الخارجية السورية في عامها الأوّل/ محمد السكري

2025.12.17
بعد سقوط نظام الأسد مباشرة، شهدت السياسة الخارجية السورية تحوّلات واسعة وسريعة، عكست سعي السلطة الجديدة إلى إعادة صياغة موقع سوريا في الإقليم والنظام الدولي، ليس فقط بوصفها دولة خارجة من صراع طويل، بل باعتبارها نظاماً سياسياً يسعى إلى بناء شرعية خارجية مغايرة لتلك التي ارتبطت بعقود الحكم السلطوي السابقة.
وجاءت هذه التحولات باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من عملية إعادة التموضع للنظام السياسي الجديد، لبعيد تعريف صورة سوريا بوصفها فاعلاً غير مهدّد على المستويين الإقليمي والدولي.
إذ يُلاحظ أن الانفتاح الخارجي السوري اتسم بطابع شامل، شمل تقريباً جميع الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك الدول التي كانت تعد مصدر قلق دائم للنظام السابق.
يمكن فهم هذا السلوك ضمن ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـسياسات إعادة الإدماج الدولي للدول الخارجة من الصراعات (Post-conflict Reintegration)، حيث تسعى الدولة الجديدة إلى تفكيك صورتها السابقة بوصفها مصدر اضطراب، وإعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكًا محتملًا في الاستقرار الإقليمي.
ارتكزت السياسة الخارجية السورية الجديدة، على عدد من المرتكزات الأساسية الواضحة، في مقدمتها، التأكيد المستمر على أن سوريا لم تعد مصدر تهديد إقليمي أو دولي، وأنها تتبنّى سياسة “التوازن الإيجابي” مع المحيط، مع التزام صريح بعدم تصدير الأزمات أو “الثورات”، والانخراط بدلاً من ذلك في خطاب يرتكز على دعم السلم الإقليمي والاستقرار والتدرج في شراكة مكافحة الإرهاب.
ويتقاطع هذا الخطاب، بدرجات متفاوتة، مع الرؤية الأميركية -ولا سيما في صيغتها الترمبية- تجاه الشرق الأوسط، والتي تضع أولوية واضحة للاستقرار الأمني.
وقد مكّنت هذه المقاربة سوريا من تحقيق اختراقات دبلوماسية مهمّة، كان أبرزها استعادة قنوات الاتصال والعلاقات السياسية مع الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية.
ويُعدّ هذا “الثلاثي الغربي” عنصراً مركزياً في إعادة إدماج سوريا داخل النظام الدولي، إذ أسهم في تحسين موقعها التفاوضي، وفتح المجال أمام مراجعات سياسية جديدة تتعلق بتقاطعاتها الإقليمية ورؤيتها الاستراتيجية العامة.
غير أن هذا التقدّم ظلّ، في معظمه، ضمن الإطار الرمزي-الدبلوماسي، ولم ينعكس بعد بشكل ملموس على مستوى معالجة الملفات البنيوية العالقة إلا بحدود بسيطة، قد تتوضح أكثر في العام الثاني من المرحلة الانتقالية.
فمع هذا التحوّل الظاهر، بقيت السياسة الخارجية السورية محاطة بسلسلة من الملفات المعقّدة التي لم تكن بطبيعتها داخلية فقط، بل مرتبطة بالبنية الإقليمية والدولية للصراعات.
يأتي في مقدمة هذه الملفات ملف العلاقة مع إسرائيل، الذي ظلّ الأكثر اضطراباً خلال العام الأول بعد سقوط النظام، فقد شهدت سوريا سلسلة أحداث أمنية لافتة وتاريخية، كان أبرزها استهداف العاصمة دمشق، ولا سيما منتصف ساحة الأمويين، في سابقة شكّلت لحظة فارقة في التاريخ السياسي-الأمني السوري، نظراً لرمزية المكان بوصفه جزءاً من “المربع السيادي” للدولة.
ويمكن قراءة هذه الضربات في إطار “العربدة المركبة” الإسرائيلية، ومحاولة إسرائيل فرض تعريف قواعد الاشتباك وفق لرؤيتها الأمنية، في ظل غياب اتفاق أمني جديد أو ترتيبات واضحة مع السلطة السورية الناشئة.
إلى جانب ذلك، برز ملف السويداء بوصفه مثالاً صارخاً على تحوّل القضايا الداخلية إلى ملفات ذات أبعاد دولية، نتيجة لضعف التقدير الحكومي في المراحل الأولى، واستغلال بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين للثغرات التي أفرزتها حداثة الدولة الجديدة ومحدودية خبرتها في إدارة التوازنات المحلية الحساسة.
كشف هذا الملف هشاشة التداخل بين السياسي والأمني والاجتماعي في سورية ما بعد النظام، وأظهر حدود القدرة على الفصل بين الداخلي والخارجي في سياق انتقالي معقّد.
كذلك، ورثت الحكومة السورية الجديدة ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بوصفه أحد أكثر ملفات الصراع تعقيداً، كونه نتاجاً لتداخل إرث النظام السابق مع مسار الثورة والحضور العسكري الأميركي.
وعلى الرغم من تحقيق الدبلوماسية السورية بعض النجاحات في دفع هذا الملف باتجاه التفاوض وتوقيع اتفاق مارس، فإنّ هذه التحركات لم تُترجم بعد إلى اتفاقات نهائية-تنفيذية أو حلول بنيوية واضحة، سواء لجهة إعادة دمج الفواعل العسكرية داخل سورية ضمن الدولة المركزية.
ويمكن توصيف هذا المشهد بوصفه حالة دبلوماسية رمزية عالية الكثافة مقابل نتائج بنيوية محدودة -لحد الآن- فقد كانت الزيارات الرسمية، وتوقيتاتها، وطبيعة الوفود المشاركة، تعبيراً عن اعتراف سياسي أولي بشرعية السلطة الجديدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى حل الملفات العالقة: “قسد”، الاتفاق الأمني مع اسرائيل، السويداء، رفع سوريا عن قائمة الدولة الراعية للإرهاب.
رغم وجود تقدم ملفت، لا سيما في ملف عقوبات قيصر والذي وصل إلى مراحله الأخيرة قبل الرفع، خاصةً بعد جولة الرئيس أحمد الشرع ولقاء نظيره ترمب في البيت الأبيض.
وتبدو العلاقة مع تركيا الأكثر تقدّماً وتماسكاً ضمن السياسة الخارجية السورية الجديدة. فتركيا لا تنظر إلى سوريا بوصفها مجرد دولة جارة، بل باعتبارها ركيزة أساسية في مشروع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وهو ما انعكس بوضوح في كثافة الزيارات المتبادلة والدعم العسكري والأمني واللوجستي، وكون أنقرة أوّل دولة تزور دمشق بعد سقوط “الأسد”، فضلًا عن حجم الوفود التقنية والسياسية التي شاركت في صياغة مسارات التعاون.
ويمكن القول، من منظور تاريخي، إنّ العلاقة السورية-التركية تشهد واحدة من أكثر مراحلها تقارباً منذ نشوء الدولتين الحديثتين في عشرينيات القرن الماضي.
وتندرج هذه العلاقة ضمن إطار أوسع من التنسيق الإقليمي غير المعلن، لا سيما بين تركيا والسعودية، لإدارة الملف السوري من دون تصادم مباشر، وبمنطق تكاملي يهدف إلى ضبط قواعد التنافس الإقليمي.
ويبرز في هذا السياق البعد الأهم بالنسبة لتركيا وسوريا معاً، والمتمثل في مواجهة النفوذ الإسرائيلي المتنامي ومحاولة تحصيل استغلال كل الوسائل العسكرية والدبلوماسية، إمّا عبر مسارات سياسية أو رسائل أمنية وعسكرية من أجل التوصل لصيغة تفاهم بعد الردع حول قواعد الاشتباك مع الجانب الإسرائيلي، في ظل إدراك مشترك لمخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
حاولت سوريا خلال الفترة الماضية إعادة تعريف علاقتها مع روسيا، إدراكاً لحجم المصالح الروسية المتراكمة داخل الأراضي السورية، وتعقيد الملفات المرتبطة بالوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الروسي، غير أن هذا المسار ما يزال في طور المراجعة، ويخضع لحسابات دقيقة تتعلق بتوازن النفوذ الدولي داخل سوريا.
في المحصلة، تكشف تحولات السياسة الخارجية السورية بعد سقوط نظام الأسد عن مسار إعادة تموضع طموح، نجح في استعادة الحضور الدبلوماسي والشرعية الرمزية، لكنه لم يترجم بعد إلى اختراقات حاسمة على مستوى الملفات الاستراتيجية العالقة في سوريا، وهو ما يعكس أن التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة لن يكون في توسيع شبكة العلاقات، بقدر ما سيكون في تحويل الاعتراف الدولي إلى تسويات فعلية تعيد إنتاج الاستقرار السياسي والأمني لسوريا، ضمن نظام إقليمي شديد السيولة.
تلفزيون سوريا



