عام على انتصار الثورة في سوريا مقالات، تحليلات واحداث واحتفالات تحديث 16 كانون الأول 2025

مراجعة هذا الملف اتبع الراط التالي:
عام على انتصار الثورة في سوريا
——————————–
تحديث 16 كانون الأول 2025
———————————
سوريا الجديدة في عامها الثاني/ بكر صدقي
استعراضٌ عسكري تخللته شعارات جهادية، وأخرى معادية لإسرائيل؛ وعودة أحمد الشرع للظهور في بزته العسكرية ليخطب من على منبر الجامع الأموي، بعد صلاة الفجر، طالباً من السوريين «إطاعته ما أطاع الله فيهم»!
بهذه المفردات أرادت السلطة الانتقالية تلخيص مشروعها السياسي لسوريا المستقبل، في تعارض تام مع تعهداتها للدول التي تحتضنها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أدخلتها في التحالف الدولي لمكافحة داعش.
داعش التي نفّذ أحد «ذئابها المنفردة» هجوماً على دورية أمريكية – سورية مشتركة في منطقة تدمر، قبل أيام، فأوقع قتلى وجرحى أمريكيين، ليتضح أن منفذ الهجوم عنصرٌ في الأمن العام التابع لوزارة داخلية الشرع!
واضح من تعليق ترامب على الحادثة أنه مستمر في تأييد سلطة الشرع، ومن المتوقع أن يوقّع على إلغاء قانون قيصر بعد أن ينال موافقة مجلس الشيوخ.
هذا التمسك الترامبي بالشرع على رغم هجوم تدمر، يشير إلى مدى ثقته بقدرة الشرع على الوفاء بتعهداته. وقبل ذلك عبّر ترامب عن استيائه من العملية العسكرية الإسرائيلية في بيت جن قرب دمشق، وطلب من قادة إسرائيل الانخراط في الحوار مع الحكومة السورية.
ثمّة فكرة يتم الترويج لها حول الفصل بين الشرع وفريقه من جهة، وقاعدته الجهادية من جهة أخرى، الأمر الذي من المفترض أن يفسر التعارض بين خطاب الشرع ووزير خارجيته من جهة، والشعارات والممارسات الجهادية والطائفية لقاعدته الاجتماعية من جهة ثانية. بصرف النظر عن صحة هذه الفكرة من عدمها، فقَدَ هذا التمييز معناه وجدواه بعد مرور عام كامل على سوريا تحت حكم هذه المجموعة. فافتراض «نوايا جيدة» لدى قمة السلطة يعطلها فشلها في السيطرة على الفصائل، يُفقد تلك النوايا أي جدوى. فالسلطة، في نهاية المطاف، ماضية في بناء جيشها العقائدي المتضخم (يقدر بـ 150 ألفاً!) الذي لا يبدو أنه يُعَدّ لمحاربة دول الجوار أو لحماية البلاد من اعتداءات خارجية، إذا أخذنا بنظر الاعتبار تأكيدات السلطة المتكررة بأنها لا تملك نوايا من هذا النوع، وأنها لا تفعل شيئاً في مواجهة الاستفزازات الإسرائيلية اليومية.
وورثت وزارة الدفاع دائرة «التوجيه المعنوي» من نظام الأسد مع تغيير محتواه الفكري من العقيدة البعثية إلى عقيدة إسلامية بقراءة شافعية! في حين كشفت حادثة تدمر المشار إليها أعلاه عن اختراق داعشي للأمن العام لا نعرف حجمه إلى الان.
ولا تقتصر مساعي السلطة لبناء دولة بما يتفق ومنظورها الإيديولوجي على الجيش والأمن العام، بل تتجاوزهما إلى ميادين السياسة والمجتمع والثقافة على ما تتواتر معلومات متفرقة وشحيحة بعيداً عن ضجيج وسائل إعلام السلطة المستمرة في جو كرنفالي لم يهدأ طوال السنة الماضية. فثمة دائرة خاصة لإعداد «قيادات نسائية» تتبع «الإدارة السياسية» التي يرأسها وزير الخارجية أسعد الشيباني، وتعمل جامعات إدلب والشمال السوري على رفد السلطة بكوادر عقائدية شابة مضمونة الولاء.
هذه «البنية التحتية» العميقة التي تعمل السلطة على إرسائها بثبات، تفترض ضمناً إخضاع قسم وازن من السكان لن يتقبلوها طوعاً، لا يقتصر على الجماعات العلوية والدرزية والكردية (والمسيحية والإسماعيلية واليزيدية والشيعية و…اليهودية العائدة مؤخراً)، بل يشمل أيضاً الاعتدال السني المديني وقسماً من البنية العشائرية المتنوعة، وبالطبع التيارات السياسية – الإيديولوجية العابرة للهويات الأهلية على ضآلة تأثيرها الاجتماعي حالياً في ظل بروز الانتماءات ما تحت الوطنية. هذا الإخضاع يعني ويتطلب نظاماً دكتاتورياً بوليسياً كان نظام الأسد أكثر براعةً في إقامته، في حين يحتاج الحكم الجديد الهش إلى وقت طويل لاستنساخه وتمكينه.
ولكن، بعيداً عن «نوايا» السلطة أو مشروعها العميق، ماذا يريد السوريون؟
وفقاً لاستطلاع رأي أجراه فريق RMTeam International بالتعاون مع صحيفة فورين بوليسي الأمريكية، يحظى أحمد الشرع بثقة 81 في المئة من المستطلعة آراؤهم، مقابل 71 في المئة للحكومة القائمة في حين تنخفض نسبة المطالبين بنظام ديموقراطي إلى 70 في المئة!
شمل الاستطلاع 1229 شخصاً «متنوعي الانتماءات والمناطق» بحسب عرض له في موقع «تلفزيون سوريا» الإخباري، مع الإشارة إلى أن هذه النسب تختلف في بعض المناطق التي لديها مشكلة مع السلطة المركزية! وتجب الإشارة إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد» لم يشملها الاستطلاع.
بخلاف ما يريد إعلام السلطة استنتاجه من هذه الأرقام (شعبية كاسحة للشرع، وبدرجة أقل حكومته، تغني عن تنفيذ التوصيات الأممية بشأن حكومة شاملة) فهي مقلقة إذا دققنا فيها النظر، حتى لو اعتبرناها دقيقة في عكسها المزاج العام للسوريين. فلا يُعقل أن تنطبق النسب المشار إليها على الجماعات العلوية والدرزية بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وبالطبع المناطق الكردية التي استُبعدت أصلاً من استطلاع الرأي. فإذا كانت شعبية الشرع تبلغ 81 في المئة بين السنّة فقط، فهذا يرجّح السبب الطائفي وحده في هذا التأييد، وهو ما يجد انعكاساً شفافاً له على وسائل التواصل الاجتماعي، معبراً عنه بعدوانية شديدة تجاه أي نقد للسلطة، وخوف من عودة نظام الأسد.
هذا مقلق من وجه آخر، بصرف النظر عن مقاصد السلطة، عنيتُ به أن هذا الاستقطاب الاجتماعي الحاد بين مؤيدي الحكم (والشرع بصورة خاصة) ومعارضيه، من شأنه، ما لم يعالج بعقلانية، أن يمضي بنا إلى تشظي الكيان السوري. فبعيداً عن منطق «نحنا الدولة ولاك!» وبلغة موازين القوى والشروط الإقليمية والدولية، ليس أمام سوريا إلا أحد خيارين: إما دولة مؤسسات حديثة بنظام ديموقراطي لا يستبعد أياً من المكونات الوطنية، أو تفكك الكيان إلى كيانات متعازلة. المراهنة على أن المجتمع الدولي لا يريد تقسيم سوريا لا تكفي للحفاظ على وحدتها. فالمجتمع الدولي يريدها موحدة ومستقرة، لا موحدة بالإخضاع كقنبلة موقوتة.
فأيهما يختار السوريون؟
كاتب سوري
القدس العربي
———————————-
بقايا نظام الأسد… النماذج الأسوأ/ فايز سارة
15 ديسمبر 2025 م
كانت الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد مناسبةً لصعود الحديث عن بقايا نظام الأسد ممّن لعبوا أدواراً إجرامية في النظام السابق، وجرى نشر أخبار وتقارير وتحقيقات حول بعض الشخصيات، ولا سيما المقربة من رأس النظام بشار الأسد، وزاد من حجم المنشورات وأهميتها ترديد اسم بشار ومستشارته الإعلامية لونا الشبل، التي قُتلت في ظروف غامضة عام 2024، وقد نشرت لهما تسجيلات مصورة، بينها جولة في غوطة دمشق التي دمرتها قوات الأسد، وارتكبت فيها أول مجزرة بالأسلحة الكيماوية في عام 2013.
الحديث عن بقايا النظام مسار طبيعي في حياة السوريين، نظراً لما ارتكبوه من جرائم وما نفّذوه من سياسات إجرامية، خصوصاً في سنوات الثورة ما بين 2011 و2024، من قتل واعتقال وتهجير وتدمير ممتلكات ونهب وابتزاز واستيلاء على مال وأملاك السوريين.
ورغم أن الحديث عن بقايا نظام الأسد يُقصد به كبار ضباط الجيش وأجهزة المخابرات، فإنه ينطبق على مسؤولين آخرين في إدارة النظام من المدنيين، سواء في الحكومة ومؤسساتها ووسط قيادات الحزب الحاكم أو المرتبطين بهم الذين برهن بعضهم أنهم لا يقلون إجراماً عن ضباط الجيش والمخابرات بما لعبوه من أدوار مباشرة في قتل السوريين وتدمير البلد، من خلال تنظيمات الشبيحة والدفاع الوطني واللجان الشعبية التي شاركت مؤسسات النظام العسكرية والمخابراتية الغرق في الخراب.
لقد عصفت عملية ردع العدوان في طريقها من إدلب إلى دمشق في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بواقع النظام، فأوقعت قياداته في الفوضى وأشاعت في صفوفهم الخوف، فتشتتت القيادات بصورة عشوائية بالاستناد إلى ظروفها ووفق ما أحاط بها من معطيات، وباستثناء قلة من تلك القيادات، فإن أغلبهم وجدوا أنفسهم أسرى البقاء في سوريا في الأشهر الأولى لسقوط النظام، وكان الأساس في بقائهم مراهنة بعضهم على استعادة السلطة أو إعادة تنظيم أنفسهم بصورة تجعلهم قوة في الخريطة السورية، خصوصاً أنهم يملكون قدرات كبيرة من مال ومعلومات وعلاقات وسلاح مخبأ، يمكن أن تساعدهم، وبعضهم لجأ إلى التخفي خوفاً من الاعتقال، أو رغبة في الحصول على وقت لخروج آمن إلى دول الجوار أو عبرها، ولجأ بعضهم إلى مناطق توفر لهم ولو حدوداً دنيا من الحماية.
ووسط الانتشار الواسع لبقايا النظام الساقط في سوريا، فإن مصائرهم تنوعت؛ حيث أجرى بعضهم تسويات صورتها غير مكتملة الوضوح على نحو ما حصل مع طلال مخلوف، القائد السابق للحرس الجمهوري، وفادي صقر أحد أبرز مسؤولي الدفاع الوطني، وبعض رجال المال والأعمال، وبعضهم تم اعتقاله، وتمت إحالة بعضهم للمحاكمة، لكن لم يُحدد وقت لبدايتها، وثمة كثيرون قيد الملاحقة، ولا حاجة لتأكيد أن بعضاً من بقايا النظام جرى اعتقالهم وقتل بعضهم خارج القانون لأسباب ثأرية في الغالب.
القسم الأكبر، وفق التقديرات الشائعة عن توزع بقايا النظام في الخارج، توجه إلى روسيا بما لها من مكانة، وبما حملته من مسؤولية في حماية النظام، وقد وفرت مسارات وصول آمن لمئات من قيادات النظام العسكرية والمخابراتية؛ حيث سافر القسم الرئيسي يتقدمهم بشار الأسد وعائلته والطاقم المحيط به مباشرة إلى روسيا، وسافر آخرون ممن احتموا بالسفارة الروسية بدمشق أو لجأوا إلى قاعدة «حميميم» الروسية قرب اللاذقية على دفعات لاحقاً، ووصل آخرون من قادة النظام إلى روسيا عبر رحلات غير مباشرة من بلدان الجوار.
وحسب التقديرات الشائعة، فإن عشرات الآلاف من بقايا نظام الأسد توجهوا إلى لبنان في الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط النظام، وكان من بين الأسباب قرب لبنان وسهولة المعابر إليه وكثرتها، ووجود بنى سياسية واجتماعية وطائفية مساعدة، وهناك المختبئون، لم يتم كشف وجودهم في لبنان.
لقد كشف انهيار نظام الأسد وحشية نخبته، ولا سيما العسكرية – المخابراتية، التي احتمت بالسلاح والقوة، ومارست أبشع الجرائم ضد السوريين، ليس عقاباً على مطالبهم بالحرية والعدالة والمساواة والمشاركة فحسب، بل أيضاً انتقاماً ممن رفضوا سياسة إذلال وتدجين وإخضاع، استمرت أكثر من خمسة عقود، منها نحو عقد ونصف العقد في المذبحة.
كما كشف النخبة في أنانيتها وجشعها، إذ ركّزت في لحظاتها الحرجة على النجاة الشخصية والأسرية، وعملت إلى أقصى الحدود، رغم ضيق الوقت، على حمل ما لديها من أموال، بل اختارت، حيث أمكن، الذهاب إلى أماكن لها فيها أموال وممتلكات، كانت نهبتها من السوريين.
لقد اكتشف السوريون والعالم كله، بالوقائع والمعطيات بما فيها الاعترافات، حقيقة نخبة النظام الذي حكم سوريا لأكثر من خمسة عقود، مقنعاً بشعارات وادعاءات هي أبعد ما تكون عنه، مؤكداً حقيقته الثابتة؛ أنه نظام مستبد وفاسد وقاتل، وأن نخبته تعيش وتدور وسط تلك الحقيقة، وتُعيد إنتاجها، ليس إلا.
الشرق الأوسط
———————————
نظامان ومعارضتان أمام تحدي الواقع المهترئ/ عمار ديوب
16 ديسمبر 2025
مُنعت الثورة السورية من الانتصار عدة مرات منذ 2011 وإلى 2024. منعتها الدول الداعمة لبشار الأسد و”الداعمة” للمعارضة المكرّسة، إذ هناك فارق بين المعارضة والثورة. دُعمت الأولى لتطويع الثانية، ومنعها من الانتصار وتحقيق أهدافها في الانتقال الديموقراطي والعدالة الاجتماعية. حدثت تحولات كثيرة على الثورة، وتعيّنت بالأسلمة والتسليح ورُبط الأخير بالتمويل الخارجي. وانتهى ذلك، ببروز الفصائل السلفية والجهادية التي سيطرت على المشهد السوري. قبالة ذلك اجتاحت داعش الحدود، وتشكلت قوات التحالف الدولي لمحاربتها 2014، وشُكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قوىً برية في الحرب هذه، وبالتالي، انتهت الثورة بما هي ثورة شعبية للوصول إلى الحرية والكرامة والمواطنة والعدالة الاجتماعية والانتقال الديموقراطي. لقد صارت الحرب مذهبية، وطائفية، وإقليمية ودولية، وبالتالي، التغى الانتقال الديموقراطي، الذي ارتبط بأهداف الثورة، إلّا من القرارات الدولية، ولا سيما 2254، وبيانات المعارضة، التي تراجعت مواقعها بشكل كبير لصالح كل من داعش وهيئة تحرير الشام وقسد وفصائل الجيش الوطني وسلطة بشار الأسد، وجميعها ليست معنية بالانتقال الديموقراطي، وكل منها تابعة لدولة، أو أكثر، ومعنية بالحفاظ على سلطتها، واستُنقعت سورية على هذا النحو إلى 2024.
بدا ذلك العام عام التغيير، سيما مع عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر (2023) في غزّة وضد الدولة الصهيونية، ولكن، ومع استهداف هذه الدولة لحزب الله في الأشهر الأخيرة من عام 2024، استقر الوضع السوري داخل قطار التغيير. في ذك العام حاولت الدول الخليجية، باستثناء قطر والكويت، استدراج بشار الأسد وتعويمه والتطبيع معه وكذلك تركيا، وحتى أوروبا اتجهت للانفتاح نحوه؛ أَوقف كل ذلك التدخل الإيراني، والدعم الروسي، فلم يَستغل بشار هذا الانفتاح؛ وهذا كان لمصلحة السوريين، إذ لم تضع تلك الدول شروطاً جادة تتعلق بالانتقال الديموقراطي.
كانت الأوضاع العامة تحت حكم بشّار الأسد خلال السنوات الأخيرة في غاية التأزم، وتطوّر الأمر مع الاستنقاع والتدخل الدولي ورُسمت الخرائط بين قوى الأمر الواقع، وحتى انتفاضة السويداء التي بدأت في منتصف آب 2023 واستمرت لعام ونصف العام لم يفكر بالقضاء عليها عسكرياً، والسبب ضعف جيشه وتضعضع سلطته وغياب الحجة كذلك، فهم أقليات، وهو يدعي كذباً الدفاع عنها، فكيف يحاربها كما بقية المدن السورية. كان لي رأي، أن النظام بغاية الضعف والهزال، ولو وُجدت قوة عسكرية منظمة وبشكل جيد، ومن السويداء، لتمكنت من إسقاطه، ولكن اللعبة الأممية أبقته. هناك تعقيدات دولية وإقليمية كانت تمنع، ولكن الأوضاع الداخلية المهترئة بالكامل كانت تستدعي تغيير النظام، حتى وضع الجيش كان مهلهَلاً، وقد آثر ترك السلاح وعدم المواجهة مع بدء عملية ردع العدوان، هناك خفايا حول الأمر وكيفية تحييد الدول عن تثبيت بشار وجيشه في السيطرة والحكم، ولكن، كانت أوضاع العسكريين في غاية السوء، ويريدون بدورهم الخلاص كما كل السوريين.
لم تستطع المعارضة السورية أن تتوحد على مشروعٍ وطني ديموقراطي بعد الثورة، طبعاً كما كانت قبلها، ولكن الأسوأ عدم قدرتها على قيادة الثورة وحلها مشكلاتها، والاستجابة لأهداف الثورة وبشكل جذري، كما أشرنا لها أعلاه. هذا الأمر أتاح لأن تستطيع جماعة الإخوان المسلمين التلاعب بسياسات الثورة، وبدعم من دول إقليمية، ولصالح احتكار المعارضة والوصول للسلطة لاحقاً؛ كانت الأوهام عظيمة. لعب الإخوان دوراً في تفكيك المعارضة على أسس طائفية، وأسلمة الثورة، وضمن هذا المناخ تعاظمت الأسلمة والسلفية بل والجهادية في مناطق الثورة، وسيطرت عليها، وساعد نظام بشار الأسد بذلك، سواء بإطلاق سراح عدد كبير من الجهاديين، أو بإشراك حزب الله والميليشيات الطائفية الشيعية في مواجهة الثورة، وكذلك بممارسات طائفية لبعض قطعان الشبيحة، وهناك شبيحة من كل الطوائف، وارتكاب المجازر على الهوية الطائفية، وبالتالي، تراجعت قوى الثورة الديموقراطية الوطنية.
أدى التحكّم الخارجي بالنظام وببقية قوى الأمر الواقع، وبدءاً من عام 2018 إلى “تقسيم” سورية إلى أربعٍ مناطق، ضمن توافقات دولية. هناك خفايا كثيرة بما يخص علاقات كافة قوى الأمر الواقع بالدول المتحكمة في سورية، فمثلاً هناك علاقات لهيئة تحرير الشام بكل من فرنسا وبريطانيا وأميركا وربما روسيا وإيران سابقة لرحيل بشار الأسد، والأمر كذلك يخص الأخير و”قسد”، وربما حتى فصائل الجيش الوطني. هذا التحكم، أعاق بدوره الحل السياسي، ومَنع تجسده، وكانت تلك الأعوام من 2018 وإلى هروب بشار، تمريراً للوقت، ولكنها كانت كارثية، وأدّت إلى تعميق الانقسامات الأهلية. كانت التعبئة الطائفية السابقة للحظة السقوط هي السبب في الانتهاكات. وسريعاً ما عادت الهويات الطائفية والقومية لتتقدم بعد تراجعٍ رصدته مختلف الأقلام المعنية بالشأن السوري عن أفكارٍ أتت في بيانات العملية العسكرية لردع العدوان، وكانت ترتكز على مفردات وصياغات أقرب إلى المشروع الوطني الديموقراطي والاعتراف بكل الجماعات السورية، وأنّها كلّها ستكون شريكة في النهوض بالدولة، وهذا ما عادت عنه هيئة تحرير الشام، وترفض الركون إليه وقد صارت هي السلطة.
لقد رفض بشار الأسد كل المبادرات الداخلية والخارجية، وتفّه القرار 2254. فهل يختلف دور أحمد الشرع في إعاقة الانتقال الديموقراطي عن بشار الأسد، وهو أحد الأطراف المشاركة بالقضاء على فصائل الجيش الحر في إدلب خاصة، وتهميش المعارضة وقبلها الثورة، ودمغها بالإرهاب، ولن نتكلم عن قيادات في المعارضة كانت قد أثنت على جبهة النصرة كميشيل كيلو وجورج صبرا وأحمد معاذ الخطيب وآخرين كثر، بالوقت الذي كانت تُجتث فيه فصائل الجيش الحر ولا سيما في إدلب. كان الثناء على رؤية بائسة: كل من يقاتل النظام هو بصف الثورة. كان تفكيراً ساذجاً، وبراغماتياً بشكلٍ صبياني، واستثمرت فيه جبهة النصرة، ولاحقاً هيئة تحرير الشام، خير الاستثمار. وفعلاً أصاب الشرع حينما قال: إنه لا ينتمي للربيع العربي.
وصل الشرع إلى دمشق، وكان أمامه قرار مجلس الأمن 2254، الذي ينظم عملية الانتقال الديموقراطي، وهناك دعم دولي كبير للحظة وصوله، وقال الرجل لقد حيّدنا روسيا، أثناء المعارك، وهناك دعم بريطاني كبير له، وبالتأكيد تركي وخليجي، والأهم الأميركي الواسع؛ فلماذا رفض تطبيق القرار أعلاه، وأن يقود هو مجلساً سياسياً للإشراف على الانتقال الديموقراطي، واتجه، منذ مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري و”انتخابات” مجلس الشعب لاحتكار كل سلطات الدولة بين يديه.
سياسات العام الفائت هي: محاولة الاستحواذ على السنة وتهميش كل من العلويين والدروز بشكل خاص، ومحاولة استقطاب المسيحيين، والمناورة بخصوص المواطنة أو الديموقراطية. في الاقتصاد، تسليم القطاع الخاص، وبسبب ذلك، لم تشهد سورية استثمارية خارجية ذات معنى بل وتراجعت البرجوازية السورية عن العمل أو العودة. في الموقف العام من الشعب هناك تجاهل كامل لأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وجرى رفع أسعار الغاز المنزلي، والكهرباء، والاتصالات، والخبز، والإيجارات، وهناك أكثر من 90% عند خط الفقر ومنهم 80% من الشباب عاطلون عن العمل، وما زالت الأوضاع الأمنية غير مستقرة، وقد كادت حمص تنفجر إثر حادثة جنائية، وساعد في ضبط الأمر تخلّي السوريين العلويين بلحظة الهروب. المشكلة حالياً أن السلطة لم تعمل على خطة وطنية لمعالجة نتائج المجازر الطائفية في الساحل أو السويداء، وفي كل سورية وفي حمص طبعاً.
سياسات السلطة الراهنة، والدعم الخارجي لها، وهو مشروط بكل الأحوال، لن يساهما في وضع خطة للانتقال الديموقراطي. جملة الأزمات ستعيق هذا التأسيس، وهي متعددة الأشكال، وسابقة لفترة بشار وفي أثناء حكمه وما جرى من مجازر بعد هروبه، وبغياب قوى وطنية قادرة على إسقاط السلطة، فإن سورية قد تتجه نحو السيناريو الأسوأ وهو التفكك والتحكم الخارجي وستفشل كل الأحلام التي تتوهمها السلطة في الاستقرار.
العربي الجديد
—————————
ماذا يريد ترامب من سورية؟/ فاطمة ياسين
14 ديسمبر 2025
غالباً ما يتم انتخاب رؤساء الولايات المتحدة لاعتبارات داخلية تخص الشأن المباشر للمواطن الأميركي، كالضرائب والوظائف وأسعار الفائدة٬ ورغم ذلك يحرص كل رئيس أن يترك بصمة سياسية عالمية قبل رحليه عن البيت الأبيض، وقد يرسّخ لها أكثر من مسؤولٍ نشط ضمن إدارته، وتتعدّد مضامير الفاعلية السياسية الأميركية، لتشمل الكوكب كله، فمنذ بداية الثلث الأخير من القرن الماضي، كان الرؤساء يلهثون بشدة للحصول على غنيمة سياسية ذات بعد عالمي، قبل الوصول إلى خط النهاية، منهم من ينجح وبعضهم يفشل. وقد يدفع رئيس أميركي بأوراقٍ كثيرة لتحقيق اختراق مهم، فقد دعا الرئيس جيمي كارتر أنور السادات ومناحيم بيغن إلى منتجع كامب ديفيد وحشرهم فيه أسبوعين، لم يخرجا منه إلا بعد أن اتفقا. ونجح كارتر في الوقوف بين السادات وبيغن في البيت الأبيض، وبأيادٍ متصافحة ظهرت صورتهم الشهيرة. ونشط الرئيس الذي تلاه ريغان في مجال التوقيع على منع انتشار الأسلحة ذات الدمار الشامل، أو الحدّ منها، وساعده حال الاتحاد السوفييتي الذي بدأ يتحلّل، في تحقيق بعض الإنجازات في هذا المجال.
كان الشرق الأوسط من الملاعب المفضلة لدى رؤساء أميركا، حيث الصراع الطويل المعقد بين العرب وإسرائيل، وحاول كل رئيس أميركي أن يساهم في حلحلة المعضلة، وربما بذل الرئيس كلينتون جهوداً جبّارة كلفته أن يلتقي الأسد الأب مرّتين، الأولى في دمشق والثانية في جنيف قبيل انتهاء مهمّته. ولكن كلينتون خرج من البيت الأبيض من دون أن يحقق غايته. أراد أوباما أن يرسي علاقات دولية جديدة في المنطقة، فأبدى انفتاحاً كبيراً على المسلمين في خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان التركي في إسطنبول، وزار بعدها القاهرة للغرض ذاته، ولم تؤدِّ تلك السياسة نجاحاً كبيراً، ولم تفلح في تغيير النظرة الغربية العامة نحو الإسلام، فيما حقق الرئيس ترامب في فترته الأولى اختراقاً غير مسبوق في وصوله إلى اتفاقيات إبراهيم التي وقَّعت فيها أربع دول عربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل في بداية فصل جديد ومختلف في العلاقات العربية الإسرائيلية، والتي تحوّلت بعدها المعادلة من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل السلام.
حين وصل ترامب إلى البيت الأبيض في فترته الثانية، كانت فصائل المعارضة المسلحة في سورية قد نجحت في الوصول إلى دمشق. وبعد تحالفات إقليمية مهمّة، ومعركة خاطفة، هرب إثرها بشار الأسد إلى موسكو، وانهار نظامه بشكل سريع، مخلفاً دماراً واسعاً وشاملاً، وظهر بدلاً منه في المقر الرئاسي وجهٌ شاب باسم وطموح، والأهم يتبنى منهجاً فكرياً مناقضاً للسابق، مستخدماً لغة مفهومة وواقعية، ولم يفرد عضلات وهمية أو يطلق وعوداً مستحيلة، وأوقف العلاقات مع إيران، الدولة المشاغبة التي يحذرها الجميع في المنطقة، وكانت سبباً في عدم استقرار طويل الأمد، وأعاد جدولة العلاقات مع روسيا على أسس جديدة ومختلفة، كما رمّم العلاقة مع لبنان ومجموعة دول الخليج، وأبدى رغبة في العيش بسلام والتفرّغ لبناء الاقتصاد المدمَّر. تلقف ترامب هذه البادرة، وأراد أن يستثمر سياسيّاً في الإدارة السورية الجديدة، فأحاطها برعاية، وعيّن لها مبعوثاً خاصاً يدأب على بث جو من التفاؤل. وبخطوات متلاحقة، أزال جميع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية، وعلى مجموعة أشخاص في السلطة الجديدة، ما يعني إعطاء الفرصة كاملة لهذا العهد، لأن يخرج من حالة الفشل التي تركها النظام السابق. وهنا يريد ترامب أن يضيف نقطة سياسية لصالحه ضمن سجله الرئاسي في فترته الثانية، وهي مساعدة سورية على العودة إلى مكان الدولة الطبيعية، والصديقة غير المعادية للولايات المتحدة، وبعدها ينفع ما صنعه ليكون مادةً لإنجازٍ جديد يسوِّق له، لرسم صورة يمكن أن يحتفظ بها الشخص العادي عن رئيس أميركي بعد أن يرحل.
العربي الجديد
——————————-
أداء إعلامي وثقافي متواضع/ بشير البكر
16 ديسمبر 2025
كان الأمل كبيراً بأن تشهد سورية نشاطاً إعلامياً وثقافياً، يرتقي إلى حدث سقوط حكم عائلة الأسد. ثمّة توق مديد، تراكم عقوداً، لوسائل إعلام ومرافق ثقافية، وانتظار لترجمة وعود وطموحات مرحلة الانتقال من الشمولية إلى الحرية. وقد مر عام على الحدث الكبير، وعبر البلد من أزمنة الخوف والصمت وكمّ الأفواه، إلى سقوط الأبد، والحديث بصوت عال، لكنّ جواً من الركود الإعلامي والثقافي بقي مخيّماً.
هناك قصور عن مواكبة العهد الجديد، ولا يزال الأداء الإعلامي والثقافي متواضعاً، لم نشهد صدور صحيفة يومية متميزة، أو إطلاق قناة إخبارية، بمحتوى مختلف، لا من القطاع الرسمي ولا الخاص. وكذلك لم يجر تفعيل المؤسّسات التابعة لوزارة الثقافة، في ميادين النشر والمسرح والسينما والدراما والفنون.
لا يعود الأمر إلى نقص في المؤهلين للمهمّة، من الإعلاميين والمثقفين السوريين، القادرين على إصدار صحف، وإطلاق قنوات تلفزية، وتنشيط حركة ثقافية في ظل الحرية، لكنّ هؤلاء مقصيّون، مع سبق الإصرار، إما نتيجة استئثار بالمجال العام، وعدم إشراك إلا الموالين والأصحاب والأصدقاء والأقارب، أو بسبب حالة حذر مما يمثله الرأي المستقل. وقد يفسّر ذلك عدم مبادرة وزيري الإعلام والثقافة لتنظيم لقاء موسع مع الإعلاميين والمثقفين، من أجل التشاور حول خطط المستقبل، وتوظيف الخبرات الإعلامية والثقافية، في الداخل والخارج، لفائدة مشاريع ذات نفع عام، تليق بالبلد وتنعكس على خروجه من النمط الذي كرّسه العهد البائد إعلامياً وثقافياً.
كان لافتاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد استقبل قبل أشهر وفداً من إعلاميين عرب، لشرح توجهات العهد الجديد، لكنّ المبادرة لم تنسحب على الإعلاميين السوريين. لا يمكن تفسير ذلك من قبيل ضيق الوقت، أو السهو، الأمر الذي يطرح سؤالاً حيال موقع الإعلام والإعلاميين في المرحلة الانتقالية، وهل تميل الدولة إلى النشاط الإعلامي الذي يقوم به المؤثرون على وسائل التواصل، ولا سيما أن هؤلاء حضروا في المشهد منذ الأسابيع الأولى لسقوط النظام، وتم الاعتماد عليهم في إيصال رسائل سريعة، داخلية وخارجية. حتى لو تم ذلك على وجه حسن، فإنه لا يكفي، ولا يسدّ الفراغ الكبير الذي تملأه الصحف والقنوات التلفزية والمجلات الثقافية والمسرح والسينما والدراما… إلخ.
هناك تقصير في مجالي الإعلام والثقافة، أحد أسبابه أن السلطة الجديدة لم تولهما الاهتمام الذي يستحق، مقارنة بالجهد الكبير الذي كرّسته لبناء علاقات خارجية، واستدراج الاستثمارات، وبسط الأمن على أجزاء الجغرافيا السورية كافة، التي تركها نظام الأسد مقطعة الأوصال. مقاربة دور الإعلام ومكانة الثقافة حتى اللحظة لا ينم عن حسن دراية وتقدير لدورهما على المستويات، المحلي والعربي والدولي، لتجاوز تركة الماضي الأسود، واستعادة السلم الأهلي، ونقل أصداء تجربة التحول التي يراقبها العالم باهتمام شديد، ويراهن على نجاحها في بناء نموذج سوري مختلف عن الذي قدّمته عائلة الأسد أكثر من نصف قرن، كانت فيه سورية بلداً منبوذاً موزّعاً في لعبة المحاور، مدرجاً على لوائح الإرهاب، رهينة للمحور الإيراني، الذي دمّر جزءاً من العالم العربي في حروب داخلية، بعد أن زرع الشقاق وبذر الطائفية.
لا مؤشّرات على أن الوضع الذي ساد على مدى عام من التحول الكبير، الذي أطلق سورية من السجن الكبير، يمكن أن يتبدل في الفترة المقبلة، بل على العكس، يبدو أن إهمال تقديم إعلام وثقافة جديدين سوف يتكرّس، ويتم العمل بالوسائل الموجودة، وهي غير كافية، وتحتاج إلى جهد مهني وتنوع، وإشراك الآراء والتجارب الأخرى.
يجب الاعتراف بأن أحد إنجازات المرحلة الجديدة هو الحريات، بما فيها على صعيدي الإعلام والثقافة، وينعكس هذا في الاتجاهين، ويذهب نحو آفاق أبعد ذات صلة بخيارات البلد السياسية، ونظام الحكم في المرحلة الانتقالية، بما هي فاصلة بين بين نظام رحل، وآخر يرسخ أقدامه تدريجياً، في التطور من نظام استبدادي إلى دولة يحكمها القانون، وتوجهاتها على المديين القريب والبعيد. وما هو منتظر فعلياً إقرار مواثيق لنزع الطابع السياسي عن المجال العام، وإشاعة ثقافة مدنية ديمقراطية من رقابة على حرية التفكير والاختلاف.
مواءمة أداء وسائل الإعلام والمؤسّسات الثقافية مع قوانين المرحلة الانتقالية يُسهم في إحداث تغيير في العلاقات بين السلطة والشعب، وداخل المجتمع. وبناءً على ذلك، يُعتبر نهوضها بمهامها على أتم وجه شرطاً للتحوّل، ومجالاً لترسيخ التجربة الجديدة وتحصينها.
العربي الجديد
————————–
عن احتفالات السوريين بسقوط الديكتاتورية/ عمر كوش
16 ديسمبر 2025
خرج ملايين السوريين إلى ساحات المدن والبلدات السورية وشوارعهما، وفي مدن في الشتات، احتفالاً بالذكرى الأولى لسقوط أكثر النظم استبدادية في تاريخ بلدهم الحديث، وغنّوا أناشيدَ الحرية، وأهازيج الفرح وعزّة الانتصار، واستعادوا في لحظات تاريخية ما قدّموه من تضحيات جسام في درب الخلاص والتحرّر، ومن أجل سورية جديدة، التي بدأت تشقّ طريقها نحو المستقبل. لا يمكن التعبير باللغة وحدها عمّا يختلج في نفوس السوريين، فاللغة تبقى قاصرة عن حمل المعاني في داخلهم، وما يدور في عقولهم. فقد لبس معظمهم أزهى ثيابه، ورفعوا العلم السوري: علم الثورة، أو تزيّنوا به ورسموه في جباههم.
كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، من مختلف المشارب والأوساط. مشوا مسافات طويلة، وشكّلوا مواكب حاشدة، كي يصلوا إلى الساحات والشوارع الرئيسة. وجاء بعضهم من البلدات والقرى إلى ساحات المدن الرئيسة، بعد أن قطعوا مسافات طويلة. كانت لحظات خرج فيها ذوو الضحايا وسواهم، تقديراً للتضحيات، وفرحاً باستعادة بلادهم، وتجديد العزم على بناء المستقبل بقدراتهم وسواعدهم، والتعبير عن بارقة أمل للعيش بكرامة، والتخلّص من تركة نظام الأسد البائد. كانت لحظات لإظهار أن إرادة السوريين أقوى من إرادة الطغاة، وأن حريتهم التي وُلِدت من تحت الدمار أصبحت حقيقة، ولا أحد يقدر على سلبها أو وأدها من جديد.
قد لا يكون عامُ واحدٌ كافياً من أجل استعادة القدرة على النهوض والوقوف، فالجراح كثيرة لم تندمل بعد ولم تُشفَ، وبناء ما دمره نظام الأسد البائد يحتاج سنوات وسنوات؛ فالخراب الذي خلّفه لم يُصب العمران فقط، بل ضرب النسيج الاجتماعي وفتّت البلاد، التي عاث فيها فساداً أكثر من خمسة عقود من الظلم والإذلال والقهر والعدوان. وتختلط مشاعر عامّة السوريين ما بين الفرح الغامر (يصعب وصفه) بسقوط نظام الطاغية، والأسى على الأوضاع المعيشية لغالبيتهم، وعلى ما آلت إليه أوضاع البلد، فالإنجاز عظيم جدّاً، لكن الخراب كبير جدّاً أيضاً، وما تحقّق كان بعيد المنال، لأنه لم يكن مجرّد حدث سياسي، بل حدث هائل بمفاعيله ومركّباته، وبمعانيه ومبانيه، بالنظر إلى أنه جاء تتويجاً لتحقّق إرادة شعب صنع تاريخه بدماء مئات الآلاف من أبنائه، فضلاً عن مئات الآلاف من المفقودين، والمغيّبين قسراً، وتناثر أكثر من نصفه ما بين نازح في الداخل ولاجئ في الخارج. هي لحظة الحقيقة التي دشّنت لحظة سقوط نظام الاستبداد، وهروب الديكتاتور إلى موسكو.
نعم، إنها لحظة فخر واعتزاز، شعرتُ بها بين جموع المحتفلين، وشدّتني روح الجماعة، وإرادة غامرة في التعبير عن هذا الحدث العظيم. لم أنظر في عيونهم ووجوههم، بل أخذتني أهازيجهم وأغانيهم، ورقصات الفرح، وحلقات الدبكة. وأحسست مثلهم بأن هذا التغيّر ليس مجرّد حدث سياسي، بل هو حدث تاريخي عظيم، وأن ثورة السوريين كانت تعبيراً عن إرادتهم لصنع تاريخهم وكتابة مصيرهم بأنفسهم، وأنهم بعد سقوط الاستبداد ماضون في بناء سورية التي حلم بها من ضحّى بروحه وجسده، كي تجسّد سورية دولة الحرية والكرامة والمواطنة، دولة تتسع لجميع أبنائها.
روى لي بعض المحتفلين بسقوط نظام الأسد بعضاً من قصصهم وحكايا أحبتهم وأقربائهم، ممن قتلهم أو غيّبهم أو شرّدهم هذا النظام. لم يستوقفني كمّ الآلام والجروح العميقة في نفوس غالبية السوريين فقط، بل أيضاً الإصرار على طي هذه الفصول الطويلة المُظلمة من تاريخ سورية الحديث. لم ألمس لدى أي منهم رغبة في الثأر، بل أن يأخذ القانون مجراه وتتحقّق العدالة. احتفل السوريون بمرور عام على سقوط النظام الأسدي، وبدأت سورية مرحلة تحوّل تاريخي، وخرج الناس احتفالاً، إلا أن ما أفرزته تلك الاحتفالات يحمل معاني عميقة، أبعد من مجرّد تعبير عن الفرح بالخلاص من نظام الطاغية، الذي أذاق الشعب السوري ويلات القمع والقهر والظلم. وعلى الرغم من حالة الفرح التي سيطرت على معظم مناطق البلاد، فإن تجاوز ما جرى خلال المرحلة المظلمة السابقة لا يزال بعيداً.
أعلن سقوطُ النظام (أو التحرير) في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 سقوطَ تفاهة الشرّ وابتذاله، وعلى الرغم من أهمية الحدث الرمزية والسياسية، فإنه لم يشكّل نهاية درب الآلام الطويل، بل لحظة مواجهة مباشرة مع إرث تجاوز الخمسة عقود من التدمير المنهجي والتفتيت المستمرّ للنسيج الاجتماعي وبنية الدولة. صحيح أن الخوف والرعب زالا، ولم يبقَ شيء اسمه الاعتقال والتعذيب، ولا الاختفاء القسري، لكنّ الطريق لا تزال طويلة أمام تحقيق طموحات السوريين ووعود ثورتهم في بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية.
واصل السوريون أفراحهم بعد تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، ووزّع بعضهم الحلوى والورود، وترديد الهتافات، تعبيراً عن الفرح بإلغاء العقوبات المترتبة على هذا القانون، ما يفتح الباب أمام تحسين أوضاعهم المعيشية، وتخفيف معاناتهم التي استمرّت سنوات طويلة، إلى جانب فكّ القيود عن اقتصاد بلدهم المتهالك، وتدفّق الاستثمارات الأجنبية من أجل البدء في إعادة إعمار ما دمّره نظام الأسد. ولعلّ تمسّكهم بالأمل لا يعني نسيانهم ضرورة العمل على تحقيق العدالة الانتقالية، التي يتمنّون أن تقترب ساعتها كي تساهم في صيانة السلم الأهلي، ويجد ذوو الضحايا طريقهم إلى السلام. فالذاكرة حاضرة، ويتمنّون أن يشكّل دفء الورود “بداية طريق لوطن يعود فيه الفرح، ويعود فيه كل غائب”، حسبما ورد في بطاقات وزّعتها رابطة معتقلي سجن صيدنايا.
تحمل الحشود الجماهيرية الغفيرة التي خرجت للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد رسالة مزدوجة في طيّاتها، فهي تكشف، من جهة أولى، تحقيق إرادة الشعب السوري في التغيير، ومن جهة أخرى، تحمل طموحات بأن على الإدارة الجديدة العمل على تغيير التركة الثقيلة والكارثية لصالح الشعب، وبناء صورة جديدة مختلفة تماماً عن الاستبداد والديكتاتورية.
العربي الجديد
————————
تحوّلات استراتيجية.. كيف أدى سقوط النظام إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا/ عزيز موسى
15 ديسمبر 2025
شكّل سقوط النظام السوري سلسلة من التحولات في خرائط النفوذ الجيوسياسية، كما لو أن المنطقة تعيد ترتيب بوصلة توزيع القوى من جديد، وبينما كانت موسكو وطهران تتراجعان عن مواقع بدا لسنوات أنها راسخة، تقدّمت واشنطن إلى الواجهة بحسابات أكثر هدوءًا، مدعومة بشبكة تفاهمات عربية وإقليمية تحاول الإمساك بخيوط مرحلة ما بعد الصراع.
ومع انكشاف هشاشة التحالفات برزت قراءة مختلفة لتطورات المشهد، إذ لم تعد سوريا ساحة صراع تقليدي بل مختبرًا مفتوحًا لإعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط بين القوى الدولية، إذ يبحث الفاعلون المحليون عن توازن جديد، واللاعبون الإقليميون يصوغون استراتيجياتهم على إيقاع متغيرات سريعة تحمل في طياتها وعودًا بالإصلاح كما تحمل احتمالات الارتباك.
تحوّلات استراتيجية
أدى سقوط النظام لإعادة تشكيل خارطة النفوذ المحلية والإقليمية بشكل واسع، نتيجة مجموعة من التحولات الكبيرة كان أبرزها تراجع الدورين الروسي والإيراني في سوريا وتفكك البنى الأمنية والسياسية التي كانت سائدة سابقاً، مقابل صعود مقاربات أكثر انفتاحاً بالاتجاه نحو الولايات المتحدة وتحقيق التوازن.
ترى الأستاذة الجامعية والإعلامية، د. انتصار الدنان، أن إعادة تشكيل توازنات النفوذ في سوريا بعد سقوط النظام جاءت ضمن معادلة معقدة، تحكمها ديناميات متشابكة داخلية وخارجية، فالمشهد لم يتغير بفعل حدث واحد بل بفعل ثلاثة مسارات متوازية أعادت توزيع الأدوار ورسم حدود التأثير، أول هذه المسارات هو الفراغ الاستراتيجي الذي تركته مرحلة الانتقال، إذ انهارت الهياكل التي طالما بنت عليها موسكو وطهران نفوذهما السياسي والعسكري، فقدت العاصمتان العمق الذي كان يمنح وجودهما في سوريا معنى سياسيًا ومنصة نفوذ قابلة للاستدامة، أما المسار الثاني فيتعلق بـ محدودية القدرة الروسية الإيرانية على الحفاظ على نفوذ بلا شريك محلي موثوق، إذ أن روسيا وإيران كانتا طوال سنوات الصراع على تحالف وثيق مع شبكات سياسية وأمنية داخل النظام السابق، ومع سقوط هذه الشبكات أو تفككها تراجع الدوران إلى موقع الدفاع عن مكتسبات، بدل القدرة على صناعة مسار سياسي جديد، إذ أن تأثير النفوذ الخارجي يحتاج دائماً إلى قاعدة محلية مستقرّة، وهو ما بات مفقودًا في المرحلة الحالية.
أما المسار الثالث فتمثّل في تزايد الحاجة الإقليمية والدولية إلى دور أميركي ضامن للاستقرار وإعادة البناء، ومع مرور الوقت تزايد إدراك العواصم الإقليمية بأن واشنطن وحدها تملك أدوات الضغط، والقدرة على التواصل المتوازن مع الأطراف كافة، وقد انعكس ذلك في مقاربات سياسية جديدة ليست قائمة على الانحياز بل على محاولة بناء شراكات مستدامة يمكن أن تعيد الهيكلة الأمنية والاقتصادية للدولة وتفتح الباب أمام عودة تدريجية للاستقرار.
يعتقد الناشط السياسي أحمد عبد الرزاق أن إعادة تشكيل توازنات القوة في سوريا بعد سقوط النظام كان نتاج إعادة ضبط شاملة لطبيعة التدخل الدولي نفسه، فالتبدّل الأكبر لم يأت من فراغ أو تفكك شبكات نفوذ بل من تغيّر الأولويات لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد جديد يتطلّب أدوات مختلفة، كما إن دور موسكو وطهران لم يتراجع بسبب غياب الشركاء المحليين فقط، بل لأن كليهما وجد نفسه أمام تكلفة سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة لا يمكن تحملها في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة سواء بالنسبة لأوكرانيا أو غيرها، أما بالنسبة للدور الأميركي فلم يأت من فراغ بل من حقيقة أن واشنطن استطاعت في لحظة ارتباك شامل وفي ظل تأثيرها، أن تقدّم نفسها بوصفها الجهة القادرة على تنظيم شبكة مصالح إقليمية ودولية حول هدف واحد هو منع انهيار الدولة وتحوّل سوريا إلى ساحة تنافس مفتوح بلا قواعد، هذا الدور جاء أقل اندفاعًا وأكثر براغماتية.
إعادة تشكيل الخرائط
شملت التحولات المتسارعة إعادة ترتيب دقيق لخرائط النفوذ بوصفها ساحة جيوسياسية هامة، تصاعد فيها الدور الأميركي والخليجي والتركي على حساب تراجع أدوار أخرى، إذ ترى د. الدنان، أن التحول الذي تمثّل بتراجع نفوذ موسكو وطهران، مقابل صعود مقاربات أكثر انفتاحًا على الولايات المتحدة، بوصفها الفاعل الأقدر على إدارة مرحلة ما بعد الصراع لا يمكن اختزاله في مجرد تبدّل خارجي، بل يعكس تغيّرًا استراتيجيًا عميقًا في مواقف القوى المحلية والإقليمية، حيث يبدو المشهد الآن متحركًا من محور روسي ــ إيراني تقليدي إلى محور جديد يقوم على واشنطن وتفاهمات عربية ــ إقليمية مشتركة، تؤطر العمل السياسي والأمني.
كما أن سوريا لم تعد ساحة لتأثير طرف واحد، بل أصبحت محورًا لتشابك متعدد الأطراف يقوم على أربعة عناصر أساسية، تعاون أمني مشروط من خلال ترتيب أمني محلي يخدم الاستقرار دون التفريط بمصالحها الإقليمية، مع إشراك فاعلين محليين لضمان توازن القوى الداخلية وتجنّب الاحتكار لأي طرف، إعادة بناء مؤسسات الدولة، تنسيق إقليمي واسع بخلق شبكة توازن إقليمي تمنع انزلاق الوضع السوري إلى صراع مفتوح، وتضمن تقاطع مصالح الأطراف كافة، وتحقيق توازن داخلي دقيق بين الفاعلين المحليين مع مراعاة المصالح المجتمعية المتنوعة وحقائق النفوذ المحلي التي تشكل العمود الفقري للمرحلة الانتقالية.
من جانبه يشير عبد الرزاق، إلى أن التحولات لا تنحصر في مجرد تبدّل خارجي للقوى الكبرى، بل تتأثر أيضًا بعوامل محلية داخلية وإقليمية متعددة، لا سيما أن سوريا ما زالت تشهد تشتتًا داخليًا واضحًا بين القوى السياسية والعسكرية، وتباينًا في الولاءات المحلية والإقليمية، وهو ما يقلل من قدرة أي طرف خارجي على فرض إرادته بشكل كامل، إذ تظهر المؤشرات أن المرحلة الراهنة تعكس صراعًا متعدد المستويات بين الأطراف، حيث تعمل كل جهة على تعزيز نفوذها وفق معايير الأمن والسياسة والاقتصاد، كما أن التركيز على الولايات المتحدة كفاعل رئيسي قد يغفل الدور المستمر للعوامل الإقليمية الأخرى، مثل القوى الإقليمية (تركيا، إسرائيل، السعودية)، التي تواصل الموازنة بين مصالحها في سوريا وما حولها.
سوريا في قلب إعادة ترتيب المشرق
تؤكد د. الدنان، أن التطورات الأخيرة هي بداية مسار سياسي ــ أمني جديد في المشرق قد يحدد شكل الإقليم لعقود مقبلة، كما أن التحولات الجارية ستؤثر على مستقبل سوريا على مستوى إعادة بناء الدولة، ومعادلات التشبيك الأمني الجديدة، ومدى إمكانية تحقيق التوازن الداخلي بين المكونات، إضافة إلى تكريس خرائط نفوذ إقليمي ودول جديدة بتراجع الدورين الروسي والإيراني، وصعود محور عربي- أمريكي وإمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة مع تركيا وإسرائيل هذا بدوره قد يعزز فرص الاستقرار، كما تتضمن هذه المرحلة تفاهمات جديدة حول الأمن الإقليمي وملفات الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة، في مؤشر على أن أي إعادة ترتيب للمشهد لن تقتصر على القوى التقليدية، بل ستمتد إلى اللاعبين الجدد الذين يملكون القدرة على التأثير المباشر وغير المباشر على الأرض.
وتشير التغيرات إلى تحول جذري في طبيعة التحالفات الإقليمية، من محاور قائمة على الأيديولوجيا والتنافس التاريخي إلى تحالفات براغماتية تستند إلى الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية المشتركة، هذه التفاعلات قد تؤسس لمرحلة جديدة في الإقليم تكون سوريا في محورها، إذ تصبح مصالح الاستقرار وإعادة الإعمار والاقتصاد المشترك عوامل رئيسة في رسم خارطة التحالفات بدلًا من الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.
———————–
سوسيولوجيا التحرير… هشاشة مفهومة بعد خراب طويل/ جمعة حجازي
16 ديسمبر 2025
مضت سنة على لحظةٍ سُمّيت في الوعي العام “التحرير”. لم تكن المناسبة مجرّد تاريخ في روزنامةٍ سياسية، بل لحظة كثيفة الدلالات، واختباراً اجتماعياً حيّاً لتبدّل علاقة السوريين بذواتهم وبوطنهم وبالمجال العام. من هنا؛ يغدو النظر في “العام الأوّل” بحاجةٍ إلى عدسةٍ لا تتوقّف عند التبدّل في موازين السلطة أو في بنية القرار، بل تتوغّل في نسيج الحياة اليومية.
تلك هي عدسة “سوسيولوجيا التحرير”: علمٌ يتقصّى كيف تتبدّل المجتمعات حين تكسر آليات القهر، وكيف تُحوِّل الكرامة من شعارٍ إلى ممارسة. بهذا المعنى، يصبح العام الأوّل بعد التحرير مختبراً اجتماعياً فريداً، تتجاور فيه مؤشّرات الاستعادة مع علامات التعثّر، ويُختَبَر فيه سؤالٌ جوهري: كيف ننتقل من ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة، إذ لا يظهر معنى التحرير من فراغ؛ فالفهم يحتاج إلى عودةٍ للجذور: ما الذي جعل التحرير ضرورةً تاريخية؟ النظام البائد الذي سقط لم يُدَر بوصفه مؤسّساتٍ عامّة تُقاس بخدمة الناس، بل بصفته منظومة مغلقة تُعيد إنتاج ولاءاتٍ شخصية وطائفية. في خطابٍ قوميٍّ عام، ولكن في ممارسة تُصنّف المجتمع طوائف تُدار وتتوازن لا مواطنين ذوي حقوق. في هذا التناقض الطويل، تراكمت أخلاق الخيبة وتآكلت ثقة الناس بالوعد العام للدولة، حتى جاء انفجار 2011 بوصفه تجلياً طبيعياً لتراكماتٍ بنيوية وليس حادثاً عابراً. تحليل الاجتماع السياسي لتلك الحقبة يكشف مفارقةً قاسية هي أنّ قوى اجتماعية تشكّلت تاريخياً داخل مشروعٍ بعثيٍّ شعبوي، وجدت نفسها خارج مشروع الدولة حين صار الولاء الشخصي والزبائنية والاحتكار الأمني هي لغة إدارة الحياة العامّة. ووفقاً لما قاله المفكّر العربي عزمي بشارة، لهذا بدت الثورة في جانبٍ من تكوينها انفجاراً داخلياً لقاعدةٍ اجتماعية طالما اعتقدت أنّها جزءٌ من العقد الوطني، فإذا بها تُقصى تدريجياً لصالح شبكاتٍ طفيلية جديدة. التحرير جاء ليضع حدّاً لهذه الحلقة؛ ليعيد فتح المجال العام أمام مواطنٍ لا يُعرَّف بمراتبه في الولاء، بل بحقوقه وكرامته وقدرته على المشاركة.
مجتمعٌ مدنيٌّ يتعلّم منطق المؤسّسة
بعد عقودٍ من احتكار التنظيم لصالح الأجهزة، بدأت تظهر ملامح مجتمعٍ مدنيٍّ مستقل: جمعيات، مبادرات، نقابات تحاول استعادة دورٍ أُقصيت عنه طويلاً. الولادة حدثت، لكنها هشّة؛ كوادرٌ قادمة من سياقاتٍ ثورية وعسكرية تتعلّم تدريجياً لغة المؤسّسة، فنّ التفاوض، إدارة الاختلاف، بناء اللوائح الداخلية، حماية الاستقلال عن السلطة. هذا التحدّي لا يُختصَر في نصيحةٍ أخلاقية؛ إنّه مسارٌ للتعلّم المؤسّسي: كيف يُبنى تمثيلٌ حقيقيٌّ للمصالح الاجتماعية، وكيف تُدار المشاركة بلا أن تتحوّل إلى ولاءٍ جديد. وفي العام الأوّل، يظهر المجتمع المدني حقلاً يُجرِّب فيه السوريون أدواتهم الجديدة: مشاوراتٌ محلية حول أولوية الخدمات، تحالفاتٌ نقابية لحماية المعايير المهنية، منصّاتٌ قانونية ترشد إلى حقوق السكن والأراضي والملكية، منتدياتٌ تُناقَش فيها أشكال اللامركزية. كلّ ذلك يحتاج إلى وقتٍ كي يترسّخ، لكنه يتيح أن تُدار السياسة من خارج الثنائية التي حُبست فيها طويلاً: ثنائية الأمن والولاء.
هويةٌ وطنية قيد التشكل
في العام الأوّل، ظهرت رغبةٌ عامة في استعادة هويةٍ وطنيةٍ جامعة تُقاس بالمواطنة لا بالانتماء الضيّق. احتفالاتٌ موحّدة في محافظاتٍ بعيدة، حواراتٌ حول الرموز الوطنية، إشاراتٌ متزايدة إلى “وحدةٍ في تنوّع” تُقرّ بالخصوصيات الثقافية والدينية والإثنية من دون أن تُحيلها إلى جزرٍ مغلقة. لكن الهوية ليست مرسوماً يُعلَن فينتهي النقاش؛ إنّها مفاوضةٌ طويلة بين تصوّراتٍ مختلفة للدولة: مركزية أم لا مركزية؟ مدنية أم دينية؟ هذه أسئلةٌ ليست نظرية؛ إنّها تمسّ توزيع السلطة والموارد والمعنى الرمزي لوجود الناس سوياً. من منظور السوسيولوجيا أو علم الاجتماع، هنا تُذكّر بأن الهوية تُبنى عبر زمنٍ من الحوار لا عبر قرارٍ فوقي. البلديات والجامعات والنقابات والتجمعات الأهلية، كلها أطرافٌ في عملية إعادة تخيّل “مَن نحن؟” التحدّي أن تُصاغ اللغة الجامعة من دون إقصاء، وأن يُترجم ذلك في قانونٍ يساوي بين المواطنين، وفي إدارةٍ لا تُميِّز إلّا بمقدار الخدمة، وفي ثقافةٍ إعلامية تُغذّي المشترك بدلاً من صناعة العدوّ.
الاقتصاد الهش
دمّرت الحرب البنية الإنتاجية وأفرزت اقتصاداً مظلماً قائماً على الريع غير المشروع وشبكات التهريب والمخدّرات والاحتكار. العام الأوّل يفتح سؤالاً صعباً: كيف ننتقل من اقتصاد العنف إلى اقتصاد القيمة؟ التقديرات تتحدّث عن كلفة إعادة إعمارٍ تتجاوز مئات مليارات الدولارات، لكن المال وحده لا يصنع العدالة؛ قد يعيد إنتاج الطفيلية باسم الاستثمار إذا لم تُبنَ منظوماتٌ صارمة للشفافية والمنافسة العادلة ومنع تضارب المصالح. لا يمكن للعام الأوّل أن يحمل دلالاتٍ عميقة في بلدٍ خرج من خمسة عشر عاماً من حربٍ مدمّرة. المؤشّرات التي ظهرت خلال هذه الفترة تكشف هشاشةً متوقّعة: بنية إنتاجية شبه منهارة، سوق عمل متشظية، وموارد عامة مثقلة بديونٍ وعقوباتٍ لم تُرفع بالكامل. في علم الاجتماع الاقتصادي، يُنظر إلى هذه المرحلة بوصفها “زمن إعادة التأسيس” لا زمن القياس؛ إذ لا يمكن لمجتمعٍ عاش اقتصاد حربٍ معسْكر أن يُنتج في عامٍ واحد صورة مكتملة عن الاستقرار. العقوبات الدولية، حتى بعد تخفيفها الجزئي، ما تزال تضغط على سلاسل التوريد وعلى قدرة الدولة في تمويل الخدمات الأساسية، ما يجعل أيّ قراءةٍ للعام الأوّل أقرب إلى رصد اتجاهاتٍ أولية لا إلى إصدار أحكامٍ نهائية، كما يقول بيير بورديو: “الهياكل لا تزول بمجرد إعلان سقوطها؛ إنّها تعيد إنتاج نفسها في الظل ما لم تُفكَّك عملياً”، وهذا ينطبق على شبكات الريع والفساد التي تحتاج إلى وقتٍ أطول لتفكيكها. لذلك؛ فإنّ الاقتصاد السوري في عام التحرير الأوّل هو اقتصادٌ في طور التقاط الأنفاس، لا في طور تقديم صورةٍ نهائية عن المستقبل.
المطلوب أن يُعاد ترتيب الأولويات: حماية القطاعات كثيفة العمالة، دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُعيد الحياة للمدن والقرى، إصلاح بيئة الأعمال بما يكسر احتكار القِلّة، ربط الاستثمار بمؤشّراتٍ اجتماعية واضحة: إيجاد فرص عملٍ لائقة، احترام المعايير البيئية، مساهمةٌ حقيقية في البنية التحتية لا تعطيلها. ليس ذلك ترفاً؛ إنّه عصب الاستقرار الاجتماعي. فالمواطن الذي يجد عملاً كريماً ويُعامل باحترام في السوق وفي الدائرة الحكومية، هو مواطنٌ يُعيد إنتاج الثقة في الدولة وفي القانون.
إعادة تفاوض على العلاقة بين القانون والحياة اليومية
في جوانبٍ كثيرة، تبدو السوسيولوجيا هنا مرآةً تُظهر أبسط المشاهد: مواطنٌ يُراجع بلدية تطلب منه ملفّاً محدّداً وتقدّم له الخدمة ضمن وقتٍ معلوم، صحافيٌّ يتقدّم بمعلومةٍ ويقابله مسؤولٌ بتوضيحٍ لا بإنكارٍ أو اتّهام، شارعٌ تُنظّم فيه حركة السير بلا حاجةٍ لعنفٍ رمزي، نقابةٌ تُدير انتخاباتٍ شفّافة تُفضي إلى تمثيلٍ حقيقي. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها هي التي تبدّل معنى “الوطن” في المخيال العام. التحرير حين يُقرأ اجتماعياً ليس حدثاً يُعلَن في قاعةٍ رسمية؛ إنّه سلسلةُ عاداتٍ تتكوّن، وأعرافٍ مدنيةٍ تُترجَم في كلّ تماسٍ بين المواطن والمؤسّسة. هذا ما يجعل العام الأوّل محكّاً حقيقياً: هل تتبدّل العادات؟ هل يكفّ الناس عن النظر إلى الدولة بوصفها عصا ويبدؤون النظر إليها بصفتها خدمةً عامة؟ هل تتوقّف الإدارة عن اعتبار المواطن “ملفاً” وتتعامل معه حقاً لا يُنتقص؟ هل يعتاد الإعلام أن يحمي الحقيقة لا أن يُغذّي الاستقطاب؟ هذه الأسئلة لا تُجاب نظرياً؛ تُجاب في اليوميات. وهي التي تجعل من التحرير مسيرةً لا محطة.
طاقة الشعارات
الطاقة الرمزية الهائلة المخزّنة في الشعارات والاحتفالات تحتاج أن تُترجَم إلى مؤسّساتٍ حيّة. هذا يعني دستوراً يحمي الحريات ويضمن الفصل بين السلطات ويؤسّس لرقابةٍ فعّالة، وتعليماً يبني المواطنة والتفكير النقدي ويحمي المدرسة من كلّ أنواع التسييس الذي يُضعف ثقتها، واقتصاداً يضمن الكرامة عبر عملٍ لائق لا عبر إعاناتٍ ظرفية تُعيد إنتاج التبعية. يعني أيضاً بناء ذاكرةٍ عادلة لا تمحو الماضي، بل تُديره بأدوات الحقيقة والاعتراف والمساءلة كي لا يتكرّر. ويعني تمكين المجتمع المدني المستقلّ ليكون شريكاً في مساءلة السلطة وفي صياغة السياسات، من دون أن يتحوّل إلى ذراعٍ للبيروقراطية أو واجهةٍ لاحتكارٍ جديد. فالهويّة السورية تحتاج أن يُعاد تخيّلها بدقّة: إطارٌ جامع للتنوّع، تُقاس فيه المواطنة بما يضمنه القانون لا بما تمنحه الجماعات. هذا يحتاج حواراً يسمع الجميع، ويستوعب المخاوف المشروعة، ويمنح ضماناتٍ قانونية وثقافية تُطمئن على الحقّ في الاختلاف. الانتقال من ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة هو التحوّل الأعمق: أن يصبح القانون ضامناً للحريات لا أداة قمع، وأن تغدو المؤسّسات صديقةً للمواطن لا خصماً، وأن تُصبح الرقابة الاجتماعية جزءاً من قيم الخدمة لا سلاحاً يُشهر في وجه المختلف.
وحدة سورية: ضمانة العيش المشترك
في خضمّ النقاشات التي أعقبت التحرير، برزت أصوات تدعو إلى الفيدرالية أو حتى الانفصال، تحت عنوان حماية الأقليات أو ضمان التمثيل. لكن هذه الطروحات، مهما بدت جذّابة للبعض في لحظة القلق، ليست سوى فخٍّ تاريخي؛ فالتجارب التي عرفها العالم من البوسنة إلى كرواتيا تُظهر أنّ تفكيك الدولة لا يفضي إلى حماية، بل إلى حروبٍ جديدة وصراعاتٍ لا تنتهي. سورية، بكلّ تنوّعها، لا يمكن أن تُبنى إلّا موحّدة، لأنّ الوحدة هي الضمانة الوحيدة لعيشٍ مشترك بلا تمييز، ولحماية الجميع من منطق الغلبة الذي يطلّ برأسه كلّما تفتّت الكيان العام. ما حدث في الساحل والسويداء كان جرحاً وفخّاً في آن؛ درساً يجب أن نتعلّمه لا أن نكرّره. الدولة، مهما بدت مثقلة بالإرث، تعمل منذ اللحظة الأولى على إعادة بناء نفسها لتكون إطاراً جامعاً لا أداة قهر، ولن يكتمل مشروع التحرير إلّا حين يدرك الجميع أنّ سورية الجديدة لا تُصان إلا بوحدتها، وأنّ كلّ دعوة إلى تقسيمها ليست حمايةً لأحد، بل هي تهديد للجميع. إذا أردنا أن نعيش بسلام، علينا أن نكون متحدين، وأن نعيد الاعتبار لفكرة أنّ الدولة ليست خصماً بل ضمانة، وأنّها الإطار الوحيد الذي يجعل القانون أقوى من السلاح، والمواطنة أوسع من العصبية. هذه ليست شعارات؛ إنّها شروط النجاة في زمنٍ لا يرحم الكيانات الضعيفة. سورية الجديدة لن تكتمل إلّا بوحدتها، لأنّ الوحدة هي الشرط الأوّل لكلّ مشروع حرية وعدالة، وهي الطريق الوحيد لتحويل التحرير من حدثٍ سياسي إلى ثقافةٍ اجتماعية دائمة.
الحرية مسيرةٌ طويلة
ليس عام التحرير الأوّل ميدالياتٍ تُعلّق على الصدور، ولا نهاية طريقٍ متخمٍ بالوعود. هو باكورة مسيرةٍ طويلة تحتاج الصبر والاتّساق والندية بين المجتمع والدولة. الدلالة الأعمق التي حملها هذا العام أنّ “الشعب السوري ما بينذل” لم يكن مجرّد هتافٍ في لحظة مواجهة؛ كان إعلاناً عن إرادةٍ جماعية تعلّمت أن تجعل من القانون عادةً ومن الكرامة ممارسة. ما لم تُترجم الأعلام المرفوعة إلى معاملاتٍ عادلة وخدماتٍ محترفة وصحافةٍ مسؤولة، سيظلّ المعنى معلّقاً في الهواء. وما لم تجرِ إدارة العدالة الانتقالية بذكاءٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ يوازن بين الحقّ والعيش المشترك، سيعود الماضي ليتنكّر في هيئة المستقبل.
هكذا، ومع نهاية العام الأوّل، تتكوّن قناعةٌ رسّختها التجربة أكثر مما رسّختها الخطب: إنّ سورية الجديدة قد وُلدت. ليست مولوداً مكتمل الأعضاء بعد، لكنها خرجت إلى الضوء بما يكفي كي يُرى وجهها من دون وساطة. ولدت حين عاد الفضاء العام إلى أهله، وحين صار القانون قادراً على أن يتكلّم باسم الضعفاء لا باسم الأقوياء فقط، وحين أصبح من الممكن أن تُدار المصالح لا بالتخويف بل بالحجّة، وأن تُدار الاختلافات لا بالإقصاء بل بالتفاوض المفتوح. ولدت لأنّ الحرية استُعيدت من مقام الشعار إلى مقام العادة. وحين تصبح الحرية عادةً، تغدو السياسة فنّ العيش المشترك لا صناعة الخوف. في عبارةٍ تصلح خاتمةً ودلالةً معاً، قال فانون إنّ “المهمة التاريخية لكلّ جيل هي أن يكتشف رسالته، إمّا أن ينجزها أو أن يخونها”. لقد اكتشفت الأجيال السورية رسالتها أخيراً: أن تُحوّل التحرير من لحظةٍ مجيدة إلى زمنٍ صالح للعيش، وأن تجعل من القانون لغة اليوميات، ومن الكرامة بوصلة كلّ إدارةٍ وكلّ مدرسةٍ وكلّ سوق. عند هذه العتبة، يمكن القول بثقةٍ لا التباس فيها إنّ سورية الجديدة قد وُلدت، وإنّ الحرية، بعد أعوامٍ من الفقد، قد استُعيدت.
العربي الجديد
———————————-
تفكيك سردية المعجزة.. قراءة في التحولات العميقة قبل معركة ردع العدوان/ منهل عروب
2025.12.14
بعد عام على معركة ردع العدوان، مازال كثيرون يفسرون النجاح السريع والمبهر للمعركة بمنطق “المعجزة”. لا يقتصر منطق المعجزات هنا على المتدينين والتأييد الإلهي؛ بل يمتد أيضاً إلى التيارات غير المتدينة والتي تميل عند عجزها عن تفسير الحدث بأسبابه الواقعية إلى منطق “استلام وتسليم” أي إلى ترتيبات دولية خفية. الرابط هنا بين المنطقين هو تجاهل أو عجز إدراك الحراك الداخلي الذي طبع منطقة الشمال في السنوات الخمس السابقة على التحرير.
بعد حشر قوى الثورة في مناطق إدلب ومحيطها، سادت سردية سيطرة الجهاديين على تلك المناطق. ومصطلح الجهاديين هنا ذو حمولة معرفية منتشرة على المستوى الدولي تقوم على تعريف الجهاديين بمنطق الإسلاموفوبيا: مجموعة من العدميين الذين يتوقون لتحطيم العالم الديمقراطي والقيم الأخلاقية السامية. لا شك أن هذا التعريف ينطبق على داعش، ولكن لطالما نظر ساسة الغرب والتيارات العربية غير الإسلامية (يسارية وعلمانية وأقليات) إلى المسلمين على تنوعهم من منظار داعش، مصحوبة بتشجيع كثير من الأنظمة العربية. ثم عمدت القوى الدولية والإقليمية إلى قبول الوضع الذي تمثل في حشر المعارضين السنة لنظام الأسد في تلك المناطق (تمييزاً عن القوى الكوردية في الشمال الشرقي) ووسمها بالجهادية، ومن ثم إهمالها وتركها للزمن ومفاوضات القوى الإقليمية، طالما لم يتفجر الوضع وتمتد الحرائق إلى خارج الحدود السورية، وبذلك لم يكن توصيف إدلب بالجهادية توصيفاً معرفياً علمياً، بقدر ما هو وظيفة سياسية لتبرير تركها وحدها ونسيانها.
السردية الثانية التي انتشرت هي أن هزيمة الثورة كانت بسبب الأسلمة والعسكرة. ويقصد هنا بالأسلمة عند اليسار العربي كل نشاط إسلامي أو حركة ذات هوية إسلامية، في افتراض أن الطريق نحو النهضة له ممر واحد هو العلمانية. كما تم تجاهل العوامل الحتمية التي قادت إلى العسكرة. وتم النظر إلى كل حامل سلاح بأنه قد تلوثت يديه بالدماء وأضحى مدمن قتل بالضرورة، وليس وضعاً طارئاً يسمّى الدفاع عن النفس.وفيما إذا انتفت الأسباب بتوقف المقتلة، فإن كثير من الشباب سوف يعودون إلى حياتهم الطبيعية أو شبه الطبيعية إذا أخذنا في الاعتبار اضطرابات ما بعد الصدمة أو لنقل أحزان وغصّات ما بعد التحرير.
كل تلك العوامل أسهمت في توقف الزمن فيما يتعلق بمناطق إدلب عند بعض السوريين والمثقفين، ولم يلاحظوا التغييرات التي طبعت تلك المرحلة. فعلى مدار خمس سنوات قبل التحرير حصلت كثير من الصدامات والتطورات، وتبدلت موازين القوى والولاءات كان السبّاق فيها ليس الإسلاميين، بل تيار منهم يُسمّى هيئة تحرير الشام المحسوب على القاعدة. ولأنه كان محسوباً على القاعدة تم نبذه دولياً، وجانَبَه معظم الكتاب والناشطين السوريين، باستثناء بعض المحلّلين المختصّين. ومَن قارَبَه، فمِنْ منطق التحليل الغربي والذي يوسم الإسلامين ككيان عدمي مصمت، غير قادر على التفكير وممارسة السياسة، وإدارة الحكم والاقتصاد. فكانت العيون كلها على الحكومة السورية المؤقّتة الفاشلة، التي لم تستطع تقديم ولو نموذج حكم أولي مقبول، إلى درجة أنه حتى تركيا لم تستطع أخذها على محمل الجد، في حين كانت نواة حكومة الإنقاذ تنمو وتكبر وتسن التشريعات والقوانين، وتجد الحلول للأوضاع المتفجرة والعلاقات العائلية والفصائلية المتشابكة والمعقدة والتي تجذرت واستفحلت على مدار 10 سنوات من الاقتتال والفوضى. ثم بدأت تدير مؤسسات حكومية بموارد محدودة في بقعة جغرافية فقيرة بالموارد، ومستنزفة بالحصار والقصف اليومي. أي أنه وببساطة، في حين نظر العالم إلى إدلب كفوضى جهادية، كانت الأخيرة تبني نموذجها الوطني بصبر وصمت.
لعلّ أفضل ما حقّقته تلك الحكومة أنها استعادت مبدأ الدولة، فذاب كل من عمل فيها ومعها في مؤسساتها متباعداً عن العقلية العائلية والفصائلية، مما مكن هيئة تحرير الشام من بناء نواة جيش على أسس عسكرية ووطنية. ووفّر الموارد الضرورية لتدريبه وتزويده بالمعدات الضرورية، كما تمّ إنشاء كلية عسكرية وورشات تصنيع أشبه بمعامل الدفاع. كانت النتيجة ذلك الانضباط المذهل الذي رأيناه عند بدء المعركة، ولكن أيضاً بعد التطورات المفاجئة في حلب واتخاذ قرار تطوير المعركة إلى إسقاط دمشق، وانتشار الوحدات العسكرية في كافة الأراضي السورية، لم تفقد القيادة العسكرية السيطرة على جنودها.
في أثناء المعركة لم نشهد انفلاتاً على وسائل التواصل الاجتماعي، كما بعد المعركة وسقوط النظام، استطاعت قيادة “الجولاني” طرح خطاب وطني أطاعه كثير من الجنود المكلومين، الذي فقدوا أهلهم بالقتل والقصف والسجن، وتعرّض عدد من أفراد أسرهم للاغتصاب. هذا يدلّ على أن استراتيجية الحكومة الجديدة قد نجحت خلال السنوات الخمس في إذابة هؤلاء المقاتلين في بوتقتها، وحققت ما عجز عنه جميع الكيانات الأخرى السابقة من المجلس الوطني إلى الائتلاف وصولاً إلى الحكومة المؤقتة.
بعد سقوط النظام انتقل الجولاني إلى أحمد الشرع، وشرح استراتيجيته القادمة في جملته الشهيرة: “الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة”. وبالفعل أظهر فريق الشرع خبرة ونضجاً ووضوح في الرؤية لما بعد سقوط نظام الأسد، وأدار الملفات الداخلية المتفجرة والخارجية المعقدة والمتشابكة بكثير من الخبرة والبراغماتية؛ على سبيل المثال تجنب الصدام مع روسيا، وعدم الارتماء الكامل بالحضن التركي أو الخليجي. انزلق في مطبات أحداث الساحل والسويداء، ولكن الأمور لم تفلت من يده تماماً، ولم ينزلق نحو الفوضى، بل تعلّم الدرس سريعاً، ليتجنب تكرار الخطأ في ملف قسد ومتابعة ملف السويداء. كما أظهر حرفية كبيرة في تعامله مع العجرفة الأوروبية فيما يتعلق بإدارة ملف اللاجئين وترحيل المجرمين.
على الصعيد الاقتصادي وسواء وافقناه على تفاصيل الخطط الاقتصادية وخطواتها أم لا، ولكن أساسها كان رفع العقوبات وتحرير الاقتصاد من تشوهات المرحلة الاشتراكية والأسدية ذات الجذور الضاربة في الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات والهياكل الحكومية والتشريعية. وقد نجحوا في كثير منها.
عَبَرت الحكومة السورية الجديدة لحظة سقوط الأسد ومحاولته إسقاط سوريا معه كما حدث في ليبيا واليمن وغيرها بأقل الخسائر، وتجنبّت مذابح وحرب شاملة. لا شك أنها ارتكبت عدداً من الأخطاء، وحققت أيضاً نجاحات في لحظة انهيار وطني واقتصادي، وقد تحقّق كل ذلك بإيجابياته وسلبياته بدءاً من معركة ردع العدوان مروراً بإسقاط النظام والحفاظ على ما تبقى من الدولة والخطاب الوطني، حتى محاولاتهم الحثيثة في الخروج من العزلة والاندماج في المجتمع الدولي على يد “جهاديين سلفيين” طالما وُسِموا بالعدمية. ولكن لم يتحقّق كل هذا بمعجزة ولا بترتيب دولي لطالما أبدى تواطئاً ضد الثورة السورية حتى لُقّبت بالثورة اليتيمة، بل بجهود أبنائها الذين عملوا بهمة وصمت سنوات طويلة. ومهما تحدثنا عن تهيئة الظروف المحلية والدولية، واهتراء منظومة الأسد، وأي عوامل خارجية، فلم يكن النصر ممكناً لولا استعداد أبناء الثورة ومنهم ما يُسمّى “جهادييها”.
تلفزيون سوريا
———————————
وجهة نظر في مشروعية سؤال ما الذي تغيّر في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد/ نورس العبد الله
photo 2025 12 14 19 40 15 نورس العبد الله
ديسمبر 14, 2025
في المجالين الخاص والعام يتم في بعض الأحيان طرح سؤال مفاده أو نصه: «ما الذي تغيّر بعد إسقاط النظام البائد في سوريا»، لتدور بعد ذلك عادة نقاشات تكشف عن مستوى رضا مختلف عن الواقع الحالي لسوريا في مجالات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، أو عن مواقفه من كل التحول في سوريا أصلاً.
وعلى الرغم من أن طرح التساؤلات علامة فكرية حيوية وبداية للحكمة بتعبير سقراط، أو وفق مقولة أينشتاين: «المهم ألا نتوقف عن طرح الأسئلة»، وأن بنيان الاستبداد في أي مكان وزمان يقوم على أساس محاربة فكرة طرح السؤال كأحد اللاءات الثلاث الشهيرة: لا تسأل ولا تنتقد ولا تنتظر ردّاً، إلا أن كل قاعدة تضم في بنيانها أساساً للاستثناء، وهذا الأخير يؤكد القاعدة ولا ينفيها، بمعنى آخر، فإن سؤال ما الذي تغيّر في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، وخاصة في المجال العام، يبدو من حيث المبدأ سؤالاً يستحق الوقوف عنده طويلاً قبل الإجابة عنه، وهذه المرة انطلاقاً مما قاله فولتير: «أحكم على الفرد من خلال أسئلته لا أجوبته»، إذ إن طرح هذا التساؤل في حد ذاته ينطوي بالضرورة على مجموعة من الإساءات للشعب السوري وقضيته وآماله.
أولى هذه الإساءات هي أن التساؤل يحمل في طياته فكرة أن الأوضاع في ظل نظام الأسد البائد لم تكن جحيماً على السوريين بكل معانيها وتجلياتها، وإنما كانت ظروفاً يمكن مقارنتها بظروف وأحوال أخرى وتصلح للبحث عن نقاط التشابه ونقاط الاختلاف، وهو بذلك غالباً لا دائماً ليس سؤالاً يبحث عن المعرفة التي تسعى إليها الأسئلة، بل سؤال يسعى للتخفيف من وحشية المنظومة السابقة والانتقاص من حتمية النضال لإسقاطها كبوابة حتمية للتغيّر، وبذلك يغدو أحد أدوات الحنين للاستبداد الأسدي والتهوين من جرائمه وتبريرها.
من جانب آخر، فإن التساؤل بحد ذاته يحاول هدم أو التشويش على الذاكرة الجمعية السورية قيد التشكل، وخاصة مع ذكرى تحرير سوريا وإسقاط نظام الأسد، إذ يجعل الماضي القريب المرير والحاضر في زاوية للمواجهة الكلية بالمعنى السياسي أكثر من أي مدلول آخر، وبذلك تقفز إلى الأذهان فكرة أن ما مضى لم يكن كارثة وجودية، وأن الخلاص منها بحد ذاته غاية قبل أي غاية أخرى، وبذلك فالتساؤل تشكيك عميق وغير مباشر بعد كل ما حصل.
كما يستهدف التساؤل ونشره بهذه الطريقة الحاضر والمستقبل، وليس فقط الماضي وصورته في الأذهان، حيث يفرض معياراً غير واقعي أمام المجتمع السوري في مرحلة يخرج منها بالكاد من حالة النزاع وآلامه، بل ما يزال يعيش في كل جوانب الحياة تبعات الاستبداد وإرثه اجتماعياً وأمنياً واقتصادياً، وبذلك يكون المسعى وراء التساؤل قائماً على معادلة شبيهة بالقول: إذا رفضتم جحيم النظام البائد، فأين الجنة التي أردتم؟ أريدها الآن، أو لا شيء تغيّر.
بالإضافة إلى ما سبق، يجسّد التساؤل في حد ذاته أحد أقصى درجات استفزاز الضحايا وذويهم، بمعنى أنه لا يرى أصلاً أن توقف المذابح والقصف اليومي، ولا اعتقال البشر وإخفاءهم قسراً وقتلهم تحت التعذيب، ولا مأساة وآلام من خاض أيّاً من تلك التجارب قضيةً مقدسة، ويطرح كل تلك الجوانب في ميزان التساؤل الابتزازي للأحاسيس والمشاعر التي ترى أصلاً أن أولى جوانب جبر ضررهم وتخليد ذكرى الضحايا وتحقيق غايات نضالهم ارتبطت بإسقاط المنظومة.
على ذات النحو يمكن تقديم مجموعة واسعة من الأسباب التي تُظهر عدم مشروعية وأحقية هذا التساؤل تحديداً في السياق السوري، وما يُبنى على ذلك من أهمية تحصين المجال العام من هكذا سموم تنطلق في كثير من الأحيان من شبكات نظام الأسد وداعميه، دون أن يعني ذلك الخوف أو الارتباك من الإجابة عليه؛ فهي أبسط ما يمكن أن يُطرح، وبغضّ النظر عن أداء أي سلطة قائمة في المرحلة الانتقالية وما بعدها، فالحقبة «الأسدية» فترة حالكة السواد على مستوى الإنسانية وقيمها ككل، وليس سوريا فقط، وهذا ما يظهر يوماً وراء آخر.
إلا أن الواجب الفكري، على الأقل، هو تعرية التساؤل في حد ذاته قبل أي شيء آخر، والإشارة في ذات الوقت إلى أن أبواب التفكير والتحليل والمؤشرات… إلخ، التي تسعى لرصد الواقع السوري وتحولاته ونقده، مفتوحة بل ضرورة للمجتمع السوري المنشود في حد ذاتها، فالحديث عن الاستثناء لا يلغي القاعدة.
ختاماً، يبدو منطقياً هنا طرح البدائل، أي الإجابة على سؤال: ما المطلوب إذاً؟ وكيف يمكن القيام بإجراء مقارنات بين المراحل المختلفة من حياة المجتمع السوري، كحال أي دولة أخرى تسعى لفهم ماضيها وحاضرها والاستفادة من الدروس والعبر، أو تناولها من زاوية الضغط للتغيير نحو الأفضل، أو حتى تجنب تكرار الأساليب والكوارث… إلخ، وكل الجوانب الأخرى التي ترتبط بمعاني حرية التفكير والتعبير.
لعلّ المباح واسع جداً لا يمكن حصره، ولكن في هذا الصدد النقدي للتساؤل الحصري السابق بمدلولاته المشار إليها، يمكن تحقيق غايات إيجابية بالتركيز على زوايا مختلفة، منها التساؤل عن الطموحات وما تحقق منها، أو السلوكيات التي ما تزال موروثة من عهد الاستبداد أو حتى الشبيهة بها، أي بشكل عام، كل البدائل التي تحمل أسئلة المعرفة والتغيير والتطوير قائمة وتصح للإجابة أو الاجتهاد لتقديمها، أو حتى الاستفادة من نقاشها، وإن لم نعرف الإجابات، فالتساؤلات جميعاً تغدو أحد ضمانات عدم تكرار الماضي الأليم.
باحث في العلوم الإنسانية – مدير وحدة التوافق والهوية في مركز الحوار السوري
الثورة السورية
———————————
بين الخوف والحنين.. قراءة نفسية في خطبة الشرع/ أحمد عسيلي
احتفل السوريون الأسبوع الماضي بالذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية، وعادت مشاهد الفرح إلى الشوارع والساحات، في لحظة حاول فيها الناس استعادة الإحساس الطبيعي بالحياة بعد سنوات طويلة من القمع والخوف، وبهذه المناسبة، قام الرئيس الشرع بزيارة إلى الجامع الأموي، مكررًا المشهد الذي عاشه السوريون يوم انتصار الثورة ودخوله الأول إلى دمشق، مع حرص واضح على ارتداء الملابس نفسها التي ظهر بها في ذلك اليوم، في إشارة رمزية إلى الاستمرارية وربط اللحظة الراهنة بلحظة النصر الأولى.
خلال هذه الزيارة، ألقى الشرع كلمة قصيرة، لم تتجاوز ثلاث دقائق، لكن المختلف هذه المرة أنه ألقاها من على منبر الجامع الأموي نفسه، بينما كان قد اكتفى يوم النصر بإلقاء خطبة من أسفل المنبر. في كلمته هذه، استعان الشرع بالجملة التي استفتح بها الصحابي الجليل أبو بكر الصديق خلافته بعد وفاة الرسول الكريم، مع تبديل بسيط حين قال: “أطيعونا ما أطعنا الله فيكم”، وخلال ساعات قليلة، انتشر الخبر كالنار في الهشيم، لكن بصيغة محرّفة، مرجعة الجملة إلى صيغتها الأولى “أطيعوني ما أطعت الله فيكم”، أي بصيغة تُحيل الطاعة إلى شخصه لا إلى السلطة القائمة. هذا التحريف، رغم أن الخطبة كاملة متاحة على موقع “يوتيوب”، والتحقق منها لا يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق، انتشر على نطاق واسع بين ناشطين وصحفيين وكتّاب، من دون أن يكلّف كثيرون أنفسهم عناء الاستماع إلى الخطبة أو التأكد من النص الأصلي، ناهيك بمحاولة فهم سياقها ودلالات التغير الذي أحدثه بها.
هنا، ربما كان عالم النفس بيتر واسون، أو الاقتصادي وعالم السلوك دانيال كانيمان، سيبتسمان لو تابعا ما جرى، فما حدث مثال حيّ على ما يُعرف في علم النفس بـ”الانحياز التأكيدي” (Confirmation Bias)، أي الميل إلى تصديق المعلومات التي تؤكد القناعات المسبقة، وتجاهل أو إهمال أي معطيات تناقضها، في هذه الحالة، لم يكن الهدف معرفة ما قيل فعليًا وتحليل معانيه، بل العثور على ما يعزز شعورًا داخليًا بالخوف من السلطة، أو الرغبة في نقدها بأي وسيلة، حتى لو عبر تحريف الكلام نفسه.
لكن هذا المستوى من التحليل، أي مستوى التحريف والكسل المعرفي، يبقى سطحيًا، ولا يفسر وحده حجم الخلاف الذي أحدثته الخطبة، فبعيدًا عن الجملة المحرّفة، يبقى السؤال الأهم: لماذا أحدثت الجملة الأصلية نفسها كل هذا الانقسام؟
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية: اختلاف المرجعيات الفكرية ودلالاتها النفسية داخل المجتمع السوري، فالشرع، حين استحضر عبارة أبي بكر الصديق، لمس (بوعي أو دون وعي) وعيًا مختلفًا جذريًا بين السوريين، بالنسبة لقطاع واسع، تشكّل الخلافة الراشدة العصر الذهبي للحكم بعد وفاة الرسول، لم تكن خلافة عائلية ولا ملكية، بل قامت على الشورى والإجماع، واختيار أبي بكر تمّ بتوافق المسلمين، من هذا المنظور، تُقرأ الجملة كتعهد أخلاقي، وكشرط يقيّد السلطة ولا يطلقها، وكعودة إلى نموذج يُنظر إليه باعتباره نقيًا وعادلًا.
في المقابل، تلقّت شريحة أخرى من السوريين الجملة على نحو معاكس تمامًا، فبالنسبة لهم، الخلافة الراشدة، مهما بلغت مكانتها الدينية، هي بداية حكم إسلامي ينتمي إلى سياقه التاريخي، ولا يمكن استعادته كنموذج سياسي معاصر، هؤلاء لا يسمعون في الجملة وعدًا أخلاقيًا، بل تلميحًا إلى خلط الدين بالسياسة، وعودة إلى أنماط حكم يعتبرون أنها طُويت مع الزمن، ويتعارضون معها لمصلحة دولة مدنية حديثة.
يزداد هذا التوتر حدّة إذا أضفنا أن النظام السابق نفسه، رغم علمانيته الشكلية، صنع لنفسه هالة شبه دينية داخل بيئته، خصوصًا لدى العلويين، ما جعل أي تداخل بين السياسي والمقدّس يوقظ مخاوف قديمة من استمرارية السلطة بأشكال جديدة.
المفارقة أن الشرع نفسه كان قد أشار قبل أيام إلى عمق الاختلافات السورية، حين تحدث عن الوافدين إلى دمشق، ودعا إلى قبول المختلف، وضرب مثالًا طريفًا عن جماعة “لبّت لبّت” وجماعة “المتّة”، في إشارة إلى اختلاف الأذواق والعادات، لكن ما ظهر لاحقًا لم يكن خلاف أذواق، بل خلاف تصورات كاملة عن السلطة، والدولة، والمستقبل.
وهكذا، لم تكن الخطبة بحد ذاتها هي المشكلة، بل ما كشفته من تصدعات كامنة في الوعي السوري، ومن تعدد في طرق السماع والفهم، ومن ذاكرة ثقيلة ما زالت حاضرة بقوة.
في كل الأحوال، قد يكون هذا الانقسام الذي ظهر حول خطبة واحدة مفيدًا أكثر مما يبدو، فقد سمح للسوريين أن ينظروا إلى بعضهم بوضوح أكبر، وأن يدرك كل طرف أن الطرف الآخر موجود وله مشاعره ومخاوفه ومرجعياته الخاصة، ما زلنا في بداية بناء دولة حديثة، وهذه الخلافات، إذا أُديرت بذكاء، ستكون عنصرًا إيجابيًا في المرحلة المقبلة، لأنها تجبر كل طرف على إعادة النظر في طريقة تفكيره، وعلى فهم أن البلد لا يُبنى برؤية واحدة ولا بخيال واحد.
ما أوصل سوريا إلى ما كانت عليه سابقًا لم يكن الخلاف ذاته، بل عدم فهم مخاوف الآخر أو رفض الاعتراف بها، وربما يكون درس هذه المرحلة أن نمنح بعضنا حق الاختلاف، وأن نحترم حساسيات بعضنا، وأن نفهم أن المستقبل لا يُصنع بإلغاء بقية المجتمع، بل بالقدرة على العيش المشترك رغم التباينات، وهذا هو الامتحان الحقيقي لسوريا.
عنب بلدي
————————-
هذا العام السوري/ معن البياري
09 ديسمبر 2025
لم يكن ذلك الصباح كما أيّ صباح في سورية، لمّا شقشق الضوءُ فيه مع الخبر الذي شعّ بأرطالٍ من السعادة والبهجة لسوريين بلا عدد (ولملايين العرب)، خبر تحرّر البلاد وخلاصها من نظام الاستبداد والقتل والفساد، نظام أسرة الأسد، وفرار الشخص الذي أحرَز رئاسته الجمهورية من حادث سيرٍ قضى فيه أخٌ له، ثم ورث البلد من أبيه، صانع عمارة القهر الذي أريد له أن يكون “إلى الأبد”. انصرف ذلك الأبد إلى غير رجعةٍ في صباح اليوم الندّي، 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فصار يوم عيدٍ وطنيٍّ سوري. ولمّا اكتمل عامٌ على ذلك اليوم الخالد، من بالغ الطبيعي أن يستعيد كل سوري تلك اللحظة، كيف عاشها، كيف فاجأته، كيف تلقّاها. ولكنه سيستعيد أيضاً وقائع وحوادث وتفاصيل ازدحم بها هذا العام الذي ضجّ بمشاعر واصطفافات ومواقف تسارعت وتتابعت، وكأنه كان عقداً، وليس اثني عشر شهراً. وقد زاول فيه عموم السوريين فائضاً من الحرية في نقد السلطة الجديدة، وفي الرضى عنها أيضاً. خاضوا في شأن المستقبل المشتهى، ومنهم من لم يعجبُهم العجب، ومعهم كل الحقّ، ومنهم من ماشوا السلطة في كل شأنٍ ومسألة، ومعهم كل الحق. وأكّد هذا كله أن الانعطافة الانتقالية حادّة وقوية، فقد غادر السوريون زمناً مديداً أثقل على أرواحهم وأبدانهم، ثم وجدوا أنفسهم في تمرينٍ على إدارة الخلاف والاختلاف فيما بينهم.
وفي الغضون، كان السؤال الاقتصادي العام، وما يتّصل به بشأن أحوال عيش السوريين وطبابتهم وسكنهم وتأميناتهم الاجتماعية وتعليم أبنائهم، وسائر قضاياهم اليومية، شديدَ الإلحاح والضغط، على السلطة الناشئة، وعلى المجتمع ونُخبه، سيّما وأن البلاد تحتاج عملية إسعاف كبرى، وهي التي ترزح تحت عقوباتٍ قاسية ظلمت الشعب طويلاً، ولم تؤذ آل الأسد ومشايعيها ولصوصها. فضلاً عن أن سياساتٍ اقتصادية أخذت السوريين إلى تباينات طبقية حادّة، ودمّرت العملة الوطنية، وخرّبت الإنتاج والصناعة والزراعة، بالتوازي مع عملية التهديم الكبرى في البشر والحجر 14 عاماً، معلومة النتائج الكارثية.
يُجيز هذا الإرث الثقيل، والشنيع، والمعقّد، القول إن من يتصدّون لمسؤولية معالجته، ولمحاولة الخروج منه، فدائيون. سيجتهدون ويصيبون ويخطئون، وهم في شحّ الموارد وقلّة الإمكانات وشتات الطاقات والخبرات السورية. لكنه ليس الإرث الوحيد، فقد خلّفت عقود آل الأسد صدعاً اجتماعياً، يأخذ وجهاً طائفياً، فكانت الفجيعة الدامية في مدن وبلدات في الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، بعد أن أمكن لفلول متمرّدة، ذات نزوع طائفي، قتل أزيد من مائتي عنصر من الجيش والأمن، ثم أجهز طائفيون على نحو 1400 مدنيٍّ من الآمنين، عدا عن النهب والترويع. وليس المقام هنا لاستعادة المعلوم مما جرى، غير أن المقصد أن تلك الوقائع تظلّ الأسوأ من بين تفاصيل العام السوري الذي انفضى، حتى إذا دلفنا إلى يوليو/تموز الماضي، وجدنا أنفسنا أمام كارثة السويداء، والتي ما زالت جروحُها تتوالى، ليتأكّد، للمرّة المائة على الأقل، إن سورية ليست في الحال المُرضي، والمشتهى، وهي المستهدفة باعتداءاتٍ إسرائيليةٍ شبه يومية، وبقرار في دولة الاحتلال بأن لا تنعم بالاستقرار الذي تنشد، ولا بالطمأنينة العامّة التي يتطلع إليها كل سوري.
اختارت السلطة في العام الذي انقضى مساراً لبناء النظام السياسي، المفترض أن يعبر بالبلد من حال إلى حال، مروراً بالظرف الانتقالي الذي تحدّدت له خمس سنوات. وفي هذا النظام الذي لمّا يكتمل بعد، برلمانٌ تشكّل بعضه، بشيءٍ من الانتخاب، وبعضه الآخر مرتقبٌ تعيينه، لا يشبه البرلمانات المعهودة في نظم مستقرّة، يسوّغ نفسه بنفسه، إنه من لزوم الطبيعة الانتقالية، الخاصّة، والحسّاسة، سيما وأن شروطاً كثيرةً لم تتهيأ لتنظيم انتخابات ناجحة، في بيئةٍ من التعدّدية الحزبية والسياسية والمدنية، غائبة. وقد اجتهد كثيرون من أهل المعرفة، وخدشوا في الخيار الذي أخذت به السلطة، وما يزال آخرون ينشطون في مطلبهم التراجع عن هذا المسار، والأخذ بغيرِه، وهم يعلمون أن هذا لن يكون.
مطبّات بلا عدد، وإخفافاتٌ ونجاحات، وانتظاراتٌ وآمال، والتباساتٌ وأسئلة، عوينت في سورية قلقة، ومقلقة، في عامٍ لا بأس من القول إن مقادير الإرتباك فيه كثيرة، غير أن القناعة إن سورية ستمضي إلى ما هو أحسن وأفضل… وهذا رهانُ الواثقين بقدرات شعبها، وصاحب السطور منهم بداهة.
العربي الجديد
——————————-
سوريا والتصدي للتهديدات الخارجية/ أحمد الحيلة
احتفل الشعب السوري بيوم التحرر من الاستبداد في الـ 8 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث أشهرت المدن السورية من دمشق إلى حمص وحماة وحلب وإدلب ودرعا.. فرحتها غير المتخيلة بعد أكثر من نصف قرن من التنكيل المادي والمعنوي، والتصحر السياسي.
التحرر من الاستبداد، واقع أشبه بالحلم الجميل في عقول السوريين الذين ما زالوا يعيشون آثار سياسات النظام البائد الذي دمر البلد ونكل بالشعب، وهجر أكثر من نصفه على مدار 14 عاما توقفت فيها عجلة الحياة.
رغم المعاناة الإنسانية التي ما زالت ماثلة أمام الأعين، فإن الشعب السوري ينظر بعين الرضا لامتلاكه الحرية التي قدم لأجلها وعلى مذبحها أكثر من مليون ضحية ومفقود؛ إيمانا منه بأن غريمتها هي العبودية القاتلة والمتناقضة مع الهوية والحاطة من قيمة الإنسان.
الحرية قيمة تستحق التضحية والاحتفال بها مرة بعد مرة، فهي الضرورة لاستعادة الذات الأنا، والذات الوطن، والذات الهوية والثقافة والروح الفاعلة المتصلة بالسماء مصدر الوحي والدين المبني على حرية الاختيار لا الإجبار.
إنها لحظة عظيمة بعظم التغيير، فليس سهلا أن تتخلص من الاستبداد، وليس سهلا أن تستعيد النفس المقتولة والأحلام المبعثرة في الضياع والتيه، بفعل السلطة التي تعبد القوة وتحكم باسمها من دون الله.
مر عام على سقوط النظام البائد ونجاح الثورة في فتح أبواب دمشق أمام الشعب السوري. مر عام وسوريا الجديدة تتلمس الطريق للمحافظة على إنجازات الثورة، فالمتضررون في الداخل كثر من أزلام النظام البائد الذين اعتادوا العيش على موائد الاستبداد، وبنوا قصورهم على جماجم الشعب السوري، وكذلك المتربصون في الخارج الذين يكرهون الحرية، ويخشون تحولها إلى عدوى يصعب “الشفاء” منها.
نجحت الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع في تبريد العديد من الملفات الساخنة؛ كإخماد تمرد الساحل، ومحاولات دروز محافظة السويداء الانفصال بقيادة الهجري أحد مرجعيات الطائفة، ونزع فتيل الاحتراب مع قوات “قسد” الكردية، وتعليق العقوبات الأميركية لأشهر قادمة، وتعويم سوريا على المستويين؛ الإقليمي، والدولي سياسيا، ومع ذلك فدمشق ما زالت تواجه جملة من التحديات التي تشكل أشواكا قاسية في جنبات سوريا الجديدة الوليدة، ومنها:
العدوان الإسرائيلي
تشكل إسرائيل خطرا داهما على سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها؛ فهي تحتل أراضي سورية خلف خط الهدنة لعام 1974 في جبل الشيخ ومحافظة القنيطرة، ولا تنوي الانسحاب منها، كما جاء على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وتشترط أن تبقى مناطق جنوب سوريا منزوعة السلاح، بعد أن دمرت مقدرات الدولة السورية العسكرية عبر مئات الغارات الجوية.
تعمل إسرائيل لأن تبقى سوريا دولة ضعيفة عبر تدخلها العسكري المباشر، كما حصل في منطقتي الكسوة، وبيت جن مؤخرا، حيث وقعت اشتباكات مع الأهالي، وعبر نشرها العديد من الحواجز في الجنوب السوري، وقصفها كل ما تراه تهديدا لها على كامل الأراضي السورية، علاوة على دعمها للأقليات الانفصالية كالدروز في محافظة السويداء بقيادة الهجري.
من المرشح أن تستمر السياسة الإسرائيلية الراهنة؛ بهدف حرمان دمشق من القدرة على التحكم في المعادلة الأمنية وصناعة السلم الأهلي، وتعطيل فرص الاستقرار والإعمار والاستثمار، وإبقاء سوريا تحت تأثير ونفوذ إسرائيل ومعادلتها الأمنية؛ حتى تخضع دمشق وتقبل بالتطبيع مع تل أبيب وفق شروط الأخيرة.
في ذات السياق، فإن إسرائيل تستغل البيئة السورية الرخوة لمواجهة الحضور التركي الداعم لدمشق، من خلال إشغال أنقرة سياسيا وأمنيا عبر ملف قوات سوريا الديمقراطية الكردية “قسد” شرق الفرات، والتي تعدها تركيا تهديدا إستراتيجيا لأمنها القومي.
ازدواجية المواقف الأميركية
أبدت واشنطن مواقف متباينة ومتعارضة بشأن سوريا الجديدة؛ فالرئيس ترامب استقبل الرئيس الشرع في البيت الأبيض، وقد علق العقوبات الأميركية حينها حتى تصويت مجلس النواب على رفع العقوبات بشروط في 11 ديسمبر/كانون الأول الجاري، مع تكرار “حرص” واشنطن على استقرار سوريا ووحدة أراضيها.
في ذات الوقت، ما زالت واشنطن تدعم قوات سوريا الديمقراطية الكردية “قسد” شرق الفرات، ولم تلزمها- وهي تستطيع- بتنفيذ استحقاقات الاندماج في الدولة السورية المركزية، وفق الاتفاق الموقع بين الرئيس الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في مارس/آذار 2025، ما يشكل تهديدا واستنزافا للدولة السورية، حيث تسيطر “قسد” على الأراضي الزراعية وآبار النفط شرق الفرات.
فوق ذلك، لم تأخذ الولايات المتحدة مواقف رادعة للسلوك الإسرائيلي العدواني تجاه سوريا، وهي تكتفي بلعب دور “الوسيط” المنحاز إلى تل أبيب، والمبرد لاحتقان دمشق والحكومة السورية التي تحاول جاهدة عدم الانجرار إلى صدام عسكري يُفقدها زمام التحكم في مسار الدولة السورية الوليدة، وهذا ما تعيه إسرائيل وتعمل على استغلاله أبشع استغلال بغطاء أميركي.
السلوك الأميركي ينسجم عمليا مع ما ورد في إستراتيجية الإدارة الأميركية بقيادة ترامب، حيث دعم إسرائيل أحد أهم محددات السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، ناهيك عن سعي واشنطن لإبقاء القيادة السورية تحت الضغط وسياسة العصا والجزرة؛ لضمان سلوك دمشق بما يتواءم مع المعايير الأميركية في المنطقة.
السلم الأهلي والأقليات الانفصالية
أحد أهم التحديات الداخلية هي إرساء سفينة السلم الأهلي على بر الأمان؛ باستعادة فكرة المواطنة، وأن سوريا وطن للجميع؛ عبر التغلب على التشظي المذهبي أو الطائفي أو العرقي الذي تتغذى عليه عوالق المتضررين من انهيار النظام السابق، وتُغذيه قوى خارجية متربصة بسوريا وبحرية الشعب السوري.
هذا يحتاج إلى تفكيك أفكار الانفصال وقواه الفاعلة، إن كان في الساحل السوري، أو شرق الفرات، أو في محافظة السويداء عبر سياسة الإدماج والشراكة في مؤسسات الدولة، ومن خلال عقد اجتماعي يُثري الحياة السياسية بالأحزاب الوطنية العابرة لحدود الأقليات والطوائف.
سوريا الثورة رغم التحديات الكبيرة، أنجزت بالتخلص من الاستبداد وأدواته الأمنية القمعية، وأنجزت بعودة الدولة السورية إلى حواضنها العربية والدولية، وأنجزت بتعزيز صداقتها مع قطر، وتركيا الداعمتين لثورتها ولاستقرارها ووحدة أراضيها، وأنجزت بتمتين علاقتها مع السعودية التي لعبت دورا كبيرا مع قطر، وتركيا في تعليق العقوبات الأميركية.
هذا التقدم يشكل حصانة نسبية لدمشق، وهي تحتاج لاستثمار تلك العلاقات خاصة مع تركيا، وقطر، والسعودية لإقناع الإدارة الأميركية والرئيس ترامب بضرورة تفكيك ملف قوات “قسد”، بإلزام الأخيرة باتفاق الاندماج في الدولة السورية ومؤسساتها الوطنية.
معالجة هذا الملف ربما تحظى بالأولوية لما له من تأثير سياسي وأمني واقتصادي على سوريا واستقرارها، ولما له من تأثير على تفكيك التحديات الداخلية الأخرى، ما يستدعي استنفاد كافة الوسائل السياسية لتحقيق ذلك الهدف، حتى لا تجد دمشق نفسها كما تركيا مضطرة إلى التدخل العسكري الجراحي شرق الفرات في مواجهة قوات “قسد”، مع ما يحمله ذلك من تداعيات عسكرية وأمنية قد تفتح بابا واسعا للتدخلات الخارجية وفي مقدمتها إسرائيل؛ العدو الأبرز لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها، والتحدي الأكبر لأمن تركيا القومي أيضا.
تبقى الحصانة الداخلية هي العنوان والرهان الأبرز أمام الشعب السوري، فالتاريخ أثبت أن حصان طروادة لا ينجح بالدخول إلى بلادنا إلا عبر الشقوق الطائفية أو المذهبية أو العرقية التي يبرع الأعداء في استثارتها لتحقيق أهدافهم الاستعمارية على حساب شعوب المنطقة ومصالحها.. فهل تنجو سوريا من هذا المرض وتنجح بسد الثغرات أمام أعدائها المتربصين بما أنجزته الثورة من حرية مستحقة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب ومحلل فلسطيني
الجزيرة
————————–
سوريا .. عام آخر مليء بالاستحقاقات الحاسمة/ محمود علوش
2025.12.16
أحيا السوريون الذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام الدكتاتور بشار الأسد باحتفالات شعبية عكست أولاً حالة من الرضى عند جزء كبير من السوريين عن وضع بلادهم بعد عام من رحيل “الأسد”، وأعطت ثانياً تصوراً عن مستوى رضى الشارع السوري عن الحكم الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي أنجز أموراً بدت مُستحيلة عند دخوله دمشق للمرة الأولى رغم أن ما أُنجز لم يكن مثالياً تماماً ولم يخلُ أيضاً من المشكلات الجديدة والخطيرة التي ظهرت.
غير أن محصلة عام من إنجازات وتعثّر وإخفاقات ليست سوى بداية طويلة أمام سوريا، فبناء دولة جديدة، والحفاظ على وحدتها الجغرافية والسياسية في وجه مشاريع الانفصال والتقسيم، والتخلّص التدريجي من إرث النظام السابق بكل أثقاله، وإعادة ترميم النسيج الوطني، والاستجابة لمتطلبات المجتمع الدولي المتعددة، كلّها مهام تُشكل مُجتمعة قالباً متكاملاً من التحديات.
إنّ تزامن ذكرى التحرير مع تصعيد إسرائيل لاعتداءاتها وتوغّلاتها في سوريا يُشكّل تذكيراً قاسياً للسوريين بأنّ الخطر الأكبر على وحدة البلاد بعد سقوط “الأسد” لم يعد داخلياً فقط، بل بات يتمثل بشكل واضح في الأطماع الإسرائيلية التوسعية المُعلنة والمُمَنهجة.
وهذه الأطماع لا تقتصر على الجنوب السوري وعلى تغذية النزعات الانفصالية بل أصبحت حلقة مركزية في سلسلة أوسع من المشاريع التي تهدف إلى تمزيق سوريا وعكس مسارها الجديد بعد التحول.
وكما كان الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر ذكرى لرحيل “الأسد”، فإنّه ذكرى أيضاً لاحتلال إسرائيل أراضي جديدة من سوريا وتدمير ما تبقى من أصول عسكرية لها وتأجيجها للأزمة بين الدروز والدولة.
سيكون التحدّي الإسرائيلي من بين الاستحقاقات التي يُتوقع أن تطرأ عليه تحوّلات كبيرة في العام الثاني لـ”سوريا بدون الأسد”، وهو ما تسعى له الولايات المتحدة من خلال الضغط على البلدين لإبرام اتفاقية أمنية كبداية لاتفاقيات أخرى محتملة ستُعيد تشكيل علاقة سوريا بإسرائيل على نحو مُختلف تماماً مما عرفته في السابق.
تُعدّ التحرّكات المنتظرة للمسار السوري الإسرائيلي حاسمة لسوريا ليس فقط على صعيد التعامل مع التهديد الذي تُشكله إسرائيل لها في مرحلة ما بعد التحول، بل كذلك على صعيد التعامل مع تحديات داخلية تتأثر بشكل مباشر بالتدخل الإسرائيلي وتتمثل على وجه خاص بالسويداء.
إنّ الافتراض السائد أن التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل سيؤدي تلقائياً إلى معالجة ملف السويداء وأن عدم التوصل لاتفاق سيفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإسرائيلي في سوريا ومزيد من الأعراض الداخلية لهذا التصعيد، ويبدو هذا الافتراض واقعياً.
مع ذلك، فإن الآثار العميقة التي تركتها أحداث السويداء ستستغرق فترة طويلة كي تُعالج وتتطلب الكثير من المبادرات بين الدولة والدروز، لكنّ ذلك غير مُمكن على أية حال قبل أن توقف إسرائيل تدخّلها في ملف السويداء وقبل أن يتخلى الهجري عن الرهان على إسرائيل.
يبرز ملف “قسد” أيضاً كأحد الملفات الداهمة التي تواجه سوريا في العام الثاني من التحول خصوصاً مع انتهاء مُهلة تنفيذ اتفاقية الاندماج نهاية العام الجاري من دون تحقيق أي تقدم فيها مما يُنذر باحتمالات تصعيد عسكري.
وعلى الرغم من أن “قسد” لم تُظهر إلى الآن أية مؤشرات جدّية على رغبتها في تنفيذ الاتفاقية حتى مع احتمال تمديد مُهلة تنفيذها لفترة إضافية، إلاّ أن الدفع باتجاه تسوية سياسية ما يزال أفضل الخيارات المطروحة بالنسبة لدمشق والفاعلين الآخرين المؤثرين في هذه القضية كتركيا والولايات المتحدة.
لكنّ أي مُهلة جديدة لتنفيذ اتفاقية الاندماج ينبغي أن تتضمن خارطة طريق واضحة وآليات مُتفق عليها لتحقيق الاندماج.
يُظهر كل من الرئيسين أحمد الشرع ورجب طيب أردوغان قدراً كبيراً من المسؤولية والواقعية في التركيز على الدبلوماسية في التعامل مع “قسد”، لكنّ هذه الدبلوماسية مُصممة لخدمة غرض واحد فقط وهو دمج “قسد” في الدولة، وعندما تفشل في تحقيق غرضها، فإن وسائل أخرى ستَظهر على الطاولة.
وإلى جانب “قسد” والسويداء، فإن الوضع في الساحل السوري لم يستقر تماماً بعد، والاحتجاجات الأخيرة وعناوين الفدرالية التي طرحها رئيس المجلس العلوي الشيخ غزال غزال تُظهر أن المخاطر ما تزال قائمة وأن محاولات خلق واقع في الساحل شبيهاً بواقع السويداء وقسد لم تنتهي تماماً.
كان من المخطط أن يُفرَض هذا الواقع في الساحل خلال تمرّد فلول النظام السابق في مارس/آذار 2025، لكن الدولة نجحت حينها في إفشال المخطط.
ورغم ارتباط ملف الساحل بملفي “قسد” والسويداء، إلاّ أن خصوصياته تفرض أنماطاً مُختلفة من المعالجات التي لم تَظهر حتى الآن، وعلى رأسها ملف العدالة الانتقالية الذي يُشكل المدخل الوحيد للمصالحة المجتمعية والشروع في إزالة إرث الصراع على العلاقة بين مُختلف المكونات السورية وإعادة ترميم النسيج الوطني.
رغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها سوريا خلال عام واحد فقط -من تثبيت السلطة الجديدة، وكسر العزلة الدولية، وإعادة بناء علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإقليمي والدولي- فإن هذا التقدم لم يترجم بعد إلى قدرة كافية على التعامل مع التحديات المُختلفة التي تستمد زخمها من التدخل الإسرائيلي.
سيحتاج الرئيس أحمد الشرع خلال الفترة المقبلة إلى مبادرات داخلية أكثر جرأة في ترميم النسيج الوطني، لكن الحفاظ على وحدة سوريا وسلامتها وتماسكها المجتمعي ينبغي أن يبقى المُحدد الرئيسي لكل السياسات والمبادرات. من غير المتصور أن يحمل العام الجديد لسوريا وصفة سحرية لكل هذه المشكلات، لكن الفرصة المتاحة أمامها للتعامل بفعالية مع هذه التحديات تتزايد مع مرور الوقت.
——————————
تموضع النخب الثقافية في سوريا الجديدة/ د. طلال المصطفى
2025.12.16
يشكّل سقوط نظام بشار الأسد لحظة فارقة في التاريخ السوري، ليس فقط على المستوى السياسي والمؤسساتي، بل على مستوى البنية الثقافية والرمزية التي حكمت علاقة المثقفين بالسلطة لعقود طويلة.
ففي هذه اللحظة يعاد تشكيل الحقل الثقافي من جديد، وتبرز مواقف النخب الثقافية بوصفها مؤشراً على عمق التحوّلات الاجتماعية والسياسية، وعلى طبيعة الصراع المقبل حول الهوية والشرعية والسردية الوطنية.
وإذا كانت السلطة الأسدية قد نجحت في تحويل جزء من النخب الثقافية إلى “موظفي خطاب” عبر الخوف والاستتباع، فإنّ ما بعد السقوط كشف مشهداً متشظّياً تحكمه مصالح متغيرة، وتجارب قمع طويلة، وغياب تقاليد راسخة للاستقلالية.
وانطلاقاً من قراءة سوسيولوجية، يمكن تصنيف النخب الثقافية اليوم ضمن خمس فئات رئيسية تعكس اتجاهات المجتمع والسياسة، وتساعد في تفسير ديناميات الحقل الثقافي في سورية المستقبل.
مثقفو السلطة الناشئة
تضم هذه الفئة المثقفين الذين اصطفّوا سريعاً مع مؤسسات الحكم الناشئ في الشمال السوري، ووظّفوا خطابهم لإضفاء شرعية رمزية على السلطة الجديدة.
تمثل هذه الفئة الامتداد الحديث لـ”المثقف السلطوي” الذي ينحاز إلى القوة المهيمنة بحثاً عن الأمان الاجتماعي والمكانة الرمزية.
تنشأ هذه السلوكيات من علاقة تاريخية ملتبسة بين المثقف والدولة في سوريا، حيث اعتاد المثقف النظر إلى السلطة بوصفها المصدر الرئيسي للاعتراف والشرعية، وليس المجتمع. لذلك يعكس هذا التموضع استمرار نمط “التبعية الثقافية” رغم تغيّر السلطة السياسية.
مثقفو براغماتية اللحظة الانتقالية
وهم معارضون سابقون للسلطة الأسدية وجدوا أنفسهم بعد السقوط يعيدون التموضع داخل السلطة الجديدة، تحت عناوين “واقعية المرحلة” أو “ضرورات الاستقرار”.
يبرز هذا السلوك في المجتمعات التي تعيش انتقالاً سياسياً سريعاً بعد عقود من القمع، حيث تتعرض النخب لهزة في موقعها الاجتماعي والرمزي، كثير من هؤلاء المثقفين عانوا التهميش سابقاً، فتتحول مشاركتهم اليوم إلى محاولة لاستعادة المكانة المفقودة.
ويكشف هذا النمط هشاشة الحدود بين الثقافة والسياسة، وغياب مشروع ثقافي واضح لدى جزء من المعارضة، ما جعل دورهم يتشكل كرد فعل أكثر مما هو نتاج رؤية مستقلة.
مثقفو المسار الديمقراطي
تمثل هذه الفئة الصورة الأقرب للمثقف المستقل الذي يستند إلى منظومة قيمية واضحة: الديمقراطية، العدالة الانتقالية، وحقوق الإنسان.
تعبّر هذه النخبة عن “المثقف العضوي” بالمعنى الغرامشي، الذي يرى دوره في الدفاع عن قيم المجتمع لا عن السلطة. ويمثّل هؤلاء بقايا طبقة ثقافية ظلت خارج شبكات الاستتباع الأسدي، وجذورها الاجتماعية غالباً في الطبقة الوسطى المتعلمة.
ومع أن تأثيرها السياسي محدود، إلا أنها تشكّل رأس المال الرمزي الأكثر أهمية في مرحلة بناء الدولة، لكونها تنظر إلى السلطة من منظور أخلاقي لا مصلحي.
المثقفون (المعروفون شعبياً بـ”المكّوعين”)
هي فئة واسعة انتقلت من خدمة النظام السابق إلى خدمة السلطة الجديدة بالوتيرة نفسها، محافظة على أساليبها القديمة في التماهي، والولاء.
تنتمي هذه الفئة إلى شريحة مثقفين تَشكّل وعيها في ظل دولة استبدادية شمولية رسّخت قيم الطاعة والنجاة الفردية، هؤلاء يمثلون “رأس المال الثقافي الزائف”، الذي اعتمد على القرب من السلطة بدلاً من إنتاج المعرفة.
وخطر هذه الفئة أنها قادرة على إعادة تدوير السلطة الاستبدادية داخل أي نظام جديد، لأنها تحمل معها الثقافة السياسية للأسدية: الولاء بدل الكفاءة، والخوف بدل الحرية.
المثقفون المترددون في الاصطفاف السياسي
وهم مثقفون لم ينخرطوا سابقًا في الصراع السياسي، لكنهم دخلوا المجال العام بدافع وطني أو خشية على مصالح المجتمع في مرحلة التحوّل.
تنشأ هذه الفئة من “الهامش الثقافي”، الذي كان معطّلاً في الحقبة السابقة، وتمتد جذورها غالباً إلى طبقات اجتماعية أنهكتها عقود القمع والحرب.
قلقهم السياسي هو نتاج خوف متوارث من الدولة الأمنية السابقة، جعلهم يبتعدون عن الصراعات السياسية لصالح المواقف الرمادية، هذه الفئة يمكن أن تتحول إلى داعم أساسي للديمقراطية إذا توفرت لها الثقة والضمانات السياسية، أو إلى كتلة صامتة إذا تكررت أنماط الاستبداد السابقة.
كيف تعيد هذه التحولات تشكيل مستقبل سوريا؟
1- تشكّل نخبة ثقافية جديدة: مع سقوط النظام، فقدت النخب التقليدية مصادر شرعيتها، وظهرت نخب بديلة تحاول ملء الفراغ.
هذا التحول يشير إلى انتقال المجتمع السوري من بنية نخبويّة مغلقة، تحكمها الولاءات الأمنية، إلى بنية غير مستقرة تبحث عن تعريف جديد للثقافة والشرعية.
2- أزمة الهوية السياسية للمثقف السوري: يُظهر التموضع المتباين للنخب الثقافية ضعفًا بنيويًا في الهوية السياسية للمثقف السوري، وهي أزمة ترتبط بثلاثة عوامل سوسيولوجية رئيسية:
الصدع التاريخي بين الثقافة والسياسة، الذي فرضته الدولة الاستبدادية الشمولية عبر عقود من القمع.
تضخم الخوف السياسي الذي ولّد علاقة غير صحية بين المثقف والسلطة، قائمة على الاحتراس وتبديل الولاءات.
غياب تقاليد الاستقلالية المؤسسية التي تحمي المثقف من الاستقطابات السياسية.
هذه الأزمة تكشف أن المثقف السوري لم يتشكل في بيئة ديمقراطية تسمح ببناء مواقف مستقرة، بل في فضاء قمعي أنتج هويات سياسية هشة، يسهل انزياحها أو إعادة تشكيلها بحسب موازين القوة.
صراع سرديات داخل الحقل الثقافي
وفق النظريات السوسيولوجية للحقل الثقافي (خاصة عند بورديو)، يشهد أي تحول سياسي حاد صراعًا على “السلطة الرمزية”، حيث تحاول كل فئة إعادة تعريف المعنى والشرعية والتاريخ.
هذا ما يحدث اليوم في سوريا:
فئة تريد تكريس سردية “الشرعية الثورية”.
وأخرى تسعى لتمرير سردية “الواقعية السياسية”.
وثالثة تدافع عن سردية “الديمقراطية والمواطنة”.
في حين تسعى الفئات السلطوية إلى إعادة إنتاج خطاب الهيمنة القديم بصيغة جديدة، إن هذا الصراع لا يُعدّ حدثاً ثقافياً فحسب، بل هو معركة سياسية ناعمة ستحدد طبيعة المخيال الجمعي للسوريين في العقود المقبلة.
الحاجة إلى بناء الثقة وحماية استقلالية الثقافة
لأن المثقف في سوريا خرج من تجربة تاريخية مثقلة بالخوف، باتت إعادة بناء الثقة مع السلطة الجديدة شرطًا لدمج النخب الثقافية في مشروع الدولة الجديدة.
ويمكن تفسير هذا الشرط عبر ثلاثة عناصر:
الذاكرة الجمعية للقمع التي جعلت المثقفين يربطون السلطة بالقهر، لا بالشراكة.
ضعف البنى الحامية للحريات، مما يجعل أي مثقف مستقل عرضة للتهميش أو الاستهداف.
غياب مأسسة الحياة الثقافية، حيث ظل الإنتاج الثقافي مرتهنًا للعلاقات الشخصية لا للمؤسسات.
من دون هذه الضمانات، سيعاد إنتاج منطق “مثقفي السلطة”، في حين يتراجع المثقف القيمي والمستقل، ويخسر المجتمع فرصته في بناء فضاء فكري حر يسهم في صياغة مشروع وطني جامع.
خاتمة
يكشف سقوط نظام الأسد أن المثقفين السوريين لم يكونوا كتلة واحدة، بل مجموعات متباينة تشكلت تحت ضغط السلطة والقمع، وخرجت اليوم إلى العلن بخيارات مختلفة.
وبين المثقف السلطوي، والبراغماتي، والقيمي، و”المكّوع”، والمستقل القَلِق، تتشكل خريطة جديدة للصوت الثقافي في سوريا.
يبقى التحدي الأكبر اليوم في بناء علاقة جديدة بين المثقف والدولة، تقوم على الحرية والاستقلالية والمسؤولية المجتمعية. فمن دون هذه العلاقة سيظل المجال العام السوري مهدّداً بأن تحتله الفئات الأكثر صخباً، والأقل التزامًا بالقيم الوطنية والديمقراطية.
تلفزيون سوريا
—————-
إحياء شعرة معاوية في السياسة السورية الجديدة/ رياض معسعس
قال داهية العرب ومؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان: «لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، إذا أرخوها شددتها، وإذا شدوها أرخيتها».
هذا القول يعتبر قاعدة سياسية ودبلوماسية تعود بقوة في السياسة السورية بعد سنة من سقوط النظام المخلوع الذي أدخل سوريا في عزلة دولية زهاء نصف قرن ونيف جراء سياسة التحالفات الخاطئة والمحصورة في قوى معينة هيمنت على سوريا وأثّرت تأثيراً مباشراً على مسارها السياسي.
الرئيس أحمد الشرع الذي يقود سوريا اليوم والذي أخرجها من النفق الطويل المظلم تبدو عليه سمات فطنة معاوية بإحياء شعرته، فهو يفاجئ الجميع ويبهر محدثيه بسرعة البديهة والجواب المفحم الصائب كما حصل في عدة لقاءات صحافية حاول محاوروه إحراجه في نبش ماضيه، أو استخراج ما يرضيهم منه.
لكن في الواقع الحمل ثقيل وليس من السهل قيادة سوريا اليوم بعد كل الكوارث والنكبات والكبوات التي وقعت فيها وعليها، وكل الانعكاسات التي خلّفها سقوط النظام داخلياً وخارجياً.
لم يكن متوقعا أن تفتح أبواب واشنطن، وموسكو، وبكين، والعواصم الأوربية ومعظم العواصم العربية دفعة واحدة أمام الشاب الوسيم الذي استطاع إسقاط من كان يدعي أنه «مؤبد». وفي الوقت ذاته شكك كثيرون في مقدرته السير على صراط مستقيم يرسم سياسة البعد الواحد من الجميع مع ترجيح كفة واشنطن على غيرها.
مقولة الشرع: «سوريا مع سوريا» تختصر سياسته وبوصلته التي لا تتجه فقط للشمال، بل هي في كل الاتجاهات بعيداً عن الاستقطابات والمحاور وهذا ما تحتاجه سوريا، فكل ما هو من مصلحتها فنحن نتبناه. فمكوك الزيارات لمسؤولين وسياسيين وموفدين من أنحاء مختلفة من العالم دليل على الانفتاح على سوريا كدولة واعدة تنهض من كبوتها، وتنقُّل الشرع بين فرنسا والسعودية وقطر وأبو ظبي، وتركيا، وروسيا، والبرازيل، وأمريكا، وأرسال وزير خارجيته إلى الصين، وأكثر من دولة عربية لتعزيز العلاقات ونسج تفاهمات جديدة تمسح ترسبات الماضي البغيض. ويُظهر الشرع في سنته الأولى بأنه قائد براغماتي يتحلّى بالمرونة، ولكن صلبٌ في رؤيته من جعل سوريا الدولة «حصناً استراتيجيا» في منطقة تجتاحها الهزات بوجود قوى متضادة ولها جميعها مصالح في سوريا. وقد أثنت وزيرة خارجية كندا أنيتا أناند على التقدم المحرز نحو الإصلاحات السياسية والاقتصادية وأكدت على أهمية حقوق ورفاه جميع السوريين «. وأثنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الرئيس السوري أحمد الشرع وقال إنه رجل «شجاع وقوي» ويثق به لقيادة سوريا. على الجانب الآخر فمنذ العام 1956 دخلت سوريا في فلك الاتحاد السوفييتي، وتوطدت العلاقة أكثر خلال الوحدة المصرية السورية ثم بعد حرب حزيران/يونيو حيث زودت موسكو سوريا بأسلحة دفاعية وعقدت معها معاهدة صداقة في العام 1980، وبعد انطلاق الثورة في العام 2011 لم يجد بشار الأسد المخلوع حليفاً ينقذه سوى روسيا التي فتح لها قاعدة حميميم لتحميه(بعد أن فشلت إيران في حمايته) ، وانطلقت الطائرات من حميميم لتقصف مناطق الثوار ( وكان والده سمح أيضا ببناء قاعدة بحرية في طرطوس). لكن الرئيس فلاديمير بوتين (وكذلك المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي) تيقن أنه راهن على الحصان الخاسر ووافق على المقترح التركي (حسب ما جاء في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مؤخراً والذي قال بأنه عرَضه على إيران وروسيا) للتخلص من هذا الحصان الخاسر.
وكانت هذه نقطة إيجابية لاستمرار العلاقات بين دمشق وموسكو والحفاظ على المصالح المشتركة، وتعهد الشرع خلال زيارته لموسكو بالالتزام بجميع الاتفاقيات الموقعة سابقاً بين البلدين، وبقاء القواعد الروسية فيها. وتبقى إيران التي عانت من خيانات النظام السابق لها وتسريبات مخابراته لمواقعه لإسرائيل وأماكن اجتماعاته التي كانت تُستهدف في لحظتها وأدت إلى مقتل ضباط كبار وخسارات مادية كبيرة «غير مستعجلة من أمرها في إعادة دفء العلاقات مع القيادة الجديدة في دمشق» (كنا أول من نوه إلى أن مخابرات النظام البائد ضالعة في تسريب المعلومات إلى إسرائيل، القدس العربي 13 آب/ أغسطس 2024 في مقال وحدة الساحات ناقص واحد).
وجاءت التسريبات المصورة التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا لتوضح الصورة أكثر حول شخصية الحصان الخاسر المخلوع، وموقفه المخزي من الشعب السوري وسخريته من أبناء الغوطة، وتعرضه للرئيس فلاديمير بوتين (الذي حماه سابقاً ويوفر له إقامة مريحة في موسكو) بأنه «يقوم بعلميات تجميل» ليحافظ على وجهه دون تجاعيد». هذه التسريبات جاءت في ذكرى يوم النصر في 8 من هذا الشهر، حيث أكد الشعب السوري الذي احتفل في كل المدن السورية، وكل مدن العالم المتواجد فيها بأن السوريين يدعمون النظام الجديد، وفرحتهم عارمة بالتخلص من نظام «الأبد». وهذا ما يعزز مكانة النظام الجديد داخليا إزاء كل ناقديه ومناوئيه، وخارجياً إزاء كل من يراقب عن كثب تطورات الوضع السوري، ومن يشكك في قدراته على مواجهة كل التحديات.
وحدها فقط دولة الاحتلال تبقى خارج السرب الدولي باعتداءاتها المتكررة على سوريا، فبعد ساعات فقط من هروب بشار الأسد أطلقت دولة الاحتلال عملية «سهم باشان» والمستمرة إلى اليوم والتي دمرت خلالها كل مقدرات الجيش السوري، واحتلت أراض جديدة في منطقة الجولان منتهكة اتفاقية فض الاشتباك عام 1974.
ورغم ذلك وغياب العلاقات الدبلوماسية، هنا أيضا تلعب شعرة معاوية دوراً في العلاقات بين الطرفين إذ خاضت الحكومة السورية جولات تفاوض مباشر في باكو وواشنطن وباريس على أعلى مستوى برعاية واشنطن لكن لم تسفر إلى الآن إلى أي تقدم، نظراً لشروط بنيامين نتنياهو التعجيزية بتخصيص منطقة منزوعة السلاح من دمشق لغاية القنيطرة، هذه الشروط رفضها الشرع جملة وتفصيلا، وأكد الشرع في منتدى الدوحة على وجود مفاوضات مع إسرائيل وأضاف متسائلا:» سوريا هي التي تتعرض إلى هجمات من إسرائيل، فمن الأَولى أن يطالب بمنطقة عازلة وانسحاب؟».
الرئيس الأمريكي أنذر دولة الاحتلال المارقة وطالبها بإنجاز اتفاق أمني مع دمشق.
الشرع في سنته الأولى قدم إنجازات لا يستهان بها دولياً أوصلت إلى رفع العقوبات عن سوريا اوروبياً وأمريكياً، وتم استقباله كأول رئيس سوري في الأمم المتحدة وفي البيت الأبيض، وبدأت الاستثمارات تدخل سوريا، وداخلياً قام بأكثر من محاولة لرأب الصدع في المجتمع السوري وتطمين كل مكونات الشعب السوري بأن سوريا لكل السوريين، وأُجريت انتخابات تشريعية، وبالانتظار بناء المؤسسات من أحزاب سياسية، ونقابات، وجمعيات، ونواد اجتماعية، والنهوض بالتعليم، والاقتصاد، وإعادة بناء ما دمر من بنى تحتية ومسكنية، وعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم.
الطريق طويلة وشاقة، ولكن لا مفر من خوضها حكومة وشعباً دون أن ننسى شعرة معاوية.
كاتب سوري
القدس العربي
———————–
2026 عام ترسيخ الدولة وبناء السلم الأهلي/ سونير طالب
2025.12.13
مع اقتراب العام 2026، تبدو سوريا أمام لحظة فارقة لا تشبه ما سبقها، لحظة تستدعي قدراً استثنائياً من الوعي والمسؤولية بعد عام على انتهاء الحقبة الأشد ظلاماً وسقوط النظام البائد بكل رموزه وممارساته. فقد أتاح التحرير للسوريين فرصة نادرة لإعادة النظر في مفهوم الدولة التي يطمحون إليها، دولة لا يُعاد بناؤها بوصفها جهازاً إدارياً فقط، بل باعتبارها صيغة للعيش المشترك، ومؤسسة للكرامة الإنسانية، وإطاراً يعيد للمواطن موقعه الطبيعي في صناعة مصيره. وفي هذا السياق يدخل العام القادم باعتباره إطاراً استراتيجياً للحسم، عاماً يجب أن يُترجم التحول التاريخي من منطق الصراع إلى منطق البناء، ومن استعادة الأرض إلى استعادة المؤسسات، ومن الاحتفال بالحرية إلى هندسة بنيتها العميقة.
يبدأ هذا المسار من إعادة ترميم العقد الاجتماعي الذي مزقته عقود الاستبداد والمنظومات الأمنية، حيث تخلل النسيج الوطني خوفٌ تراكم حتى أصبح ثقافة، وتوزعت الثقة بين الهويات الفرعية بعدما عمل النظام البائد على تهشيم فكرة المواطنة ذاتها. وهنا، يصبح المجتمع المدني أمام مسؤولية لا يمكن لأي جهة أخرى أن تنهض بها: إعادة بناء الثقة بين السوريين، وتعزيز قدرتهم على صياغة هوية وطنية جامعة تتجاوز الجغرافيا والانتماءات الأولية، وتعيد تعريف سوريا بوصفها وطناً واحداً لا مجموعة مناطق متباعدة تبحث عن خلاص منفصل. وفي هذا المسار يتقاطع العمل الحقوقي مع العمل الثقافي والاجتماعي في شبكة واحدة من الجهود التي تقودها منظمات المجتمع المدني، لتضع الأساس الثقافي لإنهاء الانقسام الذي حاول النظام تكريسه لعقود.
ومع إعادة الاعتبار للهوية الوطنية، يبرز الدور الحاسم للعدالة الانتقالية باعتبارها الشرط الأخلاقي والسياسي لأي سلام مستدام. فالبلاد لا يمكن أن تبني مستقبلها على أرضية تتجاهل آلام الماضي أو تقفز فوقها، ولا يمكن لشعب قدّم هذا الكم الهائل من التضحيات أن يقبل بتسويات تُسقط حقوق الضحايا أو تُلمّع إرث الانتهاكات. العدالة الانتقالية هنا ليست مطلباً حقوقياً فحسب، بل هي نواة إعادة الشرعية للمؤسسات، وبوصلة تمنع انحراف الدولة المقبلة نحو أشكال جديدة من القمع. إنها العملية التي تربط الاعتراف بالحدث، بالمحاسبة، بجبر الضرر، بمصالحة وطنية واعية لا تستبدل الذاكرة بالنسيان، بل تُعيد صياغة الوعي الجمعي على أساس الحقيقة والمسؤولية.
وإذا كان البناء السياسي والأخلاقي يشكل الإطار العلوي للمرحلة القادمة، فإن البعد الاقتصادي يشكل قاعدتها الصلبة. فاستمرار السوريين في دورة الإغاثة لن يصنع دولة، ولن يمنح المجتمع القدرة على الصمود في وجه الأزمات المقبلة. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى اقتصاد الإنتاج ضرورة وطنية، لا خياراً تنموياً فقط. وتتمثل الخطوة الأولى في تمكين الفئات الأكثر هشاشة عبر مشاريع قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، وإحياء سلاسل الإنتاج الزراعية والصناعية التي تضررت بفعل الحرب، وتعزيز دور القطاع الخاص المحلي ضمن بيئة قانونية واضحة تحمي الاستثمار وتمنع الاحتكار، مع توجيه الجهود الدولية نحو مشاريع طويلة الأمد تعالج جذور الفقر لا أعراضه. وفي هذا السياق، يعود المجتمع المدني بوصفه جسراً بين المجتمعات والقطاعين العام والخاص، حاملاً المبادرات التي تجمع الموارد والخبرات وتحوّلها إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.
وإعادة تشكيل الدولة في مرحلة ما بعد التحرير لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء مؤسساتها. فالدولة السورية الجديدة تحتاج إلى جهاز إداري نظيف وشفاف، وإلى قضاء مستقل لا يُستخدم أداة للصراع السياسي، وإلى مجالس محلية قوية تتفاعل مع الناس بوصفهم شركاء لا رعايا. وهنا تتجلى الشراكة الطبيعية بين المجتمع المدني والدولة، فالأول يقدّم الخبرة الفنية والمعرفية، والثانية تقدّم الشرعية والسلطة التنفيذية. ومعاً يشكلان الإطار الوحيد القادر على منع عودة الفساد، وضمان ألا تتحول أجواء الانفتاح إلى بوابة لولادة استبداد جديد بأسماء مختلفة.
ولا يقلّ البعد الدولي أهمية عن الداخل، فالقضية السورية لم تعد ملفاً محلياً، بل أصبحت جزءاً من نقاشات أوسع حول الشرعية، والعدالة، واستقرار الإقليم. ومن الضروري أن يطوّر المجتمع المدني السوري دبلوماسيته الخاصة، القادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي، وبناء تحالفات فعالة تحمي مسار التحول الديمقراطي، وتمنع أي محاولة لإعادة تدوير النظام البائد تحت مسميات سياسية جديدة. كما يظل ملف اللاجئين حاضراً بقوة، بوصفه أحد أعقد القضايا التي تحتاج إلى معالجة عادلة، تضمن حق العودة الطوعية الآمنة، وتمنع أي شكل من أشكال الضغط أو الإكراه أو المقايضة السياسية على حساب حقوق الإنسان الأساسية.
ومع دخول سوريا مرحلة البناء، لا يمكن تجاهل الحاجة إلى استكمال وحدتها الوطنية بكل مكوناتها. فالمجتمع السوري يتطلع إلى اليوم الذي تعود فيه السويداء والحسكة إلى الإطار الوطني الكامل، لتكتمل خريطة الدولة وتستقر مؤسساتها ضمن مظلة واحدة. وليس هذا طموحاً سياسياً مجرداً، بل حاجة تاريخية لضمان ألا تتكرر الانقسامات التي هندسها النظام السابق واستثمر فيها.
إن عام 2026 ليس عاماً عادياً في مسيرة السوريين. إنه عام التحول من الثورة إلى الدولة، ومن التضحيات إلى المؤسسات، ومن الألم إلى الرؤية، ومن الفوضى إلى البناء المنهجي القائم على قيم العدالة والكرامة والحرية. لقد منح السوريون العالم درساً عظيماً في الصمود، والآن حان الوقت ليمنحوا وطنهم درساً أعظم في القدرة على البناء. لقد استعاد السوريون بلدهم… ويبقى أن يستعيدوا مستقبلهم.
تلفزيون سوريا
——————————
من الثورة إلى الدولة/ أحمد عيشة
2025.12.15
تنشأ الثورات عادةً في سياقٍ تتراكم فيه المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يقود الإحساس بالمهانة وغياب العدالة وانسداد الأفق العام قطاعات واسعة من الناس إلى التمرد على السلطات القائمة، مدفوعةً بحلمٍ جماعي بتغيير جذري يفضي إلى عالمٍ أكثر حرية وكرامة.
ولكن ما شهدته تجارب التاريخ الحديث في تشكيل الدول أن كثيراً من الأحلام تتكسر على صخور الواقع الذي يضج بالصراعات البينية والخارجية والمصالح المتضاربة وما ينتج عنها من تسويات وحروب تتقاطع فيها التطلعات نحو العدالة والحرية مع ضرورات الاستقرار وبناء المؤسسات واحتكار العنف المشروع.
باستعراض سريع لتشكل الدول، بدءاً من الثورة الفرنسية عام 1789، والولايات المتحدة وحربها الأهلية الطويلة التي انتهت بسيطرة الشمال على الجنوب بين أعوام 1861-1864، والثورة البلشفية في روسيا 1917، نجد أن العامل المهم في تشكيل الدول هذه هو الصراعات الداخلية والمظالم القائمة التي انتهت من خلال أعمال عنف “ثورية” حالمة بتأسيس كيانات عادلة بغض النظر عن المآلات التي وصلت إليها، سواء كانت إيجابية أم سلبية.
في المقابل، اتسم تشكّل معظم الدول العربية الحديثة بضعف العامل الداخلي، حيث تشكيل “الدول” كان بفعل استعماري خارجي سواء من حيث رسم الحدود أو تشكيل المؤسسات “الحديثة”، ما ترك أثراً عميقاً على هشاشة شرعيتها وبنيتها السياسية.
يمكن وصف التجربة التي تشهدها سوريا اليوم في إعادة بناء الدولة، بأنّها أقرب إلى نموذجٍ مركّب يجمع بين العاملين معاً: العامل الداخلي المتمثل بثورة السوريين ضد نظام العائلة الأسدية نتيجة تراكم طويل من القمع السياسي والنهب الاقتصادي من جهة، ومن جهة أخرى نتاج التدخلات الخارجية وصراعاتها على ترسيخ نفوذها، التي عمّقت الصراع وأعاقت إمكانية تشكّل مسار وطني خالص لإعادة بناء الدولة.
رسخ نظام العائلة الأسدية حالة من الرعب والخوف لدى عموم السوريين معتمداً على قوته العسكرية والأمنية التي عهد بها إلى دائرة ضيقة من طائفته، هذه القوة التي مارست شتى أنواع الفظائع بحق عموم السوريين، فظائع نخرت نخاع المجتمع بقيمه وموروثه وتقاليده، ناهيك عن نهبه وإفقاره وتحويله في النهاية إلى كيانات “جائعة” لكل شيء.
كيانات مقسمة إثنياً وطائفياً تحت قشرة من التماسك القسري بفعل قوة أجهزته القمعية، إلى أن انفجرت هذه الحالة في ربيع 2011، التي كانت شرارتها إهانة كبيرة لقيم متجذرة في وجدان عموم السوريين، إهانة لا يغسلها إلا الموت، فكان الشعار الأول: “الموت ولا المذلة”، فتحت المجال للمطالبة لاحقاً بالخلاص من المظالم كلها والحلم بحياة حرة كريمة.
تغيّر مسار الثورة من سلمي إلى مسلح، من إصلاحي إلى قلب جذري وذلك تبعاً للمتغيرات المحلية (عنف وفظائع النظام وتزايد قطاعات المشاركين بالثورة والتدخلات الخارجية)، فنشأت الحركات المسلحة التي كانت عمومها تستند في العمق إلى المجال الإسلامي الذي شكل ملاذاً وقوة لها بمواجهة طائفية النظام.
ومع مرور الوقت، تراجعت قوى أخرى لصالح فصائل أكثر تنظيماً وقدرةً على الحسم العسكري، حيث هيمنت في النهاية الفصائل الإسلامية، ومنها جبهة النصرة، التي شكّلت تحالفاً أوسع فيما بعد تحت اسم “هيئة تحرير الشام”، التي كانت القوة الأساسية في المعركة الأخيرة: الخلاص من نظام الأسد، بالتفاعل مع العوامل الخارجية التي كان أهمها تقليص النفوذ الإيراني المتمثل بوكيله الرسمي: “حزب الله”.
صبيحة 8 كانون الأول 2024 -وهو اليوم الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة ووجدان السوريين إلى ما شاء الله- كانت لحظة مفصلية تفرض الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق الدولة، انتقال لا يتحقق بالسيطرة العسكرية وحدها، بل يتطلب إعادة تعريف مصادر الشرعية، وبناء مؤسسات عامة محايدة، وإخضاع جميع القوى المسلحة لإطار قانوني واحد.
كانت البلاد مدمّرة بشكل شبه كلي، لا مقدرات، ولا خدمات ولا أموال، ومن جهة أخرى، انقسامات طائفية طاغية، وتخوفات من طبيعة السلطة الجديدة، مع زخم شعبي لا مثيل له وتصميم على مواجهة التحديات يحكمه أمرٌ واحد: يجب عدم السماح بعودة الأسدية وأتباعها.
بعد ثلاثة أشهر بالضبط، كان تمرّد الأسديين في الساحل دفاعاً عن الامتيازات الكبيرة التي خسروها فجأة، حيث تحوّلوا من مالكي البلاد والعباد إلى جماعات ملاحقة من السلطات ومن الناس الذين ذاقوا على أيديهم أشد الفظائع بشاعة.
كان احتكاك السلطة الأوّل مع تمرّد من هذا النوع، حيث تلقت خسارات بشرية مهمة، فكانت حالة الاستنفار التي شارك بها كثير من الفصائل، إضافة لكثير من عموم الناس، الذين نظروا إلى هذا التمرّد على أنه محاولة لسلب حقهم في الحياة، تمرد أعاد كل تراكمات القهر الذين أذاقوه على يد أجهزة النظام الأمنية ذات الطابع الطائفي، فلم تميز السلطة ولا الجموع بين المتمردين الأسديين وبيع عموم الطائفة، وهو ما سبب في ارتكاب أعمال إجرامية ذهب ضحيتها المئات من المدنيين العلويين، وخلق شرخاً وعدم ثقة بين عموم أبناء الطائفة والسلطة الجديدة.
خلال عمليات قمع التمرد، أعلنت السلطة عن اتفاق 10 آذار مع “قسد”، من خلال إطار اتفاقي بدعم أميركي لدمج “قوات قسد” مع هياكل الدولة الوليدة، ووضع مدة زمنية تنتهي مع نهاية العام لتطبيقه، وهو الأمر الذي خفف من حدة التوترات وأعطى رصيداً إيجابياً للسلطة الجديدة.
كانت شروط “حزب الاتحاد الديمقراطي-PYD” ومن خلفه “حزب العمال الكردستاني-PKK” أكثر من تعجيزية، فهو يسعى للمحافظة على كامل قوته موحدة ضمن مناطق سيطرته تحت يافطة الحكومة الجديدة بقصد شرعنتها، محتذية بذلك نموذج “حزب الله” في لبنان: القوة المعطلة لأي قرار لا تراه مناسباً، وبالتالي تشكيل دولة داخل الدولة، بذريعة محاربة تنظيم “داعش” وإدارة سجونهم.
بعد شهر، في نيسان 2025، اندلعت اشتباكات أولية في مدينة السويداء وتصاعدت بسرعة إلى المناطق المجاورة في صحنايا
وأشرفية صحنايا، ثم إلى عدة قرى في محافظة السويداء
.
كان الشريط التسجيلي هو الشرارة، بينما في العمق كانت مواقف الشيخ الهجري تتصاعد يوماً بعد يوم، من خلال مطالبته بوضع متميز لمحافظة السويداء وفق أسس طائفية، تشجعه في مواقفه هذه قوى عسكرية من النظام الأسدي وشبكات سمسرة وتهريب، ناهيك عن تشجيع إسرائيلي ووعد بالحماية.
في تموز 2025، تجدّدت المشاكل في السويداء هذه المرة، فكانت فزعة العشائر بدعم أو تغاضٍ من الحكومة، حيث ارتكبت المجازر الانتقامية، فكانت ورطة جديدة للحكومة، ورطة تعرضت البلاد بسببه لضربات إسرائيلية، ناهيك عما سببته من سمعة سيئة للحكومة على الصعيد الدولي.
في العام الأوّل لـ”سوريا بلا الأسد”، ما تزال سوريا تواجه تحديات جمّة، داخلية وخارجية، بدءاً من الأسديين ومجلس غزال، الذي برز مؤخراً كمطالبٍ بحقوق العلويين وخاصة المعتقلين، ومشروع الهجري “الباشاني” في السويداء، إضافة لمماطلة “قسد”.
تمثّلت التحديات الخارجية بعربدة إسرائيل وسعيها الدائم لإبقاء سوريا كياناً بلا قوة، وبالتأكيد تدعم تفتيتيه لأكثر، كل هذا يتطلب من الحكومة أولاً حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، إطلاق مسار عدالة انتقالية لمحاكمة المجرمين ويمنع تكرار الجرائم، والسعي لمعالجة المشكلات التي تتذرع بها تلك القوى، وأهمها عدم الثقة الناتجة عن سوء إدارة الأحداث وما ارتكب فيها من عمليات قتل مؤخراً، والتعامل مع تلك القوى كجهات سياسية لا تعكس حقوق ومطالب الجماعات التي تدعي تمثيلها.
ما شكّلته الاحتفالات بالعيد الأوّل للخلاص من نظام الأسد من إصرار شعبي كبير على المشاركة بتقرير مصير البلاد، وتمسك بالحلم رغم المصاعب، يشكّل رصيداً سياسياً وأخلاقياً بالغ الأهمية يتطلب من الحكومة التعامل مع المشكلات الداخلية بفعالية أكبر، وتجاوز منطق المنتصر نحو تشاركية تقوم على سيادة القانون والاعتراف بتعدّد المجتمع السوري، بوصفه مصدر غنى لا تهديداً للوحدة الوطنية ومحاسبة المجرمين والمتورطين بالقتل علناً، وتحسين شروط العيش بعيداً عن نزعات الخصخصة المتوحشة.
تلفزيون سوريا
——————————
الحكومة السورية في مواجهة ضغوط القوى خارج الدولة/ عدنان علي
16 ديسمبر 2025
تشهد بعض المناطق السورية بشكل متكرر تجاوزات على الدولة وسلطة القانون، من أشخاص أو مجموعات أو زعامات محلية. لا تشمل تلك التجاوزات البيئات المناوئة للحكم الجديد وحسب، بل حتى تلك المحسوبة على هذا الحكم، ممن يرون أنهم عانوا من ظلم النظام السوري السابق، وكان لهم دور في إسقاطه. وبعد إسقاط نظام بشار الأسد قبل عام، دخلت سورية مرحلة من عدم الاستقرار، لم تتمكن خلالها الدولة الوليدة من فرض سيطرتها وسلطتها على كامل الأرض السورية والقوى المختلفة الناشطة فيها، ما اضطرها في كثير من الأحيان إلى الاستعانة بقوى محلية، أبرزها العشائر، أو مسلحون كانوا ينشطون ضد النظام السابق، وفي المقابل واجهت الحكومة السورية الحالية ضغوطاً من هؤلاء للتأثير على سياساتها وتوجيهها لصالحهم.
في هذا الإطار، شهدت مدينة النبك في منطقة القلمون بريف دمشق، القريبة من الحدود اللبنانية، قبل أيام، توتراً أمنياً بعد إطلاق نار قرب المجمع الحكومي، أعقب اعتصاماً ومطالبات بالإفراج عن موقوفين. ووفق مصادر محلية، تعرّض المجمع الحكومي في وسط مدينة النبك، مساء الخميس الماضي، إلى هجوم مسلح تخلله إطلاق نار، نفذته مجموعة مسلحة يُعتقد أنها مرتبطة بشخص يُعرف محلياً بـ”أبو العباس”، وذلك بعد أن حاولت المجموعة الاقتراب من المركز الأمني، ما استدعى تدخلاً من القوى الأمنية للتصدي للهجوم ومنع تفاقم الوضع، وسط حالة من التوتر والفوضى في المنطقة.
وبحسب معلومات غير رسمية، جاء الهجوم ضمن محاولة لإطلاق سراح شخص كان قد أوقفه الأمن العام في وقت سابق، فيما أعلن الأمن العام في مدينة النبك، عقب الهجوم، عن توقيف عدد من المتورطين في إطلاق النار. وبحسب المصادر، تعود جذور التوتر إلى نشر عدد من الشبان من أبناء مدينة النبك، تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تناولت علاقات هذا الشخص مع النظام السابق وأنشطة غير قانونية تتعلق بتجارة المخدرات. وإثر ذلك، تقدمت ابنته بشكوى قضائية عبر محام، ما أدى إلى توقيف عدد من الشبان بتهمة التشهير الإلكتروني، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في أوساط الأهالي الذين اعتبروا الاعتقال تعسفياً. ونظّم ناشطون من المدينة وآخرون من مدينتي يبرود ودير عطية المجاورتين اعتصاماً طالبوا خلاله بالإفراج الفوري عن الموقوفين، ووقّعوا عريضة رُفعت إلى الجهات المختصة. وبحسب المصادر، استجابت الجهات الأمنية لهذه المطالب وأفرجت عن الموقوفين.
إشكالات متكررة
تتكرر مثل هذه الإشكالات باستمرار في كثير من المناطق، فعلى سبيل المثال وجّه ناشطون وفعاليات عشائرية من أبناء الجولان تحذيرات للحكومة بالاهتمام بمناطقهم المدمرة جراء قصف النظام السابق، خصوصاً منطقة الحجر الأسود جنوبي دمشق التي دُمر معظمها، وأيضاً بسبب ما اعتبروه إهمالاً من الحكومة السورية لأهالي محافظة القنيطرة، جنوبي البلاد. وقد حذروا من ترك سكانها وحيدين في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وإلا سينظمون تظاهرات واحتجاجات، فكان أن زار بعض المسؤولين هذه المناطق وقدموا تطمينات للسكان. كما حاولت قوى عشائرية، في يوليو/تموز الماضي، الضغط على الحكومة السورية للبدء في تحرك عسكري ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرق البلاد، لكن مسؤولين محليين من الحكومة التقوا ببعض زعماء العشائر وشرحوا لهم الظروف المحيطة بالوضع هناك.
وفي اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص شهدت بعض المناطق احتجاجات على استمرار اعتقال بعض أبناء تلك المناطق من دون محاكمات، أو على تأخر الرواتب وارتفاع فواتير الخدمات، وسط شكاوى من انقطاع الكهرباء والمياه، ما ضاعف الأعباء على السلطات المحلية لشرح السياسات أو تبريرها أمام الجمهور. وفي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، نظّم أهالي المعتقلين وقفات احتجاجية، مطالبين الحكومة السورية بالإفراج عن ذويهم، فيما عمدوا إلى قطع طرق رئيسية كنوع من الضغط على الحكومة. وفي ريف اللاذقية ودرعا وردت تقارير عن مواجهات بين مجموعات مسلحة محلية وقوات الحكومة واستُخدم العنف في بعض الحالات للضغط على دمشق، وأحياناً ردّة فعل على عمليات أمنية واسعة.
في هذا الصدد قال الباحث السياسي السوري، رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “الدولة السورية اليوم في مرحلة التشكل وتفتقد للأطر القانونية والمؤسساتية”، مضيفاً أن “عود الشرطة المركزية لم يقو بعد بحيث تستطيع التعامل مع قضايا مثل المجرمين في مناطق مختلفة”. وفي رأيه فإن “الصعوبة تصبح أكبر عند الانتقال إلى الأرياف”. لكنه لفت إلى أنه بالمقارنة مع الدول الأخرى “ما زال تأثير هذه المجموعات خارج إطار الدولة، أضعف”، مضيفاً أنه “مع تقوية مؤسسات الدولة ضمن الإطار القانوني تستطيع بسط سيطرتها وسيادتها على هذه المناطق المختلفة”.
وشهدت سورية خلال سنوات النزاع تحوّلات عميقة في بنية السلطة داخل الدولة والمجتمع. فقد أدى تراجع سيطرة الحكومة السورية المركزية في بعض المناطق، وتنامي نفوذ الفاعلين المحليين مثل العشائر والمجموعات المسلحة غير النظامية وشبكات الاقتصاد المحلي ووجهاء المجتمع، إلى نشوء نماذج جديدة من التفاعل بين الدولة وهذه القوى. وفي بعض الحالات، لجأت قوى ما دون الدولة إلى أساليب ضغط مختلفة لتوجيه رسائل أو فرض مطالب على الحكومة المركزية، بعضها سياسي أو اجتماعي وبعضها يأخذ طابعاً احتجاجياً أو عنيفاً. وباتت قوى ما دون الدولة عنصراً مؤثراً في تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في مناطق سورية عديدة. وتستخدم هذه القوى مجموعة من الأساليب للتأثير على قرارات الحكومة في دمشق. ومع استمرار محدودية حضور الدولة في بعض المناطق، خصوصاً الريفية، من المتوقع أن تبقى هذه القوى جزءاً مهماً من المعادلة المحلية، سواء عبر التفاوض أو الضغط أو المشاركة غير الرسمية في الحكم المحلي.
وبالإضافة إلى القوى المتمردة على الحكومة أصلاً أو الخارجة عن سيطرتها مثل “قسد” في شرقي البلاد، أو الفصائل الدرزية في الجنوب، أو بقايا النظام السابق في الساحل، فإن هناك القوى المحسوبة على الحكومة وتتمثل أساساً بأبناء العشائر الذين استعانت بهم هذه الحكومة في مواجهة خصومها، كما حصل بأحداث الساحل في مارس/آذار الماضي وأحداث السويداء في يوليو الماضي. يأتي ذلك إلى جانب المجموعات المسلحة المحلية، بعضها موالٍ للحكومة شكلياً لكنه يتحرك وفق مصالحه المحلية، وبعضها مستقل ويملأ فراغ الدولة في مناطق محددة. وهناك أيضاً مجموعات تجارية أو عسكرية تسيطر على طرق النقل والمعابر والموارد، ووجهاء المجتمع.
ضغوط على الحكومة السورية
وتستهدف ضغوط هذه المجموعات على الحكومة السورية المطالبة بالخدمات الأساسية (مياه، كهرباء، تعليم) أو رفض قرارات إدارية أو أمنية تمس التوازنات المحلية. كما أنها تستهدف الاعتراض على تعيين مسؤولين محليين أو السعي لزيادة النفوذ المحلي أو حماية المصالح الاقتصادية، إلى جانب أن بعضها يأتي ردة فعل على ممارسات أمنية أو اعتقالات موجهة لأبناء المنطقة.
في هذا السياق قال الباحث في مركز جسور للدراسات (إسطنبول)، وائل علوان، لـ”العربي الجديد”، إنه “لا يمكن أن نتحدث عن استقرار أمني ما لم يكن هناك توحيد حقيقي لكل السلاح ولكل المجموعات المسلحة والعناصر والقيادات ضمن هيكلية الدولة”. واعتبر أنه “لا يكفي أن تعلن المجموعات المسلحة والفصائل أنها انضمت للدولة وأنها جزء من الجيش، بل لا بد أن تنتظم ضمن التراتبية المؤسساتية العسكرية والسلوك الأمني العسكري الذي يفكر بعقل الدولة وليس بعقل منظومات ما دون الدولة”.
وأضاف علوان أنه “حتى الدول التي لا توجد فيها مجموعات مسلحة ومنظومات ما دون الدولة مستقلة عن القوات الحكومية، يُراقَب فيها سلوك القوات الحكومية نفسها إن كان منضبطاً أو لا”. وفي رأيه فإنه “يجب الآن العمل على الأمرين معاً بالتوازي؛ أن يكون هناك ضمان لضم جميع حملة السلاح إلى الأمن والجيش ضمن هيكلية الحكومة، وأن يكون هناك جهود ناجعة لضبط السلوك الأمني والعسكري بالكامل وفق ما تتصرف به الدول والحكومات، لا بناء على رواسب من الحالة الفصائلية التي كانت عليها هذه المجموعات”. وشدد على أن “هذا الطرح وإن كان ليس طرحاً مثالياً، لكنه يحتاج جهوداً كبيرة حتى نصل إليه في مرحلة من المراحل”.
ولم يستبعد علوان حصول حوادث ضمن الطريق المتدرج للوصول إلى هذا الانضباط، مستدركاً أنه “يجب أن يكون هناك تخطيط حقيقي وأدوات للوصول إلى (تحديد) فترة زمنية وإجراءات محددة للوصول إلى هذا الانضباط الأمني والعسكري، وهو شيء أساسي لضمان الاستقرار”. ولفت إلى أنه “اليوم نتحدث عن المستوى الداخلي للحكومة السورية وهو أوجب الواجب، والحكومة بصدد الدخول في مسار لضم أطراف أخرى مثل قوات سوريا الديمقراطية”، موضحاً أنه “إذا ما كان هناك استحقاق لضمها فإن الحكومة بحاجة إلى ترتيب بيتها الداخلي بالكامل، وقطع أشواط كبيرة جداً في عملية الهيكلة والتنظيم وضبط السلوك وضبط الانتماء الداخلي للمؤسسة الأمنية والعسكرية، حتى تكون قادرة على استيعاب طرف آخر يأتي ليندمج في هذه الحكومة”.
من جهته، قال الناشط السوري، محمد الشمالي، لـ”العربي الجديد”، إن “بعض القوى تعتمد أساليب مختلفة لتوجيه رسائل أو فرض شروط على الحكومة، تتراوح بين الاحتجاج المدني والضغط غير العنيف، وصولاً إلى ممارسات أكثر حدّة”. وأوضح أن “من أهم هذه الأساليب، الاحتجاج الاجتماعي والسياسي وتقديم شكاوى جماعية، أو إصدار بيانات، أو تبني تحركات سلمية، أو تشكيل وفود للتفاوض مع الحكومة، أو الامتناع عن التعاون مع المؤسسات الرسمية”. ومن هذه الأساليب أيضاً، وفق الشمالي، إغلاق طرق وإطلاق تحذيرات أو “إنذارات” غير رسمية للحكومة عبر وجهاء أو مجموعات مسلحة، مع استخدام السلاح بشكل استعراضي لإظهار القدرة على الضغط بدون الدخول في مواجهة مباشرة. وأشار إلى أن هذه الممارسات تهدف غالباً إلى جذب انتباه الحكومة وإجبارها على التفاوض أو تعديل سياساتها في مناطق. ولفت إلى أن الحكومة تتعامل مع هذه الضغوط بطرق متعددة تبعاً لمستوى التوتر ووزن الجهة الضاغطة، فتعمد إلى التفاوض وتقديم تنازلات إدارية، مثل تغيير مسؤول محلي أو تعديل سياسة جزئية أو تعزيز الأمن في بعض الحالات لمنع التصعيد.
العربي الجديد
———————————
سورية بين سقوط النقد وصعود الاستقطاب/ عمر الشيخ
14 ديسمبر 2025
مضى عامٌ على انتهاء الشكل الأقدم للاستبداد في المنطقة، إلّا أنّ سورية ربّما لم تدخل بعدُ زمنَ النقد الحرّ؛ إذ يتجاذبه منطقُ الاصطفاف الحادّ. بعد عام على السقوط، يبدو أنّ ما انتصر فعلاً أبعدُ من التحرّر، إنّه منطقُ الاستقطاب؛ معسكراتٌ تتواجه، وذاكراتٌ تتنازع، ومجتمعٌ يخاف أن ينتقد “أهله” أكثر ممّا يخاف من إعادة إنتاج الاستبداد.
تطالعنا أخبارٌ قاسية في الخطاب والسلوك بسبب اختلافاتٍ عميقةٍ في الرأي بين سوريين لم يسمحوا لأنفسهم أن يروا هذا الاختلاف بعيونٍ نقديّة. من صمتوا سنواتٍ على جرائم الأسد لم يجدوا بعد سقوطه جملةً واحدةً تعترف بدم السوريين، لكنهم اكتشفوا فجأةً شجاعةً عاليةً في نقد أخطاء السلطة الحالية في دمشق. في الجهة المقابلة، لا تحتمل كثيرٌ من قوى الثورة الغالبة أن تُسأل عن انغلاق بعضها على بعض، أو عن ظلمٍ في مناطقٍ على حساب أخرى؛ كأنّ كلَّ نقدٍ يقرأونه خيانةً.
بين صمتٍ قديمٍ وانتقاداتٍ انتقائيّةٍ جديدة، يُهدَّدُ بالانهيار أهمُّ مكسبٍ كان يمكن أن يولد بعد السقوط؛ أن يتعوّد السوريون على انتقاد السلطة أيّاً كان اسمها، وأن يوسّعوا دائرة الأسئلة بدلاً من تضييقها. هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يحاول كاتب هذه السطور مقاربته: كيف سقط الانتقاد مع صعود الاستقطاب في سورية؟
في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2025، يوم الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، لم يظهر في البلاد مشهدٌ واحدٌ يمكن أن يلتقي حوله السوريون، بل أربع سوريّات متجاورة لا تتكلّم اللغة السياسية نفسها. في دمشق وحمص وحماة، ربّما حرصت السلطة الجديدة على ضبط الإيقاع؛ احتفالاتٌ محسوبة، وخطابٌ يقدّم ما جرى بوصفه “نجاةً للدولة” و”استمراراً للمؤسسات”، كأنّ المشكلة كانت في رأس النظام فقط لا في بنية الحكم التي بُنيت على الخوف والمحسوبيّات. أُعيد تأطير السقوط بوصفه عبوراً من شرعيّة إلى أخرى، وتأخّرت فرصة فتح دفاتر القمع القديمة.
في الساحل، وخصوصاً في بيئته العلوية، حيث دُفع الثمنُ البشريُّ الأعلى دفاعاً عن النظام، مرّ اليوم بصمتٍ كثيف؛ لا فرحٌ واضح ولا حدادٌ واضح. صمتٌ تختلط فيه مرارةُ الخسارة مع عجزٍ جماعيّ عن الاعتراف بأنّ تلك التضحيات وُضعت في خدمة سلطةٍ سقطت وتركت خلفها عائلاتٍ بلا جواب؛ من قرّر عن أبنائنا، ومن أرسلهم إلى الحرب؟ بدل أن يتحوّل السقوط إلى بداية مساءلة، بقي جرحاً معلّقاً بلا لغةٍ سوريةٍ تفكّك كلّ ذلك بخطابٍ واضح.
في السويداء، بعد عام، خرجت المدينة إلى الشارع تحت شعار “تقرير المصير”، في إشارةٍ إلى أنّ المسافة بين المركز القديم والجديد لم تُختَصَر، وأنّ الشعور بالتهميش أقوى من أيّ خطاب عن “سورية جديدة”. أمّا في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فجاء الموقف أكثر برودة؛ لا احتفالات، ولا رغبة في الانخراط في سرديّة “ما بعد الأسد”، وكأنّ سقوط النظام هناك حدثٌ يخصّ دولةً أخرى لا يعيشون فيها.
يدفعنا هذا التباين إلى السؤال عن قدرة السوريين على تبنّي معنى مشترك لسقوط نظامٍ مثقلٍ بالجرائم فوق مجتمعٍ مكسور. تحوّل المشهد إلى طبقة إضافيّة من الاستقطاب لأسباب عديدة، منها سلوكيات منحرفة فرديّة وجماعيّة في السلطة؛ كلُّ طرفٍ ثبّت قراءته الخاصة ليوم السقوط بوصفها الحقيقة الوحيدة، وراح يتصرّف انطلاقاً منها؛ من يرى نفسه خاسراً، ومن يقدّم نفسه ناجياً، ومن يعلن برودة الانفصال عن كلّ ما يجري. هكذا وُلدت خرائط جديدة للاختلاف في اللحظة نفسها التي كان يُفترض أن تتّسع فيها مساحة النقد المشترك لما جرى ويجري في سورية.
في جوهرِ المسألة، هناك سوءُ فهمٍ عميقٌ لمعنى سقوطِ النظام ولِما يفترض أن يفتحه من أسئلة. تعامل سوريون كثيرون مع السقوط بوصفه تعويضاً متأخّراً أو تصحيحاً لمعادلةِ قوّة، وليس بصفته فرصةً لإعادة تعريف قواعد العيش المشترك. احتاج كلُّ طرفٍ إلى أن يثبّت لحظتَه الخاصة من الحدث؛ من ارتاح لأنّ خصمه خسر، من رأى في ما جرى تهديداً لموقعه، ومن قرّر أن يقف خارج كلّ السرديّات. بهذه الطريقة، تحوّلت ذكرى السقوط إلى ما يشبه استفتاءً على الانتماءات أكثرَ منها نقاشاً حول شكل السلطة التي نريدها وكيف تُضبط.
خَلْف هذا كلِّه إرثٌ ثقيلٌ للطريقةِ التي تعلَّم السوريون بها السياسةَ عقوداً. الدولة الأمنية السابقة لم تترك وراءها أجهزةً وعنفاً فحسب، بل تركت أيضاً تصوّراً راسخاً للسياسة بوصفها توزيعاً للولاءات، لا تنظيماً لحقوق الناس. حين يسقط رأسُ النظام في هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر حضوراً: من يجلس مكانه؟ لا: ما هي حدودُ من يجلس مكانه؟ ومع غيابِ أيّ مسارٍ واضحٍ للعدالة الانتقالية أو لنقاشٍ جدّيّ حول المحاسبة، انحصر الخيالُ السياسيّ في استبدالِ أشخاصٍ وإعادةِ ترتيبِ مراكزِ نفوذ، أكثرَ من تفكيك آليّات الإقصاء التي حكمت البلد.
هناك عامل آخر يتصل بطريقة تشكّل الهوية السياسية في كل منطقة. ردّات الفعل على السقوط لم تُبنَ على معيار واحد للحق والعدالة، إنما على شعورٍ محلّيٍّ بالأمان أو بالتهديد؛ الساحل من خلال العلويين يقرأ الحدث من زاوية قتلاه ومصيره، السويداء من زاوية تهميشها وقلقها، الشمال الشرقي من زاوية تاريخه مع المركز، والشمال وبعض المدن التي حافظت على مسافة أمان مع المركز، كانت في النهاية تنظر إلى المسألة من زاوية استحقاق لثمرات الثورة. في غياب إطار وطنيّ جامع، صار كل طرف يوسّع مجال نفسه ويضيّق مجال الآخرين، ويعيد إنتاج معادلة “نحن” و “هم” بطريقة جديدة وعنيفة.
بهذه العناصر مجتمعة، لم نلحظ تحوّل السقوط إلى خطوة أولى نحو التحرّر من الإقصاء، وتبيّن في أحداثٍ كثيرة أن الإقصاء ما زال جزءاً من طريقة التفكير نفسها، مع تغيير الجهة التي تمارسه. ما زال كثيرون يفضّلون رؤية خصومهم خارج اللعبة بدلاً من قبول وجودهم داخلها بشروط جديدة. وما لم يُمسَّ هذا النمط في جذره، سيظلّ الحديث عن “مرحلة انتقالية” أقرب إلى تغيير أسماء على البوابة، لا إلى انتقال فعلي في طريقة إدارة الخلاف بين السوريين.
ظهر أحد التحوّلات الواضحة في معنى الانتقاد في الفضاء الافتراضي. نقاشاتٌ كثيرة كان يمكن أن تجري في قاعات عامة أو أطر مهنية وسياسية معروفة، انتقلت إلى منصّات مجهولة أو حسابات بلا أسماء حقيقية؛ صفحات وقنوات وتطبيقات تتولى في آن واحد سرد ما يحدث وإصدار الأحكام على الأشخاص. في هذا السياق، صار الانتقاد أقرب إلى تصنيف سريع للناس منه إلى بناء حجّة أو مساءلة مفهومة وواضحة. لنراجع مثلاً كيف كان تلقّي النقد الذي وجّهه أسامة عثمان بعد مقابلته التلفزيونية عن السلطة الحاكمة اليوم في دمشق؛ وهو المشهود له في كشف ملفات قيصر، تحوّل السجال والنقد في حالته إلى هجوم شرس ضد الرجل.
في هذا الفضاء، قد لا يُسأل صاحب الرأي عمّا يقترحه أو عن البدائل التي يطرحها، يُسأل أولاً إلى أي معسكر يُنسب. كثير من الحملات تنطلق من مقطعٍ مجتزأ أو إشاعة أو تعليق عابر. الاتهام يتقدّم على النقاش؛ تخوين وتشهير وربط آلي بين أي صوت ناقد وبين بقايا النظام أو شبكات قديمة أو قوى خارجية أو أجندات معادية للثورة، بحسب الجهة التي تطلق الحملة. بهذه الآلية يتحوّل الانتقاد إلى أداة لترتيب الناس في صفوف متقابلة، عوضاً عن أن يكون مدخلاً لفتح ملفات جدية عن أداء السلطة في دمشق أو عن الأخطاء في مواقع أخرى.
ينتقل هذا النمط سريعاً من الشاشة إلى الواقع. الحملات المنسّقة أو شبه المنسّقة تترك أثراً مباشراً في المناخ العام؛ كثيرون يتردّدون في التعبير بأسمائهم الصريحة، وبعض الناشطين والصحافيين يفضّلون الانسحاب، وأشخاص ومبادرات تُقاطع استناداً إلى موجات تشويه لا إلى معلومات موثوقة، وتتصرف أطراف في السلطة وفي المجتمع تحت ضغط ما تفرضه هذه الموجات من أحكام مسبقة. هكذا يصبح الانتقاد فعلاً محفوفاً بكلفة شخصية واجتماعية، ويختلط النقد المسؤول بحملات الاستهداف، فيعلو صوت المنصّات الأكثر ضجيجاً بينما تتراجع الأسئلة التي يحتاج السوريون فعلاً إلى مناقشتها.
كان العام الأوّل بعد سقوط نظام الأسد أقرب إلى فترة اختبار منه إلى انتصار مكتمل. ظهرت ملامح مسار قد يرسّخ انتقالاً من استبداد مكشوف إلى حياة سياسية مشدودة بالاستقطاب، يتحوّل فيها الانتقاد إلى أداة ضغط بين المعسكرات أكثر مما يُعامل حقّاً عامّاً للمجتمع. الخطر هنا يتصل بطريقة إدارة الخلاف؛ سوء فهم لمعنى السقوط وما يفرضه من مسؤوليات، خرائط متباعدة للذاكرة، استمرار الإقصاء بصيغ جديدة، وسجال افتراضي يؤثّر مباشرة في المزاج الواقعي. إذا استمر هذا الاتجاه، قد يجد السوريون أنفسهم أمام مشهد سياسي مختلف في الأسماء، قريب في الجوهر من أنماط السيطرة القديمة. الحدّ من ذلك يبدأ بالاعتراف بأنّ الانتقاد عنصر تأسيسي في المجال العام، وأن محاصرته في أي جهة تضعف الجميع. توسيع المساحة التي يُسمع فيها النقد بوصفه محاولةً للفهم والتصحيح، وبناء تقاليد لحوار يتحمل التوتر، قد يكونان من الشروط الأولى لانتقال سياسي بمعنى حقيقي لا شكلي.
العربي الجديد
——————————–
الشرع في الأموي: الطاعة مقابل العدل/ مهند مبيضين
ملفات الداخل المعقدة والخارج الدقيقة
i15 ديسمبر 2025
مقابل الذكرى الأولى للتحرير، وإسقاط الأسد، ومغادرة الاستبداد، واستعادة الحرية للشعب السوري، اعتلى الرئيس السوري أحمد الشرع منبر الجامع الأموي، لا ليعد الناس بمشاريع كبرى أو بفتوحات وجهاد في بلاد أخرى، بل جدد العهد من باب استعادة الكرامة للسوريين، بسوريا التي تليق بأهلها، ولأجل تحقيق العدل وعمارة الأرض.
ولم يكن اختيار منبر الجامع الأموي صدفة، أو بديلاً عن أي مكان، فلا شيء عند الرئيس الشرع متروك للصدف أو اختيارات اللحظة الأخيرة، ولا يوجد للمكان ما يوازيه عظمة وأبهة في سوريا، وفي القيمة التاريخية والرسائل التي أطلقها الشرع لغة ولباساً وبياناً وتاريخاً، حيث إن برقيات التاريخ الحاضر هي التي أرسلها قائلها من المكان برمزيته الكبيرة، للتاريخ العظيم في زمن دولة الأمة، ليقول إن هذا مسجد بني أمية الذي رعاه مؤسسو الدولة العربية، وفي ذلك رسالة عابرة وتوكيد على تحرير الأرض والبلاد من الهيمنة الإيرانية.
ثم إن الرئيس الشرع قال وخاطب عموم الناس بعبارة “يا أهل الشام”، مذكراً بعام الجماعة 40 للهجرة حين التمت الأمة وأجمعت على خليفة واحد، بعد فتنة ودماء وفرقة، وما من فكرة سَمَت وارتقت عند فقهاء الشام تاريخيا أكثر من مسألة الجماعة ووحدتها ونبذ الفرقة، على أي فكرة أخرى، أو بالأحرى إنّ أجندة فقهاء الشام كانت في قمة أولوياتها وحدةُ الصف والكلمة.
يروي أستاذنا رضوان السيد في دراسته الصادرة عام 1985 في مجلة “دراسات”، مجلد 12/الجامعة الأردنية، ما نقله الذهبي عن الإمام الأوزاعي (ت:157هـ/663م) ما نصه: “خمسة كان عليها الصحابة والتابعون: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله”، وهي مبادئ أساسية تمثل جوهر منهجهم في الدين والعبادة والحياة، ويؤكد عليها علماء السلف.
ولزوم الجماعة يعني الثبات على جماعة المسلمين وعدم مفارقتها، والالتزام بما اجتمعوا عليه من الحق والهدى، وترك البدع والخلافات التي تفرق الكلمة. والجماعة برأي رضوان السيد هي الفكرة التي ناضل الشاميون في ظلها منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان في وجه الخطرين الخارجي والداخلي. وما أشبه حاضر الشام قبل عام واليوم، بما هددها من مخاطر وتحديات بماضيها القديم، لكن أهل الشام، أثبتوا قدرة خارقة في مغادرة عبء التاريخ الثقيل، بالثبات على المبادئ الكبرى والخروج من الفتن إلى البناء والاستقرار.
لقد اعتاد المؤرخون أن يغلقوا حديثهم عن الأعوام الجسيمة في تواريخهم الحولية بجملة مفادها: “وخرجت هذه السنة على خير”، وهي في الحالة السورية الراهنة كذلك، فالعام الأول بعد سقوط الأسد، مرّ والأصوات قادرة على الكلام، واللاجئون عادوا إلى وطنهم، والعالم منح الشرع وسوريا تذكرة عبور مفتوحة لزمن جديد خالٍ من الاستبداد والظلم والقتل.
ولو أن مؤرخاً مثل ابن كنان الصالحي في يومياته عن القرن الثامن عشر، كتب مفتتحاً للعام الجديد، لقال: “وفي رأس السنة كان كافل دمشق أحمد الشرع ومفتي الديار الشامية أسامة الرفاعي، ووزير عدلها مظهر الويس”، الذي هو في مقام قاضي القضاة، حيث لا يوجد اليوم في سوريا منصب قاضي القضاة بل مجلس للقضاء الأعلى.
وفي سوريا اليوم عدالة يحاول الرئيس الشرع التـأسيس لها بشكل هادئ، وفي ذهنه ملفات الداخل المعقدة والخارج الدقيقة التي ترتبط بالداخل بشكل مباشر، وأهمها الحد من الصلف الإسرائيلي بمهاجمة الأرضي السورية والتوغل بها، وهذا أمر في غاية الأهمية.
والسؤال: هل على الشرع اليوم أن يحارب، أو يفتح جروح الماضي؟ بالتـأكيد لا، فلو أراد ذلك، وكما عبر في خطبة سابقة له، بأنهم أهل للحرب إن دقت طبولها، لكن الرئيس الذي كان مسؤولاً سابقاً عن جماعة في إدلب، أو أباً لأسرة صغيرة، بات اليوم مسؤولاً عن بلد فيه ملايين البشر المكلومين، وملايين المهاجرين الذين يتضوعون شوقاً للعودة لبلادهم، ولا يريد فتح قبور جديدة حتى لمخالفيه.
بالعودة لخطبة السيد الرئيس أحمد الشرع من على منبر بني أمية وقوله: “أيها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فوالله لن يقف في وجهنا أي أحد مهما كبر أو عظم ولن تقف في وجهنا العقبات وسنواجه جميعاً كل التحديات بإذن الله”. فهذه عودة تراثية لخطاب إسلامي في مفهوم الحكم، وهي ليست نزعة ماضوية بل فيها رسائل كثيرة لا تحصر هنا.
روى المحدث الدرامي عبدالله بن عبد الرحمن السمرقندي (255هـ-868م) في سننه، عن المحدث صفوان بن رستم، عن عبد الرحمن بن ميسرة الشامي، عن تميم الداري، قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر. فقال عمر: يا معشر العُريب الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة”.
وقيل إن أبا جعفر المنصور خطب في الناس قائلا: “أيُّها الناسُ، لا تَخْرُجُوا مِن أُنْسِ الطَّاعَةِ إلى وَحْشَةِ المَعْصِيَةِ… إِنَّا لن نَبْخَسَكم حقوقَكم، ولن نَبْخَسَ الدِّينَ حَقَّه عليكم”.
فالطاعة أساسية، والعدل جوهر العبور للحكم الجديد في سوريا، ولا ظلم من أحد مهما كبر، فقوس التاريخ يتجه نحو العدالة دوماً.
تلك واحدة من سمات خطاب النسخة الجديدة في سوريا، وهو خطاب موجه للداخل والخارج، وتجديد عهد للناس بالأمان من قبل الرئيس الشرع بكل رمزيات الخطاب ومعانيه المشتقة من حاضر لا بد من تبديد الخوف منه.
المجلة
——————————–
عامٌ على سقوط نظام الأسد.. فرصُ وتحدياتُ سوريا الجديدة!!/ د. عبد الله خليفة الشايجي
قد يكون سقوط ونهاية حقبة الأسد المُتسلط المفاجئ أسرع مما كان متوقعاً في سوريا، واحداً من أهم التطورات الحديثة بتداعيات محلية وإقليمية واسعة، برغم تأخرها لسنوات منذ اندلاع موجات وانتفاضات التغيير التي عُرفت بـ»الربيع العربي»، لتنتهي مأسي حكم البعث المتسلط في في 8 كانون الأول / ديسمبر 2024 قبل عام ، بعد 14 عاماً من حرب قمع وعسكرة الانتفاضة الشعبية ضد الحكم السلطوي-الذي قتل أكثر من نصف مليون سوري وأجبر نصف الشعب السوري على النزوح داخل سوريا والهجرة إلى الخارج لتصبح سوريا الدولة الأولى المُصدّرة اللاجئين في العالم.
أبرز إنجازات العام الأول: تأهيل الرئيس الشرع بشكل سريع بعد نجاح عملية «ردع العدوان بدءًا من إدلب وحلب وصولاً إلى العاصمة دمشق مروراً بحماة وحمص. وكان ملفتاً سرعة إدماج سوريا الجديدة من رئيس كان مصنفاً وحركته-هيئة تحرير الشام وقبلها قتاله مع تنظيم القاعدة في سوريا-ورفع العقوبات وخاصة عقوبات قانون قيصر، ورفع تصنيفه إرهابيا وحضور الرئيس الشرع القمم العربية واجتماع أحمد الشرع مع الرئيس ترامب في جولته الخليجية في الرياض بطلب من الرئيس التركي أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واستقبال الرئيس ترامب للرئيس الشرع في البيت الأبيض كأول رئيس سوري في تاريخ العلاقات بين البلدين! وإلقاء الرئيس الشرع كلمة سوريا الجديدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون أيلول /سبتمبر الماضي، وزيارته عواصم عربية في تأهيل واندماج قد يكون الأسرع لشخص كان مصنفاً إرهابيا مع حركته.
ونجح الرئيس الشرع بتشكيل حكومة انتقالية برئاسته ، وتعيين حكومة تصريف أعمال ثم حكومة جديدة في آذار /مارس الماضي، وإطلاق عملية انتقال سياسي ووطني شاملة وعملية حوار وطني برعاية الأمم المتحدة، يعقبها تشكيل حكومة انتقالية موسّعة جامعة لجميع مكونات الشعب السوري وانتخاب مجلس نواب يمثل مكونات المجتمع السوري.
ومن المهم طمأنة الحكومة الجديدة وكسب ثقة وشرعية الداخل، ومنع تحول سوريا لفراغ أمني وفوضى، وعودة تدريجية لملايين اللاجئين، وطمأنة الخارج أنّ سوريا لن تشكل تهديداً لأمن واستقرار الجوار، والتخلص من الجماعات المسلحة، وضمان عدم عودة النفوذ الإيراني، واستعادة سيادة الدولة، وإعادة إدماج سوريا في محيطها العربي بعد خمسة عشر عاماً من القطيعة، والعودة للمجتمع الدولي، وإعادة فتح السفارات وجذب الاستثمارات.
والواضح أن الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع تواجه جملة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية.
شهدت سوريا انتقالا سياسياً واعتماد دستور انتقالي مؤقت لخمس سنوات، يؤمل أن يؤدي إلى صياغة دستور، واستقرار سياسي واقتصادي، خاصة مع نجاح الحكومة في خفض الأسعار وكلفة المعيشية وزادت الرواتب والأجور بحوالي 200 في المئة. واستقطبت الحكومة الجديدة استثمارات خارجية للمرة الأولى ما يعكس ثقة متزايدة في مستقبل سوريا الجديدة.
والملفت نجاح النظام السوري بكسر عزلته والاندماج في المجتمع الدولي بإعادة العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات وقيام الرئيس السوري أحمد الشرع بالمشاركة في القمم العربية وبزيارات رسمية للولايات المتحدة ودول غربية رئيسية وقبلها لدول عربية وخليجية واجتماعه مع الرئيس ترامب في الرياض على هامش القمة الخليجية-الأمريكية وكذلك في البيت الأبيض، وبالتالي نلحظ التحول السريع، بعد عام من سقوط نظام الأسد حيث استطاعت الحكومة الجديدة تحقيق تقدم ملحوظ في إنهاء العزلة الدولية والعودة التدريجية إلى محيطها العربي والإقليمي.
ولكن يبقى التحدي الأبرز وهو استعادة وبسط السيادة على كامل الأراضي السورية، وهذه مهمة صعبة للغاية في الشمال والجنوب بسبب لرفض قوات سوريا الديمقراطية (قسد)-وتركيا في الشمال والاحتلال الإسرائيلي الذي توسّع من الجولان إلى جبل الشيخ الاستراتيجي، وإصرار نتنياهو على جعل المنطقة من جنوب العاصمة دمشق إلى السويداء منطقة منزوعة السلاح لإبقاء سوريا ضعيفة ومفككة ومقسمة، برغم دعم الرئيس ترامب استقرار سوريا ورفعه للعقوبات.
وتوظيف الأقليات: الدروز في السويداء والجنوب، والعلويون في الساحل، والأكراد في الشمال، والولايات المتحدة في الشرق حول حقول النفط ما يُفقد سوريا أركاناً مهمة من سيادتها.
ولكن التحدي الكبير يكمن في منع عودة النفوذ الأجنبي والقضاء على فلول وبقايا النظام البائد بمخططهم لإفشال مشروع الدولة الجديدة!
وصادق مجلس النواب الأمريكي بشروط صارمة على طلب الحكومة السورية الجديدة لإنهاء قانون عقوبات قيصر، باشتراط اتخاذ خطوات جدية لتنفيذ إصلاحات، ومحاكمة المتورطين بالجرائم وفرض عقوبات محددة والتعامل مع المقاتلين الأجانب وعدم توليهم مناصب في الحكومة، وحماية الأقليات الدينية والعرقية، وتكبيل سوريا بمنعها القيام بأي عمل عسكري ضد جيرانها (إسرائيل).
كما يبرز تحدي رئيسي باستعادة وحدة الأراضي السورية، وخاصة الأكراد و(قسد) في الدولة الجديدة ومنع مؤامرات التقسيم والتفتيت والتفكيك، وجذب استثمارات ضرورية، للمساعدة في تغطية كلفة إعادة الإعمار، التي قدّرها البنك الدولي بـ 345 مليار دولار! بعد خسارة سوريا أكثر من 50 في المئة من مجمل ناتجها القومي بين أعوام 2010-2022، وتوقع أن يصل مجمل الناتج القومي هذا العام لـ 24 مليار دولار، لعدد سكان يتجاوز 25 مليونا-يعيش 90 في المئة منهم دون خط الفقر، بمتوسط دخل فردي أقل من 1000 دولار سنوياً.
وبرغم تلك التحديات العميقة والمعقدة، يكرر الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تسير في مسار إيجابي نحو الاستقرار. مؤكداً أن «سوريا تعيش اليوم أفضل ظروفها وليس هناك بلد لا يعاني من بعض المشاكل الداخلية» ، واتهم الشرع نظام الأسد البائد بأنه «أورثنا نزاعات كثيرة وكان يستخدم طوائف ضد أخرى. واتهم إسرائيل بإدارة أزماتها عبر تصديرها إلى الدول الأخرى، للتهرب من مجازر غزة. وأشار كيف تنتهك إسرائيل سيادة سوريا بشن حوالي 1000 غارة جوية و400 توغل بري على سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، مع قناعته بدعم الرئيس ترامب استقرار سوريا ويدلل على ذلك برفع العقوبات!!
أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت
القدس العربي
——————————
سوريا: هل انتهى عهد الدولة الأمنية؟/ خالد أبو الرز
في لحظة شديدة التعقيد من تاريخ سوريا الحديث، يبرز اسم الرئيس أحمد الشرع بوصفه مفاجأة سياسية غير محسوبة، حتى لدى أقرب الدوائر التي أحاطت به. فالرجل، كما يرى مؤيدوه قبل معارضيه، أنجز في أشهر ما كان يحتاج غيره إلى سنوات طويلة، وتحرك بسرعة أشبه بـ”حرق المراحل”، ما وضع الداخل والخارج أمام معادلة جديدة لم تكن في الحسبان.
المشهد الداخلي يبدو منقسما بين دهشة المؤيدين وصدمة المعارضين. وفي آخر لقاء جمعه بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قال الأخير إن الشرع هو “الضامن الوحيد لمنع انزلاق سوريا نحو حرب أهلية محتّمة”.
أما وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو فذهب أبعد، حين اعتبر أن نجاح الحكومة الحالية هو “الخيار الأفضل لمنع انهيار البلاد وعودة الفوضى”، محذرا من أن فشلها سيقود إلى حرب أهلية شاملة، ويحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للعناصر الأخطر في الشرق الأوسط.
تعكس هذه التصريحات قراءة أميركية مفادها أن الشخصية القادرة اليوم على حفظ التوازن الداخلي وحماية الأقليات هي نفسها الشخصية التي تثير المخاوف داخل بعض هذه الأقليات، في تناقض يشي بحساسية المرحلة.
الشعب السوري، الذي خرج لتوه من ستة عقود من القمع، ومن حرب دامية خلفها النظام السابق وراح ضحيتها أكثر من مليون إنسان، ما زال يحمل جراحا عميقة. شعب يطالب بالعدالة قبل أي شيء، ولولا وجود شخصية مثل الشرع، القادر على ضبط غضب الشارع ضمن إطار دولة لا إطار تصفية حسابات، لكان الانفجار الداخلي أقرب إلى الحتمية. فالبلد الذي تسلمه كان “تحت الصفر”: منهكا اقتصاديا، متشظيا اجتماعيا، ومفتوحا على احتمالات لا حصر لها.
اليوم، تعيش سوريا واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود. آلاف السجناء أطلق سراحهم، والحواجز التي شكلت رمزا للرعب تحولت إلى نقاط خدمة واحترام، والشارع السوري بدأ يستعيد شيئا من الثقة المفقودة.
لقد خرج السوري من دائرة الخوف إلى فضاء يسمح له بالكلام والمشي دون تهديد دائم. وعلى الصعيد الخارجي، استعادت سوريا جزءا من حضورها الإقليمي والدولي، حتى إن استقبال ترامب للشرع، في مشهد وصف بأنه “رمزي”، أعطى انطباعا بأن صفحة جديدة قد بدأت.
وفي تطور لافت، بدأت “موانئ دبي العالمية” قبل أيام إدارة عملياتها رسميا في مرفأ طرطوس، في خطوة تعيد للمرافئ السورية دورها الاقتصادي، وتدل على أن المؤشرات الاقتصادية بدأت تتحرك باتجاه أكثر استقرارا.
غير أن السؤال الحقيقي يبقى: هل ما يحدث اليوم يمثل تحولا بنيويا، أم مجرد لحظة انتقالية؟
فالشرع أنجز الكثير على مستوى الشارع، لكنه يواجه الآن تحديا أصعب: إعادة بناء الثقة بين السوريين أنفسهم، وترميم نسيج اجتماعي تمزق بفعل حرب طويلة ودموية. فإعادة الإعمار السياسي والاجتماعي أعقد بكثير من إعادة تشغيل المرافئ والطرقات. ولا يكفي أن تتحقق الحرية إذا لم تحمل معها مؤسسات دولة قادرة على الاستمرار بعد رحيل عهد وصعود آخر.
إن سوريا اليوم تقف على مفترق طرق. ما بين الحلم الذي يتشكل أمام السوريين، والاختبار الذي لم يأتِ بعد، تبدو البلاد في بداية صفحة جديدة تكتب بسرعة غير مألوفة. ويبقى السؤال الأعمق: هل يكون أحمد الشرع بداية مرحلة سورية جديدة، ويزيل عتمة نصف قرن من خراب حقبة عصور ظلام الهارب بشار وأبيه؟
السنوات المقبلة وحدها ستجيب. والآمال كبيرة. وقد أطربتنا بها فيروز دائما:
شام يا ذا السيف لم يغب .. يا كلام المجد في الكتب
قبلك التاريخ في ظلمة .. بعدك استولى على الشهب
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مدون، سوري، مقيم في السويد / هلسنبورغ
الجزيرة
——————-
الإقصاء وتصنيف السوري الآخر عدواً/ مالك ونوس
الاثنين 2025/12/15
مرَّت سنةٌ على سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، وما زال كثير من السوريين يرون أنفسهم مستبعَدين خارج كل ما يجري من نشاطٍ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي على مستوى الحكومة والإدارات. وقد أيقنوا أن لا دور لهم ولا رأي، لا بل، وفي حالاتٍ كثيرةٍ، لا يسمح لهم بالعمل النقابي والسياسي الحر والمستقل بعد تدجين النقابات وحظر الأحزاب السياسية. هذا المجال الذي يمكنهم عبره إيصال صوتهم بحرية من أجل تصويب ما يرونه من أخطاء، على الرغم من المحاذير الكثيرة لسياساتٍ من هذا القبيل على بلادٍ، تحاول النهوض من الدمار وتحتاج جهد جميع أبنائها لتنجح في ذلك.
أين رموز المعارضة؟
حدث هذا فيما تفاءل معظم السوريين بالتغيير، وتأملوا بأن أزمنة القتل والظلم والإقصاء التي كانت جزءاً من بنية سلطة الأسد وآلية حكمها، قد ولت إلى غير رجعة، وأن قرار المواطن السوري صار بيده، يساهم في صياغة سياسات بلده وبنائه، من خلال ورشة عملٍ جماعية يتشارك الكل فيها برأيه أو بجهده. ولم تتأخر العلامات التي تؤكد تَعَمُّد اتباع هذا الأمر، كان ذلك حين قررت الحكومة الانتقالية برئاسة محمد البشير، مبكراً، فصل مئات الآلاف من وظائفهم، في مجزرة إدارية لم تشهدها أي دولة من قبل، وهي خطوة كفيلة بإصابة البلاد بشلل إداري، خصوصاً أن من بين المفصولين كوادر مؤهلة ومدربة وخبيرة. كما برز نقل عمال وموظفين من بعض الدوائر والمرافق الاقتصادية على أساس طائفي، وإحلال آخرين محلهم، كما حصل في المرافئ وغيرها. ونظر كثيرون إلى هذا العمل على أنه بداية مسيرة إقصاء، يُتَّخذُ فيها القرار من دون مناقشةٍ، انطلاقاً من مبدأ “مَنْ يُحرّر يُقرّر” الذي صار شعاراً ثم سياسةً ثابتة.
من جهة أخرى، انتظر الجميع طويلاً لكي يروا رموز المعارضة السورية، من الكوادر والخبرات القديمة في مختلف صنوف العمل السياسي والثقافي والاجتماعي والحكومي، وقد استعانت بهم السلطة الجديدة، وهم الذين حملوا على أكتافهم قضية السوريين الذين عانوا من حرب الأسد على شعبه، وتجولوا بها في عواصم القرار لتعريف رجالاتها وشعوبها بالمقتلة السورية وبجرائم النظام السابق اليومية، من أجل إقناعهم بفعل أي شيء لوقفها. فكانت المفاجأة أن هؤلاء استُبعدوا أيضاً، مثلما استُبعد آلاف الضباط والجنود الذين انشقوا عن نظام الأسد بدايات الثورة، وفضلت السلطة الجديدة عدم الاستعانة بهم لإعادة تشكيل جيش البلاد الجديد، فبدأت بوادر الإحباط عند هؤلاء وعند سوريين آخرين باتوا يشعرون أن استبعادهم هو نوع من النفي غير المعلن.
تسيّد الخطاب الديني و”شيطنة” الأقليات
حين تسيَّدت القوى الدينية على الخطاب السياسي والإعلامي، وعلى القرار الحكومي والإداري في البلاد، تكرَّس الخطاب الذي صنف السوريين وفق تقسيماتٍ دينية ومذهبية وعرقية ومناطقية. وبدأت تنتشر العقلية التي تحاول هي الأخرى تكريس التعامل مع الآخر من مبدأ الأغلبية والأقلية، في الوقت الذي تتمتع فيه الأغلبية بالحقوق التي يخولها تعدادها حكم الأقلية وسلبها حقوقها. وكانت تلك العقلية والخطاب الطائفي كفيلين بـ”شيطنة” الأقليات عبر اتهامهم أنهم فلول أو عملاء وتقسيميين، وبالتالي استسهال الانتقام منها، وهو ما حصل على مستوى واسع خلال مجازر الساحل والسويداء، واستمر على شكل انتهاكات فردية من خطف للنساء وقتل متنقل، لتظهر مقولة “سبحان الذي أعزنا وأذلكم” التي باتت شتيمة مباشرة رافقت تلك المجازر، وصنفت جماعة كاملة من السوريين أذلاء. وهي مقولة رددها الذباب إلكتروني، وتبناها من كانوا ثواراً، أو أنصاراً للثوار الذين خرجوا بثورة أطلقوا عليها تسمية “ثورة الكرامة”، فهل يراد بالكرامة ذاتها أن تكون فئوية أيضاً؟
على الرغم من الشعور بالانتصار وبتمكن السطلة الحالية من الهيمنة على الدولة والمجتمع والتحكم بهما وتوجيههما، عبر أجهزتها الأمنية وإعلامها والجيش الكبير من المثقفين الموالين لها والإعلاميين والجيوش الإلكترونية، إلا أن هذا لم يمنعها من وقف سياسة الاقصاء والعمل بمبدأ التشاركية، كأن الأمر بات جزءاً من بنيتها وأسس نظامها. ولهذا السبب، كان طبيعياً من الجريدة الرسمية الجديدة التي أطلقت أخيراً، وسميت جريدة “الثورة السورية”، أن تمارس هذه السياسة وتحاول نشرها لتكرسها في عقول الموالين للحكم الجديد فتصبح مُسلّمةً. فقد نشرت الصحيفة المذكورة، في 11 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، أي بعد أيامٍ من صدورها، رسماً كاريكاتورياً يُظهر عدداً من الجرذان الخارجين من تمثال محطم لحافظ الأسد، بينما أحد الجرذان يقول: “نطالب بدولة مدنية.. بالشفافية..”. لا يحتاج هذا التصرف لكثيرٍ من التحليل لمعرفة أن الرسم لا يعدو كونه انعكاساً لسياسة الإقصاء التي اتبعتها السلطة الجديدة، والتي باتت منتشرة على نطاق واسع ضمن أجهزة السلطة وبين مواليها. كذلك انعكاساً لعملها على تشييئ الآخرين المخالفين بالرأي والمعتقد، ليتجاوز الأمر خطورة الاستهزاء بمطالبهم وحقوقهم، فيصل إلى درجة تصنيفهم جرذاناً، بينما هي ومواليهم أنفسهم أخذوا على بشار الأسد تصنيف معارضيه جراثيماً.
يأتي هذا بعد دعوة الرئيس أحمد الشرع مواليه للخروج بمسيرات لدعم الحكم الجديد، والرد على من يريدون تقسيم البلاد عبر إظهار الوحدة الوطنية. فخرجت الجموع تفعل عكس ما طالب، حين وجهت الشتائم للطوائف الأخرى والإهانات للحط من قيمة أبناء الأكراد. كما ظهر شيوخ ودعاة يشتمون السوريين الآخرين من أبناء الطوائف الأخرى على منابر المساجد، ووصل الأمر بأحد الدعاة أن صنف أبناء بعض الطوائف أنهم “أعداء الداخل”، محذراً بأنهم “أشد خطراً من أعداء الخارج”.
حسرة السوريين
يصاب السوري بالحسرة لدى مطالعة الشروط الأميركية التي وضعتها الولايات المتحدة لحكومة الشرع للالتزام بها من أجل إقرار إلغاء “قانون قيصر”، حين يشعر أن الخارج حريص عليه أكثر من أبناء جلدته. فالشرط الثالث من الشروط الثمانية التي على الرئيس الأميركي تحديثها دورياً، لكي يبين مدى التزام الحكومة السورية بها، ينص على: “احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، والتمثيل العادل والمتوازن في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان”، فهل ستعمل السلطة الجديدة على وقف العمل بسياسة الإقصاء؟
إذا لم تفعل السلطة ذلك، وإذا لم تمضِ في تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية وتجري التسوية السياسية المنتظرة، فإنها لا تغامر بإجبار الأميركيين على إعادة فرض “قانون قيصر” عليها فحسب؛ بل تغامر بإعادة إنتاج النظام القديم وفق الآليات نفسها، وبالتالي ستعيد البلاد إلى ما كانت عليه قبل ثورة السوريين. في هذه الحالة ستكون قد أوجدت واقعاً متفجراً، لا تكون الأقليات وقوده، بل كل من لا ترى فيه موالاةً وتسليماً وطاعةً عمياء.
المدن
——————————–
انطفاء الشعار بالدم/ رباب هلال
16 ديسمبر 2025
في اليوم السابق لهروبه المباغت، وسقوطه الضروري، حدث أن حطّم ثوّار جرمانا تمثال الرئيس الأب في ساحة الكرامة في مدينتهم، والتي حملت اسمه لسنوات. كانت فصائل ردع العدوان القادمة بتوافق دوليّ، اجتازت حلب ووصلت إلى حماه.
صباحاً، قبل وصول فصائل عملية ردع العدوان إلى دمشق، كان ثوّار درعا والسويداء قد وصلوا إلى ساحة الأمويّين، رفعوا علم الثورة وهتفوا للحريّة وللوطن وقد عاد لشعبه قاطبة. ذلك الصباح كان لقهوتي طعمها الألذّ رغم فورانها بهواجس مقلقة، أدرت لها ظهري. أردت الانغماس في الفرح بعد ضياعه لأربعة عشر عاماً في الظلمات القاتلة. قال سرّي: “اليوم خمر وغداً أمر.” يحقّ لنا نحن الشعب المكلوم العاجز أن نفرح حتّى الثمالة في يوم لن يُنسى.
خطا الحزن على خطوات فرحي، الحزن على ثوّار كانوا جديرين بعيش ذلك اليوم: عبد العزيز الخيّر، رامي الهنّاوي، جهاد محمد، علي الشمالي، فدوى سليمان، ميّ سكاف، وتطول القائمة. والحزن على معاناة شعب أعزل قتلته صرخة الحريّة، وعلى الدمار الهائل الذي أحدثه النظام الأسديّ المجرم المستهتر. قسّم البلاد وقتل العباد، اعتقلهم وهجّرهم، بينما ينفخ في بوق تمسّكه بوحدة البلاد وهو يذبحها. وساهم مع من ساهم في الداخل والخارج بتسليح الثورة الوطنيّة السلميّة في أشهرها الأولى ووأدها. كان الحكيم الخيّر ورفاقه قد أسسوا في دمشق “هيئة التنسيق الوطنيّة” وأعلنوا ثوابتهم الوطنيّة بشعارات لاءاتها الثلاثة: لا للسلاح، لا للطائفيّة، لا للتقسيم، ما أغضب النظام الديكتاتوريّ، فكان لا بدّ من تغييب الدكتور عبد العزيز السجين سابقاً، عالي الوطنيّة والنزاهة والسمعة العطرة، فاعتُقِل في 2012، ليختفي في مصيره المجهول.
أرعبني انسحاب بعثة الأمم المتحدة من دمشق برئاسة الأخضر الإبراهيميّ في 2013 لحلّ الأزمة السوريّة، لعجزه التام، فسبل الحلّ انسدّت. في الداخل سُحقت المعارضة الوطنيّة، وفي الخارج، تفسّخ أغلبها وفسد، وباتت القضيّة ساحة للتجارة والمكاسب الشخصيّة. ودخلت البلاد في مجهولها الفظيع. ومضى الشعب الأعزل بين الجوع والبرد والموت وبين إعلان هواتفه الخلويّة أنّ المُتصل بهم خارج التغطية، ليخنق رعب الانتظار الأنفاس. وانهارت البلاد تحت ثقل الفقدان والنقصان.
لست أدري لمَ أسهب في التذكّر، بينما أحتفل بالذكرى الأولى لخلوّ فضائنا من الطاغية الأهبل، ومن نظامه الفاسد. بأسف مرير أكرّر العبارة الأخيرة كأنّما للخواء. أتراني أحنّ إلى تلك الأصوات البعيدة تهتف: “واحد واحد واحد الشعب السوريّ واحد”. أحنّ إلى صرخات المؤازرة من شرق البلاد إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها: “يا درعا حنا معاك للموت”، “يا حلب حنا معاك للموت”، “يا إدلب حنا معاك للموت”… فزعات الأخوّة والوطنيّة الصرفة.
كان ترحيب البلاد بقدوم السلطة الانتقاليّة متكاملاً، هُرعت السويداء إلى دمشق لمصافحة العهد الجديد. آنذاك، كان أكبر هواجسي يتمحور حول نوايا هذا القادم وإن كان سينسينا مآسي العهد الساقط؟ وانقضى عام كامل، ولم ينسنا المآسي بل زاد منها. فالخوف من فصائله المسلّحة حرم الريفيّين العلويّين في الساحل من الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة، التزموا بيوتهم مع غروب الشمس، كعادتهم بعد المجازر، والانتهاكات (الفرديّة) لا تتوقّف على مدار اليوم، وخطف نسائهم يدوم. وماذا عن الأهل في السويداء وما زالوا يكتشفون كوارث المجزرة من فزعات السلطة المؤقّتة، والأهل في الرقّة الذبيحة، والأهل الأكراد، وقد منعوا من الاحتفال بالذكرى الأولى العظيمة بعد نضالاتهم الجسيمة لأجلها؟
يرعبني السؤال الملحّ: “سوريّة إلى أين؟” ومكوث الإجابات في دوّامات الاحتمالات المخيفة والسيناريوهات الرهيبة المجهّزة من الخارج.
العربي الجديد
——————————
=======================
تحديث 13 كانون الأول 2025
———————————
عام من الحرّية في سورية/ بشير البكر
13 ديسمبر 2025
عامٌ على سقوط نظام بشار الأسد ليس وقتاً عاديّاً في حساب أعمار السوريين. هو نهاية زمن، وبداية آخر. رحلت حقبة سوداء مديدة تجاوزت نصف قرن من حكم مافيا عائلة الأسد، خُرِّبت خلالها البلاد، ونُهبت ثرواتها. وحين اقتربت ساعة النهاية، فرّت إلى الخارج، تاركةً خلفها دماراً هائلاً في العمران والبنى التحتية، ومجتمعاً يعاني أوضاعاً اقتصاديةً صعبةً، وآلاماً شديدةً نتيجة التنكيل والقهر والسجون ومخابر التعذيب والقتل والمقابر الجماعية، والأسلحة الكيميائية، حتى تجاوزت حصيلة ضحايا مرحلة ما بعد ثورة عام 2011 قرابة مليون بين قتيل ومختفٍ قسرياً، ونحو عشرة ملايين مُهجَّر في الداخل والخارج.
تكلّلت تضحيات السوريين بالخلاص من نظام الجريمة الذي أحال ثورة عام 2011 (السلمية) إلى مذابح مُتنقِّلة. وفرح الناس بتحقيق حلم نهاية الكابوس الطويل، والخروج من السجن الكبير إلى الهواء الطلق، وبدأوا يتلمّسون طريق حياة جديدة، محطّتها الأولى استعادة بلدهم المخطوف (والمحتلّ) من إيران وروسيا، حارستَي نظام الأسد. وقد عاش السوريون عاماً استثنائياً، فصلهم عن عقود من الخوف، إلا أن حريتهم لم تكتمل بعد، وذلك يتطلّب تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد وقف الخطر الإسرائيلي الزاحف، وريث الأبد الأسدي، وتخفيف حدّة الاحتقان الداخلي ذي الآثار التدميرية. وينتظر سورية في العام الجديد انطلاق مشروع إعادة الإعمار، وتحقيق السلم الأهلي، وهما مهمّتان عاجلتان وعلى درجة وثيقة بعضهما ببعض. لا يمكن أن تنهض حركة بناء ما دمّرته حرب الأسد على أسس راسخة، من دون أن تبسط الدولة سلطتها على الجنوب والشرق، حيث تتقاطع التهديدات والتوغّلات الإسرائيلية مع استمرار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رفض الاندماج في مؤسّسات الدولة، وبسط يدها على ثروات الجزيرة، وتمترسها وراء مطلب الفيدرالية، والتنسيق مع أطراف انفصالية في السويداء والساحل.
في الأحوال كافّة، ليس بوسع السلطة أن تنهض بمهامها من دون التفاف المجتمع حولها، وتحمّله جزءاً أساسياً من المسؤولية والأعباء، لأنها تسلّمت بلداً مُدمَّراً، وخزينةً فارغةً، وبدأت من الصفر. ورغم ذلك، هناك من يطالبها بتقديم الحدّ الأقصى، في حين أنها لا تمتلك الإمكانات الكافية. وهذا لا يعني منحها الفرصة تلو الأخرى من دون قيد أو شرط أو محاسبة، ما يحتّم على قوى المعارضة السياسية، ومؤسّسات المجتمع المدني والنقابات، ووسائل الإعلام المستقلّة، لعب دور بنّاء من أجل تحصين إنجاز إسقاط النظام، وعدم التفريط به، لأن ذلك يقود إلى انتكاسة قاتلة، بسبب هشاشة حال البلد، الذي تهدّد وحدته مشاريع تقسيمية.
انتصرت الثورة، ولكن المُتضرِّرين منها كثر، ومن الواضح والبديهي أنهم لن يتركوها تتقدّم بسلام، وسيعملون بوسائل كثيرة لإفشالها، وفي رأس هؤلاء إسرائيل التي تمتلك أدوات كثيرة للتأثير، ما يثير مخاوف من أن تنتكس سورية إلى حال أكثر سوءاً من التي كانت عليها قبل عام. وبعض الهواجس يجد مبرّراته في التهديدات الإسرائيلية والصعوبات الاقتصادية التي تتفاقم، بدلاً من أن تتراجع، في ظلّ عدم قدرة الدولة على إزالة الدمار، وإعادة الإعمار من أجل عودة ملايين اللاجئين، وتأمين الخدمات والمدارس.
تعاني سورية من المصاعب أعلاه، التي تقف في طريق تحقيق الثورة الأهداف التي انطلقت من أجلها: الحرية والكرامة والتنمية وبسط السيادة. ولكن الثمن الكبير الذي دفعه الشعب السوري كفيل بأن يحمي البلد من الهزّات الكبيرة. لقد انتهت المخاوف من انحراف الثورة عن مسارها، أو فشلها، أو تراجعها، أو تحوّلها إلى حرب أهلية. قطعت أكثر الطرقات وعورةً وصعوبةً، واجتازت عدّة امتحانات قاسية. قد تواجه مطبّات في طريقها، لكنّها لن تقف قبل أن تحقّق العدالة والمساواة والحرية لجميع السوريين.
———————
سقط الأسد ولم تتشكّل الدولة/ عمار ديوب
13 ديسمبر 2025
كان سقوط الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 أمراً مُشتهى منذ تولي حافظ الأسد الحكم عام 1970، وليس مع هروب وريثه فقط. كان لزوال بشّار نكهةٌ خاصّةٌ، بعد أن دمّر المدن وقتل قرابة مليون سوري وهجّر الملايين. كان بقاؤه وسقوطه أمرَين يتعلّقان بتوافقاتٍ دولية، ولكن قبل ذلك نزع الشعب السوري بثورته كل شرعية عنه، وصار لا بدّ من إسقاطه. لعب فريد المذهان وأسامة عثمان، وفريق قيصر، دوراً في إغلاق الطريق أمام تعويم بشّار الأسد من جديد، وأحكم قانون قيصر العقوبات على نظامه، وكلٍّ من إيران وروسيا أيضاً. تكرّرت الاحتفالات طوال عام من هروب الأسد، وآخرها الاحتفال بذكرى عملية ردع العدوان (27 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024). يحقّ للسوريين ذلك الفرح الخلاصيّ كلّه. لكن هذا العام كان الأول في امتحان سلطة الرئيس أحمد الشرع كذلك. ما الذي تحقّق؟ وهل هناك بدايةٌ جادّةٌ للانتقال إلى دولة تمثّل طموحات السوريين؟
سيطرت خلال هذا العام هيئة تحرير الشام وحلفاؤها من الفصائل، وبعض الملتحقين بها، على السلطة والدولة معاً، فوضعت شخصياتها الأساسية في كامل مفاصل الدولة، وهناك “واجهات” وُضِعت مع الوزارة الثانية في مارس/ آذار الماضي، بسبب ضغوط دولية وإقليمية، لكنّ هؤلاء لم يكونوا فاعلاً حقيقياً، وليسوا في موقع يتيح لهم طرح سياسات أو أفكار تُصوّب (أو تُعدّل) سياسات السلطة الجديدة، بما يعزّز من مكانتها. من حيث المبدأ، تمرّ سورية بمرحلة انتقالية، لكنّها اقتضت، بعد ثورة شعبية وحرب مُدمِّرة وتدخّلات دولية طوال 14 عاماً، مصالحة وطنية. وكان لا بدّ لكي تنجح المصالحة من عدالة انتقالية، وهو ما يستدعي الركون إلى شخصيات وطنية جامعة، وتحقيق قدرٍ معيّن من الإجماع السوري، وعدم استبعاد أيّ جماعات سورية، سيّما أن بين هذه الجماعات مسافات من اللاثقة والشكّ العميق، وخيارات مختلفة منذ عام 2011. وبالتالي؛ كانت سورية أمام خيارَين: استئثار هيئة تحرير الشام بالسلطة والدولة، وهي أحد أطراف الصراع قبل هروب الأسد، أو الدعوة إلى عملية سياسية تشاركية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. والآن صار لدينا القرار 2799، وهو يدعو إلى العملية ذاتها.
اختار الشرع، وهو أبرز شخصية في الفصائل التي دخلت دمشق، تمكين هيئة تحرير الشام والمتحالفين معها. كانت السنة المنقضية هي سنة التمكين عبر مؤتمر النصر، ثمّ الحوار الوطني، ثم الإعلان الدستوري. ويبدو أن المجلس التشريعي سيكون، وفقاً للإعلان الدستوري، في السياق نفسه، فهناك مادة تؤكّد دوره الوظيفي “الاستماعي” في التشريع، لا مساءلة السلطة التنفيذية، وبالتالي تصبح الأخيرة مطلقةَ اليدين في فعل ما تشاء.
ما الذي تحقّق بالأدوات العسكرية للسلطة مثلاً؟ هل هناك جيش وأمن عام يمثّلان كل السوريين؟ لم تحدث عملية اندماج حقيقية فيهما، ولم يُصار إلى الاتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كذلك، وما زالت السويداء تبتعد عن الدولة السورية التي لم يُمثَّل فيهما العلويون. والأسوأ أن هذا الجيش وأمنه يبدوان عاجزين أمام تقدّم الدولة الصهيونية وإعلاناتها المتكرّرة بإخلاء محافظات الجنوب السوري كلّها من السلاح. هنا تصبح المصالحة الوطنية شرطاً لمواجهة الاحتلال الصهيوني وسياساته المُعلَنة في تفتيت سورية واحتلال أقسام واسعة منها. وباحتلال الجنوب، تتهمّش كثيراً قيمة السيادة الوطنية ومعناها. أصبحت الدولة الصهيونية تحدّياً مركزياً أمام السلطة، فهي لا تهدّد تشكّل الدولة فحسب، بل تهدّد السلطة نفسها مباشرة. وهناك ما يُشبه الشرط الأميركي، ويتحدّد بالسير نحو اتفاق أمني ومعاهدة سلام، للانفتاح أكثر فأكثر على دمشق. وكان أمراً محزناً أن يحتفل الجيش السوري الوليد في أغلبية المحافظات السورية، والعدوان الصهيوني على بعد أقل من 30 كيلومتراً من دمشق. فهل يتضمّن هذا الاحتفال رسالةً أن سورية لن تصمت عن احتلال الجولان والتمدّد اللاحق؟… ربما.
لم يحصل أيّ تقدّم في قضية العدالة الانتقالية، وراكَمت السلطة، عبر مجزرتَين في الساحل والسويداء، العقبات أمام تحقّقها. صار تأخّرها يعادل وضع الطوائف والعشائر والقوميات قبالة بعضها، وترك المنتقمين للقتل العشوائي، وهذا يهدّد السلطة ذاتها. وبعيداً من المجزرتَين، كادت مدينة حمص أن تغرق في الدم بسبب حادثة جنائية أراد القاتل من خلالها إحداث فتنة طائفية ليهرب من جريمته. وكادت قرى وادي النصارى أن تدخل في حرب إثر عمليات انتقامية وجنائية عدّة. وهناك مناوشات مع “قسد”، ولا يبدو أن اتفاق 10 مارس بين قائد هذه القوات مظلوم عبدي وأحمد الشرع يسير نحو تجاوز القراءات المختلفة بينهما. وبالتالي؛ هناك تجييش بين الطرفَين، والأسوأ هو التجييش الإعلامي وبثّ الكراهية، وقد تجلّى ذلك في رفض “قسد” الاحتفالات بالخلاص من الأسد، وتهجّم بعض تلك الاحتفالات على الكرد وقيادات في “قسد”. والأخطر، استمرار الجفاء الكامل بين السويداء ودمشق، وكذلك تجاهل الأخيرة الاحتجاجات السلمية للعلويين منذ أسابيع، ورفضهم القاطع الانجرار خلف ألاعيب تدبّرها بعض الشخصيات المحسوبة على الأسد، من أمثال رامي مخلوف أو اللواء كمال حسن وسواهما.
هناك أيضاً سياسات اقتصادية تؤدّي إلى تحكّم قلّة من أنصار السلطة بمفاصل الاقتصاد كلّها، وعدم تبنّي حتى الاقتصاد الحرّ، كما تزعم السلطة منذ مجيئها إلى دمشق. هذه السياسات تهدر أصول الدولة عبر خصخصتها، ولا تحمي الصناعات أو الزراعة، وتسمح بالاستيراد، وهو ما يدمّر الاقتصاد. كذلك، هناك تخلٍّ عن دعم الخدمات العامّة، فقد حُرّر سعر الخبز والغاز المنزلي، ورُفعت تسعيرة الكهرباء، وكذلك أسعار الاتصالات الخلوية، بينما لم ترتفع الأجور إلّا على نحوٍ هزيل، من قرابة 30 دولاراً إلى 65 دولاراً أو أكثر قليلاً. وهناك تباين بين موظّفي إدلب وموظّفي بقية المدن السورية، إضافة إلى الإدارة الذاتية الكردية المستقلّة مالياً. وبالتالي؛ هناك يقين بفشل هذه السياسات وازدياد أعداد الفقراء وسوء أحوالهم، وهو ما سيؤدّي بالضرورة إلى مشكلات اجتماعية وأخطار أمنية كبيرة، وكثير من الانتهاكات اليومية، إضافة إلى الأسباب الطائفية والانتقامية التي أشرنا إليها.
هل تؤدّي مجمل السياسات أعلاه إلى البدء بتشكّل الدولة والاستقرار في العام الثاني للخلاص؟ أبداً. إنّ تغيير السياسات شرط أساس للاستقرار، والمدخل إلى البدء هو عبر الاستعانة بالخبرات الوطنية في المجالات كلّها، وبدءاً بالدعوة إلى مؤتمر وطني عام، أو ما يماثل دوره، لمناقشة كيفية تشكيل هذه الدولة، والإعلان عن توقيت زمني للبدء بتطبيق العدالة الانتقالية، والتوقّف عن الاستمرار في السياسات الاقتصادية التي تجعل السلطة مقطوعة الصلة عن أغلبية السوريين، كما يتطلّب الأمر البدء بالرأسمالية المحلّية الصناعية والتجارية، والعودة إلى دعم الزراعة والعاملين في مجال المواشي. ولا بدّ أيضاً من مبادرة وطنية تُعطى لشخصيات وطنية لإدارتها، ولاستعادة الثقة مع العلويين والدروز بصفة خاصّة، وتكون مطلقة الصلاحية في الوصول إلى حلّ شامل يمنع المزيد من التفكّك والتفتّت الذي تستهدفه الدولة الصهيونية.
لا تبدو سياسات السلطة مهتمةً بما ذُكر، ولا بما قاله العشرات من المثقّفين السوريين والاقتصاديين، بل وحتى الدول المتدخّلة في الشأن السوري، الداعمة للسلطة منذ هروب بشّار الأسد، تدفع في هذا الاتجاه. وبالتالي؛ صار هذا الجمع يخشى على مستقبل سورية في حال استمرار السياسات ذاتها.
العربي الجديد
—————————
بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط الأسد .. بيان من مثقفين وأكاديميين من أجل “سوريا حرّة وعادلة وديمقراطية“
13 كانون الأول 2025
أصدرت مجموعة من المثقفين والأكاديميين بياناً بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، يطرحون من خلاله رؤيتهم لمستقبل سوريا ويدعون الكتّاب والمثقفين والفاعلين السياسيين والاجتماعيين للتوقيع عليه. من الأسماء الموقعة على البيان ياسر منيف وجوزيف ضاهر ورزان غزاوي ومهجة قحف وسمير اسحق. حكاية ما انحكت تعيد نشر البيان،الذي يمكن التوقيع عليه هنا، كما ورد.
سوريون يناشدون ضمير السوريين
إلى شعبنا السوري في الوطن وحول العالم.
أحيا سقوط نظام الأسد الاستبدادي في كانون الأول/ ديسمبر 2024 الآمال بمستقبل أكثر إشراقًا في سوريا. ومع ذلك، ازداد قلقنا كسوريين إزاء الوضع على الأرض، ومع الحكومة الجديدة التي شكّلها أحمد الشرع وآخرون من هيئة تحرير الشام. فقد أدّت المجازر التي ارتُكبت في آذار/ مارس ٢٠٢٥ ضدّ المواطنين السوريين من الطائفة العلوية في المناطق الساحلية إلى مقتل أكثر من 1000 سوري/ة.
وعلى الرغم من أنّ تصرّفات قوّات السلطات المؤقّتة جاءت ردّاً على اعتداءات على قوّات الأمن العام، لكنها سرعان ما تطوّرت إلى عمليات قتل على أساس الهُويّة الدينية للمدنيين في منازلهم. أمّا الاعتداءات على المواطنين/ات السوريين/ات من طائفة الموحّدين الدروز في نيسان/ أبريل وأيار/مايو وتموز/يوليو ٢٠٢٥، فقد أدّت إلى مقتل المئات. وفي سياق تهميش الحكومة للمواطنين السوريين من الديانة المسيحية، شهد حزيران/ يونيو ٢٠٢٥ تفجيرًا انتحاريًا استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق. كما ارتكبت الجماعات المسلّحة التابعة للسلطات المركزية في دمشق انتهاكاتٍ جسيمة بحقّ المدنيين في السويداء، ممّا أسفر عن مقتل أكثر من 1500 شخص/ة.
صُمّمت الحملة العسكرية الدموية التي شُنّت في يوليو/تموز على مدينة السويداء جنوبي سوريا لتركيز السلطة في أيدي القوى الحاكمة الجديدة، والقضاء على جميع الفاعلين السياسيين من طائفة الموحّدين الدروز الذين رفضوا الخضوع لحكمها، مع تعزيز دور الفاعلين من الطائفة نفسها (الموحدون الدروز) ذوي النفوذ المحدود، والمستعدّين للعمل لصالح الحكومة. كما هاجمت القوّات السورية المُتحالفة مع تركيا مرارًا وتكرارًا التجمّعات الكردية في الشمال. واستُخدم اغتصاب النساء والاتجار الجنسي بهنّ كسلاحٍ للعنف الطائفي (أفضّل استبدالها بهذه العبارة: واستخدم اغتصاب النساء والاتجار بهن كسلاح وأداة للإخضاع)، لا سيما في المنطقة الساحلية والسويداء. ويتفاقم هذا الوضع بسبب غياب انتقالٍ سياسي ديمقراطي شامل، وفشل في تحسين الأوضاع الاقتصادية للسّكان.
طبّقت السلطات الحاكمة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام استراتيجية قائمة على كسب الاعتراف الدولي، وربط سوريا بتحالف تقوده الولايات المتحدة؛ وهذا يُثير مخاوف الناشطين والناشطات بشأن التطبيع مع دولة إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية، والمُرتكبة للإبادة الجماعية.
تُسيطر السلطة الحاكمة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام على مؤسسات الدولة والجيش والجهات الفاعلة الاجتماعية دون شفافية أو مساءلة. كما تُستخدم الطائفية كأداة للتقسيم والسيطرة على السكان.
في هذا السياق، نُناشد كلّ من يعارض الطائفية بجميع أشكالها، لندعو إلى بناء سورية تتمتّع بحقوق ديمقراطية واقتصادية، وحياة كريمة ومتساوية، وتضامن مع الطبقات الشعبية والمُجتمعات المضطهدّة في المناطق كافة.
سوريتنا الديمقراطية:
كما اجتمع كلّ الأبناء/ات الجميلين/ات لسورية عام ١٩٢٥ بقيادة سلطان الأطرش وفوزي القاوقجي للدفاع عن استقلال سورية، نحثّ جميع السوريين على التوحّد من أجل المستقبل. هناك خطر داهم، إمّا من استبداد جديد أو تقسيم سورية إلى مناطق مُتحاربة، لا تستطيع أيّ منها الحفاظ على سلامة مواطنيها. بدلاً من ذلك، يمكن للسوريين/ات تغيير مسار العنف الاستبدادي لبناء سورية عادلة وحرّة وديمقراطية، تتمتّع بحقوق متساوية للجميع.
نُدين مجازر الساحل والسويداء، التي تواطأ فيها الكثير من قادة وعناصر السلطة الحاكمة الجديدة، رغم ادّعاء الحكومة خلاف ذلك. ونرفض موقف عدد من القادة من طائفة الموحدين الذين أشادوا بالنظام الإسرائيلي الإجرامي، ظنًّا منهم أنهم قادرون على تأمين مستقبل آمن لسكان السويداء بدعم من دولة عنصرية مثل إسرائيل، التي ارتكبت وترتكب الإبادة الجماعية. فهم لا يخلقون سوى أوهام زائفة للسكان المحليين ومصالحهم الذاتية.
نطالب الإدارة الانتقالية بنزع سلاح قياداتها وقوّاتها التي ارتكبت المجازر الطائفية، وفصل المرتكبين، وتقديمهم للمحاكمة على جرائمهم. في سوريا ديمقراطية مستقبلية، يجب أن يكون الجيش مُنضبطًا وشاملًا، قادرًا على حماية السيادة الوطنية السورية وجميع السوريين/ات على قدم المساواة.
نُناشد أشقاءنا السوريين/ات، من جميع الأطراف، رفض الانتقام، ومعارضة الخطاب الطائفي، والوقوف إلى جانب السكان المُحاصرين في السويداء، ورفض التحالفات العسكرية مع دول أخرى ضدّ الشعب السوري.
نحثّ كلّ فئة في سوريا، والإدارة المؤقّتة، على رفض التحريض على الكراهية والعنف بجميع أشكاله، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعمل على تحقيق المصالحة المدنية بين جميع مكوّنات سوريا، كي لا يُسفك أيّ دم سوري. الدم السوري على السوري حرام.
نُذكّر إخواننا السوريين بأنّ صراعنا ضدّ الأسد لم يكن طائفيًا. كان نضالاً شعبياً ضدّ القمع الذي مارسته مافيا الأسد بحقّ جميع مكوّنات سوريا.
نرفض إعادة صياغة ثورتنا من قِبل من يصوّرونها على أنها انتفاضة سنية ضدّ نظام علوي. لقد عانى السوريون من جميع مكوّنات سوريا، من الحسكة إلى السويداء، ومن السلمية إلى درعا، ومن اللاذقية إلى إدلب، ومن الرقة إلى الجولان، في ظلّ النظام السابق وضحوا من أجل الثورة.
إنّ فكرة أنّ “الديمقراطية تعني حكم الأغلبية” خاطئة وخطيرة. فحكم الأغلبية وحده، دون ضمانات للمساواة في الحقوق لجميع السوريين، يمكن أن يُنتج أيضاً دكتاتورية وإبادة جماعية. بل إنّ الديمقراطية هي مشاركة جميع السكان بحرّية وعلى قدم المساواة في اتخاذ القرارات المُتعلّقة بالشؤون الجماعية، من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي.
يجب على سوريا الديمقراطية حماية الكرامة والمساواة لكلّ سوري وسورية، من كلّ منطقة وجنس ودين وطائفة وعرق وأصل وميول أيديولوجية ورأي سياسي. تنوّع سوريا هو مصدر قوتها. سوريا لكلّ السوريين.
إنّ سوريا حرّة وعادلة تتطلّب دعم تقرير المصير الكردي، والمساواة الكاملة في الحقوق بين الأكراد السوريين والعرب السوريين، بما في ذلك الاعتراف بالحقوق الوطنية الكردية واللغة الكردية في سوريا.
إنّ سوريا حرّة وعادلة تتطلّب حقوق مواطنة متساوية للمرأة السورية، وتمكينها الكامل من المشاركة والقيادة، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بحيث لا تُقيّد حقوق وفرص جميع المواطنين بالتساوي على أساس الجنس.
إنّ سوريا حرّة وديمقراطية تتطلّب الانتقال إلى حكومة شاملة ومسؤولة أمام شعبها، مع فرض ضوابط على سلطة كلّ جزء منها، بما في ذلك السلطة التنفيذية.
وتطالب سوريا حرّة وعادلة بمحاسبة كاملة عن انتهاكات حقوق الإنسان – الماضية والحالية – والتحقيق في مزاعم عائلات المختفين وحلّها، وعدم تكرار الاعتقالات خارج نطاق القضاء، أو التعذيب، أو السجن، أو الإعدامات، وقضاء عادل وشفاف، حيث تسترد العدالة التحويلية أصول الدولة وتُحاسب المسؤولين عن الجرائم المالية الخطيرة على حساب الطبقة الشعبية.
إنّ العقاب الجماعي والتهمة من دون دليل، تكتيكان اتبعهما النظام المُنهار؛ لا مكان لهما في سوريا حرّة وديمقراطية. كلّ إنسان بريء حتى تثبت إدانته. وعلى من تلطّخت أيديهم بالدماء أن يواجهوا المحاكم، لا الانتقام الأهلي.
يتطلّب اقتصاد سوري عادل ومُزدّهر النزاهة والشفافية والعدالة التوزيعية. كما نحذّر من أشكال الفساد الجديدة التي من شأنها أن تسمح للنخب الجديدة باحتكار الثروة الوطنية.
نحذّر من سوريا جديدة يحكمها الأوليغارشيون، كما أنّ إعادة الإعمار تتطلّب الشفافية والدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة. فالثورة السورية جاءت تحدّيًا للتفاوت الاقتصادي. أيضًا ندعو إلى مناهج تشاركية قائمة على العدالة الاجتماعية لإعادة بناء سوريا واقتصادها. نرفض العودة إلى المحسوبية النيوليبرالية التي انتهجها نظام الأسد، ونرفض أجندة إعادة الإعمار التي يمليها البنك الدولي والقوى الغربية وتركيا وروسيا والصين ودول الخليج العربية.
يتطلّب الاقتصاد السوري العادل الانتقال إلى حكومة قادرة على توفير منافع اجتماعية لجميع السوريين، وتعزيز إعادة توزيع الثروة على الطبقات العاملة، بدلاً من اقتصادٍ تُكدِّس فيه النُخب الحاكمة ثروات البلاد. ونؤكّد أنّ الكهرباء والغذاء والسكن والرعاية الصحية حقوقٌ غير قابلة للتصرّف، وعلى الحكومة أن تجعلها في مُتناول الجميع.
يتطلّب مستقبلٌ أفضل سوريا قادرة على حماية أراضيها ذات السيادة من عدوان الدول الأجنبية، وأن تكون حليفًا في النضال من أجل العدالة في جميع أنحاء المنطقة وخارجها. نطالب الدول الأجنبية، بما في ذلك إسرائيل وروسيا وتركيا والولايات المتحدة، بسحب قوّاتها العسكرية من سوريا والتوقّف عن التدخّل في السياسة السورية. ليس لهذه الدول الإمبريالية مصلحة، كما تدّعي، في تعزيز الديمقراطية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية في سوريا. أهدافها في سوريا تُمثّل عكس ذلك تمامًا: النهب الاقتصادي والهيمنة الجيوسياسية.
يتطلّب المستقبل الأفضل أن تقف سوريا ضدّ الإبادة الجماعية، وألّا تقبل التطبيع مع احتلال صهيوني عنصري يسعى إلى إبادة شعبنا الفلسطيني الشقيق. نضالنا السوري واحد مع نضال الفلسطينيين، كما نؤكّد تضامننا من أجل تحرير الجولان كاملًا من الاحتلال الإسرائيلي.
ندعو جميع السوريين والسوريات إلى التكاتف لبناء سوريا حرّة وعادلة وديمقراطية يستحقها الشعب السوري بكلّ أطيافه.
———————————
للتوقيع اتبع الرابط التالي
———————————
سورية في العهد الجديد.. مسار عودة اللاجئين والنازحين/ سامر بكور
نشر في 13 كانون الأول/ديسمبر ,2025
يُعَدّ ملفّ اللجوء والنزوح أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري، لما فيه من أبعاد إنسانية واجتماعية وثقافية تؤثر في حاضر البلاد ومستقبلها. وبعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، برز ملف عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، كملفّ رئيس في المشهد السوري، وبدأت تباشير العودة فعليًا، في كثير من المناطق السورية، مع زوال العوائق الأمنية وتلاشي كابوس الاعتقال والإخفاء القسري والانتقام. يقدّم هذا المقال تقييمًا تحليليًا واسعًا للتحوّلات التي طرأت على أوضاع اللاجئين والنازحين السوريين، خلال العام الأول من مرحلة التحرير، مع التركيز على أنماط العودة، وسياسات الحكومة الانتقالية، ومواقف الدول المضيفة، إضافة إلى إحاطة في الإطار القانوني الدولي والعوائق البنيوية التي لا تزال تعترض تحقيق عودة آمنة ومستدامة. ويستند التحليل إلى إحداثيات المنظمات الدولية وأدبيات اللجوء القسري والنزوح الداخلي، وإلى مفاهيم الحلول الدائمة والعودة الطوعية الآمنة والكريمة. وتبيّن نتائج التحليل أن العام الأول بعد التحرير شهد تغيّرًا واضحًا في الخطاب السياسي حول العودة، وظهرت مؤشرات أولية على حركات عودة تدريجية، وإن كانت موزّعة بشكل غير متكافئ بين المناطق. وتُظهر الدراسة أن غياب معالجة جدّية لقضايا الأمن والاقتصاد والبنية التحتية، إلى جانب معالجة ملفات السكن والعدالة الانتقالية، يُحوّل كثيرًا من جهود العودة إلى عمليات جزئية أو تجريبية أو دائرية، بدلًا من أن تكون العودة نهائية وقابلة للاستمرار. ويُختتم المقال بجملة من التوصيات الموجّهة إلى الحكومة والدول المضيفة والجهات الدولية.
لقراءة المادة كاملة يرجى تحميل الموضوع
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————
المعارضة المرجوة في المرحلة الانتقالية/ غسان المفلح
ديسمبر 11, 2025
“المعارضة” للسلطة الحالية في دمشق أصابها عطب يمنع تأسيسها منذ التحرير. لنقل بداية أنه عطب من أعطاب المرحلة الانتقالية.
سؤال من الأسئلة الأساسية التي يجب أن تطرحها المعارضة والموالاة على نفسها: أين كانت سوريا قبل التحرير؟ لتبيان حقيقة التركة الأسدية القاحلة. على المعارض الجديد أن يقرأ واقع سوريا قبل التحرير بكل تفاصيله. يدرس واقع القوى التي كانت متواجدة على الأرض السورية.
منذ أول يوم في التحرير كتبت أن على المعارضة أن تتبنى شعارين:
تبيئة النموذج الديمقراطي التركي، مع لامركزية موسعة. يتم العمل على هذين الشعارين. لكنني أعرف جيدا ان الداخل السوري في عهد الأسد لم يعد فيه أحزاب وتيارات وازنة. هنالك تجمعات صغيرة لها طابع مثقفاتي. أفراد مبعثرون هنا وهناك. المفاجأة كانت بروز تمثيلات طائفية منذ اليوم الأول لتحرير دمشق.
هذه التمثيلات ظهرت في ريف الساحل، رافضة للتحرير ورافعة الغطاء عن الجديد القادم. هذا مفهوم لحظتها بالنسبة لي لأنه ظهر بقيادات من مشايخ الأسد وضباطه، الذين قالت لهم السلطة بركاكة اذهبوا وأنتم الطلقاء.
أيضا في السويداء الشيخ حكمت الهجري وبعض فصائل صغيرة متحالفة مع قسد قامت بتحشيد طائفي درزي واضح، ورفعت الغطاء الوطني عن الجديد، عن التحرير. انقسمت السويداء بين نزعة هجرية ونزعة سورية. هذا الذي حدث لا علاقة له بطبيعة السلطة. هذا الانقسام موجود تاريخيا في السويداء.
أعلنت هذه الفصائل والناطقون مباشرة أو مداورة أن معارضتهم للسلطة تتم تحت العلم الإسرائيلي. وسط حضور قوي للشيخ موفق طريف شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل، الذي لم يعد ينال رضا الهجري وجماعته.
هنا يطرح سؤالا مباشرا: لماذا كان مشروع الهجري طائفيا حصرا؟ لم يجبنا أحد من نخب السويداء على ذلك. بتاريخ الأول من كانون الثاني/يناير 2025 توجه رتل من الأمن العام بناء على طلب من فعاليات من السويداء، فوقفت فصائل الهجري ضد دخوله وانسحب الرتل.
بعدها بفترة وجيزة رفع العلم الإسرائيلي، حدث هذا قبل تدخل السلطة الكارثي في السويداء خلال تموز الماضي. إهانة العلم السوري أيضا وقعت منذ الأشهر الأولى. لم نسمع كلمة إدانة واحدة من الشيخ حكمت الهجري وأتباعه. تم الاعتداء على المحافظ أيضا، ولم يتم إدانة السلوك من الشيخ الهجري.
الآن لنقل بصراحة: تم رفع الغطاء عن السلطة الجديدة منذ الشهر الأول من قبل فاعلي الأسد العلويين تحت وهم عودة السلطة لهم. ثم من قبل مجاميع الهجري. وقسد أيضا منذ اليوم الأول. هنا حدث انقسام في تلك المناطق. بينما بقية الأقليات في سورية وفاعلوها دعموا ورحبوا بالتحرير من الأسدية. هذا لم نجده لا لدى غالبية متصدري ما يمكننا تسميته المشهد العلوي، ولا لدى فعاليات الهجري.
لم يتبن الشيخ حكمت الهجري وحلفاؤه خطا سوريا منذ التحرير. بدأ الانقسام في السويداء يظهر للعلن من خلال عدة مبادرات؛ والوحيد الذي كان يرفضها هو الهجري. كل المبادرات التي قدمت له من قبل السلطة في دمشق، كان فيها لا مركزية موسعة.
هنا يطرح سؤال: ما هي اللامركزية التي يريدونها؟ كي يهرب الهجري من هذه الإجابة هرب للأمام وأعلن جبل الباشان دولة مستقلة، تنتظر الطريق بين السويداء وتل أبيب. لم يسع لا هو ولا جماعته من أجل محاولة بناء معارضة سورية.
إذاً، مشروع الهجري ببساطة يتلخص بالتالي: السويداء لي بكل ما فيها وأشارك بحكم دمشق. هذا مع معادلة بسيطة جدا: أنا حر في إقامة علاقة مع إسرائيل أو أي جهة أخرى. ولا علاقة لدمشق ولبقية السوريين بها. هذا موقف قسد أيضا.
إذاً هي مطالب لامركزية تخص فقط الجهة التي تحمل السلاح تحديدا. ولا تخص الشعب الكردي الذي بالنسبة لي يمثل مطالبه المجلس الوطني الكردي. لأن المجلس لن يحكم منطقته ديكتاتوريا واحتلاليا كما تفعل قسد. من جهة أخرى لا تزال قسد علاقتها بإيران قائمة. وأنا أكتب هذه المادة قرأت مقابلة للسيد مظلوم عبدي مع صحيفة جيروزلم بوست الإسرائيلية.
هذه القصة كانت قسد تمارسها بتلاعب، لكنها الآن تمارسها بعلنية، محاولة جر دمشق لحرب أهلية. لا أعتقد أن دمشق بوارد هذا الخيار، حتى لو ذهب مظلوم عبدي لتل أبيب!! هذا الأمر في الحقيقة هو المقصود بالمطالبة بلامركزية سياسية. أن تكون دولة داخل دولة باختصار، أو أنها لن تقدم أي برنامج يلم البلد.
ما تقرؤونه في الإعلام القسدي هو عبارة عن عملية تذاكٍ، يساعدها في هذا الأمر بعض من سياسات تركيا تجاه هذا الملف. هذه السياسة تحتاج لأن نفرد لها مادة خاصة.
في الحقيقة يبرز سؤال مهم هنا، كي نعرف أن مشروع قسد والهجري لا علاقة له بما قامت وتقوم به سلطة دمشق. لأنه مشروع لا يسعى لبناء دولة سورية، بل يسعى لبناء دول داخل دولة.
نعود لأس من أسس المشكلة كي نحيط بها: لماذا أعداد مهمة من ضباط الأسد المجرمين لجأوا للهجري وفصائله، ولجأوا لقسد؟ منذ اليوم الأول للتحرير، أخذوا الحماية الكاملة من قسد، والهجري سلمهم مناصب في فصائله السياسية والمدنية والعسكرية. هذا سؤال يتجنب جماعة الهجري وقسد الإجابة عنه.
من جهة أخرى، قسد أبقت، حتى يوم سقوط الأسد، علاقتها وتواصلها مع العصابة الساقطة مستمرة. وتماثيل الأسد بقيت موجودة. والآن تمنع الناس من الاحتفال بالذكرى السنوية للتحرير، بينما المجلس الوطني الكردي السوري يقيم منصة احتفالية خاصة به.
هذا السرد السريع لأبين التالي: لا علاقة لمشروع قسد ولا لمشروع الهجري ببناء دولة سورية ديمقراطية. مشروعهما لا يحسب على المعارضة السورية للسلطة الجديدة. بل يحسب على محاولة تفتيت البلد. انضم لهما الشيخ غزال غزال شبيح الأسد السابق المختفي.
أختم بالقول إن مهمة السلطة البحث عن حلول مع الجهتين من أجل عدم إراقة دم سوري واحد. مهمتها لأنها ارتكبت أخطاء فادحة في الساحل وفي السويداء. كما أن مجاميعها أو قسما منها لايزال يفكر بطريقة ديكتاتورية.
مثلا، من حق الشعب الكردي السوري الحصول على شكل واسع من اللامركزية. من حقه أن تكون لغته لغة رسمية في مناطقه على الأقل إلى جانب اللغة العربية. بالتالي يجب على السلطة تقديم تصور أولي لرؤية ديمقراطية حقوقية لحل المسألة الكردية في سورية وفصل هذا الملف عن تفاوضها مع قسد.
من جهة أخرى، لا يمكن بناء فيدراليات ولا مركزيات على أسس طائفية. هذا الأمر لغم يهدد السلم الأهلي بشكل مستمر. هنالك لا مركزية جغرافية فقط. لا مركزية ذات بنية ديمقراطية من قبل سكان هذه المناطق وليست حكرا على جهة مسلحة. لا مركزية ديمقراطية تنتج قياداتها بعملية انتخابية حرة ونزيهة.
لهذا، أي معارضة سورية ذات جدوى يجب أن تتأسس على نقطتين: لا مركزية جغرافية مع نظام ديمقراطي في كل سورية. هذه المعارضة يجب أن تبعد نفسها عن مشاريع هذا الثلاثي الذهبي!
الثورة السورية
———————-
ذكرى مرور سنة على “إنهم يشبهوننا”/ عمر قدور
السبت 2025/12/13
قبل سنة بدأت بالظهور إلى العلن الشخصيات الرئيسة في هيئة تحرير الشام التي تسلمت السلطة في دمشق، بل يصحّ القول إن هذه الشخصيات غزت بكثافة غير مسبوقة عالم السوشيال ميديا. كانت لحظة اكتشاف بالنسبة لمعظم السوريين الذين لا يعرفون الكثير، أو حتى القليل، عن هؤلاء الجهاديين. بل إن الكثير منهم كانوا يضعون الهيئة في موقع الخصم، سواء أكانوا من أنصار الثورة على الأسد، أو من الفئات الصامتة، وصولاً إلى الخاضعين لحكم الهيئة في إدلب التي شهدت انتفاضة ضدها في ربيع عام 2024.
إنهم يشبهوننا. هذا ما راح يُقال عن رجال الهيئة، ثم عن النساء القلائل اللواتي ظهرن إلى جانبهم. كانت الرسالة واضحة، فالقول “إنهم يشبهوننا” ينطوي على التبرؤ من قادة العهد البائد الذين “لا يشبهوننا”. لكن هذا لا يمنع الانتباه إلى رسالة أخرى، ينطوي عليها تأكيد خصوم الهيئة في الأمس على شبه اليوم، مفادها اكتشافهم أن قادتها بشر كالآخرين، وليسوا وحوشاً كما صوّرتها لهم خيالاتهم. التأكيد على “أنهم يشبهوننا” كانت وظيفته أن يقنعوا أنفسهم أولاً، وأن يعيدوا تموضعهم السياسي تحت هذه اليافطة الآتية من خارج عالم السياسة.
لم يكترث أصحاب هذه المقولة بأنها تنتمي إلى أشدّ أنواع الفكر السياسي رثاثة وانحطاطاً، فتقسيم البشر على أساس الشبه لطالما استخدمته الفاشيات، ووصل القاع الإنساني مع النازية. على صعيد الشكل، يصعب القول بنموذج جسدي (عِرقي) لبلد متوسطي مثل سوريا، فالمنطقة عبر تاريخها شهدت اختلاطاً وتمازجاً جعل لأبنائها طيفاً واسعاً من السحنات المختلفة والمتباينة. بهذا المعنى، مَن يشبه فئة ما (إذا صحّ الشبه) فهو قطعاً لا يشبه على الإطلاق (أو بتدرجات) فئات أخرى واسعة من السوريين.
وفيما يخص نمط العيش، بعيداً عن السياسة مؤقتاً، فمن المؤكد أن نمط عيش بشار الأسد وثلته لم يكن يشبه نمط عيش معظم السوريين، سواء من الثائرين عليه أو الموالين له. فهو لا يشبههم لأنه يعيش كوريث سلطة وثروات، قبل الخوض في جرائمه، إلا أن سحنته وسحنة زوجته، الحمصية الأصل، تشبهان الكثير من السوريين والسوريات. وإذا كان هناك من يتوهم فرز أنواع السحنات على أساس طائفي فإن الواقع يكذّبه، وأية جولة على أبناء وبنات أي مذهب في سوريا كفيلة بتبيان التنوع ضمنه المذهب الواحد.
لقد كان القول “إنهم يشبهوننا” بمثابة اقتراع شعبوي لصالح السلطة الجديدة، هكذا توهّم أصحابه. أما مقاربة وقائع السنة الماضية فتفيد بالعكس تماماً، ونعني به أن هؤلاء وآخرون انضموا إليهم لاحقاً هم الذي يشبهونهم. وبالعودة إلى الوراء، فالحق أن الأسد وسلطته لم يكونا يشبهان عموم السوريين بالمعنى التمثيلي الديموقراطي، لكن قوة السلطة وجاذبيتها دفعت بالملايين كي تتشبّه به وبسلطته. لدينا مثال شديد البروز عن مئات آلاف الشبان الذين تشبّهوا يوماً بباسل الأسد على صعيد الشكل، عندما كان يسوَّق كوريث متعدد المواهب، وبعد التذكير بذلك لا بأس بالانتباه إلى عدم وجود شبه بارز بين سحنة باسل وسحنة شقيقه بشار.
ما يفعله الاستبداد، أعمق من الأمثلة الشكلانية، هو حرمان الخاضعين له من الانتظام حول توجهات متشابهة، أي أنه يمنع فعلياً اجتماع المتشابهين ومن ثم المختلفين، لتبقى السلطة هي المركز والمعيار الوحيد. أي أن الخاضعين للاستبداد هم الذين يتمثّلون السلطة، لا هي التي “تشبههم” أو تمثّلهم. بتعبير مبسّط، هم الذين يشبهون السلطة، لا العكس.
ولا تندر المغالاة في التشبّه بالسلطة. فقد رأينا على سبيل المثال موالين لسلطة الأسد أكثر تطرفاً منها، حتى في نزوعها الإجرامي الإبادي، ليشبهوا السلطة أكثر مما تشبه ذاتها! بل إن واحدة من أدوات السلطة هم أولئك الذين يُظهرون تطرّفاً بالشبه بها أعلى منها، لتبدو بالمقارنة معهم أشدّ اعتدالاً ورأفة بالمختلفين معها؛ هي أداة ترهيب بالمغزى المباشر، وأداة تطويع على المدى الأبعد.
واحد من النجاحات الخطيرة لحقبة الأسد نراه في قابلية السوريين للتطويع والتكيّف مع السلطة، هذه المرونة أتت أولاً تحت طائلة العنف المباشر أو الرمزي خلال عقود من حكم الأسد، ثم حصل شيء مشابه من الهندسة الاجتماعية في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، ومنها إدلب التي فرضت فيها هيئة تحرير الشام نموذجاً اجتماعياً على النساء مخالفاً ما كان معروفاً وسائداً منذ ما قبل حكم الأسد. وقد شهدنا خلال السنة الماضية نوعين من التطويع فيما يخص النساء، الأول هو الحجاب الذي يبدو طوعياً في العديد من الأنحاء، وإن كان مسنوداً بحملات لترويجه هو والنقاب من جهات قريبة من السلطة. والثاني قسري، حيث راح الحجاب ينتشر في بعض الأوساط كنوع من التقية وتفادي الخطر، خصوصاً لإخفاء المنبت المذهبي لدى نساء غير سنّيّات. والتجلي الأفظع لمعنى الإكراه ظهورُ تسجيلات لنساء مختطفات، علويات ودرزيات، محجبات لدى الخاطفين بخلاف ما اعتدن عليه.
الأمر بمجمله لا يتوقف عند النساء، وإن دفعن عادة أثماناً خاصة بهن. فقول “إنهم يشبهوننا”، والسير عملياً وراء “التشبّه بهم”، سارا على قدمين وساقين طوال الوقت. ولقد عايشنا على نحو خاص فئات كانت تناصب الإسلاميين العداء، ثم لم تكتفِ بالتراجع عن العداء القديم، بل صارت هذه الفئات من أشدّ المدافعين عن أخطاء السلطة الحالية، بما فيها الأخطاء التفصيلية الصغيرة التي يتراجع ويعتذر عنها أشخاص في السلطة نفسها. في مثال طازج، تراجعت واعتذرت جريدة الثورة الحكومية عن نشر كاريكاتير يُظهر المطالبين بدولة مدنية وبالشفافية على أنهم فئران أو جرذان خارجين من تمثال الأسد.
لدى السوريين إرث قريب يتعلق بهذا النوع من النعوت، ففي مستهل الثورة وصف الأسد معارضيه بالجراثيم وبأوصاف أخرى مشابهة تنزع عنهم صفة البشر. إلا أن تراجع واعتذار الجريدة لم يرضيا المتشبّهين الجدد بالسلطة، فراحوا يبررون للرسم بأنه يقصد أعوان الأسد الذين تحوّلوا للمطالبة بدولة مدنية وشفافية. هؤلاء أنفسهم واجهوا المعترضين على استخدام الشرع، ضمن خطاب من على منبر الجامع الأموي، عبارة: “أيها السوريون، أطيعونا ما أطعنا الله فيكم”. المعترضون انطلقوا من رفض استخدام تعابير الطاعة في الحقل السياسي المعاصر، وأطرف ما قوبلوا به هو أنهم لا يفهمون هذه اللغة التي استخدمها فيما مضى الخليفة الراشدي الأول، لأنهم اعتادوا على أفكار بعيدة عن الواقع. هكذا، من وجهة نظر المبرّرين، يصبح زمن الخلافة الراشدية أقرب من زمن مقولات الحرية والديموقراطية.
ولن يكون مفاجئاً أن يبرر هؤلاء أنفسهم لما يُثار حول منع الآلات الموسيقية، المعازف تحديداً، وهذه الآلات غابت عن جداول التعرفة الجمركية الخاصة بالاستيراد. قيل إن إلغاء حفلة مالك الجندلي، في ساحة الساعة في حمص لمناسبة ذكرى سقوط الأسد، كان بسبب وجود آلات العزف. وعلى النقاط الحدودية يُسمح بإخراجها، أما عودتها فرهن بمزاج القائمين على النقاط الحدودية، إذ لا قرار يمنع أو يبيح مصادرة آلات العزف من أصحابها. لكننا بالتأكيد نعلم من أي فرع فقهي أتى تحريم المعازف، والتشدد في استخدام الرق للإيقاع أثناء الإنشاد لا غير، ولن نعدم من يتشبّه بهذه الأرومة الفقهية تزلفاً إلى السلطة الحالية، كي يكون أكثر شبهاً بها مما تشبه هي نفسها.
لم يكن مفاجئاً، ولن يكون، أن يؤول سريعاً قولُ “إنهم يشبهوننا” إلى العكس؛ أي إلى التشبّه بهم، بما يعنيه ذلك من التماهي مع السلطة، ومن ثم معاداة الاختلاف، ومعاداة الحرية ضمناً بوصفها اختلافاً. وما تجدر ملاحظته أن المتشبِّهين الجدد لم يأخذوا عبرةً من أسلافهم، فضلاً عن انضمام الأسلاف إليهم، ونعني بالعبرة أن الأشباه لا يحرسون السلطة من ذاتها.
المدن
————————
ما حدث وما لم يحدُث في احتفالات سورية/ محمود الريماوي
13 ديسمبر 2025
تصادف وجود كاتب هذه السطور في بحر الأسبوع الماضي، في العاصمة السورية، مع الاحتفالات بالذكرى الأولى للتغيير، والتي امتدّت يومَيْن، وشملت مدناً أخرى إضافة إلى دمشق، ليس بينها السويداء (جنوباً)، ولا الحسكة والرقّة والقامشلي (شمال شرقي البلاد)، بناءً على قرار “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بمنع الاحتفالات في المدن الثلاث الأخيرة. وقد ظهرت الاحتفالات على قدر من البساطة والسيولة، باستثناء العروض العسكرية المهمّة للجيش السوري الجديد، التي دلّت على إنجاز كبير للمؤسّسة العسكرية. وكان قد سبق ذلك عرضٌ لسيارات عصرية للشرطة السورية ضمن ما أُطلق عليه “الهُويَّة البصرية الجديدة” لوزارة الداخلية. وقد أُعيد إصدار صحيفة الثورة ورقياً وإلكترونياً باسم “الثورة السورية”، وقد جاءت على قدر من الجودة التقنية ومن زخم الموضوعات التحليلية المنشورة، لكنّها خلت للأسف من الأخبار، وهذه عماد الخدمة الصحافية. وبينما اتسمت الاحتفالات بمواكب شعبية سيّارة، وبحشد من الرايات الوطنية، العلم السوري بنجماته الثلاث، فقد لوحظ أن بعض المواكب قد رفعت راية هيئة تحرير الشام، وهو أمر مُستغرَب لأن الهيئة قد حُلَّت واندمج أفرادها في الجيش الوطني الجديد، ولعلّ ذلك ناجم عمّا سبق أن سمّاه وزير الدفاع مرهف أبو قصرة بالحاجة إلى مزيد من الانضباط.
كان يُؤمَل أن تتخذ الاحتفالات طابعاً سياسياً بخطابٍ رئاسيٍّ يحدّد ملامح المرحلة المقبلة، ويشدّد على وحدة البلاد والعباد والسيادة الوطنية، في إطار من دولة المواطنة والوحدة الوطنية. وقد استُعيض عن ذلك بخطاب احتفالي تعبوي موجز. وكان من شأن الطابع السياسي للاحتفالات مشاركة رموز من التيارات السياسية والقوى الاجتماعية والمدنية في الاحتفال الرئيس، للتدليل على أن النظام الجديد يأتلف، بالمعنى الواسع للتعبير، مع أوسع طيف من القوى السياسية والفكرية والاجتماعية في البلاد، وهو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة الانتقالية شديدة الأهمية، لكن ذلك لم يحدُث. وقد لوحظت مشاركةٌ واسعةٌ للنساء وللشبّان في العاصمة، ورغم وقوع إصابات نتيجة التزاحم والتدافع، لم تُسجّل مشكلات خطيرة. وتمثّلت المشكلات الآنية في انقطاع المواصلات العامّة، واضطرار المشاركين للذهاب إلى أعمالهم والعودة منها سيراً على الأقدام (في بلد مجاور مثل تركيا، تحافظ المواصلات العامّة في المناسبات الوطنية على انتظام عملها، وتُعيّد الجمهور بتمكينه من استخدامها بالمجّان). وقد اشتكى مواطنون من كثرة الدرّاجات النارية التي يقودها سائقوها الشبّان باندفاع كبير وبطريقة لولبية، ما ينطوي على مجازفة بسلامة المارّة والسائقين أنفسهم. غير أن قدرة السوريين على التكيّف مع الظروف والمفاجآت الصعبة كانت لافتة.
ومن بين المشاهد العديدة المفعمة بعاطفة جيّاشة، لاحظ الكاتب تجمهر أشخاص كثيرين حول صور لأحبّائهم الشهداء، ملصقة على جدار مسجد كبير يقع في حيّ الميدان. وغير بعيد من المكان، وفي حديقة عامّة صغيرة، كان أبٌ مكلوم يوزّع أطباقاً من الحليب المطبوخ بالنشاء على روح ابنه الشاب الشهيد، وذلك بعد التحرّر من نظام آل الأسد، الذي كان يمنع عائلة مكلومة من استذكار ابنها الشهيد.
في دول عديدة، يقترن الاحتفال بالمناسبات الوطنية باتخاذ قرارات مهمّة ذات منحىً إيجابيٍّ على الجمهور، وتجري إذاعتها في المناسبة. كان كاتب هذه الكلمات يتوقّع أن يقترن الاحتفال بالذكرى الأولى للتغيير (التحرير) بافتتاح مجلس النواب بأعضائه الجدد. ورغم أن الانتخابات التي تمّت من طريق هيئات ناخبة، وليس بالاقتراع المباشر لعموم الناخبين، قد أُنجزت قبل بضعة أسابيع، إلا أنها لم تُستكمل بعد بتعيين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء المجلس (70 عضواً) من أجل سدّ ثغرات التمثيل، وضمان أكبر نسبة من التفويض الشعبي. كان من شأن افتتاح المجلس بهذه المناسبة أن يدلّل على أن سورية دخلت مرحلةً جديدةً، وأن مجلس النواب يمثل باكورة المؤسّسات التمثيلية الوطنية، لكنّ ذلك لم يحدث، حتى إن أخبار المجلس غائبةٌ من الفضاء العام ووسائل الإعلام، على قلّتها، وفي القناعة أن ذلك يدلّ على بطء غير مبرّر.
وفي تفسير أورده بعض الزملاء الصحافيين، كانت السلطات تأمل أن يتم تنفيذ اتفاق 10 مارس مع “قسد”، وأن يُتاح خلال ذلك ملء 19 مقعداً للحسكة والرقّة والقامشلي، لكن تطبيق الاتفاق تعثّر، ولا تبدي الإدارة الذاتية الكردية حماسةً للاندماج في النظام الجديد، ومن ضمنه المؤسّسة العسكرية، وهو ما يفسّره منع “قسد” الجمهور في مناطقها من الاحتفال بالتغيير، ما يثير تساؤلات عديدة حول المنحى السياسي والأمني الذي تعتزم “قسد” أن تتخذه رغم ما تبديه الإدارة الأميركية، راعيتها، من إشارات إيجابية نحو النظام الجديد، ومع المشاركة النوعية النشطة للقوات المسلّحة في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وإذ تتفق الشريحة العريضة من الجمهور على أن النظام الجديد قد أبدى كفاءةً عاليةً وديناميةً مثيرةً للإعجاب في مجال السياسة الخارجية، وكان من آثارها رفع نسبة كبيرة من العقوبات، وبدء واشنطن إجراءات وقف سريان قانون قيصر، ما يثير آمالاً كبيرة، إلا أن التعدّيات الإسرائيلية شبه اليومية تمثّل تحدّياً جسيماً، بما تنطوي عليه من تهديد للسيادة، ومن مخاوف قضم أراضٍ جديدة، ومن محاولات لزعزعة استقرار البلاد. وهو ما يستحقّ أن يتركّز الجهد السياسي والدبلوماسي عليه في المرحلة الراهنة، بعد النجاح في نسج أفضل العلاقات مع دول الإقليم والعالم ومع المراكز الدولية.
الاستباحات الإسرائيلية المُتكرِّرة، التي لم تتوقّف خلال احتفال السوريين بالذكرى الأولى للتغيير، كانت تبثّ رسائلَ مقلقةً لدى شرائح عريضة من الجمهور حول أمن بلدهم واستقراره في الحاضر كما في مقبل الأيام، وبخاصّة مع سعي دولة الاحتلال إلى تمزيق النسيج الوطني والاجتماعي. وفي الظنّ أنه لا حاجة لتكرار عبارات تتحدّث عن عدم قدرة البلاد، في وضعها الراهن، على المجابهة العسكرية مع القوات الغاشمة المُعتدية، فذلك أمر مفهوم ولا يحتاج إلى مزيد بيان. بينما تتمثّل الحاجة في هذه الظروف في تعبئة الموارد السياسية والدبلوماسية من أجل عقد علاقات وثيقة وتفاهمات راسخة مع دول وازنة، مؤدّاها أن التعدّيات الإسرائيلية تحمل تهديداً للمعادلات السياسية والاستراتيجية في المنطقة والإقليم، فوق ما تحمله من مخاطر مباشرة ولاحقة على سورية والسوريين، ما يستلزم بذل جهد متعدّد الأطراف لوقف الرعونة الإسرائيلية الخطيرة ضدّ سورية، كما ضدّ غزّة والضفة الغربية ولبنان.
العربي الجديد
—————————
سوريا… اختبار الدولة لا اختبار السلطة/ محمد الرميحي
13 ديسمبر 2025 م
بعد عام واحد فقط من التغيير الجذري الذي شهدته سوريا، لا يزال السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء: كيف حدث كل هذا بهذه السرعة؟ وكيف أمكن لنظام استمر عقوداً أن ينهار بهذه الكيفية؟ الإجابة البسيطة، وإن كانت قاسية، أن ما صنعه النظام خلال السنوات العشر الأخيرة كان يقود حتمياً إلى هذه النهاية…
ليس خافياً أن السقوط ليس وليد لحظة سياسية خاطفة، بل نتيجة تراكم طويل من الإفقار والدمار وانسداد الأفق، وتآكل شرعية الدولة من داخلها. عندما تتحول الدولة إلى منابر متصارعة، ويغيب القانون، ويُهمَّش المجتمع، وتُدار البلاد بمنطق الغلبة لا بمنطق المؤسسات؛ فإن النتيجة تكون مؤجلة فقط لا ملغاة.
اليوم تقف سوريا في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، ليست لحظة نصر ولا لحظة هزيمة. يرى البعض أن هناك فرصة لبناء دولة مدنية حديثة، تقوم على المواطنة، وعلى القانون لا على السلاح، وعلى الكفاءة لا على الولاء، في حين يقرأ آخرون المشهد بعين القلق، معتبرين أن الفراغ السياسي قد يُملأ بصيغ جديدة من الاستبداد، ولو بأقنعة مختلفة.
ما يلفت النظر أن إبحار السلطة الجديدة خلال هذا العام لم يتم في فراغ إقليمي، بل جرى بمساندة واضحة من جناح الاعتدال العربي، وخصوصاً من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. الفرق الجوهري هنا أن التحالفات هذه المرة صُنعت بحسابات صحيحة، على عكس ما فعله النظام السابق، حين نسج، بقدر كبير من الحماقة السياسية، تحالفات خاطئة عزلته عربياً ودولياً، إلا أن التحالف الصحيح وحده لا يصنع معجزات، لكنه يفتح نوافذ، ويمنح فرصاً، ويقي من الانزلاق الممكن إن اتُّبع الهوى وقُدمت الآيديولوجيا على السوسيولوجيا…
الدولة اليوم ليست آيديولوجيا صلبة، وليست مقراً رئاسياً، بل شبكة معقدة من القضاء المستقل، والإدارة الكفؤة، والاقتصاد المنتج، والتعليم الحديث، وحياد الجيش، وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
الشرع، خلال هذا العام، أظهر مسلكاً سياسياً مختلفاً عن أنماط الحكم السابقة؛ خطاب أقل صدامية، ومحاولات لإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح محدود للنقاش العام حول شكل الدولة المقبلة. هذه إشارات إيجابية إن وُضعت في إطار صحيح، لكنها لا ترقى بعدُ إلى مستوى التحول البنيوي.
التحدي الأول يتمثل في إعادة بناء الثقة. شعب عاش سنوات طويلة في الرعب والخذلان لا يمكن أن يستعيد ثقته بين ليلة وضحاها؛ لأن الثقة تُبنى بالعدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض الضحايا، وطي صفحات الثأر دون طمس الحقيقة. التحدي الثاني اقتصادي بامتياز، فسوريا خرجت من الحرب بجسد اقتصادي منهك، وبنية تحتية مدمرة، وطبقة وسطى شبه غائبة. لا دولة حديثة بلا اقتصاد منتج، ولا إعادة إعمار حقيقية دون بيئة قانونية شفافة، ولا تنمية من دون شراكات إقليمية ودولية مستقرة.
أما التحدي الثالث فهو اجتماعي وثقافي. وهنا تمتلك سوريا ميزة كبرى قلّما يُلتفت إليها بالقدر الكافي، وهي رصيدها الهائل من القوة الناعمة؛ في الثقافة، والفن، والمسرح، والدراما، والموسيقى، والأدب، والتعليم. هذه مخزونات تاريخية عميقة، صنعها سوريون من خلفيات متعددة على مر السنين، كما هو حال النسيج السياسي والاجتماعي نفسه. إعادة توظيف هذه القوة الناعمة في مشروع الدولة الحديثة ليست ترفاً، بل ضرورة؛ لأنها أهدأ وأعمق أداة لترميم الوعي الوطني، وردم الشروخ، وصناعة هوية جامعة تتجاوز منطق الغلبة والهويات الضيقة.
في البعد الإقليمي، تتحرَّك سوريا اليوم في مساحة معقدة من التوازنات. عودتها التدريجية إلى الفضاء العربي تمثل رافعة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، لكنها تظل مرهونة بقدرتها على ضبط سيادتها، وتحديد علاقتها بالقوى التي تمددت خلال سنوات الصراع. هنا يصبح القرار السوري أمام اختبار مزدوج: أن يحسن الإفادة من الدعم العربي، وأن يتجنب الوقوع من جديد في فخ المحاور الصدامية.
بعد عامين من اليوم، كيف يمكن أن ننظر إلى هذه التجربة؟ هناك سيناريو ناضج، يتمثل في انتقال من سلطة الأمر الواقع إلى دولة القانون، عبر دستور توافقي، وانتخابات حقيقية، وإدارة لا تقوم على منطق الغنائم. وهناك سيناريو آخر أكثر قتامة، قوامه إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة مختلفة، مع اختلاف الوجوه وبقاء الجوهر.
ما جرى في سوريا خلال عام واحد هو زلزال سياسي كامل الأركان، لكن الزلازل لا تبني المدن، بل تفتح المجال لإعادة البناء فقط. الفرق بين الدولة الحديثة والدولة الهشّة هو الفرق بين التخطيط والمؤقت، بين المشروع والرغبة، بين القانون والارتجال. سوريا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، ومؤسسات قوية، وليست بحاجة إلى خطابات كبرى، بل إلى سياسات صبورة وطويلة النفس. التجربة لا تُقاس بالشهور، بل بالعقود.
بعد عامين سيبدو المشهد أوضح؛ إما أن تكون سوريا قد وضعت قدمها الأولى على طريق الدولة المدنية الحديثة، أو تكون قد دخلت نفق إعادة إنتاج أزماتها بملامح جديدة. وفي الحالتين، سيكون هذا العام التأسيسي قد كتب الفصل الأهم في مستقبل البلاد. هذه ليست معركة أشخاص، بل معركة نموذج؛ نموذج الدولة التي تحمي مواطنيها لا التي تعيد تدوير الخوف.
آخر الكلام: ينبغي الالتفات إلى القوة الناعمة السورية وأهميتها في بناء الدولة الحديثة.
الشرق الأوسط
———————————–
الدلالات غير السياسية للتجربة السورية/ د. عمرو الشوبكي
13 ديسمبر 2025 م
أثار سقوط نظام بشار الأسد كثيراً من التساؤلات على الساحتين العربية والدولية، واستعاد البعض نظريات المؤامرة لتفسير هذا السقوط السريع، في حين أن قراءة تسلسل الأحداث تقول إن أي تحليل لبنية النظام وحجم الحاضنة الشعبية للمعارضة، والدعم الإقليمي الذي نالته يجعل من سقوطه «مسألة وقت». والحقيقة أن التجربة السورية طرحت قضايا معرفية وقيمية في حاجة إلى التأمل، بعيداً عن الموقف السياسي من النظام الساقط، وذلك بالحديث عن معانٍ ودلالات أكثر رحابة واتساعاً، تتلخص أساساً في قيمتين مهمتين يمثل التأكيد عليهما نقطة بديهية في تحليل أي نظام أو منظومة حكم وإدارة، بصرف النظر عن مساحة الاتفاق والاختلاف معها.
القيمة الأولى – أو المعنى الأول – هي ضرورة مواجهة «نماذج التدليس»، بمعنى أن النظام السابق مثَّل واحداً من النُّظم القليلة التي ادعت صفاتٍ لم تكن لها أي علاقة بطبيعته، ولا بتفاهماته السرية والعلنية مع إسرائيل، فقد ادَّعى الممانعة والمقاومة، في حين أنه كرَّس شرعيته واستمرار حكمه بالتفاهم مع الدولة العبرية، وظل يتعرَّض لضربات متتالية – بعضها كان نتيجة وشايات من داخل النظام – دون أن يرد بطلقة واحدة؛ لأنه كان مشغولاً بقتل شعبه بالبراميل المتفجرة. إننا في العالمين العربي والإسلامي شهدنا نُظُماً واجهت إسرائيل أو ناصبتها العداء – بصرف النظر عن تقييمنا لأدائها أو أجنداتها أو موقف كثيرين منها – مثل نظام عبد الناصر، كما أنَّ عداء صدام حسين والقذافي لإسرائيل مؤكد، وكذلك إيران ومواجهات «حماس» و«حزب الله» مع إسرائيل تندرج في هذا، وقد اختلف مع هذا كثيرون. وهذا بخلاف النظام السوري الذي ادَّعى المقاومة دون أن يعرفها، وأسس منظومة حكم طائفية هدفها قهر السوريين، لا تحرير الجولان ومحاربة إسرائيل.
ومن هنا، لم يكن غريباً أن إسرائيل استهدفت مواقع انتقائية في سوريا، غالبيتها العظمى إيرانية أو لـ«حزب الله»، وتركت جيش الأسد دون مساس؛ لأنه كان جزءاً من التفاهم مع قادته، وعادت واستهدفت ما تبقى من هذا الجيش بعد سقوط النظام، حتى قضت على قدراته؛ لأنها تعرف – فقط – أن النظام الجديد ليس جزءاً من هذه التفاهمات، رغم اعتداله وحرصه على التوقيع على اتفاق أمني «يتقي شر إسرائيل» ولا يؤدي بالضرورة إلى تطبيع العلاقات معها ما دامت تحتل الجولان. ما سقط في سوريا ليس مجرد نظام محل خلاف، إنما التدليس والكذب وادعاء بطولات وهمية، وهو في حد ذاته محاولة لاستعادة قيمة عليا؛ لأنه سيكون مطلوباً من العالم العربي أن يعرف الناس حقيقة كل نظام وتوجهاته، فهناك المعتدلون الذين يحاولون استعادة الحقوق بالأدوات والضغوط السياسية، وهناك المتشددون الذين يحاولون استعادة الحقوق بالقوة والسلاح، وكلاهما واضح، ولكن سقوط المدلسين يمثل قيمة حقيقية في صالح تقدم العالم العربي.
أما القيمة الأخرى، فهي تتعلق بالإيمان بقيمة «التغيُّر»، وأن خيارات الناس والقادة تتحول وتراجع نفسها وخطابها، فلا يمكن التعامل مع تفكير القيادة السورية الجديدة على أنه نفسه لم يتغير منذ أن حملوا السلاح منذ 10 سنوات، فبالقطع تغيروا حين اكتشفوا بعد وصولهم للسلطة – بل وقبله – أن العالم أكثر تعقيداً مما رأته «جبهة النصرة» من أن من تحكمه هي «قوى شريرة» ممثلة في أميركا وإسرائيل، في حين أن هذا العالم صار أكثر تعقيداً من الثنائيات المبسطة التي رفعتها الفصائل الإسلامية، وصار يمكن اختراقه كما حدث في العلاقة الناشئة بين سوريا الجديدة وأميركا، كما أن الخطاب الجديد الذي تطرحه القيادة السورية الجديدة تجاه العالم وأميركا وإسرائيل والقوى الدولية عكس تغيراً حقيقياً وجوهرياً في بنية هذا الخطاب، مقارنةً بما كان يقوله هؤلاء القادة أنفسهم منذ سنوات قليلة. لا شك أن التحول والتغير ومراجعة الأفكار والتوجهات صفة إنسانية طبيعية؛ بل وجزء من الفطرة السليمة مطلوب اعتمادها كمادة أساسية للتحليل السياسي.
ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من قراءة هذا التغير الواضح والمعلن بشكل نقدي. النقاش والاتفاق والاختلاف حول ما يجري في سوريا، بعد عام على سقوط النظام، يجب ألا يلغي الإيمان بقيمتين أساسيتين: رفض التدليس، والإيمان بالتغيير ومراجعة الأفكار
الشرق الأوسط
———————————
2026 عام ترسيخ الدولة وبناء السلم الأهلي/ سونير طالب
2025.12.13
مع اقتراب العام 2026، تبدو سوريا أمام لحظة فارقة لا تشبه ما سبقها، لحظة تستدعي قدراً استثنائياً من الوعي والمسؤولية بعد عام على انتهاء الحقبة الأشد ظلاماً وسقوط النظام البائد بكل رموزه وممارساته. فقد أتاح التحرير للسوريين فرصة نادرة لإعادة النظر في مفهوم الدولة التي يطمحون إليها، دولة لا يُعاد بناؤها بوصفها جهازاً إدارياً فقط، بل باعتبارها صيغة للعيش المشترك، ومؤسسة للكرامة الإنسانية، وإطاراً يعيد للمواطن موقعه الطبيعي في صناعة مصيره. وفي هذا السياق يدخل العام القادم باعتباره إطاراً استراتيجياً للحسم، عاماً يجب أن يُترجم التحول التاريخي من منطق الصراع إلى منطق البناء، ومن استعادة الأرض إلى استعادة المؤسسات، ومن الاحتفال بالحرية إلى هندسة بنيتها العميقة.
يبدأ هذا المسار من إعادة ترميم العقد الاجتماعي الذي مزقته عقود الاستبداد والمنظومات الأمنية، حيث تخلل النسيج الوطني خوفٌ تراكم حتى أصبح ثقافة، وتوزعت الثقة بين الهويات الفرعية بعدما عمل النظام البائد على تهشيم فكرة المواطنة ذاتها. وهنا، يصبح المجتمع المدني أمام مسؤولية لا يمكن لأي جهة أخرى أن تنهض بها: إعادة بناء الثقة بين السوريين، وتعزيز قدرتهم على صياغة هوية وطنية جامعة تتجاوز الجغرافيا والانتماءات الأولية، وتعيد تعريف سوريا بوصفها وطناً واحداً لا مجموعة مناطق متباعدة تبحث عن خلاص منفصل. وفي هذا المسار يتقاطع العمل الحقوقي مع العمل الثقافي والاجتماعي في شبكة واحدة من الجهود التي تقودها منظمات المجتمع المدني، لتضع الأساس الثقافي لإنهاء الانقسام الذي حاول النظام تكريسه لعقود.
ومع إعادة الاعتبار للهوية الوطنية، يبرز الدور الحاسم للعدالة الانتقالية باعتبارها الشرط الأخلاقي والسياسي لأي سلام مستدام. فالبلاد لا يمكن أن تبني مستقبلها على أرضية تتجاهل آلام الماضي أو تقفز فوقها، ولا يمكن لشعب قدّم هذا الكم الهائل من التضحيات أن يقبل بتسويات تُسقط حقوق الضحايا أو تُلمّع إرث الانتهاكات. العدالة الانتقالية هنا ليست مطلباً حقوقياً فحسب، بل هي نواة إعادة الشرعية للمؤسسات، وبوصلة تمنع انحراف الدولة المقبلة نحو أشكال جديدة من القمع. إنها العملية التي تربط الاعتراف بالحدث، بالمحاسبة، بجبر الضرر، بمصالحة وطنية واعية لا تستبدل الذاكرة بالنسيان، بل تُعيد صياغة الوعي الجمعي على أساس الحقيقة والمسؤولية.
وإذا كان البناء السياسي والأخلاقي يشكل الإطار العلوي للمرحلة القادمة، فإن البعد الاقتصادي يشكل قاعدتها الصلبة. فاستمرار السوريين في دورة الإغاثة لن يصنع دولة، ولن يمنح المجتمع القدرة على الصمود في وجه الأزمات المقبلة. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى اقتصاد الإنتاج ضرورة وطنية، لا خياراً تنموياً فقط. وتتمثل الخطوة الأولى في تمكين الفئات الأكثر هشاشة عبر مشاريع قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، وإحياء سلاسل الإنتاج الزراعية والصناعية التي تضررت بفعل الحرب، وتعزيز دور القطاع الخاص المحلي ضمن بيئة قانونية واضحة تحمي الاستثمار وتمنع الاحتكار، مع توجيه الجهود الدولية نحو مشاريع طويلة الأمد تعالج جذور الفقر لا أعراضه. وفي هذا السياق، يعود المجتمع المدني بوصفه جسراً بين المجتمعات والقطاعين العام والخاص، حاملاً المبادرات التي تجمع الموارد والخبرات وتحوّلها إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.
وإعادة تشكيل الدولة في مرحلة ما بعد التحرير لا يمكن أن تنفصل عن إعادة بناء مؤسساتها. فالدولة السورية الجديدة تحتاج إلى جهاز إداري نظيف وشفاف، وإلى قضاء مستقل لا يُستخدم أداة للصراع السياسي، وإلى مجالس محلية قوية تتفاعل مع الناس بوصفهم شركاء لا رعايا. وهنا تتجلى الشراكة الطبيعية بين المجتمع المدني والدولة، فالأول يقدّم الخبرة الفنية والمعرفية، والثانية تقدّم الشرعية والسلطة التنفيذية. ومعاً يشكلان الإطار الوحيد القادر على منع عودة الفساد، وضمان ألا تتحول أجواء الانفتاح إلى بوابة لولادة استبداد جديد بأسماء مختلفة.
ولا يقلّ البعد الدولي أهمية عن الداخل، فالقضية السورية لم تعد ملفاً محلياً، بل أصبحت جزءاً من نقاشات أوسع حول الشرعية، والعدالة، واستقرار الإقليم. ومن الضروري أن يطوّر المجتمع المدني السوري دبلوماسيته الخاصة، القادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي، وبناء تحالفات فعالة تحمي مسار التحول الديمقراطي، وتمنع أي محاولة لإعادة تدوير النظام البائد تحت مسميات سياسية جديدة. كما يظل ملف اللاجئين حاضراً بقوة، بوصفه أحد أعقد القضايا التي تحتاج إلى معالجة عادلة، تضمن حق العودة الطوعية الآمنة، وتمنع أي شكل من أشكال الضغط أو الإكراه أو المقايضة السياسية على حساب حقوق الإنسان الأساسية.
ومع دخول سوريا مرحلة البناء، لا يمكن تجاهل الحاجة إلى استكمال وحدتها الوطنية بكل مكوناتها. فالمجتمع السوري يتطلع إلى اليوم الذي تعود فيه السويداء والحسكة إلى الإطار الوطني الكامل، لتكتمل خريطة الدولة وتستقر مؤسساتها ضمن مظلة واحدة. وليس هذا طموحاً سياسياً مجرداً، بل حاجة تاريخية لضمان ألا تتكرر الانقسامات التي هندسها النظام السابق واستثمر فيها.
إن عام 2026 ليس عاماً عادياً في مسيرة السوريين. إنه عام التحول من الثورة إلى الدولة، ومن التضحيات إلى المؤسسات، ومن الألم إلى الرؤية، ومن الفوضى إلى البناء المنهجي القائم على قيم العدالة والكرامة والحرية. لقد منح السوريون العالم درساً عظيماً في الصمود، والآن حان الوقت ليمنحوا وطنهم درساً أعظم في القدرة على البناء. لقد استعاد السوريون بلدهم… ويبقى أن يستعيدوا مستقبلهم.
————————–
مظلوم عبدي: اتفاق 10 آذار أساس سوريا الجديدة ودمج “قسد” في الجيش يحتاج لتغييرات
13 ديسمبر 2025
كشف القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، عن توجهاته للفترة المقبلة، وذلك خلال احتفالية الذكرى السنوية العاشرة لتأسيس “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد).
وأعلن عبدي التزام قواته بـ”اتفاق 10 آذار” كأساسٍ لـ “سوريا الجديدة”، مؤكدًا أن حقوق المكونات السورية جزءٌ من هذه الاتفاقية. وأشار إلى أن دمج “قسد” مع الجيش السوري يشكل مرحلة جديدة تتطلب تغييرات في مؤسساتهم، مشيدًا بالدور المهم لـ”مسد” بوصفها المظلة السياسية للقوات.
وهنأ عبدي الشعب السوري بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، التي وصفها بأنها الخطوة الأولى لتأسيس سوريا الجديدة، نتيجة نضال طويل. وشدد على ضرورة أن تدير المدن مثل الحسكة ودير الزور والرقة شؤونها بنفسها وفق نظام لامركزي، داعيًا إلى ضمان حقوق جميع المكونات ومحاربة خطاب الكراهية.
وأفاد القائد العام لـ”قسد” بوجود “تقدم” في المجالات العسكرية والأمنية، ولاحظ تحسنًا في العلاقة مع الدول المجاورة، قائلًا: “الدول المجاورة لا تعادينا مثل السابق وهناك تغيرات لديهم”.
وسبق أن كشف عبدي، عن تفاصيل جديدة تتعلق بالمسار التفاوضي مع الحكومة السورية والاتصالات الدولية، وذلك في مقابلة مطولة مع وكالة “ميزوبوتاميا”.
وأفاد عبدي أن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، أبلغه بأن اللقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع كان “إيجابيًا”، حيث تمت مناقشة ملف مناطق شمال شرق سوريا و”قسد”. وأشار إلى أن الوفد السوري أظهر لواشنطن إرادة لحل قضية شمال شرقي سوريا، مؤكدًا أن العلاقة مع “قسد” جيدة.
———————–
=======================
تحديث 12 كانون الأول 2025
———————————
سورية في العهد الجديد.. مسار الانتقال إلى الدولة/ محمد حسام حافظ
نشر في 11 كانون الأول/ديسمبر ,2025
تبحث هذه الدراسة في موقع سورية على مسار الانتقال بعد سقوط النظام عام 2024، وتجادل بأن ما انهار لم يكن مؤسسات الدولة، بل النموذج السلطوي الذي هيمن عليها طوال عقود. فعلى الرغم من بقاء الجهاز الإداري قائمًا، ما يزال الانتقال معلّقًا بين شرعية ثورية فقدت قدرتها على إنتاج قواعد عامة، ومشروعية دستورية لم تكتمل بعد. وتقدّم الدراسة قراءة نقدية للإعلان الدستوري الانتقالي لعام 2025، مبيّنة محدوديته في تحويل السلطة الثورية إلى شرعية مؤسسية مستقرة. وتتناول الدراسة إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا سيّما القضاء والقطاع الأمني، حيث بدا أن جهود الإصلاح الراهنة جزئية وهشّة، وأنها غالبًا ما تعيد إنتاج اختلالات المنظومة السابقة. وتبيّن أن هناك غيابًا لمنظومة فعلية للعدالة الانتقالية قادرة على كشف الحقيقة ومساءلة المنتهكين وضمان عدم التكرار، وتشير إلى أنّ وجود هذه التحديات ضمن بيئة جيوسياسية معقّدة يحدُّ من القدرة على استعادة القرار السيادي. وتخلص إلى أن سورية تقف عند لحظة تأسيسية غير مكتملة، وأن مستقبل الدولة مرهونٌ ببلورة إرادة مؤسسية وسياسية قادرة على الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة.
لقراءة المادة كاملة يرجى تحميل الموضوع
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————
سوريا الجديدة بين واشنطن وتل أبيب ودمشق: صفقة الجنوب بين إلغاء قيصر وشرط أمن إسرائيل/ مجدي الحلبي
مجدي الحلبي
12 ديسمبر ,2025
تتشكل في سوريا اليوم معادلة سياسية وأمنية مختلفة جذرياً عما كان في عهد نظام الأسد. لم تعد الساحة السورية مجرد ملف صراع داخلي أو ورقة في يد حلفاء دمشق السابقين، بل أصبحت محور تفاوض غير معلن بين الولايات المتحدة وإسرائيل و«سوريا الجديدة» بقيادة الشرع، حول مستقبل الجنوب، ومعنى السيادة، وحدود ما يُسمح وما لا يُسمح به على جبهة الجولان.
الركيزة الأولى في هذا المشهد هي التحول الأميركي. واشنطن انتقلت من استراتيجية الحصار والعزل الكامل إلى مقاربة مزدوجة: تعاون أمني متصاعد مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وربطه بحافز سياسي واقتصادي مباشر يتمثل في مشروع إلغاء قانون قيصر داخل الكونغرس. هذا الإلغاء لا يُقدَّم كتنازل مجاني، بل كصفقة مشروطة بوضوح: التزام رسمي من دمشق بعدم استخدام الأراضي السورية في أي هجوم على إسرائيل، وضبط نشاط الميليشيات والقوى الحليفة لإيران في الجنوب، وتثبيت حدود آمنة وقابلة للرقابة على خط الجولان.
بهذه الصيغة، يتحول قانون قيصر من أداة عقاب إلى ورقة تفاوض: رفع العقوبات مقابل أمن إسرائيل من جهة، واستعادة الدولة السورية لقدرتها على التنفس اقتصادياً وجذب الاستثمار من جهة أخرى. واشنطن، ومعها عواصم خليجية مؤثرة، ترى أن خلق دولة سورية موحدة مستقرة، مرتبطة اقتصادياً بالمنظومة الإقليمية، هو الطريق الأجدى لتقليص نفوذ إيران وروسيا والصين، وأكثر فاعلية من إبقاء الخراب والفوضى.
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع «سوريا الجديدة» بعين أمنية صرفة. الهاجس الإسرائيلي الأول هو الجنوب: درعا، القنيطرة، ريف دمشق، ومنحدرات جبل الشيخ. هناك إصرار واضح في تل أبيب على منع أي تموضع عسكري يمكن أن يُستغل مستقبلاً ضدها، حتى لو كان تحت راية الجيش السوري الرسمي. لذلك تدفع إسرائيل باتجاه ترتيبات تضمن لها ثلاثة أمور أساسية: عمق أمني أوسع مما نص عليه اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، قدرة مستمرة على مراقبة وضرب أي تهديد محتمل داخل سوريا، وعدم نشوء جيش سوري قوي ومتماسك في الجنوب بعيداً عن السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة.
هنا تحديداً تنكشف فجوة متزايدة بين واشنطن وتل أبيب. الإدارة الأميركية تسعى إلى شريك سوري يمكن التفاهم معه وضبطه بالقانون والعقود والاتفاقات، بينما تميل إسرائيل إلى perpetuation حالة «اللا دولة الكاملة» في الجنوب، التي تسمح لها بهوامش حركة واسعة جواً وبراً. إصرار تل أبيب على فرض صيغة منطقة منزوعة السلاح واسعة من جنوب دمشق حتى الحدود، واحتفاظها بمواقع استراتيجية مشرفة على العمق السوري، يصطدم بتوجه أميركي يُفضِّل عودة الدولة السورية إلى الجنوب تحت رقابة وضمانات، لا تركه فراغاً مفتوحاً.
أما دمشق الجديدة بقيادة الشرع، فتطرح معادلة ثالثة: لا تفريط بالسيادة، ولا عودة إلى فوضى السلاح، مع استعداد لتقديم ضمانات أمنية صريحة. الخطاب السياسي والعسكري الجديد يركز على أن الجيش السوري، بعد إعادة هيكلته، قادر على تولي مسؤولية كاملة عن الحدود، ومنع أي عمل عدائي ضد إسرائيل ينطلق من الأراضي السورية، شرط أن يُسمح للدولة بإعادة بسط سيادتها الفعلية على الجنوب، وأن يُوقف استنزافها بالعقوبات والقصف المتكرر.
بهذا المنطق، تُطرح العودة إلى اتفاق 1974 كإطار قانوني يمكن تحديث آلياته لا مضمونه: مراقبة دولية معززة، قنوات اتصال أمنية واضحة، ومستويات تسليح وانتشار متفق عليها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات، يتوّجه إلغاء قانون قيصر رسمياً عبر الكونغرس، على قاعدة التزام سوري مكتوب بعدم الهجوم على إسرائيل أو السماح باستخدام الأرض السورية لهذا الغرض.
القوة الحقيقية لهذا التحول تكمن في تداخل الملفات: أمن إسرائيل لم يعد منفصلاً عن رفع العقوبات عن دمشق، ومستقبل الجنوب لم يعد شأناً سورياً خالصاً ولا إسرائيلياً صرفاً، بل نقطة توازن بين مشروع دولة تريد أن تقوم من تحت الأنقاض، وقوة إقليمية تريد أماناً مطلقاً على حدودها، وقوة دولية ترى أن استقرار سوريا الجديد هو مدخل لإعادة تشكيل موازين الشرق الأوسط.
هكذا تُرسم خطوط صفقة الجنوب: إلغاء قيصر مقابل تعهد بعدم الهجوم على إسرائيل، اعتراف عملي بسوريا جديدة ذات سيادة مقابل مسؤولية أمنية صارمة، وتفاهم ثلاثي غير معلن يحدد إلى أي حد يمكن أن تكون سوريا دولة كاملة على حدود إسرائيل، بلا حرب، لكن أيضاً بلا سلام مكتمل.
———————————
هل تنسحب تجربة إدلب على عموم سوريا؟/ مصطفى رستم
تحاول الحكومة إعادة هيكلة الإدارة منذ اليوم الأول لتحرير سوريا
الجمعة 12 ديسمبر 2025
خلصت دراسة إلى أن تجربة إدلب أثبتت قدرة الكوادر المحلية على إنشاء هياكل إدارية فعالة في مجال الخدمات والتعليم والقضاء (اندبندنت عربية)
ملخص
خلصت دراسة جديدة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول المؤسسات والحوكمة في سوريا الجديدة بعد عام عن سقوط النظام السابق إلى أن تجربة إدلب أثبتت قدرة الكوادر المحلية على إنشاء هياكل إدارية فعالة في مجال الخدمات والتعليم والقضاء
على الطريق السريع بين دمشق جنوباً إلى حلب شمالاً، لا بد من المرور ببلدات وقرى تتبع إدارياً إلى محافظة إدلب، ولا يمكن للناظر من أن يشيح بعينه عن الركام المتناثر والكتل الأسمنتية المدمرة بفعل الحرب على جانبي الطريق، دمار سببته آلة حرب نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. ومن أكثر المدن دماراً في إدلب والممتدة على ذلك الطريق، خان شيخون ومعرة النعمان وسراقب في الريف الجنوبي، التي عانت ما عانته من هدم وتهجير قسري طاول قاطنيها، لا سيما بعد خروجها عن سيطرة النظام السابق مع بدايات الحراك الشعبي عبر التظاهرات، ومن ثم تحول الثورة إلى العمل العسكري حتى عام 2019، إذ أعاد الأسد سيطرته على تلك المدن الرئيسة عبر ذلك الطريق السريع الذي يصل شمال البلاد بجنوبها، حينها انتقلت مئات آلاف العائلات إلى البلدات والمناطق الحدودية بالمحافظة، وتشكلت هناك حكومة إنقاذ في إدلب ترعى شؤون ما يقارب 3 ملايين شخص.
حكومة لإنقاذ إدلب
يوم الـ28 من فبراير (شباط) عام 2017 يعده السوريون تاريخاً مفصلياً في زمن الثورة، إذ تأسست “هتش” المقصود بها “هيئة تحرير الشام” بعد اندماج جبهة “فتح الشام”، وتعرف سابقاً بجبهة “النصرة: وجبهة “أنصار الدين” و”جيش السنة” و”لواء الحق” و”حركة نور الدين الزنكي”، بعد انتكاسة إعادة سيطرة الأسد على حلب الشرقية بدعم روسي وإيراني. وسرعان ما رتبت الفصائل الثورية المسلحة أوراقها مستفيدة من الهدنة الروسية – التركية، وأخذت الهيئة تدير شؤون إدلب المركز الرئيس للتنظيم، وعملت على إدارة حكم أكثر انفتاحاً تدعمها المساعدات الخارجية التي كانت تصل إليها، بالتوازي مع قربها من تركيا، وعبر معبر باب الهوى الحدودي نشطت تجارة واسعة وازدهر الاقتصاد وتحولت المدن الحدودية، ومنها سرمدا، إلى منطقة تجارية.
في الأثناء، وبعد إعلان تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد قبل عام تدفق سكان المدن والأرياف السورية إلى إدلب، ولا سيما الدانا وسرمدا، وشاهدوا مناطق واقعة تحت سيطرة الثوار حققت قفزات في المستوى المعيشي والاقتصادي، وشعر السوريون المحاصرون بفعل قانون العقوبات “قيصر” في مناطق حكم الأسد بالدهشة، فالطريق المؤدي إلى مدينة الدانا يغص بالورش الصناعية والحرف اليدوية، وأمدت مدينة سرمدا التي انتشرت فيها صالات بيع السيارات الأوروبية والكورية والألمانية المدن السورية كافة بأعداد هائلة من المركبات الحديثة، كما انتشرت المراكز التجارية، علاوة على الاهتمام بالإنتاج الزراعي والحيواني في ريف إدلب.
في السياق، استغرب الصناعي جبران علايا من قدرة إدلب على الصمود على رغم كل الصعوبات، ولا سيما في ما حققته من إنجازات في مجال الصناعة والتجارة غير مسبوقة، مقارنة بالتضييق الذي كان تمارسه سلطة الأسد على التجار والصناعيين، مما دفعهم للهرب خارجاً وفق قوله.
نموذج قيد التطبيق
في غضون ذلك تحاول الحكومة السورية إعادة هيكلة الإدارة منذ اليوم الأول لتحرير سوريا.
وخلصت دراسة جديدة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول المؤسسات والحوكمة في سوريا الجديدة بعد عام عن سقوط النظام السابق إلى أن تجربة إدلب أثبتت قدرة الكوادر المحلية على إنشاء هياكل إدارية فعالة في مجال الخدمات والتعليم والقضاء، لكنها ظلت أسيرة سلطة الأمر الواقع المرتبط بالجماعات المسلحة.
الدراسة الأميركية التي اعتمدت على زيارات ميدانية للباحث آرون واي زيليسن لم تخف النجاحات الملموسة للحكومة في استعادة بعض وظائف الدولة، والعمل على إعادة فتح قنوات دبلوماسية، والسعي إلى فرص استثمارية مع شركاء إقليميين مثل السعودية “لكن حكومة الظل المتغلغلة، ومؤسسات ناشئة موازية تتدخل في شؤون الحكم ما يعوق عمل المؤسسات، ويثير الشكوك حول مركز القرار الفعلي، إضافة إلى الممارسات الاقتصادية الغامضة وغير الشفافة التي تذكر بعهد الفساد السابق”، بحسب وصف الباحث.
ودعت الدراسة إلى ضرورة التعامل ببراغماتية مع الخبرة الإدارية التي نشأت في إدلب وفصل الإدارة عن السلاح، مع وجوب نزع السيطرة العسكرية والفصائلية عن المؤسسات الإدارية والخدمية لضمان استقلاليتها وشفافيتها، وحذرت من فشل القيادة الجديدة في معالجة مسألة شرعية المؤسسات وإعادة دمجها، مما سيؤدي إلى استمرار حال التشظي المجتمعي والإداري.
قصور التجربة
وكانت تجربة إدارة إدلب بدأت عبر حكومة الإنقاذ، في وقت كانت سوريا مقسمة إلى مناطق سيطرة متعددة وفق قوى الأمر.
وتحدث السياسي السوري طلال عبدالله جاسم السهو عن أن حكومة الإنقاذ بدأت بعمل مؤسساتي لاستيعاب السكان والمهجرين، وتقديم الخدمات وخلق نشاط اقتصادي عام، مستفيدة من مساعدات غربية بهدف الحد من الهجرة نحو تركيا، وكانت بالفعل من أفضل تجارب الحكم (المناطقي)، “لكنها لا تقدم نموذجاً لبناء دولة دمر ماضيها وحاضرها”، وفي مقابل هذا الوضع، لا يرى السياسي السوري السهو “أن تجربة إدلب تصلح كتجربة لبناء دولة بحجم سوريا، ومنها صغر حجم الاقتصاد، إذ إن اقتصاد حكومة الإنقاذ لم يتجاوز اثنين في المئة من اقتصاد سوريا، واقتصاد إدلب لا يقترب من 10 في المئة من اقتصاد حلب أو دمشق”، لافتاً الانتباه إلى خطر هدم البنى القائمة، وقال إن “هدم المؤسسات القائمة يدخل البلاد في ارتباك طويل، كما حدث في ليبيا والعراق والصومال وأفغانستان ودول أخرى خرجت من صراع مرير وطويل، والأفضل التطوير التدريجي ودمج الجديد بالقديم من دون انهيار مؤسساتي”.
وثمة ما يمكن الاستفادة منه بتجربة إدلب جزئياً في بعض القطاعات وبصورة منضبطة، لكنها ليست نموذجاً قابلاً للتطبيق على مستوى الدولة السورية ككل وفق ما أكد السياسي السوري، عازياً الأمر “إلى عدد من العوامل منها غياب منصب رئيس مجلس الوزراء الذي أحدث غيابه خللاً بنيوياً كبيراً، إذ تعتمد البنى القانونية على قرارات مجلس الوزراء واللجنة الاقتصادية، كما أن التنسيق بين الوزارات أصبح محدوداً، وأيضاً غياب بنى قانونية تنظم الصلاحيات المستجدة للوزراء في غياب رئاسة الوزراء واللجنة الاقتصادية”، وتابع “أيضاً تعدد الهيئات التابعة لرئيس الجمهورية، وإنشاء عدد كبير من الهيئات خارج الرقابة الحكومية خلق غموضاً كبيراً في آليات عملها وإدارتها ومراقبتها، مع غياب إطار قانوني واضح لتنظيمها في ظل غياب توجه اقتصادي واجتماعي واضح للدولة، لا توجد حتى الآن خطط أو استراتيجيات أو أطر تحدد المسار الاقتصادي والاجتماعي للدولة”.
سلم الرواتب
وسط هذه الأجواء، يحاول السوريون، لا سيما في القطاع الحكومي، الاعتياد على طريقة جديدة بالإدارة في مؤسساتهم في ظل تسريح بعض الوزارات عدداً من الموظفين بحجة تنفيذ إصلاح إداري واسع، كما أن هناك حديثاً عن إرغام موظفين قدامى على تقديم استقالاتهم، وعن فروقات كبيرة بينهم وبين موظفين جدد.
في المحصلة، تحاول الحكومة رفع أجور العاملين بصورة تعزز القدرة الشرائية لليرة السورية التي عانت طوال فترة الحرب الانهيار، واستقرت اليوم عند حدود 12 ألفاً في مقابل الدولار، ولهذا شهد سلم رواتب الموظفين بالقطاع العام ارتفاعاً في شهر يونيو (حزيران) الماضي وصلت نسبته 200 في المئة، لكن هذه الزيادة تبقى غير كافية أمام ارتفاع الأسعار وإيجارات الشقق السكنية والمواد الاستهلاكية والغذائية.
وجزم السياسي السهو بوجود خلل بنيوي عميق في سلاسل الرواتب والأجور، إضافة إلى وجود عشرات الآلاف من المعينين حديثاً، من عسكريين وأمن عام وموظفين مدنيين، من دون أسس قانونية موحدة للتعيين أو الأجور أو المؤهلات.
———————————
صعوبة استقبال الجديد في سوريا/ رضوان السيد
12 ديسمبر 2025 م
في الذكرى السنوية الأولى لسقوط حكم آل الأسد، يتحير أحمد الشرع، رئيس سوريا الجديد، من أين يبدأ. هو يحاول التسهيل على الناس بالتركيز على عنوانين: النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار. والعنوان الآخر: عودة سوريا إلى العالم العربي والمجتمع الدولي. وقد نجح في العنوان الثاني، ولا يزال العنوان الأول ينتظر؛ لأنه الأصعب، والأبطأ، والأكبر تكلفة.
لكنه في رحلاته الأخيرة إلى أميركا وقطر، ثم في خطابه الشامل بدمشق، عدَّد العناوين كثيراً كأنما كان مضطراً إلى تقديم كشف حساب للسوريين بعد عامٍ مرَّ بسرعة البرق، وعهدٍ استمر أكثر من 50 سنة كان شعاره: «الأسد إلى الأبد أو نخرب البلد»!
لديه المشكلة الكردية، ومشكلة السويداء، وكلٌ من المشكلتين يحتاج فيهما إلى مساعدة الإقليم وأميركا. وهما مشكلتان خطيرتان؛ لأنهما تتعلقان بوحدة الأرض السورية ووحدة الشعب.
لكن ما ذكر الشرعُ المهجَّرين الذين عاد منهم أكثرُ من مليون من تركيا والأردن ولبنان. وهذا نجاحٌ كبير له لا ندري لماذا نسيه، فالعودة تعني سقوط الخوف، وتغلُّب حُبّ الوطن على كل المشكلات والمصاعب… لكنه ملفٌ متصلٌ بإعادة الإعمار، فنصف العائدين لا يملكون منازل صالحة للسكن، فضلاً عن عدم توافُر المدارس والكهرباء والتجهيزات الصحية. ولذلك؛ فقد يحدث النهوض الاقتصادي، ويظلُّ الحديثُ عن إعادة الإعمار لسنواتٍ وسنواتٍ مقبلة.
لسنا نحن في لبنان فقط، بل في كل مواطن اللجوء، مثل ألمانيا والولايات المتحدة وتركيا، هناك ثناءٌ جمٌّ على قدرة السوريين على التأقلم مع المحيط، وابتداع وسائل للعيش كأنما هم باقون للأبد! وإذا كانوا قادرين على التواؤم في الخارج؛ فمن باب أَولى أن يتواءموا في محيطهم القريب ومواطنهم الأصلية، فيساعدوا أنفسهم، ويساعدوا حكومتهم الجديدة التي تستقبل ولا تطرد مواطنيها!
وهناك الملفّ الأصعب مما ذكرناه؛ لأنه ملفُّ أُلفةٍ وملفُّ مشاعر، وملفّ جوار، وملفّ مصالح. ولا أقصد بذلك العدوانَ الإسرائيلي المستمر بالطائرات والمسيّرات والمدفعية؛ بل أقصد الحنقَ العراقي واللبناني من الأوضاع المتغيرة في سوريا… فالشيعة والمسيحيون بالعراق ولبنان لا يتحدثون بصراحةٍ عن الكثرة السُّنية التي عاد ممثلوها إلى السلطة بعد أن اختفوا منذ عام 1963! هم يتحدثون عن أصول أحمد الشرع المتشددة، وعن الطابع المحافظ الذي ينشره، وعن كثرة زياراته الجامعَ الأُموي. الأميركيون والعرب على وعيٍ واضحٍ بالمعنى الأكثري للسلطة الجديدة، لكنهم لا يخشون من الأكثرية، بل يريدون إحلالها، كما أنهم لا يخافون من الإرهاب الذين كان الأميركيون والسعوديون هم أكبر أعدائه، ولا يزالون. فلماذا هذا الخوف من جانب الأقليات من حكمٍ يصرّح كل الوقت بأنه معنيٌّ بإنقاذ الداخل وليس له أي تطلع نحو الخارج، وهو معنيٌّ ليس فقط بحماية الأقليات، بل وبحقوق المواطنة بغضّ النظر عن الدين والعرق؟ مرةً، كما سبق القول، يتحدثون عن أصول الشرع، ومرة يشكُون من إخراج كل ميليشيات إيران، وهم منهم، من سوريا. أما المسيحيون، فليس هناك تعليل يمكن تبيان جوهره وأسبابه العميقة. تظاهر لبنانيون وسوريون ابتهاجاً بسقوط الأسد، فهاجمهم على «حفافيّ» صيدا شبانٌ شيعة، فاعتُدي على متظاهري صيدا المسالمين، ولم يهتم أحدٌ بردع المهاجمين من حارة صيدا!
فالذي يبدو أنّ الطرفين خائفان من عودة النفوذ السوري، ومتوجسان أيضاً من أن يستفيد السُّنّة في لبنان من وهج عودة الاعتبار إلى الأكثرية السنية بالمنطقة… وهذا وهمٌ بالطبع، لكنه يدل على أنّ «تحالف الأقليات» الذي ظهر أيام «عون الأول» كانت له قاعدةٌ فعليةٌ في الوعي والتصرف. الأصوليون السُّنة والشيعة الآن من الناحية السياسية، وحتى الدينية، لا علاقة لهم بالشرع والشارع السنّي، بل هم حلفاء إيران و«حماس» و«حزب الله». هكذا هي المشاعر، لكن هذه هي أيضاً المصالح. وصعبٌ الآن أن يتأقلم الشيعة الحاكمون بالعراق، و«الثنائي الشيعي» في لبنان، مع الوضع الجديد في سوريا؛ لأنهم فقدوا ساحةَ نفوذٍ مهمة كانوا مسيطرين فيها على حساب الشعب السوري، والانتشارَ داخل أرض سوريا العربية.
في الذكرى الأولى لسقوط الأسد الابن، ومعه النظام القديم كلّه، استعرض الشرع قواته العسكرية والأمنية التي كانت تدقّ بأقدامها أرجاء «ساحة الأُمويين» بين حشود المتظاهرين. بعض السلاح الثقيل الذي جرى الاستعراض به ليس من إدلب فقط، وليس من بقايا سلاح كتائب الأسد فقط؛ بل من تركيا أيضاً. وصحيح أنّ الأميركيين والسعوديين والأتراك هم الذين يحتضنون الشرع، لكنّ النظام الجديد حاول إقامة توازُنٍ حتى مع روسيا والصين، فضلاً عن الاستماتة في إرضاء العراقيين واللبنانيين. ينبغي عدم الاستغراب من هذا التوجس، حتى من جانب إسرائيل، ممن يسيطر في دمشق… فلطالما كانت دمشق قلب المشرق العربي، والشرع يطمح إلى استعادة ذلك؛ وبنهجٍ مختلفٍ عن نهج «البعث» المعروف. فلماذا لا خوف من التدخلات والميليشيات المسلحة، والخوف من الجمهور السوري المستبشر بعودة دولته الوطنية
الشرق الأوسط
————————-
الآلام النفسية السورية/ ممدوح المهيني
12 ديسمبر 2025 م
صورة الطفل السوري الغارق آلان كردي هزّت العالم في وقتها. لا بد أن تتساءل بعد أن تشاهدها: لماذا يموت هذا الملاك الصغير بهذه الطريقة؟ منكبّاً على وجهه المنغمس في رمال البحر الباردة. ثم رأينا بعد ذلك الطفل عمران وهو مصاب بالفزع من القصف والدماء تلطّخ وجهه. هذه الأحداث تجعلك تشكّك بجدوى ومنطقيّة الحياة. ولكن العدالة أخذت – بفضل الله – مجراها في النهاية. هؤلاء الأطفال في بلدهم، والأسد منفيٌّ وهارب، ومعزول في شقّته الفاخرة.
عندما روى بعض هؤلاء الصغار المُعذَّبين قصصهم في احتفال سقوط الأسد وأبكوا الحاضرين، شعرتُ بكمّ الآلام والندوب العميقة في النفسيّة السورية. سنوات طويلة من الحكم البوليسي الرهيب ستترك خلفها جروحاً عميقة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تُعالج. ولا يعني هذا أن دولنا العربية واحات للحريات، ولكن الأنظمة البوليسية – مثل نظام الأسد – التي تسحق قيمة الإنسان وتفقِره وتُعذّبه وتفتقد لأبسط درجات العدالة والأخلاقيات، لا يمكن أن تستمر. وستظلّ مصدراً للقلاقل والفوضى والابتزاز على المستوى السياسي، ورحيلها مفيد للدول الناجحة التي تبحث عن الاستقرار والتركيز على التنمية.
مهمة الرئيس السوري أحمد الشرع مفصلية وتاريخية وليست سهلة. عندما احتضنه هؤلاء الأطفال والصغار الدامعون، فإنهم يرون فيه الرجل القادر على تخليصهم من تلك الذكريات المظلمة والأوجاع العميقة.
رجال الدولة المخلِصون والصادقون هم القادرون على طيّ هذا الفصل المُظلم من التاريخ السوري: كيف يثبت حكمه ويحافظ على وحدة بلاده من الساعين إلى تمزيقها، وكيف يعيد بناءها من جديد، وكيف يستقطب الكفاءات ويُبعد المنافقين ويحارب الفاسدين، وكيف يكسب ثقة القلقين ويجمع المختلفين، ويقف في وجه المخربين، ويضمن – فوق كل ذلك – معالجة هذه الجروح العميقة والندبات الغائرة.
مهمة صعبة ودقيقة؛ فالقوة مطلوبة لأن الضعف يُغري الأشرار بالانقضاض، ولكن القوة المفرطة ستحرّك الجروح النفسية الغائرة من جديد. ومهمة رجل الدولة الأولى أن يحافظ على كيان وطنه ويمنعه من التمزق والتقسيم، وفي الوقت نفسه يجعل منه دولة ناجحة ووطناً للجميع من كل الأعراق والأديان والثقافات. نتذكر أن الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن قضى أغلب فترة حكمه في الحرب الأهلية؛ لأنه لم يُرِد أن تتمزق بلاده وتنتهي للأبد. لو لم يفعل ذلك، لما عرفنا أميركا القوية التي نعرفها اليوم، ولتشظّت إلى دويلات متفرقة.
فيما يخص البناء السياسي لمنظومة الحكم، فإن للعالم السياسي هانتغتون وجهة نظر أجدها منطقية: بناء الديمقراطية لا يرتبط بالتحديث فقط، بل بتطوير المؤسسات والثقافة. فحتى لو كانت الدولة ناجحة اقتصادياً، فإنها ستفشل في التحول إلى ديمقراطية إذا كانت تفتقر إلى بنية سياسية ناضجة ومؤسسات حكم مستقرة، فكيف إذا كانت فقيرة؟ سيكون الوضع بالطبع أكثر تعقيداً. وهذا سرّ تعثر التجربتين العراقية والأفغانية؛ لأن الديمقراطية فُرضت من الأعلى، لا من الأسفل. لم تمدّ جذورها العميقة داخل المجتمع. فُرضت بالقوة لكنها تحولت إلى شكلية. ومن دون دولة قوية ومؤسسات، وحكم قانون ومحاسبة، وثقافة تُبنى على فترات طويلة وبنار هادئة، وعلى إيقاع الساعة السورية فقط، فإن الديمقراطية المولودة قسرياً ستولد مريضة. تستحق سوريا، بعد عقود صعبة وأوجاع عميقة، فرصة ثانية.
الشرق الأوسط
———————————
مفارقات سورية راهنة/ رشا عمران
12 ديسمبر 2025
سوف يبقى تاريخ 8 ديسمبر محفوراً في الوجدان السوري الجمعي، رغم كل ما حدث بعده، فنهاية نظام مثل نظام الأسدية ليس أمرا عاديا، هو أشبه بانكشاف ساطع لسماء كانت محجوبة بكثافة غيم أسود، أو ربما أشبه باستعادة ضحيّة تنفسها بعد بقائها تحت الركام عقوداً عدة، أو ببركان يلقي حمماً تحرق ما حولها لفرط ضغط احتباسه. يمكن قول جملٍ لا تنتهي عن هذا التاريخ تفسّر مشهد الملايين المحتفلين في شوارع سورية في ذكرى التحرير، أو كتابات الذين لم يشاركوا في الاحتفالات. وكلها وصفت هذا اليوم بالاستثنائي في التاريخ السوري. كانت هناك صخرة بالغة الثقل تضغط بقوة على صدر سورية حتى تكاد تخنقها، وتفتتت بنفس القوة مخلفة الكثير جدا مما يمكن الاختلاف حوله وعليه، والاتفاق شبه الكامل حول ضرورة زوالها.
ولكن هذا التغيير المذهل فضح الترسّب الكبير للسموم الطائفية التي عاش عليها المجتمع السوري زمنا طويلا مزوّدا بأمصال أكثر سمّية تعزّزت في حرب السنوات الأربع عشرة الماضية، حتى صار الترسّب طبقة كثيفة جدا من الشك والحقد والكراهية والعداء الطائفي الذي ظهرت بنيته بعد التحرير مباشرة مع الانتهاكات الطائفية أولا، ثم مع مجازر الساحل والسويداء التي شارك فيها مدنيون سوريون، ومع جرائم القتل والخطف التي لا يمكن مواراة طابعها الطائفي تحت أي ذريعة، كان جديدها ليلة الاحتفال العظيم حين قتل الشاب العشريني العلوي (مراد محرز) بعد أن سأله شاب آخر إن كان سنيا أو علويا وأطلق عليه الرصاص بعد إجابته التلقائية بأنه علوي، كمن يطلق الرصاص علي أي أملٍ بالخلاص، عبر استعادة الخطاب الوطني والتعايش المشترك، فالمعركة الآن ليست ضد من سقط، بل ضد تركته في الذاكرة السورية، ضد ثنائية الجلاد والضحية التي عاش فيها السوريون طويلا، ضد إرث الطائفية ولغة الكراهية التي تكاد تصبح حالة سورية معمّمة، ضد الذهنية السابقة التي لا تزال مسيطرة على الوعي الجمعي السوري، ولم تسقط، للأسف، مع سقوط مؤسّسها.
والحال إن جريمة القتل تلك واحدة من المفارقات التي لا تنتهي في المشهد السوري الحالي، ففي قلب الاحتفالات أيضا كانت هناك هتافات تنادي بالوحدة الوطنية وعلى بعد خطوات منها هتافات تشتم الأقليات بألفاظ سوقية وتتوعدهم بالموت القريب مفرغة ذكرى الاحتفال بالتحرير من جوهر معناها، ومعيدة ثوابت الخوف لدى سوريين آخرين، كما لو أن الحدث هو نفسه انتقل من زمن إلى آخر بتغيير الأدوار، من دون المساس ببنيته الحقيقية. ومن المفارقات أيضا أن يطالب الرئيس الانتقالي السوريين، في أثناء الاحتفال، بطاعته (بطاعتنا) بوصفه ولي الأمر، متجاهلا أن الثورة السورية التي أوصلته إلى الحكم قامت ضد فرض الطاعة ونبذ الخوف الذي تنتجه الطاعة.
رغم كل شيء، السوريون يستحقون الفرح، يستحقون تحقيق أحلام ثورتهم التي طالبت بالحرية والعدالة والديموقراطية رغم الهشاشة البالغة للحظة الراهنة، حيث يشبه الفرح قشرة رقيقة تغطي جراحا لم يتح لها أن تشفى بعد، لم تتحقق العدالة للضحايا، لم يعاقب المجرمون، لم يتكاشف السوريون ويعترفوا بمسؤولية كل منهم عما حدث، لم يعتذر أحد عن الجرائم المرتكبة، لم تتوقف الجرائم ولا المجازر أصلا، هي ما زالت متواصلة بمنهجية مختلفة فقط، لم تظهر ملامح الدولة المستقبلية حتى اللحظة، ولا يعرف أحد ما هو مصير سورية القادم مع كل ملفاتها المعقدة في الداخل والخارج. لم يتراجع الغضب المحبوس في الذاكرة، ولم يأخذ العقل الجمعي فرصته للتفكير بضرورة نبذ الانقسامات للنجاة بالوطن وإنقاذه من علله الظاهرة والمخفية. فرحة السوريين بالتحرّر من نظام الأسد عارمة لكن هذا الفرح لا يمكن البناء عليه وحده، طالما السائد هو منطق الغلبة الطائفية والولاء الطائفي والعداء والعنف الطائفي. عملياً، تم قطع يد الجلاد، لكن مقصلته ما زالت مشرعة شاهداً دائماً على ما يمكن أن يؤول إليه مصيره.
تعيش الذاكرة السورية اليوم حالة كبيرة من التخبط، فبدلا من أن تكون “جسراً ممتدّاً بين الضحايا والمستقبل” أصبحت سببا للانتقام العشوائي الكفيل بهدم المستقبل، فالحرية التي تعلي منطق كراهية الآخر ومصادرة حقه في العيش سوف تتحوّل قريبا إلى سجن جديد تعتقل سورية كلها فيه.
العربي الجديد
———————————-
=======================
تحديث 11 كانون الأول 2025
———————————
سوريا بعد عام: عواقب الفراغ السياسي/ ياسين الحاج صالح
لا جديد في القول إن سوريا تعرضت لعملية تصحير سياسي قاسية في الحقبة الأسدية الطويلة. خلق نظام العائلة فراغاً سياسياً حول نفسه كي يكون هو البديل الوحيد عن نفسه، أو كيلا يكون له بديل من غيره مثلما كان يقال فعلاً من قبل قوى دولية كما من قبل سوريين. في العقد السابق للثورة السورية حاول معارضون قدامى إحياء منظماتهم وأحزابهم التي كانت تفكر على صعيد وطني عام من حيث المبدأ، وتحاول أن تكون لها امتدادات في مناطق البلد كلها. لكن كان الأمر يتعلق بمنظمات من بضع مئات من الأشخاص في أحسن الأحوال، فقدت قوة الدفع العامة مع تداعي القومية العربية والحركات الاشتراكية خلال الربع الأخير من القرن الماضي، فلم تعد تصنع فرقاً سياسياً وتمثيلياً مهماً، وإن تكن قد صانت من وجه آخر الموقع المعارض في شروط غير مؤاتية. وخلال سنوات الثورة والصراع السوري الطويلة ظهرت قوى أهلية مسلحة، بخاصة في البيئات السنية وفي البيئة الكردية. وبينما استطاع تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري احتكار السلاح في المجال الكردي، مستفيداً من خبرته القتالية التركية ومن تسليم النظام السلاح والسيطرة له في مناطق من الجزيرة وعفرين في تموز 2012، فإن البيئات السنية السورية شهدت تعدداً في المنظمات المسلحة، بلغ المئات وربما وصل الألف في بعض الأوقات (2013-2015). وفي الوقت نفسه حدث شيء آخر: أسلمة واسعة وسريعة للمنظمات السنية الناشئة، بل وسيطرة النموذج السلفي الجهادي في أوساطها، حتى لو كنت سلفيتها محلية ومجاهدوها سوريون حصراً. السرعة المفاجئة لتلك العملية بعد 2012 تشير إلى سطحيتها واصطناعها، وهو ما يعود على الأرجح إلى أثر تمويل شبكات سلفية خليجية في تخليق عدد غير قليل من تلك القوى الدينية المسلحة.
بانتهاء الحكم الأسدي الذي كان العلويون وقود حربه الأساسي يتكشف المشهد السوري عن تمثيل أهلي شبه حصري لمجموعات السوريين المختلفة، ويظهر السوريون كسنيين وعلويين ودروز واسماعيليين، ومسيحيين، وكرد، وسريان، وغير ذلك، دون وجود يذكر لمنظمات أو قوى سياسية عابرة لهذه الجماعات الأهلية. على هذا الصعيد الأخير، هناك تجارب متنوعة تظهر وتختفي بسرعة، ويحاول بعضها إطالة عمره بالارتباط ببعض الجماعات الأهلية المسلحة. والجديد اليوم أن ائتلافاً فصائلياً من قوى سنية مسلحة قد أسقط النظام الأسدي، ويشغل اليوم موقع الدولة. لكن التكوين الفصائلي ذاته يثير الشك في أهلية المؤتلفين للتحول إلى دولة عامة، فضلاً عن عدم تمايز الائتلاف عن المجموع السني السوري، وعدم تمايز فصائله عن بيئات سنية محددة هنا وهناك. هذا التكوين المشرشر ضالع في مجازر الساحل ثم مجازر السويداء في أشهر سابقة من هذا العام.
الجديد كذلك أن العلويين يبدون بلا قيادة أو تمثيل سياسي من أي نوع، ولو حتى ديني. الشيخ غزال غزال يبدو أقرب إلى اختراع من عدم أو ما يقاربه، وفوق ذلك الرجل غير مقيم وسط مجتمعه الأهلي. كان الحكم الأسدي هو التحقق السياسي للعلويين، حتى إذا سقط بصورة مخزية، وهو المدان بمجازر كثيرة وفساد مهول، وجدت البيئات العلوية نفسها مقطوعة الرأس سياسياً. وهي اليوم الأشد انكشافاً في سوريا والأكثر تعرضاً للاستباحة. ربما تنتج الأوساط العلوية تعبيرات سياسية بعد حين، أو هي عاملة على ذلك منذ الآن، إلا أن الموجود منها اليوم يبدو ناظراً نحو الأمس والخارج، وليس نحو الداخل والحاضر. مجازر العلويين في آذار أوهنت البعد الوطني والأشخاص الذين يمثلونه في البيئات العلوية لمصلحة منازع كيانية علوية.
ويشكل المجتمع الدرزي في السويداء مركباً جغرافياً أهلياً مسلحاً، يسعى وراء صيغة من الاستقلال، بعد مجازر تموز على يد قوات الحكم الحالي. هذه المجازر محفورة بعمق في النفسية الجمعية للجماعة الدرزية في سوريا، وهي بدورها أضعفت بشدة الوطنيين السوريين من الدروز لمصلحة الكيانيين، أي أنها خلقت فراغاً سياسياً حول الكيانيين، وهو ما يناسبهم تماماً.
وبينما يوجه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي رسائل متناقضة تتراوح بين اندماج مشروط، وبين استمرار الوضع الحالي وتحين الفرص لتغيرات تناسبه، وبين إدماج موالين للحكم الأسدي في قواه المسلحة والاستعداد لمواجهة عسكرية، يبدو أن فؤاد هذا التشكيل المسلح منشغل بتعظيم سيطرته وإحكام الرقابة الأمنية على الواقعين تحت سلطته إلى درجة حظر الاحتفال بذكرى سقوط النظام الأسدي. لا يبعد أن ينفجر الموقف، وأن يؤدي إلى إعادة توزيع للسلطة والسكان والجغرافية في مناطق من حلب والجزيرة.
بمثل هذه التحديات العسيرة تحتاج سوريا ترتيبات سياسية جديدة تستجيب لتعدد مجتمعها وتوفر تمثيلاً للسوريين على ثلاثة مستويات: مستوى السلطة المركزية بحيث تكون الدولة ملكية عامة لا دولة فئوية، ومستوى السلطات المحلية المتنوعة بما يوفر قدراً أكبر من الإدارة الذاتية للمجتمعات المحلية، ثم التعدد السياسي الكافل لمشاركة قطاعات نشطة ومتحركة من السكان، والذي قد يسهم في إطلاق دينامية تجاوز للانقسامات الأهلية على مدى أطول.
هذه الأشياء لا تتركب على الدولة الحالية التي يتوافق تكوينها الأهلي بالأحرى مع ترسخ الشروخ الاجتماعية والأهلية لا مع التئامها. سوريا «الأموية» يتماهى بها السنيون أكثر من غيرهم، إن لم يكن دون غيرهم. وهذه صفة للانقسام المجتمعي والأهلي، مثلما كان الحال في الحقبة الأسدية، لكن مع احتمال أكبر اليوم للانقسام الجغرافي إلى عدة سوريات صغيرة، بفعل انتشار السلاح وتنامي الميول النابذة أو المُبعِدة عن المركز، والافتقار المتجدد إلى مشروع وطني عام. وهي فوق ذلك نذير بأن تصير البيئات السنية هي المقطوعة الرأس سياسياً إن تداعى الحكم الحالي. بخاصة وهو يسعى لاحتكار التمثيل السني، ويفضل حل تنظيم الإخوان المسلمين الأقدم منه بكثير.
الفراغ السياسي يوازنه امتلاء أمني أو أهلي، أو أمني- أهلي مثلما كان الحال في الحقبة الأسدية، ومثلما هو ظاهر اليوم على مستوى السلطة الحالية، وفي السويداء وفي الجزيرة، ومثلما يبدو أنه يعول عليه في أوساط علوية. هذا منطق الأمور: فإما قوى سياسية عابرة للخطوط الأهلية وعاملة من أجل العقلنة العامة، أو تكوينات أهلية مسلحة. ولا يمكن أن تكون الدولة أهلية أمنية دون أن يتشكل المجتمع بالصورة نفسها. فكما يُولى على الناس يصيرون.
وتبدو الهيئة السياسية التي استولت على ملكيات حزب البعث، وتفكر في نفسها كبديل له، قوة حراسة للفراغ السياسي لا قوة سياسية، وهذا مثلما كان حزب البعث الذي يبدو أنه قد زال بلا أثر يذكر. الحزب السياسي يعيش بغيره لا بنفسه، أي بوجود أحزاب أخرى. مفهوم الحزب الواحد متناقض، إذ ما إن يكون واحداً، حتى يكف عن أن يكون حزباً، يصير ملحقاً جهازياً بسلطة أمنية أو أهلية أمنية، مثلما يبدو حال الهيئة السياسية اليوم. هذا آخر ما يصلح كنموذج سياسي بديل عن التقسيم والانفصال.
بهيئة سياسية أو من دونها، من شأن فرض اللباس الأمني الأهلى الضيق على مجتمع سوري يضج بتعدده المتعدد المستويات أن يؤدي إلى انفجاره، مثلما حدث في النهاية في مواجهة الحكم الأسدي. الاحتمال اليوم أقوى بأثر انتشار السلاح بين أيدي الناس، وما توفره موجتان من المجازر من وقود انفعالي، وهشاشة أوضاع البلد السياسية والاقتصادية والأمنية والنفسية، ووفرة المتدخلين الإقليميين والدوليين. لا يحتاج الناس إلى أكثر من فتح عيونهم ليروا.
القدس العربي
———————————
قولٌ شخصيّ في يوم الفرح السوريّ العظيم/ مالك داغستاني
2025.12.11
وأنا أرى اليوم ملايين السوريين في الساحات، قلتُ: “إضافةً لفرح السوريين اليوم بذكرى انتصارهم، فهم إنما يفعلون ذلك، لأنهم توقّفوا أخيراً عن اعتياد الخوف”. بالنسبة لي، ذاك هو التحوّل الحقيقي الذي وقع في 8 من ديسمبر. فالأهم كان أنه سقط الإيقاع اليومي للرعب، وانكسر ذلك الزمن اللزج الذي كان يُقنع الناس أن الإيقاع قدرٌ سوريٍّ أبدي.
ومع ذلك فإن الفرح الذي اجتاح السوريين لم يكن يتسم بالصخب فقط، والأهم أنه لم يكن بريئاً كما بدا في ظاهره. بدا كحالة انتقام من عقود الخوف والألسنة المربوطة، والخشية من الجدران التي امتلكت آذان تشي بحركاتهم وسكناتهم. وبدا أنه، إضافة لما سبق، فرحاً مرتبكاً وفوضوياً، يعيشه أناس لم يعتادوا الفرح الحقيقي سابقاً. فهو يشبه فرح من يخرج من تحت الدمار ولا يعلم إذا كان القصف قد توقّف، أم أن هناك موجة أخرى من القنابل تستعد للانطلاق. على الأغلب هذا ما جعل الفرح مختلفاً عن كل أفراح الشعوب الأخرى. فرحٌ ليس في مسارٍ طبيعي كما في حالات الاعتياد عليه، حين يبدو كحالة نشوة عابرة. كان في فرحنا ما يشبه رسالة جذريّة أن سوريا لن تعود كما اعتادت لعقود، تحت أية سلطة كانت.
قدّم لنا التاريخ نماذج كثيرة لفرح الناس، بعضها لم يكن مجرد احتفالات، ولكنها لحظات ولادة قد يليها امتحانات عسيرة. حين سقط جدار برلين، ومع فرح الألمان بوحدة بلدهم فقد دخلوا في أكثر سنواتهم صعوبةً، اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. وعندما خرج نيلسون مانديلا من السجن، لم تُغلق جنوب إفريقيا جراحها وتطوي سنوات الفصل العنصري دفعةً واحدة، إنما فُتحت تلك الجراح على مصراعيها ضمن مسارٍ طويل اسمه “العدالة الانتقالية”.
هكذا كنت أرى الفرح السوري العظيم اليوم. فمن الغفلة اعتباره إعلان انتصار نهائي، بقدر ما كان محطة تشير إلى القادم من تاريخ سوريا. بدا لبعض السوريين وكأنه، على نحوٍ غير رسمي، إعلان الناس عن نيتهم الدخول في زمنٍ حقيقي وربما طبيعي، بعد عقود من الأزمان المزورة. أزمانٌ بدت كمسرحية قام فيها الجميع بأدوار متناوبة كانت مطلوبة منهم، فأتقنوا، باتفاقٍ صامت، حفظ الأدوار، من دون أن يتاح لأي أحد منهم أن يرتجلَ، فيقول أو يفعل ما يريد فعلاً. كان المؤكد الوحيد اليوم أن السوريين اتفقوا، وهم يرقصون محتفلين بعودة المعنى لحياتهم، وأنهم لن يعودوا إلى القفص، بعد أن أسقطوا في 8 من ديسمبر، ليس الحالة الأسدية وحدها، بل كامل منطقها في إدارة الحياة على نحوٍ متخلّف ورثٍّ وتعسفي.
قام المنطق الأسدي في أهم مرتكزاته، على إذلال الإنسان السوري وتجفيف السياسة من حياته، باسم استقرار البلد مستخدماً عصا “الدولة”. ما استلزم تالياً تحويل الوطن السوري إلى شركة أمنية كبرى. ولذا نجد الناس اليوم، تعدد أسماء السجون التي تمَّ تحطيم أبوابها، والتماثيل التي أسقطوها، وأحياناً ينتبهون إلى الجمل التي باتوا يرددونها من دون أن يضطروا للتلفّت إلى الخلف خشية المخبرين، كما لو أنهم يقشرون الخوف عن أرواحهم. والأهم، وفي هذا شيء من الكوميديا، أنهم يتخذون القرارات الصغيرة، وهم يشعرون لأول مرّة أن لهم علاقة مباشرة بحياتهم الشخصية والخاصة التي استعادوها، وتالياً الحياة السورية العامة. فبدأوا، ولو على استحياء، التحوّل من كائنات حيادية، مراقَبين في حركاتهم وسكناتهم، إلى مشاركين.
للأسف طبعاً، فإن الفرح في أغلب حالاته ليس أبيضاً على الدوام، ولا بد أن يشوبه نوع من السواد، سواد الخسارات، وسواد الأسئلة المشككة بالمستقبل والحساب المؤجل عن الماضي. وربما هذا ما يؤكد مصداقيته. فالدولة ما زالت هشّة والاقتصاد في غرفة العناية المشددة، والعدالة حتى الآن ملف مفتوح لم يرَ السوريون منه سوى العناوين الأولى، والأخطر أن السلاح لم يغادر الأيادي الخطأ. ومع ذلك، يفرحون ليبدو الفرح في حالتهم تلك كنقطة قوة مستعدون لدفع ثمنها غريزياً.
طبعاً، يعلم الجميع أن هذا الفرح الغريزي قد يتحول في أية لحظة إلى ما يشبه النار في الهشيم. أما الفرح السياسي الرشيد، مع أن فيه شيئاً من سمات النار لكنها ضمن الموقد، فهي بطيئة لكنها طويلة وتُدفئ أكثر مما تحرق. والأكيد أن ما تحتاجه سوريا بعد عامٍ على التحرير ليس المزيد من الأغاني الوطنية، على جمالها، إنما تحتاج، أكثر من أي شيء آخر، إلى القوانين الواضحة، والقضاء المستقل الذي لا تأخذه في الحق لومةٌ، والمؤسسات الشفافة، وقبل كل ذلك، تحتاج إدارةً ترى المواطنين سوريين بمعزل عن أعراقهم وطوائفهم. فكما أن الفرح لا يحمي الدولة، فهو إنما يجب أن يدفع باتجاه المطالبة بدولة تستحق الفرح، من دون آمال زائفة قد تتلاعب بنا لتغدو كما لو أنها نوع من المخدّر.
لستُ غافلاً، وأعلم تماماً أن الفرح السوري يشبه فرح الخارجين من المقابر الجماعية، وكنت قد رأيت الكثير من الناس في مدينتي، يبتسمون وفي أفواههم طعم تراب أنقاض بيوتهم، ويطلبون الذهاب إلى المحاكم وبناء الدستور أكثر حتى من إعادة الإعمار، وينتظرون إصدار قوانين تنصفهم. ومع ذلك، أعرف أكثر أن تحرير سورية ليس فقط لحظة فاصلة، بقدر ما هو مسار طويل وعسير. فالتحرير الحقيقي هو أن نحرر الجيش الوطني وقوات الأمن الجديدة من التسييس، وأن نحرر الإعلام من الإيديولوجيا والاصطفاف الأعمى، وقبل كل ذلك أن نحرر المدرسة من التلقين، والدين من التوظيف السياسي. كل ذلك بهدف إسقاط أية فكرة تسمح بولادة نظامٍ يشبه نظام الأسد.
شخصياً، لم أكن اليوم فرحاً لأن الطريق السوري غدا سهلاً، لكني فرحت لأن السوريين أخيراً وجدوا ما يمكن، لو أُحسِنت الإدارة، أن يكون طريقاً. فرحت وأنا أحلم بدولةٍ تستطيع ابتداع آليات لتصحيح الأخطاء والانحرافات حين تحدث. فرحت وأنا أعلم أن مقومات الدولة لم تكتمل بعد، لكنّي بت قادراً على الخلاف معها من دون أن أُساق إلى الزنازين في اليوم التالي.
تلفزيون سوريا
—————————-
سورية في العهد الجديد.. مسار الانتقال السياسي/ سمير العبد الله
نشر في 10 كانون الأول/ديسمبر ,2025
تحلّل هذه الدراسة مسار السنة الأولى من المرحلة الانتقالية في سورية، عقب سقوط نظام الأسد، بوصفها لحظة تأسيسية تكشف حجم التحديات السياسية والمؤسسية التي ورثتها الدولة، ومدى قدرة الإدارة الجديدة على إعادة بناء الشرعية، وإطلاق مسار سياسي فعلي، حيث جاء سقوط النظام في سياق انهيار واسع لمؤسسات الدولة، مع تعدّد الفاعلين المحليين، وتنوّع التدخلات الخارجية، وعمق الانقسام المجتمعي، ما جعل إدارة الانتقال مهمّة تتجاوز تغيير السلطة إلى إعادة بناء الدولة نفسها.
شهدت السنة الأولى محطات أساسية لملء الفراغ المؤسساتي، كان أبرزها مؤتمر النصر، الذي عقدته إدارة العمليات العسكرية في 29 من كانون الثاني/ يناير 2025، وضمَّ قادة 18 فصيلًا عسكريًا، حيث ألغى المؤتمر البنى الدستورية السابقة، وعيّن أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا. ومؤتمر الحوار الوطني، في شباط فبراير 2025، الذي حاول فتح المجال السياسي، لكنه كان محدود التمثيل. والإعلان الدستوري المؤقت، في آذار/ مارس 2025، الذي حدد مدة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، ووضع إطارًا قانونيًا للمرحلة، لكنّه أثار جدلًا في بعض الأوساط. وكذلك مثّل تشكيل الحكومة الانتقالية في آذار/ مارس 2025، وإصدار مرسوم رئاسي بتشكيل لجنة لانتخابات مجلس الشعب في حزيران/ يونيو، خطوات ضرورية لإعادة بناء مؤسسات الحكم، بالرغم من استمرار مركزية القرار، وضعف البيئة التمثيلية، وغياب الآليات الرقابية.
تخلص الدراسة إلى أن نجاح الانتقال يتطلب رؤية دستورية وسياسية تشاركية، وحوارًا وطنيًا جامعًا ومستدامًا، ومؤسسات مستقلة وفاعلة، وإصلاحًا جذريًا للقطاع الأمني وغيرها، كي لا تكون المرحلة الانتقالية مجرد إدارة انتقالية، بل تكون مرحلة حاسمة في رسم مستقبل الدولة السورية.
لقراءة المادة كاملة يرجى تحميل الموضوع
تحميل الموضوع
مركز حرمون
————————–
الوطن ليس منشورًا احتفاليًا/ صوفي عليان
11 ديسمبر 2025
ما يسيء للسلطة الحالية في سورية ليس انتقادها، بل محاولتها إقناع الناس بأنها أفضل من نظام بشار الأسد. هذه مقارنة إشكالية قبل أن تكون سياسية، إذ لا يمكن لسلطة أن تبني شرعيتها على القول: “نحن لسنا كالأسد”. أي سلطة تُقاس بوعودها ومسؤولياتها وما قدمته للناس، لا بما لم تكن عليه.
حين يكون النظام السابق معيارًا، فهو معيار بالغ الانحطاط، أسوأ نسخة من دولة، وأسوأ تصور للسلطة، وبالتالي أي شيء يُقارن به يبدو جيدًا بالضرورة. ولكن هذه الخدعة لا تصنع شرعية، بل تخفض سقفها. سقوط الأسد لم يكن مكافأة مجانية، بل كان لحظة تستلزم قطيعة كاملة مع أسلوب الحكم، مع الإخفاء، مع تقديم الاستعراض مكان الحقيقة، ومع تحويل العدالة إلى بند قابل للتأجيل.
في الأسبوع الماضي خرج أسامة عثمان، مؤسس فريق قيصر، ليقول ببساطة إن العدالة لم تبدأ. هذا مطلب حقوقي، وليس موقفًا سياسيًا. العدالة ليست فكرة، بل وظيفة للدولة: أن تفتح الملفات، أن تكشف ما لديها، أن تقول للناس ما الذي حدث لأبنائهم. ومع ذلك واجه أسامة موجة تشويه منظمة من الذباب الإلكتروني، ومن جيوش “الأضحكني”، ومن مجموعات جعلت من السخرية سلاحًا ضد من يطالب بما هو بديهي. هذا السلوك ليس رأيًا، بل نموذج حكم؛ النموذج الذي يرى أن الاحتفال أهم من المحاسبة، وأن استعراض الشوارع أهم من فتح ملفات الموت.
الناس ينتظرون العدالة منذ سقوط الأسد. ينتظرون أسماء من قُتلوا تحت التعذيب، ينتظرون الاعتراف، ينتظرون فتح الملفات التي احتُجزت داخل الأدراج. وحين يُقال لهم فجأة من قبل الرئيس الانتقالي: “أدعو السوريين بكافة أطيافهم للنزول إلى الساحات للتعبير عن فرحتهم”، فالاحتفال في هذه الحالة ليس فعل طمأنينة، بل فعل إزاحة.
كيف يستقيم الفرح بينما دماء مجازر الساحل لا تزال بلا رواية رسمية، ومجازر السويداء بلا كشف نهائي؟ كيف يُطلب من عائلات فقدت أبناءها في المعتقلات أن ترفع علم الاحتفال بينما شهادات الوفاة لم تُسلَّم؟ لا بل، على العكس، استُبيحت أفرع الأمن وزنازين الاعتقال وطُمست الأدلة فيها في الأسابيع والأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وبعض السجون دُهنت ونُظفت، تلك الأماكن التي من المفترض أن تكون مسارح جريمة لأكثر الأنظمة توحشًا عرفها التاريخ الحديث.
القضية لا تتعلق فقط بغياب العدالة، بل بتأجيلها. التأجيل بحد ذاته جريمة سياسية وأخلاقية. العدالة المؤجلة تصبح وسيلة ضغط، تصبح ورقة تفاوض، تصبح احتياطًا للاستغلال. وهذا ما يجعل الوضع اليوم إشكاليًا: لا مؤشرات حقيقية على المحاسبة، ولا إشهار للملفات، لكن هناك مطالبة بأن يشعر الناس أن الأمور أفضل. والناس قد يشعرون بتحسن معيشي، لكن الحقيقة العادلة لا تُقاس بالخبز، بل بكشف الحقيقة.
وهذا لا ينفي حق السوريين في الاحتفال، فمشهد سقوط الأسد بالنسبة لكثيرين كان بمثابة عزاء رمزي لسنوات من الألم، ولهذا خرج بعض ذوي الضحايا والشهداء إلى الميادين قبل أيام، في ذكرى مرور عام على سقوط النظام. الاحتفال جميل حين يكون من الشعب، من البيوت، من صور الشهداء، من صوت أمّ تلصق صورة ابنها على صدرها؛ لا حين يتحول الميدان إلى منصة إعادة إنتاج زعامة جديدة وتوزيع الولاء في قالب احتفالي. فالسوريون لا يحتاجون قائدًا جديدًا تُرفع صورته، بل يحتاجون زمنًا بلا صور أصلًا.
هناك أيضًا ما عُرف باسم “ملفات دمشق”. مشروع صحافي استقصائي كبير يقوده الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بالتعاون مع شبكة NDR الألمانية و24 منصة إعلامية.
كثيرون ظنوا أنها ستكون الوثيقة الأخطر بعد صور قيصر. عائلات بأكملها انتظرت معرفة مصير الأبناء الذين فُقدوا في سجون الأسد. ولكن الصدمة لم تكن في محتوى الملفات، بل في أن السلطة الحالية كانت قد اطلعت عليها منذ أشهر، وأن الوثائق التي تحتوي بيانات وفاة بعض المعتقلين وصلت لأجهزة رسمية ولم تُبلغ بها عائلاتهم. كيف تطلب السلطة من الناس الثقة بينما تخبئ ما تمسّكوا به لسنوات: اسم، رقم ملف، لحظة موت مختومة بتوقيع رسمي، حقيقة على ورق؟
وفي خضم الجدل خرجت وزارة العدل ببيان مصوَّر لوزيرها، حمل لغة وجدانية مكثفة عن “قدسية الملف” و”صمت القضاة” و”جهود تُبذل منذ أشهر”. لكن البيان، رغم زخمه الإنشائي، لم يقدّم معلومة واحدة ملموسة: لا عدد ملفات تم التحقيق فيها، لا أسماء لعائلات أُبلغت، ولا إطارًا زمنيًا لبدء تسليم شهادات الوفاة أو فتح المسارات القضائية. بدا البيان محاولة لامتصاص الغضب أكثر منه إعلانًا فعليًا لمسار عدالة، إذ واصل استعمال لغة التطمين الروحية بدل الإعلان الشفاف.
والأسوأ أن البيان ختم بنبرة اتهامية ضمنية تجاه الأصوات المطالِبة بالكشف، باعتبارها “تستثمر آلام الضحايا” أو “تزايد على قدسية الملف”، وكأن السؤال عن مصير الناس أصبح يهدد هيبة المؤسسة. ما خرجت به الوزارة لم يكن جوابًا بقدر ما كان إعادة تأكيد أن الحقيقة لا تزال مؤجلة، وأن العدالة حتى اليوم لا تزال وعدًا لا آلية له.
المشهد ليس فارغًا من الرموز، بل يزدحم بكل ما يمكن أن يعكس مشكلة أخلاقية. نسمع عن توريث فروسية لورثة داعمي القتلة، نرى وزير الدفاع السوري في الحكومة الانتقالية يتوج أبناء محمد حمشو في بطولة الفروسية ذاتها التي كانت تُعرض قبل الثورة تحت رعاية عائلة الأسد. هذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل إشارة تقول إن رموز النظام المجرم لا تزال تتجول في المشهدين الاجتماعي والسياسي والتجاري، وتُصنع لها واجهات جديدة. كيف يمكن الحديث عن زمن جديد فيما تُعاد تدوير الشخصيات ذاتها؟ هل يمكن للناس أن يصدقوا انتقالًا حقيقيًا بينما أسماء الفساد نفسها عائدة متنكرة؟
المجازر ليست أرقامًا ولا ملفات عابرة. المجازر هي بنية سياسية. من مجازر الكيماوي إلى الساحل إلى السويداء إلى المعتقلات، هناك روايات ينبغي أن تُعلن. لا يمكن دفن التاريخ تحت خطاب احتفالي، ولا يمكن بناء أخلاق عامة من دون اعتراف. كل مرحلة انتقالية في العالم تبدأ بإعلان الحقائق، لا بإخفائها. حين سقطت الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية، كان أول ما حدث هو فتح المقابر، تسليم الرفات، إصدار شهادات وفاة، إعلان قوائم المصير. لم يقل أحد للناس: “نحن أفضل الآن، افرحوا”. قالوا: هذه الحقيقة، وهذه محاكماتنا، وهذا أثرنا الأخلاقي.
الحقيقة أن النظام السابق لم يهرب من المحاسبة بعد. ما زال حيًا في الذاكرة، وفي الأسماء، وفي الاقتصاد، وفي الشبكات. ولذلك حين يُعاد إخراج شخصيات مثل حمشو وفادي صقر، فهذا يشير إلى أن النظام القديم لم يسقط، بل خلع قميصه فقط. من دون عدالة، يصبح السقوط مجرد تغيير لافتة على الباب.
المشكلة ليست في الغياب، بل في التضليل؛ في تحويل الاحتفال إلى غطاء، في استدعاء الناس للميادين كي لا يسألوا، في استثمار مشاعرهم قبل شفائهم، في تكرار نموذج “اصبروا، العدالة قادمة”، كما لو أنّ الصبر ليس ما أكل الزمن كله. العدالة التي تتأخر ليست عدالة ناقصة فقط، بل عدالة مسروقة.
أن تقول السلطة إنها ليست الأسد لا يكفي. يجب أن تقول: هذه أسماء من قُتلوا، وهذه جثث من فُقدوا، وهذه محاكماتنا، وهذه قوائمنا المفتوحة. عندها فقط يمكن للناس أن يصدقوا أن التاريخ يتحرك. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الكلام عن انتقال سياسي كالكعكة التي تُعد قبل أن توجد مكوناتها: شكلٌ بلا مضمون.
السؤال ليس: هل تغير النظام؟ بل: هل تغيرت أخلاق الحكم؟ وهل صارت الحقيقة ملكًا للناس لا للمكاتب المغلقة؟ وهل سيكون الدم جزءًا من العدالة لا من الدعاية؟ الكرامة لا تُقاس بالاحتفال، بل بالشهادة. ولا يُكتب التاريخ بمن فرح أولًا، بل بمن قال الحقيقة أولًا.
ضفة ثالثة
———————————
عامٌ على سقوط الأسد.. سوريا الباحثة عن مستقبل خارج ظلاله/ صهيب جوهر
2025.12.11
لم يكن سقوط بشار الأسد حدثًا سياسيًا عاديًا يمكن وضعه في خانة انتقال السلطة أو تبدّل الأنظمة، بل كان خاتمة لمسار طويل من التفكك الذي بدأ قبل سنوات، حين انفصل نظام الحكم عن أي وظيفة وطنية، وتحول إلى كيان مغلق قائم على الفساد والقوة العارية. فقد جاءت الإطاحة بالأسد لتكشف حجم الانهيار الذي أربك حتى أقرب الداعمين له، بعد أن صنّفته منظمة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد عام 2024 بوصفه أكثر شخصيات العالم فسادًا.
وهو توصيف لم يكن السوريون ولا المراقبون بحاجة إلى مؤسسة دولية لتأكيده، بقدر ما كان انعكاسًا دقيقًا لنظام رسّخ نفسه عبر اقتصاد الكبتاغون والتهريب، وعبر تحويل الدولة إلى شبكة ضخمة للنهب المنظّم.
وحين فرّ الأسد إلى موسكو قبل عام، كان ذلك المشهد تتويجًا لنهاية حقبة امتدت منذ عام 2000، حين تسلّم السلطة عبر تعديل دستوري مُتعجِّل أعاد إنتاج المنظومة نفسها التي بناها حافظ الأسد. ومع أن الوريث بدأ عهده بوعود إصلاح مبكرة، فإنه سرعان ما عاد إلى الأسلوب ذاته في الحكم: مركزية خانقة، وأمن طاغٍ، وسيطرة على كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة، وتحويل المجتمع إلى مساحة مراقَبة تُدار بمنطق الشك المستمر.
ومع اندلاع الربيع العربي، لجأ الأسد إلى خطاب “المؤامرة الخارجية” لتبرير الحرب الشاملة التي شنّها على الشعب، فحوّل سوريا إلى مختبر مفتوح للعنف المادي والكراهية السياسية وإفلات الأجهزة من المساءلة. وكان ذلك كافيًا ليترك خلفه مئات آلاف الضحايا، ونصف شعب مشرّد بين النزوح واللجوء، وخرابًا عمرانيًا واقتصاديًا لم تشهد المنطقة مثله في العقود الأخيرة.
ولم يكن سقوط النظام بمعناه الأمني هو التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة، بل الإرث الذي تركه وراءه، إذ ورثت السلطات الانتقالية بلدًا ممزقًا جغرافيًا، مثقلًا بصراعات الهوية، ومحاطًا بتدخلات خارجية يومية، أبرزها التوغلات الإسرائيلية المستمرة. لذلك كان من الطبيعي أن تظهر سريعًا صدامات بين هذه السلطة وقوى الأمر الواقع، خصوصًا في شمال شرقي سوريا، حيث رفضت الإدارة الكردية الاحتفال بذكرى سقوط الأسد، في خطوة تحمل رسائل سياسية تتجاوز بعدها الرمزي.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أصوات داخل الطائفة العلوية تحذر من “ظلم جديد”، تعكس خوفًا متراكمًا من مرحلة ما بعد الأسد، بعد أن رسخ النظام نفسه عقودًا بوصفه “حاميًا” لهذه الطائفة، بينما كان في الواقع يستخدمها درعًا لمشروعه.
وجاء ما كشفت عنه “رويترز” حول تمويل رامي مخلوف وكمال حسن لتشكيل ميليشيات علوية لإسقاط النظام الجديد ليُظهر أن الأسد سقط سياسيًا، لكنه لم يُهزم شبكيًا، وأن منظومة المصالح التي بناها ما تزال تبحث عن دور في سوريا المستقبل. وقد تجسّد هذا الامتعاض لاحقًا بمحاولة انقلابية في آذار الماضي، قُتل خلالها المئات من قوات النظام الجديد، قبل أن تُحبط إثر تعبئة فصائلية وشعبية واسعة، قادت بدورها إلى انتهاكات ومجازر مضادة طالت العلويين والدروز على حدّ سواء، وترافقت مع غارات إسرائيلية أظهرت هشاشة الأمن الإقليمي في مرحلة انتقالية غير مستقرة.
كان من المتوقع أن تثير هذه الأحداث موجات انتقاد داخلية، خصوصًا في ملفات الدستور والعدالة الانتقالية وإدارة الحوار الوطني، وهي ملفات تحتاج إلى توازن دقيق يضمن محاسبة المنتهكين ويمنع الانزلاق إلى انتقام جماعي، وفي الوقت ذاته يحافظ على نسيج اجتماعي هشّ لم يعد يحتمل جرحًا إضافيًا.
لكن الصورة الداخلية القاتمة لم تمنع الحكم الجديد من تحقيق اختراقات مهمة على الساحة الخارجية. فقد استقبلت دول عربية وإقليمية صعود القيادة السورية الجديدة بوصفه فرصة لطي صفحة مريرة من الدم، وعادت العلاقات مع السعودية وقطر والأردن ولبنان إلى مسار طبيعي، وبدأت العقوبات الاقتصادية تُرفع بشكل متدرّج، في حين أبدت عواصم عديدة استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار إذا استقر الداخل سياسيًا.
وتُوّجت هذه العودة الإقليمية بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع دونالد ترامب، في خطوة حملت إشارات واضحة إلى رغبة واشنطن في تحويل سوريا من “مسرح للفوضى” إلى دولة قادرة على ضبط حدودها وإدارة أمنها بمعزل عن النفوذ الإيراني. وجاء اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليعيد تنظيم العلاقة مع موسكو بعيدًا عن الإرث الثقيل الذي تركه الأسد، بحيث باتت روسيا مطالَبة بالتعامل مع دولة جديدة، لا مع نظام ضعيف يعتمد عليها للبقاء. أما العلاقة مع تركيا فشهدت دفئًا غير مسبوق منذ 2011، بعد تفاهمات أمنية حول الحدود واللاجئين وترتيبات شرقي الفرات، الأمر الذي فتح الباب لعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي بوصفها لاعبًا قابلًا للشراكة لا بؤرة تهديد.
ورغم هذا النجاح الخارجي، تبقى سوريا الجديدة أمام امتحان الداخل، وهو الامتحان الذي يحدد مصيرها الحقيقي. فالاحتفالات الشعبية بذكرى سقوط الأسد تعبّر عن رغبة واسعة في طي صفحة نصف قرن من الطغيان، لكنها لا تعني أن الطريق معبّد لاستعادة الدولة بشكل سريع. فالمؤسسات ما زالت ضعيفة، والانقسامات الطائفية ما تزال حاضرة بقوة، وشبكات النظام السابق لم تتفكك بعد، والاقتصاد يحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن يتعافى، والأهم أن السوريين يحتاجون إلى إعادة بناء ثقتهم بالدولة بعد أن حطمها النظام على مدى عقود.
ومع ذلك، يبقى الحدث الجوهري أن سوريا تقف اليوم للمرة الأولى منذ عقود أمام فرصة سياسية حقيقية. ليست فرصة للانتقام ولا لاستبدال طغيان بآخر، بل فرصة لصياغة مشروع وطني جديد يعيد للدولة وظيفتها، ويعيد للمجتمع كرامته، ويؤسس لمرحلة تُقاس فيها قوة الحكم بقدرته على احترام السوريين لا بإخضاعهم. لقد طُويت صفحة الأسد، لكن كتابة الصفحة التالية تتطلب شجاعة لا تقل عن الشجاعة التي أسقطته، وإرادة قادرة على مواجهة إرث الماضي وتحمّل أثقاله، وقيادة تفهم أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يتوقف السوريون عن الخوف من دولتهم، وتتوقف دولتهم عن النظر إليهم كخصوم محتملين.
تلفزيون سوريا
———————————
سوريا الجديدة تختبر عدالتها.. عام من الوعود والانتظار/ هدى الكليب
11 ديسمبر 2025
بعد عام على سقوط النظام السابق، تقف البلاد على عتبة مرحلة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية، حيث تتقاطع تطلعات الضحايا إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات مع الجهود الحكومية الرامية إلى تفكيك إرث عقود طويلة من الاستبداد، وفي ظل هذا المشهد المعقد تتباين القراءات حول حجم التقدم الذي تحقق فعلًا، بين من يرى أن السنة الأولى بطبيعتها مرحلة تأسيسية لا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، ومن يعتقد أن بطء الإجراءات يهدد بفقدان الثقة الشعبية وفرص بناء دولة القانون.
وتواصل لجان الحقيقة والجهات القضائية الانتقالية عملها في جمع الشهادات وفتح الملفات المظلمة للمعتقلات وحالات الإختفاء القسري، بالتوازي مع محاولات رسم سياسات لجبر الضرر وتعويض الضحايا معنويًا وماديًا، غير أن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات، فالتجاذبات السياسية، ووجود شبكات أمنية وإدارية متجذرة من العهد السابق، تشكل جميعها حواجز تعرقل ولادة منظومة قضائية مستقلة قادرة على إنصاف المتضررين واستعادة ثقة السوريين وضمان عدم تكرار الجرائم في المستقبل.
وفيما تتسارع التوقعات والضغوط من الداخل والخارج لإظهار نتائج ملموسة، ورغم وعود الحكومة بالمحاسبة يبدو أن معركة العدالة في سوريا لم تبدأ فعليًا إلا للتو، ولا يزال أمامها طريق طويل محفوف بالتحديات والأسئلة المفتوحة.
وتقول ليلى العوض، المنحدرة من ريف دمشق، إن معركتها اليوم ليست معركة انتقام، بل معركة معرفة الحقيقة، فالعائلة ما زالت تفتقد أي معلومة مؤكدة حول مصير شقيقها الذي قضى تحت التعذيب قبل سقوط النظام، وأن مرور عام كامل لم يكن كافيًا للحصول حتى على شهادة وفاة رسمية.
وترى ليلى أن الحديث عن العدالة يظل مجرد شعار ما لم تكشف وقائع ما جرى داخل المعتقلات، ومن أصدر الأوامر، ومن نفذها، معتبرة أن غياب الحقيقة يبقي الجرح مفتوحًا ويجعل أي حديث عن المحاسبة أو التعويض “خطوة ناقصة لا تصل إلى جوهر المأساة، خاصة وأن عائلات الضحايا ما تزال تنتظر اعترافًا بسيطًا يثبت أن أبناءها وجدوا يومًا ثم اختفوا، قبل أن تبدأ أي عملية للإنصاف أو جبر الضرر”.
من بين آلاف السوريين الذين ينتظرون فتح ملفات الانتهاكات، يقف حيان البرهان من مدينة حماة، شاهدًا حيًا على جرح لم يلتئم منذ أكثر من عشرة أعوام، إذ لم يكن الرجل يتوقع أن يتحول صباح عادي إلى نقطة الانكسار في حياته، حين كان يودع ابنه الوحيد على باب المنزل. طالب جامعي يحمل كتبه على عجل استعدادًا لامتحان مقرر له، دقائق قليلة كانت كافية لتغيير قدر عائلة كاملة، بعدما اختفى الشاب فجأة تحت أعين المارة، تاركًا والده في رحلة بحث طويلة لا يعرف أين تنتهي، واليوم يتحدث الأب بصوت يختلط فيه الألم بالغضب المكبوت، محاولًا أن يفهم كيف يمكن أن يعتقل شاب جامعي لم يقترب يومًا من السياسة، ولماذا حرم حتى من حقه في السؤال عن ابنه.
يقول البرهان بحزن: “لم أفهم حتى الآن لماذا اعتقل ابني، كان في طريقه إلى جامعته صباحًا، يحمل كتبه وينشغل بامتحاناته مثل أي شاب في عمره، لم يكن ناشطًا سياسيًا، ولم يشارك في أي احتجاج، ابني الوحيد، كل ما كان يطمح إليه أن يكمل دراسته ويبدأ حياته”.
ويضيف لـ “الترا سوريا”: “جاؤوا إلى البيت يسألون عنه، وماهي إلا دقائق حتى أخذوه من الشارع أمام المارة، لم يبرزوا مذكرة توقيف، ولم يشرحوا سبب الاعتقال، ومنذ ذلك اليوم، لم يصلني أي خبر رسمي عنه، ولا أعرف في أي سجن هو، ولا من يملك الحق في اعتقال شاب جامعي لم يرتكب خطأ”.
ويتابع: “أنا لا أطلب معجزة، ولا أبحث عن مواجهة أحد، كل ما أريده أن أعرف لماذا اعتقل ابني، ما هي التهمة، ومن المسؤول عن خطفه من بيننا، أريد أن أعلم لماذا قتل وأين دفن”. ويتساءل عن وجود العديد من المخبرين السابقين والعاملين ذوي الرتب الدنيا الذين لا يزالون يتجولون في الشوارع بحرية، وغالبًا ما يبلغ السكان المحليون عن هؤلاء للمسؤولين الأمنيين، ومن يتم القبض عليه يفرج عنه بعد بضعة أيام فقط من احتجازه.
من جانبه، قال المحامي والخبير الحقوقي، عبد الرزاق حمدان، إن العام الأول عقب سقوط أي نظام استبدادي يكون في العادة مرحلة انتقالية تتسم بالاضطراب وغياب التوازن، وهو ما ينطبق على الحالة السورية اليوم.
ويرى حمدان أن ما تحقق خلال هذه الفترة ما يزال محدودًا من حيث النتائج، لكنه يحمل قيمة تأسيسية مهمة، إذ وضع الخطوط الأولى لمسار طويل يتطلب تراكمًا زمنيًا وإرادة سياسية ثابتة. وبين حمدان أن التحدي الأبرز يتمثل في إيجاد معادلة دقيقة تجمع بين مطلب المحاسبة العادلة من جهة، والحفاظ على حد مقبول من الاستقرار العام من جهة أخرى، لافتًا إلى أن أي خلل في هذه المعادلة قد ينتج إما إفلاتًا من العقاب أو انفلاتًا سياسيًا يعطل العملية برمتها.
وأكد أن ركيزة النجاح الأساسية تكمن في تمكين السلطة القضائية، وضمان استقلالها الفعلي، وفتح ملفات الحقيقة دون مواربة، بما يسمح للضحايا وأسرهم بالمشاركة في صياغة مسار العدالة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
وتابع أن هذه المسارات لن تحدث أثرًا واقعيًا ما لم تحظ بدعم مؤسساتي متين وإرادة سياسية واضحة لا تخضع للحسابات الضيقة، وحذر من أن غياب هذه الركائز قد يجعل البلاد عرضة للانتقام والفوضى وإعادة إنتاج الانتهاكات، بغض النظر عن تغير الوجوه أو تبدل مواقع السلطة.
الترا سوريا
—————————
بعد عام من سقوط الأسد.. الإصلاح الإداري بين الطموح الشعبي ومعيار الولاء/ أحمد الكناني
10 ديسمبر 2025
شكل سقوط نظام الأسد فراغًا إداريًا واسعًا في البلاد، إذ ارتبطت مفاصل الدولة الحساسة بأركانه التي فرت معه إلى موسكو، أو هربت خارج البلاد بعد التحرير مباشرة، وعليه عملت “حكومة الإنقاذ” منذ فجر الـ 8 من كانون الأول/ ديسمبر على استلام إدارة البلاد بالتنسيق مع آخر رئيس حكومة في عهد الأسد محمد غازي الجلالي، وذلك لقيادة المرحلة الانتقالية، وأخذ إدارة البلاد على عاتقها بشكل مباشر.
مع مرور عام على سقوط نظام الأسد أقرت السلطة الجديدة العديد من التغييرات الإدارية والحكومية، والتعديلات الجوهرية داخل المؤسسات، في إجراءات تهدف إلى إعادة هيكلية مؤسسات الدولة، الأمر الذي تخلله العديد من الأخطاء حسب خبراء، فيما يرى آخرون أن إجراءات الحكومة شكلت بيئة خصبة لإعادة الهيكلية المنهكة في المفاصل الحكومية.
تقييم إداري
يرى الأكاديمي والباحث مروان حمي أن ملف الإصلاح الإداري في سوريا ما بعد الأسد بدأ فعليًا في كانون الأول/ ديسمبر 2024 مع تشكيل حكومة تصريف الأعمال، ومن ثم الحكومة الانتقالية في آذار/ مارس 2025، وحققت سلسلة من الإنجازات الجزئية، كخطوة أولية نحو إعادة الهيكلة المؤسسية، إلا أنها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي والاستدامة اللازمة لتحقيق تحول نوعي، حيث صدرت مراسيم رئاسية في أيار/ مايو لإعادة تنظيم الوظائف القيادية وتقييم الأداء السنوي بنسبة 60% كحد أدنى للإبقاء، إلا أن ذلك لا يُعد تقدمًا في مكافحة الفساد المؤسسي المتصاعد بعد سقوط الأسد، لاسيما تعيين معظم الوزراء التابعين لهيئة تحرير الشام في الحكومة، واعتماد مبدأ الولاءات بالدرجة الأولى.
يتطلب ملف الإصلاح المؤسساتي استراتيجية متكاملة لبناء نظام حكومي مستدام يعتمد على مبادئ الشفافية والكفاءة والمساءلة
ويؤكد الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن ملف الإصلاح الإداري في سوريا يظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، إذ يحمل في طياته جوانب إيجابية وأخرى سلبية. فمن الناحية الإيجابية، فتح هذا الملف الباب أمام إعادة هيكلية المؤسسات الحكومية بشكل كامل، بما يسمح بتبسيط الإجراءات وتجاوز الروتين الذي لطالما شكّل عائقًا أمام المواطنين والموظفين على حد سواء، كما ساهم في معالجة الترهل الإداري عبر تسريح أعداد كبيرة من الموظفين غير الفاعلين بطريقة هادئة، دون أن يثير ذلك اعتراضات شعبية واسعة، وهو ما يُحسب للحكومة كخطوة أولية نحو ترشيد الجهاز الإداري.
وفي جانب آخر، يرى الكريم أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُستكمل بإصلاحات تشريعية وثقافية جذرية، فالإصلاح الإداري لا يمكن أن يقتصر على تسريح الموظفين أو إعادة توزيعهم، بل يجب أن يترافق مع إعادة بناء المنظومة القانونية والإدارية بما يضمن الشفافية والعدالة في التوظيف والترفيع، وإلا فإن الإصلاح قد يتحول إلى مجرد عملية شكلية أو أداة لتصفية الجهاز الوظيفي من دون إيجاد بدائل حقيقية تعزز الكفاءة وتخدم المصلحة العامة، لافتًا إلى أنه على الرغم من قيام بعض الوزارات بإعادة هيكلة نفسها عبر الدمج أو الإلغاء، فإن ذلك عقّد العمل في بعض مفاصل الدولة وأربك العديد من القرارات الحكومية، عدا عن التصريحات الحكومية التي ما زالت أكبر بكثير من حجم الإنجازات الفعلية.
معايير مرجعية
يوضح الأكاديمي حمي مجموعة المعايير الإدارية التي اعتمدتها السلطة الجديدة خاصة بعد الإعلان الدستوري، والمستمدة ظاهريًا من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الإدارية (UNDP2025)، والتي تُرْكز على الكفاءة والشفافية والشمولية، إلا أن تطبيقها يكشف عن تناقضات جوهرية وفشل في التنفيذ، حيث حددت المعايير الرئيسة لترشيح الوزراء والقيادات، وتصنيفات العاملين، وفقًا للمرسوم رقم 45 لعام 2025، إلا أنه يتضح سيطرة المقربين من هيئة تحرير الشام على 70% من الحقائب السيادية مما يخرج المعايير عن مسارها نحو الولاءات السياسية بدلًا من المهنية.
يضيف الخبير الاقتصادي الكريم أن معيار الولاء السياسي والأمني يأتي بالدرجة الأولى في التعيينات، يليه المعيار الديني، ثم مدى علاقات الشخص الدولية، في حين يأتي المؤهل العلمي في إطار شكلي أكثر منه كأساس اختيار فعلي، لافتًا إلى أن غياب الشفافية في التعيينات والقرارات، وعدم وجود مسابقات أو معايير واضحة للتوظيف، جعل الجهاز الإداري يفتقر إلى قواعد مؤسسية عادلة.
كما نوه الكريم إلى أن الحكومة حاولت تدارك بعض قصورها عبر الدورات التدريبية للكوادر في مؤسسات حساسة مثل وزارة الخارجية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة توافق هذه البرامج مع مهارات الأشخاص الذين جرى تعيينهم أساسًا وفق الولاءات، ويرى أن هذه السياسات مجتمعة سوف تؤدي إلى ترهل إداري واسع قريبًا، وانعكاس سلبي على إنتاجية مؤسسات الدولة.
قانون عاملين.. ولكن
بحسب الأكاديمي حمي يعد قانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام2004 ، الإطار التقليدي لتنظيم العلاقات الوظيفية في القطاع العام، وهو غير مفعل في المرحلة الانتقالية، حيث أوقفته الحكومة الجديدة، مما أدى إلى فراغ تشريعي يعرِض نحو 1.2 مليون موظف حكومي لعدم الاستقرار في الحقوق والتعويضات، إلا أن ثمة بديلًا قانونيًا مُطورًا قيد الإعداد والتطبيق الجزئي هو مشروع “قانون الخدمة المدنية” الذي أَصدرته وزارة التنمية الإدارية في حزيران/يونيو 2025 عبر القرار رقم 302، والذي يعتمد إطارًا تنظيميًا مرنًا، لكن التتبع الإداري لما سبق يعكس فشلًا في التطبيق من حيث نظام الإعارة والندب، وإثارة المخاوف من تسريحات تعسفية بلغت 20% من الموظفين في الوزارات السيادية.
فيما يعتقد الخبير الاقتصادي الكريم بأن “قانون الخدمة المدنية” يشوبه العديد من الثغرات القانونية والتشريعية، لأنه صادر عن سلطة مؤقتة وليست دائمة، في ظل غياب مجلس الشعب والنقابات التي تدافع عن حقوق العاملين. وبالتالي، فهو أقرب إلى صيغة إذعان منه إلى قانون شرعي ينظم العلاقة بين الدولة والموظفين، لافتًا إلى ضرورة وضع سقف للأجور في مؤسسات الدولة، إذ أن غياب هذا السقف سيؤدي إلى تفشي الفساد، خاصة مع وجود رواتب تصل إلى 20.000 دولار، في حين أن موظفين سابقين في حقبة النظام السابق لا تتجاوز رواتبهم 150 دولارًا.
إصلاح إداري
يتطلب ملف الإصلاح المؤسساتي استراتيجية متكاملة لبناء نظام حكومي مستدام يعتمد على مبادئ الشفافية والكفاءة والمساءلة، ويتم ذلك حسب الخبير الاقتصادي يونس الكريم بتفعيل المجلس التشريعي والمجتمع المدني والنقابات المعنية بحقوق العاملين، باعتبارهم المدافعين الأساسيين عن حقوق العمال والموظفين. مشددًا على أهمية إعادة دراسة قانون الخدمة المدنية بعد صدور العديد من التعيينات المخالفة لأحكام القانون الجديد، وتفعيل الهيئة العامة للتنمية الإدارية داخل المؤسسات الحكومية بشكل أكثر فاعلية في المتابعة والتقييم، على أن تكون هيئة مستقلة لا تتبع لأي وزارة، لضمان حيادها، وممارسة دورها الرقابي والإشرافي بكفاءة.
الترا سوريا
———————————
بعد عام من الكشف عن طبقات القمع والظلم.. كيف تتحقق العدالة للضحايا؟/ أسماء الفريح
ديسمبر 11, 2025
قصص تقشعر لها الأبدان تلك التي تكشفت أمام أنظار العالم أجمع، بعد وصول طلائع قوات فصائل “ردع العدوان” إلى المدن السورية واحدة تلو الأخرى، وهي تفتح للقابعين خلف الأبواب الموصدة داخل حفر كبيرة أشبه بالقبور التي تم حفرها تحت طبقات أرض متعددة باردة ومظلمة وموحشة، ليرى الكثير منهم بعد سنوات طوال ما تركه لهم الجلادون من بقية حياة وذاكرة.
خرجت الأجساد من السراديب والزنزانات المنفردة، ممن كتب لهم البقاء على قيد الحياة حتى إسقاط النظام المخلوع، منهكة من التعذيب والجوع والمرض والرعب، وبعضها تعاني من فقدان الذاكرة والإدراك لما يجري حولها لشدة ما عايشته من آلام ومعاناة، لم ترحمهم صيحاتهم ولا أجسادهم المنهكة ولا دماؤهم الجارية ولا جروحهم المتقيحة، ولم تفرق بين من كان طفلا أو يافعا أو رجلا مسنا أو امرأة، فجميعهم سيان في هذه المحنة.
حلب بداية تحرير المعتقلين
مع انطلاق معركة “ردع العدوان” من حلب في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتمكنت الفصائل من تحريرها، توجهت على الفور إلى سجن المدينة العسكري لتحرير المعتقلين داخله، وعددهم أكثر من 1500، وفقا لتقديرات، بينهم أطفال ونساء، جرى اعتقال معظمهم بعد انطلاق الثورة السورية في آذار 2011.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت آنذاك كيفية خروج العشرات من المعتقلين المنهكين، بينهم نساء، من السجن الواقع شمال المدينة، والذي كان يعد الأكبر والأكثر ازدحاما، حيث كان يضم في زنزانة واحدة أكثر من 25 معتقلا، وتضاعف الرقم مع بداية الثورة.
ووفقا لرابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا فإن بين المحررين من سجن حلب المركزي كان محمد عثمان المؤقت (53 عاما)، الذي قضى 33 عاما في السجون، بينها سجن صيدنايا سيئ السمعة، ويعد من بين أقدم المعتقلين، وتعرض لشتى أنواع التعذيب، وجرى اعتقاله عام 1991 بناء على تقرير كيدي كاذب.
ومع تقدم فصائل “ردع العدوان” باتجاه محافظة حماة، التي عانت ما عانته من مجازر وحشية منذ أيام حافظ الأسد عام 1982، أودت بحياة عشرات الآلاف، تمكنت القوات من تحرير المئات من معتقلي سجن المدينة العسكري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2024.
وخرج المغيبون وراء القضبان، بينهم من قضى أكثر من ثلاثة عقود باتهامات ملفقة، إلى جانب لبنانيين انقطعت أخبارهم عن ذويهم منذ الثمانينات أيضا خلال الحرب التي شهدتها بلادهم، من السجن الواقع غربي حماة، والذي يعد من أقدم سجون النظام المخلوع.
وفي مساء السابع من كانون الأول/ديسمبر، تمكنت فصائل “ردع العدوان” من فتح سجن حمص المركزي الواقع قرب حي بابا عمرو، وأخرجت مئات المعتقلين منه، بعضهم قضى أكثر من 13 عاما، وبعده بساعات خرج أكثر من 3500 معتقل من سجن حمص العسكري قرب الكلية الحربية في المدينة.
وشرقا، تم كسر أبواب سجن البالونة في ريف حمص الشرقي، الواقع قرب مطار “تي فور” العسكري، وتم إخراج من بداخله وهم يحملون ندوب التعذيب على أرواحهم قبل أجسادهم، ولا سيما أن هذا السجن يعد من بين الأكثر دموية بعد سجن صيدنايا.
ومع انبلاج فجر الثامن من كانون الأول وتحرير العاصمة، انكشفت الفظائع مع فتح فصائل “ردع العدوان” أبواب سجن صيدنايا “المسلخ البشري” الواقع شمال دمشق، ورأى العالم أجمع ما ضم من أدوات تعذيب وترهيب وتغييب لأجساد المعتقلين وإخفاء آثارهم إلى الأبد، بينها “غرف الملح” التي أوجدت مع تزايد حالات موت المعتقلين جراء التعذيب وعدم وجود برادات لحفظ الجثث المتكدسة.
وخرج العشرات، بينهم نساء وأطفال، من سجن صيدنايا، ومنهم من كان فاقدا للذاكرة لا يستطيع معرفة اسمه أو إلى أي محافظة ينتمي، أو فاقدا للقدرة على الكلام؛ كانوا أشبه بأشباح عيونهم غائرة وأجسادهم هزيلة تسترها أقمشة بالية، ووفق ما ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير لها عام 2017، فقد جرى احتجاز الآلاف في السجن المذكور، وكان يعج بممارسات التعذيب المنهجي.
وجرى أيضا إخراج مئات السجناء من سجن عدرا الواقع قرب دمشق، كما اقتحمت الفصائل أبواب الفروع الأمنية مثل الفرع 215 والفرع 227 وفرع الخطيب، إضافة إلى سجن المزة العسكري، التي تشهد جدران أقبيتها وزنزاناتها على قصص تعذيب مروعة لأناس جريمتهم الوحيدة أنهم عارضوا سلطة المخلوع، فكان عقابهم التغييب القسري.
وبالإضافة إلى هذه السجون المعروفة على نطاق واسع، فتحت قوات الفصائل سجونا أخرى ومراكز احتجاز في محافظات طرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء، وتم إخراج مئات المعتقلين منها.
المعتقلات أداة قمع وسيطرة
يقول المحلل السياسي عرابي عرابي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن الأنظمة السلطوية اعتمدت على المعتقلات باعتبارها وسيلة مركزية لإرهاب المجتمع وضبطه.
وأشار إلى أن تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات دولية وثقت أن السجون السورية شكلت شبكة تعذيب واسعة، حيث مورست الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج بوصفها سياسة دولة.
وأوضح أن التحقيقات اللاحقة لملف صور قيصر أدت إلى كشف آلاف الوفيات تحت التعذيب، حيث كان النظام يستخدم ذلك كأداة لبث الخوف وكسر الإرادة الجماعية.
وتابع أن الاعتقالات أسهمت في تفكيك المجتمع المدني عبر استهداف الطلاب والصحافيين والنقابيين والناشطين، على نحو يشبه ما حدث في ألمانيا الشرقية وأميركا اللاتينية، حيث استخدمت السجون لتعطيل أي إمكانية للتنظيم أو الاحتجاج.
ويضيف الباحث عرابي أنه، إلى جانب ذلك، عززت الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع من الرقابة اليومية والترويع القانوني عبر محاكم استثنائية وقوانين طوارئ، فصار الاعتقال المحتمل جزءا من الحياة اليومية.
وأكد أنه مع تراكم الخوف والصمت، أعادت السلطات السابقة تشكيل الذاكرة العامة؛ فالمعتقلات لم تكن مكانا للعقوبة فقط، بل مؤسسة لإخضاع المجتمع كله.
السجون السرية
تنقل صحيفة “نيويورك تايمز”، في إطار تقرير لها عام 2019 تحت عنوان “داخل سجون التعذيب السرية.. كيف سحق بشار الأسد المعارضة”، عن طالب حقوق من حلب يدعى مهند غباش كيفية تعذيبه من قبل ضباط أمن، حيث قاموا بتعليقه من معصميه لساعات، وضربوه حتى غطى الدم جسده، وصعقوه بالكهرباء ووضعوا مسدسا في فمه، رغم أنه كان قد اعترف مرارا وتكرارا بجريمته الفعلية، ألا وهي تنظيم احتجاجات سلمية، ومع ذلك استمر تعذيبه لمدة 12 يوما إلى أن كتب اعترافا خياليا عن تخطيطه للقيام بتفجير.
وأشارت الصحيفة إلى أنه كان لنظام الاعتقالات التعسفية وسجون التعذيب ذات الطابع السري والصناعي دور محوري في سيطرة نظام الأسد على الأراضي، مبينة أن حكومته شنت حربا وحشية على المدنيين، وألقت بمئات الآلاف منهم في زنزانات قذرة، حيث تعرض الآلاف للتعذيب والقتل.
كما كشف تقرير للجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 2025، بالاستناد إلى أكثر من ألفي إفادة من الشهود، بما في ذلك أكثر من 550 مقابلة مع ناجين من التعذيب، تفاصيل مروعة حول أنماط التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية التي مارستها قوات الدولة السابقة على الرجال والنساء والأطفال المحتجزين، بما في ذلك “الضرب المبرح والصعق بالكهرباء والحرق وقلع الأظافر وإتلاف الأسنان والاغتصاب والعنف الجنسي بما في ذلك التشويه وفرض أوضاع منهكة لفترات طويلة والإهمال المتعمد والحرمان من الرعاية الطبية وتفاقم الجروح والتعذيب النفسي”.
وزارت اللجنة المقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة التابعة للنظام في دمشق، بينها سجن صيدنايا العسكري، وفرع المخابرات العسكرية 235 (فلسطين)، وفرعا المخابرات الجوية في المزة وحرستا، وأكدت أن ما رأته هناك يتطابق مع الأوصاف التي قدمها مئات الناجين والمنشقين إلى اللجنة على مدار الأربعة عشر عاما الماضية، وقالت إن زنزانات العزل الصغيرة التي لا نوافذ لها في الطوابق السفلية “لا تزال مليئة بالروائح الكريهة وتكشف عن معاناة لا يمكن تصورها حينما بدأت اللجنة تحقيقاتها الأولى في المواقع”.
وكانت تشرف على مراكز الاحتجاز السرية قوات من النظام المخلوع، بمشاركة ميليشيات محلية يطلق عليها “الدفاع الوطني” و”اللجان الشعبية”، مارست بدورها جرائم تكاد تفوق تلك التي كانت تتبع في “السجون النظامية”، وكان يطلب من ذويهم فدى مالية كبيرة مقابل الإفراج عنهم.
العدالة للضحايا وكيفية تحقيقها
أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع في أيار/مايو الماضي مرسوما يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين” كهيئة مستقلة لكشف مصير آلاف المفقودين في سوريا، وإنصاف ذويهم وتقديم الدعم القانوني والإنساني لهم، فضلا عن توثيق حالات المفقودين والمختفين قسرا، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لهذه الحالات.
وأكد رئيس الهيئة الدكتور محمد رضا جلخي أن قضية المفقودين تمثل إحدى أعقد الملفات في سوريا، مما يتطلب تنسيقا كاملا بين جميع المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والجهات الدولية.
وفي حوار مع مركز أخبار الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ذكرت كارلا كوينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، أن هناك تواصلا مستمرا مع الحكومة السورية، ومع الهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف الكشف عن مصير مئات الآلاف من المفقودين في البلاد، معتبرة أن الجهود المبذولة بهذا الخصوص مسعى جماعيا لا يمكن لأي جهة أن تقوم به بمفردها.
وأشارت كوينتانا إلى أن المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، التي ترأسها هي، أنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2023، استجابة للنداءات العاجلة من أفراد أسر الآلاف من الأشخاص المفقودين في سوريا لاتخاذ إجراءات لتحديد مصيرهم ومكان وجودهم.
ووفق تصريح لرئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في كانون الأول/ديسمبر 2024، فقد بلغ عدد المعتقلين المختفين قسرا بعد إفراغ السجون أكثر من 112 ألفا.
وأضاف أنه “كانت هناك مؤشرات عبر سنوات من عام 2018 إلى أن نظام الأسد يقتل المختفين قسريا”، وذكر أن لديهم كما كبيرا من الأدلة، منها أكثر من ثلاثة آلاف بيان وفاة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث عرابي إن العدالة الانتقالية تعتمد على أربعة محاور مترابطة: وصف الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
ويضيف: أما العدالة الجنائية فتشمل ملاحقة مرتكبي الانتهاكات عبر محاكم وطنية متخصصة، أو محاكم مختلطة، إضافة إلى الاستفادة من الولاية القضائية العالمية كما حدث في ألمانيا في محاكمة أنور رسلان وآخرين، كما تواصل الآلية الدولية المستقلة (IIIM) حفظ الأدلة للتحقيقات المستقبلية.
وأشار إلى أن كشف الحقيقة ينبغي أن يصل إلى توثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وتقديم سردية موحدة تظهر الأطراف المسؤولة وتوضح إجرامها، موضحا أن جبر الضرر يشمل التعويض المالي، وإعادة التأهيل النفسي والطبي، ورد الاعتبار، والنصب التذكارية، بينما ينبغي القيام بإصلاح مؤسسي عميق يشمل إعادة هيكلة القضاء وبناء الأجهزة الأمنية المحترفة وإصلاح القوانين، كما يجب دمج الضحايا في تصميم السياسات وحفظ الأرشيف وفتح قواعد بيانات المفقودين.
وختم الباحث عرابي بالقول إن هذه الخطوات يمكن أن تحول المعتقلات من رمز للقمع إلى محور لبناء عدالة جديدة تمنع تكرار الانتهاكات.
وكان وزير العدل مظهر الويس قد أكد، في ورشة العمل التي نظمتها الهيئة الوطنية للمفقودين في تشرين الثاني الماضي، التزام الوزارة بتقديم الدعم الكامل للهيئة وتسخير إمكاناتها لمعرفة الحقيقة كحق مشروع للشعب السوري وعائلات الضحايا، مبينا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعريفا قانونيا دقيقا لمفهوم المفقود وتعزيز مبدأ التكاملية في الجهود.
وشدد الوزير الويس على أهمية محاسبة كل من تسبب في جرائم الإخفاء القسري أو المقابر الجماعية، باعتبارها جرائم حرب، موضحا دور هيئة العدالة الانتقالية والمجلس التشريعي القادم في وضع الأطر القانونية والمعايير الدقيقة للمحاسبة.
الثورة السورية
————————-
عامٌ بعد السقوط: سوريا في عهدة “قانون نيوتن الأول”/ صهيب عنجريني
المتحمسون لأداء السلطة السورية يتحدثون عن رفع العقوبات ودور الاستثمارات الأجنبية القادمة. المعترضون، في المقابل، يشيرون إلى “ضرورة التدخل الدولي لوضع حد للانتقامات”. هاتان الوجهتان حاضرتان في مدن سوريا الكبرى اليوم.
تهبط الطائرة في مطار حلب الدولي، قادمةً من مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنيّة. تُسمع شهقاتٌ وتنهدات متفرقة، وسرعان ما تطغى عليها زغرودة أطلقتها إحدى السيدات.
ركّاب الطائرة بالكامل من أبناء حلب، قدموا من وجهات عديدة، قبل أن تجمعهم هذه الطائرة في عمّان وتطير بهم إلى مدينتهم. هي الزيارة الأولى لبعضهم منذ سنوات طويلة، برغم مرور نحو عام على سقوط نظام بشار الأسد.
يُقسم عمر أنه حلُم بهذا المشهد مراتٍ عديدة على امتداد سنوات لجوئه في ألمانيا، وأنه كثيرًا ما استيقظ من الحلم غارقًا في دموعه، وأخيرًا تحقّق الحلم. “والله العظيم حيسس (أشعر) بدو يوقف قلبي” يصرخُ الرجل الأربعيني ملء صوته، ويؤكد أنه لم يعد يقوى على الصبر إلى أن تتوقف الطائرة على المدرج ويُفتح بابها.
منافذ حدودية “مهذبة”
على امتداد زيارات عديدة في العام الأخير عبر منافذ حدودية مختلفة، برية وجوية، لم يتغيّر الانطباعُ الذي حملتُه معي بعد أول دخول إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد. كنتُ قد قلت لصديقة حينها مجيبًا عن سؤال: “كيف شفت الحدود؟”، إنني رأيتُها “مهذبة” للمرة الأولى في حياتي.
يُبدي الموظفون ودًّا ولطفًا لافتين، يعوضان شيئًا من تواضع المطار وبنيته التحتية. ومقارنةً بآخر زيارة لي عبر مطار حلب، كان ملحوظًا تحسُّن الأداء وسرعة إنجاز إجراءات الدخول، وتلفت النظر مجموعة موظفات يبدو واضحًا أنهن يخضعن للتدريب استعدادًا لرفد الكادر بهن.
لا تزال العاطفة حاضرة بقوّة في صالة استقبال الواصلين بعد عام من سقوط نظام الأسد. أسرٌ في انتظار أحبابها، أمهات يتحرقن شوقًا للقاء أول بعد حرمان طويل، عناقات حارّة، وورودٌ، وفرقةُ عراضة تتهيّأ لاستقبالٍ بـ”طنّة ورنةّ”.
حلب النقائض
بمجرد مغادرتك المطار، أنت على موعد مع صورة مغايرة. ففي حين تجمع معظم من في المطار مشاعر مشتركة تدور حول الفرح، يمكنك في معظم تفاصيل مدينة حلب تلمّس الشيء ونقيضه في آن واحد. يُهيمن الحماس والابتهاج على معظم العائدين من الشمال ومن تركيا بعدما كادوا يفقدون الأمل، فيما تُفصح الخيبة عن نفسها بوضوح لدى العديد ممن لم يغادروا المدينة، وأصروا على البقاء فيها إبّان خضوعها لسيطرة نظام الأسد. “بيعتبرونا شبيحة خيو، ما بخبوها، بقولوها بوجوهنا”، يقول إحسان، وهو صاحب متجر للمواد الغذائية. يستفيض الرجل في شرح معاناته ومعاناة أمثاله: “فجأة صار في ناس بشوفونا درجة تانية. صار في مين يقلك: إنت ما تهجّرت ولا تغرّبت وما بيطلعلك تحكي، احمد ربك ما حدا قرّب عليك وتاركينك أنت وأمثالك عايشين بيناتنا”.
يحضر هذا التذمّر على كثير من الألسن في حلب، ويبدو لافتًا أنه قد يُسمع في الأماكن العامة بلا تردد. في مقهى وسط المدينة، تلتفت الأنظار فجأة نحو إحدى الطاولات بعد أن ارتفع صوتٌ غاضب يصرخ: “وبيجي بقلك حررتك، لأ خيو ما حدا حررني”. تُسارع إحدى العاملات في المقهى إلى رفع صوت الموسيقا، فيما تتواصل الأحاديث بعد أن تخفت الأصوات.
لسنوات طويلة، عرفت حلب نوعًا من الصراع المديني الريفي، منطويًا على أبعاد اجتماعية واقتصاديّة في المقام الأول. وقد أسهمت سياسات نظام الأسد الابن في تعزيز هذا الصراع، قبل أن تنعكس آثاره بوضوح على خريطة الاحتجاجات منذ العام 2011 في سوريا عمومًا، وفي حلب على نحو خاص. ورويدًا رويدًا، خرجت الأحياء الأكثر فقرًا عن سيطرة النظام السابق، ومعها مساحات شاسعة من الريف المهمّش، ودفع أبناء تلك المناطق أثمانًا فادحة، قتلًا وقصفًا وتهجيرًا. ومنذ أن سقط النظام في حلب أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بدا أنّ شريحة من العائدين من التهجير ترى نفسها في صورة “المنتصر العائد لتصفية الحسابات مع الآخرين”.
اليوم يُرخي هذا الواقع ظلاله على حلب، ويُراكم احتقانًا متزايدًا، لا سيما أن مظاهره لا تقتصر على تراشق التهم، بل تنسحب على خريطة النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ليشعر كثرٌ من أبناء المدينة أنّهم مهدّدون حتى في لقمة عيشهم. ويُمكن بوضوح تلمّس حالة من الانكماش التضخمي تهيمن على المناخ الاقتصادي العام، مع ما يعنيه هذا من مخاطر على المدى المتوسط، في مدينة يُقاس كل شيء فيها بميزان الاقتصاد.
لا توافق نائلة على هذا المنظور، وترى فيه مبالغة واستعجالًا. تشرح السيدة، وهي مُهندسة ثلاثينية، كيف أُقصيت سابقًا من وظيفتها في إحدى الدوائر العامة “بس لأن عندي إخوة شاركوا بالثورة”، وتضيف بانفعال: “خسرنا كل شي: بيوتنا، وأرزاقنا، واشغالنا، وناس من أهلنا، وما كان عنا حتى أمل نحلم نستعيد شي، طيب لما نكون منعرف مين اللي كتبوا فينا تقارير، ومين اللي شبّحوا علينا، شلون بدنا نقبل نشوفهم مكملين حياتهم عادي؟”.
تتكرّر مثل هذه النقاشات والآراء في جلسات عديدة، لتُفضي إلى استنتاج بديهي: ما لم تُضبط كل التحولات وفق مسارٍ لا يقوم على الانتقام، فنحن أمام ترسيخ الاحتقان، وتكريس الانتقام نمطَ حياة. لكن السلطات تبدو ــــ حتى الآن ــــ بعيدة عن السلوك المأمول، فلا ملامح واضحة لسياسات تشميلية عادلة، ولا نهجًا مفهومًا للتعيينات الإدارية في أهم مفاصل القرار. وبدلًا من ذلك، يسود اعتقاد راسخ لدى شريحة من أبناء المدينة بالإقصاء والتهميش، وبأن مواقع القرار محجوزة لا وفق “الولاءات الثورية” فحسب، بل واستنادًا إلى مُحاصصات فئوية، مع تداول كلام عن أن إدارة حلب فُوّضت بالكامل لـ”الجبهة الشاميّة” وفق اتفاق غير مُعلن بين رأس الهرم في دمشق، وقيادة “الشاميّة” التي بات قائدها العام عزام غريب (أبو العز سراقب) محافظًا لحلب منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2024.
دمشق.. و”الدفع الذاتي”
يختلف ظاهر الصورة في دمشق عمّا هو عليه في حلب. توحي الملاحظة العامّة أول الأمر بأن “كل شيء يتحرك نحو الأمام”. فالمزايا التي تحظى بها العاصمة بشكل طبيعي تتيح تدوير كتلة ماليّة كبيرة، وهذه بدورها تخلقُ ما يُسمى في عالم الاقتصاد بـ”الوهم النقديّ” الذي يُخلّف شعورًا إيجابيًّا مؤقتًا. وخلافًا لما هو عليه الحال في حلب، لا يتذمر معظم من حادثتهم في دمشق من قلة الموارد وضعف الحركة الاقتصادية، بل يُركزون على أن “المصاري عم تخلص بسرعة”.
خلال حديث قصير، يُعبّر أبو عمر، وهو سائق سيارة أجرة، عن تلك المفارقة بشكل عفوي: “أخي والله ما عم أفهم، الحركة ممتازة الحمد لله، وعم نطلع مصاري منيح، بس عم تتبخر.. تقول ما لها بركة!”. وعلى نحو مشابه، تفرض العاصمة إيقاعًا شديد السرعة للحياة اليومية، وهذا بدوره يصرف الشارع عن التفكير بالكُليّات، ويجعل التركيز مقصورًا على “عيش كل يوم بيومه”.
في المجمل، ثمة تغيرات ملحوظة في الشعور الجمعي العام في دمشق، عمّا كان عليه في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي. يمكنك تلمّس تأقلمٍ أكبر مع المتغيرات المتسارعة، مع شيء من الأريحية قد يكون ناجمًا عن تفاصيل صغيرة، لكنها تُشكل حاجة ملحّة على بساطتها، مثل التحسن الملحوظ للتيار الكهربائي، وانخفاض بعض مظاهر التشدد التي فرضت نفسها على الفضاء العام في مناطق عديدة من دمشق لشهور طويلة. لن يُحدثك أحد اليوم عن “سيارات الدعوة”، أو عن التضييق على اللباس وأماكن السهر، ونحو ذلك من تفاصيل. وفي أحياء عديدة ستلاحظ بيسر أنّ الفضاء العام يحظى بقدر من الحريّة. لكنّ تحفيز الأحاديث العابرة عبر طرح أسئلة تفصيلية قد يكشف صورة مختلفة تحت السطح، فالخوف لا يزال حاضرًا عند الخوض في أي حديث يتعلق بالسويداء على سبيل المثال، وبتجربة إحصائية بسيطة لاحظت أن سبعة أشخاص خضتُ معهم نقاشات متفرقة دون سابق معرفة قد اختصروا النقاش بعبارة “الله يفرّج”، أو “الله يهدّي البال”، فيما أظهر أربعةٌ آخرون انفتاحًا على النقاش، وطرحوا آراء متباينة حول الوضع السياسي العام في البلاد، وكان القلق والحذر حاضرَين في كل تلك الآراء، شأنَ الحيرة والأسئلة المعقّدة حول المستقبل القريب.
مع تحيات نيوتن
حتى اليوم تُستعاد أحاديث “ما قبل السقوط” بكثافة في دمشق. المُقارنات حاضرة بحذر، والاحتفاء بالتغير الكبير كذلك، ولا أحد يهرب من حقيقة أن “الأمل معقودٌ على الخارج”، وإن اختلفت التعبيرات. المتحمسون لأداء السلطات الانتقالية يتحدثون عن رفع العقوبات، ودور الاستثمارات الأجنبية القادمة. وبعض المعترضين على طريقة إدارة البلاد يشيرون إلى “ضرورة التدخل الدولي لوضع حد للأحقاد والانتقامات”، فيما يشير آخرون في جلسات خاصة مغلقة إلى أن “التغيير حتمي”، وأن “مجلس الأمن سيتدخل في لحظة ما”. يكاد قانون نيوتن الأول يوجز أحوال سوريا بأكملها: “الجسم الساكن يبقى ساكنًا، والجسم المتحرّك يبقى متحركًا، ما لم تؤثر عليه قوى ما”.
* *
“خلصت الإجازة؟”، يسألني سائق سيارة الأجرة الذي أقلّني إلى مطار دمشق الدولي، فأجيبه: “إي والله، بس في رجعة قريبة ان شالله”. يصمت لحظات، ثم يقول بنبرة حيادية: “مجنون اللي بيرجع”، وقبل أن أردَ بشيء يضيف: “إلا إذا جاي يسوح كم يوم، وبيقدر يسافر وقت بدو”. أكتفي بالصمت، بينما أفكر بأن معظم التفاصيل داخل سوريا تدور منذ عقود طويلة حول انعدام فُرص الاختيار، وأن هذا الواقع لم يتغيّر بعد.
موقع أوان
———————————
دمشق بين الأنقاض والجثث والأمل/ توران قشلاقجي
احتفل السوريون في 8 ديسمبر 2025 بمرور عام على واحدة من أثقل وأطول ليالي تاريخهم؛ تلك الليلة التي بزغ فجرها قبل عام تماما. ففي هذا اليوم قبل سنة، دخلت القوى المعارضة إلى العاصمة دمشق، وانهار معها نظام البعث الممتد منذ 61 عاما، وسقطت سلالة الأسد التي حكمت 54 عاما في ظلمات التاريخ. لم يعد هذا التاريخ مجرد ورقة في تقويم؛ بل غدا نقطة تحوّل في قدر شعب صاغته الدماء والصبر والمنفى والأنقاض.
اليوم يستحضر الشعب السوري ثورته التي سقى أرضها بدمائه من أقصاها إلى أقصاها. أمام أهل هذه المنطقة العريقة، التي أنهكتها ممارسات الاستبداد والاحتلال والانقلابات وحروب الوكالة طوال قرنين، طريق طويلة وشاقة. لكن سوريا ليست مجرد دولة؛ إنها من أقدم مفترقات الحضارة، ومن أعمق مراكز الذاكرة التاريخية. وتعافي دمشق لن يكون بشرى طمأنينة لجيرانها فحسب، بل سيشكّل كذلك بارقة توازن وهدوء للمنطقة برمتها.
كنت في دمشق الشهر الماضي، ورغم كل جراحها، بقيت هذه المدينة العتيقة تنبض بالحياة. كان التاريخ يمتزج برائحة العوادم، وينساب من جدران الأزقة العتيقة ليلامس وجوه الناس المتعبة. خطوة واحدة تكفي لشمّ رائحة الخراب، وأخرى لتشهد على إصرار الحياة على المضيّ. وفي أرض شهدت وحشية لا نظير لها، يمشي المرء فوق آثار الألم في كل خطوة، لكن تلك الابتسامة الخفيفة التي ترتسم على وجوه من التقيناهم قرب الجامع الأموي، كانت تبشّر بأمل ما يزال حيّاً وسط كل هذا الخراب. كأنّ الحجارة تحطّمت، لكن إرادة الحياة في الإنسان لم تنكسر. يكاد كل مسؤول التقينا به يؤكد أنّه رغم مرور عام كامل، ما تزال تُكتشف يوميا عشرات المقابر الجماعية الجديدة. فبعد انهيار نظام الأسد، تواصل سوريا فتح أرشيف الموت. ما يُسمّى بـ»المقبرة الجماعية المختلطة»، وهي حفر تُلقى فيها الجثث متراكمة فوق بعضها، بلا هوية، بلا اسم، بلا صلاة. من كل أنحاء البلاد تتفجّر عظام البشر. ويرجّح أن تعود هذه الرفات إلى آلاف الأشخاص الذين قُتلوا خلال حقبتي حافظ وبشار الأسد. لقد حوّل النظام البلاد، بالمعنى الحرفي، إلى مقبرة هائلة. تحاول مراكز تحديد الهوية التي أنشأتها الحكومة السورية الجديدة استخراج الهويات من آلاف القطع العظمية. ويذكّر الخبراء بتجربة حرب البوسنة، مؤكدين أن العملية قد تستغرق سنوات طويلة. ولا يبدو أن سوريا ستتوقف قريبا عن مواجهة جثث ماضيها.
من جهة أخرى، يجب على الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته، والدول الإقليمية أن يدركوا جيدا أنّ إسرائيل لن تتخلى عن مشاريعها لا في لبنان ولا في سوريا. لأن السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط تتركز مباشرة على الجغرافيا المحيطة بها؛ خصوصا على خطّ لبنان ـ سوريا ـ العراق ـ الأردن. ويُعدّ دافيد بن غوريون أحد مهندسي هذه الرؤية. ومن خلال مذكرات موشيه شاريت أول وزير خارجية لإسرائيل ورئيس وزرائها بين 1955–1953، يمكن رؤية هذه الاستراتيجية بوضوح: صناعة الفوضى في الدول المجاورة، وتفكيك الأقليات، وإنشاء كيانات مجزّأة، وجعل إسرائيل القوة الثابتة الوحيدة في المنطقة.
ومع اقتراب عام 2026 بعد أسابيع قليلة، يبقى الملف الأكثر حساسية في سوريا هو دمج قوات سوريا الديمقراطية في الحكومة الجديدة. فاتفاق العاشر من مارس، الذي وقّعه كل من الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، يحدد إطار هذا المسار بثماني نقاط. وحتى الآن، زعمت قوات سوريا الديمقراطية التزامها بالاتفاق لتكسب مزيدا من الوقت. وقد أظهرت ثلاثة تطورات متتالية في الأيام الأخيرة، أن العملية تتجه نحو مزيد من التوتر. أولها صور تُظهر تحرك أرتال من القوات التركية عبر خطوط عفرين ورأس العين وحلب باتجاه منبج. وثانيها ظهور الرئيس الشرع بزيّه العسكري في الجامع الأموي خلال احتفال التحرير. وثالثها مقابلة مظلوم عبدي مع صحيفة إسرائيلية في اليوم نفسه، رغم قراره حظر الاحتفالات.
ارتداء الشرع للزي العسكري لا يحمل طابعا استذكاريا، بل رسالة واضحة: «عند الحاجة نرتديه مجددا». أما التحركات التركية، التي يصفها المسؤولون الأمنيون بأنها «نشاط روتيني»، فهي جزء طبيعي من جاهزية الجيوش. قنوات التنسيق الأمني والاستخباراتي بين تركيا وسوريا تعمل لحظيا ويوميا. والتفويض البرلماني التركي الممدد ثلاث سنوات يتيح دعما شاملا عند الضرورة من الجو والبر. وقد زالت معظم القيود السياسية التي كانت في عهد الأسد. مفاوضات الاندماج الآن في أكثر مراحلها حساسية، ففي المراحل الأخيرة، غالبا ما يتظاهر الطرفان بعدم التراجع. وعلى الأرجح سيظهر حلّ توفيقي لا يرضي أحدا بالكامل. وخلال الأسابيع المقبلة سيزداد الحديث عن الملف السوري بشكل مكثف.
خلاصة القول؛ إن حكومة الشرع، رغم كل هذه الجراح، تحمل أمامها فرصة تاريخية، والإقدام على التحدي هو علامة القيادة؛ والقيادة دائما مغامرة تنطوي على المخاطرة. واليوم، لا تواجه سوريا مهمة بناء دولة فحسب، بل مسؤولية إعادة تأسيس أخلاق إقليمية جديدة، وعلى حكومة الشرع، بدعم من تركيا وقطر والسعودية، تشكيل تحالف قوي محوره فلسطين، يمتد من بغداد إلى دمشق وبيروت والقاهرة. لأن مستقبل فلسطين هو أيضا مستقبل هذا الحزام الإقليمي. وكلما التأمت جراح دمشق، ازدادت أنفاس غزة قوة.
كاتب تركي
القدس العربي
————————–
عندما جاء النصر…/ فيصل خرتش
11 ديسمبر 2025
تحقَّق النصر كما تريده سورية، إنَّني أرى الرجال والنساء والأطفال فرحين بما آتاهم الله من نصر مبين، فإذا النساء يزغردن، وإذا الرجال يهزجون، والأطفال يرقصون، وكلٌّهم يدورون في فلك واحد. إذًا تحقَّق الحلم، وها هي الثورة قد وقعت على أرضنا بعد أربعة عشر عامًا من المعاناة والظلم والقمع، قضوها في المخيمات وبلاد اللجوء ينتظرون اليوم الموعود، وها قد حصل. جاؤوا يحملون أحلامهم وأمانيهم باليوم الموعود الذي يبشِّر بالنصر المبين. لقد أعدّوا لهذا اليوم منذ أكثر من عام، وانتظروا على أحرّ من الجمر حتى يخلِّصوا البلاد من عقابيل الذين يريدون لهذا الوطن أن يبقى متخلِّفًا يدور في فلك الدول الأخرى، وينتشر فيه الفساد والرشوة وكأنهما قدر لا يمكن الفكاك منه.
قبل عام من الآن كنَّا نجلس في المقهى، عندما رنَّ هاتف أحدنا، كانت ابنته هي التي تتلفن. كانت تقول: إنَّ المسلحين باتوا على شفا خطوتين من المدينة. لم نكن نعلم شيئًا عن تفاصيل الدخول إلى قلب المدينة، وعند ذلك قال الجالس معنا: لا تخافي يا ابنتي، لن يحصل شيء من الذي تتوقعين. أغلق الهاتف، ثمَّ انتشرنا كلٌّ في مكان.
عرَّجتُ في طريقي على الأمن السياسي، فوجدتهم منتشرين وهم يحملون البواريد عاليًا، ويرتدون الثياب السوداء، ويعصبون رؤوسهم بعصائب جلدية. انتشروا في كلِّ مكان، وقطعوا الطريق، وهم يصرخون على الناس: ممنوع الاقتراب من هنا! انزل من الرصيف! ألا تفهم يا حيوان؟ لا تمشِ في وسط الشارع يا كرّ! كانوا متوترين وعصبيين.
انطلقت إلى الأمام، ووصلت إلى محطة البنزين، وإذ السيارات تصطف وراء بعضها تريد ملء خزاناتها. تابعت إلى الحديقة العامَّة، فوجدتها فارغة إلا من بعض الأشخاص القلائل الذين يتبعثرون فيها. اليوم جمعة، ومن عادة الناس أنها تقدِّس هذا اليوم، فتخرج إلى التنزّه خارج البيوت. ماذا حصل؟ معقول أن يأتي الثوَّار إلى هنا؟ لقد رحلوا من المدينة بواسطة الباصات الخضر، وهم يحملون أحزانهم وأولادهم ونساءهم إلى بلاد بعيدة. فهل عادوا مرَّة ثانية؟ وصلت قريبًا من بيتي، وإذ بالعشرات من هؤلاء يركضون، هم وأزواجهم وأولادهم يحملون الحقائب والبواريد وهم يريدون الخروج من المدينة، يرتدون الثياب المبرقعة، وعلى وجوههم تبدو إمارات الخوف.
وصلت إلى البيت، لم أدرِ ما الذي حصل؟ كانت الكهرباء مقطوعة، إنَّها تأتينا كلَّ يوم ونصف مدة ساعتين. ونمت مبكرًا هذه الليلة. وعند الفجر خرجت إلى ساحة سعد الله القريبة من بيتي، وفي الطريق شاهدت جنودًا لم أرَ مثلهم من قبل، كانوا يضعون النقاب على وجوههم، ويرتدون الثياب التي لها لون الصحراء، يقفون عند وزارة الخارجية. تابعت الطريق، وعندما بلغت الساحة، وجدت الناس من رجال ونساء وأطفال يفرحون بما أتاهم الله من نصر عظيم. كانت النساء تزغرد، والرجال يهتفون ويغنّون:
**ارفع راسك فوق أنت سوري حرّ**
معقول أنَّ الناس لم تنم؟ إنهم جاؤوا من كلِّ الأطراف يريدون الاحتفال بالنصر، والجنود الذين جاؤوا كانوا منصهرين مع البشر، لكنَّهم لم يكلِّموا أحدًا، هكذا يقفون وهم يضعون بنادقهم على صدورهم، وعلى وجوههم نقاب كي لا يعرفهم أحد. سألني أحدهم: “عمُّو، أنت من هنا؟”، فهززت برأسي. وقال لي: هل تعرف أين تقع المشهد؟ أريد أن أزورها وأزور أمي، لقد مضى زمن طويل لم أرَها فيه.
طوى المقاتلون الطريق الغربي إلى سراقب، وعندما وجدوها فارغة تابعوا الطريق إلى معرة النعمان، وأيضًا لم يجدوا أحدًا فيها. طاب لهم الطريق، ساروا بسياراتهم إلى حماة العزّ. لقد ذهبت عناصر الأمن إلى بيوتهم، والجيش والشرطة كذلك، تركوا الأسلحة واللباس وذهبوا كأنهم كومة من الملح ذابت. اندفعوا إلى حمص، وفي الطريق عندما أرادوا عبور جسر الرستن، جابهتهم قوّة صغيرة هي عبارة عن لواء، وعندما اكتشف أنَّه غير قادر على المجابهة، انسحب إلى طرطوس، وقُصِف الجسر.
تابعوا ناحية السلمية، فاستقبلهم الأهالي بالزغاريد، ورُفعت أغصان الشجر لتحيّتهم، وردّوا عليهم بالتحيات التي منَّ الله بها عليهم. ثمَّ وصلوا إلى المشرفة عند مدخل المدينة، واستقبلهم الأهالي بالزغاريد. وعندما أدركوا أنَّ الطريق آمن، انطلقوا إلى دمشق. عند طلوع التنايا فهموا أنَّ ثوار درعا قد وصلوها، واحتلوا مقرّات فروع الأمن والشرطة والجيش، وكافة مراكز الدولة الحساسة وقعت بأيديهم، كما بُلِّغوا أنَّ أهالي جرمانا قد حطّموا تمثال الرئيس السابق في ساحته. عند ذلك دخلوا دمشق فاتحين يرفعون رايات النصر.
لقد هرب الرئيس الذي كان طبيب عيون، فتحوّل إلى طاغية سفّاح، وفرَّ معه المقرّبون الذين كانوا يسومون الشعب أسوأ معاني المذلة والقهر والظلم. لقد تحرّرت البلاد من هول ما فعلوه من جرائم قام بها الأب والابن ومن يلوذ بهما، وعمَّت الفرحة جميع أبناء الشعب. هلِّلي يا سورية فالشعب انتصر.
تحرَّرت السجون، وحزب البعث اندحر إلى الأبد، وعيَّن أحمد الجولاني نفسه رئيسًا على البلاد، لا بل إنَّه غيَّر اسمه إلى أحمد الشرع لترفَع العقوبات عنه. وتعزَّز موقع سورية في العالم، وباتوا ينظرون إليها على أنها بلد بحاجة إلى المساعدة، وأنَّ الله على نصرها لقدير.
لقد ضحَّى أبناء سورية كثيرًا حتى استطاعوا أن يحقِّقوا مثل هذا النصر.
وما نأمله هو أن تعود سورية كما عهدناها، بلدًا حرًّا متقدّمًا يشهد لها العالم بالعلم والحضارة.
ضفة ثالثة
—————————-
=======================
تحديث 10 كانون الأول 2025
———————————
مفاتيح دمشق
سلسلة وثائقية تستعرض قصة تحرير دمشق في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، ثم تعود بالمشاهد إلى البدايات الأولى للثورة السورية وفترة الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في مارس/ آذار 2011، قبل الانتقال إلى مرحلة العمل المسلح وما تلاها من تطورات.
ويتوقف الفيلم، تبعًا للمواقع التي يمرّ بها، عند محطات بارزة في تاريخ سوريا المعاصر، خاصة منذ استيلاء البعث وآل الأسد على السلطة، وما رافق تلك الحقبة من أحداث دامية خلال أواخر السبعينيات وأواسط الثمانينيات.
00:00 المقدمة
00:50 قوات ردع العدوان تدخل دمشق ظهر يوم 08 ديسمبر 2024
02:10 الشرع: دمشق تاريخ عظيم وهي مفرق تاريخي في كل مراحل التاريخ
02:25 اليوم الأول لبدء عملية ردع العدوان في 27 نوفمبر 2024
04:44 مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط: الدبلوماسية الدولية كانت في حالة صدمة مما حدث في سوريا
06:06 رئيس الوزراء السوري السابق، محمد الجلالي، يروي تفاصيل اجتماع الدوحة قبيل سقوط نظام بشار الأسد
09:25 الشيباني: كنا نفكر كيف نستطيع أن نحيد الفاعل الروسي ونحن في منتصف المعركة
11:50 أين اختفت قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة التي لطالما كانت الحامي لنظام الأسد؟
16:15 كيف تم تطويق دمشق في ليلة 07 ديسمبر 2024؟ مدير أمن مدينة السويداء يوضح
20:02 محمد البشير، وزير الطاقة ورئيس حكومة الإنقاذ السابق، يروي تفاصيل اليوم الأول بعد سقوط نظام الأسد
24:50 مشاهد من وصول الشرع في تمام الساعة الخامسة مساءً يوم 08 ديسمبر 2024 إلى مسجد بني أمية في دمشق
28:50 أنس خطاب: بمجرد دخولنا إلى دمشق كانت التوجيهات بالحفاظ على البنية التحتية وفرض الأمن
31:40 وزير الدفاع السوري: تحركنا إلى الساحل وكان التحدي ألا تندلع حرب أهلية
33:50 أولى الانفجارات تدوي في حي المنزل عند الساعة الواحدة ظهر يوم 08 ديسمبر 2024 في قصف إسرائيلي
36:44 خبير عسكري: بسقوط نظام الأسد ألغى نتنياهو اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 واجتاح ما تبقى في الجولان
39:12 فجر 09 ديسمبر 2024 قوات ردع العدوان تدخل طرطوس واللاذقية
41:00 عبد القادر الطحان: عملنا منذ استلام مكتب حلب على بناء منظومة استخباراتية
43:28 محافظ ريف دمشق: أعدادنا فريق خاص بعمليات الاختراق لضباط نظام الأسد وحصلنا على معلومات دقيقة عن جيش الأسد
45:15 دعم عربي ودولي للمرحلة السياسية الجديدة في سوريا
47:48 مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا: كنت أول ممثل للمجتمع الدولي يزور الشرع بعد أسبوع من توليه السلطة
50:18 الشرع: في 11 يوم وتحررت سوريا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها
51:13 الشرع: التفاعل الشعبي والفرحة التي ظهرت في عيون الناس أوصلت رسالة بليغة لكل العالم بأن قيدهم قد حُل
51:48 الختام
———————————
بعد عام على التغيير… سورية جمهورية اللافعالية/ غازي دحمان
10 ديسمبر 2025
مرّ عام على التغيير في سورية، سقط الأسد وسقطت معه مرحلة كاملة، بسلوكيّاتها وسياساتها ومنطقها، ووصل إلى السلطة فاعلون جُدّد، كانوا جزءاً من الثورة على نظام الأسد، ولكن بفكر واستراتيجيات وتكتيكات مختلفة، على الأقل، عن الثورة في صورتها الأولى ومسارها في البدايات.
بالتقييم السياسي الموضوعي، والبحث عن النتائج السياسية المُحقّقة، كان عاماً مُضيّعاً، خالياً من أيّ نتاج سياسي ذي قيمة، إذ لا السلطة ولا المعارضة أنتجا محتوى سياسياً مهماً يمكن البناء عليه، أو اعتباره تأسيساً لمرحلة سياسية، كان من الطبيعي أن تتزامن ولادتها مع التغيير الفيزيائي، سقوط منظومة، وحلول أخرى محلّها.
الحاصل السياسي للعام الماضي أنّ السلطة التي تسلّمت مقاليد الحكم عملت على تكريس حكمها البلاد فترات طويلة مقبلة، فلم تُقدِم على بناء مؤسّسات حقيقية ولا بنى سياسية تؤشّر إلى ولادة مرحلة جديدة، أو تكون متقاربة مع التصوّرات التي بناها السوريون عن التغيير في سورية، ولو افترضنا أنّ التصوّرات لا يمكن ترجمتها على شكل وقائع بشكل عام، فإنّ ما تمّ شغله على الواقع يمثّل انحرافات عن التصوّر والمأمول وانزياحات من شأنها، إذا ما استمرّت صيرورة مراكمتها، إعادة تشكيل البلاد على كلّ المستويات بشكل مُفارق عمّا أراده السوريون.
ترجمة هذا الكلام تتبدّى بشكل جلي عبر إجراءات عديدة جرى رسمها على مدار العام الماضي، ولا سيما على صعيد الهياكل المؤسسية والبنى السياسية، من تشريعية إلى تنفيذية وقضائية، والتي بالطبع تحمل طابع الديمومة وليس الانتقال، ذلك أنّ من شأن الهامش الذي منحته السلطة لنفسها، خمسة أعوام انتقالية، أن يعيد تركيب المشهد السوري عبر تفاصيل مطلوب عدم معارضتها بذريعة أنّها تصحيح للخراب الذي خلّفه النظام السابق، لكنها تفاصيل في سياق صناعة واقع جديد وضمن استراتيجية الاستحواذ على السلطة إلى يوم القيامة.
اهتمّت السلطة الحالية بعقد الصفقات، حتى غدت الصفقات، بعيداً عمّا إذا كان تنفيذها ممكناً من عدمه، بطلة المشهد السوري ومحرّكه الأساسي، وبدا أنّ السلطة على استعداد للقيام بصفقات مع رجال النظام السابق، ومع إسرائيل، ومع روسيا وأميركا، ومع الشياطين إن أمكن، وفق حسابات تقوم على أنّ الصفقات تمثّل عنوان الفعالية، وهذه أساس شرعية النُظم السياسية في العصر الحديث، وبالأخصّ تلك التي تصل للسلطة بطرق غير تقليدية.
في المقابل، لم تنتج المعارضة في سورية أي محتوى له أهمية على الصعيد السياسي، بالأصل المعارضة السياسية في سورية ليست موجودة؛ أين هياكلها وأين أفكارها وأين قادتها؟ ما هو موجود على الساحة مجرّد حفلة ردح أبطالها أشخاص يبحثون عن الشهرة أو حتى عن مناصب داخل منظومة الحكم الحالية، صحيح أنّ هناك توسّعاً في الفضاء المدني، يمكن ملاحظته من خلال عودة التجمّعات العامة والمناقشات عبر المنتديات، مع حرّية الانتقاد، من دون فعالية تُذكر وبلا منهجية وأسس صحيحة للتأثير بصنّاع القرار أو بتوجّهات السياسة السورية عموماً.
المحاولات الأكثر وضوحاً في سورية هي ما يحصل في مناطق الأطراف، والتي يمكن إدراجها في سياق إعادة تشكيل موازين القوى، لكن يبدو أنّها انحرفت عن مسار إبراز فاعلين جدّد مؤثّرين في صنع السياسات، إلى قيادة تلك المناطق للانفصال عن البلد، ومن ضمن أهدافها ليس النجاة من قارب يوشك على الغرق كما يُصوّر بعضهم وإيجاد مسارات جديدة لتلك المناطق، وإنما انتقام ونكاية بالتغيير والزُمر التي تمثّله.
وهكذا، بين إصرار جماعة الحكم على تصميم السلطة لهم ومكايدات الأطراف المقابلة، استُنزفت طاقات كبيرة لا علاقة لها بالتطوير السياسي ونظام الحكم ولا مستقبل البلاد، بل جرى تطوير سرديات المظلومية، من كلّ الجهات، وتأسيس صراعات الهُويّة، بعد شحنها بطاقات كبيرة، من الدم والألم والخراب، كان من نتيجتها تشييد جدران عالية تكرّس التباعد بين السوريين.
بعد عام بلا فعالية أو جدوى سياسية، تدخل البلاد عاماً آخر من دون أيّ أفق لحصول تغييرات مهمّة، في بلد يحتاج كلّ شيء، بما فيها، وربّما أهمها، جهود جميع أبنائه للخروج من مأزق الواقع الحالي، لا أن يتم صرف هذه الطاقات في بازارات الكراهية التي باتت الأطراف السورية تُقيمها بمناسبة أو من دون مناسبة في أجواء احتفالية وحالة من الفخر والانتشاء غير مبرّر، فضلاً عن عدم منطقيّتها.
قد لا تحتمل سورية عاماً آخر على شاكلة العام الذي مرّ، وهذا ما يجب التنبّه إليه جيّداً ممّن تهمهم مصلحة البلاد، لكن من قال إنّ الفاعلين الجدّد في سورية، بكلّ انتماءاتهم وتوجّهاتهم، تهمهم سورية أكثر من مصالحهم المباشرة، من قال إنهم ليسوا من قماشة الأسد الذي قرّر حرق البلد إن لم يأت على هواه؟
أبداً، ما جرت ممارسته عبر عام مضى ليس مناورات سياسية ولا ضغوط هدفها التطوير السياسي أو تحسين الواقع السوري، ما جرى كان تأسيساً واعياً لأهداف وغايات أخرى، قد نرى نتائجها الكارثية في العام القادم، إلّا إذا ظهر سوريون جدد وأوقفوا مسار الانحدار.
العربي الجديد
———————————
عام على سقوط الأسد… تحصين السلم الأهلي يبدأ من العدالة الانتقالية/ محمد أمين
10 ديسمبر 2025
من بين الملفات الأكثر أهمية في سورية ما بعد مرحلة نظام الأسد، يبرز ملف العدالة الانتقالية الذي يأتي في مقدمة اهتمام السوريين المنتظرين محاكمات عادلة وعلنية لكل من شارك في ارتكاب جرائم، سيما تلك التي جرت ما بين عامي 2011 عام الثورة على النظام السابق وعام 2024 الذي شهد سقوطه. وعلى مدى أكثر من 13 عاماً ارتُكبت مجازر وعمليات قتل جماعية بحق عشرات آلاف السوريين، موثقة من قبل منظمات حقوقية تطالِب الحكومة السورية اليوم بإيلاء مسار العدالة الانتقالية ما يستحق من اهتمام لتحصين السلم الأهلي. الإدارة السورية الحالية بدأت منذ الأيام الأولى لتوليها مقاليد الأمور في البلاد، عمليات مطاردة لآلاف المتهمين بارتكاب جرائم من عسكريين وأمنيين وسياسيين بل وحتى رجال دين من الصفوف الأولى والثانية والثالثة من النظام الأسبق، لم يتمكنوا من الفرار خارج البلاد. وجرى إيقاف المئات منهم بعضهم من رتب عسكرية رفيعة، ومنهم من عُرض على قاضي التحقيق في دمشق تمهيداً لإحالته الى محاكم مختصة، لم تُعرف بعد تفاصيل عملها وأبعاده.
ضرورة المساءلة والمحاسبة
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في مايو/أيار الماضي مرسوماً بتشكيل هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية، تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وفي أغسطس/ آب الماضي، أصدر الشرع، مرسوماً بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مكوّنة من 13 عضواً، بينهم رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف ونائبته زهرة نجيب البرازي. ونص القرار الرئاسي على أن يباشر أعضاء لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مهامهم فوراً، على أن يتم توزيع المهام وفق النظام الداخلي للهيئة. وأعلن عبد اللطيف التزامه الكامل بالعمل الجاد لـ”كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد”، و”مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية”، و”جبر الضرر الذي لحق بالضحايا”، و”ترسيخ مبادئ عدم التكرار، وتعزيز المصالحة الوطنية”.
وعن الخطوات التي قامت بها هيئة العدالة الانتقالية منذ تأسيسها، أوضح عضو اللجنة المحامي رديف مصطفى لـ”العربي الجديد”، أنه “شُكّلت ست لجان ضمن الهيئة هي: لجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة ولجنة جبر الضرر ولجنة تخليد الذاكرة ولجنة الإصلاح المؤسساتي وأخيرا لجنة المصالحة والسلم”. وتابع: “كل لجنة وضعت استراتيجيتها بالتفاعل مع الناس والمنظمات والضحايا وذويهم. قمنا بزيارات عديدة لكل من دير الزور وحلب وحمص وحماة للتعريف بالهيئة وعملها وسماع الناس، خصوصاً الضحايا وسنكمل قريباً هذه الزيارات إلى باقي المحافظات”. وأشار إلى أن أعضاء في اللجنة قاموا بزيارات خارجية لـ”الاطلاع على تجارب الدول والاستفادة منها مثل رواندا وألمانيا”، موضحاً أن الهيئة “أقرّت نظامها الداخلي، ومدونة السلوك الخاصة بها”. وأضاف: كما أنجزت الهيئة بالتعاون مع كلية الحقوق في جامعة دمشق مسودة مشروع القانون الخاص بالعدالة الانتقالية والذي سيتم عرضه على الناس، وإجراء تعديلات عليه قبل عرضه على مجلس الشعب. وبيّن أنه “يفترض بموجب هذا القانون إنشاء محاكم متخصصة بمحاكمة المجرمين ممن ارتكبوا انتهاكات جسيمة”، مضيفاً: أجرينا الكثير من اللقاءات مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية إضافة إلى لقاءات عدة شملت وفود حكومية رسمية.
وأبدت منظمات مجتمع مدني تحفظاً على تشكيل هذه الهيئة كونها لم تأت نتيجة مشاورات وطنية كافية لتعزيز الثقة بهذه الهيئة، التي تتولى ملفاً يشكّل تحدياً كبيراً للحكومة لكونه يمسّ السلم الأهلي في الصميم. كما رأى البعض أن اللجنة لم تضمّ خبراء عملوا في العدالة الانتقالية، وراكموا خبرات على هذا الصعيد، ولم تُشرك روابط ذوي الضحايا، ومنظمات سورية عملت على هذا الملف طيلة سنوات.
بدوره، رأى مدير الشبكة السورية لحقوق الانسان، فضل عبد الغني، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “أداء هيئة العدالة الانتقالية في سورية يمثل خطوة أولية في مسار بناء منظومة للعدالة الانتقالية”، غير أنه ما “يزال محكوماً بجملة من نقاط الضعف والقصور البنيوية والإجرائية”. وبرأيه هناك “مجموعة من التحديات الجوهرية التي تقيّد فعالية الهيئة وتقوّض قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في مسار العدالة الانتقالية”، مضيفاً: لم تُنشر بعد اللوائح التنظيمية الداخلية ولا المعايير التفصيلية التي تحكم عمل الهيئة، ما يخلق حالة من الضبابية حول صلاحياتها ومدى قدرتها على إجراء إصلاحات عميقة أو مساءلة شاملة لجميع المسؤولين عن الانتهاكات، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم السابقة. ومسار العدالة الانتقالية في سورية “يحتاج إلى إصلاحات تتجاوز الطابع الرمزي الحالي لعمل الهيئة”، بحسب عبد الغني “باتجاه توسيع نطاق التحقيقات ليشمل مختلف أطراف النزاع، وبناء منظومة شفافة لا تسمح بإعادة إنتاج الإفلات من العقاب، وتؤسس لشراكة حقيقية مع الضحايا ومنظمات المجتمع المدني”.
ودعا إلى أن “تكون العدالة الانتقالية ذات منطلق وقيادة سورية بالأساس، مع نسج علاقة تكاملية متينة مع المنظومة الدولية، بما في ذلك الآليات الأممية ذات الصلة”. وتابع: وفق هذا المنظور، يمكن القول إن هيئة العدالة الانتقالية تتحرك في مسار يؤسس لبعض عناصر العدالة، لكنها ما تزال عالقة بين الرمزية السياسية وقيود التنفيذ العملي؛ ما يجعلها بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية جادة، وإصلاحات مؤسسية تضمن التشاركية والشفافية، بما يتيح تحقيق انتقال حقيقي وسليم نحو منظومة عدالة انتقالية متكاملة.
وأثار منح الإدارة السورية “الأمان” لمتهمين بارتكاب مجازر وتجاوزات بحق المدنيين استياء الشارع السوري، وأبرزهم المدعو فادي صقر الذي كان يتزعم ما كان يُعرف بـ”الدفاع الوطني” في العاصمة دمشق وكان يضم أكثر شبيحة النظام البائد قسوة ووحشية ذات طابع طائفي. ولم ترض تبريرات ساقتها الإدارة لهذه الخطوة هذا الشارع الذي عبّر عن سخطه في تظاهرات، لا سيما في حي التضامن حيث كان ينشط صقر ومجموعته. وأكدت هذه الإدارة أكثر من مرة أن وجود صقر في الواجهة يساعد في تثبيت الاستقرار ويحول دون صدامات على أسس طائفية. ويُعتقد أن صقر واللواء طلال مخلوف (قائد سابق للحرس الجمهوري) كان لهما دور في تجنيب العاصمة دمشق صداماً عسكرياً دامياً، وذلك عبر تحييد مجموعات كاملة وتسليم سلاحها.
من جهته، شدّد زكريا الطحان (ما يزال لاجئاً في تركيا)، في حديث مع “العربي الجديد”، على أن ملف العدالة الانتقالية من “أهم الملفات التي نوليها كل الاهتمام”، مشيراً إلى أنه كان سجيناً في معتقل صيدنايا ولن يرضيه “إلا محاسبة الجلادين”. وتابع: لن يندمل الجرح السوري ويشفى، لننتقل الى مرحلة التصالح والمسامحة بين أطياف الشعب من دون محاسبة المجرمين. لا أجد أي مبرر لعدم تحقيق تقدم في التأسيس لمسار عدالة انتقالية في سورية. وشاطرته الرأي عبير ش، التي لم تكشف عن كامل هويتها، والتي فقدت شقيقها في سجن صيدنايا، ورأت في حديث مع “العربي الجديد”، أن خطوات الحكومة في هذا المسار ما تزال “خجولة”، مطالبة بإنشاء وزارة مخصصة للاهتمام بذوي الضحايا والمفقودين وتقديم مساعدات مادية لهم. وتابعت: لن يرضى ذوو الشهداء والضحايا ما دام القتلة والمجرمون خارج أسوار السجون. نريد محاكم علنية لمن تم القبض عليهم وبعضهم مضى على توقيفه عام كامل.
مسار العدالة الانتقالية
في السياق، رأى الحقوقي والسياسي محمد صبرا في حديث مع “العربي الجديد”، أن “مسار العدالة الانتقالية لم يأخذ مداه حتى اللحظة”، مضيفاً: هناك خطوات بطيئة جداً. هذا المسار يحتاج إلى عمل كبير جداً. وأشار إلى أن الحكومة السورية “ورثت إرثاً ثقيلاً جداً إن كان على مستوى الكم الهائل من الجرائم التي ارتُكبت إبان النظام البائد، أو تآكل مرفق القضاء في البلاد”، مضيفاً: كان عدد القضاة محدوداً والجهاز القضائي مستوى عليه من قبل السلطة الاستبدادية. وبيّن أن “تفعيل مسار المحاسبة والمحاكمة يتطلب موازنات مالية كبيرة، وإصدار قوانين جديدة في سورية”، موضحاً أن البلاد بحاجة إلى “تعديل نحو 30 قانونا لضبط الجرائم التي وقعت خلال فترة النظام البائد”.
ولفت صبرا إلى أن “القوانين السورية لا تعالج كل الحالات. قانون العقوبات السوري صدر عام 1949 وهناك تطور هائل حدث على مستوى القانون المدني الإنساني، بما يتعلق بموضوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بين ذاك العام وحتى اليوم، وبالتالي لا بد من صدور قوانين مواكبة”. وأمِل أن “يتصدى المجلس التشريعي القادم لهذا الامر بالغ الأهمية من أجل السير بخطوات واضحة لإحقاق العدالة وجبر الضرر والمحاسبة”، مشيراً إلى أن “أساس استقرار السلم الأهلي في سورية يستند على العدالة الانتقالية”. وتابع: الهدف من العدالة الانتقالية ليس محاسبة المجرمين فحسب، بل تكريم الضحايا، وجبر ضرر ذويهم. تحقيق الاستقرار من حل هذه المعضلة الكبيرة وهذا يتطلب من وزارة العدال انشاء محاكم جديدة ورفد القضاء بقضاة مؤهلين ورصد موازنات مالية كبيرة. وطالب صبرا الحكومة السورية بـ”إعلان برنامج زمني واضح لمسار العدالة الانتقالية بشكل يضمن منع الإفلات من العقاب”، مضيفاً: مسار عدالة انتقالية نشط وموضوعي يغلق الباب أمام عمليات انتقامية وثأرية، ويعزز الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
العربي الجديد
———————————
المبالغة في الاستثمار بفيديوهات الأسد/ أرنست خوري
10 ديسمبر 2025
لا يُبدي مؤيدو السلطة السورية حكمة كبيرة عندما يظنّون أنّ التسجيلات المصوّرة التي تبثّها هذه الأيام قناة العربية لبشّار الأسد سائقاً سيارة هوندا في الغوطة المدمرة، وإلى جانبه لونا الشبل ومساعدها أمجد عيسى، يمارسون هواية النميمة البائخة، إنما تفضح أي نوعية من البشر هو بشّار الأسد، وبالتالي تحبط عزيمة فلولٍ ينظمهم ويموّلهم رامي مخلوف وكمال حسن لتدبير انتفاضة مسلحة بحسب ما نشرت وكالة رويترز الأسبوع الماضي. تحليل يحمل خطر وقوع صاحبه في فخ التعامل بخفّة مع أسباب تدفع كثرا من السوريين إلى محاربة السلطة الحالية أو التخطيط لفعل ذلك، وكأنّ من قتلوا وعذّبوا وأجرموا لمصلحة النظام السابق خمسين عاماً، ومن يخطّطون لمواجهة الحكومة وجيشها الحاليين، إنما فعلوا وسيفعلون ذلك كرمى لعيون حافظ الأسد وعبقرية ابنه. أما الحقيقة فهي أن لدى أعداء السلطة اليوم محفّزات أهم بكثير من عودة ذلك الرئيس الهارب الذي كان يوسف عبدلكي سبّاقاً في تجسيد بلاهته في لوحاته، هو الذي لا يستطيع رسمه إلا بسخرية كما يقول.
لدى كارهي السلطة الحالية أسباب كثيرة ومتفاوتة، منهم أصحاب مصالح سلطوية ومادية ونظرة إلى العالم تكره الإسلاميين، كل الإسلاميين، ومنهم لهم رؤيتهم الدموية الفئوية الطائفية إلى سورية، ولكن أيضاً هناك من راكموا في هذه الأشهر الـ12 الماضية مخزوناً كبيراً من الحقد والظلم والرغبة في الانتقام، غذّتها وتغذّيها السلطة الحالية أو مليشيات وعشائر محسوبة عليها بجرائم طائفية ارتكبتها في الساحل وريف دمشق والسويداء، وبسلوك جماعة طائفية لا دولة. يكفي أن يشاهد المرء فيديوهات للنائب في مجلس الشعب عن حمص، الشيخ عبد الله غنوم، وحديثه الداعشي عن فظاعة ما رآه، لكي يدرك أنّ سوريين كثراً يرفضون هذا النموذج الذي يمثله غنّوم وأشباهه من “بيئة” السلطة الحالية. ويا لهول ما رآه غنوم في شوارع سورية: طفلات يبلغن عشر سنوات ويلبسن “شورتات”، وسيدات محجّبات مع أزواجهن وأشقائهنّ يدخنّ النارجيلة في مقاهٍ.
بعد مرور عام على سقوط ــ إسقاط نظام الأسد، من مصلحة السلطة السورية الحالية عدم الاستخفاف بخصومها الكثر لتدرك أنها أمام خيارين: إما تصحيح سلوكها لبناء دولة المواطنة والحرّيات الفردية والجماعية والسياسية والتضحية بمليشيات وعشائر وسلفيين من بيئتها، لتكسب في المقابل رضى (لا طاعة كما يكرّر أحمد الشرع في أدبياته الدينية) فئات سورية لا يشعر أفرادها اليوم أن السلطة تمثلهم أو تشبههم أو تحترمهم أو تطمئنهم أو تكفل حرّياتهم ونمط الحياة الذي يريدونه لأنفسهم. أو أن تواصل السلطة الاتكال حصراً على كتلة وازنة من الطائفة التي تتحدث باسمها دوناً عن بقية المكوّنات السورية، وهذا ما لا ينتج استقراراً ولا يبني نهضة اقتصادية ولا يقطع الطريق على إسرائيل وشرّها، بل يفجر نزاعات دموية دورية، ويقسّم البلد فعلياً إن لم يكن رسمياً، من دون أن ينفع شيئاً كل الدعم الدولي الذي لم تحصل عليه أي سلطة وليدة في العالم بالمستوى الذي ناله الرئيس أحمد الشرع وفريقه الحاكم من كل الكوكب إلا من إسرائيل وإيران.
يحق للسلطة السورية الحالية، في الذكرى السنوية الأولى لسقوط ــ إسقاط الأسد، أن تعيد بثّ فيديوهات الثرثرات والضحكات البلهاء والمهينة والسافلة للأسد ولونا الشبل بقدر ما تشاء عبر وسائل إعلامها، ذلك أنه ممنوع نسيان، للحظة، من هو بشّار الأسد وعصابته، من هو ذلك الشيطان ــ الحمار كما يسمّون في قرى بلادنا الأبله الشرير في آن، كصاحب عبارتي “الله يلعن أبو الغوطة”، و”لا أشعر فقط بالخجل من سورية، بل بالقرف”، لكن ليس من مصلحتها أن تصدّق خرافة أن الفيديوهات تلك ضربة قاضية لأعدائها. وبقدر ما يحق لسوريين أن يشعروا أن السلطة الحالية لا تمثلهم في شيء، بقدر ما أنه قليل الأخلاق والشرف والضمير من يأخذه كرهه للشرع ولرفاقه إلى التحسر على نهاية الأبد الأسدي، وإلى التشكيك بأن ذاك النظام كان عدوّاً للطبيعة وللمنطق وللذوق العام وللحسّ البشري.
هدية السلطة السورية لقناة العربية، أي فيديوهات الأسد ــ الشبل، لا تُقدّر بثمن إعلامياً، هي “العربية” نفسها التي يجدر التذكير أنها كانت سبّاقة إلى ترويج سياسة سعودية قادت حملة تعويم الأسد ونظامه في عزّ المجزرة البعثية، وأعادت له شرعية عربية رسمية وردّت له مقعده في جامعة الدول العربية وقادت حملة فتح سفارات في دمشق، بينما كان جريئون وأخلاقيون وأصحاب نظرة ثاقبة يؤسسون قناة سمّوها تلفزيون سوريا لها ولقلة غيرها حصة من الفضل في خلاص البشرية من الكابوس الأسدي.
العربي الجديد
————————————
هل يُشكّل قانون قيصر العقبة الوحيدة أمام إعادة إعمار سوريا؟/ باسل المحمد
2025.12.10
تزامناً مع إحياء السوريين الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام، برزت تطورات لافتة في واشنطن تتعلق باقتراب تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، فقد كشف مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم عن مساعٍ متقدمة داخل الكونغرس لإجراء تصويت على موازنة وزارة الدفاع الأميركية، المتضمنة بنداً يقضي بإلغاء قانون قيصر، ووفق غانم من المقرر أن يجري التصويت يوم الأربعاء، 10 كانون الأول الجاري.
وفي السياق نفسه أكد مراسل وول ستريت جورنال جاريد مالسن عبر منصة “إكس” أن الكونغرس الأميركي “وافق للتو” على إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، وأضاف:” ستنشر الليلة الصيغة النهائية المضمنة في تعديل قانون تفويض الدفاع الوطني.
ورغم أهمية هذه الخطوة والجهود الدبلوماسية التي بُذلت في سبيلها وما رافقها من دعم عربي وإقليمي من حلفاء سوريا، إلا أن هذا التصريح يفتح في المقابل الباب لسؤال محوري: هل يكفي الإلغاء المرتقب لقانون قيصر لإطلاق عجلة إعادة الإعمار في سوريا، أم أن مسار الإعمار ما يزال مرتبطاً بعوامل وعقبات أخرى تتجاوز إطار العقوبات الأميركية؟
مؤسسات متهالكة
تشكل بنية مؤسسات الدولة واحداً من أعقد التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد التحرير، فسنوات الحرب الأربع عشرة، وما رافقها من تسخير شبه كامل لموارد الدولة لصالح آلة النظام العسكرية، وحرمان القطاعات المدنية من أبسط متطلبات التطوير، إضافة إلى العقوبات الأوروبية والأميركية التي عطّلت قدرة المؤسسات على مواكبة التحول العالمي، كلها عوامل أسهمت في إنتاج جهاز إداري منهك ومترهل تحول اليوم إلى عبء ثقيل على مسار إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق كشف آخر تقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول الماضي، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ 345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية (طرق، كهرباء، ماء، وشبكات حكومية).
ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن جذور هذا التدهور تعود إلى الحقبة السابقة، لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ يوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الحكومة الحالية لم تُطلق بعد برنامجاً فعلياً لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، مضيفاً أن آليات التوظيف ما تزال ضعيفة بعد خروج عدد كبير من الموظفين لأسباب مختلفة، الأمر الذي زاد هشاشة البنية المؤسسية وأفقدها القدرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.
هذا التشخيص يتقاطع مع الموقف الرسمي الذي عبّر عنه وزير المالية السوري محمد يسر برنية عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الرياض نيته رفع العقوبات عن سوريا.
وأكد برنية في تصريحات صحفية أن الحكومة تعمل على “إصلاح شامل لإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي”، ضمن جهد أوسع لتحديث اقتصاد أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود. لكنه في المقابل شدد على أن رفع العقوبات ليس سوى الخطوة الأولى في مسار تعافٍ طويل.
اقرأ أيضاً
قيصر والشرع
هل ألغت واشنطن “قانون قيصر” فعلاً أم ما يزال سارياً قانونياً؟
ضعف الحوكمة والتشريعات
يمثل ضعف الحوكمة وغياب إطار تشريعي ورقابي ناضج أحد أبرز التحديات التي تقف أمام إطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، حتى في حال رفع العقوبات الأميركية بالكامل.
وتؤكد دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات أن أي خطة إعمار لن تحقق نتائجها ما لم تُبنَ على مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وفاعلة تضمن نزاهة إنفاق الموارد ووصولها إلى مستحقيها، وتحول دون إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبية التي رسخها النظام المخلوع طوال عقود.
وتتقاطع هذه الدراسة مع رأي مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم الذي قال في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر – المتوقع قريباً – لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات وإطلاق الإعمار موضحاً: لرفع دخل المواطن وزيادة قيمة الصادرات وجذب الشركات الدولية، نحن بحاجة إلى تخطيط اقتصادي سليم، وبحاجة إلى قضاء نزيه وعادل، فالشركات الأجنبية تخشى دائماً من وقوع نزاعات، ولحل هذه النزاعات لا بدّ من قضاء مستقل ومحاكم فعّالة.
ويضيف غانم أن البيئة الاستثمارية لا تُبنى فقط عبر الامتيازات، بل عبر شفافية كاملة في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب بنية تخطيط اقتصادي متماسكة، مؤكداً أن هذا كله لا يقل أهمية عن رفع قانون قيصر نفسه.
وتدعم مراكز الأبحاث الدولية هذا التقييم، إذ يحذّر تحليل صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 31 تشرين الأول الماضي من أن مشاريع الإعمار قد تتعرض للاستحواذ من قبل قوى سياسية نافذة إذا لم تُعالج مظاهر ضعف الحوكمة.
ويشير التحليل إلى أن الفترة الأولى بعد التحرير شهدت طرح بعض الأصول الحكومية للخصخصة دون شفافية كافية حول هوية المشترين أو شروط الصفقات، مما أثار مخاوف جدّية من إعادة إنتاج نمط المحسوبية والفساد الذي طبع الاقتصاد السوري خلال عقود مضت.
تعدد مناطق السيطرة
يمثّل غياب سلطة سياسية موحّدة على كامل الجغرافيا السورية أحد أبرز التحديات التي تعيق إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار على مستوى وطني شامل، فإلى جانب العوائق الإدارية والاقتصادية، ما تزال سوريا عملياً بلداً مقسم السيطرة بين مناطق خاضعة للحكومة السورية، ومناطق تديرها قوات “قسد” شرق الفرات، إضافة إلى منطقة السويداء في الجنوب السوري.
هذا التشتت في النفوذ يصعّب بناء رؤية متماسكة للإعمار، ويحدّ من قدرة الحكومة على وضع سياسات وطنية موحّدة أو تنفيذ مشاريع كبرى تتطلب سلطة تنفيذية واحدة وإطاراً قانونياً متسقاً.
ويشير باحثون إلى أن انعدام الاستقرار السياسي الكامل يشكل في الوقت الراهن العائق الأكثر تأثيراً على قرارات التمويل الدولي؛ فالدول المانحة لا تزال تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة انتقالية لم تُحسم ملامح نظام الحكم فيها بشكل نهائي، مما يقلل من استعدادها لضخ استثمارات أو تمويلات طويلة الأجل في بيئة تُوصف بأنها غير مستقرة وتفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل السياسي.
وفي هذا السياق يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي أنه لا يمكن التقليل من أثر قانون قيصر على مسار الإعمار، لكنه يبقى عاملاً من مجموعة عوامل أوسع تعرقل عملية إعادة البناء بطريقة تولّد الأمن والاستقرار.
ويضيف الدسوقي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أهم الشروط الحاسمة لنجاح الإعمار هو استعادة سلاسل القيمة الوطنية المحرّكة للاقتصاد السوري، وهو أمر متعذّر في ظل وجود مساحات جغرافية واسعة ما تزال خارج سيطرة الحكومة، ما يجعل من الصعب إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية بصورة مترابطة أو استعادة الانتظام الطبيعي لحركة التجارة الداخلية.
إسرائيل وعرقلة الإعمار
يشكّل الدور الإسرائيلي أحد أكثر العوامل الخارجية تأثيراً على إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، ليس فقط من زاوية الاعتداءات العسكرية المتكررة، ومحاولة اللعب على وتر التنوع العرقي والطائفي في سوريا، بل من حيث انعكاس هذا السلوك على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي المطلوب لبدء أي استثمار طويل الأمد.
ورغم مرور عام على التحرير ما تزال إسرائيل تشنّ غارات مكثفة وتنفّذ توغلات داخل الأراضي السورية، تجاوز عددها أكثر من 1000 غارة و400 توغلاً منذ سقوط النظام، كان آخرها المجزرة التي وقعت في بلدة بيت جن بريف دمشق وراح ضحيتها العشرات.
وينعكس هذا الواقع الأمني المضطرب مباشرة على ثقة المستثمرين الخارجيين، كما يوضّح الباحث الاقتصادي يونس الكريم الذي يرى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ونمط القصف المتكرر يجعل الشركات الدولية تتخوف من ضخ استثمارات كبيرة في سوريا، خشية أن تضغط إسرائيل على واشنطن لفرض عقوبات إضافية أو تمديد عقوبات قائمة في حال لم تستجب الحكومة السورية لشروط معينة تريد إسرائيل فرضها على سوريا.
ويشير الكريم إلى أن هذا العامل وحده كفيل بإبطاء مسار إعادة الإعمار، حتى لو رُفع قانون قيصر بالكامل.
على الجانب السياسي تدرك الحكومة السورية حجم هذا التحدي وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في ندوة حوارية ضمن أعمال منتدى الدوحة 2025، حيث قال: نعمل مع الدول الفاعلة على مستوى العالم للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وجميع الدول تؤيد مطلبنا هذا. وهناك مفاوضات مع إسرائيل، والولايات المتحدة منخرطة معنا في هذه المفاوضات، والجميع يدعم حق سوريا في استعادة تلك الأراضي.
تلفزيون سوريا
———————————
ماذا تريد إسرائيل من سوريا الجديدة؟/ أحمد عويدات
مع حلول الذكرى السنوية الأولى لعملية «ردع العدوان» التي قامت بها قوات المعارضة السورية، وبعد مرور عام على تحرير سوريا، وفي غمرة احتفال الشعب السوري بسقوط نظام الطاغية، الذي يصادف الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، ولم تفرغ بعد قوى الثورة من تنظيف البلاد من براثن الإجرام والقتل والدمار لآل الأسد وأزلامهم، ما زالت دولة الكيان الإسرائيلي تشن اعتداءاتها المفتوحة وتوغلاتها المستمرة على الأراضي السورية، والتي أشبه ما تكون بحرب استنزاف متقطعة ضد النظام الوليد، الذي أعاد الكرامة والحرية لشعبٍ افتقدها طيلة 54 عاما من حكم الطغاة والديكتاتورية والقمع والاضطهاد والقتل والاعتقال والتدمير، ولم تكتف دولة الكيان بتدمير ما تبقى من مقدّرات البلاد الاقتصادية والعسكرية، التي لم يبق منها النظام البائد إلا القليل؛ إمعاناً في زيادة التحديات والمعيقات أمام نهوض الإدارة الجديدة بالبلاد، وبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، بل عمدت دولة الكيان المارقة إلى تحريك مُشغلاتها المحلية من فلول النظام الساقط، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية في الساحل السوري أولا، وفي السويداء ثانيا، وفي الشمال الشرقي ثالثا تحت مسمى حماية «الأقليات»، ودفعهم نحو التقسيم والانفصال عن الدولة السورية، بعد أن وجدت شرذمة قليلة من هؤلاء تتماهى مع مصالحها وأهدافها؛ وهذا ما ظهر مؤخراً عندما تم رفع صور نتنياهو إلى جانب صور الشيخ الهجري، وأعلام «إسرائيل» إلى جانب العلم الانفصالي لميليشيا الهجري. إذن ما الذي ترمي إليه «إسرائيل»؟
إن تحليل أية خطوة تُقدم عليها دولة الكيان، يتطلب دائما العودة إلى الأيديولوجيا التي تسير وفقها الحكومات المتعاقبة لهذه الدولة، والتي في صلبها تحمل أهدافاً عدوانية توسعية إحلالية وعنصرية؛ فعندما يصرح نتنياهو أكثر من مرة، «أننا نقاتل على سبع جبهات»، فإنه يدرك تماما ما يسعى إليه، وهو القائل «إني غيّرت وجه الشرق الأوسط». وعندما لا يكف وزراؤه اليمينيون عن التصريح بأطماعهم التوسعية بضم الضفة واحتلال غزة، ويكتب مئير بن شبات رئيس الأمن القومي الإسرائيلي، ورئيس الشاباك سابقا، في مقالته في صحيفة «إسرائيل هيوم»: «أن هناك الكثير من العمل العسكري يجب القيام به بعد غزة، يطال ما بعد نهر الأردن والجولان»، يتضح الهدف الاستعماري الذي يهدف نتنياهو وقادة الكيان إلى تحقيقه، وهو ما أعلن عنه مراراً وتكراراً بإقامة «إسرائيل الكبرى»، من خلال إنشاء «ممر داوود»، الذي يمر بالجولان السورية، ويقطع محافظتي درعا والسويداء، ويتجه شرقا وشمالا، متجاوزا قاعدة التنف في بادية الشام، وصولا إلى حدود العراق والأردن؛ لاحتلال أجزاء منه والتوسع إلى وسط السعودية والكويت.
إن ما تقوم به دولة الكيان في سوريا هو سيناريو آخر لما تقوم به من اعتداءات في الضفة الغربية، من خلال إطلاق قطعان المستوطنين للاعتداء على الأهالي والممتلكات والأشجار؛ بهدف زيادة معاناة الشعب الفلسطيني هناك. وما يجري في قطاع غزة بعد خطة ترامب المتعثرة، إلا سيناريو آخر يؤكد النزعة العدوانية والانتقامية والتوسعية، التي هي في صلب الأيديولوجيا الصهيونية، وإن اختلفت الجغرافيا والأدوات، وهذا ينطبق أيضا على الاعتداءات المتكررة التي تشنها في لبنان، إذ لا يمر يوم إلا نشهد اعتداءات، وعمليات اغتيال للمواطنين تحت ذريعة أنهم من رجال حزب الله.
إن ما يريده نتنياهو من جرّاء ذلك هو، العزف على وتر الانتخابات المقبلة، وتسويق نفسه كملهمٍ ومحققٍ للانتصارات في معركة وجود الكيان وسط محيط من الكراهية والعداء، ويهدف إلى إضعاف السلطة في سوريا، في إطار احتلال أجزاء جديدة من البلاد بلغت حتى الآن نحو (450) كم²، وجر سوريا الجديدة بقيادتها الحكيمة، التي تسعى بكل تحركاتها ودبلوماسيتها لعدم إعطاء الفرص لحكومة نتنياهو، لافتعال اشتباك معها يعطيها المبررات لقضم المزيد من الأراضي السورية والتوسع، وعدم القبول بتوقيع تفاهمات أمنية فقط؛ تحت ذريعة الحاجة إلى منطقة عازلة لإزالة أي تهديدٍ محتملٍ «للجهاديين الجدد» في سوريا. إن نتنياهو يريد الذهاب أبعد من ذلك، وهو التنصل من اتفاقية فصل القوات عام 1974، وخلق واقع جيو سياسي جديد؛ يجبر الدولة الجديدة على توقيع اتفاقات سلام جديدة؛ تتنازل بموجبها الدولة عن هضبة الجولان المحتلة منذ عام 1967، والتي تنازل عنها حافظ الأسد، بموجب اتفاقات سرية تنال من سيادة وكرامة سوريا وشعبها الأبي، الذي دفع ثمن حريته مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمفقودين، وتدميرا شاملا لكل البنى التحتية الخدمية والاقتصادية والعلمية، وتدمير كل ما تملك البلاد من عتاد وأسلحة. ومن الأهداف التي تسعى دولة الكيان إلى تحقيقها أيضا إلحاق سوريا بقطار التطبيع العربي والاتفاقات الإبراهيمية؛ وبالتالي سلخ سوريا عن ماضيها العروبي المقاوم لكل أشكال التطبيع والعلاقات مع الكيان الغاصب.
إن ما تسعى إليه دولة الكيان يتناغم تماما مع مصالح الولايات المتحدة التي تسعى إلى فرض أجنداتها من خلال دعمها المباشر وغير المباشر لما يسمى «بالأقليات»، وعدم الضغط على قادة الكيان لوقف اعتداءاتهم، وعدم الرفع الكامل الدائم لعقوبات قيصر، ما يبقي على إفقار الشعب السوري، وزيادة معاناته؛ وبالتالي إحراج الإدارة الجديدة بعدم مقدرتها على تقديم الحلول لحياةٍ أفضل لما كانت عليه الأمور إبان حكم طغاة آل الأسد، مع العلم أن الإدارة الجديدة حاولت وتحاول وضع وتنفيذ الخطط التي تضمن حياة أفضل للمواطن على المستويات كافة؛ إذ لم يمض سوى أشهر قليلة حتى عادت عجلة الوزارات والإدارات والهيئات الحكومية للعمل، وبطريقة سلسة معتمدة على الأتمتة وتوظيف التكنولوجيا في تقديم الخدمات للمواطنين، وإشاعة أجواء من الحرية والديمقراطية في البلاد، والقضاء على ملامح، ومظاهر الدولة البوليسية، التي كانت سائدة، وإعادة الممتلكات المنهوبة لأصحابها، وتشكيل لجان العدالة الانتقالية لمحاسبة أزلام ومجرمي النظام الساقط، وإلغاء التجنيد الإجباري المُذل، وتسهيل عودة اللاجئين لمن يرغب، وإعادة هيكلة وزارة الداخلية والدفاع، وإجراء انتخابات مجلس الشعب وترميم المدارس والجامعات. وانطلاق العملية التربوية والتعليمية بحلةٍ وآليةٍ جديدةٍ، وإشاعة أجواء الأمان والاستقرار في البلاد، وإعادة تشغيل المصانع والشركات، ورفع الرسوم الجمركية، وتسهيل دخول الاستثمارات الخارجية والمشاريع التنموية، وفتح المطارات والمرافئ والمعابر الحدودية، مع تأكيد الرئيس الشرع على ضرورة الاعتماد على الذات واستغلال الإمكانات والموارد البشرية السورية، بما يخفف من معاناة الشعب السوري ويتجه بسوريا إلى غدٍ أفضل. هذه الإنجازات دفعت وفد ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن، الذي زار سوريا مؤخرا، إلى التعبير عن الارتياح، لما شاهده بعد اطلاعه على واقع الحال والنتائج بعد مضي عام على انتصار الثورة.
بيد أن كل ذلك يصطدم بما تقوم به مشغلات خارجية ومحلية لإعاقة دخول سوريا إلى مرحلة جديدة؛ يبدأ معها الإعمار والبناء والتنمية بكل مجالاتها في مواجهة ما تسعى إليه دولة الكيان والولايات المتحدة ووكلائهم محليا وإقليميا. أمام هذا الواقع، المعقد، فإن المطلوب من الإدارة الجديدة التعامل مع» نغمة الأقليات والمكونات» بحذر ومرونة، لا تمس السيادة الوطنية ووحدة البلاد، وتمثيل كل الأطياف في كل المؤسسات، وإعادة النظر بتسريح آلاف الموظفين والعاملين بالدولة وإعطاء فرصة للمصالحة الوطنية من جديد، وإنهاء مظاهر الفوضى والتحديات التي يقوم بها البعض باسم الثورة والدولة الجديدة، وإعادة الاعتبار إلى الضباط المنشقين ولأولئك الذين لم تتلطخ أياديهم بالدماء السورية. والعمل على تخفيض الأسعار، خاصة مواد الطاقة، وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن السوري الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، ونشر ثقافة الوعي الوطني والحرص على الحياة المدنية. أما خارجياً، فالمطلوب من الحكومة الاستمرار في سياسة التوازن في إقامة علاقاتها مع الدول على أسسٍ واضحة تتجاوز الماضي، بما يضمن مصالح سوريا العليا.
مهما بلغت خطورة التحديات، فإن التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة هو الكفيل بالتغلب عليها، وضمان سيادة الوطن وكرامة الشعب، وإعادة مكانة سوريا إقليميا وعالميا. إن ما حدث من مقاومة في بلدة بيت جن مؤخراً يبعث برسالةٍ إلى الكيان المحتل وإلى العالم، أن الشعب السوري لا يرضخ للذل والهوان، ولن تثنيه مؤامرات ومخططات التقسيم والانفصال في الدفاع عن كرامة وسيادة وطنه سوريا.
كاتب فلسطيني
القدس العربي
———————————
ما هي خطة الرئيس الشرع لحسم الملفات العالقة؟/ عبد القادر المنلا
2025.12.10
الذكرى السنوية الأولى لسقوط أكثر الأنظمة بطشاً وإجراماً لم تكن مجرد ذكرى لسقوط نظام أو تحرير بلد، بل هي حدث استثنائي أقرب إلى الأساطير التاريخية التي لا تتكرر كثيراً ولكنها أسطورة تحولت إلى واقع حي، حيث جاء السقوط في الوقت الذي كان الأسد وحلفاؤه فيه يعيشون أكثر لحظاتهم انتشاء وعنجهية بالنصر المتوهم على الشعب السوري وثورته، في لحظة لم يعد فيها فسحة للحديث عن السقوط، وفي الوقت الذي كانت إعادة تدوير الأسد تمضي بخطى راسخة، وكان رأس النظام يشعر أن كل المخاطر التي مر بها قد أصبحت وراء ظهره وأنه يستعد لفترة يكون فيها أقوى مما كان..
وقبل أن تكتمل النشوة المزيفة والتي كان الأسد يعيشها كحقيقة يعتقد أنها لا يمكن التشكيك فيها، جاءته الصفعة مضاعفة وأخرجته من حلم اليقظة، وأعادت لملايين السوريين حلمهم الذي ظنوا أنه بات صعب المنال..
ولهذا فإن تحرير سوريا من سلطة نظام الأسد يعد حدثاً مفصلياً ويمكن اعتباره الأكبر والأهم في حياة السوريين وفي تاريخهم المعاصر، وهاهم السوريون يقيمون احتفالات ضخمة داخل سوريا وخارجها تعبر عن سعادتهم باسترداد حلمهم الذي كان لسنوات في عداد المفقودين.
غير أن ثمة سؤالاً لا يفارق تلك السعادة وهو متعلق بحقيقة التحرير وهل هو كامل ونهائي؟ وهل طوى السوريون فعلاً الصفحة الأقسى والأصعب، أم أن صفحات صعبة جديدة لا تزال تعرقل أمنياتهم وتنغص اكتمال فرحتهم، وتقودهم مرة أخرى إلى المجهول؟
كثير من السوريين لا يرون اليوم سوى الصورة الوردية ولديهم طمأنينة كاملة وثقة مطلقة بأن العائق الأكبر قد تمت إزالته وأن الطريق السريعة باتت مفتوحة أمامهم وأمام الحكومة الحالية للمضي بالسرعة القصوى إلى الاتجاهات المتعددة التي من شأنها استكمال حزمة الأهداف التي يضعها السوريون للمرحلة القادمة، بعضهم يعتمد في ثقته على التفاؤل، وبعضهم على المؤشرات التي تبدو بالعين المجردة دافعاً لذلك التفاؤل وتلك الثقة، غير أن استعمال المجهر المحايد لرؤية الأمور على حقيقتها يعد ضرورة لا يمكن تجاوزها حتى وإن شكل صدمة لحالة التفاؤل العامة، وهي صدمة إيجابية تمكننا من رؤية الواقع كما هو وقياسه على المسطرة الحقيقية البعيدة عن العواطف..
وفي هذا السياق تواجه سوريا اليوم مجموعة كبيرة من التحديات، وهي بمجملها تشكل امتحاناً صعباً للرئيس أحمد الشرع وحكومته، فالرئيس يبدو محاصراً بمجموعة من الملفات العالقة، خارجية: وعلى رأسها إسرائيل، وداخلية: وأهمها ثلاث جبهات أساسية (قسد، الهجري، والساحل السوري) والتي باتت مترابطة في الفترة الأخيرة وشكلت جبهة
موحدة في أهدافها موزعة جغرافياً بما يعقد حلها سواء كملف واحد أو كملفات منفصلة، وهو ما يضع المرحلة المقبلة على المحك..
تتمثل العقدة الأصعب اليوم في الحصار الاقتصادي الذي لا يزال يطبق على سوريا حتى مع تخفيف العقوبات، فضلاً عن قانون قيصر الذي لا يزال يشل حركة الاقتصاد في سوريا رغم الأخبار الأولية عن قرار إلغائه من دون شروط، وبالتأكيد فإن إلغاءه سيشكل منحى إيجابياً كبيراً وهاماً، فحينما يسترد البلد عافيته الاقتصادية عبر تدفق الأموال وبدء المشروعات الاستثمارية، ووجود فرص كبيرة للسوريين للكسب والعيش الكريم، ستدور عجلة التنمية وستتقلص المخاوف لا شك.
غير أن إلغاء قانون قيصر لن يكون جاذباً للمستثمرين بحد ذاته إن بقيت الملفات الأخرى عالقة ومتعثرة لما لها من تأثير على السلم الأهلي الذي يبدو مهدداً، ولهذا فإن مهمة السوريين اليوم بجميع أطيافهم وأطرافهم وقياداتهم تتجسد في العمل على تمهيد البنية النفسية التحتية وإعادة القطار إلى السكة الصحيحة فيما يتعلق بضمان السلم الأهلي الذي هو البيئة الوحيدة لضمان بدء التنمية والاستثمار ويضمن الوصول إلى أهداف الثورة التي دامت أربع عشرة عاماً وحملت ما حملته من مآسٍ وتشوهات وانحراف عن المسار وتخبط كبير..
ولا شك أن الواقع السياسي المعقد على المستوى الداخلي والخارجي لا يزال يرخي بثقله على الحالة السورية، فعلى مستوى الداخل تمر سوريا بأكثر من نفق معتم، وهي تزداد عتمة وتعقيداً بمرور الزمن، ولا يبدو أن ضوءاً يلوح في نهايتها، على الأقل حتى الآن، وتشكل تلك الأنفاق مثلثاً حاد الزوايا محملاً بكل احتمالات الانفجار وفي أية لحظة، وتتمثل بالتحديد في الثلاثي الرافض للتطبيع مع الإدارة الجديدة وهم قسد، وجماعة حكمت الهجري، والجماعات والشخصيات التي تتصدر الحديث باسم الطائفة العلوية.
يطرح الرئيس الشرع في كل تصريحاته وخطاباته مشروعاً واحداً يتمثل في حلحلة العقد سلمياً وبالحوار، وهو أمر مبشر على أية حال، ولكن كل تلك الدعوات تقابل بالتشكيك والرفض القاطع من قبل خصومه الذين حسموا أمرهم على ما يبدو في عدم الاستجابة، حيث تعطل الاتفاق الموقع مع قسد في آذار الماضي وبدأنا نتابع حالة مقلقة من التصعيد في الخطاب تارة وعلى الأرض تارة أخرى، أما في الجنوب (السويداء) فقد أغلقت كل منافذ الحوار مع الشيخ حكمت الهجري الذي أعلن العداء التام مع دمشق، مترافقاً مع حالة عداء كامل مع قادة الحراك من الطائفة العلوية ممثلين بالشيخ غزال غزال، وهذا ما انعكس على الخطاب الشعبي الذي يشهد حالة غير مسبوقة من التصعيد بين أنصار الحكومة وأنصار خصومها..
وفي هذا السياق فإن استمرار الدوران في الدائرة المفرغة بشكل دائم والمتمثلة في الحرب الكلامية وإلقاء اللوم من قبل كل طرف على الطرف الآخر والجدل المتواصل حول من هو المدان، ومن هو الخائن ومن هو الوطني، لا يمكن أن يدل على إشارات حل، ولايمكن أن يمهد لأي حالة صحية من شأنها أن تؤكد تفاؤل السوريين، أو تدعم أسباب ذلك التفاؤل.
وفي ظل انسداد أفق الحوار، وانعدام الحلول على المستوى المنظور، يمكن أن تتحول المواقف المتشددة إلى حالة حقيقية من الاستعصاء والتي لا يمكن أن تفضي إلا إلى مواجهة عسكرية سيتمسك كل طرف من خلالها بمبرراته وذرائعه، وأي عمل عسكري في هذه الفترة لفك تلك العقد سيزيدها ولا شك تعقيداً وربما يعيد البلاد إلى حالة من الاقتتال المفتوح، ويحول الواقع إلى حرب فوضوية متداخلة ومعقدة ولا سيما في ظل التدخلات الإسرائيلية التي تعمل بكل طاقتها اليوم على تعزيز الانقسام والكراهية بين السوريين جميعاً وعبر دعمها المباشر لمثلث التحالفات السابق ذكره، وهو أخطر ما يتهدد مشروع سوريا الموحدة، بل يمثل تهديداً وجودياً حقيقياً لها.
لا يمكن التقليل من خطر إسرائيل كلاعب أساسي، ولا يمكن المراهنة على الموقف الأميركي بشكل مطلق لأنه قد يتغير في لحظة وفقاً لمصالح أميركا وتركيبة العقلية الأميركية التي لا تستند إلى مرجعية أخلاقية ولا إلى مواقف إنسانية في اتخاذ قراراتها، والخيار الوحيد أمام السوريين اليوم هو محاولة تجنب الصدام العسكري مهما كانت كلفة ذلك باهظة، وهذا لا يمكن أن يتم ما لم يتم العمل على نزع الذرائع المتعددة وتحديداً ما يتعلق بالخطاب الشعبي المنفلت والذي تحول في كثير من الحالات إلى خطاب شعبوي يدل بشكل حاسم على غياب الوعي بخطورة اللحظة والانجرار إلى حالات الفخر والنشوة من قبل كثيرين على حساب إهانة الآخر، ونقصد هنا بالتأكيد الخطاب الطائفي الاستعلائي والذي حان وقت تجريمه ومحاسبة مرتكبيه بشكل علني وحاسم..
لقد استرد السوريون بلدهم الذي كانت ترقد على أرضه عدة احتلالات، محلية تتمثل في نظام الأسد نفسه وأجهزته الأمنية وقوات دفاعه “الوطنية” وشبيحته وكل المنتفعين من وجوده واستمراره، واحتلالات خارجية على رأسها روسيا وإيران وحزب الله فضلاً عن الميليشيات التابعة لإيران والتي كانت تتحكم بمفاصل البلد، وتمارس قمعها وعنجهيتها على السوريين من منطق المنتصر المتغطرس، المنتصر المعتدي والذي كان يعلم أنه يناصر قضية باطل، والمرحلة القادمة ستكون حاسمة في قدرتها على الاحتفاظ بهذا النصر أو التفريط به.
تتحمل الحكومة السورية المسؤولية الأكبر في عدم جر البلاد إلى مواجهة عسكرية، ومن الواضح حتى الآن أن الرئيس الشرع يجنح إلى حل كل الملفات سلمياً وتبدو تلك خطته الوحيدة، ولكن هذا التوجه الهام لا يمكن أن ينجح من دون أدوات واضحة أهمها تحويل الخطاب الراقي للشرع إلى واقع عملي، وهو يتطلب أيضاً أن تتحمل الأطراف الأخرى مسؤوليتها في عدم جرّ البلاد إلى مواجهة مهما كانت التكلفة باهظة، وفي نفس الوقت تلعب المسؤولية الشعبية، مسؤولية المواطن نفسه دوراً حاسماً حيث علينا كمواطنين أن نخضع سلوكنا وتصرفاتنا وتعاملنا مع الآخر للمراقبة الدقيقة المستندة إلى المفاهيم
الوطنية من أجل تحاشي الانزلاق أو استمرار الانزلاق في خطاب من شأنه أن يعيد السوريين إلى نقطة الصفر أو إلى ما قبلها.
تلفزيون سوريا
——————————
سوريا.. من رقابة الدولة إلى رقابة الشعب/ روز هلال
مرحلة جديدة.. سوريا بين ترتيب السلطة والوعي الجمعي
2025-12-10
مع بدء مرحلة سياسية جديدة في سوريا، دخلت البلاد مرحلة معقدة من إعادة ترتيب السلطة والوعي الجمعي، نتيجة الحرب الطويلة، الهجرة الواسعة، والتغيرات الديموغرافية العميقة. هذه التحولات أفرزت بيئة جديدة للسياسة والمجتمع، حيث أصبح السؤال عن الرقابة والمساءلة أكثر إلحاحاً، وأصبحت الثقافة السياسية تتجه نحو الشفافية والمشاركة العامة بدل الطاعة القسرية.
وخلال عهد نظام بشار الأسد المخلوع، سادت في سوريا منظومة رقابية حكومية محكمة، اعتمدت على مركزية الدولة وسيطرتها المطلقة على الإعلام والمؤسسات والنشاط الثقافي. كانت الرقابة أداة لضبط المجتمع والحفاظ على الاستقرار شكليًا، لكنها قلّلت من حرية التعبير وأضعفت قدرة المجتمع على ممارسة أي رقابة مضادة. لم يكن للمواطن أي دور فعلي في مراقبة الحكومة، وكانت المعلومات الرسمية خاضعة لشبكة صارمة من الرقابة والتحكم، ما جعل الخطاب العام محدوداً للغاية.
وفي مرحلة ما بعد السقوط، بدأ التحول التدريجي من الرقابة الحكومية التقليدية إلى الرقابة الشعبية الجديدة، حيث أصبح للمجتمعات المحلية والإعلام المستقل ومنصات التواصل الاجتماعي دور محوري في كشف الفساد ومراقبة الأداء العام. هذا التحول يمثل بداية بيئة جديدة يمكن أن تسمح بانتقال تدريجي من رقابة الحكومة على الشعب إلى رقابة الشعب على الحكومة، وهو تحول لم يكن ممكنًا في عهد النظام السابق.
ومع ذلك، تواجه الرقابة الشعبية تحديات كبيرة، أبرزها غياب مؤسسات مستقلة وقوية، تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية، وصعوبة تحقيق الاستقرار الأمني في ظل مرحلة انتقالية لا تزال تتشكل. رغم هذه التحديات، تبرز فرص حقيقية لتعزيز الرقابة الشعبية، حيث يمكن أن تتحول إلى عنصر بنائي في الدولة الجديدة، من خلال توسع دور المجتمع المدني، ظهور مبادرات إعلامية أكثر حرية، وزيادة وعي المواطنين بأهمية المشاركة العامة. في هذه البيئة الجديدة، يصبح المواطن شريكًا في إدارة الشأن العام، ويُبنى علاقة جديدة بين المجتمع والسلطة، قوامها المساءلة والمحاسبة، بدل الطاعة القسرية التي ميزت حقبة ما قبل سقوط النظام.
آليات الرقابة والمرحلة الانتقالية في سوريا
يؤكد المحامي المختص في القانون الدولي مجيد بودان لـ”963+” أن الرقابة على الحكومة والسلطة التنفيذية، بما في ذلك رئيس الدولة والوزراء ورئيس الحكومة، تقع ضمن صميم المبادئ الدستورية.
لكنه يحذر من أن النصوص الدستورية قد تتحول إلى شعارات فارغة إذا لم تُدعّم بآليات عملية تضمن استقلالية وحياد الأجهزة الرقابية.
ويضيف بودان أن المرحلة الانتقالية الحالية في سوريا تتطلب خطة واضحة بأهداف زمنية محددة لتأسيس دولة القانون.
ويشير بودان إلى أن الرقابة الشعبية، عبر المجتمع المدني، يمكن أن تكون أداة فعالة، شرط أن تكون الجمعيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية ورجال الأعمال واللوبيات الفكرية أو الدينية، وأن تتسم بالشفافية الكاملة، مع منح المواطنين دوراً مباشراً في المتابعة والمساءلة. هذا يسمح لكشف أسباب الطعون والتظلمات بشكل شفاف، ويحول دون استغلال الجمعيات لأغراض حزبية أو فئوية.
ويستعرض بودان أيضاً نموذج الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن للمواطنين التظلم أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد أي تجاوز صادر عن السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية.
ويقترح الاستفادة من هذا النموذج عبر إنشاء محكمة متوسطية لحقوق الإنسان، لتكون مرجعاً للمواطنين في الدول المطلة على البحر المتوسط، بما فيها الدول العربية، بما يرسخ دولة القانون ويعزز حماية الحقوق بشكل تاريخي، وهو ما قد يمثل خطوة حضارية جديدة لسوريا والمنطقة.
المشاركة الشعبية حصانة ضد إعادة إنتاج الاستبداد
يؤكد الأكاديمي عصمت العبسي لـ”963+” أن المشاركة الشعبية في مرحلة ما بعد النزاع تشكل رافعة شرعية وحصانة ضد عودة الاستبداد، حتى في ظل بيئة هشّة ومشحونة سياسياً وأمنياً.
ويشير إلى أن أدوات المشاركة يجب أن تكون بسيطة وفعالة، مثل منصات الشكاوى الرقمية، المجالس المحلية المنتخبة ذات المهام الرقابية، الشفافية المالية والتدقيق التشاركي، ومؤشرات الأداء.
وتهدف الرقابة المجتمعية في بيئات ما بعد النزاع إلى تفكيك شبكات الفساد المتجذرة، بناء الثقة، وضبط عمليات إعادة الإعمار. لكنها تواجه تحديات، أبرزها هشاشة المؤسسات، ضعف الثقة المجتمعية، والانقسامات الداخلية. لذلك، يجب تصميم أدوات مرنة وواقعية تعتمد على الإعلام المستقل، المنصات الرقمية، والمساءلة المحلية لتكون فعالة ومستدامة، وفق العبسي.
من الشكلية إلى الفاعلية: البرلمان كصوت رقابي للشعب
يشدد العبسي على أن البرلمان يمكن أن يتحول إلى صوت رقابي فعلي للشعب من خلال بناء منظومة رقابة برلمانية عملية تشمل: إنشاء لجان دائمة متخصصة (مالية، أمنية، خدمات) بصلاحيات الوصول إلى المعلومات. عقد جلسات علنية ومغلقة لمناقشة أداء الحكومة ومراجعة سياساتها. إصدار تقارير ملزمة بخطط تصحيحية ومتابعة تنفيذها. ممارسة رقابة على الموازنة والإنفاق العام. تعزيز التمثيل والشفافية التشغيلية وتقليص التعيينات التنفيذية. إرساء اتصال دوري مع المواطنين لتعزيز المساءلة العملية”.
ويشدد على أنه إذا ترافقت هذه الصلاحيات التشريعية مع منظومة رقابية مؤسسية وشفافية تشغيلية، يمكن للبرلمان أن يخضع الحكومة للمساءلة العملية لا الخطابية، ويصبح أداة فعّالة لتحويل الرقابة الشعبية إلى عنصر بنائي مستدام في الدولة السورية الجديدة، بما يضمن عدم عودة الرقابة الأحادية التي ميزت مرحلة ما قبل السقوط.
——————————-
محاولةٌ لفهم العنف في سوريا الجديدة/ ملك الشنواني
09 كانون الأول 2025
ماذا تعيش سوريا اليوم؟ نشهد منذ سقوط نظام الأسد أنماطاً من الإبادة الطائفية والقتل والسرقة، تُفسَّر حسب بعض النظريات في علم الاجتماع السياسيّ، ودراسات النزاع ما بين انهيارٍ في الدولة وقوانينها، الخوف والطائفية، الانتقام الفردي والجماعي، الاقتصاد المستند إلى العنف، غياب العدالة الانتقالية، الانهيار الأخلاقي، والتصوير النفسي للخصم كغير إنساني. غالباً ما يتم التركيز على أحد هذه العوامل في تحليل الحال السورية اليوم، من دون توضيح حجم التداخل بينه وبين العوامل الأخرى المغفلة. هذه محاولةٌ لعرض عددٍ من التفسيرات النظرية التي يمكن أن تساعد في فهم المواقف، المختلف، لأطراف نزاع الأمس وفرقاء اليوم.
الطائفية، معضلة الأمن
لا يمكن اختزال مسببات الصراع السوري في سببٍ واحد، إذ جاءت نتيجة طبقاتٍ من المظلومية الاجتماعية، والاستبداد السياسي، والهويات الطائفية، وهشاشة الدولة، والتدخلات الخارجية. مع السقوط توطدت حالةٌ من السيطرة العسكرية، كانت قد سادت سابقاً في كثير من المناطق السورية جزئياً أو كلياً نتيجة تفكك المؤسسات الأمنية. عدم قدرة السكان على الاعتماد على جيشٍ وشرطةٍ وقضاء أدى إلى ظهور فراغٍ سلطويّ، يسمح للفواعل المسلحة المحلية بالسيطرة على حياتهم. عندما تصبح القوة والسلاح هما القانون الفعلي، تخلق البيئة المناسبة لممارسة القتل الفردي والجماعي، وتوفّر الظروف الملائمة للنهب والسطو والتخريب.
والآن وقد تغيرت موازين القوة، تسعى الأطراف المتضررة خلال الحرب للانتقام من خصومها عبر تصفية حساباتٍ فرديةٍ وجماعية، وقتلٍ متعمد للخصوم أو المشتبه بانتمائهم إلى الطرف الآخر. ويعد تزايد الخوف بين الجماعات، من أبرز سمات ما بعد الحرب الأهلية، وذلك كنتيجةٍ نفسية لبيئةٍ أمنية يسمها عدم الثقة. يشعر كل طرفٍ في المجتمعات متعددة الطوائف بأن الآخر قد ينتقم منه إن لم يُبادِر بالهجوم، فيصبح العنف وقائياً. تتفاقم بالنتيجة عمليات القتل الطائفي والتطهير العرقي، مع تفكك المعايير الاجتماعية، وتعطُّل القيم الأخلاقية، كتلك المتعلقة بالحماية كالمروءة ومساعدة الجيران، بينما يكرَّس نزع الإنسانية، ما يؤسس لإنتاج العدو الوجودي الذي يسهل قتله ونهبه، ويبرر لذلك أخلاقياً بسهولة داخل الجماعة الواحدة.
في هذه الأثناء يساهم اقتصاد الحرب بدرجةٍ كبيرة بدفع شبان مهمشين نحو العنف بغاية السلب، فتتحكم بهم فصائل يشكل اقتصاد الحرب مصدر رزقها الأساسي، الذي يراد له أن يبقى مستداماً. غياب جدولٍ زمني واستراتيجيةٍ واضحة لمسار العدالة الانتقالية يُضعف الإيمان بإمكانية تحقيق العدالة، ويفتح الباب لمسار محاسبةٍ فرديٍّ وجماعيّ خارج الأطر الرسمية، بينما قد يشعر الناجون من المحاسبة بالحصانة، مما يولد عنفاً إضافياً. خروج السجناء الجنائيين عند سقوط النظام، يعني وجود أعدادٍ كبيرة من محترفي استخدام الوسائل غير القانونية، أحراراً، يسعون لتحقيق مآربهم وتحصيل “رزقهم” من السوريين اليوم.
تأتي الاحتجاجات متنوعة، وكنتيجةٍ طبيعية لغياب الأمن. لكن الخوف المتبادل، والخطاب الموجَّه إلى جماعاتٍ متمايزة، يحولها بسرعةٍ إلى العسكرة، ما يعقّد الموقف أكثر. تزيد العوامل الخارجية من هذا التعقيد، حيث يرتبط استمرار الصراع بحساباتٍ سياسية واستراتيجية لقوى محليةٍ وإقليمية ودولية، ترى في الساحة السورية مجالًا لتحقيق مصالحها. كان مستوى التدخل الخارجي هو ما حوّل النزاع السوري من ثورةٍ محلية إلى حرب متعددة المستويات الإقليمية والدولية، وأسهم في إطالة أمده وتعقيد مسارات حله.
بالإضافة إلى ذلك، يصبح العنف سبيلاً للمتعة أو وسيلة للتنفيس النفسي في البيئات التي تشهد صدماتٍ جماعيةً طويلة الأمد. يؤدي التعرض المستمر للعنف والصدمات النفسية الجماعية إلى تشوهاتٍ سلوكية تجعل بعض الأفراد يجدون متعةً في ممارسة العنف، خاصة في غياب أيّ عقابٍ أو رادعٍ اجتماعي. أيضاً، غالباً ما ترتبط حالات القتل العمد دون تبريراتٍ عسكرية كافية بالاستعراض الشخصي للقوة، وبالترهيب وإظهار التفوق المسلح.
إلى أيّ غد؟
من الناحية المؤسساتية، إعادة بناء الدولة ومؤسساتها القضائية والأمنية ضرورةٌ أساسية لإيقاف الانفلات القانوني والحدّ من الجرائم في مرحلة ما بعد الحرب، لكن هذا البناء يحتاج وقتاً، فيما تتراكم أسبابٌ جديدة للصراع منها التصعيد العنيف الذي جرى في الساحل والسويداء. من غير المقبول أن تبقى الفصائل المحلية خارج إطار جهاز الدولة، لكن هذا الجهاز غير قادرٍ بعد على ضمان تطبيقها القانون بفعالية.
هناك حاجةٌ إلى المزيد من الوقت أيضاً للتحضير لإجراء محاكماتٍ عادلة للجرائم المرتكبة أثناء الحرب، وبرامج كشف الحقيقة والمصالحة لتعويض الضحايا وإعادة الاعتبار لهم. ولا بد لحدوث هذا من انفتاحٍ شامل بين الفاعلين في ملف العدالة الانتقالية، الأمر الذي يعوقه تاريخٌ من المشكلات الشخصية وتبدل الانحيازات وانعدام الثقة. في هذه الأثناء يزداد شعور الضحايا بالغبن ولا يُمنَح المجتمع إطاراً قانونياً وأخلاقياً لمعالجة الصدمات الجماعية، وكسر دائرة العنف المستمر.
برامج تسليم الأسلحة وتوفير حوافز لإعادة الدمج المهني والاجتماعي للمقاتلين السابقين تقلّل من تأثير شبكات اقتصاد الحرب، لكنها تحتاج إلى دعم الحكومة الاقتصادي، غير المتوفر، ونيّتها غير الموجودة بعد. تحفيز التجارة والاستثمارات المحلية يخلق بيئةً مستقرة ويقلل من الانخراط في العنف، لكن عدم القدرة على البدء بإعادة إعمار المدن والقرى المدمرة يساهم في تقويض إحساس العدالة ويعيدنا إلى خانة الصراع، فيما يعتبر الانفتاح المتسرع مخرباً للصناعة القائمة ومولداً للاحتقان في بيئةٍ مشحونة أساساً.
وليس آخراً، أن تسلّم مبادرات معالجة الانقسامات الطائفية الساحة إلى منصات التواصل الاجتماعي وتواجه عبرها حملات الكراهية ونزع الإنسانية، بدل أن يكون لها اليد العليا في التأثير وتقليل الاستقطاب. تقف معوقاتٌ كثيرة أمام الحدّ من ارتكاب الجرائم بعد الحرب، والتحول من حالة الفوضى المسلحة إلى السلام، وصناعة مسارٍ واضحٍ وممكنٍ لذلك أساساً. وتقوّض هذه المعوقات عملية بناء الدولة رغم ازدياد الحاجة إليها كهيكلٍ يُستند إليه في التعامل مع العنف.
في الوقت الحالي، لا يمكن نبذ العنف من دون أن يلعب الجميع دوره في تعزيز ثقافة الحلّ وتبني موقفٍ عمليّ وهادئ، مبادر وذي نفس طويل، ينأى بنفسه عن التسرع في تصيد الزلّات ويعلي من أهمية الدقة والشمول في الطروحات بين المجتمعات والتوجهات.
تحتاج سوريا الكثير من الثقة لتعاود امتلاك أمرها والبتّ فيه، ثقةٌ بأننا نستطيع إيجاد طرق تعويضٍ وتشميلٍ وتفاهم، اليوم وغداً، ثقةٌ يمكننا افتراض أننا نتحكم فيها ونرغب بردِّ من يقوضها، لا قذفه إلى مسار تخريب علاقة السوريين ببعضهم نهائياً.
كاتبة وباحثة وصانعة أفلام، مهتمة بقضايا التهميش والحريات في سوريا.
حكاية ما انحكت
————————————
العلاقات اللبنانية السورية بعد عام على سقوط الأسد/ يقظان التقي
10 ديسمبر 2025
تواجه العلاقات بين لبنان وسورية نقصاً في حرارة التعاطي الرسمي لتجاوز العقبات وٳرساء المصالحة التاريخية التي تبدو أحياناً بعيدة المنال بعد عام من سقوط نظام بشّار الأسد. وهي الذكرى الأولى عند السوريين لتحرّرهم، وهم يحتفلون بحرّيتهم في جميع أنحاء البلاد، وبخروجهم من عزلتهم الدولية والدبلوماسية ومن العقوبات الأميركية الأكثر قسوة. وفي وقت تكافح فيه سورية لٳعادة الٳعمار بعد نصف قرنٍ من الرعب و14 عاماً من الحرب الأهلية، ومن أجل تعزيز مكانتها وهُويّتها، وبأنّها ستكون منفتحة، ما سيُحدث تغييراً كبيراً في الشرق الأوسط، لا تزال جروحات الماضي من الأحداث والمشكلات الأمنية والاقتصادية تكشف عن ندوب تؤثّر في العلاقات بين البلدين المُتجاورين، مع أنّ مصيرهما مُشترك. وتنعكس الندوب برودةً في ملفات عديدة شائكة تراكمت عبر العقود، لم تشهد حواراً رسمياً عميقاً حولها مع عمق تأثيراتها وضرورتها الملحّة، ما يُعيق تقدّم الخطوات وتأكيدها عملياً.
ومن هذه الملفات قضية اللاجئين السوريين وسبل عودتهم، إلى جانب مسألة الحدود البرّية المُعقّدة ومزارع شبعا والترسيم البحري، وملف مئات الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، مقابل المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. وتريد السلطات السورية التعاون في ٳخراج شخصيات النظام السابق الذين لا يزالون في لبنان بعد فرارهم ٳليه، وجلاء مسألة مصير الودائع السورية في البنوك اللبنانية خلال الانهيار المالي في عام 2019.
يتراكم ذلك كله فوق تاريخ مُلتبس بين البلدين، يمتدّ من الفصل الجمركي عام 1949، مروراً بالتدخّل العسكري والوصاية الأمنية، وصولاً إلى الاغتيالات والمشاركة في الحرب الأهلية، وأمور كثيرة أرخت بثقلها على الذاكرة الجماعية عند الشعبين وسط العنف الذي ارتكبته جميع الأطراف، فضلاً عن الٳرث المسموم الذي ارتفعت حرارته بسبب المخدّرات غير المشروعة، التي شكّلت المصدر الرئيس لـ”صادرات” سورية في الأيّام الأخيرة من حكم الأسد.
ورغم تعقيد هذه الملفات، فإنّ مقاربتها بشكل مسؤول وواقعي باتت ضرورة وطنية للبلدين ولاستقرارهما. والشعبان، السوري واللبناني، لا يملكان رفاهية الانتظار، لتتحرّك الأمور في القليل الذي يُرى على الأرض، في وقت تُعيد فيه المنطقة رسم خرائط النفوذ، وتنسج الدول تفاهمات جديدة، وفي حاجتها ٳلى ٳعادة الٳعمار والاستقرار والتنمية. والدول الخليجية متحمّسة ٳلى حدِّ كبير تجاه الرئيس أحمد الشرع في نافذة استثمارية ضخمة (قدمت نحو 28 مليار دولار من بين 118 ملياراً حُدّدت لٳعادة ٳعمار سورية، ويقدّر البنك الدولي أضرار الحرب بـ800 مليار دولار). علماً أنّ كلا البلدين في مرحلة انتقالية، أراضيهما مُحتلة في جزء منها من عدو ٳسرائيلي مُشترك، مهدّمة بشكل أساسي واقتصاداهما في حالة يُرثى لها، وعليهما أن يواجها مشاريع ٳعادة ٳعمار ضخمة، والعمل على تحقيق استقرار فعلي ودائم والتأسيس للتعاون المُستقبلي.
زار رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، دمشق، بعد سلفه نجيب ميقاتي، وتبعه نائبه طارق متري، الذي كُلّف إدارة العلاقات بين البلدين. والتقى متري الرئيس أحمد الشرع، كذلك استقبلت بيروت وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2025، فضلاً عن عدّة وفود وزارية. وتركّزت المُناقشات مع وزير العدل السوري بشكل خاص على التوصّل إلى اتفاق قضائي بشأن المُعتقلين السوريين، الذين سُجنوا من دون محاكمة، وغالباً لدعمهم مجموعات معارضة لبشّار الأسد. وساهمت هذه الزيارات المُتبادلة في تقريب وجهات النظر، من دون أن تحلّ تماماً المشكلة الرئيسية؛ نقص الثقة التاريخية بين العاصمتين، ومن دونها من الصعب السير نحو شفاء الذاكرة، وسيبقى البلدان عالقين، كلّ في ألمه وطريق تفكيره.
ويُخشى في لبنان أنّ سورية تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع القوية ترفض التعامل مع لبنان على قدم المساواة، مستمرّة في نهج أسلافها، من شكري القوتلي وهاشم الأتاسي إلى حافظ وبشار الأسد. ومارس هذان الأخيران وصاية على لبنان، وهما مسؤولان عن عدّة اغتيالات سياسية. وهناك جروح شخصية وجماعية تستغرق سنوات عديدة. ويقول البعض ٳنّ لبنان الذي كان شريكاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مُفضّلاً للغرب لفترة طويلة، قد يتجاوزه النظام السوري، ويتقدّم عليه في علاقاته مع الدول الخليجية ومع واشنطن.
في هذا السياق، يبدو أنّ جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، يخشى عودة الاتفاق السوري ــ السعودي لعام 2009 حول لبنان، وأنّ الرياض وواشنطن قد تطلبان من الشرع، شريك “الشرق الأوسط الجديد”، أن يتولى ملف لبنان في غياب التقدّم في بيروت بشأن نزع السلاح. ويبدو أنّ الحزب يخشى نيات انتقامية مُحتملة من النظام الجديد لتبرير احتفاظه بأسلحته.
وجاءت تصريحات الموفد الأميركي، توماس برّاك، ورؤيته الخاصة “الجمع بين لبنان وسورية” لترفع من منسوب القلق والإحباط العام عند اللبنانيين، فيما ينفي الشرع في محادثاته الخارجية أيّ رغبة في ممارسة نوع من “الوصاية على لبنان”، وأنّ ما يريده بناء سياسة “صفر مشاكل” مع جميع جيرانه للاستفادة من موقع سورية وجعلها مركزاً اقتصادياً إقليمياً. وعلانية، يؤكّد رغبته في إقامة علاقات صحيّة مع لبنان، حيث لا يمكن أن يكون هناك “نهر من النيران”. وصرّح سابقاً بأنّه قدّم “تنازلات” بشأن الجروح التي ألحقها حزب الله بالسوريين، مع أنه يتفاخر بشكل خاص بنجاحه في طرد المليشيات الشيعية من سورية.
يبدو أنّ بعض الفاعلين في لبنان لا يريدون التقارب السريع. وهذا بالطبع ينطبق على حزب الله، وكذلك على أوساط رئيس الجمهورية، جوزاف عون، الذي زار بلداناً عديدة، غربية وعربية، لكنه لم يزر دمشق (ربما لأنّه كان قائداً للجيش، الذي واجه كثيراً فصائل إسلامية سورية، بعضها مرتبط بهيئة تحرير الشام). وفي نظر البعض، لا يزال بعض المسؤولين المسيحيين في لبنان يلتزمون مبدأ تحالف الأقليات، الذي طرحه نظام الأسد. وأثارت تصريحات البطريرك الماروني، بشارة الراعي، بعض الانتقادات: “لقد أثبتت سورية الجديدة أنّها دولة إسلامية، بينما لم تكن كذلك من قبل، ولا مكان لغير المسلمين فيها”، ليعود ويتراجع عنها بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتركيا ولبنان، في ظلّ مغادرة المسيحيين، ودعوتهم ٳلى السلام والبقاء.
في الواقع، لم يسعَ الشرع إلى فرض الشريعة الٳسلامية، ولم تتحوّل سورية إلى الخلافة الٳسلامية، وجُنِّدَت النساء في الشرطة. النبيذ في المطاعم وحانات المدينة القديمة في دمشق، والنساء غير مُجبرات على تغطية رؤوسهنّ أو البقاء في المنازل، والحكم يتصرّف براغماتياً. مع ذلك، ليس من المُبكّر الحكم على الطريقة التي يقوم بها بٳنشاء هياكل موازية للدولة الرسمية، أو في مسألة طمأنة الأقليات، أو في فعل المزيد لمشاركة الجميع في السلطة، والانخراط أكثر مع المجتمع المدني الذي نشأ خلال الحرب الأهلية.
لبنان كما سورية بحاجة ٳلى أراضٍ مستقرّة في دولة وطنية تتعامل مع الحرب الٳسرائيلية على فلسطين والمنطقة بعد 7 أكتوبر (2023)، وفي تاريخ طويل من عدوانية المُحتل العنصري وبربريته تجاه الفلسطينيين وشعوب المنطقة أكثر من قرن. فالمهم في البلدين ليس فقط الحفاظ على التماسك، بل إنشاء شيء مختلف عن العروض السابقة البائسة التي أُطيحَت.
العربي الجديد
—————————-
سوريا التي تتغير/ فايز سارة
10 ديسمبر 2025 م
مرَّت قبلَ أيام الذكرى السنويةُ الأولى للتغيير في سوريا، التي كان اختصارُها الشديد إسقاطَ نظام الأسد، وإقامةَ نظامٍ جديد مكانه. ووسط العام الأول في هذا التحول المفصلي، جرت تغييراتٌ وتحولات، فيها أحداثٌ وتطورات وتفاصيلُ، كان كثيرٌ منها مشغولاً ومقصوداً، فيما جاء بعضها بالنتيجة أو على هوامش الحراك العام في بلاد تغيرت بناها الحاكمة وآيديولوجيتها، وانفتحت أبوابها، وآفاق التفكير فيها عند قسم من سكانها بعد أن عاشوا عقوداً من الضبط والتضييق والإكراه، انتهت إلى حرب دموية شاملة، وعبر كل ما سبق تمت عملية تغيير، رسمت صورة سوريا في العام الأخير.
في المشهد العام، بدأت تغييرات سوريا مع لحظات سقوط نظام الأسد، وانهيار مؤسساته وأجهزته. وبدا من الطبيعي أن تكون أجهزته العسكرية والأمنية الجبارة في مقدمة الانهيار، إذ غابت وتفككت كلها في خلال ساعات قليلة من صباح الثامن من ديسمبر (كانون الثاني) 2024، ولعل ذلك مؤشر حقيقي على أن تلك المؤسسات لم تكن مؤسسات للدولة وللشعب السوري، كما يفترض، بل مؤسسات لنظام الأسد، انهارت بمجرد سقوطه، وكان من الطبيعي انعكاس ذلك على واقع ومسار بقية المؤسسات القائمة في سوريا، التي توقف أغلبها عن العمل، وانخفض أداء ما تبقى منها إلى حدود دنيا، ومنها مؤسسات خدمات الصحة والمياه والطاقة، وتوافق مع هذا التطور السلبي إعفاء كثير من المسؤولين في تلك المؤسسات من أعمالهم ومسؤولياتهم، بسبب ما هو مقدر في علاقات تلك المؤسسات والعاملين فيها مع النظام الساقط.
وكان من الطبيعي توجه النظام الجديد نحو معالجة انهيارات المؤسسات والأجهزة وعطالتها. فتم إحلال قوات غرفة «ردع العدوان» وأجهزتها الأمنية مكان جيش الأسد وأجهزته على التوالي، وبدأت عمليات ترميم وبناء الوزارات، والإدارات في تدريب كادرات جديدة، وإعادة عاملين قدامى إلى أعمالهم، ما سمح بتشغيل كثير منها، ولو بطاقات اقل، لكن بقواعد جديدة في خدمة المواطنين وأبعد عن الفساد الذي طبع مؤسسات وأجهزة نظام الأسد.
ولا يمثل التغيير في واقع المؤسسات والأجهزة الذي كان الهم الرئيس للسلطة الجديدة، إلا شقاً من عمليات التغيير. ففي الواقع بدأت تغييرات أخرى تظهر وتتواصل في عمق المجتمع، بعضها يسير في تغييراته، بالتعاون مع أجهزة ومؤسسات السلطة الجديدة، كما هو حال منظمات المجتمع المدني، التي تسعى بسبل متعددة إلى مساعدة المجتمع السوري في تجاوز ظروفه الصعبة في مجالات واسعة، تشمل التعليم والإغاثة والتدريب والخدمات، وهي مجالات تتقارب وتتماثل مع نشاطات أخرى، تحتاجها المجتمعات المحلية، يقوم بها شبان وفاعلون في مدن وقرى سورية، من أجل تحسين مستويات حياة السكان، عبر برامج تنمية اجتماعية اقتصادية، تشمل تدريبات واستشارات وتمويل مشروعات صغيرة وإقامة دورات دراسية، لا تشمل المناهج التعليمية فقط، بل التعليم الحديث للبرمجيات والشبكات والذكاء الاصطناعي والتسويق الإلكتروني، وكلها تنتمي إلى علوم وتخصصات، لم تكن رائجة في سوريا، بسبب سياسة النظام البائد في عزل السوريين وإغلاق أبواب تواصلهم عن العالم. والملاحظ أن جملة الجهود التغييرية غير الرسمية تشارك مصادر متعددة في تمويلها، وتقول التقديرات إن جزءاً محدوداً منها من مصادر منظمات أجنبية، والأهم من مصادر محلية، يقدمها رجال مال وأعمال من المغتربين السوريين، ويقدم متطوعون من الشباب والشابات جهودَهم وقدراتهم وما يستطيعونه من مال لتشغيل برامجهم.
التغيير السوري الجاري، وبالرغم مما يحيطه من ظروف ومشاكل، يمكن وصفه بأنه تغيير شامل وعميق، يصيب المجتمع والدولة والسلطة، لأنه يولد ملامح جديدة لكل واحد من الثلاثة، ويبدل الآيديولوجيات ومكانتها، ويفتح الأبواب على سياسات وممارسات مختلفة في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ما يتركه من تغييرات في القيم والسلوكيات الدارجة، وهو في الغالب الأعم يولد بدائل لما ظهر وترسخ في الزمن البعثي الطويل.
كثير من السوريين الذين يتابعون التغيير، سواء بأمل أو بقلق، يتفقون أنه لن يكون سهلاً وسلساً، بل سيكون مختلطاً وصعباً، وفيه استعصاءات كثيرة، لا تقتصر على إرث النظام الأسدي فقط، وما خلفته حرب النظام على السوريين من قتل وتهجير ودمار للموارد والإمكانات وفقدان للكادرات وعقوبات دولية، وكلها تحتاج إلى جهد ووقت لتجاوزها، كما يحتاج التغيير السوري إلى تحديث الدوائر والكوادر الإدارية والتقنية، خاصة في قطاعات، بينها الاتصالات والمصارف وغيرهما، وكله سيرتب على السوريين معاناة وفواتير كبيرة، ما يفرض على السلطة الجديدة والفئات القادرة وعلى المجتمع الدولي تقديم مساعدات جدية تتجاوز الإغاثة إلى إحياء دور الفئات الدنيا، ومساعدتها على المشاركة في عملية النهوض والانتقال نحو مجتمع حديث، فيه عدالة ومساواة وتشاركية، وخالٍ من الشمولية والفساد.
الشرق الأوسط
—————————
مشاهد من يوم لا يُنسى: حكايات «صغيرة» من الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد/ زينة شهلا
09-12-2025
ما زال كثيرون منا حتى اليوم، وبعد عامٍ كامل على سقوط نظام بشار الأسد ورغم كل ما جرى فيه، يتحدثون باللهفة نفسها عن اللحظات الأولى من تلك الأيام. من تحليلات سياسية ومحاولة تفكيك كيفية انهيار أحد أكثر الأنظمة وحشية في التاريخ، إلى ذكريات شخصية وحميمية جداً؛ لا نملّ من سؤال بعضنا: «وين كنتو بهداك اليوم؟ شو كنتو عم تعملو؟ شو شفتو؟ شو سمعتو؟». وكما تتعدد الحكايات كثيراً، نخاف من نسيانها ونتحسّر لأن الكاميرات والتسجيلات الصوتية لم تلتقطها كلها.
أحاول هنا ملاحقة بعض تلك الحكايات، وتجميد بعض تلك اللحظات «التي لا يُمكن أن تُنسى».
كيف انتهت حكاية سجن عدرا؟
بخلاف السجون الأمنية، مثل سجن صيدنايا وأفرع المخابرات، كان السجناء في سجن عدرا المركزي في دمشق على دراية ببعض تفاصيل معركة ردع العدوان عقب انطلاقها، إذ كانت الاتصالات الخارجية ومُشاهدة القنوات التلفزيونية الرسمية متاحة لهم. مع ذلك، لم يكن أحد يتوقع تماماً تفاصيل تلك الليلة الرهيبة.
«مع أخبار فتح سجن حلب، بدأنا نتفاءل. كنّا نستقصي الأخبار من النشرات ومن أهالينا الذين كانوا بدورهم يتواصلون مع أهالي بعض أصدقائنا الناشطين في سجون أخرى، ونتحدث معهم ‘بالتشفير’ عبر الهاتف. مع ذلك، كنا نتخوف من أن تقف المعركة عند حدود حماه أو حمص دون الوصول إلى دمشق». يتحدث عمرو، الذي كان يقضي عامه الثالث في سجن عدرا، على خلفية تهم أمنية تتعلق بعمله الإنساني والإغاثي، وكان حُكمه السجن المؤبد.
يحتفظ عمرو في ذاكرته حتى اليوم، بتفاصيل ذلك الأسبوع، ساعة بساعة ولحظة بلحظة. يتذكر ونحن نتحدث عبر الهاتف كل مجريات الأحداث، وعندما وصل بالسرد إلى يوم الخميس، قبل سقوط نظام الأسد بأيام، بدأ صوته بالانفعال: «عرفنا حينها من أصدقائنا بأن رئيس سجن عدرا وصلته رسالة تُعطيه مهلة لفتح السجن خلال 48 ساعة، وإلا فإن الثوار من دوما وحرستا قادمون. كانت أشبه بمعلومة سرية لكننا كنا نتداولها، وفعلياً فإن السجن ‘فرط’ وانكسر حاجز الخوف من ليلة الخميس وصباح يوم الجمعة، وصرنا نتحدث بشكل واضح بأن خروجنا بات قريباً».
مساء السبت ومع بدء انهيار قوات النظام في محيط دمشق، وخروج مظاهرة في جرمانا وتكسير تمثال حافظ الأسد، عرف السجناء أن «الفرج بات قريباً»: «حينها قررتُ التوجه إلى حلّاق السجن وكان عنده ازدحام كبير، فالجميع كانوا ينتظرون الخروج ويريدون أن يكونوا بأبهى حُلّة، وقررت ألا أتناول أي طعام، قلت لنفسي: إذا كنت سآكل أي شيء، ليكن في بيت أهلي، لم أعد أريد طعام السجن».
تغير الروتين تلك الليلة، فتأمين الغرف وإحصاء السجناء – وهو إجراء يومي لا بد منه – لم يحدث، وفي الساعة الحادية عشرة ليلاً دخل نحو 70 موقوفاً بتهم «الإرهاب» قادمون من سجن حمص المركزي، وهنا انهارت المعنويات إذ اعتقدَ الجميع أن تمترساً طويلاً لنظام الأسد سيحدث في دمشق، وباتت الدقائق تمر عليهم وكأنها ساعات.
يتابع عمرو: «كانت الواحدة ليلاً، وكنت أتحدث عبر الهاتف مع والدتي وهي تحاول رفع معنوياتي، وفجأة سمعتُ أصواتَ هدير وتكبير، بكيت وقلت لها ‘شكلنا رح نطلع’. بدأ الناس بالركض في الممرات، والجميع يصرخ بأن علينا كسر الأقفال والخروج، وعندها أدركنا بأن كل العناصر هربوا وأقفلوا علينا كل شيء. خلعنا أبواب الحمامات وصرنا نضرب بها على أبواب الزنزانات الحديدية. لدقائق كان السجن بأكمله يهتز تحت وقع هذه الأصوات ‘بف بف بف’، وكنا نسمع صوت إطلاق رصاص كثيف في الخارج دون أن نعلم تماماً ماذا يحدث».
بعدها بدا المشهدُ هكذا؛ موجة بشرية من أكثر من 14 ألف شخصٍ، وقد كسروا أبواب الزنزانات وبدأوا بالركض في الممرات، فالسجن كبير جداً وله طوابق عديدة والباب الأساسي بعيد. البعض خاف وعاد إلى الغرف، إذ سرت إشاعات بأن قوات حفظ النظام قادمون لنقلهم من جديد إلى الأفرع الأمنية: «بعد دقائق عرفنا بأن أصوات الرصاص هي من احتفالات الناس في الخارج، وعند الثانية إلا ربعاً ارتديتُ كل ملابسي وخرجت. سجدت على باب السجن ونظرت حولي وكان أشبه بيوم القيامة: آلاف الناس يبكون، يضمون بعضهم، يصرخون، يركضون، ولا أحد يعلم إلى أين يذهب».
كان عمرو يخطط لقضاء الليلة في مدينة دوما المجاورة مع بعض زملاء السجن، لكنه في زحمة الخروج تاه عنهم، فقرر السير إلى دمشق مع الآلاف غيره، خاصة وأنه قد وعد أحد زملائه، وكان رجلاً مريضاً من مدينة اللاذقية، بألا يفارقه قبل أن يتأكد أنه بمأمن: «كانت ليلة معتمة تماماً دون قمر. مشينا أكثر من 35 كيلومتراً. رأينا أعداداً هائلة من السيارات تخرج من دمشق، ودبابات تسير نحو المدينة، وكان الشارع مليئاً بثياب العساكر الهاربين مرمية على الأرض. كان كثيرون قادمين من دمشق للبحث عن أحبائهم في السجون وكانوا ينادون على أسمائهم، وتمكنا عبر هواتفهم من الاتصال مع أهالينا وطمأنتهم، وكانت أمي تبكي على الهاتف بشكل هستيري».
عندما وصل السائرون إلى مدخل دمشق عند حي القابون، ووجدوا الناس يحتفلون والنسوة يزغردن، عرفوا بأن الأسد هرب وبأن النظام قد سقط: «جلسنا أخيراً لنرتاح بعد سير لم يتوقف. كان الناس ينظرون إلينا ولا يعرفون من نحن، وعندما علموا بأننا خارجون من السجن صاروا يسألوننا عن أسماء أولادهم، وأعطونا طعاماً ومياهاً وهواتفهم لنتحدث مع أهالينا. أذكر سيدة قالت بأن أربعة من أولادها استشهدوا، واثنين آخرين فُقدا في سجن صيدنايا. كانت تمزق صور بشار الأسد المرفوعة على حاجز سيرونيكس».
تابع عمرو سيره ليصل إلى منزله في دمشق، وحتى اليوم، يصف لقاءه بوالدته بأنه «اللحظة التاريخية»، ويحمد الله على خروجه بالسلامة من براثن سجون النظام.
في مشفى المجتهد
مساء يوم الاثنين 9 كانون الأول (ديسمبر)، وفي الساعة السابعة، بدأت الأنباء تتوارد عبر وسائل الإعلام، عن وجود جثامين لمعتقلين أُخرجت من سجن صيدنايا إلى مشفى حرستا. حينها، توقع الأطباء الشرعيون العاملون في مشفى دمشق (أو مشفى المجتهد)، وأطباء مركز الاستعراف، بأن دورهم قد حان.
«بالفعل تلقينا اتصالات في الثامنة مساء تطلب منا الحضور إلى المشفى، بعد أن نُقلت الجثامين بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري ووُضِعَت في البرادات وغرفة التبريد على الفور. وصلنا مباشرة إلى المشفى ووضعنا خطة للكشف عنها، وكان عددها 36 جثماناً»، يقول أحد الأطباء للجمهورية.نت، مفضّلاً عدم ذكر اسمه.
بصوت مرتجف، يتذكر الطبيب كل تفاصيل ذلك اليوم «الرهيب»: «بدأ توافد الأهالي إلى المشفى بأعداد كبيرة جداً وبشكل مستمر، أملاً في أن يعثروا على أي دليل عن أحبابهم المفقودين منذ سنوات في سجن صيدنايا. مع عدم توافر قوات أمن لتأمين المشفى والبرادات من حالة الفوضى، ولامتصاص غضب الناس المفهوم طبعاً، وعدم التصادم معهم ريثما نبدأ بالعمل، قررنا تصوير الحالات، وخاصة التفاصيل الهامة التي قد تفيد في التعرّف على الجثة، وطباعة الصور ووضعها على حائط المشفى مع رقم مجاور لكل حالة، وعند شكِّ الأهالي بأي صورة كانوا يخبروننا برقمها لنبدأ أخذ البيانات منهم، خاصة بيانات الأسنان أو أي وشم أو دليل طبي موجود على جسد المتوفى قبل الاعتقال لتتم عملية المقارنة».
كان بالفعل يوماً لا ينسى في دمشق. تحوّلَ الشارع المجاور لمشفى المجتهد إلى ساحة حزن وبكاء مستمر. آلاف الأهالي القادمين من كل مكان، متسمّرون أمام حائط يحمل صوراً قد تكون دليلاً على نهاية انتظار طال لسنوات. وبالطبع فإن معظمهم لم يحصل حتى اليوم على أي إجابة، فأعداد الجثامين الواصلة كانت محدودة جداً، مقارنة بعشرات آلاف المفقودين الذين ما يزال مصيرهم مجهولاً.
لم يكن الوضع داخل المشفى سهلاً على الكادر الطبي. الكثير من الأهالي استجابوا للإرشادات ووقفوا خارج المشفى بانتظار نتائج الكشف. آخرون تهجموا على الأطباء الذين حاولوا التعامل مع الوضع، وامتصاص غضب الناس ومراعاة أحوالهم النفسية. في الوقت ذاته، كان الطيران الإسرائيلي يُحلق فوق سماء دمشق وينفذ غارات متتالية وعنيفة استمرت لساعات طويلة.
«تابعنا العمل وأداء واجبنا ومحاولة الإجابة على كل استفسارات الأهالي، مع تخوفنا من الأوضاع الأمنية المُنفلتة والغارات الإسرائيلية. كانت ليلة لا تنسى تجمع بين مشاعر غريبة ومختلطة، مشاعر الفرح بالتحرير وأداء واجبنا، وخوف وغضب الناس، والخوف من أصوات الانفجارات وخوف أهالينا علينا، وانتهت بكثير من الأسى أيضاً»، يقول الطبيب.
حكايات إنسانية صغيرة
لا تنسى سماح، وهي من سكان مدينة جرمانا في ريف دمشق، حكاية صغيرة حفرت في ذاكرتها من ليلة سقوط الأسد. كان الناس حينها منشغلين بتأمين بعض المواد الغذائية لمنازلهم، خوفاً من حرب طويلة في دمشق: «نزلت بدوري إلى السوق ولم أعثر على ما أحتاجه، خاصة الزيت. سألت جارتي وهي نازحة من دير الزور، وأرشدتني إلى محلات أخرى لكنها كانت فارغة أو تبيع المواد بأسعار خيالية. عدتُ إلى البيت خالية الوفاض، وبعد فترة قصيرة، رنَّ الجرس وكانت جارتي نفسها وقد وضعت بعض الزيت في سطل لبن صغير. شعرتُ بأنها علبة ذهب وليس علبة زيت. في ذلك اليوم العصيب كنت أعتقد بأنه من الصعب أن نُعطي أي شيء لعائلة أخرى خوفاً من أن نحتاجه مع التخوّف من الأيام القادمة، لكن جارتي كسرت تلك الصورة النمطية».
نزلت سماح إلى الشوارع مع بزوغ أول ضوء من يوم الأحد، رغم خوفها من الرصاص الكثيف: «كان الرصاص فوق رأسي وأنا أضحك وأسلّمُ على الناس وأصافحهم وأقبّلهم، خاصة النساء الوافدات إلى المدينة وكانت فرحتهنَّ كبيرة جداً. رأيت أهالي المفقودين وهم يبحثون عن أبنائهم، وأشخاصاً كانوا معتقلين لدى نظام الأسد وهم يرفعون إشارة النصر. بكيت كثيراً لأن الثمن الذي دُفع لنصل إلى هذه اللحظة كان باهظاً جداً».
تتحدث سماح عن الأيام الأولى من تلك الفترة والتخوفات من أي صدامات في المدينة التي تقطنها أغلبية درزية، واستقبلت خلال سنوات الحرب عشرات آلاف النازحين: «كان هناك اعتقادٌ بأن الناس في جرمانا يحترمون بعضهم رغماً عنهم، لكننا كنا نعرف بأننا جميعاً سنكون الخاسرين من أي صدام محتمل، ومرت تلك الفترة بأفضل شكل ممكن». لكنها تأسفُ لكل التوترات التي عاشتها المدينة لاحقاً، والتي أدت إلى أن معظم سكان جرمانا اليوم خائفون وحذرون، من أي صدام محتمل: «اليوم وبعد عام على سقوط النظام، ما زلنا في وضع غير مستقر. لا أحد يرغب بالمزيد من الفوضى، لكن ما نعيشه للأسف مُحبِط وغير متوقع مقارنة مع الأيام الأولى من هروب بشار الأسد».
أيهم، وهو من سكان ضاحية قدسيا في ريف دمشق، يستذكر أيضاً حادثة لا تشبه غيرها: مع اقتراب المعارك من مدينة حماة، والشعور بأن دمشق قد تُحاصر وبأن الطريق نحو المحافظات الساحلية قد يُقطع لفترة طويلة، فكر الرجل بتقديم نصيحة لجاره المنحدر من مدينة جبلة، بالمغادرة ريثما تتضح الأمور: «كنا نتخوف من انتقامات واسعة ضد أبناء الطائفة العلوية، لكنه قال لي: لا مستحيل ما رح يصير شي».
وفي ليلة سقوط نظام الأسد وقبل أن تتضح كل مجريات الأحداث، قرر أيهم أن يُعطي صديقه مفتاح منزل صديق آخر فارغ في المنطقة ذاتها، ومفتاح إحدى سيارتيه: «طلبت منهم مغادرة منزله إن كان يشعر بعدم الارتياح، أو حتى السفر خارج دمشق».
ومع ساعات فجر يوم الأحد، خرج أيهم من منزله محتفلاً مع الناس، ليكتشف بأن سيارته غير موجودة، وعرف بأن صديقه سافر بها، وتوقع بأن مكوثه في جبلة سوف يطول كثيراً، وكان فَرِحاً ومتأملاً بأنه بخير: «اكتشفتُ بأن الآلاف غادروا دمشق بالسيارات أو سيراً على الأقدام، ولعل المعجزة حينها في أن أحداً لم يتعرّض لهم. بعد يومين اتصل صديقي واعتذر وشكرني كثيراً، ورجع إلى دمشق سالماً مع السيارة بعد أسبوع. كانت نهاية سعيدة لذلك الأسبوع الرهيب، قبل أن تحصل الكثير من الأمور التي جعلتنا نشعر بالإحباط بعدها».
موقع الجمهورية
————————————-
عام على سقوط الأسد: الحاجة للسؤال…لا الجواب/ نوار جبور
الأربعاء 2025/12/10
مرّ عام على سقوط الأسد. هذا السقوط ليس حدثًا عابرًا ولا يشبه سقوط أي نظام آخر. نحن لا نتحدث عن دولة بالمعنى التقليدي، بل عن منظومة أقرب إلى “تنظيم” طويل العمر. منذ أواخر الستينيات وحتى عام 2024، لم يغيّر هذا التنظيم ملامح سوريا وحدها، بل ساهم في إعادة تشكيل خرائط السياسة والاقتصاد والعنف في المنطقة: من لبنان والعراق، إلى شبكات الكبتاغون، وصولًا إلى صناعة الفئات المصنّفة إرهابية. لذلك، هو أكثر من نظام حكم؛ إنه نموذج سلطوي عابر للحدود، ارتدى شكل الدولة بينما اشتغل كآلة نفوذ وأمن واقتصاد ظلّ.
في سوريا، صارت الوظيفة الأولى بعد السقوط أن نستعيد القدرة على التفكير بالحياة. فالنظام لم يدفع السوريين إلى الموت كأفقٍ وجودي، بل إلى الإفناء كإدارة تُسقط معنى الحياة قبل أن تُسقط الجسد. كان السوريون يعيشون الموت لا بوصفه حدثًا يقع في النهاية أو يمكن حسابه، بل بوصفه مناخًا دائمًا يحيط بالحياة من كل الجهات. لكن النظام لم يكتفِ بدفع الناس نحو هذا الأفق المعتم، بل ألغى الموت لصالح شرطٍ أشد قسوة: الإفناء. نزع من كل سوري سؤاله عن الموت ودفعه إلى مساحة لا يُدرك فيها موته كمعنى، بل يُدرك فيها الإفناء كقدر. لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل كيف لا نُمحى.
من الموت إلى الإفناء
وهكذا تجاوزت التجربة السورية الموت إلى الإفناء: ليس إنهاء حياةٍ ما، بل سحق القدرة على أن تكون الحياة ذات معنى، وتحويل الوجود إلى إدارة للمِحن، حيث يُغلق الأفق ويُستبدل السؤال بالنجاة العمياء. وهذا ما يفسر أن أنظمة القتل الجماعي ليست فقط أيديولوجيا أو قسوة، بل أيضًا تحطيم الدولة كإطار حماية وتحويل المجتمع إلى مساحة مكشوفة؛ فالعنف الواسع يصبح أكثر قابلية للتوسع حين تتآكل المؤسسات وتنهار القواعد التي تضبط القوة ويُعاد تعريف البشر كفئات قابلة للإزالة.
تُرك السوريون للعالم. لم يكن النظام يقتل ليخيف فقط، ولا ليمنع الاعتراف فحسب، بل كان يقتل كاحترافٍ كامل للقتل: يجعل العنف ورقيًا، محسوبًا، قابلًا للتفكير والتحايل والأخذ والرد، كأنه إجراءٌ إداري لا جريمة، وكل ذلك دون أي توقع للسقوط. هذا إفناء يحاول أن يتخفّى بوصفه موتًا، لكنه موتٌ مُورّق وخاص: موتٌ يُدار ويُصنّف ويُدوَّن لا موتٌ يقع كقدرٍ إنساني. قصدية النظام لم تكن نحو “حُكم” المجتمع، بل نحو إعادة تعريفه كفئات قابلة للإزالة، وهكذا أعاد تعريف الموت داخل الفناء: ليس إنهاء حياةٍ فقط، بل ضبط فكرة الإنهاء نفسها كوظيفة.
النظام السوري كان أسلوبًا متضخمًا لما يمكن أن نسميه مع فيليكس غواتاري الآلة، لا بوصفها جهازًا واحدًا فقط، بل بوصفها مجموعة أدوات تشتغل في تفاصيل العيش قبل الملفات. السلطة ليست توريقًا واضحًا فحسب، بل هي الكلمة، والنكتة، وطريقة الوقوف والسير، والهمس الذي كان يُقاس، والخوف الذي كان يُدار كإيقاع يومي. لذلك لم تكن المشكلة أن العنف كان مكتوبًا فقط، بل أنه كان يعيش تحت الجلد، ويعيد تشكيل أسلوب الحياة نفسه حتى يصبح ما يبدو “طبيعيًا” نوعًا من الغشّ، وما يبدو استقرارًا مجرد تدريب طويل على النجاة.
صار ممكنًا أن نتنفس خارج تلك الآلة الكبرى، لكن الخطر أن يتحول هذا التنفس نفسه إلى غشّ جديد إن لم نفهم ما الذي كان يسقط فعليًا. نعم، نحن أمام نجاة من الإفناء، وأمام طريق يُعيد للإنسان حق اختيار الموت والتفكير فيه بدلاً من أن يُساق إليه بوصفه وظيفة. لكن سقوط الآلة لا يكفي إذا بقيت أدواتها الصغيرة تعمل في اللغة والعلاقات والمدينة والذاكرة.
هنا تفيدنا مركزية غواتاري عن البيئات الثلاث بوصفها مركزية للإصلاح لا مجرد وصفٍ فلسفي أو مخيالي: بيئة نفسية تخص الذات، وبيئة اجتماعية تخص العلاقات والمؤسسات، وبيئة طبيعية/مدينية تخص المكان. الخلاص بعد الأسد ليس إسقاط جهازٍ فقط، بل إعادة إنعاش هذه البيئات التي خُنقت طويلًا. لأن التحرر يبدأ حين نُصلح بيئة الذات، وبيئة الاجتماع، وبيئة المكان معًا؛ وإلا سنستبدل آلة بآلة، ونجاة عمياء بنجاةٍ أكثر تهذيبًا لكن بلا معنى. هذا ما كان ينبغي أن يبدأ بعد السقوط: إصلاحٌ مركزي لبلدٍ مُدمّر في بناه التحتية، وناسٍ صار أكثر من نصفهم خارج الأمكنة التي وُلدوا فيها وترعرعوا، كأن الخلاص لا يكتمل إلا حين يُعاد وصل الإنسان بذاته، وبالآخرين، وبالمكان الذي سُرق منه.
بعد عام من سقوط الأسد نشأت مشكلات مفهومة بوصفها نتاج حرب أهلية طويلة، ومشكلات لم نعرفها ولم نتوقعها. ظهر العنف المشهدي، العنف المرئي الإلكتروني، ونوع من الحرية الغريبة في القول والتنقل؛ حرية تبدو وكأنها انفلات أكثر مما هي تأسيس. وظهرت مجازر مهيبة يُراد لها أن تُفسَّر كأعراض حرب، لا كإنذار سياسي وأخلاقي جديد.
وفي الوقت نفسه قبلنا بنظام جديد لم يفتح لنا الحرية إلا بوصفها موقفًا لغويًا: أن تعبّر معه أو ضده. حرية تصويت بالكلام لا حرية تأسيس بلد. لم تتحول هذه المساحة إلى مشروع وطن، بل إلى ساحة انقسام سريع، وإلى خلل منهجي وفظ في التعبير الاجتماعي؛ صار شتم الطوائف وشتم المختلفين جريئًا ومرعبًا في آن، لأن الجرأة هنا ليست شجاعة مدنية، بل دليل على أن أدوات الآلة القديمة قد تتبدّل شكلًا وتبقى فعّالة بروحها.
كلمات حدودها مطاطية
لكن المشكلة ليست سياسية فقط، بل لغوية مفاهيمية أيضًا. نحن نعيش كسوريين على كلمات حدودها مطاطية، وبسهولة تتحول إلى إشكاليات مفتوحة، لأننا نتخيّل الكلمات بوصفها أشياء نهائية، لا مفاهيم قابلة للضبط والتعريف. وهكذا تتحول الأزمة إلى شكل معرفي: نفقد القدرة على الاندفاع نحو المعرفة بوصفها مفهومًا أساسيًا، ونستبدلها بلغة التبريرات؛ تبرير النصر، تبرير المجزرة، تبرير الاقتتال. بعد السقوط، الخطر أن نستبدل حقائقنا المعيشة بحروب تبرير، وأن نخسر القدرة على بناء معرفة مشتركة عمّا جرى وما يجب أن يُبنى.
هذا يذكّرنا بنقد إلياس مرقص للفكر الذي يحوّل المفاهيم إلى جواهر، ويعامل الكلمات الكبرى وكأنها حقائق خارج التاريخ والمعنى والتحليل. حين تُسحرنا الكلمات بوصفها أشياء نهائية لا أدوات فهم، نصير أسرى لغةٍ تنتج تبريرات لا معرفة. ما بعد السقوط يحتاج تفكيك هذا السحر: إعادة الكلمات إلى تاريخها وحدودها، كي نستعيد قدرة بناء معرفة مشتركة لا مجرد اصطفافات لفظية.
وهنا يظهر فرقٌ جوهري يغيب عن كثير من القراءات المتسرّعة والمنتقمة: الزعيم الطائفي، على فظاظته وانغلاقه، غالبًا يشتغل بمنطق غايةٍ قصدية واضحة هي حماية طائفته وتعزيز شعورها بالأمان والانتماء. لا يحتقر بيئته، ولا يضعها كوقود صرف داخل ماكينة دولة، بل يعرض نفسه—على الأقل نظريًا—كضامنٍ لها. أما النموذج الأسدي فكان شيئًا آخر تمامًا. بشار لم يكن حامي طائفته بالمعنى الطائفي في الحروب الأهلية التي جرت في المنطقة، بل كان أقرب إلى رئيسٍ لا يهتم بطائفته ولا يحميها، ويعاملها كعمودٍ وظيفي داخل الأمن والجيش لا كجماعة تستحق الحماية. لهذا فإن نهاية العام الأول كشفت لنا بوضوح أن ما سُمّي طائفيةً هنا كان في جوهره منطق استخدام لقيادة العلويين للموت أكثر من أي منطق حماية يمكن اثباته. لكن هذا الوضوح لا يبدو كافيًا لإنقاذ العلويين من قسوة هذا العام. فالعدالة تُستبدل بسهولة بعقابٍ جماعي، وتتحول الطائفة إلى رمزٍ جاهز لكل فشلٍ سابق، ويُدفع بها خارج مفاصل الدولة، دون أن تُضمن حمايتها في مناطقها، ودون أن يُفتح لها مسارٌ واضح للاندماج في وطنٍ لا يُفترض أن يُعاد تشكيله بمنطق الثأر.
نحن لا نختلف فقط على السياسة، بل على معنى الكلمات الأخلاقية نفسها، لأن معيارها المشترك تفكك. إنها أزمة لغة أخلاقية قبل أن تكون مجرد صراع سياسي. حين تذوب المعايير المشتركة، تصبح الحرية كلمة مطاطية تُستخدم للتبرير أكثر مما تُستخدم لبناء بلد. ولذلك لا يكفي سقوط نظام كي تولد حياة عامة سليمة؛ المطلوب إعادة تأسيس تقليد أخلاقي حي عبر ممارسات ومؤسسات تُعلّم الفضائل المدنية، وإلا سنبقى ندور بين انفلاتٍ يُسمّى حرية، وعنفٍ يُسمّى ضرورة، وشتائم تُسمّى فعلاً سياسياً، فيما البلد يبقى مؤجلًا باسم الكلمات نفسها.
الحرية ليست نجاة فقط
الخطر ليس أن نختلف على الأجوبة فقط ولا التبرير، بل أن نفقد شجاعة الأسئلة التي تُنقذ المعنى من التبرير. لأن الاختلاف على الأجوبة يمكن أن يكون صحيًا إذا كان داخل أفقٍ مشترك من البحث والتدقيق، أما فقدان السؤال فهو سقوط الأفق نفسه. حين تختفي الأسئلة، لا يعود النقاش محاولة لفهم ما جرى، بل يتحول إلى سباق سرديات: كل فريق يكتب لنفسه محكمة، ويمنح نفسه البراءة سلفًا، ويمنح خصمه الإدانة جاهزة. السؤال هنا ليس رفاهية فلسفية، بل شرط نجاة سياسي وأخلاقي. هو الذي يمنع الحرية من أن تتحول إلى انفلات، ويمنع الذاكرة من أن تتحول إلى انتقام، ويمنع العدالة من أن تتحول إلى ثأر جماعي. السؤال يعيد الكلمات إلى حدودها: ما معنى الدولة الآن؟ ما معنى حماية الناس لا استخدامهم؟ ما معنى أن نرفض العنف حتى حين يغوينا باسم التاريخ؟
سقوط آلة قديمة لا يمنع ولادة آلة يقين جديدة. بعد السقوط قد ننتقل من استبدادٍ واضح إلى دوغمائية متخفّية: يقين ثأري، يقين طائفي، أو يقين ثوري يتصرّف كأنه فوق النقد. هنا تتحول الكلمات إلى سكاكين، وتعود السلطة من باب الحقيقة المطلقة” لا من باب الدولة. لذلك الخطر الأكبر ليس أن نختلف، بل أن نختصر البلد في إجابة واحدة، ونستبدل نظامًا اغتال السياسة بقاموسٍ جديد يغتال الأسئلة ويردها إلى انفعال الشارع. النجاة من الفناء يرتبط اليوم بمعنى الحرية والذي لا يصلح له إلا أن نقول أن الحرية هي أننا نجونا لا أكثر والحرية ليست نجاة فقط.
المدن
——————————–
عام سوريا الجديدة: النجاح الناقص/ رفيق خوري
الانطباع السائد هو أن حدة الانقسامات والعودة للحساسيات الطائفية والمذهبية والجهوية زادت بدلاً من أن تنقص
الأربعاء 10 ديسمبر 2025
المعاناة أكبر في سوريا المدمرة التي يعيش 90 في المئة من شعبها تحت خط الفقر، إذ إنها تحتاج إلى تدفق استثمارات خارجية وداخلية ضخمة في ظل نظام قانوني ورؤية اقتصادية بعيدة المدى.
ماذا بعد عام على السقوط الصامت الانهياري لنظام الأسد والنصر الصاخب للفصائل التي قادتها “هيئة تحرير الشام” من إدلب إلى دمشق خلال أيام؟ وماذا عن القوى الإقليمية والدولية التي خرجت من سوريا مع بشار الأسد، والقوى الإقليمية والدولية التي فتحت الطريق إلى عاصمة الأمويين؟ وهل تبخرت الثورة التي بدأت عام 2011 وتظاهر من أجلها وقاتل في سبيلها مئات الآلاف ودفع ثمنها عشرات الآلاف في السجون والقبور وعانى من أجلها ملايين اللاجئين إلى الخارج والنازحين في الداخل وسط شعار “من يحرر يقرر” الذي رفعه من وجهوا الضربة الأخيرة إلى النظام؟ وإلى أي حد يمكن الذهاب في التحول من المرحلة التي قادها “أبو محمد الجولاني” بما فيها من أفكار وشعارات ومطلقات إلى المرحلة التي استعاد فيها أحمد الشرع اسمه الحقيقي كرئيس للمرحلة الانتقالية في سوريا؟
في البدء كان فرح الخلاص من نظام عنيف أريد له البقاء إلى الأبد. وكان أيضاً الارتياح إلى التخلص من سطوة الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” والفصائل الولائية في العراق التي حاربت دفاعاً عن النظام، ولكن من أجل المشروع الإقليمي الإيراني. ثم جاء الانفتاح السوري على العرب والعالم والانفتاح العربي والدولي على سوريا بقيادة الشرع. وقد نجح الرئيس الانتقالي السوري في فتح كل الأبواب بمساعدة السعودية وتركيا، بالتالي أميركا وفرنسا.
ولم يتردد الشرع من باب الواقعية ومصالح البلد في الذهاب الى الكرملين على رغم حرب الروس على الثورة السورية منذ عام 2015. وما كان أمراً عادياً انضمام دمشق إلى “التحالف الدولي ضد ’داعش‘ والإرهاب” بقيادة أميركا، ونقلها من نظام أوليغارشي قمعي تحت عنوان اشتراكي وليبرالية اجتماعية إلى نظام ليبرالي اقتصادي من دون ليبرالية سياسية. فالبلدان التي انتقلت من الاشتراكية إلى الاقتصاد الحر عانت مضاعفات “العلاج بالصدمة الكهربائية” حتى في أوروبا الشرقية.
والمعاناة أكبر في سوريا المدمرة التي يعيش 90 في المئة من شعبها تحت خط الفقر، إذ إنها تحتاج إلى تدفق استثمارات خارجية وداخلية ضخمة في ظل نظام قانوني ورؤية اقتصادية بعيدة المدى. فكيف إذا كان “شيوخ” الفصائل السلفية يتحكمون بالمجتمع، ولا أحد يعرف متى ينتهي هذا النوع من التحكم؟ وكيف إذا كانت “العدالة الانتقالية” لا تزال خجولة وبلا قوانين خاصة ومحاكم خاصة كمقدمة للمصالحة بعد العدالة، وكانت مرحلة “الانتقال السياسي” بحسب القرار الدولي 2254 متعثرة؟
الواقع أن سوريا انتقلت من الحكم باسم الأقلية في السابق إلى الحكم باسم الأكثرية حالياً. وفي الحالين تتركز السلطة في يد واحدة، ويسهل الانفتاح على الخارج ويصعب الانفتاح في الداخل. والحرص الداخلي والخارجي على وحدة سوريا يبقى شعاراً إن لم يكن الشعب السوري موحداً. وحتى توحيد سوريا بالقوة في ظل انقسام شعبي عميق مكتوم أو صاخب، فإنه يكون توحيداً شكلياً في ظل سلطة طرف واحد، لا فرق إن كان بعثياً أو سلفياً. فالانطباع السائد هو أن حدة الانقسامات والعودة للحساسيات الطائفية والمذهبية والجهوية زادت بدلاً من أن تنقص، والتحولات في مسار الرئيس أحمد الشرع تبدو أسرع بكثير منها في صفوف المقاتلين الأجانب الذين لا يعرفون تنوع المجتمع السوري ولا يرون مبرراً لوجود جماعات تاريخية مختلفة عن الأكثرية، وحتى الأكثرية “الأشعرية” فإنها ليست على مزاج التشدد السلفي.
وبكلام آخر، فإن نجاح سوريا الجديدة في ميدان العلاقات مع العالم يحتاج إلى أن يكمله النجاح في ميدان العلاقات بين السوريين. ولا أحد ينكر أن المشهد الحالي هو مشهد يتمثل في الاعتداءات على العلويين والدروز والمسيحيين والإسماعيليين وفي مشكلة “قسد” والخصوصية الكردية. وهو مأزق لا مخرج منه عبر “هيئة تحرير الشام” وحدها ولو أيدها العرب والغرب، إن لم يصبح الباب مفتوحاً بالفعل لا بالقول إلى مشاركة السوريين جميعاً في المسؤولية عن البلد.
والسجالات اليوم تدور على حقوق الأقليات وحق الأكثرية ومسائل النظام المركزي واللامركزي والفيدرالية. لكن هذه ليست المسألة. فلا حل يضمن حقوق الجميع إلا في دولة المواطنة والديمقراطية، بصرف النظر عن صيغة النظام. فلا نظام، أياً يكن نوعه يمكن أن ينجح في مجتمع متنوع، من دون الديمقراطية التي هي أيضاً الشراكة الوطنية. ألم يقُل أرسطو إن “الدولة هي جماعة مواطنين عاقلين أحرار لا جماعة مؤمنين”؟
عام 1925 كان شعار الثورة السورية “الدين لله والوطن للجميع”، وليس من المعقول عام 2025 أن يكون الشعار “الدين والوطن لفريق واحد”. 100 عام إلى الوراء، حيث المطلوب قفزة إلى الأمام.
———————————-
من اقتصاد الأفراد إلى الحوكمة: هل تغيّر النموذج الاقتصادي في سوريا بعد سقوط النظام؟/ أغيد حجازي
10 ديسمبر 2025
منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، أخذ الاقتصاد السوري بعدًا جديدًا؛ إذ تحوّل تدريجيًا من اقتصاد مؤسساتي إلى اقتصاد يخضع لمنطق الأشخاص والأفراد. وتكرّس هذا التحوّل مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، حيث أحكمت دائرة ضيقة مرتبطة بعائلته وأقاربه وشخصيات مقربة منه سيطرتها على الاقتصاد السوري، من الاستثمارات الكبرى إلى عقود الاستيراد، وصولًا إلى الوكالات الحصرية للشركات العربية والأجنبية. وبقي هذا النهج الاقتصادي قائمًا، موروثًا مع انتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000.
ومع سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، تبرز اليوم، بعد مرور عام على المرحلة الجديدة في سوريا، أسئلة جوهرية حول طبيعة التحوّل الاقتصادي: هل انتقل الاقتصاد بالفعل من حكم الأفراد إلى الحوكمة المؤسساتية؟ أم أنّ النهج المترسّخ منذ نصف قرن ما يزال مستمرًا بصيغ جديدة؟ وما مخاطر غلبة الاقتصاد الفردي على المؤسسي؟ وما هو تقييم الاقتصاد السوري بعد عام على سوريا ما بعد الأسد؟
مراسيم جمهورية
أصدر الرئيس أحمد الشرع خلال العام الجاري سلسلة من القرارات الاقتصادية، كان أبرزها تشكيل “اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير”، التي تُعد الجهة المسؤولة عن إقرار السماح أو المنع للسلع المستوردة والمصدّرة. وبحسب المرسوم، تتبع اللجنة للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية التي يرأسها الدكتور ماهر الشرع. كما يرأس اللجنة مدير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وهي هيئة أحدثها رئيس الجمهورية، وتتولى إدارة جميع المنافذ الحدودية والبحرية والجمارك، وترتبط بدورها مباشرة برئاسة الجمهورية.
كما أُحدث “الصندوق السيادي”، الذي يهدف – وفق المرسوم – إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية، وتنشيط الاقتصاد عبر استثمارات متنوعة ومدروسة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعّلة إلى أدوات إنتاج وتنمية. ويرتبط الصندوق أيضًا برئاسة الجمهورية.
وفي سياق مشابه، أُحدث “صندوق التنمية”، الذي يتبع كذلك لرئاسة الجمهورية، ويهدف إلى المساهمة في عملية إعادة الإعمار وتمويل مشاريع متعددة عبر القرض الحسن.
هياكل اقتصادية ناشئة وضعيفة
في هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي محمد علبي إن متابعة المشهد الاقتصادي تُظهر أن الإدارة الحالية للاقتصاد “لا تُدار عبر المؤسسات الرسمية، بقدر ما تُدار عبر شبكة ضيقة من مراكز القوة التي تشكّلت حول الرئاسة”. وأضاف أن الحكومة والوزارات “ليست صاحبة القرار الاقتصادي الفعلي، بل مجرد أدوات تنفيذية”، وأنها “لا تشارك بصورة حقيقية في صياغة السياسات أو التخطيط الاستراتيجي”.
وأشار علبي إلى أن القرار الحقيقي – وفق تقديره – “يصدر من دائرة مغلقة يقودها أشقاء الرئيس، ماهر وحازم، إضافة إلى مجموعة من الإداريين السابقين في هيئة تحرير الشام”. وأوضح أن هذه الدائرة الضيقة “أنتجت رجال أعمال جددًا تحولوا إلى أدوات تنفيذية لإعادة هيكلة السوق، وتوجيه الاستثمارات، وإدارة ملفات التسويات مع رؤوس الأموال القديمة”، معتبرًا أن هذه الشبكة “تعمل خارج الأطر المؤسسية التقليدية” وتمسك بالملفات الكبرى من إدارة الموارد إلى التحكم بالمعابر والعقود الاستراتيجية.
من جهته، قال الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات”، ملهم الجزماتي، ردًا على سؤال حول آلية إدارة الاقتصاد السوري حاليًا، إن التجربة العملية خلال العام الأول “تشير إلى وضع انتقالي معقّد يصعب تصنيفه بوضوح”. وأوضح أن الحكومة “بدأت بتأسيس هياكل اقتصادية جديدة مثل صندوق التنمية والصندوق السيادي والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية”، إلا أن هذه الهياكل “ما تزال ضعيفة القدرات وتفتقر إلى البنية اللازمة لتحويلها إلى مؤسسات حقيقية قادرة على صياغة القرار الاقتصادي وتنفيذه”.
وأضاف الجزماتي أن هذه الهياكل “مرتبطة مباشرة بالرئاسة دون وجود هيئة رقابية عليها”، مشيرًا إلى أن الملفات الاستراتيجية، ولا سيما الاستثمار والطاقة، “ما تزال تُدار عمليًا عبر قنوات محدودة داخل الدائرة القريبة من الرئاسة، في مزيج يجمع بين محاولة بناء مؤسسات جديدة واستمرار مركزية القرار بيد عدد محدود من الأفراد”.
وبيّن أن هذا التداخل بين المؤسسية الناشئة والقرار الفردي “يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد”، حيث تتشكّل المؤسسات تدريجيًا، فيما يفتح “غياب جهاز إداري متمرس وافتقار الوزارات للأدوات التنفيذية” المجال أمام تدخلات فردية لتعويض هشاشة البنية المؤسسية. ومع ذلك، يؤكد الجزماتي أن ملامح التحول بدأت بالظهور من خلال “ازدياد الاهتمام بوضع قواعد أكثر انتظامًا لإدارة الاقتصاد، وإن بقي أثر هذا التحول محدودًا في المدى القصير”.
مخاطر اقتصاد الأفراد
رأى علبي أن استمرار إدارة الاقتصاد عبر أشخاص أو شبكات نفوذ تحمل مخاطر بنيوية، أهمها غياب القدرة على التنبؤ، معتبرًا أن المستثمر – سواء كان محليًا أو أجنبيًا – “يحتاج قواعد واضحة، لا قرارات تتغير بتغير مزاج أصحاب النفوذ أو نتيجة صراعات داخلية”. وأضاف أن اقتصاد الامتيازات والاحتكار “يتعزز عندما يصبح القرب من مركز القوة أهم من الكفاءة أو القدرة الإنتاجية”، وهو ما يحدّ من تشكّل قطاع خاص حقيقي، ويُبقي البلاد “عالقة في اقتصاد ريعي في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء قدراتها الإنتاجية”.
وأشار إلى أن غياب المؤسسات الفعالة يقلل من الشفافية، ويجعل سوريا “أقل قدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي”، لأن الشركاء الدوليين “لا يتعاملون بسهولة مع بيئة تتحكم بها شبكات غير خاضعة للمساءلة”، بحسب تعبيره.
وختم علبي مشيرًا إلى أن الاقتصاد السوري اليوم “يُدار من خارج البنية المؤسسية”، وأن الوزارات والمصرف المركزي “لا يشكّلون مراكز صنع قرار أو تخطيط استراتيجي”، بل “أدوات تنفيذية لتوجهات تُقرر في دوائر صغيرة محيطة بالرئاسة”. ومع استمرار الانقسام بين ثلاث منظومات اقتصادية مستقلة، يرى أن المشهد “يبقى بعيدًا عن نموذج الدولة الموحدة”، وهو ما يجعل “أي خطوة إصلاحية قابلة للانهيار” ويُبقي الاقتصاد “رهينة لأشخاص لا لقواعد مؤسسية قادرة على الصمود أو التطور”.
تقييم الاقتصاد بعد عام
أما في تقييمه للاقتصاد بعد مرور عام على سقوط النظام، قال الجزماتي إن الصورة الحالية يمكن وصفها بأنها “حركة من دون تقدم فعلي”. وأوضح أن اقتصاد ما بعد الحرب “بدأ يستقر شكليًا”، لكن هذا الاستقرار “لم يترافق مع نمو إنتاجي أو توسع في النشاط الحقيقي”. وأشار إلى أن تحسن سعر الصرف نسبيًا “لا يعكس قوة اقتصادية، بل يعكس شحًا في السيولة داخل السوق”، ما خفّض الطلب على الدولار بطريقة “لا تعبّر عن قدرة إنتاجية أو تجارية متصاعدة”.
وفي السياق نفسه، قال إن غياب نشاط مصرفي فعّال وعدم القدرة على تأمين تمويل للقطاع الخاص “أبقيا الحركة الاقتصادية محدودة ومترددة”. وأضاف أن الهشاشة تتفاقم مع “المسار الجديد الذي بدأت الحكومة تنتهجه في ملف الطاقة”، حيث يتراجع الدعم الحكومي للكهرباء تدريجيًا، في خطوة يراها الجزماتي “انتقالًا محسوبًا نحو نموذج اقتصادي أقرب إلى اقتصاد السوق وأبعد عن الحمائية التقليدية”.
وفيما يتعلق بالوعود الاستثمارية التي رافقت الأشهر الأولى، اعتبر أنها “بقيت في إطار مذكرات تفاهم لم تتحول إلى مشاريع منفذة”، مشيرًا إلى أن البيئة الاقتصادية “ما تزال غير جاهزة لاستقبال استثمارات ضخمة”، ليس لغياب الإرادة السياسية، بل لغياب “البنية المؤسسية والإدارية القادرة على ترجمة الوعود إلى وقائع اقتصادية”.
ومن جانبه، رأى الخبير الاقتصادي، عامر شهدا، أن تقييم الاقتصاد السوري “يعتمد بالأساس على ميزان المدفوعات والميزان التجاري، إضافة إلى عجز الموازنة ومسألة إزالة التشابكات المالية بين مؤسسات الدولة”. وأضاف: “لا يهمني اليوم أن أرى سيارات جديدة ولا زيادة في الاستيراد في ظل عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات”، معتبرًا أن النظرة السريعة إلى الميزانين، مع نظرة موازية إلى الوضع المعيشي للمواطن “هي الأساس الحقيقي للتقييم”.
وتابع أن المشاريع التي جرى الترويج لها على أنها اقتصادية “هي في الواقع مشاريع سياسية”، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي تحدث عن نمو بنسبة 1%، لكنه وصف التقدير بأنه “غير صحيح ومتناقض مع التقرير السابق”، وأنه يأتي ضمن “إطار دبلوماسي بروتوكولي”. وأكد أن التعافي الاقتصادي “له مقومات ومؤشرات لم تظهر حتى الآن”، مشيرًا إلى أن المؤسسات الحكومية “تتحدث فقط عن التكاليف دون الموارد”، وأن التقارير الجمركية “تذكر الأوزان فقط دون الإيـرادات”، معتبرًا أن هذا كله “يصُب في خانة غياب الشفافية” ويمنع بناء تقييم اقتصادي دقيق.
——————————–
عام على إسقاط النظام: تفكيك إرث الاستبداد وبناء سوريا الجديدة/ ميسون محمد
10 ديسمبر 2025
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الجاري، حلّت الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد وتحرير سوريا من استبداده الذي استمر لعقود طويلة، وهي ذكرى لا يمكن اختزالها في طقوس احتفالية أو شعارات مكررة، بل تمثل لحظة فاصلة في تاريخ السوريين، حيث تتقاطع الإرادة الشعبية مع الواقع السياسي والاجتماعي المعقد.
ومن هذا المنطلق، تفرض هذه الذكرى علينا الوقوف عند حجم المعاناة التي تكبدها الشعب، إذ إن التحرر لم يكن هدية أو حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة صراع طويل ومستمر ضد قوى حكمت البلاد بالقهر والسيطرة المطلقة على كل مفاصل الحياة. ولذلك، فإن قراءة هذا اليوم يجب أن تكون واقعية، بحيث توازن بين الاعتراف بما تحقق وبين التحديات الحقيقية التي ما تزال قائمة، بعيدًا عن أي محاولة لتجميل الماضي أو تضخيم الانتصار بطريقة سطحية.
الاستبداد: إرث ثقيل
قبل عام من اليوم، كانت سوريا تعيش تحت قيد الاستبداد الذي لم يترك شيئًا إلا وأثّر فيه بشكل مباشر، سواء على مستوى السياسة، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو الحياة اليومية للمواطنين. إذ لم تكن القوانين أو المؤسسات سوى أدوات لتثبيت سلطة النخبة الحاكمة، وللسيطرة على المجتمع بكل أبعاده، بينما كان أي تعبير عن الرأي أو محاولة لتحدي الوضع القائم يُقابل بالتهديد والملاحقة والملاحظة الدقيقة لكل خطوة يقوم بها الأفراد.
ومن هنا يمكن القول إن الثامن من ديسمبر يشكل لحظة مواجهة مباشرة بين إرادة الشعب وقوة نظام ظل يتحكم في مصيرهم لعقود، وهو ما يفسر لماذا كانت لحظة التحرر مهمة على المستوى الرمزي، ولأنها كذلك، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن حجم التحديات التي تراكمت خلال سنوات القمع الطويلة، والتي لم تختفِ بمجرد الانتهاء من السيطرة المباشرة للنظام.
الشعب: القوة الحقيقية
إن ما يميز هذه الذكرى الأولى هو أنها تذكر الجميع بأن القوة الحقيقية في أي عملية تحرير هي إرادة الشعب نفسه، وليس الشعارات أو الاتفاقيات السياسية العابرة. فعلى الرغم من الخوف المزروع في النفوس، استطاع السوريون خلال هذه السنوات أن يظهروا صمودًا مستمرًا، سواء من خلال الاحتجاجات السلمية أو المقاومة الاجتماعية والثقافية، أو حتى في الحياة اليومية التي تتطلب شجاعة للبقاء ضد نظام استبدادي حاول تحطيم كل مقومات الإرادة الفردية والجماعية.
ومن هنا، يمكن القول إن التحرر الذي تحقق ليس مجرد حدث رمزي، بل هو نتيجة تراكم إرادة يومية، ونضال مستمر، وتصميم على استعادة الكرامة الإنسانية، ولذلك فإن هذه الذكرى تُعد مناسبة للتفكير في معنى الحرية على المستوى العملي وليس النظري فحسب.
تحديات ما بعد إسقاط النظام
على الرغم من الرمزية الكبيرة للتحرر، فإن الواقع بعد عام من إسقاط نظام الأسد لا يمكن تجاهله أو تبسيطه، إذ ما تزال سوريا تواجه سلسلة من التحديات المعقدة والمتشابكة، والتي تتطلب تفكيرًا دقيقًا واستراتيجيات واضحة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس سليمة. فمن جهة أولى، وبرغم أهمية الإنجاز السياسي، تبرز الحاجة إلى إصلاح المؤسسات السياسية وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وهو أمر لا يتحقق بمجرد رحيل النظام، بل يحتاج إلى برامج متكاملة للعدالة والمساءلة والمصالحة المجتمعية.
ومن جهة ثانية، وبالتوازي مع المسار السياسي، تبقى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة مباشرة لعقود من الاستبداد، وما يزال المواطنون يكافحون لاستعادة الاستقرار المعيشي، فضلًا عن معالجة الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي تركتها سنوات القمع الطويلة.
ولهذا السبب، ومع الاعتراف برمزية اللحظة، فإن الذكرى الأولى لإسقاط النظام البائد يجب أن تُفهم بوصفها بداية رحلة طويلة، وليست نهاية للصراع أو الانتصار على الماضي، إذ أن الاستبداد قد يزول من السلطة المباشرة، لكنه يترك آثارًا عميقة تحتاج إلى مواجهة واعية وحقيقية.
الدرس الواقعي
الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الذكرى هو أن الحرية ليست حالة ثابتة أو إنجازًا مؤقتًا، بل هي مسؤولية مستمرة تتطلب وعيًا دائمًا وإرادة حقيقية للحفاظ عليها وتطويرها. ولهذا، فإن الاحتفاء باليوم نفسه لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لمراجعة الأخطاء، وتقييم ما تحقق، وفهم حجم التحديات التي تنتظر سوريا في المستقبل القريب، خاصة في مواجهة الموروث الثقافي والسياسي للاستبداد، والذي يمكن أن يظهر من جديد إذا لم يكن هناك يقظة مستمرة.
وعلى هذا الأساس، يتبيّن أن الشعب السوري، بوصفه العامل الرئيسي للتغيير، يجب أن يظل مشاركًا وفاعلًا في كل عملية إعادة بناء، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستوى المجتمع والثقافة والاقتصاد، لضمان ألا تكون الحرية مجرد ذكرى سنوية بلا مضمون حقيقي.
في الختام، تُظهر الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد أنها تتجاوز إطار الرمزية أو الاحتفال العابر، لتتحول إلى محكّ فعلي لمدى قدرة المجتمع على تحويل ما تحقق إلى مسار تاريخي مستدام. فهذه اللحظة لا تكتفي بالتذكير بأن الاستبداد، مهما بدا راسخًا، يظل قابلًا للانكسار أمام إرادة الشعوب، بل تؤكد كذلك أن الحرية ليست منحة تُقدَّم، بل مشروع يبنيه السوريون عبر التزام طويل الأمد وممارسة واعية للمسؤولية.
ومن خلال هذا الإدراك، تصبح الذكرى فرصة لإعادة تقييم اتجاهات المستقبل، بعيدًا عن الخطاب الاحتفالي، وبالتركيز على تأسيس منظومة قادرة على حماية الحقوق وترسيخ الكرامة الإنسانية بوصفهما جوهر أي تحرر حقيقي. وهكذا، يغدو هذا اليوم ليس نهاية مسار، بل نقطة انطلاق نحو بناء مجتمع يمتلك أدوات الدفاع عن مكتسباته، ويستطيع صون الحرية باعتبارها ركيزة دائمة للحياة السياسية والاجتماعية في سوريا.
الترا سوريا
—————————
سوريا بعد التغيير…اقتصاد بطيء الحركة وتفاؤل حذر
دمشق – واصل حميدة
الأربعاء 2025/12/10
بعد مرور عام على التغيرات السياسية الجذرية في سوريا، تتشكّل ملامح المشهد الاقتصادي الحالي في السوق المحلية وسط تفاؤل حذر، وهذا ما يؤشّر إلى تحول تدريجي في المناخ المالي.
تشير شهادات العمال والتجار وأصحاب المنشآت في قطاعات متنوعة (التجارة، الشحن، المطاعم، الصرافة) إلى أن الوضع الراهن يقع في خانة “الأمل الملموس”، وإن كان لا يزال يوصف بأنه أقل من المتوسط بقليل، بعد سنوات طويلة من الانهيار والضغوط الهائلة.
التحرير النقدي يدفع عجلة السوق
يُجمع المراقبون على أن التّغير الأبرز الذي أحدث راحة في التعامل، هو الانتقال من نظام السوق المغلقة إلى الحرية في تداول العملات الأجنبية. هذا التحول قضى على حالة التقييد والخوف التي كانت سائدة، حيث كان التعامل بالدولار يعرّض للمساءلة القانونية. هذه الأريحية الكبيرة سهّلت حركة البيع والشراء، خصوصاً مع الزوار والأجانب.
بالتزامن مع هذه الحريّة، أدت التطورات إلى انخفاض في سعر الدولار من مستوياته القياسية، وهو ما أسفر عن خفض ملموس في أسعار السلع، وتحسّن نسبي في القدرة الشرائية للمواطنين. وبناءً على ملاحظات التجار، فقد انعكس هذا مباشرة على حركة المبيعات، حيث زادت كمية السلع التي يمكن للمستهلك شراؤها مقارنة بالعام الماضي، وتوافرت المواد الأساسية (كاللحوم والدواجن) في شكل واسع، خلافاً للفترة السابقة التي شهدت نقصاً وانقطاعاً للكثير من السلع.
التفاؤل الحذر في قطاع الأعمال
وبسبب الدمار والتهجير، تحوّل قسم كبير من الملاّك إلى مستأجرين نتيجة سنوات الحرب الطويلة. ومع ذلك، أظهرت الأسواق حيوية جديدة، فكأنّ “السوق تموت ثم تعود”. وقد دفع التفاؤل العام التجار إلى إظهار ثقة كبيرة، تجسّدت في حركة إقبال على شراء الأقمشة والتجهيز للمواسم القادمة. كما شهدت البلاد تحسناً في الوضع الأمني، وهذا ما منح المواطن حرية التنقل بين المحافظات التي كانت مهددة سابقاً من عناصر النظام السابق وميليشياته، وساعد في الوقت نفسه على عودة الزوار الأجانب، وهو ما يبشر بتحسن تدريجي في الحركة السياحية والاقتصادية.
تحديات الطاقة وتوقيت التحسن
على صعيد التحديات، يقرّ الجميع بأن التحسن الاقتصادي الشامل لا يمكن أن يتحقق “بكبسة زر أو بعصا سحرية”، خصوصاً بعد مرور البلد في ظروف مدمرة. وهناك إجماع على ضرورة التحلي بالصبر، وعلى أن الحكم على جدوى التغيير الاقتصادي لا يمكن أن يتمّ في غضون عام واحد.
وتتمثل المطالب الملحّة لأصحاب المشاريع في ضرورة توفير الطاقة (الكهرباء والماء)، التي تُعدّ العصب الرئيس لأي مشروع استثماري، حيث أن صعوبة توفرها لا تزال تشكل العقبة الأكبر.
أما بخصوص الإجراءات الكلية، فيرى المواطنون أنّ تحديد سياسات التعافي يقع على عاتق الخبراء وأصحاب الاختصاص في السلطات، في حين يقتصر دورهم عمليّاً على مراقبة النتائج، في الوقت الذي لم يظهر بعد الأثر المباشر لرفع العقوبات، على أرض الواقع، على الرغم من التفاؤل المعنوي بشأن مفاعيله المنتظرة.
المدن
—————————
بين صيدنايا وتدمر.. كيف أفرغت مخابرات الأسد المجتمع من نفسه؟
يفكك الكاتب والباحت المتخصص بتاريخ السجون السورية جابر بكر بنية أجهزة المخابرات السورية، موضحاً كيف تحولت من أجهزة أمنية إلى أجهزة “استيعاب وشفط”، كانت وظيفتها الأساسية والممنهجة هي “إفراغ المجتمع من نفسه” وتحويله إلى هيكل فارغ. شهادة للتاريخ وتحليل عميق لآلية عمل المنظومة الأمنية والسجون.
أنطر الرابط التالي
—————————–
=======================



