بناء الاقتصاد بعد رفع العقوبات الأمريكية،

وذكر أن التوغلات الإسرائيلية في محيط بيت جن وجبل الشيخ تعرقل أي مسار للحل السياسي، موضحاً أن المشهد السياسي في سوريا يواجه تعقيدات خطيرة نتيجة هذه الاعتداءات.

وأشار فيدان إلى تعثر اتفاق 10 آذار بين الحكومة وقسد، وأن المهلة الممنوحة لتطبيق الاتفاق تنتهي بنهاية العام. محذراً من وجود تنسيق بين تحركات قسد والاعتداءات الإسرائيلية.

وكان فيدان أكد الأربعاء 10 كانون الأول “ضرورة وقف التوغلات الإسرائيلية في سوريا”، لافتاً إلى أن “الحوار هو الطريق لحل المشكلات بين إسرائيل وسوريا”.

وأوضح أن “الاعتداءات الإسرائيلية تهدد استقرار سوريا”، مؤكداً أن “أمن إسرائيل لا يمكن أن يكون على حساب دول أخرى”.

وجاءت تصريحات الوزير التركي خلال فعالية بعنوان “بعد مرور عام.. تعافي سوريا وإعادة إعمارها” في مركز سيتا بالعاصمة التركية أنقرة، وبعد عام على تحرير سوريا من النظام البائد وبدء السير نحو بناء دولة حرة وديمقراطية.

المصدر: الإخبارية

————————-

=======================

تحديث 11 كانون الأول 2025

———————————

سوريا وإسرائيل: ما الذي يعدّل الاختلال؟

رأي القدس

ترقّب السوريون، باهتمام كبير، قرار الكونغرس الأمريكي إلغاء قانون قيصر، الذي يعتبر عقبة عظيمة في وجه انطلاق الاقتصاد، وانفتاح البلاد أمام إمكانيات الاستثمار وإعادة البناء والإعمار. انتشرت، في هذه الأثناء، المخاوف الاعتيادية من تطوّر مفاجئ نتيجة التدخّلات الدبلوماسية لإسرائيل، التي يتواجد وزير خارجيتها جدعون ساعر، في واشنطن، حاليا، والذي قيل إنه التقى رئيسي وأعضاء لجنتي الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، ووزير الخارجية ماركو روبيو.

أكدت وكالات أنباء أن ساعر قام بإثارة الموضوع السوري مع مسؤولين أمريكيين، وأنه استخدم لقطات مصوّرة ظهر فيها جنود سوريون خلال الاستعراضات العسكرية الأخيرة احتفالا بسقوط نظام بشار الأسد وهم يرددون شعارات تأييد لفلسطين وغزة، كمسائل يفترض أن يأخذ بها الكونغرس قبل قراره إلغاء العقوبات على سوريا، واقتراح شروط لإعادة العقوبات في حال قام النظام السوري الجديد بـ»تهديد إسرائيل».

قال ساعر، في تصريح له أمس، إن إسرائيل هي أبعد ما يمكن عن «اتفاق أمني» مع سوريا، وأن «الفجوة» مع دمشق توسّعت خلال الأسابيع الأخيرة، والواضح أن ساعر يقصد بذكر «الأسابيع الأخيرة» ما حصل في بلدة بيت جن في ريف دمشق، الشهر الماضي، حين تصدّى بعض الأهالي لدورية لجيش الاحتلال، وجرحوا 6 جنود إسرائيليين، وهو ما ردّت عليه تل أبيب بغارات أوقعت 13 قتيلا سوريا.

كانت الولايات المتحدة قد رعت، في الأشهر الماضية، وساطة بين سوريا وإسرائيل، وقد تم الاتفاق فيه على عودة إسرائيل إلى خط ما قبل سقوط نظام الأسد، ووقف الغارات الجوية، لكن تل أبيب اشترطت منع وجود مظاهر مسلحة سورية في «المنطقة الفاصلة» التي احتلتها، وفرضت منطقة حظر تواجد عسكري وجوي لأغراض عسكرية بين المنطقة العازلة وتشمل محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة، كما منعت نصب أو تفعيل بطاريات صواريخ مضادة للطائرات في منطقة تصل إلى منتصف سوريا بما يشمل ريف حماه والبادية.

تعثّر هذا الاتفاق إثر مسعى تل أبيب لموافقة دمشق على «حق إسرائيل» في شن ضربات استباقية «لمكافحة الإرهاب»، وتبعته لقاءات رعتها واشنطن بين الطرفين في أذربيجان اعتبرتها السلطات السورية قبولا إسرائيليا بدخول قواتها إلى مدينة السويداء، التي تسكنها غالبية من الدروز، ما أدى إلى انتهاكات عنيفة بحق الدروز، استغلّته إسرائيل لقصف القوات المهاجمة، ومبنى الأركان، ومحيط القصر الرئاسي، في رسائل عنيفة هزّت النظام الجديد.

اعتبر الرئيس السوري أحمد الشرع ما حصل «فخا مدبرا» هدفه السماح لإسرائيل بالتهرب من الاتفاق الأمني الذي رعته واشنطن، أما الشرخ الأهلي فتعمّق وتم استثماره من إسرائيل التي تشددت في رفع مطالب أمنية أكبر، وطالبت بموافقة سورية على التدخّل «لحماية الدروز»، كما زادت الضغط على الحكومة السورية لدفعها للتخلي بشكل كامل عن الجولان السوري المحتل.

برفعها مطالب تتشدد أكثر فأكثر، وبزيادة تصعيدها العسكريّ ضد الحكومة السورية، وسكان الجنوب، تطمح حكومة بنيامين نتنياهو المنتشية بفائض القوة وفرضية «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» لصالحها، إلى ربط الاتفاق الأمني بتنازل سوري عن الجولان، وهو أمر ترفض الحكومة السورية حصوله.

تعديل هذا الاختلال الكبير بين سوريا وإسرائيل لا يمكن أن يحصل من دون ضغط عربي وإقليمي ودولي لموازنة قوة الإبادة الدموية الإسرائيلية، وهو ما يفترض أن يتزامن مع مساع حقيقية لحل الإشكالات التي وسّعت الشروخ الأهلية، عبر الاستجابة لمطالب السوريين في العدالة الانتقالية، والحوار الوطني… ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

القدس العربي

———————————

سوريا تطالب بوقف خروقات إسرائيل وساعر يستبعد اتفاقا قريبا

حذر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اليوم الأربعاء من “التحدي الخطير” الذي تمثله الاعتداءات الإسرائيلية، وأكد أن احترام سيادة سوريا هو المدخل لبناء السلام معها، في حين استبعدت إسرائيل توقيع اتفاق أمني مع سوريا.

وشدد الشيباني، خلال لقائه بسفراء دول أجنبية في دمشق، على أنه “لا يمكن إغفال الاعتداءات الإسرائيلية والانتهاكات المتكررة للأراضي السورية”، مؤكدا أن سوريا “لن تكون منطلقا لأي تهديد لدول الجوار”.

وطالب الوزير السوري السفراء المعتمدين في دمشق بدعوة دولهم إلى استخدام الطرق الدبلوماسية والقانونية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.

يأتي هذا، في حين ذكرت قناة الإخبارية السورية، أن دورية تابعة للجيش الإسرائيلي اعتقلت شابا في قرية المشيدة بريف القنيطرة خلال توغلها في المنطقة.

في المقابل، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن إسرائيل “أبعد ما تكون” عن اتفاق أمني مع سوريا، مشيرا إلى اتساع الفجوة بين الجانبين.

ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب لن تتعجل الانسحاب من جبل الشيخ في سوريا، معتبرا الموقع “إستراتيجيا” لأمن إسرائيل.

يأتي هذا التصعيد وسط تطورات إقليمية أوسع، حيث أفاد قائد القيادة الوسطى الأميركية بأن التعاون مع سوريا كشريك “لا غنى عنه” لمواجهة تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية.

كما ينتظر الكونغرس الأميركي تصويتا مرتقبا على إلغاء “قانون قيصر”، الذي يفرض عقوبات على سوريا، تمهيدا لرفعها جزئيا، وهذا قد يفتح أبوابا لتحسين العلاقات الدولية مع دمشق.

المصدر: الجزيرة

—————————

إسرائيل تُواصل انتهاكاتها في سوريا… وتهاجم برّاك: يخدم مصالح أنقرة/ هبة محمد

في وقت اعتقلت فيه إسرائيل، أمس الأربعاء، شابّين من درعا والقنيطرة خلال عمليتي توغل، تصاعدت تصريحات مسؤوليها ضد دمشق، وكذلك ضد المبعوث الأمريكي إلى دمشق توم برّاك.

وقالت مصادر أهلية لـ»القدس العربي» إن دورية تابعة لجيش الاحتلال توغلت، في قرية المشيدة في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث اعتقلت الشاب ياسين ماجد العبلي.

وذكرت المصادر أن العبلي، وهو راع للأغنام، كان لاجئا خارج سوريا وقد عاد إليها سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

وجاء هذا الاعتقال بعد ساعات من عملية مشابهة نُفذت منتصف ليل الأربعاء، حين اقتحمت قوات الاحتلال قرية العارضة في ريف درعا الغربي، واعتقلت شاباً من منزله، فيما استمر تحليق طائرات الاستطلاع الإسرائيلية فوق المنطقة.

وأفادت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» أن قوات الاحتلال فرضت طوقاً أمنياً حول القرية، وداهمت عدة منازل، واعتقلت الشاب محمد القويدر، ثم انسحبت.

وكانت قوة للاحتلال مؤلفة من 5 آليات عسكرية نصبت الثلاثاء حاجزاً بين بلدة خان أرنبة وقرية عين عيشة في ريف القنيطرة الشمالي عند الأوتوستراد القديم، وأطلقت النار والقنابل الدخانية على المواطنين، ما أدى إلى إصابة 3 مواطنين.

وفي أعقاب ذلك، نظّم أهالي بلدة خان أرنبة في ريف القنيطرة، وقفة احتجاجية في ساحة البلدة تنديداً بالاعتداء الذي ارتكبته قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل البلدة.

وكان قد أصيب ثلاثة مدنيين سوريين بجروح متفاوتة إثر توغل لقوات الاحتلال داخل البلدة حيث نصبت قوة عسكرية مؤلفة من عدة آليات حاجزاً على الطرق الرئيسية بين بلدات جبا وخان أرنبة وعين عيشة، وأطلقت النار والقنابل الدخانية باتجاه الأهالي.

وزعم جيش الاحتلال أن الحادثة سبقها «إخلالٌ بالنظام ورشق بالحجارة» باتجاه جنوده، ما دفعهم إلى إطلاق النار في الهواء والانسحاب إلى مواقع آمنة.

ووفق صحيفة «يديعوت أحرنوت»، فإن الحادثة، تزامنت مع جولة ميدانية أجراها كل من سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك وولز، وسفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة داني دانون، في المنطقة.

ودخل وولز ودانون إلى القنيطرة القديمة «خلال الجولة مرتديين معدات حماية، وأجريا تقييماً ميدانيا للوضع. وخلال عودتهما إلى المركبات، وقَعت الحادثة التي تمثّلت في اضطرابات وإطلاق نار بعد مرور الموكب المسلح».

وأشارت الصحيفة إلى أن «السفيرين لم يشاهدا الحادثة مباشرة، لكنهما كانا على بُعد مئات الأمتار فقط من موقعها».

ونقلت أن دانون تلقّى إحاطة فورية من قائد اللواء في المنطقة، وسارع إلى إبلاغ السفير الأمريكي بتفاصيل ما جرى، قبل أن يتلقى الطرفان لاحقاً إحاطة عسكرية حول التهديدات على الجبهتين اللبنانية والسورية. وشملت الجولة أيضا مواقع في الجليل الأعلى المحتل، ومرتفعات الجولان المحتل، إضافة إلى لقاء مع ضابط رفيع في قوة «أندوف» التابعة للأمم المتحدة، وفقاً للصحيفة.

وتعليقاً على الحادثة، قال وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي إن «الحرب على سوريا باتت حتمية».

وتزامنت الحادثة مع كشف إذاعة الجيش الإسرائيلي عن نقاشات جرت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمشاركة مسؤولين كبار، تناولت أهمية ودلالة الفيديوهات التي تُظهر جنوداً سوريين يهتفون بشعارات عدوانية ضد إسرائيل، ويستخدمون كلمة «عدو» للإشارة إليها.

وقالت الإذاعة: «من المتوقع أن تتخذَ إسرائيلُ خطوات – بما في ذلك توجيه رسائل قوية للنظام السوري حول هذا الموضوع – ومطالبته بإدانة تسجيلات جنوده».

وأشارت إلى أن الجنود في المقاطع المسجّلة يهتفون بعبارات مثل: «غزة، غزة، شعار النصر والصمود»، و»جئت إليك يا عدوي، لأصنع من دمائك ذخيرة وأملأ الأنهار بدمائك»، و»غزة، غزة، غزة رمز، احتلال ودمار، ليل نهار».

ونقلت الإذاعة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين لم تسمهم قولهم: «نحن نتعامل مع النظام السوري بمبدأ الشك والريبة».

ويأتي كل ذلك، وسط تصريحات من مسؤولين إسرائيليين حول تراجع إمكانية عقد اتفاق أمني مع دمشق.

وإذ نفت رئاسة الوزراء في إسرائيل، تقارير إعلامية عربية تحدثت عن التوصل إلى هذا الاتفاق، ووصفتها بأنها «أخبار كاذبة بالكامل»، مع الإقرار بوجود اتصالات جرت برعاية أمريكية دون التوصل إلى تفاهمات.

وأمس، قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر: «نحن بعيدون عن الاتفاق مع سوريا أكثر مما كنا عليه قبل أسابيع».

وبيّن أن «الفجوات بيننا وبين السوريين اتسعت ولديهم مطالب جديدة».

في السياق، فإن موقف إسرائيل العدائي تجاه سوريا برز كنقطة خلاف نادرة مع واشنطن، حيث يريد الرئيس دونالد ترامب حلاً سريعا للتوترات المستمرة بين البلدين منذ عقود، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

وأشارت الصحيفة إلى أن «السلطات الأمريكية أعربت عن خيبة أملها من الموقف العدواني لإسرائيل تجاه سوريا، وأصبح هذا الموقف موضوع خلاف نادر بالنسبة لواشنطن، التي تدعم إسرائيل».

ولفتت إلى أن «المفاوضات بشأن صفقة أمنية برعاية أمريكية بين سوريا وإسرائيل وصلت إلى طريق مسدود، في الوقت الذي يدعو فيه ترامب إسرائيل إلى التوصل إلى اتفاق مشابه مع سوريا»، مبيّنة أن «هناك مخاوف في إسرائيل نفسها من أن موقف الدولة تجاه سوريا قد يهدد علاقاتها مع الولايات المتحدة».

وذكرت بأن إسرائيل وسوريا تجريان منذ عدة أشهر مفاوضات حول اتفاقية أمنية، لكن محطة البث الإسرائيلية أفادت بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود بسبب رفض إسرائيل قبول مطلب الرئيس أحمد الشرع بسحب القوات الإسرائيلية من جميع المواقع التي احتلتها في جنوب سوريا بعد مغادرة الأسد.

وأوضحت المصادر أن إسرائيل قد تسحب قواتها من بعض هذه المواقع فقط مقابل اتفاق سلام كامل مع سوريا، وليس من أجل اتفاقية أمنية محدودة، مشيرة إلى أن مثل هذا الاتفاق الكامل غير متوقع في الوقت الحالي.

وهذا التوتر مع واشنطن يأتي وسط غضب تل أبيب من تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم برّاك، الذي قال خلال «منتدى الدوحة» إن «ما نجح في هذه المنطقة أكثر من أي شيء آخر هو المَلَكيّة».

ونقلت «يديعوت أحرنوت» عن مصادر أمريكية أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عبّر عن غضبه الشديد من تلك التصريحات.

وقال نتنياهو عن برّاك خلال لقائه بالسفير وولز: «لقد فقد صوابه تماماً. يفضل المَلكيّة على الديمقراطية ويخدم المصالح التركية في المنطقة».

كذلك، اتهم مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى برّاك، بالدفاع عن المصالح التركية.

ونقل موقع «والّا» الإسرائيلي عن المسؤول قوله إنّ تل أبيب تشعر بقلق شديد إزاء تصريحات برّاك.

وأضاف أنّ «برّاك يتصرف كما لو كان سفير تركيا، ويؤثر سلباً على ما يجري في الشرق الأوسط».

وقال إنّ «نتنياهو، يعتبر برّاك «عنصراً يتصرف بعداء تجاه إسرائيل»، مشيراً إلى أنه «يتأثر بشكل مفرط بالمصالح التركية في سوريا ويتصرف كسفير يخدم مصالح أنقرة».

وذكر التقرير تصريحات برّاك التي أدلى بها قبل أيام في العاصمة القطرية الدوحة، حيث قال: «قد تدّعي إسرائيل أنها دولة ديمقراطية، ولكن ما يعمل في الواقع بشكل أفضل في هذه المنطقة هو نظام ملكيٌ خيري»

وأشار التقرير إلى أنّ إسرائيل تستثمر في الكوادر المؤيدة لها ضمن الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ومندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك وولز.

———————————

 باراك: سوريا أسهل خطوة لإسرائيل.. ودمشق لا تريد العداء

الخميس 2025/12/11

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، إن سوريا هي أسهل خطوة أمام إسرائيل لإظهار مرونة في التعامل مع العالم وسد الفجوات.

مصلحة إسرائيلية

وقال باراك خلال مقابلة قناة “آي نيوز- 24” الإسرائيلية، إن سوريا “تدرك أن مستقبلها مرتبط باتفاق أمني وسياج حدودي مع إسرائيل”، مؤكداً أن دمشق لا تريد العداء مع إسرائيل”، وأن أي تفاهم بين الطرفين سيكون “في مصلحة إسرائيلية واضحة”.

وأضاف أن إسرائيل لا يمكنها محاربة كل دولة تحيط بها، وأن المسار التفاوضي مع سوريا قد يفتح باب تهدئة أوسع ويُظهر “مرونة إسرائيلية” في التعامل مع العالم.

واعتبر أن “سوريا في الوقت الراهن، تُعد أسهل خطوة لإسرائيل لتحقيق تقدم، إنها أسهل مكان لإظهار مرونة في التعامل مع العالم وسد الفجوات”.

وشدد المبعوث الأميركي على أن تركيا ليست عدوانية تجاه إسرائيل، لافتاً إلى أن أنقرة “بإمكانها أن تساعد في قوة دولية بغزة وإبرام اتفاق بين دمشق وتل أبيب”. وأضاف “أعتقد أن لدى تركيا قدرات في مواجهة حماس، وليس لدى تركيا سياسة عدوانية تجاه إسرائيل، وآخر ما يفكرون فيه هو عودة الإمبراطورية العثمانية”.

وقال باراك: “عرضنا كان أن القوات التركية يمكن أن تساعد في تهدئة الوضع، وأنا أفهم لماذا إسرائيل لا تثق بذلك، ولكن نعم، أعتقد أن ذلك يمكن أن يساعد”، مرجحاً وجود إمكانية لمسار تطبيع بين تركيا وإسرائيل، و”منطقي جداً”.

انتقاد إسرائيلي لباراك

والثلاثاء، كشف موقع “واللا” أن توتراً متصاعداً يسود داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن توم باراك. ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي كبير، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بات يعتبر المبعوث الأميركي “جهة معادية” في بعض الملفات، وأنه “متأثر بشدة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان”، في مقاربته للملف السوري.

وبحسب الموقع، قال المسؤول الإسرائيلي إن باراك “يتصرف وكأنه سفير تركي”، في إشارة إلى ما تعتبره تل أبيب انحيازاً من المبعوث الأميركي نحو الرؤية التركية المتعلقة بمستقبل الشمال السوري والترتيبات الأمنية الحدودية، الأمر الذي ترى فيه إسرائيل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.

وترى القيادة الإسرائيلية، وفق تقرير “واللا”، أن المقاربة الأميركية الجديدة – التي تمنح أنقرة وزناً أكبر في هندسة المرحلة المقبلة في سوريا – قد تؤدي إلى تقليص مساحة الحركة الإسرائيلية داخل العمق السوري، وتعزيز نفوذ تركيا وإيران على حساب الدور الإسرائيلي، ما دفع نتنياهو إلى رفع مستوى الاعتراض داخل قنوات التواصل مع واشنطن.

———————

=======================

تحديث 10 كانون الأول 2025

———————————

بيت جن: العيش تحت تهديد إسرائيل المتواصل/ جمانة شتيوي

أحوال البلدة وأهلها بعد الاعتداءات الإسرائيلية

10-12-2025

        «نايمين نوم الفايق».. بهذه العبارة يصف أحد أهالي بيت جن في ريف دمشق حالهم بعد أكثر من أسبوع على المعركة الأخيرة التي قتلت فيها إسرائيل 13 شخصاً وجرحت أكثر من 25 آخرين. كما تضرّرت نتيجة الهجوم الإسرائيلي ستة منازل بشكل كامل، إلى جانب أضرار واسعة طالت عدداً كبيرة من المنازل في القرية. لا أحد ينام نوماً هانئاً في بيت جن، فالجميع في حالة ترقّب دائم؛ يراقبون السماء أكثر مما يراقبون حياتهم اليومية: طيران إسرائيلي وطائرات استطلاع، احتمال هجمة برّية، أو حتى طلقة رصاص واحدة قد تُعيد لحظة الرعب من جديد.

        يتركّز الخوف الأكبر اليوم من عودة القوات الإسرائيلية إلى القرية واعتقال الشباب أو اقتحام البيوت مرةً أخرى. فالأهالي الذين ظنّوا بعد سقوط النظام أنّ زمن القصف قد انتهى وأن بإمكانهم أخيراً التفكير في بناء بلدتهم والعودة لزراعة أراضيهم واستعادة حياتهم، وجدوا أنفسهم يُضربون من جديد. بيت جن التي تعرضت لقصف متواصل من قوات النظام السوري بين عامي 2013 و2017، ولحملات واقتحامات نفذتها ميليشاته، عاشت طويلاً في هامش التجربة السورية، بعيدة عن الضوء والدعم والاهتمام، رغم الثمن الباهظ الذي دفعته من دماء أبنائها سواء تحت القصف أو في المعتقلات ونتيجة الهجوم على بيوتها وبساتينها. جددت الضربة الإسرائيلية الأخيرة جروحاً قديمة لم تلتئم، فما زال الكثير من الأهالي في القرية كحال باقي السوريين يبحثون عن مصير أبنائهم ويحاولون ترميم الدمار، وفتحت جروحاً جديدة؛ المزيد من المعتقلين والجرحى والقتلى، وأيضاً الحرمان من إمكانية التقاط الأنفاس بعد سنوات من الحرب.

        في الليل لا أحد في بيت جن ينام، فالجميع متوجس من أي حركة في السماء أو الأرض. يقول حسان (اسم مستعار لأحد أبناء البلدة) إنهم يعيشون منذ 2013 على هذا الإيقاع، لدرجة أن نسبةً قليلةً جداً فقط من الناس تجرأت على تجديد بيوتها أو تركيب ألواح الطاقة الشمسية – وهي ضرورية لكون القرية زراعية وتحتاج الكهرباء – خوفاً من التوغلات أو الاشتباكات التي «لا تُبقي ولا تذر» شيئاً أمامها. لا يستطيع معظم  أهالي المنطقة الهجرة خارج سوريا، وليس لديهم الرغبة حتى بالهجرة داخلها، وكل ما يريدونه هو البقاء في أرضهم. أمّا هروبهم الوحيد فهو اللجوء إلى منطقة آمنة قريبة ولبضعة أيام فقط، بسبب التوغلات الإسرائيلية المتكررة ولا سيما الهجوم الأخير، ثم العودة إلى البلدة فور هدوء الأصوات. وتمتلك بعض العائلات منزلَين: أحدهما داخل البلدة وآخر في مزرعة بيت جن أو في القرى القريبة، ما يُتيح لهم خيار الهرب في حالات التوتر. أمّا العائلات الأشد فقراً فليس لديها هذا الترف، واضطرت – كما في أيام قصف الأسد – للاحتماء داخل المغارات الجبلية المحيطة بالقرية.

        ويُكمل حسان: «كابن بيت جن، ما عاد في شي يخوّف قدّ الخوف من التهجير القسري. الحرب والقصف صارت جزء من يومنا من سنين، بس فكرة إنه نترك الأرض والبيوت اللي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا هي الشي الوحيد اللي ما بيتحمّلوه أهل الضيعة. كل توغّل أو اشتباك بيفتح هواجس قديمة، وبيذكّر الناس إنه مصير المكان كلّه ممكن ينقلب بلحظة».

        تقول صفاء، وهي ناشطة محلية من بيت جن: «لا يوجد ملاجئ في بيت جن، ولا حتى في عموم سوريا، لذا تختبىء العائلات في أقبية داخل البيوت أو في مغارات طبيعية في الجبال. هناك ست مغارات قريبة فقط يُمكن أن تلجأ إليها الناس، وتحتمي فيها عادةً عائلات محدودة، والمغارة الواحدة قد لا تتسع لأكثر من عائلة إلى ثلاثة عوائل، والوصول إليها غالباً ما يكون محفوفاً بالمخاطر. أحد الشبان أُصيب أثناء محاولته الهرب إليها، بينما قتلت إسرائيل الطفلة هبة أبو ضاهر أمام باب المغارة نفسها. كانت هبة متخفّيةً في بيتها، وعندما حاولتْ الهرب أُصيبت هي وأختها ووالدها برصاص مباشر. ماتت هبة بسبب عدم القدرة على إسعافها حتى الصباح».

        بعض البيوت ملاصقة للمغارات، أمّا باقي البيوت فالوصول منها إلى تلك المغارات يحتاج وقتاً لا يكون متاحاً تحت القصف، وهذا جعل الاعتماد عليها كملاذ أمراً محدوداً وخطيراً، لكنه رغم ذلك يظلّ الخيار الوحيد للفئات أكثر ضعفاً.

        توقف التعليم تماماً في الأسبوع اللاحق للضربة. في بيت جن مدرستان؛ ابتدائية وإعدادية، تضررت الأولى بشظايا القذيفة التي أصابت المسجد، فيما تحطّم زجاج الثانية نتيجة الضربات التي وقعت بالقرب منها، حيث تعرّض بيت مجاور للمدرسة لقصف دمره بالكامل وقُتِلت داخله عائلةٌ مكونة من خمسة أشخاص، بينهم طفل. وقد لحقت بالمدرسة أضرار بسيطة لكنها تحتاج إلى بعض الترميم قبل استقبال الطلاب. الأسبوع الذي تلا المعركة كان عطلة كاملة بسبب النزوح والخوف، ثم أعقبه عطلة بمناسبة حلول ذكرى التحرير حتى يوم الاثنين 8 كانون الأول (ديسمبر)، وفي يوم الثلاثاء عاد الطلاب للمدرسة رغم الضرر الحاصل فيها، إذ يرغب الأهالي في استمرارية العيش.

        بعد الضربة، غادر ما بين 300 و400 عائلة باتجاه القرى المجاورة: سعسع، مزرعة بيت جن، جديدة عرطوز، وعرطوز، وفقاً لتوزع الأقارب والمعارف. وبدأت العودة في اليوم الثالث بعد أن توقفت الطائرات المُسيّرة عن التحليق الكثيف، وبدأ الناس يستعيدون توازنهم بعد الصدمة الأولى، ورأوا الوفود الشعبية والحكومية ووفود التعازي تصل إلى القرية. بعض العائلات لم تستطع العودة بسبب تضرر منازلها، وبقي عشرات خارج القرية، لكن الغالبية من أهالي بيت جن قد عادوا إليها.

        ونفّذ الهلال الأحمر والدفاع المدني مسحاً للمناطق المتضررة، وكذلك الأهالي أنفسهم، وأرسلوا ملفاً للمحافظ ومدير المنطقة ورئيس البلدية والمختار والهلال الأحمر. كما وصلت بعض المنظمات وقدمت معونات غذائية عاجلة، وخاصة الهلال الأحمر ومركز الملك سلمان، فيما زارت فرق من الأمم المتحدة البيوت المتضررة. تقول الناشطة المحلية صفاء إن الأهالي خلال الزيارات التي أعقبت المعركة وقبلها، وفي لقاءاتهم مع قوات الأمم المتحدة (الأندوف) «عبّروا بوضوح أن إسرائيل يجب ألا تدخل أراضيهم أو تعتقل الناس تحت أي حجة، وأنهم يعيشون ضمن دولة هي سوريا، ولا يريدون أن يتحولوا إلى منطقة مفتوحة ومستباحة أمام الاعتداءات، وأن لهم حق الدفاع عن أنفسهم وبيوتهم في حال استمرت الاستباحة الإسرائيلية». تقول صفاء إن «الأهالي حاولوا مرات عدة المطالبة بمعتقليهم لدى القوات الإسرائيلية والضغط على القوات الأممية للوصول إلى حل، ولكن دون جدوى، وما تزال أخبار المعتقلين متضاربة، ومن غير المعروف مكان وجودهم بالضبط، ولكن مع تواتر أخبار تقول إنهم في سجن «نفحة» في منطقة بئر السبع، وأنهم تحت «الاعتقال الإداري»، دون أي معلومات إضافية عن مصيرهم».

        خرج علي قاسم حمادة، أحد المعتقلين، من سجون الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً، وذلك بعد سبعة أشهر من الاعتقال، وأخبر الأهالي أنه والشباب كانوا في مكانٍ واحد، وأنه التقى بآخر شابّين اعتقلتهم قوات الاحتلال في السجن نفسه، دون رغبة بالحديث عن تفاصيل.

        يقول الأهالي إن معاناة فقد الأبناء لم تنتهِ بسقوط النظام، بل امتدت الآن بطرق جديدة، إذ أصبح الاعتقال الإسرائيلي يُضاف إلى سجل الاختفاء القسري الطويل الذي عاشوه منذ سنوات الثورة. الكثير من الشباب والأبناء تم اعتقالهم فجأة، دون تهم واضحة، وبعضهم يُحتجز في أماكن غير معلومة، فيما تبقى العائلات في حالة ترقب دائم، بين خوف فقد جديد وذكريات فقد قديم. بالنسبة لهم، هذه الاعتقالات ليست مجرد احتجاز، بل تجدد للصدمة النفسية والاجتماعية، فهي تُعيدهم إلى شعور العجز والقلق المستمر الذي عرفوه أيام اختفاء أبنائهم لدى النظام، وتُذكّرهم بأن الأرض التي يعيشون عليها مع أبنائهم ليست آمنة من الاستهداف، مهما حاولوا العودة إلى حياتهم الطبيعية.

        المعيشة في بيت جن

        بيت جن تعتمد في معيشتها على تربية المواشي أكثر من الزراعة، بسبب طبيعة الأرض الجبلية. الأراضي المزروعة هي الكروم والزيتون بشكل أساسي، وهذه الأراضي لم يعد بالإمكان الوصول إليها بسبب الوجود العسكري الإسرائيلي اليومي بعد المعركة.

        في الظروف العادية، كان الرعيان يصعدون في هذا الوقت من السنة إلى الجبال العالية القريبة من المرصد، أو يتنقلون ضمن الأحراش حول القرية، حيث يُتيح لهم الغطاء النباتي إخفاء مواشيهم ورعيها في مناطق واسعة. لكن بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على هذه المرتفعات، تراجع الرعيان نحو أطراف مزرعة بيت جن ومناطق مفتوحة أبعد عن نقاط التوغل. ومع ذلك، لم يَسلم البعض من الاستهداف، إذ جرى إطلاق النار أكثر من مرة على رعاة كانوا يحاولون الاقتراب من خطوط الرعي القديمة، وفي إحدى الحوادث تم اعتقال أحدهم وضربه ثم إعادته إلى بيته.

        خلال الأيام الأخيرة، أصبح الوصول إلى مناطق الرعي شبه مستحيل. لذلك اضطر أغلب الرعيان للاعتماد كلياً على العلف بدل الرعي الطبيعي، وهو عبء مادي ثقيل على أهالٍ يعانون أصلاً من أزمة اقتصادية طويلة قبل الضربة، وتضاعفت بعد التوغلات الأخيرة. هذا ما قاله إياد من أبناء المنطقة وثوارها القدامى،  يقول أيضاً، إن كثيراً من الرعيان «لم يعودوا قادرين يقرّبوا على أراضيهم ولا على سفوح الجبل، وصار اعتمادهم بس على العلف، والمصاري ما عم تكفي، خصوصاً بعد ما خسروا جزء من مواشيهم أو اضطرّوا يبيعوها».

        فضل عدد من المربين بيع قطعانهم كاملة للخلاص من مسؤولية رعيها في بيئة مُهدّدة وخطرة، بينما يُحاول آخرون الحفاظ على ما تبقى لديهم من ماشية بالحدّ الأدنى، رغم التكلفة اليومية المرتفعة. ويُغامر بعض الرعيان بالاقتراب من الأحراش، مستفيدين من نضج ثمار البلوط في هذا الفصل، لكن الجيش يستهدف حتى من يختبئون داخل الغابات، ما يجعل هذه المحاولات محدودة للغاية.

        بالنسبة للوضع الطبي، لا يوجد نقطة طبية يُمكن الاعتماد عليها، فهناك مستوصف في مزرعة بيت جن لكنه غير مهيأ بشكل كافي لمساعدة الجرحى. ومن أجل فهم جغرافية المنطقة، بيت جن و«مزرعة بيت جن» هما قريتان متجاورتان، يفصلهما «النهر الأعوج» والوادي، والمسافة بينهما نحو ثلاثة كيلومترات فقط. لكن مستوصف مزرعة بيت جن، الذي خرج عن الخدمة منذ 2013 بعد خروج المنطقة من سيطرة النظام، ورغم عودة الموظفين إليه بعد سقوط النظام، لا يزال يفتقر للكادر الطبي والمعدات والأدوية. في حين أن مستوصف بيت جن فمتوقف تماماً عن العمل منذ 2013، عندما قصفه النظام ضمن استهدافه للثانوية المهنية، ولم يُعاد تشغيله مطلقاً.

        أقرب نقطة طبية كانت قادرة على استقبال الجرحى هي خان أرنبة – مشفى الجولان/أباظة سابقًا – لكن الأهالي تخوّفوا من إسعاف جرحاهم إليها بسبب التوغلات الإسرائيلية المستمرة. فجرى إسعاف الجرحى إلى القرى المجاورة مثل سعسع ومنها دمشق مباشرة، رغم أن المسافة لا تقل عن 60 كيلومتراً، ورغم صعوبة الطريق. اليوم يتوزّع الجرحى بين بيوتهم وبيوت أقاربهم في القرى المجاورة، باستثناء شاب واحد إصابته خطرة وما زال في المشفى.

        الحياة اليومية اليوم شبه مشلولة. الحركة ضعيفة، وفرص العمل قليلة، يُمضي الناس أوقاتهم في الزيارات وتقديم المواساة ومساعدة بعضهم البعض قدر الإمكان. ورغم أن أغلب المحال التجارية ما تزال مفتوحة، إلا أن حركة الشراء محدودة ومظاهر الحياة العادية تكاد تكون غائبة. وتُعرف بيت جن بأنها منطقة سياحية، غير أن ما شهدته في الأشهر الأخيرة من توغلات إسرائيلية أدى إلى انحسار السياحة وأثّر بشدة على مصدر رزق العائلات التي كانت تعوّل على الموسم الصيفي لتعويض جزءٍ من خسائر السنة.

        يقول مختار مزرعة بيت جن بركات عثمان إنّ «منظمات عدة دخلت إلى المنطقة، بينها الهلال الأحمر والقوات الأممية، وعاينت الأضرار التي خلّفها التوغل الأخير». لكن الواضح، كما يقول، أنّ القوات الأممية غير قادرة على تقديم أكثر من ذلك في الوقت الحالي، ولن تتمكن من منع الاعتداءات المتكررة. «بعض الأهالي يرفضون العودة حتى الآن، رغم محاولات الأهالي لإقناعهم، فالخوف من التوغّل والمسيرات ما يزال حاضراً، وزادت شهادات الضحايا من هذا القلق. الوضع عامّةً تعيس وغير مستقر، والأطفال مرعوبون ولا قدرة للأهالي على طمأنتهم. وبرغم كل شيء، فإنّ رغبة الأهالي الأكبر هي أن تستمر حياتهم، وأن يكون لهم فرصة في بناء بلدتهم التي دفعت ثمناً كبيراً أيام نظام الأسد».

        الخوف الأكبر الآن هو أن تتكرر الهجمة، أو أن تضطر العائلات للنزوح مجدداً. تقول شهادات الأهالي إن «الوضع سيئ… وسيئ جدًا»، والحياة المعيشية أصبحت أكثر هشاشة بعد التوغلات والوجود العسكري الإسرائيلي المتكرر. الأهالي يشعرون أن فرحتهم الكاملة لم تأتِ بعد، وفرحهم بسقوط النظام «ما يزال ناقصاً بسبب العدو الإسرائيلي، وأنهم يعيشون بين زمنين: زمن لم ينسوه من القصف والاعتقال، وزمن جديد انفتح فجأة عليهم بالضربات والتوغلات والاعتقالات الأخيرة».

        يقول أهالي بيت جن إنّ أكثر ما خفّف عنهم خلال الأيام الأخيرة هو تدفق الناس من مختلف المناطق السورية لزيارتهم وتقديم العزاء والمؤازرة، فقد جاءت وفودٌ من مدن وبلدات بعيدة، وارتفعت في الساحات هتافات تضامنٍ، ما جعل الأهالي يشعرون للحظة أنّ كل سوريا هي بيت جن، وأن وجعهم ليس منسياً. كما أعاد إليهم الحضورُ الواسع إحساساً افتقدوه طويلاً: أن لهم أهلاً في كل مكان، وأنّ معركتهم للتمسّك بأرضهم ليست معركة معزولة، بل جزء من قصة أوسع لشعب كامل يقف معهم.

        لا تقتصر خطورة التوغلات الإسرائيلية المستمرة، إذا ما استثنينا الاعتقالات والقصف، على الخسائر المادية أو تعطيل مصادر الرزق فحسب؛ بل تمتدّ إلى مستوى أعمق يمسّ هوية الناس وعلاقتهم القديمة بالأرض والجبل والأحراش. أبناء بيت جن لم يبنوا حياتهم على مصدر واحد للعيش، بل اعتمدوا على مزيج من تربية المواشي، والعمل في الأرض، والمهن والحرف خارج وداخل القرية، ونشأوا على علاقة متوارثة مع المكان تُشبه الامتداد الطبيعي للذاكرة.

        اليوم، مع منعهم من الوصول إلى أراضيهم، ومع تضييق الحركة عليهم في الجبال التي نشأوا فيها، يشعر كثيرون أن ما يحدث ليس مجرد عبء اقتصادي ثقيل، بل محاولة غير مباشرة لاقتلاعهم من علاقتهم الأصيلة بالمكان.

        فالأرض التي كانوا يعتنون بها، والأحراش التي يعرفونها كما يعرفون أنفسهم، والمناطق التي كانوا يصلونها مشياً أو مع مواشيهم، أصبحت الآن مناطق تهديد، أو نقاط توغل، أو فضاءات مفتوحة على احتمالات الاعتقال والاستهداف.

        هذا كله يدفع الأهالي إلى تغيير نمط حياتهم، والبحث عن طرق جديدة للعيش لا تشبه ما اعتادوه طوال سنوات. بالنسبة لهم، فإنّ هذا التحول ليس تغييراً في العمل فقط، بل تغييراً قسرياً في شيء من هويتهم نفسها، وفي رابطهم الأعمق بالمكان الذي وُلدوا فيه، وعاش فيه آباؤهم وأجدادهم، وحملوا عنه سرديتهم الخاصة.

        على المستوى المادي فإن الضربة الأخيرة لم تدمّر فقط بيوتاً وبساتين، بل حاولت أن تضرب جوهر هويتهم المرتبطة بالجبل والأرض والكروم والزيتون. فبيت جن ليست مجرد مكان للسكن، هي ذاكرة ونَسَبٌ وامتداد حياة، وكل خطوة تبعد أهلها عن بساتينهم وأرضهم يشعرون أنها انتزاع واقتلاع من هويتهم نفسها. لهذا يتمسّك الأهالي بالبقاء مهما كان خطراً، ويصرّون على أن الأرض التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ستُورثُّ إلى أحفادهم، وأنّ حياتهم – بكل ما فيها – تبدأ من تلك الأرض ولا يرغبون أن تُبنى بعيداً عنها.

موقع الجمهورية

—————————-

 ما هي خيارات سوريا أمام إسرائيل؟/ عدنان علي

2025.12.10

يكرر الرئيس أحمد الشرع في تصريحاته المختلفة، وآخرها في منتدى الدوحة، أن الجانب السوري يقدم باستمرار مبادرات إيجابية تجاه إسرائيل، لكن الأخيرة تتجاهل هذه المبادرات وترد عليها بعنف. وفي هذا السياق، استمعت إلى تعليق وتحليل من المندوب السوري في الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي، على شاشة تلفزيون سوريا، اعتبر فيه أن الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة السورية إزاء إسرائيل واعتداءاتها على الأراضي السورية ناجحة، وأنها حققت إنجازات، أهمها الوصول إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحثّه على مخاطبة نتنياهو لعدم عرقلة مسار الانتقال السياسي في سوريا.

لا شك أن موقف ترامب يعد مهماً للغاية، كونه الشخص الوحيد القادر على ممارسة ضغط فعلي على نتنياهو وحكومته. لكنني أعتقد مع ذلك أن هناك عوامل إضافية يمكن أن تساعد ترامب على ممارسة ضغط أكبر، بل وتضغط على ترامب نفسه، وتدفع نتنياهو لإعادة حساباته، بعيداً عن الاعتماد على ضغوط الرئيس الأميركي التي لا يمكن الركون إليها كثيراً على أي حال، نظراً لطبيعة العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تمنح الأخيرة هامشاً واسعاً من حرية الحركة في قضايا المنطقة، حتى في حال التعارض بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي. هذا فضلاً عن الانحياز الواضح الذي يبديه ترامب لإسرائيل بناءً على خلفيات سياسية ودينية.

والواقع أن الدبلوماسية السورية تجاه إسرائيل ما زالت بلا أدوات فاعلة، وتعتمد أساساً على إبداء حسن النية ومحاولة استجلاب دعم الأطراف الدولية للضغط على حكومة نتنياهو كي توقف اعتداءاتها على سوريا. وأرى أن هذه الاستراتيجية ناقصة، وأن هناك خطوات يمكن للحكومة السورية اتخاذها لتقوية موقعها ومواقع داعميها، ومنها:

تعزيز الوجود الحكومي الخدمي والأمني في القنيطرة والمناطق الحدودية، والعمل على حمايته عبر ضمانات دولية، ولا سيما الأميركية والروسية.

تصعيد الاعتراض السياسي على الانتهاكات الإسرائيلية عبر المؤسسات الدولية والعلاقات الثنائية.

دعم المقاومة الشعبية للاحتلال على غرار ما حدث في بيت جن، وقد أحسنت الحكومة صنعاً بعدم التبرؤ من مقاومي الاحتلال، مع ضرورة التذكير دائماً بأننا نتعامل مع قوات غازية للأراضي السورية، وأن التصدي لها عمل مشروع وفق القانون الدولي، شرط عدم اللجوء إلى أي استفزاز.

المضي في تسوية الملفات الداخلية بما يعزز الموقف السياسي الخارجي للحكومة السورية.

تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع حكومة نتنياهو التي تعاني من أزمات وقد تجد في “الحروب السهلة” وسيلة لفرض هيمنتها في المنطقة أو للهروب من استحقاقات داخلية. ومع ذلك، ينبغي عدم الاستسلام للوهم القائل بأن أي صدام بين القوات السورية والقوات الإسرائيلية الغازية سيؤدي تلقائياً إلى حملة قصف إسرائيلي واسع قد يطال حتى القيادات السياسية. فأعتقد أن إسرائيل، رغم تهديداتها في المنطقة، ليست مطلقة اليدين في سوريا، بالنظر إلى التحفظ الأميركي من جهة، ومواقف دول حليفة لدمشق كالسعودية وتركيا التي تمتلك قنوات قوية مع واشنطن من جهة أخرى.

وإذا تجاوزنا هذه المقاربات السياسية، فإن التوازن العسكري بين الجانبين السوري والإسرائيلي ليس مختلاً بالكامل لصالح إسرائيل، رغم تفوقها الجوي والتكنولوجي. ولا شك أنها تتخوف من الانحدار نحو مواجهة مفتوحة مع القوات الحكومية السورية المتمرسة في حرب العصابات، وهو النوع من الحروب الذي تتحاشاه إسرائيل عادة. ويرتبط ذلك أيضاً بقلق واشنطن من أن يؤدي تصعيد الضغوط الإسرائيلية على دمشق إلى دفع الحكومة السورية للتراجع عن خيارها السلمي ومبادراتها الإيجابية المستمرة منذ عام تجاه إسرائيل، خاصة أن هذه الضغوط تسبب حرجاً داخلياً للحكومة السورية بسبب عدم الرد على الاعتداءات المتكررة. وقد يترتب على هذا التحول تبعات خطيرة، من بينها عودة الوضع في المنطقة إلى ما كان عليه قبل سقوط النظام السابق، بحيث تصبح سوريا ساحة مفتوحة للجهاديين والمقاتلين من مختلف أنحاء العالم الراغبين في محاربة إسرائيل، فضلاً عن احتمال عودة إيران وحزب الله وقوى أخرى أُخرجت من المنطقة بعد وصول النظام الحالي إلى السلطة، في حال تحول الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل.

بطبيعة الحال، يبقى هذا السيناريو الخيار الأخير بيد الحكومة السورية إذا أصرت إسرائيل على مواصلة اعتداءاتها. وهو خيار يعني عملياً خسارة الرهانات التي بنت عليها الحكومة مسار رفع العقوبات وإعادة الازدهار للبلاد وبناء الدولة السورية الحديثة. ومع ذلك، قد لا تصل الأمور إلى هذا الحد، إذ يكفي مجرد التلويح بهذا الخيار ليشكل عامل ضغط على الإدارة الأميركية وعلى إسرائيل معاً. فالمسألة أشبه بمعركة عضّ أصابع ومعادلة شدّ وجذب بين الطرفين، يكسبها من يستطيع الصمود وإثبات أنه يمتلك بدائل متعددة، وليس محاصَراً بخيار واحد. وفي هذه الحالة، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها تجاه سوريا.

تلفزيون سوريا

———————————

بين التهدئة والتطبيع.. ما الذي تحمله الرسائل الأميركية إلى دمشق؟/ أحمد الكناني

10 ديسمبر 2025

حملت التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، رسائل مختلفة إلى كل من سوريا وإسرائيل، اللتين تشهدان مفاوضات عالقة في الجنوب السوري، إذ أشار بشكل صريح إلى مسار التطبيع مع إسرائيل كهدف رئيسي في المفاوضات، وفي نفس الوقت لفت إلى أن دمشق قدمت كل ما طُلب منها في إطار التهدئة مع إسرائيل، الأمر الذي يلقي مسؤولية التعجيل في الاتفاق على العاتق الإسرائيلي، ويعطي إشارات واضحة لدمشق بأن واشنطن تضع التطبيع طريقًا نهائيًا للحل في الجنوب.

أعادت حادثة بيت جن، في جبل الشيخ بريف دمشق الغربي، النظر بالمخاطر الموجودة جنوبًا، بسبب تأخر الحل بين سوريا وإسرائيل، وهو ما دفع بمزيد من الجهود الأميركية، والتي تعمل كوسيط رئيسي للضغط على إسرائيل، بحسب الرئيس السوري أحمد الشرع خلال حديثه في مؤتمر الدوحة بقطر، حيث أشار إلى ضرورة عودة إسرائيل عن المناطق التي احتلها بعد سقوط النظام، والالتزام باتفاق فض الاشتباك عام 1974.

رسائل التطبيع الأميركية

أثارت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا بخصوص التطبيع مع إسرائيل العديد من التساؤلات حول جدية ضغوط واشنطن على تل أبيب لوقف انتهاكاتها، وتوافق رؤيتها مع إسرائيل بهذا المطلب، والذي تراه دمشق غير قابل للتطبيق في الوقت الحالي.

يرى الباحث السياسي محمد الجابي وجود تغير في الموقف الأميركي تجاه إسرائيل بتعزيز ضغوطاتها تجاه وقف التصعيد مع دمشق خاصة بعد أحداث بيت جن، إذ يشكل هذا الضغط جزءًا من استراتيجيتها في الشرق الأوسط القائمة على إدارة التحالفات، والحد من انتشار النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة، وعليه باتت أميركا أكثر جدية من أي وقت مضى لصالح عدم السماح للنفوذ الروسي أن يملا الفراغ، أو أن يكون راعيًا للاتفاق بين سوريا وإسرائيل، وعليه يستخدم براك مصطلح التطبيع في دلالة عامة على الغاية الرئيسية للجهود والأهداف الأميركية في المنطقة.

يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة إلى أن استخدام براك لمصطلح التطبيع لا يعني مفهومه التقليدي بقدر ما هو متعلق بمراحل متدرجة من العلاقات مع إسرائيل، وتبدأ باتفاق أمني وتنتهي باتفاق سلام، وعليه تستخدم واشنطن عناوين عريضة في وصف شكل الشراكة بين الدول، خاصة لمعرفتها عدم وجود شروط شعبية أو سياسية مناسبة لأي اتفاق تطبيع أو سلام بين سوريا وإسرائيل، لافتًا إلى أن مصطلح التطبيع قد يأخذ جوانب أخرى مختلفة عن السلام بين الجانبين.

هوامش أميركية

يرى الباحث السياسي الجابي أن واشنطن تدرك المعوقات الكبيرة لاتفاق التطبيع بالنسبة لسوريا، وهو ما يشكل خطًا أحمر بالنسبة للشارع السوري، وعليه يعمل المبعوث الأميركي على هوامش أمنية وعسكرية تكفل لدمشق السيادة، وترضي إسرائيل بنفس الوقت، ما يجعل المهمة أكثر صعوبة، وتبحث واشنطن في حلول متعلقة بتفاصيل أمنية وعسكرية في الجنوب السوري، قبل الانتقال لأي مرحلة سياسية.

ولفت الجابي إلى وجود تناقض في التصريحات الإسرائيلية التي نقلها براك والمتعلقة بعدم ثقة إسرائيل بالجانب السوري، إذ من غير المنطقي وجود عدم ثقة وفي نفس الوقت تشترط اتفاق سلام مع الإدارة الجديدة، منوهًا إلى أن مهمة براك تتلخص بالوصول إلى صيغة توافقية بين رؤية إسرائيل الأمنية والعسكرية، والرؤية السورية القائمة على السيادة والاستقرار.

يؤكد الباحث في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة أن أميركا تتعامل مع المطالب الإسرائيلية بحذر ومراعاة شديدة لها في التعاطي مع سوريا، إذ لم تأخذ واشنطن أي موقف جاد بعد حادثة بيت جن التي شكلت تصعيدًا مباشرًا في العلاقات السورية الإسرائيلية، حيث ترى واشنطن ضرورة وجود توافق بين الطرفين دون إدانة واضحة لإسرائيل، وفي نفس الوقت تعي الإدارة الأميركية ضمنيًا أن سياسات اليمين المتطرف وعلى رأسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتت ثقلًا كبيرًا على إدارة ترامب، خاصة في ظل وجود محاكمات يلتمس فيها نتنياهو العفو، ويماطل بالتصعيد الخارجي للإفلات القضاء.

مسار أميركي محتمل

يعتقد الباحث السياسي الجابي أن المبعوث الأميركي براك يعمل على مسارات متنوعة في إطار خفض التصعيد بين سوريا واسرائيل، وإيقاف التهديد والتمدد الإسرائيلي في الأراضي السورية، تجنبًا لتكرار سيناريو بيت جن، وما نتج عنه من تبعات عسكرية، إلا أنه من الواضح أن القضية تحتاج لجهود دولية شاملة لإيجاد حل في الجنوب السوري بما في ذلك قضية السويداء الورقة الأبرز بيد إسرائيل.

من جانبه الخبير في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة يرى احتمالية تفعيل الدور الروسي كجزء أساسي في الحل بالمنطقة الجنوبية، وذلك في موافقة ضمنية أميركية طالبت بها إسرائيل، إلا أن طبيعة التواجد وآليته لن يتضحا دون وجود اتفاق معلن بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وبالتالي لن تبقى حالة الفوضى كما هي عليه في الجنوب، فذلك ليس من مصلحة أي من الأطراف.

الترا سوريا

———————————

ماذا تريد إسرائيل من سوريا الجديدة؟/ أحمد عويدات

مع حلول الذكرى السنوية الأولى لعملية «ردع العدوان» التي قامت بها قوات المعارضة السورية، وبعد مرور عام على تحرير سوريا، وفي غمرة احتفال الشعب السوري بسقوط نظام الطاغية، الذي يصادف الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، ولم تفرغ بعد قوى الثورة من تنظيف البلاد من براثن الإجرام والقتل والدمار لآل الأسد وأزلامهم، ما زالت دولة الكيان الإسرائيلي تشن اعتداءاتها المفتوحة وتوغلاتها المستمرة على الأراضي السورية، والتي أشبه ما تكون بحرب استنزاف متقطعة ضد النظام الوليد، الذي أعاد الكرامة والحرية لشعبٍ افتقدها طيلة 54 عاما من حكم الطغاة والديكتاتورية والقمع والاضطهاد والقتل والاعتقال والتدمير، ولم تكتف دولة الكيان بتدمير ما تبقى من مقدّرات البلاد الاقتصادية والعسكرية، التي لم يبق منها النظام البائد إلا القليل؛ إمعاناً في زيادة التحديات والمعيقات أمام نهوض الإدارة الجديدة بالبلاد، وبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، بل عمدت دولة الكيان المارقة إلى تحريك مُشغلاتها المحلية من فلول النظام الساقط، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية في الساحل السوري أولا، وفي السويداء ثانيا، وفي الشمال الشرقي ثالثا تحت مسمى حماية «الأقليات»، ودفعهم نحو التقسيم والانفصال عن الدولة السورية، بعد أن وجدت شرذمة قليلة من هؤلاء تتماهى مع مصالحها وأهدافها؛ وهذا ما ظهر مؤخراً عندما تم رفع صور نتنياهو إلى جانب صور الشيخ الهجري، وأعلام «إسرائيل» إلى جانب العلم الانفصالي لميليشيا الهجري. إذن ما الذي ترمي إليه «إسرائيل»؟

إن تحليل أية خطوة تُقدم عليها دولة الكيان، يتطلب دائما العودة إلى الأيديولوجيا التي تسير وفقها الحكومات المتعاقبة لهذه الدولة، والتي في صلبها تحمل أهدافاً عدوانية توسعية إحلالية وعنصرية؛ فعندما يصرح نتنياهو أكثر من مرة، «أننا نقاتل على سبع جبهات»، فإنه يدرك تماما ما يسعى إليه، وهو القائل «إني غيّرت وجه الشرق الأوسط». وعندما لا يكف وزراؤه اليمينيون عن التصريح بأطماعهم التوسعية بضم الضفة واحتلال غزة، ويكتب مئير بن شبات رئيس الأمن القومي الإسرائيلي، ورئيس الشاباك سابقا، في مقالته في صحيفة «إسرائيل هيوم»: «أن هناك الكثير من العمل العسكري يجب القيام به بعد غزة، يطال ما بعد نهر الأردن والجولان»، يتضح الهدف الاستعماري الذي يهدف نتنياهو وقادة الكيان إلى تحقيقه، وهو ما أعلن عنه مراراً وتكراراً بإقامة «إسرائيل الكبرى»، من خلال إنشاء «ممر داوود»، الذي يمر بالجولان السورية، ويقطع محافظتي درعا والسويداء، ويتجه شرقا وشمالا، متجاوزا قاعدة التنف في بادية الشام، وصولا إلى حدود العراق والأردن؛ لاحتلال أجزاء منه والتوسع إلى وسط السعودية والكويت.

إن ما تقوم به دولة الكيان في سوريا هو سيناريو آخر لما تقوم به من اعتداءات في الضفة الغربية، من خلال إطلاق قطعان المستوطنين للاعتداء على الأهالي والممتلكات والأشجار؛ بهدف زيادة معاناة الشعب الفلسطيني هناك. وما يجري في قطاع غزة بعد خطة ترامب المتعثرة، إلا سيناريو آخر يؤكد النزعة العدوانية والانتقامية والتوسعية، التي هي في صلب الأيديولوجيا الصهيونية، وإن اختلفت الجغرافيا والأدوات، وهذا ينطبق أيضا على الاعتداءات المتكررة التي تشنها في لبنان، إذ لا يمر يوم إلا نشهد اعتداءات، وعمليات اغتيال للمواطنين تحت ذريعة أنهم من رجال حزب الله.

إن ما يريده نتنياهو من جرّاء ذلك هو، العزف على وتر الانتخابات المقبلة، وتسويق نفسه كملهمٍ ومحققٍ للانتصارات في معركة وجود الكيان وسط محيط من الكراهية والعداء، ويهدف إلى إضعاف السلطة في سوريا، في إطار احتلال أجزاء جديدة من البلاد بلغت حتى الآن نحو (450) كم²، وجر سوريا الجديدة بقيادتها الحكيمة، التي تسعى بكل تحركاتها ودبلوماسيتها لعدم إعطاء الفرص لحكومة نتنياهو، لافتعال اشتباك معها يعطيها المبررات لقضم المزيد من الأراضي السورية والتوسع، وعدم القبول بتوقيع تفاهمات أمنية فقط؛ تحت ذريعة الحاجة إلى منطقة عازلة لإزالة أي تهديدٍ محتملٍ «للجهاديين الجدد» في سوريا. إن نتنياهو يريد الذهاب أبعد من ذلك، وهو التنصل من اتفاقية فصل القوات عام 1974، وخلق واقع جيو سياسي جديد؛ يجبر الدولة الجديدة على توقيع اتفاقات سلام جديدة؛ تتنازل بموجبها الدولة عن هضبة الجولان المحتلة منذ عام 1967، والتي تنازل عنها حافظ الأسد، بموجب اتفاقات سرية تنال من سيادة وكرامة سوريا وشعبها الأبي، الذي دفع ثمن حريته مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمفقودين، وتدميرا شاملا لكل البنى التحتية الخدمية والاقتصادية والعلمية، وتدمير كل ما تملك البلاد من عتاد وأسلحة. ومن الأهداف التي تسعى دولة الكيان إلى تحقيقها أيضا إلحاق سوريا بقطار التطبيع العربي والاتفاقات الإبراهيمية؛ وبالتالي سلخ سوريا عن ماضيها العروبي المقاوم لكل أشكال التطبيع والعلاقات مع الكيان الغاصب.

إن ما تسعى إليه دولة الكيان يتناغم تماما مع مصالح الولايات المتحدة التي تسعى إلى فرض أجنداتها من خلال دعمها المباشر وغير المباشر لما يسمى «بالأقليات»، وعدم الضغط على قادة الكيان لوقف اعتداءاتهم، وعدم الرفع الكامل الدائم لعقوبات قيصر، ما يبقي على إفقار الشعب السوري، وزيادة معاناته؛ وبالتالي إحراج الإدارة الجديدة بعدم مقدرتها على تقديم الحلول لحياةٍ أفضل لما كانت عليه الأمور إبان حكم طغاة آل الأسد، مع العلم أن الإدارة الجديدة حاولت وتحاول وضع وتنفيذ الخطط التي تضمن حياة أفضل للمواطن على المستويات كافة؛ إذ لم يمض سوى أشهر قليلة حتى عادت عجلة الوزارات والإدارات والهيئات الحكومية للعمل، وبطريقة سلسة معتمدة على الأتمتة وتوظيف التكنولوجيا في تقديم الخدمات للمواطنين، وإشاعة أجواء من الحرية والديمقراطية في البلاد، والقضاء على ملامح، ومظاهر الدولة البوليسية، التي كانت سائدة، وإعادة الممتلكات المنهوبة لأصحابها، وتشكيل لجان العدالة الانتقالية لمحاسبة أزلام ومجرمي النظام الساقط، وإلغاء التجنيد الإجباري المُذل، وتسهيل عودة اللاجئين لمن يرغب، وإعادة هيكلة وزارة الداخلية والدفاع، وإجراء انتخابات مجلس الشعب وترميم المدارس والجامعات. وانطلاق العملية التربوية والتعليمية بحلةٍ وآليةٍ جديدةٍ، وإشاعة أجواء الأمان والاستقرار في البلاد، وإعادة تشغيل المصانع والشركات، ورفع الرسوم الجمركية، وتسهيل دخول الاستثمارات الخارجية والمشاريع التنموية، وفتح المطارات والمرافئ والمعابر الحدودية، مع تأكيد الرئيس الشرع على ضرورة الاعتماد على الذات واستغلال الإمكانات والموارد البشرية السورية، بما يخفف من معاناة الشعب السوري ويتجه بسوريا إلى غدٍ أفضل. هذه الإنجازات دفعت وفد ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن، الذي زار سوريا مؤخرا، إلى التعبير عن الارتياح، لما شاهده بعد اطلاعه على واقع الحال والنتائج بعد مضي عام على انتصار الثورة.

بيد أن كل ذلك يصطدم بما تقوم به مشغلات خارجية ومحلية لإعاقة دخول سوريا إلى مرحلة جديدة؛ يبدأ معها الإعمار والبناء والتنمية بكل مجالاتها في مواجهة ما تسعى إليه دولة الكيان والولايات المتحدة ووكلائهم محليا وإقليميا. أمام هذا الواقع، المعقد، فإن المطلوب من الإدارة الجديدة التعامل مع» نغمة الأقليات والمكونات» بحذر ومرونة، لا تمس السيادة الوطنية ووحدة البلاد، وتمثيل كل الأطياف في كل المؤسسات، وإعادة النظر بتسريح آلاف الموظفين والعاملين بالدولة وإعطاء فرصة للمصالحة الوطنية من جديد، وإنهاء مظاهر الفوضى والتحديات التي يقوم بها البعض باسم الثورة والدولة الجديدة، وإعادة الاعتبار إلى الضباط المنشقين ولأولئك الذين لم تتلطخ أياديهم بالدماء السورية. والعمل على تخفيض الأسعار، خاصة مواد الطاقة، وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن السوري الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، ونشر ثقافة الوعي الوطني والحرص على الحياة المدنية. أما خارجياً، فالمطلوب من الحكومة الاستمرار في سياسة التوازن في إقامة علاقاتها مع الدول على أسسٍ واضحة تتجاوز الماضي، بما يضمن مصالح سوريا العليا.

مهما بلغت خطورة التحديات، فإن التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة هو الكفيل بالتغلب عليها، وضمان سيادة الوطن وكرامة الشعب، وإعادة مكانة سوريا إقليميا وعالميا. إن ما حدث من مقاومة في بلدة بيت جن مؤخراً يبعث برسالةٍ إلى الكيان المحتل وإلى العالم، أن الشعب السوري لا يرضخ للذل والهوان، ولن تثنيه مؤامرات ومخططات التقسيم والانفصال في الدفاع عن كرامة وسيادة وطنه سوريا.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

———————————

أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري،:  أين وصلت المفاوضات مع قسد والهجري؟

زيدان: التوجه الأميركي والتركي بات جلياً بتحميل “قسد” مسؤولية المماطلة لا الدولة السورية

دمشق – نورا الجندي

10 ديسمبر ,2025

على الرغم من الاحتفالات التي عمّت مناطق كثيرة من سوريا بذكرى مرور عام على سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، عاشت مناطق أخرى أياماً عادية.

فقد وجهت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعدم إقامة احتفالات في مناطق سيطرتها، كما لم يكن الحال أفضل في السويداء.

“قسد تتحمل المسؤولية”

وفي هذا السياق، قال أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري، إن الاتفاق الذي وقّع في العاشر من مارس (آذار) مع قسد كان بحضور دولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية، ودولة إقليمية أخرى بحجم تركيا، ما يعني أن التوجه الأميركي والتركي بات جلياً بتحميل “قسد” مسؤولية المماطلة لا الدولة السورية.

كما اعتبر في مقابلة مع العربية.نت/الحدث.نت أن اتفاق 10 مارس هو الإطار المرجعي لكل الأطراف السورية، لافتاً إلى أن قسد ترسل وفوداً تفاوضية إلى دمشق لا تمتلك صلاحية التنفيذ.

وشدد على أن كلامه ليس تقييماً من الدولة السورية بل تقييم أطراف دولية وإقليمية.

“لا تراهنوا على الفوضى”

إلى ذلك، رأى أن “الاستثمار في الفوضى في سوريا والمراهنة عليها أمر خاطئ، لأن قطار التنمية والسلام انطلق ومحطاته وصلت إلى أميركا وأوروبا والصين وكل الدول، وبالتالي من سيفوته القطار نادم”.

كذلك وجّه نصيحة لمن يراهن على الفوضى، قائلاً “هذا العهد ولى لأن صاحبه رحل”، في إشارة منه إلى الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

ماذا عن السويداء؟

أما عن السويداء، فشدد على أنها “لا تختصر لا بشخص واحد ولا فصيل عسكري واحد”، مستشهداً بأن المظاهرات ضد الدولة السورية التي خرجت من السويداء لم تجمع أكثر من 4000 شخص، ثم ماتت وانتهت.

كذلك رأى أن ذلك رسالة واضحة بأن أهل السويداء أبناء ثورة وجزء أصيل من سوريا حارب النظام.

وجدد التأكيد على أن “المراهنة على الخارج وأي من الأطراف الدولية مراهنة خاسرة”، مذكراً بما حدث مع الأسد “حينما لم تحمه تحالفات دولية عمرها عشرات السنين”، وفق تعبيره.

في حين شدد على أن التعويل الحقيقي هو على المظاهرات التي خرجت احتفالاً برحيل الأسد، معتبراً أن سوريا لم تشهد مثلها لا بتاريخها القديم ولا الحديث.

إلى ذلك، أكد أن تلك المظاهرات ما هي إلا استفتاء حقيقي من الشعب السوري على كل من يراهن مرة أخرى على الفوضى وزعزعة الاستقرار.

تحركات في الساحل

وعن تقرير وكالة “رويترز” الأخير بشأن تحركات لشخصيات محسوبة على النظام السابق لتنفيذ انقلاب ضد الإدارة الجديدة، قال زيدان إن كل “هذه التحركات تحت أعين وبصر الدولة السورية واستخباراتها التي نظّفت دمشق من ميليشيات طائفية ومن دول احتلالات أجنبية”، مشدداً على أنها لن تعود. وأكد أن السلطات السورية تعرف تماماً علاقة كمال الحسن مع رامي مخلوف ومقداد فتحية، والخلافات بينهم، معتبراً أن وقود تلك الخلافات هم للأسف العلويون في الساحل.

كما رأى أن خلافاتهم مالية أساسها كيفية إخراج أموالهم من سوريا، وكل هذه التفاصيل موجودة لدى الاستخبارات السورية، موجهاً رسالة اطمئنان لأهالي الساحل بألا يراهنوا على هؤلاء الذين يريدون أن يفلتوا من العدالة الانتقالية، بحسب تعبيره.

يذكر أن سوريا كانت شهدت خلال الأيام الماضية احتفالات بذكرى مرور سنة على سقوط نظام الأسد، إذ خرج ملايين السوريين في مسيرات احتفالية ومواكب في عدة محافظات. كما اكتظت شوارع العاصمة دمشق يوم الثامن من ديسمبر بالمحتفلين حتى ساعات متأخرة من الليل وسط ازدحام كبير.

العربية

———————————–

 مسؤول إسرائيلي يتهم توم باراك بخدمة تركيا وعداء إسرائيل

2025.12.10

اتهمت حكومة الاحتلال الإسرائيلي أمس الثلاثاء السفير الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، بـ”الانحياز للمصالح التركية” والتأثير سلبًا على مواقف واشنطن في ملفات الشرق الأوسط.

ونقل موقع”والا” الإسرائيلي عن مسؤول حكومي رفيع أن تل أبيب تبدي “قلقا بالغا” إزاء التصريحات الأخيرة لباراك، مضيفا: “باراك يتصرف كما لو كان سفيرًا لتركيا، ويؤثر بشكل سلبي على مجريات الأحداث في المنطقة”.

وأوضح المسؤول أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينظر إلى باراك بوصفه “شخصية تتعامل بعداء مع إسرائيل”، لافتًا إلى أن مواقفه “متأثرة بصورة مفرطة بالمصالح التركية في سوريا، وكأنه يعمل لخدمة أنقرة”.

ونوّه التقرير إلى أن الجدل تصاعد عقب تصريحات أدلى بها باراك في العاصمة القطرية الدوحة قبل أيام، قال فيها: “قد تصف إسرائيل نفسها بالدولة الديمقراطية، لكن النظام الذي يثبت فعاليته في هذه المنطقة هو الملكية الخيرية”، وفق ما ذكر الموقع.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل تعمل على تعزيز نفوذها داخل الدائرة المقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عبر مسؤولين بارزين من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو ومندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك وولز، الذين تصفهم بأنهم “أكثر تفهمًا” لمصالحها.

———————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى