
16 ديسمبر 2025
تابعت مثل كثيرين أخبار حفل الموسيقار السوري الكبير مالك جندلي في مدينتي ومدينته حمص، في عيد التحرير من نظام الأسد، ثم فوجئنا بإلغاء الحفل، ما أثار التساؤلات، إلى أن تبينت حقيقة اعتذار جندلي في بيان.
عدتُ في الذاكرة إلى عدة أعوام، حين ابتهجنا بإنجاز مالك جندلي المهم لما أعاد توزيع النوتة الأوغاريتية الشهيرة والتي كانت ضمن الاكتشافات الأثرية في أوغاريت عام 1948، وترجم بعضاً منها جورج فيتالي ثم جرى تفكيكها، وتبين أنها أقدم نوتة موسيقية في العالم، إذ تعود إلى عام 3400 قبل الميلاد، وهي عزف موسيقي يرافق أنشودة نيكال أو ما عرف بأنشودة زوجة إله القمر، وتأتي أهمية هذا اللحن بأنه يكشف عن معرفة الأوغاريتيين بالمسافات الموسيقية والأبعاد أي أنهم عرفوا السلم الموسيقي قبل فيثاغورث ب 1500 عام. وأنهم أول من قام بالتدوين الموسيقي.
أعاد مالك جندلي (1972) توزيع النوتة وعزفها في أهم مسارح العالم بعنوان “أصداء من أوغاريت”، ضمن الألبوم الذي قدّمه عام 2005، وتأتي قيمة العمل من كونه جزءاً من الهوية السورية ذات البعد الحضاري العريق.
اختارت جامعة كوينز الأميركية مالك الجندلي باحثاً في التراث الموسيقي، إذ قدّم المقامات الشرقية ودمجها مع الموسيقا الكلاسيكية، ما أضفى على أعماله قيمة فنية عالية وفرادة تسجل له وفق رؤية اليونسكو للحفاظ على الإرث الحضاري، وقدمت موسيقاه أشهر الفرق السيمفونية العالمية كما نال جوائز عالمية كثيرة.
كان الحفل الذي سيقدمه جزءاً من الاحتفالية باليوم الوطني السوري في حمص ودمشق على التوالي في ساحة الساعة في حمص ودار الأوبرا في العاصمة مع الفرقة السيمفونية الوطنية السورية، وبمرافقة المايسترو الأمبركي غيريت كيست احتفالاً بسقوط، الأبد الذي كان يحكم حياة السوريين ويعتقلها لصالح نظام الأسد ورموزه، أكثر من 50 عاماً. وكان جندلي قد أراد حفلاً مفتوحاً في ساحة الساعة بحمص لما يمثل ذلك قيمة معنوية حسب بيانه الصادر قائلاً: “تحمل رسالة واضحة مفادها بأن الموسيقى تعود إلى الساحات التي شهدت الألم والكرامة، وأن السيمفونية السورية تعزف لأول مرة على تراب سورية في أحد اكثر أماكن الثورة حضوراً في الذاكرة”.
انحاز جندلي منذ البداية للحراك ضد النظام وشارك في تظاهرة أمام البيت الأبيض احتجاجاً على وحشية نظام الأسد في قمع المتظاهرين، فتم الاعتداء على والديه الكبيرين في منزلهما؛ والده الدكتور مأمون الجندلي 77 عاما ووالدته لينا الدروبي 64 عاماً. ولهذا كان حلم جندلي أن يعزف في بلده سورية بعد سقوط النظام.
أسّس جندلي منظمة خيرية باسم “بيانو من أجل السلام” وحاز فيلمه “طائر الفينيق في المنفى” جائزة إيمي في شيكاغو. كما رافقت ألحانه فيلم جيل تحت الحصار الذي يتحدث عن حصار حمص وحياة الأطفال في أثناء الحصار. وبينما كان من المنتظر أن يستفاد من رجل بقامة جندلي وخبرته في اعتماد نشيد رسمي للبلاد على سبيل المثال، حيث لم يعلن عنه رسمياً في وقت يلقى نشيد “في سبيل المجد” الذي اعتمده الاتحاد الرياضي في المباريات بعض الانتقادات.
تقتضي القيمة الفنية والاعتبارية لمالك جندلي الاعتذار منه على الأقل كما بين في التوضيح الذي صدر عنه (تم إهمال الموضوع تماماً) في مناسبة لها مكانة فاصلة في الروح الجماهيرية وتحديداً في حمص.
والمهم في هذه الحادثة، ليس الحفل بحد ذاته، على الرغم من أهميته الرمزية، والاهمية الفنية للموسيقار مالك جندلي، بل أنها تمثّل مؤشراً عن حال الموسيقى في البلد الذي أنتج أول نوتة موسيقية في التاريخ، وهي التي نقلت الفنان مالك جندلي إلى العالمية، فحين عزقها على كبرى المسارح في أوربا وأمريكا، كان يقول عبر مفاتيح البيانو الذي يعزف عليه: أيها العالم أنا قادم من سورية، من البلد الذي كان يفعل هذا قبل خمسة آلاف عام. أنا السوري وعمري 12 الف عام.
“ازدهار الموسيقا مرتبط بقوة الحضارة والعمران” … هذا القول لابن خلدون، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أنها كانت دوماً جزءاً من يوميات الإنسان، إذ رافقت رحلة الحضارات الإنسانية منذ البداية، في الأفراح والاحتفالات والعبادات، ولم يقتصر دورها على ذلك، بل اكتشف الإنسان باكراً تأثيرها في صحته النفسية والجسدية فاستخدمت للعلاج من الأمراض، ففي عهد السومريين كان الطبيب (نارام سن) يقوم بمعالجة المرضى بالموسيقا وفي عهد سلالة أور الثالثة ( 2050- 1950 ق. م) كان هناك ثلاث مدارس متخصصة تعلم الموسيقا، بينما مزج العرب الجاهليون بين الشعر والموسيقا فكانت تنبعث من أوزانه كموسيقا داخلية فيتلو الشعراء قصائدهم مرنمة.
شهد الغناء والموسيقا تطوراً هاماً في العصر الأموي ثم في العصر العباسي، إذ اختلطت الموسيقا العربية بموسيقا الدول المجاورة واشتهر مطربون ومطربات مثل عزة الميلاء وحبابة في الدولة الأموية. أما في العصر العباسي فاشتهر إسحاق الموصلي وإبراهيم المهدي.
لم يقتصر ازدهار الموسيقا على جانبها الفني بل أيضاً في استخدامها للعلاج الطبي، فكان الفارابي الذي اخترع آلة القانون أول من داوى الناس بها وألف كتابين: “إحصاءات الإيقاع ” و”كتاب الموسيقى الكبير” وقد درس وميز فيهما أثر المقامات المختلفة على الانسان وكيفية العلاج بكل منها لمرض معين، وسار على منواله الرازي وابن سينا الذي كان يعالج بها المرضى بدءاً من تسكين الأوجاع وعلاج الأمراض النفسية إلى الربط بين النغم والنبض، وقال عن ذلك إن الموسيقا تقوم بتعزيز الطاقة العقلية والروحية للإنسان. أما الرازي فقد قال إن للموسيقا أثراً سحرياً على المريض، فهي تعدل المزاج وتصلح النفوس وتخفف من التوتر وتعزز الشعور بالانتماء والتواصل مع الآخرين.
وكان في المشافي العامة (البيمارستان) غرف مخصصة للعلاج بالموسيقا كما في دار الشفاء في أدرنة الذي بناه الخليفة العثماني بايازيد الثاني وفي البيمارستان النوري في دمشق.
هكذا رافقت الموسيقا عصور التطور والازدهار ولم تكن يوماً معيقة، كما لا يمكن إنكار حاجة الفرد في هذا العصر إليها إضافة لارتباطها بتراثنا وإرثنا الحضاري وكونها علامة فارقة في هويتنا الوطنية.
العربي الجديد



