العدالة الانتقالية تحديث 16 كانون الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————–
تفكيك الإبادة القانونية واستعادة العدالة/ ميشال شمّاس
16 ديسمبر 2025
بعد مرور عام على إسقاط أعتى الأنظمة الإجرامية في العالم، تقف سورية اليوم أمام تحدٍّ مصيري: قدرتها على تفكيك الإرث الذي خلّفه نظام الأسد في بنية الدولة، وفي مقدّمتها القانون، فالقمع في عهد البعث والأسد لم يكن مجرّد ممارسة أمنية عابرة، بل تأسّس على منظومة قانونية صُمّمت خصيصاً لإقصاء الخصوم لا لمحاكمتهم، ولمحو الفعل السياسي لا لتنظيمه. لم تكن هذه المنظومة انحرافاً عن القانون، بل تجسيداً لوظيفته كما أرادها نظام الأسد أداة لإلغاء الوجود السياسي لا لضبطه أو تنظيمه.
لذلك، ولكي نفهم كيف تحوّل القانون في سورية أداة إبادة سياسية، لا يكفي اليوم أن نرفع شعار العدالة، بل يجب أن يُعاد النظر في المنظومة القانونية نفسها: في نصوصها، ومؤسّساتها، ووظيفتها الرمزية وتحليل مكوناتها الرئيسية، فالإبادة القانونية التي مورست لعقود لا تُمحى بتغيير الوجوه، بل بتفكيك البنية التي جرّمت الهوية، وحوّلت القضاء إلى طقس إلغائي وحصنت الجلاد من أية مساءلة. وشرعنت الإقصاء السياسي.
أحد أبرز تجليات هذا الإرث كان القانون 49 لعام 1980، الذي مثّل لحظة مفصلية في تحويل القانون إلى أداة إبادة مؤسّسية. فقد نصّت مادته الأولى على اعتبار كل منتسب إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين مجرمًا يُعاقب بالإعدام، من دون الحاجة لإثبات فعل جنائي محدد. بهذا، تحوّل القانون من أداة ردع إلى وسيلة محو، ومن تنظيم الفعل إلى إلغاء الفاعل.
هذا ما يُسمّى “تجريم الهوية”: حين يُعاقب الفرد لا لأنه ارتكب فعلًا، بل لأنه ينتمي إلى جماعة أو يحمل فكرة تعتبرها السلطة تهديدا. الهوية نفسها تصبح جريمة، والانتماء يتحوّل إلى خطر وجودي، ويُعامل القانون أداة لإلغاء الوجود لا لضبط السلوك. إنها مفارقة أخلاقية وقانونية تُفرغ العدالة من معناها، وتُحوّل القانون آلية نفي.
وإلى جانب ذلك، اعتمد نظام الأسد المخلوع على محاكم استثنائية، كمحكمة أمن الدولة العليا ومحاكم الميدان العسكرية، التي كانت تُصدر أحكاماً مبرمة في دقائق، من دون دفاع أو مراجعة، وتُصدّق أحكام الإعدام فيها من رئيس الجمهورية نفسه.
وحين نُمعن النظر في بنية هذه المحاكم، نجد أنها لا تُشبه فقط محاكم الطوارئ المعاصرة، بل تتقاطع بنيوياً مع محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر. فكما كانت تلك المحاكم تُدين الناس على معتقداتهم وهوياتهم، لا على أفعالهم، وتُصدر أحكامًا قاسية دون دفاع فعلي، مارست المحاكم السورية وظيفة مشابهة تحولت فيها المحاكمة إلى طقس إقصائي لتثبيتٌ السلطة، وتطهيرٌ رمزي للفضاء السياسي. القاضي فيها لا يُمارس العدالة، بل يُعيد إنتاج الإقصاء، ويُضفي شرعية شكلية على العنف. إنها محاكم تُدين لا لتُفكّر، وتُصفّي لا لتُراجع، وتُكرّس الخوف بدلًا من القانون.
ومن أبرز أدوات الإبادة القانونية وأخطرها، الحصانة التي منحها النظام المخلوع لأجهزة القمع لم تقتصر الإبادة القانونية على تجريم الهوية وتسليح القضاء، بل امتدت لتُحصّن أدوات القمع نفسها من أي مساءلة. فالقانون رقم 14 لعام 1969 منح أجهزة المخابرات السورية حصانة مطلقة من أي مساءلة قانونية، حوّلها من مؤسسات تنفيذية إلى سلطات فوق القانون. هذه الحصانة لم تكن حماية وظيفية، بل ترخيص بالعنف، يُجرّد الضحية من حق الاعتراض، ويُحصّن الجلاد من أي محاسبة. وهو ما يشبه قوانين الحصانة في تشيلي والأرجنتين التي أُلغيت لاحقاً في إطار العدالة الانتقالية.
ثم جاء المرسوم رقم 55 لعام 2011 ليضيف حلقة جديدة إلى هذا الإرث، حين منح أجهزة الأمن صلاحية التوقيف حتى ستين يوماً دون إلزامها بتسليم الموقوف للقضاء أو الإفراج عنه بعد انقضاء المدة. بهذا، تحوّل التوقيف من إجراء احترازي إلى أداة اختفاء قانوني، تُمارس فيه السلطة الأمنية دور القاضي والسجّان في آن واحد، دون أي ضمانات أو رقابة قضائية.
في ضوء هذه التشريعات، لم يكن القانون في سورية أداة لضبط الفعل السياسي، بل وسيلة لإبادة الخصم سياسياً، وتجريده من شرعية الوجود، وتحويل السياسة إلى خطر يُعاقب عليه لا يُمارس. لم يكن الهدف تنظيم المجال العام، بل إفراغه من أي صوت مخالف، وتحويل المواطنة إلى عبء، والانتماء إلى جريمة، والمطالبة بالحقوق إلى تهديد وجودي.
بهذا، تحوّل القانون من ضمانة للحقوق إلى أداة للوصاية، ومن تعبير عن العقد الاجتماعي إلى وسيلة لإلغائه، ومن حماية للضعيف إلى ترخيص للقوي. إنه قانون لا يُنظّم السلطة، بل يُشرعن الإفلات منها، ويُحوّل النصوص إلى أدوات نفي رمزي ومادي.
لم يطو سقوط نظام الأسد الإجرامي صفحة الإبادة القانونية، بل فتح باباً على سؤال أكبر: هل تستطيع السلطة الجديدة تفكيك إرث ستة عقود من القمع؟ فالقانون الذي شُرعن به الإقصاء، وحُصّنت به الأجهزة الأمنية، وسُلّح به القضاء، لا يُمكن أن يُستعاد بوصفه أداة عدالة ما لم يُعَد تعريفه من جذوره. ليست الإبادة القانونية مجرّد انحراف تشريعي، بل منظومة متكاملة تُعيد إنتاج النفي تحت غطاء الشرعية، وتُحوّل المواطنة إلى عبء، والانتماء إلى جريمة، والمطالبة بالحق إلى تهديد وجودي.
اليوم، لا يكفي أن تُرفع شعارات العدالة، بل يجب أن تُراجع النصوص، وتُساءل المؤسسات، ويُعاد بناء القانون بوصفه ضمانة للحق لا أداة للوصاية. يجب أن يُحرّر من وظيفته الإقصائية، ويُعاد إليه معناه الإنساني: حماية الضعيف، ومساءلة القوي، وضمان الحق في الوجود، لا في الاختفاء.
استعادة القانون ليست مسألة تقنية، بل فعل أخلاقي وسياسي، يُعيد الاعتبار للمواطنة حقّاً وجودياً لا كجريمة مؤسسية. وعلى السلطة الجديدة أن تُثبت أنها لا تكتفي بتغيير الوجوه، بل تُعيد بناء المعنى، وتُحوّل القانون من أداة محو إلى فضاء اعتراف، ومن طقس إقصائي إلى وعد بالعدالة.
العربي الجديد
——————————
ذراع مركزي للقمع والمراقبة.. تقرير حقوقي يكشف دور الفرع 300 في الاعتقال
2025.12.15
أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً بعنوان “الفرع 300 في إدارة المخابرات العامة: أداة مركزية للقمع والمراقبة والملاحقة في منظومة بشار الأسد السابقة”، قدّمت فيه قراءةً تحليلية معمّقة لطبيعة هذا الفرع التابع لإدارة المخابرات العامة، باعتباره حلقة محورية في الجهاز الأمني الذي مارس القمع الممنهج ضد المدنيين خلال عهد النظام السابق.
اعتمد التقرير على وثائق ومراسلات أمنية وشهادات ناجين وذوي ضحايا، محلّلاً هذه المصادر وفق المعايير الدولية للتوثيق ومرجعيات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
ويأتي هذا التقرير ضمن جهود الشَّبكة السورية في توثيق ممارسات الفروع الأمنية الأقل شهرة، استكمالاً لتقارير سابقة عن فروع مثل “الفرع 215″، بهدف الكشف عن الانتهاكات المنهجية للنظام الأمني السابق.
الخلفية العامة للأجهزة الأمنية في سوريا
استعرض التقرير البنية الهيكلية للأجهزة الأمنية في سوريا، المؤلّفة من أربعة أجهزة استخبارات رئيسة تتفرع عنها عشرات الفروع في جميع المحافظات، وتخضع مباشرةً لمكتب الأمن الوطني في العاصمة دمشق، الذي يرفع تقاريره إلى رئيس الجمهورية، ما يمنحها نفوذاً واسعاً يتجاوز السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ورغم اختلاف تسمياتها واختصاصاتها، فإنَّها تشترك في حماية النظام ومراقبة المجتمع والسيطرة على النشاط السياسي والإعلامي والاقتصادي، وتشمل:
المخابرات العامة
المخابرات العسكرية
المخابرات الجوية
الأمن السياسي
أبرز الانتهاكات الممنهجة التي اضطلعت بها الأجهزة الأمنية بعد عام 2011
أوضح التقرير أنَّ الأجهزة الأمنية في سوريا ارتكبت، منذ عام 2011، انتهاكاتٍ واسعة وممنهجة طالت مختلف فئات المجتمع، وتتمثّل أبرز أنماط الانتهاكات فيما يلي:
الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري
وفقاً لبيانات الشَّبكة السورية، ما لا يقل عن 160,123 شخصاً، بينهم 3,736 طفلاً و8,014 سيدة، ما يزالون قيد الاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011 حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025 في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السابق، وقد تصدرت محافظة ريف دمشق القائمة من حيث عدد ضحايا الاختفاء القسري، تلتها حلب، ثم دمشق، ثم حماة.
التعذيب المنهجي
أوضح التقرير أنَّ الأجهزة الأمنية في سوريا مارست تعذيباً ممنهجاً في مراكز الاحتجاز، شمل الصعق الكهربائي، الضرب، التعليق المؤلم، الحرمان من النوم والطعام والماء، والاعتداءات الجنسية والتهديد بها.
وبحسب قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد قُتل ما لا يقل عن 45,032 شخصاً بسبب التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السابق منذ آذار/مارس 2011 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، بينهم 216 طفلاً و95 سيدة. ويشير التقرير إلى أنَّ محافظتي درعا وريف دمشق تتصدران قائمة المحافظات التي سجلت أعلى عدد من الوفيات نتيجة للتعذيب، تليهما محافظتا حماة ودمشق.
استخدام القوة المفرطة والقتل خارج نطاق القانون: أطلقت الأجهزة الأمنية النار على المتظاهرين السلميين والمشيّعين في الجنائز تنفيذاً لأوامر مركزية، ما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين.
سياسات الترهيب والرقابة: فرضت الأجهزة رقابة شاملة عبر شبكات من المخبرين، ونفّذت مداهمات ليلية للمنازل، واستهدفت الكوادر الطبية والمسعفين.
فرع مكافحة التجسّس (الفرع 300): الهوية والدور في المنظومة الأمنية
أوضح التقرير أنَّ “الفرع 300” يتبع مباشرة لإدارة المخابرات العامة (أمن الدولة)، التي أُنشئت رسمياً بموجب “المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969”.
ورغم تصنيف الإدارة رسمياً كجهاز مدني، فإنَّ معظم قيادتها من الضباط العسكريين المنتدَبين من وزارتي الدفاع والداخلية، وتتكون من فروع مركزية وإقليمية منتشرة في جميع المحافظات، ومن أبرزها:
فرع المعلومات (255): يجمع المعلومات من القطاعات المختلفة ويصدر قرارات مثل منع السفر.
فرع التحقيق (285): يتولى التحقيق مع الموقوفين المحالين من باقي الفروع.
فرع مكافحة الإرهاب (295): ينفّذ المداهمات والاغتيالات تحت شعار “مكافحة الإرهاب”.
فرع مكافحة التجسّس (300): يراقب الأجانب والمشتبه بتعاملهم مع جهات خارجية.
الفرع الداخلي (251): يركّز على الاستخبارات داخل البلاد ويراقب المؤسسات الحكومية والسياسية.
الفرع الخارجي (279): يدير محطات الاستخبارات في الخارج ويتابع شؤون المغتربين.
الفرع الفني (280): مسؤول عن التنصت والمراقبة التقنية.
الفرع الاقتصادي (260): يحقق في القضايا المالية والاقتصادية.
فرع التدريب (290): يتولى تأهيل وتدريب عناصر الجهاز.
النشأة والاختصاص في سياق القمع الأمني
يشير التقرير إلى أنَّ الفرع 300 (فرع مكافحة التجسّس) تأسس على الأرجح أواخر السبعينيات أو مطلع الثمانينيات لتعزيز قدرات النظام على مراقبة النشاط السياسي والاجتماعي المرتبط بالخارج.
وقد ركّز الفرع عملياً على تتبع السوريين ذوي العلاقات الخارجية، وملاحقة المعارضين، وتوظيف اتهامات التخابر كذريعة للاعتقال التعسفي والتعذيب.
الإشراف: يعمل تحت توجيه مدير الإدارة الذي يرفع تقاريره إلى مكتب الأمن الوطني، ما يربطه بالقيادة العليا للنظام.
المستوى: فرع مركزي أعلى من الفروع الإقليمية، ويملك صلاحيات واسعة على مستوى الدولة.
أبرز الأقسام: التحقيق المركزي، المتابعة الخارجية، التحليل والمراسلات، التوقيف والتحقيق/ الاستجواب.
القيادة: يُدار عادةً من ضابط برتبة عميد أو عميد ركن، بالتنسيق مع فروع أخرى مثل الفرع 251 (الداخلي)، الفرع 285 (التحقيق المركزي)، والفرع 279 (الخارجي).
الموقع الجغرافي: يقع المقر الرئيس في دمشق، حي كفرسوسة الأمني، قرب مقار “أمن الدولة”.
البنية المادية: يضم الطابق السفلي زنازين فردية وجماعية، وغرف التحقيق والتعذيب. في حين يشمل الطابق العلوي مكاتب الضباط والمحققين، وأقسام الأرشفة والاتصالات.
السرية والعزلة المؤسسية: يتميز “الفرع 300” بالغموض والسرّية العالية، إذ نادراً ما يُذكر في وسائل الإعلام الرسمية أو تقارير الأمم المتحدة، وتعتمد المعلومات المتاحة غالباً على شهادات موقوفين أو موظفين سابقين قبل عام 2011، كما يتسم مبناه بالانغلاق التام وارتفاع الجدران، وغياب اللافتات الرسمية.
الدور الفعلي للفرع 300 في منظومة القمع
وفقاً للتقرير فقد لعب “الفرع 300” دوراً مركزياً في منظومة القمع الأمنية بعد عام 2011، ومن أبرز مهامه:
مراقبة الأجانب والمغتربين والمؤسسات المتصلة بالخارج:
متابعة الدبلوماسيين والعاملين في المنظمات الدولية والمغتربين.
رصد دخول الأجانب وتحركاتهم داخل البلاد.
مراقبة المؤسسات الحكومية والخاصة ذات الصلات الخارجية.
ملاحقة أنشطة الأحزاب والشخصيات السياسية المرتبطة بالخارج، بما في ذلك رصد اجتماعات الحزب الشيوعي اللبناني والمعارضين السوريين في بيروت.
ملاحقة النشاط الإعلامي والحقوقي الخارجي:
متابعة السوريين المتعاملين مع منظمات دولية وحقوقية وإعلامية خارجية، واقتراح اتخاذ إجراءات عقابية ضدهم.
جمع المعلومات والتنسيق مع الفروع الأخرى:
التنسيق مع فروع: المعلومات (255)، الخارجي (279)، الداخلي (251) لتحليل النشاط المدني والسياسي وتحويل الموقوفين إلى فروع التحقيق المركزية.
استخدام أدوات مراقبة تقنية متقدمة، مثل تتبع الاتصالات الدولية وتحليل التحويلات المالية، لتوسيع الرقابة الأمنية العابرة للحدود.
رفع تقارير لاتخاذ إجراءات اعتقال ومنع سفر ومصادرة أموال:
لعب دوراً محورياً في حلقة التنسيق الاستخباراتي-الأمني، من خلال ربط الفروع الداخلية والخارجية.
أنماط الانتهاكات الناتجة عن عمل الفرع 300
وفقاً للتقرير فقد تميزت ممارسات الفرع 300 بعنصرين رئيسين:
الطابع الاستنسابي للاعتقالات والاستجوابات: توسيع مفهوم “الاشتباه بالتعامل مع جهات أجنبية” ليشمل أي نشاط معارض أو تواصل مع الخارج، من دون أدلة ملموسة.
التنسيق الأمني العمودي: تحويل المعتقلين إلى مراكز احتجاز أخرى بعد التحقيق الأولي، وإصدار مقترحات مباشرة لفروع أخرى لإجراء اعتقالات أو متابعة ملفات محددة.
ومن أبرز هذه الممارسات:
الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري
اعتمد الفرع على اعتقالات واسعة من دون مذكرات قضائية، طالت ناشطين وصحفيين وموظفين حكوميين، كثير منهم مرّ عبر الفرع قبل تحويلهم إلى فروع أخرى أو سجن صيدنايا.
ولعب دوراً في توجيه الفروع الأخرى لتنفيذ هذه الاعتقالات، وقد وثّقت الشَّبكة السورية ما لا يقل عن 17,438 حالة اعتقال تعسفي تسبب بها الفرع 300، بينهم أشخاص من جنسيات أجنبية.
التعذيب والمعاملة القاسية والوفيات:
وفقاً للتقرير فقد ركزت جلسات التحقيق على التمويل الخارجي والعلاقات مع الإعلام والمنظمات الحقوقية، وغالباً ما ترافقت ممارسات تعذيب جسدي لإجبار المعتقلين على توقيع اعترافات معدة مسبقاً، وقد وثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 2,463 حالة تعذيب تسبّب بها “الفرع 300″، من بينهم أشخاصٌ من جنسيات أجنبية.
انتهاكات إضافية:
الحرمان من الرعاية الصحية: ترك بعض المعتقلين يعانون من نزيف أو التهابات من دون علاج.
الحرمان من المحاكمة العادلة: معظم المعتقلين لم يُعرضوا على قاضٍ، وأحيل بعضهم بعد أشهر إلى محاكم عسكرية أو محاكم الإرهاب، في حين أفرج عن آخرين بعد أيام أو أسابيع.
الابتزاز المالي: طلبت أموال كبيرة من عائلات المعتقلين مقابل معلومات أو وعود بالإفراج.
مراقبة الاتصالات من دون إذن قضائي: تابع الفرع المكالمات الهاتفية والاتصالات الدولية.
المسؤولية القانونية والقيادية للفرع 300
يتبع “الفرع 300” بشكل مباشر لإدارة المخابرات العامة، والتي تولّى قيادتها منذ 2011 ثلاثة ضباط فقط: اللواء زهير حمد (2011–2012)، واللواء محمد ديب زيتون (2013–2019)، واللواء حسام محمد لوقا (2020–2024).
وتشير الوثائق الواردة في التقرير كذلك إلى تبعية الفرع إدارياً لمدير إدارة المخابرات العامة وإلى خضوعه لمكتب الأمن الوطني ورئاسة الجمهورية.
الاستنتاجات القانونية
الطابع الممنهج للانتهاكات: لم تكن الانتهاكات المرتكبة في الفرع 300 ذات طابع فردي، بل جاءت في إطار سياسة النظام الممنهجة الرامية لقمع المعارضة السياسية.
المسؤولية القيادية: يتحمّل قادة الفرع وقيادات إدارة المخابرات العامة مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات، سواء عبر إصدار الأوامر أو التغاضي عنها أو المشاركة في التخطيط والتنفيذ، وفق مبدأ المسؤولية الجنائية القيادية والمتسلسلة.
تجاوز الصلاحيات القانونية: مارس الفرع احتجازاً وتحقيقاً خارج القضاء، مخالفاً العهود الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
الدور المركزي في شبكة القمع: شكل الفرع 300 حلقة أساسية ضمن شبكة مترابطة من الفروع الأمنية.
استمرار جريمة الإخفاء القسري: لا يسري التقادم على هذه الجرائم طالما ظل مصير الضحية مجهولاً.
عدم حجية الأوامر العليا: لا تُبرر الأوامر الصادرة من الرؤساء الانتهاكات الجسيمة، ويُنظر في الإكراه فقط كظرف مخفف.
عدم مشروعية الأدلة المنتزعة تحت التعذيب: أي اعترافات أو معلومات حصل عليها الفرع عبر التعذيب تُستبعد قضائياً.
عدم جواز العفو أو المصالحة من دون محاسبة: التسويات السياسية لا تسقط الحق في الملاحقة أو الانتصاف للضحايا.
الحق في معرفة الحقيقة: للضحايا وذويهم الحق في معرفة الحقيقة، مع واجب السلطات في حفظ السجلات ومنع إتلافها، بما يشمل أرشيف الفروع الأمنية.
التوصيات
إلى السلطات السورية والسلطة التنفيذية:
المساءلة القضائية: توثيق الانتهاكات وربطها بالمسؤولين، وملاحقة الضباط والمديرين والمرؤوسين المتورطين في الاعتقالات التعسفية، التعذيب، والإخفاء القسري وفق القانون الوطني والدولي.
تعزيز الشفافية والمؤسساتية: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، إخضاعها لمراجعة قضائية ورقابية، وتوثيق جميع الملفات السابقة وإتاحتها للجهات الحقوقية.
حماية الضحايا والشهود: برامج حماية سرّية، ودعم قانوني ونفسي للناجين والشهود.
تعزيز العدالة الانتقالية: تضمين انتهاكات الفرع 300 في التحقيقات الرسمية ولجان تقصي الحقائق، واستخدام التوثيق لضمان عدم الإفلات من العقاب.
آليات الرقابة على الأجهزة الجديدة: خضوع أي جهاز استخبارات جديد للرقابة البرلمانية والقضائية.
إلى السلطة التشريعية:
سنّ قوانين تجرّم الاختفاء القسري والتعذيب بوضوح، وإنشاء لجنة دائمة للرقابة على الاستخبارات، وإقرار قوانين لحماية الشهود والبيانات الشخصية والأرشفة.
إلى السلطة القضائية والنيابة العامة:
تخصيص دوائر للجرائم الجسيمة، منع استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، وإصدار بروتوكولات للتحقيق في الانتهاكات التاريخية، مع تفعيل المراجعة القضائية لجميع أوامر التوقيف والاحتجاز.
إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية:
تبني سياسات للتحقق المتعدد المصادر، وتجنّب الوصم ونشر معلومات حساسة عن العائلات.
إلى الأمم المتحدة والآليات الدولية:
تعزيز الموارد والولاية للآليات المعنية بالتوثيق والدعم القضائي، وتوسيع برامج الدعم النفسي والقانوني، وتمويل البحث عن المفقودين وبناء القدرات الوطنية في الطب الشرعي.
إلى المانحين والمؤسسات التمويلية:
دعم طويل الأمد لإدارة المعلومات والأدلة، إنشاء مختبرات طب شرعي وطنية، برامج حماية الشهود، وتعزيز التوعية المجتمعية بالحقوق والإجراءات القانونية.
تلفزيون سوريا
———————–
مسار العدالة السوري: خطوة أولى أم تزيين سياسي؟/ أحمد الجابر
بين خطوات رسمية متعثرة ونداءات الضحايا: هل تبدأ سوريا مسار العدالة الانتقالية فعلاً؟
2025-12-13
بعد أكثر من عقد على النزاع السوري وما خلّفه من موجات واسعة من الانتهاكات والاختفاء القسري والتغييب والاعتقال، يعود ملف العدالة الانتقالية إلى الواجهة بوصفه ضرورة ملحّة لبناء أي مستقبل سياسي أو اجتماعي مستقر. ففي الوقت الذي ما تزال فيه آلاف العائلات تبحث عن مصير أبنائها، وتنتظر كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، تبرز الحاجة إلى مسار وطني منظم يعترف بالضحايا ويوحّد الروايات المتعددة التي تشظّت بفعل الانقسامات الجغرافية والسياسية.
ومع تزايد الضغوط الشعبية والحقوقية، أعلنت الحكومة السورية في الفترة الأخيرة عن تشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، في خطوة وُصفت بأنها محاولة أولية لوضع إطار مؤسساتي للتعامل مع إرث الانتهاكات. ووفق ما أُعلن رسمياً، تهدف الهيئة إلى توثيق الجرائم الجسيمة، واقتراح آليات للمساءلة، وإعداد توصيات تتعلق بجبر الضرر وتمكين الضحايا، إضافة إلى دعم مسارات المصالحة وتعزيز مبادئ عدم التكرار. كما تزامن ذلك مع الإعلان عن إنشاء هيئة خاصة بالمفقودين، في محاولة لتنظيم البحث في ملف يشكل أحد أكثر الملفات حساسية في المجتمع السوري.
ورغم أهمية هذه الخطوات من حيث الشكل، يرى كثير من السوريين والحقوقيين أن فعاليتها ستتوقف على استقلاليتها وقدرتها الحقيقية على الوصول إلى المعلومات ومساءلة المتورطين من مختلف الأطراف. فالمشهد على الأرض ما يزال معقداً، والانقسام السياسي العميق ينعكس مباشرة على أي مبادرة للعدالة، بينما تستمر بعض الجهات المتورطة سابقاً في لعب أدوار مؤثرة داخل مؤسسات الدولة أو سلطات الأمر الواقع، ما يثير الشكوك حول مدى استعداد هذه الهياكل الجديدة للتعامل الكامل مع الانتهاكات دون استثناءات.
في هذا السياق، يتمسّك الضحايا، ومنهم عائلات المختفين، بأمل أن يشكل هذا التحرك خطوة أولى نحو مسار أكثر جدية، يُبنى على الاعتراف بمعاناتهم وضمان مشاركتهم، وبما يعيد الثقة التي تآكلت نتيجة سنوات من التجاهل والإنكار. وبينما تبقى الطريق إلى عدالة انتقالية شاملة طويلة ومعقدة، يظل تشكيل هذه الهيئات بمثابة إشارة أولية إلى إمكانية فتح هذا الملف المؤجل، شرط أن يُستتبع بإجراءات حقيقية تضع الضحايا في مركز العملية.
العدالة الانتقالية: ضرورة لا خيار
يقول الصحفي حازم داكل، المقيم في السويد، في حديث لـ”963+” إنّ العدالة الانتقالية في سوريا مطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأنها – كما يوضح – الغائب الأكبر عن حياة السوريين. ويشير إلى أنه خلال السنوات الماضية ارتُكبت انتهاكات واسعة، وما زال عدد كبير من العائلات، ومنها عائلته، يبحثون عن الحقيقة وعن المسؤولين عمّا حدث.
ويضيف أنه رغم تغيّر الظروف السياسية وسقوط النظام السابق، لم تظهر حتى الآن مؤسسات قادرة على التعامل مع هذا الإرث أو فتح ملفات المختفين أو محاسبة المتورطين، بل إن بعضهم ما زال يتمتع بالحماية أو النفوذ.
ويشرح داكل أن الحاجة للعدالة اليوم ليست مرتبطة بالسياسة بقدر ما هي مرتبطة بواقع الناس. فهناك ضحايا يريدون معرفة مصير أبنائهم، وهناك عائلات حاولت اللجوء إلى القضاء لكنها اصطدمت – كما يوضح – بغياب الإرادة والقدرة على متابعة القضايا. وينوه إلى أن هذا الفراغ يجعل العدالة الانتقالية مساراً ضرورياً، لأن سوريا تفتقر إلى أدوات قانونية واضحة للتعامل مع حجم الانتهاكات، ولا توجد جهة رسمية تأخذ هذه الملفات بجدية.
ويضيف أن المجتمع السوري نفسه يحتاج إلى إطار منظم لمعالجة الملفات العالقة، لأنه من دون هذا الإطار تبقى القضايا شخصية ومتفرقة، ويظل كل طرف يقدّم روايته دون وجود جهة محايدة تجمع المعلومات وتحدد المسؤوليات. ويشير إلى أن العدالة الانتقالية ليست مشروعاً سياسياً بقدر ما هي محاولة لوضع حدّ لحالة الضياع، ومنح الناس فرصة للوصول إلى إجابات لم يحصلوا عليها منذ سنوات.
خطوات خجولة وعقبات معقّدة
ويؤكد داكل أن الخطوات المتخذة نحو العدالة الانتقالية في سوريا ما زالت خجولة، لأن الظروف على الأرض لا تسمح – كما يقول – بوجود مسار حقيقياً. ويشرح أن أول عقبة تتمثل في غياب مؤسسة قضائية مستقلة قادرة على التعامل مع الانتهاكات التي حدثت خلال السنوات الماضية.
ويضيف: “نحن كعائلات ضحايا نعرف هذا جيداً، فعندما حاولنا رفع دعوى لمحاسبة الشخص الذي سلّم أخي عامر للأمن، لم نجد أي جهة مستعدة لفتح الملف. بقيت الشكوى معلّقة وتمت عرقلتها من قبل أشخاص نافذين، ولم نستطع حتى الحصول على توقيع رسمياً يثبت حقنا في متابعة القضية”.
ويشير إلى أن العقبة الثانية هي استمرار نفوذ أشخاص مرتبطين بالانتهاكات السابقة. ويشرح أنه في قضيته الشخصية لم يُفتح أي تحقيق مع المتورط، بل استمر الأخير في حياته بشكل طبيعي وبقي محميّاً من بعض الجهات الأمنية، بينما في المقابل – كما يوضح – “عندما تحدثتُ علناً عن قصة أخي، فوجئت بقبول شكوى ضدي وتعميم اسمي على المخافر والمعابر”. ويلفت إلى أن هذا يعكس سبب بقاء العدالة الانتقالية شكلية: ميزان القوة ما زال يميل لصالح مرتكبي الانتهاكات وليس لصالح الضحايا.
أما العقبة الثالثة، فيوضح داكل أنها غياب التوافق السياسي أو الرؤية الواضحة داخل سوريا حول كيفية التعامل مع الماضي. فكل منطقة – كما يشير – لها سلطتها الخاصة، وكل طرف يحاول تقديم روايته، بينما لا تجد ملفات الضحايا أي جهة مهنية موحدة تُعالجها. ويضيف أن أي خطوة حالية تبدو شكلية لأنها لا تستند إلى منظومة قانونية موحدة أو سلطة قادرة على التنفيذ.
ويقول إن إشراك الضحايا والمجتمعات المحلية يبدأ من الاعتراف بأنهم أصحاب الحق، وأن العملية يجب أن تُبنى على احتياجاتهم وليس على حسابات السلطات المختلفة. ويشرح أن عائلات المختفين – ومنها عائلته – تحتاج قبل أي شيء إلى مسار واضح يمكن من خلاله تقديم شكوى ومعرفة الحقيقة دون أن تُواجه بالعرقلة أو الخوف كما حدث في الماضي.
وينوه إلى أن مسار العدالة يجب أن يكون مستقلاً عن كل السلطات القائمة اليوم في سوريا، سواء كانت سلطة الدولة الحالية أو سلطات الأمر الواقع المنبثقة عن الفصائل المعارضة. ويشير إلى أن الانتهاكات ارتُكبت في مناطق متعددة ومن جهات مختلفة، ومن الضروري أن يشعر الضحايا بأن العملية لا تنحاز لطرف ضد آخر.
دور المجتمع الدولي… بين الدعم والحذر
يضيف داكل أن الدور المطلوب من المجتمع الدولي في دعم العدالة الانتقالية يجب أن يكون واقعياً ومتوازناً، لأن فرض نماذج جاهزة أو حلول فوقية في بلد منقسم ومعقد مثل سوريا سيؤدي – كما يقول – إلى مزيد من التعطيل. ويوضح أن المطلوب هو دعم بيئة تساعد السوريين أنفسهم على إدارة المسار، لا استبدالهم فيه.
ويشير إلى أن أول دور يمكن للمجتمع الدولي القيام به هو دعم التوثيق المستقل للانتهاكات، لأن كثيراً من الملفات ضاعت أو أُخفيت أو تم التلاعب بها. ويضيف أن الضحايا، ومنهم عائلات المختفين، يحتاجون إلى جهة محايدة تحفظ الأدلة قبل أن تضيع نهائياً.
أما الدور الثاني، فيشرحه داكل باعتباره دعماً لآليات العدالة التي لا تستطيع السلطات السورية الحالية أو سلطات الأمر الواقع تنفيذها. ويذكر في هذا السياق المحاكم الأوروبية التي بدأت بالنظر في قضايا جرائم الحرب، ويشير إلى أن هذه التجربة أثبتت أهميتها لأنها توفر مساحة قانونية لا تتأثر بالتجاذبات داخل سوريا.
وعلى المستوى السياسي، يوضح أن المجتمع الدولي يستطيع أن يلعب دوراً إيجابياً عبر خلق مساحات للحوار بين مكونات المجتمع السوري بدلًا من دعم طرف ضد آخر، لأن العدالة الانتقالية – كما يلفت – لا تنجح إذا فُرضت من الخارج أو استُخدمت لمعاقبة طرف واحد، خاصة أن الانتهاكات وقعت في مناطق متعددة وتحت سلطات مختلفة.
ويختتم حديثه بالقول إن الأهم هو دعم قدرة الضحايا على المشاركة، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات، ومنها عائلته، لم تكن قادرة حتى على تقديم شكوى داخل سوريا، ما يجعل دور الدول المضيفة – ومنها دول أوروبا – محوريّاً في توفير الحماية ومنح المنصات التي تسمح للضحايا بالحديث دون خوف.
ضرورة التعامل مع الماضي
يقول بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة لـ”963+”: إنّ هناك، بلا شك، عوامل كثيرة سياسية واجتماعية أثرت في الوضع، لكن الأهم – كما يوضح – هو أن العدالة الانتقالية تُعدّ الطريق أو الآلية التي تمكّن الدول الخارجة من النزاعات أو تلك التي تشهد تغيرات كبيرة من التعامل مع ماضيها.
ويضيف أنها محاولة لاعتماد مجموعة من الإجراءات القضائية وغير القضائية لضمان تحقيق الإنصاف وكشف الحقيقة والمصالحة، إضافة إلى الإصلاحات الدستورية والمحاسبة وضمانات عدم التكرار، مشيراً إلى أن الحاجة الملحّة لهذه العملية تأتي من واقع الدول التي خرجت من نزاع مهما كانت طبيعته.
وينوّه الأحمد إلى أن الأمم المتحدة والباحثين والدارسين متفقون، إلى حدّ كبير، على ضرورة اتخاذ خطوات بعد خروج الدول من النزاعات، وأن هذه الخطوات تُعرف باسم “العدالة الانتقالية”، موضحاً أن لها تعريفات وعناصر متعددة، رغم أن عناصرها الأساسية المعروفة لا تزال أربعة كما ذكر سابقاً.
ويشير إلى أن الخطوات المتخذة حتى الآن في السياق السوري هي خطوات “خجولة أو رمزية”، بل يصفها بأنها “قاصرة”، إذ لا تعكس – بحسب قوله – وجود نية حقيقية لدى السلطات الانتقالية للشروع في عملية انتقالية فعلية تُعالج كل الانتهاكات وكل ما حدث.
ويشرح أن فهم هذا الوضع يتطلب إدراك عدة أسباب، أهمها أن جهات نافذة كانت متورطة أصلاً في الانتهاكات، إضافة إلى أن معظم الفصائل المندمجة مع وزارة الدفاع كانت متورطة أيضاً، ما يجعل قدرتها ورغبتها في إجراء محاسبة شاملة أمراً محدوداً.
ويلفت إلى أن ما يجري هو محاولة لإظهار صورة شكلية للخارج مفادها أن ثمة عملية انتقالية قائمة من خلال الحديث عن المفقودين أو الإعلان الدستوري أو الحوار، لكنها – كما يقول – خطوات تجميلية وغير حقيقية للأسف.
ويضيف الأحمد أنه “لا توجد حالياً عملية سياسية في سوريا”، موضحاً أن سلطة عسكرية مدعومة دولياً وبالتوافق مع أطراف خارجية سيطرت على السلطة وبدأت بتنفيذ ما تراه من إجراءات مثل الحوار الوطني أو الاستعلام الدستوري. ويشير إلى أننا لا نتحدث عن عملية سياسية بين أطراف متعددة، بل عن سلطة مؤقتة انتقالية سيطرت على كل شيء، مع وجود مفاوضات محدودة مع قوات سوريا الديمقراطية وأطراف دولية.
إشراك الضحايا في العدالة
حول كيفية إشراك الضحايا والمجتمعات في العملية الانتقالية، يوضح الأحمد أنه لا بد من وجود عملية عدالة انتقالية حقيقية. ويضرب مثالاً بمرسوم رقم 20 المؤسس لهيئة الإعداد الانتقالي، مشيراً إلى أنه يركّز فقط على انتهاكات النظام، متسائلاً: “ماذا عن انتهاكات باقي الأطراف خلال النزاع؟ وماذا عن الانتهاكات ذات الطابع المجتمعي، مثل تلك التي تعرض لها الكرد قبل عام 2011 أو على يد تنظيم داعش؟”.
ويضيف أن هناك انتهاكات أقدم مثل مرسوم 1962 وما يتعلق بسياسة الحزام العربي وغيرها من القصص المعروفة. ويشرح أن الخطوة الأولى لإشراك الضحايا والمجتمعات تتمثل في الاعتراف بهم وبمعاناتهم وإجراء مشاورات حقيقية تشمل القرى والبلدات، وخاصة المناطق التي يصعب الوصول إليها.
أما عن الدور الذي يلعبه المجتمع الدولي في دعم المرحلة الانتقالية، فيشير الأحمد إلى أنه ليس دوراً متوازناً إطلاقاً، بل على العكس – كما يقول – يمارس المجتمع الدولي دوراً سلبياً وترقيعياً، إذ يحاول الإيحاء بأن عملية الانتقال بدأت بالفعل. ويضيف أن الحكومات الدولية تتصرف وفق مصالحها السياسية، ما يؤدي إلى تغليب حساباتها على مسار حقوق الإنسان والعدالة.
وينوّه إلى أن رفع العقوبات أو التطبيع مع السلطة كان يجب أن يتم وفق استراتيجية واضحة تضمن الضغط لإحداث انتقال حقيقي وإصلاحات فعلياً، لكن ما حدث هو العكس، حيث حصل تطبيع مقابل وعود لم تُنفّذ على الأرض.
ويشرح أنه لا يفهم ما يُقصد بـ”مقاربات غير قابلة للتطبيق”، لكن ما هو واضح – كما يقول – أن المجتمع الدولي الذي كان يرفع شعار المحاسبة والعدالة لعب دور “المرقّع” لهذه السلطة دون ممارسة ضغط حقيقي عليها، مؤكداً أنه لم يُوجَّه ربع الضغط الذي مورس سابقاً على انتهاكات النظام.
ويشير إلى أن الأمر يحمل طابعاً سياسياً واضحاً، وأن الدول تتعامل مع الملف وفق مصالحها. ويضيف أن الوحيدين الذين يملكون مصلحة فعلية في مسار عدالة انتقالية متوازنة هم السوريون والسوريات أنفسهم، لأن المجتمع الدولي – كما ينوه – لن يكترث فعلياً إن تحققت العدالة الانتقالية أم لا، طالما حصل على ما يريده من السلطة الحالية. ويلفت الأحمد إلى أن ما يقوله قد يبدو صادماً للبعض، لكنه – كما يوضح – حقيقة يجب استيعابها عند البحث في مسار العدالة والانتقال السياسي في سوريا.
——————————–
إلى أين وصل ملف العدالة الانتقالية؟/ سلطان الإبراهيم
هيئة العدالة الانتقالية تشكلت في أيار/ مايو الماضي
2025-12-13
تؤكد الأحداث المتكررة التي تشهدها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل أكثر من عام وما يرافقها من عنف وخطابات تحريضية، على الحاجة الملحة لإنجاز ملف العدالة الانتقالية لإنصاف ضحايا الحرب وتجنيب البلاد مزيداً من الصراعات والأزمات، في ظل ارتباط العديد من ملفات الأزمة بهذا الملف بدءاً من المصالحة الوطنية وتشكيل الجهاز القضائي وفحص أهليته ليكون مرجعاً وفصلاً في قضايا البلاد المتشابكة، وصولاً إلى المواطنة وتحقيق السلم الأهلي والتماسك المجتمعي في ظل الشرخ الواضح الذي تعيشه وما عمّقه من تطورات متلاحقة وأعمال عنف على مساحة الجغرافيا السورية.
تشكيل هيئة العدالة الانتقالية
أصدر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في 17 أيار/ مايو الماضي، مرسوماً تشريعياً يقضي بإحداث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من أجل تسلم هذا الملف على مستوى البلاد، وبموجب المرسوم منحت الهيئة “الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وحق ممارسة مهامها في جميع الأراضي السورية”، بحسب ما نقلت حينها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وكشف عضو الهيئة رديف مصطفى لصحيفة “الوطن” المقربة من الحكومة الانتقالية الأسبوع الماضي، أنه “تم اتخاذ قرار بنشر مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية على صفحة الهيئة وصفحات المنظمات والمجتمع المدني، وإرساله إلى أكبر عدد من ذوي الضحايا للسماح لأكبر عدد من السوريين للاطلاع عليه، وتقديم المقترحات بشأنه بهدف تحقيق مشاركة شعبية واسعة”، مشيراً إلى أن “مسودة المشروع تضمنت عقوبات للانتهاكات الجسيمة والجرائم الاقتصادية الكبرى وغيرها من الجرائم التي شملها مشروع القانون، وتأسيس محاكم عدالة انتقالية”، متوقعاً أن يكون باب النقاش مفتوحاً لمدة أسبوعين ومن ثم أخذ الملاحظات والعمل على تلافي الثغرات.
تأخر الإنجاز
لكن بعد عام على سقوط نظام الأسد، والتأكيد المستمر من المنظمات الدولية والمحلية الحقوقية وخبراء حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والمختصين بشأن ضرورة الإسراع بإنجاز ملف العدالة الانتقالية باعتباره بوابة لحل ملفات أخرى عديدة، تجعل من تأخر إنجازه محل جدل وأخذ ورد، وسط مطالبات للمسؤولين بالحكومة الانتقالية باعتماد خطة واضحة ضمن جدول زمني محدد للعمل على القضية الأكثر إلحاحاً.
أركان العدالة الانتقالية
يؤكد مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فضل عبد الغني، أن “سوريا شهدت خطوات أولية نحو مسار العدالة الانتقالية، لكنها لا زالت محاطة بتحديات بنيوية وسياسية عميقة تعرقل الوصول إلى عدالة شاملة ومنصفة لجميع الضحايا، فمع انتهاء حقبة نظام الأسد وإتاحة الوصول إلى كثير من الأدلة والمواقع، لا تزال البنية القانونية والمؤسساتية للعدالة تعاني من قصور”، ويقول في تصريحات لـ”963+”، إن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان تطرح رؤية أكثر شمولاً للعدالة الانتقالية تقوم على أربعة أركان مترابطة، هي المساءلة الجنائية التي تعطي أولوية لمحاسبة القيادات العليا المتورطة بالانتهاكات، استناداً إلى قواعد بيانات واسعة تضم آلاف المرتكبين الموثقين، والحقيقة والمصالحة عبر إنشاء لجان متخصصة لتوثيق الانتهاكات ورسم الصورة الكاملة لما جرى مع إيلاء اهتمام خاص بملف المختفين قسراً الذين يصل عددهم إلى عشرات الآلاف”.
ويضيف أن “الركن الرابع للعدالة هو الجبر والتعويض والتذكر، من خلال برامج شاملة للتعويض المادي والمعنوي وضمان الاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا وحفظ الذاكرة الجماعية، فيما يتمثل الركن الرابع بالإصلاح المؤسسي الجذري لأجهزة القضاء والأمن والجيش، بما يضمن عدم تكرار أنماط الانتهاكات ويؤسس لدولة قانون حقيقية”، مشدداً على أن “تحقيق عدالة حقيقية في سوريا يتطلب توسيع نطاق العدالة الانتقالية ليشمل جميع الانتهاكات، بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها، مع التزام جماعي من السلطات الانتقالية والمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، وضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة في الجرائم المشمولة بالقانون الدولي، وتوفير أشكال كاملة وفعّالة من جبر الضرر للضحايا، بما في ذلك التعويض، وردّ الحقوق، وإعادة التأهيل، وضمانات عدم التكرار”.
ويرى المحامي والسياسي بسام العيسمي المقيم في النمسا، أن “هيئة العدالة الانتقالية يجب أن تستوفي شروطها ومقومات نجاحها وتكون محايدة وذات صلاحيات شاملة ومحصنة من تدخلات السلطة التنفيذية، وتضم ممثلين عن الضحايا وأسرهم والمجتمع المدني وخبراء قانونيين وهو غير متوفر بالهيئة القائمة حالياً”، معتبراً أن “العبث بالعدالة وحقوق الضحايا والاستخفاف بوجعهم هو قنابل موقوتة من شأنها أن تعمق الشروخ والانقسامات بالمجتمع وتبقي الجراحات مفتوحة”.
الحاجة للجان محلية
ويشدد لـ”963+”، على أن “ما تقتضيه الأصول يتطلب أن يتم منذ سقوط النظام بدء السلطة الحالية بشكل فعلي وجاد بتشكيل لجان محلية تحت رعايتها في كل الأحياء والمناطق السورية والتجمعات البشرية وبإشراف قضائي للعمل على توثيق الانتهاكات والمفقودين والشهداء، وأن تستمع لأهالي الضحايا وتجمع الأدلة وفق المعايير الدولية وحماية المقابر الجماعية من العبث لكن ذلك لم يحدث”، مؤكداً على أن “مسار العدالة الانتقالية كان يتطلب من الحكومة الانتقالية الانضمام إلى ميثاق روما والمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم الكبيرة عبر هذه المحكمة في حال رفضت الدول التي استقبلتهم محاكمتهم أو تسليمهم”.
ومطلع كانون الأول/ ديسمبر الجاري، كشف رئيس “هيئة العدالة الانتقالية” عبد الباسط عبد اللطيف، أن “قانون العدالة الانتقالية وصل إلى مراحله الأخيرة، وسيعرض على مجلس الشعب فور تشكيله”، موضحاً أن “الهيئة أنهت تشكيل لجانها الست، المتمثلة بلجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة والمساءلة، ولجنة جبر الضرر، ولجنة الذاكرة الوطنية ولجنة الإصلاح ولجنة بناء السلام والسلم الأهلي”، فيما ذكر النائب العام في سوريا حسان التربة، أن وزارة العدل بالحكومة السورية الانتقالية، ستتعاون مع “هيئة العدالة الانتقالية” في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن “الوزارة سمحت لفرق الهيئة بزيارة السجون والاطلاع على ملفات الموقوفين”، بحسب ما نقلت وكالة “سانا”.
ما هي مرتكزات العدالة الانتقالية؟
ويشير عبد الغني، إلى أن “العدالة الانتقالية حزمة متكاملة من الآليات والعمليات التي يلجأ إليها المجتمع لمواجهة إرث الانتهاكات الواسعة في الماضي، بهدف ضمان المساءلة وخدمة العدالة وتحقيق المصالحة، وفي هذا الإطار، تُشدِّد المعايير الأممية على ثلاث مرتكزات حاسمة، هي الشمولية والحياد في التعامل مع جميع الانتهاكات بغضّ النظر عن هوية مرتكبيها أو انتماءاتهم؛ ومركزية الضحايا في تصميم وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية عبر مشاورات وطنية حقيقية تتجاوز المشاركة الرمزية؛ والالتزام الصارم بالقانون الدولي الذي يحظر القبول بأي تسويات أو اتفاقات سلام تتضمن عفواً عن الجرائم الأشد خطورة مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومن هنا يظهر أن أي مسار انتقائي يقتصر على فاعل واحد – كما هو حاصل في المقاربة السورية الحالية التي تركز حصراً على النظام السابق – يتعارض مع هذه المعايير”.
ويوضح، أن “الركن الأول هو المساءلة الجنائية، التي يجب أن تكون غير تمييزية وتشمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، مع إعطاء أولوية لملاحقة القيادات العليا التي صاغت ووجَّهت السياسات الإجرامية، فيما الركن الثاني يتمثل في كشف الحقيقة والمصالحة، من خلال لجان حقيقة تحقق في أنماط العنف الممنهج وأسبابه وبُناه العميقة، مع مراعاة تحليل جندري خاص وتركيز على الانتهاكات بحق الأطفال، واستلهام تجارب مثل جنوب أفريقيا التي جمعت بين الاعتراف العلني بالحقيقة وإمكانية الملاحقة القضائية لمن يرفضون الاعتراف أو يتحايلون عليه”.
ويتضمن الركن الثالث، “الجبر والتعويض، حيث يؤكد النص أن برامج الجبر لا تُختزل في التعويض المالي، بل يجب أن تُصمَّم بالتشاور المباشر مع الضحايا والمجتمعات المتضررة، وأن تشمل تعويضات مادية ومعنوية، وخدمات طبية ونفسية، وإعادة الممتلكات، واعتذارات رسمية، وإجراءات رمزية كإقامة النُّصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الجماعية للضحايا. ويأتي الركن الرابع في الإصلاح المؤسسي، الذي يهدف إلى تحويل المؤسسات العامة – وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والقضائية والعسكرية – من أدوات للقمع إلى مؤسسات تحمي حقوق الإنسان وتعزز سيادة القانون، عبر اعتماد إجراءات تدقيق وتصفية (vetting) شفافة ونزيهة، واستبعاد الوحدات والأشخاص الضالعين في الانتهاكات المنهجية، وحلِّ البُنى المؤسسية الأكثر تورطاً في الجريمة”، بحسب مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.
ولنجاح مسار العدالة الانتقالية، يلفت العيسمي، إلى “ضرورة إنشاء محاكم مختلطة من قضاة محليين ودوليين للتعامل مع الجرائم الكبيرة التي وقعت على الشعب السوري طيلة أربعة عشر عاماً، مثل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي، حيث يوجد جرائم يتمد اختصاصها إلى العالمية ومن غير المتوقع أن يكون القضاء المحلي قادر على التعامل معها”، معتبراً أن “تعويم بعض المجرمين السابقين والرجالات لنظام بشار الأسد أمثال فادي صقر ووائل الحلقي ومحمد حمشو وغيرهم هو استخفاف بوجع السوريين وبعداً عن العدالة”، ومشدداً على أن “العدالة تحتاج إلى إعلان دستوري غير المعمول به حالياً ونصوص جديدة ومجموعة قوانين متكاملة”.
وفي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أكدت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامارد، أنها “أجرت محادثات مع أعضاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين في سوريا، حول عملية جمع الأدلة من سجون نظام بشار الأسد”، مشيرةً إلى أن “العملية ستكون طويلة وبطئية”، وأكدت، على أن “الإطار القانوني بحاجة إلى إصلاح عاجل، لأن بعضاً من أبشع الجرائم بموجب القانون الدولي لم تجرم بعد”.
ويرى عبد الغني، أنه “يمكن تبني النهج المختلط الذي يتجاوز التقابل التقليدي بين العدالة العقابية (الجنائية) والعدالة الإصلاحية (الترميمية). فالخبرة المقارنة تُظهر أن الجمع بينهما هو الأكثر فعالية في تحقيق سلام مستدام؛ إذ تضمن العدالة العقابية المساءلة الفردية والردع عبر العقوبة، بينما تركز العدالة الإصلاحية على إعادة بناء العلاقات الاجتماعية، والمشاركة المجتمعية، وترميم النسيج الاجتماعي المتضرر. ولا يُنظر إلى النهجين بوصفهما بديلين متعارضين بل متكاملين، إذ يمكن للآليات العقابية أن تُسهم في أهداف إصلاحية إذا صيغت بطريقة تشاركية تراعي الضحايا، كما يمكن للمحاكم الوطنية والدولية أن تدمج مبادئ العدالة الإصلاحية والانتقالية من خلال توسيع دور الضحايا في الإجراءات، وتحسين برامج الجبر، والتنسيق مع الآليات المحلية”.
————————
عام على سقوط الأسد… تحصين السلم الأهلي يبدأ من العدالة الانتقالية/ محمد أمين
10 ديسمبر 2025
من بين الملفات الأكثر أهمية في سورية ما بعد مرحلة نظام الأسد، يبرز ملف العدالة الانتقالية الذي يأتي في مقدمة اهتمام السوريين المنتظرين محاكمات عادلة وعلنية لكل من شارك في ارتكاب جرائم، سيما تلك التي جرت ما بين عامي 2011 عام الثورة على النظام السابق وعام 2024 الذي شهد سقوطه. وعلى مدى أكثر من 13 عاماً ارتُكبت مجازر وعمليات قتل جماعية بحق عشرات آلاف السوريين، موثقة من قبل منظمات حقوقية تطالِب الحكومة السورية اليوم بإيلاء مسار العدالة الانتقالية ما يستحق من اهتمام لتحصين السلم الأهلي. الإدارة السورية الحالية بدأت منذ الأيام الأولى لتوليها مقاليد الأمور في البلاد، عمليات مطاردة لآلاف المتهمين بارتكاب جرائم من عسكريين وأمنيين وسياسيين بل وحتى رجال دين من الصفوف الأولى والثانية والثالثة من النظام الأسبق، لم يتمكنوا من الفرار خارج البلاد. وجرى إيقاف المئات منهم بعضهم من رتب عسكرية رفيعة، ومنهم من عُرض على قاضي التحقيق في دمشق تمهيداً لإحالته الى محاكم مختصة، لم تُعرف بعد تفاصيل عملها وأبعاده.
ضرورة المساءلة والمحاسبة
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في مايو/أيار الماضي مرسوماً بتشكيل هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية، تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وفي أغسطس/ آب الماضي، أصدر الشرع، مرسوماً بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مكوّنة من 13 عضواً، بينهم رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف ونائبته زهرة نجيب البرازي. ونص القرار الرئاسي على أن يباشر أعضاء لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مهامهم فوراً، على أن يتم توزيع المهام وفق النظام الداخلي للهيئة. وأعلن عبد اللطيف التزامه الكامل بالعمل الجاد لـ”كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد”، و”مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية”، و”جبر الضرر الذي لحق بالضحايا”، و”ترسيخ مبادئ عدم التكرار، وتعزيز المصالحة الوطنية”.
وعن الخطوات التي قامت بها هيئة العدالة الانتقالية منذ تأسيسها، أوضح عضو اللجنة المحامي رديف مصطفى لـ”العربي الجديد”، أنه “شُكّلت ست لجان ضمن الهيئة هي: لجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة ولجنة جبر الضرر ولجنة تخليد الذاكرة ولجنة الإصلاح المؤسساتي وأخيرا لجنة المصالحة والسلم”. وتابع: “كل لجنة وضعت استراتيجيتها بالتفاعل مع الناس والمنظمات والضحايا وذويهم. قمنا بزيارات عديدة لكل من دير الزور وحلب وحمص وحماة للتعريف بالهيئة وعملها وسماع الناس، خصوصاً الضحايا وسنكمل قريباً هذه الزيارات إلى باقي المحافظات”. وأشار إلى أن أعضاء في اللجنة قاموا بزيارات خارجية لـ”الاطلاع على تجارب الدول والاستفادة منها مثل رواندا وألمانيا”، موضحاً أن الهيئة “أقرّت نظامها الداخلي، ومدونة السلوك الخاصة بها”. وأضاف: كما أنجزت الهيئة بالتعاون مع كلية الحقوق في جامعة دمشق مسودة مشروع القانون الخاص بالعدالة الانتقالية والذي سيتم عرضه على الناس، وإجراء تعديلات عليه قبل عرضه على مجلس الشعب. وبيّن أنه “يفترض بموجب هذا القانون إنشاء محاكم متخصصة بمحاكمة المجرمين ممن ارتكبوا انتهاكات جسيمة”، مضيفاً: أجرينا الكثير من اللقاءات مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية إضافة إلى لقاءات عدة شملت وفود حكومية رسمية.
وأبدت منظمات مجتمع مدني تحفظاً على تشكيل هذه الهيئة كونها لم تأت نتيجة مشاورات وطنية كافية لتعزيز الثقة بهذه الهيئة، التي تتولى ملفاً يشكّل تحدياً كبيراً للحكومة لكونه يمسّ السلم الأهلي في الصميم. كما رأى البعض أن اللجنة لم تضمّ خبراء عملوا في العدالة الانتقالية، وراكموا خبرات على هذا الصعيد، ولم تُشرك روابط ذوي الضحايا، ومنظمات سورية عملت على هذا الملف طيلة سنوات.
بدوره، رأى مدير الشبكة السورية لحقوق الانسان، فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “أداء هيئة العدالة الانتقالية في سورية يمثل خطوة أولية في مسار بناء منظومة للعدالة الانتقالية”، غير أنه ما “يزال محكوماً بجملة من نقاط الضعف والقصور البنيوية والإجرائية”. وبرأيه هناك “مجموعة من التحديات الجوهرية التي تقيّد فعالية الهيئة وتقوّض قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في مسار العدالة الانتقالية”، مضيفاً: لم تُنشر بعد اللوائح التنظيمية الداخلية ولا المعايير التفصيلية التي تحكم عمل الهيئة، ما يخلق حالة من الضبابية حول صلاحياتها ومدى قدرتها على إجراء إصلاحات عميقة أو مساءلة شاملة لجميع المسؤولين عن الانتهاكات، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم السابقة. ومسار العدالة الانتقالية في سورية “يحتاج إلى إصلاحات تتجاوز الطابع الرمزي الحالي لعمل الهيئة”، بحسب عبد الغني “باتجاه توسيع نطاق التحقيقات ليشمل مختلف أطراف النزاع، وبناء منظومة شفافة لا تسمح بإعادة إنتاج الإفلات من العقاب، وتؤسس لشراكة حقيقية مع الضحايا ومنظمات المجتمع المدني”.
ودعا إلى أن “تكون العدالة الانتقالية ذات منطلق وقيادة سورية بالأساس، مع نسج علاقة تكاملية متينة مع المنظومة الدولية، بما في ذلك الآليات الأممية ذات الصلة”. وتابع: وفق هذا المنظور، يمكن القول إن هيئة العدالة الانتقالية تتحرك في مسار يؤسس لبعض عناصر العدالة، لكنها ما تزال عالقة بين الرمزية السياسية وقيود التنفيذ العملي؛ ما يجعلها بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية جادة، وإصلاحات مؤسسية تضمن التشاركية والشفافية، بما يتيح تحقيق انتقال حقيقي وسليم نحو منظومة عدالة انتقالية متكاملة.
وأثار منح الإدارة السورية “الأمان” لمتهمين بارتكاب مجازر وتجاوزات بحق المدنيين استياء الشارع السوري، وأبرزهم المدعو فادي صقر الذي كان يتزعم ما كان يُعرف بـ”الدفاع الوطني” في العاصمة دمشق وكان يضم أكثر شبيحة النظام البائد قسوة ووحشية ذات طابع طائفي. ولم ترض تبريرات ساقتها الإدارة لهذه الخطوة هذا الشارع الذي عبّر عن سخطه في تظاهرات، لا سيما في حي التضامن حيث كان ينشط صقر ومجموعته. وأكدت هذه الإدارة أكثر من مرة أن وجود صقر في الواجهة يساعد في تثبيت الاستقرار ويحول دون صدامات على أسس طائفية. ويُعتقد أن صقر واللواء طلال مخلوف (قائد سابق للحرس الجمهوري) كان لهما دور في تجنيب العاصمة دمشق صداماً عسكرياً دامياً، وذلك عبر تحييد مجموعات كاملة وتسليم سلاحها.
من جهته، شدّد زكريا الطحان (ما يزال لاجئاً في تركيا)، في حديث مع “العربي الجديد”، على أن ملف العدالة الانتقالية من “أهم الملفات التي نوليها كل الاهتمام”، مشيراً إلى أنه كان سجيناً في معتقل صيدنايا ولن يرضيه “إلا محاسبة الجلادين”. وتابع: لن يندمل الجرح السوري ويشفى، لننتقل الى مرحلة التصالح والمسامحة بين أطياف الشعب من دون محاسبة المجرمين. لا أجد أي مبرر لعدم تحقيق تقدم في التأسيس لمسار عدالة انتقالية في سورية. وشاطرته الرأي عبير ش، التي لم تكشف عن كامل هويتها، والتي فقدت شقيقها في سجن صيدنايا، ورأت في حديث مع “العربي الجديد”، أن خطوات الحكومة في هذا المسار ما تزال “خجولة”، مطالبة بإنشاء وزارة مخصصة للاهتمام بذوي الضحايا والمفقودين وتقديم مساعدات مادية لهم. وتابعت: لن يرضى ذوو الشهداء والضحايا ما دام القتلة والمجرمون خارج أسوار السجون. نريد محاكم علنية لمن تم القبض عليهم وبعضهم مضى على توقيفه عام كامل.
مسار العدالة الانتقالية
في السياق، رأى الحقوقي والسياسي محمد صبرا في حديث مع “العربي الجديد”، أن “مسار العدالة الانتقالية لم يأخذ مداه حتى اللحظة”، مضيفاً: هناك خطوات بطيئة جداً. هذا المسار يحتاج إلى عمل كبير جداً. وأشار إلى أن الحكومة السورية “ورثت إرثاً ثقيلاً جداً إن كان على مستوى الكم الهائل من الجرائم التي ارتُكبت إبان النظام البائد، أو تآكل مرفق القضاء في البلاد”، مضيفاً: كان عدد القضاة محدوداً والجهاز القضائي مستوى عليه من قبل السلطة الاستبدادية. وبيّن أن “تفعيل مسار المحاسبة والمحاكمة يتطلب موازنات مالية كبيرة، وإصدار قوانين جديدة في سورية”، موضحاً أن البلاد بحاجة إلى “تعديل نحو 30 قانونا لضبط الجرائم التي وقعت خلال فترة النظام البائد”.
ولفت صبرا إلى أن “القوانين السورية لا تعالج كل الحالات. قانون العقوبات السوري صدر عام 1949 وهناك تطور هائل حدث على مستوى القانون المدني الإنساني، بما يتعلق بموضوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بين ذاك العام وحتى اليوم، وبالتالي لا بد من صدور قوانين مواكبة”. وأمِل أن “يتصدى المجلس التشريعي القادم لهذا الامر بالغ الأهمية من أجل السير بخطوات واضحة لإحقاق العدالة وجبر الضرر والمحاسبة”، مشيراً إلى أن “أساس استقرار السلم الأهلي في سورية يستند على العدالة الانتقالية”. وتابع: الهدف من العدالة الانتقالية ليس محاسبة المجرمين فحسب، بل تكريم الضحايا، وجبر ضرر ذويهم. تحقيق الاستقرار من حل هذه المعضلة الكبيرة وهذا يتطلب من وزارة العدال انشاء محاكم جديدة ورفد القضاء بقضاة مؤهلين ورصد موازنات مالية كبيرة. وطالب صبرا الحكومة السورية بـ”إعلان برنامج زمني واضح لمسار العدالة الانتقالية بشكل يضمن منع الإفلات من العقاب”، مضيفاً: مسار عدالة انتقالية نشط وموضوعي يغلق الباب أمام عمليات انتقامية وثأرية، ويعزز الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
العربي الجديد
———————————
كيف تُمهّد المحاكمات الأوروبية الطريق لبناء منظومة العدالة الانتقالية في سوريا؟/ ميشال شماس
2025.12.12
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من قمع دموي ممنهج، ظلّ مطلب العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية أحد أبرز تطلعات السوريين. ومع انسداد المسارات الدولية الرسمية بفعل الفيتو الروسي–الصيني في مجلس الأمن، بدا وكأن الإفلات من العقاب هو المصير الحتمي، وأن الزمن يعمل لصالح المجرمين.
غير أن جهود محامين وناشطين سوريات وسوريين، لاسيما في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، بالتعاون مع منظمات حقوقية في البلدان الأوروبية، نجحوا بفتح ثغرة في هذا الجدار وإطلاق مسار قضائي غير مسبوق منذ العام 2017 عندما أصدرت السلطات القضائية الألمانية مذكرة توقيف بحق اللواء جميل حسن، الرئيس السابق لإدارة المخابرات الجوية، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. بدا الأمر حينها لكثيرين مجرد خطوة رمزية. إلا أن تلك الخطوة كانت في الواقع الشرارة التي أطلقت سلسلة من المحاكمات امتدت من ألمانيا إلى فرنسا وهولندا والسويد والنمسا وبلجيكا والولايات المتحدة. ومع كل جلسة وشهادة وحكم، بدأ يتضح أن هذا المسار ليس ثانوياً ولا رمزياً، بل بدأ يعيد رسم مفهوم العدالة الممكنة بالنسبة للسوريين.
في قاعات المحاكم الأوروبية، جلس ناجون من التعذيب والحصار ليحكوا قصصهم أمام قضاة ومحامين وصحفيين. هذه الشهادات لم تعد مجرد روايات شخصية، بل أصبحت جزءاً من سجلات قضائية رسمية، وأثبتت أن التعذيب والقتل والتجويع كانت سياسة ممنهجة وليست حوادث فردية.
بالنسبة للضحايا، كان ذلك لحظة استعادة للكرامة، ورسالة بأن العالم لم يغضّ الطرف عن معاناتهم. كثيرون منهم قالوا إنهم شعروا للمرة الأولى أن أصواتهم مسموعة، وأن العدالة ليست مجرد شعار سياسي بل مسار فعلي يمكن أن يُغيّر المستقبل. هذه القيمة الرمزية لا تقل أهمية عن الأحكام نفسها، لأنها تُعيد الثقة المفقودة بين الضحايا وفكرة العدالة.
الأحكام التي صدرت في ألمانيا ضد أنور رسلان (15 سنة)، علاء موسى (مؤبد)، موفق الدووا (مؤبد)، وإياد الغريب (4 سنوات)، ومصطفى الداهودي بالسجن 12 سنة، وفي فرنسا صدرت مذكرات توقيف بحق علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود. وتوجت مؤخرا بصدور مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، هذه الأحكام وتلك المذكرات لم تقتصر على رأس النظام النظام السابق بل شملت مسؤولين وضباط كبار، وأطباء وعناصر ميليشيات، ما يعكس شمولية الملاحقات. ومؤخرا وسعت محكمة كوبلنز الألمانية نطاق الجرائم الملاحقة لتشمل جريمة التجويع كجريمة حرب، وهو تطور مهم يفتح الباب لمساءلة مرتكبي جريمة حصار الغوطة وحمص ومخيم اليرموك وغيرها من المناطق. هذه السوابق القانونية تُعطي القضاء السوري المستقبلي قاعدة جاهزة يمكن البناء عليها، بدل البدء من الصفر.
كما أن الأحكام التي صدرت تُظهر أن العدالة لم تقتصر على محاسبة من نفذ تلك الجرائم بل وأيضا من أصدر الأوامر، من الرئيس ومسؤوليه إلى الطبيب الذي شارك في التعذيب والعنصر الذي أطلق النار على المدنيين. هذا يرسّخ مبدأ أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا يمكن لأي شخص أن يختبئ خلف ذريعة “تنفيذ الأوامر”.
هذه المحاكمات والأحكام أرسلت رسالة واضحة: زمن الإفلات من العقاب قد انتهى. لم يعد بإمكان رئيس النظام السابق ومسؤوليه وعناصره أو حلفائه الادعاء أن الجرائم كانت “أخطاء فردية” أو “ضرورات أمنية”. الأحكام القضائية الموثقة هي من منعت إعادة دمج النظام السابق سياسياً أو تبييض صفحته دولياً قبل سقوطه الأخير.
هي أيضاً رسالة ردع لمن ما يزال يرتكب الجرائم، العدالة قد تتأخر، لكنها ستصل. وهذا البُعد الردعي مهم جداً في سوريا، حيث كان كثير من السوريين يخشون أن أي حل سياسي قد يُعيد المجرمين إلى السلطة. المحاكمات تقول بوضوح: لا مستقبل لسوريا من دون محاسبة. كل هذه المحاكمات أنتجت أرشيفاً قضائياً لا يُقدّر بثمن. شهادات الضحايا، صور قيصر، الأدلة الرقمية، كلها خضعت للتدقيق القضائي وأصبحت جزءاً من سجلات رسمية. هذا الأرشيف يُحصّن الذاكرة السورية ضد الإنكار والدعاية المضادة.
كما أظهرت المحاكمات كيف يمكن بناء قضايا معقدة عبر التعاون بين المدّعين العامين الأوروبيين والمنظمات الحقوقية السورية والدولية. المحامون السوريون الذين شاركوا في هذه القضايا راكموا خبرة عملية في التحقيق، حماية الشهود، إدارة الأدلة الرقمية. هؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لتدريب القضاة والنيابة في سوريا الآن في المستقبل.
وفي المستقبل، يمكن تحويل المحاكمات والأحكام إلى مستودع وطني للعدالة الانتقالية، يُستخدم في المحاكم الوطنية، وفي لجان الحقيقة والمصالحة، وفي المناهج التعليمية والإعلام. بهذه الطريقة، تصبح العدالة ليس فقط محاسبة الماضي، بل أيضاً ضماناً لعدم تكرار الجرائم.
نموذج حماية الشهود في أوروبا (إخفاء الهوية، الدعم النفسي، تأمين الإقامة) يجب أن يُدمج في أي منظومة عدالة انتقالية سورية. كذلك، استخدام الأدلة المفتوحة المصدر (فيديوهات، صور، محتوى رقمي) أثبت فعاليته، ويجب أن يصبح جزءًا من أدوات التحقيق الوطني.
كما أن التعاون بين أجهزة قضائية مختلفة (ألمانيا، السويد، فرنسا، هولندا) يُقدّم نموذجاً عملياً لسوريا حول كيفية بناء شراكات قضائية عابرة للحدود، خاصة أن الجرائم السورية ارتُكبت بمشاركة ميليشيات عابرة للحدود مثل حزب الله وفصائل عراقية وإيرانية.
بالطبع، هذه المحاكمات ليست كاملة. معظم القضايا طالت أفراداً من مستويات متوسطة أو دنيا، في حين أن كبار المسؤولين لم يُحاكموا بعد. الإجراءات القضائية طويلة ومعقدة، وقد تستغرق سنوات قبل صدور الأحكام. والعدالة في المنفى تبقى جزئية، ولا يمكن أن تُعالج كل الجراح السورية.
لكن هذه التحديات لا تُلغي القيمة التأسيسية لهذه المحاكمات، بل تُظهر الحاجة إلى البناء عليها وتوسيع نطاقها. العدالة الحقيقية يجب أن تتحقق داخل سوريا عبر قضاء وطني مستقل، لكن المحاكمات الأوروبية والأميركية تُقدّم نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه من خلال الإجراءات التالية:
تشريع جديد: إدراج الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في القانون السوري، وضمان عدم شمولها بالعفو.
محاكم وطنية متخصصة: إنشاء دوائر قضائية للنظر في الجرائم الدولية، مع قضاة مدرّبين على المعايير العالمية
حماية الشهود والضحايا: اعتماد برامج دعم نفسي وقانوني، كما جرى في أوروبا.
أرشفة وطنية: تحويل الأدلة والشهادات إلى مركز وطني للعدالة الانتقالية.
شراكات دولية: الاستفادة من خبرة الدول التي أجرت المحاكمات لنقل المعرفة والأدلة.
تثقيف عام: استخدام هذه المحاكمات كسرد قضائي موثّق لتثبيت الذاكرة الجماعية ومنع الإنكار.
برامج جبر وتعويض: وضع آليات لتعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا، وإعادة الاعتبار لهم.
إصلاح المؤسسات: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والقضائية على أسس الاستقلالية والنزاهة، مع ضمان الرقابة المدنية.
المحاكمات الأوروبية والأميركية لم تكن مجرد محاسبة أفراد، بل كانت إدانة منهجية للنظام السوري بأكمله، ورسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى. هذه المحاكمات، التي بدأت قبل سقوط النظام ومازالت مستمرة بعده، تُشكّل اليوم الركيزة الأساسية لبناء العدالة الانتقالية في سوريا. فهي لم تكتفِ بتثبيت المسؤولية الجنائية الفردية، بل ربطت الجرائم بالمنظومة الأمنية والسياسية التي أنتجتها، لتُظهر أن ما جرى لم يكن سلسلة أخطاء، بل سياسة ممنهجة هدفها سحق المجتمع وإخضاعه.
إن القيمة الكبرى لهذه المحاكمات أنها كسرت وهم الحصانة الذي عاش عليه نظام الأسد لعقود، وأثبتت أن القانون الدولي يمكن أن يجد طريقه حتى حين تُغلق أبواب مجلس الأمن. لقد تحولت قاعات المحاكم في برلين وكوبلنز وفراكفورت وفيينا وباريس ولاهاي واستوكهولم وواشنطن إلى ساحات بديلة للعدالة، حيث جلس الضحايا ليواجهوا جلاديهم، وحيث تحولت الشهادات الفردية إلى حقائق قضائية موثقة. هذا الأرشيف سيبقى شاهداً على الجرائم، وسيُشكّل حجر الأساس لأي مسار عدالة داخل سوريا.
لكن الأهم من ذلك أن هذه المحاكمات تُقدّم خريطة طريق عملية للسوريين: كيف يمكن بناء قضاء مستقل، كيف تُدار حماية الشهود، كيف تُستخدم الأدلة الرقمية، وكيف تُصاغ التشريعات لتمنع الإفلات من العقاب. هي ليست مجرد دروس نظرية، بل خبرة عملية متراكمة يمكن أن تُترجم إلى مؤسسات وطنية، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة الآمنة.
العدالة الانتقالية في سوريا لن تكون سهلة، ولن تُختزل في المحاكمات الجنائية وحدها. هي مسار طويل يجمع بين المحاسبة، الحقيقة، الجبر، والإصلاح المؤسسي. لكن هذه المحاكمات تقول لنا إن البداية ممكنة، وإن العدالة ليست حلمًا بعيدًا بل مسارًا بدأ بالفعل، وإن كان في المنفى.
إنها جسر مزدوج: بين زمن الإفلات من العقاب وزمن المحاسبة، وبين العدالة في المنفى والعدالة الوطنية التي يجب أن تُبنى داخل سوريا. وإذا كان السوريون قد أثبتوا أنهم قادرون على فتح ثغرة في جدار الصمت الدولي، فإنهم قادرون أيضًا على تحويل هذه السوابق إلى منظومة عدالة وطنية تُعيد للضحايا كرامتهم، وتُحصّن المجتمع ضد تكرار الجرائم.
وبذلك، تصبح هذه المحاكمات ليست فقط إدانة للنظام، بل بداية لعدالة سورية جديدة، تُبنى على الحقيقة، وتستند إلى القانون، وتُعيد للضحايا حقهم، وللمجتمع أمله في مستقبل لا مكان فيه للمجرمين.
تلفزيون سوريا
———————————–
محاكمات ما بعد النظام المخلوع.. عدالة أم انتقام؟/ معاذ الحمد
عامٌ على سقوط النظام: محاكمات سوريا بين وعد العدالة ومخاطر التسوية الهشّة
2025-12-16
تدخل سوريا عامها الأول بعد سقوط النظام وهي محمولة على سؤال ثقيل: هل تسير المحاكمات نحو عدالة حقيقية أم نحو تسويات هشة؟ فالمسار القضائي، كما يصفه مطلعون، يولد في بيئة مضطربة تفتقر إلى مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون، فيما يُقدَّم بوصفه محاولة لإنقاذ المجتمع من الانزلاق إلى منطق الانتقام، رغم نقص الوسائل وتعقيد المرحلة. وبين تشكيل لجان وكشف حقائق معلّقة وأرقام صادمة للضحايا والمفقودين، تتبلور قناعة متزايدة بأن العدالة لن تستقيم دون تشريعات ملزمة، ولا ثقة ستُبنى ما لم تُفتح ملفات الجرائم الكبرى، وتُلاحق القيادات المسؤولة.
يرى الإعلامي المتخصص في العلاقات الدولية لمنطقة المتوسط في فرنسا يوسف لهلالي في تصريحات لـ”963+” أن ما يجري خلال العام الأول من المحاكمات “يبقى محكوماً بحالة عدم الاستقرار التي تعيشها سوريا، وبغياب مؤسسات قوية وقادرة”، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثّل “محاولة لإحلال العدالة داخل المجتمع بدل الانزلاق إلى منطق الانتقام والقصاص”.
لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن “المرحلة الانتقالية بطبيعتها صعبة ومعقدة في ظل نقص الوسائل لدى الدولة لفرض القانون وتحقيق العدالة بصورة كاملة”.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية في سوريا.. مسألة شاملة ومصالحة وطنية – 963+
خطوات مؤسسية.. ولكن دون مظلة قانونية مكتملة
مع انطلاق المرحلة الانتقالية، أعلنت السلطات عن تشكيل “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية”، إلى جانب لجان متخصصة بملف المفقودين والمختفين قسرًا، في خطوة وُصفت بأنها الأساس المؤسسي لمسار المساءلة. كما جرى طرح مشروع متكامل لقانون العدالة الانتقالية يُفترض أن ينظم أربعة مسارات متوازية: المحاكمات الجنائية، كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المنظومة القضائية والأمنية.
غير أن هذا المشروع بقي حتى الآن في حيّز النقاش العام ولم يتحول إلى تشريع نافذ، ما جعل عملية المحاسبة تسير دون إطار قانوني جامع يحدد الأولويات والآليات.
في هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور عمران زهوي في تصريحات لـ”963+” إن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع “أطلق بشكل رسمي مشروعاً واسعاً لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا”، موضحاً أن مهمة اللجنة لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل “كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، وجبر الضرر الذي لحق بالضحايا، وترسيخ مبدأ عدم التكرار، وصولاً إلى المصالحة الوطنية”.
إلا أن زهوي شدد على أن “الاكتفاء بتشكيل اللجان دون حلول عملية لن يؤدي إلى تقدم فعلي ما لم يتحول هذا المسار إلى منظومة قانونية ملزمة”.
محاكمات تلاحق الحاضر.. وتتجنب الماضي
عملياً، تركزت معظم المحاكمات التي أُجريت خلال العام الأول على أحداث العنف التي وقعت بعد سقوط النظام، ولا سيما تلك التي شهدها الساحل السوري ومناطق أخرى خلال آذار/مارس 2025، حيث مثل 14 شخصاً أمام القضاء بتهم تتعلق بالقتل والانتهاكات الجسيمة.
وبرغم إتاحة حد أدنى من ضمانات المحاكمة، مثل العلنية وحضور محامين، ترى منظمات حقوقية أن هذه القضايا ما تزال بعيدة عن صلب العدالة الانتقالية، إذ لم تُفتح حتى الآن ملفات الجرائم الكبرى التي وسمت عهد النظام السابق، وأبرزها التعذيب المنهجي والإخفاء القسري والقصف العشوائي.
ويوضح زهوي أن ما جرى في الساحل “لم يكن محاكمة في إطار عدالة انتقالية متكاملة بقدر ما كان تعبيراً عن التوتر القائم بين جرائم الحاضر وجرائم الماضي”، معتبراً أن استمرار العنف مرتبط ارتباطاً مباشراً “بغياب آليات حقيقية لمحاكمة جرائم النظام السابق، وهو ما يضعف ثقة السوريين بمسار العدالة”.
خطاب رسمي ومخاوف ميدانية
تؤكد الحكومة الانتقالية في خطابها الرسمي أن هدفها هو ترسيخ مبدأ “المساءلة لا الانتقام”، وتستشهد بتعاونها مع المحافل الدولية، بما في ذلك القضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية بشأن التعذيب في عهد النظام السابق، باعتباره التزاماً قانونياً لا ثأرياً.
غير أن هذا الخطاب، بحسب محللين، يصطدم بواقع أمني هشّ في بعض المناطق، حيث ما تزال حوادث الخطف والقتل والتصفية خارج القضاء تتكرر، ما يهدد بتحويل العدالة من مسار مؤسسي إلى أفعال فردية.
في هذا الإطار، يحذّر لهلالي من أن أي عدالة “تفقد ثقة الناس تفقد مشروعيتها”، مشدداً على أن “إيمان السوريين، ولا سيما الضحايا، بنزاهة القضاء هو الأساس لبناء سوريا الجديدة”، وأن غياب هذه الثقة سيفتح الباب أمام الانتقام بدل القانون.
اقرأ أيضاً: إلى أين وصل ملف العدالة الانتقالية؟ – 963+
أرقام ضئيلة أمام مأساة ضخمة
لا تتوفر أرقام رسمية بعدد القضايا التي نظرتها المحاكم منذ سقوط النظام، لكن تقارير بحثية تشير إلى مساءلات أولية طالت 83 قاضياً سابقاً من قضاة محاكم الإرهاب والقضاء العسكري، إضافة إلى محاكمة 14 شخصاً على خلفية أحداث العنف الطائفي في الساحل.
في المقابل، تبدو هذه الأرقام ضئيلة أمام حجم المأساة. إذ يقدّر المحلل الأمني والسياسي إحسان القيسون عدد ضحايا الحرب بأكثر من 750 ألفاً، قائلاً إن “أكثر من 80% منهم سقطوا على يد قوات النظام المخلوع”، معتبراً أن العدالة الانتقالية “خطوة أساسية لامتصاص غضب السوريين وإيقاف دوامة الثأر”.
ويضيف القيسون لـ”963+” أن محاسبة من وصفهم بـ”الأكثر رعباً وقتلاً” ضرورة لـ”تهدئة الاحتقان الشعبي وتهيئة الأرضية لبناء دولة مستقرة”، مشدداً على أن العدالة “لا تهدف إلى الانتقام بل إلى إنصاف الضحايا وذويهم”.
التهم الحالية وأزمة القيادة الغائبة
تكشف الملفات المنظورة حتى الآن أن الغالبية الساحقة من القضايا تتعلق بجرائم آنية، مثل القتل والتجمهر المسلح والتحريض الطائفي، إضافة إلى مخالفات مهنية بحق بعض القضاة والمسؤولين السابقين.
لكن ملف التعذيب، على ثقله، ما يزال محصوراً بعناصر من رتب دنيا أو متوسطة، في حين لم تُفتح حتى الآن ملفات تطال القيادات الأمنية العليا التي يُتهم بعضها بإدارة التعذيب بوصفه سياسة عامة.
يشير زهوي إلى أن من أخطر العقبات أمام هذا المسار “فرار عدد كبير من رموز النظام خلال الساعات الـ48 الأولى من السقوط”، فضلاً عن “استمرار وجود مقاتلين أجانب وفصائل غير منضبطة”، إضافة إلى أن “جزءاً من جهاز الدولة السابق ما يزال قائماً داخل السلطة الجديدة”، وهو ما يعقّد عملية تفكيك المنظومة القديمة.
وإلى جانب المحاكم، يبقى ملف المختفين قسراً أحد أكثر القضايا حساسية، إذ تشير تقديرات حقوقية إلى اختفاء ما بين 120 ألفاً و300 ألف شخص منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويؤكد زهوي أن هذا الرقم “يجعل الغالبية الساحقة من العائلات السورية معنية بشكل مباشر بهذه القضية”، معتبراً أن أي عدالة انتقالية لا تضع ملف المختفين في صلب أولوياتها ستفقد بعدها الإنساني والسياسي.
اقرأ أيضاً: مسار العدالة السوري: خطوة أولى أم تزيين سياسي؟ – 963+
هل العدالة شرط للاستقرار؟
يرى القيسون أن إنهاء ملف العدالة الانتقالية “شرط لفتح صفحة جديدة من البناء والاستقرار والاقتصاد”، داعياً إلى عدم إطالة هذا الملف إلى ما لا نهاية، بل حسمه ضمن مدة زمنية معقولة تتيح الانتقال إلى إعادة الإعمار وترميم المجتمع.
كما دعا إلى أن تكون المحاكمات “علنية وشفافة وبحضور محامين”، منتقداً “غياب الشفافية في بعض الإجراءات الحالية”، ومؤكداً أن “استعادة حقوق الضحايا لن تتحقق بالتغاضي والتسويات”.
ويقف القضاء السوري اليوم عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى أداة لبناء دولة قانون، أو ينزلق إلى مسار انتقائي يعمّق الشروخ المجتمعية.
يوسف لهلالي يختصر هذا الاختبار بالقول: “من دون ثقة لن تكون هناك عدالة حقيقية”. بينما يؤكد القيسون أن “محاكمة قتلة الأسرى والمجرمين الموثقين ستُسهم في طي صفحة الماضي”.ويحذر زهوي من أن الفشل في تفكيك منظومة القمع سيُبقي البلاد في دائرة الخطر، في ظل تشابك إقليمي وعنف غير منضبط “قد يفتح باباً لمخاطر التقسيم”.
——————–
بعد عام من الكشف عن طبقات القمع والظلم.. كيف تتحقق العدالة للضحايا؟/ أسماء الفريح
ديسمبر 11, 2025
قصص تقشعر لها الأبدان تلك التي تكشفت أمام أنظار العالم أجمع، بعد وصول طلائع قوات فصائل “ردع العدوان” إلى المدن السورية واحدة تلو الأخرى، وهي تفتح للقابعين خلف الأبواب الموصدة داخل حفر كبيرة أشبه بالقبور التي تم حفرها تحت طبقات أرض متعددة باردة ومظلمة وموحشة، ليرى الكثير منهم بعد سنوات طوال ما تركه لهم الجلادون من بقية حياة وذاكرة.
خرجت الأجساد من السراديب والزنزانات المنفردة، ممن كتب لهم البقاء على قيد الحياة حتى إسقاط النظام المخلوع، منهكة من التعذيب والجوع والمرض والرعب، وبعضها تعاني من فقدان الذاكرة والإدراك لما يجري حولها لشدة ما عايشته من آلام ومعاناة، لم ترحمهم صيحاتهم ولا أجسادهم المنهكة ولا دماؤهم الجارية ولا جروحهم المتقيحة، ولم تفرق بين من كان طفلا أو يافعا أو رجلا مسنا أو امرأة، فجميعهم سيان في هذه المحنة.
حلب بداية تحرير المعتقلين
مع انطلاق معركة “ردع العدوان” من حلب في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتمكنت الفصائل من تحريرها، توجهت على الفور إلى سجن المدينة العسكري لتحرير المعتقلين داخله، وعددهم أكثر من 1500، وفقا لتقديرات، بينهم أطفال ونساء، جرى اعتقال معظمهم بعد انطلاق الثورة السورية في آذار 2011.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت آنذاك كيفية خروج العشرات من المعتقلين المنهكين، بينهم نساء، من السجن الواقع شمال المدينة، والذي كان يعد الأكبر والأكثر ازدحاما، حيث كان يضم في زنزانة واحدة أكثر من 25 معتقلا، وتضاعف الرقم مع بداية الثورة.
ووفقا لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا فإن بين المحررين من سجن حلب المركزي كان محمد عثمان المؤقت (53 عاما)، الذي قضى 33 عاما في السجون، بينها سجن صيدنايا سيئ السمعة، ويعد من بين أقدم المعتقلين، وتعرض لشتى أنواع التعذيب، وجرى اعتقاله عام 1991 بناء على تقرير كيدي كاذب.
ومع تقدم فصائل “ردع العدوان” باتجاه محافظة حماة، التي عانت ما عانته من مجازر وحشية منذ أيام حافظ الأسد عام 1982، أودت بحياة عشرات الآلاف، تمكنت القوات من تحرير المئات من معتقلي سجن المدينة العسكري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2024.
وخرج المغيبون وراء القضبان، بينهم من قضى أكثر من ثلاثة عقود باتهامات ملفقة، إلى جانب لبنانيين انقطعت أخبارهم عن ذويهم منذ الثمانينات أيضا خلال الحرب التي شهدتها بلادهم، من السجن الواقع غربي حماة، والذي يعد من أقدم سجون النظام المخلوع.
وفي مساء السابع من كانون الأول/ديسمبر، تمكنت فصائل “ردع العدوان” من فتح سجن حمص المركزي الواقع قرب حي بابا عمرو، وأخرجت مئات المعتقلين منه، بعضهم قضى أكثر من 13 عاما، وبعده بساعات خرج أكثر من 3500 معتقل من سجن حمص العسكري قرب الكلية الحربية في المدينة.
وشرقا، تم كسر أبواب سجن البالونة في ريف حمص الشرقي، الواقع قرب مطار “تي فور” العسكري، وتم إخراج من بداخله وهم يحملون ندوب التعذيب على أرواحهم قبل أجسادهم، ولا سيما أن هذا السجن يعد من بين الأكثر دموية بعد سجن صيدنايا.
ومع انبلاج فجر الثامن من كانون الأول وتحرير العاصمة، انكشفت الفظائع مع فتح فصائل “ردع العدوان” أبواب سجن صيدنايا “المسلخ البشري” الواقع شمال دمشق، ورأى العالم أجمع ما ضم من أدوات تعذيب وترهيب وتغييب لأجساد المعتقلين وإخفاء آثارهم إلى الأبد، بينها “غرف الملح” التي أوجدت مع تزايد حالات موت المعتقلين جراء التعذيب وعدم وجود برادات لحفظ الجثث المتكدسة.
وخرج العشرات، بينهم نساء وأطفال، من سجن صيدنايا، ومنهم من كان فاقدا للذاكرة لا يستطيع معرفة اسمه أو إلى أي محافظة ينتمي، أو فاقدا للقدرة على الكلام؛ كانوا أشبه بأشباح عيونهم غائرة وأجسادهم هزيلة تسترها أقمشة بالية، ووفق ما ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها عام 2017، فقد جرى احتجاز الآلاف في السجن المذكور، وكان يعج بممارسات التعذيب المنهجي.
وجرى أيضا إخراج مئات السجناء من سجن عدرا الواقع قرب دمشق، كما اقتحمت الفصائل أبواب الفروع الأمنية مثل الفرع 215 والفرع 227 وفرع الخطيب، إضافة إلى سجن المزة العسكري، التي تشهد جدران أقبيتها وزنزاناتها على قصص تعذيب مروعة لأناس جريمتهم الوحيدة أنهم عارضوا سلطة المخلوع، فكان عقابهم التغييب القسري.
وبالإضافة إلى هذه السجون المعروفة على نطاق واسع، فتحت قوات الفصائل سجونا أخرى ومراكز احتجاز في محافظات طرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء، وتم إخراج مئات المعتقلين منها.
المعتقلات أداة قمع وسيطرة
يقول المحلل السياسي عرابي عرابي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن الأنظمة السلطوية اعتمدت على المعتقلات باعتبارها وسيلة مركزية لإرهاب المجتمع وضبطه.
وأشار إلى أن تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات دولية وثقت أن السجون السورية شكلت شبكة تعذيب واسعة، حيث مورست الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج بوصفها سياسة دولة.
وأوضح أن التحقيقات اللاحقة لملف صور قيصر أدت إلى كشف آلاف الوفيات تحت التعذيب، حيث كان النظام يستخدم ذلك كأداة لبث الخوف وكسر الإرادة الجماعية.
وتابع أن الاعتقالات أسهمت في تفكيك المجتمع المدني عبر استهداف الطلاب والصحافيين والنقابيين والناشطين، على نحو يشبه ما حدث في ألمانيا الشرقية وأميركا اللاتينية، حيث استخدمت السجون لتعطيل أي إمكانية للتنظيم أو الاحتجاج.
ويضيف الباحث عرابي أنه، إلى جانب ذلك، عززت الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع من الرقابة اليومية والترويع القانوني عبر محاكم استثنائية وقوانين طوارئ، فصار الاعتقال المحتمل جزءا من الحياة اليومية.
وأكد أنه مع تراكم الخوف والصمت، أعادت السلطات السابقة تشكيل الذاكرة العامة؛ فالمعتقلات لم تكن مكانا للعقوبة فقط، بل مؤسسة لإخضاع المجتمع كله.
السجون السرية
تنقل صحيفة “نيويورك تايمز”، في إطار تقرير لها عام 2019 تحت عنوان “داخل سجون التعذيب السرية.. كيف سحق بشار الأسد المعارضة”، عن طالب حقوق من حلب يدعى مهند غباش كيفية تعذيبه من قبل ضباط أمن، حيث قاموا بتعليقه من معصميه لساعات، وضربوه حتى غطى الدم جسده، وصعقوه بالكهرباء ووضعوا مسدسا في فمه، رغم أنه كان قد اعترف مرارا وتكرارا بجريمته الفعلية، ألا وهي تنظيم احتجاجات سلمية، ومع ذلك استمر تعذيبه لمدة 12 يوما إلى أن كتب اعترافا خياليا عن تخطيطه للقيام بتفجير.
وأشارت الصحيفة إلى أنه كان لنظام الاعتقالات التعسفية وسجون التعذيب ذات الطابع السري والصناعي دور محوري في سيطرة نظام الأسد على الأراضي، مبينة أن حكومته شنت حربا وحشية على المدنيين، وألقت بمئات الآلاف منهم في زنزانات قذرة، حيث تعرض الآلاف للتعذيب والقتل.
كما كشف تقرير للجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 2025، بالاستناد إلى أكثر من ألفي إفادة من الشهود، بما في ذلك أكثر من 550 مقابلة مع ناجين من التعذيب، تفاصيل مروعة حول أنماط التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية التي مارستها قوات الدولة السابقة على الرجال والنساء والأطفال المحتجزين، بما في ذلك “الضرب المبرح والصعق بالكهرباء والحرق وقلع الأظافر وإتلاف الأسنان والاغتصاب والعنف الجنسي بما في ذلك التشويه وفرض أوضاع منهكة لفترات طويلة والإهمال المتعمد والحرمان من الرعاية الطبية وتفاقم الجروح والتعذيب النفسي”.
وزارت اللجنة المقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة التابعة للنظام في دمشق، بينها سجن صيدنايا العسكري، وفرع المخابرات العسكرية 235 (فلسطين)، وفرعا المخابرات الجوية في المزة وحرستا، وأكدت أن ما رأته هناك يتطابق مع الأوصاف التي قدمها مئات الناجين والمنشقين إلى اللجنة على مدار الأربعة عشر عاما الماضية، وقالت إن زنزانات العزل الصغيرة التي لا نوافذ لها في الطوابق السفلية “لا تزال مليئة بالروائح الكريهة وتكشف عن معاناة لا يمكن تصورها حينما بدأت اللجنة تحقيقاتها الأولى في المواقع”.
وكانت تشرف على مراكز الاحتجاز السرية قوات من النظام المخلوع، بمشاركة ميليشيات محلية يطلق عليها “الدفاع الوطني” و”اللجان الشعبية”، مارست بدورها جرائم تكاد تفوق تلك التي كانت تتبع في “السجون النظامية”، وكان يطلب من ذويهم فدى مالية كبيرة مقابل الإفراج عنهم.
العدالة للضحايا وكيفية تحقيقها
أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع في أيار/مايو الماضي مرسوما يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” كهيئة مستقلة لكشف مصير آلاف المفقودين في سوريا، وإنصاف ذويهم وتقديم الدعم القانوني والإنساني لهم، فضلا عن توثيق حالات المفقودين والمختفين قسرا، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لهذه الحالات.
وأكد رئيس الهيئة الدكتور محمد رضا جلخي أن قضية المفقودين تمثل إحدى أعقد الملفات في سوريا، مما يتطلب تنسيقا كاملا بين جميع المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والجهات الدولية.
وفي حوار مع مركز أخبار الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ذكرت كارلا كوينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، أن هناك تواصلا مستمرا مع الحكومة السورية، ومع الهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف الكشف عن مصير مئات الآلاف من المفقودين في البلاد، معتبرة أن الجهود المبذولة بهذا الخصوص مسعى جماعيا لا يمكن لأي جهة أن تقوم به بمفردها.
وأشارت كوينتانا إلى أن المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التي ترأسها هي، أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2023، استجابة للنداءات العاجلة من أفراد أسر الآلاف من الأشخاص المفقودين في سوريا لاتخاذ إجراءات لتحديد مصيرهم ومكان وجودهم.
ووفق تصريح لرئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقد بلغ عدد المعتقلين المختفين قسرا بعد إفراغ السجون أكثر من 112 ألفا.
وأضاف أنه “كانت هناك مؤشرات عبر سنوات من عام 2018 إلى أن نظام الأسد يقتل المختفين قسريا”، وذكر أن لديهم كما كبيرا من الأدلة، منها أكثر من ثلاثة آلاف بيان وفاة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث عرابي إن العدالة الانتقالية تعتمد على أربعة محاور مترابطة: وصف الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
ويضيف: أما العدالة الجنائية فتشمل ملاحقة مرتكبي الانتهاكات عبر محاكم وطنية متخصصة، أو محاكم مختلطة، إضافة إلى الاستفادة من الولاية القضائية العالمية كما حدث في ألمانيا في محاكمة أنور رسلان وآخرين، كما تواصل الآلية الدولية المستقلة (IIIM) حفظ الأدلة للتحقيقات المستقبلية.
وأشار إلى أن كشف الحقيقة ينبغي أن يصل إلى توثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وتقديم سردية موحدة تظهر الأطراف المسؤولة وتوضح إجرامها، موضحا أن جبر الضرر يشمل التعويض المالي، وإعادة التأهيل النفسي والطبي، ورد الاعتبار، والنصب التذكارية، بينما ينبغي القيام بإصلاح مؤسسي عميق يشمل إعادة هيكلة القضاء وبناء الأجهزة الأمنية المحترفة وإصلاح القوانين، كما يجب دمج الضحايا في تصميم السياسات وحفظ الأرشيف وفتح قواعد بيانات المفقودين.
وختم الباحث عرابي بالقول إن هذه الخطوات يمكن أن تحول المعتقلات من رمز للقمع إلى محور لبناء عدالة جديدة تمنع تكرار الانتهاكات.
وكان وزير العدل مظهر الويس قد أكد، في ورشة العمل التي نظمتها الهيئة الوطنية للمفقودين في تشرين الثاني الماضي، التزام الوزارة بتقديم الدعم الكامل للهيئة وتسخير إمكاناتها لمعرفة الحقيقة كحق مشروع للشعب السوري وعائلات الضحايا، مبينا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعريفا قانونيا دقيقا لمفهوم المفقود وتعزيز مبدأ التكاملية في الجهود.
وشدد الوزير الويس على أهمية محاسبة كل من تسبب في جرائم الإخفاء القسري أو المقابر الجماعية، باعتبارها جرائم حرب، موضحا دور هيئة العدالة الانتقالية والمجلس التشريعي القادم في وضع الأطر القانونية والمعايير الدقيقة للمحاسبة.
الثورة السورية
————————–
محاولة فرنسية لاعتقال “بشار الأسد”/ فضل عبد الغني
واجه السعي إلى تحقيق المساءلة عن الفظائع الجماعية المرتكبة إبان النزاع السوري عقبات جسيمة في بنية النظام القانوني الدولي، ولا سيما عندما يكون المتهم يشغل، أو شغل سابقا، أعلى هرم السلطة في الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز الحملة القضائية الفرنسية المطولة ضد بشار الأسد، الرئيس السوري الهارب، بوصفها من أهم التطورات في هذا المضمار.
فقد تطورت هذه الحملة من شكاوى تحقيقية أولية إلى إجراءات قضائية مباشرة، بلغت ذروتها في إصدار مذكرات توقيف دولية تتحدى، عمليا ونظريا، مبادئ الحصانة السيادية الراسخة.
شكل انهيار نظام الأسد في نهاية 2024 نقطة تحول حاسمة، فقد أدى تقاطع فقدان الأسد للحصانة الشخصية بعد الإطاحة به وهروبه إلى روسيا، مع التطورات الفقهية البارزة في القضاء الفرنسي، إلى خلق ظروف غير مسبوقة لمساءلة رئيس دولة سابق عن جرائم ضد الإنسانية.
يؤدي إصدار الإنتربول نشرات حمراء بناء على مذكرة التوقيف الفرنسية إلى تفعيلها في 191 دولة عضوا، ما ينشئ آلية إنفاذ عالمية تتيح، نظريا، توقيف الأسد وتسليمه حيثما وجد
تطور الإجراءات القانونية: من الشكاوى التحقيقية إلى المقاضاة المباشرة
سلكت الحملة القانونية ضد بشار الأسد مسارا تدريجيا اتسم بالانتكاسات الإجرائية والتقدم الإستراتيجي المتدرج؛ فقد بدأ انخراط القضاء الفرنسي في التعامل مع الفظائع المرتكبة في سوريا من خلال شكاوى تحقيقية رفعها ناجون ومنظمات مجتمع مدني، قادت إلى فتح تحقيقات أولية في حوادث محددة، من أبرزها هجمات الأسد بالأسلحة الكيميائية على الغوطة الشرقية.
وقد جرى تقييد هذه الإجراءات الأولى بمبدأ الحصانة الشخصية الذي يحمي رؤساء الدول من الولاية القضائية الجنائية الأجنبية بموجب القانون الدولي العرفي.
وعلى الرغم من هذه الانتكاسات، مثّل إصدار مذكرة التوقيف عام 2023 محاولة طموحة لاختراق حصانة الأسد، وهو لا يزال في السلطة.
مع ذلك اصطدمت هذه المحاولة بعقبة متوقعة عندما وصلت القضية إلى أعلى هيئة قضائية في فرنسا. إذ ألغت محكمة النقض مذكرة التوقيف ملتزمة التزاما صارما بقواعد القانون الدولي العرفي المتعلقة بحصانة رؤساء الدول.
ورفضت المحكمة صراحة الحجج القائلة؛ إن الجرائم الدولية تشكل استثناء من الحصانة الشخصية التي يتمتع بها القادة الحاليون، مؤكدة بذلك الإطار القانوني التقليدي الذي يعطي الأولوية لاستقرار سير العلاقات الدولية، على حساب الملاحقة الجنائية الفردية.
أدى سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024 إلى تغيير جذري في هذه المعادلة القانونية؛ إذ أفضى هروب الأسد اللاحق إلى روسيا إلى سقوط الحصانة الشخصية عنه، باعتبار أن الحماية مرتبطة بالمنصب لا بالفرد. وكانت النتيجة المباشرة إصدار ما عُرف بـ “مذكرة أكتوبر/تشرين الأول 2025″، وهي ثالث وأهم إجراء قضائي موجه ضد الرئيس السابق.
وقد استفادت المذكرة من زوال العقبات الإجرائية التي أحبطت الجهود السابقة، ما جعلها أداة قانونية قابلة للتنفيذ، تحول الإجراءات الفرنسية من إدانة رمزية إلى مقاضاة جوهرية ذات أثر قانوني وقضائي فعلي.
التعامل مع مبدأ الحصانة: الشخصية والوظيفية
تعتمد الجدوى القانونية لمذكرة أكتوبر/تشرين الأول 2025 على التمييز بين شكلين من الحصانة السيادية، ويشكل توضيحهما أحد أهم الإسهامات الفقهية التي أفرزتها الإجراءات الفرنسية؛ ففهم هذا التمييز يعد أمرا أساسيا؛ لاستيعاب القيود التي عرقلت جهود المساءلة لعقود طويلة، وكذلك إدراك التحول الذي أتاح في النهاية إمكان الملاحقة القضائية.
الحصانة الشخصية، تحمي بعض كبار مسؤولي الدولة، ومن بينهم رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، من الخضوع للولاية القضائية الجنائية الأجنبية طوال مدة ولايتهم.
وهذه الحصانة مطلقة في نطاقها، وتمتد لتشمل جميع الأفعال بغض النظر عن طبيعتها، وتستند أساسا إلى ضرورة تمكين الدولة من إدارة علاقاتها الخارجية دون اضطراب قد ينشأ عن ملاحقات جنائية في محاكم أجنبية.
وقد جسد إلغاء محكمة النقض مذكرة عام 2023، التطبيق الصارم لهذا المبدأ؛ إذ قررت المحكمة أن وضع الأسد كرئيس في السلطة وقت إصدار المذكرة يحول دون ممارسة الاختصاص القضائي الفرنسي، بصرف النظر عن خطورة الجرائم المنسوبة إليه. ولم يسقط هذا الدرع القانوني إلا عند انتهاء رئاسته فعليا، وعند تلك اللحظة أصبح معرضا للملاحقة عن أفعاله السابقة.
ومع زوال الحصانة الشخصية نتيجة فقدان الأسد لمنصبه، انتقل التركيز تلقائيا إلى الفئة الثانية من الحماية: الحصانة الوظيفية أو الموضوعية، وينصرف هذا النوع من الحصانة إلى الأعمال الرسمية التي تنفذ باسم الدولة، لا إلى الشخص القائم بها. وبموجب هذا المبدأ، يتمتع المسؤولون السابقون بحماية إزاء الأفعال التي قاموا بها بصفتهم الرسمية، باعتبار أن هذه الأفعال تنسب إلى الدولة ذاتها لا إلى الفرد.
شكل القرار الصادر في يوليو/تموز 2025، والمتعلق بمحافظ البنك المركزي السوري السابق أديب ميالة، سابقة قضائية أثرت مباشرة في مسار محاكمة الأسد؛ فقد قضت المحكمة العليا الفرنسية في تلك القضية بعدم جواز التذرع بالحصانة الوظيفية في مواجهة الجرائم الدولية، ومن بينها الجرائم المرتبطة بالحرب الكيميائية.
ورسخت سابقة ميالة عمليا أن فئات معينة من السلوك، وتحديدا تلك التي تشكل جرائم فظيعة بموجب القانون الدولي، لا يمكن توصيفها بوصفها وظائف دولة مشروعة تستحق الحماية بالحصانة.
ويترتب على تطبيق هذا المبدأ على محاكمة الأسد نتيجة واضحة: أن الرئيس السابق، قد أصبح الآن مواطنا عاديا، لا يمكنه الاحتماء بالحصانة الوظيفية عن أفعاله الرسمية المتمثلة في إصدار الأوامر بشن هجمات كيميائية، باعتبارها، وفق منطق محاكمة ميالة، أفعالا منبتة عن الوظائف المشروعة للدولة، وبالتالي لا يبقى أي دفاع قائم على الحصانة متاحا له.
الأطر القضائية والمحاكمة الغيابية
تستند الإجراءات الفرنسية إلى إطار متين للاختصاص القضائي ذي طابع مزدوج، يمكّن القضاء الوطني من العمل كوكيل للعدالة الدولية عندما تتعطل المحاكم المحلية أو الدولية. ويتألف هذا الإطار من أساسين متكاملين لتأكيد الاختصاص على الجرائم المرتكبة خارج الإقليم الفرنسي.
الركيزة الأولى؛ هي الاختصاص القضائي خارج الإقليم القائم على وجود ضحايا فرنسيين/سوريين، وهو ما يعرف في القانون الدولي بمبدأ “الشخصية السلبية”.
يسمح هذا المبدأ لفرنسا بمقاضاة الجرائم المرتكبة في الخارج عندما يكون الضحايا من حاملي الجنسية الفرنسية. ويشكل العدد الكبير من مزدوجي الجنسية داخل الجاليات السورية في فرنسا أساسا صلبا لمثل هذا الادعاء القضائي، إذ يربط الجرائم الواقعة في سوريا مباشرة بالنظام القانوني الفرنسي من خلال رابطة الجنسية.
أما الركيزة الثانية؛ فهي الولاية القضائية العالمية، التي توسع نطاق الاختصاص الفرنسي ليشمل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجاني أو الضحية.
ومع أن ممارسة الولاية القضائية العالمية في فرنسا تخضع لجملة من الشروط، مثل اشتراط الإقامة الاعتيادية للمشتبه به على الأراضي الفرنسية في بعض الحالات، فإن الطبيعة الخاصة لجرائم الأسلحة الكيميائية بوصفها جرائم ضد الإنسانية تتيح تطبيقا أكثر مرونة لهذا الاختصاص.
ويضمن هذا النهج المرن عدم إفلات أخطر انتهاكات القانون الإنساني الدولي من المساءلة، تحت ذريعة التعقيدات المرتبطة بالتواجد أو الإقامة.
ومن السمات المميزة للنظام القانوني الفرنسي، والتي اكتسبت أهمية إستراتيجية في إجراءات محاكمة الأسد، السماح بالمحاكمة الغيابية. فعلى خلاف المحكمة الجنائية الدولية، التي تشترط حضور المتهم جلسات المحاكمة، يجيز القانون الفرنسي استمرار الإجراءات حتى في غياب المتهم.
وتحول هذه الخاصية الإجرائية مذكرة التوقيف الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 من مجرد خطوة رمزية إلى آلية لإنشاء سجل قضائي. وحتى لو امتنعت روسيا عن تسليم المتهمين -وهو ما يعد متوقعا- فإن المحاكمة المقررة عام 2027 ستتيح تقديم الأدلة، وسماع الشهود، وإصدار حكم علني.
وبهذا، لا تؤدي المحاكمة الغيابية الوظيفة المباشرة المتمثلة في إقرار المسؤولية الجنائية فحسب، بل تضطلع كذلك بدور أوسع يتمثل في توثيق الفظائع عبر نتائج قضائية موثوقة وقابلة للاستخدام في سياقات أخرى.
تحديات التنفيذ وإستراتيجية سلسلة القيادة
يؤدي إصدار الإنتربول نشرات حمراء بناء على مذكرة التوقيف الفرنسية إلى تفعيلها في 191 دولة عضوا، ما ينشئ آلية إنفاذ عالمية تتيح، نظريا، توقيف الأسد وتسليمه حيثما وجد.
غير أن لجوءه إلى روسيا يطرح في الواقع العملي عائقا جوهريا أمام التنفيذ الفوري؛ فموسكو تمتلك الإرادة السياسية والذرائع القانونية- سواء صيغت في إطار الحماية الإنسانية أو الاستناد إلى بقايا مفترضة من حصانة دبلوماسية- لرفض تسليمه.
لقد وصف الوضع الناجم عما سبق بأنه “تأثير القفص الذهبي”؛ فمع أن احتمال الاعتقال الفعلي يبدو مستبعدا في الأمد القريب، تقيد مذكرة التوقيف قدرة الأسد على السفر إلى أي دولة عضو في الإنتربول، وتحد من قدرته على الوصول إلى الأنظمة المالية في الولايات القضائية التي تلتزم بالتزاماتها القانونية الدولية.
وبهذا، يصبح الأسد محصورا فعليا داخل الأراضي الروسية، أو في عدد محدود من الدول المستعدة لتجاهل مذكرات التوقيف الدولية (غالبا دول استبدادية موالية لروسيا)، وهو قيد مهم حتى إن لم يرقَ إلى مستوى الاحتجاز المادي.
وإدراكا للقيود الملازمة لملاحقة القائد الأعلى وحده، اعتمدت وحدة جرائم الحرب في فرنسا ما يمكن وصفه بإستراتيجية “التحقيق الهيكلي”. فمن خلال رسم خريطة منهجية لسلسلة القيادة بأكملها، من الفرقة الرابعة التي لعبت دورا محوريا في العمليات العسكرية، إلى مركز الدراسات والبحوث العلمية الذي أشرف على تطوير برنامج الأسلحة الكيميائية، يهيئ المدعون العامون ملفات قضايا ضد قادة من المستوى المتوسط قد يكونون أكثر عرضة للتوقيف من الأسد نفسه.
ويضمن هذا النهج الشامل للمساءلة تفكيك البنية التحتية الإجرامية للنظام قانونيا، حتى لو ظلت قمته بعيدة المنال مؤقتا. وتعكس هذه الإستراتيجية فهما متقدما لمتطلبات العدالة في سياق الفظائع الجماعية، إذ تركز على منظومة جرائم الدولة ككل بدلا من الاكتفاء بالتركيز على الشخصيات القيادية الكبرى.
خاتمة
تمثل الإجراءات الفرنسية ضد بشار الأسد نقلة نوعية في تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية على رؤساء الدول السابقين. فمن خلال تجاوز ما يمكن وصفه بـ “فجوة الحصانة” عبر تضافر ظرفين رئيسين: انهيار نظام الأسد، والتطور الفقهي المتمثل في حكم ميالة بشأن الحصانة الوظيفية، أرست المحاكم الفرنسية نموذجا يحتذى لمقاضاة الدكتاتوريين المخلوعين.
ستؤدي المحاكمة المتوقعة عام 2027 وظائف متعددة في آن واحد؛ فأهميتها الأولى تكمن في توفير منبر قضائي يتيح قدرا من العدالة لضحايا الأسد، وعلى مستوى أوسع، ستكون بمثابة اختبار لمدى فاعلية المحاكم الوطنية في إنفاذ قواعد القانون الإنساني الدولي في حقبة لا تزال فيها الآليات الدولية رهينة سياسات القوى الكبرى.
وبذلك، لا تنحصر الحملة الفرنسية في كونها ممارسة قضائية وطنية، بل تسهم في تشكيل البنية المتطورة للعدالة الجنائية الدولية، مثبِتة أن مبدأ المساءلة عن أخطر الجرائم يمكن أن يجد تجسيده من خلال النظم القانونية الوطنية عندما تكون مجهزة بالأطر القضائية المناسبة، والإرادة السياسية اللازمة.
ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا النموذج سيثبت قابليته للتكرار في سياقات أخرى، غير أن السابقة التي كرستها الإجراءات الفرنسية تمثل تطورا مهما في المسار العالمي نحو مساءلة مرتكبي الجرائم الفظيعة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023
الجزيرة
—————————–
بعد عام من الكشف عن طبقات القمع والظلم.. كيف تتحقق العدالة للضحايا؟/ أسماء الفريح
ديسمبر 11, 2025
قصص تقشعر لها الأبدان تلك التي تكشفت أمام أنظار العالم أجمع، بعد وصول طلائع قوات فصائل “ردع العدوان” إلى المدن السورية واحدة تلو الأخرى، وهي تفتح للقابعين خلف الأبواب الموصدة داخل حفر كبيرة أشبه بالقبور التي تم حفرها تحت طبقات أرض متعددة باردة ومظلمة وموحشة، ليرى الكثير منهم بعد سنوات طوال ما تركه لهم الجلادون من بقية حياة وذاكرة.
خرجت الأجساد من السراديب والزنزانات المنفردة، ممن كتب لهم البقاء على قيد الحياة حتى إسقاط النظام المخلوع، منهكة من التعذيب والجوع والمرض والرعب، وبعضها تعاني من فقدان الذاكرة والإدراك لما يجري حولها لشدة ما عايشته من آلام ومعاناة، لم ترحمهم صيحاتهم ولا أجسادهم المنهكة ولا دماؤهم الجارية ولا جروحهم المتقيحة، ولم تفرق بين من كان طفلا أو يافعا أو رجلا مسنا أو امرأة، فجميعهم سيان في هذه المحنة.
حلب بداية تحرير المعتقلين
مع انطلاق معركة “ردع العدوان” من حلب في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتمكنت الفصائل من تحريرها، توجهت على الفور إلى سجن المدينة العسكري لتحرير المعتقلين داخله، وعددهم أكثر من 1500، وفقا لتقديرات، بينهم أطفال ونساء، جرى اعتقال معظمهم بعد انطلاق الثورة السورية في آذار 2011.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت آنذاك كيفية خروج العشرات من المعتقلين المنهكين، بينهم نساء، من السجن الواقع شمال المدينة، والذي كان يعد الأكبر والأكثر ازدحاما، حيث كان يضم في زنزانة واحدة أكثر من 25 معتقلا، وتضاعف الرقم مع بداية الثورة.
ووفقا لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا فإن بين المحررين من سجن حلب المركزي كان محمد عثمان المؤقت (53 عاما)، الذي قضى 33 عاما في السجون، بينها سجن صيدنايا سيئ السمعة، ويعد من بين أقدم المعتقلين، وتعرض لشتى أنواع التعذيب، وجرى اعتقاله عام 1991 بناء على تقرير كيدي كاذب.
ومع تقدم فصائل “ردع العدوان” باتجاه محافظة حماة، التي عانت ما عانته من مجازر وحشية منذ أيام حافظ الأسد عام 1982، أودت بحياة عشرات الآلاف، تمكنت القوات من تحرير المئات من معتقلي سجن المدينة العسكري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2024.
وخرج المغيبون وراء القضبان، بينهم من قضى أكثر من ثلاثة عقود باتهامات ملفقة، إلى جانب لبنانيين انقطعت أخبارهم عن ذويهم منذ الثمانينات أيضا خلال الحرب التي شهدتها بلادهم، من السجن الواقع غربي حماة، والذي يعد من أقدم سجون النظام المخلوع.
وفي مساء السابع من كانون الأول/ديسمبر، تمكنت فصائل “ردع العدوان” من فتح سجن حمص المركزي الواقع قرب حي بابا عمرو، وأخرجت مئات المعتقلين منه، بعضهم قضى أكثر من 13 عاما، وبعده بساعات خرج أكثر من 3500 معتقل من سجن حمص العسكري قرب الكلية الحربية في المدينة.
وشرقا، تم كسر أبواب سجن البالونة في ريف حمص الشرقي، الواقع قرب مطار “تي فور” العسكري، وتم إخراج من بداخله وهم يحملون ندوب التعذيب على أرواحهم قبل أجسادهم، ولا سيما أن هذا السجن يعد من بين الأكثر دموية بعد سجن صيدنايا.
ومع انبلاج فجر الثامن من كانون الأول وتحرير العاصمة، انكشفت الفظائع مع فتح فصائل “ردع العدوان” أبواب سجن صيدنايا “المسلخ البشري” الواقع شمال دمشق، ورأى العالم أجمع ما ضم من أدوات تعذيب وترهيب وتغييب لأجساد المعتقلين وإخفاء آثارهم إلى الأبد، بينها “غرف الملح” التي أوجدت مع تزايد حالات موت المعتقلين جراء التعذيب وعدم وجود برادات لحفظ الجثث المتكدسة.
وخرج العشرات، بينهم نساء وأطفال، من سجن صيدنايا، ومنهم من كان فاقدا للذاكرة لا يستطيع معرفة اسمه أو إلى أي محافظة ينتمي، أو فاقدا للقدرة على الكلام؛ كانوا أشبه بأشباح عيونهم غائرة وأجسادهم هزيلة تسترها أقمشة بالية، ووفق ما ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها عام 2017، فقد جرى احتجاز الآلاف في السجن المذكور، وكان يعج بممارسات التعذيب المنهجي.
وجرى أيضا إخراج مئات السجناء من سجن عدرا الواقع قرب دمشق، كما اقتحمت الفصائل أبواب الفروع الأمنية مثل الفرع 215 والفرع 227 وفرع الخطيب، إضافة إلى سجن المزة العسكري، التي تشهد جدران أقبيتها وزنزاناتها على قصص تعذيب مروعة لأناس جريمتهم الوحيدة أنهم عارضوا سلطة المخلوع، فكان عقابهم التغييب القسري.
وبالإضافة إلى هذه السجون المعروفة على نطاق واسع، فتحت قوات الفصائل سجونا أخرى ومراكز احتجاز في محافظات طرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء، وتم إخراج مئات المعتقلين منها.
المعتقلات أداة قمع وسيطرة
يقول المحلل السياسي عرابي عرابي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن الأنظمة السلطوية اعتمدت على المعتقلات باعتبارها وسيلة مركزية لإرهاب المجتمع وضبطه.
وأشار إلى أن تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات دولية وثقت أن السجون السورية شكلت شبكة تعذيب واسعة، حيث مورست الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج بوصفها سياسة دولة.
وأوضح أن التحقيقات اللاحقة لملف صور قيصر أدت إلى كشف آلاف الوفيات تحت التعذيب، حيث كان النظام يستخدم ذلك كأداة لبث الخوف وكسر الإرادة الجماعية.
وتابع أن الاعتقالات أسهمت في تفكيك المجتمع المدني عبر استهداف الطلاب والصحافيين والنقابيين والناشطين، على نحو يشبه ما حدث في ألمانيا الشرقية وأميركا اللاتينية، حيث استخدمت السجون لتعطيل أي إمكانية للتنظيم أو الاحتجاج.
ويضيف الباحث عرابي أنه، إلى جانب ذلك، عززت الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع من الرقابة اليومية والترويع القانوني عبر محاكم استثنائية وقوانين طوارئ، فصار الاعتقال المحتمل جزءا من الحياة اليومية.
وأكد أنه مع تراكم الخوف والصمت، أعادت السلطات السابقة تشكيل الذاكرة العامة؛ فالمعتقلات لم تكن مكانا للعقوبة فقط، بل مؤسسة لإخضاع المجتمع كله.
السجون السرية
تنقل صحيفة “نيويورك تايمز”، في إطار تقرير لها عام 2019 تحت عنوان “داخل سجون التعذيب السرية.. كيف سحق بشار الأسد المعارضة”، عن طالب حقوق من حلب يدعى مهند غباش كيفية تعذيبه من قبل ضباط أمن، حيث قاموا بتعليقه من معصميه لساعات، وضربوه حتى غطى الدم جسده، وصعقوه بالكهرباء ووضعوا مسدسا في فمه، رغم أنه كان قد اعترف مرارا وتكرارا بجريمته الفعلية، ألا وهي تنظيم احتجاجات سلمية، ومع ذلك استمر تعذيبه لمدة 12 يوما إلى أن كتب اعترافا خياليا عن تخطيطه للقيام بتفجير.
وأشارت الصحيفة إلى أنه كان لنظام الاعتقالات التعسفية وسجون التعذيب ذات الطابع السري والصناعي دور محوري في سيطرة نظام الأسد على الأراضي، مبينة أن حكومته شنت حربا وحشية على المدنيين، وألقت بمئات الآلاف منهم في زنزانات قذرة، حيث تعرض الآلاف للتعذيب والقتل.
كما كشف تقرير للجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 2025، بالاستناد إلى أكثر من ألفي إفادة من الشهود، بما في ذلك أكثر من 550 مقابلة مع ناجين من التعذيب، تفاصيل مروعة حول أنماط التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية التي مارستها قوات الدولة السابقة على الرجال والنساء والأطفال المحتجزين، بما في ذلك “الضرب المبرح والصعق بالكهرباء والحرق وقلع الأظافر وإتلاف الأسنان والاغتصاب والعنف الجنسي بما في ذلك التشويه وفرض أوضاع منهكة لفترات طويلة والإهمال المتعمد والحرمان من الرعاية الطبية وتفاقم الجروح والتعذيب النفسي”.
وزارت اللجنة المقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة التابعة للنظام في دمشق، بينها سجن صيدنايا العسكري، وفرع المخابرات العسكرية 235 (فلسطين)، وفرعا المخابرات الجوية في المزة وحرستا، وأكدت أن ما رأته هناك يتطابق مع الأوصاف التي قدمها مئات الناجين والمنشقين إلى اللجنة على مدار الأربعة عشر عاما الماضية، وقالت إن زنزانات العزل الصغيرة التي لا نوافذ لها في الطوابق السفلية “لا تزال مليئة بالروائح الكريهة وتكشف عن معاناة لا يمكن تصورها حينما بدأت اللجنة تحقيقاتها الأولى في المواقع”.
وكانت تشرف على مراكز الاحتجاز السرية قوات من النظام المخلوع، بمشاركة ميليشيات محلية يطلق عليها “الدفاع الوطني” و”اللجان الشعبية”، مارست بدورها جرائم تكاد تفوق تلك التي كانت تتبع في “السجون النظامية”، وكان يطلب من ذويهم فدى مالية كبيرة مقابل الإفراج عنهم.
العدالة للضحايا وكيفية تحقيقها
أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع في أيار/مايو الماضي مرسوما يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” كهيئة مستقلة لكشف مصير آلاف المفقودين في سوريا، وإنصاف ذويهم وتقديم الدعم القانوني والإنساني لهم، فضلا عن توثيق حالات المفقودين والمختفين قسرا، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لهذه الحالات.
وأكد رئيس الهيئة الدكتور محمد رضا جلخي أن قضية المفقودين تمثل إحدى أعقد الملفات في سوريا، مما يتطلب تنسيقا كاملا بين جميع المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والجهات الدولية.
وفي حوار مع مركز أخبار الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ذكرت كارلا كوينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، أن هناك تواصلا مستمرا مع الحكومة السورية، ومع الهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف الكشف عن مصير مئات الآلاف من المفقودين في البلاد، معتبرة أن الجهود المبذولة بهذا الخصوص مسعى جماعيا لا يمكن لأي جهة أن تقوم به بمفردها.
وأشارت كوينتانا إلى أن المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التي ترأسها هي، أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2023، استجابة للنداءات العاجلة من أفراد أسر الآلاف من الأشخاص المفقودين في سوريا لاتخاذ إجراءات لتحديد مصيرهم ومكان وجودهم.
ووفق تصريح لرئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقد بلغ عدد المعتقلين المختفين قسرا بعد إفراغ السجون أكثر من 112 ألفا.
وأضاف أنه “كانت هناك مؤشرات عبر سنوات من عام 2018 إلى أن نظام الأسد يقتل المختفين قسريا”، وذكر أن لديهم كما كبيرا من الأدلة، منها أكثر من ثلاثة آلاف بيان وفاة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث عرابي إن العدالة الانتقالية تعتمد على أربعة محاور مترابطة: وصف الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
ويضيف: أما العدالة الجنائية فتشمل ملاحقة مرتكبي الانتهاكات عبر محاكم وطنية متخصصة، أو محاكم مختلطة، إضافة إلى الاستفادة من الولاية القضائية العالمية كما حدث في ألمانيا في محاكمة أنور رسلان وآخرين، كما تواصل الآلية الدولية المستقلة (IIIM) حفظ الأدلة للتحقيقات المستقبلية.
وأشار إلى أن كشف الحقيقة ينبغي أن يصل إلى توثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وتقديم سردية موحدة تظهر الأطراف المسؤولة وتوضح إجرامها، موضحا أن جبر الضرر يشمل التعويض المالي، وإعادة التأهيل النفسي والطبي، ورد الاعتبار، والنصب التذكارية، بينما ينبغي القيام بإصلاح مؤسسي عميق يشمل إعادة هيكلة القضاء وبناء الأجهزة الأمنية المحترفة وإصلاح القوانين، كما يجب دمج الضحايا في تصميم السياسات وحفظ الأرشيف وفتح قواعد بيانات المفقودين.
وختم الباحث عرابي بالقول إن هذه الخطوات يمكن أن تحول المعتقلات من رمز للقمع إلى محور لبناء عدالة جديدة تمنع تكرار الانتهاكات.
وكان وزير العدل مظهر الويس قد أكد، في ورشة العمل التي نظمتها الهيئة الوطنية للمفقودين في تشرين الثاني الماضي، التزام الوزارة بتقديم الدعم الكامل للهيئة وتسخير إمكاناتها لمعرفة الحقيقة كحق مشروع للشعب السوري وعائلات الضحايا، مبينا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعريفا قانونيا دقيقا لمفهوم المفقود وتعزيز مبدأ التكاملية في الجهود.
وشدد الوزير الويس على أهمية محاسبة كل من تسبب في جرائم الإخفاء القسري أو المقابر الجماعية، باعتبارها جرائم حرب، موضحا دور هيئة العدالة الانتقالية والمجلس التشريعي القادم في وضع الأطر القانونية والمعايير الدقيقة للمحاسبة.
الثورة السورية
————————-
العدالة الانتقالية في سوريا.. مسألة شاملة ومصالحة وطنية/ عمار عبد اللطيف
العدالة الانتقالية في سوريا.. طريق شاق نحو مساءلة شاملة ومصالحة وطنية
2025-12-14
تتصدر العدالة الانتقالية في سوريا قائمة الملفات الأكثر حساسية وإلحاحاً، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية بعد عقود من النزاعات والانتهاكات، إذ أصبح محاسبة جميع الأطراف دون استثناء جزءاً أساسياً من النقاش الوطني حول مستقبل سوريا وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمصالحة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
ويمثل شمول العدالة لجميع الفاعلين المدخل الأساسي لبناء ثقة مجتمعية حقيقية وتحقيق انتقال سياسي مستدام، رغم أن التوازنات السياسية الراهنة لا تزال تشكل عقبة أمام تطبيقها بشكل شامل، خصوصاً مع وجود قوى قد ترفض المحاسبة أو تسعى للتمتع بحصانة.
ويبرز دور تحقيق توازن بين المحاسبة والمصالحة، بحيث لا تتحول العدالة إلى أداة للانتقام، من خلال إنشاء هيئات مستقلة للتحقيق والعدالة، ولجان موسعة لمصالحة المجتمعات المحلية، وتقديم الدعم للضحايا وربط العدالة الانتقالية ببرامج تعويضية وتوعوية تعزز التسامح والتعايش.
الطريق الأمثل
يقول الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة “صن يات سين” الصينية، إن العدالة الانتقالية تمثل الطريق الأمثل لوضع حد لحالات الانتقام التي تشهدها المجتمعات التي مرت بظروف مشابهة لما مرت به سوريا، حيث غابت العدالة لعقود وتم تسييس القضاء والسيطرة عليه من قبل السلطة التنفيذية والجهات الأمنية.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن العدالة الانتقالية تمثل حالة للانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وأنه من الضروري أن يخضع جميع مرتكبي الجرائم من جميع الأطراف للمساءلة القانونية دون استثناء.
ويشير إلى أن أولى خطوات العدالة الانتقالية تكمن في الاستفادة من دروس الماضي ومنع تكرارها، تجنباً للوصول إلى نتائج مشابهة للنتائج السابقة، وأن الجميع له حق في العدالة إلا الدولة، بمعنى أنه لا يمكن إصدار عفو عام يشمل مرتكبي الجرائم المرتكبة خلال النزاعات السابقة.
ويرى أن تطبيق العدالة الانتقالية يحتاج إلى بناء الثقة بمؤسسات الدولة وتهيئة الظروف المواتية لتطبيقها، من خلال تأسيس محاكم خاصة وصياغة تشريعات تعنى بقضايا جرائم الحرب التي شهدتها البلاد، وأن تحقيق العدالة الانتقالية يتطلب وجود لجان لمعرفة الحقيقة وجمع المعلومات، وتطبيق مبدأ العدالة والمحاسبة لكل من ارتكب انتهاكات، إلى جانب بناء مؤسسات جديدة وإصلاح المؤسسات القائمة لتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.
محكمة جرائم الحرب
يؤكد الشاهر أن تأسيس محكمة وطنية خاصة بجرائم الحرب، وضمان محاكمات عادلة وعلنية، مع الانفتاح على متابعة بعض المنظمات الدولية، يمثل جزءاً أساسياً من العملية، إضافة إلى أن الحكومة السورية الانتقالية أبدت رغبتها في تحقيق العدالة الانتقالية من خلال تأسيس هيئة مستقلة، لكنه يشير إلى أن مسار عملها غير واضح، بما في ذلك مقرها وطرق التواصل معها وخلفيات أعضاء الهيئة وخبراتهم المهنية وضمانات استقلالية عملهم.
ويحتاج تطبيق العدالة الانتقالية إلى صدور حزمة من التشريعات الخاصة، وهو ما لم يتحقق بعد بسبب غياب السلطة التشريعية، مضيفاً أن الانطلاقة القوية والواثقة لتلك التشريعات ستكون حاسمة في نجاح المسار، بينما تمثل استقلالية المحاكم الضمانة الأساسية لعدم تسييسها، لذا يجب أن يكون قضاتها مستقلين عن الدولة والحزب السياسي، وألا يكون لهم توجهات منحازة لطرف دون آخر، مع الإقرار بأن الاستقلالية والنزاهة والعدالة نسبية، وأن الحقيقة المطلقة صعبة الوصول إليها، وفق ما يراه الدكتور شاهر الشاهر.
ويوضح أن دور المجتمع يتمثل في الرقابة والتعاون مع الحكومة لتسليم المجرمين، ومتابعة أداء المحاكم والضغط على السلطات لضمان عدم عودة بعض المجرمين للعب دور في الحياة العامة السورية، إضافة إلى أنه لا يمكن الحديث عن العدالة الانتقالية في ظل الصفح عن كبار المجرمين والسماح لهم بتسوية أوضاعهم، لأن ذلك يتعارض مع العدالة ويؤدي إلى استمرار الإفلات من العقاب.
بينما يرى الدكتور محمود الأفندي، الأكاديمي والمحلل السياسي في موسكو، أن البيئة السياسية والقانونية في سوريا اليوم لا توفر الشروط اللازمة لتطبيق العدالة الانتقالية بشكل كامل، وأن سقوط النظام تم بعملية عسكرية بغض النظر عن حيثياتها، ولم تدخل في المعادلات السياسية التقليدية التي كانت قائمة بين المعارضة والنظام.
تعدد الجهات المتورطة
يشير الأفندي في تصريحات لـ”963+” إلى أن معضلة العدالة الانتقالية تتعلق أيضاً بوجود أطراف متعددة متورطة في الدم السوري، من النظام وفئات من المعارضة، مما يجعل تحديد من يُحاسب أمراً معقداً، وأن المعادلة السياسية القائمة حالياً تعتمد على نتائج الانتصار العسكري لطرف لم يكن جزءاً من الحل السياسي الأصلي، ما يزيد من صعوبة إيجاد بيئة سياسية وقانونية مناسبة لتطبيق العدالة.
ويحتاج الواقع القانوني في سوريا إلى وقت طويل لتأسيس نظام قادر على المحاكمة، بما يشمل دستوراً جديداً وقانوناً جنائياً محدداً، لأن حتى الآن لا يوجد قانون واضح يحكم التجاوزات والانتهاكات التي تحدث في مناطق متعددة، وفق ما يقوله الأفندي.
ويبين أفندي أن مشاركة المجتمع المدني في مسار العدالة الانتقالية ستظل محدودة ما لم تتوحد الدولة وتسيطر على كامل أراضيها، وأن الشعب السوري لا يزال غير موحد، مع وجود تحديات كبيرة في الجنوب والشمال الشرقي، ووجود قوات أجنبية مثل القوات الإسرائيلية والبريطانية والأميركية، ما يجعل من الصعب على المجتمع المدني أن يؤدي دوره في عملية العدالة الانتقالية.
ويوضح أن تطبيق العدالة الانتقالية يجب أن يُؤجل إلى أن تستقر الدولة وتتوفر سيادة كاملة على الأراضي، وعندها فقط يمكن للمجتمع المدني أن يساهم بشكل فعال في صياغة مسار شامل للعدالة يكشف الحقيقة ويضمن محاسبة الجناة.
وعليه فإن نجاح العدالة الانتقالية يبقى مرهوناً بإرادة سياسية قوية، وبيئة قانونية مستقرة، ومشاركة حقيقية للمجتمع المدني والضحايا، لضمان شمولية المحاسبة وتحقيق المصالحة الوطنية وحماية مستقبل سوريا من العودة إلى دائرة الانتهاكات والصراعات.
+963
——————————-
كونية حقوق الإنسان واختبارها في الحالة السورية/ عبدالله تركماني
2025.12.14
مرّت الذكرى السابعة والسبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان تزامناً مع الذكرى الأولى لتغيير 8 كانون الأول/ديسمبر في سوريا، التي كشفت ظاهرة القادة الشعبويين وسياساتهم المتطرفة. وفي سياق الذكرى تم تنظيم فعاليات خاصة في قصر الأمويين بدمشق، بالتعاون بين وزارة الخارجية ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تعبيراً عن الرغبة الرسمية في بناء سوريا الجديدة بعد السنوات الـ 54 لسلطة آل الأسد التي شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان السوري. ولكنّ تناقضاً صارخاً مع هذا التوجه لمسه السوريون من خلال خطبة يوم النصر للرئيس المؤقت أحمد الشرع، حيث ظهر ” خليفة لله على الأرض ” حين ذكّر بخطاب الخليفة الراشدي الأول، ممزوجاً بتهديد الخارجين عن طاعته.
في حين أننا في هذه الذكرى نعيش الجيل الثالث من هذه الحقوق: الأول بدأ مع الإعلان في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948، والثاني في الستينيات من القرن الماضي بالتركيز على العهدين الدوليين بخصوص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أما الثالث فهو ينادي بالحقوق الجماعية لكل الشعوب والأمم.
لقد كان الإعلان أول ميثاق دولي هام يجمع عليه العالم بعد الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة، ومن يطّلع على هذا الإعلان يجد فيه كثيراً من حقوق الإنسان الأساسية: الحق في الحياة، والأمن، والحرية، والصحة، والتعليم، والعمل، والكرامة الإنسانية. ويعتبر وثيقة تاريخية أعلنت حقوقاً غير قابلة للتصرف، يُفترض أن يتمتع الإنسان بها، بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.
وفي هذه الذكرى يجدر التأكيد على كونية وشمولية هذه الحقوق، فكونية حقوق الإنسان تعني أنّ تبلور هذه الحقوق أو تضمينها في الشرعة العالمية هو ثمرة لكفاح الإنسانية عبر التاريخ في مواجهة جميع أشكال الظلم، ونتاج لتلاقح وتفاعل الثقافات الكبرى عبر الزمان، بما في ذلك الحضارة العربية – الإسلامية، كما تعني أيضاً أنه لا يجوز استثناء أحد، في أية منطقة أو في أي نظام ثقافي، من التمتع بهذه الحقوق، فهي كونية لأنها ترتبط بمعنى الإنسان ذاته وبغض النظر عن أي اعتبار.
لقد مثّل صدوره (10 ديسمبر/كانون الأول 1948) لحظةً تاريخيةً وتأسيسيةً في تطور المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، فقد كان بمنزلة صحوة ضمير كونية، في ظل ما خلّفته الحربان العالميتان، الأولى والثانية، من مآسٍ وويلات، وفي الوقت نفسه، جسّد تطلع الإنسانية إلى أفقٍ جديدٍ، يُصان فيه السلم والأمن الدوليان، انسجاماً مع ميثاق الأمم المتحدة، حديث العهد آنذاك.
ولكن، في الوقت الذي تبلورت فيه منظومة حقوق الإنسان، فإنّ الواقع الملموس يكشف عن هوة واسعة بين هذا التبلور النظري، وبين الصعوبات والعراقيل المناهضة لهذه الحقوق. فقد كانت المجموعة الدولية شاهدة خلال السنوات الأخيرة على حقيقة أنّ حماية كرامة الإنسان وحرمته الجسدية والمعنوية مرتهنة إلى حد بعيد بأولويات السياسة الدولية، التي تغطي على انتهاكات الأنظمة الاستبدادية. وفي هذا السياق نتساءل: إلى متى سينتظر السوريون عدالة انتقالية تحاسب مجرمي سنوات الجمر في عهد الهارب بشار الأسد، وكذلك منتهكي حقوق الإنسان السوري في مجزرتي الساحل والسويداء، بما يفتح الأفق لسلم أهلي مستدام؟
إنّ تحقيق أماني الشعب السوري في الحرية والكرامة، وضمان حقوقه الأساسية التي أقرتها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، يتطلبان من قيادة المرحلة الانتقالية تفعيل مبادئ هذه الشرعة، وليس مجرد احتفال رمزي بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. بل من خلال ضمان الحريات الفردية والعامة، والتشاركية السياسية والمجتمعية، والمواطنة المتساوية لجميع مكوّنات الشعب السوري، وإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة من خلال التوظيف المجدي لكل الموارد الاقتصادية والبشرية، في ظل حوكمة رشيدة تقوم على أساس الشفافية والرقابة والمحاسبة.
إنّ مصداقية قيادة المرحلة الانتقالية مرهونة بمدى رغبتها في تنفيذ إصلاحات جوهرية لمجمل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، على قاعدة التشاركية والحياة السياسية التعددية. ولعلَّ هذه المشاركة الرمزية في اليوم العالمي لحقوق الإنسان تفتح أفق عملية انتقال سياسي حقيقي، تلبي حاجات السوريين إلى التغيير، وفي الوقت نفسه تلبي متطلبات المجتمع الدولي التي وردت في قرار مجلس الأمن 2799.
تلفزيون سوريا
—————————-
========================



