هجوم “داعش” في تدمر… ما تداعياته على العلاقة بين واشنطن ودمشق،مقالات وتحليلات مختارة-

فتش عن تنظيم الدولة.. أسباب وتداعيات تزايد الهجمات في ريفي إدلب وحلب/ أحمد العكلة
دمشق- خلال أقل من أسبوعين تعرّضت دوريات تابعة لقوات الأمن العام والجيش السوري والضابطة الجمركية لـ3 هجمات على الطريق الدولي دمشق/حلب، مما أدى لمقتل 7 عناصر وإصابة آخرين، واتهمت مصادر أمنية حكومية تنظيم الدولة الإسلامية بالمسؤولية عن ذلك.
واستهدف مسلحون، أول أمس الأحد، دورية “أمن الطرق” التابعة للأمن العام في معرة النعمان جنوب إدلب، ما أدى إلى مقتل 4 عناصر وإصابة آخر بجروح خطيرة نُقل على إثرها إلى المشفى لتلقي العلاج.
وقال مصدر أمني في أمن الطرق بمعرة النعمان للجزيرة نت، إن تنظيم الدولة هو المسؤول عن العمليات التي تستهدف عناصر تابعة للحكومة السورية، من مختلف قوى الأمن، وخصوصا أن التنظيم تبنّى جميع العمليات في الآونة الأخيرة.
وأضاف المصدر -الذي فضل عدم الكشف عن هويته- أن الهجوم كان عبر سيارة تُقلّ مسلحين أطلقوا النار على سيارتين لأمن الطرق، وقتلوا العناصر داخل مركباتهم، ثم لاذوا بالفرار.
“علاقة تخادمية”
وتابع المصدر “الاستخبارات السورية وقوات الأمن العام كثفوا عمليات تعقب عناصر تنظيم الدولة واعتقلوا العشرات وذلك بعد انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد التنظيم وذلك تحسبا لازدياد نشاطه”.
وقبل أسبوع، قُتل عنصران من الضابطة الجمركية التابعة لهيئة المنافذ البرية والبحرية نتيجة اعتداء مسلّح وقع في منطقة الزربة بريف حلب، كما أصيب عنصران آخران بجروح متفاوتة خلال الهجوم.
كما استهدفت -بداية الشهر الجاري- عناصر من وزارة الدفاع على جسر سراقب بريف إدلب الجنوبي، ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة آخر بجروح، كما وقع اعتداء على الدورية التي كانت مكلّفة بمرافقة شاحنة ترانزيت، بحسب مصادر أمنية. وكل هذه الاعتداءات -وفق المصدر الأمني- تبنّاها تنظيم الدولة في بيانات رسمية.
وفي تحليله للوضع الأمني في سوريا، يؤكد الباحث في الشؤون العسكرية، رشيد حوراني، أن العمليات التي يقوم بها تنظيم الدولة تجري في مناطق كان فيها سابقا. وبالتالي، يلعب العمل على تحسين الواقع الاجتماعي والتنموي دورا كبيرا في كبح محاولات التنظيم لتجنيد عملائه بتلك المناطق.
ومن جانب آخر، يظهر ذلك العلاقة التخادمية بين تنظيم الدولة من جهة، والمليشيات الإيرانية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة أخرى، إذ بقيت منطقة البادية وتدمر لسنوات طويلة مسرحا لعمليات بين الأطراف الثلاثة. واليوم، تجد هذه الأطراف، التي يمكن وصفها بالخاسرة، فرصة للتخادم بينها وضرب الحكومة السورية، والتشكيك بإمكانياتها أمام أميركا في محاربة تنظيم الدولة.
ويضيف حوراني للجزيرة نت، أن المنطقة الشرقية بشكل خاص تعد بيئة هشة ورخوة أمنيا لعدة أسباب، أبرزها:
أنها ميدان عمل جديد لقوات الحكومة السورية.
خبرة تنظيم الدولية بها، ومحاور التحرك فيها والتخفّي والتمويه داخلها، وتجنيده العديد من أبنائها.
ويدلل اعتقال القوات الأميركية لعدد من سكان تدمر بعد العملية على وجود معلومات عن متعاملين مع التنظيم في المنطقة.
ملاحقة فاعلة
أما في الشمال الغربي، فيعتبر حوراني أن الحملات التي قامت بها الحكومة السورية ناجحة، وتدل على امتلاكها معلومات عن تنظيم الدولة وتحركاته في المنطقة التي أُديرت من قبلها لفترة طويلة تمتد منذ 2017. ومع ذلك، تحتاج الحكومة لجهد أكبر في المناطق الجديدة، خاصة تلك التي لم يكن لها بها سابق عهد كالبادية.
وخلال الشهر الماضي، قالت وزارة الداخلية السورية -في بيان- إن وحداتها نفّذت عملية أمنية واسعة استهدفت خلايا تابعة لتنظيم الدولة في عدد من المحافظات. وأضافت الوزارة أن عملياتها، التي جرت بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة ضد التنظيم، أدت لتفكيك عدة خلايا وإلقاء القبض على مطلوبين.
وتعتبر أكبر الاستهدافات التي نفّذها التنظيم تلك التي جرت في تدمر قبل أيام، حيث أكدت وزارة الداخلية أن شخصا ينتمي للتنظيم تسلّل -السبت الماضي- إلى موقع اجتماع ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية ووفد من التحالف الدولي، ثم أطلق النار على القوات المشتركة السورية الأميركية، ما أدى لمقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة اثنين آخرين.
“نتائج معاكسة”
من جهته، يقول الباحث في العلاقات الدولية، فراس علاوي، للجزيرة نت، إن الاستهداف، مهما كانت الجهة التي تقف خلفه، يهدف بالدرجة الأولى إلى خلط الأوراق ومحاولة تغيير النظرة الأميركية تجاه الحكومة السورية، لا سيما في ظل مرحلة التقارب التي تمر بها العلاقات السورية الأميركية حاليا.
وأوضح أن الجهة المنفّذة، سواء كانت دولة، أو أجهزة مخابرات دولية، أو حتى فاعلا من دون مستوى الدولة كتنظيم مسلح، فإن الهدف يبقى واحدا، وهو إرباك المشهد السياسي والتأثير في مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق.
وأضاف أن هناك احتمالا آخر يتمثل في أن يكون تنظيم مسلح هو من نفّذ العملية، وفي هذه الحالة يكون الهدف إظهار الحكومة السورية بموقف الضعف، خاصة في ظل خلافات وعداء سابق بين التنظيم والهيئة، مشيرا إلى أن العملية في جميع الأحوال كانت تسعى إلى خلط الأوراق.
لكن علاوي لفت إلى أن ما حدث جاء بنتائج معاكسة، إذ وقفت أميركا إلى جانب الحكومة السورية، وكان تصريح الرئيس دونالد ترامب واضحا، حيث أكد دعمه لها، وأبدى انزعاجه مما جرى، وتحدث بشكل مباشر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وبيّن أن هذه العملية، بدلا من أن تترك أثرا سلبيا، أسهمت في إحداث تأثير إيجابي على العلاقات الأميركية السورية، على الأقل على المدى القصير، متوقعا أن تشهد المرحلة المقبلة تنشيطا وزيادة في مستوى التفاعل والتعاون بين البلدين، خاصة في ملف مكافحة ما تصفه واشنطن بـ”الإرهاب”، والمقصود به تنظيم الدولة.
وختم الباحث علاوي، مشيرا إلى أن سرعة الموقف الأميركي والتصريح الواضح الصادر عن الإدارة الأميركية سَعَيا لمنع أي تأويلات أخرى قد تستغلها أطراف معارضة داخل أميركا، مثل الديمقراطيين المعارضين لإدارة ترامب، أو أطراف أخرى، للتشويش على مسار العلاقات الأميركية السورية.
يشار إلى أن جميع الاستهدافات التي تمت خلال الأسبوعين الماضيين كانت على طريق “إم 5” الواصل بين دمشق وحلب وتركّزت في ريفي حلب وإدلب الجنوبيين.
المصدر: الجزيرة
—————————
من بونداي إلى تدمر… تحدي «داعش» العابر للحدود/ يوسف الديني
16 ديسمبر ,2025
في لحظة بدت عابرة على شاطئ سياحي هادئ في سيدني، تحوّل احتفال إلى مجزرة، وفي صحراء تدمر السورية سقط جنود أميركيون بنيران مهاجم واحد. جغرافياً لا يجمع بين الحدثين شيء، لكن استراتيجياً وفكرياً يجمعهما الكثير: عودة الإرهاب لا بوصفه تنظيماً مسيطراً على الأرض، بل بوصفه فكرة قاتلة عابرة للحدود، تتحرك عبر الأفراد، وتستثمر في «الذئاب المنفردة» أكثر مما تستثمر في الجيوش والرايات، وهي اليوم تستثمر في «عائلات مستذئبة» عطفاً على اشتراك الوالد والولد في هجوم أستراليا الدموي.
ما جرى في شاطئ بونداي لم يكن حدثاً مفاجئاً خارج السياق، بل حلقة مكررة في مسار تطرف طويل. فالمهاجم، نافيد أكرم، كان معروفاً لدى أجهزة الاستخبارات الأسترالية منذ عام 2019، حيث خضع لتحقيقات بسبب ارتباطه بدائرة متطرفة قريبة من تنظيم «داعش»، ثم صُنّف لاحقاً بوصفه «غير مهدد». هذا القرار – الذي بدا آنذاك مبرراً لدى السلطات الأسترالية – انكشف اليوم بوصفه أحد حدود الفهم الأمني القاصر للإرهاب الذي يطور من أدوات تجنيده واستقطابه، صحيح أن أكرم لم يكن عضواً تنظيمياً فاعلاً، ولم يكن يتحرك ضمن خلية عملياتية نشطة، لكنه كان منغمساً في ثقافة تنظيم «داعش»: الفكرة المسيطرة، والرمزيات، والسردية والولاء النفسي والعاطفي للعنف الفوضوي لصالح استراتيجية «إدارة التوحش».
هذه هي النقطة الجوهرية في تحوّلات «داعش» التي تبدو مفاجئة كل مرة لمن يتعامل معه باستخفاف أو يعتقد أنه قد انتهى، فالتنظيم الذي خسر «الخلافة» المزعومة في العراق وسوريا لم يضمحل أو يتلاش رغم تراجعه وأسر كثير من أنصاره، بل أعاد تعريف نفسه. عبر الابتعاد عن التموضع المكاني، وبناء «دولة متخيلة» يعيشها أتباعه ذهنياً ورقمياً. خلافة لا تحتاج إلى حدود، ولا إلى قيادة هرمية واضحة، ولا حتى إلى تواصل تنظيمي مباشر. يكفي أن يؤمن الفرد بالفكرة، وأن يستهلك خطابها، وأن يتشبع بثقافتها الدموية، ليصبح بمثابة مشروع منفذ محتمل.
الهجوم على القوات الأميركية في تدمر يعكس الوجه الآخر للمسألة ذاتها. حسب التحقيقات، نفذ الهجوم مسلح واحد متردد بين الانتماء لتنظيمات عدة استطاع التسلل ليس إلى فصيل أمني فحسب، بل إلى اجتماع مغلق، مستفيداً من الثغرات الأمنية وحالة التشابك الآيديولوجي ليقوم بعملية قتلت جنوداً أميركيين ومترجماً، وأسهمت في إرباك الحكومة السورية الجديدة، وإعادة طرح سؤال العلاقة بين الفكرة المسيطرة والتحولات.اللافت أن تنظيم «داعش»، بالتوازي مع توسعه الدموي في غرب أفريقيا – حيث يستعيد نماذج السيطرة والتمكين وإعادة الانتشار – لا يتخلى عن حضوره العالمي الذي يحافظ له على مزيد من الاستقطاب الرقمي والتجنيد، ومن هنا بات التنظيم ينوّع أدواته. في أفريقيا لديه مناطق سيطرة جغرافية، وفي أوروبا وأستراليا ومناطق متعددة من العالم، بمثابة دولة فكرة متطرفة مسيطرة و«ذئاب منفردة» تنتظر الفرصة. هذا التوزيع ليس عشوائياً، بل يعكس فهماً عميقاً لاختلاف البيئات الأمنية والاجتماعية. حيث يصعب التحرك التنظيمي الجماعي، ويسهل تحرك الفرد في ظل عدم معالجة ثقافة البيئات الخصبة لتمدد التنظيم، لا سيما على شبكات التواصل.
شبكة الإنترنت هي المسرح الحقيقي لهذا التحول. لم تعد منصات التواصل مجرد أدوات دعاية، بل تحولت إلى معسكرات تدريب رقمية كاملة: من إعادة تأطير الآيديولوجيا والمظلومية، إلى تطبيع العنف، إلى تقديم نماذج «بطولية» للقتل الفردي، وصولاً إلى الإيحاء بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة النفسية بعد العملية. في هذا الفضاء، لا يحتاج المجنَّد إلى لقاء، ولا إلى تعليمات مباشرة. يكفي أن يشعر بأنه جزء من سردية كبرى عالمية، وأن فعله – مهما بدا صغيراً – سيُقرأ بوصفه انتصاراً للتنظيم.
هنا تحديداً تتعثر المقاربات الأمنية القديمة. فمراقبة الأفراد، مهما بلغت دقتها، فإنها تظل فعلاً لاحقاً، وردّ فعل على إشارات قد لا تبدو خطرة في لحظتها. نافيد أكرم لم يكن «خطراً وشيكاً» وفق معايير 2019، لكنه كان بمثابة مشروع خطر مؤجل. والتطرف، بخلاف الإرهاب التنظيمي، لا يسير بخط مستقيم، بل يتقدم ويتراجع لأنه يتغذى على تحولات نفسية واجتماعية لا يمكن رصدها فقط عبر السجلات الأمنية.
معركة «الذئاب المنفردة» لا تُحسم بالرقابة وحدها، بل باستراتيجية استباقية شاملة تعالج الجذور لا الأعراض. المطلوب ليس فقط تعقّب الأفراد، بل تفكيك منظومة الاستقطاب ذاتها: الخطاب، والرموز، والسرديات، والبيئات الرقمية التي تمنح العنف معنى وهوية. فك الارتباط بين «داعش» وبين أي بيئة حاضنة لفكره – دينية كانت أو اجتماعية أو افتراضية – هو التحدي الحقيقي.
في هذا السياق، تبرز التجربة السعودية بوصفها نموذجاً ناضجاً ومختلفاً. فالمقاربة السعودية لم تختزل الإرهاب في البُعد الأمني، بل تعاملت معه بوصفه ظاهرة فكرية وثقافية ونفسية. من برامج مناقشة الفكرة والتنبه لخطرها على مستوى القيادة السياسية والمجتمع، إلى تجفيف منابع التمويل، إلى تفكيك الخطاب المتطرف، إلى الاستثمار في الوقاية المبكرة داخل الفضاء المجتمعي، وصولاً إلى المواجهة الرقمية المنظمة. هذه التجربة لا تدّعي الكمال، لكنها تقدم درساً مهماً: الإرهاب لا يُهزم فقط حين يقتل أفراده فحسب، بل حين يُفقد معناه وجاذبيته داخل المجتمعات.
العالم اليوم أمام لحظة مفصلية. «داعش» لم يعد عدواً بملامح واضحة يمكن الإشارة إليها، بل بات شبكة أفكار متنقلة، تستثمر في الهشاشة الفردية، وفي الفراغات السياسية، وفي الفوضى الرقمية. مواجهة هذا النمط تتطلب استراتيجية عالمية موحدة، لا تقوم فقط على تبادل المعلومات الأمنية، بل على تنسيق فكري وإعلامي وثقافي، ومن دون ذلك سيظل كل تجمع مزدحم، احتفالياً كان أو سياحياً، مساحة مفتوحة لفكرة قررت أن تجعل العالم ساحة تهديد دائمة.
* نقلا عن “الشرق الأوسط”
————————————
أوهام السياسة في ضجيج الإرهاب الداعشي/ د. وائل مرزا
ديسمبر 16, 2025
لا خلاف على أن الحادث الأمني الذي وقع في تدمر خطير بكل المقاييس، سواء كان في دلالته العملياتية، وفي توقيته، أو في الرسائل التي حاول من نفّذه – أو من يقف خلفه مباشرة أو بالواسطة – أن يبعث بها.
غير أن الطريقة التي جرى التعامل بها مع الحدث سياسياً لا تُضيف إلى خطورته بقدر ما تكشف مستويات من السذاجة في قراءة السياسة والاستراتيجية. فالافتراض بأن حادثاً أمنياً، مهما كان قاسياً، يمكن أن يُربك تحالفاً يُصاغ على مستوى الدول والمؤسسات الكبرى، لا على مستوى الانفعالات والعناوين، ليس مؤشراً على عمق التحليل، وإنما على سوء فهمٍ لطبيعة القرار الاستراتيجي الذي تحكمه المصالح لا الصدمات.
وأول مستوى من السذاجة السياسية يكمن في الاعتقاد بأن ما جرى في تدمر شكّل “مفاجأة” لصنّاع القرار في واشنطن، أو أن المؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية لم تكن تتوقع اختراقات من هذا النوع في مسرح عمليات معقّد مثل البادية السورية.
هذا افتراض بعيد عن الواقع، فالولايات المتحدة، بخبرتها الممتدة في العراق وأفغانستان وسوريا نفسها، تدير شراكاتها العسكرية على أساس أن التنظيمات الإرهابية – خصوصاً داعش – قادرة دائماً على تنفيذ عمليات نوعية، فردية أو محدودة، حتى في ذروة الضغط عليها. بل إن جزءاً من فلسفة التعاون الأمني الأميركي يقوم تحديداً على إدراك أن القضاء على الإرهاب هو مسار طويل يتخلله نجاحات وإخفاقات واختراقات، وليس حدثاً صفرياً.
ويزداد هذا التقدير رسوخاً إذا ما قُرئ الحدث من زاوية الطريقة التي تعاملت بها المنظومة الإعلامية والسياسية الأميركية معه. فقد كانت النبرة التي سادت في منابر الإعلام الأمريكي نبرة إدارة مخاطر داخل مسار قائم وفعال، ولم تكن نبرة صدمة ولا مراجعة. فلم يُقدَّم الحادث بوصفه كسرَ ثقة، ولا كتحوّل في الاتجاه، وإنما كاختراق أمني متوقَّع في مسرح عمليات مفتوح، يُواجَه بالأدوات نفسها التي أُنشئ من أجلها التعاون القائم.
هذا النوع من القراءة لا يصدر عن شراكات هشّة أو تفاهمات ظرفية، بقدر كونه يعبّر عن تحالف بات جزءاً من الحسابات الاستراتيجية المستقرة، حيث تُفهم الأحداث ضمن سياقها العملياتي، لا بوصفها اختبارات سياسية وجودية. وفي هذا المعنى، فإن البرودة الأميركية في التعاطي مع الحادث ليست تقليلاً من خطورته، وإنما هي دليل على أن العلاقة مع سوريا تجاوزت منطق ردّ الفعل، ودخلت منطق المؤسسية والقرار طويل الأمد، حيث لا تُهدم الشراكات بضربة، ولا تُدار السياسات بالانفعال.
من هنا، فإن الافتراض بأن حادث تدمر سيدفع واشنطن إلى ردّ فعل عاطفي أو ارتجالي، أو إلى إعادة النظر جذرياً في مسار التعاون مع دمشق، يكشف فهماً سطحياً لكيفية عمل الدولة الأميركية. فالقرار في الولايات المتحدة لا يُصنع في لحظة صدمة، ولا يُدار عبر تغريدات أو حملات ضغط إعلامي.
وهذا وهمٌ لا يدرك أن القرار هو دائماً نتاج توازن معقّد بين وزارة الدفاع، والأجهزة الاستخباراتية، والبيت الأبيض، والكونغرس، وكلُّ هذه المؤسسات تعمل بمنطق بارد يقوم على المصالح طويلة المدى، لا على الانفعالات.
وفي هذا السياق تحديداً، تبرز ظاهرة سياسية لافتة تستحق التوقف عندها بجدّية، وتتمثل في التقاء أوهام التفكير الداعشي بأوهام أطراف تدّعي معاداة داعش، لكنها تراهن في الوقت نفسه على هدم التحالف السوري–الأميركي! فالطرفان، على اختلاف خطابيهما وشعاراتهما، يشتركان في الخطأ الاستراتيجي ذاته، والمتمثل في الاعتقاد بأن حادثاً أمنياً طارئاً قادر على كسر مسار تحالف تُديره مؤسسات دولة كبرى بمنطق المصالح طويلة الأمد.
داعش تفترض أن الصدمة تُربك القرار، وهؤلاء يفترضون أن الضجيج يُعيد خلط الأوراق، وكلاهما يجهل أن السياسات الاستراتيجية لا تُبنى ولا تُهدم بالانفعالات. المفارقة أن هذا التقاطع في الوهم يجعل من خصوم داعش السياسيين، من حيث لا يدرون، أسرى المنطق نفسه الذي يحكم تفكيرها، ويتمثل في منطق المراهنة على الفوضى بدل فهم الدولة، وعلى ارتدادات الحدث بدل قراءة المسار. وفي هذا المعنى، يبدو واضحاً إن التحالف السوري–الأميركي لا يواجه تهديداً مزدوجاً، وإنما هو وهمٌ واحدٌ يتكرر بأقنعة مختلفة.
أما المستوى الثاني من السذاجة، فتكمن في افتراض أن من يقف وراء الحادث – سواء كان تنظيماً إرهابياً أو أطرافاً تستثمر وجوده – يملك القدرة على تعطيل مسار تشكّل تحالف سوري–أميركي آخذ في التبلور.
فالتعاون الأمني بين دمشق وواشنطن هو نتيجة عملية تقاطع مصالح طويلة ومُركّبة تتمثل في أن داعش عدو مشترك، وأن الفراغات الأمنية هي الخطر الأكبر على الجميع، وأن استقرار سوريا بات شرطاً ضرورياً لأي مقاربة إقليمية عقلانية. وهذه خلاصات راسخة في التفكير الاستراتيجي الأميركي لا علاقة لها بالشعارات.
أما المستوى الثالث من السذاجة، فيكمن في الاعتقاد بأن مثل هذه العمليات يمكن توظيفها لإعادة إنتاج منطق العقوبات والعزل، وكأن الولايات المتحدة لم تتعلّم بعد عقدين من “الحرب على الإرهاب” أن إضعاف الدول لا يهزم التنظيمات، بقدر ما يوسّع هوامش حركتها. فهذا درسٌ بات بديهياً في واشنطن، حتى لو تأخّر تطبيقه سياسياً. والدليل الأوضح على ذلك أن النقاش داخل المؤسسات الأميركية لم يعد يدور حول ما إذا كان يجب التعاون مع الدولة السورية أمنياً، وإنما حول كيف، وبأي إطار، وتحت أي شروط سياسية وقانونية.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة بالغة الأهمية تتمثل في أن الكونغرس الأميركي كان قد طلب منذ شهور من وزارة الدفاع إعداد دراسة عاجلة حول آفاق التحالف العسكري الاستراتيجي مع سوريا، مع مهلة واضحة لتقديمها قبل نهاية شهر شباط فبراير القادم.
هذا الطلب لم يأتِ من فراغ، ولا هو إجراء شكلي. هذا مؤشر على أن العلاقة بين البلدين دخلت مستوى مؤسسياً عميقاً، حيث تُناقش الخيارات ضمن قاعات اللجان، وتُدرس السيناريوهات بعيداً عن الضجيج الإعلامي. ومن يتخيّل أن حادثاً أمنياً – مهما كان مؤلماً – سيُلغي مساراً بهذا المستوى من التحضير، إنما يكشف جهلاً بطبيعة الدولة الأميركية نفسها.
أما المستوى الأكثر سذاجة، وربما الأكثر إيذاءً للمصلحة السورية، فيتمثل في أولئك السوريين الذين سارعوا بعد الحادث إلى بيع وهمٍ سياسي قاتل يوحي بأن ما جرى “نسف” أي تقارب مع واشنطن، أو أعاد سوريا إلى مربع العزل. هؤلاء لا يخطئون في التحليل فحسب، وإنما يشاركون – بوعي أو بدونه – في خدمة أجندات تريد إبقاء سوريا رهينة الفوضى والعقوبات.
فهم يتجاهلون أن الولايات المتحدة تحاسب الدول على طريقة التعامل مع الإرهاب، وليس على مجرد وجود الإرهاب فيها. والفرق شاسع بين دولة تقاتل التنظيم وتدفع ثمناً، ودولة تغضّ الطرف عنه أو توظّفه.
إن القراءة الاستراتيجية الباردة لما جرى في تدمر تؤكد شيئاً واحداً يتمثل في أن الحادث خطير، نعم، لكنه مدخلُ تعزيزٍ إضافي لمنطق الشراكة الأمنية، وليس أبدا نقيضاً لها. إنه تذكير بأن المعركة لم تنتهِ، وبأن التنسيق لا بد أن يكون أعمق، وليس أقل. وهو في الوقت نفسه اختبارٌ للضجيج السياسي، يحقق الفرز بين من يفهم منطق الدول، ممن يعيش على ردود الفعل والشعارات.
ويبقى في نهاية المطاف أن التحالفات الاستراتيجية لا تُبنى على الأمنيات، ولا تُهدم بالاختراقات. إنها تُبنى على المصالح، وعلى قراءة مشتركة للعدو، وعلى إدراك أن البديل عن التعاون ليس إلا الفوضى. ومن لا يفهم هذه القاعدة، سواء كان خصماً مباشراً أو سورياً يروّج الأوهام، فسيجد نفسه خارج الزمن السياسي الجديد الذي يتشكّل، مهما علا صوته، ومهما حاول الاستثمار في الدم والصدمة.
الثورة السورية
——————————–
بعد هجوم تدمر: رسائل أميركية إيجابية نحو دمشق/ فراس علاوي
ديسمبر 16, 2025
لم تمضِ سوى ساعات على الهجوم الذي استهدف دورية أميركية ترافقها عناصر من الأمن العام السوري في محيط مدينة تدمر، مما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني وإصابة عدد من عناصر الأمن العام التابع للحكومة السورية، حتى صدرت عن واشنطن سلسلة تصريحات لافتة فاجأت الكثير من المراقبين من حيث اختلافها عن ردود فعل الإدارة الامريكية عادة في مثل هكذا حوادث.
فقد وصف الرئيس دونالد ترامب الحادثة بأنها كمين نفذه تنظيم “الدولة الإسلامية” ضد الولايات المتحدة وسوريا معاً، مؤكداً في تصريحاته للصحفيين أمام البيت الأبيض أن حادث إطلاق النار وقع في منطقة “شديدة الخطورة لا تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة السورية”.
بهذه الصيغة، حاول ترامب أن ينأى بالحكومة السورية عن مسؤولية الهجوم، بل ذهب أبعد من ذلك حين ذكر عبر منصته “تروث سوشيال” أن الرئيس السوري أحمد الشرع (غاضب ومستاء للغاية من هذا الهجوم)، في إشارة نادرة إلى نوع من التفاهم الميداني الضمني بين الطرفين، مما يؤكد مضي الولايات المتحدة في رعايتها للحكومة السورية وعمق التحالف الذي نشأ بين البلدين بجهة مكافحة الإرهاب.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤول أميركي قوله إن الهجوم وقع خلال اجتماع ميداني بين ضابط أميركي ومسؤول في وزارة الداخلية السورية بمدينة تدمر، عندما فتح مسلح النار من إحدى النوافذ قبل أن يُقتل برد مشترك من القوات الأميركية والسورية.
وقد أعقبت الحادثة تحركات أميركية مكثفة، كما ازداد الانتشار العسكري في محيط المنطقة القريبة من قاعدة التنف الأميركية، في خطوة اعتبرها مراقبون إجراءاتٍ احترازية أكثر منها تصعيدية.
سياسياً، تشير هذه التصريحات إلى تطور نسبي في اللغة الأميركية تجاه دمشق، إذ تجنبت الإدارة الأميركية تحميل الحكومة السورية أي مسؤولية مباشرة عن الحادثة، بل أظهرت نوعا من التقارب في توصيف (العدو المشترك) المتمثل في تنظيم الدولة. وبذلك، يمكن القول إن الهجوم، مهما يكن الطرف الذي خطط له أو نفذه، سواء جماعات مسلحة أو أجهزة استخبارات تسعى لخلط الأوراق، لم يحقق هدفه الأساس في توتير العلاقة بين واشنطن ودمشق.
وبدلًا من التصعيد، جاءت التصريحات الأميركية لتؤكد أن التنسيق الأمني الميداني غير المعلن ما زال قائماً، وأن الولايات المتحدة لا ترغب، على الأقل في المدى القريب، في فتح جبهة سياسية جديدة مع الحكومة السورية، وخصوصاً في مناطق البادية التي لا تزال تشهد نشاطا متقطعا لخلايا التنظيم.
بهذه اللهجة، تبدو واشنطن وكأنها تبعث رسائل تهدئة وطمأنة، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب، وتُعبّر في الوقت نفسه عن تجربة جديدة في إدارة الصراع السوري، حيث تتقاطع المصالح الميدانية، بين الولايات المتحدة والحكومة السورية.
يرغب كلا البلدين بالاستقرار في المنطقة، وبالتالي لابد من إنهاء خطر خلايا التنظيم التي بدأت تنشط بعد فترة من الكمون، وتستفيد الولايات المتحدة من خبرة هيئة تحرير الشام في قتال التنظيم، وأيضاً من المعلومات الاستخباراتية التي تمتلكها.
بذات اللحظة، على الحكومة السورية التقاط اللحظة المناسبة وبناء جسور الثقة مع الأميركان، وبالتالي اكتساب أوراق قوة يمكن أن تفيدها في ملفات أخرى.
الثورة السورية
—————————-
حادثة تدمر.. ما مدى تأثيرها على العلاقات السورية- الأميركية؟
ديسمبر 15, 2025
بعد حادثة تدمر ودون الدخول في حيثيات التفاصيل، فإن الدوافع لهذه الحادثة غير واضحة بشكل جليّ، ولا يمكن التنبؤ بها، خصوصا أن الجاني لم يستهدف شخصا محدداً، بل استهدف القوات الأميركية والسورية في آن واحد، وهذا لا يمكن توصيفه إلا أنه عمل إرهابي.
لكن ما يمكن توجيه الأنظار إليه، هو هل فعلا هذه الحادثة ستؤثر على العلاقات السورية الأميركية؟ هل تقتطع أميركا علاقتها بسوريا؟ هل ستقوم واشنطن بعمل عسكري في سوريا؟ هل ستوقف واشنطن قرار إزالة قانون “قيصر”؟ هل فقد الرئيس أحمد الشرع والإدارة السورية الحالية مرحلة الثقة مع الإدارة الأميركية؟
ولأن المقارنات التاريخية تُنير ولا تُسقط، فمن المفيد تصويب المثال الأقرب الذي استُحضر كثيرً، فبالعودة إلى أقرب حادثة شبيهة بحادثة تدمر، فهي ما فعله رجل الأمن التركي، مع السفير الروسي، عام 2026، عندما قُتل السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا بالرصاص في يوم الاثنين 29 ديسمبر 2016، في هجوم مسلح وقع في أنقرة، بعد أن دخل رجل أمن تركي اسمه مولود الطنطاش – وهو شرطيّ تركي كان خارج الخدمة حينها – إلى القاعة باستخدام هويته كشرطي ما جعل الحضور والمنظمين يعتقدون أنه أحد الحراس الشخصيين لكارلوف، وفتح النار عليه، بينما كان يزور السفير الروسي معرضاً فنياً في العاصمة التركية أنقرة.
في اليوم التالي لعملية اغتيال السفير الروسي؛ اعتقلت السلطات التركية عددًا من أفراد أسرة الطنطاش في مقاطعة أيدين مسقط رأسه كما اعتقلت زميله في أنقرة قبل أن يُفرج عنهم في وقتٍ لاحقٍ. في المُقابل؛ أعلنَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه من المقرر أن يصل فريق تحقيقٍ روسيّ إلى تركيا في 20 كانون الأول/ديسمبر للمساعدة في التحقيق.
أدانت العديد من الحكومات ورؤساء الدول الهجوم وقدموا تعازيهم لعائلة كارلوف وضحايا إطلاق النار الآخرين؛ وكذلك فعلوا للشعب الروسي. على الرغم من أن داعش لم تعلن مسؤوليتها عن الاغتيال؛ إلا أن مؤيديها احتفوا بما جرى.
رد الفعل الروسي، كان عبر المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: بأن الإرهاب، لن يمر … سنقاتلها بشكلٍ حاسمٍ»، فيمَا صرّح الرئيس فلاديمير بوتين بأنه يعتقد «أن الجريمة كانت بلا شك استفزازًا يهدفُ إلى إفساد تطبيع العلاقات الروسية التركية وإفساد عملية السلام السورية التي تدفعها روسيا وتركيا وإيران وغيرهم» كما أمر بتشديد الإجراءات الأمنية في السفارات الروسية في جميع أنحاء العالم؛ وذكر أنه «يتعيّن علينا أن نعرف من الذي يوجه «يد القاتل».
المغزى هنا ليس استنساخ الحالة، بل تثبيت قاعدة أن الدول الكبرى تميل إلى اعتبار الإرهاب محاولة لكسر اتجاه سياسي، فتتحاشى مكافأته بإلغاء ذلك الاتجاه.
حادثة تركيا توجهنا أيضا لحادثة مشابهة، وهي اغتيال الدبلوماسي إرنشت فوم راث على يدِ الطالب اليهودي هيرشل غرينزبان قائلًا: «لقد تحقّقت العدالة».
جميع هذه الحوادث هي من الناحية السياسية لا تصنف إلا تحت الإرهاب، لأن استهداف أشخاص تم استضافتهم تحت رعاية الدولة جريمة، لأنهم داخل الدولة المضيفة هم بحكم القانون الدولي (خاصة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961) يتمتعون بحصانات وحماية كبيرة تضمن لهم أداء مهامهم بحرية، وتشمل هذه الحماية حرمة شخصهم ومقرهم ومكاتباتهم، إلا في حال عدم احترامهم لقوانين الدولة المضيفة، وإلا يمكن للدولة المضيفة إعلانهم “شخصًا غير مرغوب فيه” وطلب مغادرتهم فقط.
ولكن نعود للسؤال الجوهري، والذي فاضت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، واستغله المعارضون للحكومة السورية في الترويج له، هل ستتأثر العلاقات بين دمشق وواشنطن؟
قبل الإجابة على السؤال سنعرج على التصريحات التي صدرت من الطرفين، بداية كان بيان وزارة الخارجية السورية على لسان الوزير أسعد الشيباني، يقول: إن “سوريا تدين بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف دورية لمكافحة الإرهاب مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة بالقرب من تدمر”، مضيفًا: “نتقدم بتعازينا إلى عائلات الضحايا، وإلى الحكومة والشعب الأميركيين، ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل”.
أما الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أول تعليق رسمي من واشنطن، نعى الضحايا الأميركيين، وقال في تصريح صحفي: “ننعي ثلاثة أميركيين عظماء فقدوا في كمين بسوريا”، مؤكدًا أن “الولايات المتحدة سترد على تنظيم الدولة، وإذا تعرضت قواتنا لهجوم آخر، سيكون الرد حتميًا”.
وتابع: “لقد أعرب الرئيس السوري أحمد الشرع عن غضبه الشديد واستيائه البالغ إزاء هذا الهجوم”، مشددا على أن الرد سيكون “حازما”.
بدوره، المتحدث باسم “البنتاغون”، شون بارنيل، قال إنه “لقي جنديان من الجيش الأميركي ومترجم مدني أميركي مصـرعهم وأصيب 3 آخرون اليوم في تدمر بسوريا، حيث وقع الهجوم أثناء قيام الجنود بعقد اجتماع رئيسي مع قادة محليين وكانت مهمتهم في إطار عمليات مكافحة تنظيم “داعـــش”.
وأضاف بارنيل، أنه سيتم حجب أسماء الجنود مع المعلومات التي تحدد هوية وحداتهم العسكرية لحين مرور 24 ساعة على إخطار أقاربهم المباشرين ويجري التحقيق حالياً في هذا الهجوم بشكل نشط.
كما قال توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، في منشور عبر منصة X (تويتر سابقًا):“أدين بشدة الكمين الإرهابي الجبان الذي استهدف دورية مشتركة أميركية – حكومية سورية في وسط سوريا”، مضيفًا: “ننعي بخسارة ثلاثة من أفراد الخدمة الأميركية وشخصاً مدنيًا، ونتمنى الشفاء العاجل للقوات السورية المصابة”. وأكد باراك: “سنظل ملتزمين بهزيمة الإرهاب مع شركائنا السوريين”.
المعطى الأكثر صلابة في قراءة الواقعة هو أن واشنطن –وفق بياناتها الأولية– تعاملت معها بوصفها هجومًا منسوبًا إلى تنظيم “داعش”، وقع أثناء “لقاء مع قادة محليين/مهمة ميدانية” في سياق عمليات مكافحة التنظيم، وأن المهاجم قُتل في المكان على يد قوات شريكة. هذه الصياغة في المنطق السياسي تثبيت للإطار: “هجوم إرهابي” على مهمة مشتركة، لا “صدام سياسي” بين حليفين طارئين.
من جملة هذه التصريحات يتبين أن واشنطن لا تزال تريد الحفاظ على العلاقة السورية – الأميركية، وأن الحادثة لن تؤثر بالشكل الذي تم تداوله إعلاميا على مجمل العلاقات التي نسجت بعد سقوط النظام المخلوع، بل إن مفاد التصريحات الأميركية، أن واشنطن تريد توثيق هذه العلاقة بشكل أقوى لمحاربة التنظيمات المتطرفة مع الدولة السورية، خصوصا بعد انضمام سوريا لـ”التحالف الدولي”.
أما من واشنطن، فكان تعليق الرئيس دونالد ترامب –وفق ما نقلته وكالات وصحف أميركية– شديد اللهجة تجاه “داعش”، مع تعهد بالرد إذا تكرر استهداف القوات الأميركية، بالتوازي مع تأكيدات من مسؤولين أميركيين على استمرار الالتزام بهزيمة الإرهاب مع الشركاء السوريين. إن اجتماع نبرة الردع مع خطاب “استمرار الشراكة” يوحي بأن الإدارة الأميركية تسعى إلى عزل الواقعة أمنيًا، وعدم منح منفذيها مكسبًا سياسيًا يتمثل في تسميم خط العلاقة.
ومن الجهة السورية، جاء موقف وزير الخارجية أسعد الشيباني متسقًا مع الإطار نفسه، إذ أدان الهجوم ووصفه بالإرهابي، وقدم التعازي للجانب الأميركي وتمنى الشفاء للجرحى، في رسالة سياسية تُقرأ بقدر ما تُقرأ أمنيًا: دمشق تريد أن تُسقط عن الحادثة صفة “الحرج السيادي”، وتمنع خصوم التقارب من تحويلها إلى “دليل اتهام” على الدولة الجديدة أو على أهليتها للشراكة.
لكن ومما لا يدع مجال للشك، فإن إرهاصات هذه الحادثة وتداعياتها سيكون على الشكل الأمني بشكل أوسع، فتحليل الرسائل السياسية والعسكرية الأميركية بعد الهجوم، يشي بمدى اقتراب واشنطن من تغيير قواعد الاشتباك أو توسيع نطاق الرد.
في هذا السياق، تبدو الأسئلة التي اجتاحت وسائل التواصل –من نوع “هل ستقطع أميركا علاقتها؟ هل ستشن حربًا؟ هل ستوقف مسار العقوبات؟”– مفهومة في مجتمعٍ خبر الانقلابات المفاجئة في المواقف الدولية، لكنها غالبًا تُبنى على منطق ثنائي تبسيطي: إمّا قطيعة وإمّا اندفاع، بينما السياسة الواقعية تُدار بموازين مصالح وتكاليف ورسائل. الحادثة، بحد ذاتها، لا تفرض تلقائيًا انقلابًا في استراتيجية واشنطن، لأن واشنطن ترى في الملف السوري –بحسب الخطاب المعلن– ساحةً لمطاردة خلايا التنظيم ومنع عودته، وهذا هدف لا يتحقق عبر تفكيك الشراكة الأمنية عند أول اختبار، بل عبر تشديدها وربطها بشروط وضمانات.
أيضا، إحدى الدلالات اللافتة بعد هجوم تدمر تمثلت في اتساع دائرة الإدانات العربية والدولية، بما يعكس رغبة إقليمية ودولية في منع التنظيمات المتطرفة من استعادة زمام المبادرة عبر “ضرب الشراكات” وإعادة إنتاج الفوضى. هذا النوع من الإدانات لا يغيّر وحده المعادلات الميدانية، لكنه يساهم في تثبيت سرديةٍ سياسية مفادها أن استهداف الدوريات المشتركة ليس شأناً ثنائياً بين دمشق وواشنطن فقط، بل تهديدٌ لمسار الاستقرار الناشئ في سوريا والمنطقة.
قطر دانت الهجوم رسمياً، واعتبرته عملاً إرهابياً استهدف دورية مشتركة قرب تدمر، مؤكدة موقفها الرافض للعنف والإرهاب “أياً كانت الدوافع”، وقدمت التعازي لسوريا والولايات المتحدة وتمنيات الشفاء للمصابين. والأردن بدوره أعلن إدانته للهجوم والتضامن مع الطرفين، وفق ما نقلته وسائل عن وكالة الأنباء الأردنية، في صيغة تُظهر حساسية عمّان تجاه أي تدهور أمني في الجغرافيا السورية بوصفه ارتداداً مباشراً على أمن الحدود والإقليم.
أما تركيا، فذهبت في بيانٍ رسمي لوزارة خارجيتها إلى توصيف الهجوم “اعتداءً إرهابياً” ضد القوات السورية والأميركية التي كانت تقوم بدورية قرب تدمر، وقدمت التعازي لحكومتي البلدين بوصفهما شريكين في “التحالف الدولي ضد داعش”، مؤكدة استمرار دعمها لجهود الحكومة السورية في تعزيز الاستقرار والأمن ومكافحة الإرهاب. وفي السياق العربي أيضاً، أعلنت البحرين إدانتها واستنكارها الشديدين للهجوم، مؤكدة التضامن مع سوريا والولايات المتحدة، ومجددة رفضها للإرهاب الهادف إلى زعزعة الأمن والاستقرار.
وعلى مستوى المنظمات، أدانت رابطة العالم الإسلامي الهجوم، ووصفت العملية بـ“الجريمة الإرهابية الغادرة”، وقدمت التعازي وأعلنت التضامن مع سوريا في مواجهة ما يهدد أمنها واستقرارها، في خطابٍ يندرج ضمن محاولات تجريد التنظيمات المتطرفة من أي غطاءٍ رمزي أو تبريري في المجال الديني العام.
مجمل هذه الإدانات لا تعني أن الطريق خالٍ من المطبات، لكنها توضح أن البيئة السياسية المحيطة بالحادثة تميل ــ حتى الآن ــ إلى عزل الهجوم بوصفه “فعل تخريب” يستهدف الشراكات، لا بوصفه سبباً لإنهائها. وهذه نقطة ثقيلة الوزن في لحظةٍ إقليمية تتنافس فيها السرديات: سردية بناء الدولة ومحاربة الإرهاب، وسردية الفوضى والفراغات التي لا يعيش عليها إلا المتطرفون.
بناءً على ذلك، فإن التأثير الأرجح لحادثة تدمر لن يظهر كقرارٍ دراماتيكي بقطع العلاقة كما يروج له على منصات التواصل الاجتماعي، إنما كتحولٍ تدريجي في “شروط العلاقة” عبر مزيد من التدقيق الأمني في مسارات الدوريات والاجتماعات الميدانية، تشديد آليات الفحص والتدقيق داخل الوحدات المحلية المشاركة، وربما توسيع هامش العمل الوقائي والاستخباري على حساب الطابع الرمزي للتنسيق المشترك. وفي المقابل، ستسعى دمشق إلى إثبات جدارتها كشريك قادر، لا عبر الخطاب فقط، بل عبر نتائج ميدانية من خلال تفكيك شبكات، ملاحقة خلايا، وإظهار أن الحادثة لم تُكسر بها هيبة الدولة ولا التزاماتها.
الخلاصة أن حادثة تدمر ليست “مفترق طرق” بقدر ما هي “حاجز أمان” إذا عُولجت الواقعة ضمن منطق الشراكة ضد تهديد مشترك، فقد تُستخدم لتعميق التنسيق وتحصينه؛ وإذا أُسيء التعامل معها داخليًا عبر التخوين والمزايدات، أو خارجيًا عبر تحميلها أكثر مما تحتمل، فقد تتحول إلى مدخل لإرباك مسارٍ سياسي لم يستقر بعد. وفي كل الأحوال، فإن التنظيمات المتطرفة –حين تضرب في نقاط الالتقاء– تراهن على شيء واحد: أن ينقلب الشركاء على بعضهم بدل أن ينقلبوا عليها.
الثورة السورية
———————————
قتلى أميركيون في تدمر: هجوم يفتح أسئلة أمنية وسياسية في لحظة مفصلية/ أغيد حجازي
14 ديسمبر 2025
في هجوم استهدف اجتماعًا ميدانيًا أعقب جولة مشتركة بين قوات أميركية وقوات أمنية سورية في مدينة تدمر وسط البلاد، قُتل جنديان أميركيان ومدني أميركي واحد، وأُصيب ثلاثة عسكريين أميركيين، فيما لم يتضح بعد ما إذا كان هناك ضحايا من الجانب السوري، باستثناء مطلق النار الذي جرى تحييده من قبل قوات الأمن السوري عقب اشتباكات معه.
وتُعدّ هذه الحادثة، التي سقط فيها قتلى أميركيون، الأولى من نوعها منذ تدخل التحالف الدولي في سوريا، وتطرح جملة من الأسئلة حول الأسباب والتداعيات وهوية منفذ الهجوم، كما أن توقيت الحادثة ومكانها لا يقلان أهمية عن مجريات الحدث نفسه.
مكان وتوقيت الهجوم
تُعدّ مدينة تدمر من المناطق التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” سيطرته عليها مرتين بشكل كامل عامي 2015 و2016، قبل أن يقوم جيش النظام السابق بطرد التنظيم منها واستعادتها. ورغم ذلك، لا تزال البادية السورية عمومًا من المناطق التي ينشط فيها تنظيم الدولة.
وسبق، بعد سقوط نظام الأسد، أن نفذت قوات الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات السورية سلسلة عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، شملت مداهمة أوكار للتنظيم واعتقال مجموعة من عناصره، إضافة إلى مصادرة أسلحة.
كما تضم مدينة تدمر مطارين عسكريين، هما مطار التيفور ومطار تدمر العسكري، إلى جانب مقر لأمن البادية، الذي يُعتقد أن الاجتماع المستهدف كان يُعقد داخله. وتُعدّ تدمر أيضًا نقطة وصل استراتيجية بين دمشق وحمص ودير الزور، وتكتسب أهمية إضافية لكونها نقطة استراتيجية لقاعدة التنف التي تسيطر عليها القوات الأميركية.
وجاءت العملية في توقيت بالغ الأهمية لعدة اعتبارات. أولًا، وقعت بعد نحو شهر من إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، ما شكّل نكسة في مسار التعاون داخل التحالف، إذ إن الهجوم جاء عقب ثاني عملية مشتركة مع القوات الحكومية السورية بعد هذا الانضمام، وأسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين.
ثانيًا، جاءت العملية بعد أول إعلان رسمي لتنظيم داعش عن مهاجمة القوات الحكومية السورية جنوب شرقي إدلب، عند جسر بلدة سراقب، ما أدى إلى مقتل عسكري وإصابة آخر، وهي المرة الأولى التي يتبنى فيها التنظيم عملية ضد القوات الحكومية منذ سقوط النظام، بعد أن كانت عملياته موجّهة ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أو ضد الأقليات السورية، وفق بياناته.
ثالثًا، تزامنت العملية مع تصويت الكونغرس الأميركي على قانون إلغاء “قيصر”، وقبل تصويت مجلس الشيوخ، ما يفتح المجال أمام فرضية أن الهجوم قد يكون جاء في سياق محاولة عرقلة إلغاء القانون من قبل تنظيم الدولة.
رابعًا، جاءت العملية بعد نحو نصف شهر على عملية بيت جن، التي أدت إلى إصابة ستة جنود من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
منفذ العملية
رغم وضوح الرواية الأميركية التي نسبت منفذ العملية إلى تنظيم داعش، فإن الرواية السورية بدت مربكة، وحملت تفسيرات متعددة. إذ لم يؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في حديثه إلى “الإخبارية السورية”، ولم ينفِ في الوقت نفسه، انتماء منفذ الهجوم إلى تنظيم داعش، مكتفيًا بالقول إن المنفذ لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي، ولا يُعد مرافقًا لقائد الأمن الداخلي في البادية.
وأوضح البابا أن التحقيقات لا تزال جارية للتأكد من صلة المنفذ بتنظيم الدولة أو حمله فكر التنظيم، كاشفًا عن وجود نحو خمسة آلاف عنصر أمن في البادية يخضعون لتقييمات أسبوعية، وتتخذ إجراءات دائمة بحقهم بناءً على تلك التقييمات.
ولفت إلى أن منفذ الهجوم صدر بحقه تقييم بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول يفيد باحتمال حمله أفكارًا تكفيرية أو متطرفة، مشيرًا إلى أنه كان من المقرر صدور قرار بحقه يوم الأحد، كونه أول يوم دوام رسمي في الأسبوع، إلا أن الهجوم وقع يوم السبت الذي يُعد يوم عطلة إدارية.
وفي السياق نفسه، نقلت “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين سوريين قولهم إن الرجل الذي هاجم عسكريين سوريين وأميركيين في مدينة تدمر وسط البلاد كان عنصرًا في قوات الأمن السورية.
كما قالت وكالة فرانس برس، نقلًا عن مصدر أمني، إن منفذ الهجوم كان عنصرًا في جهاز الأمن العام، وعمل ضمن الجهاز التابع لوزارة الداخلية السورية منذ أكثر من عشرة أشهر، وشارك في مهام أمنية في أكثر من مدينة قبل نقله إلى تدمر. وأضاف المصدر أن “أكثر من 11 عنصرًا تابعًا للأمن العام جرى توقيفهم وإحالتهم إلى التحقيق فور وقوع الحادثة”.
بدورها، كشفت منصة “تأكد” عن هوية منفذ العملية، مشيرة إلى أن اسمه طارق صطوف الحمد، الملقب “أبو صطيف”، وأرفقت ذلك بصورة قالت إنها تعود له، فيما نشرت مجموعة من القنوات والمواقع الرسمية الصورة ذاتها على أنها صورة متداولة لمنفذ الهجوم.
ردود الفعل
جاءت ردود الفعل الأميركية إيجابية تجاه الحكومة السورية، بدءًا من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب، وقيادة القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، ووزير الحرب الأميركي بيتر هيغسيث، وصولًا إلى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، حيث أكدوا جميعًا استمرار محاربة الإرهاب بالتنسيق مع الحكومة السورية، مشددين على أن منفذ العملية ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش.
وينسجم هذا الموقف مع السياسة الأميركية الداعمة للحكومة السورية، إذ يُعد تعزيز رواية اتهام داعش الخيار الأسلم بالنسبة لواشنطن، في ظل صعوبة توجيه اتهام مباشر لأن يكون منفذ العملية من عناصر الحكومة السورية، خاصة بعد التعاون الوثيق معها في ملفات أمنية وعسكرية واقتصادية، وبعد رفع العقوبات عن سوريا وعن الرئيس أحمد الشرع.
وبحسب مصادر محلية، نفذت قوات التحالف الدولي سلسلة اعتقالات في مدينة تدمر عقب العملية، طالت عددًا من عناصر الأمن الداخلي التابعين للحكومة السورية، من بينهم مسؤول الدراسات الأمنية في المدينة.
ومن بين ردود الفعل الأميركية المتوقعة، مراجعة البروتوكول والآلية المعتمدة في التعاون مع الحكومة السورية، ولا سيما من حيث مراجعة أسماء الأشخاص الذين يُعقد معهم الاجتماع أو يجري التعاون معهم. ففي حال ثبوت أن منفذ العملية عنصر في الأمن العام ولديه صلات بتنظيم داعش أو يحمل فكر التنظيم، فإن القوات الأميركية ستعيد تقييم الجهات والأشخاص الذين يجري التعاون معهم، بما في ذلك القوات السورية العاملة في الحراسة أو ضمن الدوائر المشاركة في التعاون.
أما في حال لم يكن المنفذ تابعًا لوزارة الداخلية وكان عنصرًا في تنظيم داعش، فإن ذلك يعني وجود خرق أمني وتسريب معلومات مكّن التنظيم من معرفة توقيت ومكان الاجتماع، وهو أيضاً يتطلب مراجعة في الآلية المتبعة.
وربما تعيد الولايات المتحدة الأميركية تعزيز اعتمادها على قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في محاربة تنظيم داعش، من دون التخلي عن التعاون مع الحكومة السورية، استنادًا إلى تجربة سابقة امتدت نحو عشر سنوات، لم تشهد خلالها حوادث مشابهة.
داخليًا، قد يُنظر إلى ما جرى في الولايات المتحدة باعتباره فرصة لمعارضي الرئيس ترامب وسياساته، ولا سيما من الحزب الديمقراطي، لتوجيه اتهامات له بسبب الانفتاح على سوريا. كما قد تصدر مواقف ناقدة من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، وخصوصًا من مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، التي تضم 18 جهاز استخبارات أميركي، وتترأسه تولسي غابارد، المعروفة بمعارضتها للسياسات التي تقضي بإرسال جنود أميركيين إلى الخارج، وخاصة إلى سوريا، ومعارضتها للانفتاح الذي يقوده ترامب على الحكومة السورية الجديدة.
ويُتوقع أن يشكل مقتل جنود أميركيين ضغطًا كبيرًا على ترامب وإدارته في كيفية التعامل مع الحادثة، نظرًا لحساسية هذا النوع من الأحداث أمام الرأي العام الأميركي، وصعوبة المرور عليه دون تداعيات سياسية وأمنية.
في المحصلة، تكشف حادثة تدمر عن هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا، وعن حجم التعقيد الذي يرافق إعادة دمج البلاد ضمن منظومة التحالفات الدولية، ولا سيما في الملف الأمني المرتبط بمحاربة تنظيم داعش. فالهجوم، بغضّ النظر عن هوية منفذه النهائية، يضع التعاون السوري–الأميركي أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب أمام مراجعات عميقة في آليات التنسيق وتبادل المعلومات، كما يعيد طرح أسئلة قديمة – جديدة حول اختراق المؤسسات الأمنية، وحدود السيطرة على البادية السورية.
وفي ظل تشابك العوامل السياسية والأمنية والتوقيت الحساس داخليًا وخارجيًا، تبقى تداعيات هذه الحادثة مفتوحة على احتمالات متعددة، لن تتضح ملامحها النهائية إلا مع ما ستسفر عنه التحقيقات، وكيف ستُترجم سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة.
الترا سوريا
——————————
تطور غير مسبوق.. “داعش” يصعّد ردًا على انضمام دمشق لـ”التحالف الدولي”/ محمد كساح
15 ديسمبر 2025
جاء رد تنظيم الدولة “داعش” على انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ضمن سياق تصعيد غير مسبوق بدأ التنظيم أولى خطواته مع سقوط النظام البائد، فقد عاد الشأن السوري إلى أعداد مجلة “النبأ” التي يصدرها الإعلام المركزي للتنظيم منذ لحظة الإعلان عن هروب بشار الأسد، ثم توالت الافتتاحيات التي تواكب مجريات الملف السوري المتسارعة.
وأكبر الاستهدافات التي نفذها التنظيم جرت في تدمر قبل يومين، حيث أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان، أن شخصًا ينتمي إلى “داعش” تسلل، يوم السبت الماضي، إلى موقع اجتماع ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية ووفد من التحالف الدولي، وذلك قبل أن يطلق النار على القوات المشتركة السورية- الأميركية، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة اثنين آخرين.
سبقت هذه العملية ولحقتها أيضًا، عمليات اغتيال وتصفية في مناطق سورية عديدة، وفقاً لمصادر أهلية تحدثت لـ”ألترا سوريا”، لاسيما في محافظة إدلب التي تشهد وقوع حوادث استهداف لعناصر الجيش السوري على يد مسلحين تابعين لـ”داعش”، في حين يتخوف الأهالي من عودة نشاط التنظيم إلى المنطقة كرد دموي على انضمام سوريا للتحالف الدولي، خاصة وأن هذه التصفيات جرت عقب الإعلان عن هذه الخطوة الهامة.
إلى ذلك كشف مصدران عاملان في الاستخبارات السورية، خلال حديث لـ”ألترا سوريا”، عن رفع الجاهزية والاستعداد الكامل لقوات الأمن والاستخبارات السورية لتحييد الخلايا الداعشية التي تتم مراقبة عدد كبير منها في مخطط لجمع أكبر قدر من المعلومات عن النشاط الجديد للتنظيم عقب سقوط النظام.
وأكد المصدران أن هناك مؤشرات على تصاعد النشاطات الإرهابية لداعش عقب انضمام سوريا للتحالف الدولي، الأمر الذي يفسر تكرار حوادث الاغتيال والتصفية بحق عناصر الجيش السوري، ولفتا إلى وجود عناصر داعشية قيد الاحتجاز حيث تتواصل عمليات التحقيق معها لمعرفة عناصر الخلايا الداعشية المتوارية في عدد من المناطق السورية مثل الجنوب وريف دمشق وبعض البلدات الأخرى.
وحول الاستراتيجية التي تتبعها الاستخبارات وأجهزة الأمن المعنية لتحييد المخاطر المحتملة من التنظيم، أكد المصدران أنها تعتمد على استخدام كافة التقنيات من أجهزة تنصت وكاميرات مراقبة وطائرات مسيرة بهدف مراقبة أي نشاط مشبوه، مع تجميع بنك أهداف حول أماكن متوقعة لتمركز الخلايا التي تنتهج حاليًا أسلوب العمل السري والذئاب المنفردة.
وفيما ألمح المصدران إلى أن جهاز الاستخبارات السورية توقع إقدام ما تبقى من الخلايا الداعشية التي تعمل في الخفاء على التصعيد وممارسة عمليات الإرهاب بحق السوريين، أكدا أن الأجهزة المعنية تعمل على مكافحة أي نشاط سري ومعلن للتنظيم، سواء عبر استباق وإفشال العمليات الإرهابية قبيل وقوعها أو ملاحقة المجرمين المتورطين.
في نفس السياق، يمكن لآخر الأعداد الصادرة من مجلة النبأ الداعشية أن تخبر الكثير عن نية التنظيم وردود افعاله بعد انضمام سوريا للتحالف، حيث شنت المجلة في عدد الـ 521 هجومًا عنيفًا ضد الحكومة السورية تعليقًا على زيارة الرئيس الشرع لواشنطن وإعلان انضمام دمشق للتحالف.
خاطبت المجلة في افتتاحيتها المعنونة بـ”أتاتورك في واشنطن” “المقاتلين في الشام الذين زعمت أنهم فارقوا الجماعة وناهضوا مشروع الدولة الإسلامية، معتبرة أن الإعلان الخجول عن انضمام سوريا إلى التحالف لتصبح الشريك رقم ٩٠ هو مجرد ترسيم علني لخطوة كانت سرية، بينما تمثل التطور الأخطر في الخطاب الداعشي بنعت قوات الجيش السوري بـ”القوات المرتدة”.
وبدءًا من هذا العدد، تزدحم صفحات المجلة بأخبار التصفيات والعمليات التي نفذتها الخلايا الداعشية بحق الجيش السوري، الذي تكفره وتستحل دماء منتسبيه، مثل اغتيال عنصر من الجيش بهجوم مسلح في حماة، ووضع عبوة لاصقة على آلية لـ”الأمن الداخلي” ببلدة معربا ما أدى لتفجيرها، ومقتل عنصر للجيش السوري وإصابة عنصر آخر جراء استهدافهما بالرشاشات على جسر مدينة سراقب شرقي إدلب.
وفي الأثناء، تبنى التنظيم اغتيال المسؤول في دائرة القضاء والمحاكم، محمد جابر بكرو، عبر زرع وتفجير عبوة لاصقة أسفل مقعد سيارته ببلدة دير حسان شمالي إدلب.
وفي آخر الاستهدافات التي حملت بصمة داعش، اغتال مجهولون دورية أمن طرق تابعة لقوات الأمن الداخلي في منطقة معرة النعمان ما أدى إلى مقتل 4 عناصر. وقبل أسبوع وقع حادث مماثل في منطقة الزربة بريف حلب قتل من خلاله عنصران من الضابطة الجمركية السورية.
وأعلنت وكالة “سانا” اليوم الإثنين استهداف عنصرين من وزارة الدفاع قرب بلدة الغزاوية غرب حلب، ما أسفر عن إصابة أحدهما، وذلك من قبل مسلحين مجهولين على دراجة نارية.
———————
وبدأت حرب تنظيم “داعش” على النظام السوري الجديد/ حسام جزماتي
2025.12.15
في العدد الأخير من صحيفته الرسمية صعّد تنظيم الدولة (داعش) خطابه ضد الحكم السوري الحالي في افتتاحية حملت عنواناً ساخراً هو: “ثورة حتى القصر”.
وفيها أكدت “النبأ” على ما سبق أن كررتْه من أن هذه الحكومة مرتدّة، لا تختلف عن نظام الأسد إن لم تكن “أكثر نفعاً وخدمة ورضوخاً لأميركا” منه، فقد تبيّن أن هدفها هو خلافته في الحكم لا إقامة “خلافة على منهاج النبوة”.
وأنها حرّرت سوريا ولكن من “حكم الإسلام”، الذي حاربه الجولاني مستعيناً بـ”شياطين الإنس والجن على هدم صرحه”، الذي كان يتمثل في دولة الخلافة الداعشية عند الصحيفة طبعاً، وصولاً إلى الانضمام للتحالف الدولي الذي يهدف إلى محاربتها، في حين يعِد “مجاهدون” من أبنائها، أهالي سوريا بـ”إعادتها إلى حضن الإسلام، وإلزامها عتبة العبودية لله”.
كان يمكن لهذه الافتتاحية أن تمرّ مرور الخطب، كسابقاتٍ لها لم تقترن لغتهن الغاضبة بعمل ضد الحكومة؛ لكن ما حدث، هذه المرّة، أنها ترافقت مع ما يبدو أنه إطلاق التنظيم عملياته في مناطق سيطرة الحكم، مستهدفاً عناصره من وزارتي الدفاع والداخلية أساساً، بعد أن اقتصر عمله داخل سوريا، خلال سنة ماضية كاملة تقريباً، على استهداف المنتسبين لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والمتعاونين معها، في شمال البلاد وشرقها.
ووفق وكالة “أعماق” الرسمية، يبدو أن العمليات بدأت في حماة، عندما استهدف “جنود الخلافة”، في يوم الخميس 27 تشرين الثاني الفائت، “مرشحاً عن النظام المرتد السابق، رفقة عنصر من النظام المرتد الجديد”، في حي التتان بالمدينة، ما أدى إلى مقتل الأوّل وإصابة الثاني.
وفي اليوم التالي هاجم آخرون عنصرين من “الجيش السوري المرتد”، في بلدة سراقب بمحافظة إدلب، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل أحدهما وإصابة الآخر و”عاد المجاهدون إلى مواقعهم سالمين”.
وبعد عدة أيام استهدفوا “دورية للحكومة السورية المرتدة”، قرب بلدة الزربة في ريف حلب، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل عنصرين وإصابة اثنين آخرين، وفي يوم الأحد 7 كانون الأول فجّروا عبوة لاصقة بآلية “الأمن الداخلي المرتد”، في بلدة معربا بريف دمشق، ما أدى إلى تضررها.
كذلك، في اليوم التالي فجّروا أخرى بسيارة مسؤول في “القضاء الكفري التابع للحكومة السورية المرتدة”، في بلدة دير حسان بريف إدلب، ما أدى إلى مقتله واحتراق سيارته.
ويشرح العدد الأخير من “النبأ”، أنّ المستهدف كان يشغل منصباً إدارياً في “القصر العدلي” التابع لوزارة العدل في مدينة حلب، مذكّراً بأنّ “هيئة الجولاني” تسلّمت الحكم قبل عام في غضون أيام، بـ”موجب اتفاق دولي إقليمي”، يقوم على رعاية “المصالح الأميركية واليهودية”، وفي مقدمتها محاربة “الإرهاب”.
ربما توحي العبارة الأخيرة أنّ “داعش” ترى نفسها، في المعركة الحالية، في موقع دفاعي، فعلى الرغم من أنّ العدوانية لا تنقص التنظيم بحال من الأحوال، إلا أنه يبدو أن وضعيته السورية الآن فرضت عليه تجنب خوض حرب مع قوات الحكومة السورية الجديدة، في ظل ضعف كبير يعانيه في مناطقها، مع استمرار قدراته على تنفيذ عمليات، بوتيرة ثابتة، ضد “قسد” في دير الزور والرقة والحسكة.
فمن المعروف أن بقايا “داعش” في سوريا مشت في شعبين، بحكم ظروف العمليات العسكرية الخارجة عن إرادتها وتعدد السلطات المحلية؛ أحدهما، وهو الأضعف والأكثر تخفياً، في مناطق “قسد”، وثانيهما على امتداد البادية السورية المفتوحة على عدة محافظات كانت تحت سيطرة نظام الأسد حتى سقوطه.
وكان من المألوف أن ينظر الباحثون في شؤون “داعش”، إلى هذا القسم على أنّه الأقوى والأشد خبرة والأكثر تنظيماً، ورغم أن ذلك صحيح إلا أنه يبقى نسبياً بطبيعة الحال، فقد لا يتجاوز العدد المئات وفق تقديرات لا يمكن تأكيدها، ولا سيما مع قدرة “الدواعش” المفترضة على عبور الحدود السورية العراقية الطويلة بالاتجاهين.
لكن توقف عمليات “داعش” البادية ضد “هيئة تحرير الشام” وحلفائها، فور سيطرتهم على المنطقة، لا بد وأن يحيل إلى ضعف الإمكانات ما دام العداء العقائدي مستمراً بل مستفحلاً.
وبالنسبة إلى “داعش”، التي تُعَدّ حسابات توازن القوى أقصى ما يمكن أن تبلغه من عقل، لا يبدو أن هناك سبباً آخر منعها عن استهداف خصمها اللدود سوى تعاظم قوته العسكرية، والأمنية في “المحرّر القديم” (الشمال السوري)، حيث تقيم بعض العائلات باتفاق أمان مضمر، وذلك في انتظار من التنظيم، الذي أضحى مشتتاً في منابته، لأن يرتّب صفوفه ليكون جاهزاً لمعركة ثأر يتشوق لخوضها.
إذاً ما الذي دفعه إلى تجاوز ذلك وفتح الاستهداف الذي سردنا معالمه أعلاه؟ الأرجح أن السبب ليس تحصيله مزيداً من القوة بل إصابته بالمزيد من الضعف.
ففي الأشهر الأخيرة، ربما تمهيداً لدخول الحكومة السورية في “التحالف الدولي” وإثباتاً لكفاءتها، دهمت قواتها عدداً غير مسبوق من المقار التي يشتبه بأنها تحوي “دواعش”، فقتلت بعضهم واعتقلت آخرين ووضعت يدها على كميات من الأسلحة.
ويبدو أنّ هذه العمليات أصابت هدفها في عدد من الحالات فدفعت التنظيم إلى أن يتخذ قراره بساعة الصفر قبل نضوجها المنتظر، ما دامت إعداداته معرّضة للانكشاف وعناصره للقتل والسجن قبل أن يتحرّكوا، بفعل شبكات الرصّاد (المخبرين وفق التعبير الجديد).
فكيف عندما تضاف إلى ذلك نتائج التعاون الأمني، وهو أبرز عناوين انضمام حكومة دمشق إلى “التحالف”، فيُطبق الطرفان، كفكّي كماشة، على خلايا التنظيم، التي لم تجد نفسها، في مواجهة ذلك، أمام خيار أفضل من فتح المعركة حتى لو شابهت الانتحار.
تلفزيون سوريا
————————–
هجوم تدمر بلا توقيع: اختبار قاسٍ للأمن..ولشراكة مكافحة داعش/ مهيب الرفاعي
الثلاثاء 2025/12/16
يبرز الهجوم الذي استهدف دورية أميركية سورية مشتركة في مدينة تدمر في 13 كانون الأول 2025، في سياق عملياتي وسياسي معقّد، عدم اكتمال المرحلة الانتقالية الأمنية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لا سيما في ظل انخراط سوريا في تحالف دولي ضد تنظيم “داعش”، وهو التنظيم الأشرس في البادية السورية الممتدة.
وبحسب المعلومات المتوفرة، كانت الدورية تُنفذ مهمة لمكافحة الإرهاب في وسط سوريا عندما تعرضت لإطلاق نار كثيف داخل فرع البادية (221) ، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني أميركي، وعنصرين من الأمن العام السوري، بالإضافة إلى عدد من الجرحى. وتمكنت قوات الأمن السوري من الاشتباك مع المهاجم وتحييده في الموقع، وقد نسب مسؤولون أميركيون الهجوم مبدئياً إلى مسلح منفرد مرتبط بتنظيم “داعش”، إلا أن التحقيقات لا تزال جارية ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم.
عنف إنتهازي
لا تقل طبيعة الهجوم أهمية عن نتائجه؛ فهو يحمل سمات عملية محدودة النطاق ومنخفضة التأثير، مصمّمة لاستغلال الثغرات الأمنية بدلاً من الإعلان عن عودة استراتيجية؛ في ظل غياب أي ادعاء رسمي، والاعتماد على فرد أو جهة فاعلة ذات شبكة محدودة، واختيار دورية مشتركة كهدف، إذ كلها تشير إلى تحول أوسع في تكتيكات داعش من عمليات مركزية مدفوعة إعلامياً إلى عنف انتهازي متأصل في بيئات متساهلة كالبادية السورية. ويكتسب هذا الحادث أهمية خاصة لأنه يمثل أول هجوم مُميت ضد القوات الأميركية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، مما يدحض الافتراضات القائلة بأن مرحلة ما بعد النظام قد انعكست على بيئة تهديد أقل حدة؛ بل يكشف هذا الحادث عن واقع أمني قائم على التعاون ضد داعش، ولكنه لا يزال عرضة للاضطرابات غير المتكافئة، والسيطرة غير الكاملة على الأراضي، واستمرار وجود أنظمة متطرفة قادرة على العمل دون وجود تنظيم رسمي. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى هجوم تدمر ليس كخرق معزول، بل كمؤشر على مدى هشاشة ساحة المعركة ضد داعش في سوريا، ومدى تنافسها وقدرتها على التكيف.
قراءة في المشهد
تنفي المعطيات الحالية ما جرى تداوله عن استخدام حزام ناسف أو تنفيذ تفجير انتحاري، مؤكدة أن العملية نُفّذت عبر إطلاق نار مباشر من مصدر مجهول داخل الفرع نفسه، ما يرفع مستوى الخطورة في تقييم البيئة الأمنية ويطرح تساؤلات جدية حول آليات الحماية والفرز الأمني داخل المقرات الحساسة في مناطق العمليات المشتركة؛ لا سميا وأن أفراد داعش يجيدون الاشتباكات المنفردة من مسافة صفر.
عقب الهجوم، غادر الرتل والقوة المشتركة مدينة تدمر باتجاه قاعدة التنف، بمرافقة جوية من طيران التحالف الدولي، في خطوة تعكس مستوى القلق الأمني العالي، وتندرج ضمن إجراءات احترازية تهدف إلى منع تكرار الاستهداف أو تطوره إلى مواجهة أوسع.
وفي قراءة أعمق لأسباب الاختراق، يبرز عامل لا يقل أهمية، يتمثل في التغييب شبه الكامل لأبناء مدينة تدمر المعروفين بانخراطهم المبكر في الثورة السورية وعدائهم الصريح لتنظيم داعش، والذين يمتلكون معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية والشبكات المحلية المتعاونة مع التنظيم. إن إقصاء هؤلاء عن المعادلة الأمنية قد يكون ساهم في خلق فراغ معرفي وميداني، أتاح تسلل التهديد من داخل البيئة نفسها بدل أن يأتي من أطرافها.
على الرغم من أن هجوم تدمر لا يُمثل مواجهة بين دولتين، إلا أن تداعياته تتجاوز بكثير النطاق التكتيكي المباشر؛ ففي منطقة تتسم أصلاً بتداخل الوجود العسكري ( بقايا القاعدة الروسية في تدمر، بقايا خلايا إيران والحشد الشعبي، خلايا داعش، القوات الأميركية) وتفتت السيادة، وعدم استقرار مراحل ما بعد النزاع، حتى عمل عنف محدود قد يُؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
وأي رد فعل أميركي، لا سيما إذا اتخذ شكل ضربات مُستهدفة، أو مداهمات موسعة، أو تكثيف للمراقبة، يُنذر بخطر إشعال سلسلة من ردود الفعل بين الجهات المسلحة المحلية التي تعمل على مقربة جغرافية وسياسية. وقد تُفسر الميليشيات والتشكيلات القبَلية ووحدات الأمن شبه المُدمجة (من الفصائل المحلية التي تدير مدينة تدمر) الرد ليس كإجراء لمكافحة الإرهاب، بل كإعادة ضبط لموازين القوى في وسط سوريا، مما يدفعها إلى اتخاذ مواقع استباقية، ورفع مستويات التأهب، أو اللجوء إلى العنف الانتهازي تحت غطاء انعدام الأمن المُعمم.
تحديات أمنية
يُفاقم الهجوم التحديات الهيكلية التي تواجه البنية الأمنية السورية في مرحلة ما بعد الأسد، كون سوريا انضمت برقم 90 ضمن التحالف ضد داعش. فقد سعت الإدارة الجديدة إلى توحيد المشهد الأمني الذي تشكّل بفعل سنوات من الانهيار المؤسسي، وسلاسل القيادة المتوازية، والترتيبات الأمنية المحلية التي نشأت في غياب دولة فاعلة. كانت قد فعّلت الإدارة الجديدة دوريات ضد تنظيم داعش، لا سيما في الجنوب السوري ( ريف دمشق و درعا و القنيطرة) وفي حمص القريبة من تدمر و صادرت أسلحة و ذخائر و اعتقلت أفراداً متطرفين، ولم تكن الدوريات المشتركة مجرد أدوات عملياتية، بل كانت بمثابة تمارين رمزية تهدف إلى إظهار التماسك والشراكة، وإعادة تأكيد السلطة المركزية تدريجياً.
يُزعزع الهجوم على إحدى هذه الدوريات هذا المسار، ويكشف هشاشة آليات القيادة والسيطرة، لا سيما في المناطق البعيدة عن المركز، حيث لا يزال الولاء وتدفق المعلومات الاستخباراتية والانضباط العملياتي غير متكافئ.
والأخطر من ذلك، أنه يُهدد بتقويض الثقة بين القوات السورية وشركائها الغربيين، حيث يُعيد كل طرف تقييم موثوقية معلومات الطرف الآخر، واستعداده، وعمليات التدقيق الداخلي. بمرور الوقت، قد يترجم انعدام الثقة هذا إلى أطر تنسيق أكثر جموداً، وتقليص تبادل المعلومات، واللجوء إلى العمل الأحادي؛ وهي نتائج تُبطئ جهود تحقيق الاستقرار، وتُبقي المناطق الهشة أصلاً، مثل ريف حمص والصحراء المحيطة بها، في حالة انعدام أمن مُطوّلة.
وبعيداً عن سوريا نفسها، من المرجح أن يتردد صدى هذا الحادث في أطر مكافحة التطرف القائمة على المستوى الإقليمي؛ إذ أن غياب جهة معلِنة واضحة والاعتماد على أعمال عنف محدودة النطاق وقابلة للإنكار، يشكّل تحدياً لنماذج مكافحة الإرهاب التقليدية التي تعتمد على منظمات محددة، وهياكل قيادية، ونوايا صريحة في هذا المسار.
ونتيجة لذلك، قد يشعر الشركاء الدوليون بضرورة إعادة تقييم قواعد الاشتباك في سوريا، ومنهجيات الاستخبارات، وتتغير مفاهيم الدوريات. من المتوقع التحول نحو تدابير حماية القوات بشكل أكبر، وزيادة الاعتماد على المراقبة الجوية والقدرات عن بُعد، وتشديد القيود العملياتية على المهام المشتركة؛ وفي حين أن هذه التعديلات قد تقلل من المخاطر المباشرة على الأفراد، إلا أنها تنطوي على تكاليف طويلة الأجل منها انخفاض في الدوريات المشتركة، وتراجع في الاحتكاك المباشر ، وتزايد المسافة المادية والنفسية بين قوات الأمن الأميركية والمجتمعات التي تعمل فيها. ومن المفارقات، أن هذه التدابير قد تخلق الفراغات التي تزدهر فيها الأنظمة المتطرفة، مما يعزز حلقة انعدام الأمن التي يُفترض أن يتجاوزها التحول.
الانضمام إلى التحالف الدولي
تطور التعاون بين الولايات المتحدة والسلطات السورية في الحرب ضد داعش، إلى ترتيب عملي ذي دوافع أمنية، لا يتأثر بالتحالفات السياسية بقدر ما يتأثر بتقارب تصورات التهديد. ففي سياق ما بعد الأسد، ينظر كلا الجانبين إلى داعش لا كإزعاج متبقٍ، بل كخطر بنيوي مستمر متجذر في البادية السورية ومناطقها الحدودية وثغراتها المؤسسية لا سيما في ظل عدم وجود تدريب عسكري كافٍ ضمن بيئة عسكرية مؤسسية واضحة، وفق توجيه سياسي وأمني واضح؛ وفي ظل إبقاء بعض العناصر على عقلية الفصائل دون عقلية الدولة، مع وجود بعض العناصر المتطرفة التي لا يمكن التنبؤ بنواياها، الامر الذي يشكل تحدياً لواقع الدمج الأمني الذي حصل بعد يناير 2025.
بالنسبة لواشنطن، يُؤطر استمرار المشاركة ضمن تفويض مكافحة الإرهاب الذي يهدف إلى منع داعش من إعادة بناء قدراتها العملياتية، أو تهديد القوات الأميركية، أو استخدام الأراضي السورية كمنصة لشن هجمات إقليمية ودولية.
أما بالنسبة لدمشق، فيخدم التعاون غرضين هما التعويض عن محدودية قدرات الدولة الانتقالية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والطيران، والحفاظ على الشرعية والمسؤولية الدوليتين في معالجة المخاوف الأمنية العالمية. وقد اتخذ هذا التعاون شكل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وآليات تجنب الاشتباك، وفي حالات مختارة، عمليات ميدانية منسقة أو متوازية مثل الدوريات المشتركة، لا سيما في وسط سوريا والبادية.
ومع ذلك، تبقى العلاقة هشة وذات طابع تبادلي. يُقيّد هذا التعاون انعدام ثقة متبادل عميق، واختلالات في موازين القوى والمعلومات بين سوريا وأمريكا، وخلافات سياسية عالقة حول السيادة والوجود الأميركي طويل الأمد ضمن تفاهمات دولية ( الوجود الروسي والتركي والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة). ونتيجةً لذلك، يعمل التعاون الأميركي السوري ضد داعش ضمن نطاق ضيق؛ فهو فعال بما يكفي لتفكيك الخلايا والحد من عودة التنظيم إلى مناطق معينة، ولكنه غير مؤسسي بما يكفي لضمان استدامته أو حمايته من الصدمات – كالهجمات التي لا تتبنى مسؤوليتها – والتي تكشف عن قصور التنسيق وعدم اكتمال النظام الأمني السوري في مرحلة ما بعد الحرب.
توقيت حسّاس
من منظور استراتيجي، لا تكمن أهمية هجوم تدمر في أثره العسكري المباشر بقدر ما تكمن في دلالاته الرمزية التي يُثيرها في سوريا والمنطقة بأسرها؛ فتدْمر ليست مجرد موقع جغرافي على الخريطة، بل تحتل مكانة فريدة في الذاكرة الجماعية السورية والوعي الدولي، كموقع مُدرج على قائمة “اليونسكو” للتراث العالمي، ومسرح سابق لمحاولة تنظيم “داعش” تسخير الدمار الثقافي لأغراض أيديولوجية ونفسية، ومسرح سابق للقوات الروسية التي أعلنت النصر عام 2016 على تنظيم داعش في المدينة بالتنسيق مع نظام الاسد.
كان هدف داعش من الاستيلاء على تدمر وتدميرها في السابق هو إظهار قدرته على طمس التاريخ، وتحدي الأعراف العالمية، وفرض روايته الجهادية الخاصة؛ وبالتالي فإن أي هجوم في هذا المكان نفسه اليوم، حتى لو كان محدوداً، يُعيد فتح هذا الجرح الرمزي، وينقل رسالة قوية مفادها أن العنف المتطرف لا يزال قادراً على اختراق المواقع التي يُفترض أن تُجسّد التعافي والسيادة والحماية الدولية. عندما يقع هجوم كهذا خلال عملية أميركية سورية مشتركة، يتعمق البعد الرمزي أكثر، محولاً تدمر إلى ساحة تُختبر فيها ضمنياً مصداقية الترتيبات الأمنية لما بعد الأسد.
يحمل هذا الهجوم تبعات سياسية ملموسة. فهو يُشكك في افتراض أن المناطق المستعادة من داعش قد تحولت من مناطق متنازع عليها إلى مناطق آمنة تماماً، ويقوض روايات التقدم الحتمي في تحقيق الاستقرار. بالنسبة للسكان المحليين، يُعزز هذا الهجوم الشعور بالخطر المستمر وهشاشة سلطة الدولة ويعرضهم لخطر الانتقام من أطراف متباينة؛ أما بالنسبة للشركاء الدوليين، فيثير تساؤلات حول ما إذا كانت الانتصارات الرمزية على داعش قد اقترنت بسيطرة أمنية مستدامة. وبهذا المعنى، لا تُعد تدمر مجرد معلم ثقافي، بل مؤشراً على بيئة مكافحة الإرهاب الأوسع في المناطق الداخلية السورية.
تعقيدات دولية
وبعيداً عن الرمزية، يرسل الهجوم إشارات جيوسياسية تتجاوز حدود سوريا؛ لا سيما بعد يومين من رفع العقوبات عن البلاد، إذ سيخضع رد الولايات المتحدة، سواء كان متحفظاً أم حازماً، لتدقيق دقيق من قبل جهات إقليمية ودولية ذات مصالح متضاربة في سوريا ما بعد الأسد. وستقيّم روسيا ما إذا كانت واشنطن تعتزم تحويل التعاون في مكافحة داعش إلى دور أكثر حزماً قد يحد من نفوذ موسكو أو يعيد تشكيل الترتيبات الأمنية في وسط سوريا. وستقيّم إيران وبقايا ميليشياتها المتحالفة معها ما إذا كان تصاعد النشاط الأميركي يهدد حرية تنقلها السري ، أو ممراتها اللوجستية الخفية، أو نفوذها المحلي، مما قد يدفعها إلى اتخاذ أشكال غير مباشرة أو يمكن إنكارها من ردود الفعل. في غضون ذلك، ستنظر تركيا إلى الحادث من منظور أولوياتها في مكافحة الإرهاب ومخاوفها بشأن التواجد العسكري الأميركي طويل الأمد، بينما ستدرس دول الخليج تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي، وآفاق الاستثمار، وجدوى إعادة دمج سوريا التدريجي في النظام العربي.
قد يؤدي اتخاذ الولايات المتحدة موقفاً عسكرياً أكثر حزماً رداً على هجوم تدمر إلى إعادة تنظيم دقيقة، ولكنها ذات عواقب وخيمة على أرض الواقع؛ فقد تعيد الجماعات المسلحة المحلية ضبط سلوكها لتجنب المواجهة، أو طلب الحماية، أو استغلال التوترات الناشئة بين القوى الكبرى. في المقابل، قد تختبر القوات الوكيلة المتحالفة مع إيران أو غيرها من القوى الإقليمية الحدود من خلال عمليات مضايقة أو إشارات منخفضة الحدة، بهدف رفع تكلفة التدخل الأميركي دون تجاوز عتبات تستدعي رداً مباشراً. وبهذه الطريقة، يُهدد هجوم واحد محدود بتغذية منظومة أوسع من الإشارات التنافسية، حيث لا يُستخدم العنف كوسيلة للسيطرة على الأراضي بقدر ما يُستخدم كأداة لتشكيل التصورات والردع والتأثير.
الإسناد والغموض والمخاطر المحتملة
إن أحد أهم جوانب هجوم تدمر ليس ما هو معروف، بل ما هو غائب بشكل لافت؛ إذ حتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي من تنظيم داعش أو أي تنظيم مسلح آخر يُعلن مسؤوليته عن العملية. إلا أن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أعلن أن منفذ الهجوم الذي استهدف دورية أمنية سورية-أميركية قرب تدمر لا يشغل أي موقع قيادي في الأمن الداخلي ولا يُعد مرافقاً للقيادة، مؤكّداً أن التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان مرتبطاً بتنظيم داعش أو متأثراً بفكره. وأوضح أن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجّهت تحذيرات مسبقة لقوات التحالف حول احتمال وقوع هجوم، إلا أنها لم تُؤخذ بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن الهجوم وقع عند مدخل مقر محصّن بعد انتهاء الجولة المشتركة؛ مع التأكيد على ان التحقيق يشمل فحص بياناته الرقمية وشبكة علاقاته، معلناً عن إجراءات بروتوكولية جديدة لتعزيز الأمن والتنسيق مع التحالف الدولي في البادية.
لم يصدر أي اعتراف عبر أي وكالة أو حساب مرتبط عادةً بوسائل الإعلام الجهادية، ولا أي رسائل شبه رسمية تُحاول تأطير الحادث ضمن سردية أيديولوجية أو استراتيجية أوسع. بدلاً من ذلك، جاءت جميع الأوصاف العلنية للهجوم حصراً من مصادر أمنية أميركية وسورية، والتي وصفت منفذ الهجوم بأنه مرتبط بتنظيم داعش أو مستوحى منه، بدلاً من وصفه بأنه عنصر يعمل لصالح تنظيم تبنى الهجوم علناً. هذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات. في بيئات مكافحة الإرهاب المعاصرة، يشكل الفرق بين عملية معلنة وعملية غير معلنة كيفية تفسير التهديدات وتحديد أولوياتها ومعالجتها.
عناصر منفردة
يمكن تفسير غياب إعلان المسؤولية جزئياً بالوضع الراهن لتنظيم داعش في وسط سوريا؛ فقد أدت سنوات من الضغط المتواصل إلى إضعاف قدرة التنظيم على القيادة والسيطرة بشكل كبير، تاركةً وراءها مشهداً مجزأً من خلايا صغيرة وشبكات مترابطة بشكل ضعيف، وعناصر منفردة أو شبه منفردة تعمل بدافع الانتماء الأيديولوجي بدلاً من التوجيه العملياتي المباشر. في مثل هذا السياق، غالباً ما تُنفذ الهجمات من قبل أفراد أو خلايا صغيرة تفتقر إلى الوسائل اللوجستية أو التواصلية أو التنظيمية اللازمة لإعلان المسؤولية، لا سيما عند مقتل المهاجم في موقع الهجوم. إن ضعف هياكل القيادة أو تشتتها، إلى جانب فقدان قنوات الإعلام الآمنة، يعني أن بعض العمليات تختفي ببساطة وسط ضجيج الأمن دون أن تُعتمد رسمياً، حتى لو كانت مستوحاة من عقيدة داعش أو رواياته.
وإلى جانب هذا التدهور، قد يعكس غياب إعلان المسؤولية أيضاً حسابات استراتيجية مدروسة. فبالنسبة لداعش أو أي فصيل او ميليشيا أخرى تحمل فكراً تكفيرياً او جهادياً، في مرحلته الحالية، يمكن أن يخدم عدم إعلان المسؤولية عن الهجوم أغراضاً متعددة. يقلل هذا من احتمالية شنّ هجمات انتقامية فورية ضد شبكات محددة، ويحافظ على قدر من الإنكار، ويتيح للجماعة مراقبة وتقييم الاستجابات الأمنية دون كشف البنية التحتية المتبقية. منذ عام 2022 على الأقل، اعتمد تنظيم داعش في البادية السورية بشكل متزايد على ما يمكن وصفه بـ “العمليات الصامتة” Lone Wolf، فيها أعمال عنف فردية تهدف إلى زعزعة استقرار قوات الأمن، واستكشافها، واستنزافها، بدلاً من إثارة ضجة دعائية. في هذا النموذج، يصبح الأثر النفسي والعملياتي للغموض لا يقل أهمية عن الهجوم نفسه.
والأهم من ذلك، أن حادثة تدمر تختلف أيضاً عن النمط العملياتي الكلاسيكي المرتبط تاريخياً بتنظيم داعش. فلم يكن هناك استخدام عبوة ناسفة مرتجلة محمولة على مركبة، ولا هجوم منسق متعدد الخلايا، ولا نشر دعائي فوري، ولا محاولة – على الأقل حتى الآن – لتصوير العملية كجزء من حملة أوسع. بدلاً من ذلك، يبدو الهجوم أقرب إلى كمين مُستهدف أو اشتباك داخلي، يستغل القرب ونقاط الضعف المؤقتة بدلاً من استخدام القوة الغاشمة. يثير هذا احتمال أن يكون منفذ الهجوم فرداً متأثراً بتنظيم داعش يعمل بشكل مستقل، أو مسلحاً محلياً مندمجاً ضمن منظومة قريبة من داعش دون توجيه مباشر من قيادة مركزية. في كلتا الحالتين، يُعقّد هذا الغموض العملياتي تصنيف التهديدات التقليدية.
ومن المفارقات أن غياب تبنّي الهجوم يجعل أثره أكثر زعزعة للاستقرار، إذ يبدّد وضوح المسؤولية ويُربك التقييمات الاستخباراتية، ويدفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع دائرة الشك بدل توجيهها نحو خصم محدد.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الأسئلة على هوية المنفّذ، بل تمتد إلى احتمال وجود ثغرات في التدقيق الأمني أو الاستخبارات أو حتى اختراق داخلي، وهو ما يضعف الثقة بين الشركاء ويعطّل آليات التنسيق في العمليات المشتركة. فعلياً في نمط العمليات المشتركة، يؤدي تآكل الثقة إلى إضعاف التنسيق بين الشركاء، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على الجهاز الأمني الانتقالي في سوريا. فهجوم غير مُعلَن في قلب البادية يكشف استمرار قابلية الاختراق وحدود السيطرة في المناطق الهشة، ويغذّي انعدام الثقة والتشرذم المؤسسي في مرحلة تتطلب أعلى درجات التكامل.
في نهاية المطاف، يُحوّل غياب إعلان المسؤولية عن هجوم تدمر من حادث أمني منفصل إلى إنذار استراتيجي. فهو يُشير إلى مرحلة من الصراع لم يعد فيها العنف يُعلن عن نفسه، ويتم فيها التعتيم على تحديد المسؤول عنه عمداً، ويصبح الخط الفاصل بين الإرهاب المنظم والتطرف المنتشر أكثر ضبابية. في مثل هذه البيئة، لا يكمن الخطر الأكبر في حجم الهجمات الفردية، بل في قدرتها التراكمية على تقويض الثقة والتعاون والبنية الهشة للأمن في سوريا ما بعد الحرب.
المدن
———————————-
هجوم تدمر إذ يشكل درع حماية لقسد..ويفرضها شريكة بمواجهة داعش
الثلاثاء 2025/12/16
بعيد سقوط النظام الأسدي لم تشهد سوريا مرحلة الاستقرار الحقيقي. ما زالت الكثير من المناطق خارج سيطرة الدولة، وسط هشاشة أمنية في المناطق التي تحت سيطرة الحكومة.
الهجوم الأخير في تدمر لم يكُن مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر سياسي واقتصادي على الهشاشة الأمنية لمؤسسات الدولة السورية، واستمرار الإرهاب كظاهرة كامنة في الفراغات الجغرافية والسياسية، كما أنه متجذر في أفكار المقاتلين الذين تنقلوا بين العديد من الفصائل خلال فترة الثورة. ما حدث يطرح أسئلة مركبة حول الدولة، التنظيمات المتطرفة، ودور الفاعلين المحليين والدوليين في إدارة الملف السوري.
البادية السورية: قلب الفراغ الأمني
البادية السورية تمثل منذ سنوات، الحلقة الأضعف في بنية السيطرة السورية. شاسعة المساحة، قليلة السكان، ومتداخلة النفوذ، مع غياب الإدارة المدنية الفاعلة. في هذا الفضاء، لا تحتاج التنظيمات المتطرفة إلى حاضنات اجتماعية تقليدية، فهي تستثمر في ضعف الدولة، وتفكك السلطة، وتضارب المرجعيات الأمنية.
الإرهاب هنا لا يعمل كجيش منظّم، بل كشبكة ظلّية مرنة، قادرة على التخفي، والضرب، ثم الاختفاء، مستفيدة من اقتصاد التهريب، وضعف المحاسبة، وتآكل الانضباط المؤسسي. هذا الواقع يعكس هشاشة البنية الأمنية، وغياب قدرة الدولة على فرض سيطرتها حتى على مناطق تعتبر “نقاط تماس استراتيجية”.
الاختراق من الداخل: مؤشرات أزمة الثقة
الأخطر في تدمر ليس الهجوم ذاته، بل طبيعة الاختراق الأمني الذي تكشفه المعطيات. عندما يصبح الزي الرسمي أحياناً غطاءً للعنف، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع صامت. هذا النوع من الاختراق لا يمكن عزله كخلل فردي، بل هو انعكاس لأزمة ثقة عميقة داخل المؤسسات، وفشل في منظومات الفرز والرقابة والعقيدة الأمنية.
في هذه اللحظة، يتبدّل السؤال من “كيف تسلل المهاجمون؟” إلى كيف تآكلت الحدود بين الحامي والتهديد؟ فغياب الانضباط المؤسسي يجعل الدولة عرضة للزحف التدريجي للتنظيمات المتطرفة، ويؤكد أن الهجوم لم يكن حدثاً معزولاً بل نتيجة طبيعية لبيئة هشّة ومفتوحة.
الوجود الأميركي تحت الضغط
استهداف دورية مشتركة قرب تدمر حمل رسالة مباشرة إلى واشنطن: الوجود العسكري المحدود لا يضمن الحماية ولا الكلفة المحدودة. الشراكات المحلية، التي تعد حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية بسوريا، تبدو عرضة للاختراق، ما يضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة: تشديد الانخراط الأمني، تقليص الحضور، أو الاكتفاء بردود فعل انتقائية لا تعالج جذور المشكلة.
في كل الحالات، يزداد عبء البقاء دون أفق سياسي واضح، خصوصاً في ظل هشاشة المؤسسات وغياب سلطة مركزية قادرة على إدارة الأزمة بفعالية.
تدمر: المدينة كرمز للخطر المتجدد
ليست تدمر مجرد موقع جغرافي؛ هي مدينة محمّلة بالرمزية التاريخية والسياسية، وشاهد حي على صعود تنظيم “داعش” وانكساره سابقاَ. عودة العنف إلى محيطها، ولو بشكل محدود، يحمل دلالة واضحة: التنظيمات المتطرّفة لم تعد بحاجة إلى السيطرة العلنية، بل يكفيها تقويض سردية “الاستقرار”، وإبقاء البلاد في حالة توتر دائم.
إنها عودة بلا رايات، لكنها أكثر خطورة لأنها تعكس قدرة الإرهاب على التكيف مع الفراغات السياسية والأمنية، وتحويل ضعف الدولة إلى عامل استمراريته.
استراتيجيات الردع المشترك
في أعقاب الحادث، انضم نحو 200 عنصر من قوات “مكافحة الإرهاب”، التي جرى تدريبها في الأردن، إلى غرفة عمليات مشتركة مع التحالف الدولي. القوة تتشكل من عناصر تابعة للحكومة السورية وأخرى من “قسد”، ضمن تنسيق أمني–عسكري محدود، على أن يبدأ انتشارها على محور دير الزور–تدمر.
يشير هذا التشكيل إلى مستوى متقدم من التنسيق الأمني غير المعلن، خصوصاً في ملف مكافحة الإرهاب في البادية. اختيار هذا المحور يعكس إدراكاً مشتركاً لخطورة المنطقة، الأكثر نشاطاً للخلايا الإرهابية، ويشير إلى أهمية وجود أدوات محلية مشتركة قبل أي تدخل خارجي واسع.
قسد ومعادلة الاستفادة
أعادت حادثة تدمر تثبيت معادلة شبه محسومة لدى الفاعلين الدوليين: أي عمل عسكري ضد “قسد” سيخلق فراغاً أمنياً مباشراً، ما سيؤدي إلى إعادة نشاط خلايا داعش بقوة، خصوصاً في البادية وعلى خطوط التماس الحساسة. بهذا تصبح “قسد” طرفاً محمياً ضمن الحسابات الأمنية الدولية، بوصفها حاجزاً مؤقتاً أمام الفوضى، وليس حلاً دائماَ.
في الوقت نفسه، بات التحالف الدولي ينظر بريبة متزايدة إلى بعض العناصر التابعة للحكومة السورية الجديدة، خصوصاً في ظل مؤشرات الاختراق الأمني وضعف إعادة الهيكلة المؤسسية وتضارب الولاءات. هذه الريبة لا تصل إلى حد القطيعة، لكنها تكفي لإعادة ترتيب الثقة، وتفضيل نماذج الشراكة المختلطة مع “قسد”، بدل الاعتماد الحصري على مؤسسات لم تكتمل بعد عملية الإصلاح البنيوي.
القامشلي: تفاوض صامت
بالتوازي، وصل وفد حكومي سوري في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، إلى مدينة القامشلي عبر معبر سيمالكا، في زيارة سرية للغاية، بهدف استكمال مسار الاندماج بين الحكومة “قسد”، ومتابعة تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/مارس 2025.
اختيار مسار الدخول غير التقليدي يعكس حساسية المرحلة، والخشية من تدخلات خارجية أو ضغوط سياسية قد تعرقل المفاوضات. كما تشير السرية إلى أن النقاشات المحتملة تتناول نقاطاً جوهرية وخلافية في ملف الاندماج، وأن أي تسريب مبكر قد يؤثر سلباً على النتائج. هذه الخطوة توحي بأن المسار التفاوضي مستمر، رغم التعقيدات، لكنه مرهون بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
الإرهاب: عرض للأزمة وليس أصلها
حادثة تدمر تذكّر بأن الإرهاب في سوريا ليس أصل الأزمة، بل أحد أعراضها المستمرة. الدولة غير المتماسكة، المؤسسات المخترقة، الفراغات الجغرافية والسياسية، كلها عوامل تضمن استمرار العنف بأشكال جديدة، حتى مع تغيّر الأسماء والأساليب.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح المدن مثل تدمر عنواناً متجدّداً لهشاشة الدولة، وبيئة خصبة للإرهاب المستمر. ولا يمكن لأي استراتيجية أمنية أو عسكرية مؤقتة أن تحقق الاستقرار الدائم، ما لم تُعالج الجذور السياسية والمؤسساتية للأزمة.
الهجوم على تدمر ليس مجرد إنذار أمني، بل مؤشر سياسي على هشاشة الدولة السورية المستمرة بعد الحرب. الأحداث الأخيرة تؤكد أن الدولة غير المتماسكة، الفراغات الأمنية والمؤسسات المخترقة توفر بيئة مثالية لتكرار العنف، بينما تستفيد “قسد” من هذه المعادلة، ويعيد التحالف الدولي ترتيب حساباته الأمنية تجاه الحكومة الجديدة.
تدمر اليوم تمثل مرآة سوريا بعد الحرب: مكان رمزي، هش، معرض دائم للعنف، حيث لا يُقاس الاستقرار بعدد الجنود أو الدوريات، بل بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، واستعادة سيادة فعلية على كل شبر من الأرض.
المدن
————————–
هجوم “داعش” في تدمر… ما تداعياته على التعاون السوري – الأميركي؟/ صبحي فرنجية
يسلّط الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية
14 ديسمبر 2025
نفّذ تنظيم “داعش” هجوما من النقطة صفر على قوات مشتركة أميركية–سورية، السبت 13 ديسمبر/كانون الأول، عند “فرع البادية السورية 221” في تدمر. وأسفر الهجوم، بحسب بيان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، عن مقتل جنديين ومدني أميركي، وإصابة ثلاثة عسكريين.
وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إن عنصرين من قوات الأمن الداخلي أُصيبا جراء الهجوم. وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن المهاجم “يملك أفكارا تكفيرية أو متطرفة”، وأنه كان هناك قرار “سيصدر يوم الأحد”، أي بعد الهجوم بيوم، بحقه، لافتا إلى تحقيقات تجري للتأكد من علاقته بتنظيم “داعش”.
وتعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بردٍّ انتقامي شديد ضد “داعش”، لكنه في الوقت نفسه لم يحمّل الحكومة السورية مسؤولية ما حدث، واكتفى بالإشارة إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع “غاضب للغاية” بسبب هذا الهجوم.
يأتي هذا الهجوم في وقت حرج وحساس، إذ إن خطوات إلغاء “قانون قيصر” الأميركي في مراحلها الأخيرة، والحكومة السورية تبذل جهدا كبيرا لبناء جسور الثقة بينها وبين قوات التحالف الدولي، إضافة إلى أن دمشق تحاول إثبات قدرتها على أن تكون الشريك البديل لـ”قسد” في عمليات مكافحة “داعش” والإرهاب. ليأتي هذا الهجوم كضربة للجهود السورية الهادفة إلى برهنة قدرتها على بناء تحالفات عسكرية وأمنية متينة مع القوى الفاعلة في مكافحة الإرهاب في سوريا.
ماذا يعني هجوم “داعش” في تدمر؟
الهجوم الذي نفذه “داعش” عبر عنصر تسلّل إلى صفوف الحكومة الجديدة، سيلقي بظلاله على عدة جوانب، منها ما هو داخلي يتعلق بالحكومة السورية، ومنها ما هو خارجي على مستوى التنسيق مع التحالف وطبيعته، وكذلك على مستوى الصورة العامة التي تحاول الحكومة السورية تصديرها للعالم. كما يشير الهجوم إلى انتقال “داعش” إلى مرحلة المبادرة بدل بقائه في حالة الكمون التخطيطي.
على المستوى الداخلي، يسلّط الهجوم الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية، وهو ضعف ليس مفاجئا في ظل نقص الكوادر والإمكانات، ووجود حالة عدم استقرار جغرافي تواجهها الحكومة. إذ إن وصول قدرة التنظيم على الاختراق إلى حد وجود عناصر له ضمن القوى التي ترافق وفدا للتحالف الدولي يعدّ أمرا بالغ الخطورة، ويحتاج إلى مراجعة مكثفة لآليات قبول المنتسبين الجدد إلى صفوف وزارتي الداخلية والدفاع في سوريا، وإلى دراسة أعمق لملفات المنتسبين فعليا والمتقدمين للانضمام إلى الوزارتين.
وعلى الرغم من أن امتداد هذا الضعف إلى حقل التنسيق بين جهاز الاستخبارات– الذي لا يملك ذراعا تنفيذية– ووزارة الداخلية بجناحيها المتمثلين في الأمن الداخلي وقوات مكافحة الإرهاب لا يمكن الجزم به، فإن وجود مثل هذا الخلل قد يقوّض وتيرة التسارع الحاصلة في تقوية العلاقة بين التحالف الدولي والحكومة السورية، خصوصا أن الجانب الأميركي حصر العلاقة بينه وبين وزارة الداخلية دون وزارة الدفاع، نظرا لعدم اكتمال هيكلية الأخيرة، وما زالت قوات التحالف ترى فيها شريكا غير مقنع، وسط مخاوف من تسرّب المعلومات منها.
داخليا أيضا، ستستغل أطراف كثيرة هذا الهجوم لتعزيز أوراقها التفاوضية مع الحكومة السورية، ولا سيما في سياق المفاوضات المستمرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك بين الحكومة السورية وفصائل السويداء. ومن المرجح أن يُستخدم هذا الهجوم لمحاولة إقناع المجتمع الدولي بأن الحكومة السورية مخترقة وغير قادرة على أن تكون شريكا فعليا في ملفات كثيرة، أبرزها مكافحة الإرهاب.
على المستوى الخارجي، تحتاج الحكومة السورية إلى بذل جهد أكبر لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، بما لا يسبب لها إشكاليات في مساعي كسب الثقة وتعزيز جسور العمليات المشتركة مع التحالف الدولي. فحتى اللحظة، ما زالت هناك مخاوف لدى عدد من دول التحالف من عدم قدرة الحكومة السورية على التشاركية الفاعلة في العمليات العسكرية، وترى هذه الدول أن الحكومة تواجه تحديات عديدة تشتت انتباهها، وتعاني من هشاشة في البنية العسكرية والاستخباراتية تسمح لعناصر من “داعش” بالتسلل إلى منظومتي الدفاع والداخلية، ما قد يؤدي إلى تسرّب معلومات حول العمليات المجدولة أو المنسقة بين الطرفين.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في تصريح عقب الهجوم بساعات، إن عدد المنتسبين الجدد إلى صفوف الأمن الداخلي السوري في منطقة البادية تجاوز خمسة آلاف عنصر، وإن الوزارة تقوم بتقييم أسبوعي للأفراد. ويعكس هذا التصريح نوعا من الشفافية في التعاطي مع الحدث، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن الوزارة لا تزال في طور التقييم الداخلي وإعادة ترتيب الصفوف، وهو ما قد يعزز مخاوف الأطراف المتشككة من جاهزية الحكومة السورية للعمل الوثيق مع التحالف الدولي.
وفي الوقت نفسه، وبحسب معلومات “المجلة”، ترى واشنطن ودول أخرى فاعلة في التحالف الدولي أن مشاركة الدولة السورية مع التحالف مسألة جوهرية، وأن على دول التحالف بذل جهود لتمكين الحكومة السورية والأمن الداخلي بالإمكانات التدريبية والعسكرية والمعلوماتية اللازمة، لا سيما أن الحكومة السورية الجديدة حكومة ناشئة، وبنيتها العسكرية ومواردها البشرية تحتاج إلى دعم فاعل وحقيقي.
“داعش” يُظهر مرحلته الجديدة في سوريا
يشير الهجوم إلى أن “داعش” بدأ المرحلة الثانية من استراتيجيته في تقويض وزعزعة الثقة بالحكومة السورية الجديدة، وهي مرحلة الهجوم. فالتنظيم خلال الأشهر الماضية كان ينفذ عمليات فردية صغيرة، وتركّزت جهوده على شيطنة الحكومة، وتجنيد ومحاولة تجنيد عناصر جديدة، ونقل الخلايا ومخازن السلاح من مناطق تقليدية إلى أخرى جديدة. كما أن الخلية التي أُلقي القبض عليها من قبل الأمن الداخلي في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في اللاذقية تعد مؤشرا على أن “داعش” بات يتموضع في مناطق متوترة أصلا، ما يمنحه فرصة لزعزعة جهود الاستقرار. ويبدو أن التنظيم دخل مرحلة الهجوم نتيجة التسارع غير المتوقع في مسار التوافق بين الحكومة السورية والغرب، بما في ذلك التحالف الدولي، وهو تسارع يشكل تهديدا وجوديا للتنظيم.
لطالما شكّلت البادية السورية نقطة ارتكاز لتنظيم “داعش”، فهي منطقة وعرة يصعب تمشيطها عسكريا، ومفتوحة على معاقل التنظيم زمن قوته، مثل دير الزور والميادين والبوكمال والحدود السورية–العراقية ومنطقة الحماد وتدمر، وصولا إلى تلول الصفا المطلة على السويداء. ويدرك التحالف الدولي أن السيطرة الكاملة على هذه المنطقة ومنع نشاط التنظيم فيها خلال عام واحد ليس أمرا سهلا على الحكومة السورية، لذلك ليس مستبعدا أن تؤدي أي هجمات ينفذها التنظيم ضد قوات الأمن الداخلي أو دوريات التحالف إلى إشكاليات جوهرية في العلاقة بين الطرفين، لا سيما أن الحكومة السورية عززت وجودها العسكري في تلك المنطقة ونفذت عدة عمليات قرب تلول الصفا لمنع التنظيم من استغلال التوتر القائم في السويداء.
تدرك الحكومة السورية التهديد الحقيقي الذي يشكله التنظيم عليها لعدة أسباب، فـ”داعش” يرى في الحكومة عدوا تقليديا يفهم منطقه واستراتيجياته، كما أن الفجوة الأمنية ونقص الكوادر يمثلان عاملين يمكن للتنظيم استغلالهما للتسلل إلى صفوف الحكومة واختراقها. وبحسب معلومات “المجلة”، تضع الحكومة السورية التنظيم على رأس قائمة الأطراف المعادية، وقد خصصت موارد بشرية استخباراتية وأمنية كبيرة لملاحقة خلاياه، كما ترى في الانضمام إلى التحالف الدولي ومشاركته عامل قوة لتعزيز قدراتها في مواجهة التنظيم.
إن الهجوم الذي نفذه تنظيم “داعش” من النقطة صفر على اجتماع كان يناقش آليات التنسيق للقضاء عليه، يمثل مؤشرا واضحا على حجم الخطر الذي يشكله التنظيم على مستقبل سوريا، وعلى جهود الحكومة السورية والمجتمع الدولي لترسيخ الاستقرار فيها. كما يشير إلى حاجة دمشق لبذل جهود أكبر في مراجعة سريعة وحقيقية لملفات المنتسبين إلى وزارتي الدفاع والداخلية، ووضع استراتيجيات وآليات انتساب مدروسة وصارمة لمنع تسلل عناصر التنظيم، إلى جانب تكثيف برامج التدريب للكوادر البشرية بالتعاون مع الدول الحليفة والتحالف الدولي، والتركيز في المرحلة الحالية على العناصر الكفؤة والمؤكد ولاؤها في قوات مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية، دون إشراك عناصر جديدة إلى حين التحقق الكامل من خلفياتهم وعدم انتمائهم إلى التنظيم أو تعاطفهم معه.
المجلة
——————————–
هجوم تدمر: علاقة دمشق وواشنطن المُعقدة تحت اختبار جديد
الاثنين 2025/12/15
قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن هجوم تدمر على القوات الأميركية، يمثل اختباراً لصورة الرئيس السوري أحمد الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار، كما يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد.
هشاشة الوضع الأمني
وقالت الصحيفة الأميركية إن الهجوم الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بـ”داعش”، كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية، وذلك على الرغم من تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.
واعتبرت أن الهجوم الذي أودى بحياة 3 أميركيين في مدينة تدمر وسط سوريا، يشكل تحدياً أمنياً وسياسياً بالغ الخطورة للرئيس الشرع.
وأضافت أن الهجوم الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بتنظيم “داعش”، كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية رغم تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت مقتل اثنين من جنودها ومترجم أميركي وإصابة 3 عسكريين، في هجوم شنه مسلح وصفته بالمنفرد من “داعش”، السبت الماضي، أثناء لقاء عسكريين أميركيين مع قيادات أمنية محلية قرب تدمر وسط سوريا.
ووفق وزارة الداخلية السورية، فإن المنفذ هو عنصر منتسب إلى الأمن الداخلي فرع البادية، وكان قد صدر بحقه تقييماً بأنه يحمل أفكاراً “تكفيرية ومتطرفة”، مضيفةً أنها أرسلت تحذيرات إلى التحالف الدولي من هجوم محتمل من قبل التنظيم. وأكدت أن المسلح المنفرد التابع للتنظيم تسلل إلى اجتماع بين القوات السورية ووفد من التحالف الدولي لمناقشة جهود مكافحة التطرف.
وعلى الرغم من نفي المسؤولين الأميركيين تفاصيل الاجتماع، فإنهم لم ينكروا تحذير سوريا المسبق من هجمات محتملة للتنظيم على القوات الأميركية.
مهمة شاقة أمام الشرع
ورأت “نيويورك تايمز” أن الشرع ظل يواجه، منذ وصوله إلى السلطة قبل عام، مهمة شاقة تتمثل في توحيد بلد أنهكته عقود من الحكم الاستبدادي وحرب أهلية مدمرة.
وأكدت أن العنف الطائفي والصدامات المتكررة مع المليشيات الكردية في الشمال الشرقي، ما زالت تعرقل محاولات الشرع وحكومته لإعادة بناء جيش موحد وإطلاق مسار نحو مصالحة وطنية، مضيفةً أن هجوم تدمر يُظهر أن التحدي الأمني لا يزال أحد أخطر العوائق أمام ترسيخ الاستقرار.
وقالت إن الهجوم يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد، إذ أن الولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو ألف جندي في سوريا ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، تجد نفسها أمام ضغوط داخلية متزايدة لإعادة النظر في وجودها العسكري، خصوصاً في ظل دعوات محتملة لتسريع الانسحاب.
ونقلت الصحيفة عن كولين كلارك، محلل شؤون مكافحة الإرهاب في مجموعة صوفان، وهي شركة استشارية عالمية في مجال الاستخبارات والأمن مقرها نيويورك، قوله إن الهجوم قد يشكل دافعا للرئيس دونالد ترامب لتسريع سحب القوات الأميركية من سوريا.
كما حذر محللون من أن أي انسحاب أميركي متسرع قد يخدم مصالح تنظيم “داعش”، الذي يسعى إلى توسيع هامش حركته واستعادة بعض نفوذه.
الخلافات مع “قسد”
ووفق الصحيفة، فإن الهجوم يُعيد تسليط الضوء على الخلافات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الحليف الأساسي لواشنطن في محاربة “داعش”، إذ أنه رغم توقيع اتفاق مبدئي لدمج هذه القوات في مؤسسات الدولة الجديدة، لكن التنفيذ لا يزال متعثراً، وسط تبادل اتهامات حول النوايا الحقيقية لكل طرف.
وتتهم دمشق، “قسد” باستخدام ملف مكافحة الإرهاب لتكريس سيطرتها على مناطق إستراتيجية وموارد نفطية حيوية.
إضعاف مسار الشرع
وقالت “نيويورك تايمز” إن الحادث يمثل اختبارا لصورة الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار.
وأوضحت أن الشرع عمل منذ توليه الحكم على تحسين علاقاته الخارجية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة ودول عربية مجاورة، وانضم مؤخراً إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، لكن استمرار “الهجمات الإرهابية” يهدد بإضعاف هذا المسار، ويثير تساؤلات عن قدرة الحكومة الجديدة على فرض الأمن.
ويتعين على الرئيس السوري مواجهة كل هذه التحديات في الأيام المقبلة، في حين يتعامل مع مجموعة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية، كما سيحتاج أيضاً إلى إدارة أي تداعيات من الولايات المتحدة، حيث يحقق البنتاغون في إطلاق النار ويتعهد ترامب بالانتقام.
لكن مسؤولاً عسكرياً أميركياً، قلّل من احتمالات شن حملة قصف واسعة أو عمليات “كوماندوز” كبيرة ضد “داعش” في سوريا، مؤكداً الحاجة إلى اتباع نهج حذر لتجنب زعزعة الوضع السياسي الهش لحكومة الشرع.
المدن
————————–
“داعش” يتبنى هجوما أودى بـ4 عناصر أمن سوريين
“حملة أمنية” بالتعاون مع التحالف الدولي لملاحقة خلايا التنظيم الإرهابي
الاثنين 15 ديسمبر 2025
بعث الرئيس السوري أحمد الشرع أمس الأحد رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب، معرباً عن “تضامن الجمهورية العربية السورية مع عائلات الضحايا”.
تبنّى تنظيم “داعش” الإرهابي اليوم الإثنين الهجوم الذي أودى بأربعة عناصر أمن في شمال غربي سوريا، وفق ما أورد موقع سايت المتخصص في رصد أخبار الجماعات المتطرفة اليوم.
ونقل الموقع بياناً للتنظيم جاء فيه “هاجم جنود الخلافة دورية للحكومة السورية المرتدة على طريق معرة النعمان أمس (الأحد) بالأسلحة الرشاشة”، مضيفاً “عاد المجاهدون إلى مواقعهم سالمين”.
وكانت وزارة الداخلية السورية أفادت في بيان عن مقتل “أربعة من عناصر إدارة أمن الطرق في وزارة الداخلية” وإصابة عنصر خامس “إثر استهداف تعرضت له إحدى الدوريات أثناء تنفيذ مهامها”، من دون أن تحدد هوية المهاجمين.
وأطلقت قوى الأمن السورية بالتعاون مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن حملة أمنية ضد خلايا تنظيم “داعش” النائمة أمس الأحد، بحسب ما أفاد مسؤول في وزارة الداخلية وكالة الصحافة الفرنسية غداة هجوم ضد القوات الأميركية في تدمر.
وأدى هجوم تدمر (وسط سوريا) أول من أمس السبت أدى إلى مقتل 3 أميركيين هم جنديان ومترجم مدني وإصابة عناصر من القوات الأميركية والسورية. ووصفت الحكومة السورية الهجوم بأنه “إرهابي”، بينما قالت واشنطن إن منفذه مسلح من تنظيم “داعش” قتل لاحقاً.
وتحدث المسؤول السوري الذي طلب عدم ذكر اسمه عن حملة أمنية جارية “في البادية السورية، بخاصة حول مدينة تدمر، لملاحقة خلايا تنظيم (داعش) النائمة بالتعاون مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة”. وأضاف أن الحملة أسفرت حتى الآن عن اعتقال 3 أشخاص يشتبه في ارتباطهم بهجوم السبت.
من جهته بعث الرئيس السوري أحمد الشرع أمس الأحد رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب، معرباً عن “تضامن الجمهورية العربية السورية مع عائلات الضحايا”.
وفي وقت سابق الأحد صرح المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا للتلفزيون الرسمي بأن منفذ الهجوم كان عضواً في قوات الأمن وكان من المقرر فصله الأحد بسبب حمله “أفكاراً تكفيرية أو متطرفة”.
وقال مصدر أمني إن السلطات “أوقفت أكثر من 11 عنصراً من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادثة”، في إطار توسيع التحقيقات لتحديد الملابسات وما إن كان هناك أي تقصير أو تنسيق داخلي. وأضاف أن “منفذ الهجوم كان عنصراً في الأمن العام منذ أكثر من 10 أشهر، وعمل مع الجهاز في أكثر من مدينة قبل أن ينقل إلى تدمر”.
وكان تنظيم “داعش” سيطر على مدينة تدمر عامي 2015 و2016 في سياق تمدده في البادية السورية، ودمر خلال تلك الفترة معالم أثرية بارزة ونفذ عمليات إعدام في حق مدنيين وعسكريين قبل أن يخسر المدينة بحلول 2019.
ترمب يتعهد الرد
هذه الحادثة هي الأولى من نوعها منذ أن أطاح تحالف فصائل معارضة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي وأعاد إحياء علاقات البلاد مع الولايات المتحدة.
وفي واشنطن تعهد الرئيس الأميركي الرد على الهجوم، معتبراً أنه وقع في منطقة “شديدة الخطورة” ولا تخضع لسيطرة كاملة من السلطات السورية.
وأفاد مصدر في وزارة الدفاع السورية الأحد بأن القوات الأميركية “جاءت عن طريق البر من جهة قاعدة التنف العسكرية”. وأضاف “جال الوفد السوري – الأميركي المشترك في مدينة تدمر بداية، ثم توجهوا إلى مطار التيفور العسكري قبل أن يعودوا إلى مقر أمني في تدمر مرة أخرى”، حيث وقع الهجوم.
من جهته قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الهجوم لن يؤدي إلا إلى “تعزيز” الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى “تمكين الشركاء السوريين القادرين مع دعم عملياتي أميركي محدود على مطاردة شبكات تنظيم “داعش” وحرمانها من الملاذ الآمن ومنع عودتها”.
في الأثناء أصدرت وزارة الداخلية السورية بياناً شددت فيه على أن “استمرار الاعتداءات الإرهابية يعكس أهمية خيار سوريا في الانخراط الدولي والاضطلاع بدور فاعل في مكافحة الإرهاب”.
وأعلنت وزارة الخارجية السورية أن الوزير أسعد الشيباني أجرى اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي ماركو روبيو شدد فيه على أن الهجوم يعد “تحدياً جديداً في إطار مكافحة الإرهاب”، ومؤكداً “أهمية العمل جنباً إلى جنب” لتعزيز “الجهود المشتركة في هذا المجال”.
وقال مصدر أمني آخر إن “القوات الأميركية حالياً تنتشر فقط في مطار المزة العسكري في مناطق سيطرة الحكومة”، أما باقي المناطق التي وجدوا فيها، فكان “بغرض الزيارة فقط”.
ثغرات أمنية
تأتي هذه الحادثة في سياق مرحلة حساسة تشهدها سوريا منذ إطاحة النظام السابق قبل عام، والتي رافقها انهيار شبه كامل لأجهزة الأمن الداخلي والشرطة مع فرار أعداد كبيرة من عناصرها من مواقعهم ليلة سقوط حكم عائلة الأسد.
وأمام الفراغ الأمني الواسع فتحت السلطات الجديدة باب التطوع على نطاق واسع، مما أدى إلى انتساب آلاف العناصر خلال الأشهر الأولى في إطار إعادة تشكيل سريعة للمؤسسات الأمنية في مختلف المناطق وسط تحديات تتعلق بالتدقيق الأمني والخبرة.
وعملت السلطات على تشكيل جيش جديد يضم مقاتلين من فصائل حليفة كانت أعلنت حل نفسها بناءً على طلب رسمي في مسعى إلى توحيد البنية العسكرية والأمنية تحت سلطة مركزية واحدة.
وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الهجوم يشكل “تذكيراً صارخاً بأن الإرهاب لا يزال تهديداً مستمراً”، مؤكداً أن عدداً محدوداً من القوات الأميركية لا يزال منتشراً في سوريا لاستكمال مهمة هزيمة تنظيم “داعش” ومنع عودته.
وعلى رغم انهيار سيطرته الواسعة لا تزال خلاياه تنشط بصورة متقطعة في الصحراء السورية، مستفيدة من اتساع الرقعة الجغرافية وصعوبة ضبطها.
وكانت دمشق انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” خلال زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن الشهر الماضي.
وتنتشر القوات الأميركية في سوريا بصورة رئيسة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرقي البلاد، إضافة إلى قاعدة التنف قرب الحدود مع الأردن، حيث تركز واشنطن حضورها العسكري على مكافحة التنظيم ودعم حلفائها المحليين.
————————————-
نيويورك تايمز: هجوم تدمر يربك حسابات القيادة السورية الجديدة
قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الهجوم الذي أودى بحياة 3 أميركيين في مدينة تدمر وسط سوريا يشكل تحديا أمنيا وسياسيا بالغ الخطورة للرئيس السوري أحمد الشرع، في لحظة دقيقة تمر بها حكومته في مسارها لإعادة بناء الدولة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وأضافت أن الهجوم -الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية– كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية رغم تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت مقتل اثنين من جنودها ومترجم أميركي وإصابة 3 عسكريين في هجوم شنه مسلح وصفته بالمنفرد من تنظيم الدولة، السبت، أثناء لقاء عسكريين أميركيين مع قيادات أمنية محلية قرب تدمر وسط سوريا.
وقالت الداخلية السورية إن المهاجم -وهو عنصر منتسب للأمن الداخلي في البادية السورية- كان قد صدر بحقه تقييم بأنه ربما تكون لديه “أفكار تكفيرية أو متطرفة”، وأكدت أن المسلح المنفرد التابع للتنظيم تسلل إلى اجتماع بين القوات السورية ووفد من التحالف الدولي لمناقشة جهود مكافحة التطرف.
ورغم نفي المسؤولين الأميركيين تفاصيل الاجتماع، فإنهم لم ينكروا تحذير سوريا المسبق من هجمات محتملة للتنظيم على القوات الأميركية.
وفي تحليلها الإخباري للحادث، أفادت نيويورك تايمز بأن الشرع ظل يواجه، منذ وصوله إلى السلطة قبل عام، مهمة شاقة تتمثل في توحيد بلد أنهكته عقود من الحكم الاستبدادي وحرب أهلية مدمرة.
وعلى الرغم من محاولات حكومته إعادة بناء جيش موحد وإطلاق مسار نحو مصالحة وطنية، فإن العنف الطائفي والصدامات المتكررة مع المليشيات الكردية في الشمال الشرقي، ما زالت تعرقل هذا الجهد. ويُظهر هجوم تدمر أن التحدي الأمني لا يزال أحد أخطر العوائق أمام ترسيخ الاستقرار، وفق التحليل.
وترى الصحيفة أن الهجوم يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد. فالولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو ألف جندي في سوريا ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، تجد نفسها أمام ضغوط داخلية متزايدة لإعادة النظر في وجودها العسكري، خاصة في ظل دعوات محتملة لتسريع الانسحاب.
ونقلت عن كولين كلارك محلل شؤون مكافحة الإرهاب في مجموعة صوفان -وهي شركة استشارية عالمية في مجال الاستخبارات والأمن مقرها نيويورك– القول إن الهجوم قد يشكل دافعا للرئيس دونالد ترامب لتسريع سحب القوات الأميركية من سوريا.
لكن محللين حذروا من أن أي انسحاب أميركي متسرع قد يخدم مصالح تنظيم الدولة، الذي يسعى إلى توسيع هامش حركته واستعادة بعض نفوذه.
في الوقت نفسه، يعيد الهجوم تسليط الضوء على الخلافات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الحليف الأساسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة.
فرغم توقيع اتفاق مبدئي لدمج هذه القوات في مؤسسات الدولة الجديدة، فإن التنفيذ لا يزال متعثرا، وسط تبادل اتهامات حول النوايا الحقيقية لكل طرف. وتتهم دمشق “قسد” باستخدام ملف مكافحة الإرهاب لتكريس سيطرتها على مناطق إستراتيجية وموارد نفطية حيوية.
وعلى الصعيد الدولي، تقول الصحيفة الأميركية إن الحادث يمثل اختبارا لصورة الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار.
ولتحقيق هذا الهدف، يفيد التقرير الصحفي بأن الشرع عمل منذ توليه الحكم على تحسين علاقاته الخارجية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة ودول عربية مجاورة، وانضم مؤخرا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. غير أن استمرار “الهجمات الإرهابية” يهدد بإضعاف هذا المسار ويثير تساؤلات عن قدرة الحكومة الجديدة على فرض الأمن.
ويؤكد المحللون أنه يتعين على أحمد الشرع مواجهة كل هذه التحديات في الأيام المقبلة، بينما يتعامل مع مجموعة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية. وسيحتاج أيضا إلى إدارة أي تداعيات من الولايات المتحدة، حيث يحقق البنتاغون في إطلاق النار ويتعهد ترامب بالانتقام.
بيد أن مسؤولا عسكريا أميركيا -لم تكشف الصحيفة عن اسمه- قلل من احتمالات شن حملة قصف واسعة أو عمليات كوماندوز كبيرة ضد تنظيم الدولة في سوريا، مؤكدا الحاجة إلى اتباع نهج حذر لتجنب زعزعة الوضع السياسي الهش لحكومة الشرع.
المصدر: نيويورك تايمز
————————————
ترامب يعفي السوريين من الشعور بالحرج
هل لمنفذ هجوم تدمر علاقة بنظام الشرع؟
لارا سليم
أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، السبت، أن منفذ الهجوم الذي تعرضت له اليوم قوات الأمن السورية وقوات أميركية قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة، لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي ولا يعد مرافقا للقيادة، مبينا أن التحقيقات جارية للتأكد من صلته بتنظيم داعش أو حمله لفكر التنظيم.
وأشار المتحدث باسم وزارة الداخلية إلى أن إجراءات التحقيق التي تم البدء بها تقوم على فحص البيانات الرقمية الخاصة بمنفذ الهجوم، والتأكد مما إذا كان يملك ارتباطا تنظيميا مباشرا مع داعش أم أنه فقط يحمل الفكر المتطرف، وأيضا التحقق من دائرة معارفه وأقربائه، لافتا إلى أنه سيكون هناك إجراءات بروتوكولية جديدة خاصة بالأمن والحماية والتحرك من قبل قيادة التحالف الدولي بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في البادية.
من جانب آخر أعلن البنتاغون عن مقتل جنديين من الجيش الأميركي ومترجم مدني في هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية يوم السبت في تدمر، سوريا، حيث كانوا يدعمون عمليات مكافحة الإرهاب.
وأفاد المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، بإصابة ثلاثة آخرين. وصرح وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بأن القوات الشريكة قتلت المهاجم. وأكد ثلاثة مسؤولين محليين لوكالة رويترز أن المهاجم كان من قوات الأمن السورية.
وصرح متحدث باسم وزارة الداخلية السورية لقناة الإخبارية التلفزيونية السورية بأن المهاجم لم يكن يشغل منصبًا قياديًا في قوات الأمن. ولم يوضح ما إذا كان الرجل عضوًا صغيرًا.
تعرضت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية لإطلاق نار يوم السبت أثناء قيامها بدورية في مدينة تدمر وسط سوريا، حسبما أفاد مسؤولان سوريان محليان لوكالة رويترز. وأفاد المسؤولان بوقوع إصابات.
كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية لاحقًا أن القاتل ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي. وسيتم حجب هويات الجنود عن العامة لمدة 24 ساعة لإتاحة الفرصة للحكومة الأمريكية لإبلاغ عائلات الضحايا بشكل خاص.
عقب إعلان البنتاغون، كتب المبعوث الأميركي توم باراك: “أدين بشدة الكمين الإرهابي الجبان الذي استهدف دورية مشتركة أميركية-سورية في وسط سوريا. ننعي فقدان ثلاثة من أفراد القوات الأمريكية الشجعان والمدنيين، ونتمنى الشفاء العاجل للجنود السوريين المصابين في الهجوم. نؤكد التزامنا بهزيمة الإرهاب مع شركائنا السوريين”.
وكتب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث: “قتلنا الشخص المتوحش الذي نفذ هذا الهجوم على يد القوات الشريكة”. فليعلم الجميع، إذا استهدفتم أميركيين – في أي مكان في العالم – فستقضون ما تبقى من حياتكم القصيرة المليئة بالقلق، وأنتم تعلمون أن الولايات المتحدة ستطاردكم، وتجدكم، وتقتلكم بلا رحمة”.
كما تناول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجوم قائلاً: “ننعي فقدان ثلاثة من الوطنيين الأمريكيين العظماء في سوريا، جنديان ومترجم مدني”. كما ندعو بالشفاء العاجل للجنود الثلاثة المصابين، الذين تأكدت سلامتهم.
وأضاف: “كان هذا هجومًا شنه تنظيم داعش على الولايات المتحدة وسوريا، في منطقة خطيرة من سوريا لا تخضع لسيطرتهم الكاملة. الرئيس السوري أحمد الشرع غاضب ومستاء للغاية من هذا الهجوم. وسيكون هناك رد حازم وقوي. شكرًا لاهتمامكم بهذا الأمر!”.
وجاءت تصريحات ترامب لتعفي النظام السوري من الشعور بأي حرج، حتى في حال أثبتت التحقيقات أن القاتل كان على علاقة ما بقوات الأمن السورية، خاصة أن المشهد الأمني في سوريا معقد للغاية ولا يمكن فهم بعض تفاصيلة بصورة واضحة.
———————————
الشرع في رسالة تعزية لترامب: سوريا تتضامن مع عائلات الضحايا
الاثنين 2025/12/15
قالت الرئاسة السورية إن الرئيس أحمد الشرع أرسل رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترامب بمقتل الجنود الأميركيين في هجوم تدمر، فيما أكد الأخير أن الولايات المتحدة ستلحق ضرراً بمنفذي الهجوم.
تضامن سوري
وقالت الرئاسة السورية في بيان، إن الشرع أكد خلال رسالته إلى ترامب تضامن سوريا مع عائلات الضحايا، مشدداً على إدانة بلاده لهذا الحادث المؤسف.
كما شدد الرئيس السوري على التزام دمشق بالحفاظ على الأمن والسلامة، وتعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وفق ما جاء في البيان.
في غضون ذلك، صرح الرئيس ترامب بأن الهجوم على القوات الأميركية في منطقة تدمر كان من تنظيم “داعش” وليس من الحكومة السورية.
وأشاد ترامب بالحكومة السورية والرئيس الشرع، مؤكداً بأنهما قاتلا إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة “الإرهاب”، ما يعكس التعاون المشترك بين البلدين لضمان الاستقرار في المنطقة.
وتعهد الرئيس الأميركي في تصريحاته، بـإلحاق “ضرر كبير” بمنفذي الكمين قائلاً: “أستطيع أن أؤكد لكم، في سوريا، أن هناك ضرراً كبيراً سيلحق بمن ارتكبوا هذا الفعل”.
تفاصيل الهجوم
وقُتل جنديان أميركيان ومترجم يعمل مع القوات الأميركية إلى جانب جرح 3 جنود آخرين، السبت الماضي، وذلك خلال هجوم نفّذه مسلّح ضد جنود أميركيين وسوريين، وذلك خلال اجتماع وفد من التحالف الدولي مع مسؤولين سوريين في منطقة تدمر في ريف حمص، وسط سوريا.
وعقب الهجوم، أعرب وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني عن إدانة سوريا “الهجوم الإرهابي الذي استهدف دورية لمكافحة الإرهـاب مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة بالقرب من تدمر”.
وعبّر الوزير السوري عن تعازي بلاده لعائلات الضحايا وللحكومة والشعب الأميركيين، معرباً عن تمنياته بالشفاء العاجل للجرحى.
ووفق المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، فقد “كانت هناك تحذيرات مسبقة من طرف قيادة الأمن الداخلي للقوات الشريكة في منطقة البادية”، مضيفاً في حديث للتلفزيون الرسمي أن “قوات التحالف الدولي لم تأخذ التحذيرات السورية باحتمال حصول خرق لداعش في الاعتبار”.
——————————————
دمشق تحقق في مقتل 3 أمريكيين… ومراقبون يستبعدون أي تأثير على علاقتها بواشنطن/ جانبلات شكاي
14 – ديسمبر – 2025
فذت السلطات السورية اعتقالات على خلفية حادثة قتل 3 أمريكيين بينهم جنديان، في تدمر، متوعدة بـ«الضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن البلاد واستقرارها»، فيما استبعد مراقبون أن يؤثر ما حدث على تطور علاقات دمشق وواشنطن.
وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة أمريكيين، بينهم جنديان ومدني يعمل مترجما، إضافة إلى إصابة عناصر من القوات الأمريكية والسورية، حسب واشنطن ودمشق.
توسيع التحقيقات
وقالت وزارة الداخلية إنها ألقت القبض على خمسة أشخاص يشتبه في صلتهم بالهجوم.
وأكدت في بيان أن «استهداف مؤسسات الدولة لن يمر دون رد، وأن الأجهزة الأمنية تمتلك الجاهزية الكاملة والقدرة العالية على الضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن البلاد واستقرارها، وملاحقة التنظيمات الإرهابية أينما وُجدت».
فيما قال مصدر أمني لوكالة «فرانس برس» إن «منفذ الهجوم كان عنصرا في الأمن العام منذ أكثر من عشرة أشهر، وعمل مع الجهاز في أكثر من مدينة قبل أن يُنقل إلى تدمر».
وأضاف أن السلطات «أوقفت أكثر من 11 عنصرا من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادثة»، في إطار توسيع التحقيقات لتحديد الملابسات وما إن كان هناك أي تقصير أو تنسيق داخلي.
مصدر أهلي من مدينة تدمر كشف لـ»القدس العربي» ملابسات ما حصل، إذ قال إن «القوات الأمريكية وبعد أن قامت بجولة ضمن آثار المدينة تعرضت للهجوم خلال اجتماع لها في مقر للأمن الداخلي، وأصوات الرصاص تم سماعها داخل المدينة».
المصدر الأهلي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، وهو من سكان المدينة العائدين بعد سقوط النظام إليها، قال إن العملية «جرت بالقرب من شارع الوادي في الأحياء الغربية للمدينة وضمن ما كان يعرف في زمن النظام السابق بفرع الأمن العسكري، وقد تمت إعادة تأهيله وتجهيزه ليصبح اليوم مقراً للأمن العام».
وأوضح أن «الجنود الأمريكيين كانوا قد تجولوا في المدينة الأثرية، واشتروا بعضاً من التحف الشرقية ثم اتجهوا إلى مركز الأمن العام لعقد اجتماع لهم مع المسؤولين المحليين، وهناك قام أحد عناصر الأمن السوري بإطلاق الرصاص الذي سمعنا صوته، على عناصر الحراسة حسب المعلومات المتداولة».
وكشف المصدر أن «قوات أمريكية وسورية مشتركة نفذت ليل السبت، بعد العاشرة ليلاً عمليات مداهمة لبعض المنازل القريبة من مقر الأمن العام حالياً، حيث جرت عملية استهداف الجنود الأمريكيين، وانتشرت آليات أمريكية وسورية وأغلقت الحي المستهدف، وتداول الأهالي عن اعتقال عدد من الشبان من دون الحديث عن ضبط أي نوع من الأسلحة، ومن دون التعرض للأهالي أو مضايقتهم».
الرواية الأمريكية
القيادة المركزية الأمريكية أعلنت من فلوريدا في بيان لها أنه قد نصب كمين مسلح من قبل تنظيم «الدولة» ضدّ أفراد أمريكيين في سوريا أدى إلى قُتل اثنين من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية ومدني أمريكي واحد، وأُصيب ثلاثة آخرون جراء الكمين، وتمّ الاشتباك مع المسلح وقتله.
فيما علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحادث بالقول: «كان هذا هجوم «داعش» على الولايات المتحدة وسوريا في جزء خطير جدا من سوريا لا تسيطر عليه بالكامل السلطات السورية، والرئيس أحمد الشرع غاضب ولديه انزعاج شديد من هذا الهجوم، وسيكون هناك انتقام خطير جدا».
كما وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا السفير توماس براك العملية بـ»الإرهابية».
تحذيرات سورية مسبقة
في حين أشار المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إلى أن «تقييما أمنيا صدر بحق المنفذ، في العاشر من الشهر الحالي، أشار إلى أنه قد يحمل أفكارا تكفيرية أو متطرفة»، موضحا أن قرارا كان من المفترض أن يصدر بحقه يوم الأحد.
وقال في تصريح للتلفزيون الرسمي إن «قيادة الأمن الداخلي في منطقة البادية تضم أكثر من خمسة آلاف عنصر، وتخضع لآلية تقييم أسبوعية يتم على أساسها اتخاذ إجراءات تنظيمية وأمنية عند الحاجة»، مؤكدا أن المنفذ «لا يشغل أي موقع قيادي» في الجهاز.
وبين أن «قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجهت تحذيرات مسبقة للقوات الشريكة في التحالف الدولي حول معلومات أولية تشير إلى احتمال وقوع خرق أو هجمات من قبل تنظيم «داعش»، إلا أن هذه التحذيرات لم تؤخذ بالاعتبار»، مشيراً إلى أن الهجوم وقع عند مدخل مقر محصن تابع لقيادة الأمن الداخلي بعد انتهاء جولة مشتركة بين الجانبين.
وأضاف أن «التحالف الدولي أعلن أن هناك جنديين قتلا إضافة إلى مترجم، وهناك إصابتان من طرف قوات الأمن الداخلي السورية التي استطاعت تحييد المنفذ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس له أي توصيف قيادي داخل الأمن الداخلي، ولا يصنف على أنه مرافق لقائد الأمن الداخلي، كما زعم بعض الأخبار غير الدقيقة».
وأشار إلى أن «إجراءات التحقيق التي تم البدء بها تقوم على فحص البيانات الرقمية الخاصة بمنفذ الهجوم، والتأكد مما إذا كان يملك ارتباطاً تنظيمياً مباشراً مع «داعش» أم أنه فقط يحمل الفكر المتطرف، وأيضاً التحقق من دائرة معارفه وأقربائه، لافتاً إلى أنه ستكون هناك إجراءات بروتوكولية جديدة خاصة بالأمن والحماية والتحرك من قبل قيادة التحالف الدولي بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في البادية.
واستبعد الباحث المختص بالشؤون الأمريكية أيمن عبد النور أن تترك العملية آثارها المباشرة على تطور العلاقات بين دمشق وواشنطن رغم سعي جهات مختلفة لاستغلال الفرصة.
وقال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن «الهجوم كان من المتوقع أن يحدث عند الاحتكاك بين فصائل من وزارة الدفاع السورية والقوات الأمريكية بشكل مباشر، على اعتبار أن هناك الكثيرين ممن استغلوا فتح باب التطوع، بعد انتصار الثورة فدخل الكثيرون من الأشخاص الذين لم تتم دراسة خلفياتهم أو معرفتهم بشكل دقيق».
وقال إن «عملية دراسة العناصر المتطوعة أمر في غاية الأهمية ولا يجب أن يتم حصر إعدادهم عقائديا ونفسيا وتدريبهم للتخلص من تلك الأفكار المتطرفة التي تعشعش في كثير من المناطق، في فترة أسبوعين فقط».
وأوضح أن توقعات سابقة لعدد من مراكز الدراسات كانت تشير إلى إمكانية حصول إشكالات أكبر بكثير، كما حصل مع الجنود الأمريكيين في أفغانستان نفسها عبر مجموعة متطرفة من طالبان كانت قد اخترقت الجيش الأمريكي، مشددا على أن الأمر ليس بالقضية السهلة والعناصر الجدد يحتاجون إلى فترة إعداد طويلة، مع ضرورة الانفتاح على كافة بنى المجتمع السوري من أجل إدخالهم في الجيش.
وذكر عبد النور أن الحدث تم استغلاله مباشرة من عدد من النواب الجمهوريين المحافظين، الذين بدأوا ينشرون رسائل ويوزعونها داعين إلى عقد جلسة لمناقشة الحريات الدينية وموضوع التطرف في بعض أجهزة الحكومة السورية بداية شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، لكنه استبعد أن تؤثر العملية على تعليق إلغاء «قانون قيصر».
وقال: لن يكون هناك تأثير مباشر، لأن الحكومة الأمريكية بكل أجهزتها تسعى إلى الانخراط في عمل الكبير مع الجيش السوري من أجل محاربة تنظيم الدولة ولن يضيعوا هذه الفرصة، لكن سيكون هناك نقاش طويل وحاد داخل وزارة الدفاع بين الأجهزة التي تتعاون مع الأكراد وتعتبرهم قريبين وأصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة، وما حصل قد قوّى هذا الفريق، مقابل الفريق الآخر الذي يريد أن يرى سوريا برأس واحد ووزارة دفاع قوية ويدعم الرئيس أحمد الشرع، وبالتالي فإن النقاش اليوم ليس سوريا أمريكيا، بل هو أمريكي داخلي.
كما اعتبر أن العملية ستدعم توجهاً داخل الإدارة السورية لمحاربة التطرف، وقال إن العملية ستقوي أوراق الشرع تجاه اتخاذ قرارات قوية ضد بعض القادة الذين تساهلوا في تدريب الجنود الجدد وتطوير أدائهم، وتدريبهم من أجل فك وحلحلة التطرف والفكر الجهادي الموجود في عقولهم.
فرقة لمكافحة الإرهاب
ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى دول الخليج العربي سيهانوك ديبو تمنى أن «تكون العملية التي أودت بخسائر بالأرواح سبباً إضافياً في تعامل واقعي من جانب الحكومة المؤقتة مع اتفاق العاشر من آذار/ مارس، الموقع بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي».
وأشار لـ« القدس العربي» إلى أن بقاء «قسد» قوة خبيرة وممتهنة بمحاربة التطرف والجماعات الارهابية بدعم من التحالف، وإدماجها ككتلة في وزارة الدفاع، بات مكسباً وطنياً سورياً يجب عدم التقليل من شأنه
وأمس الأحد، أصدر «مجلس سوريا الديمقراطية – مسد» بيانا أدان فيه بأشد العبارات الاعتداء الإرهابي الذي استهدف القوات الأمريكية في مدينة تدمر السورية، واعتبره عملاً إجرامياً جباناً يهدد أمن واستقرار سوريا والمنطقة، ويصب في خدمة قوى التطرف والفوضى.
وأعرب المجلس عن أسفه لإصابة عدد من عناصر الأمن العام والجنود الأمريكيين جراء تعرضهم لإطلاق نار في البادية السورية أثناء تأدية مهامهم.
لا تغيير في المشهد
الباحث والداعية الإسلامي محمد حبش تحدث عن خطورة وجود المتطرفين في صفوف الجيش وقوات الأمن السورية.
وقال في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إن العملية سيكون لها انعكاس على العلاقات السورية الأمريكية، لكن لا أعتقد أنها ستغير المشهد، مشيراً إلى أن الجانب الأخطر هو أن منفذ العملية ليس آخر المتطرفين الخطيرين الموجودين في قوى الأمن وفي الجيش، ومؤكداً أنه علينا أن نتوقع وجود آخرين هناك، وخصوصا أن هناك 298 منتسبا إلى قوى الأمن تطاردهم الدولة بعد ظهور نتائج التحقيقات في الساحل، وعدد مماثل أيضا في السويداء، ويجب أن نعلم أننا ما زلنا بعيدين عن إنتاج جيش وطني حقيقي.
ورأى حبش أن على الدولة أن تقوم بدور مباشر في التواصل مع الكوادر الوطنية العسكرية لبناء جيش وطني بعيد عن كل الثقافة التكفيرية.
تدمر تعود للحياة
ومنذ أن سقط النظام في كانون الأول /ديسمبر العام الماضي، بدأت الحياة تعود إلى المدينة التي تقع في قلب البادية السورية وتبعد عن العاصمة دمشق أقل من 250 كيلومتراً، وتحسنت الأوضاع فيها بشكل جيد، وتمت إعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، حتى أن المدينة لا تعاني من التقنين الكهربائي كباقي المدن السورية.
المصدر الأهلي الذي تحدثت إليه «القدس العربي» أوضح أن عدد سكان المدينة كان يزيد عن 60 ألفا قبل الثورة، ولم يتبق فيها أي منهم في الأشهر الأولى من سيطرة تنظيم «داعش» عليها في أيار/ مايو 2015، إلى أن استعاد جيش النظام السيطرة على المدينة في آذار/ مارس 2016، أما حالياً فربما وصل عدد السكان إلى نحو 30 ألفا بعد أن كان هذا الرقم يتراوح بين 6 إلى 7 آلاف عند سقوط النظام قبل سنة، وبدأ أهل المدينة بالعودة إليها وترميم منازلهم مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة الدمار شبه الكامل في المدينة تصل إلى أكثر من 30%.
وقال إن المحال التجارية عادت لتفتح أبوابها لكن من الناحية السياحية ما زالت الأوضاع سيئة وإن تراجعت كثيرا عمليات التنقيب والسرقة ضمن المدينة الأثرية أو في الأحياء السكنية بسبب فرض الأمن عليها بشكل مقبول، إلا أن الحركة السياحية ما زالت متواضعة لعدم وجود فنادق يمكن أن تستقبل المجموعات السياحية، لكننا صرنا نرى سياحاً أجانب بشكل يومي يزورون الآثار بسيارات خاصة وبعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لعدة ساعات ثم يعودون إلى دمشق.
واكد المصدر الأهلي أن المقبرة الجماعية التي دفن فيها الذين تمت تصفيتهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في سجن تدمر العسكري بداية العقد الثامن من القرن الماضي على سفوح جبل عويمر شمال تدمر على بداية الطريق الدولي باتجاه مدينة دير الزور، لم يقترب منها أحد وما زالت الأوضاع على حالها هناك.
———————————
كيف سينعكس هجوم تدمر على علاقة حكومة الشرع بواشنطن؟
استنفار في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية وإجراءات لـ «منع الاختراقات»
دمشق: سعاد جرَوس
16 ديسمبر 2025 م
جاء الهجوم الذي استهدف اجتماع مسؤولين من قيادة الأمن السوري مع وفد من قوات التحالف الدولي، السبت الماضي، في البادية السورية، في وقت بالغ الحساسية للحكم السوري، خصوصاً في ظل الأنباء عن انتماء المهاجم لتنظيم «داعش» برغم أنه من عناصر الأمن العام. وفيما اتجهت الأنظار إلى واشنطن لمتابعة تأثير الهجوم على موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من السلطة في سوريا، قالت مصادر في دمشق إن الحادث الذي تسبب في مقتل ثلاثة أميركيين، سيسهم على الأرجح في تعزيز الدعم الأميركي للقوات الحكومية السورية، وليس العكس.
واستهدف هجوم السبت اجتماعاً ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية مع وفد من قوات التحالف الدولي. وقالت وزارة الداخلية السورية إن الاجتماع كان مخصصاً لبحث آليات مكافحة تنظيم «داعش»، عندما تسلل شخص تابع للتنظيم وأطلق النار على القوات المشتركة السورية – الأميركية.
وتحدثت مصادر سورية قريبة من الحكومة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، عن حالة استنفار داخل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، وصدور تعليمات وإجراءات جديدة بهدف منع الاختراقات وضبط الجهازين الأمني والعسكري.
من جهته، يقول الباحث عبد الوهاب عاصي: «رغم أنّ تنظيم (داعش) كثف من أنشطته بعد الحادثة؛ حيث نفذ هجمات جنوب معرة النعمان، ونصب حواجز خاطفة في مناطق مختلفة بشمال سوريا بهدف إظهار ضعف الحكومة السورية أمام الولايات المتحدة في مواجهة تهديده، فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين تُشير بوضوح إلى أن واشنطن ماضية بالشراكة مع دمشق ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)».
وأشار عاصي إلى أنه وبخلاف المتوقع «قد تلجأ الولايات المتحدة لدعم الحكومة السورية لوجيستياً من أجل تنفيذ عمليات تمشيط في البادية وشمال سوريا، لملاحقة خلايا التنظيم، ويأتي ذلك في إطار توجه أميركي للاعتماد على الشركاء المحليين في منع عودة التنظيم».
من جانبه، استبعد السياسي والإعلامي أيمن عبد النور، حصول تداعيات سلبية لهجوم تدمر على العلاقات الأميركية – السورية، لأن الإدارة الأميركية «تدرك وجود صعوبات، وتعرف أن الجيش السوري ليس جاهزاً»، لا سيما وقد جرى ضم عشرات آلاف العناصر خلال فترة قياسية، دون توفر إمكانات لدراسة كل تلك العناصر وخلفياتها بدقة.
لذلك، يرى عبد النور أنه يمكن للإدارة الأميركية أن تتجه نحو «مساعدة الجيش السوري وتجهيزه بالإمكانات والتدريبات اللازمة، ليكون فاعلاً في التحالف الدولي». وأكد أن إدارة الرئيس ترمب «حريصة على أن يتم ذلك».
ويرى مروان عبد القادر، الباحث في مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية»، أنه وبغض النظر عما إذا كان الاستهداف قد تم على يد عنصر لتنظيم «داعش»، أو أنه رد انتقامي فردي داخلي على التحولات الآيديولوجية التي أبدتها الحكومة السورية الجديدة، والتي قد لا تكون مقنعة لبعض المقاتلين ضمن قوى الجيش والأمن، فإن الحدث كشف عن التعقيدات التي نشأت في ظلها النواة الأولى لتلك القوات، في ظل الفراغين الأمني والعسكري اللذين خلفهما سقوط نظام بشار الأسد، وما تبعه من استقطابات مكثفة لمقاتلين لم يتسنَّ لقيادة الجيش والأمن أن تختبرهم، أو تتقصى خلفياتهم الآيديولوجية.
وفي كلتا الحالتين، يقول عبد القادر إن ذلك «يزيد من احتمالات وجود الخرق الأمني في صفوفهما بما يمكن التنظيم من امتلاك أوراق قوة تكمن في قدرته على تنفيذ عمليات نوعية ومن داخل الدولة نفسها، تستهدف مؤسساتها أو شخصياتها، ويزيد ذلك أيضاً من حالة الاضطراب وعدم اليقين بالاستقرار الأمني والمؤسساتي للدولة. وهذا يحتم على الدولة السورية في هذه المرحلة الحرجة، إعادة النظر والتقييم الموسع للكوادر البشرية المنتمية لوحدات الجيش وقوات الأمن، وأن تعيد رسم اتجاه البوصلة وتبني مؤسساتها العسكرية والأمنية بتراتبية خالية، مما قد ينخر جسدها، أو يتسبب في كارثة غير متنبئ بها تعيد الحالة السورية إلى الفوضى التي تفقد الإدارة تحكمها».
المشهد بعيون أميركية
يتحدث السياسي والإعلامي أيمن عبد النور عن تداعيات الهجوم الإرهابي على مستوى النقاش الداخلي ضمن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مشيراً إلى «وجود كتلة تؤيد التحالف مع (قوات سوريا الديمقراطية)، وهي تقول إن هذا التحالف في محاربة (داعش) لم يتعرض خلال الفترة الماضية لأي حادث مثل هجوم تدمر، وإن التعامل مع الأكراد أفضل من التعامل مع حكومة الرئيس أحمد الشرع».
في المقابل، هناك كتلة أخرى مؤيدة للتحالف مع حكومة الشرع، ولضرورة أن يكون هناك رأس واحد في سوريا تتعامل معه إدارة الرئيس ترمب. ويرى الفريق الثاني أن حادثة تدمر تجربة يمكن تجاوزها والتوجه نحو تقوية الجيش السوري.
أما فيما يتعلق بتأثير التداعيات على الوضع الداخلي السوري، فيرى أيمن عبد النور أن هجوم تدمر سوف يقوي من موقف الرئيس السوري، لـ«الضرب بيد من حديد»، والتغيير في الإدارات والقيادات، ووضع قوانين جديدة صارمة «تضبط عمليه التطوع في الجيش».
يتفق مع هذا الرأي الباحث عبد الوهاب عاصي، الذي يرى أن «تزايد الهجمات سيترتب عليه رفع جاهزية أمنية وعسكرية»، مع احتمال أن «يكون لهذه الهجمات خطر أكبر إذا ترافقت مع تصعيد إسرائيلي جنوب البلاد، وهو ما تحاول الحكومة السورية تلافيه بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي لا تريد أي انهيار في السيطرة؛ بل تدعم فرض الاستقرار والاستمرار في تحقيق التسويات مع الأطراف المحلية مثل (قسد) والسويداء، والإقليمية مثل إسرائيل».
واستبعد عاصي أن يكون للحادث الأخير أي تأثير على تصويت مجلس الشيوخ، الأربعاء 19 ديسمبر (كانون الأول)، على مشروع قانون إلغاء عقوبات قيصر على سوريا، وقال: «لقد تم التوافق على النص بين أعضاء الحزبين قبل عرضه على مجلس النواب وتمريره لمجلس الشيوخ، وهو يتضمن أساساً التأكيد على دعم الحكومة في مواجهة الإرهاب و(داعش)، والحث على دمج (قسد) في منظومة الحكم».
الشرق الأوسط»،
———————–
دمشق: متابعة أمنية مكثفة للوضع في تدمر بعد هجوم «داعش»
تزايد في الهجمات خلال الفترة الأخيرة
دمشق: «الشرق الأوسط»
16 ديسمبر 2025 م
تابع وزير الداخلية السوري أنس خطّاب مع قائد «أمن البادية» وعدد من المسؤولين الامنيين، الوضع في تدمر عقب الهجوم الذي أوى بحياة جنديين ومترجم مدني، أميركيين، وشدد على «معالجة أي ثغرات في الأداء و تفعيل الجاهزية و الاستجابة لمواجهة تنظيم داعش»، وذلك مع تسجيل تزايد في الهجمات التي تستهدف قوى الأمن في الأيام الأخيرة… فيما أعلنت «الداخلية»، القبض على مجموعة، قالت إنها «متورطة في اعتداء على أمن الطرق والجمارك».
وأفادت وزارة الداخلية في بيان، بأن اجتماع خطاب، مع المسؤولين الأمنيين «كان بهدف الاطلاع على الوضع في المنطقة عقب الحادث الأخير في مدينة تدمر، وتقييم المخاطر القائمة لضمان استقرار المنطقة وحماية المواطنين».
ووقع الحادث في تدمر يوم السبت الماضي في أثناء اجتماع ضم مسؤولين من قادة الأمن في البادية، مع وفد من «قوات التحالف الدولي» لبحث آليات مكافحة تنظيم «داعش».
وفي الاجتماع الأمني الموسع، شدد وزير الداخلية السوري، «على تعزيز الجاهزية والتنسيق لمواجهة داعش بعد هجوم تدمر، واستعرض نتائج التحقيقات التي أجراها الفريق المكلف بمتابعة مجرياته، وناقش التوصيات الرامية إلى تعزيز كفاءة الوحدات الأمنية، ومعالجة أي ثغرات في الأداء»، مؤكداً على «التنسيق التام فيما بينها، و تفعيل الجاهزية الميدانية للفرق المختصة لضمان سرعة الاستجابة».
ونفذت القوى الأمنية، الأحد، عملية نوعية في مدينة تدمر، في ظلّ تزايد ملحوظ لهجمات «داعش» على عناصر ودوريات الأمن السوري خلال الأيام الأخيرة. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الثلاثاء، استهداف مجموعة قال إنها «متورطة في الاعتداء على دورية لأمن الطرق والجمارك». وأكد القبض على أفرادها.
وكان تنظيم «داعش»، أعلن الاثنين، تبنيه لهجوم وقع الأحد، وأسفر عن مقتل أربعة من عناصر الأمن في منطقة معرة النعمان بريف إدلب. وقال التنظيم الإرهابي في بيان، إنه نفذ الهجوم على عناصر الأمن التابعين للحكومة بالأسلحة الرشاشة، وإن «مقاتليه عادوا سالمين».
ويعد هذا هو الهجوم الثاني من نوعه خلال أقل من أسبوعين، حيث تعرضت دورية جمارك لكمين في 4 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أسفر عن مقتل عنصرين وإصابة اثنين آخرين في ريف حلب، وفق ما أعلنته «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية».
في سياق آخر انفجرت قنبلة في سيارة تابعة لوزارة الدفاع في مدينة البوكمال في دير الزور الثلاثاء، دون إصابات في حين عملت سيارات الدفاع المدني على إطفاء الحريق وفق ما قالته وسائل الإعلام الرسمي، فيما أفاد موقع «فرات بوست» المحلي، بأن السيارة كانت محملة بالذخيرة وحصل الانفجار في أثناء توقفها خلف «جامع المصطفى» وأعقب الانفجار اندلاع حريق من دون تسجيل إصابات.
الشرق الأوسط»
——————————–
ترامب: الشرع رجل قوي وما زلت أثق به
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استمرار ثقته بالرئيس السوري أحمد الشرع، واصفاً إياه بالرجل القوي.
جاء ذلك في معرض إجابته على سؤال أحد الصحافيين، مساء الاثنين، بشأن الهجوم الذي وقع السبت الفائت في سوريا وأدى إلى مقتل جنود أمريكيين.
وأوضح ترامب أن الشرع لا علاقة له بالهجوم الذي وقع قرب مدينة تدمر السورية.
وتابع قائلا: “هذه منطقة في سوريا لا يسيطرون عليها بشكل كامل. كان الأمر مفاجئاً، وهو (الشرع) حزين جداً حيال ذلك. إنه يعمل على الأمر، وأنا ما زلت أثق به وهو رجل قوي”.
ترامب أكد أن الهجوم مرتبط بتنظيم داعش الإرهابي، وأنهم سيوجهون ضربة قوية للتنظيم رداً على ذلك.
وفي معرض رده على سؤال حول سبب وجود قوات أمريكية في سوريا، قال ترامب: “لأننا نسعى لضمان السلام في الشرق الأوسط والحفاظ عليه”.
وأضاف: “هذه (سوريا) من أصعب المناطق الجغرافية في العالم، تخلصنا من بشار الأسد، وتخلصنا من آخرين كانوا سيئين للغاية وعرقلوا السلام في الشرق الأوسط”.
والسبت الفائت، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” نقلا عن مصدر أمني دون تسميته، بـ”تعرض قوات أمن سورية وقوات أمريكية لإطلاق نار قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة”.
فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أن الهجوم شنه تنظيم “داعش” وأسفر عن مقتل 3 أمريكيين؛ جنديان ومدني، وإصابة 3 عسكريين آخرين.
وعند سؤاله عن موعد بدء عمل قوة حفظ السلام الدولية في غزة، قال ترامب: “أعتقد أنها تعمل بالفعل بشكل أو بآخر، وهي تؤدي دورها بقوة كبيرة”.
وأكد ترامب أن المزيد من الدول ستشارك في قوة الاستقرار الدولية، قائلاً: “سيرسلون العدد الذي أريده من القوات”.
(الأناضول)
——————————-
منفذ هجوم تدمر من الأمن السوري.. وجدل حول سبب وجوده بالمكان
السبت 2025/12/13
قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نورالدين البابا إن الشخص الذي هاجم الجنود الأميركيين ينتمي إلى الأمن السوري، وصدر بحقه تقييماً في وقت سابق بأنه يحمل أفكاراً “تكفيرية”، وكان من المقرر، أن يصدر قرار بحبسه، غداً الأحد.
جاء ذلك في تصريحات للبابا للتلفزيون الرسمي السوري، اليوم السبت، حول الهجوم الذي استهدف حامية وفد أميركي في منطقة تدمر في ريف حمص وسط سوريا، ما أدى إلى مقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة جنديين آخرين.
البابا: المهاجم لم يكن يشغل منصباً قيادياً
وقال البابا إن المهاجم لم يكن يشغل منصباَ قيادياً في قوات الأمن، مؤكداً أن جميع التقارير التي تتحدث خلاف ذلك هي “غير دقيقة”، فيما أشار إلى مقتل العنصر المنفذ للهجوم.
وأضاف المتحدث أن هناك تحذيرات مسبقة صدرت من طرف قيادة الأمن الداخلي للقوات الشريكة في منطقة البادية باحتمال حصول خرق أو هجمات متوقعة لـ”داعش”، لكن قوات التحالف الدولي لم تأخذ التحذيرات السورية باحتمال حصول خرق لـ”داعش” في الاعتبار.
وأوضح أن الهجوم وقع خلال جولة ميدانية بين قيادة التحالف الدولي في سوريا وقيادة الأمن الداخلي بالبادية، حيث بدأ المسلح المنتمي إلى “داعش”، وفقاً للبابا، بإطلاق النار عند باب أحد المقرات المحصنة في بادية تدمر، بعد دخول الشخصيات القيادية من الجانبين إلى داخل المقر.
من جانبها، نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين سوريين، قولهم إن الرجل الذي هاجم عسكريين سوريين وأميركيين في مدينة تدمر وسط البلاد، كان عضواً في قوات الأمن السورية.
في غضون ذلك، نقلت “فوكس نيوز” عن مسؤول في “البنتاغون”، قوله إن الهجوم على الجنود الأميركيين وقع في منطقة خارجة عن سيطرة الحكومة السورية.
تساؤلات وجدل
وتطرح الحادثة مجموعة من التساؤلات المثيرة للجدل، خصوصاً بعد تأكيد البابا أن المنفذ هو عنصر أمن وكان يحمل أفكاراً متطرفة، فما الذي كان يفعله في جولة تضم ضباطاً أميركيين بارزين من التحالف؟
ويرجح كثيرون وجود فشل كبير في التدابير التي اتخذتها القوات الأمنية السورية في ترتيب حراسة الوفد الأميركي واجتماع بهذا المستوى. كما يطرح الهجوم تساؤلات حول الطريقة التي وصل فيها هذا العنصر المعروف مسبقاً بأفكاره المتطرفة، ومن سمح له بالوصول إلى بوابة الموقع المحصن الذي دخل إليه الضباط الأميركيون، مادامت كل هذه المعلومات كانت متوافرة لدى قيادة الأمن السوري، حيث كان يمكن بسهولة استبداله بعد اكتشاف ذلك عنه، بأحد العناصر الـ5 آلاف الذين تحدث البابا عن وجودهم ضمن صفوف القوات الأمنية!
—————————–
==========================



