رفع العقوبات الأميركية على سوريا و معضلة “داعش” تحديث 25 كانون الأول 2025

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:
العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق رفعها
لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:
الشرع و المقاتلين الأجانب و “داعش”
تحديث 25 كانون الأول 2025
تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية في سورية بعد سقوط النظام.. بين اختبار الدولة واستراتيجية الاستنزاف/ نوار شعبان
نشر في 24 كانون الأول/ديسمبر ,2025
شكّل تصاعد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية، بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحدّيًا أمنيًا مركزيًا للحكومة السورية الانتقالية، حيث أفضى انهيار منظومة الحكم السابقة، بما رافقه من تفكّك مؤسسات جهاز الأمن، إلى نشوء فراغ حاولت السلطة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، أن تملأه عبر مسار مزدوج، تمثّل في دمج الفصائل المسلّحة ضمن هياكل رسمية، والبدء في تأسيس نواة جيش جديد لبسط سيطرتها على الجغرافية السورية التي كان النظام السابق مسيطرًا عليها.
وعلى الرغم من تحقيق الحكومة الانتقالية جملةً من المكاسب السياسية الأولية، مثل تخفيف العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على الدولة السورية والعمل على إزالتها تدريجيًا، وفتح قنوات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، فإنّ البيئة الأمنية ما تزال غير مستقرّة، وذلك بسبب وجود تهديدات مركّبة، تمثّلت في بقايا شبكات النظام السابق، ونشاط خلايا تنظيم (داعش) التي استغلّت المرحلة الانتقالية، في ظلّ عجز الدولة السورية عن بسط سيطرتها الميدانية على كامل الأراضي السورية، شمالًا وجنوبًا، واستمرار الخروقات الإسرائيلية المتكرّرة، برًّا وجوًّا. ما يشكّل اختبارًا لقدرة الدولة على فرض الاستقرار وبسط السيطرة الأمنية.
في هذا السياق، تقدّم هذه الورقة قراءة تحليلية لأنماط عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مناطق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، بالاستناد إلى تحليل الهجمات المنفّذة خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو إلى كانون الأول/ ديسمبر 2025. وتسعى الورقة إلى الوقوف على دلالات هذه العمليات، وفهم أنماطها، والبحث في أهدافها، وحدود قدرتها على التحوّل إلى تهديد استراتيجي أوسع، في ظلّ الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري المعقّد الذي تشهده البلاد.
وتتناول الورقة الأدوات التقنية التي قد تدعم جهود الحكومة السورية الانتقالية في مواجهة التنظيم، على المستويَين العسكري والأمني، وسبل التعامل الممكنة مع الخطاب المتطرف للتنظيم، ضمن استراتيجية تعتمد على الجمع بين توظيف أدوات الردع من ناحية، والمعالجة البنيوية لجذور العنف من ناحية أخرى. وتسعى الورقة إلى استشراف التهديدات المحتملة لتنظيم (داعش) خلال المرحلة المقبلة، استنادًا إلى المعطيات الميدانية والتنظيمية الراهنة، مع التأكيد أن ترسيخ الاستقرار في سورية يظلّ مرهونًا بقدرة الدولة على إنجاز إصلاحات أمنية عميقة، وتعزيز مسار العدالة الانتقالية، وتكريس شراكات دولية داعمة من دون المساس بالسيادة الوطنية.
أولًا: أنماط العمليات المسلّحة لداعش بين شهري أيّار وكانون الأول 2025
على الرغم من انحسار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ميدانيًا، عقب سقوط النظام، فإن عملياته العسكرية لم تتوقف، واستمرّت بوتيرة متفاوتة، في أكثر من منطقة في سورية. ففي شمال شرق البلاد، حيث لا تزال ترتيبات السيطرة والأمن خارج نطاق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية، نفّذ التنظيم ما يقارب 155 هجومًا، منذ سقوط النظام حتى اليوم[1]، بما يعكس قدرته على الحفاظ على بنية خلايا فاعلة في بيئات أمنية رخوة. وتكمن أهمية رصد العمليات التي قام بها تنظيم (داعش)، داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية، في كونها تمثّل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على فرض الأمن وضبط المجال العام، ومنع التنظيم من إعادة التموضع داخل الجغرافيا الخاضعة لسلطتها.
وفي هذا الإطار، يُظهر رصد العمليات المنسوبة إلى تنظيم (داعش)، خلال الفترة الممتدة من أيار/ مايو حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025، نمطًا تصاعديًا متدرّجًا في وتيرة الهجمات داخل هذه المناطق[2]، وذلك عبر انتقال التنظيم من ضربات متفرقة ذات طابع اختباري، إلى هجمات موجهة أكثر دقة، من حيث طبيعة الأهداف، ومن حيث توزعها الجغرافي. وقد تركّزت غالبية هذه العمليات على استهداف القوات الحكومية ومرافقها الأمنية، من خلال استخدام العبوات الناسفة والكمائن المسلّحة والاغتيالات المباشرة، بما يعكس تبنّي التنظيم استراتيجية استنزاف تهدف إلى إرباك الأجهزة الأمنية، واختبار قدرتها على فرض السيطرة، ولا سيّما في المناطق الطرفية والبادية السورية[3].
وتُظهر قراءة السجلّ العملياتي أن هناك نحو ثلاثين هجومًا توزّعت على محافظات عدة، وقد نالت محافظة دير الزور الحصّة الأكبر منها، حيث شكّلت الثقل الأبرز لهذه الهجمات، تليها محافظتا درعا وإدلب، ثم محافظات ريف دمشق وحمص وحماة ومدينة دمشق، على الترتيب. ويعكس هذا التوزّع قدرة التنظيم على التحرك ضمن مساحات جغرافية متباعدة، مستفيدًا من الفجوات الأمنية ومن تفاوت مستوى الضبط بين منطقة وأخرى. ومن الملاحظ أن هناك تنوّعًا في أنماط الاستهداف، شمل أهدافًا حكومية مباشرة، وأهدافًا مدنية، إضافة إلى ما صُنّف ضمن الأهداف المختلطة، مثل استهداف دوريات أو مواقع عمل حكومية ضمن بيئات غير عسكرية خالصة، في مسعًى لتوسيع الأثر النفسي للهجمات وعدم حصرها في نطاق أمني ضيق.
ومن حيث المقاربة القتالية، حافظ التنظيم على اعتماد أدوات عنف منخفضة الكلفة نسبيًا، كالعبوات الناسفة والاغتيالات الفردية والهجمات السريعة على الحواجز، مقابل محدودية العمليات الانتحارية التي تميّز بها نشاطه، باستثناء حالات محدودة ذات طابع رمزيّ. ويشير هذا النمط إلى استراتيجية قتالية تسعى من خلالها (داعش) إلى الحفاظ على قدرتها التنظيمية، وتقليل خسائرها البشرية، مع توجيه ضربات ذات أثر سياسي وأمني، في إطار استنزاف طويل الأمد، يستهدف تقويض قدرات الحكومة السورية، على المدى الطويل، وصولًا في نهاية المطاف إلى تحقيق مكاسب عسكرية محددة.
في هذا السياق، يبرز هجوم تدمر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، بوصفه أخطر عمليات تنظيم (داعش)، نظرًا لطبيعته المركبة، ولكونه أسفر عن مقتل جنود أميركيين، في استهداف اجتماع أمني مشترك ضمّ ضباطًا من الجيش السوري الانتقالي ومستشارين عسكريين أميركيين في محيط المدينة[4]. وتأتي أهمية هذه العملية من كونها من أوائل عمليات (داعش)، عقب انضمام سورية رسميًا إلى التحالف الدولي لمكافحة التنظيم، الأمر الذي يمنح العملية بُعدًا يتجاوز الخسائر البشرية المباشرة؛ إذ سعى التنظيم من خلالها إلى إبراز هشاشة الشراكة الأمنية الوليدة، بين الحكومة السورية الانتقالية والتحالف، ورفع كلفة التعاون الدولي، والتشكيك بقدرة الحكومة على توفير بيئة آمنة لشركائها.
ومن جانب آخر، تؤكد هجمات التنظيم التي نُفّذت، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، ولا سيما في تدمر وخان شيخون، انتقاله إلى استهداف مواقع ذات أهمية استراتيجية أعلى، شملت قوات حكومية ومحاور مواصلات حيوية، في محاولة واضحة لرفع كلفة المواجهة على الحكومة السورية، وإظهار أن تغيير السلطة السياسية لم يؤدِ تلقائيًا إلى تحييد التهديد الذي تمارسه (داعش) عبر عملياتها العسكرية. وفي المحصلة، يعكس هذا السجل العملياتي أن التنظيم، رغم تراجعه مقارنة بمراحل سابقة، لا يزال قادرًا على تهديد الاستقرار الأمني، وذلك باتخاذه نمطًا مرنًا يجمع بين الانتشار اللامركزي وتنوّع أدوات العنف واستغلال البيئات الهشّة. ويؤكد ذلك أن مواجهة هذا التهديد داخل مناطق سيطرة الحكومة السورية تتطلب استراتيجية متكاملة، لا تقتصر على الردّ الأمني المباشر، بل تشمل سدّ الفجوات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، وتحصين البيئات المحلية، بما يحول دون تمكّن التنظيم من إعادة إنتاج نفسه في سياق المرحلة الانتقالية[5].
ثانيًا: أدوات الحكومة السورية الانتقالية المحتملة في مواجهة (داعش)
تبرز حاجة الحكومة السورية الانتقالية، في مواجهة التهديد الذي يمثّله تنظيم (داعش)، إلى تطوير حزمة متكاملة من الأدوات الأمنية والسياسية والإعلامية، يمكن توظيفها أو تعميقها بهدف احتواء التهديد والحدّ من قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه. ويُفترض أن تقوم هذه الأدوات على مبدأ المعالجة متعددة المستويات، التي تجمع بين البعد الأمني الصلب، والمعالجة المؤسسية والفكرية والاجتماعية.
تطوير القدرات الاستخباراتية والأمنية: يُعدّ ضعف البنية الاستخباراتية أحد أبرز الثغرات التي يمكن أن يستغلها تنظيم (داعش) في المرحلة الانتقالية، ولا سيما في ظل انهيار أجهزة النظام السابق وتفكيك شبكات السيطرة والتحكم التقليدية. ومن ثم، تبرز إمكانية أن تعمل الحكومة الانتقالية على إعادة بناء منظومة استخباراتية جديدة، تستند إلى أسس مهنية وحديثة، مع التركيز على العمل الوقائي، بدلًا من الاقتصار على الاستجابة اللاحقة للهجمات. وقد يشمل ذلك إنشاء جهاز مركزي للتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب، وتطوير قدرات الرصد والتحليل المبكر، إضافة إلى بناء قواعد بيانات موحّدة تتعلق بالمشتبه بهم والخلايا النائمة. ويُعدّ اعتماد آليات تدقيق أمني صارمة للمجنّدين الجدد في الجيش والأجهزة الأمنية أداةً محتملة أساسية، تهدف إلى تقليص فرص الاختراق من الداخل، وهو تحدٍ مرجّح في سياق دمج فصائل وقوى مسلحة ذات خلفيات متباينة. وفي البعد الإقليمي، يمكن للحكومة أن تطوّر مستويات التعاون الاستخباراتي مع دول الجوار، خصوصًا ما يتعلق بتتبع تحركات العناصر العابرة للحدود، بغية الحدّ من قدرة التنظيم على الاستفادة من الجغرافيا المفتوحة والفراغات الحدودية.
توظيف التعاون الدولي والمساعدات التقنية: يشكّل الانفتاح على التعاون الدولي أداة محتملة محورية في استراتيجية مواجهة (داعش)، لا سيّما في ظل محدودية الموارد والخبرات المحلية المتاحة في المرحلة الانتقالية. ويمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تستثمر موقعها الجديد كشريك محتمل في مكافحة الإرهاب، للحصول على دعم تقني ولوجستي واستخباراتي، يشمل التدريب المتخصص لوحدات مكافحة الإرهاب، ونقل الخبرات في مجالات كشف العبوات الناسفة، والرصد الجوي، وتحليل البيانات. وقد يسهم هذا التعاون في تطوير قدرات الاستطلاع الجوي والاستخبارات التقنية، مع اعتماد نموذج يوازن بين الاستفادة من الدعم الخارجي والحفاظ على القرار السيادي الوطني. وعلى المستوى السياسي، يمكن ربط هذا المسار بجهود أوسع لتخفيف العقوبات الدولية، على أساس أن الاستقرار الأمني ومكافحة الإرهاب يمثلان شرطًا ضروريًا لإعادة الإعمار وجذب التمويل والاستثمار.
إعادة هيكلة القطاع الأمني ودمج المقاتلين السابقين: من التحديات البنيوية التي تواجه الحكومة الانتقالية، احتمالُ استمرار التعدد في الولاءات والهياكل المسلحة. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل للقطاع الأمني، بوصفه أداة استراتيجية طويلة الأمد في مواجهة (داعش). وقد يشمل ذلك إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية والأمنية، وبناء عقيدة مهنية موحّدة تضع مكافحة الإرهاب وحماية المدنيين في صلب مهامها. ويمكن تطوير برامج إعادة تدريب ودمج للمقاتلين السابقين ضمن جيش وطني موحّد، مع التركيز على إعادة التأهيل المهني والعقائدي، وتجنّب إعادة إنتاج البُنى الفصائلية داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أهمية تطوير جهاز شرطة محلية فاعل، يكون قادرًا على ضبط الأمن اليومي في المدن والبلدات، كي يخفف الضغط عن القوات العسكرية ويحدّ من المساحات التي قد تنشط فيها الخلايا النائمة.
تعزيز المقاربة الاستباقية لتفكيك الخلايا النائمة: تُعَدّ الاستراتيجية الاستباقية أداة محتملة حاسمة في مواجهة تنظيمٍ يعتمد على خلايا نائمة تتحرّك بشكل لامركزي. ويمكن للحكومة الانتقالية أن تطوّر قدرات العمليات الخاصة والاستخبارات الميدانية، بما يسمح بتفكيك هذه الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. غير أن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالبعد العسكري وحده، بل يتطلب معالجة البيئة الحاضنة التي قد يستفيد منها التنظيم. وفي هذا الإطار، تُعدّ السياسات التنموية المحلية، مثل تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، ومعالجة مظالم المجتمعات المهمّشة، أدوات غير مباشرة لكنها أساسية في تقليص قابلية التجنيد، ولا سيّما في المناطق الريفية والبادية التي شكّلت تقليديًا مسرحًا لنشاط التنظيم.
بناء إطار قانوني وإعلامي مضاد لخطاب (داعش): إلى جانب الأدوات الأمنية، تبرز أهمية تطوير أدوات قانونية وإعلامية قادرة على تحجيم خطاب (داعش) ونزع شرعيته. ويمكن للحكومة الانتقالية أن توظّف مسار العدالة الانتقالية، بوصفه أداة مركزية لتقويض السرديات التي يتغذى عليها التنظيم، ولا سيما خطاب المظلومية والانتقام، حيث إن إرساء مبدأ المحاسبة الشاملة، سواء بحق عناصر التنظيم أو مرتكبي الانتهاكات من النظام السابق، من شأنه تقليص قدرة (داعش) على استثمار مشاعر الظلم. أما على المستوى الإعلامي، فيمكن تطوير خطاب مضاد، يستند إلى تفكيك الأيديولوجيا الداعشية، دينيًا وفكريًا، عبر إبراز قراءات دينية معتبرة تنقض سرديات التكفير والعنف، بالتوازي مع مراقبة الفضاء الرقمي الذي يستخدمه التنظيم للتجنيد والدعاية. ويُفترض أن تتكامل هذه الجهود مع الإنجازات الأمنية على الأرض، بحيث يُعاد بناء الثقة المجتمعية تدريجيًا في قدرة الدولة الجديدة على حماية مواطنيها.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمسار تهديد (داعش)
استنادًا إلى المعطيات الأمنية والسياسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمسار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومستوى تهديده للحكومة السورية الانتقالية خلال العامَين المقبلين. وتنبع هذه السيناريوهات من إجراء قراءة تحليلية للواقع الميداني، ومن تحليل طبيعة التوازنات الأمنية القائمة، بالاستناد إلى اتجاهات نشاط التنظيم وأنماط تحركه، إضافة إلى مستوى التنسيق الدولي القائم في مواجهته.
السيناريو الأول: تراجع كبير لتهديد التنظيم
يفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة السورية الانتقالية، بدعم قوي ومتواصل من التحالف الدولي، في توجيه ضربات حاسمة لقدرات التنظيم خلال عام 2026. ويتحقق ذلك عبر تعزيز التعاون الاستخباراتي والتدريبي مع الولايات المتحدة، بما يرفع من كفاءة القوات السورية في ملاحقة الخلايا الإرهابية وتفكيك بنيتها التنظيمية. وفي هذا السياق، تتمكن دمشق من اعتقال أو تصفية معظم قيادات الصفين الأول والثاني في التنظيم، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملموس في عدد الهجمات، قد يصل إلى نحو 50% مع نهاية عام 2026. ويفترض هذا السيناريو نجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات أمنية داخلية فعّالة، تقلّص فرص تسلل العناصر المتطرفة إلى مؤسسات الدولة، وتُحصّن الجبهة الداخلية من الاختراق. ويرتبط هذا المسار أيضًا باستمرار الاستقرار السياسي الداخلي، وبتعزيز المصالحة الوطنية، بما يُضعف الخطاب الدعائي لتنظيم (داعش) ويجفف منابعه البشرية. ونتيجة لذلك، يتحول التنظيم إلى خطر أمني ثانوي، يمكن احتواؤه عبر أدوات الشرطة المحلية والاستخبارات، بما يشير إلى نهاية مرحلة التمرّد المسلح المفتوح.
السيناريو الثاني: استمرار حرب استنزاف محدودة
وفق هذا السيناريو، تستمرّ هجمات التنظيم بوتيرة منخفضة نسبيًا، وتتركز في المناطق الريفية وأطراف البادية البعيدة عن مراكز المدن. وتنجح القوات السورية، بدعم من التحالف الدولي، في منع التنظيم من تنفيذ عمليات كبرى أو من السيطرة على مناطق حضرية، إلا أنّ التنظيم سيتمكّن في المقابل من إعادة تنظيم بعض صفوفه ضمن خلايا صغيرة تعتمد أسلوب الكرّ والفرّ. وفي هذا الإطار، يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، لا يستطيع التنظيم من خلالها تجاوز سقف معين من التهديد، وفي الوقت نفسه تعجز الحكومة عن القضاء التام عليه. ويظلّ الخطر ضمن جيوب معزولة، مع بقاء مستوى متوسط من الاضطراب الأمني، يتمثل في هجمات متقطعة على الحواجز أو عمليات اغتيال لشخصيات محلية. وقد يترافق هذا السيناريو مع حالة من الكرّ والفرّ السياسي، إذ قد تتراجع بعض الدول مؤقتًا عن دعم دمشق، ما يسمح بنشاط نسبي لـ (داعش)، ثم تعود للتعاون فتتراجع وتيرة الهجمات، من دون إحداث تغيير استراتيجي جوهري في المعادلة. وباختصار، يبقى (داعش) في هذا السيناريو شوكة أمنية مزمنة في خاصرة الدولة السورية، لكنه غير قادر على تقويض الاستقرار بشكل شامل.
السيناريو الثالث: تصاعد خطير وعودة الفوضى
يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأسوأ، حيث يتمكن تنظيم (داعش) من استغلال إخفاقات أمنية أو سياسية جسيمة، لتحقيق تصعيد نوعي يعيد شبح الإرهاب على نطاق مقلق. وقد يتحقق ذلك في حال فشل الحكومة في استكمال إصلاح أجهزتها الأمنية، أو في حال بقاء بعض الفصائل المسلحة خارج إطار الاندماج الكامل، أو استمرار ولاءات متعارضة داخل البنية العسكرية. وفي مثل هذا السياق، قد ينجح التنظيم في تنفيذ هجمات كبيرة داخل مراكز حضرية رئيسة، كدمشق أو حلب، توقع عشرات الضحايا، ما يزرع الفوضى ويؤثر في تماسك الدولة.
من جانب آخر، قد يؤدي اندلاع توترات طائفية، أو صدامات مع قوى أخرى، سواء مع قوات سوريا الديمقراطية/ قسد في الشمال الشرقي، أو مع إسرائيل في الجنوب، إلى فتح ثغرات يستغلها التنظيم لتوسيع نشاطه واستقطاب مجنّدين جدد تحت شعارات عدة، مثل “نصرة السنّة” أو مقاومة “العدو الصهيوني”. وفي هذا السيناريو، يُخشى من تآكل هيبة الحكومة الانتقالية وعجزها عن ضبط الأمن، وقد يؤدي ذلك إلى عودة الانقسامات الداخلية، وربما يؤدي إلى انهيار الدعم الذي يقدّمه التحالف الدولي. ومن أخطر الاحتمالات في هذا المسار، تسلّل التنظيم إلى قلب المؤسسات الأمنية نفسها، مستفيدًا من ضعف الرقابة، وتنفيذ هجمات من داخل أجهزة الدولة، بما يشكل صدمة كبرى ويقوّض الثقة العامة.
هذا السيناريو هو الأقلّ ترجيحًا، إلا أنه يظل ممكنًا في ظلّ وجود أطراف إقليمية معادية قد تعمل على زعزعة الاستقرار السوري. وهناك احتمال بأن تقوم إيران، الداعمة لميليشيات مرتبطة ببقايا النظام السابق، بتسهيل حركة فلول (داعش) بين العراق وسورية، بغية إرباك الحكومة الجديدة. وقد تجد (قسد) مصلحةً في تضخيم خطر (داعش)، لتبرير استمرار تمسّكها بنمط حكم ذاتي منفصل، وهو ما قد يضعف الجبهة الداخلية، ويفتح الباب أمام عودة العنف على نطاق أوسع.
خاتمة
تُظهر التطورات الأمنية في سورية بعد سقوط نظام الأسد أن مواجهة تنظيم متطرف، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لا تُحسَم عبر معركة عسكرية واحدة أو من خلال إضعاف ميداني مؤقت؛ حيث بدا أن التنظيم يمتلك قدرة واضحة على التكيّف مع البيئات الهشّة، وعلى استغلال الفجوات الأمنية والمؤسسية التي رافقت المرحلة الانتقالية، ولا سيّما التأخير في بناء مؤسسات الدولة، وعدم اكتمال منظومات الضبط والحوكمة الأمنية.
في هذا السياق، اتجه نشاط التنظيم إلى إعادة إنتاج التهديد، وإثبات الحضور، والحفاظ على الاستمرارية، أكثر من السعي إلى تحقيق مكاسب عسكرية حاسمة. وقد كانت عمليات التسلّل وتنشيط الخلايا وتنفيذ الهجمات منخفضة الكلفة أدواتٍ رئيسة لاختبار قدرة الدولة السورية على فرض السيطرة وبسط الاستقرار، فضلًا عن استنزاف مواردها الأمنية، في ظل بيئة انتقالية تتسم بتعدد الفاعلين، وتعقيد المشهد الأمني والسياسي.
في المقابل، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية اتخاذ خطوات جادة، وإن كانت غير مكتملة، على مسار إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الداخلي، وتطوير أشكال من التعاون الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، لا ينبغي التقليل من أهميّة التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ضمن إطار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)، سواء من حيث التقارب السياسي-الأمني مع واشنطن، الذي يكتسب طابعًا يتجاوز الاستجابة الظرفية المباشرة، أو من حيث إن هذا التحالف ركيزة أساسية في جهود الاحتواء خلال المرحلة الانتقالية. غير أن فاعلية هذا التعاون تظلّ رهنًا بقدرة الدولة السورية على إعادة تنظيمه على أسس مؤسسية واضحة، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وبناء القدرات، وتقديم الدعم التقني، بما يعزز الاستجابة الوطنية ولا يستعيض عنها.
قد نشهد تراجعًا نسبيًا في وتيرة العنف في المرحلة المقبلة، إلا أن هذا التحسّن يظل أوليًا وهشًا وقابلًا للانتكاس، في حال تعثّر الإصلاحات الأمنية، أو استمرار الانقسامات المؤسسية، أو تأخّر استكمال بناء أجهزة الدولة القادرة على فرض سيادة القانون بشكل متوازن ومستدام. ومن ثم، فإن تحجيم خطر تنظيم (داعش)، وتقويض قدرته على إعادة إنتاج نفسه، لا ينبغي التعامل معه كغاية سريعة أو إنجاز قصير الأمد، بل كمسار قابل للتحقق على المدى الطويل، وهو مشروط بحدوث تقدّم تدريجي في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الأسباب البنيوية التي يستثمرها التنظيم في التجنيد والتغلغل. ويظلّ النجاح في هذا المسار مرهونًا بتكامل الأدوات الأمنية مع الإصلاح المؤسسي، واستمرار الشراكات الدولية ضمن مقاربة واقعية، تتجنب التهوين من التهديد أو المبالغة في تقدير منجزات المواجهة.
في المحصلة، تمثّل السنوات القليلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على منع عودة العنف المنظم، ووضع أسس استقرار أمني طويل الأمد، في سياق انتقالي معقّد لا يسمح بإجابات سريعة، لكنه يتيح، عبر إدارة متأنية ومراكمة تدريجية للقدرات، تضييق هامش الحركة أمام التنظيمات المتطرفة، ويمنعها من تحويل هشاشة المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإعادة إنتاج الفوضى.
[1] وذلك بحسب عمليات الرصد والمتابعة التي يجريها فريق المركز.
[2] ISIL (ISIS) launches first attacks against new Syrian government, Jazeera English, Published on 30 May 2025, https://shorturl.at/03kfa
[3] تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يستهدف الحكومة السورية الجديدة، معهد واشنطن للدراسات، 22 أيار/ مايو 2025، https://shorturl.at/RCx6p
[4] Three Americans killed by IS gunman in Syria, US military says, BBC, Published on 15 May 2025, https://shorturl.at/BgRZi
[5] هذه خلاصة تحليل البيانات التي جمعها فريق المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة.
تحميل الموضوع
مركز حرمون
—————————–
كيف غيَّرت قرارات ترمب وجه سوريا؟/ سلطان الكنج
سياسة فرض الاستقرار وتقليص تكلفة الانخراط العسكري
24 ديسمبر 2025 م
في مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الملفات الأمنية بالاستراتيجية، والاقتصادية بالسياسية، تعكف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منذ عودتها إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، على إعادة رسم مقاربتها للملف السوري. فبعد سنوات من سياسات أميركية اتسمت بالتردد وتضارب الأجندات، ولا سيما خلال حقبتي باراك أوباما وجو بايدن، تتجه واشنطن اليوم بخطى ثابتة نحو سياسة أكثر مباشرة و«براغماتية»، عنوانها الأبرز تحقيق النتائج على الأرض وضبط التوازنات الدقيقة، بعيداً عن الاعتبارات الآيديولوجية أو الرهانات الطويلة الأمد.
وتأتي هذه المقاربة المستجدة استجابة لمتغيرات جوهرية طرأت على الساحة السورية، يتصدرها سقوط النظام السابق، وصعود حكومة جديدة تسعى بدأب لتثبيت شرعيتها الداخلية وانتزاع اعتراف دولي، بالتوازي مع استمرار المخاطر التي يمثلها تنظيم «داعش»، وتراجع النفوذ الإيراني، وتنامي الأدوار الإقليمية الفاعلة لكل من السعودية وتركيا وقطر. وضمن هذا المشهد، تعيد واشنطن تموضعها بما ينسجم مع «عقيدة ترمب» للشرق الأوسط، القائمة على فرض الاستقرار، وتقليص تكلفة الانخراط العسكري المباشر، وفتح الأبواب أمام مشاريع التنمية والاستثمار.
المصالح قبل الآيديولوجيا
في قراءة لهذا التحول، يرى فراس فحام، الباحث في «مركز أبعاد للدراسات»، أن سياسة الرئيس ترمب تجاه سوريا يمكن توصيفها بأنها «سياسة براغماتية بامتياز»، تركز في جوهرها على المصالح الدولية والاقتصادية، متجاوزة الخلفيات الفكرية أو الآيديولوجية للحكومة السورية الجديدة. ويشير فحام إلى أن نقطة الارتكاز في التقاطع المستجد بين واشنطن ودمشق تتمثل في «منع عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا»، وهو هدف يحتل الصدارة في حسابات الإدارة الأميركية الحالية.
ويضيف الباحث أن هذه المقاربة لا يمكن فصلها عن مواقف الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، التي أبدت دعماً صريحاً للحكومة السورية الجديدة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تليها تركيا وقطر، لافتاً إلى أن إدارة ترمب أبدت «استعداداً للاستجابة لهذه المواقف» بعدّها ركيزة أساسية في عملية إعادة بناء منظومة التحالفات الإقليمية.
ولدى عقد مقارنة مع الإدارات السابقة، يعدّ فحام أن نهج أوباما وبايدن كان أقرب إلى «إطلاق يد إيران في المنطقة»، ودعم نفوذ الأقليات، ولا سيما من خلال التحالف الوثيق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، ما أسهم في تعقيد المشهد وإضعاف فرص قيام دولة مركزية قادرة على ضبط الأمن ومنع عودة التنظيمات المتطرفة.
من الرياض إلى واشنطن: محطات تحول
يرصد فحام المحطات المفصلية في مسار سياسة ترمب الجديدة، مشيراً إلى أن نقطة البداية كانت في اللقاءات التي شهدتها الرياض في يونيو (حزيران) الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي، بطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رفع العقوبات عن سوريا، في خطوة قُرئت بوصفها «أول رسالة إيجابية من واشنطن تجاه دمشق». وقد تبع ذلك لقاء ثلاثي جمع ترمب بولي العهد السعودي والرئيس السوري أحمد الشرع، تخللته إشادة لافتة من الرئيس الأميركي بنظيره السوري، عكست رغبة واشنطن في الانفتاح السياسي.
غير أن المحطة الأهم، وفقاً لفحام، تمثلت في «قمة واشنطن» التي عقدت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث استقبل ترمب الرئيس الشرع في البيت الأبيض، في لقاء وصفه الباحث بأنه «نقطة تحول مفصلية». فعقب هذا اللقاء، بدأت الإدارة الأميركية حراكاً فعلياً للضغط على الكونغرس لإبطال قانون «قيصر»، بالتزامن مع الإعلان عن ضم سوريا إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، ما نقل العلاقة بين الجانبين من التنسيق المحدود إلى ما يشبه «علاقة التحالف».
«قسد» ومستقبل شرق الفرات
وحول ملف «قوات سوريا الديمقراطية»، يوضح فحام أن إدارة ترمب تتعاطى مع هذا الملف من زاوية عملية بحتة، توازن بين مصالحها مع الحكومة السورية الجديدة – وهو ما انعكس في تراجع الدعم لـ«قسد» مقارنة بعهد بايدن – ومصالح الحليف التركي. وباتت واشنطن تنظر إلى دمشق بوصفها «الطرف الأكثر فاعلية» في الحرب على تنظيم «داعش». وتستند هذه الرؤية إلى توصيات مراكز أبحاث أميركية أكدت أن الاعتماد الأحادي السابق على المكون الكردي، وما رافقه من ممارسات في شرق سوريا، خلقا «حالة من المظلومية» استثمرها التنظيم المتطرف في التجنيد. وعليه، اقتنعت الإدارة بأن التعاون مع دمشق أكثر جدوى، مع السعي لدمج «قسد» ضمن الدولة السورية وترتيب وضعها أمنياً، لا التخلي عنها في المطلق.
وفي سياق متصل، وحول التوغلات الإسرائيلية جنوب سوريا، يؤكد فحام أن واشنطن تنظر «بعدم رضا» لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عادّة أنها تقوض الاستقرار الإقليمي وتعارض رؤية ترمب للتنمية.
كما تتخوف الولايات المتحدة من أن إضعاف الحكومة السورية قد يفتح الباب مجدداً لعودة النفوذ الإيراني ونشاط «داعش». أما فيما يخص محافظة السويداء، فيشير فحام إلى تبني الإدارة الأميركية ضرورة إدماج المحافظة في الدولة، مستشهداً بتصريحات للمبعوث الأميركي توم برّاك، الذي عدّ «اللامركزية فشلت في الشرق الأوسط»، ما يعكس توجهاً لدعم سوريا موحدة.
المؤسسة العسكرية: قراءة موازية
من زاوية أخرى، يقدم الباحث في الجماعات المسلحة، رائد الحامد، قراءة مكملة للموقف الأميركي، مشيراً إلى أنه على الرغم من توجه ترمب في ولايته الأولى لسحب القوات وفض الشراكة مع «قسد»، فإن تحذيرات كبار القادة العسكريين من عودة «داعش» بعد معارك الباغوز (مارس «آذار» 2019) دفعته للإبقاء على نحو 2000 جندي. ويذكّر الحامد بأن الشراكة مع «قسد» تعود لمعارك كوباني 2015، حيث اعتمدت عليها واشنطن بوصفها قوة برية.
لكن الحامد يلفت إلى أن «السياسة الجديدة» لما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبعد انضمام سوريا للتحالف الدولي، باتت تقوم على عدم الاعتراف بأي كيان مستقل شرق الفرات، ورفض الصيغ الفيدرالية المشابهة لإقليم كردستان العراق. ويختم الحامد بأن هذه السياسة الجديدة «لا تتضمن ضمانات أميركية حقيقية لقسد في مواجهة تركيا»، وتتقاطع مع ضغوط لدمجها في المؤسستين العسكرية والأمنية السورية وفق رؤية الحكومة السورية التي ترفض أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، وهو ما ترفضه «قسد» حتى الآن مع اقتراب نهاية السقف الزمني لتنفيذ اتفاقية مارس مع الحكومة في دمشق المقرر لها نهاية هذا العام، وفق الحامد.
وعلى ما يبدو فإن المشهد السوري قد دخل مرحلة مفصلية تتجاوز معادلات الصراع التقليدية، لتؤسس لواقع جديد تحكمه لغة المصالح والترتيبات الأمنية المتبادلة. وإذ تراهن واشنطن وحلفاؤها الإقليميون، وتحديداً الرياض وأنقرة، على قدرة القيادة الجديدة في دمشق على فرض الاستقرار وإنهاء حقبة الفوضى، فإن نجاح هذا المسار يبقى، وفقاً للمراقبين، رهناً باختبارات الميدان خلال الأشهر المقبلة. وستكون قدرة «الجمهورية الجديدة» على الموازنة بين متطلبات المصالحة الداخلية واشتراطات التحالفات الخارجية، هي المعيار الحاسم لتحديد ما إذا كانت هذه الانعطافة تمثل بالفعل الفصل الأول الذي سيضع حداً لسنوات من التردد الأميركي في المنطقة.
الشرق الأوسط
———————————–
عن التحدّيات بعد رفع عقوبات قانون قيصر/ عمار ديوب
25 ديسمبر 2025
تحدّيان كبيران سقطا عن كاهل سورية الجديدة: سلطة بشّار الأسد وعقوبات قانون قيصر. هما شرطان، داخلي وخارجي، كانا المعوقَيْن الأبرز أمام البدء بالمرحلة الانتقالية. هل نبالغ بذلك؟ أبداً. كان عامٌ من التجريب وفهم الواقع بتعقيداته المختلفة والممتدّة عقوداً، ولا سيّما منذ 2011، وكذلك السياسات الدولية والإقليمية؛ وبالتالي يُفترض البدء بتطبيق خطّة وطنية للنهوض العام وفي المجالات كافّة. السؤال الآن: هل السلطة مستعدّة لإعادة النظر في تجريبيّتها وبراغماتيتها وسياساتها؟
ثمّة سعادة شعبية غامرة برفع العقوبات، لكن هناك أيضاً ثمانية شروط أميركية وُضعت في نصّ الموافقة على هذا الرفع، يمكن فرض عقوبات بديلة إذا لم تُلبّى. وهي شروطٌ تتيح رصداً دقيقاً لكامل ممارسات السلطة، وستُرفع تقارير نصف سنوية عنها لأربعة أعوام مقبلة. والأنكى، صدور بيان لاحق عن قرار الرفع وعن مجلس الشيوخ يؤكّد المراقبة الدقيقة لممارسات السلطة. هناك أيضاً شروط أوروبية وبريطانية تشبه الأميركية، وأخيراً فرضت بريطانيا عقوبات على ثلاث فرق عسكرية وعميدَيْن في وزارة الدفاع. وبالتالي، يجب تغيير السياسات المتعلّقة بكيفية تشكيل الجيش والأمن، وإبعاد الأجانب منهما، وتبنّي عقيدة وطنية على أسس المواطنة. وهذا وحده ما سيستقطب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسيفتح المجال لإعادة السوريين، الدروز والعلويين، وعموم السوريين كذلك. وهذا مرتبطٌ بشرط أميركي يؤكّد إتاحة الحريات للأقليات الدينية والقومية. المقصد هنا أن هناك شروطاً دولية ستتحوّل إلى ابتزاز كبير على السلطة ما لم تتجّه إلى إشراك الشعب بدل إغلاق المجال أمامه. لقد رفضت السلطة فكرة الإشراك، وركّزت السلطات بيد أحمد الشرع، وهذا يتناقض مع سدّ الذرائع تجاه الضغوط الخارجية، عدا عن أن التشاركية في الدولة هي أصل كل شرعية للحكم. فما العمل؟
اقتضى هروب الأسد تحقيق أهداف الثورة منذ 2011، وتجاوز الأزمات التي أورثها لسورية وللسلطة الجديدة. بدلاً من الانفتاح على النُّخب الوطنية السورية لنقاش كيفية وضع خطّة وطنية لتجاوز الأزمات، احتكرت الشخصيات القادمة من هيئة تحرير الشام (ولعامٍ بأكمله) الدولة، وكانت النتيجة أزمات جديدة، وهروباً من مواجهة الأزمات القديمة. كان يمكن تفادي عدم الاستقرار الأمني والقتل الطائفي والانتقامي، وربّما تطويق انتشار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عبر وضع خطّة للعدالة الانتقالية وفتح النقاش الوطني العام حولها. كان الأمر ضرورياً، وهو كذلك حالياً وفي كل وقت. وقد أدّى عدم البدء بها إلى خطاب إعلامي طائفي، وتجييش بين الطوائف، ومجازر طائفية.
رفعت السلطة أسعار الخدمات الأساسية: الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات، ولم تحرز تقدّماً في مجال الصحّة أو التعليم أو السكن. وهناك قرابة مليون ونصف المليون يعيشون في المخيّمات السورية حتى الآن، ولم تتراجع مستويات الفقر عن 90%. السؤال: هل يُعقل أن ترفع الأسعار في ظلّ فقر كهذا، وبحجّة تأهيل الداخل للانتقال نحو اقتصاد السوق، وكأنّ المعاناة سياق طبيعي للانتقال؟… هذا غير صحيح أولاً، وثانياً كان يجب أن يترافق ذلك مع رفع في مستوى الأجور أو وجود فرص عمل. فقد يؤدّي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية كبيرة في أيّ لحظة، وقد شهد العام المنصرم كثيراً من الاحتجاجات الأولية.
هناك قضية خطيرة تتعلّق بالسياسات الاقتصادية العامّة، سواء بيع القطاع العام أو استقدام الاستثمارات وتوقيع مذكّرات التفاهم على قطاعات اقتصادية غير مرتبطة بالصناعة أو الزراعة أو حتى إعادة الإعمار للمدن المُدمَّرة. كان يجب أن يُدعى الخبراء الوطنيون (سواء في المجال الاقتصادي أو في سواه) إلى نقاش موضوعي وعقلاني حول هذه القضايا. لم يحصل ذلك، وليست هناك أيّ آليات للرقابة أو الشفافية أو المساءلة لمتابعة هذه القضايا، وهو ما يفتح المجال واسعاً للفساد واحتكار القلّة المحيطة بالشرع للثروات. لكن هذا سيؤدّي إلى احتجاجات.
التحديات ضخمة، وهي تشمل كل قطاعات المجتمع. وهي قديمة، والخروج منها مسألة في غاية التعقيد، وهناك دول كبيرة أخفقت في تجاوزها، كمصر مثلاً أو تونس. إن تعقيدها وشموليتها بالذات هما ما يفرض وضع الخطّة الوطنية وإيقاف السياسات العامة المُتبعة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
نعم، هناك فرصة كبيرة للنهوض؛ فكيف ستتمكّن السلطة من استغلال الدعم الدولي والإقليمي رغم الاشتراطات؟ إنها بأمسّ الحاجة إلى التوافقات الوطنية على شكل النظام السياسي، ولا بد أن يكون ديمقراطياً، وعلى شكل الدولة، ولا بدّ أن تكون في لامركزية إدارية ومحافظاتية وسياسية كذلك. ذلك كلّه (وسواه) يتطلّب ألّا تكون السلطة والدولة محتكَرتَيْن للخاصّة القادمة من هيئة تحرير الشام والملتحقين بها.
ذكرنا بعض التحديات الهائلة أمام سلطة دمشق، وهناك بعضها يتعلّق بتغيير السياسات العامّة للدولة. وهذا شرط مركزي لتفادي الضغوط الخارجية، وفي الوقت ذاته لتشكيل الثقة المجتمعية. إذاً، هناك تنازلات كبرى لا بدّ أن تحصل لإشراك الشعب، ولا بدّ أن ترتكّز السياسات العامة للدولة في استراتيجية وخطّة وطنية. إن عقلية احتكار السلطة هي عقلية ما قبل الدولة أو دولة السلطة، وهذه تجربة فاشلة بامتياز؛ فقط سياسات إشراك الشعب تُنقذ السلطة (أي سلطة) وتتيح لها مجدّداً العودة إلى السلطة في حال انتخاب سواها.
لا يمكن “تسكيت” الشعب زمناً طويلاً بقضايا كالخلاف مع “قسد”، أو حكمت الهجري والسوريين الدروز، أو غزال غزال (رئيس المجلس الأعلى للمسلمين العلويين) والعلويين، أو أزمات الأمس. كذلك، من الخطأ الاستمرار باعتماد سياسات غير شعبية، كالسياسات الاقتصادية أو ضعف الموقف من التوغّل العسكري الصهيوني وسياسات تفكيك سورية أو مركزة السلطة بيد شخصيات مُحدَّدة. وغير ما ذكرنا، هناك تقارير صحافية عن إمكانية تطبيق بعض بنود اتفاق 10 مارس (2025)، وهناك لقاء الشرع مع وجهاء علويين. والسؤال: ألا يدفع ذلك إلى تبنّي خيار المحاصصة، الطائفية أو القومية؟ ولطالما كرّرت السلطة رفضها، وهي محقّة في ذلك، لكن لقاءات كهذه تؤدّي إليها بالضرورة. فهل يمكن للمحاصصة الطائفية (سيكون للأكثرية السُّنية نصيب الأسد فيها) أن تكون هي الحلّ؟ ألم تكن الأكثرية الشيعية في رأس السلطة في العراق منذ 2003؟ فهل حُلّت الأزمات المتوارثة منذ زمن صدّام حسين؟ وهل أحوال الأكثرية الأخيرة بلا مشكلات؟… لا، أضيفت أزمات جديدة، وغرق العراق في أزمات تكاد تفكّكه، رهينةً لدى الأميركيين أو إيران، وهو الحال منذ أكثر من 20 عاماً.
الطريق الوحيد لمواجهة التحدّيات على اختلاف أشكالها (وهي تتعقّد بعد مرور عام) هي طريق العودة إلى الشعب وإشراكه في مختلف أشكال الانتخاب والتمثيل المحلّي والنيابي والوزاري وحتى الانتخابات الرئاسية. وقبل ذلك، العودة إلى عقد مؤتمر وطني عام للنُّخب السورية، والتخلّي كلّياً عن مسار مركزة السلطة عبر مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري وتعيين مجلس الشعب وحصر السلطات كلّها بيد الشرع وعائلته ومحاسيبه، للعودة إلى المسار الديمقراطي.
العربي الجديد
————————————–
“داعش” يستثمر بالخائبين.. جهاديون يأتون لسوريا لمحاربة الشرع/ عمر علاء الدين
الأربعاء 2025/12/24
يبدو أن تنظيم “داعش” يستثمر في “خيبات الجهاديين” من النهج المنفتح الذي تبناه الرئيس السوري أحمد الشرع، في تعامله مع الولايات المتحدة والدول الأخرى مقارنة بالنهج الذي كان ينتهجه حينما كان قائداً لـ”هيئة تحرير الشام” المنحلة.
وتشير مصادر مطلعة على تفكير الجماعات الجهادية في سوريا وخارجها، لـ”المدن”، إلى أن بعض أفراد هذه الجماعات ممن لم ينضموا إلى وزارة الدفاع، أو كان هدفهم في سوريا هو إقامة “الحكم الإسلامي”، أصبحوا ينظرون إلى الشرع كرجل “انحرف عن مساره” والواجب هنا بنظرهم “تصحيح المسار بالنصح”.
بينما جنح أكثرهم تشدداً إلى الانضواء تحت لواء تنظيم “داعش”، إذ يرون فيه القوة ذات القدرة على “تصحيح المسار الذي يتبعه الرئيس السوري”، على حد قولهم.
التنظيم نفسه وصف “نظام الشرع” بـ”المرتد” واتهم الشرع بـ”العمالة” وتقديم “أثمان” وتنازلات للولايات المتحدة، مقابل رفع واشنطن التصنيف عنه وعن “هيئة تحرير الشام” (نواة الحكم العسكري والمدني الحالي في سوريا) عن لوائح “الإرهاب”.
واعتبر التنظيم في افتتاحية صحيفته “النبأ” التي تصدر أسبوعياً، أن رفع التصنيف عن الإدارة السورية الجديدة، خطوة موازية لمنافستها روسيا، والتي أعلنت اعترافها بحكومة “طالبان” التي تسيطر على أفغانستان منذ عام 2021. كما وصف التنظيم انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بأنه “مجرد ترسيم علني لخطوة بدأها الشرع سراً منذ سنوات”، وقال إن “الشرع انتقل من قوائم الإرهاب إلى جندي في الحملة الصليبية على الإسلام”.
عمليات وقودها “خائبون”
نفذ التنظيم مؤخراً عدة عمليات في إدلب حيث استهدف أربعة عناصر من أمن الطرق في معرة النعمان، وعنصرين آخرين في سراقب/ إلا أن وزارة الداخلية السورية استطاعت القبض على منفذي العمليتين بعد يومين من ذلك الاستهداف.
وأعلنت الوزارة في بيان، الأسبوع الماضي، القبض على ثمانية عناصر اعترفوا بتنفيذهم لتلك العمليات، خلال عمليتين منفصلتين. وضبطت الداخلية، “أحزمة ناسفة”، و”كواتم صوت”، وصواريخ أخرى، إلى جانب أسلحة رشاشة كانت معدة لاستخدامها في تنفيذ هجمات وصفتها الداخلية بـ”الإرهابية وتهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار”.
وقالت مصادر أمنية سورية لـ “المدن”، إن أحد منفذي عملية استهداف عناصر الأمن في معرة النعمان بريف إدلب، قَدم من الشيشان برفقة زوجته بعد سقوط النظام لمحاربة “الحكومة السورية المرتدة”، تاركاً أطفاله في الشيشان.
واعتبرت المصادر أن هؤلاء يرون في تنظيم “داعش” “حركة محقة”، إلا أن المصادر أكدت أنهم قلة قليلة في سوريا ويمكن السيطرة عليهم، مشيرة إلى أن المعلومات الاستخباراتية تلعب دوراً مهما في مكافحتهم والقبض عليهم.
ويظهر انضمام هذا العنصر إلى “داعش” نموذجاً عن “خيبة أمل” مما آلت إليه الأوضاع في سوريا (انضمام سوريا بقيادة الشرع للتحالف)، وفي الوقت عينه، تأثر واضح بالخطاب الذي ينتهجه التنظيم للحفاظ على ما بقي له في سوريا، بعد محاصرته من جهات هم الأكثر قدرة على قراءة تحركاته وتفكيكها، وأبرزها “هيئة تحرير الشام”، بحسب مصادر مطلعة على تفكير الجماعات الجهادية.
ولم تفصح المصادر الأمنية عن كيفية دخول هذا العنصر وزوجته إلى سوريا لحساسية المعلومات، لكنها أشارت في ذات الوقت إلى أن التنسيق جار على أعلى المستويات مع حرس الحدود ومع الأجهزة الأمنية في الدول المجاورة.
في المقابل نفت مصادر رسمية في وزارة الداخلية السورية ما حصلت عليه “المدن” من معلومات حول هوية هذا العنصر وتوقيت دخوله وقالت: “إن هذا الأمر غير صحيح”.
خطاب داعش “مؤثر”
ويذهب الخبير في شؤون الحركات الجهادية حسام جزماتي، إلى أن الخطاب الذي ينتهجه داعش “يؤثر في الجهاديين”ن سواءً كانوا من هيئة تحرير الشام أو من خارجها .
ويضف جزماتي لـ”المدن”، إن “داعش” يخاطب هؤلاء عندما يقول: “منذ زمن ونحن نقول لكم إن الجولاني (الرئيس أحمد الشرع) سيحرف المسيرة ولم تصدقونا حينئذ انظروا الآن”.
وتتطلب مواجهة هذا الخطاب كشف “تناقضاته التاريخية”، و”تعزيز الاستقرار من خلال “التعاون الأمني الدولي”، وعمليات مضادة “إعلامية وأمنية مستمرة”، حيث سيَضعف هذا الخطاب تدريجياً مع تقدم بناء الدولة السورية الجديدة واستقرارها ومنع عودة التنظيم.
———————————–
العقوبات الأميركية على سوريا بعد إلغاء قانون قيصر.. ماذا تغيّر في لوائح الخزانة؟
2025.12.23
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، بالتنسيق مع وزارة التجارة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة، إصدار تحديثات واسعة تتعلق بالعقوبات على سوريا، شملت نشر نسخة معدلة من التحذير المشترك ثلاثي الجهات، وتحديثات على قائمة العقوبات، وذلك في أعقاب إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” لعام 2019.
وفي بيان لها، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن النسخة المعدلة من التحذير المشترك تعكس رسمياً إلغاء “قانون قيصر”، مع الإبقاء على منظومة العقوبات المفروضة بموجب أوامر تنفيذية أخرى، وفي مقدمتها الأمر التنفيذي المرتبط ببرنامج “تعزيز المساءلة عن نظام الأسد واستقرار المنطقة”.
وذكرت الخزانة الأميركية أن التحديث يهدف إلى توضيح نطاق تخفيف القيود المتعلقة بالعقوبات وضوابط التصدير إلى سوريا، دون أن يعني ذلك رفعاً شاملاً للعقوبات أو تغييراً في الموقف الأميركي من الجهات المتورطة بدعم نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
ما التعديلات على قائمة العقوبات الخاصة؟
أكد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية إدخال تعديلات تقنية وقانونية على قائمة الأشخاص والكيانات المصنفين خصيصاً، تمثلت بإزالة الإشارة إلى “قانون قيصر” من توصيف عدد من الأفراد والشركات، مع الإبقاء عليهم خاضعين للعقوبات بموجب برنامج تعزيز المساءلة عن نظام الأسد.
وشملت التعديلات شركات صرافة وتحويل أموال وشركات نفطية وعقارية وشحن، إضافة إلى شخصيات سورية ولبنانية مرتبطة بنشاطات مالية وتجارية اعتبرتها واشنطن داعمة للنظام السوري.
وتضمنت التحديثات استمرار إدراج عدد من شركات الصرافة السورية، من بينها “شركة الأدهم للصرافة”، و”شركة الفاضل للصرافة والتحويلات المالية”، و”شركة مايا للصرافة”، مع الإبقاء على تفاصيل مقارها ونشاطها المالي داخل سوريا.
كما شملت القائمة “شركة أرفادا البترولية المساهمة المغفلة الخاصة”، العاملة في أنشطة دعم استخراج النفط والغاز، إضافة إلى شركات عقارية مثل “راماك للمشاريع التنموية والإنسانية”، و”تميز”، و”شركة الأجنحة”، إلى جانب “ساليزار شيبينغ” اللبنانية، وشركة “STG Logistic” الروسية المرتبطة بنشاطات لوجستية في سوريا وروسيا.
كما أبقت تحديثات برنامج العقوبات الأميركية على إدراج عدد من الأفراد المرتبطين بشبكات مالية وتجارية داعمة لنظام الأسد، من بينهم سامر كمال الأسد، وعدد من أفراد عائلة بلوي المرتبطين بشركة “الفاضل للصرافة”، إضافة إلى نذير أحمد محمد جمال الدين، وخالدون حميه، وخالد قدور المرتبط بماهر الأسد، مع تعديل الأساس القانوني للعقوبات دون شطب أسمائهم من القائمة.
تلفزيون سوريا
————————
بعد إلغاء “قيصر”.. أمريكا تعدّل قيود التصدير إلى سوريا
أصدرت وزارات الخارجية والتجارة والخزانة الأمريكية، الثلاثاء 23 من كانون الأول، نسخة معدّلة من الإرشادات المشتركة الثلاثية بشأن العقوبات وتخفيف ضوابط التصدير الخاصة بسوريا، انسجامًا مع إلغاء قانون “قيصر” الذي كان يفرض عقوبات على سوريا.
وبحسب النسخة المعدلة، تؤكد الولايات المتحدة التزامها بدعم سوريا مستقرة وموحّدة وسلمية، كما أن رفع العقوبات الأمريكية من شأنه دعم جهود سوريا لإعادة بناء اقتصادها، وتحقيق الازدهار لجميع مواطنيها، بمن فيهم الأقليات الدينية والإثنية، ومكافحة الإرهاب.
ما الأنشطة التجارية المسموح بها مع سوريا؟
لم تعد الولايات المتحدة تفرض عقوبات شاملة على سوريا، وبالتالي لم تعد العقوبات الأمريكية تشكّل عائقًا أمام معظم الأنشطة التجارية المرتبطة بسوريا.
ألغى الكونجرس قانون “قيصر” والعقوبات الإلزامية المرتبطة به.
أصبح نقل معظم السلع الأمريكية ذات الاستخدام المدني الأساسي، وكذلك البرمجيات والتكنولوجيا، إلى سوريا أو داخلها مسموحًا دون الحاجة إلى ترخيص.
ما القيود التي لا تزال قائمة؟
بحسب النسخة المعدلة، لا تزال العقوبات مفروضة على “الأسوأ من بين الأسوأ”:
بشار الأسد ومقرّبوه.
منتهكو حقوق الإنسان.
مهرّبو “الكبتاجون”، وغيرهم من الجهات الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
ووفقا للنسخة المعدلة، تبنّت الحكومة الأمريكية سياسات جديدة وموقفًا تنظيميًا مشجّعًا لقطاع الأعمال والمصارف الأمريكية، والمجتمع الدولي، والشعب السوري، والشركاء الإقليميين، للمساهمة في استقرار سوريا مع حرمان الجهات الضارة من الموارد.
ولهذا الغرض، ستنسّق الحكومة الأمريكية مع القطاعين العام والخاص لتقديم الإرشادات الداعمة لهذه السياسات الجديدة.
كما تحتفظ الحكومة الأمريكية بسلطات أخرى، بما في ذلك قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية وقانون إصلاح ضوابط التصدير لعام 2018، لفرض وتنفيذ تدابير الأمن القومي عند الحاجة.
وتواصل الحكومة الأمريكية، بناء على النسخة، مراجعة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب (SST)، في حين لا تزال معظم المواد المدرجة على قائمة ضوابط التجارة والمتجهة إلى سوريا تتطلب ترخيصًا للتصدير من الولايات المتحدة.
ضوابط التصدير
في 2 من أيلول الماضي، طبّقت وزارة التجارة الأمريكية قاعدة جديدة تُخفّف متطلبات الترخيص للصادرات ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا، فلم تعد السلع الأميركية المنشأ، والبرمجيات، والتكنولوجيا ذات الاستخدامات المدنية في الغالب، إضافة إلى أجهزة اتصالات استهلاكية محددة، وبعض المواد المرتبطة بالطيران المدني، بحاجة إلى ترخيص للتصدير.
كما تُسهّل القاعدة الموافقة على تراخيص التصدير إلى سوريا في مجالات البنية التحتية للاتصالات، والصرف الصحي، وتوليد الطاقة، والطيران المدني، وبعض الخدمات المدنية الأخرى التي تدعم السلام والازدهار في سوريا. وستُراجع جميع الطلبات الأخرى المتعلقة بصادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا على أساس كل حالة على حدة.
ترامب يوقّع على إلغاء “قيصر”
وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، موازنة الدفاع الأمريكية، اليوم الجمعة 19 من كانون الأول، المتضمنة إلغاء قانون “قيصر” الخاص بالعقوبات على سوريا، بعد أن صوّت كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على إقرار الموازنة.
ويمثل قانون موازنة الدفاع صيغة توافقية جمعت حزمة من التدابير التي سبق أن أُقرت بشكل منفصل في مجلسي النواب والشيوخ، قبل المصادقة النهائية عليه خلال الشهر الحالي.
النائب الأمريكي جو ويلسون قال عبر حسابه في منصة “إكس“، إنه ممتن لأن الرئيس ترامب وقّع على قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA)، مما يلغي وبشكل رسمي قانون عقوبات “قيصر” على سوريا.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي صوّت، في 17 من كانون الأول، لصالح المشروع النهائي لقانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 المتضمن إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، وأحاله إلى الرئيس دونالد ترامب للتوقيع عليه ليصبح نافذًا بعد ذلك.
رحلة إلغاء “قيصر”
كان مجلس النواب الأمريكي، صوت ليل الخميس 10 من كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع، الذي تضمن بندًا يقضي بإلغاء قانون “قيصر” المفروض على سوريا.
ويتيح تصويت الكونجرس على الصيغة النهائية لملحق إلغاء القانون أن يصبح قانونًا ترفع بموجبه العقوبات الأمريكية عن سوريا بشكل نهائي ودائم قبل عيد الميلاد.
وكانت وزارتا الخزانة والتجارة الأمريكيتان أعلنتا تمديد تعليق تطبيق عقوبات قانون “قيصر” جزئيًا لمدة 180 يومًا.
وجاء في بيان مشترك بين الوزارتين، في 10 من تشرين الثاني الماضي، أن القرار يستبدل الإعفاء السابق الذي صدر في 23 أيار الماضي.
وأشار البيان إلى أن التعليق الجديد يوقف العمل بمعظم العقوبات المفروضة بموجب القانون، باستثناء تلك التي تشمل معاملات مالية أو تجارية مع روسيا وإيران.
وأتى البيان بعد زيارة الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض التي تعد الأولى لرئيس سوري للولايات المتحدة الأمريكية.
عنب بلدي
————————
سوريا تعلن مقتل قيادي بارز في تنظيم «داعش»
دمشق: «الشرق الأوسط»
25 ديسمبر 2025 م
أعلنت السلطات السورية، الخميس، أنها قتلت قيادياً بارزاً في تنظيم «داعش»، بالتنسيق مع «التحالف الدولي»، في عملية «أمنية دقيقة»، بعد ساعات من إعلانها إلقاء القبض على قيادي بارز آخر قرب العاصمة.
وقالت وزارة الداخلية، في بيان، إنها نفذت «عبر التنسيق مع قوات التحالف الدولي، عملية أمنية دقيقة في بلدة البويضة» بريف دمشق، أسفرت عن مقتل «محمد شحادة المُكنّى (أبو عمر شداد)، أحد القيادات البارزة في تنظيم (داعش) في سوريا»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وتأتي العملية، وفق وزارة الداخلية، «تأكيداً على فاعلية التنسيق المشترك بين الجهات الأمنية الوطنية والشركاء الدوليين».
وأعلنت سوريا، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انضمامها رسمياً إلى «التحالف الدولي» الذي تأسّس عام 2014 بقيادة واشنطن لمكافحة التنظيم المتطرف، بعدما كان سيطر على مساحات شاسعة في العراق وسوريا قبل دحره تباعاً من البلدين بين 2017 و2019.
وجاء إعلان العملية، الخميس، بعد ساعات من إعلان الوزارة إلقاء القبض على «متزعم تنظيم (داعش) الإرهابي في دمشق» ببلدة المعضمية قرب العاصمة، «بالتعاون مع قوات التحالف الدولي». وقالت السلطات إن اسمه طه الزعبي ولقبه «أبو عمر طيبة».
وتعلن السلطات السورية بين حين وآخر تنفيذ عمليات أمنية ضد خلايا تابعة للتنظيم، أبرزها كان في 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بمحيط مدينة تدمر (وسط)، غداة مقتل 3 أميركيين، هما جنديان ومترجم، بهجوم نسبته دمشق وواشنطن إلى التنظيم.
وفي 20 ديسمبر الحالي، أعلنت «القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)»، في بيان، «ضرب أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا» بواسطة طائرات مقاتلة ومروحيات، بعد أسبوع من هجوم تدمر. وأدت تلك الضربات إلى مقتل 5 من عناصر تنظيم «داعش»، وفق ما أفاد به «المرصد السوري لحقوق الإنسان» حينذاك.
———————————–
القبض على “والي دمشق” في داعش بالتعاون مع التحالف
الخميس 2025/12/25
أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على متزعم تنظيم “داعش” في دمشق (والي دمشق) المدعو طه الزعبي، وذلك بعملية أمنية جرت في ريف دمشق، بالتعاون مع التحالف الدولي.
ضربة قاصمة للتنظيم
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، إن “وحداتنا المختصة نفّذت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة وقوات التحالف الدولي”، عملية أمنية استهدفت أحد أوكار تنظيم “داعش” في مدينة معضمية الشام.
وأسفرت العملية، بحسب الدالاتي، عن القبض على الزعبي الملقب بـ”أبو عمر طبية”، وعدد من مساعديه، إضافة إلى ضبط حزام ناسف وسلاح حربي بحوزته.
وأكد المسؤول الأمني أن العملية تُعد “ضربة قاصمة للتنظيم”، كما تؤكد “جاهزية أجهزة الأمن السورية، في مواجهة أي تهديد يطال أمن المحافظة ومحيطها”.
وختم الدالاتي بالقول: “نُوجّه رسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه الانخراط في مشروع الإرهاب، أو تقديم يد العون لتنظيم داعش، بأن يد العدالة ستطالهم حيثما كانوا، ولن يكون لهم مأوى في أرضنا، فأمن سوريا خط أحمر، وسنواصل الضرب بيد من حديد حتى القضاء الكامل على فلول الإرهاب وأوكاره”.
العملية الثانية قرب دمشق
,العملية هي الثانية من نوعها التي يُعلن عنها الدالاتي خلال الأسبوع الجاري، بعد عملية أولى استهدفت “داعش” في مدينة داريا الملاصقة لمدينة معضمية الشام، والواقعتين على مدخل العاصمة دمشق الغربي.
والأحد الماضي، قال الدالاتي إن الوحدات الخاصة في الأمن الداخلي نفّذت عملية أمنية محكمة في منطقة داريا، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، استهدفت وكراً لتنظيم “داعش”.
ولفت إلى أن العملية جاءت “بعد تحريات ومعلومات استخبارية دقيقة ومتابعة مستمرة لتحركات عناصرها خلال الأسابيع الماضية”، مؤكداً القبض على متزعم الخلية و6 من أفرادها، إضافة إلى “ضبط أسلحة وذخائر متنوعة بحوزتهم، معدّة لاستخدامها في أنشطتهم الإرهابية”.
وأشار الدالاتي إلى أن العملية نُفّذت “وفق أعلى درجات التخطيط والدقة، مع الالتزام التام بالإجراءات الاحترازية لضمان سلامة المدنيين”، مضيفاً أنها تعكس مستوى التنسيق بين وحدات الأمن والاستخبارات، وقدرتها على تفكيك الخلايا الإرهابية.
وكثّف الأمن السوري من الحملات الأمنية التي تستهدف تنظيم “داعش” وخلاياه، وذلك بعد مقتل جنديين أميركيين ومترجم يعمل مع القوات الأميركية إلى جانب جرح 3 جنود آخرين، قبل أسبوع، إثر هجوم نفّذه مسلّح ضد جنود أميركيين وسوريين، وذلك خلال اجتماع وفد من التحالف الدولي مع مسؤولين سوريين في منطقة تدمر في ريف حمص، وسط سوريا.
——————–
هل تحيي واشنطن الاتفاق الأمني السوري-الإسرائيلي؟
أيهم الشيخ
الأربعاء 2025/12/24
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وصل المبعوث الأميركي توم باراك إلى إسرائيل حاملاً ملفات أمنية وسياسية شديدة التعقيد يتقدّمها الملف السوري. التقى باراك برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، ونقل رسائل واضحة من واشنطن، تضمّنت ما وصفه بـ”الخطوط الحمراء” التي ينبغي مراعاتها في التعامل مع الساحة السورية، فحوى هذه الرسائل أن التوجّه الأميركي يقوم على دعم الحكومة السورية ورفض أي خطوات من شأنها زعزعة النظام، في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية بالغة الحساسية.
وساطة أميركية
ويؤكد عضو المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار سامر الصفدي، لـ”المدن”، على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة كوسيط في المفاوضات الأمنية بين سوريا وإسرائيل. ويشدد على أن هذه الوساطة مقتصرة على الاتفاقات الأمنية فقط، دون أي علاقة بتطبيع العلاقات أو دخول سوريا في اتفاقات “أبراهام”، التي يعتبرها موضوعاً مختلفاً تماماً.
ويوضح الصفدي أن الوساطة الأميركية تركز حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني يمنع التوغل الإسرائيلي في سوريا، ويوقف الضربات الإسرائيلية عليها، بالإضافة إلى منع أي انتهاكات للسيادة السورية في جميع الأراضي والمحافظات.
وأشار إلى أن هذا هو الدور الرئيسي للإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب كوسيط، مضيفاً أنه التقى بالرئيس ترامب، حيث أكد له شخصياً سعيه لتحقيق السلام في شرق أوسط جديد، مع التركيز على أولوية الوساطة لضمان الأمن وتوصل الطرفين إلى اتفاق أمني يلتزم به كلا الجانبين.
استياء من تصرفات نتنياهو
كما كشف الصفدي عن وجود استياء في الإدارة الأميركية تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب تصرفات إسرائيل في سوريا خلال الأشهر الماضية. في المقابل، أشاد بتصرفات الحكومة السورية المركزية في دمشق تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، معتبراً أنها تسير بشكل جيد في سياق الاتفاقات الأمنية.
وأكد أن التعنت يأتي من الجانب الإسرائيلي وليس السوري، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسعى لأن تكون وسيطاً، ثم تلعب دور المراقب بعد ذلك لضمان التزام الطرفين بالاتفاقات الأمنية، دون تدخل إضافي. وأضاف أن الاتفاق الأمني المرتقب سيكون مشابهاً للاتفاق الذي وقع عام 1974، مع التزام إسرائيل بالعودة إلى حدودها ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ومنع أي اعتداءات إسرائيلية أخرى.
ووفق ما أوردته “قناة i24” الإسرائيلية، ترى إدارة ترامب أن الضربات الإسرائيلية العابرة للحدود تُقوّض الجهود الأميركية الرامية إلى دعم الاستقرار في دمشق، وتُضعف المساعي الرامية إلى بلورة تفاهمات قد تقود إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.
ويقول الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان، لـ”المدن”، إن الولايات المتحدة تسعى حالياً للضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها في جنوب سوريا، خشية أن تتطور هذه الانتهاكات وتؤدي إلى فوضى تعيد من خلالها التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والمدعومة من إيران، بالإضافة إلى زيادة الفجوة الأمنية وعودة صناعة وتجارة الكبتاغون وتهريب السلاح في المنطقة.
في المقابل، يرى سليمان أن إسرائيل تنظر إلى إمكانية استفادتها من خلق فوضى منضبطة على الحدود الجنوبية السورية، بهدف زيادة الضغط على الحكومة السورية والحفاظ على موقفها السياسي والعسكري الضعيف محلياً وإقليمياً.
الحفاظ على التوازنات الإقليمية
ويضيف أن الولايات المتحدة تدعم الحكومة السورية للحفاظ على التوازنات الإقليمية والأمن الإقليمي في المنطقة. وفي حال التوصل إلى صيغة اتفاق أمني سوري-إسرائيلي يضمن مصالح سوريا الوطنية، يؤكد سليمان أنه يجب أن يشمل في البداية تعهداً من إسرائيل بعدم التدخل في الشأن الداخلي السوري، بالإضافة إلى انسحابها من جميع النقاط العسكرية التي أقامتها في القنيطرة وما حولها، ومن جبل الشيخ، وعودتها إلى ما قبل 8 ديسمبر.
كما يرى بوجوب إعادة صياغة اتفاق 1974، وإجراء نقاش جدي حول الوضع الأمني والعسكري على الحدود الجنوبية السورية، مما يمكن الحكومة السورية من ضمان سلامة هذه الحدود، كما ضمنت سلامة الحدود الغربية والشرقية والشمالية للبلاد.
المدن
———————————-
صراع استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب حيال مستقبل دمشق
دمشق – يوسف الحيدر
الأربعاء 2025/12/24
بينما تواصل القوات الإسرائيلية اختراقاتها الجغرافيا السورية، وتحديداً في جبل الشيخ والقنيطرة، ومع تصاعد التصريحات والأخبار عن تقديمها الدعم لبعض الأطراف السورية للإبقاء على الصراع قائماً، يبرز تساؤل حول موقف رعاتها الأميركيين الذين انفتحوا على الحكومة السورية ويبحثون عن الاستقرار فيها.
وتشير القراءات الميدانية إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ليست أفعالاً آنية، بل استراتيجية ممنهجة مدعومة بفائض القوة والتفوّق على عدة جبهات، كما كشف الدبلوماسي السفير في الخارجية السورية بسام بربندي، في تصريحات خاصة لـ”المدن”، مؤكداً وجود صراع استراتيجي بين الحليفين (واشنطن وتل أبيب) حيال مستقبل دمشق.
استقرار بالشرق الأوسط لمواجهة الصين
الرؤية الأميركية تحت مظلة إدارة الرئيس دونالد ترامب، تتخذ “تخفيف الأعباء” المالية والعسكرية منطلقاً لها، فواشنطن ترغب في إحلال السلام في الشرق الأوسط، ولا سيّما أن بوصلتها موجهةٌ نحو الخصم الحقيقي “الصين الاقتصادية”.
ويرى بربندي أن واشنطن تقدم اليوم فرصة تاريخية للحكومة السورية للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، ليس حباً بل رغبة في تحويل المنطقة إلى بيئة آمنة للاستثمار، ويستدل على ذلك بتقديم وزارة الخزانة الأميركية ضمانات للشركات الراغبة في الاستثمار بسوريا بعدم التعرض للعقوبات، مع التأكيد على أن واشنطن لن تكرر أخطاءها في أفغانستان والعراق فلن تقوم بتقديم دعم مالي مباشر، بل بخلق بيئة محفزة للقطاع الخاص.
رهان على “الفوضى المنضبطة”
في المقابل، تبدو الأجندة الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار، وفقاً لبربندي، فإسرائيل تحاول استثمار أخطاء إدارة حكومة دمشق للملفات الداخلية، ولا سيّما ملفا “قسد والدروز”، عبر دعم أطراف متعارضة لضمان بقاء البلاد في حالة “فوضى منضبطة” تمنع أي محاولة جدية للإعمار أو الاستقرار ما قد يشكّل تهديداً مستقبلياً لها.
وعن الانفتاح الأميركي الراهن على سوريا، يوضح بربندي أن هناك مشروعاً ضخماً لإعادة إعمار الشرق الأوسط، يبدأ من غزة ويمر بسوريا ولبنان وصولاً إلى العراق، بتكلفة تقديرية خيالية قد تصل إلى “ألف تريليون دولار”، ما يتطلب استقراراً كاملاً في المنطقة وخاصة في “لبّها” سوريا لضمان تدفق الاستثمارات.
ويشير إلى أن رؤية ترامب الإقليمية تتقاطع في نقاط معينة مع مصالح دمشق المحلية، ما يستوجب التحرك السريع للاستفادة منها، فسوريا “لا تملك رفاهية الوقت”، وعليها الاستفادة من زخم الدعم المقدم لها من أميركا، الخليج، وتركيا.
2026.. عام المحك السوري
يختم بربندي حديثه بالإشارة إلى أن دمشق مطالبة اليوم بترتيب بيتها الداخلي، وتحديد احتياجاتها الأمنية والاقتصادية لتطرحها أمام داعميها، و”التحالف الدولي ضد داعش” الذي انضمت إليه لأنه يشكّل بوابةً للحصول على إمكانيات تقنية ولوجستية ضخمة، خصوصاً مع توقعات بدخول شركات أميركية كبرى إلى الساحة السورية في الأشهر الأولى من عام 2026، وتوقيع عقود ضخمة بنهاية العام نفسه.
—————————
فعالية حكومة دمشق بمحاربة “داعش” تتأكد بعد “ضربة عين الصقر”/ منصور حسين
الخميس 2025/12/25
تؤكد أماكن الضربات الأميركية الأخيرة والمواقع المستهدفة في البادية السورية، ضمن عملية “ضربة عين الصقر” ضد تنظيم “داعش”، والتي بدأها الجيش الأميركي الأسبوع الماضي، افتقار القوات الأميركية والتحالف الدولي لبنك المعلومات الاستراتيجي القادر على شل حركة التنظيم وإضعافه في سوريا، مقابل استمرار منهجية القتال القائمة على المعلومات الاستخباراتية وعمليات الانزال الجوي.
وأتت العملية رداً على مقتل جنديين أميركيين وإصابة ثلاثة آخرين، إثر اختراق أمني نفذه مسلح لاجتماع ضم مسؤولين سوريين ووفد من التحالف الدولي في منطقة تدمر بريف حمص.
واستهدفت الضربات عشرات الأهداف التابعة لتنظيم “داعش” في الصحراء السورية، بحسب بيان القيادة الوسطى الأميركية “سنتكوم” الذي تحدث عن ضرب أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا بواسطة مروحيات هجومية وطائرات مقاتلة وبالمدفعية.
أهداف مكشوفة
واهتمت القوات الأميركية في خطابها، على توصيف الضربات في سياق العمل العسكري الانتقامي رداً على هجوم تدمر، بهدف امتصاص غضب الداخل الأميركي، وتجنب تعريض الإدارة الأميركية لضغوط إضافية للتراجع عن سياساتها اتجاه حكومة دمشق.
وتركز الاستهداف على موقعين رئيسيين، الأول قرب حقل آراك للغاز شمال شرق مدينة تدمر، إلى جانب قاعدة الإمام علي التي أنشأتها المليشيات الإيرانية غرب مدينة البوكمال بريف دير الزور، خلال فترة وجودها في سوريا.
بينما جاءت غالبية خسائر التنظيم من جراء عمليات استخباراتية مشتركة نفذتها القوات الأميركية في بعض المناطق والحكومة السورية في مناطق أخرى شمال سوريا وريف دمشق، إضافة إلى عمليات الإنزال الجوي التي نفذها التحالف الدولي بمشاركة قوات عراقية في البادية السورية.
عمليات فاشلة
ويعتبر الخبير العسكري العميد عماد شحود، الضربة الأميركية وما رافقها، نوع من العمل الاستعراضي وخلق رد فعل عن حادثة تدمر، دون أن تحمل أي نتائج عسكرية ملموسة على الأرض، أو تسجيل خسائر فعلية في صفوف التنظيم ومقدراته.
ويوضح شحود في حديثه لـ”المدن”، أن التنظيم لم يعد قوة عسكرية متحركة على أساس السيطرة، حيث أعاد هيكلة نفسه منذ هزيمته عام 2017، وتحول من المواجهة المباشرة إلى العمل المخابراتي القائم على نشر خلايا صغيرة واتباع أسلوب الاستهداف الخاطف، ما يجعل من مواجهته محصورة بالمعلومات والتفكيك.
ويقول شحود إن “داعش”، بدأ بعد سقوط نظام بشار الأسد، “باتباع أسلوب جديد للبقاء والفاعلية، متمثلاً بالفوضى المنظمة بالاعتماد على الخلايا الأمنية وعدم الارتباط بين مجموعاته، وتنفيذ عملياتهم دون تنسيق مع هرم القيادة، عدا العمليات النوعية التي تأتي بأوامر مباشرة”، متحدثاً عن الظاهرة أخطر وهي “اختراق المنظومة الأمنية، مستغلاً ضعف المؤسسة الأمنية وأجهزة المخابرات”.
ونتيجة لهذا التحول، يرى أن “كل العمليات التي نفذتها الولايات المتحدة وغيرها في منطقة البادية، من قصف وإنزال جوي واشتباكات، كانت فاشلة تماماً، لعدم نجاعة أدوات الحرب المفتوحة، فضلاً عن المعلومات المغلوطة المقدمة من قبل استخبارات قسد، التي انطلقت على أساسها كثير من عمليات الإنزال في سوريا”.
حرب المخابرات
ويضع اعتماد التنظيم أساليب الضربات الخاطفة بما يعرف بعمليات “الاختراق والدفاع السلبي”، دمشق أمام فرصة كبيرة لإثبات قدراتها كشريك فاعل في الحرب على الإرهاب، لجهة خبرة منظومتها الأمنية في عمليات ملاحقة وتفكيك خلايا داعش شمال البلاد.
لكن هذا النجاح مرهون، بحسب شحود، بالاعتراف أولاً بطريقة حرب التنظيم ودراسة أنماط تحولاته العسكرية التي تعتمد على الاختراق والمعلومات، وبعدها العمل على منظومة المخابرات السورية وإعادة هيكلتها “وهي نقاط أساسية لتفوق دمشق وتحصيلها الدعم الغربي”.
لكن الباحث في مركز عمران للدراسات، علي العبد المجيد، يؤكد دخول الحكومة السورية الحرب الأمنية والاختراق ضد “داعش”، حيث “نجحت خلال الأيام الماضية بتفكيك وتحييد العديد من خلايا التنظيم في الشمال السوري والبادية وصولاً إلى قلب العاصمة وريفها”.
ويوضح أن المؤسسة الأمنية بدأت فعلياً استيعاب طرق التنظيم وأماكن حضوره، لتتحرك على المستوى الأمني والتقني من خلال عملها على نشر أبراج اتصالات لتسهيل المتابعة والرصد في المناطق النائية والمهجرة التي ينشط فيها عناصر التنظيم، من ريفي حلب وادلب الجنوبي وصولاً إلى البادية السورية شرق طريق “إم-5″، وهي المناطق التي شهدت على غالبية عمليات التنظيم مؤخراً.
ويقول لـ”المدن”، إن “المنظومة الأمنية السورية التي تشكل هيئة تحرير الشام ركيزتها الأساسية، تمتلك خبرات كبيرة في محاربة التنظيم، اكتسبتها خلال فترة حكمها للشمال وإدارة ملف التنظيم والجماعات المتشددة، وفعلياً هي صاحبة التجربة الأنجح مقارنة مع مليشيا قسد التي فشلت في هذا الأسلوب، وبالتالي فإن تحركات دمشق تظهر مساراً جديداً هدفه تحييد التنظيم والتضييق عليه”.
ويشير المجيد إلى أن المؤسسات الحكومية بحاجة إلى المزيد من الوقت لتمكين قبضتها على “داعش”، نتيجة افتقارها للمعدات اللوجستية وأدوات الاتصال والتجسس، حيث تعمل على الاستفادة من مساعدات بعض الدول في هذا المجال، إلى جانب محدودية الكوادر الأمنية وقلتها حتى اليوم.
———————-
الداخلية السورية تعلن مقتل “والي حوران” في “داعش”
الخميس 2025/12/25
أعلنت وزارة الداخلية السورية أنها قتلت “والي حوران” في تنظيم “داعش”، عبر عملية نفّذها الأمن السوري في ريف دمشق الجنوبي، بالتنسيق مع التحالف الدولي، وذلك بعد ساعات على إعلان اعتقال “والي دمشق”.
عملية أمنية دقيقة
وقالت الداخلية السورية في بيان، اليوم الخميس، إن الوحدات المختصة نفّذت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، وبالتنسيق مع قوات التحالف الدولي، عملية “أمنية دقيقة” في بلدة البويضة في ريف دمشق، استهدفت فلول “داعش”، وذلك بناءً على معلومات استخباراتية مؤكدة ورصد ميداني.
وأضافت أن العملية أسفرت عن تحييد المدعو محمد شحادة الملقّب بـ”أبو عمر شداد”، موضحةً أنه أحد قيادات “داعش” البارزة في سوريا، ويشغل منصب “والي حوران” في التنظيم، مشيرةً إلى أنه كان يشكل خطراً مباشر على أمن المنطقة.
وأكدت الوزارة أن العملية أكدت “فاعلية التنسيق المشترك بين الجهات الأمنية الوطنية والشركاء الدوليين، واستمرار توجيه الضربات الاستباقية للتنظيمات الإرهابية، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار ومنع أي تهديد محتمل للسلم الأهلي”.
وشددت الداخلية السورية على أن “أجهزتها ستبقى في أعلى درجات الجاهزية، ماضية في أداء واجبها الوطني، ولن تتهاون في ملاحقة كل من تورط أو سعى للمساس بأمن سوريا وسيادتها”.
عملية في المعضمية
ووفق بيان الداخلية السورية، فإن العملية تأتي استكمالاً لعملية اعتقال “والي دمشق” في مدينة معضمية الشام في ريف دمشق، والتي أعلن الأمن الداخلي السوري عن تنفيذها، ليل أمس الأربعاء.
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، إن “وحداتنا المختصة نفّذت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة وقوات التحالف الدولي”، عملية أمنية استهدفت أحد أوكار تنظيم “داعش” في مدينة معضمية الشام.
وأسفرت العملية، بحسب الدالاتي، عن القبض على الزعبي الملقب بـ”أبو عمر طبية”، وعدد من مساعديه، إضافة إلى ضبط حزام ناسف وسلاح حربي بحوزته.
وأكد المسؤول الأمني أن العملية تُعد “ضربة قاصمة للتنظيم”، كما تؤكد “جاهزية أجهزة الأمن السورية، في مواجهة أي تهديد يطال أمن المحافظة ومحيطها”.
———————
========================
تحديث 23 كانون الأول 2025
———————————–
جرس تدمر/ شعبان عبود
23 ديسمبر 2025
شكّل الهجوم الذي استهدف جنديين أميركيين ومترجماً مدنياً في منطقة تدمر، في قلب البادية السورية، محطة مفصلية في النقاش الدائر حول مستقبل الأمن في سورية بعد التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ أكثر من عام. فعلى الرغم من أن الهجوم نُسب رسمياً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تفتح المعطيات التي تشير إلى انتماء منفّذ العملية إلى قوات الأمن العام البابَ أمام تساؤلات عميقة تتجاوز الحادثة بحد ذاتها، لتطاول بنية الأجهزة الأمنية الجديدة وطبيعة المخاطر الكامنة فيها.
تأتي الحادثة في سياق بالغ الحساسية، إذ تشكّلت قوات الأمن العام عقب حلّ الجيش السوري وبقية المؤسسات الأمنية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ومع وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة قبل أكثر من عام. وقد بات معروفاً أن نسبة غير قليلة من عناصر هذه القوات جاءت من خلفيات تنظيمية متشددة، سواء من فصائل سابقة أو من بيئات فكرية قريبة من التيارات السلفية الجهادية. هذا الواقع، وإن فُسّر حينها باعتباره نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية سريعة، يفرض اليوم نفسه عاملَ تهديد محتمل للأمن والاستقرار.
الخطورة الأساسية لا تكمن فقط في احتمال تورّط فرد أو مجموعة محدودة، بل في قابلية هذه الأجهزة للاختراق العقائدي. فتنظيم داعش، رغم تراجعه عسكرياً، ما زال يمتلك قدرة على استثمار المشتركات الفكرية مع بعض العناصر المنخرطة في الأجهزة الجديدة، مستفيداً من هشاشة المرحلة الانتقالية وضعف عمليات التدقيق وإعادة التأهيل. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع حادثة تدمر بوصفها واقعة معزولة، بل بوصفها مؤشر إنذار مبكر لاحتمالات أوسع.
صحيح أن هيئة تحرير الشام التي كان يقودها أبو محمد الجولاني، والذي أصبح لاحقاً رئيساً هو أحمد الشرع، قد خاضت مواجهات دموية مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مراحل سابقة، واكتسبت خبرة عملية في تفكيك خلاياه وملاحقة شبكاته، يفرض اختلافُ موقعه اليوم، بعد أن أصبحت قيادته سلطة حاكمة مسؤولة عن إدارة مؤسّسات الدولة، معاييرَ جديدةً. فمحاربة داعش بوصفه خصماً عسكرياً تختلف جذرياً عن منعه من التسلل إلى مؤسسات أمنية ناشئة عبر أفراد يحملون فكراً قريباً أو قابلية للتأثر بخطابه.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار ما جرى في تدمر جرس إنذار حقيقياً للسلطة الجديدة، فهو يستدعي إعادة نظر شاملة في آليات الانتساب إلى قوات الأمن العام، وفي برامج الفرز والتدقيق الأمني والفكري للعناصر. كما يفرض ضرورة الانتقال من منطق الولاء التنظيمي السابق والخلفية الدينية المتشددة إلى منطق الاحتراف المؤسّسي القائم على قواعد واضحة للمساءلة والانضباط.
قطع الطريق على تنظيم داعش وأفكاره لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية الصلبة، بل يتطلب مقاربة متعددة المستويات. في مقدمة ذلك، تطوير برامج تأهيل فكري تهدف إلى تفكيك الخطاب الجهادي المتشدّد، وتعزيز مفهوم الدولة والقانون والمواطنة. يضاف إلى ذلك إنشاء أجهزة رقابة داخلية مستقلة، وتفعيل مبدأ المحاسبة من دون اعتبارات سياسية أو فصائلية أو دينية. كما أن الانفتاح على خبرات محلية ودولية في مجال بناء المؤسسات الأمنية بعد النزاعات قد يشكل عاملاً مساعداً على تقليص المخاطر.
في المحصلة، تضع حادثة تدمر السلطة الجديدة أمام اختبار حقيقي، التعامل معها بجدّية بوصفها فرصة لتصحيح المسار وبناء أجهزة أمنية وطنية قادرة على حماية البلاد، أو الاكتفاء بإجراءات شكلية قد تترك الباب مفتوحاً أمام اختراقات أخطر في المستقبل.
جرس الإنذار في تدمر وصل صداه إلى كل الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فهل ما حصل مجرد بداية جديدة لـ”داعش” أم سيتم الاستفادة من ذلك وسيكون فرصة لبداية مراجعة حقيقية لآليات عمل المؤسسات الأمنية السورية وتفكيرها؟
العربي الجديد
———————————–
ما تثيره عملية «عين الصقر» من تساؤلات/ بكر صدقي
تحديث 23 كانون الأول 2025
عادت الحرب إلى سوريا، إذن، من بوابة عملية عسكرية أمريكية ضد داعش، شملت عشرات الأهداف، أطلق عليها البنتاغون اسم «عين الصقر» ووصفها بأنها «ردٌّ انتقامي على هجوم تدمر» الذي قُتل فيه ثلاثة أمريكيين، الأسبوع الماضي. وقالت الوزارة إنها ليست حرباً جديدة، بل عملية محدودة من غير تحديد لإطارها الزمني.
وبالنظر إلى أن تنظيم داعش قد خسر الأرض الجغرافية التي أقام عليها دولته بين العامين 2014-2019، و»تبخر» من تبقى من مقاتليه وتواروا عن الأنظار، ليستأنفوا في السنوات اللاحقة، عمليات متفرقة، فُرادى أو في مجموعات صغيرة، فلا يمكن للتحالف الدولي أن يصل إلى لحظة يقول فيها بثقة إنه تم القضاء على التنظيم بصورة نهائية. وهو ما يعني أن كل عملية جديدة لداعش تستهدف الوجود الأمريكي في سوريا سيُرد عليها بعملية انتقامية جديدة، الأمر الذي من شأنه أن يحولها إلى استئناف لحرب التحالف الدولي على داعش بأفق مفتوح.
غير أن المرحلة الجديدة من هذه الحرب قد بدأت في إطار سياسي جديد مختلف عن شروط مرحلتها الأولى التي كان قد أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. أول عناصر الاختلاف يتمثل في انضمام السلطة الحاكمة في دمشق إلى التحالف الدولي، بدلاً من اقتصار الأمر على قوات «قسد» كحليف محلي، كما كانت الحال في السنوات السابقة. وثانيها عودة ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، مع ما ينطوي عليه من اختلافات في سياساته الدولية عن الإدارات الديموقراطية السابقة، وميله إلى عقد الصفقات بدلاً من خوض الحروب. وثالثها العامل الإسرائيلي المنفلت في المحيط في أعقاب «طوفان الأقصى» وتداعياته، وتدخلاته المباشرة في سوريا منذ سقوط نظام الأسد. ورابعها أن داعش قد أعلن الحرب علانيةً على السلطة الحاكمة الجديدة في سوريا واصفاً إياها بـ»المرتدة».
وكشف هجوم تدمر في 13 كانون الأول /ديسمبر الجاري عن قابلية القوات التابعة لسلطة دمشق للاختراق من قبل تنظيم داعش، بعدما اتضح أن منفّذه عنصر في قوات الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية، وقد اضطرت الوزارة لتسويق رواية ركيكة عن العنصر الذي كانت قد كشفت أمره وأصدرت قراراً بفصله، لم ينفّذ بسبب يوم عطلة رسمية! فإذا كانت الرواية صحيحة فهذا مما يزيد الطين بلة من حيث مسؤولية هذه السلطة عما حدث، ولا يقلل منها كما يأمل من أعلنها. على أي حال فإن مقاتلي داعش الخفيين لا يضعون على رؤوسهم علامة على انتمائهم التنظيمي، بل ينتمون إلى الفضاء الإيديولوجي نفسه الذي يضم المنظمات الجهادية الأخرى في سوريا التي تشكل العمود الفقري لقوات الجيش والأمن العام التابعين للسلطة الجديدة في دمشق، وإن كان الأولون أكثر تشدداً في معتقداتهم وممارساتهم. معنى ذلك أن الانتقال في الولاء التنظيمي ميسور في الاتجاهين، ومن الصعب الكشف عن الخلايا النائمة أو الذئاب المنفردة لداعش قبل قيامهما بتنفيذ عملية دموية قد تطال بنى أمنية وعسكرية أو سياسية أو مدنية للسلطة القائمة في دمشق، بما أن التنظيم قد أعلن الحرب عليها، هذا إضافة إلى القوات الأمريكية التي توسع انتشارها على الأراضي السورية، ولم يعد وجودها مقتصراً على شرق الفرات، بعد انضمام دمشق إلى التحالف الدولي رسمياً.
كان لافتاً في تصريح ترامب الذي أعقب بدء عملية «عين الصقر» قوله إن الولايات المتحدة قد أخبرت إسرائيل عنها بصورة مسبقة! من المحتمل أن يكون سبب ذلك تجنب اصطدام غير مرغوب به بين الطائرات الأمريكية وتلك الإسرائيلية في الأجواء السورية. لكن التنسيق العملياتي من هذا النوع لا يحتاج إعلاناً سياسياً بهذه الفجاجة. إعلان يعبر عن مدى التسليم الأمريكي لإسرائيل بـ»حقها» في السيطرة العسكرية على الأجواء السورية إضافة إلى توغلها البري في المناطق الجنوبية وصولاً إلى قرب العاصمة دمشق.
بالمقابل أعلنت وزارة الخارجية السورية عن تصميم السلطة على مواجهة داعش بالشراكة مع التحالف الدولي، تصريح مقتضب يعكس حرجها المزدوج في هذا التموضع: من بيئتها الجهادية لأنها تحارب «أخوتها في الجهاد» من جهة أولى؛ ومن الحليف الأمريكي بسبب اختراق داعش لبنيتها الأمنية على ما سبقت الإشارة بخصوص هجوم تدمر.
بيد أن عملية «عين الصقر» تطرح سؤالاً آخر ربما هو الأخطر من زاوية نظر مستقبل سلطة دمشق: تُرى هل قرر الحليف الأمريكي أن يقوم بنفسه بـ»المهمة القذرة» المتمثلة في تطهير سلطة دمشق من الجهاديين والفكر الجهادي المتطرف، بعدما أثبت أحمد الشرع عجزه عن القيام بها كما هو مطلوب منه؟
وهنا لا بد من الإشارة إلى الاشتراطات التي فُرضت على الشرع وفريقه المصغر مقابل إلغاء صفة الإرهابي عنه وعن وزير داخليته أنس خطاب وفق قرار مجلس الأمن 2799 تحت الفصل السابع، والاشتراطات الأخرى من الكونغرس الأمريكي مقابل إلغاء قانون قيصر. تُرى هل تتضمن التزامات الشرع تجاه إدارة ترامب بنوداً غير معلنة تتعلق بإسرائيل؟ ربما جاءنا الجواب من خارطة سوريا المنقوصة التي شكلت خلفية تغريدة في موقع وزارة الخارجية والمغتربين تعلن فيها عن إلغاء قانون قيصر. فقد كان لافتاً أن هذه الخارطة لا تشمل الجولان المحتل، إضافة إلى لواء الاسكندرون! وتزامن ذلك مع إعلان ترامب مجدداً «منح» الجولان لإسرائيل، من غير أن يصدر أي اعتراض من جانب سلطة دمشق.
هذا الاستخفاف بالسيادة الذي سبق ومارس بشار الأسد ما يماثله حين ألغى لواء الاسكندرون من الخارطة إبّان شهر العسل مع تركيا في العام 2004، ثم أعاده إليها بعد العام 2011، تستأنفه اليوم سلطة الشرع مقابل تمسكها بالسلطة، في حين يجتهد إعلامه الرسمي «ببسالة» في نسج تحالف خيالي بين داعش، وقسد والهجري وإسرائيل!
كاتب سوري
القدس العربي
———————————————–
طبقات الاستثمار في داعش: قراءة في حادثة تدمر والحرب على تنظيم الدولة/ حسام جزماتي
23-12-2025
في الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، في 8 كانون الأول (ديسمبر) الحالي، قام وفد رسمي سوري بزيارة قاعدة التنف في البادية السورية حيث تتمركز قوات أميركية تعمل في إطار «التحالف الدولي». ضم الوفد حسن الدغيم، الموجّه المعنوي في وزارة الدفاع من بين مهام أخرى كثيرة، و«العميد» سفيان محمد الشيخ صالح (أبو جابر الشامي من معردبسة) قائد الأمن التابع لوزارة الداخلية في البادية، بعد أن تولى مهام عديدة في «هيئة تحرير الشام» من بينها أميرها في درعا.
أثناء الحفل ألقى الدغيم كلمة عن مكافحة الإرهاب. وبعد انتهائه رقص عناصر من أمن البادية مع الجنود (والجنديات) الأميركان ابتهاجاً بذكرى التحرير وبانضمام سوريا إلى «التحالف».
بعد خمسة أيام من ذلك، في السبت 13 كانون الأول (ديسمبر)، سيُطلق أحد المنتمين إلى أمن البادية النار على وفد أميركي كان يزور مقراً أمنياً سورياً قرب تدمر للاطلاع على خطة لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، فيقتل جنديين ومترجماً من الأميركان ويُصيب بعض رفاقه قبل أن يمزقه الرصاص.
أصاب الارتباك السلطة فسارع الناطق الرسمي، نور الدين البابا، في تصريح لقناة «الإخبارية» الحكومية، إلى اتهام داعش بالعملية رغم اعترافه بانتماء منفذها إلى جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارته الداخلية. مُردِفاً أن التحقيقات، التي ستجري مع معارف وأقارب العنصر الذي قُتل، ستؤكد إن كان «يملك ارتباطاً تنظيمياً مباشراً مع تنظيم داعش أو أنه فقط يحمل الفكر». أما في الساعات التالية فقد اعتمدت الحكومة، والأميركان بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب، رواية أن المنفذ داعشي تعرّض لضحاياه في «كمين»، وجرى طمس حقيقة انتمائه إلى قوات الأمن منعاً للإحراج الذي سيترتب على ذلك فيما سوريا ما زالت في أيامها التحالفية الأولى.
لكن مصادر أخرى تكفلت بتقديم معلومات أوضح. فقد كشفت منصة تأكد عن اسم المنفّذ، طارق صطوف الحمد، ونشرت صورته. فيما جمع منشقون عن «هيئة تحرير الشام» معلومات عن سيرته تقول إنه لم يكن عضواً طارئاً في أمن السلطة الجديدة، فقد انتسب إلى قاطع عندان في «جبهة النصرة» منذ العام 2013، وشارك في معارك حلب ثم تحرير إدلب التي عمل في أمنيّتها منذ وقت مبكر، ما أَهّلهُ للانضمام إلى أمنيّة البادية لاحقاً. ويقول هؤلاء، نقلاً عن أصحابه من الأمنيّين والعسكريين، إن أبا صطيف البادية، كما صار يُعرَف، كان من الذين قاتلوا تنظيم داعش منذ نشوئه، وإنه لم يتحول إلى اعتناق أفكاره بدليل أنه لم يستهدف كبار قادة السلطة الذين كانوا يزورون قاطع البادية وأميره أبي جابر، وإنه، في العملية نفسها، لم يوجّه رصاصه نحو قيادات أو عناصر الأمن، الذين تُفتي داعش بكفرهم، بل باتجاه أميركان التحالف الذي كان قد تسبّب في مصرع أحد أصدقائه الجهاديين المقربين في ريف حلب الغربي في العام 2019.
والحق أن سيرة كهذه، لمقاتل لم يُهيّئه أمراؤه للرقص مع الأميركان يوماً ما، من المحتمل أن تؤدي إلى أن يتولى قتالهم بصيغة «الذئب المنفرد» التي لا تستلزم أن يُصبح المرء داعشياً ليسلكها. يعرف هذا جيداً قادة «هيئة تحرير الشام» الذين ساروا بعناصرهم في انعطافة مفاجئة قبل عام، وهم الآن يعاندون الظروف ويسابقون الزمن لتثبيتها في نفوس ذوي الرتب المختلفة أو لتنقية قواتهم، في وزارتي الدفاع والداخلية، من رافضي التغيير.
منذ نشأ التنظيم كانت الحرب عليه محل استثمار؛ سواء من قبل النظام السوري السابق وحلفائه بزعمهم محاربة الإرهاب تحاشياً للتصريح أنهم يقمعون الثورة، ثم باعتماد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على قتال داعش مبرراً لوجودها واستمرار دعمها، وأخيراً بسعي الحكم السوري الحالي إلى سحب هذه الورقة من الجميع في أنحاء البلاد، والاستئثار بها طريقاً لتطبيع علاقاته مع الغرب وغَسلاً لماضيه الجهادي.
من ناحية أخرى أدى الصعود الصاعق لداعش، ولا سيما في العام 2014 وما بعده، إلى شيوع نظرة مؤامراتية عن الاستثمار في التنظيم تقول إنه «صنيعة» جهاز المخابرات هذا أو ذاك، بل حتى إنه نتيجة تداخل أذرع مخابراتية عالمية عديدة لكلٍّ منها حصته. وقد كان يُمكن نقاش هذا الرأي، الخاطئ بلا شك، في سنوات غموض التنظيم وتماسكه تحت قيادة أسماء مستعارة. أما بعد انكشاف بيته الداخلي، بمقتل عدد من «خلفائه» والاستيلاء على حواسيبهم وجوالاتهم وأوراقهم، وباعتقال قسم آخر من قادته وخضوعهم للتحقيق المُكثَّف وحتى ظهورهم على الإعلام؛ فقد صار من البديهي انهيارُ أوهام كثيرة نشأت حوله. إذ تبيّنَ أن حجم الاختراق الذي كان داخله لا يتعدى مستويات صغيرة أو متوسطة، وكان الاختراق زراعةً مخابراتيةً لعملاء بقصد كشف بنية التنظيم ومعرفة تحركاته، لا اختراقَ تسييرٍ وتَحكُّم كما تقول الأساطير الرائجة.
أمّا الاستثمار الثالث في داعش فهو نظريّ، يرى أصحابه أن أفكارها هي التجلي الأكثر وضوحاً للإسلام السياسي، وربما للإسلام كله وخاصة السنّي. ولذلك فهم لا يميزون بين داعش وبين السلطة الحالية أو أي جماعة إسلامية مهما بلغت درجة اعتدالها، فيدعونَ إلى استئصال الجميع. والحق أن داعش لا تكتفي بتكفير جماعات الإسلام السياسي والجهادي بل تُقاتلها حيث أمكن، وتزخرُ أخبار وكالتها الرسمية «أعماق» بعملياتها ضد «ميليشيا القاعدة» كما باتت تُسمّي المبايعين للجماعة الجهادية الأم، وبتفجيراتها لمقرات «ميليشيا طالبان»، ناهيك عن الأحزاب الإسلامية العلنية التي تعمل ضمن منظومات سياسية وتعتمد الديمقراطية فتدخل الانتخابات وتحتل مقاعد في البرلمانات وربما تشارك في الحكومات.
بالعودة إلى حادثة تدمر يبدو أن الذئب المنفرد ليس فريداً. فقد اعتقلت وزارة الداخلية السورية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة وجهاز الأمن العسكري؛ أعداداً غير معلنة من المشتبه بتبنيهم أفكاراً مُتشدِّدة بعد هذه الواقعة. ومن الواضح أن حرب السلطة الحالية على داعش ليست أكثر من جزء، وإن كان الأكبر والأخطر، من صراعٍ اضطرت إلى خوضه مع القاعدة الجهادية والإسلامية التي مشت معها طويلاً وحملتها إلى الحكم، سواء أكانت من عناصر «هيئة تحرير الشام» الحاليين أو السابقين أم من حاضنة فصائلية وشعبية أوسع لم تُعِدّها السنوات الفائتة لتقبُّل كل هذه الجرعة من «البراغماتية».
موقع الجمهورية
————————————-
هل عاد تنظيم الدولة إلى واجهة الأحداث مجددا؟/ د. مثنى عبدالله
في عملية أمريكية أُطلق عليها اسم (عين الصقر)، شنت مقاتلات أمريكية سلسلة ضربات جوية استهدفت تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وقالت القيادة المركزية الأمريكية، إن الضربات الجوية شملت أكثر من سبعين هدفا، استهدفت بُنى تحتية ومواقع أسلحة، ومواقع نشيطة لتنظيم الدولة. كما أعلن الجيش الأردني مشاركته بسلاح الجو في ضرب مواقع تابعة للتنظيم في جنوب سوريا، مؤكدا بذلك استمرار التنسيق العسكري الإقليمي لملاحقة خلايا التنظيم. وترافق مع هذه العمليات تأكيد دمشق التزامها بمحاربة تنظيم الدولة، داعية الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي إلى منع وجود أية ملاذات له داخل الأراضي السورية.
ومن الجدير بالذكر أن هذا التصعيد أتى بعد هجوم مسلح في محافظة تدمر السورية، أودى بحياة جنديين أمريكيين ومترجم مدني من الجنسية نفسها. فإذا كانت الولايات المتحدة تعلم جيدا أن هناك سبعين هدفا تابعا للتنظيم في الأراضي السورية، ومواقع نشيطة تابعة له، فلماذا انتظرت كل هذا الوقت حتى تحرك التنظيم مجددا ونفذ العملية الأخيرة؟ وأين التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب؟ يقينا لقد أعطت الولايات المتحدة الأمريكية في تركها التنظيم يُنشئ ملاذات آمنة في الأراضي السورية، من دون تحرك منها، حجة لأصحاب نظرية المؤامرة كي يحللوا الحدث وفق هذه النظرية. فبتنا نسمعهم يقولون، إن هذا التنظيم هو تحت مراقبة واشنطن وحلفائها في التحالف الدولي، وهي من تبث الروح فيه متى ما أرادت، ومتى ما شعرت بأن هناك فائدة من تحركه.. ويضربون مثلا على ذلك بالقول، إنه لم يكن هنالك ظهور لهذا التنظيم عندما اشتعلت المنطقة بعد غزوة السابع من أكتوبر، وما تلاها من الحرب على لبنان والحرب على إيران. لكننا بدانا نسمع بتحركاته عندما هدأت المنطقة، ويستمر تحليل أصحاب نظرية المؤامرة، فيقولون، إن الجغرافية السورية هي جغرافيا تُعاني من الفراغ. بمعنى ان الفراغ المكاني في سوريا موجود بشكل كبير جدا، من ناحية السيطرة المركزية للحكومة على أراضيها، وأن الولايات المتحدة تغض النظر عن هذا الفراغ، كي تتحرك فيه التنظيمات المُصنفة إرهابيا، ثم تُحركها بغرض الاستفادة منها في كل مرحلة كي تؤثر على الطبيعة الجيوستراتيجية في المنطقة. غير أن التحليل العلمي للحدث يُخالف هذه الرواية تماما.
أولا، لا بد من التشديد على أن السياسة الأمريكية ثابتة على الإدارات المتعاقبة، وهي أنه في حال تعرُض أشخاص أمريكيين، أو أصول عسكرية، أو مدنية أمريكية لفعل معادٍ من أية جهة كانت، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك فورا للرد على مصدر التهديد، وبشكل غير متناسب، لماذا؟ لأنها تريد التأكيد على الردع، وأن ثمة ثمنا باهظا سيطال كل من يجرؤ على القيام بذلك، وعليه فإنه يتوجب وضع عملية الرد الأمريكية الأخيرة في الأراضي السورية في هذا الإطار، وليس في إطار الجهد الأمريكي الموجود والقائم في محاربة تنظيم الدولة، لأنه حتى انتماء من قام بقتل الجنود الأمريكيين في تدمر السورية، إلى تنظيم الدولة ليس مؤكدا، بل حتى بيان الحكومة السورية حول الحادث لم يُشر إلى كون العنصر الذي قام بالفعل هو ينتمي إلى هذا التنظيم. إذن المسألة هنا فيها جانب استعراضي لا شك في ذلك، ولكن على تأكيد القوة، وعلى أن استهداف الأمريكيين أشخاصا وأصولا مدنية وعسكرية له ثمن باهظ. أما ما قيل في الإعلان الأمريكي إن المواقع التي تم استهدافها هي مواقع فاعلة لتنظيم الدولة، وعلى درجة كبيرة من العلاقة بالتنظيم، فيبدو أنها كذلك، أما لماذا لم يتم استهدافها قبل هذا الوقت رغم علم واشنطن بها، فهنا علينا أن نميز بين الفعل القصاصي، الثأري، والانتقامي، وبين الجهد الذي لايزال في إطار التحضير للتعاون والتشارك مع الحكومة السورية الجديدة، من أجل مواجهة تنظيم الدولة، الذي يقتضي خطوات وخططا مشتركة قادمة، لكن ماذا بشأن مشاركة الأردن في عملية (عين الصقر)؟ ولماذا هو الآخر انتظر حتى تتحرك الولايات المتحدة؟
طبعا من المعروف أن الأردن مشارك في قوات التحالف الدولي لمحاربة التنظيمات الإرهابية، بالتالي عندما وجد إعادة في نشاط هذه التنظيمات بدأ يتحرك تدريجيا ولم ينتظر. ففي الفترة الأخيرة كانت هنالك عمليات تهريب مخدرات وتسلل عبر الحدود مع سوريا، وقد عالجها الأردن كلا على حدة، لكن مشاركته بسلاح الجو الأخيرة رفقة الأمريكيين، كان يريد أن يعطي رسالة واضحة أن لديه القدرة على التصدي لكل التهديدات. كما أن عمّان لديها ثأر مع هذا التنظيم، الذي سبق أن قام بقتل أحد الطيارين الأسرى في حادث بشع قبل عدة سنوات.
أما سوريا التي جرى الفعل ورد الفعل الانتقامي على أراضيها، فهي الأخرى شريك في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، حيث أعلنت انضمامها لهذا التحالف في الشهر الماضي، لكن المُراقب يجد أن كل الذي جرى على أراضيها لم يكن بمشاركة حقيقية وفعالة من قواها العسكرية، والسبب في ذلك واضح جدا. فالدولة السورية الحالية تعاني من فارق القوة، وهي دولة ناشئة ليست لديها قوى صلبة في الوقت الحاضر، لكن التصدي الأمريكي لتنظيم الدولة يجري فقط عندما يُقتل أمريكيون، هذا يُرسل رسالة للحكومة السورية بأن التنظيم يمكن أن ينمو ويترعرع على الأراضي السورية. وهُنا يُقرأ على أنه خذلان أمريكي للسلطة الجديدة في دمشق.
لكن لا بد من القول إنه ليس سرا أن في الولايات المتحدة ثمة وجهتي نظر تتعلقان بالحكومة السورية الحالية. وجهة نظر متفائلة يؤيدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الرغم من أن ترامب لا يُعتمد عليه فهو يُغير رأيه أسرع من سرعة الضوء، تقول إن دعم الحكم الجديد في دمشق بشكل سلطة مركزية قوية هو مصلحة أمريكية. بالتالي لا بد من التفاعل في تكوين قوى أمنية سورية قوية ومهنية، وبناء جيش قوي مهني ومُدرب تدريبا عاليا، وأن تكون مهام كل هذه القوى الصلبة منسجمة مع المصلحة الأمريكية وأن لا تتعداها. ولكن ثمة رأي أمريكي آخر يقول، إن الحكومة السورية الجديدة ماضية إلى الفشل. بالتالي حسب رأيهم يجب مجاراة التوجه الإسرائيلي الحالي تجاه السلطة في دمشق، أي الافتراض بأن سوريا ستمر بحالة فوضى، والتعامل مع مجموعات محلية هنا وهناك، تنسجم مع القراءة الإسرائيلية لطبيعة المنطقة ولطبيعة مستقبل أمن إسرائيل. لكن التوجه الغالب اليوم هو أنه طالما ترامب متفائل، ويوجد دعم على مستوى المنطقة لسوريا الجديدة، وفيها فرص استثمارية، فهو حريص على أن تكون سوريا الجديدة منسجمة مع الرغبات الأمريكية.
كاتب عراقي
القدس العربي
———————————–
سوريا تدخل “التحالف”.. الدولة في مواجهة تنظيم “الدولة”/ محمد كاخي | ركان الخضر | موفق الخوجة
بدأ تنظيم “الدولة الإسلامية” تهديد الحكومة السورية الجديدة مبكرًا، فبعد وصول فصائل “ردع العدوان” إلى السلطة، نشر التنظيم إصدارًا مرئيًا يحذر الدولة السورية من تطبيق قوانين وميثاق الأمم المتحدة.
واعتبر التنظيم منذ البداية أن الإدارة الجديدة في حال طبقت مواثيق الأمم المتحدة وقوانينها، فإنه ينطبق عليها واجب الحرب والسلم، وأن سقوط النظام على يد الفصائل لم يخرج عن نطاق الرغبة الدولية والنظام الدولي.
ولم ينتظر التنظيم كثيرًا قبل أن يبدأ عملياته الميدانية، إذ أعلن جهاز الاستخبارات العامة، في 11 من كانون الثاني الماضي، عن إحباط محاولة تفجير من قبل تنظيم “الدولة” داخل مقام السيدة زينب جنوب دمشق. كما تبنى التنظيم، في أيار الماضي، استهداف سبعة عناصر من الحكومة السورية في بادية السويداء، وتفجير آلية لـ”جيش سوريا الحرة” في منطقة تلول الصفا، وكانت أولى العمليات التي يتبناها التنظيم على موقعه الرسمي بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024.
وبعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في تشرين الثاني الماضي، تصاعدت عمليات التنظيم في سوريا، وفي مناطق سيطرة الحكومة السورية، وبحسب ما رصدته عنب بلدي، نفذ التنظيم 18 عملية في الأراضي السورية منذ 16 من تشرين الماضي حتى 17 من كانون الأول الحالي، منها ثمانٍ في مناطق سيطرة الحكومة السورية.
ومن أبرز العمليات التي نُسبت إلى التنظيم، وباركها في صحيفته الرسمية “النبأ” دون أن يتبناها، العملية التي قُتل إثرها عنصر من وزارة الداخلية السورية، وجنديان أمريكيان ومترجم مدني أمريكي، بمدينة تدمر وسط سوريا، في 13 من كانون الأول الحالي.
ووصف التنظيم انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بأنه “مجرد ترسيم علني لخطوة بدأها الشرع سرًا منذ سنوات”، وقال إن “الشرع انتقل من قوائم الإرهاب إلى جندي في الحملة الصليبية على الإسلام”.
ترصد عنب بلدي في هذا الملف الآثار السياسية لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي، وتعالج سبل تحجيم أنشطة التنظيم، وأسباب تصاعد نشاطه في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وآليات الاستفادة التقنية للدولة السورية من الانضمام إلى التحالف الدولي.
سوريا الدولة الـ90 في التحالف الدولي
أعلنت سوريا انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” في 11 من تشرين الثاني الماضي، تزامنًا مع زيارة رسمية أجراها الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض، وهي الزيارة الأولى من نوعها لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، قال عبر منصة “إكس” حينها، إن سوريا وقعت إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي، مؤكدة دورها كشريك في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي، مضيفًا أن هذا الاتفاق سياسي، ولا يتضمن أي بنود عسكرية.
ووصف التحالف الدولي انضمام سوريا بـ”المحطة المفصلية بالتعاون الإقليمي”، مشيرًا إلى رفع عدد أعضائه إلى 90 دولة، الأمر الذي يعزز الجهود لضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم “الدولة”.
يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي سيترك آثارًا “إيجابية جدًا” على الحكومة السورية في قدرتها على مقاومة التنظيمات المتطرفة والجهادية الراديكالية، لا سيما تنظيم “الدولة”، من حيث تبادل المعلومات والتدريب الذي ستحصل عليه القوات السورية، بالإضافة إلى الدعم السياسي.
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، أن أبرز النتائج الإيجابية من انضمام سوريا للتحالف، هي الاعتراف بالحكومة السورية كفاعل دولي في المنطقة، والاعتماد عليها في العلاقات الدولية وخاصة في التحالفات، الأمر الذي سيفتح الباب أمام الحكومة السورية للانتقال إلى تحالفات أخرى مع الدول الإقليمية والدولية.
ولا يعتقد علاوي وجود آثار سلبية من عملية الانضمام، سوى أنها ستستعدي الخلايا النائمة للتنظيم، وبالتالي ربما تصبح القوات الحكومية السورية عرضة لهجمات التنظيم داخل سوريا.
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي يمكن أن يشكّّل دعمًًا لقدراتها الأمنية والعسكرية في مواجهة تنظيم “الدولة” (تعديل عنب بلدي)
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي يمكن أن يشكّّل دعمًًا لقدراتها الأمنية والعسكرية في مواجهة تنظيم “الدولة” (تعديل عنب بلدي)
مكاسب الانضمام للتحالف الدولي
بالإضافة إلى الآثار السياسية التي ستكسبها سوريا من انضمامها إلى التحالف الدولي، كتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإثبات أن سوريا تحولت من طرف مصدّر للأزمات إلى طرف محارب لها، تنتظر سوريا أن تعزز قدراتها الأمنية من خلال الاستفادة من خبرات دول التحالف والدعم اللوجستي والاستخباري الذي قد تقدمه هذه الدول، بحسب الخبراء.
قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأدميرال برادلي كوبر، قال، في 18 من كانون الأول الحالي، إن الحكومة السورية تعاونت مع قوات “سنتكوم” في حالات عديدة، لمواجهة تهديدات محددة لتنظيم “الدولة”، و”هذه هي المكاسب الأمنية الملموسة التي يمكن تحقيقها على الأرض من خلال التعاون الوثيق مع القوات السورية”.
ويرى الخبراء أن انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي يمكن أن يشكّل رافعة مهمة لقدراتها الأمنية والعسكرية في مكافحة تنظيم “الدولة”، خصوصًا في مرحلة لا تزال فيها المؤسسات الرسمية في طور إعادة البناء.
وبحسب الباحث في الشأن السياسي وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود، تتمثل أبرز مكاسب هذا الانضمام في الاستفادة من برامج التدريب التي يوفرها التحالف، بما يطور قدرة القوات السورية على العمل الميداني المنسق، إضافة إلى الدعم التقني عبر أجهزة ومعدات إلكترونية تساعد في الرصد والمتابعة والاختراق، وتعزيز التواصل بين الوحدات الأمنية. ويكتسب هذا التعاون بعدًا سياسيًا، عبر منح المؤسسة الأمنية قدرًا أكبر من الشرعية في ملف مكافحة التنظيم، وفق فرهود.
ويرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن بناء جهاز أمني واستخباراتي متماسك، مدعوم بتقنيات حديثة وتعاون استخباراتي فعّال مع التحالف، سيجعل الحكومة أكثر قدرة على مواجهة تنظيم راكم خبرة طويلة في العمل السري، وأن الدعم الدولي المباشر لأجهزة الجيش والأمن، إلى جانب معالجة العوامل الاجتماعية التي تغذي التطرف، يشكلان شرطًا أساسيًا لتحقيق استقرار طويل الأمد.
من جهته، يرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان، أن الاستفادة من الانضمام إلى التحالف الدولي لا تزال غير واضحة المعالم، سواء لجهة طبيعة الشراكة أو حجم الدور الفعلي لوزارتي الدفاع والداخلية في العمليات الجارية، رغم ما يمكن أن يقدمه التحالف من خبرات وتبادل معلومات.
أثر عملية تدمر.. تحالف أشد
قتل عنصر من وزارة الداخلية السورية، وجنديان أمريكيان ومترجم أمريكي مدني، وأصيب عنصران من الجيش السوري في هجوم نسبته الداخلية السورية وأمريكا إلى تنظيم “الدولة”، في مدينة تدمر وسط سوريا.
وحول أثر هذا الهجوم على العلاقة السورية- الأمريكية، يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن تنظيم “الدولة” أمام فرصة كبيرة تسمح له بترصد الدوريات الأمريكية بعد دخول الحكومة السورية في التحالف الدولي، الأمر الذي يتطلب، بحسب علوان، حذرًا كبيرًا من الحكومة السورية، لأن التنظيم يترصد في البادية كل تحركات الحكومة السورية عبر عملاء للتنظيم موجودين ضمن المدنيين.
وتشكل الحادثة مثالًا واضحًا على حاجة الحكومة السورية إلى دعم إقليمي ودولي لمكافحة التطرف والإرهاب في سوريا، وستسهم العملية في تعزيز العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، بحسب علوان.
ويرى علوان أن الحكومة السورية أصبحت شريكًا رئيسًا للولايات المتحدة في مكافحة نشاط تنظيم “الدولة” في سوريا، الأمر الذي سيسهم في انتقال سوريا من دولة مصدّرة للأزمات والمشكلات والتطرف، إلى دولة تضمن استقرار المنطقة كاملة انطلاقًا من استقرار سوريا.
ولا يرى الكاتب الصحفي فراس علاوي، أن الحادثة ستؤثر على العلاقة الأمريكية- السورية، على الأقل على المستوى القريب والمتوسط.
وعلى العكس، ربما تؤدي الحادثة إلى “تقارب وتحالف أشد” بين الولايات المتحدة وسوريا، لأن الحكومة السورية تملك أوراقًا جيدة وحاربت التنظيم من قبل، وتملك أوراقًا للضغط عليه من خلال معرفة قياداته، وأسلوب قتاله، وتفكيره، واستراتيجياته في المنطقة، بحسب علاوي.
شنت القوات الأمريكية ضربات عسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في 20 من كانون الأول، بعد توعد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالرد “الحازم” على هجوم تدمر.
واستهدفت الضربات كلًا من بادية معدان بريف الرقة، وبادية الحماد بريف دير الزور.
وطالت أكثر من 70 هدفًا بمواقع متعددة باستخدام طائرات مقاتلة، ومروحيات هجومية ومدفعية.
واستخدمت العملية أكثر من 100 ذخيرة للاستهداف الدقيق لمواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة لتنظيم “الدولة”.
قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، اعتبر أن هذه العملية “حاسمة” لمنع تنظيم “الدولة” من التخطيط لهجمات “إرهابية” ضد الولايات المتحدة.
مسؤول أمريكي قال لشبكة “NBC“، إن الجيش الأمريكي استخدم طائرات A-10 وF-16 ومروحيات أباتشي وأنظمة HIMARS، بينما قدمت طائرات F-16 الأردنية الدعم أيضًا.
ويمكن أن تستمر الضربات لعدة أسابيع أو حتى شهر، وفقًا لاثنين من المسؤولين الأمريكيين.
استطلاع: كيف رأى السوريون عملية تدمر
أجرت عنب بلدي استطلاعًا عبر موقعها الإلكتروني، حول رأي السوريين بالنتائج التي ستؤدي إليها عملية تدمر التي أسفرت عن مقتل جنود أمريكيين، وشارك في الاستطلاع 924 شخصًا، واستمر من 16 حتى 20 من كانون الأول.
رأى 43% من المستطلعة آراؤهم أن هجوم تدمر سيعزز التعاون بين الحكومتين السورية والأمريكية، بينما يعتقد 41% منهم أن الهجوم لن يؤثر لا سلبًا ولا إيجابًا على العلاقة، ورأى 16% فقط من المشاركين أن الهجوم سيؤدي إلى توتر في العلاقات بين البلدين.
عمليات تنظيم الدولة في سوريا
تعاون سوري- أمريكي..
تدمير 15 موقعًا لتنظيم “الدولة الإسلامية”
نفذت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بالتعاون مع وزارة الداخلية السورية، عملية مشتركة بين 24 و27 من تشرين الثاني الماضي، أسفرت عن تدمير أكثر من 15 موقعًا تحتوي على مخازن أسلحة تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في جنوبي سوريا.
وشارك عناصر من “قوة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب” (CJTF-OIR) إلى جانب قوات تابعة لوزارة الداخلية السورية، في رصد وتحديد مواقع التخزين المنتشرة في ريف دمشق، قبل استهدافها عبر سلسلة ضربات جوية وتفجيرات ميدانية نفذتها فرق الهندسة.
وأسفرت هذه العمليات عن تدمير أكثر من 130 صاروخًا وقذيفة هاون، بالإضافة إلى بنادق ورشاشات وألغام مضادة للدبابات ومواد لصناعة العبوات الناسفة.
رسائل التنظيم.. واختبار الرد
كثّف تنظيم “الدولة الإسلامية” من عملياته ضد الحكومة السورية، منذ إعلان سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي، وبلغ إجمالي عملياته في مناطق سيطرة الحكومة السورية خلال الـ30 يومًا الماضية ثماني هجمات في مختلف المحافظات.
يرى الكاتب الصحفي فراس علاوي، أن عودة التنظيم إلى النشاط بعد حالة الكمون التي سبقت ذلك تعود لعدة أسباب، من بينها شعور التنظيم بخطر وجودي عليه بعد انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي، بالإضافة إلى الضغط الدولي من التحالف على مناطق نفوذ التنظيم، مما دفعه إلى محاولة القفز الى الأمام وتنشيط عملياته في المنطقة.
ويريد التنظيم، بحسب حديث علاوي إلى عنب بلدي، أن يرسل رسالة من هذه العمليات أنه موجود ويشكل قوة فاعلة على الأرض، محاولًا إظهار أن انضمام الحكومة السورية الى التحالف الدولي لن يؤثر على عملياته على الأرض.
من جهته، يعتقد الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن تنظيم “الدولة” ينتهز أي فرصة للقيام بعمليات تقوض من جهود الحكومة السورية في الاستقرار، في محاولة لإثبات أن خلاياه ما زالت موجودة، بهدف تنشيط عمليات التجنيد.
ويتفق علوان مع علاوي في أن التنظيم يريد أن يوصل رسالة أنه لا يزال موجودًا، بهدف تنشيط عمليات التجنيد في صفوفه، فضلًا عن احتمالية أن يكون التنظيم مدفوعًا من جهات خارجية.
ويرى علوان أن تنظيم “الدولة” ينفذ أجندته الخاصة، وأجندات جهات داخلية وخارجية أيضًا، وتريد هذه الأجندات الخارجية أن تستثمر بالفوضى، وأن تثبت أن سوريا غير مستقرة بعد، في محاولة لخلط الأوراق، لأن مصالح هذه الأطراف المحلية والخارجية تتأثر سلبًا بالاستقرار السوري.
وتشكل الرسائل من وراء هذه العمليات تحديًا مباشرًا للحكومة السورية، ومحاولة ضغط داخلي عليها، بالإضافة إلى وجود رسائل للجهات الخارجية أيضًا، يحاول أن يوصلها التنظيم باسمه وباسم الأطراف الأخرى التي تستثمر من خلاله، وهي أن التنظيم قادر على التحرك والنشاط، لإظهار أن الحكومة السورية غير قادرة على ضبط المشهد الأمني، بحسب علوان.
استراتيجية جديدة وجهود متصاعدة للتصدي
يرى خبراء قابلتهم عنب بلدي أن ما يشهده تنظيم “الدولة” في سوريا لا يرقى إلى عودة بصيغته السابقة، بقدر ما يعكس انتقاله إلى “نموذج أمني” قائم على الخلايا والعمل في الظل.
فبحسب الباحث في الشأن السياسي وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود، لا يمتلك التنظيم القدرة اللوجستية أو العسكرية لإمساك جغرافيا أو فرض سيطرة مكانية كما فعل قبل أعوام، لكنه يستفيد من اتساع الجغرافيا السورية والهشاشة الأمنية والخلافات بين الفاعلين السوريين، ليعيد تنشيط حضوره ضمن رؤية أمنية تعتمد الضربات النوعية لا السيطرة المعلنة.
ويرى الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” نوار شعبان قباقيبو، أن إعادة “تأسيس” التنظيم بالشكل التقليدي أمر مستبعد، إلا أن الظروف الأمنية الراهنة تتيح له تنفيذ عمليات متفرقة، في إطار ما يروّج له كـ”مرحلة عمليات”، وفق خطابه الإعلامي، دون امتلاك القدرة على السيطرة على كتل أرضية.
بدوره، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية منير أديب، يرى أن خلايا التنظيم الخاملة بدأت تنشط مستفيدة من حالة تعدد الجبهات التي تعمل عليها الحكومة السورية، ما يمنحه حضورًا لتنفيذ عمليات نوعية على المدى القصير، دون وجود جغرافي ثابت.
واعتبر الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن ما يجري أقرب إلى استمرار فكر التنظيم لا عودة البنية الصلبة له، إذ يتحرك التنظيم عبر أفراد أو خلايا تتبنى فكره، مستغلًا هشاشة الجهاز الأمني الجديد، في محاولة لإثبات أنه لم يختفِ تمامًا، دون أن يعني ذلك استعادة قدراته السابقة.
الحكومة السورية أمام اختبار الأمن
تواجه الحكومة السورية اختبارًا أمنيًا في ظل قدرات محدودة وتحديات متراكمة، مع اتساع رقعة الجغرافيا التي باتت الأجهزة الأمنية مطالبة بتغطيتها، وانتقالها من العمل ضمن نطاق ضيق إلى التعامل مع كامل الأراضي السورية.
ويشير باحثون تحدثوا إلى عنب بلدي، إلى أن طبيعة التهديد نفسه تزيد من صعوبة المواجهة، إذ يعمل تنظيم “الدولة” اليوم عبر خلايا صغيرة تتقن التخفي وتضرب في أماكن غير متوقعة، ما يجعل مكافحته مرتبطة بقدرات استخباراتية وعمليات استباقية أكثر منها بحملات عسكرية تقليدية.
وتواجه الحكومة السورية تنظيمًا راكم خبرة طويلة في العمل السري منذ عام 2019، ما يتطلب تعزيز عمل الأجهزة الأمنية في متابعة الجغرافيات الحساسة، ولا سيما على الخط الواصل بين حلب ودمشق، إلى جانب توثيق التعاون مع التحالف والاستفادة من تجارب سابقة في إدلب والتنف، على المستوى الأمني من جهة، ومن جهة أخرى على المستوى الفكري والمجتمعي للوقاية من الانسياق وراء دعايات التجنيد التي يمارسها التنظيم باستغلال العاطفة الدينية للمجتمع، بحسب حديث الباحث في الشأن السياسي وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود.
أما الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، فيرى أن الحكومة لا تزال في مرحلة التعافي وإعادة البناء، وتفتقر إلى بنية أمنية متماسكة وموارد كافية، وأن بناء جهاز أمني واستخباراتي فعّال، مدعوم بتقنيات حديثة ودعم دولي مباشر، يبقى شرطًا أساسيًا لمواجهة هذا التهديد وضمان استقرار طويل الأمد.
“قسد” ومحاربة التنظيم.. هل تُسحب الورقة؟
تعد محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” أحد أبرز أسباب وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بوضعها الحالي، وهي السبب الرئيس لعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتلقي الدعم منها.
وبعد سقوط النظام، تشكلت علاقة جيدة بين دمشق وواشنطن، أثمرت مؤخرًا عن دخول سوريا بالحلف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة”، مما هدد بسحب البساط من “قسد” بما يخص هذا الملف، إلا أن هجوم تدمر أعاد تشكيل المعادلة.
“قسد” ترحب بالانضمام
رحبت “قسد” بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحابة تنظيم “الدولة”، حيث قال قائدها، مظلوم عبدي، إن الانضمام يمثل “خطوة محورية” نحو تعزيز الجهود المشتركة للقضاء على التنظيم وضمان عدم تهديده للمنطقة.
على الجانب الآخر، قوبل هذا الترحيب بتساؤلات حول إمكانية سحب ملف محاربة التنظيم من يد “قسد”، بعد أن دخلت الحكومة على الخط، وهي التي تتلقى دعمًا واسعًا من واشنطن، خاصة على المستوى السياسي.
الباحث السياسي أنس الشواخ، قال إن هناك عوامل عدة، عسكرية وأمنية، تؤكد أن هناك عملًا جدّيًا ومتسارعًا لحالة التنسيق بين القوات السورية وقوات التحالف الدولي، كشركاء في عمليات مكافحة “الإرهاب”، مشيرًا إلى أن العمليات في هذا السياق تسير بوتيرة متسارعة.
أما عن سحب هذه الورقة من يد “قسد”، فلفت الباحث في “المركز الكردي للدراسات” الدكتور طارق حمو، إلى أن القوات المسيطرة على شمال شرقي سوريا، أيدت انضمام دمشق إلى التحالف.
وقال حمو، في حديث إلى عنب بلدي، إن “قسد” رحبت بانضمام سوريا إلى التحالف لأن توحيد الجهود ضد تنظيم “الدولة” الذي يهدد الدولة السورية والسوريين ويهدد العمليات السياسية في سوريا، هو مطلب “قسد” أيضًا، ويعزز دورها.
وأشار إلى أن هناك حديثًا عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين الحكومة و”قسد” بعد هجوم تدمر، لافتًا إلى أن “قسد” ستكون جزءًا من الجيش السوري (في حال تم الدمج) وسيكون هو من يقاوم “الإرهاب” بغض النظر عن التسميات.
ويعتقد أن “قسد” قادرة على تقديم خبرتها وتجربتها الطويلة في مقارعة التنظيم، ويرى أن هناك مرحلة جديدة من التعاون ستظهر.
هجوم تدمر.. من المستفيد؟
شكّل هجوم تدمر معادلة جديدة في هذا الملف، حيث تعاملت معه واشنطن بإيجابية، بما يخص سياستها تجاه سوريا، بالرغم من انضمام منفذ العملية إلى القوات الحكومية، لكن تعاطي “قسد” مع المسألة طرح العديد من إشارات الاستفهام، فضلًا عن الحديث حول استفادتها من العملية لإظهارها بموقف المحارب المثالي للتنظيم، والمعتمد عليه بشكل رئيس.
أنس شواخ اعتبر أن “قسد” حاولت تصدير الأمر على أنه يعزز صورتها كشريك موثوق وفعال لقوات التحالف الدولي.
لكنه يرى أيضًا أن العملية بما حملته من خسائر بشرية، كان لها دور إيجابي لمصلحة القوات الحكومية السورية، إذ عززت مفهوم الشراكة بينها وبين قوات التحالف الدولي.
ومن ناحية أخرى، فعملية تدمر تضرب السردية التي تسوقها “قسد” أو قوى محلية ودولية أخرى، والتي تتعلق بتصدير الحكومة أو القوات السورية على أنها قوات مرتبطة بشكل أو بآخر أو مخترَقة أو تملك علاقات مع التنظيم، وفق ما يراه شواخ.
وأشار إلى أن سقوط خسائر بشرية من جانب القوات الأمنية السورية، يؤكد حالة العداء العقدي والأمني والعسكري مع تنظيم “الدولة”.
ويخالفه الباحث طارق حمو، إذ يرى أن عملية تدمر لم تكن لمصلحة “قسد” أو الحكومة السورية، واعتبرها “عملية إرهابية” تضر بالعملية السياسية ولا تخدم سوى تنظيم “الدولة”.
وقال إن “قسد” تريد الاستقرار والحوار وحل القضايا والمشكلات العالقة مع دمشق بالطرق السلمية ودون أي مراهنة على أطراف خارجية.
كيف تعاطت “قسد”؟
خرج بيانان رسميان من “قسد” حول العملية، الأول نُشر على معرفها الرسمي، أعربت فيه عن تعازيها بالجنود الأمريكيين، في حين أن الثاني صدر من قائدها، مظلوم عبدي، بتغريدة على “إكس”، وتضمن تعزية لعناصر الأمن العام، الأمر الذي لم يتضمنه البيان الرسمي، كما لفت إليه الباحث شواخ.
الباحث شواخ اعتبر أن الفرق بين بياني التعزية، هو إثبات لوجود تيارين داخل “قسد”، الأول يتمثل بمظلوم عبدي، والثاني الذي يقود دفة قيادة “قسد” بشكل كامل، وهو التيار الذي لا يرغب بفتح أو القيام بأي خطوات إيجابية تجاه الحكومه السورية الجديدة.
لذلك، كان بيان قيادة “قسد” سلبيًا تجاه مشاركة قوات الأمن السورية في هذه العملية، فيما حاول عبدي عبر تغريدته لعب دور صاحب المبادرة الإيجابية مع الحكومة السورية.
ما مصير سجون عناصر التنظيم؟
ما زالت قضية السجون الموجودة في شمال شرقي سوريا، والتي تضم عناصر تنظيم “الدولة” وتشرف عليها “الإدارة الذاتية” وهي المظلة المدنية لـ”قسد”، مثار بحث، وضمن الأخد والرد، إذ يدور الحديث حول تسلّم الحكومة السورية لهذا الملف، بعد أن أمسكت به “قسد” لسنوات.
الباحث في “المركز الكردي للدراسات” طارق حمو، قال إن معتقلي تنظيم “الدولة” موجودون منذ سنوات في سجون “الإدارة الذاتية”، والتحالف الدولي أيضًا موجود ويشرف على العملية.
وأضاف أن “قسد” تريد تخفيف هذا الحمل عن كاهلها، عبر إيجاد مخرج وحل لهؤلاء المقاتلين، وخاصة غير السوريين منهم، كأن تتسلمهم دولهم مثلًا.
واعتبر أن هذا الملف شائك ويثقل “قسد”، فأي تقارب مع الحكومة في هذا المنحى هو شيء “جيد”، مشيرًا إلى أن وجود الضامن الأمريكي يحل ذلك، ومؤكدًا أم “قسد” منفتحة على الحوار.
وتمتلك “قسد” عدة سجون تحوي عناصر لتنظيم “الدولة” في محافظتي الرقة والحسكة، ويقدّر عددهم بالآلاف، بالإضافة إلى نحو 50 ألف مقيم من مقاتلي التنظيم وعوائلهم في مخيمات لجوء، أبرزها “الهول” و”الروج”.
وتجري “قسد” عمليات باستمرار في مخيمي “الهول” و”الروج” ضد مقاتلين نشطين للتنظيم، بالمقابل، فإن الحكومة تقول إن بعض العناصر الذين نفذوا عمليات في مناطق سيطرتها خرجوا من المخيمين.
عنب بلدي
————————————-
إجراءات أمنية محتملة.. كيف تدير واشنطن شراكتها العسكرية بعد أحداث تدمر؟!/ أحمد الكناني
ما بعد تدمر.. كيف تدير واشنطن شراكتها؟
2025-12-22
لم يكن مقتل الجنود الأميركيين في تدمر خرقاً أمنياً عابراً بالنسبة لواشنطن، بل نقطة تحول جوهرية في مسار التعاطي الأمني مع دمشق، إذ تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الإدارة السياسية الأميركية دعمها التام وتأكيدها لدمشق على محاربة الإرهاب، وداعش على وجه الخصوص، إلا أن ذلك لا يٌقرأ بهذه الطريقة في أروقة المؤسسات الأمنية والدفاعية الأميركية، خاصة وأن منفذ الهجوم هو أحد عناصر الأمن العام السوري، ما يعني أن القيادة العسكرية الأميركية في سوريا باتت مكشوفة في أي عملية مشتركة مع الجانب السوري، ويتطلب منها ذلك المزيد من الحرص في أي عملية مشتركة.
وفي نفس السياق، شكلت العملية الأمنية في تدمر حرجاً كبيراً لدمشق، والتي كانت قد بدأت أولى خطواتها في العمليات المشتركة مع الجانب الأميركي لمحاربة تنظيم داعش في منطقة البادية، إلا أن طبيعة الحادثة أوصلت رسالة مفادها أن العديد من أفراد الأمن مخترقون من التنظيم نفسه، وبالتالي حقق الهجوم بالحد الأدنى شرخاً استخباراتياً بين القوات الأميركية والسورية المشاركة في العملية.
قلق استراتيجي
تختلف وزارة الحرب الأميركية في قراءاتها للملف الأمني في سوريا عن السياسة الخارجية للبيت الأبيض والتي يمثلها المبعوث الأميركي توماس براك، إذ يبحث البنتاغون في الجوانب الأمنية التفصيلية للوضع العسكري في سوريا بشكل سري ومستقل في بعض الأحيان، واستطاع أن يُنشأ حلفاء استراتيجيين موثوقين داخل الأراضي السورية، ممثلين بقوات سوريا الديمقراطية شمال شرق الفرات، وجيش سوريا الحرة محيط قاعدة “التنف” العسكرية، وطوال السنوات العشر الماضية لم يحدث أي خرق أمني من داخل صفوف هذه القوات المتعاونة مع الجانب الأميركي، ما يشير إلى أن دمشق تساهلت أو تأخرت في تدقيق ملفات المقاتلين المنضمين لصفوف قوات التحالف لمكافحة الإرهاب.
إضافة إلى ذلك شكلت التصريحات الصادرة عن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية صدمة في الأوساط الأمنية حيث تحدث عن 5000 عنصر في منطقة البادية يتم العمل على تقييمهم، ومنهم جرى اكتشاف منفذ الهجوم على القوات الأميركية، وبالتالي بات التعاون مصدر قلق كبير للقوات الأميركية في الفترة الأولى ريثما يتم التدقيق والتحقق من هوية المنتمين لقوات الأمن العام في منطقة البادية، وغيرها من المناطق.
إجراءات أمنية
أقر تصويت مجلس النواب الأميركي بالموافقة على مشروع ميزانية وزارة الحرب، والذي بموجبه تم رفع العقوبات قيصر عن سوريا، إلا أن القانون يحمل بندين رئيسيين متعلقين بتجديد الميزانية السنوية بشكل مستقل لقوات سوريا الديمقراطية، وجيش سوريا الحرة، وهما قوات عسكرية على الأراضي السورية وموثوقة بالنسبة للإدارة الأميركية تدريباً وتسليحاً، وعليه يبدو أن البنتاغون سيركز في عملياته المقبلة على شركائه الرئيسيين في عملياته، ريثما تستطيع دمشق إيجاد صيغة أمنية موثوقة لأي عملية مشتركة، لا سيما وأن الشراكة في بداياتها وتأخذ شكلاً سياسياً لا عسكرياً، إذ أن التكلفة على دمشق ستكون باهظة جدا في حال تكرار هكذا خرق من داخل صفوف قواتها الأمنية.
بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن تعمل القيادة المركزية الأميركية على استراتيجية جديدة للتعامل مع القوات السورية، من حيث طبيعة الدوريات المشتركة، والمعايير الخاصة لقبول قوات الأمن العام السوري المشاركة في عمليات التحالف، ووضع صيغة تبادل استخباراتي مكثفة لتقصي العناصر، والقادة أصحاب المرجعيات المتطرفة، خاصة وأن وزارة الداخلية السوري هي الجهة المعنية بشكل مباشر عن التعاون مع قوات التحالف، وهو السبب الذي رفعت من أجله واشنطن اسم وزير الداخلية أنس خطاب إلى جانب الرئيس السوري عن لوائح العقوبات.
أوراق رابحة
لا شك أن الحادثة الأمنية في تدمر أعطت مبررات جديدة للعديد من الأطراف غير المتحالفة مع دمشق في الداخل السوري، وأبرزها قوات سوريا الديمقراطية والتي يجري العمل على ادماجها في الجيش السوري، إذ باتت قسد أكثر تصلباً بمواقفها بالاندماج ككتلة مستقلة في الجيش السوري، تحسباً من أي اختراقات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية لم تسلم القوات الأميركية منها.
إضافة إلى ذلك عززت الأقليات من رواياتها بوجود عناصر متطرفة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، وقضية التساهل من قبل دمشق بمحاسبة المتطرفين، والمتسببين بالانتهاكات، وهي الرواية التي تضغط تجاهها إسرائيل، من حيث وجود مخاوف تهدد أمنها القومي، وهو ما أكده السيناتور الأميركي ليندسي غراهام الحليف لدمشق، بأن إسرائيل محقة في حماية نفسها والأقليات، وهناك أدلة متزايدة على أن قوات الأمن السورية أكثر تطرفا مما يتم وصفها.
عقيدة عسكرية
لا شك أن مثل هذه الأحداث تضر بالمصالح السورية الأميركية، وصورتها أمام المجتمع الدولي، وفي هذا السياق يبدو واضحاً أن دمشق أمام مسارين إجباريين لا اختياريين، الأول متعلق بالغربلة العسكرية والأمنية لعناصرها، وإجراء دراسات أمنية مكثفة عنهم، إضافة إلى وضع شروط أكثر دقة وتشدد في قبول المنتسبين الجدد.
أما المسار الثاني يتعلق بتغير العقيدة العسكرية والأمنية، وانتقالها من دينية في الأكاديميات العسكرية إلى وطنية جامعة، الأمر الذي سينعكس بأدق التفاصيل على الجيش والقوات الأمنية، وهو في النهاية أحد أبرز المطالب الأميركية من الرئيس الشرع، إلا أن ذلك قد يصطدم بالعديد من المعوقات، خاصة وأن الجيش الوطني يعني أن تنصهر فيه كافة المكونات السورية دون أن تقتصر على مكون سوري واحد.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+
+963
——————————-
ثمن الانفتاح: استراتيجية “الانتقام الهجين” لداعش/ ضياء قدور
ديسمبر 23, 2025
في عالم مكافحة التمرد، لا تُقاس خطورة التنظيمات الإرهابية بحجم الأرض التي تسيطر عليها فحسب، بل بقدرتها على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية وتحويل الهزائم التكتيكية إلى فرص استراتيجية. ما تشهده الساحة السورية اليوم، وتحديداً منذ مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025، ليس مجرد “فلول” لتنظيم مهزوم، بل هو إعادة هندسة كاملة لعقيدة “داعش” القتالية.
نحن أمام ما يمكن تسميته بـ “التمرد الانتقامي منخفض الشدة”، وهو رد فعل بافلوفي مدروس على تحول تاريخي: انضمام دمشق للتحالف الدولي. هذا التطور وضع الدولة السورية الجديدة في مواجهة مباشرة مع استحقاقات أمنية طبيعية في مرحلة إعادة الهيكلة.
إن قراءة المشهد السوري الحالي تتطلب تفكيكاً دقيقاً للسياق الاستراتيجي. فبعد دخول البلاد في مرحلة انتقالية واعدة أواخر 2024، اعتبر تنظيم “داعش” أن انضمام سوريا للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بمثابة “فرصة دعائية” لخلط الأوراق. فمن منظور أيديولوجي راديكالي، يحاول التنظيم استغلال هذا “الانفتاح الدولي” لترويج سردية “الخيانة” لتبرير حربه ضد مؤسسات الدولة، ومحاولة التشويش على الحاضنة الشعبية التي بدأت تلمس ثمار الاستقرار.
وبالنظر بعين الخبير الأمني إلى تفاصيل العمليات الست التي نُفذت خلال أسبوعين فقط، في النصف الأول من كانون الأول، ندرك أننا أمام نمط عملياتي يركز على مبدأ “نقاط الاختناق”. لقد أثبتت تحليلات مسرح الجريمة في عمليات “معرة النعمان” والكمائن المنصوبة قرب الجسور الحيوية، أن التنظيم يحاول يائساً إعاقة عجلة التعافي. فهو لا يضرب لمجرد القتل، بل يضرب لشل الحركة. استهداف الشرايين اللوجستية، كأوتوستراد (M5)، يهدف إلى التشويش على الحركة الاقتصادية والأمنية، في محاولة بائسة لإظهار أن الدولة لا تملك السيادة الكاملة على طرقها الرئيسية، وهو تكتيك كلاسيكي تلجأ إليه التنظيمات عندما تفقد قدرتها على المواجهة المباشرة.
وبقراءة موضوعية لحادثة “تدمر” في 13 كانون الأول، نجد أنها تستدعي مقاربة تحليلية تضع الأمور في نصابها الواقعي بعيداً عن التهويل. فعندما ينفذ عنصر أمني سابق بـ “الهجوم الداخلي” ضد دورية مشتركة، فإن هذا لا يعكس بالضرورة خللاً بنيوياً في المؤسسة العسكرية السورية الناشئة، بقدر ما يعكس طبيعة التحديات المعقدة والمخاطر المحسوبة في فترات الدمج وإعادة البناء.
تاريخياً، هذه الخروقات ليست سابقة سورية ولا دليلاً على هشاشة النظام الأمني؛ فقد عانت منها أعتى الجيوش والتشكيلات، حيث شهدت مناطق سيطرة “قسد” حوادث مماثلة وتحديات أمنية جمة بين عامي 2018 و2019، كما كانت هذه الحوادث هاجساً واجهه الجيش العراقي بعد عام 2014، وتكرر مراراً في التجربة الأفغانية. إن حدوث هذا الاختراق النادر لا يطعن في قوة الهيكلية الأمنية لدمشق، بل يؤكد الحاجة المستمرة والدقيقة لتحديث آليات “فحص الخلفيات الأمنية” وتطويرها لتواكب مكر العدو الذي يحاول استغلال سياسة الاحتواء والمصالحات التي تمارسها الدولة لتعزيز اللحمة الوطنية.
علاوة على ذلك، فإن توسيع بنك الأهداف ليشمل الكوادر “السيادية والنوعية” – كما حدث في اغتيال مسؤولي الجمارك في خناصر والمسؤول القضائي في دير حسان – يشير إلى استراتيجية “جز الرؤوس”. التنظيم يسعى لاستهداف الكوادر التي تقوم عليها الدولة، لضرب هيبة المؤسسات، لكن الدولة السورية أثبتت صلابتها. فالنجاح الأمني الذي تحقق سريعاً في 16 كانون الأول بتفكيك الخلية المسؤولة عن هجمات الطريق الدولي، ومصادرة أسلحة نوعية، يثبت أن الأجهزة الأمنية السورية تمتلك قابلية عالية للتعلم والتطور ورد الفعل الحاسم.
الدولة السورية اليوم، وبدعم من التحالف، باتت تمثل “حائط الصد” الأول والأهم الذي يمنع التنظيم من إعادة بناء خلافته المزعومة. التحدي الراهن ليس ضعفاً، بل هو ضريبة طبيعية للانتقال من الفوضى إلى الدولة، ومواجهة تمرد يعتمد على تكتيكات هجينة تتطلب نفساً طويلاً.
لذلك، ومن موقع المتابع للشأن الاستراتيجي، أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب حزمة من الإجراءات لتعزيز المكتسبات:
أولاً، الاستمرار في تطوير “قيود الانتساب” وتحديث البيانات. إن المراجعة الدورية للملفات الأمنية للمنتسبين، خاصة في المناطق التي شهدت تسويات، هو إجراء احترازي روتيني تعتمده كل جيوش العالم لحماية ظهر قواتها.
ثانياً، تعميق الشراكة الاستخباراتية. دمشق اليوم بحاجة لترجمة الانفتاح السياسي إلى تعاون تقني، عبر الحصول على معدات مراقبة متطورة ودعم سيبراني لرصد الخلايا النائمة قبل استيقاظها.
ثالثاً، تعزيز الأمن الوقائي على البنية التحتية، وتحويل نقاط الضعف (الجسور والطرق السريعة) إلى مناطق مراقبة ذكية، لحرمان التنظيم من ميزة المفاجأة.
ختاماً، إن ما يحدث في سوريا اليوم ليس معركة دمشق وحدها. إن نجاح الدولة السورية الجديدة في تثبيت دعائمها الأمنية هو مصلحة إقليمية ودولية. سوريا، بخيارها الاستراتيجي في الانفتاح، تثبت أنها قادرة على تجاوز هذه “الزوابع الأمنية”، وأن أحداث كانون الأول 2025 لن تكون سوى محطة عابرة في طريق استعادة الدولة لعافيتها الكاملة ودورها المحوري في أمن المنطقة.
الثورة السورية
————————–
ما خطة القوى الأمنية السورية لمواجهة هجمات “داعش” المتزايدة؟/ أحمد العكلة
22 ديسمبر 2025
ألقت قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب بجهاز الاستخبارات العامة، خلال عملية أمنية، القبض على خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، مسؤولة عن تنفيذ عمليات متفرقة أودت بحياة 7 عناصر من الجيش والأمن السوريين.
وقبل أيام، استهدف مسلحو التنظيم دورية “أمن الطرق” في معرة النعمان جنوب إدلب، وقتلوا 4 عناصر وأصابوا آخر بجروح خطرة، حيث أطلق المسلحون النار على عناصر الأمن وهم داخل المركبة العسكرية ثم لاذوا بالفرار.
وكانت وحدات وزارة الداخلية نفّذت، قبل أسبوعين عملية أمنية في تدمر، واعتقلت 5 أشخاص مشتبه بهم، بعد هجوم أدى لمقتل 3 جنود أميركيين.
وتعمل وزارة الداخلية على تكثيف حملاتها بهدف القضاء على خلايا التنظيم الذي نشط في الآونة الأخيرة وتمكن من قتل عدد من عناصر الجيش السوري والأمن العام والضابطة الجمركية.
وقال مصدر خاص في قيادة الأمن الداخلي، في حديثه لموقع “الترا سوريا”، إن الخطة الأمنية المعتمدة لمواجهة تهديدات تنظيم “داعش” تقوم على العمل الاستباقي، وتعزيز الجهد الاستخباراتي، وتكثيف المراقبة الميدانية في المناطق التي يُشتبه بوجود خلايا نائمة فيها.
وأوضح أن الأجهزة الأمنية تعمل وفق آلية تنسيق مشتركة بين قيادة الأمن الداخلي، وإدارة مكافحة الإرهاب، وجهاز الاستخبارات العامة، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات والاستجابة الفورية لأي تهديد محتمل، مؤكدًا أن “المرحلة الحالية تتطلب رفع مستوى الجاهزية ومنع التنظيم من إعادة ترتيب صفوفه”.
وأشار المصدر إلى أن الخطة تشمل توسيع نطاق الحملات الأمنية الدقيقة بدل العمليات الواسعة، بهدف تقليل المخاطر على المدنيين، مع الاعتماد على معلومات استخباراتية موثوقة ناتجة عن الرصد التقني والمتابعة البشرية، إضافة إلى نتائج التحقيق مع العناصر الموقوفة.
وأضاف أن القوات الأمنية شرعت خلال الأسابيع الماضية في تعزيز نقاط التفتيش المتحركة، وتكثيف الدوريات الليلية، ولا سيما في محيط الطرق الدولية والمناطق التي شهدت نشاطًا سابقًا للتنظيم، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات ساهمت في إحباط محاولات استهداف جديدة.
وأكد المصدر أن الأجهزة الأمنية تولي اهتمامًا خاصًا لتجفيف مصادر الدعم اللوجستي لخلايا التنظيم، سواء عبر ملاحقة المموّلين أو تفكيك شبكات الإمداد بالسلاح والمتفجرات، موضحًا أن “الضربات الأخيرة أضعفت قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات نوعية”.
وختم المصدر بالتأكيد على أن “القوات الأمنية لن تكتفي بردّ الفعل على الهجمات، بل ستواصل تنفيذ عمليات استباقية واسعة النطاق”، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا في الجهد الأمني والاستخباراتي لمنع التنظيم من استغلال أي فراغ أمني أو جغرافي.
وخلال الشهر الماضي، قالت وزارة الداخلية السورية -في بيان- إن وحداتها نفّذت عملية أمنية واسعة استهدفت خلايا تابعة لتنظيم الدولة في عدد من المحافظات. وأضافت الوزارة أن عملياتها، التي جرت بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة ضد التنظيم، أدت لتفكيك عدة خلايا وإلقاء القبض على مطلوبين.
قال الكاتب والباحث د. باسل معراوي، في تصريح خاص لموقع “الترا سوريا”، إنه عندما تحول تنظيم “داعش” من حالة السيطرة المكانية إلى حالة أشبه بحرب العصابات بدون وجود ملاذ آمن له أو بيئة سكانية حاضنة وخاضعة لحكمه، تغيرت كل خطط التنظيم وخطط من يحاربه.
وأضاف معراوي أنه لم يعد هناك أهداف ثابتة يمكن ضربها، ولا حاضنة سكانية يمكن تأليبها عليه بالضغط عليها، ولكي يتكيف “داعش” مع الوضع الجديد، ترك لأمراء المناطق حرية الحركة واتخاذ القرار وعدم الرجوع إلى المركز إلا للضرورة القصوى.
وأوضح أن التنظيم امتنع عن أي عمل عسكري طيلة الأشهر الأحد عشر من عمر العهد الجديد في مناطق سيطرته، بينما كان في مناطق سيطرة “قسد” يسير بنفس تواتر منوال العمليات، ولجأ إلى أسلوب يجعل 30% من قواه الفعالة في حالة جهوزية كاملة والباقي خلايا نائمة يمكن زجها في أي معركة أو عملية عند الطلب.
ويرى معراوي أن سبب انتظار “داعش” كل تلك الأشهر دون تصعيد عملياته – باستثناء تفجير كنيسة الدويلعة في دمشق ومحاولة تفجير في مقام السيدة زينب تم إحباطها – يعود إلى رهان التنظيم على فشل حكومة الرئيس الشرع وانفضاض الكثير من أتباعه عنه، مما يتيح استقطابهم وضمهم بسهولة، خاصة مع توقع توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل وفشل الحكومة في تطبيق أحكام الشريعة مثل إجبار الناس على ارتداء الحجاب وغيرها من الأحكام التي يراها “داعش” ضرورية.
وأشار إلى أن الأيام مرت دون حدوث الفشل الذي راهنت عليه “داعش”، بل شعر الرئيس السوري بقوته وإخلاص حلقاته العسكرية له على كل المستويات، مما مكنه من الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وهي النقطة الفاصلة التي أقنعت “داعش” بأن رهانها خاسر، فانتقلت إلى نقل الكثير من عديدها وعتادها من شرق الفرات وانتشارهم في المحافظات الخمسة مع تكثيف العمليات ضد قوى الأمن الحكومية.
وبخصوص انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، قال الدكتور معراوي إنه لم يكن وليد اللحظة بل استراتيجية عميقة بدأ تنفيذها بين دمشق وواشنطن، ويدرك الطرفان صعوبة المهمة، لكن القرار استراتيجي لا يتأثر باختراق تدمر أو غيره.
وأضاف أن حادثة تدمر ستزيد من عمق التنسيق، مع معالجة الثغرات وتغيير طبيعة عمل القوات الأمريكية نحو تقليل الانتشار الأرضي وزيادة الدعم الجوي واللوجستي والاستخباري، كما ستكتسب القوى الأمنية السورية المزيد من الخبرة والتسليح والمعلومات الاستخباراتية، وقد تنضم قوات نخبة موثوقة من “قسد” إلى قوات وزارة الداخلية.
وأكد معراوي أن طريقة عمل “داعش” تغيرت مع تغير الظروف، فلم تعد بحاجة إلى أسلحة ثقيلة بل إلى ذئاب منفردة أو مجموعات صغيرة بأسلحة خفيفة، مستفيدة من البادية السورية ثم المدن وضواحيها.
وسجل اختلافًا مهمًا في أسلوب التنظيم بعدم استهداف مناطق الأقليات أو أهداف رخوة تثير الذعر، وركز على القوى الأمنية مثل دوريات الطرق والضابطة الجمركية وعسكريين في الجيش، رغبة في عدم استفزاز المجتمعات لتجنيد بعض أفرادها.
وفي حديث لموقع “الترا سوريا”، أكد الصحفي السوري أحمد مظهر سعدو أن العلاقات الأميركية السورية تشهد تطورًا ملحوظًا، مشيرًا إلى غياب أي آثار سلبية عليها رغم التحديات الأمنية في المنطقة.
وقال سعدو إن هناك تعاونًا حقيقيًا بين الطرفين لملاحقة تنظيم “داعش” والقضاء على التواجد الإرهابي برمته.
وبحسب سعدو، فإن التواجد الداعشي في سوريا ليس كبيرًا، ولا يملك حاضنة اجتماعية تسمح له بالتوسع أو تشكيل تهديد مباشر على الواقع الداخلي السوري.
وأضاف أن الاستقرار في البلاد يسير نحو الأفضل، رغم بعض التحركات الإرهابية من بقايا “داعش” وبعض فلول النظام الأسدي المدعومين من إيران. وأكد أن هذه العمليات ستظل موجودة، لكنها لن تؤثر بشكل كبير على المشهد السياسي أو الأمني.
كما شدد سعدو على وجود دعم حقيقي تركي ــ خليجي للحكومة السورية، يهدف إلى مكافحة “داعش” وتعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تحسين أوضاع السوريين وإعادة رسم ملامح وطن سوري موحد ومستقر. وختم حديثه بالقول إنه لا يرى أي تغيير في التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، وفقًا لتصوره.
الترا سوريا
———————————
كانت عقوباتٍ ظالمة/ معن البياري
23 ديسمبر 2025
أمّا أن تُقاطع دولةً دولةً أخرى، لأسبابٍ تخصّها، فتُقرّر ضدّها إجراءاتٍ عقابية، من قبيل وقف (أو تعليق) توريدٍ وتصدير، أو تعطيل بيعٍ وشراء، فهذا من حقوقٍ سياديةٍ للدول، وإنْ لا يبدو هذا، في حالاتٍ مخصوصة، مُستحسناً. أما أن تبرّر حكوماتٌ، بقوانين وتشريعاتٍ، ما تعتبرها عقوباتٍ على هذا النظام وذاك، منع تحويلاتٍ ماليةٍ ووقف توريد ما تحتاجه البلاد من حاجياتٍ لها ضرورتُها، وغير ذلكما من قرارات، فقد ثبت قطعاً، وبالشواهد، أن هذا كله، وبالمبرّرات المعزّزة بقوانين صودق عليها في برلماناتٍ، بل سنّها مجلس الأمن أحيانا، لم يؤثّر إلى درجة محرجةٍ على تماسك أي نظام حكمٍ معاقَب، ولا هزّه في شيء، وإنْ جعله، في حالاتٍ، يواجه صعوباتٍ غير قليلةٍ في غير شأن، وهو تحت طائلة عقوباتٍ اقتصادية. وفي النموذجيْن العراقي والليبي ما يشهد على صحّة هذا القول (أو الزعم؟)، فقسوة العقوبات الباهظة، والتي كان منها منع توريد قطع غيارٍ لصيانة طائرات، على العراق أكثر من عقد، ليست هي التي أنهت نظام صدّام حسين الذي أمكن له التعايش مع ما فُرض على بلاده من عقوباتٍ لا تزيّد في وصف كثير منها بأنها كانت جائرة. كما أن الحصار القاسي والحظر الواسع لصادراتٍ ووارداتٍ، واللذين فُرضا على ليبيا، إبّان كانت “جماهيرية عظمى”، جزاء ما اقترفه نظام معمّر القذافي من حماقاتٍ في غير بلد، لم تُسقط حكم هذا الرجل، ولم تخلّص الليبيين منه، وهم الذين تأذّوا بأبلغ الأضرار من تلك العقوبات الشنيعة التي أحكمت على بلدهم، وعلى حركتهم واقتصاد دولتهم.
ينسحب الحال على ما ظلّ يُرتكب منذ 1979 على سورية من عقوباتٍ بادرت إليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على الرغم من صلات التواصل الدبلوماسي والسياسي (والاستخباري على ما يجب أن لا ننسى) ظلّت بإيقاعٍ طيّبٍ مع نظام الأسد، الأب وابنه، فقد استُقبل رئيسٌ للولايات المتحدة (بيل كلينتون) ووزراء ومسؤولون أميركيون بلا عدد في قصر المهاجرين. وليس المقام هنا للحديث عن وجاهة القول إن النظام المتحدّث عنه كان يستحقَ العقاب والحصار، بأي كيفيّات، ولكن هذا لم يتحقّق، ولم تفعل شيئاً فيه العقوبات التي تقرّرت بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”. وكان في وسع العقل الأميركي أن يُبدع صيغةً عقابيةً وجزائيةً ضد نظام الأسد جرّاء ارتكابه الجرائم شديدة الفظاعة في سجونه، وكشفها المصوّر العسكري، فريد الذهان (قيصر)، والذي يبقى صنيعُه جهداً بالغ القيمة، يستحقّ عليه كل ثناء وإعجاب وتقدير. كان في الوسع أن تكون العقوبات التي بُنيت على ذلك الكشف من غير اللون الذي تشدّد في تأثيراته على السوريين في بلدهم. …
أثبت هذا كلُّه، في سورية وغيرها، البديهيّة التي لا يحسُن أن تُنسى، أن لا نظام سياسيّاً في العالم آذته عقوباتٌ من أي نوعٍ فُرضت عليه (على بلاده وشعبه الأصح)، بل العكس، وحدَها الشعوب التي عوقبت، وتنغّصت أمورُها، وتضرّرت في التعليم والطبابة والتنقّل وعموم شؤون الحياة. كما أن مجرمين ومسؤولين لصوصاً ونهّابين وتجّار حروب أفادوا من هذه العقوبات، في سورية، كما في غير بلد. وليس نعتاً خشبيّ اللغة أن تُرمى سياسة العقوبات التي تحترفها الولايات المتحدة (وغيرها عبر مجلس الأمن أو من دونه) بأنها إمبريالية، ولا تتوفّر على أي عدالةٍ من أي نوع. وذلك من دون التذكير بأن التعامي، المُعلن والصفيق، عن جرائم إسرائيل وفظاعاتها، من دون أي حسابٍ أو أي عقوبة، بل ومكافأتها الدائمة بالتسليح والعوْن المالي، شاهدان على الكيل بأكثر من مكيال.
فرحُ السوريين برفع العقوبات عنهم مستحقّ، بوصفه إنجازاً كبيراً، وإنْ مع بقاء سورية تحت مجهر المراقبة في غير شأن، ما قد يسوّغ القول إن القرار الأميركي، الذي سار في مجراه القانوني المعقّد، يكاد يوصَف بأنه مشروط. على أننا عندما نطالع هذه الشروط نرى بعضَها استحقاقاتٍ داخليةً مؤكّدة، لا حاجة لنسبتها إلى إدارة أميركية أو غيرها.
“تِنذكر وما تنعاد” تلك العقوبات التي أتعبت السوريين كثيراً. والرهان المرتقب على تدشين ما بعد زوالها، من بناءٍ وعمرانٍ وتقدّم، ومن تحديثٍ وتمدينٍ سياسيين من قبلُ ومن بعد.
العربي الجديد
———————————–
عنصر واحد في معادلة معقدة/ يعرب العيسى
23 ديسمبر 2025
هو شيء مثل جهاز كهربائي توقّف عن العمل، أول ما يخطر لنا فعله أن نعيد تشغيله. وفي المحاولة الثانية نشدّ مأخذه فنفصله عن التيار الكهربائي، ونعيد توصيله، إن لم يعمل هذه المرة فالعطل فيه.
عملياً، إلغاء قانون قيصر هو إعادة تشغيل سورية، فإن لم تعمل جيداً، فالعطل أعمق من ذلك إذاً. ولا يحتاج الأمر نبوءة لنعرف أنه كذلك. وأنه برفع قانون قيصر، يبدأ الجد. وتبدأ بالظهور أزماتٌ مؤجّلةٌ ومتراكمةٌ ومطمورةٌ تحت تلال الذرائع والشعارات الفارغة.
عقوداً، كانت معالجة مشكلات الحياة السورية تتم بطريقة لا تشبه أحداً في التاريخ: شتم الإمبريالية. تعجز المحطات عن توليد كهرباء كافية، تنفجر المحوّلات من ارتفاع الأحمال، تخبز الأفران خبزاً أقل من حاجة الناس، وأردأ مما يليق بالناس، تزدحم الصفوف المدرسية، يتفسخ أسفلت الطرق، تطبطب سيارات الإسعاف قبل بوابات المستشفيات بأمتار، تفقد العملة قيمتها، والأجور قدرتها، والمؤسّسات نزاهتها. تتوقف المصانع عن الإنتاج، تتملّح تربة الحقول، تفرغ الأسواق من البصل والقهوة سريعة التحضير، تلغى الرحلات الجوية، تختم القنصليات علامة الرفض على جوازات السفر، تعود الحوالة إلى مصدرها، يموت الرجال وسطياً في الثانية والستين، وتفقد النساء خصوبتهن في الرابعة والأربعين، تختفي الآثار من المتاحف، وأشرطة الذاكرة الوطنية من أرشيف التلفزيون والسينما. تفسخ المجتمع، تهتك الاقتصاد…
لدينا سبب: الإمبريالية العالمية، لعنها الله، تعاقب شعبنا على صموده في وجه مؤامراتها، بمنعه من شراء قطع غيار لمصانعه ومحطّات توليد الكهرباء فيه، وشرايين أصحاب القلوب المنهكة فيه.
بشيء من الواقعية، العقوبات أداة غير إنسانية بيد القوى الكبرى، أداة تتظاهر بأنها تعاقب الأنظمة الديكتاتورية، وهي تفعل ذلك فعلاً، لكن بأسوأ تقنية يتصوّرها عقل وأغربها. بالضغط على الشعوب التي يفترض أنها ضحية تلك الأنظمة، وإفقارها وتجويعها، كي ينفد صبرها، وتخرج مضحّية بكل شيء كي تخلع طغاتها. وبالطبع، سيموت في سبيل ذلك مئات الآلاف، وسيهجّر ملايين.
لا بأس، هذا قدرنا، وقد سدّدنا فاتورته. والآن، بدأ تسديد الفاتورة الكبرى، والتي ستبدأ بمواجهة الذات، واختبار الإمكانات الحقيقية.
نحتاج إلى تدوير العجلة الصدئة، نحتاج إلى تزييتها برؤوس أموال، وتحريكها بطاقة خبراء وعمّال مهرة، ووضعها على سكّة في مناخ قانوني وسياسي وأمني واقتصادي وخدمي، وإلا فلن يكون لرفع العقوبات أي معنى.
هناك 200 بلد في العالم ضمن نظام السويفت، و11500 مؤسّسة مالية لم تختبر يوماً ما معنى عقوبات، فكم واحدة منها حققت معادلة النجاح الاقتصادي؟
رفع العقوبات والانضمام إلى الأنظمة المالية العالمية عنصر واحد من معادلة معقدة تحتوي مئات العناصر الأخرى. ونحن فعلياً لا نملك منها سوى الرغبة. وربما لدينا شيء من الروح، وشيء من الحماس، ونحتاج إلى كل ما تبقى.
برفع العقوبات نبدو كفتى حائر حصل على الثانوية للتوّ، تحرّر من قيدي الأهل والطفولة، يشعر باكتمال نضجه، وبأنه صار جاهزاً لمواجهة الحياة، ولكنه يجهل أن كل مصاعب الدنيا تختبئ في هذا الطريق الذي بدأه الآن.
من حقّ كل سوري أن يفرح اليوم، أياً كان موقفه السياسي، ورأيه في السلطتين، الحالية والسابقة، فهذه الفرصة التي انفتحت سورية، وليست فرصة السلطة، ومن يجب أن يلتقطها هو سورية نفسها.
العربي الجديد
———————————–
========================
تحديث 22 كانون الأول 2025
———————————–
“عين الصقر” والحرب على “داعش” مجددا/ مهند مبيضين
خطر تنظيم “داعش” يمثل قنبلة ساكنة في الشرق الأوسط كله
22 ديسمبر 2025
يعود “داعش” للظهور من جديد بعد حادثة سيدني التي يبدو أنها نفذت بذئاب “داعشية” منفردة، تلقت تدريباً خارج أستراليا. وفي وقت سابق كان التنظيم الإرهابي قد قام بقتل جنديين أميركيين ومترجم في سوريا، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليلوح بالرد الذي لم يـتأخر ونفذ يوم الجمعة الماضي، وأعلن لاحقا أنه استهدف قائد خلية “داعشية” في منطقة دير الزور، وهي حسب البيان الأميركي، الخلية المسؤولة عن الطائرات المسيرة في التنظيم الإرهابي.
هذا التصعيد في المواجهة الأميركية التي جرت بشراكات إقليمية، وموافقة سورية على عملية “عين الصقر” التي نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها داخل الأراضي السورية للرد على تصعيد تنظيم “داعش” الأخير، ومحاولة تعقبها في أكثر من سبعين هدفا وسط سوريا في مناطق من ريف حمص ودير الزور والرقة، إقرار واضح بخطورة التنظيم وعدم موته. إذ إن “داعش” وفقاً لرصد الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإقليمية والدولية والمعاهد المتخصصة التي كانت تراقب حركات التنظيم، أكدت محاولاته المضي بالتجنيد والاستقطاب لعناصر جديدة، قد تقوم بالمزيد من العمليات الإرهابية.
الهجوم “الداعشي” داخل الأراضي السورية، كان واضحا منه رائحة الغضب الذي عبر عنه “داعش” بفعل انضمام سوريا الجديدة- عقب زيارة الرئيس أحمد الشرع للولايات المتحدة قبل نحو شهر- إلى التحالف الدولي لمحاربة التنظيم الذي تأسس عام 2014 والذي ألحق هزيمة كبيرة بالتنظيم، وقدم دعما مسانداً للجهود الوطنية والإقليمية في الأردن والعراق وسوريا لمكافحة التنظيم، والذي انتهى بسقوط آخر معاقله في منطقة باغوز في سوريا خلال مارس/آذار 2019.
لكن السقوط العملياتي لم يكن يعني نهاية الآيديولوجيا المتطرفة للتنظيم التي تساوقت مع آيديولوجيات متطرفة أخرى لدى جماعة “الإخوان المسلمين” التي رفضت إدانة “داعش” وكل من يتخذ الإرهاب سبيلاً لتحقيق أهدافه، وكذلك الحال مع إيران كآيديولوجيا متطرفة في المنطقة، وتحارب باسم الدين ونشر التشيّع. مغلفة ذلك بخطاب مقاومة أميركا، للاستمرار بسياساتها البشعة في المنطقة والمتمثلة في ضرب استقرار الدول.
وفي العراق، ظلّت للتنظيم جذوره الفكرية المتشددة، وبخاصة في المناطق الغربية والشمالية الغربية منه في محافظات ديالى والأنبار وصلاح الدين وبعض أنحاء محافظة نينوى، وللأسف يغلب على هذه المحافظات المكون السني، ففي دراسة لمعهد واشنطن للسياسات قدم الباحث عمر ضبيان- في نشرة شهر أبريل/نيسان 2024- تحليلا واضحا لبقايا التنظيم وعوامل بقائه، وأشارت الدراسة إلى أسباب نمو الفكر المتطرف والسياسات المحلية الحاكمة والمظالم التي أثرت سلباً على السكان. ما أوجد فراغا كبيرا بعد زوال التنظيم، وهنا تكمن مشكلة تأهيل المجتمع بعد الاستشفاء من المرض الصعب الذي ضرب قواعده الثقافية والفكرية ومرجعياته. وفي العامين 2022-2023 كان أكثر البلدان تعرضا لعمليات “داعش” هي العراق وغرب أفريقيا وسوريا، ما يؤكد غياب الاستقرار والبديل المكافئ لمواجهة التطرف “الداعشي”.
تكمن أهم معضلات مواجهة تنظيم “داعش”، في تحدي إزالة الإرث الفكري للتنظيم الذي بات قابلا للاستعادة عند بعض المجتمعات، وفي تحقيق العدالة ورفع التهميش فيها، وبخاصة في مناطق غرب العراق، وفي رفع القدرات الأمنية وقدرات الجيش السوري، ما يجعل التنبه السوري خاصة في منطقة الجزيرة بعامة ومناطق الريف منها بخاصة، في أفضل حالاته، بعد إسقاط النظام السوري البائد. وتبدي القيادة السورية كل تعاون مع الأطراف الدولية المشاركة بالتحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
لذلك، يجب تبديد خطاب التنظيم في تبنيه شعار حماية حقوق السنة في العراق عبر “إدارة التوحش” كما صاغها أحد منظري السلفية الجهادية أبو بكر ناجي ونفذها مؤسس التنظيم أبو بكر البغدادي، ودفع منظومة العمل الأمني السوري والقدرات العسكرية لإعادة تنظيمها وتسليحها بأسلحة نوعية خاصة في مناطق الحدود السورية-العراقية ومناطق الجزيرة السورية. ويجب تنظيم المزيد من دورات التدريب للقوات السورية بهدف الحدّ من قدرات التنظيم العسكرية، وللأسف مرة أخرى تدفع المنطقة ضريبة كبيرة، جراء الانسحاب الأميركي من العراق وإطلاق يد إيران فيه.
وكما أن مخيم الهول الذي تشرف عليه “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) هو ندبة في وجه الاستقرار السوري المنشود، ويمثل تحديّا بسبب نوعية المجاميع الساكنة فيه من عائلات مقاتلي “داعش” المتعطشين للدماء بآيديولوجيا قروسطية، إلا أن الفاعل الأميركي لا بديل عنه في المواجهة، وفي الضغط المطلوب على قوات “قسد” لتكون في صف الدولة السورية واستقرارها، ذلك أن خطر تنظيم “داعش” يمثل قنبلة ساكنة في الشرق الأوسط كله.
ختاما، إن الخطر الذي تمثله أفكار “داعش” النائمة التي تنتظر الأوامر في أي لحظة، لا يقل عن خطر أي عملية معلن عنها، ولا حل إلا باستعادة الدولة الوطنية في العراق وسوريا، وفي تعظيم القدرات الوطنية، وإيجاد خطاب وطني للجميع، وتحقيق العدالة في التنمية وفي التمثيل السياسي بما يعزز المنعة الوطنية في الدول المهددة أو التي يجد فيها “داعش” منفذا لبث سمومه، فصحيح أن التنظيم قد يبدو مشلولا مالياً بفعل التتبع لمصادر التمويل وتجفيفها، ومراقبة عملية نقل الأموال، إلا أنه ما زال حياً فكرياً وثقافياً.
المجلة
———————————
ماذا بعد التحرّر من “قيصر”؟/ نغم قدسية
ما الذي سيتغير بعد رفع قانون “قيصر”؟
2025-12-21
لسنوات طويلة، ظلّ قانون قيصر العائق الأكبر في وجه الاقتصاد السوري، رغم وجود عقوبات أخرى فرضتها الولايات المتحدة على سوريا، كان أولها منذ سبعينات القرن الماضي، إلا أن “قيصر” الذي دخل حيزّ التنفيذ عام 2020، كان الأقسى على الإطلاق، إذ شكّل قانون حماية المدنيين السوريين، المعروف بـ “قيصر”، تحولاً بارزاً في شكل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، ووسّع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات حيوية مختلفة بما لا يقتصر على الحكومة السورية وحدها بل كذلك المتعاملين معها.
ومع سقوط نظام الأسد، والتغيّرات السياسية والدبلوماسية المتسارعة التي طرأت على علاقة واشنطن ودمشق، بدأت سلسلة رفع العقوبات عن سوريا، منها الأوروبية وليس آخرها الأمريكية، بعضها مقابل ضمانات معينة وأخرى بشكل مؤقت تحت المراقبة والتقييم، لينتهي الأمر مع نهاية ديسمبر بتصويت مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون موازنة الدفاع الأمريكية، ومن ضمن بنوده إلغاء عقوبات قيصر. ذلك اعتبره البعض الخطوة الأصعب التي تجاوزتها سوريا بنجاح، ليستكمل بعدها مشروع القانون مساره التشريعي مروراً بتصويت مجلس الشيوخ ووصولاً إلى توقيع الرئيس دونالد ترامب، قبل نهاية العام حسب الترجيحات، وبذلك يدخل القانون حيز التنفيذ في العام 2026.
لكن ماذا بعد إلغاء قانون قيصر؟ وما السيناريوهات المتوقعة لمرحلة ما بعد قيصر؟
السيناريو الأول الذي يتبادر إلى الذهن يأتي على شكل انفراجة اقتصادية طال انتظارها، فرفع العقوبات عموماً، يشكل تحولاً جذرياً في مسار الاقتصاد السوري، فيما يُخرج إلغاء قانون قيصر دمشق من عزلتها الاقتصادية، ويدفع بخطوة نحو إعادة دمج سوريا مع النظام المصرفي العالمي، ما يعني دعماً للسياسة النقدية المحلية وتوفيراً للسيولة إلى جانب سهولة تحويل الأموال وتيسير وصول المساعدات والمنح إلى سوريا، فيما تشير تصريحات أخيرة لحاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إلى وجود خطط حكومية لتطوير النظام المالي والمصرفي فور رفع عقوبات قيصر، كما أن المصرف تلقى تدريبات في وزارة الخزانة الأميركية وتباحثَ مع بنوك كبرى بشأن خطواته المستقبلية، وفقاً للحصرية. وتبدو دمشق في هذا الإطار مستعدة لمرحلة ما بعد قيصر، فوجود الخطط أمرٌ ضروري لوضوح مسار المرحلة المقبلة، وتشير المعطيات إلى أن القطاع المصرفي السوري سيكون الأكثر تأثراً بإلغاء هذا القانون.
وفي الوقت ذاته، للقطاع التجاري حصّة في عوائد إلغاء “قيصر”، حيث أن القيود على المصدّرين وشركات النقل ستتراجع، وتوفير العملة الأجنبية يفتح الباب أمام عمليات استيراد السلع والخدمات الأساسية والتقنيات اللازمة لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، ما يعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الإقليمية ويعيد اندماج سوريا اقتصادياً في محيطها الإقليمي.
وفي سيناريو ثاني، يهيئ إلغاء قانون قيصر المناخ الملائم لإعادة الإعمار في سوريا، وبذلك تعود إلى الواجهة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها دمشق منذ مطلع العام، مع شركات أجنبية، والتي بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار.
معظم هذه الاتفاقيات ظلّ في إطار الإعلان عنها دون بدء التنفيذ، بسبب استمرار العقوبات، حيث كان “قيصر” يستهدف أي شركة أو فرد يستثمر في قطاعات الطاقة أو الطيران أو البناء أو الهندسة في سوريا، ومع إلغائه، تعود الأنظار نحو ترقّب الجدية والسرعة في تنفيذ اتفاقيات الطاقة والبناء وغيرها من الاتفاقيات التي من المرجح أن يتضاعف عددها بعد التحرّر من “قيصر”، فما قبل قيصر ليس كما بعده، ومن المرجّح أيضاً أن يشجع ذلك شبكات الأعمال ورؤوس الأموال على دخول السوق السورية بعد التردد خشيةً من إعادة فرض العقوبات لاحقاً، حيث أن الشكوك التي كانت تدور حول إمكانية الاستثمار في سوريا باتت تتقلّص بإلغاء “قيصر “والذي سيمهّد الطريق أمام المستثمرين العرب والأجانب نحو الاستثمار في المشاريع الكبرى، في الوقت الذي تبرز فيه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد وما بعد “قيصر” كأرض خصبة صالحة للاستثمار والإعمار.
لكنّ ذلك أيضاً يضع دمشق أمام تحديات مقعدة تتمثل بالحاجة إلى إصلاحات قانونية وتشريعية وإدارية، والتحدي الأبرز بضبط الاستقرار الداخلي، فطالما أن المعوقات الخارجية أصبحت إلى زوال، ذلك يعني أن المعطيات الداخلية هي التي ستؤول إلى تشجيع الاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال أو العكس.
وهو ما يقودنا للحديث عن سيناريو مختلف، فعلى الرغم من أن قيصر يستهدف قطاعات اقتصادية، إلا أن أبعاد إلغائه لا تنحصر بالاقتصاد وحده، فبحسب بنود مسودة الوثيقة المعدّة للقانون، إلغاء عقوبات قيصر يخضع لشروط غير ملزمة، منها أن يقدم الرئيس الأمريكي تقريراً أولياً إلى لجان الكونغرس خلال 90 يوماً، ثم تقرير كل 180 يوماً لمدة 4 سنوات. ونصّت المسودة أن على سوريا تأكيد اتخاذها خطوات ملموسة في مكافحة التنظيمات “الإرهابية”، واحترام حقوق الأقليات، وامتناعها عن العمل العسكري الأحادي الجانب ضد دول الجوار، إلى جانب مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وملاحقة الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في عهد النظام السابق. وفي حال عدم استيفاء هذه الشروط خلال فترتين متتاليتين، يمكن إعادة فرض العقوبات، بحسب مسودة الوثيقة.
ذلك يوضّح بما لا يدع مجالاً للشك، شكل المسار المطلوب للمرحلة المقبلة، أوله المساءلة وضمان حقوق الأقليات، الأمر الذي إن تمّ، سينعكس إيجاباً على معالجة الانقسامات والتوترات المجتمعية، كما يحدد مسار ما بعد قيصر شكل العلاقة مع دول الجوار ومن ضمنها إسرائيل، فيما تبدو واشنطن، عبر مبعوثها إلى سوريا توم برّاك، تسعى إلى تفاهمات تضبط من خلالها التوغلات والاعتداءات المتكررة على سوريا.
+963
———————————–
الخلاص من قانون قيصر .. وما تبقى لا يقل أهمية/ قصي زهر الدين
21 ديسمبر 2025
منذ إقراره، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، استُخدم قانون حماية المدنيين في سوريا، المعروف بقانون قيصر، كأداة ضغط سياسية واقتصادية هدفت إلى محاسبة نظام بشار الأسد على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها بحق المدنيين والمعتقلين، وكذلك إلى ردع أي أطراف خارجية عن تقديم الدعم لممارسات القمع التي طالت مختلف المدن السورية. وقد حمل القانون في جوهره بعدًا يتجاوز العقوبات الاقتصادية، ليشكل رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن الإفلات من العقاب لن يكون مقبولًا دوليًا.
إلا أن الواقع العملي للسياسة الأميركية تجاه سوريا أظهر، خلال السنوات الأخيرة، قدرًا متزايدًا من المرونة والمراجعة. فقد شهدنا تقديم إعفاءات وتخفيفات جزئية على العقوبات، لا سيما في عام 2025، عندما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة سمحت بتعليق بعض بنود قانون قيصر لفترات مؤقتة، من أجل دعم النمو الاقتصادي وفتح المجال أمام الاستثمار في ظل إدارة سورية جديدة. كما جرى تعليق العمل ببعض العقوبات لمدة 180 يومًا مع الإبقاء على استثناءات واضحة تتعلق بالتعامل مع روسيا وإيران، في محاولة لتحفيز انفتاح اقتصادي مدروس دون المساس بالأهداف السياسية الكبرى. غير أن التطور الأبرز تمثل مؤخرًا في تصويت الكونغرس على إلغاء قانون قيصر كليًا ضمن مشروع قانون ميزانية الدفاع للفترة 2026، وهو ما يعني سحب الإطار القانوني الذي حكم السياسة العقابية الأميركية تجاه سوريا لسنوات طويلة.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الخطوة الحالية بوصفها إجراءً منفصلًا أو طارئًا، بل هي امتداد لمسار طويل من التحولات في مقاربة واشنطن للملف السوري، مسار يتأرجح بين الضغط وإعادة التقييم تبعًا للمتغيرات السياسية والإقليمية والدولية. غير أن ما يميز هذه المرحلة هو أن رفع قانون قيصر يبدو أكثر جدية واستدامة من المحاولات السابقة، إذ لم يعد محصورًا في قرارات تنفيذية أو تراخيص مؤقتة صادرة عن وزارة الخزانة، بل انتقل إلى مستوى التشريع داخل الكونغرس الأميركي، وارتبط بقانون محوري مثل ميزانية الدفاع. وهذا التحول يمنح القرار ثقلًا مؤسساتيًا أكبر، ويعكس قدرًا من التوافق بين البيت الأبيض والكونغرس، ويحدّ من احتمالات التراجع السريع عنه بقرار رئاسي منفرد.
ترافق هذا المسار مع دعم سياسي وإداري معلن من مؤسسات أميركية أساسية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، التي رأت أن استمرار العقوبات لم يعد ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، سواء لجهة تحقيق قدر من الاستقرار، أو في سياق مكافحة الإرهاب، أو حتى في إعادة ترتيب العلاقات مع شركاء إقليميين. كما أن التغيرات المتسارعة في البيئة الدولية، بما في ذلك إزالة سوريا من بعض قوائم الإرهاب ورفع العقوبات عن شخصيات سورية سابقة من قبل دول غربية مثل كندا، تشير إلى موجة أوسع من إعادة إدماج سوريا سياسيًا في النظام الدولي.
ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بقوة داخل الأوساط السورية السياسية والمجتمعية: ما الذي يتوجب على السلطة المؤقتة القيام به كي لا تعود العقوبات، تحت عناوين جديدة؟ فرفع العقوبات بحد ذاته لا يشكل ضمانة دائمة، ما لم يُرفق بالتزامات واضحة وإصلاحات فعلية. إذ يُتوقع من الحكومة السورية الجديدة الالتزام بقواعد الشفافية والمساءلة، وتقديم تقارير دورية تتعلق بمكافحة الإرهاب، واحترام حقوق الأقليات الدينية والسياسية، وتأمين بيئة آمنة للاستثمار والتجارة، إضافة إلى تبني سياسة خارجية قائمة على علاقات سلمية مع دول الجوار. كما يُنتظر منها الشروع في إصلاحات قانونية ومؤسساتية عميقة، تشمل إعادة بناء النظام القضائي والتجاري، وتعزيز سيادة القانون، وضمان استقلال المؤسسات بعيدًا عن التدخلات التعسفية.
إلى جانب ذلك، تشكل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية شرطًا لا غنى عنه، سواء من خلال بسط السيادة على كامل الأراضي السورية، أو حماية الحريات الأساسية، أو العمل الجاد على توحيد مؤسسات الدولة بعد سنوات من التفكك والصراع. ويبقى ملف حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أحد أكثر الملفات حساسية، إذ إن أي تقاعس في هذا المجال قد يوفر مبررًا جاهزًا لإعادة فرض العقوبات مستقبلاً، حتى وإن تغيّر الإطار القانوني الحالي.
يفتح إلغاء قانون قيصر الباب أمام تحولات اقتصادية وسياسية مهمة. اقتصاديًا، يزيل هذا الإجراء أحد أكبر العوائق أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والزراعة، ويمكّن سوريا من الانخراط مجددًا في شبكات التجارة الإقليمية والدولية، وتحسين موارد الدولة عبر الوصول إلى التمويل الخارجي وفتح قنوات مصرفية مع البنوك العالمية. غير أن هذا التعافي، إن تحقق، سيكون تدريجيًا وبطيئًا، ويتطلب إدارة رشيدة وإعادة هيكلة عميقة للاقتصاد المتضرر.
سياسيًا، قد يسهم رفع العقوبات في تحسين موقع سوريا الدبلوماسي، وفتح قنوات تواصل أوسع مع العواصم الإقليمية والأوروبية، كما يمكن أن يعزز من مصداقية السلطة الجديدة في الخارج ويدفع باتجاه حلول سياسية داخلية قائمة على التوافق بدل العنف. ومع ذلك، تبقى السياسة الدولية متقلبة، وقد تعيد متغيرات جيوسياسية جديدة رسم المشهد في أي لحظة.
في الخلاصة، يأتي رفع قانون قيصر كتحول مهم. غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بمتابعة دقيقة وإجراءات إصلاحية حقيقية. فإذا ما أحسنت السلطة المؤقتة استثمار هذه الفرصة، يمكن أن يشكل رفع العقوبات نقطة انطلاق نحو استقرار اقتصادي وسياسي نسبي، أما على المستوى الاجتماعي، فإن المصالحة السورية–السورية تبقى أولوية قصوى، تجنبًا لانزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة صراع لم تندمل جراحه بعد.
الترا سوريا
———————————–
ما بعد قيصر.. من غطاء إدارة الأزمة إلى اختبار إطلاق التَحوّل/ د. عبد المنعم حلبي
2025.12.22
لا يمكن بأي حال، التقليل من الأهمية الكبرى لرفع عقوبات قيصر عن سوريا، باعتبارها تحمل فرصاً حقيقية للخروج من واقع الانغلاق والتشوُّه الهيكلي الذي عانى اقتصاد البلاد منه طويلاً، فرص غدت متاحة في دعم عملية إعادة هيكلة وبناء مؤسسات الدولة، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، واستئناف عجلة الإنتاج الطبيعية لمختلف القطاعات، وتعزيز الاستثمار الأجنبي.
ولكنها ستكون أيضاً منعطفاً فارقاً وصعباً، تتلوه مرحلة تحمل في طياتها اختباراً قاسياً، في مدى صدقية مؤسسات الدولة القائمة والجديدة أمام الداخل والخارج، كذلك مدى قدرتها على إحداث التَحُّول الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الموعود.
وإذا كان من العقلانية القول: إنّ رفع العقوبات لا يعني أن القيود السابقة قد اختفت، وأن الموضوع هو بحدود فتح قنوات ومساحات عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل، إلا أن توسيع هذه المساحات سيكون هو الهدف، بمتطلبات وجهود ومعايير مختلفة عما مضى، من أهداف الإغاثة وتلبية الاحتياجات إلى أهداف التنمية الشاملة، بمتطلباتها كلّها، والتي تستوعب أولوية المناطق والشرائح الأكثر تضرراً من الحرب، في إطار تطبيق العدالة الانتقالية، ولكن وفق مؤشرات اقتصادية واجتماعية محددة، أهمها ما يرتبط بالمردودية وتحقيق النفع العام.
كذلك، فإنّ الاستثمارات في مختلف القطاعات، والتي كانت بعضها -نظراً للمخاطر- أشبه بالمساعدات، أصبحت خيارات رابحة، ويجب أن يراعى أن تكون تنافسية، بأن يُخلق بيئة عمل آمنة وسهلة، ولكنها أيضاً مُنظمة قانونياً، ومتسمة بالشفافية المطلقة، بدءًا من بحث الجدوى، وطريقة استغلال وتوظيف المدخلات والموارد الوطنية، المادية والبشرية، وصولاً لمخرجات قابلة للقياس والمقارنة، بين مختلف الأطراف الاستثمارية المشاركة، وكذلك المستفيدة.
في الواقع، الانفتاح المتوقع سيبقى مشروطاً بإثبات جدية الحكومة الانتقالية في الشفافية والحوكمة الرشيدة، وهو شرط لم يُختبر بعد بما يكفي خلال السنة الماضية، لأسباب ومبررات متعددة، لن يكون التذرع بها بنفس المستوى من الموضوعية والتأثير بعد الإزالة النهائية لعقوبات قيصر.
من هنا، سيكون أمام السلطة الانتقالية -بوزراتها وإداراتها الحكومية وهيئاتها المختصة- مرحلة مختلفة، تتوفر فيها فرصة حقيقية لإعادة تعريف نفسها، وتحديد طبيعتها، ووظائف حكومتها، وحدود مؤسساتها، وكذلك شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن التفكير بعمق في إعادة هيكلة الحكومة، التي تشكلت كإدارة أزمة، هو عمل طبيعي لمرحلة ما بعد عقوبات قيصر، والتي سيتم فيها إطلاق عملية واسعة للتحول الاقتصادي، بما تتطلبه من تحُّول إداري وقانوني وتشريعي، ومن دون إهمال بناء إطار تحوُل سياسي حقيقي وواضح المعالم.
في الواقع، فإن أي تعديل في الهيكل الحكومي المطلوب لا يجب أن يكون مجرد تطوير وإعادة توزيع للمهام، بحدود المتطلبات الفنية أو الإدارية فقط، ضمن إطار سياسي أوسع، في محاولة لبناء ثقة سياسية واقتصادية ومجتمعية.
فإلى جانب استحداث تخصصات ضرورية، سيكون من الصعب الإبقاء على حالة الدمج الحاصلة في وزارة الاقتصاد والصناعة ووزارة الطاقة مثلاً، إذ لابد من إعادة تقسيم وتوزيع وضبط العمل الوزاري: الاقتصادي والخدمي، بما يخفف من مركزية القرار الوزاري، ويزيد من نطاق المهام وتعدد الأطراف الحكومية التنفيذية تخصصياً، ويعمق دور كل منها في وضع الخطط والسياسات.
كذلك، ستجد السلطة الانتقالية نفسها أمام اختبار صعب في مدى شفافيتها، وقدرتها على لعب دورها الإشرافي والرقابي اقتصادياً، إضافة إلى تفعيل المساءلة عبر آليات واضحة ضمن البنية الرقابية والبيئة التشريعية، المتضمنة احترام صلاحيات مجلس الشعب القادم، وفق الإعلان الدستوري، وتعديلاته المتوقعة.
وكذلك التطورات المحتملة بتطبيق آليات مناسبة من نماذج اللامركزية الإدارية والمالية، وصولاً لموجبات توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني غير المرتبط بالسلطة.
ولعل ما سيميز المرحلة التالية لرفع عقوبات قيصر هو أن الحكومة لم تعد تتحرك داخل إطار شبه مغلق، أو شبه مفتوح كما السنة الماضية، بل باتت تعمل تحت رقابة دولية وإقليمية متداخلة، وأسواق تراقب كل إشارة، إضافة إلى رأي عام محلي بدأ يشعر بأن عمر المرحلة الانتقالية سيكون طويلاً بما يكفي، ليس فقط بحدود تأثر واقعه بشكل مباشر، وإنما أيضاً بما يرسم آفاق المستقبل المديد.
لذلك لابد من أن ينتقل العمل الحكومي وممارسة السلطة لمهامها، من مستوى العمل وفق القرارات الحكومية والمراسيم الرئاسية، والتي ما زالت في إطارها الإداري “العلاجي”، لتسيير شؤون البلاد بطريقة بيروقراطية داخلية، إلى مستوى يكون فيه العمل الحكومي جزءاً من معادلة جيوسياسية واقتصادية داخلية وإقليمية، وفق خطط استراتيجية واضحة، تحدد بدقة مساراً مستقبلياً طويل الأمد، بمعنى تحديد الهوية السياسية للدولة الوليدة، وإعلان نهجها الاقتصادي الأساسي المتَّبع، وبيان العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع.
كذلك يجب ألا تُفهم المشاركة السياسية خلال الانتقال على أنها مجرد “فتحُ الباب” للمعارضة، أو “توسيعُ الطيف السياسي” للحكومة فحسب، بل باعتبارها إعادة توزيع مراكز اتخاذ القرار داخل الدولة، والتي يجب ألا تبقى صندوقاً مغلقاً.
فنهج إدارة التحول يوجب أن يكون قائماً على رؤية واضحة بالنسبة لإدارة شؤون الدولة: من يقرر؟ كيف يقرر؟ ولماذا؟ ولذلك فإن إدخال المجتمع في صنع القرار—سواء عبر المجالس المحلية، أو غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال، أو النقابات المهنية، أو منظمات المجتمع المدني—هو في الحقيقة آلية لإضعاف احتمالات الاحتكار من جديد، وبناء توازنات مؤسسية تقلص مخاطر الانحراف في ذلك المستقبل الذي يريد السوريون جميعاً أن يكون مستقبلهم الأفضل.
وهنا نُعيد ونكرر بأن اللامركزية المالية والإدارية تبقى الخيار الاستراتيجي الأكثر انسجاماً مع وضع البلاد الحالي، فالنظام المركزي الذي كان ممكناً في دولة مستقرة ذات موارد منتظمة لم يعد قابلاً للعمل في بلد متعدد الجراح، وواسع التفاوت بين مناطقه، ومثقل بمتطلبات إعادة الإعمار.
وهي الأداة الأكثر مضاءً لإدارة التنوع وإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية، عبر تمكين المحافظات والمجالس المحلية المنتخبة من إدارة مواردها مباشرة وتنفيذ مشاريعها وفق أولوياتها، بعيداً عن حلقات الاختناق الإداري في المركز، وارتهان التنمية بقرارات مركزية قد تكون بطيئة، وربما غير واقعية.
وهي وسيلة للاستقرار وتقليل الاحتقان السياسي، وتتضمن ما يجعل الدولة أقرب للمجتمع، وأكثر قدرة على الاستجابة الاستراتيجية، وذلك بالسيطرة على الجزء الأكبر من الموارد القابلة للتوجه نحو المشاريع الكبرى، وفرض نظام رقابة مركزي موحد، مما يزيد من فعالية الدولة، ولا يُضعفها.
إن رفع عقوبات قيصر سيفتح بوابة مرحلة أشد تعقيداً وحساسية، يكون فيها النجاح مرهوناً بالقدرة على الانتقال الواعي من منطق إدارة الأزمة، الذي حكم سنوات مضت، إلى منطق إدارة التحوّل، الذي يتطلّب رؤية، ومؤسسات، وقوة سياسية في القرارات المتخذة.
فالمسألة لم تعد تتعلق بالنوايا والكلمات أو بإدارة ندرة أو احتواء انهيار، بل ببناء مسار جديد للدولة السورية، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، على أسس قابلة للاستدامة، فالعالم لا يتعامل مع النوايا، وإنما مع المؤسسات، وأي تردّد في هذا الانتقال، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج الأدوات القديمة ضمن سياق جديد، سيحوّل فرصة رفع العقوبات إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للإنقاذ.
الجميع يريد دولة تُدار بعقلية التحوّل -دولة مؤسسات شفافة، خالية من التضارب، سلطة موزّعة، قابلة للمساءلة، وشراكة حقيقية مع المجتمع- لجعل هذا المنعطف بداية فعلية لاستعادة الثقة، وإعادة بناء سوريا بوصفها دولة مواطنيها، لا دولة أزمات لهم.
تلفزيون سوريا
—————————
بعد أبو زريق: الأمن السوري يعتقل “الهفو” و”أبو طعجة” في درعا
الأحد 2025/12/21
اعتقل الأمن السوري كلاً من محمد المسالمة (الهفو) ومؤيد حرفوش (أبو طعجة)، وذلك في سلسلة عمليات اعتقال مفاجئة في محافظة درعا، تستهدف شخصيات مثيرة للجدل، ارتبطت بتجارة المخدرات وتنظيم “داعش”.
إيواء مجموعات “داعش”
وقالت مصادر محلية إن المسالمة وحرفوش جرى اعتقالهما خلال عملية أمنية قامت بها دورية تابعة للأمن الداخلي، قادمة من العاصمة دمشق، وذلك في مدينة درعا.
وتشير المعلومات إلى أن الشخصين مُتّهمان بالانضمام إلى تنظيم “داعش” وتوفير الحماية لعناصرهما داخل مقراتهما في درعا المدينة، وذلك أثناء عملها ضمن عدد من الفصائل المعارضة في المحافظة قبل العام 2022.
وكان المتّهمان قد أكدا في تسجيلات صوتية عدم ارتباطهما بالتنظيم المتطرف، لكن المصادر أكدت أنها وفّرا الحماية لعشرات العناصر من التنظيم داخل مدينة درعا، في المقرات العسكرية التي كان خاضعة لهما.
وفي العام 2022، شنّت الفصائل المحلية في درعا بقيادة “اللواء الثامن” هجوماً على مقرات حرفوش والمسالمة في حي طريق السد، بتهمة إيواء مجموعات من “داعش”، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.
وتوارى المسالمة وحرفوش عن الأنظار بعد العملية بعد فرارهما إلى جهة مجهولة، كما لم يظهرا إلى العلن بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، قبل أن يعود اسمهما إلى الواجهة بعد ورود خبر الاعتقال.
اعتقال أبو زريق
ويأتي اعتقال المسالمة وحرفوش في إطار سلسلة عمليات أمنية مفاجئة للأمن السوري في محافظة درعا، استهدفت شخصيات مثيرة للجدل ارتبطت بالنظام المخلوع و”داعش”، وعملت سابقاً ضمن صفوف الفصائل المعارضة.
والجمعة، أوقفت جهة أمنية قادمة من دمشق، عماد أبو زريق في مدينة درعا، في عملية مفاجئة جرت عقب خروجه من الملعب البلدي بعد مباراة لكرة القدم.
وينحدر أبو زريق من بلدة نصيب في ريف درعا الشرقي، وبرز اسمه خلال سنوات ما بعد “التسويات” كأحد أبرز الفاعلين المحليين المرتبطين بشبكات نفوذ أمنية واقتصادية، خصوصاً في محيط معبر نصيب الحدودي.
تاريخياً، تنقل أبو زريق بين أدوار متناقضة، إذ شارك سابقاً في فصائل معارضة محلية، ثم أعاد تموضعه بعد 2018 ضمن شبكة علاقات وثيقة مع الأمن العسكري التابع لنظام الأسد. وتعرض لعدة محاولات اغتيال في سياق صراعات داخلية على النفوذ.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسمه بملفات التهريب والمخدرات واقتصاد المعابر، وهي ملفات جعلته لاحقاً موضع عقوبات أميركية ضمن قوائم استهدفت شبكات “الكبتاغون” المرتبطة بأجهزة داخل النظام المخلوع.
وبالتوازي مع توقيف أبو زريق، جرى الحديث عن اعتقال شخص آخر من درعا يُعرف باسم نعيم محمد نصيرات “الحنيش”، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد ساعات.
المدن
———————————–
الإنزال العراقي بسوريا: تنسيق مع الحكومة السورية والتحالف
الأحد 2025/12/21
أعلن الجيش العراقي في بيان، عن تفاصيل الإنزال الجوي داخل الأراضي السورية، مؤكداً وجود تنسيق عال مع الجانب السوري لمنع تسلل الإرهابيين وتبادل المعلومات.
الساحة السورية مؤثرة
وقال نائب قائد العمليات المشتركة العراقية الفريق الأول الركن قيس المحمداوي، إن “العمليات المشتركة” وضعت بالتعاون مع الداخلية والحدود العراقية، خططاً تتعلق بالتحصينات وموارد المراقبة الفنية، وإنشاء الأبراج، وحفر الخنادق، وتكثيف العمل الاستخباري على طول الحدود العراقية- السورية.
وأكد أن مؤشرات التسلل في العام 2025 كان “ممتازة”، ووصلت إلى صفر تسلل في عدة أشهر، لافتاً إلى تعزيز المواضع الدفاعية من قبل الجيش والحشد الشعبي داخل العمق العراقي، والتي تتضمن إسناد قطعات الحدود عند الحاجة.
وأضاف أن “ساحة العمليات السورية مؤثرة جداً على الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي في العراق”، لافتاً إلى أهمية التنسيق المشترك مع الجانب السوري، “وفق معطيات ومعايير ومبادئ متفق عليها، خصوصاً موقف القيادة السورية وقياداتها الأمنية من داعش الإرهابي، واحترام خصوصية وسيادة العراق وتجربته الديمقراطية، وكذلك ما يتعلق بحماية الأقليات”.
الضربة الأميركية
وأوضح أن الإنزال العراقي داخل سوريا، “جاء وفق معلومات استخبارية دقيقة من (خلية الصقور) في وكالة الاستخبارات الداخلية، ومتابعة منذ أسابيع لهذه الأهداف”، مؤكداً إلقاء القبض على هذه الأهداف المهمة بالعمق السوري بمسافة 10 كيلومترات تقريباً، عبر إنزال قطعات محمولة جواً وبتنسيق مع التحالف”.
ولفت إلى أن “الإنزال ليس له علاقة بالضربة الأمريكية، وحتى مكانها الجغرافي مختلف، وبعيد عن مكان الضربات الجوية”.
وأتى الإنزال العراقي بالتزامن مع عشرات الضربات الجوية نفّذها الجيش الأميركي داخل سوريا، استهدفت مواقع يتوارى بها تنظيم “داعش” داخل الصحراء السورية، رداً على هجوم تدمر.
وقُتل جنديان أميركيان ومترجم يعمل مع القوات الأميركية إلى جانب جرح 3 جنود آخرين، قبل أسبوع، وذلك خلال هجوم نفّذه مسلّح ضد جنود أميركيين وسوريين، وذلك خلال اجتماع وفد من التحالف الدولي مع مسؤولين سوريين في منطقة تدمر في ريف حمص، وسط سوريا.
وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، توجيه “ضربة انتقامية قوية جداً” ضد “داعش” في سوريا، في إطار عملية (ضربة عين الصقر) في سوريا للقضاء على مقاتلين وبنى تحتية ومواقع تخزين أسلحة لـ”داعش”.
———————————–
العراق ينفي أي تسلّل من سوريا: الحدود مُؤمّنة
نفت وزارة الداخلية العراقية الأنباء المُتداولة بشأن تسجيل عملية تسلّل لمجموعة من الجانب السوري عبر الشريط الحدودي العراقي – السوري، مؤكدة صرامة الإجراءات المُتخذة لتأمين الحدود.
وذكرت في بيان صحافي أن «بعض مواقع التواصل الاجتماعي تداول مقطع فيديو يظهر فيه أن هناك أشخاصا من الجانب السوري حاولوا عبور الجدار الكونكريتي على الشريط الحدودي العراقي – السوري».
وأوضحت أن «مقطع الفيديو هذا لم يكن على حدودنا وأنه لدولة جارة أخرى، من خلال حجم الكتل الكونكريتية التي ظهرت في الفيديو».
كما أكدت أنه «لا يوجد أي عملية تسلل سُجلت لدينا خاصة أن هناك إجراءات صارمة ورصينة تفرضها قيادة قوات الحدود والقطعات الأمنية الأخرى لحماية حدودنا من أي محاولة للتسلل».
وكانت قيادة العمليات المشتركة قد أفادت بوجود تنسيق عالٍ مع سوريا لمنع تسلل «الإرهابيين» وتبادل المعلومات.
وقال نائب قائد العمليات المشتركة الفريق الأول الركن قيس المحمداوي للوكالة الحكومية، إنه «بوقت مبكر ومنذ أربع سنوات، وعلى ضوء تجربتنا مع داعش الإرهابي وعمليات التسلل وعبور الحدود التي حصلت عامي 2013 و2014 من الحدود السورية باتجاه بعض المحافظات العراقية، وعلى ضوء هذا الدرس المهم، وضعت العمليات المشتركة وبالتنسيق مع الداخلية والحدود، وبمتابعة وإشراف ودعم من القائد العام للقوات المسلحة، خططاً وأسبقيات تتعلق بالتحصينات وموارد المراقبة الفنية وإنشاء الأبراج وحفر الخنادق الشقية وتعزيز القاطع بالموارد البشرية وتكثيف العمل الاستخباري على طول الحدود العراقية – السورية التي تبلغ حوالي 615 كيلومتراً».
وأضاف أن «المؤشرات في موضوع التسلل طيلة عام 2025 ممتازة، ووصلت في كثير من الأشهر إلى صفر وعدم وجود أي حالة تسلل، وتم تعزيز ذلك بإنشاء مواضع دفاعية كاملة يشغلها الجيش والحشد الشعبي داخل العمق العراقي وبمسافات وأماكن منتخبة لغرض إسناد قطعات الحدود إذا تطلب الأمر ذلك».
أكد التنسيق مع دمشق لمنع دخول «الإرهابيين»
ولفت إلى أنه «وفق المعطيات الحديثة واستخدام التكنولوجيا، ذهبنا باتجاه استخدام الطائرات المسيرة وموارد المراقبة الفنية الجوية، وكذلك تفعيل منظومات الدفاع الجوي وإنشاء المراصد على طول هذه الحدود»، موضحاً أن «قطعات الجيش أنشأت خطوطاً دفاعية متعاقبة وتحصينات مميزة داخل العمق العراقي، وفي صحراء الأنبار والجزيرة وقاطع غرب نينوى، لمسك هذه الخطوط والسيطرة على الصحراء الواسعة جداً، وهذا أيضاً واحد من الدروس المستنبطة من معركتنا مع داعش، وعدم إعطاء فرصة لبقايا التنظيم سواء للحركة أو التواجد أو إنشاء المضافات».
وبين أن «هناك تنسيقاً عالياً بين كل القطعات المعنية، سواء من الجيش أو الداخلية أو الحشد أو البيشمركة والوكالات الأمنية والاستخبارية، بالإضافة إلى تعاون كبير وحرص عالٍ من سكان المناطق المحررة بإسناد كل عمليات القطعات الأمنية ورفض أي تواجد أو نوايا لهذا التنظيم الإرهابي».
وأشار إلى أنه «على ضوء كل التجارب سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية وكل المعارك عبر التاريخ، فإن التحصينات وحدها لا تكفي لمنع عمليات التسلل، لكنها تساعد في عرقلة وتأخير أو صعوبة التسلل من الأشخاص أو المعدات، كما تساعد بإعطاء إنذار مبكر للقطعات وتمنح الوقت الكافي لها بإجراءات رد الفعل وحركة القطعات والاحتياطات ومعالجة عمليات التسلل لهذا فإن العمل والمراقبة الفنية وإدامة وتحسين وتطوير التحصينات بشكل مستمر، والتنسيق بين الدول المجاورة وتوقيع الاتفاقيات وتبادل المعلومات وتعديل الخطط بشكل مستمر، هي أمور مطلوبة، مع عدم الاعتماد الكلي على التحصينات رغم فائدتها الكبيرة والملموسة في منع عمليات التسلل».
وأكد أن «ساحة العمليات السورية ساحة مؤثرة جداً على الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي في العراق، ولهذا من المهم جداً وفق الدستور وبما يتعلق بمصلحة العراق، أن يكون التنسيق المشترك وفق معطيات ومعايير ومبادئ متفق عليها، وخاصة موقف القيادة السورية وقياداتها الأمنية من داعش الإرهابي واحترام خصوصية وسيادة العراق وتجربته الديمقراطية، وكذلك ما يتعلق بحماية الأقليات»، مبيناً أن «الرؤية العراقية ذاهبة باتجاه التنسيق والتعاون وفق المعطيات والمعايير الأعلى».
وأردف بالقول: «حالياً لدينا تنسيق ميداني بمستوى الآمرين والقادة على الحدود العراقية – السورية، ويتضمن تبادل المعلومات وتسليم المطلوبين ومنع عمليات التسلل، ولم يصل هذا التنسيق لحد الآن إلى مستويات عليا مع القيادات الأمنية سواء الدفاع أو الداخلية أو العناوين الأخرى، مع التأكيد والحرص بشكل مستمر على احترام تطلعات ورؤية ومصالح الشعب السوري واستقرار سوريا وانعكاس ذلك على العراق».
ولفت إلى أن «الإنزال الجوي العراقي في سوريا جاء وفق معلومات استخبارية دقيقة من خلية الصقور/ وكالة استخبارات الداخلية ومتابعة منذ أسابيع لهذه الأهداف، وأثمرت عن إلقاء القبض على هذه الأهداف المهمة بالعمق السوري بمسافة 10 كم تقريباً، عبر إنزال قطعات محمولة جواً وبتنسيق مع التحالف».
وأكد القائد العسكري العراقي أن «الانزال ليس له علاقة بالضربة الأمريكية، وحتى مكانها الجغرافي مختلف، وبعيد عن مكان الضربات الجوية، ولدينا تعاون استخباري ومعلوماتي مسبق بعمليات الضربات الجوية لعملية عين الصقر المتعلقة بأهداف داعش في سوريا، وتنفيذ هذه الضربات الجوية وعمليات التفتيش والمداهمة لملاحقة بقايا عناصر داعش».
القدس العربي
———————————–
========================
تحديث 21 كانون الأول 2025
———————————–
سيناريوهات أميركية للقضاء على “داعش” من دون زعزعة الحكومة السورية/ طارق الشامي
تساؤلات حول أسباب انتظار واشنطن مقتل جنودها لشن هجوم على التنظيم المتطرف
الأحد 21 ديسمبر 2025
ترى الإدارة الأميركية أن دمج قوات سوريا الديمقراطية بالكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة سيكون من أهم الخطوات لجعل الحرب ضد “داعش” وطنية وشاملة (أ ف ب)
ملخص
من المحتمل أن تحجم الولايات المتحدة عن تبادل المعلومات الاستخباراتية، خشية من أن تقع معلومات حساسة للغاية في شأن أهداف تنظيم “داعش” في أيدي العناصر المتطرفة التي تسللت إلى قوات الأمن السورية.
رغم قوة الضربات العسكرية الأميركية ضد فلول “داعش” في سوريا واستخدام أنواع مختلفة من الطائرات المقاتلة والمروحيات والصواريخ الدقيقة الموجهة، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة يمكن أن تحقق هدفها المنشود.
لكن استعراض القوة الأميركية واستمرار الإشادة برد فعل الحكومة السورية على هجوم تدمر السبت الماضي، يثيران أسئلة حول ما إذا كان ترمب سيجدد عزمه سحب جميع القوات الأميركية من سوريا والذي سعى إليه في الماضي، أم سيبقي على حجم هذه القوات ويرفع من سقف تعاونه مع الحكومة السورية، ويعمل على إزالة الخلافات بين “قسد” ودمشق بهدف دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري لسد الثغرات التي تنفذ منها “داعش”.
إعلان انتقام أم ردع؟
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب “نصراً كاملاً” على تنظيم “داعش” خلال عام 2019، فإن الواقع الذي جسدته الضربات الأميركية الجوية والصاروخية على 70 هدفاً شمال شرقي سوريا يروي قصة مختلفة. فبعد مقتل الآلاف من عناصر “داعش”، واعتقال عشرات الآلاف خلال حملات التحرير في العراق وسوريا، لا يزال نحو 2500 مسلح متمرس في القتال نشطين داخل مناطق البادية الصحراوية الشاسعة في محافظتي دير الزور والرقة.
وعلى رغم ضعفهم الشديد فإنهم ما زالوا ينشطون في خلايا نائمة سرية هاجم أحد عناصرها وحدة حراسة أميركية داخل مدينة تدمر التاريخية خلال الـ13 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، مما أسفر عن مقتل جنديين ومترجم، في ما يمثل أولى حالات الوفاة لقوات أميركية منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض.
أجبر هذا الهجوم إدارة ترمب على توجيه ضربة انتقامية عنيفة تستهدف ردع عناصر تنظيم “داعش” كي يمتنعوا عن استهداف القوات الأميركية، وهو ما يفسّر السبب وراء تنفيذ رد واسع على مدى ساعات عدة باستخدام طائرات أف-15 إيغل وطائرات أف-16 أردنية، وطائرات الهجوم الأرضي الأميركية آي-10 ثندربولت ومروحيات أباتشي، و100 من صواريخ منظومة هيمارس دقيقة التوجيه.
لكن الرد الأميركي الذي وصفه وزير الحرب بيت هيغسيث بأنه “إعلان انتقام”، استهدف أيضاً الردع بحسب قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، الذي عدَّ هذه العملية حاسمة لمنع تنظيم “داعش” من التحريض على مخططات وهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة متعهداً بملاحقة الإرهابيين، مما يسلط الضوء على التحدي المستمر المتمثل في التهديد الداخلي ضمن بيئات قوات الدول الشريكة.
غير أن الرد الأميركي لم يبدأ مساء الجمعة، فمنذ هجوم الـ13 من ديسمبر الحالي نفذت القوات الأميركية وقوات الدول الشريكة 10 عمليات في سوريا والعراق أسفرت عن مقتل أو اعتقال 23 عنصراً متطرفاً. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية نفذت القوات الأميركية وقوات الدول الشريكة أكثر من 80 عملية لمكافحة الإرهاب في سوريا للتصدي للتهديدات التي تواجه المصالح الأميركية والأمن الإقليمي.
هل حققت أهدافها؟
استهدفت الغارات الجوية البنية التحتية لـ”داعش” ومواقع الأسلحة كنقاط انطلاق لعملياتها داخل المناطق الصحراوية والريفية من محافظتي دير الزور والرقة وفي منطقة جبل العمور قرب مدينة تدمر، وأتاحت أيضاً للولايات المتحدة فرصة لاستعراض القوة النارية التي يمتلكها التحالف الذي تقوده أميركا.
لكن حتى الآن وعلى رغم توقع مقتل العشرات من عناصر “داعش” فإن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الضربة حققت أثرها المنشود، لأن التنظيم أضعف بكثير في سوريا مقارنة بما كان عليه خلال الماضي، ولا يسيطر على أي أراض وتعمل شبكته الإرهابية ضمن خلايا غير معلوم عددها، ولهذا من الصعب جداً الانتقام من جماعة إرهابية لم تعد موجودة منذ أكثر من خمسة أعوام، وفقاً لمديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز أولويات الدفاع بالعاصمة واشنطن روزماري كيلانيك.
غير أن كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أندرو تابلر والذي شغل منصب مدير ملف سوريا في البيت الأبيض خلال إدارة ترمب الأولى، يرى أن عدد الضربات يظهر أن وجود “داعش” لا يزال أقوى مما كان يعتقد سابقاً.
غير أن غالبية المحللين في مجال مكافحة الإرهاب فوجئوا وشككوا في العدد الكبير من أهداف “داعش” التي جرى استهدافها، إذ يستفسر المدير التنفيذي لمركز صوفان (شركة استخبارات واستشارات) كولين كلارك عن سبب انتظار الولايات المتحدة حتى يُقتل ثلاثة أميركيين كي تبدأ في شن هجمات واسعة، مما يدفع كثراً إلى التشكيك في رد الفعل الأميركي الذي يصفه بعض بأنه مجرد استعراض.
دعم الشرع
ومع ذلك تبرز سلسلة الغارات الجوية مدى التزام الولايات المتحدة بدعم دمشق في منعطف حاسم من تاريخ سوريا، إذ يعد استعراض القوة الجوية الأميركية وسيلة للتأكيد أن الولايات المتحدة باقية في المنطقة بينما تريد حكومة الشرع فرض سيطرتها على شؤون سوريا، مع الاستمرار في التعاون مع شركائها الدوليين، بخاصة أن هجوم الـ13 من ديسمبر الجاري الذي أدى إلى مقتل جنود أميركيين وسوريين، شكل اختباراً رئيساً للعلاقات المتنامية بين الولايات المتحدة وسوريا منذ إطاحة نظام بشار الأسد قبل عام.
ويبدو أن ردة الفعل الأميركية تجنبت زعزعة استقرار الحكومة الجديدة الهشة للرئيس الشرع، الذي قام الشهر الماضي بأول زيارة تاريخية له إلى البيت الأبيض كزعيم سوري، وأرسى بداية شراكة جديدة مع واشنطن.
ولهذا شدد ترمب على أن سوريا تقاتل إلى جانب القوات الأميركية في إشارة إلى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لهزيمة “داعش” الشهر الماضي مما أدى إلى تكثيف التنظيم هجماته داخل سوريا، خلال وقت يواجه فيه الشرع مهمة صعبة تتمثل في توحيد مجموعات مختلفة وأقليات دينية تحت قيادته، تشمل فصائل تحمل آراء متشددة، وكانت في السابق تابعة لتنظيم “القاعدة”.
ولا شك أن بعض أنصار الرئيس الشرع الأكثر تشدداً ربما ينزعجون من الضربات التي تشنها دولة غربية على وطنهم، بينما تسير الحكومة جاهدة على خط رفيع وينتظر الأميركيون منها تكثيف عملياتها العسكرية والأمنية لشن غارات على عناصر “داعش”، وقطع تدفق الأسلحة إلى التنظيم بدعم من الاستخبارات الأميركية.
وفي حين تخطط الإدارة الأميركية لعمليات عسكرية إضافية قد تحدث خلال الأيام المقبلة، يؤكد مسؤولون أميركيون أن التعاون والتنسيق الأخيرين مع الحكومة السورية وفرا فهماً أفضل لبنية تنظيم “داعش”، وأن مناقشة هذا الأمر كانت جزءاً من أجندة لقاء قائد عسكري أميركي مع مسؤول كبير في وزارة الداخلية السورية، خلال اليوم الذي تعرضت فيه القوات الأميركية لمكمن في تدمر.
توتر وتحد
لكن حتى مع تأكيدات ترمب بدعم سوريا والرئيس الشرع، من المرجح أن يتسبب هجوم “داعش” خلال الـ13 من ديسمبر الجاري في إدخال توترات جديدة في شراكة مكافحة الإرهاب، بعدما أوضح مسؤولون سوريون أن المسلح الذي قام بالهجوم كان عضواً في قوات الأمن السورية وكان من المقرر فصله بسبب معتقداته المتطرفة، مما كشف عن نقاط ضعف مستمرة داخل بنية الأمن السورية، وحفز بعض أنصار ترمب إلى المطالبة بسحب القوات الأميركية من سوريا.
ومن المحتمل أن تحجم الولايات المتحدة عن تبادل المعلومات الاستخباراتية، خشية من أن تقع معلومات حساسة للغاية في شأن أهداف تنظيم “داعش” في أيدي العناصر المتطرفة التي تسللت إلى قوات الأمن السورية، إذ يشير منتقدون لدمشق إلى هذه الحادثة كدليل على أن قواتها الأمنية ليست شريكاً موثوقاً به تماماً للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة في سوريا، وأنه يجب مراقبتها من كثب.
ويعد تعاون الحكومة السورية الجديدة في مكافحة تنظيم “داعش” والجماعات الإرهابية الأخرى في سوريا أحد المعايير الثمانية المنصوص عليها في قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي الذي اشتمل على رفع عقوبات قانون “قيصر”، والتي يجب على البيت الأبيض التأكد من استيفائها لتجنب فرض عقوبات جديدة، إذ يمنح القانون الحكومة السورية مجالاً واسعاً لإثبات امتثالها قبل التعرض لأية عقوبات، ويمنح الرئيس ترمب صلاحية واسعة في تحديد ما إذا كان سيفرض هذه العقوبات أم لا.
لكن القيادة المركزية الأميركية لا تبدي مخاوف من عدم امتثال الحكومة السورية حتى الآن، إذ أشارت إلى أن القوات الأميركية والسورية نفذت 10 عمليات في سوريا والعراق منذ الـ13 من ديسمبر الجاري، أسفرت عن مقتل أو أسر 23 إرهابياً، ونفذت القوات الأميركية وقوات الشركاء في سوريا 80 عملية خلال الأشهر الستة الماضية للقضاء على الإرهابيين. ولدورها المتعاون والمنسق مع التحالف الدولي لهزيمة “داعش”، دفعت الحكومة أثماناً إذ ادعى تنظيم “داعش” الشهر الجاري أنه قتل أربعة ضباط في الحكومة السورية داخل محافظة إدلب شمال غربي البلاد.
كذلك ادعى مسؤوليته عن هجومين في محافظة دير الزور شرق البلاد، استهدف أحدهما مركبة عسكرية بعبوة ناسفة بينما قالت السلطات السورية إنها اعتقلت أشخاصاً عدة ينتمون إلى خلية تابعة لتنظيم “داعش” في إدلب، وعضواً آخر ضمن التنظيم في العاصمة دمشق عثر بحوزته على مواد متفجرة وطائرات مسيرة انتحارية.
هل تبقى القوات الأميركية؟
يعد استعراض القوة الجوية الأميركية فوق سوريا وسيلة لتطمين جميع الأطراف بأن الولايات المتحدة باقية في سوريا، في الأقل خلال الوقت الحالي، إذ من المتوقع أن تندمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن قوات الأمن السورية الجديدة، ويراهن الطرفان على أن الولايات المتحدة ستسهم في نجاح هذه العملية.
لكن الولايات المتحدة التي كانت تحتفظ بنحو 2000 جندي في سوريا لمنع عودة ظهور “داعش” يتمركزون داخل شمال شرقي سوريا وفي قاعدة التنف (جنوب شرقي)، خفضت هذا العدد إلى النصف منذ أبريل (نيسان) الماضي. وهذا الإجراء وصفه البنتاغون بأنه إعادة تنظيم يعكس البيئة الأمنية المتغيرة في البلاد، وربما يدفع الهجوم الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أميركيين وجرح ثلاثة آخرين الرئيس ترمب إلى سحب جميع القوات من هذا البلد الذي مزقته الحرب، وهو ما سعى إليه خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2019 خلال ولايته الأولى حين أمر بسحب نحو 1000 جندي أميركي من شمال سوريا، بعدما أعلن هزيمة تنظيم “داعش” في البلاد.
ويعتقد أن الهجوم سيزود المقربين من ترمب الذين يضغطون من أجل انسحاب كامل للقوات الأميركية بمزيد من الحجج لدعم موقفهم، لأنه إذا استمرت الهجمات على القوات الأميركية قد يتبلور وضع مشابه لما حدث في أفغانستان، إذ تصبح هذه الهجمات نقطة تحول تؤدي إلى انسحاب أميركي، وبخاصة أن التردد الأميركي في الانسحاب كان يعود إلى أن كلفة بقائها هناك قليلة جداً، والآن يبدو هذا غير صحيح، وقد تدفع الحادثة المسؤولين الأميركيين إلى وضع معايير محددة للانسحاب في الأقل.
وما يزيد من الضغط نحو الانسحاب أن العملية العسكرية الجديدة في سوريا تأتي خلال وقت قالت فيه إدارة ترمب إنها تسعى إلى التركيز بصورة أكبر على منطقة أميركا اللاتينية، إذ تقوم بحشد 12 في المئة من القوات البحرية الأميركية في البحر الكاريبي لاستهداف قوارب تهريب المخدرات، وتتعهد إدارة ترمب بمواصلة مصادرة ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات كجزء من حملة الضغط على رئيس فنزويلا.
وعلى رغم أن الولايات المتحدة حولت قطعاً عسكرية ضخمة من الشرق الأوسط والبحر المتوسط إلى المياه الأميركية الجنوبية بما في ذلك حاملة طائراتها الأكثر تطوراً “جيرالد فورد”، لا يزال ترمب خلال الوقت الحالي راغباً في إبقاء القوات الأميركية في سوريا، ودافع عن قراره قائلاً إن الجنود موجودون هناك لأننا نحاول ضمان تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وسوريا جزء كبير من ذلك.
حماية مكاسب أميركا
ويعود قرار الرئيس ترمب الحالي إلى اقتناعه بأن انسحاب القوات الأميركية من سوريا سيهدد بعكس المكاسب التي تحققت بشق الأنفس ضد تنظيم “داعش” الذي لم يقض على عناصره، بل يُكبح بفضل الضغط المشترك للقوات الأميركية في العراق وسوريا وحلفائها الأكراد، وأن أي انسحاب للقوات الأميركية سيؤدي إلى إزالة هذا الضغط مما سيسمح لـ”داعش” بإعادة تنظيم صفوفه بسرعة إلى مستويات خطرة، وإنشاء ملاذات آمنة في سوريا. وهذا بدوره سيسمح للتنظيم بتهديد العراق والتخطيط لهجمات إرهابية في الغرب، مما سيفرض عبئاً إضافياً على صانعي السياسات الأميركية من حيث الاهتمام والموارد، وفق مدير الأبحاث في مشروع التهديدات الحرجة بمعهد أميركان إنتربرايز بريان كارتر.
ولا يستطيع تنظيم “داعش” تحقيق نجاحات كبيرة بسهولة ما دامت الولايات المتحدة موجودة في سوريا، فالقوات الأميركية في سوريا تقدم دعماً استخباراتياً ولوجيستياً بالغ الأهمية لقوات “قسد”، التي بدورها تبقي “داعش” محصوراً ومعزولاً نسبياً في الصحراء، وستكون عملية جمع المعلومات الاستخباراتية من بعد أقل فاعلية بكثير في حال انسحاب الولايات المتحدة.
لا تزال الولايات المتحدة و”قسد” في حاجة إلى إعادة مقاتلي “داعش” المحتجزين في مراكز الاعتقال إلى أوطانهم، وهو ما سيصبح أكثر صعوبة بكثير في حال انسحاب الولايات المتحدة. فقوات سوريا الديمقراطية تسيطر على 28 مركز احتجاز تضم 10 آلاف مقاتل من “داعش” ونحو 46 ألفاً من أنصار “داعش” واللاجئين في مخيمات النازحين شمال شرقي سوريا. وحاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة إعادة كل من مقاتلي “داعش” وسكان مخيمات النازحين إلى أوطانهم، لكنها لم تنجح إلا قليلاً بسبب تردد الدول الأخرى في استعادة مواطنيها.
هل يعود تنظيم “داعش”؟
تعود أصول “داعش” إلى تنظيم “القاعدة” في العراق، الذي ظهر في أعقاب الغزو الأميركي للعراق خلال عام 2003 الذي أطاح بنظام صدام حسين. وتحت قيادة زعيمه السابق أبو بكر البغدادي توسع تنظيم “داعش” بسرعة، مستغلاً عدم الاستقرار في العراق والحرب الأهلية السورية. وبحلول صيف عام 2014، كان اجتاح قوات الحكومتين العراقية والسورية واستولى على ما يقارب ثلث مساحة البلدين (وهي مساحة تعادل تقريباً مساحة إنجلترا). وخلال الـ29 من يونيو (حزيران) 2014، أعلنت الجماعة قيام “خلافة عالمية” ونصب البغدادي نفسه خليفة، أو زعيماً للمسلمين في جميع أنحاء العالم.
وأثناء الأعوام التي تلت ذلك، أصبح “داعش” أخطر تنظيم إرهابي في العالم، إذ فرض تفسيراً متشدداً للشريعة الإسلامية وارتكب مجازر جماعية وشرد الملايين، ومثال على ذلك ارتكابه خلال أغسطس (آب) 2014، إبادة جماعية ضد الأقلية الإيزيدية في العراق، حيث أُعدم آلاف الرجال واستُعبد الأطفال، ولاقت النساء عنفاً جنسياً ممنهجاً.
خلال هذه الفترة، حكم “داعش” نحو 12 مليون نسمة وبنى هياكل عسكرية مستخدماً مزيجاً من تكتيكات حرب العصابات والحرب التقليدية، وقدر عدد مقاتليه بأكثر من 50 ألف مقاتل من أكثر من 100 دولة. لكن بحلول ديسمبر 2017، استعاد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد “داعش” 95 في المئة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم، وسقط آخر معاقله (الباغوز) في أيدي قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة عام 2019، مما مثل انهيار الخلافة المزعومة.
وعلى رغم ذلك، لا يزال تنظيم “داعش” يشكل تهديداً مستمراً في سوريا. فوفقاً للتقديرات الأميركية لا يزال هناك خلال العام الحالي أكثر من 2500 مقاتل نشط يعملون في سوريا والعراق، بينما يحتجز الآلاف من مقاتلي “داعش” المتمرسين داخل السجون السورية، مما يشكل خطراً جسيماً في حال إطلاق سراحهم، لا سيما من خلال عمليات هرب منظمة من السجون.
وفي حين لا يزال “داعش” غير قادر على السيطرة على المدن والقرى، فإنه يستطيع إجبار السكان على تقديم الدعم والاستيلاء على المناطق غير المأهولة موقتاً. وإذا ترك “داعش” من دون رادع، فسيفرض تدريجاً سيطرة أكبر على السكان ويحاول الاستيلاء على المناطق المأهولة في الصحراء السورية الوسطى، إذ ينشط بصورة أساس، ويجد البيئة المناسبة تماماً لإيواء وتدريب وتنظيم قواته الحالية.
إضافة إلى أن عودة التنظيم الإرهابي بقوة ستدفعه إلى محاولة السيطرة على المراكز السكانية للوصول إلى الموارد المالية والعسكرية وإيجاد مجندين جدد واستعادة اتصالات موثوقة للعمليات في جميع أنحاء سوريا وخارجها. ومن شبه المؤكد أن “داعش” سيستغل هذا الزخم لمهاجمة مراكز الاحتجاز بالتالي تحرير مزيد من أعضائه، وبهذا المسار سيستعيد في نهاية المطاف القدرة على التخطيط وتنفيذ هجمات داخل سوريا وخارجها.
عوامل مهددة
ومن العوامل الرئيسة الأخرى التي تبقي على تهديد “داعش” في سوريا، البيئة السياسية الهشة التي أعقبت سقوط الأسد، والتي تفاقمت بسبب المنافسة والصراعات المسلحة المتقطعة بين الفصائل المتناحرة ذات الخلفيات السياسية والعرقية والدينية المختلفة، إلى جانب تأثير الجهات الفاعلة الخارجية في البلاد. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، أن القوات الكردية، وبخاصة من خلال قوات سوريا الديمقراطية، تواصل القتال من أجل الحكم الذاتي والسيطرة في شمال شرقي البلاد الذي تطلق عليه اسم (روج آفا)، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي فعلي بقيادة كردية في الغالب، بينما تواجه ضغوطاً مستمرة من تركيا وحلفائها مثل الجيش الوطني السوري.
وعلى رغم الاتفاق التاريخي الذي وقع خلال الـ10 من مارس (آذار) 2025 بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، والذي ينص على دمج المؤسسات والقوات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية مقابل الحقوق الدستورية، فإن مدى هذا الاندماج لا يزال غير مؤكد، ولا يزال النقاش حول حوكمة سوريا كدولة مركزية أم لا مركزية قضية خلافية.
ومع عدم وجود اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، سيكون من الصعب بمكان تنفيذ عمليات منفصلة وإجراء تنسيق متعدد المستويات مع قوات مختلفة تعاني توترات وتعمل ضمن مناطق جغرافية متداخلة. ولهذا ترى الإدارة الأميركية أن دمج قوات سوريا الديمقراطية بالكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، سيكون من أهم الخطوات لجعل الحرب ضد “داعش” وطنية وشاملة.
———————————
هل سحب التحالف الدولي ورقة مكافحة داعش من قسد لصالح دمشق؟/ باسل المحمد
2025.12.21
شكّل ملف قتال تنظيم “داعش” وإدارة سجونه الحجر الأساس لوجود قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والذريعة التي منحتها شرعية دولية ورصيدًا سياسيًا على الساحة السورية خلال سنوات الحرب. فعبر هذا الدور، تحولت “قسد” من فصيل محلي ناشئ إلى شريك رسمي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تحت راية الحرب على الإرهاب.
لكن بعد سقوط النظام المخلوع، ووصول إدارة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تعيد تموضعها في الملف السوري، لكن هذه المرة من بوابة دمشق لا من بوابة قسد.
وبدت مؤشرات هذا التموضع والدعم واضحة من خلال رفع عقوبات قيصر، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، ودعوة الحكومة السورية لإدارة سجون ومخيمات تنظيم داعش، إلى جانب البدء بعمليات عسكرية مشتركة بين الجيش السوري والقوات الأميركية، وما زاد من زخم التحول التصريحات الأميركية التي تكررت مراراً على لسان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك بضرورة دمج “قسد” في بنية الجيش السوري الجديد.
هذه التطورات المتسارعة تُعيد رسم ملامح المشهد الأمني في شمال شرقي سوريا، وتطرح السؤال التالي: هل أصبحت الحكومة السورية اليوم هي الجهة الوحيدة المخوّلة بإدارة ملف مكافحة الإرهاب؟ وهل نشهد نهاية مرحلة “قسد” بوصفها الشريك المفضل للغرب في هذا الملف؟ أم أن الانكفاء الأميركي عنها لا يزال تكتيكيًا بانتظار اختبار النوايا في دمشق؟
عمليات متزايدة بين دمشق والتحالف الدولي
لم يبق التعاون بين الحكومة السورية والتحالف الدولي في خانة التصريحات السياسية، بل سرعان ما تُرجمت المؤشرات إلى عمليات عسكرية فعلية، واسعة النطاق، تشير بوضوح إلى أن واشنطن باتت ترى في دمشق شريكًا ميدانيًا فعّالًا في الحرب على الإرهاب.
وفي المقابل أخذت الحكومة السورية تؤدي أدوارا ميدانية كانت حتى وقت قريب حكرا على قسد، لتصبح على نحو متسارع رأس الحربة الجديد في مواجهة تنظيم “داعش”.
ففي تموز الفائت، كشفت وسائل إعلام عن عملية إنزال جوي دقيقة نفذها التحالف الدولي، بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي، في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، وأسفرت العملية وقتها عن مقتل أربعة مطلوبين، واعتقال قيادي عراقي بارز في تنظيم “داعش” وعدد من مرافقيه.
وبعد هذه العملية النوعية، بدأت سلسلة من العمليات المماثلة بالتصاعد في مناطق عدة، لا سيما في ريف دمشق والبادية السورية. وفي هذا الإطار، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن القوات الأميركية، بالتعاون مع شركاء محليين، نفذت قرابة 80 عملية عسكرية ضد تنظيم داعش منذ تموز الماضي.
وأكد قائد “سنتكوم”، الأدميرال براد كوبر، أن التعاون مع وزارة الداخلية السورية مكّن القوات الأميركية خلال الشهر الفائت من تحديد وتدمير أكثر من 15 موقعًا لتخزين الأسلحة تابعة للتنظيم جنوبي البلاد. كما كشفت “سنتكوم” عن تنفيذ عملية مشتركة واسعة بين 24 و27 تشرين الثاني/نوفمبر، تم فيها تدمير مستودعات ذخيرة لتنظيم “داعش” في ريف دمشق، عبر ضربات جوية وتفجيرات ميدانية أشرف عليها خبراء هندسة عسكريون.
إلا أن ذروة هذا التنسيق جاءت في منتصف كانون الأول، حين أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق ضد مواقع تنظيم “داعش” تحت اسم “ضربة عين الصقر”، وذلك ردًا على مقتل جنديين أميركيين في هجوم وقع قرب مدينة تدمر.
اللافت أن البيت الأبيض أعلن أن الحكومة السورية “تؤيد بشكل كامل” هذه العملية، بل إن الرئيس دونالد ترمب أثنى في خطاب له على القيادة السورية، قائلًا إنها “بقيادة رجل يعمل جاهدًا لإعادة المجد لسوريا”.
في هذا السياق، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة نفذت عشر عمليات عسكرية مشتركة مع الحكومة السورية خلال الأيام التي تلت هجوم تدمر، وهو رقم غير مسبوق من حيث الكثافة والتنسيق مع السلطات في دمشق.
وفي مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، تطرق الرئيس السوري أحمد الشرع إلى مواجهات السلطات الجديدة مع تنظيم “داعش”، وقال: كنا في حرب مع التنظيم لمدة 10 سنوات، وكانت حربا صعبة وشاقة، وفعلنا ذلك من دون تنسيق مع قوة غربية أو أي دولة أخرى. سوريا اليوم قادرة على تحمل هذه المسؤولية.
شريك شرعي في مكافحة الإرهاب
يبدو واضحاً من خلال ازدياد نسبة العمليات المشتركة والتنسيق الأمني بين دمشق والتحالف الدولي، أن واشنطن تسعى إلى التعامل مع جهة حكومية معترف بها دوليًا في ملف مكافحة الإرهاب، بدلًا من استمرار الاعتماد على قوة غير رسمية كـ”قسد”، لا تحظى بشرعية سيادية.
الباحث الأمني عمار فرهود يرى أن توقيع الحكومة السورية رسميًا على الانضمام إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، وبدئها تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية ضد خلايا ومواقع تابعة للتنظيم، جعل منها “شريكًا أساسيًا” في جهود مكافحة الإرهاب، ويضيف في تصريح لموقع تلفزيون سوريا:
لم يعد بإمكان قسد احتكار هذا الملف أو استخدامه كرافعة سياسية، بعدما أصبح بيد الدولة، فما يجري هو تمهيد تستطيع الحكومة أن تبني عليه لتكون الشريك الأساس – وربما الوحيد – في هذا الملف، بصفتها كيانا شرعيا يمثل الدولة، على عكس قسد التي تبقى حالة “ما دون الدولة”.
هذا التحليل يتقاطع مع ما جاء في دراسة صادرة عن معهد الشرق الأوسط للدراسات بتاريخ 27 تشرين الأول الماضي، والتي تناولت تداعيات انضمام سوريا إلى التحالف الدولي. وأشارت الدراسة إلى أن هذه الخطوة تحمل مكاسب إستراتيجية لدمشق، ليس فقط على المستوى الأمني، بل السياسي أيضًا، إذ تمنحها شرعية دولية كشريك في الحرب على الإرهاب، وتُضعف في المقابل موقع “قسد” التي كانت تُقدَّم بوصفها الشريك المحلي الوحيد للتحالف.
ا
واشنطن تدفع قسد نحو الحكومة السورية
تشير معلومات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا إلى أن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يتجه لدفع “قسد” للتنسيق الأمني مع الحكومة السورية، لضمان تقليص الثغرات التي تتيح لخلايا “داعش” النشاط في سوريا.
وترغب واشنطن بتفعيل العمل المشترك بين قوات مكافحة الإرهاب التابعة لـ”قسد”، والاستخبارات السورية، بالإضافة إلى توفير تنسيق ميداني بين مجلس دير الزور العسكري والحكومة السورية.
وتعكس هذه الخطوة الأميركية تركيزاً أكبر على ضبط الواقع الأمني في سوريا، في ظل وجود تعثر بمسار المفاوضات بين “قسد” والحكومة السورية بخصوص عملية الاندماج.
وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي علي تمي أن الحكومة السورية اتبعت مع “قسد” سياسة النفس الطويل وبرودة الأعصاب، وتمكنت بهدوء من سحب البساط من تحت أقدامها، خصوصًا بعد انضمام دمشق إلى التحالف الدولي، وما تبعه من توثيق غير مسبوق في التنسيق مع واشنطن. وقال في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: عملية يوم أمس ليست مجرد إنزال أمني، بل أكبر دليل على هذا التحول العميق في قواعد اللعبة.
ويذهب تمي أبعد من ذلك، معتبرًا أن التنسيق السوري الأميركي في محاربة الإرهاب لم يعد تكتيكًا عابرًا، بل استراتيجية طويلة المدى لدى واشنطن، ما يعني أن الدور الوظيفي لـ”قسد” قد انتهى.
توزيع أدوار لا إقصاء
رغم التصعيد الواضح في التنسيق بين واشنطن ودمشق خلال الأشهر الأخيرة، يرى مراقبون أن الولايات المتحدة لا تنتهج سياسة الإقصاء لـ”قسد” بقدر ما تمضي في إعادة توزيع متوازن للأدوار الأمنية على الساحة السورية. فملف مكافحة تنظيم “داعش”، الذي كان لعقود تحت إدارة منفردة من قبل “قسد”، بات اليوم يُدار وفق رؤية أميركية أكثر تشاركية، تستند إلى سدّ الثغرات الميدانية وترسيخ الاستقرار عبر تنسيق مزدوج مع كل من الدولة السورية و”قسد”.
في هذا السياق يؤكد الباحث في شؤون “قسد” أسامة شيخ موسى أن انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لا يعني سحب الملف من يد “قسد”، بل يُمثّل محاولة أميركية لضبط إيقاع التنسيق الأمني على مستوى أوسع، ويقول شيخ موسى لموقع تلفزيون سوريا: حتى قبل سقوط النظام، كانت هناك مناطق عمليات متوازية في سوريا لقتال “داعش” قسد والتحالف شرق الفرات، وقوات النظام مع الميليشيات التابعة له غربه، لكن بعد سقوط النظام، نشأ فراغ أمني خطير، دفع واشنطن إلى تعزيز التعاون مع دمشق لسد هذه الثغرات ومنع داعش من التمدد.
ويضيف أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن “قسد”، بل تمارس عليها نوعًا من الضغط الإيجابي لإنجاح مسار الدمج الأمني مع الحكومة السورية، عبر إلحاق وحداتها المدربة ضمن هيكل مكافحة الإرهاب الرسمي، بما يضمن استمرار دورها، ولكن تحت مظلة مؤسسية واضحة.
هذه الرؤية تجد ما يدعمها في دراسة لمركز كارنيغي للدراسات، شددت على أن دمج قسد ضمن بنية أمنية مشتركة مع الحكومة السورية هو الخيار الأكثر فعالية لضمان تفكيك خلايا داعش ومنع عودتها، ودعت إلى توحيد القيادة الميدانية، وإنشاء ترتيبات يومية فعّالة – مثل نقاط تفتيش وتبادل استخباراتي سريع ـ بما يُغلق أي فراغ يمكن أن يستغله التنظيم لإعادة انتشاره.
—————————–
ماذا تخبرنا إستراتيجية الأمن القومي الأميركية عن سوريا؟/ محمد سرميني
لا يمكن التوقف عند فقرة الشرق الأوسط في إستراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 دون التمعن في الصيغة التي خصصت لسوريا، ليس بسبب طولها أو تفصيلها، بل لأنها تعكس بوضوح تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن لهذا الملف الذي لطالما شغل موقعا إشكاليا في الحسابات الإقليمية والدولية.
العبارة التي وردت في الوثيقة، والتي تصف سوريا بأنها “مشكلة محتملة”، يمكن أن تستقر بدعم أميركي وعربي وإسرائيلي وتركي، لا تقرأ بوصفها توصيفا عابرا، بل كإطار سياسي جديد ينزل الملف السوري من مرتبة الأزمة المفتوحة إلى خانة الملف القابل للإدارة ضمن توازنات أوسع.
هذا التحول في اللغة يعكس قبل كل شيء تبدلا في الأولويات الأميركية. فواشنطن لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها تهديدا مباشرا للأمن القومي الأميركي يستدعي تدخلا واسعا أو مشروعا سياسيا تقوده بنفسها، لكنها في الوقت ذاته لا ترى مصلحة في تركها ساحة مفتوحة للفوضى أو للصراعات بالوكالة.
توصيف سوريا بأنها “مشكلة محتملة” لا يعني أن الواقع على الأرض تحسن بصورة جوهرية، بل يعني أن الولايات المتحدة قررت إعادة تصنيف المخاطر، ووضع الملف السوري في مستوى أدنى من الاستعجال، مقارنة بملفات أخرى أكثر إلحاحا، مع الإبقاء عليه تحت سقف الاحتواء.
في هذا السياق، يصبح الهدف الأميركي الأساسي هو منع الانفجار لا إنتاج الحل. الاستقرار هنا لا يفهم بوصفه تسوية سياسية شاملة أو إعادة بناء للدولة وفق نموذج جديد، بل كحد أدنى من التوازن يسمح بتجميد الصراع وضبط تداعياته الإقليمية.
هذه المقاربة البراغماتية تنسجم مع اتجاه عام في السياسة الأميركية يقوم على تقليص الانخراط المباشر، وتفويض الأدوار إلى الشركاء الإقليميين، مع الاحتفاظ بدور الضابط العام للإيقاع.
إدارة التوازنات الإقليمية وحدود الاستقرار المفروض
اللافت في الصيغة الواردة في الإستراتيجية ليس فقط توصيف سوريا، بل الجهات التي تناط بها مهمة دعم استقرارها. إدراج الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا وإسرائيل في معادلة واحدة، يعكس نظرة أميركية ترى في سوريا عقدة توازنات إقليمية، لا ملفا إنسانيا أو أمنيا معزولا.
فواشنطن تفترض أن أي استقرار ممكن في سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر مسار داخلي مستقل، بل عبر تفاهمات متوازية بين أطراف متعارضة المصالح، يجمعها هدف مشترك هو منع الانهيار الشامل.
ضمن هذا التصور، يفهم الدور العربي باعتباره قناة لإعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي، وفق شروط سياسية وأمنية جديدة، تخفف من عزلتها دون أن تمنحها شيكا على بياض.
أما الدور التركي فيرتبط بالاعتبارات الحدودية والأمنية وبضبط التوازنات شمال سوريا، فيما ينظر إلى الدور الإسرائيلي بوصفه عاملا حاسما في تكريس معادلات الردع، ومنع تحول الساحة السورية إلى منصة تهديد مباشر. وفي خلفية هذه الأدوار، تحتفظ الولايات المتحدة بموقع إدارة السقف السياسي العام، ومنع أي مسار من الانفلات خارج خطوطها الحمراء.
هذا الإطار يضع سوريا أمام معادلة دقيقة. فهي إما أن تبقى موضوعا لهذه التفاهمات، تدار وفق مصالح الآخرين وتوازناتهم، أو أن تنجح تدريجيا في التحول إلى طرف فاعل قادر على التأثير في شروط الاستقرار، لا مجرد التكيف معها. غير أن الإستراتيجية الأميركية لا تظهر اهتماما حقيقيا بكيفية تحقيق هذا التحول داخليا، بقدر ما تركز على النتائج السلوكية المطلوبة من الدولة السورية.
الحديث عن “استعادة المكانة المستحقة كلاعب إيجابي ومتكامل” لا يحمل في طياته وعدا بإعادة بناء شاملة أو تحول سياسي جذري، بل يشير إلى دور وظيفي محدد في النظام الإقليمي. سوريا المطلوبة أميركيا هي دولة مستقرة بالحد الأدنى، مندمجة في محيطها، وغير مهددة للتوازنات القائمة. الإيجابية هنا تقاس بمدى الامتناع عن تصدير الفوضى، وبالقدرة على منع تحول الأرض السورية إلى مساحة نفوذ لقوى معادية، وبالاستعداد للانخراط في شبكات إقليمية اقتصادية وأمنية تخدم الاستقرار العام.
بهذا المعنى، لا تسعى واشنطن إلى إعادة تعريف سوريا سياسيا، بل إلى جعلها “قابلة للتعامل”. وهذا يتسق مع فلسفة “نقل الأعباء” التي باتت تشكل جوهر الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة لا تعرض قيادة حل شامل، ولا تطرح رؤية تفصيلية لمستقبل الحكم أو الدولة، بل تضع إطارا عاما يسمح للآخرين بتحمل الكلفة الأساسية، بينما تكتفي هي بإدارة التوازنات ومنع الانزلاق إلى الأسوأ.
غير أن هذا النوع من الاستقرار، القائم على تفاهمات خارجية وضبط متبادل للمصالح، يظل استقرارا هشا ما لم يترافق مع مسار وطني يعالج جذور الأزمة. تجميد الصراع قد يوقف النزيف، لكنه لا ينتج دولة قادرة على الصمود طويلا دون إعادة تعريف للعقد السياسي والاجتماعي.
إدراج سوريا بهذه الصيغة في إستراتيجية الأمن القومي الأميركية لا يعني أن الحل بات قريبا، بل يعني أن مرحلة جديدة من إدارة الملف قد بدأت. نافذة فتحت، لكنها محاطة بقيود واضحة.
في هذه اللحظة، لا يقاس مستقبل سوريا بما يكتب عنها في الوثائق الدولية، بل بقدرتها على الانتقال من كونها موضوعا لتفاهمات الآخرين إلى شريك فيها.
ففي عالم تعاد فيه صياغة الأولويات، الدول التي لا تعيد تعريف نفسها، يعاد تعريفها بالنيابة عنها. وسوريا اليوم أمام خيار مفصلي: إما استثمار هذا التحول لبناء مشروع وطني جامع يعيد لها مكانتها الفعلية، أو البقاء في خانة “المشكلة المحتملة” التي تدار ضمن خرائط الآخرين لا ضمن إرادتها الخاصة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المدير العام لمركز جسور للدراسات
الجزيرة
————————————–
لماذا ضرب طيران الأردن العمق السوري؟
القيادة المركزية الأميركية تكشف التفاصيل
محمد سيف
إيلاف من واشنطن: قالت القيادة المركزية الأميركية إنها أطلقت أكثر من 100 قنبلة وصاروخ دقيق في ضربات مكثفة ضد تنظيم “داعش” في سوريا، وذلك ردا على الهجوم الذي استهدف قوات أميركية في تدمر قبل أيام.
وأكدت القيادة المركزية أن مقاتلات من القوات المسلحة الأردنية شاركت في العملية، إلى جانب طائرات مقاتلة أميركية ومروحيات هجومية ومدفعية ثقيلة، في هجوم مشترك لتقويض القدرات اللوجستية والعسكرية لتنظيم داعش.
وأوضحت في بيان “استهدفت الضربات أكثر من 70 موقعا في مناطق متفرقة من وسط سوريا، شملت مخازن أسلحة، ومقرات قيادة، وبنية تحتية تستخدم لتنفيذ العمليات الإرهابية”.
وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية: “هذه الضربات تهدف إلى منع داعش من التخطيط لهجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها”، مؤكدا أن “الملاحقة ستتواصل بلا هوادة ضد كل من يهدد أرواح الأمريكيين وقوات التحالف”.
وجاءت العملية، التي تحمل الاسم “هوك آي سترايك” (Hawkeye Strike)، تنفيذا لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة الأميركية، بعد أن أسفر هجوم 13 ديسمبر (كانون الأول) عن مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني.
وأفادت قناة “الإخبارية” السورية نقلا عن مصادر محلية، بأن طائرات التحالف الدولي شنت سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لتنظيم “داعش” في مناطق متفرقة من شرق سوريا، أبرزها بادية معدان بريف الرقة، وبادية الحماد بريف دير الزور، إضافة إلى جبل العمور.
وأكدت المصادر أن الضربات ركزت على مواقع لتخزين الأسلحة ومقرات تستخدم كمنصات انطلاق لعمليات التنظيم في المنطقة.
وأشارت القناة إلى أن الغارات تجددت لاحقا على مواقع “داعش” في بادية دير الزور، حيث سمع دوي انفجارات قوية في المدينة وريفها. كما لوحظ تحليق مكثف لطائرات حربية وطائرات استطلاع في سماء منطقة البادية بريف حمص، في مؤشر على استمرار الحملة العسكرية ضد خلايا التنظيم النشطة في العمق الصحراوي.
يأتي هذا عقب إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث اليوم السبت، عن بدء عملية HAWKEYE STRIKE في سوريا، للقضاء على مقاتلي “داعش”، ردا على الهجوم الذي وقع في تدمر الأسبوع الماضي.
——————————————
عملية “عين الصقر”.. بين رد الفعل والاستراتيجية الأميركية لمحاربة “داعش”/ سلطان الإبراهيم
عملية “عين الصقر” استهدفت مواقع لتنظيم “داعش” شرقي سوريا
2025-12-21
وسط تزايد التحذيرات خلال الأسابيع الأخيرة من عودة نشاط تنظيم “داعش” في سوريا، وإعلان قوات وزارة الداخلية بالحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) عن إلقاء القبض على خلايا للتنظيم بمناطق متفرقة من البلاد، وتنفيذه عدة هجمات بأوقات متقاربة لا سيما بالبادية، جاءت عملية “عين الصقر” التي أطلقتها القوات الأميركية ضد عشرات المواقع له شرقي البلاد، لتشير إلى استمرار خطره وتسلط الضوء على استراتيجية المواجهة خلال الفترة المقبلة لاسيما بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
استهداف عشرات المواقع
عملية “عين الصقر” التي أطلقتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) فجر السبت، استهدفت أكثر من 70 موقعاً لتنظيم “داعش” في محافظتي دير الزور والرقة شرقي سوريا، واستخدمت فيها طائرات مقاتلة ومروحية ومدفعية، للاستهداف الدقيق لمواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة للتنظيم، وفق ما أكدت “سنتكوم” التي قال قائدها براد كوبر، إن “العملية لمنع داعش من التخطيط لهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن “القوات الأميركية نفذت 10 عمليات في سوريا والعراق، أسفرت ع ن مقتل واعتقال 23 عنصراً من التنظيم، بعد الهجوم على القوات الأميركية بسوريا في 13 كانون الأول/ ديسمبر الجاري.
ومن جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنه “أمر بتنفيذ ضربة عسكرية ضخمة وناجحة ودقيقة ضد الإرهابيين، الذين قتلوا 3 من أبطال الولايات المتحدة في سوريا”، فيما أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلاً عن مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن الضربات الأميركية في سوريا نفذت بواسطة طائرات “إف15” و”إيه 10″، وطائرات أباتشي وصواريخ هيمارس.
رد فعل انتقامي
وبشأن التعامل الأميركي مع خطر “داعش” لا سيما بعد هجوم تدمر بالبادية السورية، الذي أسفر عن قتلى وجرجى من الجنود الأميركيين، يشدد الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي في تصريحات لـ”963+”، على أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتعامل بقاعدة الفعل ورد الفعل، لذلك فإن العملية الأخيرة تأتي في إطار رد الفعل الانتقامي لما حصل للجنود الأميركيين، حيث أنه يسعى لإغراق السلطات السورية في دمشق بالحرب بالوساطة نيابة عن جيشه الذي يتواجد بأعداد قليلة ولأهداف استراتيجية مرتبطة بالطاقة في البادية السورية”.
يقول وهبي، إن “ما حصل يدين المخابرات الأميركية بأنها لا تنسق مع السلطات السورية الحالية، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية لتقديم المساعدة الاقتصادية للحكومة السورية، كما أن الأردن مشارك بهذه العملية، حيث تسعى واشنطن لإبعاد شبح أي ضرر إنساني عن قواتها العسكرية، وتريد استعمال تنظيم داعش كبعبع للبقاء على مشروع عسكري موسع بالبادية السورية، وقد يكون ذلك أول برنامج مشترك بين سوريا والعراق لمراقبة الحدود، كما أن قوات سوريا الديموقراطية قد تلعب دور مهم بعملية التنسيق أو حتى العمليات على الأرض”.
عشرات العمليات الأميركية خلال أشهر
ويوم الأربعاء الماضي، قالت “سنتكوم” في بيان على موقعها الرسمي، إن القوات الأميركية والقوات السورية الشريكة، نفذت نحو 80 عملية منذ تموز/ يوليو الماضي، للقضاء على عناصر إرهابية بينها خلايا لـ”داعش”، أسفرت عن إلقاء القبض على 119 عنصراً ومقتل 14 آخرين خلال الأشهر الستة الماضية، ما أحبط جهود التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه وشن هجمات على مستوى العالم، وذكر قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، أن “هذه العمليات في سوريا بالغة الأهمية لمنع داعش من إعادة تنظيم نفسه وتشكيل تهديد كبير، وهو نوع من المكاسب الأمنية الملموسة التي يمكن تحقيقها على الأرض من خلال التعاون الوثيق مع القوات السورية”، مشدداً على أن “القوات الأميركية ستواصل العمل مع شركائها السوريين لملاحقة شبكات داعش”.
ولفتت “سنتكوم”، إلى أنه “خلال الشهر الماضي، تعاونت قوات أميركية مع وزارة الداخلية بالحكومة السورية الانتقالية بتحديد وتدمير أكثر من 15 موقعاً يحتوي على مخابئ أسلحة تابعة لتنظيم داعش”، وأكدت، أن العمليات المشتركة أسفرت عن تدمير أكثر من 130 قذيفة هاون وصاروخ، بالإضافة إلى بنادق ومدافع رشاشة وألغام مضادة للدبابات ومواد لتصنيع العبوات الناسفة، منوهةً إلى أنه “خلال غارة نُفذت في يوليو الماضي، بمدينة الباب بمحافظة حلب شمالي سوريا، نفذت القوات الأميركية عملية أسفرت عن مقتل القيادي البارز في تنظيم داعش، ضياء زوبة مصلح الحرداني، وابنيه المنتميين للتنظيم”.
تحضيرات لأي هجوم
ويؤكد وهبي، على أنه “لا يجب نسيان أن هذه العمليات هي نوع من تدريبات عسكرية من الطراز المهم والتي قد تكون بمثابة تحضير لأي انقلاب أو هجوم من خارج سوريا”، معتبراً أن “تنظيم داعش يحتضر خصوصاً ان المخيمات التي تأوي عائلات التنظيم بمناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية أصبحت عبئاً مادياً وسياسياً، على اعتبار أن قسد نحجت بإعادة مجاهدين من دول أجنبية إلى بلادهم”.
وفي أعقاب إطلاق القوات الأميركية عملية “عين الصقر”، قال نائب قائد العمليات المشتركة العراقية الفريق الأول قيس المحمداوي، في تصريح نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن العراق قد اتخذ خطوات أمنية هامة بناءً على التجربة السابقة في مواجهة تنظيم “داعش”، وبخاصة الحوادث التي شهدتها الحدود بين العراق وسوريا عامي 2013 و2014، مبيناً أن التنسيق بين القوات العراقية والسورية يتم بشكل ميداني عبر مستوى القادة والآمرين على الحدود، ويشمل تبادل المعلومات وتسليم المطلوبين ومنع عمليات التسلل، رغم أن هذا التنسيق لم يصل بعد إلى المستويات العليا بين القيادات الأمنية العراقية والسورية.
وفيما يتعلق بالإنزال الجوي العراقي في سوريا، أوضح المحمداوي أن العملية كانت مدعومة بمعلومات استخبارية دقيقة من قبل خلية الصقور التابعة لوكالة الاستخبارات العراقية، وتم تنفيذها بعد متابعة مكثفة لأهداف محددة داخل العمق السوري.
ويوم الخميس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن تنفيذ قواتها بالتنسيق مع الجانب السوري وبدعم من التحالف الدولي عملية إنزال شمال شرقي سوريا قرب الحدود، أسفرت عن إلقاء القبض على “هدفين مهمين للقضاء العراقي”، معتبرةً أن “العملية تعزز قدرة الدول على مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود وحماية المصالح الوطنية”.
وكانت دورية للقوات الأميركية رفقة الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية بالحكومة السورية الانتقالية، قد تعرضت في 13 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، لهجوم في مدينة تدمر بالبادية السورية، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم، وإصابة آخرين، إضافة لإصابة عناصر من الأمن الداخلي.
وكشف مصدر أمني سوري يوم الأحد الماضي، أن منفذ الهجوم الذي استهدف اجتماعاً عسكرياً سوريا أميركياً مشتركاً في تدمر، كان عنصراً بالأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) عن المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، أن منفذ الهجوم كان عنصراً بالأمن الداخلي منذ أكثر من 10 أشهر، وعمل مع جهاز الأمن الداخلي في أكثر من منطقة سورية، قبل أن يتم نقله إلى مدينة تدمر مؤخراً، مؤكداً أنه “جرى توقيف أكثر من 11 عنصرا تابعاً للأمن الداخلي وإحالتهم للتحقيق بعد الحادثة مباشرة”.
والأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية عن إلقاء القبض على أفراد خلية تابعة لتنظيم “داعش” بريف محافظتي حلب وإدلب شمالي البلاد، وقالت في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، إن الخلية مسؤولة عن تنفيذ عدد من العمليات التي استهدفت دوريات أمنية وعسكرية في محافظتي إدلب وحلب، مؤكدةً أن “العملية جاءت عقب استهداف دورية أمن الطرق في منطقة معرة النعمان”.
وكانت قوات سوريا الديموقراطية، قد أعلنت الأسبوع الماضي، أنها نفّذت عملية أمنية أسفرت عن تفكيك خلية تابعة لتنظيم “داعش” في قرية الحصان بريف دير الزور شرقي البلاد، وأوضحت في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، أن العملية التي نفذت في ريف دير الزور الغربي جاءت استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة ومتابعة مستمرة.
وذكر البيان، أن “العملية تأتي ضمن الجهود المتواصلة لملاحقة خلايا تنظيم داعش ومنعها من تنفيذ أعمال تستهدف القوات العسكرية والأمنية والمؤسسات المدنية، وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة”، كما وأظهرت التحقيقات الأولية، بحسب البيان، أن “الخلية كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضد القوات العسكرية والأمنية، إضافة إلى استهداف الأعيان والمؤسسات المدنية والخدمية، بهدف ضرب الاستقرار وتقويض الأمن في المنطقة”.
وتعليقاً على إطلاق القوات الأميركية عملية “عين الصقر” ضد “داعش”، أكدت قوات سوريا الديموقراطية أمس السبت، “التزامها الكامل بمواصلة الحرب ضد تنظيم داعش، والدفاع عن استقرار سوريا والمنطقة”، وذكرت في بيان، أنها “ملتزمة بتطوير التعاون مع جميع الأطراف التي تحارب الإرهاب، في كل ما يخدم أمن المنطقة والعالم”، وأعربت عن تقديرها للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي، على الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة التي استهدفت أوكار تنظيم داعش خلال الساعات الماضية”، مشددةً على أن “الدعم الجوي المتواصل يمثل عاملاً حاسماً في منع التنظيم من إعادة تجميع خلاياه أو استعادة نشاطه التخريبي”.
+963
—————————————
«عين الصقر»… هل تكون العملية الأميركية ضد «داعش» في سوريا «مفتوحة»؟
التنظيم يعتمد على الانتشار الفردي والذوبان في المناطق السورية
دمشق: سعاد جروس
20 ديسمبر 2025 م
قالت مصادر مقربة من وزارة الدفاع في دمشق إن العملية العسكرية لقوات التحالف «عين الصقر» ضد تنظيم «داعش» في البادية السورية، قد تكون عملية «مفتوحة» تمتد لأيام في حال تبيّن وجود مزيد من الأهداف التي يمكن قصفها.
وقالت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العملية التي أعلنت الولايات المتحدة تنفيذها فجر الجمعة، جرت بالتنسيق مع الحكومة السورية، فيما وصف خبراء عسكريون عملية «عين الصقر» بأنها اختبار لاحتمال أن تكون القوات السورية الحكومية «شريكاً حقيقياً» للتحالف في محاربة الإرهاب المتمثل بـ«داعش»، واصفين الضربات بأنها كانت «موجعة» للتنظيم الذي بات يعتمد على الانتشار الفردي والذوبان في المناطق السورية.
وأعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، أنها ضربت أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا بواسطة طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية وبالمدفعية، فيما تحدث الرئيس دونالد ترمب عن «ضربة انتقامية قوية جداً» رداً على إطلاق نار أسفر في 13 ديسمبر (كانون الأول) الجاري عن مقتل ثلاثة أميركيين، هم جنديان ومترجم، في تدمر بمحافظة حمص وسط سوريا.
وقالت مصادر مقربة من وزارة الدفاع السورية لـ«الشرق الأوسط» إن عملية «عين الصقر» تمت بالتنسيق مع الحكومة السورية، وقد تركزت على موقعي جبل العمور والوادي الأحمر على بعد 15 كيلومتراً شرق تدمر بمحافظة حمص.
وسيطر «داعش» في الفترة الممتدة بين مايو (أيار) 2015 ومارس (آذار) 2017، لمرتين على مدينة تدمر، قبل أن تتمكن قوات النظام السابق بدعمٍ من حليفته روسيا من طرده منها.
واستهدفت عملية «عين الصقر» أيضاً جبل البشري جنوب غربي دير الزور، وعدة مواقع في عمق البادية شرق حمص، ومواقع في محافظة الرقة، وهي مناطق بمعظمها واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، وقد شهدت ازدياداً لنشاط خلايا «داعش» في الآونة الأخيرة، مع الإشارة إلى عدم وجود مناطق محددة يتمركز فيها التنظيم الذي بات «يعتمد على الانتشار الفردي في مناطق عديدة والتواصل السري بينها»، حسب المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط». وأكدت هذه المصادر جدية الحكومة السورية في ملاحقة عناصر التنظيم على الأرض، في حين تتعقبهم القوات الأميركية عبر أجهزة الاتصالات، مشيرةً إلى أن عملية «عين الصقر» لم تتضمن عمليات برية. وتوقعت المصادر احتمال استمرار العمليات الأميركية لأسبوع وربما أكثر، حسبما يتوافر من قائمة أهداف.
وجرى التعرف على هوية منفّذ هجوم تدمر، وهو عنصر في قوات الأمن السورية كان من المقرر فصله بسبب اعتناقه «أفكاراً تكفيرية أو متطرفة»، وفق المتحدث باسم وزارة الداخلية. وهذه الحادثة هي الأولى من نوعها منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد قبل عام، وعودة العلاقات السورية مع الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر أهلية في مناطق البادية السورية بتواصل تحليق طائرات الاستطلاع التابعة لقوات التحالف لساعات مع تحليق لطيران التحالف فوق المواقع التي جرى قصفها.
ونفت هذه المصادر استهداف أي موقع أو تجمع سكني مدني، وقالت إن الضربات جرت في البادية الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية في محافظة دير الزور وتركزت على جبل البشري وهو منطقة وعرة جداً جنوب غربي دير الزور كانت قبل الإطاحة بالنظام السابق موقعاً لتمركز ميليشيات تابعة للنظام السابق وأخرى تابعة لإيران، ولاحقاً تمركز فيه تنظيم «داعش». وقد سُمعت أصوات الغارات على جبل البشري في مدينة دير الزور.
وتدخل عملية «عين الصقر» ضمن مشاركة الحكومة السورية في التحالف الدولي ضد «داعش»، وفق ما قاله العقيد عبد الجبار العكيدي أحد قيادات «الجيش السوري الحر».
ورأى العكيدي أن العملية هي اختبار لإمكانية أن تكون القوات السورية «شريكاً حقيقياً» للتحالف في محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم «داعش».
وانضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى واشنطن الشهر الماضي.
«عملية محدودة ودقيقة»
وعن وصف الجانب الأميركي العملية بأنها «انتقامية» بالمفهوم العسكري، قال العكيدي إنها ليست مجرد انتقام بل هي «عملية محدودة ولكن أوسع من العمليات التي شهدناها سابقاً».
وأضاف: «نتحدث عن مائة قنبلة دقيقة من أنواع القنابل والصواريخ الذكية تصيب أهدافها بدقة»، موضحاً أن الحديث يجري عن قنابل دقيقة ذكية صغيرة الحجم يمكن للطائرة أن تحمل عدداً كبيراً منها، وبالتالي فإن «العملية محدودة لكنها دقيقة وموجعة للتنظيم»، حسب العكيدي.
ولفت العكيدي إلى أن التنظيم ومنذ سقوط آخر معاقله في منطقة الباغوز شرق سوريا عام 2019 غيّر سياساته واستراتيجياته وتكتيكاته من السيطرة على الحواضر المدنية ومجابهة الجيوش إلى «الذوبان ضمن المدن، أو الاختباء في البراري والبوادي، والاعتماد على عمليات الذئاب المنفردة والمجموعات الصغيرة المؤلفة أحياناً من ثلاثة عناصر، خصوصاً أن أبو بكر البغدادي (زعم داعش السابق) أعطى تلك المجموعات قبل أن يُقتَل صلاحيات اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون الرجوع للقيادة».
وأكد العكيدي أن التنظيم في سوريا يشكل خطراً على الدولة السورية، مشيراً إلى أن الحكومة السورية «جادة» في محاربة هذا التنظيم.
وأكدت وزارة الخارجية السورية في بيان السبت، «التزام سوريا الثابت بمكافحة تنظيم داعش، وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له في الأراضي السورية». وقالت إن السلطات السورية «ستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها».
وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه منذ الهجوم على قواتها في تدمر «نفذت الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها 10 عمليات في سوريا والعراق أسفرت عن مقتل أو اعتقال 23 عنصراً إرهابياً»، من دون تحديد التنظيمات التي ينتمي إليها المسلحون.
وتنتشر القوات الأميركية في سوريا بشكل رئيسي في مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد بشمال وشمال شرقي البلاد، إضافةً إلى قاعدة التنف قرب الحدود مع الأردن، حيث تركز واشنطن وجودها العسكري على مكافحة التنظيم ودعم حلفائها المحليين.
«انتقام لهيبة أميركا»
وقال الخبير العسكري، رشيد حوراني، إن عملية «عين النسر» تعد مؤشراً على عدة أمور أبرزها «الانتقام للجنود الأميركيين ولهيبة أميركا بشكل عام أياً كانت الجهة المعتدية، وتذكرنا باستهداف القوات الأميركية في عام 2018 للقوات الروسية بشرق الفرات».
وأضاف: «يدل تمدد واتساع عمليات التحالف إلى بادية حمص وخارج مناطق سيطرة (قسد) على جدية الجانب الأميركي في تقديم الدعم والمساعدة للحكومة السورية وأجهزتها الأمنية والعسكرية، وهذا ينسجم مع عقيدة الأمن القومي التي أعلنها ترمب مؤخراً التي تتمثل بتقوية الدول في الشرق وعلى رأسها السعودية وتركيا وسوريا، وضرب النفوذ الإيراني، وعدم الاكتفاء بإضعافه».
وأشار حوراني إلى أن «المنطقة المستهدفة شرقي تدمر وصولاً إلى دير الزور والرقة، كانت منطقة صراع بين تنظيم (داعش) من طرف ونظام الأسد وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية من طرف آخر، وخلال انسحاب إيران من سوريا سلّمت مواقعها للتنظيم، وعلى الأرجح فهذه هي المناطق المستهدفة، وتشمل مستودعات ونقاط انطلاق ومحاور تحرك».
وأكد حوراني أن «الحكومة السورية الحالية تختلف عن سابقتها من موقفها من تنظيم (داعش) وجادة في القضاء عليه، ولذلك انضمت للتحالف». وقال: «تشارك القوات السورية من خلال المعلومات الاستخباراتية وتمشيط مناطق الاستهداف، كما أن الاجتماع التنسيقي بين وزارة الداخلية والجانب الأميركي في تدمر الذي استُهدف خلاله الجنود الأميركيون يدلل على التعاون والمشاركة».
الشرق الأوسط
———————————–
هل عاد نشاط تنظيم “داعش” إلى سوريا؟/ فايز الأسمر
2025.12.20
لا شك أن عام 2019 كان العام الذي أعلن فيه التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب هزيمة تنظيم “داعش” في سوريا بعد معركة الباغوز، ولكن هناك حقيقة واضحة وواقع لا يمكننا تجاهله أو إنكاره؛ تقول إن السنوات التي تلت هذا الإعلان، وحتى وقتنا الحالي، تُثبت أن التنظيم لا يزال نشطًا وخطرًا، وموجودًا بأيديولوجيته وأفكاره المتطرفة، ومريديه وأتباعه، وخلاياه الكامنة المنتشرة في كلٍّ من سوريا والعراق، وكثير من بلدان العالم.
وعليه، فالتنظيم ـ باعتقادي ومن خلال سلوكه العنيف الذي لا يزال ينتهجه ـ يريد إرسال رسائل يثبت من خلالها للجميع، أتباعًا وأعداءً، أنه لا يزال الرقم الصعب المقلق في المعادلة السورية، والقادر على القيام باختراق الحواجز والعقبات الأمنية الكبيرة، والوصول إلى أهدافه، وتنفيذ عمليات نوعية دامية ضدها، وأنه لا يزال قادرًا على بعثرة وخلط الأوراق، وإرباك الحسابات، وإقناع الجميع بأن خطره الداهم وتهديداته الإرهابية المباشرة لا تزال قائمة، حتى بعد ما أسمته “واشنطن” بهزيمته النكراء، وخسارته لدولته المزعومة، وفقدانه السيطرة المكانية على أهم معاقله في كلٍّ من سوريا والعراق.
داعش والتحديات والتداعيات الأمنية على “دمشق”
حقيقةُ الوقائع والأحداث الدامية المحلية والعالمية (عملية تدمر وسقوط 3 قتلى أمريكيين، عملية “معرة النعمان” وسقوط 4 شهداء من الأمن السوري، شاطئ “سيدني” بأستراليا وسقوط 16 قتيلًا يهوديًا) كلها تسلط الضوء على حقيقة مفادها أن عمليات تنظيم “داعش”، ورغم تراجعها النسبي، لا تزال قائمة وموجودة، وقادرة على إحداث اضطرابات وتداعيات أمنية كبيرة، لا سيما خلال الفترة الانتقالية الحساسة التي تمر بها سوريا بعيد انتهاء حقبة النظام البائد، وما في هذه المرحلة من تحديات وأخطار أمنية خارجية وداخلية مربكة كثيرة (إسرائيل، ميليشيات “قسد”، ميليشيات “الهجري”، فلول النظام، وغيرها)، ناهيك عن التحديات الاقتصادية والمعيشية والخدمية التي تثقل إلى حد كبير كاهل القيادة السورية الجديدة، وتشغلها عن مسائل إعادة الإعمار والكثير من الملفات الداخلية الهامة والمعقدة.
في الواقع، وبينما تقوم الحكومة السورية وأجهزتها المختصة بعمليات أمنية متواصلة لملاحقة خلايا تنظيم “داعش” وعناصره، فالملاحظ أن التنظيم، بعد تحرره من “عقدة” السيطرة المكانية التي كلفته سابقًا الكثير من الخسائر، بدأ ـ وخاصة في الفترة القريبة التي تلت سقوط النظام البائد ـ بإجراء تغييرات واضحة على صعيد إعادة الانتشار (من البادية إلى الحواضر والمدن) والعمليات النوعية والأهداف، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية التي أصبحت عليها الدولة السورية الجديدة.
انضمام دمشق لتحالف مكافحة الإرهاب والثمن
عمليًا، ومن خلال قراءة الواقع السياسي والميداني واستقراء القادم، فإني أتصور أن تنظيم “داعش” في الفترات الأخيرة قد زاد من وتيرة عملياته الإرهابية، وأعتقد ـ وربما بشيء من الجزم ـ أنه سيزيد أكثر من نشاطاته واستهدافاته الدامية والتخريبية بشكل متصاعد وملحوظ، مع قادمات الأيام، على أهداف متنوعة وفي أماكن متفرقة من الجغرافيا السورية؛ وذلك لأسباب جديدة أخرى تتعلق بانضمام “دمشق” للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب لتصبح الدولة رقم 90 فيه، ووضع يديها بيد “واشنطن”، وتنفيذها في الفترات الأخيرة لعدة عمليات أمنية خاصة مشتركة مع القوات الأمريكية، استهدفت من خلالها خلايا وعناصر نائمة للتنظيم، سواء في منطقة “الضمير” قرب دمشق، أو في أرياف “حلب” و“إدلب”.
ناهيك عن أن التنظيم بات يعتبر الحكومة السورية الجديدة “مرتدة”، ويصفها ـ مع الرئيس “أحمد الشرع” ـ بأنهم “خارجون عن الملة”، لانضمامهم لتحالف محاربة الإرهاب وتعاونهم الواضح والوثيق مع الولايات المتحدة. ولا شك أن هذا التصنيف التكفيري يأتي في إطار فكر واستراتيجية “داعش” التي تقول إن أي سلطة أو حكومة أو فصيل يقبل بالتعاون مع أطراف دولية أجنبية هو خارج عن نهج “الجهاد”، وستحاربه بكل الوسائل المتاحة.
دمشق وقدراتها على مواجهة “داعش”
في الواقع، أجد أن الدولة السورية ـ من الناحية البشرية والعتاد والتدريب ـ قادرة على مواجهة خلايا وفلول التنظيم عسكريًا وميدانيًا، وخاصة أنها في أوقات سابقة خاضت ضده معارك دامية كثيرة في أرياف “حلب” و“إدلب” و“حماة” و“درعا”. ولكن المشكلة الأساسية لدى الأجهزة الأمنية المختصة، باعتقادي، هي تلك المتعلقة بالنقص والضعف في قاعدة المعلومات والبيانات الاستخباراتية المتنوعة عن نشاطات التنظيم وتحركاته وتمويله، ولا سيما أن تلك النشاطات غالبًا ما باتت تعتمد على أساليب الذئاب المنفردة، والكمائن الطرقية المزدوجة، والمفخخات، والإغارات الخاطفة، وأعمال الكر والفر، وعلى أهداف منعزلة، بمجموعات صغيرة سريعة الظهور والاختفاء.
ولا شك أن التنظيم استغل الإرباك والفراغ الأمني الذي حصل ببداية عمليات التحرير، وسعي الدولة الجديدة للسيطرة الأمنية السريعة على المساحات الكبيرة التي وجدت نفسها فجأة مسؤولة عنها، وحاجتها الماسة لمنتسبين جدد في الجيش والأجهزة الأمنية ـ وللأسف ـ من دون شروط قاسية ودراسات سلوكية كافية أو تحريات أمنية حقيقية. وعليه، فربما ساعد هذا الأمر التنظيم على استثمار هذه الفوضى، والزج بالعديد من عناصره وأتباعه ومريديه المتطرفين فكريًا ودينيًا في تلك الأجهزة، لاستغلالهم في تنفيذ أية عمليات إرهابية مستقبلية.
ولذلك أجد أن الدولة السورية وجهاتها المسؤولة بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في تقييم عناصر الجيش والمؤسسات الأمنية الذين انخرطوا في صفوفها خلال الفترات الماضية، واستبعاد غير اللائقين منهم سلوكيًا وفكريًا ونفسيًا وأخلاقيًا وبدنيًا، وعلى وجه السرعة. كما تبرز وجوبُ وأهميةُ التركيز على التنسيق العملياتي والاستخباراتي مع دول الجوار والتحالف الدولي، بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتسهيل أساليب ملاحقة خلايا “داعش” الكامنة ورصدها ومتابعتها، والتعامل معها وفق العمليات الجراحية الاستباقية.
أهمية الدور الأميركي
برأيي، بعد انضمام “دمشق” لتحالف محاربة الإرهاب ومن أجل لجم وردع التنظيم، ينبغي على الحكومة السورية الضغط على الولايات المتحدة للاحتفاظ بوجود عسكري في “سوريا” لفترات إضافية قادمة؛ بمعنى أن وجود عدة مئات من الجنود الأمريكيين سيكون ـ حتمًا ـ ضروريًا جدًا، خاصة في هذه الأوقات التي تحتاج فيها قوات الأمن السورية الجديدة إلى التدريب والتسليح والدعم الاستخباراتي، وإلى عمليات المراقبة والرصد والاستطلاع.
وسيكون الوجود الأمريكي فرصة مثالية تساعد في بناء قدرات الدولة السورية العسكرية والأمنية، التي تستطيع من خلالها مواجهة كافة العقبات والصعوبات التي تعيق توحيد واستقرار البلاد، ومنع عودة “داعش”. وخاصة أنه إذا تمكن التنظيم من استعادة زخمه في “سوريا”، فسيتجه حتمًا إلى تنفيذ هجمات في أنحاء المنطقة وخارجها. لذا يجدر بـ “واشنطن” أن تساعد الدولة السورية في منع تنظيم “داعش” من إعادة بناء وإنتاج نفسه، وزعزعة استقرار بلاد الشام، بل العالم بأكمله مرة ثانية.
ختامًا
لا يزال تنظيم “داعش” يلملم أوراقه وينظم خلاياه ليزيد من وتيرة هجماته الإرهابية على أكثر من صعيد، ما يعني أن حلم العودة ما زال يراوده من جديد. وبالتالي لن تأمن بلادنا من مكره وشره ودمويته. إن الانتصار عليه وإنهاء وجوده جذريًا لا يمكن أن يتم من دون تجفيف موارده، والقضاء على البيئة الفكرية الخصبة للتطرف والعنف المجتمعي، ووجود دولة وحكومة سورية قوية قادرة على معالجة الأزمات وتضميد الجراح، وضم أبنائها بين جنباتها، وتعزيز لحمة مكوناتها الوطنية، وزيادة وتطوير علاقاتها الإقليمية والدولية في كافة المجالات، بما يحقق أمن واستقرار سوريا وتقدمها.
تلفزيون سوريا
————————————–
بين تدمر وبوندي: داعش بلا دولة وخطر بلا حدود/ سمير صالحة
2025.12.21
ما الذي يقوله لنا العمل الإرهابي الأخير على خط بوندي–تدمر؟ وهل يمكن لتنظيم إرهابي مسلح أن يُهزم عسكريًا دون أن يُهزم أمنيًا وفكريًا؟
يستدعي حراك داعش في المكانين التعامل مع السؤالين بجدية، خصوصًا حين تتحول الهزيمة الميدانية إلى حالة من السيولة الأمنية، تتيح للتنظيم إعادة تعريف نفسه خارج منطق “الدولة” والولاية، ولكن داخل منطق “الخطر المستمر”.
لم يكن سقوط تنظيم داعش في الموصل العراقية والبادية السورية قبل سنوات مجرد إعلان نهاية بقدر ما كان إعلان تحوّل بحسب هذه المجموعات. فالتنظيم الذي خسر الأرض والراية يعلن أنه لم يخسر القدرة على التكيف، ولا قابلية فكرته على إعادة إنتاج نفسها داخل فراغات أمنية وجغرافية تمتد من بوندي إلى تدمر. وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا بمكان السقوط بقدر ما يتعلق بكيفية استمرار التهديد.
انهار مشروع الدولة والإمارة، لكن الخلايا والذئاب المنفردة ما زالت تتحرك وتنشط.
انتقل داعش اليوم من تنظيم أفقي–عامودي إلى التركيز على التحرك العامودي فقط، بعدما ضاقت مساحة تحركه وفقد المئات من كوادره. الرسائل تأتي بأساليب وأدوات مختلفة، لكن بأهداف مشتركة؛ بين 2014 و2024 خسر التنظيم الكثير، لكن وسائل التحريض والتعبئة والاستفادة من أدوات التواصل وإثبات الوجود لم تتراجع بعد.
تمتد بين بوندي وتدمر مساحة تبدو للوهلة الأولى بعيدة وهامشية، لكنها في الحسابات الأمنية ليست كذلك. فالجغرافيا التي شهدت سقوط داعش ميدانيًا تحولت إلى مختبر مفتوح لمسار جديد من التهديد: أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا. ما سقط على خط هذا الامتداد قد يكون السيطرة، لكن الذي بقي فهو الوجود والتأثير.
المشهد القائم يكاد يقول إن بوندي وتدمر ليسا مجرد مواقع جغرافية متباعدة، بل يمثلان محورًا حيويًا لفهم ديناميات استمرار داعش، وأن الموقعين يشكلان عقدتين رئيسيتين في شبكة الفراغات الأمنية التي تسمح للتنظيم بالتحرك وإعادة تموضعه.
تخلى التنظيم منذ أعوام عن فكرة السيطرة على الأرض والاحتفاظ بها، لكنه لم يترك أسلوب المرونة في التحرك والاختفاء السريع، ما جعله يتحول إلى تهديد منخفض الكلفة وعالي التأثير.
إذا كان سقوط داعش يعني نهاية الخطر، فلماذا يواصل التنظيم تنفيذ عمليات متفرقة على هذا الخط الممتد بين بوندي وتدمر؟
صحيح أن بعض القراءات لا تستبعد توظيف هذه الهجمات في سياق رسائل سياسية أو استهداف سياسات دول بعينها، إلا أن ما جرى يعكس في جوهره انتقال التنظيم من منطق السيطرة الميدانية إلى حروب الظل والخلايا النائمة، حيث لا تتوقف مواجهة الخطر على النصر العسكري وحده، بل أيضًا على استراتيجيات منع داعش من التكيف مع الفراغات الأمنية.
لماذا يواصل داعش تنفيذ هجمات في مناطق مثل تدمر وبوندي؟ وهل هذا النوع من العمليات دليل على أن التنظيم تحول إلى شبكة خلايا نائمة تحافظ على حضورها الرمزي؟ هذه التساؤلات تؤكد أن تقييم الهدف بالنسبة لداعش لا يبدأ وينتهي بالنصر العسكري، بل بإظهار قدرته على التكيف واستغلال الفراغات الأمنية المتاحة عبر مواجهة طويلة الأمد.
من هنا يعتبر هجوم تدمر، الذي قُتل فيه ثلاثة أميركيين، ليس مجرد حادث عابر بهدف رسالة إثبات وجود، بل هو استعراض لقدرة التنظيم على التحرك داخل بيئة أمنية معقدة، واستعراض قوته الرمزية بعد خسارته السيطرة الفعلية على تلك الأرض.
ومن هنا أيضًا لا يمكن قراءة الهجوم على خط تدمر–بوندي بوصفه حدثًا أمنيًا معزولًا، بل إشارة واضحة إلى تمسك التنظيم بالتحرك في إطار الفعل المحلي والتأثير العابر للحدود في الوقت نفسه. يريد داعش أن يظهر أنه قادر على العمل ضمن بيئة صراع محلية تقليدية، لكنه يستطيع التحرك داخل المجتمع المدني، مستثمرًا في الرمزية والصدمة بدل السيطرة.
الذئاب المنفردة هي ما يجمع تدمر وبوندي؛ ففي تدمر استُثمر الفراغ الأمني، وفي بوندي تحركوا بأدوات محدودة لإرسال رسالة محددة، بعيدًا عن ساحات القتال. ومن هنا فإن أي تقييم يعتمد على مجريات ونتائج الميدان وحده لن يكون كافيًا للتنبؤ بالخطر المستقبلي.
فقد التنظيم “دولته” وسيطرته المباشرة على العديد من المناطق، لكن الخطر يبقى قائمًا على آلاف الكيلومترات، بقدر ما يراجع داعش أساليبه وخططه في التحرك. لا بد لخطط المواجهة أن تكون حاضرة بما يتفوق ويتقدم عليه بمسافات. الخطر لم يعد في الانتقال الميداني، بل في نشاط عناصر غير مرتبطة تنظيميًا.
كان الاختراق في الشرق دائمًا أسهل لداعش، لأنه يعرف البيئة أكثر، لكنه في الغرب أيضًا استفاد من الأجواء الاجتماعية، والعزلة الفردية، وأزمات الهوية، وهو ما يحتم التنسيق السياسي والاجتماعي والاقتصادي بقدر ما يبرز التنسيق الأمني والعسكري .
تلفزيون سوريا
————————————–
إزالة عقوبات قيصر… الفرصة المشروطة/ عبسي سميسم
21 ديسمبر 2025
كان يوم الجمعة هو اليوم الأول لسورية من دون عقوبات أميركية، بعد أن وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الخميس الماضي على قانون إزالة آخر وأصعب تلك العقوبات، المتمثلة بما عرف باسم “قانون قيصر”، بعد استبعاد صيغة الشروط الملزمة أو ما يتيح إعادته تلقائياً.
يرى كثير من السوريين أن هذا اليوم هو التحول الأهم في حياتهم منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي. وعبّر الرئيس السوري أحمد الشرع عن أهمية هذا اليوم واصفاً إياه بيوم التحوّل من مرحلة المعاناة، إذ من شأنه أن يحوّل سورية من دولة شبه منهارة اقتصادياً إلى دولة مزدهرة بالصناعة والتجارة والاستثمارات الخارجية. إلا أن هذا التحوّل لن يتم بالطريقة السحرية التي يتم من خلالها الترويج لإزالة هذه العقوبات. فإلغاء “قانون قيصر” لا يعني تحوّل سورية من الجحيم إلى النعيم، وإنما إعادتها الى نقطة الصفر كدولة طبيعية مثل سائر الدول، مع فارق أن هذه الإعادة أعطيت إليها كفرصة لتحقيق الازدهار، بحسب وصف الرئيس الأميركي.
وتقترن هذه الفرصة بنوعين من الالتزامات، الأول يرتبط بتنفيذ تعهدات قطعتها الحكومة السورية على نفسها تجاه واشنطن، والتي يأتي في مقدمتها عدم تشكيل أي تهديد مستقبلي لدول الجوار، في إشارة إلى إسرائيل، بالإضافة لإجراء تمثيل حقيقي لكل المكونات السورية، والتزامات أخرى ترتبط بهيكلة وزارة الدفاع والتعاطي مع ملف المقاتلين الأجانب، وغيرها من الشروط التي من الممكن أن يؤدي الإخلال بها إلى ضياع تلك الفرصة. أما النوع الثاني من “الشروط”، وهو الأهم، فيرتبط بمدى قدرة الحكومة السورية على استثمار موضوع رفع العقوبات لصالح تحسين الواقع المعيشي للمواطنين وتحقيق الازدهار الاقتصادي المنشود، والذي يتطلّب بالدرجة الأولى توفير بيئة آمنة لجذب الاستثمارات من خارج سورية، بالإضافة إلى تأمين بيئة قانونية مستدامة وجاذبة للاستثمار.
يتطلّب هذان الشرطان الأخيران وقتاً كافياً لطمأنة أي مستثمر يرغب في الدخول إلى السوق السورية، كما يتطلّب حكومة كفاءات قادرة على إعادة بناء بنى تحتية عصرية تواكب التطوّر المنشود، ما يتطلب بدوره الابتعاد عن سياسة الولاء في التعيينات واستبدالها بسياسة الكفاءات، إلى جانب معالجة شاملة لكل آثار الفساد التي خلّفها النظام البائد، سواء على مستوى تطوير القوانين الناظمة لعمل الجهات الحكومية أو على مستوى تطوير الإجراءات والنظم الإدارية البيروقراطية التي تحكم عمل مؤسسات الدولة. هذه المتطلبات وغيرها من الاحتياجات المرتبطة بمراعاة الجوانب الاجتماعية ضمن التحوّل الاقتصادي المنشود، تضع الحكومة السورية أمام تحدّيات كبيرة تتطلّب الكثير من الجهد والتشاركية، والتنازلات لتحقيقها.
العربي الجديد
———————————–
في تشييع العقوبات على سورية/ فاطمة ياسين
21 ديسمبر 2025
ترك النظام الهارب حكم سورية وهي متخمة بالمشكلات الخارجية. وقد أمضى بشّار الأسد مدة حكمه وهو يرزح تحت وابل من العقوبات الدولية المتصاعدة، بعضُها يخص الإرهاب وأخرى تخص حقوق الإنسان، ومنها ما يتعلق بالمشاركة في تجارة المخدّرات، وكانت الدول التي يناصبها العداء تكاد تغطّي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وفترة حكمه هي الأكثر فوضى وتشتتاً في العلاقات الخارجية، رغم أنه استقبل عهده بلقاء دافئ مع وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، ولكن الرعونة التي اتصف بها جلبت على سورية الوبال وأكواماً من العقوبات الدولية. وكان التخبط السياسي عنواناً مهمّاً لكل التصرفات التي قام بها وسوّقها إعلامُه على أنها “سياسة حكيمة”، أو اصطفاف إلى جانب المقاومة المشروعة.. عندما سقط نظام الرئيس صدّام حسين، لم يكن قد مضى على بشّار الأسد في الحكم الكثير، لكن دفء اللقاء مع أولبرايت لفّه النسيان، دعم النظام مجاميع متطرّفة نشطت في العراق، ما عقَّد علاقاته مع الجار القريب، كما أطلق يد جماعته في لبنان أكثر مما فعل والده بمزيد من التدخّل الذي أفضى إلى اغتيال رفيق الحريري، وبذلك قضى على آخر خيط يصله بأوروبا، وخصوصاً فرنسا، وأطلق تحدّياً في وجه مجموعة من الدول العربية بتبعيّته لإيران.
حين انطلقت الثورة السورية في العام 2011، بدأ الأسد فصلاً جديداً من العلاقات الخارجية المتردّية، لتبدأ إيران بالتغوّل في الداخل السوري، على شكل تدخل يتجاوز القيم الوطنية والأعراف الدولية، وكان عهده على موعدٍ مع عقوباتٍ جديدةٍ قصمت ظهره وأبقته مكشوفاً، يعيش تحت رحمة حفنة قليلة من الحلفاء الذين دعموه بعد تخلّيه عن السيادة بشكل كامل. تنوّعت العقوبات على الأسد، فمن القطيعة الدولية إلى تجميد الأصول في الخارج، وعدم السماح لمؤسّساته بأي تداول بالعملات الدولية، وحظر توريد النفط وتصديره، وقيود كبيرة على كل أنواع الاستثمار، ومنع كل مسؤوليه من أي درجةٍ كانت من السفر أو امتلاك أية أرصدة في الخارج، وصولاً إلى قانون قيصر الذي شدّد العقوبات السابقة، ووسّعها لتشمل كل من يتعاون معه، الأمر الذي أوقف اقتصاده تماماً، وتُرك لينخر الركودُ عظامَه، حتى لحظة “ردع العدوان” حيث فرّ الأسد تحت جنح الظلام تاركاً وراءه بلداً غارقاً في الكوارث.
تبدو سياسة صفر مشكلات مع الخارج من العناوين الخفية في أجندة حكومة الرئيس أحمد الشرع. لم تصرح الحكومة بها، لكنها بدت متلهفة للوصول إليها. وقد عملت السياسية السورية الجديدة على تجنب المآسي السابقة، وبدأت بالجانب الإقليمي القريب، وبشكل خاص أعيد ترتيب العلاقة مع لبنان التي اتَخذَت شكل وصاية في عهد الأسدين، وتحوّلت إلى علاقة تكافؤ وتعاون. ورغم أن دولاً أخرى قد بدت متردّدة بالتقدّم نحو العهد الجديد، إلا أن الشرع سارع إلى مدّ اليد، ومن دون أية تحفّظات. ومنذ توليها السلطة، سمحت إدارته “لكشّافين” أوروبيين بالقدوم على شكل وفود سياسية وإعلامية، ما أعطى انطباعاتٍ جيدة شجّعت السفارات الأجنبية لتعاود نشاطها وترفع أعلامها وسط دمشق، انطلق بعدها الساسة السوريون في رحلاتٍ واسعةٍ في العواصم العالمية، وشاركوا في العديد من المنتديات السياسية والاقتصادية بما يكفي لتبديد أي تحفّظ حولهم، فاستعيدت العلاقات بشكل كبير.. وفي ما يخص إسرائيل، فربما بالغ الشرع في إبداء الرغبة بالعيش بسلام رغم التعدّيات الإسرائيلية المتكرّرة، وكانت هذه البادرة منه في سبيل الوصول إلى حالة “صفر مشكلات” مع الجميع. أما العلاقة الأهم بالنسبة للشرع، فجرى إنشاؤها مع الولايات المتحدة التي كانت علاقاتها مع سورية في السابق مقطوعة، وشكّل ظهور الشرع ووزير خارجيته في البيت الأبيض برفقة ترامب سبقاً يستحقّ أن يذكر، وأفضى إلى إنجازٍ قد يصلح لكتابة فصل سوري جديد، وهو إزالة قانون قيصر بشكل تام.
العربي الجديد
—————————
الغاز الإسرائيلي وهندسة الشرق الأوسط/ إبراهيم حميدي
تزامنا مع إلغاء “قانون قيصر” والاتفاق بين القاهرة وتل أبيب
20 ديسمبر 2025
عاد الغاز الإسرائيلي إلى الواجهة، لا بوصفه حلاً تقنياً لأزمة طاقة سورية ولبنانية، بل كأداة سياسية في لحظة إقليمية دقيقة، تزامناً مع إلغاء “قانون قيصر” الأميركي وتوقيع اتفاق جديد لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
مشروع “الأنبوب العربي”، الذي طُرح للمرة الأولى عام 2021 لنقل الغاز من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، يعود إلى الأروقة التفاوضية بصيغة أكثر حساسية. غاز إسرائيلي بغطاء أميركي. غير أن ما تغيّر لا يقتصر على طبيعة الغاز، بل يشمل البيئة السياسية، إذ بات ملف الطاقة مدخلاً لإعادة صياغة المقاربة الأميركية في ظل توجه إدارة دونالد ترمب لدعم الحكم السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع وتكريس الهزائم الإيرانية وهندسة شرق أوسط جديد.
طوال سنوات، شكّل “قانون قيصر” العمود الفقري لسياسة العزل الأميركية لـ”سوريا الأسد”. ورغم الحديث المتكرر عن إعفاءات، بقي القانون سيفا يقطع أي انخراط اقتصادي منظم مع دمشق. إلغاؤه اليوم يعكس تحوّلاً في التفكير داخل واشنطن في التعاطي مع سوريا ما بعد الأسد.
هنا، يكتسب مشروع الغاز وظيفة جيوسياسية تتجاوز مسألة الطاقة. وإدخال الغاز الإسرائيلي في المعادلة نقل المشروع إلى مستوى أكثر حساسية، وحوّله إلى أداة أميركية غير معلنة بين دمشق وتل أبيب. فواشنطن تراهن على استخدام الطاقة كحافز لتحريك مسار تفاهمات أمنية، لا تصل حاليا إلى اتفاق سلام، لكنها تؤسس لوقائع جديدة.
غير أن هذا المسار يصطدم بعقدة الانسحاب والتموضع العسكري الإسرائيلي، إذ تصر دمشق على العودة إلى خطوط ما قبل 7 ديسمبر/كانون الأول، فيما تسعى تل أبيب إلى تكريس احتلالها “المنطقة العازلة” ومرصد جبل الشيخ ومناطق توغلت فيها بعد 8 ديسمبر. هنا يتحول الغاز إلى ورقة مقايضة تُستخدم لتخفيف الضغوط الاقتصادية مقابل مرونة سياسية وأمنية مضبوطة. اقتراح واشنطن، هو أداة تحفيز ناعمة لضم سوريا في شبكة مصالح إقليمية تضيق فيها هوامش عودة النفوذ الإيراني.
في لبنان، يكتسب المشروع بعداً إضافياً لا يقل أهمية. فواشنطن لا تنظر إلى أزمة الطاقة بوصفها أزمة خدمات فحسب، بل باعتبارها أحد أسلحة نزع سلاح “حزب الله”. ومن هذا المنطلق، يندرج الدعم الأميركي للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمحاور وحيد، وتقوية الجيش. وفي هذا المعنى، يصبح الغاز أداة لإعادة رسم التوازنات اللبنانية بعد نكسات “الحزب” وإيران.
ضمن هذا المشهد المشرقي، يأتي الإعلان الإسرائيلي عن توقيع اتفاق جديد لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر، بقيمة تقارب 35 مليار دولار، ليضيف بعداً مكملا إلى الصورة. فالصفقة، التي وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل، لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تؤكد انتقال الغاز الإسرائيلي إلى مرتبة ركيزة إقليمية معترف بها. كما أن توسيع اتفاق عام 2019، ورفع الكميات المورّدة اعتماداً على إنتاج حقل ليفياثان، يعنيان عملياً تثبيت مصر بوابة لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، في لحظة يبحث فيها الغرب عن بدائل للغاز الروسي.
هذا التطور الذي يواكب احتدام الصراع على غاز المتوسط وترسيم الحدود البحرية بين قوى إقليمية أخرى مثل تركيا واليونان وقبرص وسوريا ولبنان وليبيا، عزز موقع القاهرة كمركز إقليمي للطاقة، لكنه في الوقت نفسه يوفّر الغطاء السياسي واللوجستي لمسار “الأنبوب العربي”. وليس تفصيلاً أن تكون شركة “شيفرون” الأميركية، المشغّلة لحقل ليفياثان، في صلب هذه المعادلة، ولا أن تُبدي اهتماماً متزايداً بالاستثمار في سوريا بعد لقائها الرئيس أحمد الشرع، ضمن اهتمام دمشق بحل مشكلة الطاقة عبر الغاز من أذربيجان أو قطر برعاية تركية، إلى حين حل مشاكل إنتاجه محليا.
ولفهم ما يحصل، يمكن العودة إلى التاريخ. ففي عام 2021، أبلغ آموس هوكشتاين، أحد كبار دبلوماسيي الطاقة في وزارة الخارجية الأميركية، بيروت بأن “خط الغاز العربي” مستثنى من عقوبات “قانون قيصر” الخاصة بسوريا، إلا أن وزارة الخزانة الأميركية رفضت منح الموافقات اللازمة. حالياً، ما عزّز إحياء هذا المسار هو إلغاء “قيصر” بعد تصويت الكونغرس وموافقة الرئيس ترمب.
أما جذور مشروع الغاز والهندسة الإقليمية، فتعود إلى الصفقة الأردنية–الإسرائيلية عام 2014 لـ”ترسيخ محور الاعتدال في الشرق الأوسط بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل”، إذ رعى هوكشتاين في 2012 مفاوضات بين تل أبيب وعمّان، أسفرت عن اتفاق بين شركة الكهرباء الأردنية وتجمع شركات حقل ليفياثان، ممثلة بشركة أميركية لتوفير الغاز لإنتاج الكهرباء.
وتوالت بعد ذلك اتفاقات بين شركات مصرية وإسرائيلية، إلى أن تم التوصل مطلع عام 2018 إلى اتفاق الغاز الثنائي، ثم أعلنت القاهرة أن “استيراد الغاز من إسرائيل يجعلها مركزاً إقليمياً للطاقة ولاعباً في غاز شرق المتوسط”، عبر إعادة تصديره إلى أوروبا، وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط مطلع عام 2019.
حاليا، لا يعكس موت “قانون قيصر” وإحياء الغاز الإسرائيلي و”الأنبوب العربي” والربط الكهربائي السوري-الأردني-اللبناني انفراجاً تقنياً، بل تحولاً استراتيجياً ترمي واشنطن عبره إلى ربط ملفات الطاقة والجغرافيا والمياه الإقليمية لهندسة الشرق الأوسط. سوريا تعود إلى الخريطة بوصفها عقدة عبور وتنافس، ولبنان يُدفع نحو مسار اقتصادي–تفاوضي يحدّ من نفوذ “حزب الله”، ومصر تُكرَّس مركزاً إقليمياً للطاقة، والأردن ممرا للغاز والكهرباء، فيما يتحول الغاز إلى لغة السياسة الجديدة. طاقة مقابل استقرار، واقتصاد مقابل نفوذ، في لحظة تعيد فيها واشنطن رسم أدواتها وأولوياتها في المنطقة.
المجلة
—————————-
من العقاب إلى الاحتواء: ماذا يعني إلغاء “قيصر” لمسار سوريا السياسي؟/ معاذ الحمد
إلغاء “قيصر”.. مسار أميركي جديد بين التحوّل المؤسسي واستمرار القيود
2025-12-21
يُنظر إلى إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن تشريع الدفاع بوصفه مؤشراً على تحوّل في مقاربة واشنطن للملف السوري، حيث بات مرتبطاً بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، مع فتح نافذة سياسية واقتصادية أمام الحكومة السورية الانتقالية. وفي مقابل الحديث عن فرصة لتعزيز الشرعية وإعادة الإعمار، تبرز مقاربات تؤكد أن هذه الخطوة لا تغيّر توازنات القوى الإقليمية، ولا تلغي أدوات الرقابة والمساءلة، ولا تنهي التباينات الدولية حول مستقبل سوريا وملفاتها الشائكة.
تحوّل أميركي
في هذا السياق، أقرّ مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي، مشروع قانون إلغاء عقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا، ضمن التصويت على تفويض الدفاع للعام الجديد، بعد مداولات عديدة وإعادة للتصويت مرتين، حيث صوّتت غالبية أعضاء المجلس لصالح مشروع القانون.
في قراءة أميركية لهذا التطور، تقول هبة القدسي، مديرة مكتب جريدة الشرق الأوسط في واشنطن، لـ”963+” إن إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن قانون ميزانية الدفاع، يشكّل “دليلاً واضحاً على تحوّل جوهري في أولويات الكونغرس تجاه سوريا”، معتبرة أن هذا التطور يعكس رؤية جديدة لدمشق بوصفها “شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار الإقليمي”، وليس دولة عدوة كما كان يُنظر إليها سابقاً.
وتوضح القدسي أن وضع الإلغاء ضمن ميزانية الدفاع، لا في تشريع منفصل، “يعكس قناعة متنامية داخل الكونغرس بأن الملف السوري بات جزءاً من الأمن القومي الأميركي، المرتبط بأمن إسرائيل ومحاربة تنظيم داعش، وليس مجرد أداة عقابية ذات طابع إنساني”.
وفي ما إذا كان هذا التحول مؤسسياً أم ظرفياً مرتبطاً بإدارة الرئيس دونالد ترامب، تقول القدسي إن “المؤشرات تدل على مزيج من العاملين”، مشيرة إلى أن الإلغاء جاء نتيجة جهود ديبلوماسية مكثفة من الحكومة السورية الانتقالية، مدعومة بالشتات السوري وضغوط إقليمية من حلفاء واشنطن، إلى جانب تعهّدات مباشرة من ترامب عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مايو 2025، وإصداره أمراً تنفيذياً مؤقتاً في يونيو الماضي”.
وتضيف أن “التصويت الواسع داخل مجلس النواب، بدعم من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يعكس توافقاً مؤسسياً يتجاوز الإدارة الحالية”، لافتة إلى أن الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون بعد انتخابات 2024 “يرى في إلغاء قيصر فرصة لإعادة توجيه الموارد الأميركية نحو تهديدات أكبر مثل الصين، مع الحفاظ على رقابة تشريعية صارمة”.
وفي مقابل هذه القراءة، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر، رئيس المركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث في بيروت، لـ”963+” إن إلغاء القانون “لن يؤثر على توازنات القوى الإقليمية”، لكنه سيسهم بشكل مباشر في “مساعدة سوريا على إعادة الإعمار واستعادة عافيتها الاقتصادية”.
رقابة مستمرة
وفي ما يتعلق بآليات الرقابة، تؤكد القدسي أن المراجعات الدورية كل 180 يوماً تُعد “أداة كلاسيكية للرقابة التشريعية تهدف إلى موازنة السلطات”، موضحة أن القانون يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير تثبت التزام الحكومة السورية بمحاربة “داعش”، وحماية حقوق الأقليات، ومنع التجنيد الأجنبي، وعدم الانخراط في أعمال عسكرية غير مبررة ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، مع إمكانية إعادة فرض عقوبات جزئية في حال الإخلال بهذه الشروط.
وترى القدسي أن هذه الآلية تمثل “مزيجاً من الضغط السياسي وضمان الالتزام”، معتبرة أنها تشكل “عصاً معلّقة” فوق الحكومة السورية الانتقالية لدفعها نحو الإصلاحات الداخلية والتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه أداة يضمن بها الكونغرس استمرارية السياسة الأميركية تجاه سوريا عبر الإدارات المقبلة.
وفي الشأن الإقليمي، تقول القدسي إن إلغاء قانون قيصر “يندرج ضمن استراتيجية احتواء ذكي تستهدف تقليص النفوذ الروسي والإيراني في سوريا”، خاصة في ظل محاولات موسكو الحفاظ على قواعدها العسكرية، وتراجع نفوذ طهران بعد سقوط النظام السابق، مشيرة إلى أن الدعم المالي الأميركي المرافق للإلغاء “يهدف إلى تعزيز الحكومة الانتقالية ومنع الانهيار الاقتصادي الذي قد يعيد إنتاج الفوضى والإرهاب”.
رهانات داخلية
وفي السياق الداخلي السوري، يقول سامر كعكرلي، سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي السوري، لـ”963+” إن البيان القانوني المتعلق برفع العقوبات يشكّل “نصاً قصيراً لكنه يفتح نافذة مهمة لتعزيز شرعية الحكومة الانتقالية، داخلياً وخارجياً”، معتبراً أن هذه الخطوة تعبّر عن سعي الطبقة السياسية إلى استعادة أدوات الدولة وإعادة وضعها في حالة توازن داخل المنظومة الدولية.
ويوضح كعكرلي أن البعد الخارجي لرفع العقوبات يتمثل في “محاولة إثبات قدرة الدولة السورية على مواجهة التحديات، والتعامل معها كجزء من المجتمع الدولي”، لافتاً إلى أن تراجع النفوذ الروسي والإيراني، ولا سيما في قطاع النفط، يتيح هامشاً أوسع للسياسة الخارجية السورية لتكون “أكثر استقلالية أو أقل ارتباطاً بمصالح قوى خارجية”.
وعلى المستوى الداخلي، يرى كعكرلي أن تحسن مستوى المعيشة بعد عام على تشكيل الحكومة الانتقالية “قد يسهم في تعزيز شرعيتها الشعبية”، مؤكداً أن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً للمطالبة بإصلاحات أوسع، تشمل رفع كفاءة الإدارة، وتحسين الخدمات، وإلغاء القيود التي فرضتها العقوبات، إلى جانب الالتزام بخطط اقتصادية واضحة، وتنشيط التبادل التجاري، وإطلاق برامج تدريبية، وتفعيل مؤسسات الرقابة.
وفي مقابل الرهانات الاقتصادية، يحذر كعكرلي من تحديات مؤسسية قد تواجه الحكومة الانتقالية، أبرزها “خطر استبدال النفوذ الداخلي بنفوذ خارجي ناجم عن تدفق رؤوس الأموال من دون أطر رقابية قوية، ما قد يؤدي إلى نشوء مصالح جديدة ومستويات فساد مختلفة، إضافة إلى احتمالات الفوضى وضياع الحقوق القانونية في ظل غياب الخبرة المؤسسية، والضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة”.
ويؤكد أن تدفق الاستثمارات “لا يصنع دولة بحد ذاته”، بل يجب أن يُستخدم كأداة لتحسين أداء المؤسسات، من خلال الاعتماد على كوادر أكاديمية ومحاسبية متخصصة، وتوزيع الموارد بشكل عادل، مشيراً إلى أن تزايد المطالب الشعبية بتحسين مستوى المعيشة سيشكل أحد أكبر التحديات في المرحلة المقبلة.
ويشدد كعكرلي على ضرورة أن تتجاوز الحكومة الانتقالية هذه التحديات عبر “اشتراط نقل التكنولوجيا مع الاستثمارات، وتطبيق مبادئ الحوكمة، وتعزيز الرقابة الإدارية، وإصلاح القطاع العام ليبقى خزان خبرة في مواجهة التوسع المتوقع للقطاع الخاص، ولا سيما الأجنبي”، مشدداً على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية والتشريعية فوراً باعتبارها “صمام أمان” أمام موجة عقود إعادة الإعمار المرتقبة.
وفي ما يتعلق بملف المحاسبة والعدالة الانتقالية، يؤكد كعكرلي أن رفع العقوبات يجب أن يكون مشروطاً بمعايير واضحة للمساءلة، محذراً من أن الانفتاح الاقتصادي قد يتحول إلى ذريعة لتجاوز هذا الملف تحت عناوين إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات، إذا لم يُرفق بخطط شفافة ومؤسسية لمتابعة الجرائم.
ويختم كعكرلي بالقول إن “رفع العقوبات القسرية ليس نهاية الطريق”، مؤكداً أن الحكومة الانتقالية المنشودة “ليست حكومة صفقات دولية، بل حكومة توزيع عادل للموارد على السوريين”.
وفي مقاربة موازية للمشهد الإقليمي، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر لـ”963+” إن أدوار القوى الإقليمية في الملف السوري ما تزال متباينة، مشيراً إلى أن “تركيا في موقع، والسعودية في موقع آخر، وإيران في موقع مختلف أيضاً”، مؤكداً أن لكل دولة مصالحها الخاصة في مسار الانتقال السياسي السوري، بين الدعم والعرقلة.
وحول المخاطر الإقليمية المحتملة لرفع العقوبات، يرى جابر أن التباين بين واشنطن وبعض العواصم الإقليمية “أمر حتمي”، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل شرق الفرات، ودور “قسد”، والوجود العسكري المتعدد داخل الأراضي السورية، إلا أنه يؤكد أن هذا التباين “لن ينعكس سلباً على مسار رفع العقوبات”.
ويختم جابر بالقول إن “الاختلافات الإقليمية والدولية ستستمر”، لكنها “لن تشكل عائقاً أمام تخفيف أو رفع العقوبات، طالما أن القرار الأميركي يسير في هذا الاتجاه”.
وكان قد أعرب النائب الأميركي جو ويلسون عن امتنانه لإقرار الإلغاء الكامل لقانون “قيصر”، معرباً عن تطلعه لإقراره سريعاً في مجلس الشيوخ ثم توقيعه من الرئيس الأميركي، مشيراً إلى أن الإلغاء جاء شاملاً ودون أي شروط بعد إزالة بند إعادة فرضه تلقائياً، وتحويل صلاحية فرض العقوبات إلى الرئيس الأميركي بحق أفراد بدلاً من القانون.
وبحسب وكالة “سانا” الرسمية، جاء هذا التطور عقب جهود ديبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة ومنظمات سورية أميركية، إضافة إلى مساندة دول شقيقة وصديقة، علماً أن “قانون قيصر” الصادر عام 2019 فرض عقوبات واسعة استهدفت أفراداً ومؤسسات مرتبطة بنظام بشار الأسد حتى الإطاحة به أواخر عام 2024.
+963
—————————–
“عين الصقر”.. ضربة أميركية تتجاوز “داعش” إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في سوريا/ أغيد حجازي
20 ديسمبر 2025
شكّلت الضربة الأميركية، التي نُفذت تحت اسم “عين الصقر” ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا منتصف ليلة الجمعة–السبت بمشاركة أردنية، محطة مفصلية في مسار التعاطي الأميركي مع الملف السوري. لم تقتصر أهميتها على مكافحة الإرهاب، بل تعدّت ذلك لتشمل الرسائل السياسية والأمنية المرافقة لها.
وجاءت العملية عقب هجوم تدمر، الذي أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني، وأعادت تثبيت الحضور العسكري الأميركي. كما فتحت الباب أمام قراءات أوسع تتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية، ودور الحكومة الانتقالية، وحدود القوة في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
رسائل مفتوحة: الضربات كأداة ردع واستمرارية
يرى المحلل السياسي محمد هويدي في حديث لموقع “الترا صوت” أن التصريحات الأميركية التي تحدّثت عن احتمال “استمرار العمليات العسكرية لأسابيع أو حتى أشهر” تحمل رسائل واضحة وحاسمة إلى مختلف القوى التي تعتبرها واشنطن مهدِّدة لمصالحها في سوريا، سواء كان تنظيم “داعش” أو قوى أخرى.
ويشرح هويدي أن هذه الرسائل تعكس توجّهًا أميركيًا لإبقاء خيار الضربات العسكرية حاضرًا كلما دعت الحاجة، بهدف تأكيد الحضور الأميركي والاستمرارية، واستهداف أي قوة تُصنَّف معادية أو مهدِّدة. ويعتبر أن الضربات الأميركية ستبقى بمثابة “عصا” تُلوّح بها واشنطن في وجه الفصائل التي قد تفكّر بالتمرّد، سواء كان ذلك ضد الحكومة الانتقالية أو حتى باسم دعمها.
غطاء سياسي وتحذير مبطّن للفصائل
ويلفت هويدي إلى أن صياغة التصريحات الأميركية، التي تربط الوضع السوري بخطر الإرهاب وعودة “داعش”، تحمل دلالتين أساسيتين: “الأولى، منح غطاء سياسي واضح للرئيس السوري أحمد الشرع، والثانية، توجيه رسالة مباشرة إلى أي فصيل يفكّر بالتمرّد عليه، مفادها أن تصنيفه كقوة “داعشية” يبقى خيارًا مطروحًا، مع ما يستتبعه ذلك من استهداف عسكري مباشر”.
ويرى أن” هذا الربط بين الاستقرار السوري وخطر الإرهاب يمنح الولايات المتحدة هامش حركة واسعًا في التدخل العسكري متى شاءت، تحت مظلة مكافحة داعش”.
تحوّل في المقاربة ورسائل إلى الداخل الأميركي
ويعتبر هويدي أن هذه التطورات تعكس تغيّرًا ملحوظًا في المقاربة الأميركية، لا سيما بعد عمليات التدمير الأخيرة، مشيرًا إلى أن الرسائل لا تقتصر على الداخل السوري فقط، بل تمتد إلى الداخل الأميركي أيضًا.
ويضيف أن اقتراب الانتخابات النصفية يدفع إدارة دونالد ترامب إلى التشديد على خطاب “فرض السلام بالقوة”، وهو خطاب يحظى بقبول لدى شريحة واسعة من الناخبين، وقد يشكّل عنصرًا مؤثرًا في مسار تلك الانتخابات.
أسئلة مفتوحة: أين داعش اليوم؟
وبحسب هويدي، فإن الضربات الأميركية ستبقى أداة ضغط وردع موجّهة ضد كل قوة متمرّدة أو تفكّر بالتمرّد على السلطة الانتقالية، لكنه في المقابل، طرح تساؤلات مهمة حول عدم تبنّي “داعش” لعملية التدمير الأخيرة، وما إذا كان هذا قد يمهّد لردّات فعل عبر هجمات إرهابية تستهدف العمق السوري.
وأوضح هويدي أن التنظيم، كمنظومة وهيكلية عسكرية، انتهى فعليًا، لكنه لا يزال يعتمد على الخلايا النائمة و”الذئاب المنفردة”، إضافة إلى استمرار الفكر الداعشي. وتساءل عمّا إذا كان هذا الواقع سيؤدي إلى تنفيذ عمليات إرهابية داخل المحافظات السورية، مشيرًا إلى أنّ التنظيم “تغلغل في العمق السوري ووصل إلى مختلف المحافظات”.
وختم هويدي بالقول إن هذه التساؤلات ستظل حاضرة بقوة في المرحلة المقبلة، مرجّحًا أن تشهد الفترة القادمة تطورات ملموسة في ملف “داعش” والقوى المتعاطفة معه داخل سوريا.
التنسيق مع دمشق: تحوّل نوعي في مكافحة الإرهاب
من جانبه، يرى الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، فراس حاج يحيى، في حديثه لموقع “الترا صوت” أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، تحمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية.
ويوضح حاج يحيى أن هذه الضربات تشكّل، رسالة واضحة مفادها أن تنظيم “داعش” لا يزال تهديدًا عابرًا للحدود، وأن محاولاته العودة عبر عمليات نوعية، كعملية تدمر، لن تمرّ دون ردّ حاسم.
منطق الدولة بدل الفوضى
ويشير، إلى أن العملية تعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة “مكافحة الإرهاب”، يقوم على الشراكة مع الدولة السورية بدل تجاوزها، وهو ما يعزّز منطق الدولة في مواجهة الفوضى والتنظيمات العابرة للحدود.
ويضيف، أن هذه الضربات لا يمكن قراءتها بوصفها عملًا عسكريًا مجرّدًا، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تثبيت معادلة واضحة تقوم على عدم السماح بوجود فراغ أمني في سوريا، وعدم التسامح مع إعادة إنتاج الإرهاب، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الإقليمي ككل.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة نفذت ردًا انتقاميًا بالغ الشدة ضد تنظيم “داعش” ردًا على هجوم تدمر الأسبوع الماضي.
وأضاف ترامب، في منشور عبر منصة “تروث سوشيال”: “نحن نوجّه ضربات قوية للغاية ضد معاقل داعش في سوريا، وهي أرض غارقة بالدماء وتواجه الكثير من المشكلات، لكنها تملك مستقبلًا مشرقًا إذا جرى القضاء على داعش”، وتابع: “إن حكومة سوريا، بقيادة رجل يعمل بجدّ كبير لإعادة العظمة إلى سوريا، تدعم ذلك بالكامل”.
واشنطن و”السلام بالقوة”
في السياق ذاته، قال الدكتور سامر الصفدي، عضو المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار، إن الضربات الأميركية الأخيرة حظيت بتفاعل ودعم كبيرين، ولا سيما عقب وصول رفات ضحايا الاعتداء إلى واشنطن.
وأوضح الصفدي في حديث لموقع “الترا صوت” أنه تحدّث مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال استقباله والوفد المرافق له في واشنطن، حيث أكد ترامب، بحسب الصفدي، أنه يسعى إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط “من خلال القوة”، وأنه عازم على القضاء على تنظيم “داعش”.
وأضاف أن النقاشات تطرّقت إلى الضربات الأميركية الأخيرة، وإلى مسألة “الثأر” بعد استلام رفات الجنود الأميركيين، مشيرًا إلى أن تلك النقاشات عكست موقفًا أميركيًا واضحًا حيال الضربات ودورها في المرحلة المقبلة.
ضربة “عين الصقر” مرشّحة للاستمرار
أفادت وسائل إعلام أميركية بأن عملية “عين الصقر”، التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد خلايا تنظيم “داعش” في سوريا بعد منتصف ليل الجمعة–السبت، مرشّحة للاستمرار لعدة أسابيع، وربما تمتد إلى نحو شهر.
ونقلت شبكة “NBC News” عن مسؤول أميركي قوله إن الضربات الجوية الأميركية على مواقع التنظيم في البادية السورية يُتوقع أن تتواصل لفترة طويلة، في إطار الرد على الهجوم الذي استهدف قوات أميركية وسورية في مدينة تدمر السبت الماضي، وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين وسوري واحد.
وأوضح المسؤول أن العملية تهدف إلى استهداف المناطق التي يسعى تنظيم “داعش” من خلالها إلى إعادة تنظيم صفوفه، والعمل على تفكيك خلاياه واقتلاعها، وتدمير بنيته ومواقعه على نطاق واسع.
ترسيخ معادلة القوة الأميركية في سوريا
بين رسائل الردع الواضحة، والتحوّلات المتسارعة في مقاربة مكافحة الإرهاب، وتشابك الاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية، تتجاوز ضربة “عين الصقر” كونها عملية عسكرية محدودة تستهدف تنظيم “داعش”. فوفق قراءات الخبراء، تمثّل هذه الضربة خطوة مدروسة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في سوريا، وتكريس معادلة جديدة قوامها منع عودة التنظيمات المتطرّفة، وعدم السماح بظهور أي فراغ أمني، إلى جانب تثبيت حضور أميركي فاعل وجاهز للتدخّل كلما اقتضت المصالح والظروف.
الترا صوت
————————-
“عين الصقر” في ميزان الميدان.. قراءة في السياق العسكري للضربة الأميركية على داعش/ أغيد حجازي
21 ديسمبر 2025
أعادت الضربة الأميركية التي نُفذت تحت اسم “عين الصقر” ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا فتح النقاش حول طبيعة المقاربة العسكرية الأميركية في مواجهة التنظيم، لا سيما أنها جاءت ردًا على هجوم تدمر. فالعملية لم تبرز فقط من حيث كثافة النيران ونوعية الوسائط المستخدمة، بل حملت أبعادًا تتجاوز الردّ العسكري المباشر، لتطرح أسئلة حول فعاليتها، وحدودها العملياتية، وإمكان تحوّلها إلى مسار طويل الأمد في قتال تنظيم بات يعتمد على الخلايا النائمة و”الذئاب المنفردة”.
بين توصيف واشنطن للعملية كرسالة ردع محسوبة، وتقديرات الخبراء العسكريين، تتباين القراءات حول ما إذا كانت “عين الصقر” بداية مرحلة جديدة أم مجرّد حلقة في سلسلة ضربات مؤقتة.
ضربات دقيقة وتخطيط مسبق: انتقال نحو حرب الاستنزاف
يرى الخبير في الشؤون العسكرية محمد عباس، في حديثه لموقع “الترا صوت”، أن الضربات الأميركية الأخيرة ضد تنظيم داعش شكّلت “عنوانًا عريضًا” من حيث الحجم والنوعية، مشيرًا إلى مشاركة مقاتلات من طراز (F-15)، واستخدام صواريخ دقيقة مثل (HIMARS) أو (ATACMS)، أُطلقت من مناطق قريبة من الحدود الأردنية، ما يعكس مستوى عاليًا من الدقة والتخطيط المسبق.
ويوضح عباس أن طبيعة هذه الأسلحة تؤكد أن الأهداف كانت محددة ومرصودة مسبقًا، سواء كانت أهدافًا نقطية أو مساحية، ما يعني أن مواقع وجود عناصر التنظيم كانت معروفة، وأن الاستهداف جاء بعد عمليات رصد وانتظار وتحديد إحداثيات دقيقة. ويعتبر أن ذلك يشير إلى احتمال انتقال التحالف الدولي نحو نمط من الضربات المتواصلة والمتلاحقة، بما يفضي إلى إنهاء الوجود الفعلي للتنظيم في الجغرافيا السورية والعراقية.
ويشدد عباس على أن قتال “داعش” يجب أن يكون عملية مستمرة ومتصلة، لا مجرّد ردود فعل ظرفية أو حملات انتقامية، محذرًا من أن التعامل مع التنظيم بمنطق العمليات المؤقتة “غير مستحسن” إذا كان الهدف هو القضاء عليه جذريًا.
ما بعد “القوة الصلبة”: الحاجة إلى مقاربة شاملة
إلى جانب البعد العسكري المباشر، يلفت عباس إلى أن مواجهة داعش لا يمكن أن تعتمد على “القوة الصلبة” وحدها، بل يجب أن تترافق مع “قوة ناعمة” تشمل البُعد الاجتماعي والثقافي والقيمي، لمواجهة الفكر التكفيري وتجفيف منابعه.
ويؤكد أن الجمع بين القوتين الصلبة والناعمة هو السبيل الأكثر فاعلية على المدى البعيد، داعيًا إلى تنسيق أوسع مع الجيش السوري ودول الجوار، ولا سيما العراق، لضمان مقاربة شاملة ومستدامة.
عملية واسعة بكلفة عالية: هل تكفي القوة الجوية؟
من جهته، يرى العقيد والخبير العسكري مصطفى فرحات أن عملية “عين الصقر” جاءت، وفق التوصيف الأميركي، ردًا مباشرًا على هجوم استهدف دورية مشتركة للجيش السوري الجديد والقوات الأميركية، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم. ويشير إلى أن العملية، التي انطلقت بعد نحو ستة أيام من الهجوم، تميّزت باستخدام واسع للقوى والوسائط العسكرية، واستهدفت أكثر من 70 نقطة داخل الأراضي السورية.
ويعتبر فرحات، في حديثه لموقع “الترا صوت”، أن تنفيذ عمليات بهذا الحجم في مناطق شاسعة مثل البادية السورية، ولا سيما منطقة الحماد، يُعد مكلفًا للغاية من الناحية العسكرية، ويتعارض مع مبدأ “الاقتصاد بالقوى” المعتمد في العقائد العسكرية.
وبرأيه، فإن ملاحقة تنظيم يعمل بمنطق الخلايا النائمة و”الذئاب المنفردة” باستخدام قوى كبرى، لن تحقق سوى نتائج جزئية ومحدودة.
الحسم يبدأ من الأرض
يشدد فرحات على أن الجهة القادرة فعليًا على محاربة داعش ومنعه من إعادة التمركز هي القوى المحلية، مؤكدًا أن دعم الجيش السوري الجديد وتحقيق الاستقرار يمثلان عاملين حاسمين في القضاء على التنظيم. ويضيف أن تعدد الجيوش، ووجود مناطق خارج سيطرة الدولة، إلى جانب التدخلات الأجنبية، كلها عوامل تعيق بسط السيطرة الكاملة ومكافحة الإرهاب بفاعلية.
ويخلص فرحات إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما إعلان القضاء على داعش عام 2019 ثم عودته لاحقًا، تثبت أن التنظيم لا يمكن إنهاؤه عبر التدخلات العسكرية الخارجية وحدها، مؤكدًا أن الجندي على الأرض يبقى العامل الحاسم في أي معركة طويلة الأمد ضد التنظيمات المتطرفة.
الترا صوت
——————————–
ماذا بعد رفع العقوبات الأميركية “قانون قيصر” عن سوريا؟/ محمد طه الأحمد
يمثل رفع الجزء الأكبر من العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، ولا سيما تلك المرتبطة بـ”قانون قيصر”، تحولا مهما في المشهدين الاقتصادي والسياسي السوريين.
ويأتي هذا التطور في سياق جهود دبلوماسية سورية اعتمدت مقاربة أكثر توازنا، سعت من خلالها إلى الوفاء بعدد من الالتزامات التي تتقاطع مع تطلعات المجتمع السوري ومتطلبات الانفتاح الدولي، ما أفضى إلى تخفيف ملموس للعقوبات التي أقرت خلال المرحلة السابقة.
ومن المتوقع أن تنعكس هذه الخطوة على مختلف المستويات الداخلية والخارجية، ويمكن تناول آثارها ضمن ثلاثة محاور رئيسية: اقتصادية، واجتماعية، وسياسية.
الاستفادة الفعلية من رفع العقوبات تبقى مرهونة بتنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، تشمل تحديث قانون الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية وتسريع إنجاز المعاملات الحكومية
الآثار الاقتصادية
انتعاش اقتصادي نسبي على المدى القصير
من شأن رفع العقوبات أن يسهم في تحسين سعر صرف الليرة السورية، نتيجة زيادة تدفقات العملة الأجنبية عبر الحوالات من المغتربين وعودة جزء من النشاط المالي الخارجي.
ويؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقرار النقدي، في ظل اتساع عرض القطع الأجنبي مقابل ثبات نسبي في الكتلة النقدية المحلية، بما ينسجم مع آليات العرض والطلب في سوق الصرف.
كما يتيح تخفيف القيود فتح قنوات أوسع للتجارة الخارجية وتقليل كلفة المعاملات المالية التي كانت تمر عبر وسطاء غير مباشرين أو مسارات مرتفعة التكاليف، إضافة إلى تسهيل حركة التحويلات المالية عبر النظام المصرفي الدولي، ما ينعكس إيجابا على النشاط التجاري والاستثماري.
تحفيز الاستثمارات وإعادة الإعمار
يساعد رفع العقوبات في تقليص مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار في سوريا، ما قد يفتح المجال أمام استثمارات إقليمية ودولية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنفط والبنية التحتية والخدمات المالية، بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية.
ومن المتوقع كذلك أن تشهد المرحلة المقبلة تدفقا لرؤوس أموال سورية من الخارج، إضافة إلى استثمارات من بعض الدول العربية، ولا سيما الخليجية، في إطار المساهمة في إعادة الإعمار. ويعزز ذلك من جاذبية السوق السورية، بوصفها سوقا غير مشبعة وقادرة على استيعاب استثمارات بمستويات وأحجام مختلفة.
تحديات هيكلية قائمة
رغم الآفاق الإيجابية، فإن الاستفادة الفعلية من رفع العقوبات تبقى مرهونة بتنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، تشمل تحديث قانون الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية وتسريع إنجاز المعاملات الحكومية، إضافة إلى توضيح الأطر القانونية والمؤسسية الناظمة لدخول الاستثمارات.
كما أن قطاعات رئيسية تضررت بشدة، مثل الطاقة والمصارف، ستحتاج إلى وقت طويل ورؤوس أموال كبيرة لإعادة تأهيلها، ما يجعل التعافي الكامل عملية تدريجية وليست فورية.
يشكل تحسن الأوضاع الاقتصادية أحد العوامل الأساسية المشجعة على عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وأوروبا. وتساهم هذه العودة في تخفيف الضغوط عن الدول المستضيفة
الآثار الاجتماعية
تحسن تدريجي في مستوى المعيشة
يسهم تخفيف العقوبات في كبح معدلات التضخم نسبيا وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين مع زيادة الحوالات الخارجية وتوافر السلع في الأسواق، وينعكس ذلك تحسنا تدريجيا في مستوى المعيشة، مدفوعا بتعافٍ جزئي في النشاط الاقتصادي والتمويلي.
كما قد يؤدي توسع الاستثمارات إلى زيادة الطلب على اليد العاملة بمختلف مستوياتها (الماهرة وشبه الماهرة وغير الماهرة)، ما يساهم في تخفيف معدلات البطالة وتحقيق قدر من الاستقرار الاجتماعي.
عودة محتملة للاجئين والمهجرين
يشكل تحسن الأوضاع الاقتصادية أحد العوامل الأساسية المشجعة على عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وأوروبا. وتساهم هذه العودة في تخفيف الضغوط عن الدول المستضيفة، وفي الوقت ذاته تدعم إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي داخل سوريا، بشرط توافر بيئة معيشية وخدمية مستقرة.
تحديات اجتماعية مستمرة
مع ذلك، قد لا تكون آثار التحسن متوازنة أو سريعة لجميع الفئات. فالفجوات الهيكلية في سوق العمل والخدمات العامة لا تزال قائمة، وقد يؤدي التحسن الجزئي إلى ارتفاع سقف التوقعات، خاصة لدى فئة الشباب والمهنيين، دون قدرة فورية على تلبيتها، ما يستدعي سياسات اجتماعية مرافقة لإدارة هذه المرحلة الانتقالية.
من المحتمل أن يشجع الموقف الأميركي دولا أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه سوريا، سواء عبر تخفيف إضافي للعقوبات أو توسيع قنوات التعاون، كما حدث جزئيا في مواقف سابقة لبعض الأطراف الدولية
الآثار السياسية
تعزيز موقع الحكومة الانتقالية دوليا
يمثل رفع العقوبات مؤشرا على تحول نسبي في الموقف الدولي تجاه سوريا، ويمنح الحكومة الانتقالية هامشا أوسع من الشرعية السياسية والدبلوماسية، كما يعكس اعترافا بإمكانية انخراط سوريا مجددا في التفاعلات الإقليمية والدولية، نتيجة الجهود الدبلوماسية التي بذلتها مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارة الخارجية والمغتربين.
وقد يسهم ذلك في فتح مسارات تعاون جديدة مع دول الشرق الأوسط وأوروبا، ويخفف من حدة العزلة السياسية التي سادت خلال السنوات الماضية.
تراجع تدريجي للعزلة الدولية
من المحتمل أن يشجع الموقف الأميركي دولا أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه سوريا، سواء عبر تخفيف إضافي للعقوبات أو توسيع قنوات التعاون، كما حدث جزئيا في مواقف سابقة لبعض الأطراف الدولية. ويعزز ذلك من فرص عودة سوريا للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في محيطها الإقليمي.
ضغوط سياسية داخلية وخارجية
في المقابل، قد يرافق رفع العقوبات تصاعد في الضغوط الدولية المرتبطة بملفات حقوق الإنسان ومكافحة الفساد والإصلاحات السياسية والإدارية، وقد تثير هذه الضغوط نقاشات داخلية حول مسارات الانتقال السياسي وأولوياته.
وهنا يبرز التحدي الأساسي في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الانفتاح الخارجي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، عبر تبني سياسات واضحة لمكافحة الفساد وتقليص البيروقراطية وتعزيز العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، بوصفها ركائز أساسية لأي مرحلة تعافٍ مستدام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا 2025
الجزيرة
———————-
رفع العقوبات عن سوريا: تحول أميركي حذر يفتح باب الاستقرار/ محمد الشهراني
بين الانفراج الإنساني والطموح الاستثماري يرى خبراء أن القرار يؤسس لمسار تدريجي لإعادة الأمن والاقتصاد ضمن مقاربة جديدة مشروطة بالحوكمة والتفاهمات الإقليمية
السبت 20 ديسمبر 2025
يرى عضو البرلمان العربي وعضو مجلس النواب البحريني الدكتور هشام أحمد العشيري أن قرار إلغاء العقوبات يمثل تطوراً لافتاً في المقاربة الأميركية، ويعكس إدراكاً متزايداً لمحدودية فاعلية سياسة العقوبات الشاملة، التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية، وأسهمت في تعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف السوري، فتح قرار رفع العقوبات المفروضة على دمشق نقاشاً واسعاً حول تداعياته الإنسانية والاقتصادية والأمنية، وسط تقديرات بأن الخطوة تمثل تحولاً مهماً في المقاربة الأميركية، من دون أن تعني انفراجاً فورياً أو حلاً شاملاً للأزمة.
ويرى خبراء ومحللون في تصريحات لـ”اندبندنت عربية” أن القرار يؤسس لمسار تدريجي لإعادة الاستقرار، ويضع سوريا أمام مرحلة جديدة مشروطة بالحكم الرشيد، والاستقرار الأمني، وإصلاح البيئة الاقتصادية.
يؤكد مدير مركز تقدم للحوار والتنمية وبناء السلام عبدالله الغضوي أن المقاربة الأميركية تجاه سوريا تشهد تحولاً واضحاً مقارنة بستة عقود مضت، مشيراً إلى أن السياسة الحالية باتت تتعامل مع سوريا ضمن ما يمكن وصفه بـ”المظلة الأمنية الأميركية”.
ويوضح الغضوي أن دخول أي دولة ضمن التحالف الدولي لا يتم إلا بموافقة واشنطن، مما يعني وجود رعاية أميركية كاملة، لافتاً إلى أن مشاركة سوريا في منتدى يضم نحو 20 دولة “موثوقة” يعكس مستوى متقدماً من الثقة والمسؤولية السياسية والأمنية.
ويضيف مدير مركز تقدم أن هذا التحول “يفرض على الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة في رفع العقوبات، وفي مقدمتها قانون قيصر”، مؤكداً وجود إرادة أميركية لأن تكون سوريا دولة آمنة ومستقرة، وهو ما يستدعي متابعة هذا المسار إقليمياً ودولياً، بما في ذلك وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، انسجاماً مع التوجه الأميركي لترسيخ الاستقرار في المنطقة.
بوابة تحسن الأوضاع
على الصعيد الاقتصادي والإنساني، يرى الغضوي أن إلغاء العقوبات يشكل عاملاً محورياً لتحسين الأوضاع، إذ كانت القيود المفروضة واحداً من أبرز العوائق أمام الاستثمار والعمل الاقتصادي خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الدول.
ويشير إلى أن الخطوة التالية لرفع قانون قيصر تتمثل في تحسين البنية التحتية الاقتصادية، من خلال السماح بدخول الأموال الخارجية، وبدء العمل بنظام “سويفت”، وهي إجراءات قد تبدو فنية لكنها تشكل ضمانة حيوية للاستقرار.
ويكشف عن فترة تقييم تمتد لثلاثة أشهر يعقبها استمرار رفع العقوبات، مما يفتح المجال أمام مستويات مختلفة من الاستثمار، تبدأ بالمستثمرين المحليين، وتحريك أموال مجمدة، وإعادة تشغيل قطاعات اقتصادية توقفت بسبب القيود.
ويقدّر الغضوي أن هذه التحركات قد ترفع مستوى الاقتصاد المحلي بنحو 10 في المئة في مرحلتها الأولى، تليها لاحقاً استثمارات خارجية، ثم استثمارات الدول، مرجحاً أن يشكل رفع العقوبات الكامل خلال تسعة أشهر “نهاية مسار الظلام الاقتصادي والإنساني في سوريا”.
وفي المقابل، يحذر الغضوي من توقع انفراج استثماري سريع، موضحاً أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يتحفظون بسبب عاملين رئيسين: الأول قانوني، وقد تمت معالجته إلى حد كبير برفع قيصر، والثاني أمني.
ويؤكد أن الضمانات الأمنية المرتبطة برفع العقوبات تشمل مشاركة جميع المكونات، وحماية الأقليات، ومكافحة تنظيم “داعش”، مما يمنح سوريا مكسبين متلازمين: استعادة الأمن، ثم التعافي الاقتصادي، قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار التي ستتطلب وقتاً أطول.
من جانبه، يرى عضو البرلمان العربي وعضو مجلس النواب البحريني الدكتور هشام أحمد العشيري أن قرار إلغاء العقوبات يمثل تطوراً لافتاً في المقاربة الأميركية، ويعكس إدراكاً متزايداً لمحدودية فاعلية سياسة العقوبات الشاملة، التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية، وأسهمت في تعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري.
أدوات الضغط على دمشق ستبقى
يشير العشيري إلى أن القرار لا يعني التخلي عن أدوات الضغط، بل الانتقال إلى نهج أكثر انتقائية ومرونة، يقوم على تخفيف القيود الاقتصادية العامة مع الإبقاء على آليات الاستهداف والمساءلة للأفراد والكيانات المتورطة في انتهاكات جسيمة. ويضيف أن هذا التوجه يوازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي والاعتبارات الإنسانية من جهة، والحسابات السياسية والأمنية من جهة أخرى.
ويؤكد أن الانخراط الاقتصادي المنضبط قد يكون أكثر فاعلية من سياسات العزل، موضحاً أن إلغاء العقوبات يمكن أن يخفف المعاناة في القطاعات الحيوية المرتبطة بحياة المواطن اليومية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، عبر تسهيل استيراد المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، وتقليص حالة الشلل التي أصابت الخدمات العامة.
ويشير العشيري إلى أن القرار قد يقلل من حالة “الإحجام المفرط” لدى المؤسسات المالية والشركات الدولية، التي كانت تتجنب التعامل مع سوريا حتى في المجالات الإنسانية، خوفاً من التعقيدات القانونية، مما قد يوسع نطاق العمل الإنساني والتنموي ويحسن كفاءة إيصال المساعدات.
وفي ملف إعادة الإعمار، يوضح العشيري أن رفع العقوبات يفتح نافذة مهمة لكنها مشروطة، تتطلب أطر حوكمة وشفافية واضحة، وضمان توجيه الموارد لخدمة المواطنين، بعيداً من الفساد واقتصاد الظل. ويضيف أن الرسالة الاقتصادية للقرار قد تسهم في تحريك الاقتصاد تدريجياً، خصوصاً عبر تقليص أخطار العقوبات الثانوية التي أعاقت الاستثمارات في قطاعات الطاقة والإعمار والخدمات.
عودة حذرة
ويرى أن القرار قد يشجّع عودة جزئية وحذرة لرؤوس الأموال السورية في الخارج، خصوصاً في الأنشطة التجارية والعقارية والخدمية، لكنه يحذر من المبالغة في توقع انتعاش سريع، مشدداً على أن بيئة الاستثمار لا تحكمها العقوبات وحدها، بل عوامل الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح التشريعات، وحماية المستثمرين، وسلامة النظام المصرفي.
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي وأستاذ المحاسبة بجامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجة أن إلغاء العقوبات يمثل خطوة بالغة الأهمية، لتخفيف المعاناة الإنسانية بعد سنوات من القيود التي أثقلت كاهل المواطنين، وقيّدت الاقتصاد، وأضعفت القطاعات الأساسية. ويشير إلى أن أولى النتائج الإيجابية تتمثل في تحسين الوصول إلى الغذاء والدواء والوقود، وتسهيل دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، وتحسين أداء المستشفيات والمراكز الصحية.
ويضيف أن رفع العقوبات يسهم في تنشيط الاقتصاد وتشجيع الاستثمارات، مما ينعكس على توفير فرص العمل وزيادة الدخل، ويقلل الاعتماد على المساعدات الإنسانية. ويؤكد أن القرار يسهل عمل المنظمات الإغاثية، ويحد من العوائق القانونية واللوجيستية التي كانت تعرقل وصول المساعدات.
ويخلص باعجاجة إلى أن إلغاء العقوبات لا يمثل حلاً شاملاً لكل الأزمات، لكنه يشكّل خطوة أساسية نحو تخفيف المعاناة الإنسانية، وتحسين ظروف المعيشة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً تمهّد لإعادة الإعمار والتعافي الاجتماعي.
————————————–
من هاجم القوات الأمريكية والسورية في تدمر… ذئب منفرد أم تنظيم «الدولة الإسلامية»؟/ منهل باريش
قد يسرع هجوم تدمر التوصل إلى اتفاق بين الأكراد ودمشق، ما سيشكل تحالفا قويا لـ«محاربة داعش»، فالتنظيم استغل الحرية التي أتاحها تغيير السلطة للخروج من ملاذه بهدف زعزعة الاستقرار.
في 26 آب/أغسطس 2021، وقبيل انتهاء مهمة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأربعة أيام فقط، شن تنظيم «الدولة الإسلامية» في خراسان هجوما انتحاريا مدويا على مطار حامد كرزاي الدولي في كابول. أسفر الهجوم عن مقتل 13 عسكريا أمريكيا، ونحو 170 مدنيا أفغانيا، معظمهم كانوا يتجمعون عند بوابة آبي، بحثا عن فرصة للإجلاء وسط الفوضى التي أعقبت سقوط الحكومة الأفغانية في يد حركة طالبان.
كان هؤلاء الجنود الـ13 آخر القتلى الأمريكيين في تلك الحرب الطويلة التي امتدت لعشرين عاما، وبدأت كرد فعل على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وانتهت بانسحاب مذل للقوات الأمريكية، تاركة خلفها ترسانة عسكرية تقدر بنحو 85 مليار دولار، وجيشا أفغانيا دربته واشنطن وأنفقت عليه مئات المليارات، لكنه انهار كقصر من ورق أمام تقدم طالبان.
في تلك اللحظات، شهد العالم مشاهد مأساوية لأشخاص يتعلقون بعجلات طائرات الشحن «سي-17» ويسقطون من السماء. لم يغير الهجوم خطط الانسحاب، بل دفع إلى تسريع الإجلاء تحت حراسة مشددة، مع تعزيز الإجراءات الأمنية لإكمال المهمة قبل 31 آب/أغسطس.
في سياق مشابه يحمل مفارقات عميقة، تعرض تجمع أمريكي-سوري مؤقت لهجوم في فرع الأمن الداخلي بمدينة تدمر الصحراوية في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري. أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين، ومترجم أمريكي من أصول عراقية يعمل لدى وزارة الدفاع الأمريكية، بالإضافة إلى إصابة ثلاثة آخرين.
نفذ الهجوم مسلح واحد، وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» أنه ينتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
تشكل الحادثتان مفارقة كبيرة. فهجوم تنظيم «خراسان» جاء في لحظة الانسحاب الأمريكي بعد عشرين عاما من الحرب؛ ولم يشنه أعداء الحرب التقليديون، بل وقع بينما كانت البلاد تسلم، بما فيها من بشر وحجر، إلى حركة طالبان.
أما في هجوم تدمر، فتتكرر بعض العناصر بصورة مختلفة: فأعداء الأمس أصبحوا يحكمون البلد، وتحولوا إلى جزء من معادلة «مكافحة التنظيم». ورغم أن الشقاق بدأ باكرا قبل 12 عاما وتوسع ليصبح حربا لا هوادة فيها، فإن المدهش أن القيادة السورية ستعمل بشكل رسمي ضمن صفوف «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، حسب ما أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، وحسب ما صرحت القيادة المركزية الأمريكية حول بدء العمليات المشتركة بينها وبين القوات الحكومية السورية.
وبخلاف ما يعتقد كثيرون، لن يغير هجوم تدمر خطة الرئيس دونالد ترامب لدعم الحكومة السورية الانتقالية. تجلى هذا الدعم في نعي ترامب للقتلى الأمريكيين، وتأكيده أن الإدارة السورية هي «أفضل الشركاء المحليين» لقتال التنظيم، رغم النخر الكبير في صفوف القوات الأمنية والعسكرية السورية من قبل العناصر المتشددة عموما، وليس «الدولة الإسلامية» وحدها.
وترامب، المعروف بعدم التراجع عن مصالحه، يدرك التحديات في صفوف شريكه السوري، لكنه لا يرغب في التخلي عنه إلا إذا كانت الكلفة كبيرة وغير محسوبة، أو إذا حدثت مفاجآت تتطاير شرارتها إلى الإقليم ودول الجوار، مثل تركيا والعراق وإسرائيل.
وفي رد على هجوم تدمر، أطلقت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» عملية عين الصقر، ليل السبت، ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا.
استهدفت قوات القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 70 هدفاً في مواقع متعددة في أنحاء وسط سوريا باستخدام طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية. حسب بيان القيادة التي نشر بالتزامن مع بدء العملية. وأضاف البيان أن القوات المسلحة الأردنية قدمت الدعم بطائرات مقاتلة. وزاد أن الهجوم جرى بالذخائر الدقيقة التي استهدفت «مواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة لتنظيم داعش».
وفي تفاصيل حادثة تدمر، أعلنت القيادة المركزية تعرض أفراد من الخدمة العسكرية الأمريكية إلى كمين في سوريا من قبل مسلح ينتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، بعد ساعات قليلة من الهجوم الذي وقع ظهر يوم 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري.
وفي بيان رسمي، أكدت مقتل جنديين ومدني أمريكي، وإصابة ثلاثة آخرين، إضافة إلى مقتل المسلح.
وتعد هذه الحادثة الثانية من نوعها منذ عام 2019، حين فجر انتحاري نفسه في مطعم «قصر الأمراء» وسط مدينة منبج، ما أدى إلى مقتل أربعة أمريكيين؛ ثلاثة منهم ينتمون إلى وزارة الدفاع، والرابع يعمل في شركة خدمات متعاقدة مع الوزارة.
من جهة أخرى، أفادت وزارة الداخلية السورية في بيان رسمي أن مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» ما تزال «أولوية قصوى» ضمن خطة الدولة لضبط الأمن وحماية المجتمع. وأكدت الوزارة استمرار العمل بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة ووزارة الدفاع، ومع «الشركاء الدوليين» حيث يلزم، في إطار تعزيز السلم الأهلي وبناء دولة العدالة والقانون.
وأوضحت الداخلية أن الهجوم وقع أثناء اجتماع ضم مسؤولين من «قيادة الأمن في البادية» مع وفد من قوات التحالف الدولي، لبحث آليات مكافحة التنظيم. وأضافت أن «شخصا تابعا لتنظيم «داعش» تسلل إلى موقع الاجتماع وأطلق النار على القوات المشتركة السورية-الأمريكية.
وأدانت الوزارة الهجوم «واستنكرته بشدة»، معتبرة أنه يستهدف «زعزعة الأمن والاستقرار وتقويض الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب». واختتم البيان بتقديم التعازي لأسر الضحايا وتمنى الشفاء العاجل للمصابين.
وفي وقت لاحق، نقلت وكالة «سانا» أن وزير الداخلية أنس خطاب عقد اجتماعا أمنيا رفيع المستوى لتقييم الوضع الأمني في تدمر في أعقاب الهجوم. وضم الاجتماع العميد سفيان محمد الشيخ صالح، رئيس الأمن في المنطقة الصحراوية، ومسؤولين آخرين، وركز على تقدير التهديدات وضمان سلامة المدنيين.
أما عن هوية المهاجم، فقد نفى بيان الداخلية السورية مقتل أي من عناصر الأمن السوريين، واكتفى بالقول إن عنصرين أصيبا بجروح. وحسب معلومات «القدس العربي»، فإن العنصرين أسعفا إلى مستشفى مدينة تدمر الذي أعيد ترميمه وتشغيله مؤخرا، وقدم لهما الفريق الطبي الإسعافات الأولية.
بالمقابل، نعت حسابات من بلدة الخشير وأبو الظهور بريف إدلب الشرقي، وأخرى من عشيرة البوعيسى، مقتل طارق الحمد في فرع الأمن الداخلي في البادية، وأشارت إلى أن أحد ضحايا الهجوم الذي شنه المهاجم المنتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».
غير أن مصدرا سوريا أكد لـ«القدس العربي» أن المهاجم ينتمي فعلا لقوات الأمن الداخلي في فرع البادية، وأشار إلى أن العنصر كان سابقا في تنظيم «حراس الدين» الموالي لتنظيم القاعدة، وكان معتقلا في سجون هيئة «تحرير الشام» في إدلب.
وهو ما أكده الباحث سلطان الكنج على حسابه على منصة «إكس»، إذ أشار إلى أنه سجن مدة ثلاث سنوات بتهمة الاحتطاب. ولفت الكنج إلى أن الحمد انتسب إلى جبهة النصرة وعمل معها عدة سنوات، والتحق بجهاز الأمن العام في طرطوس قبل أن ينتقل إلى فرع تدمر.
عدم انتماء الحمد إلى «الدولة الإسلامية» مسألة محتملة، وما يثير التساؤلات حولها أن التنظيم خلال الأسبوعين الأخيرين تبنى ثلاث عمليات ضد القوات الحكومية بعد أقل من 24 ساعة على تنفيذها في سراقب ومعرة النعمان والزربة على طريق حلب–دمشق المعروف بـ«M5»، فيما أحجم عن تبني عملية تدمر.
وهو ما يرجح أن يدرج المهاجم تحت مسمى «الذئاب المنفردة» التي تشبعت بافكار السلفية الجهادية، حيث تنقل بين تنظيماتها والتحق بأخر نسخها «حراس الدين» الموالي لتنظيم القاعدة العالمي، ومن غير المستغرب ان لا يملك المهاجم سلسلة قيادة أو تابعية تنظيمية، مجرد شاب تربى ونشأ على الرغبة بقتال «الأمريكان»، وتفاجئ بهم أمام عينيه.
وفي سياق محاربة تنظيم «الدولة»، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن القوات الأمريكية والقوات الشريكة في سوريا نفذت نحو 80 عملية منذ تموز/يوليو الماضي «للقضاء على عناصر إرهابية»، بينها بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية»، معتبرة أن هذه العمليات تأتي في إطار حماية الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج.
وأضافت أن تنظيم «الدولة الإسلامية» ألهم «ما لا يقل عن 11 مخططا أو هجوما» استهدف أهدافا داخل الولايات المتحدة خلال العام الماضي. وتابع البيان أن عمليات القيادة المركزية خلال الأشهر الستة الماضية أدت إلى «احتجاز 119 إرهابيا» و«مقتل 14»، بما عطل مساعي التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه والتحريض على هجمات عالميا.
وفي التطورات ذات الصلة، أفاد البيان بأن عسكريين أمريكيين من قوة المهام المشتركة – عملية «العزم الصلب» – تعاونوا الشهر الماضي مع وزارة الداخلية السورية في تحديد مواقع «أكثر من 15 موقعا» قال إنها تضم مخابئ أسلحة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في جنوب سوريا. وحسب البيان، أسفرت العملية عن تدمير «أكثر من 130 قذيفة هاون وصاروخا»، إلى جانب بنادق ورشاشات وألغام مضادة للدبابات ومواد تستخدم في تصنيع عبوات ناسفة بدائية. كذلك أشار البيان إلى غارة نفذت في تموز/يوليو في مدينة الباب بريف حلب، قال إنها أسفرت عن مقتل «قيادي بارز» في تنظيم «الدولة الإسلامية» يدعى ضياء زوبة مصلح الهرداني، واثنين من أبنائه البالغين المرتبطين بالتنظيم.
ونقل البيان عن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، قوله إن استهداف هؤلاء «يجعل أمريكا والمنطقة أكثر أمنا»، مؤكدا استمرار العمل «عن كثب» مع شركاء سوريين لملاحقة شبكات تنظيم «الدولة الإسلامية» ومنع عودته. هذا الهجوم يسلط الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية الجديدة؛ إذ إن قدرة التنظيم على الاختراق، ووجود عناصر له ترافق وفدا للتحالف الدولي، أمر يثير تساؤلات حول مدى السيطرة على المؤسسات الأمنية.
ومع ذلك، قد يسرع هجوم تدمر التوصل إلى اتفاق بين الأكراد ودمشق، ما سيشكل تحالفا قويا لـ«محاربة داعش»، كما نقلت وكالة فرانس برس عن دبلوماسي غربي في دمشق ومصدر أمني أوروبي. فالتنظيم استغل الحرية التي أتاحها تغيير السلطة للخروج من ملاذه الصحراوي بهدف زعزعة استقرار الحكومة.
وفي الوقت نفسه، أكدت مصادر سورية وجود حالة استنفار أمني وعسكري لمنع الاختراقات، ورجح باحثون توجه واشنطن لدعم دمشق لوجستيا في مواجهة التنظيم، مع استبعاد تأثير الهجوم على العلاقات الأمريكية-السورية. في النهاية، يبقى السؤال: هل ستغير مثل هذه الهجمات استراتيجيات واشنطن في المنطقة؟ يبدو أن التعاون مع الحكومة الانتقالية هو الخيار الوحيد لمواجهة «شبح داعش» العائد من رمال الصحراء. ومع استمرار العمليات المشتركة، قد تكون تدمر بداية لتحالف أوسع، أو تحذيرا من فوضى جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.
القدس العربي
———————————–
واشنطن رفضت طلباً إسرائيلياً بعدم رفع العقوبات عن سوريا
السبت 2025/12/20
قالت هيئة البث الإسرائيلية إن إسرائيل ضغطت على الولايات المتحدة من أجل عدم رفع العقوبات عن سوريا، لكن طلبها قوبل الرفض.
يأتي ذلك فيما نشرت وسائل إعلام عبرية قائمة تضمن الأطراف التي تصنّفها تل أبيب على أنها تشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل من داخل سوريا، لم تتضمن النظام السوري الجديد.
تعويض أميركي
ونقلت هيئة البث عن مصادر أمنية إسرائيلية، قولها إن الولايات المتحدة وعدت إسرائيل بتعويضها بعد رفض واشنطن طلبها بعدم رفع كامل العقوبات عن سوريا، لكنها لم توضح ماهية التعويض.
وأضافت أنه في الأوساط الاسرائيلية يعتقدون أن رفع العقوبات بشكل كامل يضعف الموقف التفاوضي الإسرائيلي أمام سوريا.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد اجتمع بعدد من الشخصيات البارزة في مجلس النواب الأميركي، قبيل تصويت أعضاء المجلس على مشروع قانون موازنة الدفاع الأميركية لعام 2026، والمتضمن ملحق إلغاء عقوبات قيصر.
ووافق أعضاء المجلس على مشروع القانون الذي تحول إلى مجلس الشيوخ الذي وافق عليه بدوره، قبل أن يوقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليه، قبل يومين، ويصبح نافذاً وبالتالي إلغاء عقوبات قيصر رسمياً.
رفع سقف التفاوض
في غضون ذلك، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية قائمة تضمنت تنظيمات جهادية وسلفية “مارقة” لا تخضع للسلطات السورية، إضافة إلى إيران، وحزب الله، وجماعة الحوثي، والجماعة الإسلامية في لبنان، وتنظيم “داعش”، وجماعات جهادية أخرى تنشط في سوريا وتحمل “أجندات شديدة التطرف” على حد وصفها.
وزعمت أن القائمة صادرة عن “مصادر أمنية رفيعة”، وأن هذه الأطراف تشكل تهديداً مباشر ضد إسرائيل من داخل سوريا.
ولم تتضمن القائمة النظام السوري الجديد، لكن المصادر الإسرائيلية حمّلته مسؤولية تحويل سوريا إلى “ساحة خطرة تنشط فيها عناصر إرهابية متعددة”، بمن فيهم مقاتلون منضمون فعلياً إلى الجيش السوري الوليد.
ووفق الإعلام العبري، فإن القائمة لا تستند إلى معلومات استخبارية أو تحليل أمني مهني، ولا تُعد تسريباً تقليدياً عن تقييمات داخلية، إنما تبدو أقرب إلى وثيقة سياسية.
وأضافت أن الوثيقة تهدف إلى توسيع مجموعة الشروط المسبقة التي تضعها تل أبيب أمام أي اتفاق أمني مع دمشق، وتهيئة البيئة السياسية لتبرير اعتداءات إسرائيلية مستقبلية داخل سوريا، بزعم استهداف الأطراف الواردة في القائمة.
ووصفت ما ورد في الوثيقة بأنه تمهيد سياسي وأمني لمرحلة تفاوضية شديدة التعقيد مع دمشق، بالتزامن مع ضغوط أميركية لإعادة فتح قنوات الحوار.
وأشارت إلى أن نشر هذه “الوثيقة” يأتي بعد يومين فقط من لقاء جمع المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وكبار قادة المؤسسة الأمنية.
———————————–
“الحرس الوطني” بالسويداء يستثمر في هجوم تدمر/ ركان الخضر
محللون: غير مؤهل للمشاركة في محاربة تنظيم “الدولة”
على خلفية مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني وعنصر من الأمن العام السوري، بمدينة تدمر وسط سوريا، في 13 من كانون الأول الحالي، أصدر “الحرس الوطني” التابع للرئيس الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، حكمت الهجري، بيان تعزية، عبّر فيه عن جاهزية قواته واستعدادها الكامل للمشاركة مع قوات التحالف الدولي في أي جهد يهدف لاجتثاث “العناصر الإرهابية” من البادية الشرقية، التي قال إنها تشكل امتدادًا طبيعيًا لبادية “جبل باشان”.
محللون رأوا أن الهجري يحاول التقرب من الأمريكيين وعرض خدمات “الحرس الوطني”، مشككين بأهمية هذا العرض، وبأن يكون هذا الطرف مؤهلًا للعب دور في محاربة التنظيم.
الاستثمار في هجوم تدمر
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في 13 من كانون الأول الحالي، مقتل اثنين من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية ومدني أمريكي، وإصابة ثلاثة آخرين، جراء كمين مسلح نفذه عنصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا.
جاء إعلان التحالف عقب حادثة إطلاق نار وقعت قرب مدينة تدمر، في أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة لقوات أمن سورية وقوات أمريكية.
وبحسب مراسل عنب بلدي، حينها، دخلت القوات الأمريكية بشكل معلن إلى مدينة تدمر بعمق البادية السورية عبر رتل مؤلف من نحو 15عربة عسكرية أمريكية، فيما رافقتها عربات للجيش السوري قادمة من قاعدة التنف على الشريط الحدودي.
وأضاف المراسل أن القوات الأمريكية أجرت دورية مشتركة بمرافقة الجيش السوري الموجود في مدينة تدمر.
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، قال لـ”الإخبارية” السورية الرسمية، إن قيادة الأمن الداخلي كانت وجهت تحذيرات مسبقة إلى القوات الشريكة في منطقة البادية، بشأن احتمال وقوع خروقات أمنية أو هجمات متوقعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، مشيرًا إلى أن منفذ الهجوم لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي ولا يعد مرافقًا للقيادة، بحسب البابا.
“الحرس الوطني” التابع للرئيس الروحي للطائفة الدرزية في السويداء، حكمت الهجري، أصدر بيانًا على خلفية الحادثة قال فيه، إن قيادة قوات “الحرس الوطني” تتقدم بخالص التعزية إلى عائلات الجنود الأمريكيين الذين قضوا في الحادثة.
وأعرب عن مشاركة ذوي القتلى الأمريكيين الحزن على مصابهم، معبرًا عن تضامنه الإنساني مع الجرحى وتمنياته لهم بالشفاء.
أشار “الحرس الوطني” في بيانه إلى أن الجنود الأمريكيين قُتلوا إثر تعرضهم لإطلاق نار مما أسماها “عناصر إرهابية” مندمجة بقوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية في منطقة تدمر، مما أدى إلى مقتل اثنين من الجنود وإصابة آخرين.
وأضاف أن “الاعتداء يؤكد مجددًا أن الإرهاب واحد، ويستهدف كل من يختلف عن فكرة التطرف دون تمييز بين شعب وآخر أو قوة وأخرى، فالعقيدة الإرهابية التي تتحرك بها هذه المجموعات هي ذاتها التي تهدد أمن المنطقة بأكملها”، وفق قوله.
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن” عمار جلو، يرى أن “الحرس الوطني” يحاول من وراء البيان رسم صورة أنه فاعل محلي يجب أن يتعاطى مع أي حدث محلي أو إقليمي أو دولي، وأصدر بيانًا على غرار وزارات الخارجية المعنية بالدول التي تصدر بيانات حول أي حادث محلي وإقليمي ذات صلة ببلدانها.
ويعتقد جلو أن “الحرس الوطني” يسعى من خلال البيان إلى إظهار وإثبات وجوده والإشارة إلى الآخرين بذلك.
من جانبه، يعتقد المحلل السياسي حسام طالب، أن “الحرس الوطني” يحاول استغلال ما حدث في تدمر لإثبات أنه قوة موجودة، رغم أن الأعمال التي قام بها ضد البدو وعناصر الأمن العام السوري، ومؤخرًا ضد المعتقلين الذين توفوا في سجونه وفي مقدمتهم الشيخ رائد المتني، تثبت أنه غير مؤهل للعب دور المتضامن مع الضحايا في عملية تدمر.
رسالة للأمريكيين
يعتقد المحلل السياسي حسام طالب أن “الحرس الوطني” يحاول إرسال رسالة مفادها أن الدولة السورية ومؤسساتها تضم عناصر “إرهابيين”، لكن الرسالة لن تصل، بحسب رأيه، فالحكومة السورية انضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهناك تعاون بين الجيش والأمن السوري والتحالف الدولي، كما أن الولايات المتحدة صرحت على لسان أكثر من مسؤول أمريكي أن منفذ العملية ينتمي لتنظيم “الدولة”، وهو خارج نطاق الدولة السورية ومؤسساتها.
الباحث عمار جلو يرى أن اتهام الحكومة السورية بالوقوف وراء حادثة تدمر، ناتج عن تخبط التصريحات من قبل الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية، الذي تحدث أن المنفذ عنصر من الداخلية كان سيتم عزله من صفوف الأمن العام، لكن تأخر القرار كون الحادثة حصلت في يوم عطلة رسمية، مشيرًا إلى أن واشنطن نفت صلة الحكومة السورية بالحادثة، وقالت إن المنفذ عنصر من تنظيم “الدولة”.
ويعتقد جلو أن وقوف عنصر من الأمن العام وراء الحادثة لا يعيب الحكومة السورية، منوهًا إلى أن التحليلات كانت تشير إلى احتمالية انسحاب فصائل عسكرية كاملة من قوات الجيش السوري، مضيفًا أن بعض هذه التحليلات وصلت إلى توقع حدوث انهيار كامل في الحكومة السورية، على خلفية الانضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وبالتالي فإن وجود حالات فردية ضمن الأمن السوري تتجه في هذا المنحى.
هل تستجيب واشنطن
أكد “الحرس الوطني” في البيان، انطلاقًا مما أسماه “مسؤولياته الوطنية والأخلاقية”، جاهزية قواته واستعدادها الكامل للمشاركة مع قوات التحالف الدولي في أي جهد يهدف لاجتثاث “العناصر الإرهابية” من البادية الشرقية، التي قال إنها تشكل امتدادًا طبيعيًا لبادية “جبل باشان”، بما يضمن تعزيز الأمن والاستقرار ومنع تمدد التهديدات الإرهابية نحو قرى السويداء وبلداتها، بحسب تعبيره.
وقال إن “محاربة الإرهاب كانت وستبقى أحد الأهداف الأساسية لـ(الحرس الوطني)”، إلى جانب واجبه الثابت في حماية الجبل وأهله من كل المخاطر الأمنية، سواء كانت داخلية أو خارجية، متعهدًا بمواصلة قواته لأداء مهامها وفق القانون، وبما ينسجم مع قيم الجبل وأخلاقه الراسخة.
المحلل السياسي حسام طالب يعتقد أن “الحرس الوطني” يحاول إرسال رسائل إلى الولايات المتحدة على أمل التواصل معه من قبل الحكومة الأمريكية، معتقدًا أن هذا الامر لن يحدث.
ونوه المحلل طالب إلى أن “الحرس الوطني” لولا الدعم الإسرائيلي لما ظهر على الساحة، مشيرًا إلى أن إسرائيل لن تتدخل في سوريا لتدعمه دائمًا، وهي تستخدمه كورقة ضغط على الحكومة السورية لا أكثر، بحسب رأيه.
من جانبه، يرى الباحث عمار جلو أن “الحرس الوطني” يحاول شراء مواقف من الآخرين والحصول على دعم على أساس أنه فاعل محلي قادر محاربة تنظيم “الدولة”.
وأضاف الباحث جلو أن “الحرس الوطني” يرسل رسالة لبناء تحالفات مع القوى الإقليمية والدولية تحديدًا واشنطن بصفته طرفًا يمكن الاعتماد عليه، أسوة “بقوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في 2014، عندما كانت فصائل من “الجيش الحر” تتجنب إلى حد كبير مقاتلة تنظيم “الدولة”، كون أساس التعاون بينها كان القتال ضد نظام الأسد، مما أعطى المجال لـ”قسد” للتعاون مع القوات الأمريكية.
ويعتقد جلو أن “الحرس الوطني” يبحث عن فرصة قد تكون مواتية ليجد حليفًا داعمًا له، محاولًا الاستفادة من الظروف المحيطة، مشيرًا إلى أن هذا الأمر بعيد كل البعد وفق المعطيات الراهنة.
وتوقع جلو أن تذهب الأمور إلى حلحلة الملفات في سوريا، بعيدًا عن زيادة التعقيد والتوتر في الداخل السوري.
عنب بلدي
————————————-
========================
تحديث 19 كانون الأول 2025
———————————–
تدمر تحت المجهر: أبعاد الوجود الأميركي في البادية السورية/ أحمد الجابر
تدمر بين الأمن والاقتصاد: لماذا تتصاعد أهمية المدينة في الحسابات الأميركية؟
2025-12-18
تشهد مدينة تدمر والبادية السورية المحيطة بها عودةً لافتةً إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، في ظل تنامي الحديث عن طبيعة الوجود الأميركي وأهدافه في هذه المنطقة ذات الموقع الجغرافي الحساس.
فبعد سنوات من التركيز على البعد الأمني ومكافحة تنظيم “داعش”، بدأت تتكشف ملامح أدوار أكثر تعقيداً، ترتبط بالتحكم بخطوط الإمداد، ومراقبة التحركات العسكرية، إضافةً إلى إدارة توازنات دقيقة بين القوى الإقليمية الفاعلة في المشهد السوري.
وتشير تصريحات محللين وخبراء في الشأن الاستراتيجي إلى أن أهمية تدمر لا تنبع فقط من موقعها كعقدة طرق تربط وسط سوريا بشرقها، بل تمتد لتشمل ما تختزنه من موارد طبيعية ومعادن استراتيجية، مثل الفوسفات والسيليكون، والتي باتت تشكل عاملاً إضافياً في حسابات النفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تدمر تتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تُستخدم في إطار الصراع الأوسع على مستقبل سوريا، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وسط غياب تسوية سياسية شاملة.
تنافس يتجاوز البعد الأمني
يقول درويش خليفة، الكاتب والسياسي السوري، لـ”963+”: إنّ أميركا موجودة في منطقة التنف وفي البادية السورية منذ وقت طويل، ويأتي هذا الوجود، كما يوضح، في إطار مراقبة خطوط العبور التي كانت تُستخدم من الجهات القادمة من إيران باتجاه العراق، ثم إلى سوريا.
ويضيف أن هذه الخطوط كانت تُستغل لنقل السلاح من العراق باتجاه سوريا، أو إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
بدوره، يقول البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال الأردنية، لـ”963+”: إن الاهتمام الأميركي بمدينة تدمر، ينبع من موقعها الجغرافي الحساس، باعتبارها حلقة وصل بين وسط وشرق سوريا، الأمر الذي يمنحها أهميةً بالغةً في التحكم بحركة القوات وخطوط الإمداد داخل الصحراء السورية.
ويضيف أن تدمر تتيح أيضاً مراقبة الطرق المؤدية إلى دير الزور والحدود العراقية، وهو ما يخدم أهدافاً أمنيةً تتعلق بتعقب الجماعات المسلحة ومنع عودتها.
ويشير خليفة إلى أن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل مناطق محددة، أبرزها تدمر والمناطق الواقعة غربها، مروراً بمنطقة القريتين باتجاه حسياء، وصولاً إلى جبال القلمون.
ويلفت إلى أن هذه المناطق تحتوي على مادة السيليكون، التي تُعدّ من أهم المعادن النادرة عالمياً، والتي تُشكّل محور تنافس دولي، لا سيما بين الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى الكبرى.
ويوضح أن السيليكون يُستخدم في إنتاج الشرائح الإلكترونية التي تدخل في صناعة الحواسيب والهواتف النقالة وغيرها من الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
كما يؤكد خليفة أن تدمر تضم أيضاً احتياطات كبيرة من الفوسفات، مشيراً إلى وجود شركات إيرانية كانت تعمل هناك، إضافةً إلى تنافس إيراني–روسي على استخراج الفوسفات في تدمر ونقله إلى بيروت لتنقيته، قبل بيعه إلى بعض الدول الإسكندنافية.
كما يلفت الدعجة إلى أن موارد الفوسفات والمعادن المحيطة بتدمر تحتل موقعاً مهماً في الحسابات الاقتصادية الدولية، نظراً لقيمتها الاستراتيجية ودورها المحتمل في دعم أي انتعاش اقتصادي مستقبلي في سوريا.
ويعتقد أن الاهتمام بهذه الموارد يندرج ضمن رؤية أوسع لإدارة النفوذ الاقتصادي، حيث تتقاطع العقوبات والقيود الاقتصادية مع محاولات السيطرة على مصادر الثروة، ليس بهدف الاستثمار الفوري فقط، بل لاستخدامها كورقة ضغط طويلة الأمد.
ويضيف الدعجة أن تدمر يمكن أن تلعب دوراً مهماً في أي رؤية أميركية لإنعاش الاقتصاد في الصحراء السورية، لا سيما من خلال ربط الموارد الطبيعية بالتحالفات المحلية أو بالمشاريع الصغيرة.
إلا أنه يؤكد أن هذا الدور يبقى ثانوياً ما لم يُرافقه مسار سياسي واضح وضمانات أمنية مستدامة، معتبراً أن السيطرة على الموارد وحدها غير كافية، لكنها قد تُستخدم أداةً لدعم البدائل المحلية وتحقيق توازنات جديدة داخل المنطقة.
وفي المقابل، يحذر الدعجة من أن تحوّل النفوذ في تدمر من البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي ينطوي على مخاطر إقليمية واضحة، أبرزها ازدياد التنافس بين القوى المختلفة على الموارد والعقود، مما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الأمني.
الموقع والموارد يحكمان الاهتمام
كما يشير إلى أن هذا التحول قد يُفاقم النزاعات المحلية ويؤسس لاقتصاد هش قائم على الصراعات بدلاً من اقتصاد قائم على التنمية. ويخلص إلى أن تسييس الاستثمار الاقتصادي قد يُعقّد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، ويحوّل تدمر إلى بؤرة توتر طويلة الأمد بدلاً من كونها عاملاً للاستقرار.
ويرى أن أهمية منطقة البادية السورية لا ترتبط فقط بالشق الأمني، ولا بالتحركات التي تقوم بها مجموعات أو خلايا من تنظيم “داعش” مستغلةً الطبيعة الجغرافية التي تُعدّ شبه خالية من الكثافة السكانية، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل أبعاداً اقتصادية واضحة.
ويعتقد خليفة أن تدمر، في المرحلة الراهنة، ليست مجرد منطقة صراع عسكري، بل أصبحت ساحة تنافس إقليمي ودولي على الموارد الطبيعية المتوافرة فيها.
كما يوضح أنها تمثل اليوم إحدى نقاط تثبيت النفوذ الأميركي على حساب النفوذ الإيراني والروسي. وبناءً على ذلك، يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة من الاصطفافات السياسية داخل سوريا، ما يجعل من تدمر أحد أهم المواقع الجغرافية التي تعتمد عليها أميركا لترسيخ وجودها في منطقة البادية السورية.
ويشير خليفة أيضاً إلى أن الوجود الأميركي في تدمر أو بالقرب منها، وعلى مسافة تتراوح بين مائة ومائة وعشرين كيلومتراً من مطار التيفور، يحمل دلالات إضافية.
وينوّه إلى أن هذا المطار كانت السلطات في تركيا تنوي استخدامه قاعدةً تركيةً لتدريب القوات السورية، الأمر الذي يجعل من الوجود الأميركي وسيلةً لمراقبة هذا التوجّه ومنع أي اشتباك إقليمي محتمل بين تركيا وإسرائيل في تلك المنطقة، لا سيما أن البلدين يُعدّان حليفين لـ الولايات المتحدة الأميركية، وللإدارة الحالية على وجه الخصوص.
ويخلص خليفة إلى أن أهمية تدمر تنبع من كونها منطقةً استراتيجيةً وعقدةَ طرقٍ دولية، فضلاً عن احتوائها على موارد ومعادن نادرة تجعلها محوراً أساسياً في معادلات النفوذ الإقليمي والدولي.
ويرى الدعجة أن تدمر تُشكّل ورقة ضغط جيوسياسية في أي ترتيبات مستقبلية تخص الملف السوري، معتبراً أن أهميتها تتجاوز كونها هدفاً عسكرياً تقليدياً. ويؤكد أن الوجود الأميركي فيها يمثل عامل توازن غير مباشر بين الفاعلين الإقليميين، مثل تركيا وإسرائيل، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع أي طرف.
ويشير إلى أن هذا النفوذ يمنح واشنطن القدرة على مراقبة التحركات الاستراتيجية والتأثير فيها داخل العمق السوري، ويُستخدم بالدرجة الأولى كورقة ضغط سياسية وأمنية في المفاوضات الإقليمية، وليس كموقع عسكري هجومي بحت، مما يعزز مرونة الدور الأميركي.
+963
————————————-
هجوم تدمر وأولويات سوريا/ صبا ياسر مدور
الجمعة 2025/12/19
بعد الهجوم الذي استهدف جنوداً أميركيين في تدمر، في الثالث عشر من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، وجدت سوريا نفسها وسط اختبارات صعبة، في لحظة فارقة يمثل الزمن عنصراً ضاغطا فيها، وتتزاحم الملفات الخطيرة على الطاولة بانتظار حل مشكلاتها، مع نتيجة متوقعة وحيدة لا بديل عنها، هي النجاح في كل الاختبارات بسرعة وكفاءة.
هذا التموضع على حافة السكين، هو المظهر الحقيقي لسوريا اليوم، بعد مضي عام كامل على سقوط نظام الاسد وانتصار الثورة، تضمّن بذل جهود ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ المنطقة لبلوغ هذه المرحلة، حيث كان ما هو سواها عبارة عن انهيار شامل للبلاد أمنياً وجغرافياً واجتماعياً.
جاء حادث تدمر ليفرض تغييراً ضرورياً وحاسماً في الأولويات، ويفرض اختبارات جديدة بعد إلغاء قانون قيصر، وانزياح ثقل العقوبات الاقتصادية. فأي تقدم على صعيد إعادة بناء البلاد، لن يكون ذا قيمة من غير استقرار الوضع الأمني وإنفاذ القانون، بل ومن غير إثبات قدرة الدولة الجديدة على فرض هذا الاستقرار، كي تكون مؤهلة للتعامل مع المجتمع الدولي، والمستثمرين، ولتتمكن من حيازة دور إقليمي يناسب سوريا، قادر على فرض وجودها كرقم صعب ومؤثر في معادلات المنطقة.
لا شك أن هذا الحادث كان من الممكن أن يخلف أضراراً كبيرة، لولا أن إدارة الرئيس ترامب، والرئيس شخصياً، وضعا رهاناً كبيراً على سوريا، وهو رهان لا يمكن التراجع عنه أو تعديله استناداً إلى حادثة منفردة، أو حتى إلى سلسلة حوادث. فالإقدام على ذلك كان سيعكس سوء تقدير في مقاربة ترامب لهذا الملف من الأساس، وقد تنتقل العدوى إلى ملفات أخرى اتخذ فيها مواقف غير متوقعة.
غير أن هذا “الثبات الترامبي” أسهم فعلياً في الحيلولة دون تحول الاعتداء إلى ذريعة للتشكيك في جاهزية سوريا للتعامل مع هذا المسار أو القبول به، وانهى أي تفسيرات، تتعدى كون أن الأمر يتعلق بهجوم إرهابي استهدف سوريا كما استهدف القوات الأميركية، وأن مواجهته بحاجة إلى إجراءات مشتركة تتصدى لتنظيم داعش، وجميع الأنشطة الإرهابية المحتملة. فضلاً عن إفشال ادعاءات عديدة صدرت عن أطراف كانت تترقب مثل هذه الهجمات لفرض وقائع تقسيمية في البلاد، أو لاكتساب شرعية تتيح لها تقديم نفسها بوصفها الحليف الأجدر للولايات المتحدة على حساب الحكومة المركزية، وانتزاع دور في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وبالرغم من أن الدعم الأميركي منح سوريا فرصة لتجاوز تداعيات ما جرى، بل ووفر لها هوامش أوسع في المرحلة المقبلة، ومنع أي طرف من استغلال الحدث لتأليب واشنطن أو دول الإقليم، فإن هذا الحدث ينبغي أن يشكل في الوقت ذاته مدخلاً لوضع آليات حاسمة، لا لمواجهة إرهاب تنظيم داعش فحسب، بل أيضا للتصدي للأفكار المتطرفة التي يمكن أن توفر لداعش ومثيلاته بيئة حاضنة، وقبولاً وملاذاً وإمداداً بشرياً متجدداً، بل وقد تسهم في نشوء تنظيمات جديدة تنافسه وتنتج أسباباً إضافية للتوتر وعدم الاستقرار.
داعش وصراع الإقليم
والحقيقة أن سوريا لم تكن بحاجة إلى حادثة تدمر كي تدرك أن الإرهاب ما زال حاضراً هنا وهناك، وأن فرص عودته ونموه لا تزال قائمة. فهذا واقع كان متوقعاً منذ البداية؛ إذ ما زالت داعش تتخذ من الجغرافيا المعقدة لوادي حوران وصحراء تدمر، وربما مناطق أخرى، ملاذات للاختباء وإعادة التنظيم، إلى جانب ما يُعرف بالذئاب المنفردة التي تنتشر داخل التجمعات السكنية في الأرياف والمدن.
ويزداد خطر عودة الإرهاب، سواء عبر داعش أو غيرها، في ظل وجود أطراف إقليمية لم يرق لها ما يجري في سوريا، ولا طبيعة العلاقة الخاصة التي نشأت بين دمشق وواشنطن. لذلك ترى هذه الأطراف في دعم داعش، أو في السعي إلى خلق تنظيمات بديلة مشابهة، وسيلة ناجعة لإشغال سوريا عن أولوياتها في الإعمار والتنمية وتوحيد البلاد. فالمطلوب، وفق هذا المنطق، هو إبقاء سوريا دولة فاشلة، بما يتيح التدخل في شؤونها.
إن تطور الأحداث في سوريا يمثل نكسة كبرى لمشروع إقليمي ضخم كان ناجحاً أو على الأقل لم يخسر حتى الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، يوم هرب الأسد، وأصبحت المنطقة بكاملها في سياق جيوسياسي جديد ومختلف جوهرياً، جعل دولاً إقليمية وعربية كثيرة تبادر فوراً لمساعدة سوريا الجديدة، بعدما وجدت في ذلك الحدث انتقالة تاريخية من سياق إلى آخر. لكن بالمقابل، فإن أطراف المشروع المهزوم، لم تخسر كل أوراقها، وما زالت خطيرة وتمارس كل ما يمكن من أجل استعادة ما خسرته أو على الأقل منع قيام نظام إقليمي جديد مناقض لها.
هذا الطرف الخاسر المتمثل تحديداً بإيران ومن يساندها، لن يفوت فرصة إمداد داعش، وهو قام من قبل بدعم تنظيم القاعدة في العراق لمواجهة القوات الأميركية وإشغالها ودفعها للاستعانة بحلفاء إيران، بل وبإيران ذاتها، ونجح نسبياً في ذلك. كما أن داعش نفسها تعتاش أصلاً على الانقسامات في المنطقة والثغرات وغياب القانون والفقر والبطالة، التي تمنحها فرصاً للتنفس والعمل لحساب طرف على حساب آخر، لان أوليتها هي البقاء، قبل أي شيء آخر.
أين تُهزم داعش فعلاً؟
من المهم معرفة أن أي طرف خارجي لن يستطيع ممارسة تدخل حاسم من دون مساندة داخلية، بل أن داعش لن يمكنها مواصلة نشاطاتها أو تواجه الدولة من غير وجود بيئة حاضنة، لا تتمثل فقط بالمجتمع، بل بفئات قاتلت ضد النظام السابق، لكنها لم تتفهم بعد أولويات النظام الجديد، والمخاطر التي تواجه سوريا. والخطورة أن هذه الفئات لها أولويات مختلفة تماماً، ويمكن أن تصبح خطيرة جداً، ما لم يجر استيعابها في الرؤية الجديدة للدولة السورية. ومثل هذه المهمة هي في واقع الأمر أكثر صعوبة من القتال ضد أعداء أو خصوم واضحين.
هذه المهمة هي في جوهرها، معركة بحد ذاتها وطويلة الأمد؛ فإذا فشلت الحكومة في خوضها، تكون البلاد قد خسرت فرصتها الأخيرة. وهي معركة أصعب من معركة التحرير نفسها. لكن لا يمكن التخطيط لها، ولا خوضها بفعالية، من دون حكمة دولة تتناسب مع أعباء مرحلتها الانتقالية؛ حكمة تضع حداً لأي اعتبارات فئوية أو ظرفية، وتعزز مكانة القانون بوصفه مرجعية للعدالة والمساءلة، وتعيد للإعلام دوره المهني بعيداً عن ترويج الخطاب الحكومي أو تمجيد المسؤولين، وتمنح التعليم أولوية فعلية عبر إلزام الطلاب بإكمال دراستهم حتى سن الثامنة عشرة، بوصفها المرحلة التي يستكمل فيها الحد الأدنى من التكوين المعرفي والمدني، ويغلق عندها أحد أهم مسارات الاستقطاب المبكر والتطرف، قبل القفز إلى سياسات الاستثمارات والمشاريع العمرانية والأبراج ووضعها في مقدمة إعادة الإعمار. هذه البناءات لم تتبلور حتى الآن ضمن خطط واضحة وشفافة، تشكل مساراً ملزماً للسنوات الخمس المقبلة، ويترافق ذلك مع ضعف في مسار العدالة الانتقالية، واستمرار ممارسات تعكس أنماطاً قديمة في إدارة الدولة تشبه ثقافة البعث، سواء عبر ارتجال بعض الوزراء، أو تساهلهم في تحمل المسؤولية العامة، أو من خلال بروز شخصيات غير مخوّلة تتحدث باسم الدولة أو تدعي قربها من مركز القرار. وبطبيعة الحال، يؤدي هذا الواقع إلى فتح مداخل قابلة للاستثمار، أولاً من قبل تنظيم داعش، ثم من قبل قوى إقليمية، في مقدمها إيران وغيرها.
إن تجاهل هذه التفاصيل، التي قد تبدو للبعض بعيدة عن جوهر مكافحة تنظيم داعش وبنيته وآليات تولده، يشكل في الواقع أحد الأسباب الأساسية للفشل المتكرر في مواجهة التطرف، وهو التطرف ذاته الذي يقوم عليه الأساس الفكري والتنظيمي لداعش. فالتعامل مع هذا التنظيم لا يمكن أن يقتصر على المقاربة الأمنية أو العسكرية وحدها، ولا على التعويل على الدعم الأميركي أو الاطمئنان إليه، لأن من يفهم فكر داعش يدرك أنه يتغذى على اختلالات المجتمع قبل أن يتحول إلى تهديد مسلح. وهذا ما تعيه إيران وغيرها من القوى التي تجيد النفاذ عبر هذه المداخل. وهو ما يفترض أن يكون محل إدراك واضح لدى الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية، ضمن أي مقاربة جدية لمواجهة الإرهاب ومنع إعادة إنتاجه
المدن
———————————–
وثيقة الأمن القومي الأميركي وانعكاساتها على الشرق الأوسط وسوريا الجديدة/ بشار الحاج علي
2025.12.19
نشر البيت الأبيض النسخة الجديدة من استراتيجية الأمن القومي الأميركي (National Security Strategy) بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2025.
فما هي وثيقة الأمن القومي الأميركية؟
هي تقرير رسمي يصدره البيت الأبيض باسم الرئيس، يشرح فيه كيف ترى الولايات المتحدة نفسها، وما الذي تعتبره تهديدًا، وما هي أولوياتها في السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا. وهي الخريطة الذهنية للإدارة الحاكمة، مكتوبة بلغة سياسية أنيقة تخفي وراءها قرارات قاسية.
تكتسب وثيقة الأمن القومي الأميركي أهمية استثنائية لأنها الإطار العلني الأكثر وضوحًا الذي تُقدّم من خلاله الإدارة الأميركية رؤيتها للعالم، ولأولويات القوة الأميركية، ولطبيعة الدور الذي تريد البلاد أن تلعبه خلال السنوات المقبلة.
وهي وثيقة لا تُكتب للنخب وحدها، بل تُصاغ لكي يطّلع عليها المواطن الأميركي كما يطّلع عليها حلفاء واشنطن وخصومها على السواء، باعتبارها إعلانًا رسميًا للخيارات الكبرى واتجاهًا عامًا للسياسات الخارجية والدفاعية والاقتصادية. فهي ليست نصًا سريًا ولا مناورة لغوية، بل وثيقة مُعلنة بطبيعتها، يُراد لها أن تكون مرجعًا يُقاس عليه الأداء السياسي، وتُقرأ من خلالها حركة الولايات المتحدة في العالم. ولهذا فإن تحليلها يمنح فهمًا دقيقًا للبنية التي تتحرك ضمنها السياسة الأميركية، وللمساحات التي قد تستثمر فيها واشنطن أو تعيد ترتيب علاقاتها ضمنها، ولا سيما في المناطق التي تشهد تحولات عميقة، مثل الشرق الأوسط وسوريا الجديدة.
تُظهر المراجعة الأخيرة لوثيقة الأمن القومي الأميركي انتقالًا واضحًا في طريقة فهم واشنطن لدورها العالمي؛ فالوثيقة لا تتعامل مع التحديات بوصفها قوائم طوارئ، بل كبنية جديدة لنظام دولي يتشكّل على وقع تنافس القوى الكبرى وتراجع جدوى القوة التقليدية المنفردة. هذا التحول يعيد رسم طريقة حضور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويمنح المنطقة موقعًا وظيفيًا مختلفًا عمّا اعتادته خلال العقدين الماضيين.
يقوم جزء رئيسي من هذا التغيير على إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي نفسه.
لم يعد هذا المفهوم محصورًا بمحاربة الإرهاب أو احتواء الخصوم، بل بات يشمل استقرار الدول الانتقالية ومنعها من التحول إلى بؤر فراغ تستثمر فيها القوى المنافسة، أو تتحول فيها الهشاشة السياسية إلى موجات عدم استقرار عابرة للحدود. هذا التوسّع في تعريف الأمن يجعل الشرق الأوسط مساحة تحتاج إلى إدارة ذكية لا مواجهة مفتوحة، ويمنح مسار التحول في سوريا وزنًا يتجاوز حدود الجغرافيا نفسها.
من هذه الزاوية يمكن قراءة موقع سوريا الجديدة؛ فالتحول السياسي الذي قاد إلى نهاية النظام السابق لم يعد يُنظر إليه أميركيًا بوصفه حدثًا داخليًا، بل كإعادة تموضع لسوريا ضمن بيئة إقليمية مضطربة. واللقاء الذي جمع القيادة الانتقالية مع واشنطن لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة إلى أن سوريا باتت تندرج ضمن تصنيف «الدول القابلة لإعادة البناء»، لا «الأزمات المزمنة».
إن رفع العقوبات أو تعليق مسارها، بما فيها عقوبات «قيصر»، يأتي ضمن هذه الصياغة الجديدة، لا بوصفه امتيازًا، بل كجزء من تحويل السياسة الاقتصادية إلى أداة لإعادة إدماج دولة خرجت سنوات طويلة من النظام الدولي.
لا تذكر وثيقة الأمن القومي سوريا بالاسم، لكنها تمنح ستة مفاتيح تصلح لفهم ما ينتظرها: تعزيز الاستقرار الإقليمي، حماية الممرات التجارية وموارد الطاقة، الحد من انتشار الجماعات المتطرفة، منع التمدد الإيراني، دعم المراحل الانتقالية التي تخضع لإعادة بناء مؤسساتي، وإعادة توزيع الموارد الدفاعية بما يضمن لواشنطن النفوذ بأقل كلفة ممكنة. وعندما توضع هذه المفاتيح فوق المشهد السوري المتشكّل، تصبح الصورة أكثر وضوحًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
على هذا الأساس يمكن تمييز ثلاثة تحولات أساسية:
الأول هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى هندسة الاستقرار؛ فالمرتكز الأميركي لم يعد منع الانهيار فحسب، بل خلق بيئة سياسية وأمنية يمكن البناء عليها. ويعني ذلك عمليًا علاقة مباشرة مع السلطة الانتقالية، وما يترتب عليها من مسؤوليات واضحة في ضبط السلاح، وتنظيم المجال العام، وإعادة تكوين مؤسسات الدولة على أسس قانونية لا سلطوية.
أما التحول الثاني فيتعلق بطبيعة الوجود الأميركي شرق الفرات؛ إذ تُظهر الوثيقة ميلًا واضحًا إلى حضور عسكري محدود، لكنه مدعوم بفاعلية سياسية مستمرة. ولم يعد هذا الوجود مرتبطًا فقط بمنع عودة تنظيم داعش، بل بمنع أي قوة إقليمية من تحويل المنطقة إلى نقطة نفوذ استراتيجي. وهو دور مرن لا يذهب إلى التورط العسكري، لكنه يمنح واشنطن موقعًا يمكّنها من التأثير في توازنات الداخل السوري وفي علاقات سوريا مع جيرانها.
ويتمثل التحول الثالث في الانتقال من الأداة العسكرية إلى الأداة الاقتصادية بوصفها مركز الثقل في النفوذ. فالاقتصاد في الوثيقة ليس بديلًا عن القوة، بل تجسيدًا لنمط جديد من الضغط والتأثير. إن رفع العقوبات، أو إعادة هيكلتها، أو ضخ استثمارات مشروطة بالإصلاح المؤسسي، ليست إجراءات فنية، بل أدوات تستخدمها واشنطن لدمج سوريا في النظام الاقتصادي الدولي بطريقة تجعل الاستقرار السياسي شرطًا لأي انتعاش اقتصادي، وتربط عملية إعادة الإعمار بسقف من الحوكمة لا يمكن تجاوزه.
يرتبط هذا التحول الاقتصادي مباشرة بمسألة العلاقات الإقليمية؛ فواشنطن، وفق رؤيتها الجديدة، تريد شرق أوسط يقوم على شراكات مرنة لا على محاور مغلقة. وهذا يمنح سوريا فرصة نادرة لإعادة صياغة علاقتها مع محيطها المباشر من دون أن تكون ملحقة بأي طرف. فالتوازن بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج لم يعد مجرد تموضع جغرافي، بل شرطًا لإعادة سوريا إلى شبكة الاستقرار الإقليمي. كما أن ضبط التوترات الحدودية وفتح قنوات تعاون اقتصادي وأمني يعيدان دمج سوريا في منظومة الدعم الإقليمي التي تضمن لها حضورًا مستدامًا في المعادلة الجديدة.
ويغدو المشهد أكثر وضوحًا عند ربط كل ذلك بالمنافسة العالمية؛ فالولايات المتحدة حريصة على منع أي خصم من توظيف الفراغ السوري لمصلحته، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو النفوذ السياسي. غير أن هذا الحرص لا يعني إعادة سوريا إلى مرحلة الوصاية الدولية، بل وضعها في مسار دولة تستعيد موقعها ببطء، وتعيد بناء شرعيتها الداخلية عبر مؤسسات قادرة على إدارة التعقيد، لا مجرد التحكم به.
بهذه القراءة، لا تبدو وثيقة الأمن القومي مجرد نص سياسي، بل إطار عمل يعيد ترتيب الشرق الأوسط على خرائط جديدة. وسوريا، بعد التحول السياسي، لم تعد ملفًا يُدار بالعقوبات والعزل، بل بلدًا في طور إعادة التكوين، يملك—إذا أحسن إدارة المرحلة الانتقالية—أن يتحول من ساحة صراع إلى نقطة توازن. وهذا الدور ليس هدية من أحد، بل نتيجة لبنية داخلية تتشكل، وتوازنات خارجية يُعاد صياغتها، ومساحة جيوسياسية تحتاج إلى دولة مستقرة لا إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
تلفزيون سوريا
————————
ترامب يلغي رسمياً عقوبات قانون قيصر على سورية
19 ديسمبر 2025
وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، القانون السنوي لسياسة الدفاع بقيمة تريليون دولار تقريباً، الذي يتضمن إلغاء قانون قيصر، وجرى بموجبه فرض عقوبات على سورية في 2019. ويجيز قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 إنفاقاً عسكرياً سنوياً قياسيا بقيمة 901 مليار دولار بزيادة قدرها ثمانية مليارات دولار عما طلبه ترامب. وأعلن البيت الأبيض توقيع ترامب لقانون قيصر. وجرى التوقيع بعيداً عن الصخب الإعلامي ومن دون أي مراسم رسمية في المكتب البيضاوي بحضور الصحافيين.
وأقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمّنة مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر”، الذي فُرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. ويبدأ تفعيل القانون في يناير/ كانون الثاني 2026، ما يلغي قانون قيصر نهائياً بعد سنوات من فرضه على سورية، لتلغي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأميركية على دمشق، عقب إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.
إزالة الركام في ضواحي دمشق، 26 نوفمبر 2025 (رامي السيد/Getty)
تقارير عربية
مهام سورية طارئة للحكومة بعد إلغاء “قانون قيصر”
ومع إلغاء الكونغرس الأميركي، مساء الأربعاء، قانون العقوبات الأشد قسوة على سورية المعروف بـ”قانون قيصر”، وتوقيع الرئيس الأميركي، أُزيلت العقبة الأكبر أمام دمشق اقتصادياً وسياسياً، وباتت الحكومة في مواجهة مسؤوليات داخلية جسام كانت مؤجلة بسبب العقوبات، التي لم تعد بعد اليوم ذريعة صالحة. ويُعَد تلاشي العقوبات على سورية الخطوة الأبرز ما بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي كان وجوده سبب فرض تلك العقوبات التي كانت العائق الأكبر أمام انتعاش اقتصادي يستدعي انفراجات على المستويات كلها، ولا سيما السياسية منها.
السعودية ترحب
من جانبها، رحبت السعودية، اليوم الجمعة، بإلغاء العقوبات المفروضة على سورية، بموجب قانون (قيصر)، مؤكدةً أن هذه الخطوة من شأنها دعم الاستقرار والازدهار والتنمية في سورية بما يحقق تطلعات الشعب السوري. وأفادت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن المملكة ثمنت “الدور الإيجابي الذي قام به الرئيس الأميركي في هذا الإطار بدءًا من إعلانه رفع جميع العقوبات المفروضة على سورية خلال الزيارة التاريخية التي قام بها فخامته للرياض في شهر مايو/أيار 2025، وانتهاءً بتوقيعه لقانون تفويض الدفاع الوطني 2026 الذي تضمن إلغاء قانون قيصر”.
كما أعربت المملكة عن “خالص تهانيها للقيادة وللحكومة السورية وللشعب السوري الشقيق برفع جميع العقوبات المفروضة على سورية، وتقديرها للخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لإعادة الاستقرار في جميع المناطق السورية وتهيئة الظروف لإعادة بناء الدولة السورية واقتصادها وعودة اللاجئين والمهجرين السوريين لمناطقهم”.
العربي الجديد
———————————-
ترامب يلغي رسميا عقوبات “قيصر” على سوريا
وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يتضمن أضخم موازنة سنوية لوزارة الحرب في تاريخ الولايات المتحدة بأكثر من 900 مليار دولار، وكذلك إلغاء قانون قيصر الذي فرض عقوبات على سوريا منذ عام 2019.
وقد وقّع الرئيس ترامب على القانون الجديد بعد مصادقة الكونغرس عليه، بعيدا عن كاميرات الإعلام، على خلاف ما كان معلنا سابقا.
ويحدد القانون أولويات الدفاع عن الولايات المتحدة، ويطلب من البيت الأبيض تقديم تقارير دورية للكونغرس لمدة 4 سنوات تؤكد استمرار الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب والمخدرات وحماية الأقليات، والسعي لتحقيق السلام مع دول الجوار.
وينص القانون على إقرار الرئيس الأميركي فرض عقوبات محددة على سوريا في حال كان التقرير سلبيا لفترتين متتاليتين.
مراحل متعددة
وصوّت مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، لصالح قانون موازنة وزارة الحرب لعام 2026 الذي يتضمن بندا لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، وأحال المجلس القانون إلى الرئيس دونالد ترامب للتوقيع عليه ليصبح نافذا.
ووافق مجلس النواب الأميركي، الأسبوع الماضي، على إلغاء قانون قيصر الذي فُرضت بموجبه عقوبات أميركية على سوريا، ورحّبت الحكومة السورية بهذه الخطوة، وقالت إنها ستعيد التعافي للاقتصاد السوري.
ويُتوقع أن يمهّد إلغاء القانون الطريق لعودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية لدعم الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وشكّلت العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام انتعاش الاقتصاد السوري، ويُعتبر رفعها دليلا على نجاح الحكومة السورية الجديدة.
وكان “قانون قيصر” قد أُقر في ديسمبر/كانون الأول 2019 لمعاقبة أركان النظام السوري على جرائم حرب بحق المدنيين، وفرض عقوبات واسعة استهدفت أفرادا وشركات ومؤسسات مرتبطة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي أُطيح به عام 2024 وفرّ إلى روسيا.
المصدر: الجزيرة + وكالات
———————
إلغاء العقوبات الثانوية بقانون قيصر.. تحول قانوني وآثار امتثال مالي واستثماري/ فضل عبد الغني
2025.12.19
يمثل إلغاء العقوبات الثانوية لقانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول 2025، والذي أُقرّ ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، إعادة تشكيل جوهرية للإطار القانوني والامتثالي الذي يحكم المعاملات المرتبطة بسوريا من قبل الكيانات غير الأميركية. ويُعدّ هذا الإجراء التشريعي حصيلة جهود دبلوماسية مكثفة، كما يعكس انتقالاً عن نموذج الإنفاذ العابر للحدود الذي طبع سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا منذ عام 2019.
ويكتسب الإلغاء أهمية خاصة لكونه غير مشروط، ولا يتضمن آليات لإعادة فرض العقوبات تلقائياً، بما يدل على تعديل بنيوي في هندسة العقوبات. وتمتد آثاره العملية إلى مجالات متداخلة، تشمل وضوح الاختصاص القضائي في القانون الدولي، وعلاقات المراسلة المصرفية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وتمويل إعادة الإعمار. ومن ثمّ، يتطلب فهم هذا التطور تحليل كيفية عمل العقوبات الثانوية في تقييد السلوك التجاري، وكيف يُعيد رفعها ضبط بيئة الامتثال لدى الجهات الفاعلة الدولية التي تنظر في الانخراط الاقتصادي مع سوريا.
التحول القانوني: من الإنفاذ خارج الحدود إلى استعادة وضوح الاختصاص القضائي
يؤدي إلغاء المادة 7412 من قانون قيصر إلى تعطيل آلية الإنفاذ خارج الحدود الإقليمية التي كانت الولايات المتحدة تعتمد عليها لتوسيع نطاق سلطتها العقابية خارج حدود ولايتها القضائية التقليدية. ففي الإطار السابق، كان الأفراد والكيانات الأجنبية معرضين لاحتمال فرض عقوبات أمريكية، تشمل تجميد الأصول وقيود التأشيرات، لمجرد تقديمهم دعماً مالياً أو مادياً أو تقنياً كبيراً للحكومة السورية، أو لإجرائهم معاملات كبيرة مع كيانات مُدرجة على قوائم العقوبات، حتى إذا تمت تلك الأنشطة بالكامل خارج الولاية القضائية الأميركية، ومن دون أي صلة بأشخاص أميركيين أو أراضٍ أميركية أو بنية مالية أميركية.
وقد جسّد هذا النظام نموذجاً للعقوبات الثانوية يقوم على ما وصفه فقهاء القانون الدولي بتأكيد الولاية القضائية الخارجية المتوسعة، إذ سعت الولايات المتحدة إلى تنظيم السلوك التجاري لجهات أجنبية استناداً إلى وجهة المعاملة أو طرفها المقابل، لا إلى رابطة مباشرة بمصلحة أميركية محددة. وتمحور الجدل القانوني حول ما إذا كانت هذه التدابير تمسّ بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتتجاوز الأسس المعترف بها لممارسة الولاية القضائية التزاحمية بموجب القانون الدولي العرفي.
ويُعيد الإلغاء قدراً أكبر من وضوح الاختصاص القضائي إلى بيئة الامتثال، إذ لم يعد غير الأميركيين معرضين للعقوبات الأميريكية لمجرد ممارسة نشاط تجاري مشروع مع سوريا؛ كما يخفف هذا التطور حالة عدم اليقين الهيكلي التي طبعت المعاملات العابرة للحدود، حين كانت الكيانات الأجنبية تواجه احتمال إدراجها أو معاقبتها بناء على تقديرات تقديرية لما يُعدّ “دعماً كبيراً”. واعتقد أن ترك هذا المصطلح من دون تعريف محدد كان مقصوداً لتعزيز سلطة السلطة التنفيذية التقديرية، بما أفضى إلى بيئة امتثال يتعذر فيها على الفاعلين التجاريين توقع العواقب التنظيمية لقراراتهم على نحو موثوق.
الأثر المصرفي: تفكيك ديناميكيات الحد من المخاطر ورفع “الأثر المثبط”
أفضت العقوبات الثانوية بموجب قانون قيصر إلى ما يصفه مختصو الامتثال بـ“الأثر المثبط” الذي تجاوز، عملياً، الحدود القانونية الرسمية للنص، عبر ديناميكيات مترابطة شوّهت علاقات المراسلة المصرفية وقنوات الوساطة المالية.
فقد واجهت البنوك المراسلة، في ظل هذا النظام، مخاطر غير متكافئة؛ وحتى عندما لا تنتهك معاملة بعينها العقوبات الأميركية الأساسية، ظلّ احتمال اعتبار البنك “متورطاً” في تقديم دعم كبير قائماً إذا قام بمعالجة مدفوعات لبنوك مراسلة أخرى تضم في شبكات عملائها جهات سورية بوصفها مستفيداً نهائياً. وقد قاد هذا البناء إلى مفارقة امتثال واضحة: إذ تعجز البنوك، بحكم طبيعة علاقات المراسلة المتداخلة، عن التحقق الكامل من المالكين المستفيدين والاستخدام النهائي للأموال، ومع ذلك قد تتحمل تبعات جسيمة عند وقوع خرق داخل تلك الشبكات.
وفي مواجهة هذا الغموض الهيكلي، تبنّت مؤسسات مالية عديدة استراتيجيات صارمة للحد من المخاطر، تجسدت في إنهاء واسع لعلاقات المراسلة مع مؤسسات تعمل في بيئات تُصنّف عالية المخاطر أو تتعامل معها. وقد بدا هذا السلوك متسقاً اقتصادياً من منظور المؤسسة الفردية، لأن كلفة الانكشاف المحتمل، بما في ذلك إجراءات الإنفاذ من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، ومخاطر السمعة، واحتمال فقدان إمكانية الوصول إلى مقاصة الدولار الأميركي، تفوق بمراحل العائد المتوقع من أي نشاط مرتبط بسوريا.
وترتب على ذلك ما يمكن وصفه بـ“العقوبات الخفية”، أي قيود مالية تُنفّذ عملياً عبر قرارات إدارة المخاطر في القطاع الخاص، لا عبر حظر قانوني صريح. ووجدت منظمات سورية غير حكومية، وقنوات تحويلات المغتربين، ومستوردون تجاريون أنفسهم محرومين فعلياً من الخدمات المصرفية، ليس لأن معاملاتهم مخالِفة، بل لأن مجرد ورود إشارة إلى سوريا في وثائق المعاملة كان يؤدي إلى إغلاق الحسابات تلقائياً أو رفض المدفوعات.
ويُغيّر إلغاء العقوبات الثانوية جذرياً حسابات المخاطر هذه، إذ يمكن للبنوك غير الأميركية إجراء معاملات مرتبطة بسوريا من دون التعرض لخطر عقوبات أميركية ثانوية. وينقل ذلك إطار الامتثال من نموذج ثنائي يعتبر سوريا نطاقاً محظوراً على نحو شبه مطلق، إلى مقاربة قائمة على المخاطر تركز على فحص قوائم العقوبات، والالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتقيد بالمعايير التنظيمية في بلد المنشأ. ولا يعني هذا التحول أن سوريا تصبح بيئة منخفضة المخاطر، لكنه يحول المخاطر من تهديد هيكلي غير قابل للقياس إلى عملية امتثال قابلة للإدارة تعتمد على العناية الواجبة بالعملاء، ومراقبة المعاملات، والتحقق من الملكية المستفيدة.
تمويل التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار: الانتقال من الردع إلى العناية الواجبة القابلة للتمويل
استهدفت العقوبات الثانوية، في بنيتها، القطاعات المرتبطة بإعادة الإعمار، بما في ذلك البناء والهندسة والطاقة والطيران، بما أوجد ما يصفه الاقتصاديون بـ“عبء عقوبات” أدى إلى ردع الاستثمار الأجنبي حتى في المجالات التي لم تكن محظورة صراحة بموجب العقوبات الأساسية.
وقد خلقت الصياغات القانونية التي تُجيز فرض عقوبات على من يقدمون دعماً كبيراً أو يشاركون في معاملات كبيرة مستوى مرتفعاً من عدم اليقين لدى المستثمرين المحتملين؛ إذ أشارت التوجيهات الرسمية إلى أن تقييم “أهمية” المعاملة يقوم على مجمل الحقائق والظروف، بما في ذلك حجم المعاملة وتكرارها وطبيعتها وسياقها التجاري. ويعني هذا المعيار التقديري أن المستثمرين لا يستطيعون بناء توقعات دقيقة حول ما إذا كانت مشاريعهم قد تُعرّضهم لعقوبات ثانوية، الأمر الذي يضيف عملياً علاوة مخاطر سياسية يصعب تسعيرها لأي استثمار يرتبط بسوريا.
وقد اتسمت هذه التقلبات بضرر بالغ على مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار التي تتطلب تمويلاً متعدد السنوات، وعقود توريد طويلة الأجل، وتحالفات مقاولين دولية. فالمؤسسات المالية لا تستطيع، بطبيعتها، تمويل مشاريع قد يتغير وضعها التنظيمي في منتصف دورة التنفيذ بسبب قرارات سياسية خارجية للسلطة التنفيذية لا ترتبط بسلوك المستثمر ذاته. وبناء عليه، ظلت حتى رؤوس الأموال الأكثر استعداداً لتحمل المخاطر مترددة، رغم الاحتياجات الكبيرة لإعادة الإعمار المقدرة بنحو 216 مليار دولار.
ومع إلغاء العقوبات الثانوية، يتحول المشهد الاستثماري من إطار يغلب عليه الردع إلى إطار يقوم على العناية الواجبة. ويغدو بمقدور المستثمرين الأجانب هيكلة مشاريعهم على أساس فحص الكيانات، والتحقق من الامتثال القطاعي، وبناء ضمانات تعاقدية تتسق مع التدابير المستهدفة المتبقية، وتطبيق عناية واجبة على سلاسل التوريد. ويتيح ذلك تطوير هياكل تمويل للمشاريع تكون قابلة للتمويل المصرفي بمعايير مخاطر محددة، وهو شرط لازم لتعبئة رأس المال اللازم لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
خاتمة
يمثل إلغاء العقوبات الثانوية لقانون قيصر انتقالاً نوعياً من الحظر الهيكلي إلى الامتثال القائم على المعاملة. ففي النظام السابق، واجهت الكيانات غير الأميركية خطر التعرض لعقوبات أميركية بسبب أي مشاركة جوهرية في الاقتصاد السوري، بما خلق بيئة امتثال كان فيها التجنب الكامل هو المسار الأكثر أمناً. وقد ترتب على ذلك انكماش واسع في الانكشاف، وقطع علاقات مراسلة مصرفية، وتجميد للاستثمار.
ويتيح الإلغاء استعادة تدريجية لعلاقات المراسلة المصرفية، وتمويل التجارة، وتدفقات التحويلات، والاستثمار في إعادة الإعمار، بشرط تطبيق عناية واجبة صارمة، وفحص دقيق للعقوبات، وإدارة مخاطر فعالة ومستمرة. وبذلك، يُمكن النظر إلى رفع العقوبات الثانوية بوصفه تفكيكاً للآلية الأكثر تأثيراً في سلوك القطاع الخاص، أي الآلية التي وسّعت إنفاذ القانون الأميركي ليطول غير الأميركيين، وخلقت أثراً مثبطاً واسع النطاق عطّل اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.
تلفزيون سوريا
————————————
مهام سورية طارئة للحكومة بعد إلغاء “قانون قيصر”/ محمد أمين
19 ديسمبر 2025
مع إلغاء الكونغرس الأميركي، مساء الأربعاء، قانون العقوبات الأشد قسوة على سورية المعروف بـ”قانون قيصر”، وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الخميس عليه، أُزيلت العقبة الأكبر أمام دمشق اقتصادياً وسياسياً، وباتت الحكومة في مواجهة مسؤوليات داخلية جسام كانت مؤجلة بسبب العقوبات، التي لم تعد بعد اليوم ذريعة صالحة. ويُعَد تلاشي العقوبات على سورية الخطوة الأبرز ما بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي كان وجوده سبب فرض تلك العقوبات التي كانت العائق الأكبر أمام انتعاش اقتصادي يستدعي انفراجات على المستويات كافة، ولا سيما السياسية منها. والمتجول في شوارع العاصمة دمشق صباح أمس الخميس يلحظ فرحة تعلو وجوه السوريين ورغبة في تجاوز المرحلة السوداء التي مرت بها بلادهم (2011 – 2024)، والتي زاد من وطأتها تلك العقوبات التي اتخذها النظام البائد ذريعة لممارسة المزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين.
مرحلة جديدة في سورية
“تدخل سورية مرحلة جديدة نتمنى أن يعم فيها الخير على الجميع”، يقول محمود الأسعد، وهو مدرس في إحدى مدارس العاصمة. ويضيف في حديث مع “العربي الجديد”: إلغاء العقوبات التي كانت مفروضة بموجب قانون قيصر، يضع الحكومة السورية أمام الامتحان الأهم منذ عام. عليها اليوم أن تلتفت إلى الداخل أكثر وتبدأ بمقاربات مختلفة تماماً حيال كل الملفات، خصوصاً السياسية منها. ويشير إلى أن الشارع السوري: “ربما كان يعذر الحكومة لتقصيرها في عدة ملفات بسبب وجود العقوبات”، مضيفاً: سورية اليوم بلا عقوبات، ومن ثم لم تعد هناك تبريرات تقنع هذا الشارع إذا لم يتم التعاطي بجدية مع الملف الاقتصادي الصعب والملف السياسي الأصعب الذي يعاني اليوم من انسداد الآفاق. نتوقع انفراجات اقتصادية وسياسية في مدى متوسط.
وبعد إلغاء قانون “قيصر”، ينتظر الشارع السوري مقاربات مختلفة من الحكومة السورية، تعبّد الطريق أمام عودة الحراك السياسي في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وتوسيع دائرة المشاركة من قبل القوى والتيارات السياسية في القرار. البلاد حتى اللحظة من دون مجلس تشريعي يقر العديد من القوانين الملحة (بما أن الرئيس أحمد الشرع لم يعيّن بعد النواب الـ70 من أصل 210)، لعل أبرزها: قانون الأحزاب الذي تنتظره القوى السياسية السورية، لنقل الصراع من الشارع إلى أروقة السياسة، من أجل تجنيب البلاد دورات عنف جديدة لم يعد المجتمع السوري يتحمل تبعاتها. وخلال عام مضى، وُجّهت انتقادات وملاحظات على سلوك الإدارة السورية الجديدة حيال الكثير من الملفات المصيرية في البلاد، خصوصاً لجهة عدم الاهتمام الكافي بالحوار الوطني الذي يفضي إلى رسم سياسات الدولة خلال الفترة الانتقالية واستبعاد الكفاءات، وعدم إشراك مكونات البلاد السياسية والعرقية والمذهبية بشكل كاف بالقرار الوطني، والاعتماد فقط على القوى التي كانت تسيطر على شمال غربي سورية قبل الثامن من ديسمبر 2024.
كما لم تحقق دمشق اختراقاً مهماً في ملف إنهاء الأوضاع في شمال شرقي سورية وهو الجانب الأغنى في الثروات من البلاد، فـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لا تزال سلطة الأمر الواقع في تلك المنطقة، وسط تبادل اتهامات مع دمشق حول الأسباب التي تحول دون اندماجها في المؤسسة العسكرية وتسليم المنطقة للحكومة، بناء على اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي، بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ولم تنفذ مضامينه حتى اللحظة رغم الضغطين الأميركي والتركي. ويُتوقع أن يشهد هذا الملف تطورات خلال الفترة المقبلة باتجاه التوافق حول صيغة مناسبة للدمج، لا سيما أن الجانبين لا يميلان إلى صدام عسكري مفتوح على كل السيناريوهات.
وملف محافظة السويداء في جنوب سورية يتجه كل يوم نحو التعقيد، في ظل غياب رؤى سياسية وخطوات جادة من شأنها إعادة بناء الثقة مع دمشق التي كما يبدو فضّلت تأجيل التعاطي مع هذا الملف بسبب ارتباطه بعموم ملف الجنوب السوري، الذي بات اليوم مسرح تدخل إسرائيلي كبير. ويُعتقد أن خطوات الحكومة الداخلية ستكون أكثر سرعة في المرحلة المقبلة، بعدما تخففت من عبء العقوبات الأميركية التي كانت تحول دون إعادة الإعمار أو تدفق استثمارات كبيرة إلى البلاد.
ويقول الباحث في مركز الحوار للدراسات أحمد القربي، لـ”العربي الجديد”، إنه “بعد إلغاء قانون قيصر لا بد من حوكمة رشيدة وشفافية ورؤية استراتيجية أو على الأقل رؤية متوسطة المدى تتناسب مع المرحلة الانتقالية”. ويتابع: “لم تعد هناك عوامل خارجية تعيق سورية. اليوم بات من الملحّ تعديل البنية التشريعية والقانونية، خصوصاً ما يتعلق بالاستثمار وتشجيع المشروعات الصغيرة وحوكمة المؤسسات الاقتصادية”. وبرأيه، فإن الاقتصاد السوري “بحاجة إلى دعم خارجي وليس رفع العقوبات فحسب، فالمعطيات الاقتصادية اليوم مرعبة”، مضيفاً: أكبر عدو في المراحل الانتقالية هو الفساد، وهذا يتطلب إعادة تأهيل المؤسسات وضمان استقلال القضاء ليشعر المستثمر بالأمان وأن أمواله محمية بالقانون.
من جهته، يرى الناشط السياسي المتحدر من محافظة السويداء أدهم مسعود القاق، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المطلوب من الحكومة “بناء الجبهة الداخلية بشكل مختلف”، مضيفاً: “إذا لم تكن هناك وحدة وطنية بين كل المكونات، وإذا لم تكن الحكومة على مسافة واحدة منها، لن يكون هناك مستقبل زاهر لسورية”. وبرأيه، فإن “الوحدة والاستقرار يدفعان الشركات للدخول إلى سورية”، معتبراً أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار قضايا النازحين والمهجرين في البلاد، ومعالجة القضايا الخدمية والمعيشية. فالفقر يدفع إلى احتجاجات جديدة.
أما القانوني محمد صبرا، فيعتبر في حديث مع “العربي الجديد”، أن المسألة الملحة في الوقت الراهن هي “خلق البيئة التشريعية والحوكمة وتثبيت الأمن، وهذه شروط تحسين الأوضاع الاقتصادية”. ويتابع أنه يجب إعادة توطين فكرة الدولة وسيادة القانون والاحتكام للمؤسسات، لتجاوز المرحلة الانتقالية بسلام. ويشير إلى أن من الخطوات المطلوبة “بناء مؤسسات أمنية تراعي حقوق الإنسان وبعيدة عن التطييف والانحيازات الأيديولوجية”، مضيفاً: هذه كلها شروط أساسية لتحفظ الاستقرار والسلم الأهلي وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي شرط أساسي لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وهذه العودة تعني موارد بشرية يمكن الاستفادة منها في بناء الجيش وإعادة تثبيت المجتمع السوري، بحيث يمكن أن تنطلق مجموعة من الميكانزمات على كل المستويات. هذه كلها عناصر مرتبطة بعضها ببعض تبدأ من الاقتصاد، ولا تنتهي عند الحوكمة الرشيدة والمعايير التي يجب أن تكون الناظم لكل مؤسسات الدولة.
بدوره، يرى الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء “قانون قيصر” يشكل “نقلة نوعية سيكون لها أثرها الكبير في الاقتصاد السوري”، مشيراً إلى أن هذا الاقتصاد “ربما يحتاج إلى سنوات ليصل إلى تعاف كامل”. كما يعتبر إلغاء القانون “دليل ثقة سياسية متزايدة من قبل الولايات المتحدة بسياسة الحكومة السورية الحالية”، مشيراً إلى أن “كل الشروط المسبقة لم تعد موجودة”. ويضيف: سورية اليوم لديها هامش كبير من السيادة، وهذا يؤكد إيمان واشنطن بالخيار السوري ـ السوري لنسج السياسات الداخلية، سواء مع المكونات أو في ما يخص السلطة التشريعية. وبرأيه، فإن إلغاء القانون المذكور “يعطي الثقة المتزايدة للشركات الأميركية والغربية للدخول للسوق السورية”، مشيراً إلى أن “الثقة الأميركية بالقيادة السورية تجلت في الموقف من اعتداءات إسرائيل على سورية”، مضيفاً أنّ المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك عبّر عن امتعاضه من هذه الاعتداءات أخيراً، ما أدى إلى صدور تصريحات إيجابية من تل أبيب حول اتفاق أمني مع سورية. ويتابع: الثقة الأميركية منحت الحكومة هامشاً كبيراً من الثقة والمناورة الداخلية بما يحفظ سيادتها ووحدة أراضيها، وهذا هو البعد الذي أراه مهماً ويكاد يكون أهم من قضية البعد الاقتصادي لأنه أسرع وأكثر محورية وتأثيراً في المشهد السياسي السوري. ويأمل غزلان أن “تكون السياسات الداخلية في سورية مواكبة تماماً لهذه الثقة”، مضيفاً: يجب أن ينعكس ذلك على ملف الاتفاق مع قوات “قسد”، وأن يدفع بملف السويداء إلى المصالحة النهائية.
آلية مراقبة أميركية
يُذكر أنه بإلغاء “قانون قيصر” فإن لا إمكانية لعودة العقوبات على سورية وفقه، لكن هناك آلية مراقبة للحكومة الأميركية تنص على إمكان فرض عقوبات بطريقة أخرى على سورية، وتنص على تقديم رئيس الولايات المتحدة خلال 90 يوماً تقريراً إلى الكونغرس ولجانه يُثبت ما إذا كانت حكومة سورية “تتخذ إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، بما فيها تنظيم القاعدة وفروعه، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور داعش”، وأن الحكومة “قد أزالت، أو تتخذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية فيها، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية”. كما يتضمن التقرير إشارة إلى ما إذا كانت الحكومة السورية “تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سورية، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتضمن تمثيلاً عادلاً ومتوازناً في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان”، و”لا تقوم بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، بما في ذلك دولة إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي عندما يكون ذلك مناسباً”.
كما “تتخذ خطوات حقيقية وموثوقة لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025، بما في ذلك إجراءات دمج القوات الأمنية وتحقيق التمثيل السياسي”، وتتخذ “إجراءات فعّالة لمكافحة: غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وألا تكون على علم بتمويل أو مساعدة (مالياً أو من خلال نقل الأسلحة) أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعين للعقوبات”. كما يثبت التقرير ما إذا كانت الحكومة السورية “تقوم بملاحقة قضائية نشطة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً منذ الثامن من ديسمبر 2024، بما في ذلك المسؤولين عن المجازر بحق الأقليات الدينية”، و”تتخذ خطوات قابلة للتحقق لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون”. وبحسب هذه الآلية: “إذا عجز الرئيس عن تقديم شهادة إيجابية لمدة فترتين متتاليتين من فترات إعداد التقارير، يجوز له النظر في فرض عقوبات موجهة على أفراد بموجب الصلاحيات القائمة إلى أن يقدم شهادة إيجابية لاحقاً”.
العربي الجديد
————————————-
دفن “قيصر”… ولكن/ حسام كنفاني
19 ديسمبر 2025
يحق للسوريين اليوم الاحتفال برفع قانون قيصر للعقوبات الذي فرض على نظام بشّار الأسد قبل سنوات، وساهم، إلى حد كبير، في إسقاطه بعد الانهيار الاقتصادي الذي أوصل البلد إليه. ويحق للسوريين أيضاً ترقّب انفتاح اقتصادي واستثماري يعيد الانتعاش للبلاد الخارجة من حرب أهلية استمرّت 13 عاماً.
ومن المعلوم أن سورية اليوم، وبعد انهيار نظام الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، وفي ظل الانفتاح الذي يبديه الغرب والمحيط العربي على النظام الجديد، هي ساحة استثمارية جاذبة لكل القطاعات الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة الإعمار الذي تحتاج إليه البلاد، والذي كان يعيقه وجود قانون قيصر، والذي كان يمنع أي تعاملاتٍ اقتصادية مع السلطات السورية.
اليوم، ذهب قانون قيصر إلى غير رجعة، فعلى عكس التعليق المشروط للقانون الذي وضعته الإدارة الأميركية في الأشهر الماضية، فإن ما صوّت عليه الكونغرس نصّ على إلغاء كامل وفوري للقانون، من دون إمكانية العودة إلى تفعيله بحد ذاته في المستقبل، وهو يعد إيجابياً إلى درجة كبيرة في ما يخصّ آلية التعاطي الأميركي مع الإدارة السورية الجديدة.
في الوقت نفسه، لا يعطي هذا الحكومة السورية الجديدة ضوءاً أخضر للقيام بما يحلو لها في المستقبل، خصوصاً في ما يخص تجاهلها كثيراً من الشروط الأميركية التي كانت موضوعة سابقة لرفع قانون قيصر. فمع أن الإلغاء اليوم غير مشروط، لا تزال هناك الكثير من المطالب الأميركية التي ستكون محل مراقبة في الأشهر المقبلة.
وبحسب القانون، هناك آلية تلزم الرئيس الأميركي أو من ينوب عنه في تقديم تقرير نصف سنوي حول مدى التزام الحكومة السورية في تنفيذ المطالب الأميركية. والحديث هنا عن ثمانية بنود، بعضها بدأت الإدارة السورية بتنفيذها، وفي بعضها الآخر ملفات شائكة لا تزال الحكومة غير قادرة على التعامل معها.
يتقدم هذه البنود مطلب “مكافحة الإرهاب”، وهو للآن يعد الأسهل من ضمن المطالب، خصوصاً أن الحكومة السورية أعلنت الانضمام “سياسياً” إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهي تشن حملات منذ أسبوع على خلايا التنظيم في عديد من المناطق السورية، ولا سيما بعد حادثة مقتل جنديين أميركيين ومترجم أميركي في هجوم لـ”داعش” في تدمر.
وفي السياق نفسه، يأتي مطلب مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وهو يندرج ضمن مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات المدرجين في المطالب الأميركية. وهو ما تحدث المسؤولون السوريون عن الالتزام به في أكثر من مناسبة.
من المطالب السهلة أيضاً، نسبياً، ولا ترى الحكومة السورية مشكلة في تطبيقها، هي “وقف أي عمل عدائي ضد دول الجوار”، والمقصود هنا إسرائيل تحديداً. فالانفتاح الذي أبدته الحكومة، بناء على ضغط أميركي، تجاه إسرائيل غير مسبوق، وكان هناك تقدم باتجاه إبرام اتفاق أمني، قبل أن تنهار المفاوضات بفعل التعنت الإسرائيلي في الانسحاب من الأراضي السورية.
تبقى هنا المطالب المعقدة، وفي مقدمتها مسألة إبعاد المقاتلين الأجانب عن المواقع الحكومية. هذا المطلب، ورغم وجود توجه كبير داخل الحكومة السورية لتنفيذه، يحمل في طياته مخاطر كثيرة داخل نظام الحكم السوري الجديد، والذي وصل إلى السلطة في إطار ائتلاف لم يكن المقاتلون الأجانب بعيدين عنه.
أيضاً هناك ملف التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، والذي لا يزال فيه تعقيدٌ كثير، في ظل الخلاف الكبير في وجهات النظر بين الحكومة و”قسد” حول مستقبل حكم البلاد والدرجة المقبلة من “الفيدرالية” للطرفين.
ولا يمكن التغافل أيضاً عن مطلب “حماية حقوق الأقليات” في سورية، التي تعيش في مناطق واسعة من البلاد في عزلة عن الحكم المركزي، بل ترى فيها خطراً عليها، قياساً على الأحداث التي وقعت في الساحل السوري والسويداء.
عدم تحقيق جزء من هذه المطالب، بناء على ما ستراه الإدارة الأميركية خلال التقريرين اللذين سيقدّمان خلال 360 يوماً، لا يعني أن عقوبات “قيصر” سوف تعود، لكنه قد يفتح المجال للرئيس الأميركي لفرض عقوبات جديدة ستعيد الوضع الاقتصادي السوري إلى دائرة التعقيد.
مجدّداً، يحق للسوريين اليوم الاحتفاء بدفن قانون قيصر، لكن مع العمل على إبعاد أي شبح جديد للعقوبات عن سورية.
العربي الجديد
———————————–
ترامب نجح في تدعيم رؤيته لسوريا: إلغاء “قانون قيصر” ومفاوضات من دون الجولان/ سميح صعب
19 ديسمبر ,2025
بعد يومين من زيارة السفير الأميركي لدى أنقرة توم برّاك إسرائيل ولقائه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، في ظل أجواء مشحونة بين واشنطن وتل أبيب بسبب ملفي سوريا وغزة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليذكّر بقراره إبان ولايته الأولى الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة منذ عام 1967.
لم تكن تلك إشارة عرضية، وإنما وردت في سياق الجدل الأميركي-الإسرائيلي حيال النظام الجديد في سوريا، واعتراض ترامب وفريقه على النهج الذي يتبعه نتنياهو منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي. نهج استغل الفوضى التي تلت سقوط النظام لاحتلال المنطقة العازلة بموجب اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، والتوغل في أرياف القنيطرة ودرعا ودمشق، والتمركز في قمة جبل الشيخ، فضلاً عن تقديم تل أبيب نفسها حامية للأقليات السورية، ولا سيما الدروز في محافظة السويداء.
وبينما سعى ترامب إلى الاستفادة من التغيير في سوريا، كي يدفع النظام الجديد نحو إبرام اتفاق أمني مع إسرائيل، تقدّم نتنياهو بسلسلة من الشروط التي يصعب على دمشق قبولها، مثل جعل الجنوب السوري بكامله منطقة منزوعة السلاح، وعدم الانسحاب من جبل الشيخ، وفتح ممر إلى السويداء.
أدّى ذلك إلى جمود المفاوضات التي كانت ترعاها أميركا بين سوريا وإسرائيل. واعتبرت دمشق أن الحد الأدنى للمضي في المفاوضات هو الانسحاب الإسرائيلي إلى خط 1974، مع إرجاء مسألة النقاش في ملف الجولان في الوقت الحاضر.
وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، عندما صرّح في وقت سابق من الشهر الجاري بأن دمشق لا يمكن أن تمضي في اتفاق أمني مع إسرائيل بينما تحتل أجزاء جديدة من البلاد. وطالب بضرورة عودة الأوضاع على الخريطة إلى “ما كانت عليه قبل 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024”.
ولكسر الجمود، أتت زيارة برّاك لإسرائيل. وبحسب “القناة 12” الإسرائيلية، فإن نتنياهو أبلغ المبعوث الأميركي أنه يعتزم قريباً تسمية رئيس لوفد التفاوض مع سوريا خلفاً لرون ديرمر، الذي استقال من منصبه.
وبعدها جاء تذكير ترامب بقراره الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان. وبذلك، أراد الرئيس الأميركي التأكيد على أن الهضبة ستكون خارج التفاوض، على عكس الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول (ديسمبر)، والتي من شأن الانسحاب منها تمهيد الأرضية للاتفاق الأمني، وفي مرحلة لاحقة توفير الظروف المناسبة لانضمام سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
موقف ترامب يتضمن رسالة تطمين لإسرائيل، لعلها تساعد في إعادة الزخم إلى مسار التفاوض مع سوريا.
هنا أيضاً، يتعين إمعان النظر في قرار مجلس الشيوخ الأميركي، بعد قرار مجلس النواب، بإلحاح من البيت الأبيض، إلغاء “قانون قيصر” المفروض على سوريا منذ عام 2019.
إن إلغاء هذا القانون، ولو جاء مقيّداً بعدد من الشروط، يفتح المجال واسعاً أمام عودة الاستثمارات الأجنبية إلى سوريا، ويمكن النظام الجديد من المباشرة في عملية إعادة الإعمار.
وهذا ما يثبت ترجمة الاحتضان الأميركي للنظام الجديد إلى إجراءات عملية. وفي الوقت نفسه، يبعث برسالة واضحة لإسرائيل بأن مصلحة أميركا في سوريا والشرق الأوسط عموماً تقتضي منها العودة إلى التفاوض مع دمشق، وتسهيل التوصل إلى الاتفاق الأمني.
*نقلا عن “النهار”
———————————-
ازدياد عمليات “داعش” في سورية… رسالة لإثبات الوجود/ مد أمين
19 ديسمبر 2025
كثّفت خلايا يُعتقد أنها تابعة لتنظيم داعش عملياتها في الآونة الأخيرة في سورية ما يدل على أن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على شن هجمات نوعية على أكثر من اتجاه، في ظل أوضاع أمنية لا تزال هشة في سورية، التي انضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. في المقابل، تتعاون السلطات السورية مع القوات الأميركية والتحالف الدولي لملاحقة التنظيم. وفي هذا السياق، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في بيان، ليل الأربعاء الماضي، أن القوات الأميركية وقوات التحالف في سورية نفذت نحو 80 عملية منذ يوليو/تموز الماضي للقضاء على “عناصر إرهابية”، بما في ذلك فلول تنظيم داعش، وأسفرت العمليات “عن اعتقال 119 إرهابياً ومقتل 14 آخرين خلال الأشهر الستة الماضية، ما أحبط جهود داعش لإعادة تنظيم صفوفه وإلهام هجمات إرهابية على مستوى العالم”. وأضافت أنه “في الشهر الماضي، تعاونت قوات أميركية مع وزارة الداخلية السورية في تحديد أكثر من 15 موقعاً تحتوي على مخابئ أسلحة تابعة لتنظيم داعش في جنوب سورية وتدميرها”. وقال قائد سنتكوم براد كوبر، وفق البيان: “العمليات في سورية بالغة الأهمية لمنع داعش من إعادة التكاثر وتشكيل تهديد كبير. سنستأصل ونقضي على الجهاديين الإرهابيين أينما اختبأوا”.
تفكيك خلية تابعة إلى “داعش”
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية السورية، الثلاثاء الماضي، أنها فككت خلية “إرهابية تابعة لتنظيم داعش” في مدينة إدلب شمال غربي سورية، قالت إنها استهدفت القوى الأمنية والعسكرية في حلب وإدلب، مشيرة إلى أنها ألقت القبض على ثمانية من عناصر الخلية وحيّدت العنصر التاسع. ونشرت الوزارة صوراً لسترات ناسفة وأسلحة متنوعة وذخائر بالإضافة إلى صواعق وكواتم صوت وأجهزة إلكترونية ضُبطت بحوزة الخلية الإرهابية، إضافة إلى صواريخ مضادة للدروع وقنابل وأسلحة رشاشة من نوع “أم4” ومسدسات.
وأشارت إلى أن “المضبوطات كانت معدّة للاستخدام في عمليات إرهابية تستهدف عناصر الدولة”، مؤكدة أن الخلية “مسؤولة عن تنفيذ 3 هجمات شملت استهداف دورية أمن الطرق في معرة النعمان والاعتداء على عناصر وزارة الدفاع على جسر سراقب بريف إدلب، إضافة إلى الهجوم المسلح الذي طاول عناصر الضابطة الجمركية في منطقة الزربة بريف حلب.
ومساء الأحد الماضي، قُتل أربعة عناصر من أمن الطرق في وزارة الداخلية السورية جراء هجوم نفذه مسلحون في معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي شمال غربي البلاد، في حادث هو الأول من نوعه منذ إسقاط نظام بشار الأسد ودخول البلاد مرحلة انتقالية قبل نحو عام. وأعلن “داعش” مسؤوليته عن الهجوم. وقال، في بيان وقتها، إنه نفذ الهجوم على عناصر الأمن التابعين للحكومة بالأسلحة الرشاشة، مشيراً إلى أن “مقاتليه عادوا سالمين”. وجاء هجوم معرة النعمان بعد يوم واحد من هجوم أكبر نفذه التنظيم، أو عناصر مرتبطة به، السبت الماضي في تدمر بالبادية السورية، حيث أطلق شخص تابع للتنظيم الإرهابي النار على القوات المشتركة السورية – الأميركية، ما أسفر عن مقتل جنديين ومترجم أميركيين، وإصابة اثنين آخرين.
وبحسب وزارة الداخلية السورية، فإن منفذ الهجوم كان عنصراً في جهاز الأمن العام منذ أكثر من عشرة أشهر، وعمل في أكثر من مدينة قبل أن يُنقل إلى تدمر. وأوقفت الداخلية السورية أكثر من 11 عنصراً من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادثة، في سياق التحقيق بملابسات هذا الحادث الذي جدد المخاوف من عودة نشاط التنظيم. وتبدو هذه العمليات المتلاحقة تنفيذ وعيد أطلقه التنظيم في إبريل/نيسان 2025 ضد الرئيس السوري أحمد الشرع في حال انضمامه للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، نقلت وكالة “رويترز” عن “مسؤولين كبيرين”، إن سورية أحبطت محاولتين منفصلتين لتنظيم داعش لاغتيال الشرع.
وكانت قد انخفضت وتيرة العمليات التي تنسب عادة للتنظيم منذ بداية العام الحالي، بسبب عمليات استباقية قامت بها وزارتا الدفاع والداخلية السورية بالتعاون مع التحالف الدولي، وبسبب الخبرة التي تمتلكها الفصائل التي تسلمت مقاليد الأمور في البلاد في محاربة هذا التنظيم. مرة واحدة حقق التنظيم اختراقاً أمنياً في العاصمة دمشق عندما فجر أحد عناصره نفسه داخل كنيسة في يونيو/حزيران الماضي، ما أدى إلى مقتل 25 شخصاً وإصابة قرابة 60 آخرين.
الأوضاع الأمنية في سورية هشة
وتعليقاً على النشاط المتنامي لـ”داعش” في سورية، رأى الباحث المواكب للمشهد، فراس علاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الأوضاع الأمنية في سورية “ما تزال هشة في ظل انتشار السلاح، لذا أجد من الطبيعي أن تنشط خلايا تابعة للتنظيم، خصوصاً في منطقة تدمر، فالبادية مسرح عمليات لهذا التنظيم منذ عدة أعوام”. واعتبر أن العمليات الأخيرة التي قام بها التنظيم “رسالة واضحة أنه ما يزال موجوداً ولم يفقد القدرة على شن هجمات واسعة النطاق”، مضيفاً: “هذه العمليات تهديد أولي للأمن والاستقرار في المنطقة”.
من جهته، رأى الخبير الأمني والعسكري العميد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أن السبب الرئيسي لازدياد عمليات تنظيم داعش في سورية “هو انضمام دمشق للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب لتصبح سورية الدولة رقم 90 فيه”. وأشار إلى أن الحكومة السورية “نفذت عدة عمليات أمنية مشتركة مع القوات الأميركية استهدفت خلايا للتنظيم في أرياف دمشق وحلب وإدلب”. وتابع: “التنظيم يريد إرسال رسائل من خلال عملياته الأخيرة موجهة لاتباعه وأعدائه مفادها أنه لا يزال الرقم الصعب في المعادلة السورية، القادر على إقلاق الجميع، وبأنه يستطيع اختراق الحواجز الأمنية والوصول لأهدافه وتنفيذ عملياته النوعية وبطرق مختلفة”.
وحول قدرة الحكومة السورية على مواجهة هذا التهديد، أعرب الأسمر عن اعتقاده أن “الدولة السورية من الناحية البشرية والعتاد قادرة على مواجهة التنظيم عسكرياً، لكن لديها نقص في المعلومات الاستخباراتية، خصوصاً أن التنظيم يعتمد على الذئاب المنفردة والإغارات الخاطفة وبمجموعات صغيرة”. وتابع: “أشك أن التنظيم استغل الإرباك والفراغ الأمني ببداية التحرير وتغلغل في غالبية الجغرافيا السورية، لذلك، الدولة اليوم بحاجة للتنسيق العملياتي والاستخباراتي مع التحالف لتسهيل ملاحقة خلايا داعش الكامنة والتعامل معها بعمليات استباقية”.
وقبل الانضمام الرسمي إلى التحالف الدولي، تعاونت الحكومة السورية أكثر من مرة معه في تنفيذ عمليات مشتركة ضد خلايا “داعش”، آخرها أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي في منطقة القلمون الشرقي في ريف دمشق الشمالي الشرقي. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، نفذ التحالف، بالتعاون مع السلطات السورية، عملية إنزال في ريف حماة، أسفرت عن مقتل شخص كان سجيناً سابقاً في سجن رومية في لبنان. كما نفذ التحالف في يوليو/تموز الماضي عملية مماثلة في منطقة الباب بريف حلب الشمالي الشرقي، أسفرت عن مقتل قيادي في “داعش” وابنيه. وفي أغسطس/آب الماضي، نفذ التحالف الدولي عملية إنزال جوي في بلدة أطمة بريف إدلب الشمالي، أسفرت عن مقتل أحد قياديي التنظيم أثناء محاولته الهرب.
العربي الجديد
———————————–
———————————–
“يديعوت أحرونوت”: واشنطن تخشى انجراف الشرع نحو روسيا والصين
الجمعة 2025/12/19
نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، اليوم الجمعة، عن مسؤول أميركي قوله، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدي اهتماماً بالتوصل إلى تسوية بين إسرائيل وسوريا، في إطار مساعٍ تهدف إلى إبقاء الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن معسكر ما وصفه بـ”الدول المعتدلة”، ومنع انجرافه نحو الصين أو روسيا أو إيران.
تقدّم المحادثات
ولفت المسؤول الأميركي إلى أن المحادثات الجارية تشهد تقدماً ملحوظاً، بالرغم من أن مسألة التطبيع ليست مطروحة في المرحلة الحالية، معتبراً أن مجرد وجود قنوات اتصال بين تل أبيب ودمشق يشكّل تطوراً بالغ الأهمية و”حدثاً تاريخياً”.
ووفق المصدر نفسه، اقترحت الولايات المتحدة أن تقوم إسرائيل بتزويد سوريا بالغاز في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار، مشيراً إلى أن الجانب الإسرائيلي لم يرفض الفكرة حتى الآن.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن إسرائيل لا تزال تبدي قدراً من عدم الثقة بالرئيس السوري، في وقت يواصل فيه الأميركيون ضغوطهم لدفع المسار قدماً، مرجّحة أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة عقب اللقاء المرتقب بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي السياق نفسه، أفادت صحيفة “هآرتس” بأن الخلافات ما زالت قائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة حول الملف السوري، موضحة أن ترمب يدفع منذ أشهر باتجاه ترتيبات أمنية بين الجانبين تشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق سيطر عليها قبل نحو عام في جبل الشيخ والجولان، في حين يواصل نتنياهو إبداء تشككه والتحفظ على هذه الطروحات.
————————–
========================
تحديث 18 كانون الأول 2025
———————————–
هجوم تدمر ورسائل ما بعد التحوّل السوري/ بشار نرش
18 ديسمبر 2025
لم يكن الهجوم الذي نفّذه مسلّح من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قرب مدينة تدمر في محافظة حمص، والذي استهدف دورية سورية – أميركية مشتركة، وأدّى إلى مقتل جنديَين أميركيَين ومترجم وإصابة آخرين، حادثاً أمنياً معزولاً، ولا مجرّد خرق تكتيكي في منطقة صحراوية شاسعة، بل يحمل في طيّاته رسائل ودلالات استراتيجية تتجاوز المكان والزمان، وتعيد طرح سؤال “داعش” بوصفه تنظيماً فاعلاً قادراً على استثمار لحظات الانتقال، واختبار هشاشة الترتيبات الأمنية الجديدة في سورية ما بعد التحوّل السياسي.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة هذا الهجوم بمعزلٍ عن السياقات والرسائل المتعدّدة التي سعى “داعش” إلى إيصالها في هذا الوقت بالذات، سواء على مستوى حضوره الميداني، أو في ما يتّصل بإعادة تموضعه في سياق التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها سورية بعد إسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
في مستوى أول، يؤكّد الهجوم رسالة بدائية لكنها شديدة الأهمية والخطورة، مفادها بأن “داعش” ما زال موجوداً رغم هزيمته جغرافياً عام 2019، ورغم كل الضربات التي تعرّض لها التنظيم في السنوات الماضية، إلّا أنّه ما يزال يحتفظ بقدرة عملياتية وبخلايا نائمة في البادية السورية، تسمح له بالضرب في توقيت حساس ومكان رمزي كتدمر التي لا تعد مجرّد جغرافيا صحراوية، بل عقدة استراتيجية تربط البادية بالعمق السوري. وبالتالي؛ يعكس اختيارها لتنفيذ الهجوم فهماً دقيقاً لرمزية المكان وضعف السيطرة المستدامة عليه.
على المستوى الثاني، يرسل الهجوم رسالة تتعلق بالتعافي وإعادة التنظيم. لذا؛ لا يمكن فصل هذا الهجوم عن سلسلة عمليات متفرّقة شهدتها سورية في الأشهر الماضية، التي تشير في أحد جوانبها إلى نمط تصاعدي إلى حد ما في نشاط “داعش” في محاولة لاستثمار بعض الثغرات الأمنية، وتفاوت مستويات التنسيق، وانشغال الإدارة السورية الجديدة بإعادة ترتيب أولوياتها السياسية والعسكرية، ليعيد بناء خلاياه الصغيرة المرنة.
وعلى المستوى الثالث، والأكثر مباشرة، يحمل الهجوم رسالة واضحة عن استعداد التنظيم للمواجهة، سيّما أنّ هذا الهجوم يأتي في سياق أمني وسياسي شديد الحساسية، يتزامن مع تحسّن ملحوظ في العلاقات السورية – الأميركية، وانضمام سورية رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وهو ما يضع “داعش” في موقع ردة الفعل العقائدية والسياسية بوصفه تنظيماً بنى سرديته تاريخياً على منطق “الحرب مع الجميع”، لذا يرى التنظيم في هذه المستجدات إعلان مواجهة صريحة، ما يدفعه إلى الرد المبكر بهدف تكريس معادلة ردع نفسية تتجاوز أثرها العسكري المباشر.
وعلى المستوى الرابع، يحمل الهجوم رسالة تعبر عن ثبات أيديولوجي موجّه في المقام الأول إلى جمهور “داعش” المحتمل، في محاولة منه لإعادة إنتاج سرديته العقائدية في مواجهة ما يعتبره تحولات براغماتية لخصومه، ومن خلالها يسعى التنظيم إلى القول إنّه بخلاف الإدارة السورية الجديدة التي غيّرت خطابها وتحالفاتها، لم يغيّر مبادئه ولا أولوياته.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يفتح الهجوم الباب أمام التشكيك بقدرة الإدارة السورية الجديدة شريكاً أمنياً موثوقاً، وهذا الأمر لا يتعلق بقدرات ميدانية فحسب، بل بمنظومة متكاملة تشمل العقيدة الأمنية والهياكل والكوادر، وهو ما قد يدفع الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم مستوى الجاهزية السورية في مواجهة تهديدات غير تقليدية تعتمد على حرب العصابات.
ومن جهة أخرى، قد يوفّر هذا الهجوم فرصة لتحالف غير معلن من الخاسرين والمتضرّرين من التحوّل السوري في 8 ديسمبر (2024) لزيادة الضغط السياسي على الإدارة السورية الجديدة وإرباك المشهد الداخلي.
بالمحصلة، يمكن القول إنّ هجوم “داعش” لا يمثّل عودة حقيقية للتنظيم كما كان، بل هو تذكير بأنّ التنظيم لم يخرج من المعادلة السورية بعد، وأنّه قادر على تشكيل تهديد مزعج وطويل المدى للإدارة السورية الجديدة، وقادر على تعطيل مسارات التعافي إن أُسيء تقديره. وبالتالي؛ فالإدارة السورية الجديدة مطالبة بأن تضع الأمن في صدارة أولوياتها، لا بوصفه إجراءً تقنياً، بل بصفته شرطاً تأسيسياً لأي مشروع استقرار مستدام، مع ضرورة إعادة النظر بالترتيبات الأمنية والعسكرية التي صيغت على عجل خصوصاً في البادية والمناطق الهشة وبلورة مقاربة أمنية – سياسية شاملة تربط بين الأمن والاستقرار والتنمية بوصفها مسارات متلازمة لا يمكن فصلها. ومن دون ذلك، سيبقى التنظيم قادراً على الحضور من هامش المشهد السوري، مستثمراً كل فراغ أمني، وكل ارتباك في أولويات الحكم. فالتحدي الذي يفرضه لا يكمن في قدرته على استعادة السيطرة الجغرافية بقدر ما يتجلّى في قدرته على إنهاك الدولة الجديدة واستنزاف مواردها، وتقويض ثقة الشركاء الدوليين بها، وإعادة إنتاج نفسه فاعلاً تخريبياً في لحظات التحوّل.
العربي الجديد
—————————–
القوات الأميركية في سوريا: إلى أين؟/ وليد فارس
دمشق اعترفت أن مطلق النار كان عضواً في جهاز الأمن لكنها وصفته بأنه عنصر في “داعش” وقد اخترق الجهاز
الأربعاء 17 ديسمبر 2025
السلطات السورية تفضل الاستفادة من القوة الأميركية الرمزية في شرق سوريا، للضغط على قسد لنزع سلاحها والرضوخ للسلطة في دمشق، وتوفير وجود رمزي للحد من التوغل الإسرائيلي.
منذ حادثة إطلاق النار على عسكريين أميركيين ومترجم مدني وقتلهم في مركز تابع للأمن الحكومي السوري على مقربة من تدمر في البادية السورية، تتركز الأنظار الصحافية والحكومية والاستخبارية الإقليمية والدولية بشدة على الوقائع التي حدثت، الوقائع التي لم تكن معروفة في الأقل من الرأي العام، والتطورات المنتظرة الممكنة وخطورتها. فما هو الوضع الحالي، ولو كانت المعلومات المتوفرة محدودة جداً.
أولاً، على الصعيد الإعلامي، توالت تقارير عدة، بعضها متناقض، لكنها باتت تستقر حول الوقائع تدريجاً. أول البيانات الصادرة عن القيادة المركزية الأميركية، التي أثرت في الروايات الصحافية الأميركية، بما فيها المحافظة، قالت وبتريث إن دورية مشتركة أميركية ـ سورية “تعرضت لكمين” من “داعش” أدى إلى مقتل عسكريين ومترجم أميركيين، وإن القوات الشريكة (Partners) قضت على مطلق النار، وعلى إثر ذلك هددت الإدارة بأنها “ستنتقم وتقتص من الفاعلين”.
إلا أن معارضة الحكم، عبر مغردين، نشرت معلومات حول الفاعل وظروف القتل، ونشرت اسم مطلق النار وبعض الوقائع المادية، وبينت أن الفاعل هو عضو في جهاز أمني سوري، وقد تنقل في مواقع ضمن “النصرة” و”هيئة تحرير الشام”، ودخل مع رئيسه إلى جهاز الأمن، وأن هذا الأخير تم تعيينه مسؤولاً أمنياً في منطقة تدمر، مما سمح له أن يحضر مع المسؤول الأمني خلال اجتماعه مع الوفد الأميركي، وبالتالي فتح له ثغرة ليردي العسكريين الأميركيين والمترجم أرضاً.
السلطات في دمشق اعترفت أن مطلق النار كان عضواً في جهاز الأمن، لكنها وصفته بأنه عنصر في “داعش” وقد اخترق الجهاز. “الرواية السورية” أصبحت أكثر وضوحاً من الرواية الرسمية الأميركية، ربما لأن المجتمع السوري يعرف داخله أكثر مما يعرفه المجتمع الخارجي والحكومات الأجنبية، وربما أيضاً أن فصائل سورية معارضة للحكم تعرف بدقة ما يجري داخل الأجهزة والاختراقات المتبادلة.
والموضوع بحد ذاته ليس صعباً للفهم، لكنه صعب للتفسير لدى الرأي العام الأميركي، إذ إن اختراق عنصر “داعشي” لقوات الأمن، وهي بغالبها آتية من “هيئة تحرير الشام” وجبهة “النصرة”، أمر يحدث ويمكن اعتباره عادياً في سوريا الآن. والنظام الجديد أيضاً يخترق “داعش” والجماعات المماثلة بصورة دائمة.
إذاً، لماذا هناك قلق في الولايات المتحدة حول الموضوع في بعض حلقات الإعلام، وبعض أعضاء الكونغرس، وعدد من خبراء مكافحة الإرهاب؟
الجواب المختصر هو أن الحالة في سوريا لا تزال غير مستقرة تماماً، وأنه على رغم أن “هيئة تحرير الشام” قد حسمت السلطة لصالحها بقوة، وحصلت السلطات الجديدة على أعلى الاعترافات الدولية، وخطب الرئيس السوري أحمد الشرع في الأمم المتحدة، واستقبل في البيت الأبيض والمؤتمرات العربية والإسلامية، وزار موسكو وكبار العواصم العربية، إلا أن السؤال الصعب يبقى قائماً.
فبغض النظر عن قوة الدعم الأميركي للرئيس الشرع، وبعد سنوات من ملاحقة القائد الراديكالي لجبهة النصرة، تتجه أنظار المحللين إلى قدرة سلطته على تأمين المصالح الأميركية والصديقة المشتركة، لا سيما وأن “الشراكة الأميركية ـ السورية الجديدة” تشمل دخول شركات ومصالح أميركية وغربية كثيرة إلى الأراضي السورية، وهي ربما السبب الأساس وراء دعم الإدارة للحكم الجديد في دمشق.
لذلك، فإن سيطرة “الحكم الأموي الجديد” على كامل الأراضي مسألة أساسية بالنسبة إلى هذه العلاقات والمصالح معاً. بالطبع، إن إطلاق النار على عسكريين أميركيين خلال اجتماع في حضانة الأمن السوري أمر قد يحصل، وقد حصل من قبل في دول أخرى كأفغانستان أو العراق ولبنان، إلا أن معانيه هنا لها ثقل استراتيجي ويطرح أسئلة أساسية بالنسبة إلى وجود القوات الأميركية في سوريا.
فهذه الأخيرة تم نشرها أساساً مع حملة التحالف الدولي التي تقودها واشنطن ضد تنظيم “داعش”، ولا تزال توجد في شرق سوريا منذ 2014. وقد أسهمت في إسقاط “خلافة داعش” إلى حد كبير، ودعمت قوات سوريا الديمقراطية، وواجهت “الميليشيات الخمينية” في الهلال الخصيب، ومكنت القوة الأميركية في المنطقة.
وكانت إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى قد استمرت بدعمها على رغم الإعلان بأن الوجود العسكري الأميركي سينحسر وينتهي، والسؤال اليوم بعد عام من سقوط بشار الأسد وقيام الجمهورية العربية السورية “الثانية” بقيادة الشرع، هو حول مستقبل القوات الأميركية في بلاد الشام: هل ستبقى لمساعدة السلطات في استرجاع كل المناطق والضغط على إسرائيل لكي تتوقف عن التدخل في الجنوب، أم أنها ستنسحب من كل سوريا للسماح للحكم المركزي بإعلان استقلال تام عن الخارج؟
السلطة في دمشق تفضل الاستفادة من القوة الأميركية الرمزية في شرق سوريا للضغط على قسد لنزع سلاحها والرضوخ للسلطة في دمشق، وتوفير وجود رمزي للحد من التوغل الإسرائيلي.
ولكن القيادة في الدولة السورية تريد أن تبقى هي في موقع الإمساك بالقرار، وبالتالي تقدير زمان خروج هذه القوات، إلا أن استهداف عسكريين أميركيين يقومون بمهماتهم يسبب إحراجاً للرئاسة السورية، إذ إن ذلك سيهز الرأي العام الأميركي ويقود إلى انسحاب سريع لهذه القوات، مما قد يضعف السلطة تجاه أخصامها الداخليين وإسرائيل، أو زيادة العدد والعتاد للقوات الأميركية مع خطر اشتباك أكبر مع “الدواعش” وقوى مزاحمة أخرى، مما يؤدي إلى عدم استقرار يقلق الشركات الوافدة التي ستتجنب الإسراع في الاستثمار.
فأياً كان اتجاه الأحداث، فإن المخاطرة موجودة. لذا، فإن حادثة تدمر ليست نهاية العالم بحد ذاتها، لكنها قد تنذر بحالة جديدة قد تهدد “الربيع الأموي”، ما لم يقم توازن تعددي جديد في سوريا.
————————
تداعيات تدمر: الهجوم الذي يختبر التعاون الأمني بين واشنطن ودمشق/ أحمد الجابر
حادثة تدمر تكشف هشاشة الأمن ورسائل الإرهاب بين واشنطن ودمشق
2025-12-17
تعرض محيط مدينة تدمر، السبت الماضي، لهجوم استهدف وفداً عسكرياً أميركياً ـ سورياً خلال جولة ميدانية ضد تنظيم “داعش”، ما أسفر عن مقتل جنديين ومترجم أميركي وإصابة آخرين، في كمين نُسب إلى خلايا تابعة للتنظيم، مسلطاً الضوء على هشاشة الوضع الأمني في البادية السورية. واعتبرت واشنطن الهجوم استهدافاً مباشراً لمصالحها، وتوعّد الرئيس دونالد ترامب ووزارة الدفاع برد حازم ومواصلة العمليات، مع تشديد الإجراءات الأمنية.
في المقابل، أدانت دمشق الهجوم واعتبرته عملاً “إرهابياً” يضرب جهود مكافحة الإرهاب والتنسيق المشترك، مؤكدة بدء تحقيقات وحملات اعتقال واسعة. وتعكس الحادثة تصاعد التوتر الأمني وخطورة عودة نشاط “داعش”، باعتبارها اختباراً حساساً للتنسيق الأميركي ـ السوري وتأكيداً على أن المعركة مع التنظيم لم تنتهِ بعد.
تداعيات الهجوم على التنسيق
يؤكد أيمن عبد النور، السياسي والإعلامي السوري الأميركي المقيم في واشنطن لـ”963+”، على وجود خللٍ أمنيٍ واضحٍ، ويشير إلى أن توقعاتٍ سابقةً كانت قد حذّرت من إمكانية حدوث مثل هذه العمليات، مستشهداً بما حصل في أفغانستان، حيث كان هناك فرقٌ كبيرٌ في طبيعة الأحداث، وأدى ذلك إلى سقوط أعدادٍ كبيرةٍ من الجنود والضباط الأميركيين رفيعي المستوى.
ويضيف عبدالنور أنه كان من المفترض أن يكون هناك “حذرٌ أكبر”، لكنه يعتقد أن “هذا الحادث لن يؤثر على طبيعة العلاقات بين الجيش الأميركي والجيش السوري، لأن الجيش السوري أصبح الآن عضواً فاعلاً في التحالف الدولي لمحاربة داعش”. وبناءً على ذلك، يرى أنه “سيتم اعتماده، وتدريبه، وتطويره، وتجهيزه، وأن هذه الحادثة لن تعيق هذا المسار”.
الخلل الأمني
بدوره، يقول صبري الجندي وهو كاتبٌ صحفي في جريدة الأهرام المصرية لـ”963+”، إنه “لا شكّ في وجود خلل أمني خطير، بل رهيب، لدى قوات الأمن الداخلي في سوريا”، كما يضيف أن هناك “خللاً أمنياً مماثلاً لدى القوات الأميركية الموجودة على الأراضي السورية”.
ويشير الجندي إلى أن “نفي وزارة الداخلية السورية لا ينفي هذا الخلل، بل يؤكده”، إذ يلفت إلى أن الاختراق الذي أدى إلى ارتكاب هذا الحادث، الكبير في دلالاته، “وقع في منطقة قيل إنها مخصّصة لقوى الأمن الداخلي، وكان منفّذ العملية يتحرّك فيها براحة تامة”.
ويتأسف الكاتب لأن وزارة الداخلية السورية كانت قد قالت إن هذه المنطقة محصّنة أمنياً، وإنه لا توجد مؤشرات على أن مرتكب الحادث ينتمي إلى قوى الأمن في سوريا. لكنه يعلّق بأن الحقيقة الميدانية، والمتمثلة في قدرة المنفّذ على الدخول إلى مقر الاجتماع أو الاقتراب الشديد منه، “تؤكد وجود خلل أمني واضحاً”.
ويضيف، معدّداً النقاط، أن هذا الخلل أولاً “يؤكد وجود صلة قوية بين منفّذ العملية وبين الاجتماع نفسه”، معتبراً أنه “لو لم تكن هناك صلة، لما بادرت وزارة الداخلية السورية إلى نفي هذه العلاقة من دون أن يطلب منها أحد ذلك”.
تنسيق وتطوير
يشير عبدالنور إلى أن “التنسيق سيستمر، بل سيتزايد، مع احتمال أن يختلف في طبيعته خلال المرحلة الأولى”. ويوضح أن “التركيز قد ينصب على تطوير آليات فحص المتطوعين الجدد، وإجراء تدقيق أمني أكثر صرامةً لهم، بما في ذلك تزويد الجهات المعنية بأجهزةٍ تعتمد على تحليل حركات الوجه، أو أجهزة كشف الكذب، مع تدريب العناصر على استخدامها بشكلٍ فعّال”. كما يلفت إلى أهمية تزويدهم بأجهزة اتصالاتٍ ومراقبةٍ أكثر تطوراً.
ويضيف أن “تطوير عقيدة الجيش السوري يشكّل أولويةً قصوى لدى الجيش الأميركي في المرحلة الحالية”، معتبراً أن “إعادة بناء العقيدة العسكرية السورية تمثّل حجر الأساس في هذا التعاون”.
أما عن التداعيات السلبية، فيعتقد عبد النور أن “النقاش الحقيقي لا يدور بين الجيش الأميركي والجيش السوري، بل داخل أروقة البنتاغون وأجهزة الأمن الأميركية نفسها”.
وفي المقابل، يشير إلى أن المقرّبين من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ومن الإدارة السورية الجديدة، “سيجادلون بأن مثل هذه الحوادث قد وقعت سابقاً، ويمكن أن تقع في أي بلدٍ، وأن المطلوب هو الحذر والاستعداد وتعزيز قدرات الجيش لاكتشاف العناصر المتطرفة المتغلغلة في صفوفه”.
رسائل الهجوم
وعن الرسائل السياسية والأمنية التي أراد منفّذو الهجوم إيصالها، يجيب عبد النور بأنها “جاءت في توقيتٍ بالغ الحساسية، قبيل التصويت النهائي في مجلس الشيوخ الأميركي على قانون إزالة أو تعديل قانون قيصر”.
ويشير إلى أن ذلك قد يترك أثراً سلبياً على المزاج العام داخل الكونغرس، ما يستدعي، مزيداً من الحذر في الأيام المتبقية، والعمل بشكلٍ مكثفٍ على كشف هذه العناصر المتطرفة وإزالتها من المشهد.
بدوره يرى الجندي أن “الرسائل الأمنية والسياسية التي يحملها الهجوم واضحة، إذ تشير إلى أن هناك خللاً أمنياً حقيقياً، وأن تنظيم “داعش”، ما زال موجوداً وقادراً على الوصول إلى أهداف يختارها بنفسه، وأنه لا يزال جزءاً من المعادلة السورية، الأمر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار”.
ويضيف أن من بين الرسائل الأساسية التي يوجّهها تنظيم “داعش” من خلال هذا الهجوم رسالةً مباشرةً إلى الأميركيين، مفادها أن التنظيم لا يزال حيّاً، وقادراً على الوصول إلى الأميركيين في سوريا، في أي موقع وفي أي وقت.
كما يلفت إلى أن “هذه الرسالة تؤكد في الوقت نفسه عدم قدرة النظام السوري الحالي على بسط نفوذه الكامل على كل الأراضي السورية، وكذلك عدم قدرته الأمنية على حماية السوريين وغير السوريين الموجودين على أراضي سوريا”.
ويشير إلى أن توقيت هذه العملية حساسٌ للغاية، “إذ جاءت في إطار مرحلة تشهد علاقات وليدةً وناشئةً بين سوريا بنظامها الحالي والإدارة الأميركية”، وهي علاقات تهدف، بحسب وصفه، إلى “تنسيق أمني مستقرّاً، وإلى ضمان استمرار الوجود الأميركي في سوريا”.
ويضيف أن “النظام الحالي يحمي هذا الوجود، ويؤكد أنه لا يشكل خطراً، لا على الوجود الأميركي ولا حتى على الوجود الإسرائيلي على الأراضي السورية”.
ويفسّر الكاتب التأثير المحتمل لهذا الهجوم بأنه قد يؤدي إلى “رفع مستويات التنسيق والتعاون الأمني بين واشنطن ودمشق في المرحلة المقبلة، بل وقد يمنح الولايات المتحدة مبرّراً للتدخل في الشؤون الأمنية السورية بشكل مباشر، وربما يعطيها ذريعةً لاستخدام القوة على الأراضي السورية ضد تنظيم داعش”.
ويرى عبد النور أن “هذا الهجوم قد يدفع نحو نتائج إيجابية، إذ قد يمنح الرئيس مبرّراً لتوجيه ضرباتٍ حازمةٍ ضد العناصر المتشددة أو المختلفة التي لا تزال موجودة داخل الجيش، كما قد يؤدي إلى تغيير المناهج التدريبية، وإطالة مدتها، بحيث لا تقتصر على أسابيع قصيرة تتناول مسائل شكلية، بل تصبح أكثر دقةً وعمقاً واحترافيةً في كيفية التعامل مع الناس والمجتمع”.
كما يضيف عبد النور أن هذا الهجوم “قد يمنحه ذريعةً لإجراء تغييراتٍ واسعةٍ، قد تصل حتى إلى مستوى وزارة الدفاع”.
ويؤكد أنه سيكون هناك “قدرٌ من الحذر في تبادل المعلومات الاستخباراتية خلال المرحلة الأولى، خوفاً من تسريبها إلى تنظيم “داعش” أو إلى عناصر متطرفة”، لكنه يوضح أن ذلك “لا يعني توقف هذا التعاون، بل سيتم حصره ضمن دائرةٍ ضيقةٍ، مع تطوير آليات التعاون الاستخباراتي بشكلٍ أكثر أماناً”.
أما التداعيات السلبية، فيعتبر الجندي أنها “ستنعكس بشكل واضح على سكان البادية السورية، الذين سيشعرون بقلقاً دائماً من تكرار مثل هذه العمليات”.
ويضيف أن “النشاط الإرهابي للتنظيمات المتطرفة لم يتوقف في المنطقة”، بل تراجع نسبياً فقط تحت ضغط الضربات التركية والضربات الأميركية.
ويخلص إلى أن من النتائج الإيجابية للهجوم أنه “يعزّز تبادل المعلومات بين الأميركيين والسوريين، كما يساهم في تعزيز قنوات تبادل المعلومات بين إسرائيل وسوريا”، مؤكداً على “الحاجة الملحّة إلى وضع استراتيجيةً واضحةً لمكافحة الإرهاب”.
+963
—————————————
الأمن السوري يطارد خلايا تنظيم “الدولة”.. تعاون مجتمعي مطلوب لإجهاض التهديدات/ خالد الخطيب
2025.12.17
شهدت مناطق متفرقة من سوريا، منذ مطلع شهر كانون الأول/ديسمبر، تصاعداً لافتاً في الهجمات التي استهدفت دوريات الأمن الداخلي والجيش السوري، في مؤشر على محاولة تنظيم “الدولة” استعادة حضوره الميداني عبر خلايا نائمة تعتمد أسلوب الضربات السريعة والمحدودة الكلفة.
وكان آخر تلك الهجمات قرب بلدة الغزاوية غربي حلب، حيث أطلق مسلحان يستقلان دراجة نارية النار على عناصر من الجيش السوري، ما أسفر عن وقوع إصابات، وجاء ذلك بعد أيام من تبني التنظيم هجومًا استهدف دورية لأمن الطرق في معرة النعمان بريف إدلب الشرقي، وأسفر عن مقتل أربعة عناصر وإصابة آخرين.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن التنظيم يسعى، في هذه المرحلة، إلى تجنب استهداف المدنيين بشكل مباشر، تفاديا لتشكيل بيئة اجتماعية معادية تعيق تحركاته ونشاط خلاياه، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في استراتيجيته مقارنةً بالنهج الدموي الذي اعتمده سابقًا، وهذا التغير التكتيكي لا يعني تراجع خطورته، بل محاولة أكثر حذرا لإعادة التموضع وبناء شبكات دعم لوجستي وأمني بين الناس.
حملة أمنية واسعة
رداً على هذه التطورات، صعدت وزارة الداخلية السورية من حملتها الأمنية، التي انطلقت عقب هجوم تدمر، وامتدت لتشمل مناطق الشمال والوسط السوري، ولا سيما محافظات حلب وإدلب وشمال حماة، التي لوحظ فيها نشاط متزايد لخلايا التنظيم خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، أعلنت قيادة الأمن الداخلي، أنها وبالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب في جهاز الاستخبارات العامة، تمكنت من إلقاء القبض على خلية إرهابية تابعة لتنظيم “الدولة” مسؤولة عن تنفيذ عدة هجمات استهدفت دوريات أمنية وعسكرية في محافظتي إدلب وحلب.
وقالت الوزارة، في بيان، إن الوحدات المختصة كثفت تحقيقاتها وجمعت معلومات ميدانية دقيقة مكنتها من تحديد هوية منفذي الهجوم والسيارة التي استخدموها، وبناء على عمليات الرصد والمتابعة، أُلقي القبض على ثلاثة أشخاص، في حين جرى تحييد عنصر رابع، واعترف الموقوفون بوجود أربعة متورطين آخرين.
وأضاف البيان أن عملية أمنية ثانية نفذت لاحقًا أسفرت عن إلقاء القبض على بقية أفراد الخلية، ليرتفع عدد الموقوفين إلى ثمانية أشخاص. وخلال التحقيقات، أقرّ المتهمون بمسؤوليتهم عن ثلاث عمليات إرهابية، شملت استهداف دورية أمن الطرق في معرة النعمان، والاعتداء على عناصر وزارة الدفاع على جسر سراقب بريف إدلب، إضافة إلى الهجوم المسلح على عناصر الضابطة الجمركية في منطقة الزربة بريف حلب.
وأوضح البيان أن العمليتين أسفرتا عن ضبط أحزمة ناسفة، وكواتم صوت، وصواريخ من نوع (ميم-دال) إلى جانب أسلحة رشاشة من طراز “M4”، كانت مُعدة لتنفيذ هجمات تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وأكدت وزارة الداخلية استمرارها في ملاحقة خلايا التنظيمات الإرهابية وإحالة جميع المتورطين إلى القضاء المختص.
دعوات لتكاتف شعبي
بالتوازي مع الجهد الأمني، تصاعدت الدعوات في الشمال السوري إلى إطلاق حراك شعبي واسع لمواجهة خلايا التنظيم وخطاب الغلو والتطرف، في ظل إدراك متزايد بأن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي من دون غطاء اجتماعي داعم.
وقال مصدر متابع للجماعات الإسلامية في سوريا إن المرحلة الحالية تتطلب من الجميع “الامتياز عن الغلاة وخلايا التنظيم، وتنقية الخطاب العام من أي مظاهر أو إشارات قد تفسر على أنها تعاطف مع الخوارج”، محذرا من أن الانزلاق في هذا الاتجاه قد يضع الأفراد والمجتمعات المحلية في دائرة الشبهة والملاحقة.
وأضاف المصدر أن “سهام الأعداء اليوم تجتمع من أكثر من اتجاه، من الخارج، ومن خلايا التنظيم، ومن الفلول، وقسد، ما يفرض على الجميع التعاون للحفاظ على الاستقرار ومكتسبات الثورة، وعدم السماح بجر المناطق إلى الفوضى” وشدد على أن خطاب النصح والإصلاح يجب أن يستمر ضمن ضوابط واضحة، وبالرجوع إلى أهل العلم المعروفين، بعيداً عن المناكفات التي تجر إلى مزيد من الهلاك.
وفي هذا الإطار، يؤكد ناشطون وأهالي تحدث معهم موقع تلفزيون سوريا، أن التنظيم يعتمد بشكل أساسي على الاختباء بين الناس، واستغلال الثغرات الاجتماعية والأمنية، ما يجعل وعي الأهالي وتعاونهم مع الجهات الحكومية عنصراً حاسماً في إفشال مخططاته.
يقول أبو أحمد، أحد أهالي ريف حلب، لموقع تلفزيون سوريا: “نحن أول من يدفع ثمن أي عودة للتنظيم، عشنا هذه التجربة سابقًا ونعرف حجم الدمار الذي يجلبه، التعاون مع الأمن واجب، والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة هو حماية لأبنائنا قبل أن يكون دعماً للحكومة”.
اتهامات لقسد
في سياق متصل، كشفت مصادر أمنية متابعة لموقع تلفزيون سوريا أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أقدمت مؤخراً على إخراج نحو 20 عنصراً من تنظيم “الدولة” من سجونها في محافظة الحسكة، وسهّلت وصولهم إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، وبحسب المصادر، فإن “قسد” متورطة في تسهيل تحركات عناصر التنظيم خارج مناطق نفوذها، بما يخدم مصالحها السياسية والأمنية، خاصة في هذا التوقيت الحساس.
وتضيف المصادر أن قسد تبدو المستفيد الأكبر من الهجمات التي تستهدف الأمن العام والجيش السوري أو مؤسسات الحكومة عامة، سواء عبر تسهيل تحركات التنظيم أو من خلال استخدام اسمه كغطاء لتنفيذ عمليات مباشرة أو غير مباشرة، بالتعاون مع فلول النظام المخلوع، في ظل كلفة منخفضة لا تتطلب سوى تغيير الشعارات والرموز، وترى المصادر أن قسد تواجه أزمة متصاعدة مع اقتراب انتهاء مهلة اتفاق 10 من آذار، وتزايد الضغوط الأميركية لتنفيذه وتحقيق الاندماج، ما يدفعها، وفق التقديرات، إلى محاولة تقويض الشراكة السورية الأميركية الناشئة في مجال مكافحة الإرهاب، عبر إظهار ضعف القوات السورية وسهولة اختراقها.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المواجهة مع خلايا تنظيم “الدولة” معركة متعددة المستويات، لا تقتصر على الضربات الأمنية فحسب، بل تمتد إلى الوعي المجتمعي والتماسك الداخلي، فنجاح الجهود الحكومية في تحجيم خطر التنظيم يبقى مرهونًا بمدى تعاون الأهالي، ورفضهم توفير أي بيئة حاضنة أو ملاذ آمن للخلايا النائمة، في وقت تتقاطع فيه التهديدات الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية تسعى لإعادة خلط الأوراق الأمنية في سوريا.
تلفزيون سوريا
———————————–
خطط داعش الجديدة.. ضرب “أهداف سهلة” لإضعاف الثقة بدمشق؟/ خالد الخطيب
الأربعاء 2025/12/17
تبنى تنظيم “داعش” عملية استهداف دورية تابعة لقوات الأمن العام السوري عند الجسر الجنوبي لمدينة معرة النعمان، في ريف إدلب.
وأعلنت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم، أن مسلحيه هاجموا الدورية على طريق معرة النعمان باستخدام الأسلحة الرشاشة، ما أدى أيضاً إلى تضرر الآلية قبل أن ينسحب المنفذون من الموقع دون خسائر في صفوفهم.
وفي أعقاب الهجوم، كشف مصدر أمني لـ”المدن”، عن تكثيف وحدات الأمن العام لعملياتها لملاحقة خلايا التنظيم في المناطق التي شهدت استهدافات متكررة خلال الأسبوعين الماضيين، لا سيما في محافظتي إدلب وحلب.
وأوضح المصدر أن التصعيد لم يقتصر على معرة النعمان، إذ شهد ريف حلب الغربي في اليوم التالي حادثة إطلاق نار مماثلة، بعدما هاجم مسلحون مجهولون يستقلون دراجة نارية عناصر من وزارة الدفاع قرب بلدة الغزاوية، ما أسفر عن إصابة أحدهم، فيما نجا الآخر، قبل أن يلوذ المهاجمون بالفرار.
تصعيد متوقع
وجاءت حادثتا معرة النعمان في ريف إدلب والغزاوية، في ريف حلب، في سياق سلسلة استهدافات أمنية سبقتهما، أبرزها الهجوم على دورية للجمارك على الطريق الدولي حلب – دمشق قرب بلدة الزربة جنوبي حلب، بداية شهر كانون الأول/ديسمبر الحالي، والذي أسفر حينها عن مقتل عنصرين، كما شهدت بلدة دير حسان في ريف إدلب عملية اغتيال لقيادي في صبيحة يوم عيد التحرير. وبحسب مصادر أمنية متابعة، يُتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الهجمات المشابهة، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية إلى العمل على تعزيز حضورها وإجراءاتها الأمنية في عدد من المناطق الحساسة.
ويقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج، لـ”المدن”، إن تنفيذ خمس عمليات ضد قوات حكومية خلال فترة زمنية قصيرة، يشير بوضوح إلى أن التنظيم غيّر تكتيكاته، متجهاً نحو استهداف أهداف أسهل من حيث التنفيذ.
ويضيف الحاج أن هذه الأهداف، على الرغم من بساطتها، باتت تحمل قيمة سياسية أعلى، ولا سيما بعد انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي، إذ يسعى التنظيم عبر هذا النمط من الهجمات إلى إضعاف الثقة الأميركية والدولية بقدرة دمشق على مواجهة تنظيم داعش، ويرى أن هذا المسار مرشح للتصاعد خلال المرحلة المقبلة، كونه يحقق للتنظيم مكاسب سياسية سريعة ومباشرة، وفي الوقت نفسه يخدم خصوم الحكومة على الساحة الإقليمية والدولية.
لماذا يفضل التنظيم الأهداف السهلة؟
ويوضح أن ما يُعرف بالأهداف السهلة هي تلك المواقع المحددة مسبقاً والتي يمكن الوصول إليها بمخاطر محدودة، مثل دوريات أمن الطرق والحواجز، ويشير إلى أن استهداف هذا النوع من الأهداف بات أكثر جدوى بالنسبة للتنظيم مقارنة بضرب المدنيين، إذ إن العائد السياسي لمهاجمة المدنيين تراجع، في حين يحقق استهداف القوات الحكومية مكاسب أوضح عبر إظهار ضعف الأجهزة الأمنية وعجزها عن حماية عناصرها ومنشآتها.
وبحسب الحاج، فإن التنظيم كان في مراحل سابقة يركز على زعزعة الاستقرار من خلال استهداف المدنيين وبثّ الرعب في المجتمع، إلا أنه غيّر اليوم طبيعة أهدافه بما يخدم استراتيجيته الجديدة، والمتمثلة في تقويض الثقة الدولية بقدرة الحكومة السورية على ضبط الأمن ومواجهة التحديات الأمنية، وهو ما يمنح هذه الهجمات بعداً سياسياً يتجاوز تأثيرها الميداني المباشر.
هجمات خاطفة وخلايا نائمة
ويتوقع متابعون للشأن الأمني أن يسعى “داعش” إلى تنفيذ مزيد من عمليات الاستهداف خلال الأيام التي تسبق رأس السنة الميلادية، مستفيداً من عاملين أساسيين: سهولة تنفيذ هذا النوع من الهجمات، وارتفاع عوائدها السياسية والإعلامية، في ظل بيئة أمنية ما تزال تعاني هشاشة واضحة ووجود خلايا نائمة.
ويشير مراقبون إلى أن تنقل عناصر التنظيم على دراجات نارية وتنفيذهم هجمات خاطفة ثم الانسحاب بسرعة، يعكس استمرار الثغرات الأمنية، لا سيما مع اتساع الرقعة الجغرافية المستهدفة. ووفق التقديرات الأمنية، فقد أتاح العام الماضي لهذه الخلايا وقتاً كافياً لإعادة الانتشار والتمركز والتخطيط لموجة جديدة من العمليات، مستغلة الفراغات الأمنية وتفاوت مستويات الجاهزية بين المناطق.
ويقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أبو يحيى الشامي لـ”المدن”، إن “داعش” كثّف، منذ سقوط النظام، من دعايته القائمة على التكفير واستهداف السوريين، محذراً من عودة نشاطه في المناطق المحررة سابقاً. وأكد أنه سبق أن نبّه إلى هذا الخطر ودعا الحكومة إلى ملاحقة خلايا التنظيم والقضاء عليها قبل تصاعد تهديدها، وقبل أن تتحول هذه الخلايا إلى ذريعة لتدخل دولي أو مبرر لاستمرار وجود قوات سوريا الديموقراطية (قسد).
ويضيف أن التكتيكات التي يعتمدها التنظيم تقوم في الغالب على الغدر بالقوات الحكومية، كما فعل سابقاً مع فصائل الثورة السورية، من خلال استهداف الآليات برشقات مباشرة من الأسلحة الرشاشة أو زرع عبوات ناسفة. واعتبر أن التنظيم لا يستطيع تنفيذ هجمات واسعة النطاق إلا في حال تلقى دعماً من جهات معادية أو سيطر على منطقة جغرافية معينة.
—————————
“داعش” ينشر أنصاره بالمدن.. ويروج أن الدولة السورية “مرتدة”/ مصطفى محمد
الأربعاء 2025/12/17
تشهد سوريا زيادة ملحوظة في الهجمات التي تشنها خلايا تتبع لتنظيم “داعش”، فيما تشير مصادر أمنية لـ”المدن”، إلى أن التنظيم يتحضر لتنفيذ المزيد من الهجمات، بعد أن نشر عناصر تتبع له في المدن، رداً على العمليات الأمنية والمداهمات التي نفذتها قوات الأمن السوري ضد خلايا التنظيم في مختلف المناطق السورية، التي تزامنت مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
وأوضحت المصادر أن غالبية المدن السورية شهدت عمليات انتشار لعناصر التنظيم، رغم استنفار الوحدات الأمنية والعسكرية السورية، وتحدثت عن “ثغرات أمنية” يستفيد منها عناصر التنظيم الإرهابي.
تصعيد متوقع
وتوقعت المصادر أن يصعّد التنظيم من هجماته في مناطق مختلفة، وذلك لإشغال أجهزة الأمن، وتصعيب ملاحقة الخلايا، على اعتبار أن الهجمات ستشن في مناطق متفرقة.
وعلى حد تأكيدها، فإن حملات الدهم والاعتقال الاستباقية التي شنتها أجهزة الأمن السورية، دفعت “داعش” إلى الانتقال إلى مرحلة الهجوم.
وأشارت إلى أن “داعش” يحاول الاستفادة من أي فرصة لتنفيذ الهجمات، وذلك رداً على الضربات “الموجعة” التي مُنيت بها خلاياه خلال حملات الدهم والاعتقال التي شنتها أجهزة الأمن السورية.
استنفار القوى الأمنية
ووسط كل ذلك، برز تشديد أمني من قبل الوحدات الأمنية العسكرية والأمنية السورية على الحواجز المؤدية للمدن السورية، والطرق الواصلة بين المحافظات، للحد من انتشار خلايا التنظيم، وتغيير مناطق انتشارها تجنبا لمداهمات تنفذها الأجهزة الأمنية استناداً إلى معطيات جديدة وصلت للأجهزة من عناصر التنظيم الذين ألقي القبض عليهم.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت الثلاثاء الماضي، أن قواتها قتلت زعيم خلية مرتبطة بتنظيم “داعش” واعتقلت ثمانية آخرين، على خلفية الهجوم الدامي الذي استهدف الأحد عناصر الأمن في ريف إدلب.
وقالت الوزارة في بيان، إن العملية “استهدفت موقع خلية إرهابية تتبع لتنظيم داعش الإرهابي، وأدت إلى اعتقال جميع أفراد الخلية وعددهم ثمانية، وحيّد العنصر التاسع متزعم الخلية أثناء عملية الدهم”، وأكدت أنها نفذت العملية بناء على المعلومات التي جمعتها من الهجوم السابق.
وفي هذا الإطار، يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى النعيمي، لـ”المدن”، إن “الأمن يتحرك في سوريا وفق المعلومات الاستخباراتية، التي تتم مقاطعتها مع المناطق التي تُسجل هجمات من عناصر داعش”.
“الدولة مرتدة”
ويوضح أن أجهزة الأمن وقوات الجيش رفعتا الجاهزية بدرجة كبيرة، معتبراً أن “من الطبيعي أن تستنفر القوات الأمنية والعسكرية نظرا لحجم المخاطر الكبير”، ووفق النعيمي فإن تصعيد الهجمات من التنظيم لن يحقق مكسباً لداعش، لكنه قد يقلل من النجاحات التي تحققها الدولة السورية”.
ويستثمر “داعش” انضمام سوريا للتحالف الدولي، ليروّج بين أنصاره أن الدولة السورية “مرتدة”، ويجب قتالها، وهو ما يمكن قراءاته من خلال تصعيد الخطاب السياسي ضد الحكومة السورية في صحيفة “النبأ” التي يُصدرها “داعش”.
وتُقدر مصادر دولية أن تنظيم “داعش” لا يزال يمتلك ما بين 1500 و3000 مسلح في سوريا والعراق، وتؤكد أن “داعش” استفاد من الفوضى التي رافقت فترة انهيار النظام السوري البائد، حيث استولى على مخازن أسلحة كانت تتبع لجيش النظام المخلوع.
المدن
—————————
الكونغرس يلغي «عقوبات قيصر» على سوريا
السيناتور جيم ريش لـ«الشرق الأوسط»: الإلغاء غير المشروط يزيل عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات الأجنبية
واشنطن: رنا أبتر
17 ديسمبر 2025 م
أقر مجلس الشيوخ موازنة وزارة الدفاع للعام المقبل، التي تضمنت بنوداً كثيراً على رأسها إلغاء «عقوبات قيصر» على سوريا. وصوَّت بدعم 77 سيناتوراً مقابل معارضة 20 فقط لإقرار الموازنة الضخمة التي حظيت بدعم الحزبين.
وبهذا يكون الكونغرس قد ألغى رسمياً العقوبات القاسية التي فرضها في عام 2019 على نظام بشار الأسد، تحت اسم «عقوبات قيصر»، التي سميت تيمناً بمصور عسكري سوري سرب آلاف الصور التي توثق عمليات التعذيب في ظل النظام السابق.
وعن التصويت، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيم ريش لـ«الشرق الأوسط»: «بعد مسار طويل وجاد، عملنا عن كثب مع إدارة الرئيس دونالد ترمب على إلغاء قانون قيصر بشكلٍ مسؤول، وهو القانون الذي أدّى دوراً مهماً في سقوط نظام الأسد».
وتابع ريش: «هذا الإلغاء غير المشروط يزيل عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات التجارية الأميركية والدولية في سوريا. كما يعزّز متطلبات التقارير وآليات المراقبة لمعايير مثل الاضطهاد العِرقي والديني، لضمان بقاء سوريا على مسار التحول إلى شريكٍ للولايات المتحدة بما يجعل أميركا أكثر أمناً وقوة وازدهاراً».
تفاصيل إلغاء «قيصر»
وبحسب النص الذي تم إقراره، وإرساله إلى البيت الأبيض ليحظى بتوقيع الرئيس ترمب ويصبح ساري المفعول، يتم رفع «عقوبات قيصر» نهائياً مع شروط غير ملزمة، ويتضمن تقريراً تقدمه الإدارة إلى الكونغرس في مدة لا تتجاوز الـ90 يوماً من تاريخ إقراره، وكل 180 يوماً بعد ذلك على فترة 4 أعوام، «يفصّل ما إذا كانت الحكومة السورية تتخذ إجراءات ملموسة وفعّالة للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم (داعش) والجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك (القاعدة) وفروعها بالتعاون مع الولايات المتحدة، لمنع عودة التنظيم. وأنها أبعدت، أو تتخذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في حكومة سوريا، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأمن. إضافة إلى خطوات تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتسمح بالتمثيل العادل والمتكافئ في الحكومة، بما في ذلك الوزارات والبرلمان. وأنها لا تقوم بعمل عسكري أحادي الجانب وغير مبرر ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات أمنية دولية، كما أنها تتخذ خطوات ملموسة وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) 2025 الذي تم التفاوض عليه بين حكومة سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك إجراءات متناسبة لدمج القوى الأمنية والتمثيل السياسي، بالإضافة إلى اتخاذها لخطوات فعّالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفقاً للمعايير الدولية، وألا تقوم بتمويل أو مساعدة أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعة للعقوبات، والتي تُشكّل خطراً على الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة».
إضافة إلى ذلك، على التقرير المطلوب، «أن يشمل ما تقوم به الحكومة السورية من خطوات تضمن ملاحقة قضائية فعّالة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بمن في ذلك المسؤولين عن مجازر بحق الأقليات الدينية، وأنها تتخذ خطوات لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون. وعلى الرئيس الأميركي أن يقوم كذلك بإبلاغ الحكومة السورية بنتائج التقرير المطلوب».
وعن إعادة فرض العقوبات، يعطي نص المشروع الرئيس الأميركي صلاحية «إعادة النظر» في فرض عقوبات على أفراد «إن لم يتمكن من تقديم إفادة إيجابية خلال فترتين متتاليتين من التقارير المطلوبة» من دون إلزامه بذلك، على ألا تشمل العقوبات هذه عقوبات على استيراد السلع.
دخول الاستثمارات الأجنبية
وسيمهد هذا الإلغاء، لفتح باب الاستثمارات الأجنبية في سوريا، وإعادة إعمار البلاد، وهو أمر دفع العديد من المشرعين باتجاهه، وعلى رأسهم كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ جين شاهين، والنائب الجمهوري جو ويلسون، اللذان اعتبرا في مقال مشترك أن إلغاء القانون ضروري كي تصبح سوريا «إحدى أكثر مناطق العالم حساسيةً، أكثر استقراراً وانسجاماً مع القيم والمصالح الأميركية». وقال المشرعان: «تمتلك سوريا إمكانات هائلة، وسيتطلب تحقيق هذه الإمكانات تضافر جهودنا جميعاً، لما فيه خير سوريا وخيرنا نحن أيضاً. فبعد كل ما عانى منه الشعب السوري، فإنه لا يستحق أقل من ذلك».
وكان المبعوث الخاص السابق إلى سوريا وللتحالف الدولي لهزيمة «داعش»، جيمس جيفري، أكد في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن إلغاء العقوبات سيكون له تأثيرات كبيرة على الاقتصاد، خاصة على الاستثمارات وتحويل الأموال، وهو ما وافق عليه ويليام روبوك، السفير الأميركي السابق في البحرين ونائب المبعوث السابق للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الذي أشاد بالخطوة «المهمة جداً التي ستمكن البلاد من بدء عملية إعادة البناء التي تحتاج إليها بشدة وإصلاح اقتصادها المنهار».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا القرار من شأنه أن يفتح الباب أمام المستثمرين من الخليج وأماكن أخرى لدعم مشاريع إعادة إعمار كبرى في سوريا، والسماح بتدفق الأموال الضخمة التي تتطلبها هذه العملية».
ولم يكن مسار الإلغاء سهلاً، فرغم تعهدات ترمب برفع العقوبات عن سوريا، فإنه كان بحاجة إلى الكونغرس لإلغاء «عقوبات قيصر» بالكامل، وفي ظل معارضة البعض، وعلى رأسهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في النواب براين ماست، للإلغاء من دون شروط، جرت جهود دبلوماسية حثيثة لإقناعه بالتراجع عن موقفه الرافض. وهذا ما حدث ممهداً لإلغاء العقوبات في مجلس النواب أولاً، ثم في مجلس الشيوخ.
لبنان… العراق والسودان
تضمنت الموازنة الدفاعية التي بلغت قيمتها 900 مليار دولار، بنوداً أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية لأميركا. ففي ملف لبنان، أقر الكونغرس بنداً يربط دعم أميركا للجيش اللبناني بجهوده لنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تعليق المساعدات، ويُلزم وزير الدفاع بتقديم تقرير للكونغرس نهاية يونيو (حزيران) يقيم «التقدم الذي أحرزته القوات المسلحة اللبنانية في نزع سلاح الحزب، وخيارات لوقف المساعدات، في حال تبين عدم استعدادها لنزعه».
كما ألغى الكونغرس رسمياً تفويض الحرب في العراق الذي أقره في عام 2002 للسماح باستعمال القوة العسكرية ضد نظام صدام حسين، إضافة إلى وضع خطة لتعزيز الدعم الاستخباراتي لمواجهة التأثير الأجنبي الهادف إلى استمرار النزاع في السودان أو توسيعه.
وفي التفاصيل، إنه وبعد 90 يوماً من تاريخ إقرار المشروع، يقوم مدير وكالة الاستخبارات المركزية بوضع خطة لمشاركة ما يتوفر من معلومات استخباراتية حول الجهود الأجنبية الرامية إلى الاستمرار أو توسيع نطاق النزاع في السودان، مع الحلفاء والشركاء الإقليميين، وجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية لتمكين حكومة الحكومة الأميركية من مواجهة الجهود الأجنبية الهادفة إلى الاستمرار، أو توسيع نطاق النزاع في السودان، من أجل حماية الأمن الوطني والإقليمي.
الصين… أوروبا وأميركا اللاتينية
بالإضافة إلى ذلك، تعاملت الموازنة الدفاعية مع الصين بوصفها منافساً استراتيجياً، وخففت من الاعتماد على مكوناتها العسكرية، وقيدت من الاستثمارات الأميركية هناك، إضافة إلى زيادة تمويل تايوان من 300 مليون إلى مليار دولار.
كما منعت البنتاغون من خفض القوات المتمركزة بشكل دائم في أوروبا، ووفرت مبلغ 400 مليون دولار للمساعدات العسكرية لأوكرانيا.
وفي ظل التوتر المتصاعد مع فنزويلا، قيّد المشرعون من موازنة سفر وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أن يزود الكونغرس بشرائط الفيديو التي صورت الضربات الجوية الأميركية في الكاريبي، إضافة إلى تمويل إنشاء «القبة الذهبية» والدفع لتكامل نظم الدفاع الجوي والصاروخي.
ما هي موازنة الدفاع NDAA؟
هي القانون الذي يحدد الميزانية السنوية للجيش الأميركي، وسياسات الدولة العسكرية، وكيفية التعامل مع التهديدات.
نجح الكونغرس في تمرير القانون لـ63 عاماً متتالية رغم الانقسامات الحزبية، فدعم القوات المسلحة قضية توحد الحزبين، والتصويت ضد الموازنة قد يعدّ «عدم وطنية». وقد أدى ضمان مرورها إلى استخدام المشرعين لها لإرفاق قوانين صعبة الإقرار مثل «قانون قيصر» مثلاً الذي أدرج كجزء من موازنة الدفاع عام 2020، ثم ألغي كجزء من موازنة الدفاع لعام 2026.
الشرق الأوسط
—————————-
الشيوخ الأمريكي يصوّت بالموافقة على إلغاء «قانون قيصر»… وتوقيع ترامب خلال أيام
جانبلات شكاي
تحديث 18 كانون الأول 2025
صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي بتأييد مشروع قانون موازنة الدفاع المتضمن إلغاء «قانون قيصر» تمهيدا لإحالته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي من المتوقع أن يوقع عليه خلال أيام.
وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بأن «مجلس الشيوخ الأمريكي صوت لصالح المشروع النهائي لقانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 المتضمن مادة لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر».
وأضافت أن المجلس أحال القانون إلى ترامب «للتوقيع عليه ليصبح نافذا»، دون مزيد من التفاصيل على الفور.
وحسب رئيس المجلس السوري الأمريكي، محمد غانم: «بعد إجازته في مجلس الشيوخ وإجازته الأسبوع الماضي في مجلس النوّاب، يكون قد تمّ إلغاء الكونغرس لقانون قيصر الذي سنّه المشرّعون الأمريكيون في مثل هذه الأيّام عام 2019. ويتّجهُ التشريعُ الآن لمكتب الرئيس الأمريكي ليمهَرَهُ بإمضائه الرئاسي بعد بضعة أيّام مؤذناً بانتصار السوريين، وانتهاء هذه الحقبة الصعبة، وتخلّص سوريا بفضل الله من جميع أشكال العقوبات التي كانت مفروضة عليها لقرابة نصف قرن».
ومن المتوقع أن يوقّع ترامب على مشروع إلغاء «قانون قيصر» الأسبوع المقبل قبل عطلة عيد الميلاد، وفق الإخبارية السورية.
وعلق السيناتور جو ويلسون بالقول: «ممتنون لموافقة مجلس الشيوخ على إلغاء عقوبات قيصر بالكامل ومن المتوقع أن يوقع عليه الرئيس ترامب خلال أيام».
وكان ويلسون وعضو الكونغرس جين شاهين أكدا أن رفع العقوبات يمثل بارقة أمل لمستقبل أفضل لسوريا، ويمهّد لمسار جديد من إعادة البناء.
وفي رسالة نشرتها مجلة «فورين بوليسي» قبيل التصويت أوضحا أن الشعب السوري حقق قبل عام ما كان يبدو مستحيلاً: فبعد أربعة عشر عاماً من الحرب وخمسة عقود من الديكتاتورية، تخلّص من نظام بشار الأسد ودخل مرحلة جديدة.
وأشارا في الرسالة التي ترجمتها وكالة «سانا» إلى أن إرث النظام كان كارثياً، إذ خلّف أكثر من نصف مليون قتيل، و13 مليون نازح، ونظام سجون قائما على التعذيب والاختفاء القسري، إضافة إلى اقتصاد منهار دفع أكثر من 90% من السكان إلى هوة الفقر.
وقالا: «خلال زيارتنا إلى دمشق في آب/ أغسطس الماضي، لمسنا حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، لكننا رأينا أيضاً أملاً حقيقياً خلال لقائنا بالرئيس أحمد الشرع وحكومته وقادة من مختلف الطوائف، السوريون ينظرون إلى هذه اللحظة كفرصة تاريخية لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لإعادة بناء وطنهم وصياغة مستقبل أفضل لمنطقتهم».
وأكدا أن هذه الفرصة باتت مهددة بالعقوبات الأمريكية التي فُرضت أصلاً للضغط على النظام لوقف قمعه، لكنها اليوم تُثقل كاهل شعبٍ يسعى للتعافي، محذرين من أن استمرار العقوبات قد يبدّد التقدم الذي تحقق بشق الأنفس.
وشددا على أن رفع العقوبات لا يخدم السوريين وحدهم، بل يصب أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة، إذ يمكن لسوريا بعد عقود من التحالف مع خصوم واشنطن وتحولها إلى بؤرة لعدم الاستقرار والإرهاب أن تصبح عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي.
وأشارا إلى أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب لن تكون مهمة سهلة، فالتنظيمات الإرهابية مثل “داعش” والجهات الخارجية الخبيثة كإيران ستسعى لاستغلال أي فراغ لإعادة فرض سيطرتها.
وذكّرا بأن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت قبل أسبوع مقتل ثلاثة أمريكيين على يد تنظيم «الدولة» في سوريا، ما يؤكد استمرار خطر التنظيم، الأمر الذي يستدعي جهوزية قوات الأمن السورية لمكافحة الإرهاب ومنع التدخلات الخارجية.
ولفتا إلى أن السوريين يواجهون تحديات جسيمة، من بنية تحتية منهارة، وأزمة غذاء، ونقص في الرعاية الطبية، ومخاطر الألغام والقنابل غير المنفجرة، فضلاً عن اقتصاد معزول عن العالم بسبب العقوبات، مؤكدين أن سوريا بحاجة إلى وعد حقيقي بمستقبل أفضل، وهو ما دفعهما (جمهوري وديمقراطي) إلى الدفاع عن إلغاء قانون قيصر».
وجاء التصويت بعد إعلان الإدارة الأمريكية، الثلاثاء، في بيان صادر عن البيت الأبيض، عن توسيع قائمة الدول التي تُفرض قيوداً كاملة أو جزئية على السفر منها، لتشمل سوريا.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشارقة والمختص بالنظم السياسية خلال المراحل الانتقالية من جامعة شيكاغو وائل ميرزا، في تصريح خاص لـ»القدس العربي» أن البعض قد يفهم للوهلة الأولى القرار الأخير بأنه متناقض مع سياسة الانفتاح الأمريكية على الإدارة السورية الجديدة، لكنه في الواقع يعكس منطقاً سياسياً أمريكياً شديد الاتساق إذا ما قُرئ من زاوية الأدوات لا الشعارات.
وبين أن السياسة الأمريكية تفصل بوضوح بين ملف الاقتصاد والعقوبات من جهة، وملف الهجرة والدخول من جهة أخرى، فرفع العقوبات أو تفكيك «قانون قيصر»، هو قرار يُدار بعقلية السياسة الخارجية التي تتمحور حول الاستقرار الإقليمي، وإعادة إدماج تدريجي، واختبار قابلية الدولة السورية الجديدة للحكم، وفتح المجال أمام الشركات والأسواق دون التزام أخلاقي أو سياسي كامل.
وتابع: أما منع الدخول فهو قرار يُدار بعقلية الأمن الداخلي، حيث لا تُقاس الدول بسلوك حكوماتها فقط، لأن هذا يعتبر شرطاً لازماً، ولكن غير كافٍ، لهذا، يُضاف للقياس، قدرتها التقنية والمؤسسية على تبادل المعلومات، والتدقيق الأمني، وضبط حركة الأفراد، وبهذا المعنى، تستطيع واشنطن أن تقول بلا حرج بأننا نخفف الضغط الاقتصادي عن سوريا كدولة ومسار، لكننا لا نثق بعد بالبيئة الأمنية التي تسمح بفتح باب الهجرة أو السفر.
رسالة مقصودة
واعتبر ميزرا، العائد أخيرا من الولايات المتحدة، بعد غربة استمرت لنحو 40 عاما، أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذا الفصل ليس تفصيلاً تقنياً بقدر ما أنه رسالة سياسية مقصودة، فالاقتصاد في العقل الأمريكي أداة تغيير ناعم، بينما الهجرة ملف سيادي حساس يُستخدمُ للضبط، وليس للمكافأة، ولذلك، لا ترى الإدارة الأمريكية أي تناقض في تشجيع إعادة الإعمار أو الاستثمار المشروط، وفي الوقت نفسه الإبقاء على صورة «الدولة عالية المخاطر» عندما يتعلق الأمر بدخول الأفراد إلى أراضيها.
وأكد أن البعد الأهم في هذا القرار يتصل بكيفية إدارته داخلياً، فالإدارة الأمريكية كانت بحاجة إلى تفكيك التناقض أمام جمهورها الداخلي: كيف يمكن تبرير رفع العقوبات عن دولة شهدت قبل أيام هجوماً دموياً لتنظيم داعش؟ والجواب الذي قدّمته عملياً هو صيغة مزدوجة سهلة التسويق، فنحن نرفع العقوبات عن الدولة والمسار السياسي، لكننا نُشدّد على حركة الأفراد، وهكذا، بهذه الصيغة، تحوّلت حادثة تدمر من حدث أمني معزول إلى أداة خطابية تُستخدم لاحتواء أي اعتراض داخلي على الانفتاح الاقتصادي، ولتقديم الانفتاح بوصفه قراراً محسوباً لا مغامرةً أمنية.
غطاء أمام التيارات المتشددة
وقال ميرزا إن قرار منع الدخول، بالإضافة لكونه إجراءً وقائياً، أصبح جزءاً من حزمة سياسية متكاملة تمنح الإدارة غطاءً أمام التيارات المتشددة في الكونغرس والرأي العام، وتمنع خصومها من تصويرها كإدارة متساهلة أو ساذجة أمنياً، ذلك أن رفع العقوبات دون تشديد موازٍ في ملف الهجرة كان سيبدو، داخلياً، تناقضاً غير قابل للدفاع عنه، أما الجمع بين القرارين، فيُقدَّم كمعادلة توازن تجمع بين انفتاح اقتصادي محسوب يقابله تشددٌ سيادي صارم.
وفي المحصلة، ما يجري ليس تناقضاً في السياسات، إنه توزيع أدوار بين الأدوات، حيث يُستخدم الاقتصاد لإعادة إدخال سوريا إلى النظام الدولي بشروط، وتُستخدمُ الهجرة لطمأنة الداخل الأمريكي وضبط كلفة هذا الانفتاح سياسياً.
وخلص إلى القول إن الرسالة الأوضح للسوريين هي أن رفع العقوبات يمثّل بداية استعادة الثقة لا اكتمالها، وإن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع سوريا بوصفها مساراً قابلًا للبناء والتطوير، بدل أن تكون ملفاً مغلقاً أو معزولاً.
وختم بالقول: «صحيح أن الطريق لا يزال يُدار بمنطق الاختبار المرحلي، لكن هذا الاختبار نفسه هو اعتراف بإمكانية الانتقال إلى شراكة أوسع كلما ترسّخت مقومات الاستقرار والحوكمة، وهنا بالضبط يقع التحدي الداخلي المتمثل في أن يُقابل هذا الانفتاح بسياسات رشيدة، وضبط أمني فعّال، وخطاب سياسي مسؤول، بحيث لا يبقى رفع العقوبات حدثاً خارجياً عابراً، وإنما يتحول إلى مسار داخليٍ اقتصادي وسياسي تميزه الحوكمة الرشيدة بشكلٍ كامل.
طلاب من المتضررين
مصادر من غرفة تجارة دمشق استبعدت أن يترك القرار آثارا اقتصادية واضحة على طبيعة العلاقات المتوقعة بعد إزالة العقوبات والمباشرة بمسيرة التعاون الثنائي، على اعتبار أن القرار لا يضع سوريا ضمن الدول المحظورة زيارتها من قبل رعايا الولايات المتحدة، كما أن الكثير من السوريين ممن ينشطون اليوم أو لاحقا في علاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة هم من حملة الجنسية الأمريكية ولن يترك القرار أي أثر عليهم، رغم أن حجم التبادل التجاري في أحسن أحواله لم يكن يتجاوز مبلغ 250 مليون دولار سنويا قبل عام 2011 ثم تراجع بشكل دراماتيكي إلى أقل من 13 مليون دولار عام 2024.
وبينت المصادر أن الرئيس الشرع وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب تلقى وعودا بخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع السورية المستوردة من سوريا من 41% إلى 10% . وفي المقابل فإن حملة تأشيرات الدخول بفئة أف 1 من الطلاب الدارسين في الجامعات الأمريكية سيتأثرون بالقرار الجديد.
ونصحت مصادر متابعة الطلاب المقيمين في الولايات المتحدة لهذا الغرض، بعدم المغادرة في محاولة لقضاء بعض الأيام إن في سوريا أو خارج الولايات المتحدة، إلى أن يتغير الوضع، لأنهم في هذه الحالة سيخسرون إقاماتهم ولن يتمكنوا من الدخول إلى أمريكا لاستكمال دراستهم، وهو الأمر الذي أعلنه أكثر من طالب عبر صفحاتهم الخاصة بعد صدور القرار الجديد.
القدس العربي»
———————————–
فورين بوليسي: بعد عام واحد.. العقوبات الأمريكية تخنق تعافي سوريا
نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا أشارت فيه إلى أن العقوبات الأمريكية، ولا سيما “قانون قيصر”، باتت تعرقل تعافي سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتُضعف قدرة الدولة الجديدة على إعادة الإعمار، ومحاربة الإرهاب، وبناء مؤسسات مستقرة. ويدعو المقال إلى رفع العقوبات بالكامل عن سوريا، معتبرا أن اغتنام هذه اللحظة التاريخية يخدم مصلحة السوريين والولايات المتحدة على حدّ سواء، بدل خنق بلد منهك يواجه تحديات وجودية.
قبل عامٍ من هذا الشهر، أنجز السوريون ما بدا لعقود، ضربًا من المستحيل. فبعد نحو أربعة عشر عامًا من حربٍ مدمّرة، ونصف قرن من الحكم الاستبدادي، أسقطوا نظام بشار الأسد، وفتحوا صفحة جديدة في تاريخ بلدهم. لكن الإرث الذي تركه النظام كان فادحًا: أكثر من نصف مليون قتيل، وثلاثة عشر مليون نازح، ومنظومة قمع قامت على التعذيب والإخفاء القسري، واقتصاد منهار إلى حدٍّ غرق فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر.
تقول المجلة: “في أغسطس/ آب الماضي، زرنا دمشق ورأينا بأعيننا آثار الحرب الأهلية. غير أننا لمسنا، خلال لقاءاتنا مع الرئيس أحمد الشرع، وأعضاء حكومته، وقادة سياسيين ومجتمعيين من مختلف الطوائف والأعراق، أمرًا بالغ الدلالة: إحساسًا عامًا بأن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لإعادة بناء الدولة، وإعادة توجيه سوريا والمنطقة نحو مسار أكثر استقرارًا وإنسانية”.
إلا أن هذه الفرصة باتت اليوم مهدَّدة، لا بالحرب، بل بالعقوبات الأمريكية. فقد فُرضت هذه العقوبات في الأصل للضغط على نظام الأسد كي يتوقف عن قمع شعبه. أما اليوم، فهي تعاقب بلدًا يتكوّن من ضحايا ذلك النظام، شعب يحاول الوقوف مجددًا على قدميه. وإذا لم يتغيّر المسار، فإن التضحيات الهائلة التي قدّمها السوريون، والتقدّم الذي انتزعوه بشق الأنفس، قد يُهدران.
لماذا يهمّ ذلك أمريكا؟
ما سيؤول إليه الوضع في سوريا يهمّ السوريين قبل أي أحد، لكنه يهمّ الولايات المتحدة أيضًا. فبعد عقود كانت فيها سوريا حليفًا لخصوم واشنطن، ومصدرًا لعدم الاستقرار، وحاضنة للإرهاب، تمتلك اليوم فرصة حقيقية لأن تصبح دولة مستقرة وفاعلة في النظام الدولي. وسيعود ذلك بالنفع على التجارة الأمريكية، وعلى الأمن القومي، وعلى استقرار شركائنا الإقليميين من إسرائيل وتركيا إلى الأردن ولبنان والعراق، وفق المجلة.
لكن إعادة بناء بلد مزّقته الحرب ليست مهمة سهلة ولا رخيصة. فالتنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، لن تنتظر طويلًا. وكذلك لن تتردد جهات خبيثة مثل إيران وروسيا في استغلال أي فراغ. ففي نهاية الأسبوع الماضي فقط، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن تنظيم الدولة قتل ثلاثة أمريكيين في سوريا، وهو دليل واضح على أن التهديد لم يختفِ.
وفي الوقت ذاته، يواجه السوريون واقعًا قاسيًا: بنية تحتية مدمّرة، وانعدامًا واسعًا للأمن الغذائي، ونقصًا في الرعاية الصحية، ومخاطر جسيمة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، واقتصادًا معزولًا عن العالم بفعل نظام عقوبات شامل. وتقدّر الأمم المتحدة أن كلفة إعادة الإعمار ستتجاوز 200 مليار دولار على مدى سنوات طويلة.
العقوبات… عائق أمام ما نطالب به
إذا كانت سوريا الجديدة مطالَبة بالقضاء على تنظيم الدولة، وتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية، ووقف تجارة المخدرات، وبناء مؤسسات أمنية ومدنية تحمي جميع المواطنين على قدم المساواة، فإنها تحتاج إلى أدوات وقدرات حقيقية للقيام بذلك.
ولهذا السبب، يقول كاتبا المقال -أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري- من الداعمين لإلغاء “قانون قيصر”. قد نختلف في ملفات كثيرة، لكننا نتفق على أن هذا القانون، في صيغته الحالية، بات يضرّ بالهدف الذي أُنشئ من أجله. ونثمّن في هذا السياق الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب، بما في ذلك منح إعفاءات مؤقتة من العقوبات.
لكن الإعفاءات القصيرة الأجل، الممتدة لستة أشهر فقط، لا تكفي. فلا المستثمرون من القطاع الخاص، ولا الشركاء الإقليميون، يمكنهم المجازفة بضخ رؤوس أموال حقيقية في ظل هذا القدر من عدم اليقين. ولهذا، فإن على الكونغرس أن يتحرّك الآن لإلغاء “قانون قيصر” بالكامل.
إن رفع العقوبات المُنهِكة لن يكون “مكافأة مجانية”، بل شرطًا أساسيًا لتمكين السوريين من تحقيق ما نطالبهم به. وقد أظهر الانخراط الدبلوماسي الذي يقوده المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، السفير توماس باراك، كيف يمكن للتواصل المستدام أن يحقق نتائج ملموسة. أما الاستمرار في خنق الاقتصاد، فهو ببساطة مطالبة بلدٍ منهك بالمستحيل.
نافذة تاريخية لا ينبغي إضاعتها
في العام الثاني من سوريا الجديدة، سيكون من الضروري منع نشوء أوليغارشية جديدة، أو استبدال ديكتاتورية طائفية بأخرى. والولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ سياسي واقتصادي، قادرة على لعب دور حاسم في توجيه هذا المسار، من خلال أدوات نستخدمها يوميًا مع دول غير خاضعة للعقوبات: دعم المجتمع المدني، بناء قدرات الشرطة المدنية، إعادة دمج اللاجئين العائدين، وتعزيز العدالة الانتقالية والحوار الوطني.
كما يجب أن نساعد سوريا على مقاومة إغراء اللجوء إلى شركاء بديلين، مثل الصين وروسيا، بحثًا عن حلول سريعة لكنها غير موثوقة. وينبغي أن تعمل واشنطن جنبًا إلى جنب مع شركائها الإقليميين لتوفير رأس المال والخبرة، وأن تكون الولايات المتحدة وشركاتها، الشريك التجاري والدبلوماسي والأمني المفضل على المدى الطويل.
عندما تتغيّر الوقائع على الأرض، يجب أن تتغيّر السياسات. ولدينا اليوم نافذة تاريخية لإلغاء “قانون قيصر”، والمساهمة في جعل واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشةً واستقطابًا أكثر استقرارًا، وأكثر توافقًا مع قيمنا ومصالحنا.
تمتلك سوريا إمكانات هائلة. وتحقيقها يتطلب عملًا جماعيًا، وشجاعة سياسية، ورؤية بعيدة المدى، من أجل مصلحة سوريا، ومن أجل مصلحتنا جميعًا. وبعد كل ما عاناه السوريون، لا يستحقون أقل من ذلك.
—————————–
ما بعد “قيصر”.. هل تخلّت واشنطن عن ازدواجية الخطاب واقتربت من الواقعية السياسية؟/ باسل الحاج جاسم
ديسمبر 18, 2025
على امتداد عقود طويلة، ظلت العلاقة السورية-الأميركية محكومة بمدّ وجزر، تتراوح بين المواجهة الصريحة والقطيعة الباردة، وبين لحظات نادرة من الانفراج التكتيكي سرعان ما تطوى تحت ضغط الحسابات المتغيرة، لكن منذ سقوط نظام الأسد، قبل عام، يشهد الإقليم تياراً مختلفاً، لا يشبه مراحل الماضي المرهقة، وما بدا في أشهره الأولى مجرد تبدل في النبرة الأميركية، تحوّل في الفترة الأخيرة إلى خطوات ملموسة، كان أبرزها تصويت مجلس النواب الأميركي على إلغاء قانون “قيصر”، أحد أشد أدوات الضغط التي أثقلت السوريين منذ سنوات.
اثنا عشر شهراً فقط مرّت على هذا التحول السوري المفصلي، لكنّها كانت كافية لتكشف أن واشنطن بدأت تتخلى عن ازدواجية لغتها التقليدية، وتقترب أكثر من خطاب واقعي يعترف بحقّ السوريين في إعادة بناء دولتهم على أسس وطنية، بعيداً عن مقاربات الأمن الضيقة التي حكمت سياستها منذ 2011.
تلك السنوات التي رفعت خلالها الولايات المتحدة شعارات كبرى حول دعم تطلعات الشعب السوري، من دون أن تترجمها إلى مسار فعلي يخفف معاناته أو يدعم مشروعاً وطنياً جامعاً.
التحوّل الراهن لا يعني انقلاباً شاملاً في السياسة الأميركية، لكنّه يحمل دلالات لا يمكن تجاهلها، فاللغة الأميركية أصبحت أوضح، والمواقف أكثر صراحة، والأهم أن واشنطن بدأت تراجع قناعاتها التي جعلتها لعقد كامل تراهن على ميليشيا أمر واقع لا تمتلك امتداداً وطنياً، ولا تعبّر عن السوريين بقدر ما تعبر عن حسابات أميركية آنية.
وتحت ذريعة محاربة الإرهاب، وازنت الولايات المتحدة بين دعم المعارضة اللفظي من جهة، وتعزيز نفوذ مجموعات ذات مشروع انفصالي من جهة أخرى، فكان أن أُنهكت المعارضة الوطنية، وتعمق التشظي داخل المجتمع السوري، في وقت تمددت فيه تلك القوى الانفصالية، التي لا تؤمن بوحدة الأرض ولا بطبيعة الجمهورية العربية السورية.
اليوم تغير الإطار، ولم تعد واشنطن تنشغل بفرض شروط مسبقة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ولا تتعامل مع دمشق الجديدة بوصفها ملفاً أمنياً يمكن تأجيله، بل صارت تتعامل مع القيادة السورية الحالية بقدر من الشرعية الواقعية، وتستمع إلى مخاوفها، وتبدي استعداداً لفتح صفحة مختلفة.
أما تصويت مجلس النواب لإلغاء “قيصر”، فيعكس للمرة الأولى انتقالاً من الأقوال إلى الأفعال، فالقانون الذي شكل رمزاً للعقاب الجماعي، كان منذ صدوره ورقة ضغط سياسية أكثر منه أداة لتحقيق الاستقرار أو دعم الحل السياسي، وإلغاؤه، إذا اكتمل مساره في المؤسسات الأميركية، سيكون خطوة مفصلية نحو كسر الحلقة العقابية التي عطلت أي محاولة لإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي.
التصريحات الأميركية في الأشهر الأخيرة تؤكد هذا المسار، فوزير الخارجية يتحدث عن دعم استقرار سوريا الموحدة ذات السيادة، ومسؤولو البيت الأبيض يشيرون إلى مراجعة شاملة لنظام العقوبات بما يراعي الواقع الإنساني وضرورات المرحلة الانتقالية، وهذا الخطاب لا يشبه لغة السنوات الماضية التي اكتفت بإعلان خطوط حمراء دون فعل، ولا تشبه أيضاً المقاربة التي حملت السوريين إلى دائرة مغلقة، نظام يرفض الإصلاح، ومعارضة منهكة، ومليشيات انفصالية تتوسع تحت مظلة دولية.
قد يرى البعض في هذا التحول خطوة ظرفية، فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية، من الحرب في غزة إلى التنافس الدولي المتصاعد، وقد يراها آخرون انعطافاً حقيقياً في منهج واشنطن تجاه سوريا.
لكن بغض النظر عن النيات، فإن المؤكد أن ما جرى خلال عام من الوضوح السياسي يفوق في مصداقيته معظم ما صدر عن الولايات المتحدة في العقود الأخيرة من غموض وتردد.
وإذا كانت واشنطن قد أدركت أخيراً أن استقرار سوريا لا يبنى على رعاية كيانات منفصلة عن سياقها الاجتماعي، ولا على مقاربة أمنية منفصلة عن مسار الدولة، فإن على دمشق أيضاً إدراك أن اللحظة الحالية تحمل فرصة لا تهدر.
فالعلاقة بين البلدين قد لا تصل إلى مستوى التحالف أو التفاهم العميق، لكن يمكن البناء عليها لتأسيس علاقة متوازنة قوامها الاحترام المتبادل وعدم الإقصاء الدبلوماسي.
هذه لحظة يمكن لسوريا أن تعيد فيها تموضعها الخارجي، وتثبت أنها شريك قادر على التفاهم، لا مجرد طرف في نزاع طويل.
غير أن هذه النافذة ليست مفتوحة على الدوام، فالقرار الأميركي، مهما بدا ثابتاً في الوقت الراهن، يظل رهين تبدلات السياسة الداخلية الأميركية وتوازناتها الدولية.
وقد يتغير المزاج السياسي في أي وقت، أو تعود واشنطن إلى خطاب العصا والضغوط إذا تغيرت الحسابات، لذلك فإن الاستفادة من هذا الانفتاح تحتاج إلى رؤية سورية واضحة، تعيد تنظيم البيت الداخلي، وتعزز المؤسسات الوطنية، وتفتح المجال لعلاقات خارجية أكثر توازناً.
في لحظة نادرة كهذه، يبدو أن أمام السوريين فرصة لالتقاط أنفاسهم والبدء بخطوات واقعية نحو التعافي، والرهان اليوم هو على تحويل هذا التحول الأميركي من محطّة عابرة إلى مسار مستمر، ولو بحدوده الدنيا، أما تأجيل الاستفادة منه، أو التعامل معه بوصفه ضمانة دائمة، فقد يعيد البلاد إلى الدائرة التي أنهكتها لسنوات.
يبقى القول: إن كسب الوقت، والبناء سريعاً على هذا الوضوح الأميركي غير المألوف، لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية لسورية الدولة ولسورية الشعب، قبل أن تغلق النافذة ويعود المشهد إلى متاهته السابقة.
الثورة السورية
—————————
لا فضل للأميركيين على سورية في عقوبات قيصر/ دلال البزري
18 ديسمبر 2025
يعود الفضل الأصلي إلى فريد المذهان، واسمه الحركي قيصر. هو رقيب أول في الشرطة العسكرية السورية في عهد بشار الأسد. خاطرَ بحياته منذ 11 عاماً، عندما قرّر تصوير آثار التعذيب الشامل الذي كانت تمارسه هذه الشرطة بحق السجناء السياسيين. عامين؛ منذ انطلاق الثورة وحتى هروبه من سورية عام 2013، محمّلاً بخمسة وخمسين ألف صورة صحيحة غير مفلْترة، لسجناء قضوا رمياً بالرصاص أو تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للمخابرات السرّية. ضحايا يُعرفون بالأرقام، يحملون في أجسامهم آثار هذا التعذيب من تشوّهات، وجروح، ونزيف، وهزال، ونزيف، وبتر أعضاء، وحتى رصاص.
بعد ذلك بستة أعوام، أصدر الكونغرس الأميركي “قانون حماية المدنيين في سوريا”، المعروف بقانون قيصر. ولم يدخل هذا القانون حيز التنفيذ إلا بعد عام من صدوره، أي إننا لا نعرف كم من آلاف الضحايا سقطوا خلال تلك السنوات الفاصلة بين هروب قيصر وسقوط بشار.
وكان الغرض من هذا القانون العقابي اقتصادياً ومالياً، بلسان الكونغرس: “إرغام السلطة الحاكمة في دمشق على التوقف عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، وقبول انتقال سياسي يحترم دولة القانون وحقوق المدنيين”. تتضمّن هذه العقوبات: تجميد الأصول، ومنع التعامل بالدولار، ومحظورات قطاعية (نفط، بناء، تكنولوجيا)، ومنعاً من السفر. وهي تستهدف “شخصيات النظام”، من بشار الأسد، الى زوجته أسماء، إلى رامي مخلوف، ونذيز جمال الدين، ونادر القلعي، وخالد الزبيدي، وغيرهم. كذلك المؤسسات العامة، مثل المصارف وغيرها، من شبكات الكهرباء والماء والبريد.. إلخ، وكل شركة أو كيان غير سوري تعامل معها، فضلاً عن “مؤسّسات خاصة” يديرها مستثمرون تابعون للنظام (القطان، مروج الشام، شركة آدام وإنترسيكشن)، ناهيك عن “شخصيات” أخرى تتمتع بالمزايا نفسها… ولا مجال هنا لتعدادها، ولكنها تبدو للعين المجرّدة شبكية، متعدّدة الوظائف، ومعروفة بصلتها العميقة ببشار وأخيه ماهر، وتقاسمها الغنائم معهما.
الآن هل حقّقت عقوبات قيصر مرماها بردع بشار أو بإفقاره؟ كلا. من وقت صدورها وحتى سقوطه، بقي بشار على منهجه، ولم يتنوّع أسلوبه، نظراً إلى الستاتيكو الذي بلغته سورية بعد أولى سنوات الجمر، من انقسام ومناطق نفوذ وتهجير.
أما اقتصادياً، فإن العقوبات أفقرت الشعب السوري. بنتيجتها، انخفضت العملة السورية، ومعها الاستثمارات، خصوصاً المنتجة منها، فانعكس ذلك على الأسعار والعمل والإيرادات، واستحالت إعادة الإعمار وبناء البنى التحتية واستيراد المواد الحيوية والتجهيزات الطبية، فانتشر الفقر على نطاق واسع وسط الشعب السوري.
عكس “شخصيات النظام” من رجال أعمال “كبار” ومخابرات: لم يفقروا، إنما زادت ثرواتهم، فهذه الثروات بالأساس مخفية ومحمية، مهربة إلى الخارج. موضوعة في شركات وهمية صورية، يملكها وسطاء، ومسجلة في أمكنة لا يسري عليها القانون. فيما العقوبات تستهدف الأصول المعروفة أو المعلنة. وما ساعد على هذا الإثراء أن العقوبات سمحت بخروج المنافسين الاقتصاديين لتلك “الشخصيات”. وزادت قيودها على الاقتصاد، واشتعل التهريب، وتصريف الدولار خارج الإطار المصرفي.
النتيجة: ازدهار اقتصاد الحرب، والاحتكار، وتوسع السوق السوداء، وتحكم “الشخصيات” بالعملة الصعبة، فكان أكبر الرابحين من العقوبات هم الشخصيات نفسها، وفي مقدّمتهم بشار وأخوه، وأكبر الخاسرين هم الشعب السوري. وهذا أمر مكرَّر وقديم، شاهدناه قبل أكثر من 35 عاماً في العراق؛ فبعد الاجتياح العراقي الكويت عام 1990، دفع جورج بوش الأب، الأمم المتحدة إلى اعتماد قرار مجلس الأمن 661، القاضي بفرض عقوبات على العراق، بما يشبه عقوبات قيصر، زائد فرض الحظر على تصدير نفطه الوافر. دول الغرب الكبرى وقتها أيّدت العقوبات، ومعها السعودية والكويت، وجميعهم “احترم” تطبيقها. ونادراً ما يطبق قرار صادر عن الأمم المتحدة، خصوصاً ما يتعلق منه بالشرق الأوسط.
كما في سورية كذلك في العراق، أفقرت العقوبات الشعب العراقي؛ فانخفض الناتج المحلي الإجمالي ومعه العملة الوطنية، وارتفعت نسبة التضخم، وتراجعت الخدمات العامة، وانتشرت ظاهرة تجويع الأطفال وموتهم، وتدهور تعليمهم ومستوى حياة آبائهم. فقر ونقص حاد بالدواء ودمار البنى التحتية. وفي السنوات الأربع الأولى لهذه العقوبات، توفي مئات الآلاف من العراقيين، وبقي صدّام حسين يعيث خراباً، انهار اقتصاد العراق، ولكن قبضته على موارد البلاد ازدادت، من نفط وعملة صعبة واستيراد، و”شخصياته” صارت تحتكر تجارة السلع الحيوية التي أصبحت نادرة، ولا تستثمر إلا في مشاريعه الخاصة، تركب السيارات الفارهة، وتعمّر القصور النادرة، وتستورد أغلى البضائع الفاخرة. ولم تنتهِ العقوبات ضد العراق إلا بعد الغزو الأميركي له عام 2003.
يحصل الأمر نفسه في لبنان. لم يشعر بالعقوبات الأميركية أحد. موجهة ضد “شخصيات” حُسبت فاسدة مؤيدة أو موالية لحزب الله، وكأنها وحدها الفاسدة، وكأنها هي وحدها المستفيدة من حزب الله أو الغافلة عنه. العقوبة عُرفت باسم “قانون ماغنيتسكي”، طالت نبيه برّي، وجبران باسيل، وعلي حسن خليل، ويوسف فنيانوس، وحسان دياب، وغيرهم من الأقل شهرة، لكن أهمهم مهندس انهيار الاقتصاد اللبناني رياض سلام، الذي نالته العقوبة قبل عامين، بتهمة أقل بكثير مما ارتكبه. لماذا مهم؟ لأنه الوحيد الذي دخل بسببها إلى سجن “ذهبي”، وخرج منه متَبرِّئاً من حزب الله. والأهم أنه دفع كفالة خروجه، بمبلغ سرقه من اللبنانيين بفضل “هنْدساته” المالية: 14 مليون دولار وخمسة مليارات ليرة لبنانية.
كما في سورية والعراق، على اختلاف الأشكال، كذلك في لبنان. رياض سلامة أفقرَ اللبنانيين هو وصحبه، واستطاع أن يشتري حريته بأموالهم، وهذا يعني أن العقوبات عليه وعلى صحبه فشلت في هدفها المعلن، أي معاقبة الفاسدين. والنتيجة اطمئنان “الشخصيات” الفاسدة على أموالها، بل زيادتها، وإفقار اللبنانيين الشامل، فهجرة شبابه بالجملة بحثاً عن لقمة العيش.
فشل الأميركيون في غالبية العقوبات التي فرضوها على بقع من العالم. ضد كوبا، وكوريا الشمالية، وروسيا، والصين. ونجحوا جزئياً في إيران (اتفاق نووي)، وليبيا القذافي (اتفاق نووي أيضاً)، وصربيا. ونجحوا كلياً مع جنوب أفريقيا، ولكن هذه الأخيرة كانت أصلاً مهيأة داخلياً وعالمياً لإلغاء نظام الفصل العنصري.
يتساءل المرء. هل أميركا غبية إلى هذه الدرجة، لا تتعلم من دروسها؟ أم أن الذكاء يخون الأقوياء، عكس ما نتصوّر؟. … ربما هذا الهوى العقابي، ليس دليل غباء، إنما دليل استغباء واستقواء.
خذْ آخر الكلام: إلغاء قانون قيصر بحق سورية أُلحِق بطلبات من الكونغرس تلزمه بالمراجعة كل 180 يوماً، لمدة أربع سنوات، أي إنه وضع شروطاً قبل إقرار عقوبات أخرى، وهي: مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إبعاد المقاتلين الأجانب، حماية الأقليات العرقية والدينية، مكافحة غسل الأموال، ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان، وقف تهريب الكبتاغون، والشرط الأهم، بنصه الحرفي: “ولا تتخذ (سورية) أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبرّرة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل”. يعني أن الكونغرس يسمح بالعودة عن إلغاء العقوبات، بل بفرض عقوبات جديدة إذا لم تستجب الحكومة السورية لهذه الطلبات الآنفة. والأرجح أن هذا البند حجر الزاوية الذي يرتئيه ترامب لبناء شرق أوسط جديد يسوده “السلام الخالد”.
العربي الجديد
———————————–
قانون “قيصر” للعقوبات في سورية… من الولادة إلى الوفاة/ محمد أمين
18 ديسمبر 2025
يفتح إلغاء قانون “قيصر” للعقوبات الأميركية باب التعافي الاقتصادي في سورية، حيث باتت الطريق معبدة أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والمساعدات وأمام دمج سورية في النظام المصرفي العالمي، وهي الخطوة الأوسع لتحقيق الاستقرار وتحصين السلم الأهلي. وبحسب المنظمة السورية للطوارئ، فإن إلغاء قانون قيصر “سيكون إلغاءً كاملاً، من دون شروط إضافية أو آليات “عودة تلقائية” لإعادة فرض العقوبات”.
أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم الأربعاء، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمناً مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. من المقرر رفع مشروع القانون إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع بعد التصويت لتمريره في مجلسي النواب والشيوخ، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.
وجثم هذا القانون الذي يتضمن عقوبات مشددة، سنوات على صدر الاقتصاد السوري، وكبّله بالعديد من الأزمات التي أدت إلى انفراط عقد نظام بشار الأسد وسقوطه بشكل مدوٍّ في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت. رحلة هذا القانون بدأت عملياً في عام 2014 مع انشقاق المصور في الشرطة العسكرية التي كانت تابعة لنظام الأسد، فريد المذهان (ظهر أمام وسائل الإعلام بعد سقوط نظام الأسد)، وتسريبه حوالى 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل سوري قضوا تحت التعذيب، وذلك حتى منتصف 2013، من بينهم أطفال ونساء.
واستطاع المذهان، الذي عُرف في حينه باسم “قيصر”، الخروج من سورية مع عائلته ليبدأ رحلة كشف النظام البائد وممارساته الوحشية بحق السوريين أمام المحافل القانونية والسياسية والبرلمانية العالمية. شكلت الصور المسربة صدمة كبرى للعالم بأسره الذي وقف مذهولاً أمام هول الكارثة التي ظلت مستمرة حتى سقوط نظام الأسد.
بدأ الكونغرس الأميركي، بدفع من منظمات سورية ودولية ناشطة في أوروبا والولايات المتحدة، تحركاً من أجل فرض عقوبات مشددة على نظام الأسد، رداً على هذه الوحشية. وفي يوليو/ تموز 2014، تمكن “قيصر” بمساعدة بعض الناشطين من الوصول إلى الكونغرس، ليدلي بشهادته ويعرض جزءاً من الصور التي بحوزته، والتي كانت كفيلة بفرض عقوبات هي الأشد على نظام الأسد.
بداية متعثرة لقانون قيصر
وجرت محاولات لتمرير القانون خلال عامي 2017 و2018، إلا أنها فشلت، بسبب كثرة التعديلات التي جرت عليه، إلى أن رُبط بميزانية وزارة الدفاع الأميركية. وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019، مرّر الكونغرس مشروع القانون، ثم أقرّه مجلس الشيوخ في الـ17 من الشهر ذاته، إلى أن وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في ولايته الأولى)، في العشرين من الشهر نفسه، تحت عنوان “قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019”. ودخل القانون حيز التنفيذ منتصف عام 2020 مع صدور أول حزمة عقوبات، دشّنت مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والقانوني الأميركي مع نظام الأسد عنوانها الضغط الاقتصادي المشدد من أجل إجباره على تغيير سلوكه، وهو ما لم يتحقق حتى إسقاطه في ديسمبر 2024.
ونص قانون “قيصر” على فرض عقوبات مشددة على الأجانب المتورطين ببعض المعاملات المالية أو التقنية لمصلحة مؤسسات النظام البائد، والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عنه أو روسيا أو إيران أو أي شخص فُرضت عليه العقوبات الخاصة بسورية قبلاً. كذلك نص على فرض عقوبات على كل من يقدّم الدعم المالي أو التقني أو المعلومات التي تساعد على إصلاح أو توسعة الإنتاج المحلي للنظام البائد من الغاز والنفط أو مشتقاته، ومن يقدّم الطائرات أو قطعها أو الخدمات المرتبطة بالطيران لأهداف عسكرية في سورية. كذلك فرض عقوبات على بشار الأسد وعائلته، وأركان نظامه من سياسيين وعسكريين وأمنيين، والمسؤولين عن السجون، ورؤساء الفروع الأمنية.
وصدرت في عام 2020 حزمة ثانية من العقوبات شملت 10 كيانات داعمة للأسد، من بينها فرق في جيشه وكيانات اقتصادية وعدة أشخاص، من بينهم ابنه الأكبر (حافظ) “بسبب تصاعد أهميته في عائلة الأسد”. وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في حينه إلى أن أطفالاً بالغين “يواصلون قيادة الأعمال باسم آبائهم الخاضعين للعقوبات”.
في ذكرى مجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد في عام 2013، صدرت في أغسطس/ آب 2020 حزمة ثالثة من عقوبات “قيصر”، شملت ستة من المسؤولين العسكريين والحكوميين كانوا مقربين من بشار الأسد. والحزمة الرابعة جاءت في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه استهدفت 13 كياناً وعدداً من الأشخاص الذين كانوا من أركان النظام البائد ويعملون بصفة واجهة لبشار الأسد وزوجته أسماء الأسد للتحكم في الاقتصاد السوري. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 صدرت الحزمة الخامسة من عقوبات قانون قيصر وشملت مسؤولين عسكريين سوريين وأعضاءً في البرلمان وكيانات تابعة للنظام السوري، وأفراداً سوريين ولبنانيين اتهمتهم وزارة الخزانة الأميركية بدعم إنتاج النفط السوري لتمويل نظام الأسد.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو آنذاك إن قرار فرض هذه العقوبات اتخذ تحية لضحايا القصف الذي تعرضت له مدينة دوما السورية في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 من جانب “قوات بشار الأسد التي تدعمها إيران وروسيا”، و”أدى إلى مقتل أكثر من 70 مدنياً سورياً”. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020 صدرت حزمة سادسة من العقوبات ضيقت الخناق أكثر على النظام البائد وشملت البنك المركزي السوري و20 شخصية وكياناً اقتصادياً جديداً.
وخلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تراجع زخم فرض عقوبات جديدة في إطار قانون “قيصر”، بعدما فرض في منتصف 2021 عقوبات على ثمانية سجون وخمسة مسؤولين أمنيين سوريين لـ”تعزيز مساءلة الكيانات والأفراد الذين ساهموا في استمرار معاناة الشعب السوري”، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أنتوني بلينكن. كذلك صدرت عقوبات أخرى شملت قياديين في فصائل المعارضة في حينه، إلا أنه لم يتضح ما إذا كانت في إطار “قيصر”، أو من خارجه.
مسار الإلغاء
القانون الذي أخذ سنوات حتى أُقر وظل مثلها ساري المفعول احتاج إلى نحو عام حتى يتصدع ويتلاشى. عملياً، بدأ مسار إلغاء هذا القانون مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف العام الجاري أمراً تنفيذياً لإنهاء العقوبات على سورية لـ”إزالة عقبة من أمام التعافي الاقتصادي”، وتعزيز ودعم مسارها نحو الاستقرار والسلام. كذلك أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً عاماً لتخفيف بعض العقوبات المفروضة على سورية وسمح الترخيص بالمعاملات المالية المحظورة، ورفع بشكل فعّال العقوبات، وأتاح تمكين الاستثمار ونشاط القطاع الخاص في سورية.
وللكونغرس وحده سلطة إلغاء القوانين في الولايات المتحدة، لذا احتاج رفع “قيصر” إلى عدة أشهر من المداولات ما بين المشرعين الأميركيين الذين اقتنعوا أخيراً بأن مساعدة سورية بما يتساوق مع رؤية الإدارة الأميركية في منحها فرصة للاستقرار والازدهار وبناء شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لا تتأتى إلا برفع قانون “قيصر”.
تعليقاً على إلغاء “قيصر”، يرى السفير والدبلوماسي السوري السابق بسام العمادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن هذه الخطوة “تعني اكتمال الانفتاح الأميركي على السلطة الجديدة في سورية لإعطائها الفرصة لتقوم بما هو متوقع ومطلوب منها”. وبرأيه، فإن إلغاء قانون العقوبات يمكن أن يلعب دوراً في حلحلة ملفات داخلية “إذا استطاعت السلطة الجديدة الاستفادة من الانفتاح الغربي وإنهاء العقوبات بالعمل على إصدار منظومة من القوانين تحمي الاستثمار وتشجعه ليعود ذلك بالفائدة على الاقتصاد ويأتي بالخير على الشعب السوري”. واعتبر أن “الاعتماد على الكفاءات لإعادة بناء الدولة بدلاً من التركيز على عناصر الهيئة (هيئة تحرير الشام)، فقط، سيكون عاملاً فاعلاً في إعادة الثقة للمستثمرين السوريين والعرب والأجانب، ويعطيهم الثقة بأن السلطة تسير قدماً في إعادة بناء الدولة”.
من جانب آخر، يُتوقع ألا تتأخر النتائج الإيجابية على الاقتصاد السوري نتيجة إلغاء هذا القانون، بما أن ذلك يعني فتح الباب أمام تدفق الاستثمارات وبدء مرحلة إعادة الاعمار. وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء قانون “قيصر” سيؤدي إلى تغيّر بصيغة “تدريجية” في الاقتصاد السوري”، مضيفاً: “يؤدي رفع العقوبات بشكل كامل إلى تحوّل جذري في سلوك الفاعلين الاقتصاديين من حالة الترقب السلبي إلى الانخراط الإيجابي”. ورجح المغربل ارتفاع التحويلات الخارجية “نتيجة لخفض درجة المخاطر المرتبطة بإرسال الأموال إلى سورية وتحسّن القدرة على استخدام القنوات المصرفية النظامية”. وأشار إلى أن الآثار الإيجابية لهذا الإلغاء تطاول كل القطاعات في سورية، وبخاصة الزراعة والصناعة والنفط، حيث يصبح الوصول إلى “تقنيات حديثة متاحاً” أمام الحكومة السورية والمستثمرين السوريين.
العربي الجديد
———————————–
مصدر أمني يكشف للجزيرة نت تحييد خلية خطرة لتنظيم الدولة بإدلب/ أحمد العكلة
دمشق- ألقت قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب بجهاز الاستخبارات العامة، خلال عملية أمنية محكمة، القبض على خلية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، مسؤولة عن تنفيذ عمليات متفرقة أودت بحياة 7 عناصر من الجيش والأمن السوريين.
وقال مصدر خاص في قيادة الأمن الداخلي للجزيرة نت “بعد تتبّع مركبة من نوع (موهافي) سوداء، استهدفت عناصر أمن الطرق في مدينة معرة النعمان، تمكّنت الجهات الأمنية من جمع المعلومات اللازمة ومداهمة أماكن تواجد الخلية في بلدة الفوعة بريف إدلب”.
مجريات العملية
وأوضح المصدر -الذي لم يكشف هويته- أن العملية جاءت بعد يوم من قتل التنظيم 4 عناصر في معرة النعمان، حيث بذلت وزارة الداخلية مع الاستخبارات جهودا في تتبع حركة الخلية انتهت بالقضاء عليها خلال وقت قصير.
وأضاف “أسفرت العملية عن اعتقال كامل أفراد الخلية وعددهم 8 أشخاص، وأن اشتباكا جرى مع أحد أبرز عناصرها أدى لمقتله”. وتابع أنه “خلال التحقيقات الأولية، اعترفت الخلية بتنفيذ عدة عمليات اغتيال، طالت عناصر من الضابطة الجمركية في ريف حلب، وأحد أفراد وزارة الدفاع على جسر سراقب، وآخرها استهداف قوات أمن الطرق بمعرة النعمان”.
ووفقا للمصدر، فإن هذه الخلية تعتبر الأخطر في شمال سوريا، فهي تمتلك أحزمة وعبوات ناسفة ورشاشات وبنادق، وكانت تتخذ منطقة الفوعة مقرا لها.
وأشار إلى أن “قوات الأمن العام أرسلت عشرات الآليات والجنود إلى مكان تواجد الخلية تحسّبا لأي مقاومة من عناصرها ومنع هروبهم”.
وتابع المصدر أن الحملة لم تقتصر على إدلب، بل أجرت الوحدات الأمنية عملية دقيقة استهدفت وكرا تابعا لتنظيم الدولة في حي دُمّر بدمشق، مستندة إلى معلومات استخباراتية موثوقة ومعطيات ميدانية دقيقة.
وأضاف “أدت العملية لاعتقال عنصر مرتبط بالتنظيم في الموقع، وضبط عبوات ناسفة معدّة للاستخدام، وأسلحة متنوعة وذخائر، ومُسيّرات انتحارية، ومواد متفجرة تُستخدم بتجهيز تلك الطائرات لأغراض تفجيرية”.
وقبل أيام، استهدف مسلحو التنظيم دورية “أمن الطرق” في معرة النعمان جنوب إدلب، وقتلوا 4 عناصر وأصابوا آخر بجروح خطرة، حيث أطلق المسلحون -بحسب المصدر- النار على عناصر الأمن وهم داخل المركبة العسكرية ثم لاذوا بالفرار.
أهداف التنظيم
ويقول الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، فراس فحام، إن عملية اعتقال خلايا تنظيم الدولة تُمثّل تحييدا للخطر الذي تشكله، كما تسهم بجمع معلومات إضافية حول نشاط الخلايا الأخرى، بالرغم من أن تأثير تلك المعلومات قد يكون محدودا حاليا.
ويعزو فحام في حديثه للجزيرة نت ذلك إلى تحول هيكل التنظيم من نظام هرمي تسلسلي إلى نموذج شبكي، يعتمد على فصل الخلايا عن بعضها بعضا وعدم مشاركة المعلومات بينها.
ومع ذلك، شدد فحام على أن هذه الاعتقالات يمكن أن تسهم -على الأقل- في معرفة ما إذا كانت هناك خلايا أخرى تنشط شمال سوريا.
وأوضح أن الأسباب الرئيسية وراء نشاط تنظيم الدولة تكمن في رغبتها بإضعاف الثقة في الحكومة السورية، على المستوى الداخلي والشعبي عبر إظهار العجز والفشل الأمني، والمستوى الخارجي أيضا.
وأشار فحام إلى أن التنظيم يتبنى مقاربة مفادها أن تقوية هذه الحكومة، التي تمتلك اطلاعا كبيرا على مساره في سوريا منذ تأسيسه حتى إنهاء سيطرته الجغرافية عام 2019، ستعيق عودة نشاطه.
وأكد أن الحكومة كانت على اطلاع واسع منذ وجودها في إدلب ضمن نطاق هيئة تحرير الشام، حيث جمعت معلومات كثيرة حول نشاط التنظيم الذي يسعى -برأي فحام- إلى إضعاف الثقة بها شعبيا وخارجيا.
وفيما يتعلق برد الفعل الرسمي، توقّع فحام أن تُنفّذ وزارة الداخلية السورية بشكل رئيسي عمليات استباقية، إضافة إلى تبادل المعلومات مع الدول الفاعلة في مكافحة تنظيم الدولة.
وأبرز أن هذه العمليات الاستباقية ستكون أكثر فعالية من تلك التي تأتي كرد فعل على الهجمات، حيث لن تنتظر الوزارة وقوع حوادث أمنية قبل التحرك.
وكانت وحدات وزارة الداخلية نفّذت، الأحد الماضي، عملية أمنية في تدمر، واعتقلت 5 أشخاص مشتبه بهم، بعد هجوم أدى لمقتل 3 جنود أميركيين.
العملية ضد تنظيم الدولة
نقص العناصر والعتاد يظل أهم التحديات التي تواجه الحكومة السورية في ملاحقة تنظيم الدولة (الجزيرة)
رغم النقص
من جهته، يقول الباحث في مركز جسور للدراسات، محمد سليمان، في تصريح للجزيرة نت، إن الهجمات التي تنفذها عناصر مرتبطة بتنظيم الدولة لها تداعيات خطيرة على الصعيد الأمني، فهي تضعف الاستقرار الذي تسعى دمشق لفرضه بالمنطقة، عبر إعداد وتجهيز كوادر أمنية تحافظ على الأمن الداخلي.
وأضاف سليمان أن انضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب أدى إلى تخوُّفات لدى خلايا تنظيم الدولة من انتهاء تواجدهم في المنطقة، مما دفع التنظيم لمهاجمة مناطق سيطرة الحكومة والدوريات المشتركة.
ونفى وجود فجوات أمنية أو اختراقات كثيرة بمناطق سيطرة الحكومة السورية، ولكن هناك نقص في عدد الكوادر المؤهلة لمكافحة هذا التنظيم، إضافة لنقص في العتاد العسكري الذي يسهم برفع مستوى هذه الكوادر لمكافحة التنظيم.
أما بالنسبة للمناطق الشرقية، فالأمر مختلف نوعا ما -حسب الباحث- بسبب التماس المباشر مع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي من خلالها -عبر نقاط التماس- تمرر خلايا التنظيم وتدعمهم ليقوموا بأعمال ضد قوات الحكومة السورية.
تحديات
ولفت سليمان إلى تحديات كثيرة تواجهها الحكومة السورية في مكافحة خلايا تنظيم الدولة، أولها بقاء السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا تحت سيطرة قسد.
وأوضح أنه عندما تصبح هذه السجون والمخيمات تحت سيطرة الدولة السورية، فإنها ستتمكن من مواجهة التنظيم بكل أريحية، وأن عكس ذلك سيسمح بعبور خلايا التنظيم إلى مناطق سيطرة الحكومة وتتسبب بالفوضى والتفجيرات والمشاكل.
وأكد أن هناك حملات أمنية ذات فعالية عالية في الشمال الغربي وفي وسط سوريا، وذلك بسبب التغطية الحكومية الجيدة بهذه المناطق، حيث تسيطر عليها وتتحكم بمنافذها ومداخلها ومخارجها.
كما لا يوجد بتلك المناطق -يضيف سليمان- أي حاضنة شعبية أو محلية من شأنها أن تستقطب أو تتستر على وجود خلايا تنظيم الدولة، فضلا عن أن لدى الحكومة السورية خبرة من خلال كوادرها العاملة خلال سنوات الثورة في التعامل مع خلايا التنظيم، ولكن ينقصها المعدات والدعم الدولي في مواجهة هكذا تنظيمات.
المصدر: الجزيرة
———————————–
الجيش الأميركي يعلن شل قدرات “تنظيم الدولة” في سوريا بالتعاون مع دمشق
قالت القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم) إن الولايات المتحدة ستواصل العمل من كثب مع شركائها السوريين لملاحقة شبكات تنظيم الدولة ومنع التنظيم من إعادة تنظيم صفوفه وشن هجمات على المستوى العالمي.
وأوضحت أن القوات الأميركية دمّرت خلال الشهر الماضي وبالتعاون مع دمشق نحو 130 صاروخا وقذيفة وأسلحة أخرى تعود للتنظيم.
وأضافت أن العمليات العسكرية أدت إلى إحباط جهود تنظيم الدولة لإعادة بناء قدراته، مشيرة إلى مقتل 14 عنصرا من التنظيم واعتقال 119 خلال الأشهر الستة الماضية.
وذكرت القيادة الوسطى أن القوات الأميركية وشركاءها نفذوا منذ يوليو/تموز الماضي قرابة 80 عملية في سوريا استهدفت القضاء على عناصر إرهابية.
ونهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت القيادة الأميركية تنفيذها عملية عسكرية مشتركة مع وزارة الداخلية السورية استهدفت أكثر من 15 مخزنا ومستودع أسلحة تابعا لتنظيم الدولة في جنوب سوريا وريف دمشق.
وقالت “سنتكوم” إن القوات الأميركية شاركت مع وحدات من الداخلية السورية في الفترة بين 24 و27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في تدمير المخازن عبر ضربات جوية وعمليات تفجير ميدانية.
يُشار إلى أن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، الذي شاركت فيه عشرات الدول منذ تأسيسه، نفذ خلال السنوات الماضية سلسلة واسعة من العمليات العسكرية ضد التنظيم في سوريا والعراق. في حين لم تكن الحكومة السورية طرفا فيه قبل إعلان انضمامها الأخير.
المصدر: الجزيرة
———————————–
========================



