مقالات سينمائيةمنوعات

وثائقي”حبّ الرمان”: حُمص ما بعد الأسد/ عمّار المأمون

12.12.2025

يكشف الفيلم عن مفارقات المدينة على المستوى الجغرافي، تقسيم الأحياء طائفياً يتضح حسب الخراب، أحياء وشوارع مدمرة بصورة كاملة، وبعدها بقليل أحياء على حالها، النظام السوري كان يعرف بدقة أين يقصف ومن يقصف، والآن بعد سقوط النظام، تتداخل هذه المساحات، يعود سكان المدينة لخلق علاقات جديدة.

عُرض فيلم “حبّ الرمان” للمخرج والصحافي السوري دحّام الأسعد في باريس، أثناء أحد الاحتفالات بالذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد. احتشد حضور متنوّع الطيف أمام الشاشة، لمشاهدة فيلم، لا يحوي قصفاً، ولا قتلاً يمارسه نظام الأسد،  فيلم عما بعد الأسد،  جلس الحضور بصمت، يتأمّلون الشاشة من دون خوف من وشاة قد يكونون بينهم.

دحام الأسعد، الذي زار سوريا بعد سقوط النظام، اختار مدينة حمص لتكون مساحة صناعة الفيلم المتاح للمشاهدة عبر يوتيوب، والبداية، بلقطات للمدينة من الأعلى، ثم تقسيمها الطائفيّ (أحياء سنة، أحياء علوية، أحياء مسيحيّة)، تقسيم خلقه نظام الأسد، تكشفّت نتائجه بوضوح مع انطلاق الثورة السورية، إذ دمّرت المدينة حسب الأحياء، طائفياً، وجُيش سكانها ضد بعضهم البعض، واليوم، هي كحبّ الرمان، الذي لا يعود إلى الثمرة بعد “فرطها”.

يستعرض الأسعد، الذي أنجز أفلاماً وثائقية عدة عن سوريا والمهاجرين السوريين، تاريخ القتل الذي شهدته المدينة على كفن مشدود وراء حطام، أشبه بعزاء للمدينة التي شهدت القتل والتقتيل. واليوم، بعد سقوط النظام، ومجازر طائفيّة شهدها الساحل، احتضن الكفن موتاً جديداً، ليبقى البياض والتاريخ الذي يستعرضه كمحاولة للتعافي، وطلباً للحداد المؤجل.

الكاميرا التي لا تخاف!

يحافظ دحام في الفيلم على “التقاليد السينمائية” التي عرفتها الأفلام السورية -الأوروبية الوثائقيّة التي أُنتجت بعد عام 2011، دحام هو رواي الفيلم نفسه، ويظهر فيه، ويعرف عن نفسه، حضوره وراء الكاميرا وأمامها علامة على “الحياة” التي لطالما صادرها نظام الأسد، واستهدف كل من يحمل كاميرا، هي أيضاً علامة على استعادة المكان نفسه، ذاك الذي كان خطراً، ممنوعاً، مقسّماً بين مساحات الموت ومساحات الطاعة!.

يتحرك حامل الكاميرا بحريّة لا كما اعتدنا سابقاً في الأفلام التي كانت تصور تحت القصف، يقطع الأسعد ما كان سابقاً يسمى “مناطق النظام” نحو “مناطق المعارضة”، الكاميرا بعد سقوط الأسد، لا تهتز، صورة نظيفة، لا خوف من برميل يهبط من السماء، أو قناص يحاول “الصيد”، إيقاع النجاة والهرب والتخفي لم يعد هو ضابط الحكاية وتدفّقها، بل رغبة دحام في اكتشاف المدينة، وتقاسيم العود التي ألّفها حارث مهيدي، تبدو أحياناً إجابة عن سؤال: ما الذي ينتظر المدينة؟ الموسيقى هنا أشبه بإعلان عن انتهاء “الحرب”، على الأقل، بشكلها الواضح المباشر، إعلان أن الخوف تحول إلى ترقّب من مجهول غامض.

يكشف الفيلم عن مفارقات المدينة على المستوى الجغرافي، تقسيم الأحياء طائفياً يتضح حسب الخراب، أحياء وشوارع مدمرة بصورة كاملة، وبعدها بقليل أحياء على حالها، النظام السوري كان يعرف بدقة أين يقصف ومن يقصف، والآن بعد سقوط النظام، تتداخل هذه المساحات، يعود سكان المدينة لخلق علاقات جديدة. تداخل هذه المساحات يتجاوز التقسيم الطائفي، نحو مفارقة الخراب والعمران، البناء المدمر ذاته قد نجد فيه دكانا، أو شقةً، الحياة تتسلل بين الحطام، الذي طبعت عليه إعلانات عن شركات متخصصة بترحيله، نحن أمام زمن صالح للتأمل، زمن ينتشر فيه عناصر الأمن العام في المدينة، مؤكدين على العيش المشترك، وأن الطوائف كلها تعيش بسلام!

الخوف الذي يتخلّل الهواء

لا تخلو المدينة من الخوف، ذي السبب الواضح: الانتقام والثأر الطائفي، اللذين شهدهما الساحل سابقاً وحمص نفسها، لكن الكلام الرسمي الذي نسمعه في الفيلم على لسان الأمن العام وعبيدة أرناؤوط، مدير الشؤون السياسية في حمص، يختلف عن الواقع، فأرناؤوط الذي يعمل من مكتب “تفوح منه رائحة الطلاء الجديد، يتحدث عن “التحديات الأمنيّة”، ويقول موارباً إن هناك شريحة تعرضت للظلم وهي “شريحة واضحة” و”معروفة للشعب السوري”، ويضيف أن سوريا هي “للشرفاء والأحرار”!

التقسيمات هذه وغياب مسار واضح للعدالة الانتقالية، انعكسا عنفاً طائفياً يستعرضه الفيلم، إذ نشاهد قوافل “الفزعات” ومشاهد القتل الطائفي، التي تحولت إلى رعب يملأ هواء المدينة ويتخلل أنفاس بعض سكانها، إذ التقى دحام مع علويين رفضوا مغادرة منازلهم، ومسيحيين هجّرهم تنظيم داعش من القريتين، بين كلماتهم، خوف حاضر على رغم رحيل الأسد. لكن اللافت هو تحرّر الكلام، لا رهبة من الكاميرا كما كان التصوير في عهد الأسد، ولا خوف من الإشارة الى المشكلة وسببها بوضوح!

“سلم أهلي سنّي”؟

يزور دحّام دير مارل إليان، ويلتقي مع الأب جاك مراد، رئيس الطائفة السريانية الكاثوليكية، الذي خطفه تنظيم داعش عام 2014 لأشهر عدة (خطف التنظيم نحو 200 مسيحي حينها). ينقل الأب جاك بوضوح المخاوف التي تتردد على ألسنة الناس سراً وفي المحافل الدولية: “بعد التحرير، يلي صار بكانون الأول 2024 سمعنا خطابات كثيرة واعدة، سمعنا أحلاماً كثيرة لدى المسؤولين… لكن لم يتحقق شيء على الأرض، الوضع ما زال مُتفاقماً بسبب الأحداث المؤلمة، من قتل وخطف وسرقات وتعديات…”.

الأب جاك، يقول عبارة لا بد من الوقوف عندها، عبارة مفادها: “إذا بدنا نحكي عن سلم أهلي، بصراحة نحن نحكي عن سلم أهلي سني، وليس لباقي مكونات الشعب”.

ما المقصود بالسلم الأهلي السني؟ تعويض الضحايا السنة؟ ضبطهم بعيداً عن الانتقام؟ تجاهل مآسي السوريين الذين استباحتهم التنظيمات المتشددة؟ يقول الأب جاك العبارة السابقة بينما نشاهد في الفيلم مهجّرين مسيحيين من مدينة “القريتين،” فرّوا من تنظيم داعش، ويزورون المدينة نفسها للحج،  لنقف أمام رقم مرعب، لم يعد هناك سوى”18 مسيحياً” في القريتين من أصل 900 كانوا فيها قبل عام 2011.

نسخ سوريا المتعددة

يظهر دحام في الفيلم كغيره من السوريين، عائداً إلى بلاده والمدن التي عرفها وعاشت فيها أسرته، تلتقط عدسته بعض العائدين، وآخرين يريدون الرحيل. والمفارقة، أن لكل واحد منهم متخيّلاً عن سوريا لا يوجد على أرض الواقع، العائدون يحلمون بغد ومستقبل بنوه في المنافي، ويصدمون بمدينة شبه مدمّرة كحال الكثير من المدن السوريّة، أما من بقوا، فيريدون الرحيل، كما قال طالب جامعي وثّق الفيلم حفل تخرجه. هناك نسخ من “سوريا” في مخيلة كل سوري، تشتبك هذه الصور مع الواقع نفسه، مع الحطام، وفرح التحرير، والأهم، غياب العدالة، الهاجس الذي يضرب قحف كل سوري ظُلم.

 – كاتب سوري

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى