العلماء يرسمون العالم عمرانيًا: أدق خريطة ثلاثية الأبعاد لقرابة 3 مليارات مبنى

13 ديسمبر 2025
يمكن للخرائط ثلاثية الأبعاد، مثل هذه الخريطة لمنطقة في القاهرة، أن تساعد الباحثين على تتبع التخطيط الحضري، وتقييم مخاطر الكوارث، وتغير المناخ (GlobalBuildingAtlas)
في خطوة علمية غير مسبوقة، أعلن باحثون عن إنتاج أدق خريطة ثلاثية الأبعاد للمباني على مستوى العالم، تكشف ملامح العمران البشري بدقة غير معهودة، وتفتح آفاقًا واسعة لفهم التحضر، ومخاطر الكوارث، وتغير المناخ، وحتى ديناميكيات الفساد والتفاوت الاقتصادي.
الخريطة الجديدة، التي تحمل اسم “GlobalBuildingAtlas”، تمثل قاعدة بيانات هائلة تضم نحو 2.75 مليار مبنى، أي ما يقارب 97% من مباني كوكب الأرض. وقد جرى إنجاز هذا المشروع الضخم عبر دمج صور الأقمار الصناعية مع تقنيات التعلم الآلي، لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد توضح مساحات المباني وارتفاعاتها بدقة مكانية تبلغ ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار. ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Earth System Science Data ذات الوصول المفتوح مطلع كانون الأول/ديسمبر الجاري.
وبحسب شياوشيانغ تشو، المشارك في إعداد الدراسة وعالم بيانات رصد الأرض في الجامعة التقنية بميونيخ، فإن هذه الخريطة تمثل تحولًا نوعيًا في كيفية دراسة المدن والمجتمعات. فبدل الاكتفاء بالخرائط المسطحة ثنائية الأبعاد، أصبح بالإمكان تحليل الحجم الفعلي للعمران، وما يعكسه من كثافة سكانية ومستوى تنمية وبنية تحتية، وهو ما يعزز دقة نماذج المناخ وتقييم مخاطر الكوارث والتخطيط الحضري، فضلًا عن مراقبة تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة في المدن.
تقليديًا، كان إعداد خرائط ثلاثية الأبعاد على نطاق عالمي مهمة شديدة التعقيد، لاعتمادها على المسح بالليزر أو الصور الجوية عالية الدقة، وهي أدوات مكلفة ومحدودة الانتشار. غير أن فريق البحث توصل إلى حل مبتكر من خلال تدريب نموذج تعلم عميق على بيانات مرجعية جُمعت بتقنية “ليدار” من 168 مدينة، معظمها في أوروبا وأميركا الشمالية وأوقيانوسيا. وبعد ذلك، استُخدم النموذج لتحليل نحو 800 ألف مشهد قمري التقط خلال عام 2019، والتنبؤ بارتفاعات المباني وأحجامها ومساحاتها حول العالم.
وتكشف نتائج الخريطة عن فروق لافتة بين القارات. إذ تستحوذ آسيا وحدها على ما يقرب من نصف مباني العالم، بنحو 1.22 مليار مبنى، كما تتصدر إجمالي حجم المباني عالميًا بأكثر من 1.27 تريليون متر مكعب، في انعكاس واضح للتوسع العمراني السريع والكثافة العالية في دول مثل الصين والهند وجنوب شرق آسيا.
في المقابل، تأتي أفريقيا في المرتبة الثانية من حيث عدد المباني بنحو 540 مليون مبنى، لكن حجمها الإجمالي لا يتجاوز 117 مليار متر مكعب، ما يبرز انتشار المباني الصغيرة والمنخفضة الارتفاع.
وعلى مستوى الدول، توضح التحليلات الدقيقة كيف يرتبط حجم المباني بالكثافة السكانية ومستوى التطور الاقتصادي. ففي أوروبا، يتبين أن فنلندا تمتلك حجم مبانٍ للفرد يزيد بنحو ستة أضعاف مقارنة باليونان، بينما يسجل النيجر واحدًا من أدنى المعدلات عالميًا، إذ يقل نصيب الفرد من حجم المباني فيه بنحو 27 مرة عن المتوسط العالمي. وتشير هذه النتائج إلى أن الاعتماد على مؤشرات ثنائية الأبعاد، مثل المساحات المبنية فقط، قد يخفي فروقًا جوهرية في مستوى البنية التحتية وظروف المعيشة.
ولا تقتصر أهمية الخريطة الجديدة على الدراسات الأكاديمية، بل تمتد إلى تطبيقات عملية واسعة. فالباحثة دورينا بوجاني، المتخصصة في التخطيط الحضري بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ترى في حديثها لمجلة “نيتشر” العلمية أن قاعدة البيانات تمثل أداة ثمينة، خصوصًا أنها تتجاوز القيود التي فرضتها عليها البيانات الثابتة ثنائية الأبعاد في أبحاثها السابقة. وتشير إلى أن قابلية تحديث هذه الخريطة بانتظام خلال السنوات المقبلة ستتيح تتبع تطور المدن بمرور الزمن، وتحليل أنماط النمو الحضري بدقة أعلى.
وتلفت بوجاني إلى بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إمكانية استخدام البيانات لدراسة الفساد، من خلال ربط مشاريع البناء بمطورين أو شركات أو أطراف ذات نفوذ سياسي، وتحليل ما إذا كانت شبكات معينة تستحوذ على مشاريع ذات قيمة عالية أو مواقع استراتيجية. كما ترى أن هذه البيانات قد تعزز الدراسات التي تربط بين المستوطنات العشوائية والسلوك الانتخابي، موفرة أدلة أكثر قوة وديناميكية.
من جانبه، يؤكد ليتون كامروزمان، أستاذ التخطيط الحضري والنقل في جامعة موناش الأسترالية، أن الخريطة تمثل نقلة نوعية في تتبع التحضر عالميًا، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى بيانات موثوقة عن نمو المدن. ويضيف أن قيمة هذه القاعدة تكمن في شموليتها، إذ يمكن للباحثين وصناع القرار الاستفادة منها بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو مستوى تطور بلدانهم.
في المحصلة، لا تقدم خريطة GlobalBuildingAtlas مجرد صورة ثلاثية الأبعاد للعالم العمراني، بل ترسم أداة معرفية جديدة لفهم أعمق لكيفية عيش البشر، وكيف تتشكل مدنهم، وما تحمله تلك الكتل الخرسانية من دلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية، في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.



