أبحاث

مع حازم صاغية في التفكير بالليبراليّة وإشكالياتها… مساهمة في النقاش/ ماجد كيالي

11.12.2025

كانت الحركات القومية نبذت الليبرالية بسبب تركيزها على الفرد الإنسان، الحر، المتساوي مع غيره، بدعوى الأمة المتخيلة، والخصوصية القومية، في حين نبذتها التيارات اليسارية بدعوى تأييدها حرية الرأسمال، بينما نبذتها التيارات الإسلامية، والتقليدية، بدعوى أنها وافدة من الغرب، وبدعوى الحفاظ على التقاليد والتراث.

في مداخلته المتميّزة والمكثّفة والغنيّة التي شاركها في مؤتمر نظمه “مركز القاهرة لحقوق الانسان”، ناقش الكاتب حازم صاغية اشكالية بعنوان: “بعض أسئلة المزاج الليبراليّ في الوضع العربيّ الراهن”. طرح صاغية، كعادته، الكثير من الأسئلة أو الإشكاليات، التي عوّقت استزراع وتبيئة أفكار الليبرالية في العالم العربي، وهو ما حصل مع أفكار القومية والماركسية، أيضاً.

يرى صاغية، في أطروحته تلك، أن معظم البلدان العربية تفتقر “إلى إجماعات تأسيسيّة في صدد الوطن والدولة والشعب، حيث الغالب الأعمّ هو الانتماء إلى ما قبل الدولة، وإلى ما دونها”، وقد فاقم من تلك المشكلة “التوهّمُ” بإمكان التعويض عن ذلك بـ”تعريف الوطنيّة بالعداوة للمستعمِر والإمبرياليّ والأجنبيّ”.

في تلك الفقرة، ثمة تركيز على جانبين مترابطين، الأول، يتمثل بتعريف الذات، أو تعريف الوطنية، نسبة الى الخارج، أو العداء للخارج، أي الاستعمار والصهيونية والإمبريالية والغرب عموماً. وفي هذا تغطية لسلبية وقصور الذات الوطنية، وضعف وعيها بذاتها لذاتها. أما الثاني، فيتمثل بغلبة التعريف بالهويات، أو العصبيات، الأولية، أي ما قبل الوطنية، الأمر الذي ساهم في صعود صراعات الهوية، و”إنقاص الإجماعات وتقليصها… مثلما أُمعن في توسيع المسافة بين جماعة وأخرى داخل الأوطان الإسميّة”.

تتضمن تلك الفقرة لفت الانتباه إلى افتقاد الوضع العربي عاملين مؤسّسين، أولهما، عدم التمكّن من إقامة دولة مؤسسات وقانون، بمعنى الكلمة، إذ قامت الدولة في معظم أوضاعنا العربية، على حاملين، العشيرة، أو الجيش، وتبلورت كسلطة، على حساب الدولة. وثانيهما، عدم تمكين المواطنة، أو افتقاد المكانة الحقوقية والسياسية للمواطن.

وفي الحقيقة، فقد تمظهرت الدولة العربية، في الغالب، على شكل دولة تسلّطية، بحسب تعبير لخلدون النقيب، أكثر مما تمظهرت كدولة مؤسسات وقانون، الأمر الذي أدى إلى تغوّل السلطة على الدولة والمجتمع، في واقع باتت فيه، بحسب برهان غليون “الدولة ضد الأمة”، ما ساهم في إعاقة التحديث والتمدين، وضمن ذلك التحكم بمصادر الثروة والقوة والتشريع.

بديهي أن الحديث هنا عن المواطن، الفرد، وليس عن فرد مطموس، أو متبع، بمكونات، أو جماعات، إثنية أو طائفية أو عشائرية أو مناطقية، وعن المواطن المستقل عن الانتماءات القبلية، أو دون الوطنية، وتالياً المواطن الحر، والمتساوي مع غيره، من المواطنين من دون أي تمييز، وفقاً للدستور؛ وهي عناصر أربعة لازمة لتكوّن المواطن، وتالياً مجتمع المواطنين.

في الجانب الثاني، الأمر يتعلق بتغطية تأخر إقامة الدولة وتمكين المواطنة، بدعوى صدّ المؤامرات الخارجية، والانشغال بالعداء للخارج، وإسقاط مخططات الغرب. ففي نظرة إلى تاريخ التيارات والأحزاب السياسية والأيديولوجية العربية، منذ عهد الاستقلال، يمكننا ملاحظة أن تلك التيارات انشغلت بما عرّفته كقضايا كبرى، مثل الوحدة والحرية والاشتراكية ومناهضة الإمبريالية ومحاربة الصهيونية وتحرير فلسطين، لكنها، عدا إضاءات واجتهادات فردية، لم تعط اهتمامها لقضايا بناء الدولة والمواطنة، باعتبارها أن الاثنين باتا أمراً ناجزاً.

نجم عن ذلك أن هذه التيارات، والأحزاب الممثلة لها، في حين أرادت تحييد نفسها إزاء السلطات الباطشة، حيّدت نفسها عملياً إزاء مجتمعاتها أيضاً، والنتيجة كانت سلبية في المجالين، إذ أدت إلى ضمور تلك التيارات والأحزاب، بحيث لم يعد لها تأثير يذكر في بلدانها، وهذا ينطبق على التيارات القومية واليسارية والإسلامية، بخاصة مع إخفاقها، أيضاً، في إنجاز أي شيء في ما اعتبرته قضايا كبرى، اقتصرت على الشعارات، في انفصام عن الواقع، وموازين القوى، ومن دون الأخذ بالاعتبار طبيعة الدولة/السلطة، وحال المجتمع والثقافة والاقتصاد.

لنلاحظ أن تلك التيارات والأحزاب استهلكت عقوداً عدة من عمرها في التصدي لما اعتبرتها قضاياها الكبرى، وفي طرح الشعارات الثورية، المتعلقة بمواجهة الأعداء الخارجيين، في حين فقط في العقد الأخير، ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، ذهبت، في ما تبقى منها، إلى الاهتمام أكثر بقضايا الإنسان، والمواطنة، وبناء الدولة، والعقد الاجتماعي.

ولعل هذا القصور ما زال مستمراً، بتعابير أخرى، إذ ثمة كلام كثير عن المجتمع المدني، وهو كلام محق وضروري، لكن أصحابه يغفلون حقيقة غياب المجتمع المدني، لأن شرط وجوده، تحقيق مكانة المواطنة، وهي ما زالت مفتقدة، ولا يعوض عن ذلك مجرد وجود منظمات مجتمع مدني، فهذا المجتمع يتطلب إقامة دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، أي التحول من الوجود بالقوة، كحالة كمون، إلى الوجود بالفعل، بوجود اعتراف ومؤسسات وقوننة.

هذا ينطبق على فكرة الديمقراطية، التي تُختزل بانتخابات، وهي لعبة أجادتها الأنظمة الاستبدادية، في حين يفترض التركيز على بناء الدولة، وتأكيد حقوق المواطن، وسيادة الشعب، وتأكيد حرية الرأي والإعلام، وتشكيل الأحزاب، والتداول على السلطة، والفصل بين السلطات، وتأصيل كل تلك المنطلقات كثقافة سياسية. 

وكان حازم صاغية مصيباً في استنتاجه “أنّ الليبراليّة، في مجتمعاتنا، ليست على جدول أعمال تاريخنا. فهي، عندنا، أقرب إلى مزاج وحساسيّة فكريّين ونفسيّين، الشيء الذي يصحّ أيضاً في القوميّة والاشتراكيّة وباقي سِلَع الحداثة الغربيّة”.

في فقرة أخرى، لافتة للانتباه، يرى صاغية أنّ “الليبرالية حدٌّ للدولة، أو حدٌّ عليها، يمليهما توسيع رقعة الحرّيّة. وهذا… تعريف الليبراليّة الأصليّ والأهمّ… ففي مجتمعاتنا، لا تقتصر النزعة التدخّليّة التي تحدّ من الحرّيّة على الدولة”. ففي وضعنا العربي “يلعب المجتمع الأهليّ هذا الدور بكفاءة أعلى. فليس من المبالغة القول، في ما خصّ الحرّيات الفرديّة والثقافيّة والدينيّة والجندريّة، إنّ الدولة أشدّ بكثير رحمةً وتسامحاً من القوى النضاليّة المتعصّبة في المجتمعات العصبيّة… وهذا إنّما يطرح على ذوي المزاج والحساسيّة الليبراليّين مهمةً صعبة، وقد تكون مُكلفة سياسيّاً، هي التوفيق والموازنة بين نقد الدولة ونقد المجتمع، أو بين مناهضة النزعة الدولتيّة من دون إضعاف الدولة، ومناهضة النزعات الشعبويّة من دون الانعزال عن الشعب وعن التيّار العريض للحياة السياسيّة”.

في هذه الفقرة تأكيدٌ لتعريف الليبرالية بالحرية، وهي هنا معطى فردي، وليس جمعياً، إلا بقدر ما يكون كل فرد بالتساوي مع غيره يتمتع بالحق بالحرية، كي يغدو الشعب حراً، والعكس غير صحيح، فبدون أفراد أحرار، يغدو الكلام عن حرية شعب ما بمثابة شيء إنشائي، ومراوغ، ومغاير للواقع.

من ناحية أخرى، تلك الفقرة، أو الفكرة، تنزع القداسة عن المجتمع الأهلي، الذي ينبني على الشعارات، وعلى العصبيات الهوياتية، الطائفية والإثنية والمناطقية والعشائرية، ما يفرض نقد الدولة/السلطة بالتوازي مع نقد “سيكولوجيا الجماهير”، أو ظاهرة الحشود الشعبية، وشعاراتها البديهية المطلقة، لأنها تنطوي على سلب الفرد حريته، وخياراته.

ثمة مفكرون نقديون مثل الياس مرقص وياسين الحافظ وجورج طرابيشي وهاشم صالح وصادق جلال العظم وعزيز العظمة وحليم بركات ووضاح شرارة وحازم صاغية وفؤاد مرسي وعبد الله العروي ومحمد أركون وهشام شرابي ومصطفى حجازي، على خلاف التيارات والأحزاب السياسية والأيديولوجية، رأوا أن المشكلة أكثر تعقيداً، أو أكثر تركيباً، فأعملوا نقدهم في أحوال السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة في البلدان العربية، إضافة إلى نقد سلطاتها.

وفي الواقع، أكدت تجربة السنوات الماضية استعصاء مسألة الديمقراطية في الواقع العربي، على الصعيدين السلطوي والمجتمعي، كما شهدنا، بما لا يقل عن الاستعصاء الحاصل في قضايا فلسطين والوحدة والاشتراكية. وقد بيّنت التجربة أن الواقع العربي: السياسي والمجتمعي والثقافي لم يستطع تمثّل مسألة الديمقراطية، وهذا يتعلق بالحكومات (وبالأصح السلطات) وبالمحكومين، أو “الرعية” (باعتبار غياب مكانة المواطنة). وبحسب جورج طرابيشي، تقع المسؤولية عن ذلك على عاتق الطرفين، فـ”الذين فوق يسيطرون بسلطاتهم، والذين تحت يسيطرون بثقافاتهم وعاداتهم”، طبعاً، من دون أن يفهم من ذلك أن ثمة مساواة بين الطرفين، إذ تقع المسؤولية الأساسية على عاتق الدولة أو الأنظمة.

مع ذلك، لا ينبغي أن يُستنتج من هذا القول أن إعاقة الديمقراطية، واستعصاءها، وتشوّهها، في الواقع العربي إنما يصدر عن جوهر ثابت أو مطلق، وإنما عن تكلّس الواقع العربي، وهشاشة تفاعلاته، السياسية والثقافية، وضعف الفاعلين فيه، في وضع تحتكر فيه الأنظمة التسلطية السياسية الفضاء العام (وضمنها مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام)، وتهيمن عليه، وتهندسه حسب مصالحها، ما يضعف قدرة المجتمع على النهوض والتطور الديمقراطيين.

والخلاصة هنا، أولاً، أن الديمقراطية تأتي تالياً لقيام الدولة والمواطنة، والاعتراف بالحريات والحقوق الأساسية، أو بالتزامن مع ذلك كله، وليس من دونه، أو بعكسه، على ما يطرح البعض. ثانياً، فإن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون حمولات ليبرالية، والليبرالية تبقى ناقصة إن لم تستند إلى الديمقراطية.

فالديمقراطية من دون ليبرالية (كمذهب في الحرية الفكرية والفردية) تبدو ناقصة ومشوّهة، إذا لم تبن على حرية الأفراد والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الإنسان. في المقابل، الليبرالية من دون ديمقراطية هي ليبرالية ناقصة ومشوّهة، أيضاً، لأن حرية المواطنين المتساوين في الحقوق هي الأساس في الليبرالية، أي في مذهب الحرية، لأن هذا النوع من المواطنين هم الذين يتمثّلون ويتخيّلون ذواتهم الجمعية كشعب ويقيمون العقد الاجتماعي اللازم لبناء الدولة الديمقراطية.

وكانت الحركات القومية نبذت الليبرالية بسبب تركيزها على الفرد الإنسان، الحر، المتساوي مع غيره، بدعوى الأمة المتخيلة، والخصوصية القومية، في حين نبذتها التيارات اليسارية بدعوى تأييدها حرية الرأسمال، بينما نبذتها التيارات الإسلامية، والتقليدية، بدعوى أنها وافدة من الغرب، وبدعوى الحفاظ على التقاليد والتراث.

الغريب أن الجذر المشترك لكل تلك التيارات، في رفضها الليبرالية، يكمن في رفضها مسألة الحرية، والمواطنة، مع ملاحظة أن كل تلك التيارات تنتهج الليبرالية في الاقتصاد، علماً أن للأخيرة مدارس متعددة بين تدخل الدولة، مع قدر من إعادة توزيع الثروة، تماشياً مع العدالة الاجتماعية، مقابل ليبرالية جديدة متوحشة لا تلقي بالاً إلا لحرية الرأسمال، وهذا ما تعتمده التيارات التي ذكرناها.

 – صحافي وكاتب فلسطيني – سوري

درج

——————————–

أنطر مقال حازم صاغية: بعض أسئلة المزاج الليبراليّ في الوضع العربيّ الراهن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى