
لا يوجد حل أمني للقضايا التي تمس إدارة المجتمع
آخر تحديث 12 ديسمبر 2025
بات الصراع الداخلي في سوريا بين القيادة الانتقالية والأطراف المعترضة عليها، بعد انهيار نظام الأسد، يتمحور حول طبيعة النظام السياسي، وبشكل خاص حول المركزية أو اللامركزية، أو حول الدولة المركزية والدولة الفيدرالية.
وهنا بعض ملاحظات أساسية، رغم مشروعية تلك المسألة، كمساهمة في النقاش.
الملاحظة الأولى، تفيد بأن طرح قضية اللامركزية أو الفيدرالية يحجب، أو يوارب، على حقيقة مفادها أن الغرض الأساسي من الاستقطاب حول هذا الموضوع يعود إلى غلبة الطابع الهوياتي، الإثني والطائفي والمناطقي، على الصراع الداخلي الدائر في سوريا اليوم، على حساب الطابع السياسي، بالنظر إلى أن الأطراف المتصدرة في القوى المتصارعة هي من الطبيعة الهوياتية، أو التي تعلي من شأن الهوية الطائفية والإثنية والمناطقية، أكثر بكثير من كونها تمثل قوى أو أحزابا سياسية أو طبقية.
الملاحظة الثانية، التي يجدر لفت الانتباه إليها، تفيد بأن القوى التي تصارع من أجل الدولة الفيدرالية، أو اللامركزية، تقدم ذلك في أولوياتها على مسألة الديمقراطية، لأن القوى المعنية (“قسد”، و”تيار الهجري” في السويداء، والقوى المتضررة من انهيار نظام الأسد في الساحل) هي قوى غير ديمقراطية، أصلا، تبعا لمواقفها وسياساتها وخياراتها، وتبعا لعلاقتها مع الفئات التي تدعي تمثيلها، مع ملاحظة أن تلك القوى لم تكن تعبر عن ذاتها، في ظل سلطة نظام الأسد، ولم تكن تطرح تلك المسألة بهذه الحدة.
أما الملاحظة الثالثة، وربما الأهم، فتفيد بأن تغليب تلك القوى الصراع على مكانة الهوية في دولة الفيدرالية يحجب، أو يسبق، طلبها على إقامة الدولة والمواطنة، علما أنهما الركنان الغائبان، في حقبة الأسد (54 عاما)، وأنهما أكثر ما يحتاجه السوريون في كامل جغرافيا البلد، سيما في الظرف الراهن، أي ظرف استعادة الدولة، كدولة مؤسسات وقانون، وظرف تمكين المواطن، كي يصير السوريون شعبا بمعنى الكلمة، في واقع مواطنين أحرار ومتساوين.
على ذلك نحن هنا إزاء مشكلتين أساسيتين، أولاهما، أن نظام الأسد البائد نجح في تقويض إجماعات السوريين والتشويش عليها، ووضعهم في صورة نمطية وفقا لانتماءاتهم القَبْلية (الطائفية والمذهبية والإثنية والمناطقية والعشائرية)، وحشدهم في مواجهة بعضهم، وفق سياسة “فرق تسد”. المشكلة الثانية ناجمة من واقع تعذّر قدرة السوريين على السيطرة على أحوالهم، إلى درجة بات معها التقرير بشأن سوريا المستقبل شأنا من شؤون القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية وأطرافا إقليمية، على حساب السوريين. وهذا هو حال الصراعات الهوياتية، بخاصة التي تتخذ شكل الصراع المسلح، أو الميليشيات المسلحة.
في هذا الإطار، تتحمل القيادة الانتقالية السورية، وباقي أطراف المعارضة السورية، مسؤولية الجدل بخصوص الفيدرالية واللامركزية الناشئ عن تخبّطها أو عدم توضيحها ماهية النظام السياسي القادم، وما هو مناسب لصوغ إجماعات جديدة من عدم ذلك، وضمن ذلك ما يسهم في الحؤول دون إعادة نظام أو علاقات الاستبداد والتهميش.
وفي الواقع، فإن رفض المحسوبين على القيادة الجديدة، والمحسوبين على المعارضة السورية التقليدية لفكرة الفيدرالية، إنما يصدر عن تسرّع ورؤية عاطفية وعصبية قومية وعن تحيّزات مسبقة، في حين يفترض بهذه الأطراف أن تفتح النقاش لا أن تغلقه، وأن تطرح كل الأسئلة، لا أن تشكك بها، لأن مستقبل سوريا مطروح للنقاش، ولأن السوريين كلهم معنيون بهذا النقاش والمساهمة بتقديم إجابات بخصوصه.
وبشكل أكثر تحديدا، في ما يخصّ الجدل حول فكرة الفيدرالية واللامركزية، يفترض إدراك أن الفيدرالية لا تعني تقسيم أي بلد، بل هي شكل أصوب لتنظيم وحدته، والحؤول دون تغوّل المركز على الأطراف في شؤون المكانة والسيادة والموارد، وهو ما يضمن توسيع المشاركة في الحكم على أساس الثقة المتبادلة.
ويستنتج مما تقدم أن الفيدرالية تعني تقاسم الصلاحيات لا تقسيمها، فثمة مركزية بما يخص شؤون الدولة السيادية إزاء الخارج وشؤون الدفاع والإدارة العامة للاقتصاد، وهذه كلها من شأن البرلمان الموحد والحكومة المركزية. أما إدارة الأمن الداخلي والتعليم والصحة وشؤون التنمية المحلية، فهي من اختصاص الولايات أو الحكومات المحلية.
النقطة الأهم هنا، وهي التي يمكن أن تخفف مخاوف البعض، فتفيد بأن الفيدرالية تقوم على أساس جغرافي (المحافظات مثلا)، وليس على أساس إثني/قومي، أو ديني/طائفي، لأنها في أي من حالات الهوية تخل بطابعها الديمقراطي، وتحول دون تمكين حقوق المواطنة المتساوية ودولة المواطنين، وهو ما حصل في لبنان وما يحصل في العراق.
طبعا، ثمة مشكلة في الخلط بين الدولة اللامركزية، وهي تتعلق بالشأن الإداري، في مجالات عديدة، وبين الدولة الفيدرالية التي تتقاسم السلطات، وفقا للدستور، كما أن ثمة تخبطا أو مغالطة في اعتبار الدولة الفيدرالية حالة انفصالية، في حين أنها غير ذلك، أو في حين تحتمل الدول المركزية الانفصال أكثر بكثير من الدول الفيدرالية، التي تتمتع بالمرونة، في الإدارة والتمثيل وتوزيع الموارد، علما أن أكبر وأقوى وأغنى الدول اليوم هي دول فيدرالية.
على ذلك لا ينبغي أن يذهب الخلاف مع أي جماعة هوياتية إلى خلط المفاهيم أو تشويهها، فانتهاج إسرائيل للديمقراطية، كنظام سياسي مثلا، لا ينبغي أن يحض على معاداة الديمقراطية. أيضا ملاحظتنا بشأن أن ثمة ظرفا غير مناسب لطرح معين، لا يعني عدم طرح هذا التصور للنقاش، لتطويره ووضعه في سياقاته التي تخدم صوغ إجماعات وطنية لقيام الدولة والمواطنة في بلد معين.
أخيرا، ثمة مسألتان يفترض إدراكهما في هذا المجال، وفي الشرط السوري تحديدا، الأولى أن الحديث عن سيادة دولة على الأرض يجب أن يتأسس على واقع من وحدة الشعب. والثانية، أنه لا يوجد حل أمني للقضايا التي تمس إدارة المجتمع لأن أي حل أمنى لا يجلب إلا التصدعات للجغرافيا وللمجتمع وللسيادة والدولة أيضا.
المجلة
——————————————-
اللامركزية في دائرة الجدل مجددًا.. قراءة في تصريحات المبعوث توم براك/ أحمد العكلة
12 ديسمبر 2025
يعيش المشهد السوري تحولات سياسية عميقة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ومن بينها صعود قضية اللامركزية إلى صدارة النقاش في البلاد.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص توم براك خلال مشاركته في منتدى الدوحة، حين قال إن “نظام اللامركزية لم ينجح في الشرق الأوسط ولن ينجح في سوريا”، في إشارة رأى مراقبون أنها تعكس توجهًا أميركيًا نحو تفضيل حكم مركزي قوي يضمن استقرارًا سريعًا ويجنب تكرار أخطاء التجربة العراقية.
ويعتبر محللون أن هذا الموقف يعبر عن نهج إدارة ترامب الثانية، إضافة إلى مراعاة المصالح التركية الرافضة لأي شكل من الحكم الذاتي للأقليات.
قدّم الباحث في العلاقات الدولية فراس علاوي تفسيرًا موسعًا لتصريحات براك، مؤكدًا أن المقصود منها هو اللامركزية السياسية التي تشبه النظام الفيدرالي، معتبرًا أنها قد تفتح الباب أمام تقسيم سوريا بسبب هشاشة الوضع الراهن وتداخل البنية الديموغرافية.
وأوضح في حديث لموقع “الترا سوريا” أن اللامركزية الإدارية الموجودة أصلًا في سوريا يمكن أن تُسهم في توحيد الجغرافيا السورية، بخلاف اللامركزية السياسية التي يراها غير مناسبة تاريخيًا واقتصاديًا في ضوء التداخل السكاني وتكامل الموارد. كما اعتبر أن غياب حكومة مركزية تدير المرحلة الحالية يزيد من مخاطر الانزلاق نحو صدامات داخلية، مستشهدًا بالنموذج العراقي الذي لم ينجح في إدارة العلاقة بين المركز والأطراف.
ومع ذلك، أشار إلى أن تطبيق لامركزية سياسية محدودة قد يكون ممكنًا فقط تحت إشراف قوة مركزية تتولى إدارة الملفات السيادية كالجيش والعلاقات الخارجية والاقتصاد.
أما الكاتب والباحث د. باسل معراوي فرأى أن اللامركزية ليست شرطًا لازدهار الدول، مشيرًا إلى أن العديد من الدول الناجحة تعتمد أنظمة مركزية بالكامل. وشدّد على أن أي نموذج لامركزية يتطلب أولًا اعترافًا كاملًا بوحدة الدولة وسيادتها واحتكارها للسلطات السيادية، وهو ما يغيب حاليًا بسبب تعدد سلطات الأمر الواقع التي لا تملك شرعية انتخابية أو توافقًا وطنيًا.
وأضاف في حديث لـ “الترا سوريا” أن المرحلة الانتقالية في سوريا تحتاج إلى حكومة مركزية قوية قادرة على توحيد القرار، خصوصًا في حالات الطوارئ، مستشهدًا بأحداث الساحل السوري التي تطلبت تحركًا مركزيًا سريعًا لاحتواء الانقلاب.
ويرى معراوي أن تطبيق اللامركزية اليوم سيقود إلى نموذج دولة فاشلة طائفيًا يشبه ما حدث في العراق ولبنان، محذرًا من محاصصة قد تتستر خلف شعارات براقة لكنها تنتهي بتقسيم المجتمع إلى مكونات متناحرة. ويؤكد أن الحل يكمن في التشاركية الوطنية لا في تفتيت السلطة عبر دويلات محلية.
ويؤكد خبراء على أن اللامركزية السياسية غير مناسبة في المرحلة الحالية، في حين تبدو اللامركزية الإدارية خيارًا انتقاليًا واقعيًا، شرط أن تسبقها سلطة مركزية قوية قادرة على بسط الأمن وتوحيد مؤسسات الدولة. ويظل هذا الملف مفتوحًا على تطورات المشهد السياسي السوري، ولا سيما مع اقتراب مرحلة صياغة الدستور الجديد والاستعداد للانتخابات.
من جهته، اعتبر الباحث السياسي عبد الله الخير أن الولايات المتحدة تتخذ موقفًا صارمًا من رفض أي لامركزية سياسية أو فيدرالية في سوريا، مؤكدًا أن تصريحات باراك تعبر عن اتجاه استراتيجي لا مجرد رأي شخصي. ورأى الخير أن هذا الرفض قد يفتح الباب لعودة استبداد مركزي جديد، رغم أن واشنطن نفسها دعمت اللامركزية سابقًا عندما خدمت مصالحها في أماكن مثل إقليم كردستان العراق.
واعتبر أن سوريا قادرة على تطوير نموذج لامركزية إدارية وتنموية خاص بها، يستفيد من تجارب ناجحة نسبيًا مثل الإمارات والولايات المتحدة، مع الحفاظ على مركزية القرار السيادي.
وحدّد الخير التحديات الاقتصادية والأمنية التي قد تواجه هذا النموذج، مثل تفاوت توزيع الموارد وصعوبة دمج قوات سوريا الديمقراطية ومخاطر استغلال المناطق الضعيفة من قبل قوى متطرفة أو خارجية، لكنه طرح حلولًا عملية كتأسيس صندوق وطني لتوزيع الإيرادات ودمج قوات قسد ضمن الجيش بإشراف دولي مؤقت.
ويرى كثيرون أن هناك تعارضًا واضحًا بين الرؤية الأميركية الساعية إلى استقرار سريع عبر حكم مركزي قوي، وبين حاجة السوريين إلى نموذج حكم يُراعي تنوعهم الديموغرافي والاجتماعي.
الترا سوريا



