تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالان تناولا العلاقة السورية اللبنانية

ترسيم الحدود وسباق الطاقة.. لحظة مفصلية في العلاقات بين سوريا ولبنان/ نغم قدسية

11 ديسمبر 2025

وسط تحولات إقليمية متسارعة، وبعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، يعود ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان مجددًا، ليكون محط اهتمام وترقب من الجانبين، لا سيما مع توجه سوريا نحو تحقيق أهداف استراتيجية، عبر حزمة من الاتفاقيات التي تمهد لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة، في المستقبل القريب، وفق تصريحات أخيرة لوزير الطاقة السوري م. محمد البشير. لكن تحويل سوريا إلى مركز طاقة إقليمي لا يعتمد فقط على الاتفاقيات الدولية، بل أيضًا على الاستقرار القانوني والجغرافي، ما يجعل من ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين سوريا ولبنان ضرورة استراتيجية، لا مجرد قضية ثانوية أو فنية. فهل اقترب ترسيم الحدود بين البلدين؟ وهل يشكل ملف الطاقة مدخلًا للتقارب بين سوريا ولبنان بما يصب في صالح الشعبين الشقيقين؟

يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني، د. زياد علوش، في تصريح خاص لـ “الترا سوريا” إنه وفقًا لمصدر لبناني رسمي رفيع، معني بملف الطاقة، فإن ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا “أصبح قريبًا جدًا، وسيبدأ بترسيم الحدود البرية” قبل الانتقال إلى الترسيم البحري. ويعلل المصدر ذلك برغبة سياسية متبادلة بين البلدين، فالدول الإقليمية والدولية الداعمة للملف السوري تستعجل إطلاق عجلة ورشة الاستثمار في سوريا، خاصةً بوجود مخزون كبير من الطاقة الهايدروكربونية (النفط والغاز) في الساحل الشرقي للمتوسط، وعليه يشير د. علوش إلى احتمالية تأليف لجنة سورية لبنانية مشتركة مختصة بشأن الترسيم، خصوصًا وأن هذا الملف لم يبحث في الزيارات السابقة إلى بيروت، على حد قوله.

عقبات سياسية وجيوسياسية

لكن الملف يبقى محفوفًا بتحديات عدة، إذ يشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. زياد علوش إلى جملة من العراقيل أبرزها، قبضة طهران التي لا تزال موجودة في الملف اللبناني عبر وكلائها الموجودين بقوة في السلطة اللبنانية، وإن تراخت نسبيًا بفعل المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، إلا أنها ستحاول العرقلة في الملف السوري، حسب توقعاته.

فيما توحي المؤشرات بأن لبنان بدأ يتحرر من هذه القبضة الصارمة، وفقًا للمحلل السياسي د. علوش، الذي يشير أيضًا إلى اعتراضات إقليمية لأخذها بعين الاعتبار، كالموقف التركي من الترسيم اللبناني القبرصي.

تحديات تقنية وقانونية تعيق الترسيم

التحديات لا تقتصر على المواقف السياسية بل أيضًا يواجه ملف الترسيم مشكلات فنية وقانونية متجذرة، مع غياب خرائط واضحة وترسيم تاريخي سابق. وفي هذا السياق يشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. زياد علوش إلى أن لبنان لم يرسم الحدود منذ العام 1923 لعدم وجود خرائط تاريخية واقعية واضحة ومثبتة أو وجود ترسيم سابق عبر الأمم المتحدة، ومرسوم 1920 ذو طابع وصفي جغرافي وليس تحديدًا طبوغرافيًا ومساحيًا.

ويشير د. علوش إلى وجود ورشة في الخارجية اللبنانية تعمل حاليًا على تأمين الأصول القانونية والوثائق والمستندات، فيما تم الحديث مؤخرًا عن خرائط بريطانية وفرنسية سُلمت الى لبنان بهذا الخصوص، وأيضًا عن وساطة فرنسية، وفق ما أفاد الكاتب والمحلل السياسي د. زياد علوش في حديثه لـ “ألترا سوريا”.

من جانبه، يرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي المتخصص بشؤون الطاقة، د. زياد أيوب عربش، أن ترسيم الحدود البحرية بين سوريا ولبنان ملف معقد ومتأخر بسبب الخلافات السياسية والمصالح المتداخلة، خصوصًا في المناطق الشمالية التي تحتوي على مناطق حدودية متداخلة واسعة في البحر (من 750 إلى 1000 كم²). ويشير د. عربش إلى أن لبنان كان قد أعلن عن ترحيبه بترسيم الحدود وفق معايير جغرافية معينة (خطوط العرض)، في حين أن سوريا تريد ضمان حقوق التنقيب والاستثمار في الغاز البحري.

ويعتقد د. عربش أن دفع هذا الملف إلى الأمام، يحتاج إلى تفعيل لجان مشتركة تعتمد على أسس سليمة، والتنسيق مع قبرص أيضًا، فالتحدي الأساسي هو إيجاد صيغة تفاوضية متوازنة تحقق مصالح الطرفين مع احترام القوانين الدولية، حسب تعبيره.​

خلاف على آليات الترسيم

وتشير المعطيات إلى وجود اختلاف واضح بالآلية التي سيتم على أساسها ترسيم الحدود بين البلدين، حيث سبق وطرحت سوريا مزايدة دولية للتنقيب والاستثمار قبالة السواحل السورية في المنطقة الاقتصادية الخالصة (البلوك 1 الجنوبي، البلوك2 الأوسط، البلوك 3 الشمالي) وهو ما اعتبره لبنان تجاوزًا على حدوده البحرية، حسب ما يشير الكاتب والمحلل السياسي اللبناني د. زياد علوش، فيما أصدرت الحكومة اللبنانية العام 2011 المرسوم 6433 الذي عين إحداثيات الحدود البحرية الجنوبية مع فلسطين والشمالية مع سوريا والغربية مع قبرص، وأودعتها لدى الامم المتحدة، بينما رفضت سوريا ذلك وأودعت بدورها اعتراضًا لدى الامم المتحدة العام 2014.

ويوضح د. علوش سبب تعارض الآلية بين البلدين، حيث أن المنهجية السورية تستند على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى مبدأ خطوط العرض، بحيث يبدأ الترسيم من نقطة الحدود السورية –اللبنانية البرية عند منتصف مصب النهر الكبير الجنوبي ممتدًا بشكل موازٍ لخط العرض إلى النقطة “5” وهي النقطة الثلاثية المفترضة بين سوريا ولبنان وقبرص، مع تحيدها بناء على أقرب النقاط على سوحل الدول الثلاث.

ويضيف: أما المنهجية اللبنانية فتعتمد مبدأ الخط الوسطي وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، حيث يبدأ الترسيم من منتصف مصب النهر الكبير ويمتد نحو النقطة “7”، وهي النقطة التي اعتمدها لبنان كأساس لتحديد منطقته الاقتصادية الخالصة الموزعة على 10 بلوكات، ويقع البلوكان الشماليان 1و2 بمحاذاة المنطقة البحرية السورية.

ويقول د. علوش إنه نتيجة لاعتماد نقطتين مختلفتين ظهر تداخل واضح بين البلوك السوري رقم “1”والبلوكين اللبنانيين 1و2 ضمن مساحة تقدر من 750 إلى 1000 كيلومتر مربع.

ويقترح د. علوش اعتماد نقطة وسط بين النقطتين المتنازع عليهما كالنقطة “6” على غرار ما حدث في “خط هوف” بين اسرائيل ولبنان، إلى جانب المشاركة في أنشطة مرنة قبل حل مشكلة التداخل وصولًا إلى إمكانية التعاون الاستثماري للثروات المشتركة بدل الانزلاق إلى النزاعات.

احتماليات التعاون السوري–اللبناني

ووسط هذه المعطيات، تبدو فكرة تشكيل لجنة مشتركة سورية–لبنانية لترسيم الحدود بين البلدين وكأنها اختبار حقيقي للإرادة السياسية، وتكتسب هذه المساعي أهمية استثنائية في ضوء ما تشهده سوريا من مشاريع واتفاقيات تهدف إلى تحويل البلاد إلى “مركز إقليمي للطاقة”، وفق رؤية وزارة الطاقة السورية. وإذا ما نجحت دمشق بهذا المسعى، فقد يمثل لبنان شريكًا محوريًا، مستفيدًا من الشراكات في الاستثمار، إعادة الإعمار، وربما الربط الكهربائي والنفطي، في لحظة يبحث فيها عن مخرج لواقعه الاقتصادي المتعثر.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني د. زياد علوش إلى أن الحديث قائم في لبنان بشكل دائم عن مساهمة بيروت في إعادة إعمار سوريا، وهناك تفاؤل كبير بالعهد الجديد في دمشق، أما قرار جعل سوريا مركزًا إقليميًا للطاقة فهو قرار سياسي إقليمي ودولي كبير، حسب ما يراه د. علوش، ويعني ضمانة التوجه نحو استقرار إقليمي عام بما تتطلبه شروط الاستثمار، وبالتأكيد الإفادة ستكون متبادلة بين البلدين بتعزيز فرص الاستثمار والتجارة، بما يدعم اقتصاد البلدين ويوفر الطاقة إلى لبنان الذي يعاني أزمة كهرباء مزمنة، حسب رأيه.

وتشمل الاتفاقيات التي وقعتها وزارة الطاقة السورية مشاريع لإنشاء 8 محطات لتوليد الكهرباء بطاقة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط، منها 4 محطات غازية و4 محطات طاقة شمسية، بالتعاون مع تحالفات دولية من تركيا وأوروبا. ويرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي المتخصص بشؤون الطاقة، د. زياد عربش، أن هذه المشاريع تبدو بالغة الأهمية لكنها ستأخذ وقتًا طويلًا حتى يتم تنفيذها وتأهيلها بشكل كامل. ويشير عربش إلى أن الاتفاقيات هذه رغم أهميتها كبداية، فلن تؤدي إلى تغطية كامل حاجات سورية ككل، لكنها تساعد في تجاوز الحد الحرج بأن يسمح إنتاج الكهرباء بتجاوز ساعات التغذية (الوصل) لأكثر من الثلث مقارنة بالربع سابقا، أي ١٢ ساعة كهرباء تغذية خلال كامل اليوم. أما أن تصل سوريا إلى مرحلة تصدير الكهرباء فلن يتم ذلك قبل 3 إلى 4 سنوات على الأقل، حيث إن التمويل والتحديث الشامل ضروريان ويتطلبان وقتًا طويلًا.

هل تتحول سوريا إلى مركز طاقة إقليمي؟

يرى الأكاديمي والمستشار الاقتصادي المتخصص بشؤون الطاقة د. زياد عربش أنه من المبكر الحديث عن تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للطاقة في المستقبل، كون الخطوات الحالية تركز أساسًا على تحسين إنتاج الكهرباء محليًا وحل أزمات الطاقة الحالية.​ فتنظيميًا، يمكن إعادة تفعيل “مركز الغاز العربي” ومقره دمشق، وتعزيز اتفاقيات الربط الإقليمي الكهربائي بين مجمل دول المنطقة ورفع جاهزية التبادل البيني، خاصة مع لبنان والعراق والأردن وتركيا. أما عقد مباحثات لتوقيع اتفاقيات نفطية وغازية بسرعة فممكن أيضًا، لكن مشاريع البنيات التحتية النفطية والغازية تحتاج لسنوات عدة كي تُبصر النور.

ويرى د. عربش أنه على الرغم من امتلاك سوريا موقعًا جغرافيًا بمزايا استراتيجية، ووجودها كحلقة وصل بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، إضافة إلى وجود موارد أساسية مثل الفوسفات والغاز الطبيعي من مصادر داخلية وبحرية محتملة، مما يدعم صناعة الطاقة بشكل متكامل، إلا أن قطاع الطاقة يواجه تحديات معقدة، أبرزها البنية التحتية المتضررة بشدة في قطاع الكهرباء والغاز.  ويشير د. عربش إلى خسائر مرتفعة في الشبكات والمحطات، وتهالك المعدات والآليات، مما يتطلب إصلاحًا شاملًا، في حين أن الغالبية العظمى من الشبكات والبنية التحتية لم تخضع لصيانة كافية منذ سنوات الحرب. إلى جانب ذلك، يشير د. عربش إلى الحاجة للتمويل الكبير والخبرات الفنية المتخصصة، لضمان تنفيذ المشاريع الجديدة وصيانتها بشكل مستدام. كما أن الوضع الأمني والسياسي يضيف عوائق إضافية، خاصة فيما يتعلق بحماية المنشآت والاستثمارات.

الطاقة كفرصة للتقارب وورقة سياسية للتفاوض

وفي حال إعادة تأهيل بنيتها التحتية، وفقًا للمستشار الاقتصادي المتخصص بشؤون الطاقة د. زياد عربش، فإنه يمكن لسوريا أن تستفيد من ربط شبكات الكهرباء وطرق الإمداد من المشتقات النفطية مع دول الجوار، لتحقيق استقرار الطاقة والتكامل الاقتصادي، ما يجعل الطاقة ورقة تفاوض سياسية مهمة في الملفات المستقبلية، وهذا الربط الإقليمي قد يسهم في تعزيز دور سوريا إقليميًا.

أما مع دول الجوار، يقول د. عربش، في ضوء تحسن العلاقات الدبلوماسية بين سوريا ولبنان، يمثل ملف الطاقة فرصة لتعزيز الثقة والتقارب بين البلدين، من خلال التعاون في ربط الشبكات الكهربائية، وتفعيل التجارة النظامية لكل مشتقات النفط والغاز، وإقامة استثمارات مشتركة في المناطق الحدودية والتي تشمل الصناعات التحويلية والغذائية، وبذلك يمكن تحقيق منافع اقتصادية مشتركة، كما أن تنظيم العمالة وحل ملف اللاجئين يعزز من شروط التعاون. لكن نجاح هذا الملف، حسب رأيه، يمر أولًا عبر إنهاء الملفات الأمنية والسياسية العالقة، وبناء أسس صحية تشمل ملفات المفقودين والمساجين، أما مشاريع الطاقة فيمكن أن تكون جسر للتقارب بناءً على المصالح العملية المشتركة.

ويرى علوش أن الأهمية القصوى هي للإرادة السياسية وعلى ما يبدو شعار المرحلة في سوريا ولبنان، إلى حد ما، هو السياسة في خدمة الاقتصاد ضمن معادلة “رابح ورابح”، والتنمية عنوان الأمن والاستقرار، على عكس المرحلة السابقة لعهد الأسدين في كلا البلدين. ويعتقد د. علوش أن ذلك يأتي في إطار مشروع السلام والازدهار بالقوة الصلبة أو الناعمة، حيث لا خيار آخر أمام المنطقة والذي تسير إليه بقوة، فيما تظهر سوريا ولبنان في قلب هذا التحول الكبير.

وبينما تشهد أسواق الطاقة تنافسًا محمومًا وتحولات جيوسياسية عميقة، تعيد سوريا تموضعها على خارطة الطاقة في المنطقة، في حين تبقى الضمانات القانونية، السياسية، والأمنية، في منطقة مشتعلة سياسيًا، ضرورة أساسية لرسم مستقبل مشترك قد يفتح أبواب التعاون والازدهار أو يشعل خلافات قديمة تزيد من صعوبة المشهد.

الترا سوريا

———————–

 لبنان شريك لا وسيط: الساحل السوري منصّة استثمار إقليمية/ ناظم عيد

الاثنين 2025/12/15

يعود الساحل السوري تدريجاً إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، ولكن بأبعاد اقتصادية تنموية حقيقية هذه المرّة، بعيدًا عن مظاهر “الكباش” السياسي ودعوات الانفصال والتقسيم المرتبطة ببازارات المصالح الضيقة.

وتوالت خلال الأيام القليلة الماضية إشارات لبدء التعاطي الاستراتيجي مع إقليم الساحل السوري، وإعادة استكشاف واستثمار سلاسل المقوّمات التي ينطوي عليها، من الثروات الدفينة إلى “ثروة الجغرافيا”، والتي لطالما كان بقاؤها خارج السياق الاستثماري الفعّال مثار تساؤلات ملحّة على مرّ عقود مضت.

وإن كان العقد الذي جرى توقيعه قبل أشهر بين هيئة المنافذ البحرية السورية وشركة “موانئ دبي العالمية” لاستثمار مرفأ طرطوس، هو بداية التقاط الفرص الدسمة في الساحل، فإن أهمّ ملامح التوجّه الجديد للدولة السورية نحو فتح “صندوق الكنز”، ظهر في كلمة الرئيس الشرع الموجّهة لاجتماع محافظ اللاذقية مع وجهاء ولجان الأحياء منذ أيام: “الساحل من أبرز أولويات العمل الوطني في المرحلة الحالية، نظراً لموقعه الحيوي على ممرّات التجارة الدولية ولدوره في تعزيز الربط الاقتصادي بين سوريا ودول المنطقة”.

وتلى ذلك اجتماع الشرع مع الشركة السورية للبترول وشركة شيفرون الأميركية في حضور توم باراك المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، لبحث آفاق التعاون في مجال استكشاف النفط والغاز في السواحل السورية.

 فـرص متوالية

الواقع أن فرص الاستثمار في الساحل السوري تتجاوز الحيز القطاعي المحدود، إن كان من النفط أوالغاز أو الزراعة أو السياحة، إلى ما تتيحه “ملكة الجغرافيا” من فرص دسمة متوالية ممتدة في أفق إقليمي عابر للحدود السياسية.

من هذه الرؤية ينطلق الخبير الاقتصادي سلمان ريا، وهو دكتور مهندس بحري ورئيس غرفة الملاحة البحرية سابقًا، معتبرًا أن الساحل السوري يبدو على عتبة تحوّل من شريط جغرافي يتميّز بموقعه، إلى إقليم اقتصادي يُقاس بالدور والحركة والتأثير، أي إلى ساحل يمتلك ما هو أعمق من البحر، وأبعد من الميناء… ينطوي على ما يمكن تسميته “وعد الوصل”، إذا ما أُدير بمنطق التكامل لا بمنطق الفوات، و بعقل العبور لا بعقل العزلة.

لبنان شريك

ويذهب الدكتور ريا في حديثه إلى “المدن” إلى أبعد من المضمار السوري. فبرأيه، عندما نتحدّث عن سوريا كمنصّة ترانزيت إقليمية، لا يكتمل المعنى من دون لبنان، الذي لم يكن يومًا جغرافيا جوار فقط، بل كان امتدادًا بنيويًا في حركة التبادل المتوسطي.

فلبنان بما يحمل من خبرات مصرفية عريقة، ومنظومات تشغيلية في إدارة المرافئ، وشبكة علاقات تجارية ومالية مأهولة بالثقة الدولية، يمكن أن يكون اليومَ مركز تمويل وتشغيل لوجستي بحري مشترك، تتدفق منه خبرات الشحن والتخزين والتأمين البحريّ نحو الساحل السوري، قبل أن تتوزّعَ تلك السلاسل برًا إلى العمق العربي–الآسيوي، نحو العراق، الأردن، الخليج، السعودية، بل وحتى إيران ودول غرب آسيا.

تجارب راسخة

هي مِنح الجغرافيا التي وثّقتها تجارب فعلية تركت أثرها العميق، فالتاريخ ـ وفقًا للدكتور ريا ـ وثّق نموذجًا مكتملًا لهذا المنطق العابر، عبر خط النقل Ro-Ro الذي انطلق من ڤولوس في اليونان، ووصل من الشرق إلى بوابة أوروبا عبر الحمولات الآلية من سيارات وشاحنات وحاويات. ذلك الخطُّ الذي جعل اليونان بوّابة الشمال نحو الشرق، يمكن استعادته اليومَ بمنطق معاكس لا منافس: ميناء اللاذقية وميناء طرطوس يُعيدان تعريف سوريا كبوّابة عبورٍ للجنوبِ والشرق نحو أوروبا. أما لبنان فيغدو مركز التشبيك المالي والتشغيل الذي يسند العبور بالاستثمار والضمانات المصرفية.

منطقة حرّة متكاملة

رؤية المهندس البحري لا تقوم ـ وفق تعبيره ـ على المرافئ وحدها، بل على هندسة دور جديد للساحل ضمن منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على أسس عدّة، تتصدرها ما سمّاها “المنطقة الحرة الساحلية اللامركزية”، ويعرّفها بأنها فضاء التقاء الخبرات لا ازدحام الإدارات.

فتحويل الساحل إلى منطقة حُرّة لا مركزية الإدارة، يعني أن يتحوّل من مرفق تابع إلى إقليم اقتصادي مستقلّ الوظائف والقرارات، مفتوح على خبرات عابرة للحدود، تلتقى فيه قدراتُ لبنان اللوجستية والمالية، مع خبرات تركيا، والخليج، وأوروبا، وشرق آسيا، ضمن بيئةٍ قانونيةٍ تستندُ إلى: معاهدة UNCLOS، اتفاقية SOLAS، اتفاقية MARPOL، وتلتزم بآليات التدقيق الإلزامي: IMSAS، التي تُشغّل الميناء وفق المعايير البحرية العالمية، وتتيح لسوريا فرصة الخروج من هامش التوقيع إلى متنِ التنفيذ، تمهيدًا لدخول اللوائح البيضاء الخاصة بمنظومات الملاحة الدولية.

موانئ نظيفة

لكن تبقى المرافئ محور الإستراتيجية الواعدة في التوجه نحو استثمار وتنمية الساحل..فالدكتور ريا يرى أن تطوير المرافئ المتخصّصة بيئيًا “الاقتصاد الأزرق” يبدأ من حماية البحرِ لا من استنزافه.

فمن بين أهم أركان التحوّل اللوجستي، إعادة تعريف وظيفة الاستقبال في الساحل عبر إنشاء مرافئ متخصّصة للحمولات الحسّاسة، وضبط الملوّثات والمواد السائلة. وهنا يأتي دور مرفق المناولة الكيماوية في منطقة الحميدية قرب الحدود اللبنانية مع محافظة طرطوس، المعروفة كمرفأ للمُلوّثات والمواد الكيميائية، والذي يجب تطويره ضمن بيئة تقنية وبيئية صارمة تلتزم بمضمون المعاهدة الدولية لمنع التلوث MARPOL، ليكون ميناء نوعيًا للترانزيت الكيماوي الآمن، يخفّف العبء عن المرافئ العامة، ويؤسّس لتجارة إقليمية متخصّصة تتعلق بالصناعة البحرية والبتروكيميائيات والغذائيات وتخزين المواد الخام.

موانئ جافّة متممة

 ثمة مكوّن متمم للمنظومة اللوجستية الواعدة في الساحل، تتمثّل، في رأي رئيس غرفة الملاحة البحرية السابق، في شبكة المرافئ الجافة، بما أن الميناء الذي لا يتنفس برًّا يختنق بحرًا.

فالتكامل الحقيقي يبدأ من الداخل السوري، حيث يجب تحويل المناطق الصناعية والحدودية إلى امتداد مباشر للميناء عبر مرافئ جافة ومراكز جمركية ولوجستيات متقدّمة مثل: عدرا، حسياء، الشيخ نجار.

مع إنشاء موانئ جافة مماثلة على الحدود اللبنانية، الأردنية، والعراقية، لتكون نقاط تفريغ وتخليص وإعادة شحن عابرة، تتيح للساحل أن يستقبل الحاوية اليوم، ويُخليَها إلى البرِّ في الغد بلا اختناق ولا تأخير ولا كُلف مرتفعة.

شراكة فاعلة لا مجرّد وساطة

يصرّ الخبير ريا في تصوره لمستقبل منظومة استثمار الإقليم، على أن لبنان شريك لا وسيط، والميناءين جناحان لجسد اقتصادي متوسّطي واحد.

إذ يمكن للبنان – عبر مصارفه، شركات الشحن، والخبرة المرفئية – أن يتولّى عدّة مهام استراتيجيّة.. كتمويل العقود اللوجستية المشتركة، وإدارة مسارات التأمين والتحميل، وتأسيس شركات النقل العابرة عبر الحدود، بحيث يغدو لبنان ركيزة التمويل… وسوريا منصّة التشغيل والعبور والتنفيذ، في معادلة تُعيد للمتوسّط دور الجسر الفعّال بين أوروبا والعالم العربي وغرب آسيا.

ويوضح الدكتور ريا رؤيته لفلسفة إدارة عميقة للمرافق الواعدة، ويرى أن الأمن هنا قانون مؤسّسي لا شعار، واستثمار البحر فوق السياسة لا تحتها.

فإعادةَ البناء المؤسسيّ – قانونياً وبيئياً وإدارياً – تُعيد للمرفأ ثقة المستثمر قبل ثقة السفينة، وتجعل من الساحل منطقة حُرّة تُدار اقتصاديًا وفق استراتيجيات وطنية متوسّطية مفتوحة لا مُقيّدة بالأطر التقليدية، بحيث يصبح المتوسط منطق التقاء لا ساحة تنازع، ويصبح الميناء منصّة تشغيل لا بوّابة ازدحام.

ويختم الخبير الاقتصادي البحري بأنّ القيمةَ الاقتصادية للساحل السوري لا تكمن في أنه يطل على البحر، بل في قابليته لأن يقود حركة العبور من البحر إلى البرِّ العربيّ والآسيويّ، ومن البرّ إلى المتوسط الأوروبيّ والقارّي.

بهذا المنطق، من وجهة نظره، تعودُ سوريا – ومعها لبنان – إلى قلبِ اقتصاد التبادل المتوسّطي، حيث تُقاس الأوطان اليوم بالدور الذي تلعبه في حركة التجارة، لا بالحدِّ الذي يقف عنده البحر، ولا باليوم الذي توقّف فيه التاريخ.

المدن

————————-

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى