محطات

القطار شاهد حزين على أحلام الأمة المجهضة/ طارق عدوان

23 ديسمبر 2025

لم يحصل القطار في البلاد العربية على الوقت الكافي ليصنع أمّة، كما فعل بالأمتين الأميركية والألمانية مثلاً. فبداية تأسيس هذا المشروع العظيم ترافقت مع بدء الانهيار النهائي للإمبراطورية العثمانية، لذلك تمزّقت الـ “الأمّة” قبل أن تكتمل فروع السكّة، وتشكّل شرايين وأوتاراً وأعضاءً تربط الأمة وتوحدها.

يحكى أن مواطناً ألمانياً وقف في مهرجان خطابي، وصرخ مقاطعاً بسمارك: أيها الرجل العظيم الذي وحّد ألمانيا. فأجابه بسمارك: لست من وحّد ألمانيا، سكّة الحديد من فعلت ذلك.

في منطقتنا كانت سكّة الحديد مشروعاً طموحاً أرادت من خلاله الدولة العثمانية توحيد العالم الإسلامي، وبدأت، كالعادة، من دمشق، ببناء محطة الحجاز ومدّ السكة نحو الشمال والجنوب. لم يكتمل المشروع، لكن القطار ظل حاضراً في الثقافة السورية شاهداً على ظلال حلم كبير.

صوتان أضيفا إلى الذاكرة والهوية السمعية السورية، إضافةً إلى أصوات الباعة وأذان المساجد وأجراس الكنائس، وأصوات عربات نقل البضائع والركاب، وبعض الأغاني الهاربة من الزقاقات السورية الحجرية العتيقة. صوت صفارته المدوية التي تعلن الرحيل، وصوت أنين سكته تحت وطأة عجلاته الحديدية، عندما ينطلق متثاقلاً بسرعةٍ ابتدائية، معلناً وداعاً لا بدَّ منه، كذئبٍ وحيدٍ يعوي رافعاً أنفه إلى سماءٍ لا تجيبه، ولا تجيب أحداً.

القطار في سورية، الذي كان في بداياته مشروعاً إمبراطوريّاً عثمانيّاً عام 1902، من أجل تأمين وصول الحجيج إلى مكة عبر محطة الحجاز للسكك الحديدية، ما لبث أن تحوّل إلى شريانٍ وطنيٍّ يربط المدن والبلدان، ويجمع الحُجاج والتُّجَّار والجنود والعشاق.

محطات القطارات الكبرى، مثل محطة الحجاز في دمشق، محطة حلب، ومحطة درعا، لم تكن مجرد مبانٍ معمارية شاهدةٍ على التفوق الهائل في مجال البناء والعمارة من جهة، وفي مجال الذائقة الفنية المعمارية من جهةٍ أخرى فحسب، بل ذاكرة حيَّة للرحيل واللقاء. هنا اجتمع الفلاح مع العامل المسافر، والعشاق المنتظرين، أو المودِّعين، والشاعر، لتلوِّن فراشة روحه هواء المسافة والجغرافية المفتوحة على الشغاف، وليرسم ملامح بوحه عبر ثأريَّةٍ جماليَّةٍ بصرية نبيلة – لا ينطق الشعر من ليس له ثأرٌ مع الجمال –  وقودها اللغة وغزالة البصيرة، التي تلوِّنُ المسافة… المسافة الأسرع من انخطاف الروح، والأبطأ من فِيَلَةِ الفقد والرحيل. معهم أيضاً الجندي الذاهب إلى حروبٍ لا يعرفها ولا يعرف جدواها، والتاجر الذي يدك عرباته بالقمح والتوابل والبشر. وما رصيف المحطة إلا الشاهد الأمين على البأس والبؤس والبأساء، على الانتظارات، على الفرح المؤقت، على الدموع الخارجة على العين ومنها.

ومثلما كان وسيلة عسكرية للتنقل أيضاً، خلال الحرب العالمية الأولى، والانتداب الفرنسي، كان أيضاً أداةً لنقل الناس والبضائع، ما جعله ومحطاته جُزءاً من التجرِبة اليوميَّةِ للناس، وموضعاً لتوليد الحكايا والقصص الصغيرة، التي تحوّلت فيما بعد إلى ذاكرة وطنية.

فلنتخيل معاً خط سير قطار الحجاز مثلاً: ينطلق القطار من محطة الحجاز في دمشق، هذه المحطة، التي حقَّقت، حين إنشائها، سبقاً في الإبداع العمراني، وبقيت ببهائها وتميزها الشكلاني، حتى اللحظة، رغم توقفها الوظيفي واللوجستي. من دمشق، إلى سهل حوران، عبر مزيريب، إلى درعا، ومنها إلى الأردن، والزرقاء، ومعان، ثم يتجه نحو العمق الجنوبي وصولاً إلى الحجاز والمدينة المنورة.

بغض النظر عن الهدف من إنشاء هذه المحطة، والذي كان حينها ربط أقاليم السلطنة العثمانية بعضها ببعض، لتأمين طريق الحج من جهة، ولتوكيد السيطرة عليها من ناحيةٍ أخرى. لكن يمكننا تماماً التمعن في الجغرافيا التي يقطعها، والتي تحمل مع تنوعها وغناها، تنوعاً وغنىً في اللهجات اللغوية والموسيقية. دروبٌ تخترق البيد والسهول والجبال، تمنح مياه البحيرات بعداً سرمدياً، يليق بالوقفة مع الذات المسافرة، وبالبوح للدرب عن طول المسافة ما بين القلوب ومبتغاها، ما بين الدمعة والعين.

تبقى الموسيقا يتيمةً من دون الإيقاع، وهذا الشيء الذي نفقده اليوم، إذ إن أغلب رحلاتنا صامتة. لا الطيارة تصدر صوتاً دورياً، ولا الحافلات الحديثة، ولا ميكروباصات النقل الداخلي أيضاً، فيما خلا صوت محرّكها المزعج الذي يئن تحت وطأة الحمل الزائد من مؤخرات السوريين المتعبين. أرواحٌ لا إيقاع لها، كائناتٌ (تيهيَّة) إن صحت التسمية. بينما صرير السكّة الدوري، واهتزاز مقصورات القطارات، كنهودٍ مكتنزةٍ بلغةٍ تُتخِم الجسدَ ليصفر مغلِّفاً فضاء اللقاء والوداع، كان إيقاعاً للمسافرين، وحتى للمودعين والمستقبلين، فصوت كهذا، وإيقاع كهذا، يذهبان معك إلى سريرك، إلى وسادتك. إلى دموعك.

حتى ضمن المدن السورية، كان هناك ما يعرف بالترام واي (القطار الكهربائي) الذي كان يمخر عباب المدن كديكٍ أنيق بعرفٍ يستشيط شرراً، ويحكي لسكَّتِهِ اليوميَّة قصصَ المئات والمئات من السوريين الأنيقين، المتفوقين على أنفسهم وأنفاسهم، التي كانت تحاكي إيقاعه، وبُحَّته الموزونة.

سيُفضي هذا كله، وبكلِّ منطقيَّة وانسيابية، إلى أن يزجّ القطار نفسه بكامل أثريه اللوجستي والأثيري، وبكل نبل، في “ذاكرة المستقبل” الفنية والأدبية والإبداعية، بوصفه شاهداً غير مواربٍ على الناس والوطن، وانخطاف العاطفة فيما بينهما. فلا يمكن لمفردة عظيمة كهذه إلا أن تصبح إحدى عمادات التكوين والبناء في القصيدة والأغنية، في السينما، وفي كل السرديَّات الأدبيَّةِ السورية، من قصة ورواية، بوصفها رمزيةً للانتقال ما بين حزنين، ما بين حالتين حضاريتين، أو حقبتين سياسيَّتين، وككمونٍ تعبيريٍّ شعريٍّ وسرديٍّ وتشكيلي عن شجن الجغرافيا والإنسان.

على الرغم من انقراضه (القطار) في سورية مرحلةً، نتيجة سياساتٍ غير مفهومة لدى النظام السياسي السابق على الصعيد الاقتصادي والثقافي، وحتى الاجتماعي. سياساتٌ أبدعت في زيادة اغتراب السوري عن نفسه وعن جغرافيته، وحتى عن ذاكرته ومستقبله، إلا أن هذا الحضور الحاسم للقطار في الوجدان الأدبي بقي مستمرّاً. فها هو الشاعر الكبير علي الجندي، يعلن عويل روحه مع صفارات القطارات البعيدة، ونأي وجده بعيداً عن المكان الجهم وحرَّاسه الأجلاف، بمرثيةٍ لقطار العمر والحرية، الذي خَفَتَ صدحه، وتلاشت مشهديَّته من دون أن تغادر الخاطر والبال واللغة:

“القطارات التي اشتقت لترداد أغانيها الحديديات/ ما عادت تبالي بالمحطات الصغيرة/ كلها تمضي كلمحِ الخوف… لا صوتَ لها ولا ناسَ فيها/ وأنا أرقبها قاطرةً قاطرة”.

وها هو محمد الماغوط، يعلن انخلاعة روحه بنزقٍ ومباشرة، وعودة قلبه المشتت، عودةً أثيريَّة تتبدد في فضاء الأوطان، الفضاء الضيق، الذي تآمر مع جسده وتبغه عليه:

“وداعاً، وداعاً إخوتي الصِّغار/ أنا راحلٌ… وقلبي…/ راجعٌ مع دخان القطار…”.

هذان مثالان سريعان على حضور رمزية القطار الطاغي، التي فرضت نفسها، رغم  تلاشي مشهديَّته، على كل أنواع التعبير وصنوفه، فتجده عند نزار قباني وسليم بركات وأدونيس ومحمد عمران ورياض الصالح الحسين وممدوح عدوان شعراً وروايةً، كما في رواية “أعدائي”، التي كان اسمها “الطير الحر”، وعند كل من جاء وافتتن بدمشق وسورية من شعراء ورواة كبار: محمود درويش، محمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، عبد الرحمن منيف في روايته “الأشجار واغتيال مرزوق” التي أعدها وأخرجها للتلفزيون المخرج غسان باخوس بسلسلةٍ دراميَّةٍ بعنوان “الشريد”. وتكثر الأسماء والأمثلة، وصولاً إلى أيامٍ ليست بعيدةً تأريخاً، لكنها البعيدة عن الوجه الحار والنبيل للبلاد، برواية “مها حسن” (مترو حلب ـ 2016) التي تحلم فيها خالة سارة الهاربة من أنين حلب تحت وطأة القصف والحرب، كلما مرّ القطار فوق نهر السين أو جاب باريس، بأنها ترى من نافذته قلعة حلب أو سوقاً أو حياً منها.

شكَّل هذا الحضور استمراريةً لما أمكن تسميته على المستوى العربي والعالمي، بـ”فن القطارات” وبالتحديد: “سينما القطارات”. تسميةٌ تشي بتكوين مذهبٍ أدبي وبصري يُكنَّى بالقطار، فنجده حاضراً في سينما محمد ملص وريمون بطرس وغيرهما من السينمائيين السوريين، فضلاً عن الأفلام الوثائقية الكثيرة، التي صُنِعت عنه ومن أجله.

كيف لا؟ والسينما فعل، والفعل حركة، والقطار سيِّد من تحرك وحرَّك الشخصيات ضمنه، بعواطفها وأهدافها ومآلاتها وسيرورة تكوينها السينمائي الدرامي، لنراه ينوس في السينما ما بين عدة أبعاد: البعد الوظيفي، وهو ما تم استثماره في أفلام الويسترن والجريمة، إذ تقع الأحداث في القطار، والبعد العاطفي والوجداني الإنساني، حيث الوداعات واللقاءات وولادات الحب، والبعد التغييري، فنجده رمزاً للتعبير عن انتقالٍ ما بين مكانين، أو حقبتين سياسيتين، أو طورين اجتماعيين، حاملاً الشخصية إلى تغيير شكلاني وعاطفي وأيديولوجي، لتنتهي إلى مآلاتها ضمن الحدوتة السينمائيَّة، حيث المكان فيها واحدٌ من المداميك الأساسية: زمان، مكان، شخصيَّة.

فضلاً عن اللجوء إلي معنويَّته البصرية في باكورات تصوير المقاطع السينمائية التعبيرية عن الأغنية والمقاطع الشعرية، التي أصبحت نواةً لما سُمِّيَ فيما بعد: “الفيديو كليب”.

للحديث عن السينما تتمة، ستكون بمثابة ختام لهذه المقالة… لا بد أن حضور القطار في الأدب والسينما الغربيّين كان قد ساهم كلَّ المساهمة في تكوين الخطاب الفني والأدبي في الشرق، وفي أمه سورية، الذي استمدَّ طاقته التعبيرية من حضوره في الحياة وفي محجر العين وعظيمات السمع، وأرخى بظلاله على كل مشرقيٍّ ولَّادٍ للشغف، منتمٍ إلى الجمال والحياة. فها هو يفتتح رواية “الأبله” لديستويفسكي،، ويكوِّن الفضاء الروائي الحسي والمكاني لرواية أغاثا كريستي “جريمة في قطار الشرق السريع”… قطار الشرق السريع، الذي اعتبر واحداً من أهم الصروح الحضارية التي أنشأها الإنسان في التاريخ الحديث، وهو القطار الذي يصل ما بين لندن وإسطنبول، ولنا أن نتخيل المشهديات التي يعبرها قطار كهذا عبر رحلته، ومنه استلهم هيرمان هسّة أيضاً روايته “رحلة إلى الشرق”، وها هي محطة القطار تفتتح رائعة تولستوي “آنّا كارنينا”… وتطول الأمثلة والشواهد، ليس في السرد الروائي فقط، بل في القصة والمسرح، والأغنية أيضاً، ولنا بـ”يا وابور قلي” و”مرينا بيكم حمد” أسوة حسنة.

عرض الأخوان لويس وأوغست لوميير، مخترعا آلة السينماتوغراف، في العام 1895، فيلمهما الوثائقي القصير “وصول القطار إلى محطة لاسيوتا”، وفيه يقترب القطار من عمق اللقطة حتى مقدمتها، ما جعل الجمهور، الذي رأى لأول مرَّةٍ صورةً متحركةً واقعية، يصاب بحالةٍ من الهلع، ظانّاً أن القطار سيخرج من شاشة العرض ليدعسه، حتى إن البعض فرَّ هارباً خارج صالة العرض. وكان هذا الفيلم مدفوع الأجر، ومدته 50 ثانية… فلنعارض هذا الفيلم بفيلمٍ سوريٍّ مُدَّته ستة عقود وثلاث خيبات؛ فيلمٍ مدفوع الأجر، من الأحلام والأعمار والحيوات والدموع والدماء، وعلى الشاشة يظهر قطارٌ ساكنٌ متهالكٌ منهكٌ متَّكئٌ على سكةٍ حديديةٍ  يناجيها وهي تتلاشى بؤرياً، وتفضي إلى المجهول. بالجمهور ذاته، المنحني الخائف، الهارب من صالة العرض، ويكون صوت الفيلم، بيت عتابا سورياً:

“لحظك هالجرحني بالسمهري…

جيت لحطك بقلبي… بس مهري…

وجيت إلحق ضعونك… بس مهري…

كبا… وأمير الليل غاب”.

فلنفصِّحه ليكون مفهوماً أكثر:

“لحظكِ الذي جرحني بالرُّمحِ السَّمهري

أردت أن أضُمَّكِ إلى قلبي… لكنه مهترئ

وهممت ألحق ظعنكِ… لكنَّ مهري

كبا… وقد غاب أمير الليل”.

وأمير الليل، هنا كناية عن حارسه. قد يكون قَمرَه، أو غَمامَه، أو قلوبَ عابريه..

أو… قطارَه.

أريدُ قطاراً، لألمعَ قرون وَعْلِ الموسيقا… ولأحبَّكِ من جديد.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى