سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

موسيقى ما بعد الأسد… سمات “الوجه الحضاري” الجديد/ علي موره لي

21 ديسمبر 2025

قبل عام، فرّ بشار الأسد من سورية. تهاوت أركان حكمه العصبويّ الأمنية والعسكرية، وانحلّ الجزء الأكبر من شبكة علاقات السلطة بالمال، المُسيِّرة لموارد البلاد، والموجِّهة للإدراك العام (Perception Management) عبر التحكّم بالمرويّة وبالصورة، بعيداً عن الواقع على الأرض.

كانت رعايةُ الثقافة والفنون، خصوصاً الموسيقى، من أدوات توجيه الإدراك العام. وقد سبق للمسرحي والباحث زياد عدوان أن أشار إلى الدور المنوط بها منذ انقلاب حزب البعث سنة 1963 في إبراز “الوجه الحضاري” للدولة العَلمانيّة الحديثة، التي بُويِع الأسد الأب بانياً لها، والتي سيتبيّن رجعيّاً أنها من نُسَخها الأكثر رداءةً وفساداً ووحشيّة.

ترافق دخول المعارضة المسلّحة دمشق في 7 ديسمبر/كانون الأول، مع القلق على مصير الثقافة. منشؤه العقيدة الإسلامويّة للعديد من الفصائل، ونُذُر تكرار سيناريو تحريم “طالبان” الموسيقى وتحطيم الآلات في أرجاء أفغانستان منذ سيطرتها على العاصمة كابول، عشيّة انسحاب القوات الأميركية منها سنة 2021.

لم يحدث ذلك، منهجياً على الأقل. جُمِّد العمل في دار الأوبرا بدمشق لحين العودة النسبية للأمن، وتراتب أوليّات الحوكمة والميزانية. وبعد تعيين وزيرٍ للثقافة، أُعلن عن جدولٍ رسميٍّ للعروض، أُلغي بسبب أحداث العنف المروّعة في السويداء. وأخيراً، استأنفت الأوبرا النشاط بمختلف أنواعه وبوتيرةٍ شبه طبيعية.

عاد القلق مجدّداً إثر الجدل حول إلغاء محافظ حمص لأحدِ عروض الموسيقي السوري الأميركي مالك جندلي، كان من المُقرّر إحياؤه في الهواء الطلق بميدان الساعة، احتفالاً بـ”ذكرى النصر”، برفقة الفرقة الوطنية السيمفونية السورية وقائد أوركسترا زائر من الولايات المتحدة، على أن يُكتفى بحفلَين في قاعة المركز الثقافي للمدينة ودار الأوبرا في العاصمة.

على الرغم من الردود المتبادلة بين جندلي وكلٍّ من وزارة الثقافة ومحافظة حمص، التي احتلّت منصّات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على شكل رشقاتٍ من التصريحات والتوضيحات المكسوّة بالدبلوماسية، وسعيٍ متبادلٍ إلى الحفاظ على شعرة معاوية، لا تزال الدوافع خلف إلغاء الحفل مفتوحةً على التأويلات.

في ضوء نجاح السلطة خلال “ذكرى النصر” في تأمين الفعاليّات الجماهيرية التي نُظِّمت في العراء، وفي العديد من المحافظات والبلدات والقرى، لم يعد تبرير المحافظ بعجزه عن توفير الأمن لحفلٍ موسيقيٍّ في ميدان الساعة كافياً لتفسير إلغائه. فضلاً عن تداول تعليقٍ منسوبٍ إلى مفتي المدينة، بأنّ عزف الموسيقى لا يليق بتكريم أرواح الشهداء، يشي بأن قرار المحافظ قد حظي بتأييد بعضهم.

لو أُذعِن لقرار إلغاء حفل الهواء الطلق والاكتفاء بالبقيّة، لأمكن تقصّي جهةٍ ما، في أيٍّ من مناسيب هرم الحكم، لا تريد مطلقاً أن تكون الموسيقى من مظاهر الحياة العامة في البلد، وبالتالي ستمضي قُدُماً جهة عرقلة سير جدول الحفلات بأكمله.

موقف الفنان الصفري (Zero-sum) المتمسّك بالعزف وسط الميدان، أو الانسحاب، مرتبطٌ بعلامته (Brand) ومشروعه.

مثله مثل غي مانوكيان وإياد الريماوي، تندرج عروض مالك جندلي ضمن فئة “الموسيقى الكلاسيكية الفعّالية” (Eventized classical)، إذ مشهديّة الحشود والتفاعل الجماهيري مكوّنٌ أساسيٌّ من المُنتَج، وليس ناتجاً ثانوياً (Byproduct).

لعلّ خلافاً، إذاً، قد طرأ حول من وما الذي يستأثر بالمرويّة وبالصورة التي تحتفل حمص بها بتحرّرها من الاستبداد. في حين يعتبر جندلي أنه اصطفّ إلى جانب الانتفاضة منذ انطلاقتها، وتماهى معها فنّيّاً، وثبت على رهانه بانتصارها، فيحقّ له بذلك أن يتصدّر الاحتفال الجماهيري، يرى حماصنة، ومن يُمثّلهم أو يستجيب لهم من أصحاب القرار، أنه لا هو ولا موسيقاه يعكسان بأصالة هوية المدينة الجديدة بعد التحرير.

كما يحدث عقب كلّ تغيّرٍ جذريٍّ، يُخشى أن يُنظَر تعسّفيّاً إلى كل ما تخلّل “الوجه الحضاري” في السابق على أنه من مُخلّفات العهد البائد، ولا سيّما أن الشريحة الاجتماعية الأكبر، الأكثر محافظةً، والتي تحمل مظلومية تغييبها عن “الوجه الحضاري” للدولة الحديثة، ترى اليوم بأنه صار لها الغَلَبة في إنشاء الصورة والمرويّة والتحكّم بالإدراك العام وفق عقيدتها وتقاليدها.

نشطت الحياة الموسيقية السورية في الماضي داخل نُطُقٍ مجتمعية ضيّقة نسبيّاً، ضمّت نُخَب الطبقة الوسطى وما فوقها في المُدن، أو في تلك الأرياف المكوّنة من الهويّات الصغرى الأقلّ تزمّتاً. فيما لم يُحسم الجدل الفقهي في الإسلام، بمختلف مذاهبه، حول “المعازف”، وإن مال أغلبها إلى نبذها. ما عدا بعض الطرق الصوفية، أقبل المسلمون في العصور الوسطى على السماع خارج إطار الدين، وتأثّراً بالمنظومة الفكرية والمعرفية اليونانية، ثم بفعل التحديث المتوثِّب غرباً، الذي أطلقه محمد علي في مصر والسلطان العثماني محمود الثاني منتصف القرن التاسع عشر.

يمكن اعتبار سقوط الاستبداد الأسديّ بمثابة انتهاء صلاحيّةٍ (Expire date) لتجربة الدولة الحديثة في الشام، وفق سيرورتها الممسوخة منذ الإصلاحات المصريّة والعثمانيّة، لتعيش المنطقة اليوم انتقالاً حضاريّاً وجيوسياسيّاً (Interregnum)، تشهد المفاهيم بموجبه دورة موتٍ وولادةٍ وبعث، يصعب معها تلمّس ماهيّة الأشكال التي ستنبثق وتتبلور، سواءً لطبيعة الكيانات السياسية وحدودها، أو أهواء مجتمعاتها وأنماط الحكم فيها.

في بلدٍ مُجزّأٍ ومُدمّر، مُعدَمٍ اقتصاده ومُهجّر شعبه، لا يُنتظر أن تشغل الموسيقى أيّاً من درجات سلّم الأوليّات. في المقابل، لا يوجد ما يُشير حتّى الآن إلى أن ثمّة أجندة “ثورة ثقافية” تهدف إلى حظرها. ما زالت الحفلات تُقام على مدار الشهر وفي عموم البلاد، وإن ظلّ معظمها مُستتراً داخل النُطُق المجتمعية والطبقية ذاتها قبل فرار الأسد، مع بعض الانكشافات الجماهيرية النادرة خارجها، كإحياء الفعاليّات الاحتفالية، ورفد نشاطات المنظمات غير الحكومية الموجّهة للتنمية والإعانة الإنسانية وإعادة الإعمار.

تبدو السلطة كمن يحاول الملاحة في بحرٍ يموج بالتناقضات؛ فالتشدّد الديني لم يتمدّد فقط ضمن الفصائل التي أُدمجت في نواة مؤسّستها الأمنية والعسكرية، وتمذهبت زمن الحرب على عصبويّةٍ مضادّة لعصبويّة الاستبداد، بل أيضاً لدى فئةٍ واسعةٍ أصبحت تتوق إلى هويةٍ ماضويّة تعود بها إلى ما قبل الدولة الحديثة. لذا، تنشأ الصورة والمرويّة المتحكّمة بالإدراك العام تماشياً مع روح العصر (Zeitgeist)، المفعمة بالهويّاتيّة (Identity Politics) والخطاب الشعبوي، المستمدّ شرعيته من الاستجابة لمظلوميّة الجموع.

بهذا؛ ثمّة نزعةٌ مؤسّساتيّة لجهة تعزيز الهويّة المحليّة، على طريقة حزب العدالة والتنمية في تركيا، بوصفها ائتلاف الانتماءين الإسلامي والسوري، على حساب الهويّات الأشمل كالقومية العربية والعالمية، وحتّى الإسلاموية العابرة للحدود. فحين أعلنت وزارة الثقافة شروطاً لمسابقة إحداث نشيدٍ وطنيٍّ جديد، تراجعت عنها لاحقاً، وصفت راست وحجاز بالمقامات السورية، والمتعارف عليه أنها شرقية أو عربية، كما أن الحفلات التي يُكلّف بإحيائها ذات طابع تراثيّ، سواءً لجهة الأغاني والمقطوعات أو تشكيلات الآلات.

من جهة أخرى، ومنذ دخولها دمشق، سارعت السلطة بالانتساب إلى تجربة عَصْرنةٍ تخلف التحديث المصري العثماني وحقبة الاستعمار وما بعده، تقودها اليوم دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية، تقوم على تطبيق هندسةٍ معكوسةٍ (Reverse Engineering) للمجتمع، بهدف جعله قابلاً لتجاور (Juxtaposition) كلٍّ من الإسلام والليبرالية.

لذا؛ وفيما تستعد الألفية لوداع رُبعها الأوّل، الذي شهد ولادة ثلاث فرقٍ سيمفونية في كلٍّ من الدوحة والرياض وأبوظبي، وتشييد دور أوبرا بهيّة وإطلاق مهرجانات فنيّة تستضيف عروضاً من مختلف الألوان الموسيقية، قد بات من الصعب تصوّر دمشق من دون “وجهٍ حضاريٍّ” عصريٍّ مُتّسق مع المسار العام للإقليم. عساه ألّا يمسي قناعاً، وأن يكون أكثر انسجاماً مع الواقع على الأرض، وفي الوقت ذاته، أعمّ تمثيلاً لجميع السوريات والسوريين، وإلّا فإنه يُخشى أن تتحول المنطقة إلى ثقبٍ حضاريٍّ أسود، قد يبتلع العالم بأسره.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى