تطور الاقتصاد السوري تحديث 25 كانون الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 25 كانون الأول 2025
عن التحدّيات بعد رفع عقوبات قانون قيصر/ عمار ديوب
25 ديسمبر 2025
تحدّيان كبيران سقطا عن كاهل سورية الجديدة: سلطة بشّار الأسد وعقوبات قانون قيصر. هما شرطان، داخلي وخارجي، كانا المعوقَيْن الأبرز أمام البدء بالمرحلة الانتقالية. هل نبالغ بذلك؟ أبداً. كان عامٌ من التجريب وفهم الواقع بتعقيداته المختلفة والممتدّة عقوداً، ولا سيّما منذ 2011، وكذلك السياسات الدولية والإقليمية؛ وبالتالي يُفترض البدء بتطبيق خطّة وطنية للنهوض العام وفي المجالات كافّة. السؤال الآن: هل السلطة مستعدّة لإعادة النظر في تجريبيّتها وبراغماتيتها وسياساتها؟
ثمّة سعادة شعبية غامرة برفع العقوبات، لكن هناك أيضاً ثمانية شروط أميركية وُضعت في نصّ الموافقة على هذا الرفع، يمكن فرض عقوبات بديلة إذا لم تُلبّى. وهي شروطٌ تتيح رصداً دقيقاً لكامل ممارسات السلطة، وستُرفع تقارير نصف سنوية عنها لأربعة أعوام مقبلة. والأنكى، صدور بيان لاحق عن قرار الرفع وعن مجلس الشيوخ يؤكّد المراقبة الدقيقة لممارسات السلطة. هناك أيضاً شروط أوروبية وبريطانية تشبه الأميركية، وأخيراً فرضت بريطانيا عقوبات على ثلاث فرق عسكرية وعميدَيْن في وزارة الدفاع. وبالتالي، يجب تغيير السياسات المتعلّقة بكيفية تشكيل الجيش والأمن، وإبعاد الأجانب منهما، وتبنّي عقيدة وطنية على أسس المواطنة. وهذا وحده ما سيستقطب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسيفتح المجال لإعادة السوريين، الدروز والعلويين، وعموم السوريين كذلك. وهذا مرتبطٌ بشرط أميركي يؤكّد إتاحة الحريات للأقليات الدينية والقومية. المقصد هنا أن هناك شروطاً دولية ستتحوّل إلى ابتزاز كبير على السلطة ما لم تتجّه إلى إشراك الشعب بدل إغلاق المجال أمامه. لقد رفضت السلطة فكرة الإشراك، وركّزت السلطات بيد أحمد الشرع، وهذا يتناقض مع سدّ الذرائع تجاه الضغوط الخارجية، عدا عن أن التشاركية في الدولة هي أصل كل شرعية للحكم. فما العمل؟
اقتضى هروب الأسد تحقيق أهداف الثورة منذ 2011، وتجاوز الأزمات التي أورثها لسورية وللسلطة الجديدة. بدلاً من الانفتاح على النُّخب الوطنية السورية لنقاش كيفية وضع خطّة وطنية لتجاوز الأزمات، احتكرت الشخصيات القادمة من هيئة تحرير الشام (ولعامٍ بأكمله) الدولة، وكانت النتيجة أزمات جديدة، وهروباً من مواجهة الأزمات القديمة. كان يمكن تفادي عدم الاستقرار الأمني والقتل الطائفي والانتقامي، وربّما تطويق انتشار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عبر وضع خطّة للعدالة الانتقالية وفتح النقاش الوطني العام حولها. كان الأمر ضرورياً، وهو كذلك حالياً وفي كل وقت. وقد أدّى عدم البدء بها إلى خطاب إعلامي طائفي، وتجييش بين الطوائف، ومجازر طائفية.
رفعت السلطة أسعار الخدمات الأساسية: الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات، ولم تحرز تقدّماً في مجال الصحّة أو التعليم أو السكن. وهناك قرابة مليون ونصف المليون يعيشون في المخيّمات السورية حتى الآن، ولم تتراجع مستويات الفقر عن 90%. السؤال: هل يُعقل أن ترفع الأسعار في ظلّ فقر كهذا، وبحجّة تأهيل الداخل للانتقال نحو اقتصاد السوق، وكأنّ المعاناة سياق طبيعي للانتقال؟… هذا غير صحيح أولاً، وثانياً كان يجب أن يترافق ذلك مع رفع في مستوى الأجور أو وجود فرص عمل. فقد يؤدّي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية كبيرة في أيّ لحظة، وقد شهد العام المنصرم كثيراً من الاحتجاجات الأولية.
هناك قضية خطيرة تتعلّق بالسياسات الاقتصادية العامّة، سواء بيع القطاع العام أو استقدام الاستثمارات وتوقيع مذكّرات التفاهم على قطاعات اقتصادية غير مرتبطة بالصناعة أو الزراعة أو حتى إعادة الإعمار للمدن المُدمَّرة. كان يجب أن يُدعى الخبراء الوطنيون (سواء في المجال الاقتصادي أو في سواه) إلى نقاش موضوعي وعقلاني حول هذه القضايا. لم يحصل ذلك، وليست هناك أيّ آليات للرقابة أو الشفافية أو المساءلة لمتابعة هذه القضايا، وهو ما يفتح المجال واسعاً للفساد واحتكار القلّة المحيطة بالشرع للثروات. لكن هذا سيؤدّي إلى احتجاجات.
التحديات ضخمة، وهي تشمل كل قطاعات المجتمع. وهي قديمة، والخروج منها مسألة في غاية التعقيد، وهناك دول كبيرة أخفقت في تجاوزها، كمصر مثلاً أو تونس. إن تعقيدها وشموليتها بالذات هما ما يفرض وضع الخطّة الوطنية وإيقاف السياسات العامة المُتبعة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
نعم، هناك فرصة كبيرة للنهوض؛ فكيف ستتمكّن السلطة من استغلال الدعم الدولي والإقليمي رغم الاشتراطات؟ إنها بأمسّ الحاجة إلى التوافقات الوطنية على شكل النظام السياسي، ولا بد أن يكون ديمقراطياً، وعلى شكل الدولة، ولا بدّ أن تكون في لامركزية إدارية ومحافظاتية وسياسية كذلك. ذلك كلّه (وسواه) يتطلّب ألّا تكون السلطة والدولة محتكَرتَيْن للخاصّة القادمة من هيئة تحرير الشام والملتحقين بها.
ذكرنا بعض التحديات الهائلة أمام سلطة دمشق، وهناك بعضها يتعلّق بتغيير السياسات العامّة للدولة. وهذا شرط مركزي لتفادي الضغوط الخارجية، وفي الوقت ذاته لتشكيل الثقة المجتمعية. إذاً، هناك تنازلات كبرى لا بدّ أن تحصل لإشراك الشعب، ولا بدّ أن ترتكّز السياسات العامة للدولة في استراتيجية وخطّة وطنية. إن عقلية احتكار السلطة هي عقلية ما قبل الدولة أو دولة السلطة، وهذه تجربة فاشلة بامتياز؛ فقط سياسات إشراك الشعب تُنقذ السلطة (أي سلطة) وتتيح لها مجدّداً العودة إلى السلطة في حال انتخاب سواها.
لا يمكن “تسكيت” الشعب زمناً طويلاً بقضايا كالخلاف مع “قسد”، أو حكمت الهجري والسوريين الدروز، أو غزال غزال (رئيس المجلس الأعلى للمسلمين العلويين) والعلويين، أو أزمات الأمس. كذلك، من الخطأ الاستمرار باعتماد سياسات غير شعبية، كالسياسات الاقتصادية أو ضعف الموقف من التوغّل العسكري الصهيوني وسياسات تفكيك سورية أو مركزة السلطة بيد شخصيات مُحدَّدة. وغير ما ذكرنا، هناك تقارير صحافية عن إمكانية تطبيق بعض بنود اتفاق 10 مارس (2025)، وهناك لقاء الشرع مع وجهاء علويين. والسؤال: ألا يدفع ذلك إلى تبنّي خيار المحاصصة، الطائفية أو القومية؟ ولطالما كرّرت السلطة رفضها، وهي محقّة في ذلك، لكن لقاءات كهذه تؤدّي إليها بالضرورة. فهل يمكن للمحاصصة الطائفية (سيكون للأكثرية السُّنية نصيب الأسد فيها) أن تكون هي الحلّ؟ ألم تكن الأكثرية الشيعية في رأس السلطة في العراق منذ 2003؟ فهل حُلّت الأزمات المتوارثة منذ زمن صدّام حسين؟ وهل أحوال الأكثرية الأخيرة بلا مشكلات؟… لا، أضيفت أزمات جديدة، وغرق العراق في أزمات تكاد تفكّكه، رهينةً لدى الأميركيين أو إيران، وهو الحال منذ أكثر من 20 عاماً.
الطريق الوحيد لمواجهة التحدّيات على اختلاف أشكالها (وهي تتعقّد بعد مرور عام) هي طريق العودة إلى الشعب وإشراكه في مختلف أشكال الانتخاب والتمثيل المحلّي والنيابي والوزاري وحتى الانتخابات الرئاسية. وقبل ذلك، العودة إلى عقد مؤتمر وطني عام للنُّخب السورية، والتخلّي كلّياً عن مسار مركزة السلطة عبر مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري وتعيين مجلس الشعب وحصر السلطات كلّها بيد الشرع وعائلته ومحاسيبه، للعودة إلى المسار الديمقراطي.
العربي الجديد
————————————–
2026 بين السياسة والاقتصاد.. كيف ستنعكس الاتفاقيات الضخمة على حياة السوريين اليومية؟/ مها سلطان
ديسمبر 25, 2025
اقتصاديًا، طوت سوريا الأصعب في عام 2025، العقوبات تحديدًا، وما تلاها من مسار تعاون اقتصادي إقليمي ودولي، انفتح على الكثير من المؤشرات الإيجابية التي رفعت منسوب التفاؤل العام، بمستوييه الشعبي والرسمي، ولأجل ذلك صنفت الحكومة العام المقبل 2026 عامًا للتنمية، دون إغفال لمسألة أن التحديات ما زالت كبيرة، وتحتاج عملًا طويلًا وممتدًا.
سياسيًا، أيضًا تجاوزت سوريا الأصعب، وإن كانت بعض الملفات ما زالت في ميادين الترتيب والتفاوض، وتحتاج مزيدًا من الوقت والعمل. المهم هنا أن أعقد الملفات السياسية تم تجاوزها، أو حلحلتها على الأقل باتجاه نهايات إيجابية. كل ذلك وفق مسار انفتاح محسوب ومنسق، قاد إلى نتائج مهمة في زمن قياسي مشهود، خصوصًا إذا كنا نتحدث عن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، أو العلاقات مع الدول العربية ذات الثقل في المنطقة، وعلى رأسها السعودية.. إلى جانب تصحيح وتصويب مسار العلاقات مع دول أخرى، كانت ضمن حلفاء النظام السابق، وأبرزها روسيا والصين.
ولذلك، وكما يمكن تصنيف عام 2026 عامًا للتنمية، يمكن تصنيفه أيضًا كعام للسياسة، في مسارها الاقتصادي، وبما يصب في خدمة التنمية وتثقيل الفرص الاستثمارية، بما يُعجّل في تظهير نتائجها، انفراجًا اجتماعيًا واستقرارًا معيشيًا.
الهم الاقتصادي المعيشي
تتحدث الحكومة صراحة عن الهم الاقتصادي والمعيشي، وتضعه أولوية مع المسارات السياسية. صحيح أن السياسة تصدرت في عام 2025، إلا أن الاقتصاد تقدم بصورة بارزة في النصف الثاني من هذا العام، وهذا مرده إلى العمل السياسي الدؤوب الذي قاد إلى انفتاح اقتصادي واعد على سوريا.
وعليه فإن سوريا تدخل العام الجديد 2026 بسياسات اقتصادية أعمق وأهدأ وفق طموحات واقعية، تدرك حجم التحديات ولكنها في الوقت نفسه تؤمن بأن تحقيق النهوض الاقتصادي — حين يُدار بسياسات حكيمة — سيكون في متناول اليد، وسينتقل من عبء دائم إلى مساحة طمأنينة وفرص.. ومن التأثيرات السلبية الضاغطة إلى القبض على الفرص الاقتصادية.
التركيز هنا على أن ما تحقق على مستوى الانفتاح السياسي يكفي للانطلاق بعملية التنمية والنهوض الاقتصادي. صحيح أن هناك ملفات سياسية لا تزال عالقة، ولكن ليس بالضرورة أن تقف هذه الملفات حجر عثرة. في حالات ومواضع كثيرة يُمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد طلبًا للمنفعة المشتركة، ولأن المصالح العليا للدول تتطلب تجاوز العقد السياسية، وهذا ما نشهده في أمثلة عدة، أبرزها بين الولايات المتحدة والصين، وروسيا وأفغانستان/طالبان، والهند وباكستان، والهند والصين… إلخ.
بالعموم، هناك حالة ترقب اقتصادي تطغى مع اقتراب العام الجديد، وفقًا لمسار التوقعات التي تبني على ما تحقق اقتصاديًا خلال العام 2025 من رفع للعقوبات الغربية – الأميركية، وقرارات وتشريعات وتوقيع اتفاقيات وعقود، والانفتاح على صندوق النقد الدولي.
تحول جذري في بيئة الأعمال
لنأخذ أحدث مثال ورد في بيانات رسمية صادرة عن مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة، كشفت عن تحول جذري في بيئة الأعمال خلال العام 2025. حيث أظهرت البيانات قفزة بنسبة 100% في عدد الشركات المسجلة، مما يعكس استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني والرغبة في المشاركة بماراثون إعادة الإعمار، وفق بيان الوزارة.
ووفق البيانات تم تسجيل 18,023 شركة جديدة، بزيادة لافتة بلغت 9,348 شركة مقارنة بالعام الماضي. وتوزعت خارطة الاستثمارات الجديدة كالتالي: السجلات الفردية: تصدرت المشهد بـ 13,598 سجلًا تجاريًا. والشركات محدودة المسؤولية: سجلت حضورًا قويًا بـ 2,678 شركة. والشركات التضامنية والمساهمة: توزعت بين 1,526 شركة تضامنية و63 شركة مساهمة، بالإضافة إلى شركات التوصية.
هذا الزخم الاستثماري — وفق وزارة الاقتصاد والصناعة — لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تطوير الخدمات المقدمة للمستثمرين، وتيسير الإجراءات المتعلقة بتأسيس الشركات وتنظيم عملها، حيث عملت الوزارة على إعادة تأهيل وتطوير خدمات مديرية الشركات بشكل كامل لتحسين الأداء، وتقديم خدمات رقمية ومرنة تهدف لتذليل العقبات أمام رجال الأعمال.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر أوائل كانون الأول الجاري المرسوم رقم (275) لعام 2025، والذي يتضمن إعفاءات واسعة للمكلفين بضريبة دخل الأرباح الحقيقية والضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى، إضافة إلى رسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي عن أعوام 2024 وما قبل. وكذلك إعفاءً كاملًا من الفوائد والعقوبات والغرامات إذا تم سداد المستحقات بحلول نهاية أيار/مايو 2026، وإعفاءً بنسبة 50% من الغرامات لأولئك الذين يسددون المدفوعات بين نيسان/أبريل، وحزيران/يونيو 2026.
مع ذلك يبقى الأهم بالنسبة للسوريين هو أن تنعكس مسارات الانفتاح السياسي والاقتصادي على وضعهم المعيشي والقدرة الشرائية، بعد انتظار طويل. ووفق خبراء اقتصاديين فإن الانفراجات على هذا المستوى قد تبدأ بالظهور في فترة تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر، مشيرين إلى أنها المدة التي يحتاجها التجار والمستوردون لإعادة هيكلة سلاسل التوريد، وتوقيع عقود جديدة بشروط أفضل، وانعكاس ذلك على السوق الاستهلاكية، خاصة إذا ترافق كل ذلك مع استقرار سعر صرف الليرة السورية.
أما الأثر الأسرع — وفق الخبراء الاقتصاديين — فسيكون في القطاعات التي كانت مشمولة بشكل مباشر بالعقوبات، مثل قطاعات المصارف والإنشاءات والطاقة، أما الانعكاسات على الاقتصاد الكلي والنمو وفرص العمل فإنها ستتبلور في المدى المتوسط، وهذه توقعات مبشرة بالمجمل.
من التوقيع إلى التنفيذ
ولرؤية أكثر وضوحًا يتحدث الخبير الاقتصادي، الدكتور علي محمد، لـ«الثورة السورية» عن الفرص الاقتصادية/التنموية في العام 2026، قائلًا: “كل ما حصل خلال العام 2025 من إزالة للعقوبات سواء الأوروبية في شباط، ثم الأميركية في حزيران، ثم الكندية واليابانية والأسترالية انتهاءً بإزالة قانون قيصر نهائيًا.. تعد مؤشرًا كبيرًا جدًا على فتح أبواب التقدم والتنمية لدفع عجلة الاقتصاد، لأنها تعطي إشارات لرأس المال الحكيم بأن سوريا أصبحت خارج الدول المعاقبة، وبأن الاستثمارات باتت بعيدة عن سيف العقوبات. والأهم هو أن إزالة العقوبات بصورة نهائية يضع جميع الاتفاقات والعقود التي تم توقيعها مع الحكومة موضع التفعيل والتنفيذ، خصوصًا المتعلق منها بالمجال العقاري والصناعي والزراعي، ومن هنا ينطلق حديث التنمية في العام 2026”.
ويضيف محمد بأنه في حال بروز عقبات وعثرات فإن الدبلوماسية السورية كفيلة بتذليلها وفق ما شهدناه خلال عام سينتهي خلال أيام، سواء كنا نتحدث عن ملفات أمنية أو سياسية. وبرأيه أنه لا يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد لأن لهما مساران متوازيان متلازمان بشكل دائم، ولكن ما حدث خلال العام 2025 أكد أن هذين المسارين يسيران قدمًا بنفس الاتجاه والإنجازات، وبالتالي فإن الفرضيات التي تقوم على أن بعض العوامل الأمنية والمؤثرات السياسية قد تحول دون انطلاق مسار التعافي الاقتصادي، تبقى فرضيات، أي أنها بدرجة كبيرة غير قابلة للاستمرار.
وعمليًا، عند اتخاذ أي قرار سياسي أو اقتصادي لا بد أن يكون هناك دراسة لمجموع الظروف والمتغيرات الأمنية والسياسية القائمة والمتغيرة، وهذه الدراسة تكون بصورة دائمة وملازمة، باعتبار أن هذه المتغيرات ملازمة لأي استثمار ولأي نهضة في أي بلد، فكيف ونحن نتحدث عن سوريا وظروف 14 عامًا من الحرب، ثم التحرير وتحديات النهوض والبناء، كل ذلك ضمن معادلات جيوسياسية شديدة التعقيد والتحول، وحيث أن سوريا في القلب منها.
مشهد اقتصادي جديد
ويرى محمد، أن مشهدًا اقتصاديًا جديدًا سيبدأ بالتبلور خلال العام 2026. صحيح أن الاقتصاد يحتاج إلى وقت ورؤوس أموال، وإلى دراسات حصيفة من قبل المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال؛ لكن رأس المال (رغم أنه يختار التوظيف بشكل صحيح ويعتمد المقارنة بين العائد والمخاطرة) إلا أنه بالمفاضلة بين العائد والمخاطرة لناحية الاستثمار في سوريا، ستأتي لصالح المخاطرة إذا جاز لنا التعبير، كون العائد للاستثمار في سوريا هو عائد جيد جدًا للمستثمرين الدوليين. ونحن هنا نتحدث عن عائد يتراوح ما بين 20 إلى 30% في مختلف القطاعات، مقابل أن المخاطر لا بد ستكون قائمة، وهذا أمر ينسحب بالعموم على كل الاستثمارات في العالم، فأي استثمار يرافقه مخاطر، مع فارق النسب.
ويتابع محمد: “ستكون المفاضلة لمصلحة المخاطرة وإطلاق الاستثمارات”. ويضيف: إذا أخذنا نسبة 50% من الاتفاقيات والعقود الموقعة خلال العام 2025 (وقيمتها 28 مليار دولار وفق المعلن) وتحولت إلى اتفاقيات نهائية وتم وضعها موضع التنفيذ فهذا يعني أن سوريا أمام استثمارات تقدر بحدود 14 مليار دولار. هذه الاستثمارات (خصوصًا السعودية) مقدر لها أن تبدأ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المقبل 2026.
الاستثمارات السعودية بحسب محمد، ستكون قاطرة لغيرها من الاستثمارات، فيكفي أن توضع الاتفاقيات والعقود الاستثمارية مع السعودية موضع التنفيذ حتى تلحقها الاستثمارات الأخرى. وانسجامًا مع توقعات البنك الدولي المتفائلة لنسبة النمو في سوريا، فإنه يمكن القول إن العام المقبل 2026 سيشهد نموًا مهمًا في الناتج المحلي الإجمالي، وتاليًا سيكون بداية لمسار التعافي الاقتصادي.
2026 عام الانتقال إلى الاستقرار
تقول الدكتورة منال الشياح، رئيس قسم المحاسبة في كلية الاقتصاد الثانية، ونقيب اقتصاديي فرع درعا، أن العام المقبل سيكون عام الانتقال إلى الاستقرار، وذلك عند النجاح في تحويل المسارات السياسية إلى مصانع وحقول منتجة تزيد القوة الشرائية وتدعم موقع الليرة السورية.
وترى الشياح في حديثها لـ«الثورة السورية» أن عام 2025 كان عام التأسيس، حيث شهد تدفق عقود استثمارية ضخمة، وإن كانت تتركز في مشاريع طويلة الأمد كالطاقة المتجددة وإعادة بناء المرافئ والمسارات التجارية وغيرها.
لذلك، تضيف الشياح، فإن الأثر الاقتصادي على الوضع المعيشي لهذه العقود والانفتاح الاقتصادي بشكل عام لن يكون فوريًا، بل يحتاج وقتًا، حيث أن رفع العقوبات يفتح الباب لكنه لا يدخل الأموال تلقائيًا إلى جيوب الناس، فما تزال هناك فجوة واسعة بين الاقتصاد الكلي (الاستثمارات والاتفاقيات) والاقتصاد المعيشي (الأسعار والرواتب). بمعنى أن الانعكاس الإيجابي يحتاج إلى: زمن تقني لإعادة ربط المصارف، وتفعيل التحويلات المالية، وعودة شركات الشحن والتأمين. ويحتاج إلى ثقة استثمارية، وإلى وجود سياسات داخلية مرافقة: ضبط سعر الصرف، تخفيف الجباية، محاربة الاحتكار.
ومن المتوقع بحسب الشياح، أن يبدأ المواطن بلمس تحسن تدريجي في النصف الثاني من العام الجديد، شرط استقرار سعر الصرف وتفعيل «اقتصاد السوق الحر» الذي بدأت بوادره تظهر.
وتعدد الشياح قطاعات محددة ستكون هي القاطرة للنهوض الاقتصادي في عام 2026، أبرزها: قطاع الطاقة، حيث يجب البدء الفعلي بتشغيل محطات الطاقة الشمسية الكبرى (بتمويلات دولية) لتقليل العجز الكهربائي الذي يشل الصناعة. والتحويلات المالية، من حيث سهولة تدفق الأموال عبر النظام المصرفي العالمي بعد فك العزلة، مما سيخفض كلفة الاستيراد وينعكس (نظريًا) على انخفاض أسعار السلع الأساسية.
كذلك أيضا، إعادة الإعمار بتمويل خارجي، حيث تشير التوقعات إلى بدء مشاريع “التعافي المبكر” الممولة من الصناديق العربية والدولية، والتي ستوفر فرص عمل واسعة للشباب.
اليابان على خط التنمية
قاطرة الاستثمار في سوريا انضمت إليها اليابان رسميًا يوم الاثنين الماضي، مع زيارة نائب وزير خارجيتها، يوهيني أونيشي، لدمشق، ولقائه وزير المالية محمد يسر برنية ومسؤولين حكوميين آخرين.
وأعلنت اليابان بداية «عهد جديد» في العلاقات مع سوريا، مشيرة إلى عزمها تقديم دعم بقيمة 53 مليون دولار، وذلك في بيان لوزارة الخارجية اليابانية أعقب الزيارة.
ونقل البيان عن أونيشي قوله إن زيارته لدمشق تمثل التواصل الرسمي الأول، رفيع المستوى، مع سوريا بعد انقطاع في العلاقات منذ ما يقرب من 15 عامًا.
وأكد أونيشي أن اليابان عازمة على دعم جهود الحكومة السورية لضمان انتقال شامل وسلمي ومستقر، مبينًا أنه تم «فتح صفحة جديدة» في العلاقات الثنائية بين البلدين. وقال: طوكيو لا تزال عازمة على مواصلة التعاون الاقتصادي مع دمشق، لافتًا إلى تخصيص 53 مليون دولار مساعدات لسوريا في ميزانية السنة المالية الحالية لليابان.
تأتي هذه الزيارة واستعادة العلاقات الدبلوماسية ضمن استراتيجية الحكومة السورية الهادفة إلى استعادة وتنشيط قنوات التواصل الاقتصادي مع الدول الصديقة، لاسيما اليابان التي تمثل ثقلًا عالميًا في مجالات التكنولوجيا وإعادة الإعمار.
مسار تجاري مع روسيا
في السياق، ورغم أن زيارة وفد حكومي سوري رفيع المستوى إلى روسيا تندرج ضمن مسارات عدة، إلا أن المسار الاقتصادي حاضر فيها، وهذه الزيارة هي الأحدث في إطار سياسات سوريا لتصويب وتصحيح العلاقات مع روسيا.
ووفق وكالة «سانا» التقى وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ووزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تمت مناقشة قضايا اقتصادية إلى جانب القضايا السياسية والعسكرية.
وتناولت مجمل مباحثات الوفد السوري مع المسؤولين الروس، ومنهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، التعاون الاقتصادي وتوسيع آفاق التعاون التجاري، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات، إضافة إلى تعزيز التبادل التجاري وتسهيل الشراكات بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد ويحسن الظروف المعيشية للسوريين.
كما تناولت المحادثات سبل تطوير الشراكة العسكرية والتقنية، ونقل الخبرات الفنية، والتعاون في مجالات البحث والتطوير، بما يعزز منظومة الدفاع الوطني ويدعم الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.
الثورة السورية
—————————–
هل ينهي طرح العملة الجديدة في سوريا حبس السيولة ويضبط سعر الصرف؟
2025.12.24
يتصدر ملف استبدال العملة في سوريا واجهة النقاش الاقتصادي اليومي في سوريا، وسط تساؤلات عن ما إذا كانت هذه الخطوة ستشكل مدخلاً أساسياً لضبط سوق الصرف لليرة السورية، وإنهاء سياسة حبس السيولة، في حال أديرت بآليات واضحة وشفافة من قبل المصرف المركزي.
ومن المقرر أن يعقد حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، اليوم الأربعاء، مؤتمراً صحفياً، للحديث عن تفاصيل خطة المصرف لإطلاق العملة السورية الجديدة.
وسبق أن كشفت مصادر خاصة لموقع “تلفزيون سوريا” أن المصرف المركزي أنهى التحضيرات الأساسية لإطلاق العملة السورية الجديدة، في خطوة ينتظر أن تشكل محطة مفصلية في إدارة الملف النقدي، من دون الكشف المسبق عن موعد الضخ الفعلي في السوق.
ووفق المصادر، فإن العملة الجديدة ستكون ورقية بالكامل ومصنوعة من القطن، مع تصميم مقاوم للتلف وعناصر أمان عالية، إضافة إلى خصائص خاصة تتيح لفاقدي البصر التعرف إلى الفئات بسهولة.
وتشمل خطة الطرح ست فئات وسطى كمرحلة أولى، هي: 10، 25، 50، 100، 200، و500 ليرة، على أن تُطرح لاحقاً فئات 1، و5، و1000 ليرة، مع الإشارة إلى أن فئة الألف ليرة ستتمتع بمعايير أمان فائقة، في حين ستتوفر فئتا الليرة والـ5 دون تداول فعلي في السوق.
تحدٍ حقيقي لضبط الأسواق
وتعليقاً على ذلك، اعتبر نائب رئيس مجلس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، أن استبدال العملة في سوريا يمثل تحدياً صعباً للاقتصاد السوري، معرباً عن أمله بأن تسهم هذه الخطوة في توضيح حجم الكتلة النقدية الموجودة في السوق، بما يمنح مصرف سورية المركزي القدرة على التحكم بسعر الصرف عبر آليات واضحة ومحددة.
وفي تصريحات لصحيفة “الوطن” المحلية، قال الحلاق، وهو رجل أعمال وخبير اقتصادي، إن سعر صرف الليرة ما يزال خاضعاً لمعادلة العرض والطلب، مع طموح بأن ينتقل التحكم الكامل إلى المصرف المركزي، لافتاً إلى أن المصرف تمكن خلال الفترة الماضية، رغم الإرث الثقيل الذي خلفه النظام المخلوع، من إدارة سعر الصرف “بشكل جيد جداً”.
وأشار الحلاق إلى أن جميع الفعاليات الاقتصادية تطمح إلى انخفاض سعر الصرف عن مستوياته الحالية، إلا أن ضبطه بشكل حاد غير ممكن في الوقت الراهن، محذراً من أن أي انخفاض أو ارتفاع كبير ومفاجئ سيكون مؤذياً للاقتصاد الوطني.
الشفافية والثقة المصرفية مفتاح المرحلة المقبلة
وربط الاقتصادي السوري مستقبل سعر الصرف بآليات استبدال العملة ومدى شفافيتها، إضافة إلى قدرة المصرف المركزي على إعادة الثقة بالقطاع المصرفي، مشيراً إلى أن عودة المصارف لأداء دورها الطبيعي في الادخار والإقراض والتدخل عند الحاجة، كفيلة بوضع العملة السورية الجديدة على المسار الصحيح وضبط سوق الصرف.
وفيما يتعلق بسياسة حبس السيولة التي اتبعها المصرف المركزي خلال الفترة الماضية، قال الحلاق إنها جاءت نتيجة ظروف محددة، مضيفاً أن طرح العملة الجديدة يفترض أن يترافق مع إلغاء هذه السياسة وفتح سقوف السحب، ولا سيما بعد تمكن المصرف من التمييز بين الحسابات الوهمية والحقيقية لمختلف الفعاليات التجارية والصناعية والزراعية.
وأكد أن فتح سقف السحب سيؤثر حتماً في سعر الصرف، ما لم يترافق مع إجراءات مساندة، مثل تحديد سعر صرف واضح للدولار يمتلك المصرف القدرة على الدفاع عنه.
وأشار الاقتصادي السوري إلى أن المصرف المركزي يمتلك حالياً كتلة كبيرة من القطع الأجنبي، دخل جزء مهم منها إلى الخزينة من الرسوم الجمركية المدفوعة بالدولار، ما يمنحه هامشاً للتدخل وضبط السوق عند الحاجة.
حذف الأصفار من دون توسيع الكتلة النقدية
ووفق مصادر موقع “تلفزيون سوريا”، فإن فترة التعايش بين العملتين القديمة والجديدة ستمتد إلى ثلاثة أشهر، قبل أن يصبح مصرف سورية المركزي الجهة الوحيدة المخولة بعملية الاستبدال، والتي ستستمر لمدة خمس سنوات، بهدف ضمان انتقال سلس ومنظم دون إرباك الأسواق أو النشاط الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، شددت المصادر على أن المصرف المركزي تعمد عدم الإعلان عن موعد محدد لإطلاق العملة، تفادياً لأي تلاعب محتمل من قبل الصرافين في أسعار الصرف، موضحة أن تأخر الإصدار جاء بانتظار تحقيق حالة من الاستقرار النسبي في سعر الصرف.
ومن المنتظر أن يصدر مرسوم رئاسي يفوض مصرف سورية المركزي رسمياً بعملية استبدال العملة ويحدد آلياتها التنفيذية، على أن يُعلن بعد ذلك الموعد النهائي لبدء ضخ العملة الجديدة في السوق، بما يفتح مرحلة جديدة في إدارة السياسة النقدية والمالية في البلاد.
ولا يعتزم المصرف المركزي توسيع الكتلة النقدية، وسيحافظ على حجم المعروض الحالي المقدر بنحو 3.9 مليارات دولار، مع وجود تغطية ذهبية بقيمة 3.3 مليارات دولار، والتزام واضح بعدم طباعة عملة من دون غطاء أو تمويل عجز حكومي، خلافاً لممارسات النظام المخلوع.
إجراء شكلي واختبار للثقة
تلجأ دول عديدة حول العالم إلى استبدال العملة أو حذف الأصفار كإجراء نقدي استثنائي، غالباً بهدف تبسيط التعاملات المالية، وضبط الكتلة النقدية، واستعادة الثقة بالعملة المحلية بعد فترات من التضخم أو الاضطراب الاقتصادي.
وتُستخدم هذه الخطوة كذلك كإشارة إلى الدخول في مرحلة اقتصادية جديدة، لكنها لا تُعد حلاً قائماً بذاته لتحسين القوة الشرائية أو خفض التضخم ما لم ترافقها إصلاحات أوسع بالتزامن مع انضباط مالي واستقرار سياسي.
وتُظهر التجارب حول العالم أن نجاح استبدال العملة يرتبط ارتباطاً مباشراً بالسياسات الاقتصادية المرافقة له. ففي دول مثل تركيا وألمانيا وبولندا، جاءت هذه الخطوة بعد ضبط التضخم وتنفيذ إصلاحات مالية ونقدية عميقة، ما أسهم في تحقيق استقرار نقدي وتحسن الثقة بالعملة المحلية.
في المقابل، فشلت تجارب أخرى، مثل زيمبابوي وفنزويلا، حيث جرى حذف الأصفار أكثر من مرة دون إصلاحات حقيقية، ما أدى إلى استمرار التضخم وانهيار قيمة العملة.
وفي المنطقة العربية، طُرحت مشاريع مشابهة من دون تنفيذ فعلي، كما في العراق بعد عام 2003، بسبب مخاوف سياسية وأمنية، في حين اختارت مصر مسارات مختلفة عبر تعديل شكل العملة أو إدارة سعر الصرف من دون حذف الأصفار.
وتشير هذه المقارنات إلى أن استبدال العملة يُعد أداة مساعدة ضمن حزمة إصلاحية شاملة، وأن أي تطبيق غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة المضاربة أو الضغط على سعر الصرف، بدلا من تحقيق الاستقرار المنشود.
وتضع عملية طرح العملة الجديدة في سوريا المصرف المركزي أمام اختبار حقيقي يتجاوز الشكل إلى المضمون، إذ يبقى نجاح الخطوة مرهوناً بمدى الشفافية، والقدرة على ضبط سعر الصرف، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
———————————–
ثلاثة سيناريوهات لسعر صرف الليرة بعد طرح العملة الجديدة/ حمزة العبد الله
ديسمبر 25, 2025
في ظل ترقب واسع بالأوساط الاقتصادية والشعبية لطرح العملة الوطنية الجديدة، تتجه الأنظار إلى تأثير هذه الخطوة في سعر صرف الليرة ومستويات التضخم والقوة الشرائية.
وبين آمال بتحقيق استقرار نقدي مؤقت ومخاوف من أن يكون الإجراء شكلياً ما لم يُرفق بإصلاحات عميقة، يفتح ملف حذف الصفرين الباب أمام تساؤلات جوهرية حول جدواه، وانعكاساته المحتملة على الأسواق، والسيناريوهات المنتظرة لمسار الليرة في المرحلة المقبلة.
ويرى الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن التنبؤ بسعر صرف الليرة بعد طرح العملة الجديدة يُعد معقداً إلى حد ما، كونه يعتمد على عوامل متشابكة، ولا يشكل مجرد نتيجة ميكانيكية لحذف الصفرين.
وقال اسمندر لصحيفة “الثورة السورية”، إن عوامل عدة قد تؤدي إلى انخفاض قيمة الليرة الجديدة، من بينها غياب الإصلاحات الهيكلية، أي في حال اقتصر التغيير على إعادة التسمية من دون معالجة أسباب التضخم الأساسية، مثل العجز المالي، وطباعة النقود لتمويل الحكومة، وعجز الحساب الجاري.
وأضاف أن ضعف الثقة يلعب دوراً محورياً، إذ إن تشكك المواطنين والقطاع الخاص بالإجراء قد يدفعهم إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو السلع، ما يزيد الضغط على الليرة، فضلاً عن الوضع الاقتصادي والسياسي العام، وضعف الإنتاج المحلي والتصدير، إضافة إلى التضخم المستورد، نتيجة اعتماد السوق السورية على المستوردات بنسبة تتجاوز 80 بالمئة من احتياجاتها، الأمر الذي ينقل أي تضخم في أسعار المنشأ إلى داخل الاقتصاد السوري.
لكن بالمقابل، تؤكد مصادر مصرفية أن “خطر التضخم محدود”، لأن الخطوة لا تتضمن توسيع الكتلة النقدية، مشيرة إلى أن المصرف المركزي لن يطبع على المكشوف، ومعتبرة أن أزمة الليرة بمعظمها سياسية بسبب النظام المخلوع، بينما تساعد السياسة الخارجية الحالية على اتخاذ إجراءات اقتصادية فعالة.
عوامل تدعم الليرة
تحدث اسمندر عن وجود عوامل قد تدعم الليرة، أبرزها الأثر النفسي الإيجابي، إذ إن طرح العملة الجديدة يمنح ثقة رمزية ويشجع على استخدامها في التعاملات بدلاً من الدولار لفترة معينة، إضافة إلى إجراءات مصاحبة محتملة، في حال رافق الإصلاح النقدي سياسات حقيقية، مثل رفع الفائدة على الودائع بالليرة، وإصدار أذون خزانة لجذب السيولة، وتحسين ضبط الحدود ومكافحة تهريب العملة.
كما لفت إلى أن تلقي سوريا دعماً خارجياً أو خطوط ائتمانية أو استثمارات من شأنه دعم احتياطيات العملة الأجنبية.
وتتوقع المصادر المصرفية أن تتدفق الاستثمارات إلى سوريا بعد اكتمال رفع العقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يحرك العجلة الاقتصادية.
سيناريوهات سعر الصرف
بناء على ذلك، يرى اسمندر أن سوريا أمام سيناريوهات محتملة لسعر الصرف:
السيناريو الأول (المتفائل – غير مرجح في المدى القصير): استقرار نسبي لسعر الصرف الجديد في حال ترافق إصدار الليرة الجديدة مع إصلاح اقتصادي حقيقي.
السيناريو الثاني (الواقعي – الأكثر احتمالاً): تحسن نفسي قصير الأمد، يعقبه عودة الانخفاض التدريجي نتيجة استمرار الضغوط التضخمية الأساسية.
السيناريو الثالث (المتشائم): في حال استمرار سياسة طباعة العملة الجديدة من دون إجراءات اقتصادية علمية، قد يفقد السوق الثقة، ما يؤدي إلى تراجع سعر الصرف بوتيرة أسرع من السابق.
ويؤكد اسمندر أن حذف الصفرين بحد ذاته لا يخلق قيمة حقيقية، بل يعيد ترتيب الأصفار، مشيراً إلى أن السعر الحقيقي لليرة سيتحدد وفق عدة عوامل، أبرزها كمية الليرة المطبوعة مقابل الاحتياطيات الأجنبية، وعجز الموازنة والدين العام، ومستوى الثقة المحلية والدولية بالاقتصاد السوري.
قاعدة التصفير
يرى الباحث الاقتصادي خالد التركاوي، أن تحديد سعر صرف العملة الجديدة مقابل العملات الأجنبية من الناحية النظرية يختلف كلياً عن الناحية العملية، لأن الجانب النظري يقوم على حذف الأصفار ضمن قاعدة اقتصادية بحتة تعرف بالتصفير، أي إن طرح العملة لن يحدث أي فرق لجهة قوتها مقابل بقية العملات.
وقال التركاوي لصحيفة “الثورة السورية”، إن تحديد السعر يعتمد بالدرجة الأولى على كمية العرض والطلب ومدى قبولها الشعبي، مشيراً إلى أن الورقة النقدية التي تحمل صورة رأس النظام المخلوع لم تلقَ قبولاً في كثير من المناطق خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن قبول العملة الجديدة في الجغرافية السورية كافة مهم جداً لتحديد سعرها، خاصة مع وجود جيوب لا تسيطر عليها الحكومة السورية مثل مناطق في الجزيرة السورية والسويداء، لأنه في حالة رفض التعامل بها سيقود إلى تحديات ستنعكس على قوتها أمام بقية العملات الأخرى.
وأوضح أن قوة العملة عند طرحها للتداول تعتمد على إجراءات المصرف المركزي عند شراء العملة بتخفيض الكتلة النقدية، لأن ذلك سيؤثر بشكل كبير، فكلما انخفضت الكتلة زادت قيمة الليرة والعكس صحيح.
وتوقع التركاوي أن يكون المصرف المركزي حذراً في المرحلة الأولى لجهة كميات الكتلة النقدية المطروحة، مبيناً أن تحديد القيمة يرجع إلى آليات التقنية الخاصة بالمصرف المركزي عند بدء الطرح وعملية التبديل من العملة القديمة إلى الجديدة.
وبحسب المصادر المصرفية، لن تحمل العملة الجديدة أي صور لشخصيات أو رموز تاريخية، بل ستتضمن رموزاً شاملة تراعي الوحدة الوطنية.
الليرة
حذف الصفرين
يرى المحاسب القانوني والمستشار المالي والاقتصادي محمد ناصر حمو، أن حذف الصفرين يخضع لقاعدة اقتصادية تُعرف بسياسة التصفير، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تقليل معدلات التضخم المرتفعة، أو الحصول على الائتمان الدولي، إضافة إلى السيطرة والرقابة على سوق العملات، وتسهيل عمليات البيع والشراء، والحد من حمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية.
وقال حمو لصحيفة “الثورة السورية”، إن حذف الصفرين مهم لجهة الحفاظ على استقرار أسعار السلع، وتجنب التضخم المفاجئ، وضبط الأسواق، وتسهيل التكيف التدريجي المدروس مع طرح العملة الجديدة، تجنباً لحدوث تغيرات جذرية في النظام المالي.
بدوره، اعتبر اسمندر أن حذف صفرين يُعد حلاً وسطياً لمواجهة التراجع الكبير في قيمة الليرة، التي فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها منذ 2011، موضحاً أن حذف صفر واحد لن يكون له أثر يُذكر، في حين أن حذف ثلاثة أصفار سيؤدي إلى صعوبات تتعلق بتسعير السلع، وقد يدفع إلى إصدار فئات جديدة، ما يشكل أعباء إضافية على الحكومة.
وأضاف أن هذا الإجراء يسهم في تقليل تكلفة طباعة العملة، وتسهيل المعاملات المحاسبية والمالية، وإعادة الثقة بالعملة الجديدة، مؤكداً ضرورة أن يترافق مع إجراءات اقتصادية حقيقية وبرنامج إصلاحي للسيطرة على السيولة.
المعروض النقدي
أوضح حمو أن المعروض النقدي الحقيقي لن يطرأ عليه تغير، لأن التعديل يقتصر على طريقة عرض الأرقام، إلا أنه سيعزز القوة الشرائية لليرة من الناحية النفسية، ما يخفف الأعباء المالية عن المواطنين.
وأشار إلى أن قوة العملة الجديدة تبقى مرهونة بتوفر عوامل عدة، أبرزها زيادة الإنتاج المحلي، وارتفاع الناتج الإجمالي، وتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، وتراجع معدلات التضخم.
من جانبه، ربط اسمندر القوة الشرائية للعملة الجديدة وكمية المعروض النقدي بتحقيق استقرار اقتصادي حقيقي قائم على الإنتاج والسياسات المالية والنقدية السليمة، محذراً من أن الخطر بعد طرح العملة يكمن في تفاقم التضخم في حال استخدام العملة الجديدة لطباعة أموال إضافية من دون غطاء.
وتوقع اسمندر تراجع معدل التضخم على المدى القصير بعد طرح العملة الجديدة، نتيجة ارتفاع ثقة المواطنين وتسهيل التعاملات اليومية، في حين رأى حمو أن مقياس التضخم قد يبدو أكثر استقراراً أو أقل تضخماً ظاهرياً، نظراً لصغر الأرقام وسهولة قراءتها.
وأشار اسمندر إلى أن التأثير طويل الأمد على التضخم مرتبط بعوامل عدة، من بينها السياسات التي سيتبعها المصرف المركزي، وما إذا كان سيطبع أموالاً إضافية، وعجز الموازنة الحكومية، والقدرة على جذب العملات الأجنبية، وتحسن الإنتاج المحلي، وحركة التجارة الدولية، والتعافي من تداعيات العقوبات الدولية التي كانت مفروضة إبان عهد النظام المخلوع.
وأكد أن معالجة الأسباب الهيكلية للتضخم تمثل أولوية قصوى لتجنب موجات تضخم جديدة، مشدداً على أن الإدارة الاقتصادية والنقدية الرشيدة هي الأساس في مواجهة هذه المشكلة.
فترة التعايش بين العملتين
يرى اسمندر أن فترة التعايش بين العملتين قد تمتد من ستة أشهر إلى عامين، وقد تكون أقصر في حال ارتفعت ثقة المواطنين بالعملة الجديدة، وتوافرت الفئات المتداولة، وسُحبت العملة القديمة عبر البنوك حصراً.
وبحسب المصادر المصرفية، ستكون فترة التعايش لمدة ثلاثة أشهر بالحد الأدنى، ويبلغ الحد الأعلى في القانون خمس سنوات.
وحذر اسمندر من أن استمرار التعامل بالدولار الأميركي، والصعوبات اللوجستية في توزيع العملة الجديدة في مختلف المناطق السورية، قد يؤديان إلى إطالة هذه الفترة، مشيراً إلى أن تقصير مدة التعايش يحد من المضاربة والالتباس في أسعار السلع.
بدوره، اعتبر حمو أن فترة التعايش يجب أن تكون قصيرة ولا تتجاوز عاماً واحداً، لتجنب الارتباك وضمان انتقال سلس، داعياً الجهات المعنية إلى تنظيم ورشات توعوية قبل طرح العملة في الأسواق والمصارف.
ويجمع كل من حمو واسمندر على أن طرح العملة الجديدة يجب أن يترافق مع إصلاح اقتصادي واسع، يشمل ضبط العجز المالي، وتحفيز الإنتاج المحلي، واستقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، مؤكدين أن العملة الجديدة، من دون ذلك، لن تحل الأزمات الاقتصادية العميقة، وستبقى إجراء شكلياً لا أكثر.
القزرة السورية
————————
اقتصاد الأعياد في سوريا: حين تتحوّل المناسبة إلى عبء معيشي
دمشق – رهام علي
الخميس 2025/12/25
مع حلول موسم الأعياد الميلادية ورأس السنة، يفترض أن تنشط الأسواق وتزداد حركة الاستهلاك، باعتبار الأعياد مؤشراً تقليدياً على المزاج الاقتصادي العام. إلا أن المشهد في سوريا نهاية عام 2025 يبدو مختلفاً تماماً؛ إذ لا تعكس الأسواق أي تحسّن فعلي في الطلب الاستهلاكي، بقدر ما تكشف عمق الأزمة المعيشية واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، في ظل تضخم مستمر وبطالة متصاعدة، جعلت من العيد مناسبة رمزية أكثر منها موسماً اقتصادياً.
مؤشرات رقمية وتحسن محدود
وفق بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات، سجل المؤشر في شباط 2025 انخفاضاً شهرياً بنسبة 2.9. وبحسب تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، شهد معدل التضخم في سوريا تحسّناً ملموساً خلال العام 2025 بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية. وأشار الحصرية إلى أن “السياسات النقدية واستقرار سعر الصرف والعمل على ضبط الكتلة النقدية كانت من أولويات المصرف، ما ساهم في خفض معدل التضخم إلى مستويات مقاربة لـ 15% مقارنة بمعدلات أعلى في السنوات السابقة، وهو ما يظهر تقدماً في مؤشرات الأسعار رغم استمرار التحديات الاقتصادية”.
في المقابل، سجلت أسعار الملابس والأحذية، التي تشكل عنصراً رئيسياً في إنفاق موسم الأعياد، انخفاضاً بنسبة 8.8% مقارنة بشهر كانون الثاني مدفوعة بزيادة المعروض من الملابس المستوردة والمستعملة، وتراجع الطلب نتيجة ضعف القدرة الشرائية؛ إلا أن تجاراً في دمشق وحلب يؤكدون أن كلفة المعيشة المرتفعة ما تزال محسوسة يومياً، ما يجعل تجربة المستهلك محكومة بدخله الفعلي أكثر من المؤشرات الإحصائية.
قدرة شرائية شبه معدومة
يصف أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة في حديث لـ”المدن” واقع القدرة الشرائية للمواطن السوري بأنها لم تعد “ضعيفة” كما كان يقال سابقاً، بل باتت أقرب إلى العدم: “فارتفاع تكاليف المعيشة مقابل انخفاض الدخل، إلى جانب أعباء الشتاء من تدفئة وملابس شتوية ومدارس ومؤونة، يستهلك كامل دخل الأسرة، ويجعل التفكير بالإنفاق على الأعياد أمراً خارج الحسابات”؛ من وجهة نظر حبزة، لم يعد المواطن يبحث عن مظاهر الفرح بقدر ما يسعى لتأمين الحاجات الأساسية فقط.
هذا التوصيف يلتقي مع قراءة الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، الذي يرى في حديثه مع “المدن”، أن موسم الأعياد هذا العام لا يعكس أي تحسّن حقيقي في الطلب الاستهلاكي، بل يعكس إعادة ترتيب قسرية للإنفاق، إذ اقتصرت الاحتفالات على بعض الفعاليات العامة وقلة من الأسر الميسورة. ويعتبر ديب أن ما يجري ليس نمواً اقتصادياً، بل إدارة اضطرارية للنفقات في ظل تراجع الدخل وازدياد مؤشرات البطالة واتساع الفجوة بين الأسعار ومستوى المعيشة.
فوضى الأسعار.. ودمشق بالصدارة
على مستوى الأسعار، تكشف جولات جمعية حماية المستهلك، بحسب حبزة، عن تفاوت كبير بين المحافظات، بل داخل المحافظة الواحدة، وخصوصاً في دمشق التي تشهد كثافة سكانية متزايدة نتيجة انتقال أعداد كبيرة من محافظات أخرى وعودة مهاجرين من الخارج. هذا الواقع أدى إلى ارتفاع كبير للأسعار في العاصمة، مع فروقات بين سوق وآخر تتجاوز 50 و60 في المئة، وقد تصل في بعض السلع إلى 100 في المئة.
ويربط عامر ديب هذا التفاوت بعوامل لوجستية وطبيعة السلع نفسها، فالمناطق الزراعية تختلف عن غير الزراعية، والمناطق الصناعية تختلف عن المناطق البعيدة عن مراكز الإنتاج. إلا أن هذه الفوارق، برأيه، لا تبرر حالة الفوضى السعرية القائمة، ولا غياب ما يسميه “العدالة السعرية” بين منطقة وأخرى.
سوق حر بلا ضوابط
يُجمع الطرفان على أن الانتقال إلى نظام السوق الحر تم بشكل مفاجئ وغير منظّم. حبزة يرى أن المستهلك كان معتاداً على وجود تسعيرة واضحة، حتى لو شابها بعض الغبن، بينما وجد نفسه اليوم في سوق مفتوحة من دون أدوات حماية حقيقية. ورغم أن المنافسة هي جوهر السوق الحر، إلا أن ما حدث فعلياً هو نشوء أشكال من الاحتكار، خاصة مع وجود تواصل بين تجار الجملة والمفرق عبر مجموعات مغلقة، يتم من خلالها رفع الأسعار بشكل شبه يومي.
عامر ديب يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن بعض التجار لم يعودوا يتصرفون كتجار، بل كـ”صرافين” يمارسون المضاربة على السلع. فرغم أن ارتفاع سعر الصرف بنسبة تتراوح بين 4 و6 في المئة لا يفترض أن ينعكس مباشرة على الأسعار، إلا أن الواقع يُظهر زيادات تصل إلى 10 و12 في المئة عند أي ارتفاع، مقابل خفض محدود لا يتجاوز 2 في المئة عند تراجع سعر الصرف.
ويشير إلى أن سعر الصرف انخفض مؤخراً من حدود 12400 إلى 11300 ليرة، بينما لا تزال السلع تُسعّر على أساس 11800، متسائلاً عن دور الدولة في هذا الخلل.
سعر الصرف المرن… ضرورة بلا فوضى
في مقاربته النقدية، يعلن ديب تأييده لسعر الصرف المرن، ورفضه لسعر الصرف الثابت في ظل الوضع الاقتصادي المتذبذب، معتبراً أن تحديد هامش حركة بين 4 و6 في المئة هو خيار صحي. إلا أن المشكلة، برأيه، لا تكمن في مرونة السعر بحد ذاتها، بل في سوء تطبيقها داخل الأسواق وغياب الالتزام بها، ما يفتح الباب أمام استغلال المستهلك.
من جانبه، يشير حبزة إلى أن التاجر يحمّل المستهلك كلفة المخاطر، رافعاً أسعاره تحسباً لأي تغير في سعر الصرف، في ظل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الواقعي. هذا السلوك، بحسب حبزة، يُفرغ فكرة السوق الحر من مضمونها، ويحوّلها إلى عبء إضافي على المستهلك.
غياب الدولة… ورقابة بلا أدوات
يتفق الخبيران على أن مفهوم السوق الحر لا يعني غياب الدولة. حبزة يوضح أن دور الرقابة الحكومية بات محصوراً بعدم الإعلان عن الأسعار، والغش، وانتهاء الصلاحية، من دون أي قدرة على ضبط الأسعار أو هوامش الربح. كما يشكك في صدقية العروض المنتشرة خلال موسم الأعياد، معتبراً أن كثيراً منها ينطوي على غبن في الجودة أو النوعية.
أما ديب، فيؤكد أن أي اقتصاد حر من دون تدخل الدولة هو “فقاعة”، مشيراً إلى أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة والإمارات تضع هوامش ربح وتتابع الأسواق عند حصول اختلالات؛ ويرى أن حماية المستهلك، والدخل، والمدخرات، وإعادة التوازن الاقتصادي، ليست خيارات بل واجبات على الدولة، وأن غياب هذا الدور يترك السوق نهباً للفوضى.
العيد كحالة اجتماعية لا مؤشر اقتصادي
رغم كل ذلك، يلفت ديب إلى أن سلوك المستهلك في الأعياد يبقى مختلفاً، إذ تمثل المناسبات مساحة نفسية للإنفاق المؤقت، حيث ترفع العائلات مصروفها خلال العيد ثم تعود إلى التقشف بعده. لذلك، لا يمكن اعتبار موسم الأعياد مؤشراً دقيقاً على التعافي أو الركود في الحالة السورية، بل يجب النظر إلى مؤشرات الدخل السنوي، والبطالة، وأسعار المستهلكين لتقييم الوضع الاقتصادي الحقيقي.
وفي المحصلة، يكشف اقتصاد الأعياد في سوريا عن واقع اقتصادي هش، تُثقل فيه الأسعار كاهل المستهلك، ويتراجع فيه الطلب الحقيقي، بينما تتقدم المناسبات على حساب الضروريات مؤقتاً. وبين سوق حر بلا ضوابط ودولة غائبة عن دورها التنظيمي، يبقى العيد مرآة لأزمة أعمق، لا تُحل بالعروض الموسمية ولا بمرونة سعر الصرف وحدها، بل بسياسات تعيد التوازن بين الدخل، الأسعار، وحماية المستهلك.
———————————–
146 مليون دولار من البنك الدولي لإصلاح كهرباء سورية/ نور ملحم
24 ديسمبر 2025
شهدت وزارة المالية السورية، اليوم الأربعاء، توقيع الاتفاقية الفرعية بين وزارتي المالية والطاقة والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، التي تُعد الإطار الناظم لإدارة وصرف منحة البنك الدولي المخصصة لإصلاح وتحسين قطاع الكهرباء في سورية، والبالغة قيمتها 146 مليون دولار. وتهدف الاتفاقية إلى تنظيم آليات تنفيذ المنحة، التي ستُعنى بصيانة وتحسين شبكتي نقل وتوزيع الكهرباء، ضمن خطة أوسع لإصلاح البنية التحتية الكهربائية في البلاد.
وفي السياق، قال وزير المالية السوري محمد يسر برنية إن سورية تشهد اليوم توقيع اتفاقية بين وزارة المالية والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، تتيح الاستفادة من منحة البنك الدولي المخصصة لقطاع الكهرباء بقيمة 146 مليون دولار. وأوضح أن المنحة تمر عبر وزارة المالية، وبموجب توقيع الاتفاقية ستبدأ المؤسسة بطرح عطاءات مشاريع الكهرباء، إما اليوم وإما غداً، بهدف تسريع تنفيذ المنحة والبدء بإصلاح خطوط نقل وتوزيع الكهرباء في سورية.
وأشار برنية، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة وزارة الطاقة لإصلاح قطاع الكهرباء وتحسين مستوى الخدمات، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه المشاريع في تحسين الخدمات الأساسية المقدّمة لقطاع الأعمال وللمواطنين، الذين ينتظرون تحسناً ملموساً في واقع الكهرباء، بما يضمن توفير الطاقة بشكل أفضل للجميع.
ولفت وزير المالية إلى أن الاتفاقية الحالية تمثل مرحلة تنفيذية جديدة، بعد مرحلتين سابقتين من التعاون مع البنك الدولي جرى تنفيذهما، موضحاً أن هذه المرحلة ستسهم في توسيع الشبكة الكهربائية وزيادة التوليد والإنتاج. وأكد أن هذه المنحة تُعد الأولى من نوعها التي يقدمها البنك الدولي لسورية منذ نحو أربعين عاماً، وتشكل خطوة إيجابية على طريق الحصول على منح أخرى لإصلاح قطاعات مختلفة خلال السنوات المقبلة، مثل الصحة والبيئة والمياه والتعليم، حيث توجد مشاريع قيد البحث مع البنك الدولي لتمويلها. وشدد على أن هذه المنحة لا علاقة لها بقانون قيصر أو بالعقوبات الاقتصادية، إذ تُعد منحة تنموية يقدمها البنك الدولي للدول النامية لدعم الإصلاح الاقتصادي والبنية التحتية.
وبيّن أن “التمويل غير مسترد ولا يشكل ديناً على سورية، لكنه يخضع لشروط واضحة يجب الالتزام بها، بما في ذلك آليات تفصيلية للإنفاق والشفافية والرقابة”. وأضاف أن رفع العقوبات عن سورية من شأنه أن يسهم في تعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية والمالية والمستثمرين العرب والأجانب، ويخفف من الأعباء الاقتصادية الكبيرة، معتبراً أن “انعكاساته ستكون إيجابية، لكنها تحتاج إلى وقت لتظهر بشكل كامل”. وكشف في الوقت ذاته عن التوجه لتوقيع اتفاقية جديدة مع وزير المياه خلال الفترة المقبلة، تتضمن منحة كبيرة مخصصة لإصلاح قطاع المياه.
من جهته، قال وزير الطاقة السوري محمد البشير إن التوقيع الذي جرى بين وزارتي الطاقة والمالية يهدف إلى تمويل مجموعة من مشاريع الكهرباء، في إطار منحة مقدّمة من البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار. وأوضح أن هذه المنحة “ستُستخدم لتنفيذ عدد من المشاريع الحيوية، في مقدّمها مشروع الربط الإقليمي بين سورية وتركيا والأردن، والذي يشمل تنفيذ خطوط ربط باستطاعة 400 كيلوفولت، إضافة إلى محطات التحويل التي سيتم إنجازها خلال الفترة المقبلة”.
وبيّن البشير، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن هناك عدداً من المشاريع الأخرى المدرجة ضمن الخطة الاستراتيجية للوزارة لإصلاح قطاع الكهرباء، بدءاً من التوليد مروراً بالنقل وصولاً إلى التوزيع، مشيراً إلى أن الوزارة أنهت تجهيز المناقصات والعطاءات، ومن المتوقع طرحها خلال أيام قليلة بهدف البدء بتنفيذ هذه المشاريع وتطوير قطاع الكهرباء في سورية.
ولفت إلى أن معظم الإصلاحات المزمع تنفيذها تتركز على قطاع نقل الكهرباء، ولا سيما ما يتعلق بالربط الإقليمي، حيث تعمل الوزارة على استكمال الربط مع الأردن وتركيا، مع وجود تواصل مستمر مع الوزارتين المعنيتين لإدخال خطوط الربط إلى الخدمة خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما يتيح إمكانية استيراد الكهرباء من تركيا، وقد تصل الكميات إلى نحو 500 ميغاواط خلال فترة لاحقة. وأوضح وزير الطاقة أن مشاريع الطاقة والكهرباء بطبيعتها تحتاج إلى وقت طويل، مشيراً إلى أنه “جرى خلال الفترة الماضية وضع حجر الأساس لعدد من محطات التوليد الجديدة التي تتطلب ما بين ثلاث إلى أربع سنوات لدخولها الخدمة”.
وأضاف أن خط الربط مع الأردن يُتوقع أن يكون جاهزاً مع نهاية عام 2026، في حين سيكون الربط مع تركيا خلال مدة أقصر. وأكد البشير أن التحسن الملموس في واقع الكهرباء في ما يخص المواطنين سيكون واضحاً مع نهاية عام 2026، في ظل العمل على استيراد الغاز وزيادة التوليد ضمن المحطات القائمة في سورية، إلى جانب الاستفادة من خطوط الربط الإقليمي التي سيتم تنفيذها من خلال هذا المشروع.
———————————–
بعد إلغاء “قيصر”.. أمريكا تعدّل قيود التصدير إلى سوريا
أصدرت وزارات الخارجية والتجارة والخزانة الأمريكية، الثلاثاء 23 من كانون الأول، نسخة معدّلة من الإرشادات المشتركة الثلاثية بشأن العقوبات وتخفيف ضوابط التصدير الخاصة بسوريا، انسجامًا مع إلغاء قانون “قيصر” الذي كان يفرض عقوبات على سوريا.
وبحسب النسخة المعدلة، تؤكد الولايات المتحدة التزامها بدعم سوريا مستقرة وموحّدة وسلمية، كما أن رفع العقوبات الأمريكية من شأنه دعم جهود سوريا لإعادة بناء اقتصادها، وتحقيق الازدهار لجميع مواطنيها، بمن فيهم الأقليات الدينية والإثنية، ومكافحة الإرهاب.
ما الأنشطة التجارية المسموح بها مع سوريا؟
لم تعد الولايات المتحدة تفرض عقوبات شاملة على سوريا، وبالتالي لم تعد العقوبات الأمريكية تشكّل عائقًا أمام معظم الأنشطة التجارية المرتبطة بسوريا.
ألغى الكونجرس قانون “قيصر” والعقوبات الإلزامية المرتبطة به.
أصبح نقل معظم السلع الأمريكية ذات الاستخدام المدني الأساسي، وكذلك البرمجيات والتكنولوجيا، إلى سوريا أو داخلها مسموحًا دون الحاجة إلى ترخيص.
ما القيود التي لا تزال قائمة؟
بحسب النسخة المعدلة، لا تزال العقوبات مفروضة على “الأسوأ من بين الأسوأ”:
بشار الأسد ومقرّبوه.
منتهكو حقوق الإنسان.
مهرّبو “الكبتاجون”، وغيرهم من الجهات الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
ووفقا للنسخة المعدلة، تبنّت الحكومة الأمريكية سياسات جديدة وموقفًا تنظيميًا مشجّعًا لقطاع الأعمال والمصارف الأمريكية، والمجتمع الدولي، والشعب السوري، والشركاء الإقليميين، للمساهمة في استقرار سوريا مع حرمان الجهات الضارة من الموارد.
ولهذا الغرض، ستنسّق الحكومة الأمريكية مع القطاعين العام والخاص لتقديم الإرشادات الداعمة لهذه السياسات الجديدة.
كما تحتفظ الحكومة الأمريكية بسلطات أخرى، بما في ذلك قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية وقانون إصلاح ضوابط التصدير لعام 2018، لفرض وتنفيذ تدابير الأمن القومي عند الحاجة.
وتواصل الحكومة الأمريكية، بناء على النسخة، مراجعة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب (SST)، في حين لا تزال معظم المواد المدرجة على قائمة ضوابط التجارة والمتجهة إلى سوريا تتطلب ترخيصًا للتصدير من الولايات المتحدة.
ضوابط التصدير
في 2 من أيلول الماضي، طبّقت وزارة التجارة الأمريكية قاعدة جديدة تُخفّف متطلبات الترخيص للصادرات ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا، فلم تعد السلع الأميركية المنشأ، والبرمجيات، والتكنولوجيا ذات الاستخدامات المدنية في الغالب، إضافة إلى أجهزة اتصالات استهلاكية محددة، وبعض المواد المرتبطة بالطيران المدني، بحاجة إلى ترخيص للتصدير.
كما تُسهّل القاعدة الموافقة على تراخيص التصدير إلى سوريا في مجالات البنية التحتية للاتصالات، والصرف الصحي، وتوليد الطاقة، والطيران المدني، وبعض الخدمات المدنية الأخرى التي تدعم السلام والازدهار في سوريا. وستُراجع جميع الطلبات الأخرى المتعلقة بصادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى سوريا على أساس كل حالة على حدة.
ترامب يوقّع على إلغاء “قيصر”
وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، موازنة الدفاع الأمريكية، اليوم الجمعة 19 من كانون الأول، المتضمنة إلغاء قانون “قيصر” الخاص بالعقوبات على سوريا، بعد أن صوّت كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على إقرار الموازنة.
ويمثل قانون موازنة الدفاع صيغة توافقية جمعت حزمة من التدابير التي سبق أن أُقرت بشكل منفصل في مجلسي النواب والشيوخ، قبل المصادقة النهائية عليه خلال الشهر الحالي.
النائب الأمريكي جو ويلسون قال عبر حسابه في منصة “إكس“، إنه ممتن لأن الرئيس ترامب وقّع على قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA)، مما يلغي وبشكل رسمي قانون عقوبات “قيصر” على سوريا.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي صوّت، في 17 من كانون الأول، لصالح المشروع النهائي لقانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 المتضمن إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، وأحاله إلى الرئيس دونالد ترامب للتوقيع عليه ليصبح نافذًا بعد ذلك.
رحلة إلغاء “قيصر”
كان مجلس النواب الأمريكي، صوت ليل الخميس 10 من كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع، الذي تضمن بندًا يقضي بإلغاء قانون “قيصر” المفروض على سوريا.
ويتيح تصويت الكونجرس على الصيغة النهائية لملحق إلغاء القانون أن يصبح قانونًا ترفع بموجبه العقوبات الأمريكية عن سوريا بشكل نهائي ودائم قبل عيد الميلاد.
وكانت وزارتا الخزانة والتجارة الأمريكيتان أعلنتا تمديد تعليق تطبيق عقوبات قانون “قيصر” جزئيًا لمدة 180 يومًا.
وجاء في بيان مشترك بين الوزارتين، في 10 من تشرين الثاني الماضي، أن القرار يستبدل الإعفاء السابق الذي صدر في 23 أيار الماضي.
وأشار البيان إلى أن التعليق الجديد يوقف العمل بمعظم العقوبات المفروضة بموجب القانون، باستثناء تلك التي تشمل معاملات مالية أو تجارية مع روسيا وإيران.
وأتى البيان بعد زيارة الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى البيت الأبيض التي تعد الأولى لرئيس سوري للولايات المتحدة الأمريكية.
عنب بلدي
————————
حاكم مصرف سوريا المركزي: بدء عملية استبدال العملة في أول يناير
قال عبد القادر حصرية حاكم مصرف سوريا المركزي اليوم الخميس إن البلاد ستبدأ عملية لاستبدال العملة بأوراق نقدية جديدة في الأول من يناير/ كانون الثاني 2026، وذلك في إطار خطة لإحلال العملات الصادرة في عهد الأسد.
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قال حاكم المصرف السوري إن عملة بلاده الجديدة ستصدر بست فئات خالية من الصور والرموز، وفق تصريحات نقلتها “سانا”، ولم يحدد حينها جدولا زمنيا لذلك.
ولفت حينها إلى أن “المصرف المركزي سيعلن عن تفاصيل كل فئة من حيث القيمة والحجم والتصميم في الوقت المناسب، وذلك بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية الخاصة بالطباعة والإصدار”.
ولا يزال السوريون يتعاملون بالعملة الورقية القديمة، التي يرون فيها نموذجا عن مأساة النظام السابق، حيث وضعت صورة الرئيس المخلوع بشار الأسد على العملات من فئة ألفي ليرة (الدولار يساوي 11 ألف ليرة)، بينما وضعت صورة والده حافظ الأسد على فئة الألف ليرة سورية.
كما يشكو السوريون من كثافة الأوراق النقدية، إذ يحتاج المواطن إلى حمل رزم منها، لشراء احتياجات يومية من الأسواق.
ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، تؤكد الإدارة السورية الجديدة إنها تجري إصلاحات اقتصادية وسياسية، لتحسين الأوضاع في البلاد.
—————–
قبل استبدال العملة.. المركزي السوري يحذّر من رفض استلام بعض الفئات النقدية
2025.12.24
أصدر مصرف سوريا المركزي بياناً حذّر فيه من قيام عدد من المؤسسات المالية بعدم قبول استلام بعض فئات العملة السورية، ولا سيما فئتي الألف والألفي ليرة سورية.
وأكد المصرف في بيانه على أن هذه الإجراءات جرت قبل صدور أي توجيهات رسمية من قبله بهذا الخصوص.
وأوضح المصرف أن هذه التطورات تأتي في وقت تجري فيه “تحضيرات مكثفة حالياً بخصوص موضوع استبدال العملة السورية في المرحلة الحالية والمقبلة”، داعياً إلى عدم استباق القرارات الرسمية أو اتخاذ إجراءات منفردة.
وشدد المصرف في بيانه على ضرورة التقيّد الكامل بالتعليمات الرسمية فور صدورها، مؤكداً أن أي قرار يتعلق بقبول أو عدم قبول فئات معينة من العملة يجب أن يصدر حصراً عن المصرف المركزي وضمن اختصاصه.
وقال المصرف: “نؤكد على التقيد والالتزام بالتوجيهات المتعلقة بهذا الموضوع لدى صدورها وحسب مضمونها، وعدم اتخاذ أي إجراءات بخصوص قبول فئات معينة من العملة السورية أو عدم قبولها بإرادة منفردة من المؤسسات المالية وقبل صدور التعليمات الخاصة بمثل هذا الموضوع من المصرف المركزي حسب اختصاصه”.
جميع فئات العملة تحتفظ بصفة التداول القانوني
وأشار مصرف سوريا المركزي إلى أن جميع فئات العملة السورية المتداولة حالياً ما تزال تتمتع بصفة التداول القانوني والقوة الإبرائية الكاملة، إلى حين صدور أي تعليمات مخالفة وفق الأصول القانونية.
وأكد في هذا السياق: “تستمر صفة التداول القانوني والقوة الإبرائية لجميع فئات العملة السورية السارية حالياً حتى صدور أي تعليمات مخالفة وحسب مضمونها أصولاً، وذلك بموجب مرسوم يذاع على الجمهور بجميع وسائل النشر الملائمة”.
ودعا المصرف جميع الأطراف المعنية إلى التعاون والالتزام بما يصدر من توجيهات رسمية، تفادياً لحدوث أي إرباك أو مشكلات في التعاملات النقدية خلال الفترة المقبلة.
وقال في بيانه: “نؤكد على متطلبات التعاون اللازم من كل الأطراف المعنية بهذا الخصوص تلافياً لأي مشكلات بخصوص التعاملات النقدية في الفترة القادمة”.
إجراءات قانونية بحق المخالفين
وختم مصرف سوريا المركزي بيانه بالتأكيد على أن هذا الملف يحظى بالأولوية القصوى، مشيراً إلى أن المصرف سيتخذ جميع الإجراءات القانونية بحق المؤسسات المالية التي لا تلتزم بما ورد في البيان.
وأضاف: “نولي كل التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع الأولوية والأهمية القصوى، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية كافة بحق المؤسسات المالية غير الملتزمة بما هو مبين أعلاه”.
———————-
سورية: رفع سقف السحب عبر نقاط البيع لتسهيل صرف الرواتب/ نور ملحم
24 ديسمبر 2025
رفع المصرف التجاري السوري سقف السحب الأسبوعي من البطاقات المصرفية عبر نقاط البيع (POS) إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية، بعد أن كان محدداً بمليون ليرة فقط، في خطوة قال إنها تهدف إلى تسهيل حصول المواطنين على مستحقاتهم المالية، ولا سيما رواتب العاملين في الدولة والمتقاعدين مع نهاية عام 2025.
وأوضح مدير الدفع الإلكتروني في المصرف، المهندس وسيم علي، أن القرار جاء استناداً إلى تعميم وزارة المالية القاضي بالإسراع في صرف الرواتب، مشيراً إلى أن إدارة المصرف وجّهت برفع سقف السحب الأسبوعي عبر أجهزة نقاط البيع لتمكين أصحاب البطاقات من استلام المبالغ المحولة خلال الفترة الحالية أو المتراكمة من فترات سابقة، ولفت إلى أن عمليات القبض عبر نقاط البيع تتم حصراً من قبل أصحاب العلاقة أصولاً، في حين لا يزال سقف السحب عبر أجهزة الصراف الآلي محدداً بـ600 ألف ليرة سورية أسبوعياً، بهدف إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المتعاملين للسحب.
وأكد علي في تصريح لـ”العربي الجديد” أن إدارة المصرف طلبت من جميع الفروع رفع الجاهزية، سواء على مستوى الكوادر البشرية أو تغذية الصرافات الآلية بالسيولة اللازمة، لضمان استمرار عمليات السحب بسلاسة. وكان المصرف التجاري قد أصدر تعميماً بتمديد ساعات العمل اليومية ساعتين إضافيتين، إلى جانب استمرار عمل الموظفين المعنيين بعمليات القبض والدفع خلال الفترة الممتدة بين 24 و28 كانون الأول/ديسمبر 2025، مع إبقاء الصرافات الآلية في الخدمة على مدار الساعة.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن ديوب، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن رفع سقف السحب عبر نقاط البيع خطوة إجرائية تخفف الضغط المؤقت عن الصرافات الآلية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة المرتبطة بضعف السيولة النقدية وغياب الثقة بالنظام المصرفي.
ويشير ديوب إلى أن اعتماد المصارف على قنوات الـPOS يعكس عجزها عن تلبية الطلب النقدي عبر الصرافات، مضيفاً أن هذه الإجراءات تتكرر مع كل موسم رواتب أو أعياد دون أن ترافقها حلول مستدامة.
ويضيف أن القرار قد يخفف الازدحام ويُسرّع حصول بعض الموظفين والمتقاعدين على رواتبهم، لكنه في المقابل يسلط الضوء على الفجوة بين الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ إن رفع سقف السحب لا يعني بالضرورة تحسناً في القدرة الشرائية، في ظل استمرار تآكل قيمة الليرة وارتفاع الأسعار.
ويختم الخبير الاقتصادي بالقول إن أي خطوة مصرفية تبقى محدودة الأثر ما لم تُقترن بسياسات نقدية ومالية أوسع تعيد التوازن إلى السوق وتحد من الاعتماد القسري على حلول مؤقتة.
————————————-
الصادرات التركية إلى سورية تتجاوز 3 مليارات دولار/ عدنان عبد الرزاق
25 ديسمبر 2025
قفزت الصادرات التركية إلى سورية من 1.9 مليار دولار إلى نحو 3 مليارات دولار مع نهاية 2025، وكان ذلك خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بحسب تصريح سابق لوزير التجارة التركي عمر بولات، ووفق ما أعلنه نائبه أوزغور فولكان أمس الأربعاء. وبذلك، يبلغ نمو الصادرات التركية إلى سورية نحو 54% مقارنة بعام 2024، حين لم تتجاوز قيمتها 1.95 مليار دولار.
وقال نائب الوزير التركي إن العلاقات التجارية بين تركيا وشمال غربي سورية (المناطق المحررة) شهدت تطورًا ملحوظًا قبل سقوط نظام بشار الأسد، إلا أنها تطورت بوتيرة أسرع بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، مع سقوط النظام وبدء التعاون مع الحكومة الجديدة، حيث وصل الإنتاج التركي إلى المناطق الجنوبية من سورية. وتوقع فولكان خلال فعالية اقتصادية أقيمت في ولاية أنطاليا جنوبي تركيا، أن ينعكس الاستقرار في سورية إيجابًا على العلاقات الاقتصادية مع بلاده، وأن تُسجَّل أرقام أعلى خلال المرحلة المقبلة.
وتجاوزت قيمة الصادرات التركية خلال عام 2025 عتبة 270 مليار دولار، مسجلة أعلى مستوى في تاريخها، مدفوعة باتساع خريطة الشركاء التجاريين ودخول صادرات نوعية، كالسلاح والتكنولوجيا، عوّضت الخسائر التي تكبدتها تركيا في الصادرات الزراعية والصناعية خلال عام وُصف بـ”النكبة الزراعية”، نتيجة ارتفاع التكاليف واضطراب سلاسل الإمداد. وجاءت سورية في المرتبة الأولى ضمن ملامح التغيير التجاري لعام 2025.
وأظهرت بيانات وزارة التجارة التركية، زيادة حضور المنتجات التركية في الدول المجاورة خلال العام الجاري مقارنة بعام 2024 بنسبة 3.4%، مسجلة حتى مطلع ديسمبر/ كانون الأول الحالي 25.3 مليار دولار. في السياق، يرى رئيس مجلس الأعمال السوري – التركي السابق، عبد القادر صبرا، في حديث خاص مع “العربي الجديد”، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين جيد ومهم وفي طور التنامي المستمر، لكنه يستدرك بأن هذا التوسع أثّر بواقع الإنتاج السوري الخارج لتوّه من الحرب والدمار، وربما أوجد منافسة غير متكافئة.
ويشير صبرا إلى التفكير في بناء الاقتصاد السوري الإنتاجي، الزراعي والصناعي، والاستفادة من التطور التركي الصناعي والتكنولوجي عبر الاستثمارات وتوطين المشاريع التركية في سورية، بما يعود بالنفع على الطرفين، من خلال استثمار المواد الأولية وتشغيل اليد العاملة السورية، أكثر من التفكير في الصادرات وزيادة أرقامها. ويتساءل عن حجم الصادرات السورية إلى تركيا خلال عام 2025 وقيمتها وبنيتها، مشيرًا إلى أنها لا تتجاوز، في أحسن الأحوال، 500 مليون دولار، ومعظمها مواد أولية ومنتجات زراعية، معتبرًا أن هذه نقطة تستدعي التوقف عندها.
ويضيف صبرا أن تركيا، التي وقفت إلى جانب السوريين خلال ثورتهم، وأمّنت احتياجات المناطق المحررة من السلع والمنتجات، تجاوزت صادراتها إلى محافظة إدلب وريف حلب الجنوبي وحدهما عتبة ملياري دولار. ويرى أن أنقرة معنية اليوم بتطوير سورية وزيادة الشراكة الاقتصادية معها بطريقة مختلفة عن منطق الربح فقط، خصوصاً أن سورية تشكل نافذة تركيا البرية للوصول إلى الدول العربية ومنطقة الخليج.
كذلك تستفيد تركيا من اتفاقية التجارة الحرة العربية، عبر تصدير إنتاجها من سورية برسوم مخفضة أو من دون رسوم، وفقاً لصبرا، الذي دعا إلى توقيع اتفاق تجاري جديد بين تركيا وسورية، يأخذ بالاعتبار التغيرات والظروف الاقتصادية الراهنة في سورية، معتبرًا أن العمل بالاتفاقات القديمة لم يعد منطقيًا أو مجديًا، ولا سيما اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2007 بين تركيا وحكومة النظام السابق، التي عُلّق العمل بها مطلع الثورة السورية عام 2011.
من جهته، يقول الاقتصادي التركي خليل أوزون، إن تركيا تتطلع إلى حضور واسع في سورية على مختلف الصعد، ومنها الاقتصاد، معتبرًا أن قيمة الصادرات المسجلة هذا العام تشكل نقطة انطلاق للمرحلة المقبلة، ومتوقعًا أن تتجاوز الصادرات التركية إلى سورية 5 مليارات دولار خلال العامين المقبلين، مع بدء تعافي الإنتاج في سورية وارتفاع الطلب على المنتجات التركية في مرحلة إعادة الإعمار. ويضيف أوزون لـ”العربي الجديد” أن تركيا لا تنظر إلى سورية على أنها مكسب وسوق فقط، بل هي معنية بتطوير بنيتها الإنتاجية والخدمية، كما رأينا في عقود مطار دمشق والطرق والاتصالات، إلى جانب اعتبارها الممر الأسهل والأقل كلفة، وربما الوحيد، لوصول الإنتاج التركي عبر سورية إلى الأردن ودول الخليج العربي.
ويختم الاقتصادي التركي بأن مستقبل سورية مهم وواعد، خصوصاً بعد رفع العقوبات الاقتصادية وقانون “قيصر”، مرجحًا زيادة الاستثمارات التركية المالية والصناعية والتكنولوجية، وتعزيز المساهمة في إعادة الإعمار خلال عام 2026، ما سينعكس بأرقام جديدة على صعيد التبادل التجاري.
وكان البلدان قد أسّسا الشهر الماضي، خلال “قمة الحلال” التي استضافتها إسطنبول، مجلس الأعمال السوري – التركي المشترك (STİK)، ليكون منصة متخصصة لتنسيق التعاون التجاري وتطوير المشاريع الاستثمارية المشتركة.
———————————-
========================
تحديث 23 كانون الأول 2025
———————————–
كانت عقوباتٍ ظالمة/ معن البياري
23 ديسمبر 2025
أمّا أن تُقاطع دولةً دولةً أخرى، لأسبابٍ تخصّها، فتُقرّر ضدّها إجراءاتٍ عقابية، من قبيل وقف (أو تعليق) توريدٍ وتصدير، أو تعطيل بيعٍ وشراء، فهذا من حقوقٍ سياديةٍ للدول، وإنْ لا يبدو هذا، في حالاتٍ مخصوصة، مُستحسناً. أما أن تبرّر حكوماتٌ، بقوانين وتشريعاتٍ، ما تعتبرها عقوباتٍ على هذا النظام وذاك، منع تحويلاتٍ ماليةٍ ووقف توريد ما تحتاجه البلاد من حاجياتٍ لها ضرورتُها، وغير ذلكما من قرارات، فقد ثبت قطعاً، وبالشواهد، أن هذا كله، وبالمبرّرات المعزّزة بقوانين صودق عليها في برلماناتٍ، بل سنّها مجلس الأمن أحيانا، لم يؤثّر إلى درجة محرجةٍ على تماسك أي نظام حكمٍ معاقَب، ولا هزّه في شيء، وإنْ جعله، في حالاتٍ، يواجه صعوباتٍ غير قليلةٍ في غير شأن، وهو تحت طائلة عقوباتٍ اقتصادية. وفي النموذجيْن العراقي والليبي ما يشهد على صحّة هذا القول (أو الزعم؟)، فقسوة العقوبات الباهظة، والتي كان منها منع توريد قطع غيارٍ لصيانة طائرات، على العراق أكثر من عقد، ليست هي التي أنهت نظام صدّام حسين الذي أمكن له التعايش مع ما فُرض على بلاده من عقوباتٍ لا تزيّد في وصف كثير منها بأنها كانت جائرة. كما أن الحصار القاسي والحظر الواسع لصادراتٍ ووارداتٍ، واللذين فُرضا على ليبيا، إبّان كانت “جماهيرية عظمى”، جزاء ما اقترفه نظام معمّر القذافي من حماقاتٍ في غير بلد، لم تُسقط حكم هذا الرجل، ولم تخلّص الليبيين منه، وهم الذين تأذّوا بأبلغ الأضرار من تلك العقوبات الشنيعة التي أحكمت على بلدهم، وعلى حركتهم واقتصاد دولتهم.
ينسحب الحال على ما ظلّ يُرتكب منذ 1979 على سورية من عقوباتٍ بادرت إليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على الرغم من صلات التواصل الدبلوماسي والسياسي (والاستخباري على ما يجب أن لا ننسى) ظلّت بإيقاعٍ طيّبٍ مع نظام الأسد، الأب وابنه، فقد استُقبل رئيسٌ للولايات المتحدة (بيل كلينتون) ووزراء ومسؤولون أميركيون بلا عدد في قصر المهاجرين. وليس المقام هنا للحديث عن وجاهة القول إن النظام المتحدّث عنه كان يستحقَ العقاب والحصار، بأي كيفيّات، ولكن هذا لم يتحقّق، ولم تفعل شيئاً فيه العقوبات التي تقرّرت بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”. وكان في وسع العقل الأميركي أن يُبدع صيغةً عقابيةً وجزائيةً ضد نظام الأسد جرّاء ارتكابه الجرائم شديدة الفظاعة في سجونه، وكشفها المصوّر العسكري، فريد الذهان (قيصر)، والذي يبقى صنيعُه جهداً بالغ القيمة، يستحقّ عليه كل ثناء وإعجاب وتقدير. كان في الوسع أن تكون العقوبات التي بُنيت على ذلك الكشف من غير اللون الذي تشدّد في تأثيراته على السوريين في بلدهم. …
أثبت هذا كلُّه، في سورية وغيرها، البديهيّة التي لا يحسُن أن تُنسى، أن لا نظام سياسيّاً في العالم آذته عقوباتٌ من أي نوعٍ فُرضت عليه (على بلاده وشعبه الأصح)، بل العكس، وحدَها الشعوب التي عوقبت، وتنغّصت أمورُها، وتضرّرت في التعليم والطبابة والتنقّل وعموم شؤون الحياة. كما أن مجرمين ومسؤولين لصوصاً ونهّابين وتجّار حروب أفادوا من هذه العقوبات، في سورية، كما في غير بلد. وليس نعتاً خشبيّ اللغة أن تُرمى سياسة العقوبات التي تحترفها الولايات المتحدة (وغيرها عبر مجلس الأمن أو من دونه) بأنها إمبريالية، ولا تتوفّر على أي عدالةٍ من أي نوع. وذلك من دون التذكير بأن التعامي، المُعلن والصفيق، عن جرائم إسرائيل وفظاعاتها، من دون أي حسابٍ أو أي عقوبة، بل ومكافأتها الدائمة بالتسليح والعوْن المالي، شاهدان على الكيل بأكثر من مكيال.
فرحُ السوريين برفع العقوبات عنهم مستحقّ، بوصفه إنجازاً كبيراً، وإنْ مع بقاء سورية تحت مجهر المراقبة في غير شأن، ما قد يسوّغ القول إن القرار الأميركي، الذي سار في مجراه القانوني المعقّد، يكاد يوصَف بأنه مشروط. على أننا عندما نطالع هذه الشروط نرى بعضَها استحقاقاتٍ داخليةً مؤكّدة، لا حاجة لنسبتها إلى إدارة أميركية أو غيرها.
“تِنذكر وما تنعاد” تلك العقوبات التي أتعبت السوريين كثيراً. والرهان المرتقب على تدشين ما بعد زوالها، من بناءٍ وعمرانٍ وتقدّم، ومن تحديثٍ وتمدينٍ سياسيين من قبلُ ومن بعد.
العربي الجديد
———————————–
عنصر واحد في معادلة معقدة/ يعرب العيسى
23 ديسمبر 2025
هو شيء مثل جهاز كهربائي توقّف عن العمل، أول ما يخطر لنا فعله أن نعيد تشغيله. وفي المحاولة الثانية نشدّ مأخذه فنفصله عن التيار الكهربائي، ونعيد توصيله، إن لم يعمل هذه المرة فالعطل فيه.
عملياً، إلغاء قانون قيصر هو إعادة تشغيل سورية، فإن لم تعمل جيداً، فالعطل أعمق من ذلك إذاً. ولا يحتاج الأمر نبوءة لنعرف أنه كذلك. وأنه برفع قانون قيصر، يبدأ الجد. وتبدأ بالظهور أزماتٌ مؤجّلةٌ ومتراكمةٌ ومطمورةٌ تحت تلال الذرائع والشعارات الفارغة.
عقوداً، كانت معالجة مشكلات الحياة السورية تتم بطريقة لا تشبه أحداً في التاريخ: شتم الإمبريالية. تعجز المحطات عن توليد كهرباء كافية، تنفجر المحوّلات من ارتفاع الأحمال، تخبز الأفران خبزاً أقل من حاجة الناس، وأردأ مما يليق بالناس، تزدحم الصفوف المدرسية، يتفسخ أسفلت الطرق، تطبطب سيارات الإسعاف قبل بوابات المستشفيات بأمتار، تفقد العملة قيمتها، والأجور قدرتها، والمؤسّسات نزاهتها. تتوقف المصانع عن الإنتاج، تتملّح تربة الحقول، تفرغ الأسواق من البصل والقهوة سريعة التحضير، تلغى الرحلات الجوية، تختم القنصليات علامة الرفض على جوازات السفر، تعود الحوالة إلى مصدرها، يموت الرجال وسطياً في الثانية والستين، وتفقد النساء خصوبتهن في الرابعة والأربعين، تختفي الآثار من المتاحف، وأشرطة الذاكرة الوطنية من أرشيف التلفزيون والسينما. تفسخ المجتمع، تهتك الاقتصاد…
لدينا سبب: الإمبريالية العالمية، لعنها الله، تعاقب شعبنا على صموده في وجه مؤامراتها، بمنعه من شراء قطع غيار لمصانعه ومحطّات توليد الكهرباء فيه، وشرايين أصحاب القلوب المنهكة فيه.
بشيء من الواقعية، العقوبات أداة غير إنسانية بيد القوى الكبرى، أداة تتظاهر بأنها تعاقب الأنظمة الديكتاتورية، وهي تفعل ذلك فعلاً، لكن بأسوأ تقنية يتصوّرها عقل وأغربها. بالضغط على الشعوب التي يفترض أنها ضحية تلك الأنظمة، وإفقارها وتجويعها، كي ينفد صبرها، وتخرج مضحّية بكل شيء كي تخلع طغاتها. وبالطبع، سيموت في سبيل ذلك مئات الآلاف، وسيهجّر ملايين.
لا بأس، هذا قدرنا، وقد سدّدنا فاتورته. والآن، بدأ تسديد الفاتورة الكبرى، والتي ستبدأ بمواجهة الذات، واختبار الإمكانات الحقيقية.
نحتاج إلى تدوير العجلة الصدئة، نحتاج إلى تزييتها برؤوس أموال، وتحريكها بطاقة خبراء وعمّال مهرة، ووضعها على سكّة في مناخ قانوني وسياسي وأمني واقتصادي وخدمي، وإلا فلن يكون لرفع العقوبات أي معنى.
هناك 200 بلد في العالم ضمن نظام السويفت، و11500 مؤسّسة مالية لم تختبر يوماً ما معنى عقوبات، فكم واحدة منها حققت معادلة النجاح الاقتصادي؟
رفع العقوبات والانضمام إلى الأنظمة المالية العالمية عنصر واحد من معادلة معقدة تحتوي مئات العناصر الأخرى. ونحن فعلياً لا نملك منها سوى الرغبة. وربما لدينا شيء من الروح، وشيء من الحماس، ونحتاج إلى كل ما تبقى.
برفع العقوبات نبدو كفتى حائر حصل على الثانوية للتوّ، تحرّر من قيدي الأهل والطفولة، يشعر باكتمال نضجه، وبأنه صار جاهزاً لمواجهة الحياة، ولكنه يجهل أن كل مصاعب الدنيا تختبئ في هذا الطريق الذي بدأه الآن.
من حقّ كل سوري أن يفرح اليوم، أياً كان موقفه السياسي، ورأيه في السلطتين، الحالية والسابقة، فهذه الفرصة التي انفتحت سورية، وليست فرصة السلطة، ومن يجب أن يلتقطها هو سورية نفسها.
العربي الجديد
———————————–
ما بعد قيصر: فرصة تاريخية للاقتصاد أم اختبار صعب للإصلاح؟/ مازن الشاهين
ماذا بعد رفع قانون “قيصر”؟
2025-12-23
يشكّل رفع قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” محطة استثنائية في المسار الاقتصادي السوري، بعد سنوات طويلة من العزلة والضغط المالي والتجاري. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التطور يحمل في طياته فرصة نادرة لإعادة إدماج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي، غير أنهم يتفقون في الوقت نفسه على أن القرار، رغم رمزيته السياسية وأهميته القانونية، لا يمثل بحد ذاته علاجاً للأزمة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من عقد.
فبينما يفتح إلغاء القانون الباب أمام استئناف التعاملات التجارية والمصرفية وعودة الاستثمارات المحتملة، تبقى التحديات الداخلية من ضعف الإنتاج وتآكل البنية التحتية إلى الفساد والاختلالات النقدية، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت مرحلة “ما بعد قيصر” ستتحول إلى نقطة انطلاق لتعافٍ فعلي، أم مجرد انفراج محدود الأثر.
ويأتي هذا التطور بعد تصويت مجلس النواب الأميركي بالأغلبية على إدراج إلغاء «قيصر» ضمن مشروع موازنة الدفاع الوطني لعام 2026، في خطوة أنهت رسمياً واحداً من أكثر أنظمة العقوبات تأثيراً على الاقتصاد السوري منذ فرضه عام 2019، والذي قيّد حركة التجارة والاستثمار والتحويلات المالية، وألقى بظلاله الثقيلة على حياة السوريين اليومية.
قيصر… أكثر من عقوبات مالية
خلال سنوات تطبيقه، لم يكن “قيصر” مجرد إطار قانوني للعقوبات، بل تحوّل إلى عامل ضاغط أعاد تشكيل بنية الاقتصاد السوري. فقد أدى إلى انسحاب الشركات الأجنبية، وتعطيل قنوات التمويل الدولية، ورفع كلفة الاستيراد، وتراجع القدرة الإنتاجية في قطاعات حيوية، ما انعكس بشكل مباشر على مستويات المعيشة وعمّق الفجوة بين الدخل والأسعار.
وغالباً ما جرى تحميل القانون مسؤولية الاختناق الاقتصادي، غير أن اقتصاديين يشيرون إلى أن العقوبات تفاعلت مع عوامل داخلية قائمة أصلاً، من ضعف الإدارة الاقتصادية وتراجع الاستثمار المحلي، لتنتج أزمة مركّبة لا يمكن حلها بقرار سياسي خارجي فقط.
المواطن السوري… انتظار طويل لتحسن ملموس
على المستوى الشعبي، استقبل السوريون خبر رفع العقوبات بمزيج من الأمل والحذر. فالمواطن الذي عاش سنوات من الغلاء وتدهور الخدمات وانخفاض قيمة العملة، ينظر إلى القرار بوصفه بارقة أمل، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن التحسن لن يكون فورياً، وأن انعكاساته على الأسعار والدخل قد تتأخر.
الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن “رفع العقوبات يشكّل فرصة سياسية واقتصادية، لكنه لا يحمل قيمة عملية ما لم يُستثمر داخلياً بإصلاحات حقيقية”.
ويشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة هيكلة السياسة الاقتصادية، عبر تحديث القوانين الاستثمارية، وتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، وتعزيز دور المؤسسات المالية.
ويحذر السراج من أن الاعتماد على رفع العقوبات وحده “قد يؤدي إلى خيبة أمل شعبية”، موضحاً أن العقوبات لم تضعف الاقتصاد الرسمي فحسب، بل دفعت شريحة واسعة من السوريين إلى الاقتصاد الموازي والتهريب، ما خلق تشوهات عميقة في السوق. وبرأيه، فإن رفع القيود الخارجية يمنح فرصة لإعادة تنظيم الأسواق والحد من هذه الظواهر، لكنه يتطلب قرارات داخلية جريئة وقدراً من الاستقرار.
ويضيف أن أي خفض محتمل في تكلفة بعض السلع سيظهر على المدى المتوسط، وليس فوراً، في ظل استمرار البطالة وضعف القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات العامة التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
قطاعات قد تقود التعافي التدريجي
رغم التحفظات، يرى خبراء أن بعض القطاعات مرشحة للاستفادة المباشرة نسبياً من رفع العقوبات. ويأتي قطاع الطاقة في مقدمة هذه القطاعات، مع احتمالات بدء مشاورات مع شركات دولية لإعادة تأهيل حقول نفط وغاز متضررة، ورفع القيود عن استيراد المعدات والتقنيات اللازمة.
كما يُتوقع أن يشهد قطاعا الزراعة والصناعات الغذائية تحسناً تدريجياً، نتيجة تسهيل استيراد الأسمدة والبذور والمعدات، ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج المحلي ويخفف الضغط على الأسواق. ويُنظر إلى هذه القطاعات بوصفها رافعة محتملة للأمن الغذائي وفرص العمل، في حال جرى دعمها بسياسات حكومية واضحة.
وفي السياق ذاته، فإن عودة التعاملات المصرفية والتحويلات الدولية، ولو بشكل تدريجي، قد تسهم في زيادة تدفق العملة الصعبة، وتقليل الاعتماد على السوق السوداء، وخفض كلفة الاستيراد، ما يعيد بعض التوازن للأسواق المحلية.
رفع قيصر… خطوة كبرى لا تعني نهاية الأزمة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد، في تصريحات لـ”963+”، أن رفع قانون قيصر “يشكّل لحظة تاريخية لفك العزلة الاقتصادية”، لكنه يحذر من التعامل معه بوصفه نهاية الأزمة. ويؤكد أن التعافي الحقيقي يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة، واستقراراً سياسياً، وبيئة مصرفية قادرة على الاندماج في النظام المالي العالمي.
ويوضح مراد أن إلغاء العقوبات يفتح المجال أمام عودة التجارة الخارجية، واستيراد المواد الخام والسلع الأساسية عبر القنوات الرسمية، إضافة إلى دخول شركات أجنبية في قطاعات البناء والطاقة والزراعة والنقل والبنى التحتية، فضلاً عن استثمارات عربية وأجنبية كانت مترددة سابقاً بسبب المخاطر القانونية.
ويشير إلى أن إعادة ربط المصارف السورية تدريجياً بالجهاز المالي الدولي قد تسهّل التحويلات التجارية، وتخفض كلفها، وتقلل الاعتماد على شبكات غير رسمية، غير أنه يحذر من أن هشاشة القطاع المصرفي الحالي وعدم استقرار سعر الصرف ما يزالان يشكلان عائقاً أمام جذب استثمارات واسعة النطاق.
وبرأيه، فإن ضعف البنية التحتية، نتيجة سنوات الحرب والدمار، يمثل تحدياً إضافياً، إذ يحتاج إلى استثمارات ضخمة وإطار قانوني ومؤسسي يضمن استدامتها.
قراءة نقدية أعمق للواقع الاقتصادي
الخبير الاقتصادي اللبناني يوسف كنعان يقدّم قراءة أكثر تشدداً، مشبهاً الواقع السوري بالتجربة اللبنانية، حيث يعتمد المواطن على أكثر من وظيفة وعلى التحويلات الخارجية، في ظل خدمات عامة متدهورة ودخل لا يغطي سوى الاحتياجات الأساسية.
ويقول كنعان لـ”963+” إن الاقتصاد السوري يعاني من ثلاث أزمات بنيوية متداخلة: ضعف الإنتاج، تآكل الطبقة الوسطى، وهجرة الكفاءات، مؤكداً أن الانفراج الإقليمي مهم، لكنه لن ينعكس على حياة الناس ما لم تُعالج هذه الاختلالات من الداخل.
ويحذر كنعان من الاعتقاد بأن رفع قيصر هو “العصا السحرية” لإنقاذ الاقتصاد، مشيراً إلى أن الفساد وسوء الإدارة لا يزالان العائق الأكبر أمام أي إصلاح أو جذب للاستثمار، إضافة إلى التضخم المرتفع وانخفاض قيمة الليرة، والبنية التحتية المدمرة التي تحتاج إلى موارد تفوق قدرات الدولة الحالية.
كما يربط كنعان أي تعافٍ اقتصادي مستدام بضرورة تحقيق استقرار سياسي ومصالحة وطنية شاملة، معتبراً أن المستثمرين لا يدخلون أسواقاً غير مستقرة، وأن أي انتعاش سيبقى جزئياً ومحدود الأثر ما لم تُقدَّم ضمانات حقيقية لحماية الاستثمارات وشفافية العقود.
ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد السوري يقف اليوم أمام اختبار حاسم. فمرحلة “ما بعد قيصر” تفتح نافذة نادرة لكسر العزلة الاقتصادية وإعادة بناء الثقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التحديات الداخلية التي لا يمكن تجاوزها بقرارات خارجية فقط.
+963
———————————–
التعليم العالي… إعادة هندسة الاستيعاب الجامعي تخلّياً عن أبوية الدولة/ جمعة حجازي
23 ديسمبر 2025
لطالما كانت سياسات التعليم العالي صورة مكثفة وواضحة عن روح الدولة، ونظرتها إلى نفسها وإلى المجتمع. فلزمن طويل كان التعليم العالي في سورية حكراً على صفوة المجتمع الاقتصادية والسياسية، ثم مع التحول الاشتراكي نهاية خمسينيّات القرن العشرين، صار التعليم العالي وسيلة الدولة لمحو الفوارق بين الطبقات، وإعادة خلط المجتمع، ثم مع مطلع الألفية ظهرت تعبيرات التراجع عن هذا الدور مع شيء من الخجل.
في خضم التحولات الجذرية التي يشهدها المشهد التعليمي السوري، تبرز المفاضلة الجديدة لوزارة التعليم العالي نموذجاً طموحاً لإعادة صياغة سياسات القبول الجامعي من منظور تنموي شامل، فبعد عقود من هيمنة نموذج “الاستيعاب الكمّي” الذي أسهم، وفقاً لتقارير البنك الدولي، في إيجاد فجوة هيكلية بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، تأتي هذه المفاضلة تمثيلاً لتحول جوهري في فلسفة التعليم العالي. تقدّم المفاضلة الجديدة رؤية تربط بين مضامين العدالة الاجتماعية ومقتضيات اقتصاد المعرفة، من خلال اعتماد معايير قبول مرنة تستند إلى مؤشرات التنمية المحلية واحتياجات إعادة الإعمار. وكما تُظهر دراسات اليونسكو، فإن التوزيع الجغرافي للمقاعد الدراسية لم يعد يعتمد على الكثافة السكانية فحسب، بل على الأولويات التنموية لكل منطقة، مما يعكس فهماً جديداً لمتطلبات العدالة المجالية. تعتمد الآليات التنفيذية للمفاضلة الجديدة على منهجية متعددة المعايير، تجمع بين الكفاءة الأكاديمية والملاءمة التنموية، حيث يتم توجيه الطلاب نحو التخصّصات الاستراتيجية ذات الأولوية في خطة إعادة الإعمار. هذه التخصصات، التي تشمل الهندسة الإنشائية والطاقات المتجددة والتحول الرقمي، تُشكل ركائز الاقتصاد الجديد وفق رؤية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.
في هذا الإطار، تمثل المفاضلة الجديدة نقلة نوعية من مفهوم “الحق في التعليم” إلى مفهوم “التعليم من أجل التنمية”، حيث تتحول الجامعات من مجرد مؤسسات تعليمية إلى حاضنات للابتكار ومنصات لإنتاج المعرفة، مما يعكس تحوّلاً استراتيجياً في أدوار التعليم العالي من مستهلك للموارد إلى مساهم في توليد الثروة الوطنية. هذا التحول، كما توضح وثائق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يسعى لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الجودة الأكاديمية والكفاءة الاقتصادية، وبين استحقاقات العدالة الاجتماعية ومتطلبات التنافسية العالمية، مما يجعل من النظام التعليمي رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وقاطرة لتحقيق النهضة المنشودة.
التأسيس للعدالة الاجتماعية غير المكتملة
لم تكن “سياسة الاستيعاب الجامعي” وليدة مصادفة، بل كانت حجر الزاوية في المشروع الاجتماعي والسياسي الذي قادته الدولة السورية بدءاً من سبعينيات القرن الماضي. في تلك الحقبة، سعى النظام السوري الجديد لترسيخ شرعيته عبر بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على مفهوم “الدولة الراعية” التي توفر التعليم المجاني والشامل بوصفه حقّاً مكتسباً لكل مواطن. كان الهدف واضحاً وجريئاً تحطيم احتكار النخب التقليدية للتعليم العالي، وفتح أبواب الجامعات أمام أبناء الفلاحين والعمّال والطبقات الوسطى في المدن والأرياف. وقد مثّل هذا النظام آنذاك نهجاً محابياً للطبقات الاجتماعية الضعيفة، ما أثار نقاشات وحوارات حول سياسات وفرت التعليم والصحة المجانية لكنها خفضت الرواتب والأجور، فتوسّعت كمياً وتراجعت نوعياً، لتتحول إلى عدالة اجتماعية منقوصة.
نجحت هذه السياسة، بمعايير عصرها، نجاحاً ملحوظاً على المستوى الكمي. ففي غضون عقدين، قفزت نسبة الملتحقين بالتعليم العالي في سورية قفزة نوعية، محقّقةً واحدة من أعلى نسب التغطية في منطقة الشرق الأوسط. كان نظام “المفاضلة المركزية” المبني على المعدل في شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) هو الآلة التي نفذت هذه السياسة. لقد كان هذا النظام تجسيداً للعدالة الشكلية المطلقة: فكل طالب، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الجغرافية، كان بإمكانه أن يحلم بمقعد جامعي، طالما أن معدله يؤهله إلى ذلك. لكن في المقابل على حساب النوعية والكفاءة الداخلية والخارجية للتعليم وعلى حساب الحوكمة والإدارة الرشيدة لقطاع التعليم وعلى حساب المسارات التعليمية المرتبطة بسوق العمل المرن والشفاف؛ إذ كانت الكليات الطبية والهندسية تحتل قمة الهرم في هذه المنظومة، حيث كانت المعدلات القريبة من الكمال (98% للطب مثلاً) هي المفتاح الوحيد لدخولها. هذه النخبوية الأكاديمية كانت مقبولة اجتماعياً، لأنها كانت قائمة على معيار “الاستحقاق” الظاهري. في المقابل، حاول نظام “الحصص الجغرافية” تعويض التفاوت في جودة التعليم بين المحافظات، مخصصاً نسباً من المقاعد للطلاب من المناطق النائية والريفية، في محاولة لتحقيق توازن إقليمي يصب في مصلحة الوحدة الوطنية.
لكن هذه الصورة الوردية لم تكن خالية من التشققات، فبحلول تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، بدأت تظهر العواقب غير المقصودة لسياسة الاستيعاب غير المدروس. لقد تحوّلت الجامعات من مؤسّسات للنخبة إلى مصانع لإنتاج الخريجين، من دون أي دراسة دقيقة لحاجة سوق العمل. كما يتذكّر أحد الأساتذة القدامى: “كنا نخرج آلاف المحامين والأطباء والمهندسين سنوياً، وكأننا نملأ أرففاً لا تنتهي، دون أن نسأل: من سيوظف هؤلاء؟ وما هي حاجة المجتمع الحقيقية منهم؟”.
لقد تحولت “سياسة الاستيعاب” من أداة للتحرر الاجتماعي إلى آلة بيروقراطية ضخمة، تنتج بطالة مقنعة على نطاق هائل. ففي المستشفيات الحكومية، كان يكفي توظيف خمسة أطباء اختصاصيين في قسم الجراحة العظمية، لكن “سياسة الاستيعاب” كانت تأمر بتوظيف 20 طبيباً. النتيجة كانت مأساوية: رواتب هزيلة لا تكفي عيشاً كريماً، ما دفع الأطباء إلى التهافت على العيادات الخاصة، وإهمال العمل في المستشفيات الحكومية، واللجوء إلى ممارسات غير أخلاقية كطلب الرشاوى لتأمين دخل إضافي. هكذا، بينما كانت الأرقام الرسمية تتباهى بأعداد الخريجين المتزايدة، كان الواقع يخفي وراءه مأساة إنسانية لأجيال من المتعلمين المحبطين، وشبكة فساد منهجية أنهكت مؤسسات الدولة، ونظاماً تعليمياً فقد بوصلته، عاجزاً عن التكيف مع متطلبات العصر.
انهيار المنظومة في زمن الحرب
إذا كانت العقود التي سبقت 2011 قد شهدت تصلباً تدريجياً في سياسة الاستيعاب، فإن سنوات الحرب التي تلت كانت بمثابة الزلزال الذي هز أركان المنظومة التعليمية السورية بأكملها. لم تكن الصدمة هنا في تغير السياسات، بل في تحطم البنى التحتية التي تقوم عليها هذه السياسات. لقد تحوّلت “سياسة الاستيعاب” من نظام يعاني اختلالات هيكلية إلى نظام في حالة إنعاش طارئ، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام. لم يكن انهيار النظام التعليمي حدثاً عارضاً، بل كان جزءاً من استراتيجية ممنهجة لتفتيت مؤسسات الدولة. تعرّضت أكثر من 30% من الجامعات السورية الرئيسية للقصف أو التدمير أو الاحتلال، مع تحول بعض فروعها إلى مراكز لإيواء النازحين. انهارت شبكة الامتحانات الموحدة، التي كانت عماد “العدالة الشكلية” في القبول، مع انقسام سيطرة المناطق وفقدان سلطة الشهادة الثانوية لقيمتها الموحدة. اختفت فكرة “المفاضلة المركزية” عملياً، لتحل محلها أنظمة قبول محلية مشتتة في مناطق سيطرة النظام والمعارضة على حد سواء، كل منها يمنح شهادات لا تعترف بها الأخرى غالباً. لقد تحولنا إلى عدة أنظمة جامعية، كل منها يحمل في طياته أبعاداً اجتماعية وتربوية مختلفة، لكن لكل منها هنات وهفوات، وبالأخص في ما يتعلق بسياسات القبول والمفاضلة التي اعتمدت في معظمها على علامة البكالوريا فقط معياراً للقبول الجامعي، من دون النظر إلى المعايير الأخرى كحاجة المجتمع وسوق العمل والربط القطاعي وسواها. لقد حاولت الأنظمة التعليمية المختلفة بناء أنظمة خاصة بها، لكن معظمها بقي في إطار النمطية المفرطة لأنظمة القبول الجامعي.
هجرة العقول
كانت الكارثة الحقيقية التي ستدفع سورية ثمنها إلى عقود مقبلة هجرة العقول. لم يعد الطالب المتفوق يحلم بكلية الطب في دمشق، بل بمنحة دراسية في أوروبا أو كندا. لم يعد الأستاذ الجامعي يحلم بالترقية، بل بفرصة هروب إلى جامعة في الخليج. فرّت الكفاءات العلمية والأكاديمية بمعدلات لم تشهدها سورية في تاريخها الحديث، تاركةً خلفها جامعاتٍ شبه خاوية من نجومها العلميين، ومليئة بمعيدين وأساتذة صغار يحملون عبئاً أكبر من طاقتهم. في هذا المشهد الكابوسي، تحولت “سياسة الاستيعاب” إلى أداة للبقاء وليس للتنمية، فالحكومة، في مناطق سيطرتها، واصلت فتح أبواب الجامعات، ليس لأن الاقتصاد يحتاج إلى خرّيجين جددٍ، بل لأن الجامعة أصبحت صِمَام أمان اجتماعي. كانت تقدّم مقعداً جامعياً مجانياً بديلاً عن وظيفة، ووسيلة لإبقاء جيل كامل من الشباب مشغولاً بالدراسة بدلاً من العمل. لقد تحوّل التعليم العالي من استثمار في رأس المال البشري إلى وسيلة للضبط الاجتماعي وإدارة الموارد البشرية بطريقة سلبية للغاية.
أنظمة تعليمية موازية
في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام البائد، ظهرت أنظمة قبول جديدة، غالباً ما كانت تعكس أولويات الجهات المسيطرة. في بعض المناطق، جرى تطوير أنظمة قبول جامعي مشابهة إلى حد كبير لأنظمة القبول في مناطق سيطرة النظام السابق، من خلال اعتماد نظام علامة البكالوريا أداة للقبول الجامعي، ونشأت معه جامعات تحمل الآلية والمنهجية نفسيهما، مع اختلاف في التفاصيل، ولم تحل المشكلة المزمنة المتمثلة في اعتماد سياسات قبول لا تراعي التحول في أنظمة التعليم العالي الدولية. ولكن بالرغم من ضعف الإمكانيات والظروف الصعبة للحرب والقصف المتواصل على المنشآت استطاعت تلك الجامعات الوليدة أن تؤسس لنظام تعليمي مقبول بمعايير الظروف الاقتصادية والأمنية التي كانت سائدة، ولكنها في المقابل كانت في حاجة إلى الالتزام بالمعايير الدولية للتعليم العالي.
بحلول نهاية العقد وبداية العقد الثاني، كانت منظومة القبول الجامعي في سورية قد انقسمت إلى عدة دويلات تعليمية، كل منها يعكس الواقع السياسي المعقد للبلاد. لقد ماتت فكرة “الاستيعاب الشامل” بمفهومها القديم، لأن الدولة التي كانت تضمنه لم تعد قادرة على ضمان أبسط مقوماته. كانت هذه السنوات هي المحك الحقيقي الذي كشف أن سياسة الاستيعاب، بكل إنجازاتها وإخفاقاتها، كانت رهينة باستقرار الدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. عندما انهارت الدولة، انهارت معها الآلة التي كانت تدار بها هذه السياسة لعقود. هذا الواقع القائم على عدة أنظمة تعليمية مشتتة برزت معه الحاجة إلى نظام تعليمي مرن وشفاف يتيح بناء جيل من الخريجين قادرين على بناء سورية الجديدة، خاصة أن الكوادر البشرية السورية تتميز بأعلى الكفاءة والتميز.
محاولات إصلاح
بعد أن بدأت خطوط النزاع تتجمّد نسبياً، أدرك النظام البائد أن إعادة إنتاج نظام القبول القديم بشكل أعمى ضرب من الانتحار الوطني. لقد ولّى زمن كان يمكن فيه للدولة أن تستوعب عشرات آلاف من الخريجين في وظائف حكومية شبه وهمية. كان الاقتصاد منهكاً، وميزانية الدولة هزيلة، والقطاع الخاص مشلولاً. في هذا المناخ، بدأت تظهر محاولات إصلاح جريئة، وإن كانت متعثرة، لإعادة هندسة سياسة الاستيعاب من جذورها، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، ولم تتمكن حكومة النظام من حل المعضلة المزمنة، فكانت محاولات النظام السابق تقوم على مجموعة إجراءات أفرغت سياسات القبول من مضمونها، وجعلت بعض الاختصاصات حلماً بعيد المنال لطلابٍ عديدين، خصوصاً الكليات الطبية وبعض الاختصاصات الهندسية.
أبرز هذه المحاولات إطلاق “نظام المفاضلة الموحد الإلكتروني” بشكل متطوّر. لم يكن هذا مجرّد تحول رقمي، بل كان محاولة لاستعادة مركزية قرار القبول، وإعادة فرض معايير موحدة على كامل المنطقة الخاضعة لسيطرة النظام. سمح النظام للطالب باختيار مجموعة من الرغبات عبر الإنترنت، معتمداً على معدله، ليتم توزيعه آلياً وفقاً للطاقة الاستيعابية للكليات، لكن النظام الجديد حمل في طياته فلسفة جديدة. فقد بدأت الوزارة تتحدث صراحة عن “ربط مخرجات التعليم العالي بسوق العمل” و”تشجيع التخصصات النادرة والملحة”. في الممارسة، بدأ التخلي التدريجي عن مبدأ “الاستيعاب المطلق”. فبدلاً من فتح مقاعد في كل التخصصات بغض النظر عن الحاجة، بدأت الوزارة بتقليص المقاعد في التخصصات “المشبعة” مثل الحقوق والإدارة، وزيادة المقاعد في التخصصات “المطلوبة” مثل التمريض والتقانات الحيوية والبرمجيات. ولكن كل تلك الحلول لم تجدِ نفعاً، فبقي العبء كبيراً في غياب رؤية استراتيجية شاملة، وباتت سياسات القبول عرضة للتجاذب والتناحر بين مختلف الفاعلين والمتحكمين في المشهد التعليمي.
تجميل التخلي عن “المجانيّة”
لتعويض النقص الهائل في التمويل، جرى التوسّع بشكل غير مسبوق في برامج “التعليم الموازي” (ذي الرسوم المرتفعة) و”التعليم المفتوح”. لقد مثل هذا التحول نقلة نوعية في العقد الاجتماعي للتعليم. فبينما كان التعليم المجاني حقاً مكتسباً في الماضي، أصبح الآن سلعة متاحة لمن يدفع. لقد اعترفت الدولة، بشكل غير مباشر، بأنها لم تعد قادرة على الوفاء بوعودها القديمة.
كانت النتيجة إيجاد نظام تعليمي طبقي داخل الجامعة الواحدة، فطلاب “التعليم العام” (المجاني) هم من يحصلون على أعلى المعدلات، بينما طلاب “الموازي” هم من يدفعون رسوماً باهظة لدخول الكلية نفسها بمعدلات أقل. لقد حلت “الرأسمالية” محل “الاشتراكية” في سياسة القبول، ما أدى إلى تفاقم الفجوة الاجتماعية التي كان النظام القديم يسعى، نظرياً، إلى تقليصها.
المشهد الحالي
مع بداية عام 2025، شهدت سورية تحولاً جذرياً في سياسة الاستيعاب الجامعي، حيث أطلقت وزارة التعليم العالي نظام المفاضلة الموحد الإلكتروني، في خطوة طموحة لإعادة توحيد المنظومة التعليمية. جاء هذا التحوّل في أعقاب عمليات التحرير التي شملت معظم المناطق السورية، ما أتاح فرصة تاريخية لإعادة إدماج الجامعات والمؤسّسات التعليمية التي كانت تعمل خارج إطار الدولة لسنوات طويلة.
تميز النظام الجديد بآلية عمل معقدة تعتمد على خوارزميات متطورة لتوزيع الطلاب على الكليات وفق معدلاتهم ورغباتهم، لكن هذه الآلية واجهت تحدّيات جسيمة في التعامل مع واقع تنوع الشهادات الثانوية وتفاوت قيمتها التعليمية بين المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة سنوات. فكيف يمكن معادلة شهادة طالب من إدلب مع شهادة طالب من دمشق؟ وهل يمكن اعتماد شهادات الجامعات التي عملت في المناطق المحرّرة حديثاً؟
لقد مثلت عملية الإدماج هذه اختباراً حقيقياً لمرونة النظام التعليمي وقدرته على استيعاب سنوات من التشرذم. فمن ناحية، كان لا بد من الاعتراف بالواقع التعليمي في تلك المناطق، ومن ناحية أخرى كان يجب الحفاظ على معايير الجودة والاعتمادية. وقد اتخذت الوزارة قراراً جريئاً بتشكيل لجان متخصصة لتقييم الوثائق الدراسية والخبرات التعليمية في المناطق المحرّرة، مع إعطاء فرصة للطلاب لتعويض الفاقد التعليمي عبر برامج مكثفة. حيث شكّل قرار إدماج جميع مفاضلات القبول في مفاضلة موحدة واحدة للعام 2025-2026 نقطة محورية في سياسة التعليم العالي السوري. يهدف هذا القرار إلى معالجة مشكلة ازدواجية القبول التي كانت تؤدي سابقاً إلى “تسرب المقاعد وعرقلة استقرار العملية الجامعية”. ويسعى النظام الجديد إلى ضمان حصول كل طالب على مقعد دراسي واحد فقط بناءً على تسلسل رغباته.
ساعد التحول الرقمي على تقليل الفساد والوساطات في عملية القبول، ما أعاد شيئاً من “العدالة الشكلية”. وفي المقابل، كشف عن فجوات رقمية واجتماعية جديدة. فالأسر التي لا تملك إنترنت مستقراً أو معرفة تقنية وجدت نفسها في وضع غير متكافئ. كما أن النظام، برغم دقته، لا يستطيع أن يقيس الرغبة الحقيقية أو الموهبة الكامنة؛ إنه يرى في الطالب مجرد رقم: معدل ونقاط. لكن في المقابل يقدم تحليل خيارات الطلاب في النظام الجديد صورة صادمة عن تشوهات سوق العمل. لا تزال الكليات الطبية والهندسية تحتل القمة، يليها الآن وبقوة تخصصات المعلوماتية والبرمجيات، انعكاساً لطلب سوق العمل المحلي والخارجي (الهجرة). في المقابل، تراجعت مكانة كليات الآداب والتربية والحقوق بشكل كبير، وأصبحت “خياراً” للطلاب ذوي المعدلات المتدنية، أو لأولئك الذين يبحثون عن “شهادة” فقط، بغض النظر عن قيمتها في السوق. هذا الانقسام بين تخصصات “نخبوية” وأخرى “شعبية” يخلق شرخاً اجتماعياً مبكّراً بين أبناء الجيل الواحد، ويُظهر فشل السياسة الاقتصادية في خلق فرص عمل لائقة لجميع القطاعات.
تحدّيات مستعصية… بين عدالة التوزيع وجودة المخرجات
رغم كل محاولات الإصلاح، لا تزال سياسة الاستيعاب الجامعي في سورية تقف على مفترق طرق، عاجزة عن حل معضلات أساسية تتعلق بجوهر عملها. ورغم الطموحات الكبيرة للنظام الجديد، يكشف التطبيق الفعلي عن نقاط قوة وتحدّيات متعدّدة:
• النقاط الإيجابية: يُحسب للنظام الجديد السعي نحو التحول الرقمي عبر التطبيق الإلكتروني، وهي خطوة أساسية لتسهيل الوصول والحد من الفساد الإداري. كما أن توسيع قاعدة المستفيدين بقبول الشهادات القديمة (2011 – 2024) يعد استجابة لحاجة ملحّة. وأخيراً، تظهر الاستجابة السريعة من خلال إصدار مفاضلة ملء الشواغر مباشرة بعد إعلان نتائج المفاضلة العامة لاستيعاب من لم يقبلوا.
• التحديات القائمة: لا تزال الطاقة الاستيعابية الضيقة مشكلة رئيسية، حيث تتكدس الشواغر في الاختصاصات الأقل طلباً، بينما تظل الكليات الطبية والهندسية مكتظة. كما أن تفاوت العدالة بين المحافظات قائم، إذ تعاني المناطق المتضرّرة بشدة ضعف البنية التحتية المدرسية، ما يقلل فرص طلابها في المنافسة العادلة. ويُلاحظ أيضاً ضعف التواصل الرسمي والإرشاد الجامعي، مما ينعكس في أخطاء الطلاب في أثناء تعبئة الرغبات وانتشار الشائعات.
• معضلة الكم مقابل النوعية: كيف تستوعب الجامعات أعداداً كبيرة تحقق مبدأ تكافؤ الفرص، من دون أن يؤدي ذلك إلى انخفاض جودة التعليم وازدحام القاعات الدراسية واستنزاف قدرات الأساتذة؟ لا توجد إجابة سهلة. فخفض الأعداد يعد تراجعاً عن مكتسبات اجتماعية، والاستمرار في الاستيعاب الواسع ينتج خرّيجين غير مؤهلين.
• الانفصال عن سوق العمل: لا يزال هناك فجوة هائلة بين ما تنتجه الجامعات وما يحتاج إليه الاقتصاد. يتم تخريج آلاف المحاسبين في وقت لا يوجد فيه سوى بضع مئات من الوظائف الشاغرة. هذا الفشل في التنسيق يجعل سياسة الاستيعاب عملية عشوائية، تزيد من أزمة البطالة بدلاً من العمل على حلها.
• العدالة الجغرافية المشوهة: رغم وجود “حصص محافظية”، تظل جودة التعليم المدرسي في الريف والمناطق النائية متدنية مقارنة بالمراكز الحضرية. هذا يعني أن طالب الريف يأتي إلى منافسة القبول الجامعي وهو يحمل عبئاً مزدوجاً: معدّلاً أقل وتعليماً أساسياً أضعف. ومن ثم، تخفي “العدالة الشكلية” في القبول “ظلماً جوهرياً” في التأسيس.
• إغراق القطاع العام: ما زال القطاع العام هو “المُشغل الاحتياطي” لخريجي الجامعات، ما يُنتج “بطالة مقنعة” منهجية ويستنزف ميزانية الدولة، لكن أي محاولة لإيقاف هذه الآلة تواجه بمقاومة اجتماعية وسياسية شرسة.
• تحدّي ما بعد التخرج: تخلو سياسة الاستيعاب الحالية من أي رؤية لما بعد التخرّج. لا توجد أنظمة فعّالة للتوجيه الوظيفي، أو برامج تدريبية جادة، أو ربط حقيقي بين الخريج وأصحاب العمل. إنها تشبه مصنعاً ينتج سلعاً ثم يلقي بها في المستودع من دون بيع.
نحو سياسة استيعاب ذكية للمستقبل
من الاستيعاب الشامل إلى الاستيعاب الذكي: يجب أن تقترن زيادة المقاعد الجامعية بدراسات جدوى دقيقة لحاجة سوق العمل على المديين المتوسط والبعيد. التوسع يجب أن يكون في التخصصات الاستراتيجية (كالتقنيات الطبية، الطاقات المتجددة، الذكاء الاصطناعي) وليس في التخصّصات المشبعة.
إعادة تعريف “الاستحقاق”: لا يمكن أن يبقى المعدّل هو المعيار الوحيد. يجب إدخال مقابلات شخصية، واختبارات قدرات نوعية، وتقييم للمهارات الشخصية كالعمل الجماعي والقيادة، خاصة في الكليات التي تتطلب مواهب محددة كالطب والهندسة والتربية.
ربط الجامعة بالمجتمع: يجب تحويل الجامعات إلى مراكز إشعاع تنموي. عبر إنشاء حاضنات أعمال لطلاب الهندسة والمعلوماتية، وعيادات قانونية مجانية يشرف عليها طلاب الحقوق، ومراكز استشارية يديرها طلاب الاقتصاد. هذا يربط التعليم بالواقع ويخلق فرصاً عملية في أثناء الدراسة.
الاستثمار في التعليم الأساسي: أي إصلاح حقيقي للتعليم العالي يبدأ من إصلاح التعليم المدرسي. لا معنى لتحسين آليات القبول إذا كان الطالب قادماً من مدرسة تفتقر إلى أبسط المقومات. تحقيق العدالة الحقيقية يبدأ من هناك.
الشراكة مع القطاع الخاص: يجب إشراك القطاع الخاص في تخطيط المناهج وتقديم منح للطلاب المتفوقين في التخصّصات المطلوبة، وتوفير فرص للتدريب العملي. هذا يضمن أن يكون الخرّيج جاهزاً للانخراط في سوق العمل من فور تخرّجه.
قصة دولة تتغيّر
يمكن القول إن قصة سياسة الاستيعاب الجامعي في سورية هي قصة دولة تسعى للعدالة فتُقعِدها بيروقراطيتها، وتنشد التنمية فتعيقها أزماتها. من قمة طموحاتها في السبعينيات إلى حافة الهاوية في العقد الماضي، تعلّمت سورية درساً قاسياً: أن العدالة في التعليم لا تعني فقط فتح الأبواب على مصراعيها، بل تعني أيضاً بناء مسارات واضحة تؤدي من داخل تلك الأبواب إلى مستقبل مشرق. التحدّي اليوم ليس في ملء المقاعد الجامعية، بل في ملء المستقبل بالفرص. والنجاح لن يُقاس بعدد الخريجين، بل بقدرة هؤلاء الخرّيجين على البناء والابتكار، ليس لأنفسهم فقط، بل لسورية الجديدة التي تتطلع إلى أبنائها ليرفعوها من بين الأنقاض.
العربي الجديد
—————————————–
استرداد الأموال المنهوبة.. كيف تواجه سوريا إرث الفساد العميق بعد سقوط النظام؟/ عاصم الزعبي
ديسمبر 23, 2025
بعد عام على سقوط نظام وُصف بأنه من الأكثر فساداً في تاريخها الحديث، تجد سوريا نفسها اليوم على مفترق طرق، تتجسد رمزيته في مشاركتها بمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المنعقد في الدوحة. هذه المشاركة تتجاوز كونها إجراءً بروتوكولياً، لتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة السورية وقدرتها على طي صفحة الماضي.
فالدولة التي صُنّفت ضمن أكثر عشر دول فساداً عالمياً في عام 2024، والتي ارتبط نظامها المخلوع بملفات القمع والتهريب وتجارة “الكبتاغون”، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً لمدى جديتها في تفعيل اتفاقية وقّعت عليها قبل سنوات. فهل ستكون هذه العودة إلى طاولة النقاش الدولي حول استرداد الأموال المنهوبة مدخلاً فعلياً لتفكيك بُنى الفساد المتجذرة، أم ستقتصر على خطاب سياسي لا يلامس الشبكات التي راكمت ثروات طائلة على حساب مقدرات الشعب السوري؟
في هذا الإطار، تكتسب مبادرة استرداد الأموال المنهوبة “ستار”، التي يشرف عليها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والبنك الدولي، بعداً سياسياً يتجاوز طابعها التقني. فالفصل الخامس من اتفاقية مكافحة الفساد، الذي يمثل الركيزة القانونية للمبادرة، لا يقتصر على آليات تتبع الأصول وتجميدها، بل يضع إطاراً لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمال العام، وبين المواطن وسيادة القانون، في بلد حوّل فيه النظام السابق الفساد إلى أداة حكم ممنهجة.
قبل أيام شاركت سوريا في أعمال الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، في العاصمة القطرية “الدوحة”، مثلها رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، ووفد مرافق له.
ويوم الأحد الفائت، عقد وفد الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش برئاسة عامر العلي، على هامش مشاركته في مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد “COSP11″، سلسلة لقاءات ثنائية مع ممثلي عدد من الدول الشقيقة والصديقة، من بينها روسيا وتركيا والعراق ولبنان، جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون في مجال استرداد الأصول وتبادل الخبرات والتجارب في مكافحة الفساد، بما يسهم في تطوير القدرات المؤسسية وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية.
المشاركة السورية تأتي بعد عام على سقوط النظام المخلوع، بشار الأسد، الذي كان قد أغرق سوريا بالفساد نتيجة السياسات التي اتبعها سواء في المؤسسات الحكومية أو في المجال الاقتصادي، ما جعل سوريا تصنف على أنها من بين الدول العشر الأكثر فسادا في العالم في عام 2024. أيضا، تم اختيار بشار الأسد على أنه أكثر الأشخاص فسادا في عام 2024 من قبل منظمة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، خاصة خلال الأحداث المرتبطة بالثورة السورية، من بينها الجرائم المرتكبة بحق السوريين، إضافة إلى عمليات إنتاج وتجارة “الكبتاغون”.
ما هي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد؟
الاتفاقية هي وثيقة قانونية ملزمة أقرتها الأمم المتحدة في عام 2003، وتضم نحو 187 دولة، وتتكون من أربعة أجزاء أساسية: الجزء الأول هو “الوقاية”، ويعني كل التشريعات والإجراءات التي يجب على كل دولة العمل عليها لإرساء الشفافية والرقابة والضوابط بشكل يصعب على الفاسدين ممارسة عمليات الفساد.
أما الجزء الثاني، هو “التجريم وإنفاذ القانون”، ويعني تحديد أهم جرائم الفساد من رشوة واختلاس وصرف النفوذ واستغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع وغيرها من الجرائم، وضرورة تحديد عقوبات رادعة لها، وإيجاد الآليات التي تساعد على ملاحقة مرتكبيها أمام القضاء بشكل فعال دون عقبات مثل الحصانات والسرية المصرفية وغيرها.
والجزء الثالث هو “التعاون الدولي”، ويتضمن عدة أحكام توفر تسهيلات وطرقا واضحة تمكن كل دولة من طلب المساعدة القانونية والقضائية من دول أخرى إذا احتاجت، وتمكن الدول الأطراف في الاتفاقية من العمل سويا على قضايا فساد مشتركة.
في حين أن الجزء الرابع مخصص لموضوع “استرداد الموجودات”، ويتضمن كل الوسائل التي يمكن من خلالها للدولة تعقب الأموال والأملاك التي حصل عليها الفاسدون وحجزها وتجميدها ومصادرتها واستعادتها.
بناء على الجزء الرابع من الاتفاقية، جاءت مبادرة استرداد الأموال المنهوبة “ستار” لاحقا، بالشراكة بين الأمم المتحدة والبنك الدولي، لتتويج العمل ضد قضايا الفساد في عام 2007، وترتبط بمكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات.
وتستند المبادرة في عملها إلى الفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، الذي يحدد الهدف والتدابير والترتيبات لاسترداد الأموال المسروقة، كما تعمل المبادرة مع البلدان النامية والمراكز المالية لتعزيز جهود استرداد الأموال من خلال تحسين الإطار القانوني لاسترداد الأموال وتوفير التدريب والتوجيه والمساعدة العملية.
الفساد يقوض الحكم الرشيد
هناك فرق كبير بين مفهومي الحكم والحكم الرشيد، فالأول يشمل كل عمليات الحكم المرتبطة بكافة المؤسسات والعمليات التي يتم من خلالها اتخاذ القرارات المهمة، في حين أن الحكم الرشيد يضيف صفات معيارية لمفهوم الحكم تشمل الاحترام لحقوق الإنسان وسيادة القانون والمشاركة الفعالة والشراكات للجهات الفاعلة والتعددية السياسية والشفافية والمساءلة، أي كل ما يرتبط بالعمليات والنتائج السياسية والمؤسسية الضرورية لتحقيق أهداف التنمية.
الحكم الرشيد يتمتع بخصائص حددها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وهي: الشفافية، والمسؤولية، والمساءلة، والمشاركة، والاستجابة لاحتياجات الناس.
لا يمكن بأي حال في ظل وجود فساد في الدولة، خاصة إذا ارتبط بالنظام السياسي، أن ينجح أي حكم وفق مفهوم الحكم الرشيد، فالفساد السياسي يرتبط بعدة نقاط في العادة، أبرزها وجود نظام متطرف سياسيا يعمل بالاعتماد على قمع من يعارضه مستخدما في سبيل تحقيق ذلك الأجهزة الأمنية، كما جرى في سوريا خلال حقبة الأسد.
مؤخرا، كشفت جهات رقابية سورية عن عمليات انتهاك كبيرة تعرض لها القطاع الحكومي في سوريا خلال عهد النظام المخلوع على يد مسؤولين كبار من النظام، وقدرت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الخسائر التي لحقت بالقطاع العام على خلفيات فساد حكومي بحوالي 500 مليون دولار، شملت عدة قطاعات بينها الطاقة والثروة المعدنية والخدمات.
الخسائر التي لحقت بالقطاع الحكومي لم تكن طارئة أو مرتبطة بسنوات الثورة السورية وما رافقها من فوضى مؤسساتية عمل نظام الأسد وكبار مسؤوليه المدنيين والأمنيين على ترسيخها من أجل جمع ما أمكن من ثروات، إنما هو نهج قديم مستمر منذ عدة عقود.
الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، خلال حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أكد أن الفساد كقضية سياسية يؤدي مع الزمن إلى تقويض الحكم الرشيد ويؤثر عليه سلبا، لأنه سينعكس بالدرجة الأولى على الثقة بالدولة، وعلى التزام المواطنين بالقوانين والأنظمة في البلاد، والتهرب من الواجبات المترتبة عليهم كدفع المستحقات المالية للدولة.
وأضاف قضيماتي أنه لا بد من استهداف الشخصيات الفاسدة وعدم تركها تعمل ضمن الدولة، فهذا يبعد البقية حتى من أصحاب التخصص المستحقين عن العمل، ما سيؤدي إلى تهميش للطبقة الفقيرة والمتوسطة، وسيتم احتكار الوضع الاقتصادي الجيد بين فئة محدودة.
الفساد وعدم المساواة
العديد من الدراسات المتعلقة بالفساد واعتماده كسياسة في إدارة الدولة أثبتت أن آثار الفساد لا تقتصر فقط على المجتمع النامي “الفقير والمتوسط”، بل تمتد إلى كل طبقات المجتمع.
لكن في المجتمع الفقير والمتوسط فإن آثار الفساد تكون أكبر وأوسع، بسبب غياب البناء المؤسساتي الحقيقي وغياب الديمقراطية والمشاركة الديمقراطية، وهو ما يولد شعورا بعدم المساواة، الأمر الذي يهدد استقرار المجتمع.
أدهم قضيماتي بيّن أنه فيما يتعلق بالمساواة المجتمعية فإن الفساد سيعزز الفقر ويرفع نسبته إلى مستويات عالية، وستكون هناك طبقات اجتماعية مختلفة وتشوهات اجتماعية ستنعكس على تصرفات البعض وانتشار المخالفات القانونية والجرائم والسرقات.
أيضا، بحسب قضيماتي، فإن هناك ناحية في الفساد تتعلق بالتعليم والصحة، حيث ستكون الخدمات فيها بجودة ممتازة لمن يتحكمون بالقرار والاقتصاد، ومتدنية بالنسبة للبقية، وهذا ما سيعزز أيضا الشعور بعدم المساواة، وسيزيد من الشرخ في المجتمع.
مفهوم الفساد
ليس هناك أي مفهوم محدد من قبل أي جهة للفساد، إلا أن هناك العديد من التعريفات والآراء التي تجتمع على معنى أو معان متقاربة حول هذا المصطلح، تتركز حول إساءة استعمال السلطة من قبل المسؤولين في الدولة من أجل المصلحة الخاصة والكسب خارج نطاق القانون.
هناك عدة أقسام للفساد اعتمد خبراء الإدارة والقانون الإداري عليها كتصنيفات للتمييز بين بعض الأمور، وأبرزها: الفساد السياسي، ويرتبط بكل أنواع الخروقات والانتهاكات المالية ومخالفة القوانين التي تنظم عمل المؤسسات السياسية في الدولة، وتختلف نسبة الفساد عادة بين الدول التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية وتلك التي تحكمها أنظمة ديمقراطية.
الفساد الإداري، وهو الأوسع عادة في الدولة، وخاصة دول الشرق الأوسط، إذ يرتبط بالانتهاكات والخروقات التي تقع في معرض أداء الوظائف في المؤسسات الحكومية بمختلف أنواعها، وخاصة التي تقدم خدمة للمواطنين، حيث تصبح الخدمة مقابل بدل مادي أو عيني، ويصدر هذا النوع من الفساد عن الموظفين الحكوميين، وللفساد الإداري عدة أشكال إضافة إلى الرشوة، منها الإهمال في العمل “الدوام”، وعدم الالتزام بالمهمات الممنوحة للموظفين.
أنواع الفساد بمجملها تؤدي إلى نتائج كارثية على الدولة والمجتمع، أبرزها وأخطرها فقدان الثقة لدى المواطن بدولته ومؤسساتها، وفقدان هيبة القانون الذي يرى المواطن أنه يمكن تعطيله من قبل المسؤولين في أي وقت، في حين أنه يكون سلاحا مسلطا على المواطن العادي، واتساع الفجوة بين المواطنين، والسعي للقضاء على الطبقة الوسطى لتحل محلها طبقة المسؤولين وأصحاب الأموال وطبقة الفقراء، وهو ما يولد مع الزمن تنامي العدائية تجاه الأنظمة الحاكمة. لكن مكافحة الفساد من قبل أي سلطة هو الأساس المتين لبناء الدولة، فهو يؤسس لاستقرار اقتصادي من جهة، وشرعية سياسية من جهة أخرى، قائمة على العدالة والشفافية والمساءلة وتحويل الدولة إلى دولة مواطنة.
الثورة السورية
———————————–
حاكم مصرف سوريا: نقوم بخطوات لرفع قيود السحب والبنك الدولي يدعمنا
عبد القادر الحصرية لـ “اندبندنت عربية”: إلغاء “قانون قيصر” أشبه بمعجزة ودمشق نمر الشرق الأوسط المقبل
هيام علي صحافية
الثلاثاء 23 ديسمبر 2025
يقول حاكم مصرف سوريا إن أهم ما يواجه القطاع المصرفي السوري هو الانكشافات على لبنان والقروض المتعثرة وضعف شبكة المراسلة إضافة إلى محدودية الثقة، وهذه الأمور تحديات لا عقبات، وقد بدأنا العمل بخطوات ثابتة وواثقة على تنفيذ إصلاحات وتنظيمات ضمن خطة متكاملة لإعادة تأهيل القطاع المصرفي
يبدو القطاع المصرفي والمالي في سوريا مقبلاً على مرحلة من الانفتاح والانتعاش، والانطلاق في تعاملاته من حيز داخلي معاقب ومقيد ومكبل بـ “قانون قيصر” إلى فضاء واسع يتيح له فرص التطور والاندماج في النشاط المصرفي العالمي.
وعبّر حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية عن نظرة إيجابية لتطور القطاع المصرفي والمالي في سوريا، واصفاً قرب إلغاء “قانون قيصر” بالمعجزة التي تحققت، ومؤكداً رأيه الذي يردده دائماً “أن سوريا هي نمر الشرق الأوسط المقبل”.
وفي حديث خاص إلى “اندبندنت عربية” قال حاكم مصرف سوريا المركزي إن “التعافي المصرفي السوري يسير وفق برنامج منظم، يقوم على تثبيت الاستقرار النقدي وتعزيز الرقابة وتقييم الملاءة وتطوير بنى الدفع، وقد بدأت نتائج ما قمنا به تظهر في استقرار نسبي وتحسن في الثقة بنظامنا المالي وفي المصرف المركزي”.
وتحدث الحصرية عن تحقيق مؤشرات نجاح مهمة في ما يتعلق باندماج سوريا في النظام المالي العالمي من خلال خطوات تقنية أولية، مثل استئناف رسائل “سويفت”، إذ جرى إرسال الرسالة الأولى عبر الشبكة مما يعد إشارة تقنية مهمة لبداية استعادة قنوات الاتصالات المالية، قائلاً إنه “جرى استئناف رسائل سويفت فعلياً”، لكنه أوضح أن ذلك لا يعني عودة فورية وكاملة للتحويلات عبر جميع المصارف، فهذه العملية تدرجية وستحتاج وقتاً، مؤكداً أن الاندماج الكامل يتطلب شبكة مراسلة أوسع وامتثالاً كاملاً لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يجري العمل عليه ضمن رؤية تهدف إلى دمج القطاع المصرفي السوري في النظام المالي العالمي.
دعم فني دولي لإستراتيجية “المركزي السوري”
وأعلن مصرف سوريا المركزي إستراتيجية عمله للأعوام المقبلة والتي ترتكز على خمسة محاور، بحسب الحصرية، هي السياسة النقدية والاستقرار السعري، ونظام مدفوعات رقمي آمن ومتكامل، ونظام مصرفي سليم، وسوق صرف متوازنة وشفافة، إضافة إلى التكامل المالي الدولي والشمول المالي المستدام.
وتهدف الإستراتيجية إلى تحقيق 18 هدفاً وتستند إلى خمسة ممكنات، تتضمن نحو 65 مشروعاً للوصول إلى مصرف يعمل وفق المعايير الدولية، وستنفذ الخطة خلال الفترة بين عامي 2026 و 2030، بمشاركة شركاء فنيين مثل “صندوق النقد الدولي” و”صندوق النقد العربي” و”تورنتو سنتر” و”إكسبرتيز دو فرانس”.
وعن الخطوات التي أنجزت للنهوض بالقطاع المصرفي السوري العام والخاص قال الحصرية “أجرينا للمرة الأولى اختبارات جهد لقطاعنا المصرفي بهدف تحديد الثغرات والعمل على معالجتها، ونعمل على تحديث تعليمات السيولة والملاءة، ونقوم بخطوات لرفع قيود السحب والبدء بإعادة الربط المالي الدولي”، مشيراً إلى أن “أهم ما يواجه القطاع المصرفي السوري هو الانكشافات على لبنان والقروض المتعثرة وضعف شبكة المراسلة، إضافة إلى محدودية الثقة”، وقال “نرى هذه القضايا تحديات لا عقبات، وقد بدأنا العمل بخطوات ثابتة وواثقة على تنفيذ إصلاحات وتنظيمات ضمن خطة متكاملة لإعادة تأهيل القطاع المصرفي”.
وحول الخطط التي يعتمدها المصرف المركزي لتطوير أدوات السياسة النقدية وضبط التضخم، أكد الحصرية أنها الثقة في استخدام أسعار الفائدة بصورة مدروسة، ومن خلال عمليات السوق المفتوحة وتوفير متطلبات الاحتياط ووقف تمويل العجز بطباعة النقود.
التمويل البديل عوضاً عن القروض التقليدية
وكان “صندوق النقد الدولي” قد أصدر تقريراً أشار فيه إلى مؤشرات إيجابية تُظهر تعافي الاقتصاد السوري، وهو ما اعتبره الحصرية بالغ الأهمية، وبحسب رأيه فإن أي تقرير أو بعثة تقنية من الصندوق من شأنها إعطاء إشارات مهمة للأسواق ومجتمع المانحين، مما يعني أن ملاحظاته حول خطوات إيجابية قامت بها سوريا يمكن أن تمنح زخماً سياسيا وتقنياً للتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية، وتسهل جذب دعم فني ومالي مشروط، موضحاً أن التعاون يستند إلى التزامات الإصلاح والشفافية، ومعتبراً ذلك “بداية مفيدة للاقتصاد السوري”.
وعن التعاون مع البنك الدولي قال الوزير المصرفي السوري إن الحديث يدور أساساً حول تعاون فني يمكن أن يفيد في بناء القدرات التنظيمية وتحديث أنظمة الدفع وإصلاح أطر الحوكمة، مضيفاً أن الدعم الفني يسهم في تصميم برامج إعادة هيكلة البنوك وأنظمة رقابية وإستراتيجيات استرداد الأصول، وأن مثل هذا التعاون مفيد للمصرف المركزي والاقتصاد الكلي، خصوصاً إذا رافقه التزام سياسي وإصلاحات هيكلية.
وفي ما يتعلق بإعادة الإعمار من دون قروض خارجية قال الحصرية إن “مقاربة الحكومة تقوم على تقليل الاعتماد على القروض الخارجية، وهو أمر ممكن عبر مزيج من المدخرات الداخلية وتحويلات المغتربين، والشراكات الإستراتيجية مع دول ومؤسسات إقليمية، إضافة إلى استثمارات سيادية”، مضيفاً أن “التقديرات الدولية لحاجات الإعمار ضخمة، وأن الاعتماد الكامل على المصادر المحلية وحدها ينطوي على تحديات من دون مشاركة خارجية أو شراكات طويلة الأمد، ولذلك فبدلاً من القروض التقليدية يمكن السعي إلى أدوات تمويل بديلة مثل الشراكات الاستثمارية والضمانات والودائع السيادية والمنح التنموية”، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب بيئة استثمارية واضحة ومستوى من الانفتاح والضمانات للمستثمرين.
تبديل العملة وتخفيف عبء الأصفار عن الأسعار
وعن طباعة عملة جديدة وحذف الأصفار منها، أكد حاكم المصرف المركزي أن القرار درس بعناية ويجري العمل على توفير المتطلبات الفنية واللوجستية، وضبط القاعدة النقدية لتجنب الآثار التضخمية، لافتاً إلى أن العمل يجري بشفافية ومهنية، وقال “باعتبارنا مؤسسة مسؤولة فسنعلن قريباً موعد الإصدار والفئات ومدة الاستبدال وشروطه”.
وأوضح الحصرية أن “لتبديل العملة رسائل مهمة، فعلى المستوى السياسي يعد تعبيراً عن استعادة السيادة، وعلى المستوى النقدي يسهم في تنظيم أفضل للوحدة النقدية، أما اقتصادياً فيشكل إشارة استقرار وجذب للاستثمار، فيما تنعكس آثاره اجتماعياً من خلال تخفيف عبء الأصفار عن الأسعار وتسهيل التعاملات”، قائلاً “العودة إلى حمل الجزدان بدل الصندوق”، بحسب تعبيره.
التخلص من التركة القديمة
ويعاني القطاع المصرفي السوري تركة قديمة وثقيلة خلقت مشكلات عميقة في العمل المصرفي والمالي والنقدي، وفي هذا السياق قال الحصرية إن العمل جار للتخلص من هذه التركة، وقد بدأت إجراءات تقييم وتنظيم للتعامل مع القروض المتعثرة والأصول غير المنتجة، مشيراً إلى أن هذه العملية ستستغرق وقتاً لأنها تتطلب موارد وقرارات قضائية وتنفيذية لضمان تحميل المسؤولين تبعات الخسائر حيثما أمكن، موضحاً أنه جرى البدء بالمعالجة مع القطاع الخاص وتحقيق نتائج مهمة، فيما يبقى التحدي الأكبر في القطاع العام بسبب تراكمات أعوام طويلة.
وفي ما يتعلق بتركة “قانون قيصر” أكد الحصرية أن ما حدث يمكن اعتباره أشبه بالمعجزة، مضيفاً أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على نجاح إلغائه لتحقيق المعجزة الحقيقية في الاقتصاد السوري، إذ سيكون القطاع المالي المستفيد الأول من رفع العقوبات، لافتاً إلى أنه لا توجد شروط مباشرة لإلغاء القانون بل متطلبات امتثال وشفافية تسهل دخول المستثمرين.
تحديث قانون المصارف
منذ التحول نحو اقتصاد السوق ظهرت دعوات عديدة تطالب بتعديل القانون رقم (28) المنظم لتأسيس المصارف في سوريا منذ عام 2001، ولا سيما مع اهتمام بنوك عدة بدخول السوق السورية، وفي هذا السياق قال الحصرية إن قانون المصارف المعمول به مطروح للتعديل، خصوصاً في ما يتعلق بتحديث متطلبات رأس المال والحوكمة والشفافية، مؤكداً أن أي تشريع يجب أن يراجع دورياً كل ستة أشهر، كاشفاً عن وجود عدد كبير من المصارف العربية والأجنبية المهتمة بدخول السوق السورية، سواء كانت مصارف إسلامية أو تقليدية أو استثمارية، متوقعاً أن يصل عدد المصارف إلى ما بين 30 و35 مصرفاً بحلول عام 2030.
وعن احتمال حدوث اندماجات مصرفية قال الحصرية إن الاندماجات والاستحواذات أدوات متاحة عادة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وقد تكون مطروحة في سوريا كحلول لدمج بنوك ضعيفة مع مؤسسات أقوى.
سوريا نمر الشرق الأوسط المقبل
وحول دور مجلس النقد والتسليف واستقلالية المصرف المركزي، أوضح الحصرية أن المجلس يلعب دوراً محورياً في تنسيق السياسات النقدية والائتمانية مع الجهات الحكومية، في حين يتعلق استقلال المصرف المركزي بصياغة وتنفيذ سياسات نقدية مستقرة، مع الحفاظ على التنسيق الضروري مع السياسات المالية للحكومة.
وفي رسالة إلى المستثمرين السوريين والعرب والأجانب جدد الحصرية قناعته بأن سوريا نمر الشرق الأوسط المقبل، مؤكداً أن الفرص متاحة لمن يلتزم الشفافية والمعايير الدولية، ومشدداً على أن المصرف المركزي سيواصل العمل على تعزيز الثقة وترسيخها.
“اندبندنت عربية”
———————————-
حملات التبرُّع وإعادة تعريف المواطنة في سوريا الجديدة/ فاطمة عبود
2025.12.23
في سياق المعاناة الممتدة التي أفرزتها سنوات الحرب في سوريا، ومع تعثُّر إطلاق مسار متكامل لإعادة الإعمار، انطلقت حملات التبرع الأهلية والمجتمعية في عدد من المحافظات السورية تحت تسميات تستحضر الانتماء المحلي والهوية المكانية، مثل “حلب ست الكل”، و”فداء لحماة”، و”الوفاء لإدلب”.
إذ تعدُّ هذه الحملات تعبيراً بنيوياً عن حيوية المجتمع وقدرته على المبادرة، وسعياً للمشاركة في إعادة بناء الحاضر وصياغة ملامح المستقبل. فهي تكشف عن أبعاد تتجاوز الإطار الاقتصادي المباشر، وتنطوي على دلالات اجتماعية عميقة تتصل بإعادة إنتاج التضامن المجتمعي، وترميم شبكات الثقة، وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الجماعية. كما تعكس، من زاوية أخرى تحوُّلاً في أنماط العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، إذ أصبح الفرد، من خلالها، فاعلاً مشاركاً في سدِّ الفجوات التنموية والمساهمة في إدارة الشأن العام، ولو على نحو غير مباشر. لذلك يمكن اعتبار حملات التبرع المجتمعية في سوريا ظاهرة مركَّبة تحمل في طياتها مؤشرات على تحولات اجتماعية واقتصادية تعيد تعريف مفهوم المواطنة الفاعلة في مرحلة بناء سوريا الجديدة.
لا تقتصر دلالات هذه الحملات على إبراز الإمكانات الاقتصادية الكامنة لدى السوريين في الداخل والخارج، سواء من رجال الأعمال أو من عموم المواطنين، بل تكشف في الوقت ذاته عن عمق الارتباط الوجداني بالمدن والمناطق التي طالها الدمار، فقد عكست المشاركة الواسعة مستوىً لافتاً من التعبئة المجتمعية غير المسبوقة. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة هذه المبادرات بوصفها تعبيراً عن مفهوم ردِّ الجميل تجاه المدن التي تحمَّلت النصيب الأكبر من الخسائر والدمار خلال سنوات الحرب في سوريا. وتتجلَّى القيمة الجوهرية لهذه الحملات في قدرتها على تعزيز منظومات التكافل الاجتماعي، فقد أسهمت هذه المبادرات في إعادة إحياء أنماط التضامن الأهلي التقليدية أو ما يمكن تسميته بـ”الفزعة” بوصفها آليات مجتمعية لمواجهة الأزمات، حيث منحت الأفراد شعوراً متنامياً بالانتماء والمسؤولية الجماعية إزاء مسار إعادة الإعمار.
يتميَّز هذا النهج التشاركي بقدرته على مواءمة التدخلات التنموية مع الاحتياجات الفعلية للسكان المحليين، بما يضمن توجيه الموارد نحو قطاعات حيوية تمسُّ الحياة اليومية، مثل ترميم المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية، وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية كشبكات المياه والكهرباء. وبذلك، تكتسب هذه الحملات بعداً تنموياً يتجاوز البعد الإغاثي الآني، ليغدو جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة والمجتمع معاً. علاوة على ذلك، تسهم هذه الحملات في بناء جسور من الثقة بين أفراد المجتمع أنفسهم، وبين المجتمع والسلطات المحلية أو المنظمات القائمة على التنفيذ، فعندما يرى الناس ثمرة تبرعاتهم تتحقَّق على أرض الواقع، يتعزَّز لديهم الشعور بالقدرة على الفعل والتغيير، ممَّا يسهم في شفاء الجراح النفسية والاجتماعية التي خلَّفتها الحرب.
وعلى المستوى الاقتصادي، تكتسب حملات التبرع طابعاً إسعافياً، إذ تسهم هذه المبادرات في تعويض النقص الناتج عن تراجع أداء الخدمات العامة، من خلال توفير مصادر تمويل سريعة لمشروعات خدمية ملحَّة لا تحتمل التأجيل، ما ينعكس إيجاباً على تحسين نوعية الحياة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، وتعزيز إنتاجية رأس المال البشري على المدى المتوسط والبعيد. إلى جانب ذلك، تؤدِّي هذه الحملات دوراً محفِّزاً للنشاط الاقتصادي المحلي، عبر دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، فضلاً عن توفير فرص عمل مؤقَّتة تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية التي تشكِّل رافعة اقتصادية جزئية تسهم في تعزيز الصمود المجتمعي ودعم التعافي التدريجي.
وعلى الرغم من المردود الإيجابي الواسع لهذه الحملات، فإنَّها تطرح إشكاليات بنيوية مهمة، فهذه المبادرات، بحكم طبيعتها الطوعية والظرفية، تمثِّل حلولاً انتقالية لا يمكن التعويل عليها في تمويل مشاريع بنية تحتية كبرى تتطلَّب تخطيطاً طويل الأمد، وموارد مالية مستقرة، وآليات تنفيذ مؤسسية، وهي مهام تندرج تقليدياً ضمن مسؤوليات الدولة المعتمدة على الضرائب والإيرادات العامة. إلى جانب ذلك، يبرز تحدٍّ يتعلَّق بـ”العدالة الجغرافية” في توزيع الموارد، حيث إنَّ التفاوت في القدرة على التعبئة المجتمعية والحشد المالي بين المحافظات قد يفضي إلى تكريس اختلالات تنموية، فالمناطق التي تمتلك شبكات اجتماعية واقتصادية أوسع، أو خبرات تنظيمية أفضل، قد تستفيد من حجم أكبر من التبرعات، في حين تبقى مناطق أخرى أقل قدرة على التنظيم أو أقل حضوراً في الفضاء العام محرومة نسبياً من هذه الموارد. ويثير هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول آليات التنسيق والحوكمة المطلوبة لضمان توجيه الجهود المجتمعية بما يحقِّق قدراً أعلى من التوازن والإنصاف، ويحول دون تحوُّل المبادرات الأهلية، من دون قصد، إلى عامل إضافي في تعميق الفجوات التنموية بين المناطق.
في المحصلة، تتجاوز حملات التبرع في سوريا كونها وسائل لجمع الموارد المالية، لتغدو ظاهرة اجتماعية واقتصادية دالَّة على تحوُّل عميق في وعي المجتمع ودوره في لحظة تاريخية مفصلية. فهي تعبير عن صمود جماعي يحوِّل التضامن من قيمة أخلاقية إلى ممارسة عملية ذات أثر ملموس. وتكشف هذه المبادرات أنَّ إعادة الإعمار مسار إنساني ومجتمعي قبل أن يكون مشروعاً عمرانياً، يقوم على إعادة بناء الثقة وتعزيز المسؤولية المشتركة، إذ تكمن أهميتها في ما تؤسِّسه من نموذج تشاركي يعيد تعريف المواطنة باعتبارها ممارسة فاعلة، ويمنح المجتمع موقعاً مركزياً في صياغة مسارات التعافي والتنمية. فهي دليل حقيقي على أنَّ مستقبل سوريا يصاغ من داخل مجتمعها، وبإرادة أبنائها، وقدرتهم على تحويل التكافل إلى قوة بنيوية، والأمل إلى أفق قابل للتحقُّق.
تلفزيون سوريا
—————————–
بين الليرة السورية والتركية: إدلب أمام اختبار العملة/ إدلب – أحمد العقلة
الثلاثاء 2025/12/23
يعود ملف العملة السورية إلى واجهة الجدل الاقتصادي في سوريا، مع صدور تعميم رسمي من محافظة إدلب يلزم جميع المؤسسات الحكومية والخاصة بالتعامل حصرياً بالليرة السورية، بعد سنوات من هيمنة الليرة التركية على الأسواق في شمال غرب البلاد.
ويأتي القرار في لحظة سياسية واقتصادية حساسة، تترافق مع حديث رسمي عن إصدار عملة سورية جديدة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يشكل هذا الإجراء خطوة فعلية نحو توحيد العملة الوطنية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي؟ أم أنه يحمل مخاطر إضافية قد تفاقم الأعباء المعيشية على السكان في المدى القصير؟
التعامل حصرياً بالليرة السورية
أصدرت محافظة إدلب تعميماً رسمياً يلزم جميع المديريات والمؤسسات الحكومية والخاصة، بما فيها المعامل والأفران والمصارف ومكاتب الصرافة ومجالس الوحدات الإدارية، بالتعامل حصرياً بالليرة السورية في كافة المعاملات المالية.
ويمتد القرار إلى محطات الوقود والأفران، بهدف تسهيل الوضع المعيشي للمواطنين، كما يفرض على مكاتب الصرافة عرض أسعار صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية بشكل واضح.
يأتي هذا التعميم في ظل استعدادات وطنية لإصدار عملة سورية جديدة خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار سيطرة الليرة التركية على التعاملات في شمال غرب سوريا منذ 2020، بعد حظر سابق لليرة السورية، ثم عودتها المحدودة عقب التغييرات السياسية الأخيرة عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024.
وقد أكد مصدر مسؤول في وزارة الاقتصاد السورية في تصريح خاص لـ”المدن” أن قرار إلزام محافظة إدلب بالتعامل حصرياً بالليرة السورية، الصادر يوم 15 كانون الأول 2025، يمثل خطوة حاسمة نحو توحيد العملة الوطنية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد.
ووفقاً للمصدر، يأتي هذا التعميم في سياق الاستعدادات الوطنية لإصدار عملة سورية جديدة خلال الأشهر المقبلة، بعد سنوات من سيطرة الليرة التركية على التعاملات في شمال غرب سوريا منذ 2020، والتي أدت إلى تشوهات اقتصادية ومعيشية للسكان.
وأوضح المصدر أن القرار يشمل جميع المديريات الحكومية والخاصة، بهدف تسهيل الحياة اليومية للمواطنين وتوحيد الأسعار والمعاملات. “هذا الإجراء ليس مجرد إلزام إداري، بل هو جزء من استراتيجية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري الموحد، بعد التغييرات السياسية الإيجابية عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. إنه يمهد الطريق لتوحيد العملة الوطنية، مما سيقلل من التضخم، يعزز الثقة في الاقتصاد، ويحفز الاستثمارات المحلية والدولية”.
توحيد العملة مفتاحاً لإعادة إعمار
وبشأن احتمال مواجهة مقاومة شعبية أو اقتصادية، أشار المصدر إلى أن أي تحديات محتملة ستكون مؤقتة، ناتجة عن عادات التعامل السابقة بالليرة التركية، لكن الحكومة ملتزمة بتوفير آليات دعم انتقالية، مثل تسهيل صرف العملات الأجنبية بشفافية وتقديم حوافز للتجار والمؤسسات. “المواطنون في إدلب، كغيرهم في سوريا، يتوقون إلى استقرار اقتصادي حقيقي، وهذا القرار يخدم مصالحهم المباشرة من خلال خفض التكاليف وتعزيز السيادة الاقتصادية.
وتابع “نحن نتابع التأثيرات على الأسواق المحلية عن كثب، ونتوقع انخفاضاً تدريجياً في الأسعار مع انتشار الليرة السورية”.
وختم المصدر بالقول إن توحيد العملة سيكون مفتاحاً لإعادة إعمار سوريا، مع التركيز على الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد الجديد، مشدداً على أن هذه الخطوة تعكس التزام الحكومة بمستقبل مزدهر لجميع السوريين.
فوضى تعدد العملات
ووفقاً لخبراء اقتصاديين، فإن القرار يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتوحيد العملة الوطنية، وسط ترقب لتأثيراته على الأسواق المحلية والحياة اليومية للسكان.
وفي حديث لـ”المدن” قال الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل “إن إلزام التعامل بالليرة السورية في إدلب يمثل خطوة تنظيمية مهمة حان وقتها، لتقليل فوضى تعدد العملات في المنطقة وتوحيد التسعير والسجلات والرسوم.
وأضاف أن هذا الإجراء يأتي خاصة مع الحديث عن سحب الليرة التركية تدريجياً من السوق، لكنه سيستغرق وقتاً حتى تنتهي أي اتفاقيات أو سلاسل توريد مرتبطة بالليرة التركية وتنسحب من المنطقة، وريثما يندمج الاقتصاد في إدلب بشكل أعمق ضمن منظومة الاقتصاد السوري في مرحلة لاحقة.
وأكد المغربل أن القرار قادر على استعادة جزء ملموس من الثقة بالليرة السورية، لأنه يخلق طلباً إلزامياً عليها ويعيد توحيد التسعير والفواتير والأجور، ما يقلص كلفة تعدد العملات. ومع توفر السيولة وتثبيت قواعد واضحة للصرافة والرقابة، ومع طرح العملة الجديدة، سيبدأ التاجر والمستهلك بالتأقلم مع الليرة السورية، فتزداد سرعة تداولها.
وأشار إلى أن ذاكرة تراجع قيمة الليرة موجودة بالفعل، لكنها لا تمنع الفاعلية إذا ترافقت الخطوة مع استقرار نسبي في السعر وكبح المضاربات، حيث تتحول الثقة عندها من قناعة إلى سلوك سوقي حقيقي.وحذر الباحث من أن ترقب عملة جديدة يرفع حالة عدم اليقين في السوق، إذ قد يؤجل المستهلك الشراء أو يحول مدخراته إلى عملات صعبة، بينما يوسع التاجر هامش الأمان تحسباً لتبدل التسعير وآليات الاستبدال. وفي هذه المرحلة، تظهر تقلبات قصيرة الأمد مثل إعادة التسعير المتكرر، والزيادات الاحترازية، والارتباك في الأسعار.
ولفت المغربل إلى أن المفتاح يكمن في تعزيز التواصل الرسمي، فطالما أن البنك المركزي يؤكد عدم وجود موعد رسمي محدد حتى الآن، فإن إعلان جدول واضح وقواعد استبدال صارمة هو ما يهدئ السوق ويكبح موجة الشائعات.
الليرة التركية
على أرض الواقع فإن مؤسسات اعتادت على التعامل بالليرة التركية، وبحسب محمد أبو عطا، وهو صراف يعمل في سوق إدلب الرئيسي منذ أكثر من 15 عاماً “كنا نتعامل بالليرة التركية منذ 2020، وأصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، لأنها أكثر استقراراً مقارنة بالليرة السورية القديمة التي انهارت قيمتها”.
وأضاف في حديث لـ”المدن”: الآن، مع التعميم الجديد الذي يلزم الجميع بالليرة السورية، نشعر ببعض الارتباك في البداية، خاصة أن معظم المدخرات والتجارة مع تركيا بالليرة التركية”.
وتابع “بدأنا نرى زيادة في الطلب على صرف الليرة التركية إلى السورية، ونعرض الأسعار بوضوح كما طُلب منا.القرار جيد لتوحيد السوق، لكنه يحتاج وقتاً للتأقلم، فالناس يخشون تقلبات السعر مع العملة الجديدة المرتقبة”.
ورأى أنه “إذا توفرت سيولة كافية من الليرة السورية واستقر سعر الصرف حول 11-12 ألفاً للدولار، سيعتاد الجميع تدريجياً، وسيقلل من الفوضى في التسعير بين المناطق. أما المقاومة، فهي موجودة لدى بعض التجار الكبار المرتبطين بالحدود، لكن مع الحوافز والرقابة، ستكون مؤقتة.
بالمحصلة، فإن توحيد العملة يأتي في إطار السيادة الوطنية، وهي خطوة إيجابية نحو اقتصاد موحد، شرط دعم قوي للانتقال من عملة إلى أخرى تجنّباً للارتفاع المفاجئ في الأسعار أو نقص السيولة.
المدن
—————————
أكثر من 18 ألف شركة جديدة في سوريا خلال عام
الثلاثاء 2025/12/23
أعلنت مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أنّ عدد الشركات المسجّلة في البلاد بلغ، بعد عام على التحرير من النظام السابق، نحو 18023 شركة، مسجّلاً زيادة قدرها 9348 شركة مقارنة بالعام الماضي.
وأشارت الوزارة في إحصائية إلى أن عدد الشركات المسجلة كسجل تجاري فردي بلغ 13598 شركة، بينما وصل عدد الشركات المسجلة كشركات تضامنية إلى 1526 شركة و158 شركة توصية و63 شركة مساهمة و2678 شركة محدودة المسؤولية.
وتأتي هذه الزيادة في عدد الشركات المسجلة كنتيجة للجهود الحكومية الرامية إلى تطوير الخدمات المقدمة للمستثمرين، وتيسير الإجراءات المتعلقة بتأسيس الشركات وتنظيم عملها، حيث عملت الوزارة على إعادة تأهيل وتطوير خدمات مديرية الشركات بشكل كامل لتحسين الأداء، وفق ما ذكرت “وكالة الأنباء السورية” (سانا).
وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة افتتحت في تموز الماضي مديرية الشركات في مبنى الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، وذلك بعد إعادة تأهيلها من جديد لتقديم خدمات أكثر مرونة وجودة للمستثمرين ورجال الأعمال
————————
سوريا تسعى لتعزيز التعاون الاقتصادي مع اليابان ومعالجة ملف الديون
تشجيع المستثمرين اليابانيين على الاستفادة من الفرص المتاحة في السوق السورية
الرياض – العربية
23 ديسمبر ,2025
بحث وزير المالية السوري محمد يسر برنية مع نائب وزير الخارجية الياباني يوهيني أونيشي، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في المجالات الاقتصادية والمالية.
وتناول اللقاء أهمية الدور الياباني في دعم مسيرة التنمية والتعافي وإعادة الإعمار في سوريا وآفاق توسيع التعاون الاقتصادي، إلى جانب التأكيد على ضرورة تشجيع المستثمرين اليابانيين على الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق السورية بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين.
كما استعرض الجانبان عدداً من الخيارات والآليات الممكنة للتعامل مع ملف الديون بما يخدم مصالح الطرفين ويسهم في تعزيز التعاون المالي المستقبلي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
ارتفاع قياسي لعدد الشركات الجديدة في سوريا خلال 2025
اقتصاد اقتصاد سوريا ارتفاع قياسي لعدد الشركات الجديدة في سوريا خلال 2025
وأكد الجانبان حرصهما على مواصلة الحوار والتنسيق بما يسهم في تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين سوريا واليابان.
وتأتي هذه المباحثات في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة السورية لإعادة تنشيط علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الدول الصديقة، ولا سيما اليابان، التي تعد من الدول الرائدة عالمياً في مجالات التنمية والتكنولوجيا وإعادة الإعمار.
—————————–
========================
تحديث 22 كانون الأول 2025
———————————–
الاقتصاد السوري بعد “قيصر” بلغة الأرقام/ مازن الشاهين
ما بعد “قيصر”.. فرصة بلا ضمانات: هل تنقذ الأرقام اقتصادًا أنهكته العقوبات؟
2025-12-22
يُجمع السوريون على وجود إرث ثقيل من العقوبات، حيث عُزل الاقتصاد السوري فعلياً عن النظام المالي العالمي نتيجة “قانون قيصر”، وأن الاقتصاد “تكيّف” مع العقوبات إلا أن هذا التكيف لم يكن صحياً، بل نتاج توسع اقتصاد الظل الذي أصبح يشكل ما يقارب 80% من الناتج المحلي الفعلي والقنوات البديلة شملت، شبكات تهريب “المخدرات والعملة والسلاح” بين سوريا ودول الجوار، وإنشاء شركات وهمية، ومنعت الشركات الأجنبية من الاستثمار أو التعامل مع المؤسسات الحكومية، وأُغلقت قنوات التحويلات الرسمية، ونتيجة لذلك فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها، وبلغ معدّل التضخم مستويات غير مسبوقة.
غياب خطة اقتصادية واضحة
يرى المحلل الاقتصادي محمد الأسمر في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن رفع عقوبات “قيصر” يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه لا يعني نهاية الأزمة، فالمعادلة الحقيقية لا تكمن في استعادة العلاقات التجارية فقط، بل في إعادة الثقة الداخلية، وتوحيد السياسة النقدية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وأن القرار الأميركي يمنح دمشق فرصة استثنائية، لكن النجاح في ترجمتها على أرض الواقع يتوقف على مدى استعدادها لتحويل رفع العقوبات إلى ورشة إصلاح وشفافية، لا إلى هدنة اقتصادية مؤقتة.
ويقول: “التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد السوري داخلي أكثر مما هو خارجي، فحتى في ظل رفع العقوبات، تواجه البلاد بيروقراطية ثقيلة وتعقيدات تنظيمية تعيق الشفافية والاستثمار، وهناك ضعف الثقة بين القطاع الخاص والحكومة بعد الإجراءات المفاجئة في السياسة النقدية، يضاف لها غياب استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار تموَّل من موارد محلية ومستقبلية واقعية، وأيضاً تدهور البنية التحتية في الكهرباء والمواصلات والمياه، ما يرفع كلفة الإنتاج إلى مستويات غير تنافسية، وضعف الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على الاستيراد، وتآكل القوة الشرائية للمواطنين، وغياب خطة اقتصادية واضحة للمرحلة المقبلة”.
لغة الأرقام لها رأي آخر؟!
تقول الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”963+”، إنه بعيداً عن اللغة السائدة اليوم في التحليل الاقتصادي والقائمة على العاطفة والأمنيات، فإن رفع عقوبات “قيصر” يفتح نافذة سياسية واقتصادية مهمة، لكنه لا ينهي المشكلات البنيوية التي كبتت الاقتصاد السوري لعقد ونصف، وأمام دمشق فرصة لاستقطاب استثمارات واستئناف علاقات مصرفية دولية، لكن تعافياً حقيقياً يتطلب إصلاحات مؤسسية كبيرة واستثمارات هائلة لتجديد البنى التحتية، والبيانات الأخيرة تُظهر اقتصاداً مصغراً مقارنة بما كان عليه قبل 2011، تضخّماً متغيّراً، وسعر صرف مرناً شهد تقلبات حادة، وفقراً واسع النطاق، وكل ذلك يحدّد سقف ما يمكن أن ينجز في 12–36 شهراً.
وتشير الخطيب إلى أن حجم الاقتصاد (GDP، اسميّاً): تراجع الناتج الاسمي من حوالى 67.5 مليار دولار (2011) إلى تقدير يقارب 21.4 مليار دولار في 2024 أي انخفاض بنحو 2/3 مقارنة بمستواه قبل الحرب، ما يبيّن حجم الضرر والفراغ التشغيلي المطلوب لسده، يضاف له تكاليف إعادة الإعمار، حيث أن البنك الدولي يقدّر تكاليف إعادة الإعمار بحوالي 216 مليار دولار أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الاسمي لعام 2024، مما يضع حدوداً واقعية لقدرة الدولة على تمويل الإنعاش دون دعم دولي وقيَم استثمارية ضخمة.
وتضيف: من المؤشرات المهمة التضخّم (CPI): المعدل الشهري/السنوي كان متقلّباً، وبيانات مؤسسات رصد الأسعار تشير إلى فترات تضخّم مرتفعة في 2022–2023 (أرقام قياسية)، ثم تباطؤ نسبي لاحقًا، مثال: مؤشر التضخّم سجّل تراجعاً إلى حوالي 15–17% في بدايات 2025 في بعض السلاسل الزمنية الرسمية/مستقلة، لكنه يبقى متقلباً ومتحسّساً لصدمات العرض والعملة، وهذا يعني أن ضغوط الأسعار لا تختفي تلقائياً بعد رفع العقوبات، أما سعر الصرف، والذي يتحكم به سوق صرف موازي وحاد التقلب، متوسط 2025 قُدّر بنحو ~12,600 SYP للدولار حسب قواعد بيانات الصرف السنوية، بينما سجّل تراجعات/ارتفاعات يومية (أرقام قريبة من ~11,000–13,000 خلال فترات مختلفة)، ولا شك أن الاستقرار النقدي شرط مسبق لجذب استثمارات كبيرة.
وتتحدث الخطيب عن الفقر والواقع الاجتماعي في سوريا، حيث أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن حوالي 67% من السكان كانوا تحت مستوى الفقر الأدنى – الوسطى (2022)، مع انتشار الفقر المدقع يصل إلى نسب كبيرة (تقارير 2024 تتحدث عن أكثر من ثلث السكان في فقر مدقع أو شديد) وهذا يعكس هشاشة الطلب المحلي وقدرة الأسر على الصمود.
ما تعنيه الأرقام؟ تحليل للآثار الاقتصادية؟
توضح الخطيب ما تعنيه لغة الأرقام وهي أن القدرة على النمو محدودة دون إعادة بناء البنية التحتية، فعندما تكون كلفة إعادة الإعمار ~10× الناتج السنوي، فإن تدفق أي استثمار دولي مهما كان كبيراً سيغطي جزءاً صغيراً فقط من الحاجات، لذلك النتائج المتوقعة في 1–2 سنة: تحسّن نسبي في بعض السلع المستوردة، مشاريع إعادة تأهيل ضيقة النطاق، لكنه ليس تعافياً بنيوياً.
كما أن المشكلة النقدية تعيق السياسة الاقتصادية الكلية، فتقلبات سعر الصرف وتعدد الأسعار يقوضان قدرة السياسة النقدية على كبح التضخّم أو تحفيز الإنتاج، وقبل استعادة ثقة في المصارف (وارتباطها بالبنوك الدولية) فإن الاعتماد سيبقى على شبكات تحويل بديلة ومعاملات نقدية موازية، وهو ما يؤثر على الشفافية والقدرة على فرض ضرائب وإدارة الإنفاق، وأيضاً الطلب المحلي ضعيف والطلب الخارجي شرط أساسي للانتعاش، مع 60–70% من السكان تحت مستوى الفقر الأدنى-الوسطى، بحسب الخطيب.
ويضيف: “الطلب المحلي محدود جداً لقيادة تعافٍ صناعي كبير، لذا يجب أن تتركز جهود التسريع على قطاعات تصديرية أو تلك التي تجذب الاستثمار الخارجي (زراعة مصدّرة، سلع غذائية معالجة، إعادة إعمار عقاري سياحي محدد)، أما قطاع النفط فهو فرصة طويلة الأمد، ليست حلاً فورياً حتى مع رفع العقوبات، فاستعادة إنتاج النفط الكامل تتطلب سنوات وشركاء عالميين، إضافة إلى استثمارات صيانة واستيراد معدات مكلفة، كما أن عائداته لن تحل فجوة السلع الأساسية والخدمات الاجتماعية السريعة، والاعتماد على النفط كخيار سريع قد يؤدي إلى خيبات أمل سياسية”.
وترى الخطيب أن الفرص المتاحة تكون في تيسير تجاري لاستيراد سلع رأسمالية وخامات صناعية، انخفاض تكاليف الاستيراد لبعض السلع الأساسية بفعل دخول قنوات رسمية، دخول مشاريع صيانة طاقية صغيرة، لكن البطالة والفقر يبقيان مرتفعين ما لم تُواكب سياسات دعم مستهدفة، ودخول استثمارات إقليمية في الزراعة، إعمار محدود في المدن الآمنة، تدفّق متزايد للتحويلات الرسمية عبر المصارف.
وتضع الخطيب خارطة طريق اقتصادية تقوم على استراتيجية نقدية فورية، بتوحيد سعر الصرف تدريجياً مع برنامج احتياطي (FX) مصغّر يهدف إلى إيقاف التذبذب الحاد، مدعوماً بشفافية في سوق النقد، وحزمة إصلاحات مؤسساتية سريعة، من خلال تحديث قوانين الاستثمار، وضمان حماية المستثمر، وإجراءات لمكافحة الاحتكار والفساد في عقود إعادة الإعمار لجذب مشاريع متوسطة الحجم بسرعة.
وتضيف: “ولا بد من نكهة اجتماعية لأي حزمة اقتصادية، من خلال برامج نقدية/غذائية مستهدفة لخفض الأثر الفوري على الفقراء (67% تحت خط معين)، لأن استقرار الطلب المحلي مهم لشرائح الإنتاج الصغيرة والمتوسطة، مع ضرورة التركيز على قطاعات عالية الأثر سريعاً، مثل الزراعة المدعومة وتصدير منتجات غذائية، وإصلاحات في قطاع الكهرباء بوتيرة تُمكّن المصانع الصغيرة من العمل، فالزراعة قادرة على تحقيق نتائج أسرع من النفط”.
وأخيراً بحسب الخطيب: “وضع خطة استعادة المصارف دورها بتعاون فني مع مؤسسات دولية لإعادة هيكلة المصارف المركزية والبنوك التجارية تمهيداً لاندماج تدريجي في النظام المالي الدولي مع آليات رقابة واضحة، لأن العائق المصرفي كان من أبرز قيود فعاليات التجارة والاستثمار”.
وتختم الخطيب: “رفع عقوبات قيصر هو فصل مهم في المرحلة الاقتصادية السورية، لكنه ليس ملاذاً سحرياً للتعافي، والأرقام تُظهر اقتصاداً أصغر، نظاماً نقدياً هشاً، وبنية إنتاج ضعيفة، وكل ذلك يتطلب إصلاحات بنيوية عميقة ومشاركة فاعلة من القطاعين العام والخاص، محلياً وخارجياً، لكن المعركة الحقيقية هي خلق بيئة اقتصادية قابلة للنمو والاستدامة، وبعيداً عن البيانات والمعادلات، يبقى تحسّن حياة المواطن السوري المؤشر الأهم لمدى نجاح هذه المرحلة الجديدة”.
+963
——————————-
ماذا بعد التحرّر من “قيصر”؟/ نغم قدسية
ما الذي سيتغير بعد رفع قانون “قيصر”؟
2025-12-21
لسنوات طويلة، ظلّ قانون قيصر العائق الأكبر في وجه الاقتصاد السوري، رغم وجود عقوبات أخرى فرضتها الولايات المتحدة على سوريا، كان أولها منذ سبعينات القرن الماضي، إلا أن “قيصر” الذي دخل حيزّ التنفيذ عام 2020، كان الأقسى على الإطلاق، إذ شكّل قانون حماية المدنيين السوريين، المعروف بـ “قيصر”، تحولاً بارزاً في شكل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، ووسّع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات حيوية مختلفة بما لا يقتصر على الحكومة السورية وحدها بل كذلك المتعاملين معها.
ومع سقوط نظام الأسد، والتغيّرات السياسية والدبلوماسية المتسارعة التي طرأت على علاقة واشنطن ودمشق، بدأت سلسلة رفع العقوبات عن سوريا، منها الأوروبية وليس آخرها الأمريكية، بعضها مقابل ضمانات معينة وأخرى بشكل مؤقت تحت المراقبة والتقييم، لينتهي الأمر مع نهاية ديسمبر بتصويت مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون موازنة الدفاع الأمريكية، ومن ضمن بنوده إلغاء عقوبات قيصر. ذلك اعتبره البعض الخطوة الأصعب التي تجاوزتها سوريا بنجاح، ليستكمل بعدها مشروع القانون مساره التشريعي مروراً بتصويت مجلس الشيوخ ووصولاً إلى توقيع الرئيس دونالد ترامب، قبل نهاية العام حسب الترجيحات، وبذلك يدخل القانون حيز التنفيذ في العام 2026.
لكن ماذا بعد إلغاء قانون قيصر؟ وما السيناريوهات المتوقعة لمرحلة ما بعد قيصر؟
السيناريو الأول الذي يتبادر إلى الذهن يأتي على شكل انفراجة اقتصادية طال انتظارها، فرفع العقوبات عموماً، يشكل تحولاً جذرياً في مسار الاقتصاد السوري، فيما يُخرج إلغاء قانون قيصر دمشق من عزلتها الاقتصادية، ويدفع بخطوة نحو إعادة دمج سوريا مع النظام المصرفي العالمي، ما يعني دعماً للسياسة النقدية المحلية وتوفيراً للسيولة إلى جانب سهولة تحويل الأموال وتيسير وصول المساعدات والمنح إلى سوريا، فيما تشير تصريحات أخيرة لحاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إلى وجود خطط حكومية لتطوير النظام المالي والمصرفي فور رفع عقوبات قيصر، كما أن المصرف تلقى تدريبات في وزارة الخزانة الأميركية وتباحثَ مع بنوك كبرى بشأن خطواته المستقبلية، وفقاً للحصرية. وتبدو دمشق في هذا الإطار مستعدة لمرحلة ما بعد قيصر، فوجود الخطط أمرٌ ضروري لوضوح مسار المرحلة المقبلة، وتشير المعطيات إلى أن القطاع المصرفي السوري سيكون الأكثر تأثراً بإلغاء هذا القانون.
وفي الوقت ذاته، للقطاع التجاري حصّة في عوائد إلغاء “قيصر”، حيث أن القيود على المصدّرين وشركات النقل ستتراجع، وتوفير العملة الأجنبية يفتح الباب أمام عمليات استيراد السلع والخدمات الأساسية والتقنيات اللازمة لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، ما يعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الإقليمية ويعيد اندماج سوريا اقتصادياً في محيطها الإقليمي.
وفي سيناريو ثاني، يهيئ إلغاء قانون قيصر المناخ الملائم لإعادة الإعمار في سوريا، وبذلك تعود إلى الواجهة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها دمشق منذ مطلع العام، مع شركات أجنبية، والتي بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار.
معظم هذه الاتفاقيات ظلّ في إطار الإعلان عنها دون بدء التنفيذ، بسبب استمرار العقوبات، حيث كان “قيصر” يستهدف أي شركة أو فرد يستثمر في قطاعات الطاقة أو الطيران أو البناء أو الهندسة في سوريا، ومع إلغائه، تعود الأنظار نحو ترقّب الجدية والسرعة في تنفيذ اتفاقيات الطاقة والبناء وغيرها من الاتفاقيات التي من المرجح أن يتضاعف عددها بعد التحرّر من “قيصر”، فما قبل قيصر ليس كما بعده، ومن المرجّح أيضاً أن يشجع ذلك شبكات الأعمال ورؤوس الأموال على دخول السوق السورية بعد التردد خشيةً من إعادة فرض العقوبات لاحقاً، حيث أن الشكوك التي كانت تدور حول إمكانية الاستثمار في سوريا باتت تتقلّص بإلغاء “قيصر “والذي سيمهّد الطريق أمام المستثمرين العرب والأجانب نحو الاستثمار في المشاريع الكبرى، في الوقت الذي تبرز فيه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد وما بعد “قيصر” كأرض خصبة صالحة للاستثمار والإعمار.
لكنّ ذلك أيضاً يضع دمشق أمام تحديات مقعدة تتمثل بالحاجة إلى إصلاحات قانونية وتشريعية وإدارية، والتحدي الأبرز بضبط الاستقرار الداخلي، فطالما أن المعوقات الخارجية أصبحت إلى زوال، ذلك يعني أن المعطيات الداخلية هي التي ستؤول إلى تشجيع الاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال أو العكس.
وهو ما يقودنا للحديث عن سيناريو مختلف، فعلى الرغم من أن قيصر يستهدف قطاعات اقتصادية، إلا أن أبعاد إلغائه لا تنحصر بالاقتصاد وحده، فبحسب بنود مسودة الوثيقة المعدّة للقانون، إلغاء عقوبات قيصر يخضع لشروط غير ملزمة، منها أن يقدم الرئيس الأمريكي تقريراً أولياً إلى لجان الكونغرس خلال 90 يوماً، ثم تقرير كل 180 يوماً لمدة 4 سنوات. ونصّت المسودة أن على سوريا تأكيد اتخاذها خطوات ملموسة في مكافحة التنظيمات “الإرهابية”، واحترام حقوق الأقليات، وامتناعها عن العمل العسكري الأحادي الجانب ضد دول الجوار، إلى جانب مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وملاحقة الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في عهد النظام السابق. وفي حال عدم استيفاء هذه الشروط خلال فترتين متتاليتين، يمكن إعادة فرض العقوبات، بحسب مسودة الوثيقة.
ذلك يوضّح بما لا يدع مجالاً للشك، شكل المسار المطلوب للمرحلة المقبلة، أوله المساءلة وضمان حقوق الأقليات، الأمر الذي إن تمّ، سينعكس إيجاباً على معالجة الانقسامات والتوترات المجتمعية، كما يحدد مسار ما بعد قيصر شكل العلاقة مع دول الجوار ومن ضمنها إسرائيل، فيما تبدو واشنطن، عبر مبعوثها إلى سوريا توم برّاك، تسعى إلى تفاهمات تضبط من خلالها التوغلات والاعتداءات المتكررة على سوريا.
+963
———————————–
الخلاص من قانون قيصر .. وما تبقى لا يقل أهمية/ قصي زهر الدين
21 ديسمبر 2025
منذ إقراره، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، استُخدم قانون حماية المدنيين في سوريا، المعروف بقانون قيصر، كأداة ضغط سياسية واقتصادية هدفت إلى محاسبة نظام بشار الأسد على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها بحق المدنيين والمعتقلين، وكذلك إلى ردع أي أطراف خارجية عن تقديم الدعم لممارسات القمع التي طالت مختلف المدن السورية. وقد حمل القانون في جوهره بعدًا يتجاوز العقوبات الاقتصادية، ليشكل رسالة سياسية وأخلاقية مفادها أن الإفلات من العقاب لن يكون مقبولًا دوليًا.
إلا أن الواقع العملي للسياسة الأميركية تجاه سوريا أظهر، خلال السنوات الأخيرة، قدرًا متزايدًا من المرونة والمراجعة. فقد شهدنا تقديم إعفاءات وتخفيفات جزئية على العقوبات، لا سيما في عام 2025، عندما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة سمحت بتعليق بعض بنود قانون قيصر لفترات مؤقتة، من أجل دعم النمو الاقتصادي وفتح المجال أمام الاستثمار في ظل إدارة سورية جديدة. كما جرى تعليق العمل ببعض العقوبات لمدة 180 يومًا مع الإبقاء على استثناءات واضحة تتعلق بالتعامل مع روسيا وإيران، في محاولة لتحفيز انفتاح اقتصادي مدروس دون المساس بالأهداف السياسية الكبرى. غير أن التطور الأبرز تمثل مؤخرًا في تصويت الكونغرس على إلغاء قانون قيصر كليًا ضمن مشروع قانون ميزانية الدفاع للفترة 2026، وهو ما يعني سحب الإطار القانوني الذي حكم السياسة العقابية الأميركية تجاه سوريا لسنوات طويلة.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الخطوة الحالية بوصفها إجراءً منفصلًا أو طارئًا، بل هي امتداد لمسار طويل من التحولات في مقاربة واشنطن للملف السوري، مسار يتأرجح بين الضغط وإعادة التقييم تبعًا للمتغيرات السياسية والإقليمية والدولية. غير أن ما يميز هذه المرحلة هو أن رفع قانون قيصر يبدو أكثر جدية واستدامة من المحاولات السابقة، إذ لم يعد محصورًا في قرارات تنفيذية أو تراخيص مؤقتة صادرة عن وزارة الخزانة، بل انتقل إلى مستوى التشريع داخل الكونغرس الأميركي، وارتبط بقانون محوري مثل ميزانية الدفاع. وهذا التحول يمنح القرار ثقلًا مؤسساتيًا أكبر، ويعكس قدرًا من التوافق بين البيت الأبيض والكونغرس، ويحدّ من احتمالات التراجع السريع عنه بقرار رئاسي منفرد.
ترافق هذا المسار مع دعم سياسي وإداري معلن من مؤسسات أميركية أساسية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، التي رأت أن استمرار العقوبات لم يعد ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، سواء لجهة تحقيق قدر من الاستقرار، أو في سياق مكافحة الإرهاب، أو حتى في إعادة ترتيب العلاقات مع شركاء إقليميين. كما أن التغيرات المتسارعة في البيئة الدولية، بما في ذلك إزالة سوريا من بعض قوائم الإرهاب ورفع العقوبات عن شخصيات سورية سابقة من قبل دول غربية مثل كندا، تشير إلى موجة أوسع من إعادة إدماج سوريا سياسيًا في النظام الدولي.
ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا بقوة داخل الأوساط السورية السياسية والمجتمعية: ما الذي يتوجب على السلطة المؤقتة القيام به كي لا تعود العقوبات، تحت عناوين جديدة؟ فرفع العقوبات بحد ذاته لا يشكل ضمانة دائمة، ما لم يُرفق بالتزامات واضحة وإصلاحات فعلية. إذ يُتوقع من الحكومة السورية الجديدة الالتزام بقواعد الشفافية والمساءلة، وتقديم تقارير دورية تتعلق بمكافحة الإرهاب، واحترام حقوق الأقليات الدينية والسياسية، وتأمين بيئة آمنة للاستثمار والتجارة، إضافة إلى تبني سياسة خارجية قائمة على علاقات سلمية مع دول الجوار. كما يُنتظر منها الشروع في إصلاحات قانونية ومؤسساتية عميقة، تشمل إعادة بناء النظام القضائي والتجاري، وتعزيز سيادة القانون، وضمان استقلال المؤسسات بعيدًا عن التدخلات التعسفية.
إلى جانب ذلك، تشكل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية شرطًا لا غنى عنه، سواء من خلال بسط السيادة على كامل الأراضي السورية، أو حماية الحريات الأساسية، أو العمل الجاد على توحيد مؤسسات الدولة بعد سنوات من التفكك والصراع. ويبقى ملف حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أحد أكثر الملفات حساسية، إذ إن أي تقاعس في هذا المجال قد يوفر مبررًا جاهزًا لإعادة فرض العقوبات مستقبلاً، حتى وإن تغيّر الإطار القانوني الحالي.
يفتح إلغاء قانون قيصر الباب أمام تحولات اقتصادية وسياسية مهمة. اقتصاديًا، يزيل هذا الإجراء أحد أكبر العوائق أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والزراعة، ويمكّن سوريا من الانخراط مجددًا في شبكات التجارة الإقليمية والدولية، وتحسين موارد الدولة عبر الوصول إلى التمويل الخارجي وفتح قنوات مصرفية مع البنوك العالمية. غير أن هذا التعافي، إن تحقق، سيكون تدريجيًا وبطيئًا، ويتطلب إدارة رشيدة وإعادة هيكلة عميقة للاقتصاد المتضرر.
سياسيًا، قد يسهم رفع العقوبات في تحسين موقع سوريا الدبلوماسي، وفتح قنوات تواصل أوسع مع العواصم الإقليمية والأوروبية، كما يمكن أن يعزز من مصداقية السلطة الجديدة في الخارج ويدفع باتجاه حلول سياسية داخلية قائمة على التوافق بدل العنف. ومع ذلك، تبقى السياسة الدولية متقلبة، وقد تعيد متغيرات جيوسياسية جديدة رسم المشهد في أي لحظة.
في الخلاصة، يأتي رفع قانون قيصر كتحول مهم. غير أن هذا التحول يظل مشروطًا بمتابعة دقيقة وإجراءات إصلاحية حقيقية. فإذا ما أحسنت السلطة المؤقتة استثمار هذه الفرصة، يمكن أن يشكل رفع العقوبات نقطة انطلاق نحو استقرار اقتصادي وسياسي نسبي، أما على المستوى الاجتماعي، فإن المصالحة السورية–السورية تبقى أولوية قصوى، تجنبًا لانزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة صراع لم تندمل جراحه بعد.
الترا سوريا
———————————–
ما بعد قيصر.. من غطاء إدارة الأزمة إلى اختبار إطلاق التَحوّل/ د. عبد المنعم حلبي
2025.12.22
لا يمكن بأي حال، التقليل من الأهمية الكبرى لرفع عقوبات قيصر عن سوريا، باعتبارها تحمل فرصاً حقيقية للخروج من واقع الانغلاق والتشوُّه الهيكلي الذي عانى اقتصاد البلاد منه طويلاً، فرص غدت متاحة في دعم عملية إعادة هيكلة وبناء مؤسسات الدولة، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، واستئناف عجلة الإنتاج الطبيعية لمختلف القطاعات، وتعزيز الاستثمار الأجنبي.
ولكنها ستكون أيضاً منعطفاً فارقاً وصعباً، تتلوه مرحلة تحمل في طياتها اختباراً قاسياً، في مدى صدقية مؤسسات الدولة القائمة والجديدة أمام الداخل والخارج، كذلك مدى قدرتها على إحداث التَحُّول الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الموعود.
وإذا كان من العقلانية القول: إنّ رفع العقوبات لا يعني أن القيود السابقة قد اختفت، وأن الموضوع هو بحدود فتح قنوات ومساحات عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل، إلا أن توسيع هذه المساحات سيكون هو الهدف، بمتطلبات وجهود ومعايير مختلفة عما مضى، من أهداف الإغاثة وتلبية الاحتياجات إلى أهداف التنمية الشاملة، بمتطلباتها كلّها، والتي تستوعب أولوية المناطق والشرائح الأكثر تضرراً من الحرب، في إطار تطبيق العدالة الانتقالية، ولكن وفق مؤشرات اقتصادية واجتماعية محددة، أهمها ما يرتبط بالمردودية وتحقيق النفع العام.
كذلك، فإنّ الاستثمارات في مختلف القطاعات، والتي كانت بعضها -نظراً للمخاطر- أشبه بالمساعدات، أصبحت خيارات رابحة، ويجب أن يراعى أن تكون تنافسية، بأن يُخلق بيئة عمل آمنة وسهلة، ولكنها أيضاً مُنظمة قانونياً، ومتسمة بالشفافية المطلقة، بدءًا من بحث الجدوى، وطريقة استغلال وتوظيف المدخلات والموارد الوطنية، المادية والبشرية، وصولاً لمخرجات قابلة للقياس والمقارنة، بين مختلف الأطراف الاستثمارية المشاركة، وكذلك المستفيدة.
في الواقع، الانفتاح المتوقع سيبقى مشروطاً بإثبات جدية الحكومة الانتقالية في الشفافية والحوكمة الرشيدة، وهو شرط لم يُختبر بعد بما يكفي خلال السنة الماضية، لأسباب ومبررات متعددة، لن يكون التذرع بها بنفس المستوى من الموضوعية والتأثير بعد الإزالة النهائية لعقوبات قيصر.
من هنا، سيكون أمام السلطة الانتقالية -بوزراتها وإداراتها الحكومية وهيئاتها المختصة- مرحلة مختلفة، تتوفر فيها فرصة حقيقية لإعادة تعريف نفسها، وتحديد طبيعتها، ووظائف حكومتها، وحدود مؤسساتها، وكذلك شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن التفكير بعمق في إعادة هيكلة الحكومة، التي تشكلت كإدارة أزمة، هو عمل طبيعي لمرحلة ما بعد عقوبات قيصر، والتي سيتم فيها إطلاق عملية واسعة للتحول الاقتصادي، بما تتطلبه من تحُّول إداري وقانوني وتشريعي، ومن دون إهمال بناء إطار تحوُل سياسي حقيقي وواضح المعالم.
في الواقع، فإن أي تعديل في الهيكل الحكومي المطلوب لا يجب أن يكون مجرد تطوير وإعادة توزيع للمهام، بحدود المتطلبات الفنية أو الإدارية فقط، ضمن إطار سياسي أوسع، في محاولة لبناء ثقة سياسية واقتصادية ومجتمعية.
فإلى جانب استحداث تخصصات ضرورية، سيكون من الصعب الإبقاء على حالة الدمج الحاصلة في وزارة الاقتصاد والصناعة ووزارة الطاقة مثلاً، إذ لابد من إعادة تقسيم وتوزيع وضبط العمل الوزاري: الاقتصادي والخدمي، بما يخفف من مركزية القرار الوزاري، ويزيد من نطاق المهام وتعدد الأطراف الحكومية التنفيذية تخصصياً، ويعمق دور كل منها في وضع الخطط والسياسات.
كذلك، ستجد السلطة الانتقالية نفسها أمام اختبار صعب في مدى شفافيتها، وقدرتها على لعب دورها الإشرافي والرقابي اقتصادياً، إضافة إلى تفعيل المساءلة عبر آليات واضحة ضمن البنية الرقابية والبيئة التشريعية، المتضمنة احترام صلاحيات مجلس الشعب القادم، وفق الإعلان الدستوري، وتعديلاته المتوقعة.
وكذلك التطورات المحتملة بتطبيق آليات مناسبة من نماذج اللامركزية الإدارية والمالية، وصولاً لموجبات توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني غير المرتبط بالسلطة.
ولعل ما سيميز المرحلة التالية لرفع عقوبات قيصر هو أن الحكومة لم تعد تتحرك داخل إطار شبه مغلق، أو شبه مفتوح كما السنة الماضية، بل باتت تعمل تحت رقابة دولية وإقليمية متداخلة، وأسواق تراقب كل إشارة، إضافة إلى رأي عام محلي بدأ يشعر بأن عمر المرحلة الانتقالية سيكون طويلاً بما يكفي، ليس فقط بحدود تأثر واقعه بشكل مباشر، وإنما أيضاً بما يرسم آفاق المستقبل المديد.
لذلك لابد من أن ينتقل العمل الحكومي وممارسة السلطة لمهامها، من مستوى العمل وفق القرارات الحكومية والمراسيم الرئاسية، والتي ما زالت في إطارها الإداري “العلاجي”، لتسيير شؤون البلاد بطريقة بيروقراطية داخلية، إلى مستوى يكون فيه العمل الحكومي جزءاً من معادلة جيوسياسية واقتصادية داخلية وإقليمية، وفق خطط استراتيجية واضحة، تحدد بدقة مساراً مستقبلياً طويل الأمد، بمعنى تحديد الهوية السياسية للدولة الوليدة، وإعلان نهجها الاقتصادي الأساسي المتَّبع، وبيان العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع.
كذلك يجب ألا تُفهم المشاركة السياسية خلال الانتقال على أنها مجرد “فتحُ الباب” للمعارضة، أو “توسيعُ الطيف السياسي” للحكومة فحسب، بل باعتبارها إعادة توزيع مراكز اتخاذ القرار داخل الدولة، والتي يجب ألا تبقى صندوقاً مغلقاً.
فنهج إدارة التحول يوجب أن يكون قائماً على رؤية واضحة بالنسبة لإدارة شؤون الدولة: من يقرر؟ كيف يقرر؟ ولماذا؟ ولذلك فإن إدخال المجتمع في صنع القرار—سواء عبر المجالس المحلية، أو غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال، أو النقابات المهنية، أو منظمات المجتمع المدني—هو في الحقيقة آلية لإضعاف احتمالات الاحتكار من جديد، وبناء توازنات مؤسسية تقلص مخاطر الانحراف في ذلك المستقبل الذي يريد السوريون جميعاً أن يكون مستقبلهم الأفضل.
وهنا نُعيد ونكرر بأن اللامركزية المالية والإدارية تبقى الخيار الاستراتيجي الأكثر انسجاماً مع وضع البلاد الحالي، فالنظام المركزي الذي كان ممكناً في دولة مستقرة ذات موارد منتظمة لم يعد قابلاً للعمل في بلد متعدد الجراح، وواسع التفاوت بين مناطقه، ومثقل بمتطلبات إعادة الإعمار.
وهي الأداة الأكثر مضاءً لإدارة التنوع وإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية، عبر تمكين المحافظات والمجالس المحلية المنتخبة من إدارة مواردها مباشرة وتنفيذ مشاريعها وفق أولوياتها، بعيداً عن حلقات الاختناق الإداري في المركز، وارتهان التنمية بقرارات مركزية قد تكون بطيئة، وربما غير واقعية.
وهي وسيلة للاستقرار وتقليل الاحتقان السياسي، وتتضمن ما يجعل الدولة أقرب للمجتمع، وأكثر قدرة على الاستجابة الاستراتيجية، وذلك بالسيطرة على الجزء الأكبر من الموارد القابلة للتوجه نحو المشاريع الكبرى، وفرض نظام رقابة مركزي موحد، مما يزيد من فعالية الدولة، ولا يُضعفها.
إن رفع عقوبات قيصر سيفتح بوابة مرحلة أشد تعقيداً وحساسية، يكون فيها النجاح مرهوناً بالقدرة على الانتقال الواعي من منطق إدارة الأزمة، الذي حكم سنوات مضت، إلى منطق إدارة التحوّل، الذي يتطلّب رؤية، ومؤسسات، وقوة سياسية في القرارات المتخذة.
فالمسألة لم تعد تتعلق بالنوايا والكلمات أو بإدارة ندرة أو احتواء انهيار، بل ببناء مسار جديد للدولة السورية، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، على أسس قابلة للاستدامة، فالعالم لا يتعامل مع النوايا، وإنما مع المؤسسات، وأي تردّد في هذا الانتقال، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج الأدوات القديمة ضمن سياق جديد، سيحوّل فرصة رفع العقوبات إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للإنقاذ.
الجميع يريد دولة تُدار بعقلية التحوّل -دولة مؤسسات شفافة، خالية من التضارب، سلطة موزّعة، قابلة للمساءلة، وشراكة حقيقية مع المجتمع- لجعل هذا المنعطف بداية فعلية لاستعادة الثقة، وإعادة بناء سوريا بوصفها دولة مواطنيها، لا دولة أزمات لهم.
تلفزيون سوريا
—————————
شراكة أم طمأنة.. عن حملات الإعمار ودلالاتها/ أحمد عسيلي
انطلقت الأسبوع الماضي في مدينة حلب حملة بعنوان “حلب ست الكل”، تهدف، كما العديد من الحملات السابقة مثل “فداء لحماة” أو “أبشري حوران”، إلى جمع تبرعات مالية لدعم المحافظة والنهوض بواقعها الخدمي والعمراني، من حيث المبدأ، تبدو هذه المبادرات إيجابية، لأنها تقوم على إشراك المجتمع في مسار التعافي، وهو إشراك يبدو ضروريًا في بلد أنهكته 14 عامًا من الحرب، ولم تعد الدولة، بأجهزتها الحالية، قادرة وحدها على تحمّل عبء إعادة الإعمار بالسرعة المطلوبة، رغم أن ذلك يُفترض أن يكون من صميم وظيفتها.
فكرة إشراك الآخرين في مواجهة وضع معقد ليست غريبة عن الممارسة الإنسانية. في الطب، وخصوصًا في الطب النفسي، نلجأ أحيانًا إلى توسيع دائرة التدخل عندما تكون الحالة شديدة الصعوبة، فنُشرك العائلة أو المحيط، بل وأحيانًا هنا في فرنسا نشرك المحافظ أو قائد الشرطة في العملية العلاجية، وقد نضطر في حالات محددة إلى تجاوز مبدأ السرية الطبية ولو جزئيًا، لأن مصلحة الحالة تفرض ذلك، هذا الإجراء ليس ارتجاليًا، بل ممارسة معترف بها ومُقننة في فرنسا وفي كثير من دول العالم، كما هو الحال في بعض قطاعات الاقتصاد، والتعليم، وإدارة الأزمات العامة.
يمكن في هذا السياق استحضار مثال حملة التبرعات التي أُطلقت في فرنسا بعد الحريق الذي طال كاتدرائية نوتردام في باريس، حدث استثنائي تطلب موارد ضخمة لم تكن مدرجة ضمن الميزانية العامة، ورغم أن الدولة الفرنسية تحملت مسؤوليتها الكاملة عن الترميم، فُتحت حملة تبرعات بوصفها دعمًا إضافيًا ومؤقتًا، لا بديلًا عن الدور المؤسسي للدولة ولا تعويضًا عن غيابه.
أما في حالتنا السورية، فللدعم الأهلي تاريخيًا جذور راسخة في المجتمع، من خلال العمل الخيري ومساعدة الفئات الفقيرة، سواء عبر جمعيات ومنظمات أهلية، أو من خلال مبادرات فردية قادها رجال أعمال وأثرياء خصصوا جزءًا من أموالهم لدعم أبناء مناطقهم (وأحيانًا طوائفهم)، هذا النمط من التضامن لعب دورًا مهمًا في التخفيف من المعاناة، وكان في كثير من الأحيان استجابة أخلاقية لفراغ الدولة أو ضعفها.
لكن اللحظة الراهنة تختلف جذريًا عن سياقات الإغاثة التقليدية، نحن أمام مرحلة تأسيسية طويلة الأمد، لا تُعاد فيها ترميم الأبنية فقط، بل يُعاد تشكيل نمط العلاقة بين المجتمع، والمال، والسلطة. في مثل هذه المراحل، لا تكون المبادرات محايدة، ولا النتائج مؤقتة، ما يُسمح له بأن يترسّخ اليوم سيتحول لاحقًا إلى قاعدة يصعب تفكيكها.
من هنا، تبرز النقطة الأكثر حساسية: الشفافية، لم يعد السؤال متعلقًا بحسن النيّات، بل بالبنية، هل تُدفَع التبرعات المُعلنة فعلًا؟ كيف تُدار؟ أين تُصرف؟ ومن يقرر أولويات إنفاقها؟ في تجارب دولية أخرى، كانت هذه الأسئلة مطروحة علنًا، ومرفقة ببيانات وتقارير وآليات رقابة، أما في الحالة السورية، فالمشهد ضبابي إلى حد مقلق.
ليست المشكلة في أن الناس يتبرعون، بل في أن أحدًا لا يعرف متى يصبح التبرع سياسة عامة، ومتى يتحول الغموض إلى نمط مُعتمَد، في هذه المنطقة الرمادية، لا تتكون المشاريع بقدر ما تتشكل العادات الأخطر.
وإذا كانت السلطة ترى أن المرحلة الحالية انتقالية، وأن بناء المؤسسات يتم تدريجيًا، فيمكن مناقشة هذا الطرح والاختلاف أو الاتفاق معه سياسيًا، لكن الغموض في آليات العمل والإنفاق ليس سمة انتقالية، بل خلل بنيوي، لأن المراحل التأسيسية تحديدًا تحتاج إلى وضوح أعلى، لا إلى تعليق القواعد.
من منظور نفسي، يمكن قراءة ما يجري بوصفه محاولة جماعية لاستعادة الإحساس بالفاعلية بعد سنوات طويلة من العجز، غير أن هذه الفاعلية تبقى في الواقع، رمزية أكثر منها حقيقية، لأن المجتمع لا يراقب الفعل ولا يتحكم بآليات القرار أو الصرف، ما يحدث أقرب إلى منح شعور بالمشاركة من دون امتلاك أدواتها.
يشبه الأمر ما نراه أحيانًا داخل العائلات حين يُشركون رجلًا أو امرأة متقدّمين بالسن في “اتخاذ القرار”، لا لأن القرار بيدهم فعليًا، بل كي لا يشعروا بفقدان مكانتهم، الجميع، في هذه الحالة، يكون مدركًا، بدرجات متفاوتة، أن المشاركة شكلية، وأن الفعل الحقيقي يجري في مكان آخر، والأخطر أن هذا الترتيب يقوم غالبًا على تواطؤ ضمني، العائلة تعرف، والفرد يعرف، لكن الطرفين يقبلان اللعبة لأنها تُخفف القلق وتُضفي دفئًا عاطفيًا، من دون أن تغير الواقع.
ما يُخشى هنا هو أن تتحول العلاقة بين السلطة والمجتمع في سوريا إلى هذا النموذج: مشاركة شكلية تُنتج إحساسًا زائفًا بالاندماج، مقابل تعليق السؤال الحقيقي عن القرار والمحاسبة، في هذه الحالة، لا نكون أمام شراكة في بناء الدولة، بل أمام طمأنة نفسية متبادلة، تُريح الجميع مؤقتًا، لكنها تُفرغ الفعل العام من معناه، وتحول الإعمار إلى طقس، لا إلى سياسة.
عنب بلدي
——————————–
جهود سورية لاستعادة الغابات المحروقة وتعويض الخسائر/ حسام رستم
22 ديسمبر 2025
بعد سنوات من الحرائق المتكررة التي التهمت مساحات واسعة من الغابات السورية، لم تعد إعادة التحريج مجرّد نشاط موسمي أو مبادرة رمزية، بل تحوّلت إلى أولوية بيئية ووطنية في ظل تصاعد آثار تغيّر المناخ، وتراجع الغطاء النباتي، وتزايد مخاطر التصحر.
وبينما لا تزال آثار الحرب والحرائق والجفاف ماثلة في المشهد الطبيعي، تتقدّم جهود حكومية وأهلية لإعادة الحياة إلى الغابات المحروقة، في محاولة لاستعادة الرئة الخضراء لسورية. وشهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات حرائق هائلة، ولا سيّما في مناطق الساحل وشمال غربي البلاد. وبحسب وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، بلغت خسائر حرائق الغابات هذا العام أكثر من 15 ألف هكتار من الأراضي الحرجية والزراعية في ريف اللاذقية وحده، ما يمثل نحو 4% من إجمالي الغطاء الحراجي في البلاد.
تركت هذه الخسائر آثاراً مباشرة على البيئة المحلية، وجودة الهواء، والموارد المائية، بالإضافة إلى تضرر سبل عيش آلاف الأسر المعتمدة على الزراعة. وفي مواجهة هذا الواقع، بدأت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بتنفيذ خطط لإعادة تحريج المناطق المتضررة. ويؤكد مدير دائرة الإعلام في الوزارة، دياب أبو طلال، أن الوزارة أطلقت حملات تحريج في عدد من المحافظات، شملت محافظة حماة، على أن تتواصل خلال الفترة المقبلة في ريف دمشق واللاذقية وحلب. ويوضح لـ”العربي الجديد” أن برامج إعادة التشجير انطلقت مع بداية فصل الشتاء، باعتباره التوقيت الأنسب لزراعة الغراس الحراجية وضمان استقرارها ونموها.
وتعتمد خطط التحريج على شراكة بين جهات رسمية وأهلية عدة، تشمل وزارة الإدارة المحلية والبيئة، والمحافظات، واتحاد الفلاحين، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد). ويهدف هذا التعاون إلى توسيع نطاق العمل وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في حماية الغابات المزروعة حديثاً، بحسب أبو طلال.
ويضيف: “تمتلك الغابات قدرة طبيعية على التجدد خلال نحو عامين بعد الحرائق، وفي حال عدم تحقق ذلك، يجري التدخل بزراعة أصناف ملائمة ومقاومة، بما يضمن استعادة التوازن البيئي تدريجياً”. ويشير إلى أن حملات التشجير تركز حالياً على زراعة أصناف حراجية مدروسة، قادرة على التكيّف مع الظروف المناخية القاسية، أبرزها الصنوبر الحلبي، الكازورينا، الطرفاء، الأكاسيا سيانوفيلا، العفص، النخيل المروحي. ويعود اختيار هذه الأنواع إلى قدرتها على مقاومة الجفاف والحرائق، وسرعة نموّها، ودورها في تثبيت التربة والحد من الانجراف”.
وفي هذا الإطار، أطلقت محافظة ريف دمشق قبل أيام حملة “ريفنا أخضر”، بالتعاون مع وزارتَي الزراعة والإدارة المحلية والبيئة، بهدف زراعة 500 ألف غرسة حرجية ومثمرة في مختلف مناطق الريف.
ويكشف وزير الزراعة أمجد بدر لـ”العربي الجديد” أنّ تراجع الغطاء النباتي في سورية يجعل توسيع المساحات الخضراء ضرورة بيئية ملحّة، مؤكداً أن حملات التشجير جزء من استراتيجية وطنية طويلة الأمد لمعالجة الأراضي المتضررة وترسيخ ثقافة حماية البيئة.
بدوره، يؤكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح لـ”العربي الجديد” أن “حلم زرع مليون شجرة بدأ يتحقق”، في ظل ما تعانيه البلاد من تصحر وجفاف يؤثران على مختلف القطاعات، وليس الزراعة فقط
وإلى جانب الجهود الرسمية، برزت حملات تطوعية أطلقها ناشطون وشباب، تستهدف المناطق المتضررة في اللاذقية، وطرطوس، وجبلة، وريف حمص، وحماة، ومناطق أخرى. وتسعى هذه المبادرات إلى ترميم النُّظم البيئية المتضررة، وتعزيز الوعي البيئي، وجمع التمويل لدعم عمليات التشجير.
كما أطلقت وزارة الزراعة بالتعاون مع محافظة إدلب الشهر الفائت حملة “معاً لنعيد إدلب خضراء”، التي نجحت في تشجير عدد من المناطق وتوزيع نحو 200 ألف غرسة زيتون، دعماً للغطاء النباتي وإعادة التوازن البيئي.
وعلى الرغم من هذه الجهود، تواجه عملية إعادة الحياة للغابات تحديات كبيرة، أبرزها نقص المعدات والآليات الثقيلة، واشتداد آثار تغيّر المناخ، والحاجة إلى الريّ في بعض المناطق من دون توفر بنى تحتية كافية، إلى جانب التعديات على الغراس الحديثة عبر القطع أو الرعي الجائر، بحسب ما يوضح المهندس الزراعي محمد حديد لـ”العربي الجديد”.
ويؤكد حديد ضرورة معالجة أسباب الحرائق وفتح طرقات جبلية في الغابات، لمنع تكرار الكوارث، ومنع إشعال النيران، والتشدد في قوانين حماية الغابات، فضلاً عن التخلص من مخلفات الحرب والألغام، التي كان لها دور كبير في الحرائق الأخيرة.
ويعاني آلاف المزارعين في سورية إحدى أقسى موجات الجفاف التي تشهدها البلاد لأول مرة منذ أربعة عقود تقريباً، متأثرة بتراجع حاد في معدلات الأمطار، وانخفاض معدلات المياه الجوفية في معظم المحافظات، بالإضافة إلى جفاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت بمنزلة شريان حياة لملايين السكان.
وتشير بيانات الجمعية السورية للإغاثة والتنمية (سارد) إلى أن سورية خسرت منذ العام 2011 وحتى منتصف العام 2024 ما بين 90 إلى 120 ألف هكتار من الغابات الطبيعية، وتركّزت الخسائر الكبرى في المحافظات الساحلية مثل اللاذقية، إدلب، حماة، حمص.
وبين حجم الخسائر البيئية وضيق الإمكانات، تمثل حملات التحريج خطوة أساسية نحو استعادة الغابات السورية، غير أن نجاحها، في رأي البعض، يبقى مرهوناً باستمرار الدعم الرسمي، وتعزيز الوعي المجتمعي، وحماية الغراس المزروعة حديثاً، لضمان تحوّل هذه المبادرات من حملات موسمية إلى مسار مستدام يُعيد للغابات دورها الحيوي.
العربي الجديد
———————
========================
تحديث 21 كانون الأول 2025
———————————–
إزالة عقوبات قيصر… الفرصة المشروطة/ عبسي سميسم
21 ديسمبر 2025
كان يوم الجمعة هو اليوم الأول لسورية من دون عقوبات أميركية، بعد أن وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الخميس الماضي على قانون إزالة آخر وأصعب تلك العقوبات، المتمثلة بما عرف باسم “قانون قيصر”، بعد استبعاد صيغة الشروط الملزمة أو ما يتيح إعادته تلقائياً.
يرى كثير من السوريين أن هذا اليوم هو التحول الأهم في حياتهم منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي. وعبّر الرئيس السوري أحمد الشرع عن أهمية هذا اليوم واصفاً إياه بيوم التحوّل من مرحلة المعاناة، إذ من شأنه أن يحوّل سورية من دولة شبه منهارة اقتصادياً إلى دولة مزدهرة بالصناعة والتجارة والاستثمارات الخارجية. إلا أن هذا التحوّل لن يتم بالطريقة السحرية التي يتم من خلالها الترويج لإزالة هذه العقوبات. فإلغاء “قانون قيصر” لا يعني تحوّل سورية من الجحيم إلى النعيم، وإنما إعادتها الى نقطة الصفر كدولة طبيعية مثل سائر الدول، مع فارق أن هذه الإعادة أعطيت إليها كفرصة لتحقيق الازدهار، بحسب وصف الرئيس الأميركي.
وتقترن هذه الفرصة بنوعين من الالتزامات، الأول يرتبط بتنفيذ تعهدات قطعتها الحكومة السورية على نفسها تجاه واشنطن، والتي يأتي في مقدمتها عدم تشكيل أي تهديد مستقبلي لدول الجوار، في إشارة إلى إسرائيل، بالإضافة لإجراء تمثيل حقيقي لكل المكونات السورية، والتزامات أخرى ترتبط بهيكلة وزارة الدفاع والتعاطي مع ملف المقاتلين الأجانب، وغيرها من الشروط التي من الممكن أن يؤدي الإخلال بها إلى ضياع تلك الفرصة. أما النوع الثاني من “الشروط”، وهو الأهم، فيرتبط بمدى قدرة الحكومة السورية على استثمار موضوع رفع العقوبات لصالح تحسين الواقع المعيشي للمواطنين وتحقيق الازدهار الاقتصادي المنشود، والذي يتطلّب بالدرجة الأولى توفير بيئة آمنة لجذب الاستثمارات من خارج سورية، بالإضافة إلى تأمين بيئة قانونية مستدامة وجاذبة للاستثمار.
يتطلّب هذان الشرطان الأخيران وقتاً كافياً لطمأنة أي مستثمر يرغب في الدخول إلى السوق السورية، كما يتطلّب حكومة كفاءات قادرة على إعادة بناء بنى تحتية عصرية تواكب التطوّر المنشود، ما يتطلب بدوره الابتعاد عن سياسة الولاء في التعيينات واستبدالها بسياسة الكفاءات، إلى جانب معالجة شاملة لكل آثار الفساد التي خلّفها النظام البائد، سواء على مستوى تطوير القوانين الناظمة لعمل الجهات الحكومية أو على مستوى تطوير الإجراءات والنظم الإدارية البيروقراطية التي تحكم عمل مؤسسات الدولة. هذه المتطلبات وغيرها من الاحتياجات المرتبطة بمراعاة الجوانب الاجتماعية ضمن التحوّل الاقتصادي المنشود، تضع الحكومة السورية أمام تحدّيات كبيرة تتطلّب الكثير من الجهد والتشاركية، والتنازلات لتحقيقها.
العربي الجديد
———————————–
عنب بلدي تفتح ملف التشابكات المالية في سوريا/ وسيم العدوي
تريليونات الليرات وتكتم من وزارة المالية
منذ عقود، تراكمت التشابكات المالية بين الوزارات والمؤسسات العامة في سوريا لتتحول إلى أحد أعقد الملفات الاقتصادية والإدارية، إلى جانب ملفات الفساد الضخمة التي يتواصل كشفها تباعًا من قبل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية.
ولم تكن هذه التشابكات مجرد أرقام متداخلة في دفاتر المحاسبة، بل شكّلت انعكاسًا لخلل هيكلي في إدارة المال العام، وغياب المساءلة، وتداخل الديون بين الجهات الحكومية، ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الأزمة بؤرة للفساد وتعطيل المشاريع، وأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الانتقالية السورية في سعيها لإعادة بناء الاقتصاد.
وزارة المالية السورية امتنعت عن الإجابة عن أسئلة وجهتها عنب بلدي إليها، لمعرفة كيف عالجت ملف التشابكات المالية بين الجهات الحكومية زمن النظام السابق، وهل تم إسقاط هذه الديون (التي قدّر حجمها مصدر محاسبي سوري عام 2023، وفقًا لما نشرته صحيفة محلية آنذاك، بعشرة تريليونات ليرة سورية)، وهل تم اعتبارها خسائر أسوة بما فعله مصرف سوريا المركزي مع الودائع المجمدة للمصارف السورية في المصارف اللبنانية.
توجهت عنب بأسئلتها إلى أحد المديرين المسؤولين بالوزارة ذاتها (في اتصال هاتفي رفض خلاله الكشف عن اسمه لأسباب إدارية)، وأوضح أن قضية التشابكات المالية تتعدى عمل وزارة المالية، لأنها تتعلق بعمل كل الجهات والوزارات والمؤسسات التابعة لها.
وقال المسؤول، إن “تخلف الجهات العامة عن سداد الديون المترتبة عليها فيما بينها يمثل وجهًا من أوجه الفساد، وينبغي للجهات الرقابية الداخلية في كل وزارة التحقيق بشأنه، ثم إحالة الملفات إلى الأجهزة الرقابية العليا المعنية”.
وبرر المدير ذاته تكتم المعنيين في وزارة المالية بشأن التشابكات المالية، بعدم الرغبة في فتح ملفات ربما تعوق عمل الوزارة، وتركيزها على حل القضايا ذات الأهمية القصوى المتعلقة بعملها، وعلى رأسها “تحسين مستوى الرواتب والأجور للعاملين في الدولة والمتقاعدين، وإصلاح النظام الضريبي والمحاسبي، وقطاع التأمين، وإنهاء حالة التضارب في الصلاحيات والاختصاصات بين المالية ومصرف سوريا المركزي بشأن العلاقة مع المصارف العامة” وغير ذلك.
جذور الأزمة ومظاهر التشابكات
يرى الخبير والمستشار الاقتصادي السوري مهند الزنبركجي، أن التشابكات المالية ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمات طويلة، فقد تكبدت مؤسسات القطاع العام خسائر حادة جعلتها عاجزة عن السداد، بينما غابت الرقابة والمساءلة، وتفاقم التقاعس الإداري.
ومع اندلاع الحرب وبدء الثورة السورية عام 2011، وفرض العقوبات الدولية على سوريا، دخلت المؤسسات الحكومية في حالة شلل شبه كامل، ما جعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
تتجلى أزمة الديون الحكومية السورية في صور متعددة، وفقًا للخبير ذاته المختص بإدارة الأزمات، أبرزها:
تشابكات خدمية، حيث تدين أغلب الجهات العامة إلى وزارات الكهرباء والموارد المائية والنفط والثروة المعدنية سابقًا (الطاقة حاليًا) والصناعة والتجارة الداخلية والاقتصاد سابقًا (الاقتصاد والصناعة حاليًا)، ولا تلتزم بسداد الفواتير، وثمن السلع، والخدمات، والأدوية.
ومثال ذلك وزارة الصحة “المدينة” لمصلحة جهات حكومية أخرى “دائنة” مثل وزارتي الاقتصاد والتجارة الخارجية والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومعظم الديون ناجمة عن استيراد الأدوية، وتأمين “جعالات” الطعام في المستشفيات التابعة للوزارة.
تشابكات تمويلية من قروض تمت استدانتها من المصارف الحكومية لتأسيس شركات عامة أثبتت خسارتها على مدى سنوات ولم يتم تسديد الديون المترتبة عليها.
تشابكات ضريبية نتيجة عجز وتقاعس شركات القطاع العام الإنتاجية عن سداد ضرائبها بانتظام إلى وزارة المالية عبر الهيئة العامة للضرائب والرسوم ومديرياتها.
تشابكات تأمينات، ناجمة عن عجز بعض شركات القطاع العام عن سداد التأمينات المترتبة على منشآتها وموظفيها إلى التأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة السورية للتأمين ومؤسسة التأمين والمعاشات.
تشابكات مخالفات مرورية، إذ كانت جميع الوزارات تدين إلى إدارة المرور، وذلك بالتغافل عن دفع مخالفات المرور للآليات التابعة لها.
وأوضح الخبير الزنبركجي أن هذه الأمثلة تكشف أن المشكلة ليست محاسبية فقط، بل هي انعكاس لخلل هيكلي في إدارة المال العام.
الأبعاد الاقتصادية
انعكست التشابكات المالية على الاقتصاد السوري بشكل مباشر، فقد أدى غياب أرقام دقيقة للدين العام إلى فقدان مصداقية الإدارات المالية الحكومية، بينما عطّل تراكم العجز الهائل الإنفاق الحكومي الاستثماري على المشاريع الجديدة.
كما أسهم ترحيل الأعباء المالية من سنة إلى أخرى في رفع معدلات التضخم بشكل تراكمي، وجعل فك هذه التشابكات أكثر صعوبة بعد دمج بعض الوزارات عقب سقوط النظام السابق.
وقال الخبير الاقتصادي السوري، إن الديون الحكومية نجم عنها:
خسائر حادة في العديد من مؤسسات وشركات القطاع العام، جعلتها غير قادرة على سداد أي من ديونها لعدة جهات حكومية أخرى.
غياب تام للمساءلة وضعف جهات الرقابة الداخلية في كل وزارة ومؤسسة، بالإضافة إلى غياب شبه كامل للأجهزة الرقابية والتفتيشية.
التقاعس والتغافل عن تسديد الديون الناتج عن عدم الانضباط المالي واللامبالاة في فترة ما قبل الحرب ولسنوات طويلة.
الحرب الطويلة والعقوبات الدولية التي استمرت أكثر من 14عامًا وأدت إلى شلل شبه تام في حركة المؤسسات والشركات والمعامل الحكومية، وبالتالي عجزها الكامل عن السداد.
وتبقى مخاطر استمرار هذه التشابكات دون تسوية جذرية ماثلة أمام الجميع لجهة الفساد المالي والفساد الإداري، بحسب الخبير السوري، نتيجة عدم وجود أي مساءلة من الجهات المختصة ذات الصلة كالهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية أو الجهات الأخرى المسؤولة عن متابعة شؤون مجلس الوزراء في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ووزارة المالية.
أما تحويل الديون إلى ديون معدومة، فيؤكد الزنبركجي أنه سيسبب تضخمًا في العجز، وتراجع قدرة الدولة على إنجاز أي تخطيط لمشاريع مستقبلية أو تنفيذها، وبالتالي الوصول إلى شلل حكومي كامل.
معالجة التشابكات المالية
أكد الخبير الاقتصادي والاستشاري أن الحلول لهذا الملف الشائك تستوجب “مساءلة الوزراء، والمديرين العامين والماليين في الوزارات والشركات الذين كانوا على رأس عملهم خلال فترة حكم النظام السابق، والتحقيق في كيفية منحهم براءات ذمة عند انتهاء مدة عملهم مع الدولة، دون أي مدونات تسليم واستلام أصولًا بينهم وبين بدلائهم عن الأعمال الواجب تتمتها، والذمم المالية للمؤسسة (ما لها وما عليها) تجاه باقي الجهات الحكومية”.
ويضاف إلى ذلك ضرورة إجراء:
تسوية عامة من قبل وزارة المالية عبر الخزينة العامة بعد جرد شامل، ما أمكن، للذمم المترتبة لكل وزارة تجاه أخرى أو تجاه عدة وزارات.
إعادة هيكلة المؤسسات العامة الخاسرة ودمجها لتصبح شركات قابضة تدار بعقلية وآلية ورواتب الشركات القابضة العالمية، ولكن تبقى ملكيتها للدولة، وفي هذا الطرح فوائد كبيرة جدًا لخزينة الدولة وتوفير آلاف الوظائف.
تدقيق مالي داخلي شهري (Internal Audit) في الإدارات المالية لكل وزارة ومؤسسة شركة ومعمل.
تدقيق مالي خارجي (External Audit) على جميع الإيرادات والمصاريف والذمم في كل وزارة ومؤسسة وشركة أو معمل تابع للدولة.
دروس من التجارب الدولية
يرى الزنبركجي أن هناك عدة تجارب ناجحة في بعض دول أوروبا الشرقية، مثل رومانيا وهنغاريا، اللتين اعتمدتا على إصلاح مؤسسي مترافق مع إصلاح مالي يستند إلى الشفافية لفك التشابكات مع رقابة حكومية صارمة، وإجراءات مشددة لعدم تكرار هذه التشابكات مستقبلًا.
وتم أيضًا طرح حل آخر يتمثل بـ”التقاص” بين الوزارات والجهات الحكومية، ومن الجهات التي لديها تشابكات مالية التأمينات الاجتماعية ومؤسسات وشركات الكهرباء والمياه والهاتف والجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، التي يجب عليها تحويل جزء من أرباحها لوزارة المالية، وغيرها الكثير من الجهات العامة.
الإطار القانوني والتشريعي
وكانت السلطتان التشريعية والتنفيذية في سوريا زمن النظام السابق، أصدرتا عددًا من القوانين لمعالجة ملف التشابكات المالية أبرزها:
القانون رقم “29” لعام 2011، الذي نص على حل التشابكات المالية بين الجهات العامة ومنح وزارة المالية صلاحيات لتسوية الديون المتبادلة.
القانون رقم “25” لعام 2017، الذي منح إعفاءات من الفوائد والغرامات عند تسديد الضرائب والرسوم المتراكمة.
القانون الصادر عام 2023، لحل التشابكات وتسديد بعض السلف الممنوحة للجهات العامة، بهدف الوصول إلى قوائم مالية صحيحة وتسريع تنفيذ المشاريع.
كما أصدرت رئاسة الجمهورية الحالية، المرسوم رقم “275” لعام 2025، القاضي بإعفاء المكلفين بضريبة دخل الأرباح الحقيقية والضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى، ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل من كامل الفوائد والجزاءات والغرامات.
التشابكات المالية في سوريا ليست مجرد أرقام متراكمة، بل هي إرث ثقيل من الفساد الإداري والمالي، الأمر الذي يحتم على الحكومة الانتقالية معالجة هذا الملف من خلال إصلاح تشريعي شامل، وهيكلة مالية جذرية، تعيد الثقة بالمالية العامة، وتفتح الطريق أمام الاستثمارات الحكومية.
عنب بلدي
———————————-
إنهاض سوريا من دمارها/ فايز سارة
ثمة ظاهرة تبدو عصية على الفهم في سوريا، وهي أن مؤشرات الفقر لا تعكس حقيقة واقعه. وإذا كانت أرقام المنظمات الدولية تجمع على تجاوز عدد الفقراء ما نسبته التسعون في المائة من إجمالي السكان، فإنَّ المؤشرات الظاهرة لا توحي بأن النسبة تتجاوز الثلاثين في المائة، أو الأربعين في المائة في الحد الأقصى، مما يعني أن نسبة الفقر في البلاد هي أقل من خمسين في المائة، وهو تقدير غير حقيقي، تختفي في خلفيته ممارسات وسياسات تجعل الفقر يخبئ مؤشراته، أو يخفف الظاهر منها. أول عوامل التخفيف من مؤشرات الفقر سياسة السترة الحاضرة والمستمرة في الحياة السورية، التي تعتبر الفقر عيباً أو ما يشبه العيب؛ فتعمل الأسر، كما يعمل الأفراد، على تخبئة الفقر بعفة النفس، وإظهار الاكتفاء في تلبية الاحتياجات الأساسية، خصوصاً في الطعام والشراب واللباس، وهي بوابات الصرف الأساسية، وهذه السياسة حاضرة في المدن والقرى على السواء، بل إنها في الأخيرة وفي بعض المناطق تبدو ظاهرة عامة لحماية المجتمع.
ثاني العوامل يستند إلى التضامن الاجتماعي، الذي ظهر في سنوات الثورة وحرب نظام الأسد على السوريين بمستويين: الأول تضامن الأفراد والعائلات بين الأصول والفروع والجوار في الاتجاهين، والثاني مستوى التضامن العام، وقد غطَّت تبرعات ومدفوعات السوريين في الخارج من أفراد وجماعات مدنية وأهلية قسماً كبيراً من احتياجات السوريين في مدن وقرى الداخل، وساعدت بعض السوريين المهجَّرين في بلدان، بينها لبنان وتركيا، وقد حملت التبرعات قرى ومدناً كاملة لسنوات طويلة، وساعدت إلى جانب التبرعات الدولية في حماية السوريين من الجوع وانهيار بنياتهم الاجتماعية بصورة شاملة، وإن كانت أضعفتها.
لقد ساهمت ممارسات وسياسات السوريين في سنوات الثورة الأولى (2011 – 2018) في التخفيف من مظاهر وآثار الفقر الذي سبَّبه الدمار والبطالة والتهجير، غير أن إطالة أمد الحرب، وتزايد وحشية نظام الأسد في نهب السوريين، ووقف المساعدات الدولية وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فاقمت أوضاع السوريين، وأخذ الفقر ينشب أظفاره فيهم، ومظاهره تزداد حضوراً في حياتهم، إضافة إلى تعميم الفقر أيضاً وتجاوزه نسبة التسعين في المائة.
وبعد إسقاط نظام الأسد وولادة نظام جديد في سوريا، ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان الاتجاه إلى تأمين أوضاع السوريين ومراعاة ظروفهم المعاشية الصعبة، لا سيما لجهة مواجهة متطلبات الحياة الأساسية، وفيها تأمين الغذاء والماء، والسكن والصحة والعمل والتعليم، مما ولَّد حراكاً سورياً عامّاً في ثلاثة مستويات.
المستوى الأول قامت به الإدارة الجديدة، التي نشطت في إعادة بناء أجهزة ومؤسسات الدولة، وفق أسس جديدة، تقوم على خلاف ما كانت عليه المؤسسات السابقة، وإعادة تشغيلها، ورغم أنه كلف وقتاً وجهداً كبيرين، ونتائجه كانت أقل من المطلوب، بفعل عوامل داخلية وخارجية الأهم فيها تركة الدمار الثقيلة التي خلفها نظام الأسد في الداخل، والعقوبات الدولية المفروضة على سوريا، فقد تحققت خطوات مهمة في المستويين الداخلي والخارجي فتحت الأبواب، عبر سياسات وإجراءات تنظيمية وإدارية، تقود نحو تحسن الوضع.
المستوى الثاني مستوى من شراكة بين مؤسسات الحكومة والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، وقد ولدت في حاضنة هذا المستوى حملات تبرع في أغلب المحافظات، وفي مدن وقرى فيها، تؤدي إلى إقامة مشروعات هدفها إنهاض الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
والمستوى الثالث، وهو الأهم بحكم قاعدته الشعبية، التي خلقت نشاطات في مجموعتين: الأولى فيها مكونة من منظمات عمل مدني وأهلي، بعضها قديم نقل نشاطاته من الخارج إلى سوريا، والبعض الآخر جرى تشكيل جماعاته ومنظماته في العام الماضي بعد سقوط النظام، والمجموعة الثانية من حلقات ومجموعات ومبادرات «غير منظمة» يقف خلفها ناشطون وفاعلون في المجتمع من رجال أعمال ومثقفين وطلبة جامعات وغيرهم، وتتشارك المجموعتان في تقديم الدعم والمساندة للسكان في البيئات المحلية، ويمتد طيف المساعدات والدعم في مجالات كثيرة، منها تقديم الدعم الإغاثي على نحو ما جرى في السنوات الماضية، لكن فيه أشياء جديدة ومحدثة، مثل التعليم والتدريب ودعم مشاريع العمل والتشغيل وخلق المبادرات في قطاعات الإنتاج والخدمات.
إنَّ التقييم الأولي لما يجري من مبادرات نحو تحسين أوضاع الفئات الضعيفة في المجتمع السوري في المستويات الثلاثة ليس كافياً ولا يلبي المطلوب، لكنه يعكس رغبة إيجابية في تصدٍّ عملي ومشترك لما يمثل حاجات ملحَّة من جهة، ويعكس إحساساً بأن تلك الأعمال تتطلب تشاركية سورية واسعة بين الدولة والمجتمع.
لقد قارب السوريون تحدي ظروفهم الصعبة بصورة تكاد تكون عفوية، ومن خلال مبادرات متعددة، وكثير منها عفوي أو تقليدي، مما يفرض ضرورة تقدم مؤسسات الدولة ومؤسسات وأصحاب الخبرة السورية لدعم تلك المبادرات وتطويرها وتثميرها إلى الحدود القصوى بحيث تكون الجموع السورية قوى في إنهاض سوريا من دمارها، وقوة تشارك بنشاط في إعادة إعمار سوريا المقبلة.
الشرق الأوسط
———————————–
رفع العقوبات عن سوريا: تحول أميركي حذر يفتح باب الاستقرار/ محمد الشهراني
بين الانفراج الإنساني والطموح الاستثماري يرى خبراء أن القرار يؤسس لمسار تدريجي لإعادة الأمن والاقتصاد ضمن مقاربة جديدة مشروطة بالحوكمة والتفاهمات الإقليمية
السبت 20 ديسمبر 2025
يرى عضو البرلمان العربي وعضو مجلس النواب البحريني الدكتور هشام أحمد العشيري أن قرار إلغاء العقوبات يمثل تطوراً لافتاً في المقاربة الأميركية، ويعكس إدراكاً متزايداً لمحدودية فاعلية سياسة العقوبات الشاملة، التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية، وأسهمت في تعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف السوري، فتح قرار رفع العقوبات المفروضة على دمشق نقاشاً واسعاً حول تداعياته الإنسانية والاقتصادية والأمنية، وسط تقديرات بأن الخطوة تمثل تحولاً مهماً في المقاربة الأميركية، من دون أن تعني انفراجاً فورياً أو حلاً شاملاً للأزمة.
ويرى خبراء ومحللون في تصريحات لـ”اندبندنت عربية” أن القرار يؤسس لمسار تدريجي لإعادة الاستقرار، ويضع سوريا أمام مرحلة جديدة مشروطة بالحكم الرشيد، والاستقرار الأمني، وإصلاح البيئة الاقتصادية.
يؤكد مدير مركز تقدم للحوار والتنمية وبناء السلام عبدالله الغضوي أن المقاربة الأميركية تجاه سوريا تشهد تحولاً واضحاً مقارنة بستة عقود مضت، مشيراً إلى أن السياسة الحالية باتت تتعامل مع سوريا ضمن ما يمكن وصفه بـ”المظلة الأمنية الأميركية”.
ويوضح الغضوي أن دخول أي دولة ضمن التحالف الدولي لا يتم إلا بموافقة واشنطن، مما يعني وجود رعاية أميركية كاملة، لافتاً إلى أن مشاركة سوريا في منتدى يضم نحو 20 دولة “موثوقة” يعكس مستوى متقدماً من الثقة والمسؤولية السياسية والأمنية.
ويضيف مدير مركز تقدم أن هذا التحول “يفرض على الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة في رفع العقوبات، وفي مقدمتها قانون قيصر”، مؤكداً وجود إرادة أميركية لأن تكون سوريا دولة آمنة ومستقرة، وهو ما يستدعي متابعة هذا المسار إقليمياً ودولياً، بما في ذلك وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، انسجاماً مع التوجه الأميركي لترسيخ الاستقرار في المنطقة.
بوابة تحسن الأوضاع
على الصعيد الاقتصادي والإنساني، يرى الغضوي أن إلغاء العقوبات يشكل عاملاً محورياً لتحسين الأوضاع، إذ كانت القيود المفروضة واحداً من أبرز العوائق أمام الاستثمار والعمل الاقتصادي خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الدول.
ويشير إلى أن الخطوة التالية لرفع قانون قيصر تتمثل في تحسين البنية التحتية الاقتصادية، من خلال السماح بدخول الأموال الخارجية، وبدء العمل بنظام “سويفت”، وهي إجراءات قد تبدو فنية لكنها تشكل ضمانة حيوية للاستقرار.
ويكشف عن فترة تقييم تمتد لثلاثة أشهر يعقبها استمرار رفع العقوبات، مما يفتح المجال أمام مستويات مختلفة من الاستثمار، تبدأ بالمستثمرين المحليين، وتحريك أموال مجمدة، وإعادة تشغيل قطاعات اقتصادية توقفت بسبب القيود.
ويقدّر الغضوي أن هذه التحركات قد ترفع مستوى الاقتصاد المحلي بنحو 10 في المئة في مرحلتها الأولى، تليها لاحقاً استثمارات خارجية، ثم استثمارات الدول، مرجحاً أن يشكل رفع العقوبات الكامل خلال تسعة أشهر “نهاية مسار الظلام الاقتصادي والإنساني في سوريا”.
وفي المقابل، يحذر الغضوي من توقع انفراج استثماري سريع، موضحاً أن المستثمرين الأجانب ما زالوا يتحفظون بسبب عاملين رئيسين: الأول قانوني، وقد تمت معالجته إلى حد كبير برفع قيصر، والثاني أمني.
ويؤكد أن الضمانات الأمنية المرتبطة برفع العقوبات تشمل مشاركة جميع المكونات، وحماية الأقليات، ومكافحة تنظيم “داعش”، مما يمنح سوريا مكسبين متلازمين: استعادة الأمن، ثم التعافي الاقتصادي، قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار التي ستتطلب وقتاً أطول.
من جانبه، يرى عضو البرلمان العربي وعضو مجلس النواب البحريني الدكتور هشام أحمد العشيري أن قرار إلغاء العقوبات يمثل تطوراً لافتاً في المقاربة الأميركية، ويعكس إدراكاً متزايداً لمحدودية فاعلية سياسة العقوبات الشاملة، التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية، وأسهمت في تعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري.
أدوات الضغط على دمشق ستبقى
يشير العشيري إلى أن القرار لا يعني التخلي عن أدوات الضغط، بل الانتقال إلى نهج أكثر انتقائية ومرونة، يقوم على تخفيف القيود الاقتصادية العامة مع الإبقاء على آليات الاستهداف والمساءلة للأفراد والكيانات المتورطة في انتهاكات جسيمة. ويضيف أن هذا التوجه يوازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي والاعتبارات الإنسانية من جهة، والحسابات السياسية والأمنية من جهة أخرى.
ويؤكد أن الانخراط الاقتصادي المنضبط قد يكون أكثر فاعلية من سياسات العزل، موضحاً أن إلغاء العقوبات يمكن أن يخفف المعاناة في القطاعات الحيوية المرتبطة بحياة المواطن اليومية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، عبر تسهيل استيراد المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، وتقليص حالة الشلل التي أصابت الخدمات العامة.
ويشير العشيري إلى أن القرار قد يقلل من حالة “الإحجام المفرط” لدى المؤسسات المالية والشركات الدولية، التي كانت تتجنب التعامل مع سوريا حتى في المجالات الإنسانية، خوفاً من التعقيدات القانونية، مما قد يوسع نطاق العمل الإنساني والتنموي ويحسن كفاءة إيصال المساعدات.
وفي ملف إعادة الإعمار، يوضح العشيري أن رفع العقوبات يفتح نافذة مهمة لكنها مشروطة، تتطلب أطر حوكمة وشفافية واضحة، وضمان توجيه الموارد لخدمة المواطنين، بعيداً من الفساد واقتصاد الظل. ويضيف أن الرسالة الاقتصادية للقرار قد تسهم في تحريك الاقتصاد تدريجياً، خصوصاً عبر تقليص أخطار العقوبات الثانوية التي أعاقت الاستثمارات في قطاعات الطاقة والإعمار والخدمات.
عودة حذرة
ويرى أن القرار قد يشجّع عودة جزئية وحذرة لرؤوس الأموال السورية في الخارج، خصوصاً في الأنشطة التجارية والعقارية والخدمية، لكنه يحذر من المبالغة في توقع انتعاش سريع، مشدداً على أن بيئة الاستثمار لا تحكمها العقوبات وحدها، بل عوامل الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح التشريعات، وحماية المستثمرين، وسلامة النظام المصرفي.
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي وأستاذ المحاسبة بجامعة الطائف الدكتور سالم باعجاجة أن إلغاء العقوبات يمثل خطوة بالغة الأهمية، لتخفيف المعاناة الإنسانية بعد سنوات من القيود التي أثقلت كاهل المواطنين، وقيّدت الاقتصاد، وأضعفت القطاعات الأساسية. ويشير إلى أن أولى النتائج الإيجابية تتمثل في تحسين الوصول إلى الغذاء والدواء والوقود، وتسهيل دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، وتحسين أداء المستشفيات والمراكز الصحية.
ويضيف أن رفع العقوبات يسهم في تنشيط الاقتصاد وتشجيع الاستثمارات، مما ينعكس على توفير فرص العمل وزيادة الدخل، ويقلل الاعتماد على المساعدات الإنسانية. ويؤكد أن القرار يسهل عمل المنظمات الإغاثية، ويحد من العوائق القانونية واللوجيستية التي كانت تعرقل وصول المساعدات.
ويخلص باعجاجة إلى أن إلغاء العقوبات لا يمثل حلاً شاملاً لكل الأزمات، لكنه يشكّل خطوة أساسية نحو تخفيف المعاناة الإنسانية، وتحسين ظروف المعيشة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً تمهّد لإعادة الإعمار والتعافي الاجتماعي.
————————————–
الغاز الإسرائيلي وهندسة الشرق الأوسط/ إبراهيم حميدي
تزامنا مع إلغاء “قانون قيصر” والاتفاق بين القاهرة وتل أبيب
20 ديسمبر 2025
عاد الغاز الإسرائيلي إلى الواجهة، لا بوصفه حلاً تقنياً لأزمة طاقة سورية ولبنانية، بل كأداة سياسية في لحظة إقليمية دقيقة، تزامناً مع إلغاء “قانون قيصر” الأميركي وتوقيع اتفاق جديد لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
مشروع “الأنبوب العربي”، الذي طُرح للمرة الأولى عام 2021 لنقل الغاز من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، يعود إلى الأروقة التفاوضية بصيغة أكثر حساسية. غاز إسرائيلي بغطاء أميركي. غير أن ما تغيّر لا يقتصر على طبيعة الغاز، بل يشمل البيئة السياسية، إذ بات ملف الطاقة مدخلاً لإعادة صياغة المقاربة الأميركية في ظل توجه إدارة دونالد ترمب لدعم الحكم السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع وتكريس الهزائم الإيرانية وهندسة شرق أوسط جديد.
طوال سنوات، شكّل “قانون قيصر” العمود الفقري لسياسة العزل الأميركية لـ”سوريا الأسد”. ورغم الحديث المتكرر عن إعفاءات، بقي القانون سيفا يقطع أي انخراط اقتصادي منظم مع دمشق. إلغاؤه اليوم يعكس تحوّلاً في التفكير داخل واشنطن في التعاطي مع سوريا ما بعد الأسد.
هنا، يكتسب مشروع الغاز وظيفة جيوسياسية تتجاوز مسألة الطاقة. وإدخال الغاز الإسرائيلي في المعادلة نقل المشروع إلى مستوى أكثر حساسية، وحوّله إلى أداة أميركية غير معلنة بين دمشق وتل أبيب. فواشنطن تراهن على استخدام الطاقة كحافز لتحريك مسار تفاهمات أمنية، لا تصل حاليا إلى اتفاق سلام، لكنها تؤسس لوقائع جديدة.
غير أن هذا المسار يصطدم بعقدة الانسحاب والتموضع العسكري الإسرائيلي، إذ تصر دمشق على العودة إلى خطوط ما قبل 7 ديسمبر/كانون الأول، فيما تسعى تل أبيب إلى تكريس احتلالها “المنطقة العازلة” ومرصد جبل الشيخ ومناطق توغلت فيها بعد 8 ديسمبر. هنا يتحول الغاز إلى ورقة مقايضة تُستخدم لتخفيف الضغوط الاقتصادية مقابل مرونة سياسية وأمنية مضبوطة. اقتراح واشنطن، هو أداة تحفيز ناعمة لضم سوريا في شبكة مصالح إقليمية تضيق فيها هوامش عودة النفوذ الإيراني.
في لبنان، يكتسب المشروع بعداً إضافياً لا يقل أهمية. فواشنطن لا تنظر إلى أزمة الطاقة بوصفها أزمة خدمات فحسب، بل باعتبارها أحد أسلحة نزع سلاح “حزب الله”. ومن هذا المنطلق، يندرج الدعم الأميركي للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمحاور وحيد، وتقوية الجيش. وفي هذا المعنى، يصبح الغاز أداة لإعادة رسم التوازنات اللبنانية بعد نكسات “الحزب” وإيران.
ضمن هذا المشهد المشرقي، يأتي الإعلان الإسرائيلي عن توقيع اتفاق جديد لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر، بقيمة تقارب 35 مليار دولار، ليضيف بعداً مكملا إلى الصورة. فالصفقة، التي وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل، لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تؤكد انتقال الغاز الإسرائيلي إلى مرتبة ركيزة إقليمية معترف بها. كما أن توسيع اتفاق عام 2019، ورفع الكميات المورّدة اعتماداً على إنتاج حقل ليفياثان، يعنيان عملياً تثبيت مصر بوابة لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، في لحظة يبحث فيها الغرب عن بدائل للغاز الروسي.
هذا التطور الذي يواكب احتدام الصراع على غاز المتوسط وترسيم الحدود البحرية بين قوى إقليمية أخرى مثل تركيا واليونان وقبرص وسوريا ولبنان وليبيا، عزز موقع القاهرة كمركز إقليمي للطاقة، لكنه في الوقت نفسه يوفّر الغطاء السياسي واللوجستي لمسار “الأنبوب العربي”. وليس تفصيلاً أن تكون شركة “شيفرون” الأميركية، المشغّلة لحقل ليفياثان، في صلب هذه المعادلة، ولا أن تُبدي اهتماماً متزايداً بالاستثمار في سوريا بعد لقائها الرئيس أحمد الشرع، ضمن اهتمام دمشق بحل مشكلة الطاقة عبر الغاز من أذربيجان أو قطر برعاية تركية، إلى حين حل مشاكل إنتاجه محليا.
ولفهم ما يحصل، يمكن العودة إلى التاريخ. ففي عام 2021، أبلغ آموس هوكشتاين، أحد كبار دبلوماسيي الطاقة في وزارة الخارجية الأميركية، بيروت بأن “خط الغاز العربي” مستثنى من عقوبات “قانون قيصر” الخاصة بسوريا، إلا أن وزارة الخزانة الأميركية رفضت منح الموافقات اللازمة. حالياً، ما عزّز إحياء هذا المسار هو إلغاء “قيصر” بعد تصويت الكونغرس وموافقة الرئيس ترمب.
أما جذور مشروع الغاز والهندسة الإقليمية، فتعود إلى الصفقة الأردنية–الإسرائيلية عام 2014 لـ”ترسيخ محور الاعتدال في الشرق الأوسط بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل”، إذ رعى هوكشتاين في 2012 مفاوضات بين تل أبيب وعمّان، أسفرت عن اتفاق بين شركة الكهرباء الأردنية وتجمع شركات حقل ليفياثان، ممثلة بشركة أميركية لتوفير الغاز لإنتاج الكهرباء.
وتوالت بعد ذلك اتفاقات بين شركات مصرية وإسرائيلية، إلى أن تم التوصل مطلع عام 2018 إلى اتفاق الغاز الثنائي، ثم أعلنت القاهرة أن “استيراد الغاز من إسرائيل يجعلها مركزاً إقليمياً للطاقة ولاعباً في غاز شرق المتوسط”، عبر إعادة تصديره إلى أوروبا، وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط مطلع عام 2019.
حاليا، لا يعكس موت “قانون قيصر” وإحياء الغاز الإسرائيلي و”الأنبوب العربي” والربط الكهربائي السوري-الأردني-اللبناني انفراجاً تقنياً، بل تحولاً استراتيجياً ترمي واشنطن عبره إلى ربط ملفات الطاقة والجغرافيا والمياه الإقليمية لهندسة الشرق الأوسط. سوريا تعود إلى الخريطة بوصفها عقدة عبور وتنافس، ولبنان يُدفع نحو مسار اقتصادي–تفاوضي يحدّ من نفوذ “حزب الله”، ومصر تُكرَّس مركزاً إقليمياً للطاقة، والأردن ممرا للغاز والكهرباء، فيما يتحول الغاز إلى لغة السياسة الجديدة. طاقة مقابل استقرار، واقتصاد مقابل نفوذ، في لحظة تعيد فيها واشنطن رسم أدواتها وأولوياتها في المنطقة.
المجلة
—————————-
لا ديمقراطية بلا برجوازية وطنية/ د. أسامة القاضي
ديسمبر 21, 2025
أطلق عالم الاجتماع والتاريخ الأميركي بارينغتون مور (1913-2005) عبارة “لا ديمقراطية بدون برجوازية” في كتابه المؤثر الصادر عام 1966 بعنوان “الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية: السيد والفلاح في تشكيل العالم الحديث”، ويقصد أن وجود طبقة وسطى مستقلة اقتصادياً وذات نفوذ سياسي (برجوازية) شرط أساسي لتطور الديمقراطية البرلمانية واستقرارها.
ووفقًا لمور، فإن التسلسل المؤدي إلى الديمقراطية يتطلب ظهور طبقة تجارية وصناعية مستقلة في المدن، لتصبح تدريجياً قوة مؤثرة، ومهمة هذه البرجوازية كبح جماح سلطة كل من النظام الملكي والطبقة الأرستقراطية التقليدية المالكة للأراضي وتتمتع بحقوق ملكية آمنة، ونظام قانوني، وتمثيل سياسي.
ظهور الطبقة الوسطى وتمكينها في المجتمع هو الذي يخلق البرجوازية الوطنية التي تحتاجها الدولة للنهوض الاقتصادي، حيث شكلت الطبقة الوسطى في ألمانيا 70% (انخفضت مؤخراً إلى 64%)، وفي سنغافورة 75%، وفي كوريا الجنوبية 63%.
تم اعتبار الطبقة الوسطى عاملا قويا للانتقال الاجتماعي السياسي نحو الديمقراطية، وحجر الزاوية للحكم الديمقراطي، وتشير النتائج إلى أنه حيثما تكون الطبقة الوسطى كبيرة وقوية، فإن هناك احتمالات أكبر لأن تكون البلاد ديمقراطية مستقرة؛ والعكس بالعكس، فعندما تكون الطبقة الوسطى ضعيفةً، على الأغلب لا تكون هناك حياة ديمقراطية.
وذلك لكون البرجوازية تمتلك شركات ومصانع متوسطة وكبيرة لها مصلحة في حماية ممتلكاتها وتقليل تدخل الدولة في السوق، ودولة قانون تحمي ممتلكاتهم وتنظم عقودهم وتشريعات تضمن حرية الأسواق والحد الأدنى من التدخل الحكومي، ونظام قضائي عادل، وهي البيئة المناسبة لازدهار الأعمال والمصالح التي تخلق فرص عمل وتنهض باليد العاملة، وتزيد ثرواتهم ما يؤدي إلى تراكم رأسمالي لازم لنهوض الاقتصاد الوطني.
استخدم علماء الاقتصاد معايير نقدية معينة للإنفاق لتحديد حجم الطبقة الوسطى، كما يستخدم بعض الباحثين مقاييس نسبية، مثل الشرائح الخمسية للدخل المتوسط، أو دخل الفرد نسبة إلى متوسط نصيب الفرد من الدخل في المجتمع، وآخرون يستخدمون مقاييس مطلقة، مثل نصيب الفرد من الإنفاق في اليوم، والأكثر شيوعاً هو معيار الطبقات العليا والمتوسطة والدنيا، والطريف أن بعض الباحثين، للتبسيط، اعتبروا أن امتلاك الفرد لسيارة في بلدان العالم الثالث يشير إلى أن صاحبها من الطبقة الوسطى!
المقياس الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار هو الفرق في توزيع الدخل بين الطبقة الغنية والفقيرة، أو بصيغة أخرى؛ قياس درجة “المساواة الاقتصادية” وهو ما يقيسه مؤشر جيني (أو معامل جيني)، موضحاً مدى انحراف توزيع الدخل أو الاستهلاك عن المساواة التامة، ويتراوح بين 0 (مساواة تامة) و1 (عدم مساواة تامة). وقد طوّره عالم الإحصاء والاجتماع كورادو جيني (1884-1965)، وهو أداة أساسية لفهم التفاوتات في الثروة أو الدخل داخل الدولة.
تشير الأرقام الأعلى إلى تفاوت أكبر. مثلاً تتمتع الدولة التي يبلغ معامل جيني فيها 0.25 بمستوى منخفض نسبياً من عدم المساواة، أما الدولة التي يبلغ معامل جيني فيها 0.50 فتتمتع بمستوى أعلى بكثير من عدم المساواة. معامل جيني في الدانمرك هو 29.3، وفنلندا 27.9، بينما في ناميبيا 59.1.
التنمية الاقتصادية تعزز مكانة الطبقة الوسطى في المجتمع وتغير هيكل التقسيم الطبقي الاجتماعي من الشكل الهرمي، حيث أن غالبية المجتمع من الطبقة الدنيا من حيث الدخل، بينما تحول التنمية هذا الشكل الهرمي إلى شكل ماسي بحيث أن غالبية السكان من الطبقة الوسطى.
أعتقد أن الأنظمة الديكتاتورية – والنظام السوري البائد ليس استثناءاً – تُدرك أهمية الطبقة الوسطى ودورها في “دمقرطة” المجتمع ودفعه نحو المطالبة بحقوقه وتطبيق القانون نحو توزيع أفضل للثروة، ونحو عدالة مجتمعية، لذلك وجبت برأيهم محاربة الطبقة الوسطى وتلويثها بالفساد عن طريق الإمساك بخيوط اللعبة الاقتصادية حكومياً عبر واجهات تبييض الأموال الحرام التي جنتها واجهاتهم عن طريق الفساد والظلم، والأنكى إصدار قوانين وتشريعات تناسب مصالح الطبقة الطفيلية الفاسدة، مما يصيب البرجوازية الوطنية بمقتل.
البرجوازية الوطنية ستكون أمام خيارين، إما النأي بالنفس عن ممارسة النشاطات الاقتصادية الكبيرة والمؤثرة خشية ملاحقة مؤسسات أمنية متحالفة عضوياً مع “واجهات الأعمال” الفاسدة، إضافة لتضييق مؤسسات قانونية حكومية تعمل كأداة لتثبيت مكانة الفاسدين وتسهيل أمورهم، وبالتالي تنكمش البرجوازية الوطنية التي تستثمر الثروات المالية والبشرية الوطنية، والتي تخلق فرص عمل وتنهض بالمستوى المعيشي للطبقة الوسطى وتتيح لها الاستفادة من الخبرات الدولية في الإنتاج الوطني بمعايير دولية.
أو الخيار الآخر، وهو الانضمام لجوقة الأعمال الفاسدة والقبول بنسب فساد كبيرة وصغيرة للحفاظ على مكانتهم المجتمعية ومالهم من الضياع، وكانت الشركات القابضة السورية نموذجاً حياً على تلويث ماتبقى من البرجوازية الوطنية وتدمير الطبقة الوسطى السورية.
أظهرت بيانات مسح الإنفاق في سوريا بين العامين 2000 و2007 أن ما من تغيير طرأ على حجم الطبقة الوسطى التي كانت تشكل 58.5%، والميسورون 25.9%، والمعرضون للفقر 12%، والفقراء 3%، ولكن تقلصت الطبقة الوسطى إلى النصف من 56.5% عام 2007 إلى 26% عام 2013. إن الطبقة الوسطى كانت تتقلص سنوياً 9%.(حسب تقرير الطبقة الوسطى في البلدان العربية-الأسكوا -الأمم المتحدة 2014).
يقع على الحكومة السورية الحالية أن تأخذ بيد الشعب السوري ليكون معامل جيني بحدود 30 لتقليل حدة الفرق بين الغنى والفقر، وكذلك لتنقله بالتدريج حتى تشكل الطبقة الوسطى 60-70% عام 2035، والعمل على إزالة التفاوتات الاجتماعية بين طبقات المجتمع عن طريق التعليم المجاني الراقي، إضافة للسماح للتعليم الخاص.
وكذلك الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية المجانية مع تواجد القطاع الصحي الخاص، والأهم توفير البنية التحتية من طرق ومواصلات راقية لكل المدن والأرياف من قطارات ومتروات وطرق سريعة راقية، إضافة إلى توزيع المصانع والأسواق على كل الجغرافيا السورية بحيث نحقق “العدالة العمرانية” التي طرحتها مدينة حلب في دراستها العمرانية التشاركية والتي أرجو من كل المحافظات أن تحذو حذوها.
الثورة السورية
——————————–
التأسيس لما بعد «قيصر».. مسار التعافي الحقيقي بدأ فكيف نحمي عملية البناء من مخاطر الارتهان السياسي والاقتصادي؟/ هبا أحمد
ديسمبر 21, 2025
ما إن طويت صفحة «قيصر» بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2026، الذي تضمن مادة تُلغي القانون بالكامل، حتى دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً، مختلفة كلياً عما سبق، بل مختلفة حتى عما كانت عليه قبل عام. ومع أن سنة التحوّل السياسي، وما رافقها من تطورات، مهّدت للوصول إلى ما نعيشه اليوم، فإن أثر إلغاء «قيصر» بدا كأنه نقلٌ نوعيّ في السقف والسرعة معاً.
وبشكل متسارع، تنتقل سوريا من مرحلة الدمار إلى مرحلة البناء وإعادة الإعمار، مرتكزةً على عوامل دولية داعمة، من بينها إلغاء قانون «قيصر». فبمجرد الإلغاء اتضحت الرؤية، وشرعت البلاد في التخطيط لنقلها سريعاً إلى مرحلة التنفيذ. وكان لافتاً ما أعلنه الرئيس أحمد الشرع من أن «زمن بناء سوريا بدأ»، ولا سيما أن إلغاء «قيصر» ورفع العقوبات المفروضة على سوريا شكّلا تحولاً جذرياً متعدد الدلالات، من شأنه فتح نافذة واسعة في مسار سوريا الجديدة بعد سنوات طويلة من الضغوط والتحديات.
ويجمع مراقبون على أن إلغاء قانون «قيصر» ينقل سوريا من موقع «الدولة المُعاقَبة قضائياً» إلى موقع «الفاعل المحتمل» في الاقتصاد العالمي، ويدفع باتجاه النظر إليها كشريك محتمل في استقرار المنطقة، بما يرسل رسالة إلى مختلف الأطراف بأن الوقت قد حان للانخراط الفاعل في إعادة إعمار سوريا. في المقابل، يجمع آخرون على أن ذلك يتطلب من دمشق إعداد نفسها جيداً لاستثمار هذه الفرصة ضمن إطار إصلاحي حقيقي يشمل السياسات المالية والاقتصادية والحوكمة.
مرحلة البناء
وبعد إلغاء قانون «قيصر»، توجه الرئيس الشرع بالتهنئة إلى الشعب السوري بعد رفع العقوبات عن سوريا بشكل كامل، وبالشكر للرئيس الأميركي وأعضاء الكونغرس والدول التي ساندت الشعب السوري.
وقال الرئيس الشرع في كلمة من جبل قاسيون عبر حسابه على منصة (X): «الشعب السوري العظيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أتوجه إليكم من على سفح جبل قاسيون بالتهنئة والشكر لرفع العقوبات عن سوريا، فاليوم هو أول يوم وسوريا بلا عقوبات بفضل الله عز وجل، ثم بجهودكم وصبركم لأربعة عشر عاماً»، مضيفاً: «اليوم يومكم أيها الشعب السوري العظيم، ذهب زمن الوجع وبدأ زمن البناء بإذن الله، يداً بيد نبني هذا الوطن حتى نصل به إلى أعلى المراتب بإذن الله تعالى».
بدوره، قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إن إلغاء عقوبات قانون «قيصر» الأميركي يفتح آفاقاً استراتيجية لدمشق، وفي مقدمتها السعي للحصول على تصنيف ائتماني سيادي يُعيد دمج سوريا في النظام المالي العالمي، موضحاً أن إلغاء القانون لا يمثل مجرد تخفيف للعقوبات، بل يشكل إزالة لحاجز قانوني أساسي كان يعيق اندماج سوريا في النظام المالي الدولي.
ويُعدّ التصنيف الائتماني مؤشراً تعتمد عليه الوكالات الدولية لتقييم قدرة الدول على سداد ديونها ومستوى المخاطر الاستثمارية، كما يشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية، والاقتراض من الأسواق الدولية، والتعامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين.
وتنشر وكالات التصنيف الائتماني تقارير عن البنوك أو الشركات الكبرى، لكن الأكثر أهمية هي التقارير التي تنشرها عن الدول، والتي تترتب عليها نتائج إيجابية أو سلبية تنعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض وفرص الاستثمار.
بالعموم، تتطلب مرحلة البناء مروحة واسعة من التساؤلات، وإمكانية الإجابة عنها عبر خطط ومشاريع مُترجمة واقعياً على الأرض. فإذا كانت طبيعة المرحلة خلال العام الجاري اقتضت تشبيكاً واسعاً مع الخارج، فإن «ما بعد قيصر» يقتضي بالضرورة البناء في الداخل ومعه، وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتطلب توسيع رقعة الاستقرار الأمني من جهة.
ومن جهة أخرى، ومع حساسية المرحلة ودقتها، يُطرح سؤالٌ ملازم للشروع في البناء الشامل: كيف يمكن التأسيس لمرحلة سورية جديدة من دون إدخال البلاد في مديونية مُقيدة للخارج؟ وكيف يمكن الموازنة بين متطلبات الداخل والحفاظ على القرارين الاقتصادي والسياسي بعيداً عن الارتهان؟
الانتقال إلى اقتصاد التكوين
يرى الباحث والأكاديمي الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير – إسطنبول، أن قانون «قيصر» كان يشكل تحدياً للاقتصاد السوري ويعيقه، إلا أن إزالته اليوم لا تعني بالضرورة عودة الأمور إلى «ما قبل» فرض القانون عام 2019.
ويقول شعبو في تصريح لـ«الثورة السورية»: بدأت اليوم مرحلة البناء، وهذه تستدعي بالضرورة الانتقال إلى مرحلة العمل، أي الانتقال من اقتصاد البقاء واقتصاد الحرب أو اقتصاد الظل، إلى اقتصاد التكوين والإنشاء؛ بمعنى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، والتحول من السياسات الطارئة إلى السياسات المستدامة والسياسات الهيكلية، على مستوى الاستثمار والإنتاج والإصلاح المؤسسي.
وأضاف شعبو: تستدعي مرحلة البناء أيضاً فتح النوافذ الاقتصادية التي كانت مغلقة، وعودة العمل المصرفي، وتمويل الاستثمار، وربط سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية، مع إعادة الاعتبار للاقتصاد الحقيقي. فالاقتصاد السوري قائم أساساً على الزراعة والصناعة والطاقة، لا على المضاربات والاستيراد بوصفهما خياراً مريحاً ودائماً. كما يجب ربط النمو بخلق فرص عمل مستدامة، لا بتدفقات نقدية مؤقتة.
وبمعنى آخر، فإن جعل الأولوية اقتصادية بالدرجة الأولى هو مؤشر بحد ذاته على مرحلة جديدة. وعندما تحدث الرئيس الشرع عن «زمن البدء»، فهذا يعني تغير الأدوات والخيارات التي يمكن عبرها البناء؛ صحيح أن النتائج تحتاج وقتاً، لكن تغير الأدوات يغيّر الكثير من المعطيات.
مؤشرات المرحلة
يوضح شعبو أن إلغاء «قيصر» خطوة مهمة، لكنها بحاجة إلى حسن إدارة وكفاءة في استغلال الموارد المتاحة وإدارة البلد بشكل سليم؛ وإلا سيغدو الإلغاء تحدياً إضافياً دون مكاسب حقيقية.
وعن مؤشرات مرحلة البناء، يبيّن شعبو أنها يمكن أن تتحقق عبر تحسين قوانين الاستثمار، وتبسيط إجراءات الدخول إلى السوق السورية، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الظل، وإطلاق استثمارات بنى تحتية في الطاقة والزراعة والصناعة.
بمعنى: رأس مال إنتاجي لا رأس مال ريعي؛ تشغيل المعامل المتوقفة؛ إحلال تدريجي للواردات عبر توسيع المنتج المحلي؛ وإصلاح مؤسساتي حقيقي يبدأ بالشفافية في العقود والمناقصات، ويجعل مكافحة الفساد شرطاً تأسيسياً. وبدون هذه المؤشرات، يصبح «زمن البناء» مجرد خطاب سياسي، لا مرحلة اقتصادية فعلية.
سوريا لم تفتح باب الاستدانة بل الاستثمار
ومن المعروف أن أغلب الدول الخارجة من صراعات تدخل إعادة الإعمار عبر الدين، وهو مسار قد يفقدها جانباً من قرارها الاقتصادي، ويفرض شروطاً سياسية واقتصادية مقيّدة للمستقبل، ويحمّل الأجيال القادمة أعباءً كبيرة. إلا أن سوريا اليوم لم تفتح الباب للاستدانة، بل للاستثمار، وفقاً لشعبو، عبر منح المستثمرين قوانين ملائمة، وتخفيض الضرائب، ومكافحة الفساد، وإعادة توجيه الدعم نحو مراحل الإنتاج.
ونوه شعبو إلى أن المشكلة ليست في فكرة الاقتراض بحد ذاتها؛ فالاقتراض قد يكون مفيداً إذا استُخدم في مجالات إنتاجية واضحة تسدد القرض وفوائده من عوائدها. لكن التجارب العربية كثيراً ما جعلت الاقتراض مرادفاً للفشل بسبب سوء التوظيف. وبكل الأحوال، فإن رفض الحكومة من حيث المبدأ «الاقتراض لأجل الرواتب والدعم الاستهلاكي» يُعدّ توجهاً صحيحاً، لأن الاقتراض ينبغي أن يذهب لتحسين الطاقة والزراعة والصناعة ودعم العملية الإنتاجية.
ويخلص شعبو إلى القول: ليس كل تمويل خارجي يعني فقدان السيادة، لكن كل تبعية مالية تفقد القرار الحقيقي. ولتحقيق التوازن، لا بد من تنويع الشركاء وعدم ربط الاقتصاد بمحور واحد كما كان في عهد النظام السابق، بل فتح الاقتصاد ضمن قواعد وطنية واضحة تتيح الامتيازات للجميع دون أفضلية سياسية لطرف على آخر، مع امتلاك رؤية وطنية ونموذج اقتصادي صحيح لعلاقة الاقتصاد بالسلطة والمجتمع. فالبناء الذي تحدث عنه الرئيس الشرع ليس بناءً إسمنتياً فقط، بل بناء مؤسسات وإنتاج واستقرار اقتصادي.
استعادة الاقتصاد لوضع الدولة الطبيعية
يمثل رفع العقوبات المعروفة بـ«قيصر» والتمهيد لعودة سوريا إلى النظام المالي العالمي محطة مفصلية في تاريخ الاقتصاد السوري. فهذه العودة، وفقاً للخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، تعني – من حيث المبدأ – استعادة الاقتصاد السوري لوضع «الدولة الطبيعية» في التعاملات الدولية، لكنه في الواقع يعود مثقلاً بإرث اقتصاد مغلق، غير تنافسي، ومنهك ومدمر بفعل سنوات الحرب والعقوبات.
ويرى قوشجي في تصريح لـ«الثورة السورية» أن الاقتصاد السوري عاش لعقود في بيئة شبه مغلقة، ما أدى إلى ضعف الإنتاجية وعدم القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. كما جرى الاعتماد على الاستيراد: فمعظم المصانع تعتمد على مواد أولية مستوردة، وحتى القطاع الزراعي يعتمد على بذور وأسمدة وأعلاف مستوردة، ما يجعل أي اضطراب خارجي ينعكس مباشرة على الإنتاج المحلي، ويدفع نحو اقتصاد ريعي.
ويضيف أن العقوبات الاقتصادية شكّلت طوقاً حديدياً حول الاقتصاد السوري، فأضعفته وأفقدته القدرة على النمو الطبيعي. ومع كسر هذا الطوق، تبرز فرصة تاريخية لإعادة صياغة التشريعات الاقتصادية والمالية بما يضمن: توفير بيئة استثمارية جاذبة، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتفعيل أدوات السياسة النقدية والمالية لتحقيق التوازن الاقتصادي.
التحول إلى اقتصاد إنتاجي
يوضح قوشجي أن الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي يتطلب إصلاحاً تشريعياً شاملاً يبدأ بتحديث القوانين الاقتصادية والمصرفية لتواكب المعايير الدولية، ويمرّ بتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي عبر ضمانات قانونية وبيئة أعمال مستقرة، ويصل إلى تنمية القطاعات الإنتاجية وإحلال الواردات في الصناعة والزراعة لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويرى أن تدخل الوزارات ينبغي أن يكون محدوداً، مقتصراً على تحقيق التوازن وتوزيعٍ عادل للدخل، مع الاهتمام بتفعيل الحلقة الأولى في الاقتصاد الكلي (الرواتب والأجور والاستهلاك) بما يضمن دوران عجلة الاقتصاد، واعتماد سياسات نقدية ومالية مرنة لمواجهة التضخم وضبط سعر الصرف.
إن وعي هذه التحديات، بحسب قوشجي، هو الخطوة الأولى نحو انتقال سلس وبأقل الخسائر. فرفع «قيصر» ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار طويل من الإصلاح الاقتصادي. وإذا ما استُغلت هذه الفرصة عبر تشريعات حديثة وسياسات رشيدة، يمكن للاقتصاد السوري أن يتحول من اقتصاد منهك وريعي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة والاندماج في النظام المالي العالمي.
رفع العقوبات وما بعده
يُعد رفع العقوبات الاقتصادية خطوة محورية يُنتظر أن تنعكس إيجاباً على الواقع المعيشي والاقتصادي، عبر إعادة فتح القنوات المصرفية والمالية، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي، وتحريك الاستثمار وإعادة الإعمار، ودعم الليرة السورية وتخفيف أعباء المعيشة، وإعادة اندماج سوريا في سلاسل التوريد العالمية، بما ينعكس على تحسين مستوى المعيشة وتخفيف الأعباء اليومية عن المواطنين الذين تكبدوا لسنوات طويلة آثار الحصار والعقوبات.
ووقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يتضمن أضخم موازنة سنوية لوزارة الدفاع في تاريخ الولايات المتحدة بأكثر من 900 مليار دولار، ويتضمن أيضاً إلغاء قانون «قيصر» الذي فرض عقوبات على سوريا منذ عام 2019، وذلك بعد مصادقة الكونغرس عليه.
وفي وقت سابق، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي لصالح قانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 الذي يتضمن بنداً لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب «قانون قيصر»، وأحال المجلس القانون إلى الرئيس دونالد ترامب للتوقيع عليه ليصبح نافذاً. كما وافق مجلس النواب الأميركي على إلغاء قانون «قيصر» الذي فُرضت بموجبه عقوبات أميركية على سوريا، ورحّبت الحكومة السورية بهذه الخطوة، وقالت إنها ستعيد التعافي للاقتصاد السوري.
وشكّلت العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام انتعاش الاقتصاد السوري، ويُتوقع أن يمهّد إلغاء «قيصر» الطريق لعودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية دعماً لسوريا الجديدة. وكان «قانون قيصر» قد أُقرّ في كانون الأول/ديسمبر 2019 لمعاقبة النظام المخلوع وفرض عقوبات واسعة استهدفت أفراداً وشركات ومؤسسات مرتبطة به.
الثورة السورية
——————————-
من العقاب إلى الاحتواء: ماذا يعني إلغاء “قيصر” لمسار سوريا السياسي؟/ معاذ الحمد
إلغاء “قيصر”.. مسار أميركي جديد بين التحوّل المؤسسي واستمرار القيود
2025-12-21
يُنظر إلى إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن تشريع الدفاع بوصفه مؤشراً على تحوّل في مقاربة واشنطن للملف السوري، حيث بات مرتبطاً بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، مع فتح نافذة سياسية واقتصادية أمام الحكومة السورية الانتقالية. وفي مقابل الحديث عن فرصة لتعزيز الشرعية وإعادة الإعمار، تبرز مقاربات تؤكد أن هذه الخطوة لا تغيّر توازنات القوى الإقليمية، ولا تلغي أدوات الرقابة والمساءلة، ولا تنهي التباينات الدولية حول مستقبل سوريا وملفاتها الشائكة.
تحوّل أميركي
في هذا السياق، أقرّ مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي، مشروع قانون إلغاء عقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا، ضمن التصويت على تفويض الدفاع للعام الجديد، بعد مداولات عديدة وإعادة للتصويت مرتين، حيث صوّتت غالبية أعضاء المجلس لصالح مشروع القانون.
في قراءة أميركية لهذا التطور، تقول هبة القدسي، مديرة مكتب جريدة الشرق الأوسط في واشنطن، لـ”963+” إن إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن قانون ميزانية الدفاع، يشكّل “دليلاً واضحاً على تحوّل جوهري في أولويات الكونغرس تجاه سوريا”، معتبرة أن هذا التطور يعكس رؤية جديدة لدمشق بوصفها “شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار الإقليمي”، وليس دولة عدوة كما كان يُنظر إليها سابقاً.
وتوضح القدسي أن وضع الإلغاء ضمن ميزانية الدفاع، لا في تشريع منفصل، “يعكس قناعة متنامية داخل الكونغرس بأن الملف السوري بات جزءاً من الأمن القومي الأميركي، المرتبط بأمن إسرائيل ومحاربة تنظيم داعش، وليس مجرد أداة عقابية ذات طابع إنساني”.
وفي ما إذا كان هذا التحول مؤسسياً أم ظرفياً مرتبطاً بإدارة الرئيس دونالد ترامب، تقول القدسي إن “المؤشرات تدل على مزيج من العاملين”، مشيرة إلى أن الإلغاء جاء نتيجة جهود ديبلوماسية مكثفة من الحكومة السورية الانتقالية، مدعومة بالشتات السوري وضغوط إقليمية من حلفاء واشنطن، إلى جانب تعهّدات مباشرة من ترامب عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مايو 2025، وإصداره أمراً تنفيذياً مؤقتاً في يونيو الماضي”.
وتضيف أن “التصويت الواسع داخل مجلس النواب، بدعم من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يعكس توافقاً مؤسسياً يتجاوز الإدارة الحالية”، لافتة إلى أن الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون بعد انتخابات 2024 “يرى في إلغاء قيصر فرصة لإعادة توجيه الموارد الأميركية نحو تهديدات أكبر مثل الصين، مع الحفاظ على رقابة تشريعية صارمة”.
وفي مقابل هذه القراءة، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر، رئيس المركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث في بيروت، لـ”963+” إن إلغاء القانون “لن يؤثر على توازنات القوى الإقليمية”، لكنه سيسهم بشكل مباشر في “مساعدة سوريا على إعادة الإعمار واستعادة عافيتها الاقتصادية”.
رقابة مستمرة
وفي ما يتعلق بآليات الرقابة، تؤكد القدسي أن المراجعات الدورية كل 180 يوماً تُعد “أداة كلاسيكية للرقابة التشريعية تهدف إلى موازنة السلطات”، موضحة أن القانون يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير تثبت التزام الحكومة السورية بمحاربة “داعش”، وحماية حقوق الأقليات، ومنع التجنيد الأجنبي، وعدم الانخراط في أعمال عسكرية غير مبررة ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، مع إمكانية إعادة فرض عقوبات جزئية في حال الإخلال بهذه الشروط.
وترى القدسي أن هذه الآلية تمثل “مزيجاً من الضغط السياسي وضمان الالتزام”، معتبرة أنها تشكل “عصاً معلّقة” فوق الحكومة السورية الانتقالية لدفعها نحو الإصلاحات الداخلية والتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه أداة يضمن بها الكونغرس استمرارية السياسة الأميركية تجاه سوريا عبر الإدارات المقبلة.
وفي الشأن الإقليمي، تقول القدسي إن إلغاء قانون قيصر “يندرج ضمن استراتيجية احتواء ذكي تستهدف تقليص النفوذ الروسي والإيراني في سوريا”، خاصة في ظل محاولات موسكو الحفاظ على قواعدها العسكرية، وتراجع نفوذ طهران بعد سقوط النظام السابق، مشيرة إلى أن الدعم المالي الأميركي المرافق للإلغاء “يهدف إلى تعزيز الحكومة الانتقالية ومنع الانهيار الاقتصادي الذي قد يعيد إنتاج الفوضى والإرهاب”.
رهانات داخلية
وفي السياق الداخلي السوري، يقول سامر كعكرلي، سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي السوري، لـ”963+” إن البيان القانوني المتعلق برفع العقوبات يشكّل “نصاً قصيراً لكنه يفتح نافذة مهمة لتعزيز شرعية الحكومة الانتقالية، داخلياً وخارجياً”، معتبراً أن هذه الخطوة تعبّر عن سعي الطبقة السياسية إلى استعادة أدوات الدولة وإعادة وضعها في حالة توازن داخل المنظومة الدولية.
ويوضح كعكرلي أن البعد الخارجي لرفع العقوبات يتمثل في “محاولة إثبات قدرة الدولة السورية على مواجهة التحديات، والتعامل معها كجزء من المجتمع الدولي”، لافتاً إلى أن تراجع النفوذ الروسي والإيراني، ولا سيما في قطاع النفط، يتيح هامشاً أوسع للسياسة الخارجية السورية لتكون “أكثر استقلالية أو أقل ارتباطاً بمصالح قوى خارجية”.
وعلى المستوى الداخلي، يرى كعكرلي أن تحسن مستوى المعيشة بعد عام على تشكيل الحكومة الانتقالية “قد يسهم في تعزيز شرعيتها الشعبية”، مؤكداً أن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً للمطالبة بإصلاحات أوسع، تشمل رفع كفاءة الإدارة، وتحسين الخدمات، وإلغاء القيود التي فرضتها العقوبات، إلى جانب الالتزام بخطط اقتصادية واضحة، وتنشيط التبادل التجاري، وإطلاق برامج تدريبية، وتفعيل مؤسسات الرقابة.
وفي مقابل الرهانات الاقتصادية، يحذر كعكرلي من تحديات مؤسسية قد تواجه الحكومة الانتقالية، أبرزها “خطر استبدال النفوذ الداخلي بنفوذ خارجي ناجم عن تدفق رؤوس الأموال من دون أطر رقابية قوية، ما قد يؤدي إلى نشوء مصالح جديدة ومستويات فساد مختلفة، إضافة إلى احتمالات الفوضى وضياع الحقوق القانونية في ظل غياب الخبرة المؤسسية، والضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة”.
ويؤكد أن تدفق الاستثمارات “لا يصنع دولة بحد ذاته”، بل يجب أن يُستخدم كأداة لتحسين أداء المؤسسات، من خلال الاعتماد على كوادر أكاديمية ومحاسبية متخصصة، وتوزيع الموارد بشكل عادل، مشيراً إلى أن تزايد المطالب الشعبية بتحسين مستوى المعيشة سيشكل أحد أكبر التحديات في المرحلة المقبلة.
ويشدد كعكرلي على ضرورة أن تتجاوز الحكومة الانتقالية هذه التحديات عبر “اشتراط نقل التكنولوجيا مع الاستثمارات، وتطبيق مبادئ الحوكمة، وتعزيز الرقابة الإدارية، وإصلاح القطاع العام ليبقى خزان خبرة في مواجهة التوسع المتوقع للقطاع الخاص، ولا سيما الأجنبي”، مشدداً على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية والتشريعية فوراً باعتبارها “صمام أمان” أمام موجة عقود إعادة الإعمار المرتقبة.
وفي ما يتعلق بملف المحاسبة والعدالة الانتقالية، يؤكد كعكرلي أن رفع العقوبات يجب أن يكون مشروطاً بمعايير واضحة للمساءلة، محذراً من أن الانفتاح الاقتصادي قد يتحول إلى ذريعة لتجاوز هذا الملف تحت عناوين إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات، إذا لم يُرفق بخطط شفافة ومؤسسية لمتابعة الجرائم.
ويختم كعكرلي بالقول إن “رفع العقوبات القسرية ليس نهاية الطريق”، مؤكداً أن الحكومة الانتقالية المنشودة “ليست حكومة صفقات دولية، بل حكومة توزيع عادل للموارد على السوريين”.
وفي مقاربة موازية للمشهد الإقليمي، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر لـ”963+” إن أدوار القوى الإقليمية في الملف السوري ما تزال متباينة، مشيراً إلى أن “تركيا في موقع، والسعودية في موقع آخر، وإيران في موقع مختلف أيضاً”، مؤكداً أن لكل دولة مصالحها الخاصة في مسار الانتقال السياسي السوري، بين الدعم والعرقلة.
وحول المخاطر الإقليمية المحتملة لرفع العقوبات، يرى جابر أن التباين بين واشنطن وبعض العواصم الإقليمية “أمر حتمي”، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل شرق الفرات، ودور “قسد”، والوجود العسكري المتعدد داخل الأراضي السورية، إلا أنه يؤكد أن هذا التباين “لن ينعكس سلباً على مسار رفع العقوبات”.
ويختم جابر بالقول إن “الاختلافات الإقليمية والدولية ستستمر”، لكنها “لن تشكل عائقاً أمام تخفيف أو رفع العقوبات، طالما أن القرار الأميركي يسير في هذا الاتجاه”.
وكان قد أعرب النائب الأميركي جو ويلسون عن امتنانه لإقرار الإلغاء الكامل لقانون “قيصر”، معرباً عن تطلعه لإقراره سريعاً في مجلس الشيوخ ثم توقيعه من الرئيس الأميركي، مشيراً إلى أن الإلغاء جاء شاملاً ودون أي شروط بعد إزالة بند إعادة فرضه تلقائياً، وتحويل صلاحية فرض العقوبات إلى الرئيس الأميركي بحق أفراد بدلاً من القانون.
وبحسب وكالة “سانا” الرسمية، جاء هذا التطور عقب جهود ديبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة ومنظمات سورية أميركية، إضافة إلى مساندة دول شقيقة وصديقة، علماً أن “قانون قيصر” الصادر عام 2019 فرض عقوبات واسعة استهدفت أفراداً ومؤسسات مرتبطة بنظام بشار الأسد حتى الإطاحة به أواخر عام 2024.
+963
—————————–
ماذا بعد رفع العقوبات الأميركية “قانون قيصر” عن سوريا؟/ محمد طه الأحمد
يمثل رفع الجزء الأكبر من العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، ولا سيما تلك المرتبطة بـ”قانون قيصر”، تحولا مهما في المشهدين الاقتصادي والسياسي السوريين.
ويأتي هذا التطور في سياق جهود دبلوماسية سورية اعتمدت مقاربة أكثر توازنا، سعت من خلالها إلى الوفاء بعدد من الالتزامات التي تتقاطع مع تطلعات المجتمع السوري ومتطلبات الانفتاح الدولي، ما أفضى إلى تخفيف ملموس للعقوبات التي أقرت خلال المرحلة السابقة.
ومن المتوقع أن تنعكس هذه الخطوة على مختلف المستويات الداخلية والخارجية، ويمكن تناول آثارها ضمن ثلاثة محاور رئيسية: اقتصادية، واجتماعية، وسياسية.
الاستفادة الفعلية من رفع العقوبات تبقى مرهونة بتنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، تشمل تحديث قانون الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية وتسريع إنجاز المعاملات الحكومية
الآثار الاقتصادية
انتعاش اقتصادي نسبي على المدى القصير
من شأن رفع العقوبات أن يسهم في تحسين سعر صرف الليرة السورية، نتيجة زيادة تدفقات العملة الأجنبية عبر الحوالات من المغتربين وعودة جزء من النشاط المالي الخارجي.
ويؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقرار النقدي، في ظل اتساع عرض القطع الأجنبي مقابل ثبات نسبي في الكتلة النقدية المحلية، بما ينسجم مع آليات العرض والطلب في سوق الصرف.
كما يتيح تخفيف القيود فتح قنوات أوسع للتجارة الخارجية وتقليل كلفة المعاملات المالية التي كانت تمر عبر وسطاء غير مباشرين أو مسارات مرتفعة التكاليف، إضافة إلى تسهيل حركة التحويلات المالية عبر النظام المصرفي الدولي، ما ينعكس إيجابا على النشاط التجاري والاستثماري.
تحفيز الاستثمارات وإعادة الإعمار
يساعد رفع العقوبات في تقليص مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار في سوريا، ما قد يفتح المجال أمام استثمارات إقليمية ودولية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنفط والبنية التحتية والخدمات المالية، بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية.
ومن المتوقع كذلك أن تشهد المرحلة المقبلة تدفقا لرؤوس أموال سورية من الخارج، إضافة إلى استثمارات من بعض الدول العربية، ولا سيما الخليجية، في إطار المساهمة في إعادة الإعمار. ويعزز ذلك من جاذبية السوق السورية، بوصفها سوقا غير مشبعة وقادرة على استيعاب استثمارات بمستويات وأحجام مختلفة.
تحديات هيكلية قائمة
رغم الآفاق الإيجابية، فإن الاستفادة الفعلية من رفع العقوبات تبقى مرهونة بتنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة، تشمل تحديث قانون الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص البيروقراطية وتسريع إنجاز المعاملات الحكومية، إضافة إلى توضيح الأطر القانونية والمؤسسية الناظمة لدخول الاستثمارات.
كما أن قطاعات رئيسية تضررت بشدة، مثل الطاقة والمصارف، ستحتاج إلى وقت طويل ورؤوس أموال كبيرة لإعادة تأهيلها، ما يجعل التعافي الكامل عملية تدريجية وليست فورية.
يشكل تحسن الأوضاع الاقتصادية أحد العوامل الأساسية المشجعة على عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وأوروبا. وتساهم هذه العودة في تخفيف الضغوط عن الدول المستضيفة
الآثار الاجتماعية
تحسن تدريجي في مستوى المعيشة
يسهم تخفيف العقوبات في كبح معدلات التضخم نسبيا وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين مع زيادة الحوالات الخارجية وتوافر السلع في الأسواق، وينعكس ذلك تحسنا تدريجيا في مستوى المعيشة، مدفوعا بتعافٍ جزئي في النشاط الاقتصادي والتمويلي.
كما قد يؤدي توسع الاستثمارات إلى زيادة الطلب على اليد العاملة بمختلف مستوياتها (الماهرة وشبه الماهرة وغير الماهرة)، ما يساهم في تخفيف معدلات البطالة وتحقيق قدر من الاستقرار الاجتماعي.
عودة محتملة للاجئين والمهجرين
يشكل تحسن الأوضاع الاقتصادية أحد العوامل الأساسية المشجعة على عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار وأوروبا. وتساهم هذه العودة في تخفيف الضغوط عن الدول المستضيفة، وفي الوقت ذاته تدعم إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي داخل سوريا، بشرط توافر بيئة معيشية وخدمية مستقرة.
تحديات اجتماعية مستمرة
مع ذلك، قد لا تكون آثار التحسن متوازنة أو سريعة لجميع الفئات. فالفجوات الهيكلية في سوق العمل والخدمات العامة لا تزال قائمة، وقد يؤدي التحسن الجزئي إلى ارتفاع سقف التوقعات، خاصة لدى فئة الشباب والمهنيين، دون قدرة فورية على تلبيتها، ما يستدعي سياسات اجتماعية مرافقة لإدارة هذه المرحلة الانتقالية.
من المحتمل أن يشجع الموقف الأميركي دولا أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه سوريا، سواء عبر تخفيف إضافي للعقوبات أو توسيع قنوات التعاون، كما حدث جزئيا في مواقف سابقة لبعض الأطراف الدولية
الآثار السياسية
تعزيز موقع الحكومة الانتقالية دوليا
يمثل رفع العقوبات مؤشرا على تحول نسبي في الموقف الدولي تجاه سوريا، ويمنح الحكومة الانتقالية هامشا أوسع من الشرعية السياسية والدبلوماسية، كما يعكس اعترافا بإمكانية انخراط سوريا مجددا في التفاعلات الإقليمية والدولية، نتيجة الجهود الدبلوماسية التي بذلتها مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارة الخارجية والمغتربين.
وقد يسهم ذلك في فتح مسارات تعاون جديدة مع دول الشرق الأوسط وأوروبا، ويخفف من حدة العزلة السياسية التي سادت خلال السنوات الماضية.
تراجع تدريجي للعزلة الدولية
من المحتمل أن يشجع الموقف الأميركي دولا أخرى على إعادة تقييم سياساتها تجاه سوريا، سواء عبر تخفيف إضافي للعقوبات أو توسيع قنوات التعاون، كما حدث جزئيا في مواقف سابقة لبعض الأطراف الدولية. ويعزز ذلك من فرص عودة سوريا للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في محيطها الإقليمي.
ضغوط سياسية داخلية وخارجية
في المقابل، قد يرافق رفع العقوبات تصاعد في الضغوط الدولية المرتبطة بملفات حقوق الإنسان ومكافحة الفساد والإصلاحات السياسية والإدارية، وقد تثير هذه الضغوط نقاشات داخلية حول مسارات الانتقال السياسي وأولوياته.
وهنا يبرز التحدي الأساسي في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الانفتاح الخارجي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، عبر تبني سياسات واضحة لمكافحة الفساد وتقليص البيروقراطية وتعزيز العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، بوصفها ركائز أساسية لأي مرحلة تعافٍ مستدام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا 2025
الجزيرة
———————-
إسرائيل تعمل على تعطيل “كوريدور الشرق الأوسط” من جنوب سوريا/ ناصر زيدان
السبت 2025/12/20
سوريا وتركيا وقعتا في 30 تموز/ يوليو 2025، على مذكرة تفاهم، تقضي بالبدء بتأهيل – ثمَّ تشغيل – خط النقل البري الذي يصل بين تركيا والأردن ودول الخليج العربي عبر الأراضي السورية، أو ما أطلق عليه وزير التجارة التركي عمر بولات ” طريق الشرق الأوسط”، وهو توقَّع أن يصبح جاهزاً في العام 2026، والخط يُعتبر من أهم المحاور للتجارة العالمية، كونه سيصل إلى القوقاز والصين وبحر قزوين وإلى أوروبا، وسيتحوَّل من طريق للشاحنات إلى خط نقل شامل، بعد إضافة سكك حديدية وكابلات ألياف ضوئية إلى جانبه خلال السنوات المقبلة، كما قال بولات.
لكن يبدو أن المعوقات أمام تشغيل “الكوريدور” ليست تقنية، أو بسبب التأهيل وتوليف الاتفاقيات التي تنظِّم الحصول على التأشيرات فقط، بل هناك مشكلات وازنة تواجه المشروع، منها سياسي، ومنها أمني، وهو تحوَّل إلى موضوع خلافي كبير، ومقاصة لتصفية الحسابات الإقليمية في سياق السباق على النفوذ، وعلى مدى تأثير الأفرقاء في رسم الخرائط الجيوسياسية الجديدة. ومن الواضح وجود صراع تركي – إسرائيلي واسع النطاق، واحتمالية تحوُّل هذا الصراع البارد إلى توتر ساخن غير مستبعدة على الإطلاق.
منذ الأيام الأولى للتغيير الذي حصل في سوريا بعد انهيار نظام البعث؛ جهدت إسرائيل لتدمير الإمكانيات العسكرية لسوريا واحتلال أراضٍ جديدة فيها، ووصلت إلى حد توجيه ضربات ضد التحركات العسكرية التركية التي حصلت بدافع حماية إدارة الرئيس أحمد الشرع، وهي لم تتورَّع عن قصف المراكز السيادية السورية، مثل مقرّ رئاسة الأركان في دمشق، وبالقرب من القصر الرئاسي، بحجة حماية الدروز، بينما كانت المجزرة التي ارتكبها مُتفلتون ضد هؤلاء قد انتهت في 14 تموز/يوليو الفائت، ولو كانت نواياها صادقة في هذا السياق، لكان باستطاعتها منع العملية قبل أن تحصل.
مع مرور الأيام؛ تبين أن لدى إسرائيل مشروع خاص في جنوب سوريا، هدفه المُعلن إنشاء منطقة منزوعة السلاح لحماية حدودها الشمالية، ومساعدة الدروز المُعرضين للإبادة كما تدَّعي، بينما مقاصدها غير المُعلنة؛ تفتيت سوريا، وشرذمة شرائح شعبها، وإيجاد متاعب أمام حكومتها، ومنع أي استثمار تركي وعربي لمكانة البلاد في المجالات الاقتصادية والأمنية.
وقد تبين أن تعطيل وتهديد “كوريدور الشرق الأوسط” الذي يربط الخليج العربي بتركيا، ومن ثمَّ بأوروبا ووسط آسيا؛ من أهم أهداف الجنوح العدواني الإسرائيلي في سوريا، وهي ساهمت في دعم الجماعات المعارضة للحكومة السورية في الجنوب، لاسيما فلول النظام الذين لجأوا إلى محافظة السويداء، وأغدقت على هؤلاء مساعدات كبيرة شجعتهم على طلب الانفصال، بعد أن استدرجت مجموعات تحتمي بالإدارة الجديدة لإرتكاب أعمال إجرامية بحق مواطنين أبرياء من الدروز، واستفاد معارضي الحكومة من كبوتها الجديدة لطلب الاستقلال عن دمشق، وهذا الطلب يمكن أن ينجح كمشروع توتر دائم، ولكن ليس له أي فرصة للعيش او لتحقيق استقرار.
وإسرائيل لا تكتفي بإنتاج قلاقل خطيرة في الجنوب السوري؛ بل أنها تعمل بجهدٍ كبير لمنع الوصول إلى تنفيذ التسويات التي أبرمتها حكومة دمشق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتُشجِّع بطريقة غير مباشرة المجموعات الإرهابية التي بدأت تطلُّ برأسها في أكثر من منطقة سورية. ولا يستبعد المراقبون أن تكون إسرائيل عملت بالخفاء على الاستثمار لدى الافراد المتشددين والإرهابيين المُهددين بالطرد من سوريا بعد توقيعها اتفاقية الانضمام إلى حلف محاربة “داعش”، لأن بعض العمليات الاجرامية التي حصلت في حمص وفي تدمر وجنوب دمشق، جاءت مترافقة مع تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والذي اتهم فيها المبعوث الأميركي توم براك بأنه “سفير لتركيا” أكثر مما هو سفير لواشنطن.
من المؤكد أن تل أبيب ليست مرتاحة لتطور العلاقة بين الإدارة السورية الجديدة والولايات المتحدة الأميركية، وهي تعتبرها نتاج مراعاة الرئيس دونالد ترامب لأصدقائه الخليجيين والأتراك. كما أنها مُمتعضة من التوازن الذي تعتمده الإدارة الأميركية في العلاقة بين تل أبيب وأنقرة، بإعتبار أن البلدين حليفان لها. وواشنطن تعمل على تهدئة التوتر بينهما، من دون أن تقدِّم أية حلول، وقبولها بانتشار قوات روسية جنوب دمشق، كما اتفاقها مع الحكومة السورية على استخدام مطار المزة العسكري، لم يشفِ غليل إسرائيل، لأنها تتحجَّج بالخطر على حدودها الشمالية، ولكن مشروعها الأساسي تفتيت سوريا، ومنع أي استفادة من موقعها لمساعدة الدول العربية الخليجية أو لتعزيز اقتصاد تركيا ومكانتها الاستراتيجية. وهي تعتبر أن “كوريدور الشرق الأوسط” بديل عن الممر الهندي إلى أوروبا والذي كان سيمرّ عبر ميناء حيفا.
ولا تكتفي تل أبيب بإشعال التوترات في سوريا لإزعاج تركيا؛ بل إنها لجأت إلى توطيد تحالف نفطي وسياسي مع قبرص واليونان الجارين اللدودين لأنقرة، وهي منعت تركيا من المُشاركة في مؤتمر “مستقبل غزة” الذي عُقد في الدوحة.
المدن
———————————–
الفرص والتهديدات في إعادة إعمار سوريا بعد رفع العقوبات
الهشاشة الأمنية تهديد خفي لرأس المال والاستثمار
من العزلة إلى الاستثمار: اختبار إعادة إعمار سوريا في بيئة إقليمية معقدة
الأحد 2025/12/21
دمشق- في اللحظة التي رُفعت فيها العقوبات الأميركية عن سوريا، وبخاصة تلك المفروضة بموجب قانون قيصر، بدا وكأن البلاد تقف على عتبة تاريخية فاصلة بين ماضٍ مثقل بالدمار والعزلة، ومستقبل لم تتضح معالمه بعد، لكنه بات على الأقل ممكن التخيل.
وبعد أكثر من عقد من الحرب، والانهيار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، تفتح نافذة ضيقة أمام إعادة إعمار سوريا، ليس بوصفها عملية هندسية أو مالية فحسب، بل كمشروع سياسي وأمني وإقليمي معقد، تتداخل فيه الفرص الواعدة مع تهديدات حقيقية قد تفرغ هذا التحول من مضمونه إذا أسيء التعامل معه.
ويعني رفع العقوبات، من حيث المبدأ، إعادة إدخال سوريا إلى الدورة الاقتصادية الدولية، وفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات، وعودة المؤسسات المالية العالمية، وإمكانية تحريك عجلة الإنتاج المتوقفة منذ سنوات. فالبلاد تعاني دمارًا واسعًا في البنية التحتية، من شبكات الكهرباء والمياه إلى الطرق والموانئ والمطارات، فضلًا عن قطاع صحي شبه منهار ونظام تعليمي يعاني من نقص حاد في الموارد.
وفي هذا السياق، تبدو إعادة الإعمار فرصة اقتصادية ضخمة، لا للسوريين وحدهم، بل أيضًا للدول والشركات التي تسعى إلى موطئ قدم في سوق واعدة، تحتاج إلى كل شيء تقريبًا، من الإسمنت والصلب إلى التكنولوجيا والطاقة والخدمات.
ويبرز الدور السعودي هنا بوصفه أحد أهم محركات هذه المرحلة. فالمملكة لا تنظر إلى إعادة إعمار سوريا على أنها مشروع إنساني أو اقتصادي فحسب، بل كجزء من رؤية استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط.
ويعكس الاستثمار السعودي، الذي تجاوز بالفعل مليارات الدولارات في قطاعات الإسكان والطاقة والرعاية الصحية والبنية التحتية، رغبة واضحة في دعم قيام دولة سورية مستقرة، قادرة على النهوض اقتصاديًا، ومنفصلة
الاستثمار السعودي، الذي تجاوز بالفعل مليارات الدولارات في قطاعات الإسكان والطاقة والرعاية الصحية والبنية التحتية، يعكس رغبة واضحة في دعم قيام دولة سورية مستقرة، قادرة على النهوض اقتصاديًا، ومنفصلة عن نفوذ إيران والفوضى التي طبعت السنوات الماضية.
عن نفوذ إيران والفوضى التي طبعت السنوات الماضية. كما أن انخراط دول الخليج في تسديد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي وتهيئة عودة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى دمشق، يفتح الباب أمام تمويل منظم وطويل الأمد، يختلف جذريًا عن المساعدات الطارئة التي اعتادها السوريون.
غير أن هذه الفرص الاقتصادية تصطدم بواقع أمني هش لا يمكن تجاهله. فسنوات الحرب لم تترك وراءها دمارًا ماديًا فحسب، بل خلّفت أيضًا شبكة معقدة من الجماعات المسلحة، والخلايا المتطرفة، والولاءات المتشابكة.
وعلى الرغم من التقدم الذي حققته القيادة السورية الجديدة في فرض قدر من السيطرة، فإن خطر الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، لا يزال قائمًا، كما أن محاولات الاغتيال والهجمات المتفرقة تذكّر بأن الاستقرار لم يترسخ بعد.
ويشكل هذا الواقع الأمني أحد أكبر التهديدات لإعادة الإعمار، لأن رأس المال بطبيعته شديد الحساسية للمخاطر، وأي تدهور أمني يمكن أن يؤدي إلى تجميد المشاريع أو انسحاب المستثمرين.
وإلى جانب التحدي الأمني، يبرز التهديد السياسي الداخلي. فسوريا الخارجة من الحرب ليست كتلة متجانسة، بل مجتمعًا مثقلًا بالانقسامات الطائفية والإثنية والمناطقية، وبذاكرة جماعية مليئة بالجراح.
وتطرح القيادة الجديدة، التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، خطابًا تصالحيًا، يتحدث عن دولة قانون، وحقوق للأقليات، وانتقال سياسي ينتهي بدستور جديد وانتخابات. غير أن تحويل هذا الخطاب إلى واقع ملموس هو التحدي الحقيقي. فأي شعور بالإقصاء، أو عودة إلى ممارسات سلطوية، قد يشعل توترات داخلية تعرقل مسار الإعمار وتعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار.
وإقليميًا، لا تعمل سوريا في فراغ. فموقعها الجغرافي يجعلها ساحة تقاطع لمصالح متعارضة. الولايات المتحدة ترى في رفع العقوبات فرصة لاحتواء ما تبقى من النفوذ الإيراني، ومنح القيادة الجديدة هامشًا للتحرك، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بمستوى من الحذر، مدفوعة بتاريخ الشرع الجهادي السابق ومخاوف من انتكاسات أمنية.
وتنظر إسرائيل إلى المشهد بقلق أكبر، إذ تخشى من أن يؤدي التعجيل في تطبيع العلاقات مع دمشق إلى نشوء تهديدات جديدة على حدودها الشمالية، وقد ترجمت هذه المخاوف إلى ضربات عسكرية متكررة داخل الأراضي السورية، ما يضيف عنصر عدم استقرار جديدًا لا يمكن فصله عن مستقبل الإعمار.
وفي المقابل، ترى السعودية وحلفاؤها أن التردد أو البطء في دعم سوريا قد يكون أكثر خطورة من المجازفة المحسوبة. فترك البلاد في حالة فراغ اقتصادي وسياسي قد يدفعها مجددًا نحو التطرف، أو يعيد فتح الأبواب أمام قوى إقليمية غير مرغوب فيها.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى إعادة الإعمار على أنها أداة للوقاية بقدر ما هي أداة للتنمية، أي وسيلة لمنح السوريين أفقًا اقتصاديًا وأملًا اجتماعيًا يقلل من احتمالات الانزلاق مجددًا إلى العنف.
لكن التهديد الأكبر ربما لا يأتي من السلاح أو السياسة، بل من الاقتصاد ذاته. فإعادة إعمار بلد مدمر تتطلب موارد هائلة، وإدارة شفافة، ومؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ.
ويقول محللون إن الفساد، إذا ما استمر أو عاد بأشكال جديدة، يمكن أن يلتهم الاستثمارات، ويحوّل مشاريع الإعمار إلى مصادر إثراء ضيقة بدل أن تكون رافعة للنهوض الوطني. كما أن الفقر الواسع، وارتفاع البطالة، وعودة ملايين النازحين واللاجئين، تشكل عبئًا إضافيًا على أي خطة إعادة بناء، ما لم تقترن بمشاريع تنموية حقيقية تولد فرص عمل وتعيد دمج المجتمع في دورة الإنتاج.
وفي هذا السياق، تبدو إعادة إعمار سوريا اختبارًا متعدد المستويات: اختبار لقدرة القيادة الجديدة على التحول من منطق الثورة والحرب إلى منطق الدولة والمؤسسات، واختبار لصدق النوايا الإقليمية والدولية في دعم استقرار طويل الأمد، لا مجرد إدارة أزمة، واختبار للسوريين أنفسهم في قدرتهم على تجاوز إرث الانقسام والدمار.
ويوضح خبراء اقتصاديون أن الفرص قائمة بلا شك، وقد لا تتكرر في المستقبل القريب، لكن التهديدات لا تقل حجمًا، وهي كفيلة بإجهاض المشروع برمته إذا لم تُدار بحذر وحكمة.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى رفع العقوبات بوصفه نهاية المعاناة السورية، بل بدايتها الفعلية لمرحلة أصعب وأكثر تعقيدًا. فإعادة الإعمار ليست مجرد إعادة بناء ما تهدم، بل إعادة صياغة العقد الاجتماعي، وإعادة تعريف موقع سوريا في محيطها الإقليمي، وإعادة ثقة المواطن بدولته. النجاح في ذلك قد يحول سوريا إلى نموذج تعافٍ نادر في منطقة مضطربة، ويمنح الشرق الأوسط قصة أمل طال انتظارها. أما الفشل، فسيعني أن فرصة تاريخية أُهدرت، وأن البلاد قد تنزلق مرة أخرى إلى دوامة الفوضى، بما يحمله ذلك من كلفة إنسانية وإقليمية لا تحتملها المنطقة من جديد.
———————————–
هيئة الأوراق المالية السورية تُعد تشريع الصناديق الاستثمارية
السبت 2025/12/20
أعلن رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية في سوريا عبد الرزاق قاسم، البدء بالعمل على إعداد تشريع خاص بصناديق الاستثمار، بعد سنوات طويلة من غياب هذا النوع من الأدوات المالية ومنع تداوله داخل السوق المحلية، في خطوة تُعد تحولاً مهماً في مسار تطوير السوق المالية.
وأشارفي تصريح لـ”وكالة الأنباء السورية” (سانا) إلى أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام تنويع مصادر التمويل للمشاريع وجذب رؤوس الأموال ورفع كفاءة السوق وتحديث أدواته، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية المقبلة.
وبحسب قاسم، أصبح مشروع قانون الصناديق الاستثمارية أولوية قصوى بهدف دعم تمويل المشاريع المستقبلية، إلى جانب السعي لزيادة عدد الشركات المساهمة العامة بوصفها ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي في سوريا.
وشدد على أن خطة الهيئة في إطار التحديثات التشريعية والتنظيمية تركز على تحديث شامل للبيئة التشريعية، من خلال مراجعة وتعديل قانون إحداث الهيئة وجميع الأنظمة الضابطة لعملها، وتطوير بيئة التداول وتنظيم سوق دمشق للأوراق المالية وفق المعايير الدولية.
واعتبر قاسم في تصريحه أن وضع نظام حوكمة جديد لسوق دمشق للأوراق المالية يسنجم مع الأنظمة العالمية، كما يعزز حقوق المساهمين ويضمن المعاملة المتساوية بينهم، وتعديل أنظمة الإفصاح بما يضمن وصول المعلومات للمستثمرين بوضوح وشفافية
———————–
جهود لتنشيط قطاع الصناعة.. هل تنجح رؤية الحكومة في إعادة عجلة التصنيع إلى الدوران؟/ محمد كساح
20 ديسمبر 2025
رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، تواصل وزارة الاقتصاد والصناعة تنفيذ رؤيتها الاستراتيجية، لإعادة تنشيط القطاع الصناعي الوطني، من خلال تطوير البيئة التشريعية والإجرائية، وتقديم التسهيلات اللازمة لعودة الاستثمارات، بما يحقق نموًا مستدامًا ويعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة إقليميًا ودوليًا، وتحقيق التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية الإنتاج المحلي، وفقًا للتصريحات المعلنة.
300 منشأة تستأنف عملها
وفي هذا الصدد، كشف معاون وزير الاقتصاد والصناعة، محمد ياسين حورية، عن عودة أكثر من 1600 منشأة صناعية للعمل بعد سقوط النظام، منها نحو 300 دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي، ولا سيما في محافظتي حلب وريف دمشق. وأوضح في تصريح رسمي أن القرارات الحكومية الأخيرة، مثل إعفاءات الرسوم الجمركية على تجهيزات المصانع، وتسهيلات الترخيص، وفتح الاستثمار في المناطق الصناعية، شكّلت عاملًا رئيسيًا في تشجيع الصناعيين على إعادة تشغيل منشآتهم.
وأكد حورية أن مشاركة سوريا في القمة العالمية للصناعات الغذائية والمؤتمر الحادي والعشرين لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” في الرياض، مثّلت محطة مهمة لاستعادة حضور الصناعة السورية على الخريطة الإقليمية والدولية، وتعزيز فرص التعاون مع الشركاء الدوليين.
وتم خلال الأشهر الأربعة الماضية، بحسب حورية، إعداد برنامج متكامل للتعافي الصناعي يضم عشرة مسارات رئيسية، وتم توقيعه رسميًا مع “اليونيدو” على هامش القمة، ما يسمح باستقطاب دعم يقدّر بنحو 150 مليون دولار لتطوير الاستراتيجية الصناعية، وتحديث الحوكمة، وتعزيز المدن الصناعية، وتحسين منظومات الجودة والمقاييس والبنية التحتية للإنتاج.
وبحسب تقرير لوكالة “سانا”، شهدت الصناعة السورية تحولًا تدريجيًا بعد سقوط النظام، حيث سجلت وزارة الاقتصاد والصناعة 1389 طلبًا لاستيراد خطوط الإنتاج للمعامل الجديدة، بدءًا من كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى نهاية آب/أغسطس الماضي، وتم استيرادها جميعها.
مؤشر على إنقاذ الاقتصاد
عودة 300 منشأة للإنتاج الفعلي تعد مؤشرًا على وجود تحرك فعلي لإنقاذ الاقتصاد، وأن الحياة الاقتصادية والصناعية بدأت في العودة إلى عجلة الإنتاج، بحسب حديث الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم لموقع “الترا سوريا”.
لكن في المقابل، تواجه هذه التحركات ملاحظات عديدة يرصدها الكريم، أبرزها أن حجم الحوافز الجمركية والضريبية كبير جدًا مقارنة بعدد المنشآت التي استأنفت نشاطها، وتشكل نسبة 18% من حجم المنشآت السورية.
ومن جانب آخر، لا تُبرز التصريحات الحكومية حول المنشآت الصناعية حجم ونوعية هذه المنشآت، الأمر الذي يجعلها أرقامًا عامة، بحيث لا توضح الحجم الحقيقي لعجلة الإنتاج الصناعي العائدة إلى الدوران، خاصة في ظل توقف الصناعات التحويلية الكبيرة والصناعات النسيجية التي كانت تأخذ حيزًا كبيرًا في الإنتاج الصناعي السوري.
تحديات وتداعيات سلبية
يرصد الكريم تحديات كبيرة تواجه عملية التصنيع، منها ما يتعلق بالتكاليف الكبيرة التي تؤدي إلى رفع سعر المنتج، وأبرز هذه التكاليف المباشرة تتعلق بحوامل الطاقة المرتفعة جدًا. ومن التحديات ارتفاع أجور الأيدي العاملة بسبب تصاعد مستوى التكاليف المعيشية، يضاف إليها سياسات البنك المركزي، المتمثلة بتجفيف السيولة وعدم توفير التمويل للقطاع الصناعي، مع صعوبة استخدام البنوك وغياب دعم المصارف للقطاع الإنتاجي عبر القروض والاعتمادات المستندية، والتي تعد أبرز أسباب الجمود في القطاع الصناعي الذي كان سابقًا يتميز بالمرونة.
ومن جهة أخرى، يلفت الكريم إلى التداعيات السلبية لتعدد أسعار الصرف على عملية التصنيع، حيث توجد ثلاثة أسعار تصريف، يلخصها بـ: السعر النظامي الذي يصدره المركزي ويعد مؤشرًا استدلاليًا فقط، سعر الحوالات وهو سعر السوق السوداء، وسعر الأرصدة المجمّدة الذي يتم تحديد القيمة الحقيقية للسلعة من خلالها والذي يعد كبيرًا جدًا.
وفي السياق، يشير الكريم إلى أن فتح بوابة الاستيراد انعكس سلبًا على المنتج المحلي، نظرًا للحجم الهائل للسلع المتدفقة من الخارج، والتي تتميز بأسعارها المنخفضة، ما يهدد المنتج المحلي ويجعله خارج إطار المنافسة. ولا يخفي الكريم أهمية الجانب الأمني الذي يلقي بظلاله على قطاع التصنيع، فالواقع الأمني الهش يؤثر على عمليات الشحن والنقل.
يلاحظ الكريم، أن هذه العوامل والتحديات تبطئ عجلة التصنيع وتعرقل الدورة الإنتاجية، كما أنها تحول قسمًا من المصانع إلى مستودعات تقفل أبوابها بعد خروج منتجاتها من المنافسة، لا سيما مع غياب سياسة واضحة ومحددة يفترض أن تتبعها الحكومة، إذ لا يمكن معرفة توجهاتها من حيث اعتماد دعم الصناعي، وتوفير البدائل للقوى الشرائية. يضاف إليها تعدد الجهات الحكومية المشرفة على عملية التصنيع، ما يعرقل هذا القطاع بسبب حالة الفوضى المترتبة عن تعدد الجهات وتضاربها.
صعوبة تطبيق مبدأ التنافسية
رغم أن وزارة الصناعة أكدت ارتكاز الرؤية الاقتصادية للحكومة على سوق حرة تنافسية، إلا أن تحديات المرحلة والتدهور الذي طاول الاقتصاد السوري على مدار السنوات الماضية، يجعل من تحقيق هذه الرؤية مهمة عصية على التطبيق الحقيقي.
وكان معاون وزير الاقتصاد حورية أشار إلى أن الرؤية الاقتصادية للحكومة اليوم ترتكز على سوق حرة تنافسية، مع توفير حماية مؤقتة للصناعة خلال مرحلة التعافي فقط؛ بهدف الوصول إلى صناعة سورية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا دون الحاجة إلى قيود حمائية، وقال: “نريد أن نخوض معركة التصدير، ويجب أن يخشى العالم من جودة المنتج السوري، لا أن نخشى نحن من المنتجات القادمة”.
في المجمل، يتعرض الاقتصاد إلى نكسات متسلسلة، يصعب في ظل استمرارها إطلاق اقتصاد حر تنافسي، لا سيما في ظل ارتفاع معدل التضخم، انخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وسياسة تجفيف السيولة التي يتبعها المركزي، وإمكانية حصول بعض الفاعلين الاقتصاديين على عقود بالتراضي دون تطبيق مبدأي المنافسة وتكافؤ الفرص، فضلًا عن حالة عدم الانضباط التي تؤثر على تأمين الفرص المتساوية لجميع المواطنين.
—————————–
للمرة الأخيرة سأقول رأيي وسأوقف حسابي على الشعر
– الدولة لا تُبنى بالشحادة (تبرعات أغلبها وهمي ولا أحد يعرف آلية إدارة الأموال وصرفها)
– أما انتهيتم من الاحتفالات والاستعراض الإعلامي والاستدرار العاطفي (تبرع بساعة أو مسدس أو خاتم والمزاد على ذلك بمبالغ ضخمة)
– من الرئيس إلى باقي المسؤولين لا يملكون عقلية الدولة ولا يعرفون كيفية بناء الدولة (حبذا لو يهتمون ببناء دولة على أسس صحيحة)
– للأسف استلموا وسلموا أقاربهم ومعارفهم والمقربين من دائرتهم الضيقة وهم غير مؤهلين لذلك
– الكذب بموضوع الشهادات للمسؤولين من وزراء ومحافظين ومقربين (قال أبو مارية خريج جامعة وهو لا يعرف القراءة والكتابة)
– أعادوا تدوير الشبيحة والقتلة والمنافقين والفلول وقبضوا الثمن
– أبعدوا الثوار الحقيقيين الأكفاء وسلموا المناصب بالمحاصصة والمصالح (والفران الذي استلم منصب مدير الرقابة المالية مثال سيئ جدا لمن لا يعرف)
– تجاوزوا النظام المجرم السابق في الفساد في بعض الملفات
(تعيين الأقارب ولنا بإخوة الرئيس وإخوة وزير الخارحية أكبر مثال يعني ما خلصنا من ماهر فجاءنا ماهر وحازم والبقية)
(الاستثمارت كلها تذهب لشركاتهم وشركات من يلوذ بهم)
(الفشل والفساد في إدارة عدة ملفات هامة كملف الاستثمار وملف إعادة الإعمار والملف الاقتصادي الذي يقوده حازم الشرع وكذلك ملف القضاء وإلى الآن العقارات مغتصبة ومالكوها يعانون)
(في سورية الجديدة رئيس الرقابة على هيئة المنافذ والجمارك هو نفسه رئيس الهيئة) وهذه الهيئة شكلت باقتطاع إدارات من عدة وزارات لتسليمها لشخص مقرب
– أعادوا إنتاج حزب البعث من جديد بما يُسمى الإدارة السياسية
– عودة الغلاء ليتسلط على المواطن المرهق أساسا (ماذا تعمل وزارتا الاقتصاد والمالية)
– سوء الخدمات حتى الآن وسوء حال المناطق الشرقية في حلب شاهد على ذلك
– التخبط الإداري الواضح والكبير في عدة مجالات (أمر سيئ جدا إداريا الإعلان عن قرار وسحبه أو تغييره) وهذا يدل على سوء الإدارة وانعدام المسؤولية وقلة كفاءة المسؤولين
– الفشل الواضح في عدة وزارات ولا حساب ولا اهتمام لرأي الشعب (وزارة التربية وزارة الإعلام وزارة الثقافة وزارة الاقتصاد وزارة الإسكان وزارة الرياضة …..)
– النقابات إلى الآن لا تقوم بدورها الفعال والذي أساسه حقوق أعضائها (نقابة المهندسين مثال لذلك) ولماذا لا تجري الانتخابات فيها أسوة باتحاد كرة القدم؟؟
– عدلوا القانون من أجل فراس تيت ليفوز برئاسة اتحاد كرة القدم وأسقطوا شرط الشهادة وفي كل دول العالم مع مرور السنين يُرفع سقف الشهادة إلا عندنا (والمفارقة أن من فعل هذا ثار على بشار الأسد لأنه عدل الدستور.. واعجبي) طبعا أُجريت الانتخابات لأن الفيفا لا تقبل باتحاد مُعيّن
– وأهم من كل ما سبق عدم محاسبة المجرمين والقتلة علنا والقصاص منهم وما زلنا نتساءل متى الحساب؟؟ وأين العدالة الانتقالية التي يتحدثون عنها (وعندما بثوا محاكمة علنية كانت عن أحداث الساحل وكأن ما جرى على مدى خمسين عاما من قتل واعتقال وتغييب وتهجير غير مهم)
– رضى أمريكا المريب ما وراءه وما الثمن المدفوع وكلنا نعلم بلطجة ترمب (يتعاملون معنا بهذا الأمر كتعامل النظام المجرم) وإن كانت الإدارة العليا تهتم برأي الشعب فلتعلن صراحة عن ذلك
– حبذا لو أعلمونا آلية تسوية وضع الشبيحة كالحمشو وغيره وكم المبلغ المدفوع ولمن ذهب هذا المبلغ ولمن صرف)
– إتحافنا بالشخص المقرف السمج الوصولي المبتذل المسمى همام حوت الذي كان بوقا وصديقا لبشار الأسد والذي كان يقوم مع بشار الأسد بالدور نفسه الذي لعبه دريد لحام مع حافظ الأسد وتراه في كل مكان ومناسبة.. ألا يوجد غيره؟؟
– للأسف أغلب الاتجاهات التي تسير فيها الدولة حاليا لن تؤدي إلى سورية التي نريد والتي دفعنا ثمنا باهظا من أولادنا ودمائنا وأعمارنا من أجلها
– عتبي كبير على كثير من ثوارنا الذين يعرفون هذا الكلام أو لا يعرفونه (عدد كبير يعرفون هذا الكلام) فمواقفهم يجب أن تكون وفق مبادئ ثورتنا التي لولاها ما وصل هؤلاء وثورتنا التي كانوا ينكرونها هي السبب بوصولهم إلى السلطة
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.. والحق أحق أن يُتّبع
#المثنى_الشيباني
————————————-
========================
تحديث 19 كانون الأول 2025
———————————–
إلغاء العقوبات الثانوية بقانون قيصر.. تحول قانوني وآثار امتثال مالي واستثماري/ فضل عبد الغني
2025.12.19
يمثل إلغاء العقوبات الثانوية لقانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول 2025، والذي أُقرّ ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، إعادة تشكيل جوهرية للإطار القانوني والامتثالي الذي يحكم المعاملات المرتبطة بسوريا من قبل الكيانات غير الأميركية. ويُعدّ هذا الإجراء التشريعي حصيلة جهود دبلوماسية مكثفة، كما يعكس انتقالاً عن نموذج الإنفاذ العابر للحدود الذي طبع سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا منذ عام 2019.
ويكتسب الإلغاء أهمية خاصة لكونه غير مشروط، ولا يتضمن آليات لإعادة فرض العقوبات تلقائياً، بما يدل على تعديل بنيوي في هندسة العقوبات. وتمتد آثاره العملية إلى مجالات متداخلة، تشمل وضوح الاختصاص القضائي في القانون الدولي، وعلاقات المراسلة المصرفية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وتمويل إعادة الإعمار. ومن ثمّ، يتطلب فهم هذا التطور تحليل كيفية عمل العقوبات الثانوية في تقييد السلوك التجاري، وكيف يُعيد رفعها ضبط بيئة الامتثال لدى الجهات الفاعلة الدولية التي تنظر في الانخراط الاقتصادي مع سوريا.
التحول القانوني: من الإنفاذ خارج الحدود إلى استعادة وضوح الاختصاص القضائي
يؤدي إلغاء المادة 7412 من قانون قيصر إلى تعطيل آلية الإنفاذ خارج الحدود الإقليمية التي كانت الولايات المتحدة تعتمد عليها لتوسيع نطاق سلطتها العقابية خارج حدود ولايتها القضائية التقليدية. ففي الإطار السابق، كان الأفراد والكيانات الأجنبية معرضين لاحتمال فرض عقوبات أمريكية، تشمل تجميد الأصول وقيود التأشيرات، لمجرد تقديمهم دعماً مالياً أو مادياً أو تقنياً كبيراً للحكومة السورية، أو لإجرائهم معاملات كبيرة مع كيانات مُدرجة على قوائم العقوبات، حتى إذا تمت تلك الأنشطة بالكامل خارج الولاية القضائية الأميركية، ومن دون أي صلة بأشخاص أميركيين أو أراضٍ أميركية أو بنية مالية أميركية.
وقد جسّد هذا النظام نموذجاً للعقوبات الثانوية يقوم على ما وصفه فقهاء القانون الدولي بتأكيد الولاية القضائية الخارجية المتوسعة، إذ سعت الولايات المتحدة إلى تنظيم السلوك التجاري لجهات أجنبية استناداً إلى وجهة المعاملة أو طرفها المقابل، لا إلى رابطة مباشرة بمصلحة أميركية محددة. وتمحور الجدل القانوني حول ما إذا كانت هذه التدابير تمسّ بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتتجاوز الأسس المعترف بها لممارسة الولاية القضائية التزاحمية بموجب القانون الدولي العرفي.
ويُعيد الإلغاء قدراً أكبر من وضوح الاختصاص القضائي إلى بيئة الامتثال، إذ لم يعد غير الأميركيين معرضين للعقوبات الأميريكية لمجرد ممارسة نشاط تجاري مشروع مع سوريا؛ كما يخفف هذا التطور حالة عدم اليقين الهيكلي التي طبعت المعاملات العابرة للحدود، حين كانت الكيانات الأجنبية تواجه احتمال إدراجها أو معاقبتها بناء على تقديرات تقديرية لما يُعدّ “دعماً كبيراً”. واعتقد أن ترك هذا المصطلح من دون تعريف محدد كان مقصوداً لتعزيز سلطة السلطة التنفيذية التقديرية، بما أفضى إلى بيئة امتثال يتعذر فيها على الفاعلين التجاريين توقع العواقب التنظيمية لقراراتهم على نحو موثوق.
الأثر المصرفي: تفكيك ديناميكيات الحد من المخاطر ورفع “الأثر المثبط”
أفضت العقوبات الثانوية بموجب قانون قيصر إلى ما يصفه مختصو الامتثال بـ“الأثر المثبط” الذي تجاوز، عملياً، الحدود القانونية الرسمية للنص، عبر ديناميكيات مترابطة شوّهت علاقات المراسلة المصرفية وقنوات الوساطة المالية.
فقد واجهت البنوك المراسلة، في ظل هذا النظام، مخاطر غير متكافئة؛ وحتى عندما لا تنتهك معاملة بعينها العقوبات الأميركية الأساسية، ظلّ احتمال اعتبار البنك “متورطاً” في تقديم دعم كبير قائماً إذا قام بمعالجة مدفوعات لبنوك مراسلة أخرى تضم في شبكات عملائها جهات سورية بوصفها مستفيداً نهائياً. وقد قاد هذا البناء إلى مفارقة امتثال واضحة: إذ تعجز البنوك، بحكم طبيعة علاقات المراسلة المتداخلة، عن التحقق الكامل من المالكين المستفيدين والاستخدام النهائي للأموال، ومع ذلك قد تتحمل تبعات جسيمة عند وقوع خرق داخل تلك الشبكات.
وفي مواجهة هذا الغموض الهيكلي، تبنّت مؤسسات مالية عديدة استراتيجيات صارمة للحد من المخاطر، تجسدت في إنهاء واسع لعلاقات المراسلة مع مؤسسات تعمل في بيئات تُصنّف عالية المخاطر أو تتعامل معها. وقد بدا هذا السلوك متسقاً اقتصادياً من منظور المؤسسة الفردية، لأن كلفة الانكشاف المحتمل، بما في ذلك إجراءات الإنفاذ من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، ومخاطر السمعة، واحتمال فقدان إمكانية الوصول إلى مقاصة الدولار الأميركي، تفوق بمراحل العائد المتوقع من أي نشاط مرتبط بسوريا.
وترتب على ذلك ما يمكن وصفه بـ“العقوبات الخفية”، أي قيود مالية تُنفّذ عملياً عبر قرارات إدارة المخاطر في القطاع الخاص، لا عبر حظر قانوني صريح. ووجدت منظمات سورية غير حكومية، وقنوات تحويلات المغتربين، ومستوردون تجاريون أنفسهم محرومين فعلياً من الخدمات المصرفية، ليس لأن معاملاتهم مخالِفة، بل لأن مجرد ورود إشارة إلى سوريا في وثائق المعاملة كان يؤدي إلى إغلاق الحسابات تلقائياً أو رفض المدفوعات.
ويُغيّر إلغاء العقوبات الثانوية جذرياً حسابات المخاطر هذه، إذ يمكن للبنوك غير الأميركية إجراء معاملات مرتبطة بسوريا من دون التعرض لخطر عقوبات أميركية ثانوية. وينقل ذلك إطار الامتثال من نموذج ثنائي يعتبر سوريا نطاقاً محظوراً على نحو شبه مطلق، إلى مقاربة قائمة على المخاطر تركز على فحص قوائم العقوبات، والالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتقيد بالمعايير التنظيمية في بلد المنشأ. ولا يعني هذا التحول أن سوريا تصبح بيئة منخفضة المخاطر، لكنه يحول المخاطر من تهديد هيكلي غير قابل للقياس إلى عملية امتثال قابلة للإدارة تعتمد على العناية الواجبة بالعملاء، ومراقبة المعاملات، والتحقق من الملكية المستفيدة.
تمويل التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار: الانتقال من الردع إلى العناية الواجبة القابلة للتمويل
استهدفت العقوبات الثانوية، في بنيتها، القطاعات المرتبطة بإعادة الإعمار، بما في ذلك البناء والهندسة والطاقة والطيران، بما أوجد ما يصفه الاقتصاديون بـ“عبء عقوبات” أدى إلى ردع الاستثمار الأجنبي حتى في المجالات التي لم تكن محظورة صراحة بموجب العقوبات الأساسية.
وقد خلقت الصياغات القانونية التي تُجيز فرض عقوبات على من يقدمون دعماً كبيراً أو يشاركون في معاملات كبيرة مستوى مرتفعاً من عدم اليقين لدى المستثمرين المحتملين؛ إذ أشارت التوجيهات الرسمية إلى أن تقييم “أهمية” المعاملة يقوم على مجمل الحقائق والظروف، بما في ذلك حجم المعاملة وتكرارها وطبيعتها وسياقها التجاري. ويعني هذا المعيار التقديري أن المستثمرين لا يستطيعون بناء توقعات دقيقة حول ما إذا كانت مشاريعهم قد تُعرّضهم لعقوبات ثانوية، الأمر الذي يضيف عملياً علاوة مخاطر سياسية يصعب تسعيرها لأي استثمار يرتبط بسوريا.
وقد اتسمت هذه التقلبات بضرر بالغ على مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار التي تتطلب تمويلاً متعدد السنوات، وعقود توريد طويلة الأجل، وتحالفات مقاولين دولية. فالمؤسسات المالية لا تستطيع، بطبيعتها، تمويل مشاريع قد يتغير وضعها التنظيمي في منتصف دورة التنفيذ بسبب قرارات سياسية خارجية للسلطة التنفيذية لا ترتبط بسلوك المستثمر ذاته. وبناء عليه، ظلت حتى رؤوس الأموال الأكثر استعداداً لتحمل المخاطر مترددة، رغم الاحتياجات الكبيرة لإعادة الإعمار المقدرة بنحو 216 مليار دولار.
ومع إلغاء العقوبات الثانوية، يتحول المشهد الاستثماري من إطار يغلب عليه الردع إلى إطار يقوم على العناية الواجبة. ويغدو بمقدور المستثمرين الأجانب هيكلة مشاريعهم على أساس فحص الكيانات، والتحقق من الامتثال القطاعي، وبناء ضمانات تعاقدية تتسق مع التدابير المستهدفة المتبقية، وتطبيق عناية واجبة على سلاسل التوريد. ويتيح ذلك تطوير هياكل تمويل للمشاريع تكون قابلة للتمويل المصرفي بمعايير مخاطر محددة، وهو شرط لازم لتعبئة رأس المال اللازم لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
خاتمة
يمثل إلغاء العقوبات الثانوية لقانون قيصر انتقالاً نوعياً من الحظر الهيكلي إلى الامتثال القائم على المعاملة. ففي النظام السابق، واجهت الكيانات غير الأميركية خطر التعرض لعقوبات أميركية بسبب أي مشاركة جوهرية في الاقتصاد السوري، بما خلق بيئة امتثال كان فيها التجنب الكامل هو المسار الأكثر أمناً. وقد ترتب على ذلك انكماش واسع في الانكشاف، وقطع علاقات مراسلة مصرفية، وتجميد للاستثمار.
ويتيح الإلغاء استعادة تدريجية لعلاقات المراسلة المصرفية، وتمويل التجارة، وتدفقات التحويلات، والاستثمار في إعادة الإعمار، بشرط تطبيق عناية واجبة صارمة، وفحص دقيق للعقوبات، وإدارة مخاطر فعالة ومستمرة. وبذلك، يُمكن النظر إلى رفع العقوبات الثانوية بوصفه تفكيكاً للآلية الأكثر تأثيراً في سلوك القطاع الخاص، أي الآلية التي وسّعت إنفاذ القانون الأميركي ليطول غير الأميركيين، وخلقت أثراً مثبطاً واسع النطاق عطّل اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.
تلفزيون سوريا
————————————
عندما تنهار العقوبات: كلفة قانون “قيصر” على المواطن السوري/ أحمد الجابر
إلغاء “قيصر” كيف سيؤثر على سوريا واقتصادها
2025-12-19
في كانون الأول/ديسمبر 2019، أقرّ الكونغرس الأميركي “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا” كإحدى أشد أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي على نظام بشار الأسد، بهدف معاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، وعرقلة قدرة الدولة على إعادة الإعمار. واستند القانون إلى فرضية أن العقوبات الواسعة يمكن أن تدفع السلطة إلى تغيير سلوكها أو الانخراط في مسار انتقال سياسي، لكنه سرعان ما تجاوز استهداف الأفراد ليشمل عقوبات ثانوية طالت شركات وحكومات وأفرادًا خارج سوريا، ما جعل التعامل الاقتصادي معها عالي المخاطر وأعاد تشكيل بنية الاقتصاد السوري.
وخلال سنوات تطبيقه، فُعِّل القانون عبر حزم تنفيذية متتالية شدّدت الخناق على قطاعات حيوية، وأثارت نقاشًا متزايدًا حول كلفته الإنسانية والاجتماعية، ومن يتحمّل عبئه الفعلي. ومع سقوط النظام السابق وتبدّل المشهد السياسي السوري أواخر عام 2025، اتجهت واشنطن إلى إلغاء القانون تشريعياً ضمن موازنة الدفاع، في خطوة تمهّد لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف العلاقة مع سوريا، ودور العقوبات في مقاربة ما بعد الصراع وإعادة الإعمار.
قيصر: نجاح تقني وفشل استراتيجي
ترى لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية في جامعة مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر حقق هدفه التقني المتمثل في خنق القنوات الاقتصادية الرسمية للنظام السابق، لكنه أخفق في تحقيق غايته السياسية.
فبحسب قراءتها، لم يدفع القانون السلطة إلى تقديم أي تنازلات في مسارات التفاوض الدولية، ولا إلى الالتزام بالقرار 2254، بل شجّعها على تطوير ما تصفه بـ”التكيّف السلبي”، عبر توسيع اقتصاد الظل، وتعميق الاعتماد على شبكات التهريب وتجارة الكبتاغون، وتعزيز الارتهان للحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم إيران.
وتلفت بدفان إلى أن الفجوة الأساسية التي خلقها القانون كانت بين من صُمم لاستهدافهم ومن دفعوا كلفته فعلياً. فالمواطن السوري، بحسب توصيفها، تحمّل العبء الأكبر عبر انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية، في حين نجحت النخب المستهدفة في تحويل العقوبات إلى فرصة لاحتكار السوق، والتحول إلى “تجار أزمات” راكموا أرباحهم من الندرة وارتفاع الأسعار. وبذلك، أسهم القانون في إفقار المجتمع وتعزيز ثراء شبكات الحرب بدل إضعافها.
الإلغاء: صدمة إيجابية وحدود التعافي
تقدّر بدفان أن إلغاء قانون قيصر قد يُحدث “صدمة إيجابية” قصيرة الأجل، تنعكس على سعر الصرف، وسهولة التحويلات، وحركة التبادل التجاري. غير أنها تحذّر من تضخيم التوقعات، مؤكدة أن سوريا لن تشهد خطة إنعاش كبرى على غرار “خطة مارشال”، في ظل استمرار المخاطر الأمنية، وغياب البيئة القانونية الجاذبة، وتردّد الشركات العالمية في الاستثمار طويل الأمد.
وترى أن إلغاء القانون يمثّل الإشارة الدولية الأقوى التي تحتاجها حكومة أحمد الشرع لتثبيت شرعيتها وفتح باب إعادة الإعمار، بما يتيح إعادة تشغيل القطاعات المتوقفة ودمج المهجّرين في الدورة الاقتصادية. لكنها تشير في المقابل إلى تحديات داخلية ثقيلة، أبرزها تفكيك الاقتصادات الموازية التي أدارتها الفصائل، وأزمة الديون الخارجية، خصوصاً لروسيا وإيران، إضافة إلى الفساد المتجذّر في البيروقراطية، والذي لا يسقط بسقوط رأس النظام.
ومن جانبه، يرى مؤيد اسكيف، الصحفي السوري المقيم في سويسرا، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر كان له أثر عميق على بنية النظام السابق، لا سيما في قدرته على تمويل مؤسساته العسكرية والاقتصادية.
ويعتبر أن القانون أسهم في إنهاك النظام من الداخل، ومنع إعادة ترميم الجيش ومؤسسات الدولة، ما جعله أحد العوامل التي ساهمت في تآكله التدريجي.
ويشير اسكيف إلى أن الرغبة في إلغاء القانون كانت واسعة، شعبياً ورسمياً، نظراً للأعباء الثقيلة التي ألقيت على كاهل المواطنين. ويعبّر عن أمله في أن يشكّل الإلغاء بداية يشعر بآثارها المواطن السوري، من خلال تشجيع تدفّق رؤوس الأموال وتحويل مذكرات التفاهم السابقة إلى مشاريع ملموسة، ولو بشكل تدريجي.
لكن اسكيف يربط أي تحسّن مستدام بإصلاح أداء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء، وتوفير بيئة آمنة وشفافة تحمي حقوق المواطنين. فبرأيه، التركة الثقيلة من ضعف الخدمات، وتدهور البنية التحتية، وانخفاض قيمة العملة، تجعل من الإلغاء خطوة ضرورية لكنها غير كافية ما لم تُستكمل بإصلاح إداري وتنموي واسع.
ويقدّم زردشت محمد، السياسي والحقوقي السوري، لـ”963+” قراءة أكثر نقدية لتجربة قيصر، معتبراً أن القانون جرى التعامل معه بوصفه أداة تغيير سياسي محتملة، لكن حصيلته الفعلية تفرض تقييماً أكثر واقعية. فمن وجهة نظره، لم يؤدّ القانون إلى تعديل سلوك السلطة السابقة، بل عزز خطاب المواجهة، ووفّر ذريعة لتحميل العقوبات مسؤولية الانهيار، من دون أن يُربط بمسار تفاوضي واضح أو ضغط سياسي متدرّج.
ويرى محمد أن الكلفة الأساسية وقعت على الفئات الأضعف، وصغار المنتجين، والمناطق المهمشة، حيث أدّت العقوبات إلى رفع كلفة الاستيراد، وتقييد التحويلات، وتوسيع السوق السوداء، بما سمح لشبكات الاحتكار والتهريب بالتمدّد.
ويشير إلى أن مناطق شمال وشرق سوريا عانت بشكل مضاعف، في ظل هشاشة الاعتراف السياسي وغياب قنوات اقتصادية بديلة.
ويحذّر محمد من أن رفع العقوبات قد يؤدي إلى تحسّن قصير الأجل مدفوع بعوامل نفسية، لكنه سيبقى هشًا ما لم يترافق مع إصلاحات سياسية ومؤسسية تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق، وتكبح اقتصاد الريع والفساد.
ويؤكد أن رفع العقوبات بحد ذاته لا يشكّل مدخلاً تلقائياً للتغيير السياسي، بل قد يتحول إلى إعادة تأهيل لمنظومة الحكم إذا لم يُقترن بمسار إصلاحي واضح.
العقوبات من منظور المجتمع
من موقعها كمواطنة سورية، ترى رويدا الحرفوش، السياسية النسوية من السويداء والمقيمة في بلجيكا، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر لم يحقق هدفه السياسي، بل أسهم في تحصين اقتصاد الحرب وتعميق ارتهان السلطة السابقة لحلفائها. وتعتبر أن العقوبات كانت أداة ضغط بلا استراتيجية سياسية، ما جعلها عاجزة عن إنتاج ضغط متراكم فعّال.
وتؤكد الحرفوش أن المواطن العادي، ولا سيما الفئات غير المحمية وسكان المناطق الطرفية، دفع الثمن الأكبر، في حين تكيفت النخب عبر التهريب والتحويلات غير النظامية.
وترى أن إلغاء القانون قد يخفف الألم، لكنه لا يعالج المرض، ما لم يُربط بإصلاحات حقيقية في بنية الحكم، وبناء دولة قانون ومؤسسات.
ويذهب ميلاد مالك الأطرش، الباحث والمحلل السياسي، في تصريحات لـ”963+” إلى أن قانون قيصر لم يكن يوماً أداة فعالة لتغيير سلوك النظام، بل تحوّل إلى واقع عقابي طويل الأمد جمد الأزمة السياسية والمعيشية معاً. ويرى أن رفعه قد يفتح انفراجاً اقتصادياً تدريجياً، يتمثل في تحسن الاستيراد والتحويلات، وعودة محدودة للثقة بالقطاع الخاص، لكنه يشدد على أن الاستدامة مرهونة بالإصلاح الداخلي، ومكافحة الفساد، وتحسين الإدارة الاقتصادية.
أما حسام القس، عضو المكتب الإعلامي للمنظمة الآثورية الديموقراطية وعضو مجلس إدارة منصة مدنية، فيصف في تصريحات لـ”963+” العقوبات بأنها كانت كارثية على السوريين بكل مكوناتهم، معتبراً أن النظام السابق امتلك خبرة كافية للالتفاف عليها، بينما دفع المجتمع كلفتها.
ويرى في إلغاء القانون خطوة ضرورية لبدء إعادة تشغيل الاقتصاد وإعادة بناء البنية التحتية، بما ينعكس إيجابًا ليس فقط على الوضع الاقتصادي، بل أيضًا على الحقوق والمشاركة السياسية.
في المحصلة، يكشف مسار قانون قيصر عن حدود العقوبات الشاملة كأداة للتغيير السياسي، وعن كلفتها الباهظة على المجتمعات الهشة. أما إلغاؤه، فرغم ضرورته لتخفيف المعاناة وفتح نافذة للتعافي، فلا يشكّل بحد ذاته حلًا للأزمة السورية. إذ يبقى مستقبل البلاد مرهوناً بقدرة السلطة الجديدة على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى إصلاح داخلي حقيقي، وبناء دولة قانون ومؤسسات، تضع سوريا على مسار استقرار مستدام، لا مجرد تحسّن مؤقت في واقع مأزوم.
+963
——————————-
ترامب يلغي رسمياً عقوبات قانون قيصر على سورية
19 ديسمبر 2025
وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، القانون السنوي لسياسة الدفاع بقيمة تريليون دولار تقريباً، الذي يتضمن إلغاء قانون قيصر، وجرى بموجبه فرض عقوبات على سورية في 2019. ويجيز قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 إنفاقاً عسكرياً سنوياً قياسيا بقيمة 901 مليار دولار بزيادة قدرها ثمانية مليارات دولار عما طلبه ترامب. وأعلن البيت الأبيض توقيع ترامب لقانون قيصر. وجرى التوقيع بعيداً عن الصخب الإعلامي ومن دون أي مراسم رسمية في المكتب البيضاوي بحضور الصحافيين.
وأقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمّنة مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر”، الذي فُرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. ويبدأ تفعيل القانون في يناير/ كانون الثاني 2026، ما يلغي قانون قيصر نهائياً بعد سنوات من فرضه على سورية، لتلغي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأميركية على دمشق، عقب إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.
إزالة الركام في ضواحي دمشق، 26 نوفمبر 2025 (رامي السيد/Getty)
تقارير عربية
مهام سورية طارئة للحكومة بعد إلغاء “قانون قيصر”
ومع إلغاء الكونغرس الأميركي، مساء الأربعاء، قانون العقوبات الأشد قسوة على سورية المعروف بـ”قانون قيصر”، وتوقيع الرئيس الأميركي، أُزيلت العقبة الأكبر أمام دمشق اقتصادياً وسياسياً، وباتت الحكومة في مواجهة مسؤوليات داخلية جسام كانت مؤجلة بسبب العقوبات، التي لم تعد بعد اليوم ذريعة صالحة. ويُعَد تلاشي العقوبات على سورية الخطوة الأبرز ما بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي كان وجوده سبب فرض تلك العقوبات التي كانت العائق الأكبر أمام انتعاش اقتصادي يستدعي انفراجات على المستويات كلها، ولا سيما السياسية منها.
السعودية ترحب
من جانبها، رحبت السعودية، اليوم الجمعة، بإلغاء العقوبات المفروضة على سورية، بموجب قانون (قيصر)، مؤكدةً أن هذه الخطوة من شأنها دعم الاستقرار والازدهار والتنمية في سورية بما يحقق تطلعات الشعب السوري. وأفادت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن المملكة ثمنت “الدور الإيجابي الذي قام به الرئيس الأميركي في هذا الإطار بدءًا من إعلانه رفع جميع العقوبات المفروضة على سورية خلال الزيارة التاريخية التي قام بها فخامته للرياض في شهر مايو/أيار 2025، وانتهاءً بتوقيعه لقانون تفويض الدفاع الوطني 2026 الذي تضمن إلغاء قانون قيصر”.
كما أعربت المملكة عن “خالص تهانيها للقيادة وللحكومة السورية وللشعب السوري الشقيق برفع جميع العقوبات المفروضة على سورية، وتقديرها للخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لإعادة الاستقرار في جميع المناطق السورية وتهيئة الظروف لإعادة بناء الدولة السورية واقتصادها وعودة اللاجئين والمهجرين السوريين لمناطقهم”.
العربي الجديد
———————————-
ترامب يلغي رسميا عقوبات “قيصر” على سوريا
وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يتضمن أضخم موازنة سنوية لوزارة الحرب في تاريخ الولايات المتحدة بأكثر من 900 مليار دولار، وكذلك إلغاء قانون قيصر الذي فرض عقوبات على سوريا منذ عام 2019.
وقد وقّع الرئيس ترامب على القانون الجديد بعد مصادقة الكونغرس عليه، بعيدا عن كاميرات الإعلام، على خلاف ما كان معلنا سابقا.
ويحدد القانون أولويات الدفاع عن الولايات المتحدة، ويطلب من البيت الأبيض تقديم تقارير دورية للكونغرس لمدة 4 سنوات تؤكد استمرار الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب والمخدرات وحماية الأقليات، والسعي لتحقيق السلام مع دول الجوار.
وينص القانون على إقرار الرئيس الأميركي فرض عقوبات محددة على سوريا في حال كان التقرير سلبيا لفترتين متتاليتين.
مراحل متعددة
وصوّت مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، لصالح قانون موازنة وزارة الحرب لعام 2026 الذي يتضمن بندا لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، وأحال المجلس القانون إلى الرئيس دونالد ترامب للتوقيع عليه ليصبح نافذا.
ووافق مجلس النواب الأميركي، الأسبوع الماضي، على إلغاء قانون قيصر الذي فُرضت بموجبه عقوبات أميركية على سوريا، ورحّبت الحكومة السورية بهذه الخطوة، وقالت إنها ستعيد التعافي للاقتصاد السوري.
ويُتوقع أن يمهّد إلغاء القانون الطريق لعودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية لدعم الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وشكّلت العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام انتعاش الاقتصاد السوري، ويُعتبر رفعها دليلا على نجاح الحكومة السورية الجديدة.
وكان “قانون قيصر” قد أُقر في ديسمبر/كانون الأول 2019 لمعاقبة أركان النظام السوري على جرائم حرب بحق المدنيين، وفرض عقوبات واسعة استهدفت أفرادا وشركات ومؤسسات مرتبطة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي أُطيح به عام 2024 وفرّ إلى روسيا.
المصدر: الجزيرة + وكالات
———————
مهام سورية طارئة للحكومة بعد إلغاء “قانون قيصر”/ محمد أمين
19 ديسمبر 2025
مع إلغاء الكونغرس الأميركي، مساء الأربعاء، قانون العقوبات الأشد قسوة على سورية المعروف بـ”قانون قيصر”، وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الخميس عليه، أُزيلت العقبة الأكبر أمام دمشق اقتصادياً وسياسياً، وباتت الحكومة في مواجهة مسؤوليات داخلية جسام كانت مؤجلة بسبب العقوبات، التي لم تعد بعد اليوم ذريعة صالحة. ويُعَد تلاشي العقوبات على سورية الخطوة الأبرز ما بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي كان وجوده سبب فرض تلك العقوبات التي كانت العائق الأكبر أمام انتعاش اقتصادي يستدعي انفراجات على المستويات كافة، ولا سيما السياسية منها. والمتجول في شوارع العاصمة دمشق صباح أمس الخميس يلحظ فرحة تعلو وجوه السوريين ورغبة في تجاوز المرحلة السوداء التي مرت بها بلادهم (2011 – 2024)، والتي زاد من وطأتها تلك العقوبات التي اتخذها النظام البائد ذريعة لممارسة المزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين.
مرحلة جديدة في سورية
“تدخل سورية مرحلة جديدة نتمنى أن يعم فيها الخير على الجميع”، يقول محمود الأسعد، وهو مدرس في إحدى مدارس العاصمة. ويضيف في حديث مع “العربي الجديد”: إلغاء العقوبات التي كانت مفروضة بموجب قانون قيصر، يضع الحكومة السورية أمام الامتحان الأهم منذ عام. عليها اليوم أن تلتفت إلى الداخل أكثر وتبدأ بمقاربات مختلفة تماماً حيال كل الملفات، خصوصاً السياسية منها. ويشير إلى أن الشارع السوري: “ربما كان يعذر الحكومة لتقصيرها في عدة ملفات بسبب وجود العقوبات”، مضيفاً: سورية اليوم بلا عقوبات، ومن ثم لم تعد هناك تبريرات تقنع هذا الشارع إذا لم يتم التعاطي بجدية مع الملف الاقتصادي الصعب والملف السياسي الأصعب الذي يعاني اليوم من انسداد الآفاق. نتوقع انفراجات اقتصادية وسياسية في مدى متوسط.
وبعد إلغاء قانون “قيصر”، ينتظر الشارع السوري مقاربات مختلفة من الحكومة السورية، تعبّد الطريق أمام عودة الحراك السياسي في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وتوسيع دائرة المشاركة من قبل القوى والتيارات السياسية في القرار. البلاد حتى اللحظة من دون مجلس تشريعي يقر العديد من القوانين الملحة (بما أن الرئيس أحمد الشرع لم يعيّن بعد النواب الـ70 من أصل 210)، لعل أبرزها: قانون الأحزاب الذي تنتظره القوى السياسية السورية، لنقل الصراع من الشارع إلى أروقة السياسة، من أجل تجنيب البلاد دورات عنف جديدة لم يعد المجتمع السوري يتحمل تبعاتها. وخلال عام مضى، وُجّهت انتقادات وملاحظات على سلوك الإدارة السورية الجديدة حيال الكثير من الملفات المصيرية في البلاد، خصوصاً لجهة عدم الاهتمام الكافي بالحوار الوطني الذي يفضي إلى رسم سياسات الدولة خلال الفترة الانتقالية واستبعاد الكفاءات، وعدم إشراك مكونات البلاد السياسية والعرقية والمذهبية بشكل كاف بالقرار الوطني، والاعتماد فقط على القوى التي كانت تسيطر على شمال غربي سورية قبل الثامن من ديسمبر 2024.
كما لم تحقق دمشق اختراقاً مهماً في ملف إنهاء الأوضاع في شمال شرقي سورية وهو الجانب الأغنى في الثروات من البلاد، فـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لا تزال سلطة الأمر الواقع في تلك المنطقة، وسط تبادل اتهامات مع دمشق حول الأسباب التي تحول دون اندماجها في المؤسسة العسكرية وتسليم المنطقة للحكومة، بناء على اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي، بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ولم تنفذ مضامينه حتى اللحظة رغم الضغطين الأميركي والتركي. ويُتوقع أن يشهد هذا الملف تطورات خلال الفترة المقبلة باتجاه التوافق حول صيغة مناسبة للدمج، لا سيما أن الجانبين لا يميلان إلى صدام عسكري مفتوح على كل السيناريوهات.
وملف محافظة السويداء في جنوب سورية يتجه كل يوم نحو التعقيد، في ظل غياب رؤى سياسية وخطوات جادة من شأنها إعادة بناء الثقة مع دمشق التي كما يبدو فضّلت تأجيل التعاطي مع هذا الملف بسبب ارتباطه بعموم ملف الجنوب السوري، الذي بات اليوم مسرح تدخل إسرائيلي كبير. ويُعتقد أن خطوات الحكومة الداخلية ستكون أكثر سرعة في المرحلة المقبلة، بعدما تخففت من عبء العقوبات الأميركية التي كانت تحول دون إعادة الإعمار أو تدفق استثمارات كبيرة إلى البلاد.
ويقول الباحث في مركز الحوار للدراسات أحمد القربي، لـ”العربي الجديد”، إنه “بعد إلغاء قانون قيصر لا بد من حوكمة رشيدة وشفافية ورؤية استراتيجية أو على الأقل رؤية متوسطة المدى تتناسب مع المرحلة الانتقالية”. ويتابع: “لم تعد هناك عوامل خارجية تعيق سورية. اليوم بات من الملحّ تعديل البنية التشريعية والقانونية، خصوصاً ما يتعلق بالاستثمار وتشجيع المشروعات الصغيرة وحوكمة المؤسسات الاقتصادية”. وبرأيه، فإن الاقتصاد السوري “بحاجة إلى دعم خارجي وليس رفع العقوبات فحسب، فالمعطيات الاقتصادية اليوم مرعبة”، مضيفاً: أكبر عدو في المراحل الانتقالية هو الفساد، وهذا يتطلب إعادة تأهيل المؤسسات وضمان استقلال القضاء ليشعر المستثمر بالأمان وأن أمواله محمية بالقانون.
من جهته، يرى الناشط السياسي المتحدر من محافظة السويداء أدهم مسعود القاق، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المطلوب من الحكومة “بناء الجبهة الداخلية بشكل مختلف”، مضيفاً: “إذا لم تكن هناك وحدة وطنية بين كل المكونات، وإذا لم تكن الحكومة على مسافة واحدة منها، لن يكون هناك مستقبل زاهر لسورية”. وبرأيه، فإن “الوحدة والاستقرار يدفعان الشركات للدخول إلى سورية”، معتبراً أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار قضايا النازحين والمهجرين في البلاد، ومعالجة القضايا الخدمية والمعيشية. فالفقر يدفع إلى احتجاجات جديدة.
أما القانوني محمد صبرا، فيعتبر في حديث مع “العربي الجديد”، أن المسألة الملحة في الوقت الراهن هي “خلق البيئة التشريعية والحوكمة وتثبيت الأمن، وهذه شروط تحسين الأوضاع الاقتصادية”. ويتابع أنه يجب إعادة توطين فكرة الدولة وسيادة القانون والاحتكام للمؤسسات، لتجاوز المرحلة الانتقالية بسلام. ويشير إلى أن من الخطوات المطلوبة “بناء مؤسسات أمنية تراعي حقوق الإنسان وبعيدة عن التطييف والانحيازات الأيديولوجية”، مضيفاً: هذه كلها شروط أساسية لتحفظ الاستقرار والسلم الأهلي وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي شرط أساسي لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وهذه العودة تعني موارد بشرية يمكن الاستفادة منها في بناء الجيش وإعادة تثبيت المجتمع السوري، بحيث يمكن أن تنطلق مجموعة من الميكانزمات على كل المستويات. هذه كلها عناصر مرتبطة بعضها ببعض تبدأ من الاقتصاد، ولا تنتهي عند الحوكمة الرشيدة والمعايير التي يجب أن تكون الناظم لكل مؤسسات الدولة.
بدوره، يرى الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء “قانون قيصر” يشكل “نقلة نوعية سيكون لها أثرها الكبير في الاقتصاد السوري”، مشيراً إلى أن هذا الاقتصاد “ربما يحتاج إلى سنوات ليصل إلى تعاف كامل”. كما يعتبر إلغاء القانون “دليل ثقة سياسية متزايدة من قبل الولايات المتحدة بسياسة الحكومة السورية الحالية”، مشيراً إلى أن “كل الشروط المسبقة لم تعد موجودة”. ويضيف: سورية اليوم لديها هامش كبير من السيادة، وهذا يؤكد إيمان واشنطن بالخيار السوري ـ السوري لنسج السياسات الداخلية، سواء مع المكونات أو في ما يخص السلطة التشريعية. وبرأيه، فإن إلغاء القانون المذكور “يعطي الثقة المتزايدة للشركات الأميركية والغربية للدخول للسوق السورية”، مشيراً إلى أن “الثقة الأميركية بالقيادة السورية تجلت في الموقف من اعتداءات إسرائيل على سورية”، مضيفاً أنّ المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك عبّر عن امتعاضه من هذه الاعتداءات أخيراً، ما أدى إلى صدور تصريحات إيجابية من تل أبيب حول اتفاق أمني مع سورية. ويتابع: الثقة الأميركية منحت الحكومة هامشاً كبيراً من الثقة والمناورة الداخلية بما يحفظ سيادتها ووحدة أراضيها، وهذا هو البعد الذي أراه مهماً ويكاد يكون أهم من قضية البعد الاقتصادي لأنه أسرع وأكثر محورية وتأثيراً في المشهد السياسي السوري. ويأمل غزلان أن “تكون السياسات الداخلية في سورية مواكبة تماماً لهذه الثقة”، مضيفاً: يجب أن ينعكس ذلك على ملف الاتفاق مع قوات “قسد”، وأن يدفع بملف السويداء إلى المصالحة النهائية.
آلية مراقبة أميركية
يُذكر أنه بإلغاء “قانون قيصر” فإن لا إمكانية لعودة العقوبات على سورية وفقه، لكن هناك آلية مراقبة للحكومة الأميركية تنص على إمكان فرض عقوبات بطريقة أخرى على سورية، وتنص على تقديم رئيس الولايات المتحدة خلال 90 يوماً تقريراً إلى الكونغرس ولجانه يُثبت ما إذا كانت حكومة سورية “تتخذ إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، بما فيها تنظيم القاعدة وفروعه، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور داعش”، وأن الحكومة “قد أزالت، أو تتخذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية فيها، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية”. كما يتضمن التقرير إشارة إلى ما إذا كانت الحكومة السورية “تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سورية، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتضمن تمثيلاً عادلاً ومتوازناً في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان”، و”لا تقوم بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، بما في ذلك دولة إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي عندما يكون ذلك مناسباً”.
كما “تتخذ خطوات حقيقية وموثوقة لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025، بما في ذلك إجراءات دمج القوات الأمنية وتحقيق التمثيل السياسي”، وتتخذ “إجراءات فعّالة لمكافحة: غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وألا تكون على علم بتمويل أو مساعدة (مالياً أو من خلال نقل الأسلحة) أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعين للعقوبات”. كما يثبت التقرير ما إذا كانت الحكومة السورية “تقوم بملاحقة قضائية نشطة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً منذ الثامن من ديسمبر 2024، بما في ذلك المسؤولين عن المجازر بحق الأقليات الدينية”، و”تتخذ خطوات قابلة للتحقق لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون”. وبحسب هذه الآلية: “إذا عجز الرئيس عن تقديم شهادة إيجابية لمدة فترتين متتاليتين من فترات إعداد التقارير، يجوز له النظر في فرض عقوبات موجهة على أفراد بموجب الصلاحيات القائمة إلى أن يقدم شهادة إيجابية لاحقاً”.
العربي الجديد
—————————————-
دفن “قيصر”… ولكن/ حسام كنفاني
19 ديسمبر 2025
يحق للسوريين اليوم الاحتفال برفع قانون قيصر للعقوبات الذي فرض على نظام بشّار الأسد قبل سنوات، وساهم، إلى حد كبير، في إسقاطه بعد الانهيار الاقتصادي الذي أوصل البلد إليه. ويحق للسوريين أيضاً ترقّب انفتاح اقتصادي واستثماري يعيد الانتعاش للبلاد الخارجة من حرب أهلية استمرّت 13 عاماً.
ومن المعلوم أن سورية اليوم، وبعد انهيار نظام الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، وفي ظل الانفتاح الذي يبديه الغرب والمحيط العربي على النظام الجديد، هي ساحة استثمارية جاذبة لكل القطاعات الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة الإعمار الذي تحتاج إليه البلاد، والذي كان يعيقه وجود قانون قيصر، والذي كان يمنع أي تعاملاتٍ اقتصادية مع السلطات السورية.
اليوم، ذهب قانون قيصر إلى غير رجعة، فعلى عكس التعليق المشروط للقانون الذي وضعته الإدارة الأميركية في الأشهر الماضية، فإن ما صوّت عليه الكونغرس نصّ على إلغاء كامل وفوري للقانون، من دون إمكانية العودة إلى تفعيله بحد ذاته في المستقبل، وهو يعد إيجابياً إلى درجة كبيرة في ما يخصّ آلية التعاطي الأميركي مع الإدارة السورية الجديدة.
في الوقت نفسه، لا يعطي هذا الحكومة السورية الجديدة ضوءاً أخضر للقيام بما يحلو لها في المستقبل، خصوصاً في ما يخص تجاهلها كثيراً من الشروط الأميركية التي كانت موضوعة سابقة لرفع قانون قيصر. فمع أن الإلغاء اليوم غير مشروط، لا تزال هناك الكثير من المطالب الأميركية التي ستكون محل مراقبة في الأشهر المقبلة.
وبحسب القانون، هناك آلية تلزم الرئيس الأميركي أو من ينوب عنه في تقديم تقرير نصف سنوي حول مدى التزام الحكومة السورية في تنفيذ المطالب الأميركية. والحديث هنا عن ثمانية بنود، بعضها بدأت الإدارة السورية بتنفيذها، وفي بعضها الآخر ملفات شائكة لا تزال الحكومة غير قادرة على التعامل معها.
يتقدم هذه البنود مطلب “مكافحة الإرهاب”، وهو للآن يعد الأسهل من ضمن المطالب، خصوصاً أن الحكومة السورية أعلنت الانضمام “سياسياً” إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهي تشن حملات منذ أسبوع على خلايا التنظيم في عديد من المناطق السورية، ولا سيما بعد حادثة مقتل جنديين أميركيين ومترجم أميركي في هجوم لـ”داعش” في تدمر.
وفي السياق نفسه، يأتي مطلب مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، وهو يندرج ضمن مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات المدرجين في المطالب الأميركية. وهو ما تحدث المسؤولون السوريون عن الالتزام به في أكثر من مناسبة.
من المطالب السهلة أيضاً، نسبياً، ولا ترى الحكومة السورية مشكلة في تطبيقها، هي “وقف أي عمل عدائي ضد دول الجوار”، والمقصود هنا إسرائيل تحديداً. فالانفتاح الذي أبدته الحكومة، بناء على ضغط أميركي، تجاه إسرائيل غير مسبوق، وكان هناك تقدم باتجاه إبرام اتفاق أمني، قبل أن تنهار المفاوضات بفعل التعنت الإسرائيلي في الانسحاب من الأراضي السورية.
تبقى هنا المطالب المعقدة، وفي مقدمتها مسألة إبعاد المقاتلين الأجانب عن المواقع الحكومية. هذا المطلب، ورغم وجود توجه كبير داخل الحكومة السورية لتنفيذه، يحمل في طياته مخاطر كثيرة داخل نظام الحكم السوري الجديد، والذي وصل إلى السلطة في إطار ائتلاف لم يكن المقاتلون الأجانب بعيدين عنه.
أيضاً هناك ملف التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، والذي لا يزال فيه تعقيدٌ كثير، في ظل الخلاف الكبير في وجهات النظر بين الحكومة و”قسد” حول مستقبل حكم البلاد والدرجة المقبلة من “الفيدرالية” للطرفين.
ولا يمكن التغافل أيضاً عن مطلب “حماية حقوق الأقليات” في سورية، التي تعيش في مناطق واسعة من البلاد في عزلة عن الحكم المركزي، بل ترى فيها خطراً عليها، قياساً على الأحداث التي وقعت في الساحل السوري والسويداء.
عدم تحقيق جزء من هذه المطالب، بناء على ما ستراه الإدارة الأميركية خلال التقريرين اللذين سيقدّمان خلال 360 يوماً، لا يعني أن عقوبات “قيصر” سوف تعود، لكنه قد يفتح المجال للرئيس الأميركي لفرض عقوبات جديدة ستعيد الوضع الاقتصادي السوري إلى دائرة التعقيد.
مجدّداً، يحق للسوريين اليوم الاحتفاء بدفن قانون قيصر، لكن مع العمل على إبعاد أي شبح جديد للعقوبات عن سورية.
العربي الجديد
———————————–
سوق العمل السورية: بطالة المتعلّمـين تحت مجهر الانفتاح/ دمشق – رهام علي
الجمعة 2025/12/19
بعد الثامن من كانون الأول 2024 تغيّر السياق السياسي في سوريا، وشرعت بوادر الانفتاح الخارجي أبواباً أمام تدفّق استثماراتٍ واتفاقياتٍ كبرى، لكن أثر ذلك على التشغيل لا يزال متدرجاً ومشحونًا بتناقضاتٍ بنيوية. فـهل يمكن أن تتحول عقود الطاقة والمشروعات الممتدة إلى عشرات الآلاف من الوظائف؟ أم أن سوق العمل، لا سيما بين المتعلمين، سيبقى أسير فجوة مهارية وبنيوية؟
المشهد الكلي والأرقام الأساسية
تُقاس مؤشرات التشغيل في سوريا بعد سنوات من الاضطراب بفجوة واضحة بين العرض والطلب على العمل، إذ تشير بيانات منظمة العمل الدولية ومنصّات إحصائية دولية إلى أن معدل مشاركة القوى العاملة بقي منخفضاً، بنحو 37.9% خلال 2024، مع تباين كبير بين مشاركة الرجال والنساء. فيما تُظهِر تقديرات الأمم والمؤسسات الدولية أن معدلات البطالة تبقى مرتفعة مع إصدارات مختلفة للقياسات؛ البنك الدولي بدوره يشير إلى أن نموذجَات تقديرية تضع نسبة البطالة عند مستويات قريبة من 13% في 2024، بينما تسجل بعض مصادر العمل الدولية أرقامًا أعلى عند قياسات بديلة للبطالة والبطالة الشابة. هذه الأرقام تعبّر عن تراكم بطالة على مدار سنوات الانكماش، وترسم خط الانطلاق الذي ستتعاطى معه الاستثمارات القادمة.
الاستثمار على الطاولة… لكن التشغيل يحتاج وقتًا
خلال الأشهر اللاحقة لسقوط نظام الأسد ومباشرة الحكومة الانتقالية عملها، شهدت سوريا تدرّجاً في إعادة إدماجها بالاقتصاد الدولي: قرارات رفع قيود وعقود للطاقة، واستئناف تصدير النفط بطريقة رسمية، بالإضافة إلى زيارات فنية من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي. هذه الوقائع فتحت منافذ استثمارية وعقوداً للبنى التحتية والطاقة، لكنها لم تُترجم فوراً إلى تشغيل واسع النطاق، لأن غالبية الاتفاقيات تحتاج إلى زمن تنفيذ طويل واستثمارات رأسمالية ضخمة قبل أن تتحول إلى مشاريع توظيفية مباشرة.
وهذا ما دفع عدداً من الخبراء إلى التحذير من أن “الإيرادات الاستثمارية” تبقى “سياسية” أكثر من كونها “واقعية” أيّ أنها تخلق أجواء تفاؤل، لكنها لا تُترجم إلى وظائف مستقرة على الأرض بسرعة.
تحديات سوق العمل بعد سقوط النظام
في حديثه مع “المدن” يؤكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن الاقتصاد السوري يمر بعد سقوط النظام بمرحلة انتقالية معقدة، تتميز بخلخلة البنى التقليدية وظهور فرص جديدة لإعادة البناء. ويشير إلى أن الاقتصاد الكلي يعاني من فجوة كبيرة بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، بينما تفتح الاستثمارات الخارجية وإعادة إدماج سوريا في الأسواق الإقليمية والدولية نافذة أمل لإعادة التوازن.
ويضيف قوشجي أن الأرقام الرسمية حول البطالة غير موثوق فيها ، ولا يمكن القول حتى الآن بأن سوق العمل بدأت تتعافى أو أن البطالة تتناقص، ما لم تدخل استثمارات جديدة تؤثر فعلياً على النشاط الاقتصادي، إذ أن بدء هذه الاستثمارات سيزيد الطلب على العمالة. ويشير إلى أن السياسات المالية والنقدية الحالية لا تلعب أي دور محوري في تحديد اتجاهات البطالة، “فالموازنة العامة للعام 2026 لم تُعرض بعد، ولا يزال النظام الضريبي القديم سارياً، ولم يتم تفعيل أي خطط استثمارية واضحة. أما مصرف سوريا المركزي، فحتى الآن لم ينجح في ضبط سعر الصرف أو توفير السيولة عبر البنوك، ولا يزال سعر الفائدة المرتفع والرسوم على السحب قائمة، ما يعكس غياب دور رقابي حقيقي”.
وبالنسبة لتوقعات سوق العمل خلال 2026، يرى قوشجي أن الانفتاح الاقتصادي قد يؤدي إلى نمو نسبي في قطاعات البناء والطاقة والخدمات الرقمية مع دخول استثمارات عربية ودولية، وأن انخفاض البطالة ممكن إذا ترافقت الإصلاحات الاقتصادية مع تفعيل الشراكات مع القطاع الخاص وبرامج التدريب المهني التي تستهدف الشباب والخريجين. ويؤكد أن التحدي الأساسي يكمن في ضمان نمو شامل ومستدام، لا يقتصر على قطاعات محدودة أو وظائف منخفضة الإنتاجية، بل يفتح المجال لفرص عمل نوعية تعزز الاستقرار الاجتماعي.
ويختتم قوشجي حديثه بالقول إن “سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصادها على أسس حديثة، إلا أن نجاح المرحلة يعتمد على قدرة السياسات المالية والنقدية على خلق بيئة عمل مستقرة واستثمار رأس المال البشري بشكل فعّال”، مؤكداً أن العام المقبل قد يكون بداية لانخفاض ملموس في البطالة، خصوصاً بين الشباب وحاملي الشهادات الجامعية، ما سيعزز الثقة الشعبية في مسار الإصلاح والانفتاح الاقتصادي.
البطء في الطلب وفرص القطاعات الواعدة
من جانبه، يشير خبير التنمية الاقتصادية والاجتماعية ماهر رزق لـِ “المدن” إلى أن سوق العمل السورية لا تزال تزدحم بالتناقضات، مع وجود طلب متزايد على العمالة بشكل بطيء، وارتفاع تدريجي في متوسط الأجور، خصوصاً في القطاع الخاص. ويضيف أن الرواتب في الوظائف التي لا تتطلب مؤهلات وخبرات تتراوح حالياً بين 200 و250 دولاراً، وترتفع تدريجياً كلما زادت المؤهلات والخبرات المطلوبة.
ويرى رزق أن الاستثمارات الخارجية، رغم محدوديتها، تحمل بعداً سياسياً أكثر منها واقعية عملية، وهو ما يوفر فرصة للتفكير في إعادة تأهيل الموارد البشرية وفق متطلبات المرحلة المقبلة، بعد سنوات العزلة التي أدت إلى تراجع الخبرات وهجرة الكفاءات في مختلف القطاعات.
وبخصوص القطاعات الواعدة، يؤكد أن الزراعة والصناعات المرتبطة بها ستبقى الأكثر قدرة على الصمود والنمو، تليها السياحة مع عودة سوريا إلى محيطها العربي، بينما يحتل قطاع الدراما المرتبة الثالثة من حيث الإمكانيات الاستثمارية، باعتباره أقل تأثراً بالعقوبات المفروضة، والتي لم تُرفع بالكامل حتى اليوم رغم وجود قرارات دولية بذلك، لكنها تحتاج إلى إجراءات تقنية قد تستغرق وقتاً غير قصير.
أين تُخلق الوظائف الآن؟
في السياق، يظهر الطلب الفعلي على اليد العاملة اليوم في أنشطة إعادة الإعمار والبنى التحتية والطاقة، وقطاعات الخدمات اللوجستية والزراعة الآلية، إضافة إلى احتياجات متزايدة في تكنولوجيا الدفع والتحوّل الرقمي مع بدء اتصالات بين المصرف المركزي وشركات دفع دولية.
مشاريع الطاقة التي أُعلن عنها تفتح بوابة لوظائف في البناء والتشغيل والصيانة، بينما تبقى الصناعة التحويلية بحاجةٍ إلى استقرار الطاقة والتوريد لتستعيد قدرتها على التشغيل. لكن العامل الحاسم هو توقيت التنفيذ: العقود الكبرى تتحول إلى وظائف بعد إشغال مواقع العمل وتوفير التمويل والقطع والتجهيزات المحلية، أمور لا تحدث بين ليلة وضحاها.
بطالة المتعلّمـين: مشكلة جودة التشغيل
ويُعتبر الخرّيجون الجامعيون والمتعلمين الفئة الأكثر تضرراً إذ يجتمع فيها عنصران: فائض العرض من جهة، والفجوة المهارية والعملية من جهةٍ أخرى، فـأرباب العمل المحليون والدوليون يفضّلون اليوم مهارات عملية: فنيّو صيانة طاقة، مهندسو طاقة متجددة، مختصّو تبريد وتكييف صناعي، وتقنيو بيانات، وغيرها من مهاراتٍ كان معظم التعليم الرسمي في سوريا يفتقر إلى برامجه التدريبية الحديثة لتتهيأ لها. والنتيجة أن نسبة بطالة المتعلّمين تفوق المتوسط العام، وترتبط بخطر هجرة العقول أو انتقال الخريجين إلى سوق العمل غير الرسمي بأجور أقل من مستواهم التعليمي.
فجوة المهارات
ولإغلاق الفجوة يجب ربط الاستثمارات ببرامج تدريبية مكثفة، وإلزاميات تشغيل محلية ضمن عقود إعادة الإعمار، وإنشاء صناديق تمويل صغيرة لتشغيل أنشطةً من قِبل مؤسسات محلية. هذه الآليات ليست رفاهية؛ بل شرط لاستفادة العاملين المتعلمين من السوق الجديدة. وفي غيابها، قد يتحوّل تدفّق رؤوس الأموال إلى مشاريع تعتمد على عمالة أجنبية أو تقنيات مستوردة لا تنقل مهارات للمجتمع المحلي.
في المحصلة، وبالرغم من أن التحوّل الذي شهده الواقع الاقتصادي بعد سقوط النظام قد فتح أبواباً مهمة، لكنّه لم يأتِ بعد بمخرجات كافية لسوق العمل، ولا سيما لطبقة المتعلمين. وعليه، فإن سوق العمل السورية اليوم تقف على مفترق: بين إمكانية إعادة تشغيل جزء مهم من اليد العاملة “في حال صدقت الوعود الاستثمارية”، وبين خطر تضخّم بطالة جديدة وهجرة اقتصادية إذا بقي الواقع الاقتصادي هشاً، فالمعركة ليست فقط على جذب رؤوس المال، بل على تأهيل الكفاءات، وإصلاح البنية، وبناء مؤسسات قادرة على ترجمة الاستثمار إلى عمل.
المدن
——————————————–
بيلدكس سورية.. اهتمام استثماري عربي وأجنبي/ نور ملحم
19 ديسمبر 2025
مع اختتام فعاليات النسخة الثانية من معرض بيلدكس في دمشق، اليوم الجمعة، برز اهتمام متزايد من مستثمرين عرب وأجانب بدخول السوق السورية، في مرحلة يصفها مشاركون بأنها اختبار عملي لمرحلة ما بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية، وما يمكن أن تحمله من فرص لإعادة تحريك عجلة الصناعة والإنتاج. المعرض، الذي شاركت فيه نحو 400 شركة من قطاعات مرتبطة بالبنى التحتية والخدمات البلدية والسلامة المهنية، شهد حضورًا رسميًّا وتجاريًّا من 18 دولة عربية وأجنبية، في مؤشر على اتساع دائرة الاهتمام الخارجي بالسوق المحلية.
مستثمرون من قطر ولبنان وتركيا وألمانيا والسعودية أجمعوا، خلال مشاركتهم في المعرض، على أن السوق السورية لا تزال تمتلك هوامش واسعة للنمو، ولا سيما في القطاعات المرتبطة بالبناء والطاقة والصناعات الكهربائية. هذا الاهتمام، بحسب حديثهم، لا يزال في معظمه ضمن إطار الدراسة وجسّ النبض، لكنه يعكس عودة تدريجية لاهتمام استثماري غاب لسنوات طويلة.
في هذا السياق، أكد مدير إقليمي في شركة صناعية قطرية، خالد العمري، لـ”العربي الجديد”، أن دخولهم السوق السورية يأتي ضمن رؤية طويلة الأمد لا تقتصر على التوريد، بل تشمل دراسة إنشاء خطوط إنتاج محلية بالشراكة مع مستثمرين سوريين. واعتبر أن السوق السورية في حاجة إلى استثمارات نوعية أكثر من حاجتها إلى الاستيراد، مشيرًا إلى أن مرحلة ما بعد العقوبات قد تفتح المجال أمام شراكات صناعية حقيقية إذا ما ترافقت مع بيئة تشريعية واضحة ومستقرة.
إلى ذلك، حضرت شركات لبنانية في المعرض، في إطار ما وصفه مشاركون بأنه عودة حذرة إلى السوق السورية، مدفوعة بقربها الجغرافي وتشابك سلاسل التوريد بين البلدين. وقال مدير شركة صناعية لبنانية متخصصة بمواد البناء، حسن موسى، لـ”العربي الجديد”، إن اهتمامهم بالسوق السورية مرتبط بالإنتاج المشترك أكثر من التصدير، معتبرًا أن انخفاض كلفة اليد العاملة وتوافر الطلب يشكّلان عامل جذب، مقابل تحديات تتعلق بتأمين الطاقة والتمويل والتحويلات المالية. وأضاف أن الشركات اللبنانية تميل إلى خطوات تدريجية صغيرة، بانتظار اختبار استقرار البيئة الاستثمارية.
من جهتها، رأت وزارة الإدارة المحلية والبيئة أن تنظيم النسخة الثانية من المعرض لهذا العام جاء نتيجة الطلب المتزايد من الشركات وازدياد الفرص الاستثمارية. وقال مدير العلاقات العامة في الوزارة، علي الحمد، لـ”العربي الجديد”، إن المعرض أسهم في تعزيز التواصل بين القطاعين العام والخاص، بما يسهّل توقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وتنفيذ مشاريع مشتركة، لافتًا إلى الحضور اللافت للشركات الخليجية التي تمتلك خبرات صناعية ورؤى استثمارية طويلة الأمد.
بعد المشاركة القطرية واللبنانية، برز الحضور السعودي بوصفه الأوسع من حيث عدد الشركات. وعلى مستوى الشراكات العملية، كشف نائب المدير التنفيذي لمجموعة كابلات الرياض السعودية، ماهر عبد الواحد، عن توقيع مذكرة تفاهم مع الصندوق السيادي السوري للدخول في شراكة مع مصنع قائم داخل البلاد، معربًا عن أمله بترجمة هذا التفاهم إلى مشروع فعلي خلال فترة قصيرة.
وفي السياق ذاته، قال المدير التنفيذي لمجموعة العجيمي السعودية الصناعية، محمود غالب، إن مشاركة مجموعته للعام الثاني على التوالي تعكس ثقة متنامية بالاقتصاد السوري، موضحًا أن المجموعة تدرس إنشاء مصنع محولات وكابلات، مع توقّع إطلاق إنتاج سعودي–سوري مشترك خلال العام المقبل. الاهتمام الأوروبي كان حاضرًا أيضًا، إذ أعلن ممثل اتحاد الشركات الألمانية المتوسطة والصغيرة، سامر يعقوب، افتتاح فرع للاتحاد في سورية مطلع إبريل/نيسان الماضي. وأوضح أن الاتحاد، الذي يضم نحو 900 ألف شركة، يعمل على دعم دخول الشركات الألمانية إلى السوق السورية والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، عبر تأسيس شركة “أليسيون” شريكاً ممثلاً له داخل البلاد.
أما من تركيا، فأكد مدير فرع شركة الدين ليفت في دمشق، حذيفة الدوامي، أن افتتاح الفرع جاء استجابة للإقبال الاستثماري المتزايد، معربًا عن تطلع الشركة إلى المشاركة في مشاريع البناء والصناعة، في ظل الروابط الجغرافية والمجتمعية والدعم الحكومي المتبادل بين البلدين. كما أعلنت العلامة الإيطالية إيفولي دمشق، المتخصصة في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة المنزلية، تدشين دخولها الرسمي إلى السوق السورية، بالتزامن مع مشاركتها ورعايتها لمعرض BUILDEX سورية 2025.
ورغم هذا الزخم، يرى صناعيون واقتصاديون سوريون أن الاهتمام الاستثماري الحالي لا يزال في مرحلة اختبار، مشيرين إلى أن تحوّله إلى استثمارات فعلية سيبقى مرهونًا بعوامل تتعلق باستقرار سعر الصرف، ووضوح التشريعات، وآليات حماية رأس المال وتحويل الأرباح. كما يلفتون إلى أن التركيز ينصب حاليًّا على قطاعات البناء والطاقة، في حين لا تزال قطاعات إنتاجية أخرى، كالصناعات الغذائية والدوائية، خارج دائرة الاهتمام الخارجي، رغم حاجتها الكبيرة إلى إعادة التأهيل.
وبهذا المشهد، يختتم معرض بيلدكس دورته الثانية لهذا العام، وسط رهان على أن يشكّل هذا الاهتمام مدخلًا لعودة تدريجية لرؤوس الأموال العربية والأجنبية إلى سورية، فيما يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الحضور سيتحوّل إلى مصانع قائمة ومشاريع طويلة الأمد، أم سيبقى في إطار اختبار السوق، بانتظار تبلور صورة أوضح للمسار الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
العربي الجديد
———————————–
حاكم مصرف سوريا يوضح: ماذا يعني إلغاء “قانون قيصر”؟
أكد أنه يسهم في تحسين قدرة سوريا على الاندماج في النظام المالي الدولي
الرياض – العربية
19 ديسمبر ,2025
قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبدالقادر الحصرية، إن إلغاء “قانون قيصر” يزيل حاجزاً قانونياً رئيسياً كان يعيق اندماج سوريا في النظام المالي الدولي.
وأوضح الحصرية أن من المرجح أن تبدأ سوريا بتصنيف ائتماني منخفض، معتبراً أن ذلك أمر طبيعي في المراحل الأولى، في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
وأضاف أن إلغاء “قانون قيصر” سيفتح فرصاً مهمة أمام سوريا للحصول على تصنيف ائتماني سيادي، بما يسهم في تحسين قدرتها على الاندماج في الأسواق المالية الدولية.
———————————–
رحبت بإلغاء “قانون قيصر”.. سوريا تدعو للمشاركة بإعمارها
دمشق: رحبت سوريا، الجمعة، بـ”الإزالة النهائية” للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بموجب “قانون قيصر”، ودعت إلى المشاركة في إعادة إعمار البلاد.
جاء ذلك في بيان لوزارة الخارجية، رحبت فيه بـ”الإزالة النهائية لقانون قيصر، وما تضمنه من إجراءات أثرت على مختلف مناحي الحياة المعيشية والاقتصادية”.
وأضافت الوزارة أن الخطوة “تطور مهم يسهم في تخفيف الأعباء عن الشعب السوري، ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار”.
ومساء الخميس، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حفل بالبيت الأبيض قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 المتضمن بندا لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، وبذلك تم رفع العقوبات رسميا عن سوريا.
واعتبرت الخارجية السورية هذه الخطوة “مدخلا لمرحلة إعادة البناء والتنمية وتدعو جميع السوريين، في الداخل والمهجر، إلى الإسهام في جهود النهوض الوطني”.
كما أعربت عن شكرها للولايات المتحدة “والدول الشقيقة والصديقة التي أسهمت عبر مواقفها وجهودها الدبلوماسية، في دعم المساعي الرامية إلى إنهاء هذه العقوبات، انطلاقا من حرصها على الاستقرار الإقليمي واحترام سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدتها”.
وأكدت الخارجية “تقديرها العالي للشعب السوري في الداخل والخارج، الذين واصلوا الدفاع عن حق وطنهم في العيش الكريم، وأسهموا في نقل معاناة السوريين ومطالبهم المشروعة إلى مختلف المحافل الدولية”.
وجددت دعوتها للمستثمرين من الدول “الشقيقة والصديقة، ولرجال الأعمال السوريين، إلى دراسة فرص الاستثمار، والمشاركة في إعادة الإعمار”.
الوزارة شددت على التزام سوريا بـ”مسار العمل الوطني المسؤول، وبالانفتاح والتعاون الإيجابي مع المجتمع الدولي، بما يرسخ الاستقرار ويعزّز مكانة سوريا في محيطها العربي والإقليمي والدولي”.
وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول 2019، أقر الكونغرس الأمريكي “قانون قيصر” لمعاقبة أركان نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، على “جرائم حرب” ارتكبها بحق المدنيين.
والأربعاء، صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي، لصالح قانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 المتضمن بندا لإلغاء “قانون قيصر”، وأحاله للرئيس، من أجل التوقيع عليه ليصبح نافذا.
ومن شأن إلغاء القانون، الذي فرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة النطاق، أن يمهد الطريق لعودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية لدعم الإدارة السورية الجديدة.
وجرى توقيع قانون قيصر خلال ولاية ترامب الرئاسية الأولى، لكن تطورات سوريا أواخر العام الماضي دفعته إلى العمل على إلغائه.
(الأناضول)
——————————–
الحصرية للإخبارية: عملية طرح العملة السورية الجديدة في خطواتها الأخيرة
كانون الأول 18, 2025
كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، الخميس 18 كانون الأول، أن عملية طرح العملة السورية الجديدة أصبحت في خطواتها الأخيرة.
وأكد حصرية في حديث خاص لموقع الإخبارية أنه سيظهر بشكل شخصي للإعلان عن كافة تفاصيل طرح العملة الجديدة للتداول عندما يحين الموعد.
وأوضح أن الأمور أصبحت في خطواتها الأخيرة، وأن عملية استبدال العملة باتت قريبة، وأن جميع المواعيد التي يتم الإعلان عنها هي مواعيد تحضيرية فقط، وقد تزاح أو تؤجَّل إلى مواعيد أخرى، إلا أن الموعد الحقيقي لم يحدد بعد.
ونفى حاكم المصرف المركزي كافة الشائعات المتداولة على مواقع التواصل حول تحديد موعد لطرح العملة السورية الجديدة.
وأصدر مصرف سوريا المركزي صباح اليوم بياناً نفى فيه تحديد أي تاريخ رسمي لإطلاق العملة الوطنية الجديدة.
ونوّه البيان إلى ضرورة عدم الأخذ بأي معلومات عن العملة الوطنية الجديدة إلا من الموقع الرسمي للمصرف، مضيفاً أن جميع التعاملات المصرفية تسير كالمعتاد دون أي تأثير على الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.
وتناقلت صفحات على مواقع التواصل الإجتماعي خلال الأيام الماضية شائعات منسوبة لمصرف سوريا المركزي، تدعي تحديد مواعيد لطرح العملة السورية الجديدة واستبدال العملة القديمة التي تحمل صوراً ورموزاً مرتبطة بنظام الأسد المخلوع.
المصدر: الإخبارية
—————————-
إدلب تعيد التعامل بالليرة السورية بعد سنوات من العملة التركية/ عمار دروبي
إدلب- بعد سنوات من تداول العملة التركية في مناطق شمال غربي سوريا (حيث كان مركزا للمعارضة السورية إبان نظام بشار الأسد)، أعلنت محافظة إدلب أخيرا حصر التعامل بالليرة السورية في المعاملات المالية، تزامنا مع قرب إطلاق الحكومة السورية عملة جديدة ومرور عام على سقوط نظام الأسد في دمشق.
وألزم التعميم الصادر عن محافظة إدلب جميع المديريات والمؤسسات العامة وشركات القطاعين العام والخاص بالتعامل بالليرة السورية في المعاملات المالية والإدارية، إضافة إلى المصارف والمعامل ومجالس الوحدات الإدارية في المدن والبلدات والبلديات.
كما شمل التعميم محطات الوقود وأفران الخبز ومكاتب الصرافة، مشددا على ضرورة إظهار الصرافين سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأخرى على شاشات عرض واضحة داخل المكاتب، “بما يضمن شفافية أكبر في عمليات الصرف”.
وبحسب تعميم محافظة إدلب، يأتي القرار “في إطار السعي إلى توحيد آلية التعاملات المالية وتنفيذ التعليمات الناظمة للعمل المالي داخل المحافظة”.
وكانت المعارضة السورية، المتمثلة حينذاك بـ”حكومة الإنقاذ” العاملة في إدلب وأجزاء من ريف حلب شمالي سوريا، قد أعلنت عام 2020 بدء تداول العملة التركية وحظر التعامل بالليرة السورية، في خطوة قالت حينها، إنها جاءت نتيجة التدهور الحاد في قيمة الليرة السورية وفقدانها جزءا كبيرا من قيمتها المالية.
ومع سقوط نظام الأسد وتحرير كامل الأراضي السورية، عاد تداول الليرة السورية في إدلب وريف حلب محدودا، في وقت استمر فيه التعامل على نطاق أوسع بالدولار الأميركي والليرة التركية.
ويأتي هذا التطور في ظل مرحلة انتقالية تشهدها مناطق شمال غربي سوريا على المستويين الإداري والاقتصادي، مع مساعٍ لدمج هذه المناطق ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية، بعد سنوات من الانقسام النقدي والتعامل بعملات أجنبية فرضتها ظروف الحرب وتراجع مؤسسات الدولة.
سوريا – إدلب – يخشى اقتصاديون من أن يؤدي القرار إلى ارتفاع أسعار السلع في إدلب وريف حلب. الجزيرة (عمار دروبي)
اقتصاديون يخشون من أن يؤدي قرار اعتماد الليرة السورية إلى ارتفاع أسعار السلع في إدلب وريف حلب (الجزيرة)
ترحيب حذر
لاقى القرار ترحيبا حذرا لدى الأهالي في إدلب وريف حلب، إذ رأى كثيرون فيه خطوة ضرورية باتجاه توحيد عملة البلاد، في مقابل مخاوف من تقلب سعر صرف الليرة السورية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ويرى عبد العزيز رحال، وهو تاجر مواد غذائية في ريف إدلب، أن قرار حصر التداول بالليرة السورية قد يسهم في تنظيم السوق وتقليل فوضى تعدد العملات، مشيرا في الوقت ذاته إلى مخاوف تقلب سعر الصرف.
وقال رحال للجزيرة نت، إن التجار في إدلب خصوصا يحتاجون إلى ضمانات باستقرار العملة وتوافر السيولة، ولا سيما في ظل ارتباط قسم كبير من الاستيراد والتسعير بالدولار الأميركي والليرة التركية.
من جهته، يرى العامل في مجال البناء حمزة خضير أن العودة إلى الليرة السورية قد تسهّل عمليات الدفع اليومية، مؤكدا أن الأهم بالنسبة للعمال هو الحفاظ على القدرة الشرائية للأجور.
ويوضح خضير أن أي تراجع في قيمة الليرة قد ينعكس سلبا على الدخل، ما لم يرافق القرار إجراءات تضمن ثبات الأسعار وتحسين مستوى الأجور، ولا سيما في القطاع الخاص.
إنهاء الانقسام النقدي
يرى مختصون في الشأن المالي والمصرفي أن قرار حصر التعامل بالليرة السورية يعكس توجها رسميا لإعادة ضبط المشهد النقدي في مناطق شمال غربي البلاد، بعد سنوات من تعدد العملات وتباين آليات التسعير، وما رافق ذلك من تحديات على صعيد الاستقرار المالي والرقابة على الأسواق.
وأكد الدكتور في العلوم المصرفية والمالية فراس شعبو، أن تعامل إدلب وريف حلب بالليرة التركية منذ عام 2020 جاء هربا من التدهور المتسارع في قيمة الليرة السورية، مع اشتداد الصراع بين النظام والمعارضة، إضافة إلى وجود علاقات اقتصادية وثيقة بين المعارضة السورية وتركيا، التي كانت تمثل آنذاك نقطة العبور الأساسية للتعاملات التجارية والمالية.
وقال شعبو، في حديث للجزيرة نت، إن سوريا بحاجة اليوم إلى استعادة السيادة النقدية المركزية وتعزيز السيطرة الاقتصادية المحلية، من توحيد سعر الصرف والتعامل بالليرة السورية، بهدف إنهاء حالة الانقسام النقدي والوصول إلى سوق موحدة.
سوريا – إدلب – ترغب الحكومة السورية بتوحيد التعاملات النقدية في البلاد مع اقتراب إطلاق العملة الجديدة. الجزيرة (عمار دروبي)
الحكومة السورية ترغب في توحيد التعاملات النقدية في البلاد مع اقتراب إطلاق العملة الجديدة (الجزيرة)
ووفق شعبو، فإن من أبرز التحديات التي ستواجه تداول الليرة السورية في الشمال السوري ندرة السيولة، ما قد يعرقل التعاملات المالية اليومية، فضلا عن اختلاف تسعير البضائع في حال عدم استقرار سعر الصرف، مشددا على ضرورة توفير كميات كافية من الليرة السورية.
من جهته، حذّر المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر من أن البدء بتداول الليرة السورية بدلا من الليرة التركية في إدلب وريف حلب ينطوي على جملة من المخاطر، في مقدمتها احتمال تقلب سعر الصرف في حال غياب أدوات ضبط السوق والرقابة النقدية الفاعلة.
وأشار العمر، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن ضعف الثقة في الليرة السورية قد يدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار تحسبا للخسائر المحتملة، ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للسكان في تلك المناطق.
ويُشار إلى أن سعر صرف الدولار الأميركي شبه مستقر عند 11 ألفا 530 ليرة سورية للمبيع، مقابل نحو 11 ألفا 480 ليرة للشراء في السوق المحلية، في وقت تشهد فيه الليرة السورية حالة من الاستقرار النسبي، مع آمال بتحسن سعرها تزامنا مع إلغاء العقوبات الأميركية.
المصدر: الجزيرة
————————–
«الشرق الأوسط» تنشر الخطوط العريضة لخطة الحكومة اللبنانية لإعادة أموال المودعين
تقسيط 4 سنوات لصغار المودعين… وسندات خزينة لمبالغ تتخطى الـ100 ألف دولار
بيروت: ثائر عباس
19 ديسمبر 2025 م
يسعى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى إقرار مشروع قانون يضع آلية للتعامل مع الودائع المصرفية العالقة منذ عام 2019، المعروف بقانون «الفجوة المالية»، تقوم على صرف الودائع التي تقل قيمتها عن 100 ألف دولار، بالكامل، مقسطة على أربع سنوات، أما المبالغ التي تتخطى هذا الرقم، فسيتم صرفها على شكل سندات دين مالية مؤجلة إلى 15 عاماً، وتلتزم الحكومة خلال هذه الفترة بصرف 2 في المائة منها سنوياً نقداً، حسبما قال مصدر حكومي بارز لـ«الشرق الأوسط».
وأكدت مصادر حكومية لبنانية أن سلام يأمل بإقرار المشروع الأسبوع المقبل قبل دخول البلاد في عطلة نهاية العام، بعدما تم تأمين التوافق السياسي بالخطوط العريضة عليها، وتذليل بعض الاعتراضات من داخل «البيت الحكومي»؛ ليتمكن فريق عمل الدولة من الدفاع عن هذه الخطة في مجلس النواب كما في مواجهة المعترضين من المصرفيين وبعض أصحاب الودائع. ورغم أن الخطة «ليست مثالية» من وجهة نظر سلام وغيره من المسؤولين، فإنها تعدّ «أفضل الممكن»، خصوصاً أن سلام يرى – حسبما نقلت المصادر عنه – أن كل يوم تأخير يفاقم الأزمة أكثر. وأن هذا القانون لو صدر مع بدايات الأزمة في عام 2019 لكانت الأمور أفضل بكثير من اليوم.
واطلعت «الشرق الأوسط» على الخطة المعروفة باسم «مشروع قانون الفجوة المالية» التي وُزّعت على الوزراء بعد ظهر الجمعة. وأنجزت الحكومة مشروع القانون الذي يفترض أن يحدد نسب الخسائر الناتجة من الأزمة وتوزيعها بين الدولة اللبنانية، والمصرف المركزي، والمصارف التجارية، والمودعين، ويتوقع أن يقرّ مشروع القانون تمهيداً لإحالته إلى البرلمان لدراسته وإقراره، كجزء أساسي من الإصلاحات المالية المطلوبة من «صندوق النقد الدولي».
ويؤكد المصدر أنه «كل يوم يتم تأخير إقرار القانون ستتآكل الودائع أكثر»، متعهداً بـ«محاسبة المسؤولين عن منع اللبنانيين من سحب ودائعهم وإغرائهم برفع الفوائد في مقابل تحويلهم لأموالهم الشخصية». وأوضح أنّ «هذا الملف لم يعد يحتمل التأجيل؛ لأننا كلما أرجأنا القرار، نكون عملياً نفاقم حجم الفجوة بدل أن نحدّ منها».
تلازم السلاح والإصلاحات المالية
وتمضي الحكومة بالإصلاحات المالية إلى جانب تطبيق حصرية السلاح، ويقول المصدر إن «السلاح والإصلاحات يرتبطان ببعضهما بعضاً»، مضيفاً: «اتخذنا قرارنا بحصر السلاح، ومستعدون لتوفير الإنماء والأمن، وهذا ما ستقدمه الدولة اللبنانية». ويتابع: «لا يمكن انتظار السياسة الإقليمية وتطوراتها لحل مشكلاتنا الداخلية، الأساس هو تطبيق الدستور و(الطائف)، ونحن رؤيتنا واضحة، لا بد من معرفة رؤية (حزب الله) لمرحلة ما بعد السلاح وكيفية الدخول في مشروع الدولة والبناء».
وتنظر الحكومة إلى «قانون الفجوة المالية»، على أنه «المدخل الأساسي للحفاظ على ودائع الناس»، وتشدد على وجوب «إنجازه سريعاً مع توفير أفضل الظروف لإعادة أموال الودائع». ويقول المصدر: «هناك جزء من المودعين الكبار يجب أن يتحملوا مسؤولية لأنهم لم يكونوا بريئين عن الكثير من التجاوزات والمخالفات»، أما المبدأ الحكومي الثالث، فهو «مسؤولية الدولة التي ستتحملها».
آلية صرف الودائع
وتقوم المقاربة على مجموعة مبادئ أساسية، «سواء اتفقنا عليها من أول مرة أو احتاج النقاش إلى وقت أطول، فهي تبقى الأساس في التطبيق، ونعمل ضمن الإمكانات المتوافرة»، حسبما يقول، مضيفاً: «هذه المبادئ ليست شعارات، بل قواعد تنفيذية، وأي حل لا ينطلق منها لا يمكن أن يكون عادلاً أو قابلاً للاستمرار». ويوضح أنّ «إعادة الودائع دفعة واحدة غير ممكنة بسبب حجم الفجوة».
ويشرح المصدر الخطة، قائلاً إنه جرى تقسيم الودائع وفق تصنيفين، الأول تحت الـ100 ألف دولار، والآخر هو المبلغ الأعلى من هذا السقف، مشيراً إلى أن صرف الودائع سيتم بالتقسيط على أربع سنوات؛ وذلك انطلاقاً من أنّ «صغار المودعين هم فعلياً الناس الذين تضرروا أكثر من غيرهم»، وأنهم «ليسوا أصحاب هندسات مالية، ولا أصحاب فوائد مفرطة، بل أموالهم هي تعب عمر، ولا يجوز المسّ بها».
ويقول: «المعيار هو المودع الواحد، وليس عدد الحسابات». ويشرح: «إذا كان لدى شخص حساب بقيمة 40 ألف دولار في مصرف، وحساب آخر بقيمة 40 ألف دولار في مصرف آخر، فهذان الحسابان يُجمعان ويُحتسبان وديعةً واحدة بقيمة 80 ألف دولار». وأكد أنّ «هذا المبدأ أساسي لمنع التحايل ولتحقيق العدالة بين المودعين».
سندات معززة بأصول حقيقية
أما بالنسبة إلى الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، فأوضح المصدر أنّ أمر هؤلاء المودعين «يُعالَج عبر سندات معززة بأصول حقيقية». وأضاف: «نحن لا نتحدث عن سندات وهمية، بل عن سندات مسنودة بأصول فعلية تملكها الدولة أو مصرف لبنان، من أراضٍ، ومرافق، ومؤسسات منتجة». وأوضح أنّ «مصرف لبنان يملك أصولاً تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، من الكازينو إلى الأراضي إلى مؤسسات مختلفة، وهذه تشكّل قاعدة حقيقية لهذه السندات».
وقال إنّ «هذه السندات تكون طويلة الأجل، بين 10 و15 سنة، لكن الخطة تتضمن، خلال هذه الفترة، صرف 2 في المائة من قيمتها نقداً سنوياً». وأوضح بالمثال: «إذا كان لدى مودع سند بقيمة مليوني دولار، يحصل سنوياً على نسبة منها 40 ألف دولار، ومع مرور السنوات ينخفض أصل الدين، وفي نهاية المدة يكون قد استعاد كامل أصل الوديعة». وتكمن أهمية السندات المعززة، في كونها تستند إلى ضمانات بأصول مصرف لبنان وممتلكات الدولة؛ ما يتيح للمودع أن يبيع السندات في السوق المحلية والدولية لمستثمرين آخرين، في حال كان يعتزم استرداد قيمة وديعته فوراً.
تقييم المرحلة السابقة
ولا تخلو الخطة من تقييم لأرباح السنوات الماضية. وتوقف المصدر عند مرحلة ما قبل الأزمة، قائلاً: «منذ عام 2016، ومع ما سُمّي الهندسات المالية، جرى إعطاء فوائد غير طبيعية، استفاد منها كبار المودعين وكبار المستثمرين». وأضاف: «هناك من حقق أرباحاً بعشرات ملايين الدولارات، ولا يمكن مساواة هؤلاء بصغار المودعين الذين لم يستفيدوا من أي فوائد استثنائية». وشدد على «أننا لن نمس بالودائع الأصلية، بل تصحيح ما نتج من الهندسات المالية بفعل رفع الفوائد».
ويقول: «من سددوا ديونهم على سعر 1500 ليرة للدولار، فمن هم استحصلوا على القروض وهم من أصحاب الدخل المحدود لقاء شراء شقة أو سيارة فهؤلاء أمورهم طبيعية، أما من يظهر من معاملاتهم الاستحصال على قروض للدخول في مشاريع كبرى واستثمارات ومقاولات فهؤلاء ستتم دراسة ملفاتهم وفق سعر الصرف يوم تسديد الديون المتوجبة عليهم»، ويتابع: «من عمل على تحقيق أرباح بفعل تحويل الأموال من الليرة إلى الدولار، سيتم تغريمهم وتحويل الغرامات لصالح صندوق استرداد أموال للمودعين».
بالنتيجة، شدّد على أنّ «الخسائر لا يمكن أن تُحمَّل للمودعين وحدهم»، موضحاً أنّ «هناك تراتبية واضحة: أولاً المساهمون في المصارف، ثم المصارف نفسها، ثم مصرف لبنان، وبعد ذلك الدولة». وأضاف: «هذا هو المعيار المعتمد عالمياً، ولا يمكن القفز فوقه أو قلبه».
رسلمة المصارف
وقال المصدر: «إننا في الخطة، نعطي فرصة للمصارف لإعادة رسملة نفسها خلال خمس سنوات. أما الدولة، فستتحمل مسؤولياتها في زيادة رساميل المصرف المركزي». إلى أنّ «إعادة هيكلة المصارف أمر لا مفر منه»، موضحاً أنّ «زيادة الرساميل مسؤولية المساهمين أولاً».
وقال: «لا يمكن الاستمرار بنظام مصرفي من دون تحميل من استفاد من الأرباح مسؤولية الخسائر». وأضاف: «هذا ليس استهدافاً للمصارف، بل شرط أساسي لإعادة بناء نظام مصرفي سليم».
ويشدد المصدر على أنّ القرار صعب وسيواجه اعتراضات من قوى مالية وسياسية»، لكنه أكد أنّ «عدم اتخاذ القرار أصعب».
وقال: «إذا لم نفعل ذلك الآن، فلن نفعله لاحقاً، وكل تأخير إضافي يعني خسارة أكبر».
الشرق الأوسط
—————————–
========================
تحديث 18 كانون الأول 2025
———————————–
الكونغرس يلغي «عقوبات قيصر» على سوريا
السيناتور جيم ريش لـ«الشرق الأوسط»: الإلغاء غير المشروط يزيل عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات الأجنبية
واشنطن: رنا أبتر
17 ديسمبر 2025 م
أقر مجلس الشيوخ موازنة وزارة الدفاع للعام المقبل، التي تضمنت بنوداً كثيراً على رأسها إلغاء «عقوبات قيصر» على سوريا. وصوَّت بدعم 77 سيناتوراً مقابل معارضة 20 فقط لإقرار الموازنة الضخمة التي حظيت بدعم الحزبين.
وبهذا يكون الكونغرس قد ألغى رسمياً العقوبات القاسية التي فرضها في عام 2019 على نظام بشار الأسد، تحت اسم «عقوبات قيصر»، التي سميت تيمناً بمصور عسكري سوري سرب آلاف الصور التي توثق عمليات التعذيب في ظل النظام السابق.
وعن التصويت، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيم ريش لـ«الشرق الأوسط»: «بعد مسار طويل وجاد، عملنا عن كثب مع إدارة الرئيس دونالد ترمب على إلغاء قانون قيصر بشكلٍ مسؤول، وهو القانون الذي أدّى دوراً مهماً في سقوط نظام الأسد».
وتابع ريش: «هذا الإلغاء غير المشروط يزيل عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات التجارية الأميركية والدولية في سوريا. كما يعزّز متطلبات التقارير وآليات المراقبة لمعايير مثل الاضطهاد العِرقي والديني، لضمان بقاء سوريا على مسار التحول إلى شريكٍ للولايات المتحدة بما يجعل أميركا أكثر أمناً وقوة وازدهاراً».
تفاصيل إلغاء «قيصر»
وبحسب النص الذي تم إقراره، وإرساله إلى البيت الأبيض ليحظى بتوقيع الرئيس ترمب ويصبح ساري المفعول، يتم رفع «عقوبات قيصر» نهائياً مع شروط غير ملزمة، ويتضمن تقريراً تقدمه الإدارة إلى الكونغرس في مدة لا تتجاوز الـ90 يوماً من تاريخ إقراره، وكل 180 يوماً بعد ذلك على فترة 4 أعوام، «يفصّل ما إذا كانت الحكومة السورية تتخذ إجراءات ملموسة وفعّالة للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم (داعش) والجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك (القاعدة) وفروعها بالتعاون مع الولايات المتحدة، لمنع عودة التنظيم. وأنها أبعدت، أو تتخذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في حكومة سوريا، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأمن. إضافة إلى خطوات تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتسمح بالتمثيل العادل والمتكافئ في الحكومة، بما في ذلك الوزارات والبرلمان. وأنها لا تقوم بعمل عسكري أحادي الجانب وغير مبرر ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات أمنية دولية، كما أنها تتخذ خطوات ملموسة وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) 2025 الذي تم التفاوض عليه بين حكومة سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك إجراءات متناسبة لدمج القوى الأمنية والتمثيل السياسي، بالإضافة إلى اتخاذها لخطوات فعّالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفقاً للمعايير الدولية، وألا تقوم بتمويل أو مساعدة أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعة للعقوبات، والتي تُشكّل خطراً على الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة».
إضافة إلى ذلك، على التقرير المطلوب، «أن يشمل ما تقوم به الحكومة السورية من خطوات تضمن ملاحقة قضائية فعّالة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بمن في ذلك المسؤولين عن مجازر بحق الأقليات الدينية، وأنها تتخذ خطوات لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون. وعلى الرئيس الأميركي أن يقوم كذلك بإبلاغ الحكومة السورية بنتائج التقرير المطلوب».
وعن إعادة فرض العقوبات، يعطي نص المشروع الرئيس الأميركي صلاحية «إعادة النظر» في فرض عقوبات على أفراد «إن لم يتمكن من تقديم إفادة إيجابية خلال فترتين متتاليتين من التقارير المطلوبة» من دون إلزامه بذلك، على ألا تشمل العقوبات هذه عقوبات على استيراد السلع.
دخول الاستثمارات الأجنبية
وسيمهد هذا الإلغاء، لفتح باب الاستثمارات الأجنبية في سوريا، وإعادة إعمار البلاد، وهو أمر دفع العديد من المشرعين باتجاهه، وعلى رأسهم كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ جين شاهين، والنائب الجمهوري جو ويلسون، اللذان اعتبرا في مقال مشترك أن إلغاء القانون ضروري كي تصبح سوريا «إحدى أكثر مناطق العالم حساسيةً، أكثر استقراراً وانسجاماً مع القيم والمصالح الأميركية». وقال المشرعان: «تمتلك سوريا إمكانات هائلة، وسيتطلب تحقيق هذه الإمكانات تضافر جهودنا جميعاً، لما فيه خير سوريا وخيرنا نحن أيضاً. فبعد كل ما عانى منه الشعب السوري، فإنه لا يستحق أقل من ذلك».
وكان المبعوث الخاص السابق إلى سوريا وللتحالف الدولي لهزيمة «داعش»، جيمس جيفري، أكد في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، أن إلغاء العقوبات سيكون له تأثيرات كبيرة على الاقتصاد، خاصة على الاستثمارات وتحويل الأموال، وهو ما وافق عليه ويليام روبوك، السفير الأميركي السابق في البحرين ونائب المبعوث السابق للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الذي أشاد بالخطوة «المهمة جداً التي ستمكن البلاد من بدء عملية إعادة البناء التي تحتاج إليها بشدة وإصلاح اقتصادها المنهار».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا القرار من شأنه أن يفتح الباب أمام المستثمرين من الخليج وأماكن أخرى لدعم مشاريع إعادة إعمار كبرى في سوريا، والسماح بتدفق الأموال الضخمة التي تتطلبها هذه العملية».
ولم يكن مسار الإلغاء سهلاً، فرغم تعهدات ترمب برفع العقوبات عن سوريا، فإنه كان بحاجة إلى الكونغرس لإلغاء «عقوبات قيصر» بالكامل، وفي ظل معارضة البعض، وعلى رأسهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في النواب براين ماست، للإلغاء من دون شروط، جرت جهود دبلوماسية حثيثة لإقناعه بالتراجع عن موقفه الرافض. وهذا ما حدث ممهداً لإلغاء العقوبات في مجلس النواب أولاً، ثم في مجلس الشيوخ.
لبنان… العراق والسودان
تضمنت الموازنة الدفاعية التي بلغت قيمتها 900 مليار دولار، بنوداً أخرى متعلقة بالسياسة الخارجية لأميركا. ففي ملف لبنان، أقر الكونغرس بنداً يربط دعم أميركا للجيش اللبناني بجهوده لنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تعليق المساعدات، ويُلزم وزير الدفاع بتقديم تقرير للكونغرس نهاية يونيو (حزيران) يقيم «التقدم الذي أحرزته القوات المسلحة اللبنانية في نزع سلاح الحزب، وخيارات لوقف المساعدات، في حال تبين عدم استعدادها لنزعه».
كما ألغى الكونغرس رسمياً تفويض الحرب في العراق الذي أقره في عام 2002 للسماح باستعمال القوة العسكرية ضد نظام صدام حسين، إضافة إلى وضع خطة لتعزيز الدعم الاستخباراتي لمواجهة التأثير الأجنبي الهادف إلى استمرار النزاع في السودان أو توسيعه.
وفي التفاصيل، إنه وبعد 90 يوماً من تاريخ إقرار المشروع، يقوم مدير وكالة الاستخبارات المركزية بوضع خطة لمشاركة ما يتوفر من معلومات استخباراتية حول الجهود الأجنبية الرامية إلى الاستمرار أو توسيع نطاق النزاع في السودان، مع الحلفاء والشركاء الإقليميين، وجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية لتمكين حكومة الحكومة الأميركية من مواجهة الجهود الأجنبية الهادفة إلى الاستمرار، أو توسيع نطاق النزاع في السودان، من أجل حماية الأمن الوطني والإقليمي.
الصين… أوروبا وأميركا اللاتينية
بالإضافة إلى ذلك، تعاملت الموازنة الدفاعية مع الصين بوصفها منافساً استراتيجياً، وخففت من الاعتماد على مكوناتها العسكرية، وقيدت من الاستثمارات الأميركية هناك، إضافة إلى زيادة تمويل تايوان من 300 مليون إلى مليار دولار.
كما منعت البنتاغون من خفض القوات المتمركزة بشكل دائم في أوروبا، ووفرت مبلغ 400 مليون دولار للمساعدات العسكرية لأوكرانيا.
وفي ظل التوتر المتصاعد مع فنزويلا، قيّد المشرعون من موازنة سفر وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أن يزود الكونغرس بشرائط الفيديو التي صورت الضربات الجوية الأميركية في الكاريبي، إضافة إلى تمويل إنشاء «القبة الذهبية» والدفع لتكامل نظم الدفاع الجوي والصاروخي.
ما هي موازنة الدفاع NDAA؟
هي القانون الذي يحدد الميزانية السنوية للجيش الأميركي، وسياسات الدولة العسكرية، وكيفية التعامل مع التهديدات.
نجح الكونغرس في تمرير القانون لـ63 عاماً متتالية رغم الانقسامات الحزبية، فدعم القوات المسلحة قضية توحد الحزبين، والتصويت ضد الموازنة قد يعدّ «عدم وطنية». وقد أدى ضمان مرورها إلى استخدام المشرعين لها لإرفاق قوانين صعبة الإقرار مثل «قانون قيصر» مثلاً الذي أدرج كجزء من موازنة الدفاع عام 2020، ثم ألغي كجزء من موازنة الدفاع لعام 2026.
الشرق الأوسط
—————————-
الشيوخ الأمريكي يصوّت بالموافقة على إلغاء «قانون قيصر»… وتوقيع ترامب خلال أيام
جانبلات شكاي
تحديث 18 كانون الأول 2025
صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي بتأييد مشروع قانون موازنة الدفاع المتضمن إلغاء «قانون قيصر» تمهيدا لإحالته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي من المتوقع أن يوقع عليه خلال أيام.
وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» بأن «مجلس الشيوخ الأمريكي صوت لصالح المشروع النهائي لقانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 المتضمن مادة لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر».
وأضافت أن المجلس أحال القانون إلى ترامب «للتوقيع عليه ليصبح نافذا»، دون مزيد من التفاصيل على الفور.
وحسب رئيس المجلس السوري الأمريكي، محمد غانم: «بعد إجازته في مجلس الشيوخ وإجازته الأسبوع الماضي في مجلس النوّاب، يكون قد تمّ إلغاء الكونغرس لقانون قيصر الذي سنّه المشرّعون الأمريكيون في مثل هذه الأيّام عام 2019. ويتّجهُ التشريعُ الآن لمكتب الرئيس الأمريكي ليمهَرَهُ بإمضائه الرئاسي بعد بضعة أيّام مؤذناً بانتصار السوريين، وانتهاء هذه الحقبة الصعبة، وتخلّص سوريا بفضل الله من جميع أشكال العقوبات التي كانت مفروضة عليها لقرابة نصف قرن».
ومن المتوقع أن يوقّع ترامب على مشروع إلغاء «قانون قيصر» الأسبوع المقبل قبل عطلة عيد الميلاد، وفق الإخبارية السورية.
وعلق السيناتور جو ويلسون بالقول: «ممتنون لموافقة مجلس الشيوخ على إلغاء عقوبات قيصر بالكامل ومن المتوقع أن يوقع عليه الرئيس ترامب خلال أيام».
وكان ويلسون وعضو الكونغرس جين شاهين أكدا أن رفع العقوبات يمثل بارقة أمل لمستقبل أفضل لسوريا، ويمهّد لمسار جديد من إعادة البناء.
وفي رسالة نشرتها مجلة «فورين بوليسي» قبيل التصويت أوضحا أن الشعب السوري حقق قبل عام ما كان يبدو مستحيلاً: فبعد أربعة عشر عاماً من الحرب وخمسة عقود من الديكتاتورية، تخلّص من نظام بشار الأسد ودخل مرحلة جديدة.
وأشارا في الرسالة التي ترجمتها وكالة «سانا» إلى أن إرث النظام كان كارثياً، إذ خلّف أكثر من نصف مليون قتيل، و13 مليون نازح، ونظام سجون قائما على التعذيب والاختفاء القسري، إضافة إلى اقتصاد منهار دفع أكثر من 90% من السكان إلى هوة الفقر.
وقالا: «خلال زيارتنا إلى دمشق في آب/ أغسطس الماضي، لمسنا حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، لكننا رأينا أيضاً أملاً حقيقياً خلال لقائنا بالرئيس أحمد الشرع وحكومته وقادة من مختلف الطوائف، السوريون ينظرون إلى هذه اللحظة كفرصة تاريخية لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لإعادة بناء وطنهم وصياغة مستقبل أفضل لمنطقتهم».
وأكدا أن هذه الفرصة باتت مهددة بالعقوبات الأمريكية التي فُرضت أصلاً للضغط على النظام لوقف قمعه، لكنها اليوم تُثقل كاهل شعبٍ يسعى للتعافي، محذرين من أن استمرار العقوبات قد يبدّد التقدم الذي تحقق بشق الأنفس.
وشددا على أن رفع العقوبات لا يخدم السوريين وحدهم، بل يصب أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة، إذ يمكن لسوريا بعد عقود من التحالف مع خصوم واشنطن وتحولها إلى بؤرة لعدم الاستقرار والإرهاب أن تصبح عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي.
وأشارا إلى أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب لن تكون مهمة سهلة، فالتنظيمات الإرهابية مثل “داعش” والجهات الخارجية الخبيثة كإيران ستسعى لاستغلال أي فراغ لإعادة فرض سيطرتها.
وذكّرا بأن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت قبل أسبوع مقتل ثلاثة أمريكيين على يد تنظيم «الدولة» في سوريا، ما يؤكد استمرار خطر التنظيم، الأمر الذي يستدعي جهوزية قوات الأمن السورية لمكافحة الإرهاب ومنع التدخلات الخارجية.
ولفتا إلى أن السوريين يواجهون تحديات جسيمة، من بنية تحتية منهارة، وأزمة غذاء، ونقص في الرعاية الطبية، ومخاطر الألغام والقنابل غير المنفجرة، فضلاً عن اقتصاد معزول عن العالم بسبب العقوبات، مؤكدين أن سوريا بحاجة إلى وعد حقيقي بمستقبل أفضل، وهو ما دفعهما (جمهوري وديمقراطي) إلى الدفاع عن إلغاء قانون قيصر».
وجاء التصويت بعد إعلان الإدارة الأمريكية، الثلاثاء، في بيان صادر عن البيت الأبيض، عن توسيع قائمة الدول التي تُفرض قيوداً كاملة أو جزئية على السفر منها، لتشمل سوريا.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشارقة والمختص بالنظم السياسية خلال المراحل الانتقالية من جامعة شيكاغو وائل ميرزا، في تصريح خاص لـ»القدس العربي» أن البعض قد يفهم للوهلة الأولى القرار الأخير بأنه متناقض مع سياسة الانفتاح الأمريكية على الإدارة السورية الجديدة، لكنه في الواقع يعكس منطقاً سياسياً أمريكياً شديد الاتساق إذا ما قُرئ من زاوية الأدوات لا الشعارات.
وبين أن السياسة الأمريكية تفصل بوضوح بين ملف الاقتصاد والعقوبات من جهة، وملف الهجرة والدخول من جهة أخرى، فرفع العقوبات أو تفكيك «قانون قيصر»، هو قرار يُدار بعقلية السياسة الخارجية التي تتمحور حول الاستقرار الإقليمي، وإعادة إدماج تدريجي، واختبار قابلية الدولة السورية الجديدة للحكم، وفتح المجال أمام الشركات والأسواق دون التزام أخلاقي أو سياسي كامل.
وتابع: أما منع الدخول فهو قرار يُدار بعقلية الأمن الداخلي، حيث لا تُقاس الدول بسلوك حكوماتها فقط، لأن هذا يعتبر شرطاً لازماً، ولكن غير كافٍ، لهذا، يُضاف للقياس، قدرتها التقنية والمؤسسية على تبادل المعلومات، والتدقيق الأمني، وضبط حركة الأفراد، وبهذا المعنى، تستطيع واشنطن أن تقول بلا حرج بأننا نخفف الضغط الاقتصادي عن سوريا كدولة ومسار، لكننا لا نثق بعد بالبيئة الأمنية التي تسمح بفتح باب الهجرة أو السفر.
رسالة مقصودة
واعتبر ميزرا، العائد أخيرا من الولايات المتحدة، بعد غربة استمرت لنحو 40 عاما، أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذا الفصل ليس تفصيلاً تقنياً بقدر ما أنه رسالة سياسية مقصودة، فالاقتصاد في العقل الأمريكي أداة تغيير ناعم، بينما الهجرة ملف سيادي حساس يُستخدمُ للضبط، وليس للمكافأة، ولذلك، لا ترى الإدارة الأمريكية أي تناقض في تشجيع إعادة الإعمار أو الاستثمار المشروط، وفي الوقت نفسه الإبقاء على صورة «الدولة عالية المخاطر» عندما يتعلق الأمر بدخول الأفراد إلى أراضيها.
وأكد أن البعد الأهم في هذا القرار يتصل بكيفية إدارته داخلياً، فالإدارة الأمريكية كانت بحاجة إلى تفكيك التناقض أمام جمهورها الداخلي: كيف يمكن تبرير رفع العقوبات عن دولة شهدت قبل أيام هجوماً دموياً لتنظيم داعش؟ والجواب الذي قدّمته عملياً هو صيغة مزدوجة سهلة التسويق، فنحن نرفع العقوبات عن الدولة والمسار السياسي، لكننا نُشدّد على حركة الأفراد، وهكذا، بهذه الصيغة، تحوّلت حادثة تدمر من حدث أمني معزول إلى أداة خطابية تُستخدم لاحتواء أي اعتراض داخلي على الانفتاح الاقتصادي، ولتقديم الانفتاح بوصفه قراراً محسوباً لا مغامرةً أمنية.
غطاء أمام التيارات المتشددة
وقال ميرزا إن قرار منع الدخول، بالإضافة لكونه إجراءً وقائياً، أصبح جزءاً من حزمة سياسية متكاملة تمنح الإدارة غطاءً أمام التيارات المتشددة في الكونغرس والرأي العام، وتمنع خصومها من تصويرها كإدارة متساهلة أو ساذجة أمنياً، ذلك أن رفع العقوبات دون تشديد موازٍ في ملف الهجرة كان سيبدو، داخلياً، تناقضاً غير قابل للدفاع عنه، أما الجمع بين القرارين، فيُقدَّم كمعادلة توازن تجمع بين انفتاح اقتصادي محسوب يقابله تشددٌ سيادي صارم.
وفي المحصلة، ما يجري ليس تناقضاً في السياسات، إنه توزيع أدوار بين الأدوات، حيث يُستخدم الاقتصاد لإعادة إدخال سوريا إلى النظام الدولي بشروط، وتُستخدمُ الهجرة لطمأنة الداخل الأمريكي وضبط كلفة هذا الانفتاح سياسياً.
وخلص إلى القول إن الرسالة الأوضح للسوريين هي أن رفع العقوبات يمثّل بداية استعادة الثقة لا اكتمالها، وإن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع سوريا بوصفها مساراً قابلًا للبناء والتطوير، بدل أن تكون ملفاً مغلقاً أو معزولاً.
وختم بالقول: «صحيح أن الطريق لا يزال يُدار بمنطق الاختبار المرحلي، لكن هذا الاختبار نفسه هو اعتراف بإمكانية الانتقال إلى شراكة أوسع كلما ترسّخت مقومات الاستقرار والحوكمة، وهنا بالضبط يقع التحدي الداخلي المتمثل في أن يُقابل هذا الانفتاح بسياسات رشيدة، وضبط أمني فعّال، وخطاب سياسي مسؤول، بحيث لا يبقى رفع العقوبات حدثاً خارجياً عابراً، وإنما يتحول إلى مسار داخليٍ اقتصادي وسياسي تميزه الحوكمة الرشيدة بشكلٍ كامل.
طلاب من المتضررين
مصادر من غرفة تجارة دمشق استبعدت أن يترك القرار آثارا اقتصادية واضحة على طبيعة العلاقات المتوقعة بعد إزالة العقوبات والمباشرة بمسيرة التعاون الثنائي، على اعتبار أن القرار لا يضع سوريا ضمن الدول المحظورة زيارتها من قبل رعايا الولايات المتحدة، كما أن الكثير من السوريين ممن ينشطون اليوم أو لاحقا في علاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة هم من حملة الجنسية الأمريكية ولن يترك القرار أي أثر عليهم، رغم أن حجم التبادل التجاري في أحسن أحواله لم يكن يتجاوز مبلغ 250 مليون دولار سنويا قبل عام 2011 ثم تراجع بشكل دراماتيكي إلى أقل من 13 مليون دولار عام 2024.
وبينت المصادر أن الرئيس الشرع وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب تلقى وعودا بخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع السورية المستوردة من سوريا من 41% إلى 10% . وفي المقابل فإن حملة تأشيرات الدخول بفئة أف 1 من الطلاب الدارسين في الجامعات الأمريكية سيتأثرون بالقرار الجديد.
ونصحت مصادر متابعة الطلاب المقيمين في الولايات المتحدة لهذا الغرض، بعدم المغادرة في محاولة لقضاء بعض الأيام إن في سوريا أو خارج الولايات المتحدة، إلى أن يتغير الوضع، لأنهم في هذه الحالة سيخسرون إقاماتهم ولن يتمكنوا من الدخول إلى أمريكا لاستكمال دراستهم، وهو الأمر الذي أعلنه أكثر من طالب عبر صفحاتهم الخاصة بعد صدور القرار الجديد.
القدس العربي»
———————————–
قانون “قيصر” للعقوبات في سورية… من الولادة إلى الوفاة/ محمد أمين
18 ديسمبر 2025
يفتح إلغاء قانون “قيصر” للعقوبات الأميركية باب التعافي الاقتصادي في سورية، حيث باتت الطريق معبدة أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والمساعدات وأمام دمج سورية في النظام المصرفي العالمي، وهي الخطوة الأوسع لتحقيق الاستقرار وتحصين السلم الأهلي. وبحسب المنظمة السورية للطوارئ، فإن إلغاء قانون قيصر “سيكون إلغاءً كاملاً، من دون شروط إضافية أو آليات “عودة تلقائية” لإعادة فرض العقوبات”.
أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم الأربعاء، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمناً مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. من المقرر رفع مشروع القانون إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع بعد التصويت لتمريره في مجلسي النواب والشيوخ، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.
وجثم هذا القانون الذي يتضمن عقوبات مشددة، سنوات على صدر الاقتصاد السوري، وكبّله بالعديد من الأزمات التي أدت إلى انفراط عقد نظام بشار الأسد وسقوطه بشكل مدوٍّ في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت. رحلة هذا القانون بدأت عملياً في عام 2014 مع انشقاق المصور في الشرطة العسكرية التي كانت تابعة لنظام الأسد، فريد المذهان (ظهر أمام وسائل الإعلام بعد سقوط نظام الأسد)، وتسريبه حوالى 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل سوري قضوا تحت التعذيب، وذلك حتى منتصف 2013، من بينهم أطفال ونساء.
واستطاع المذهان، الذي عُرف في حينه باسم “قيصر”، الخروج من سورية مع عائلته ليبدأ رحلة كشف النظام البائد وممارساته الوحشية بحق السوريين أمام المحافل القانونية والسياسية والبرلمانية العالمية. شكلت الصور المسربة صدمة كبرى للعالم بأسره الذي وقف مذهولاً أمام هول الكارثة التي ظلت مستمرة حتى سقوط نظام الأسد.
بدأ الكونغرس الأميركي، بدفع من منظمات سورية ودولية ناشطة في أوروبا والولايات المتحدة، تحركاً من أجل فرض عقوبات مشددة على نظام الأسد، رداً على هذه الوحشية. وفي يوليو/ تموز 2014، تمكن “قيصر” بمساعدة بعض الناشطين من الوصول إلى الكونغرس، ليدلي بشهادته ويعرض جزءاً من الصور التي بحوزته، والتي كانت كفيلة بفرض عقوبات هي الأشد على نظام الأسد.
بداية متعثرة لقانون قيصر
وجرت محاولات لتمرير القانون خلال عامي 2017 و2018، إلا أنها فشلت، بسبب كثرة التعديلات التي جرت عليه، إلى أن رُبط بميزانية وزارة الدفاع الأميركية. وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019، مرّر الكونغرس مشروع القانون، ثم أقرّه مجلس الشيوخ في الـ17 من الشهر ذاته، إلى أن وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في ولايته الأولى)، في العشرين من الشهر نفسه، تحت عنوان “قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019”. ودخل القانون حيز التنفيذ منتصف عام 2020 مع صدور أول حزمة عقوبات، دشّنت مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والقانوني الأميركي مع نظام الأسد عنوانها الضغط الاقتصادي المشدد من أجل إجباره على تغيير سلوكه، وهو ما لم يتحقق حتى إسقاطه في ديسمبر 2024.
ونص قانون “قيصر” على فرض عقوبات مشددة على الأجانب المتورطين ببعض المعاملات المالية أو التقنية لمصلحة مؤسسات النظام البائد، والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عنه أو روسيا أو إيران أو أي شخص فُرضت عليه العقوبات الخاصة بسورية قبلاً. كذلك نص على فرض عقوبات على كل من يقدّم الدعم المالي أو التقني أو المعلومات التي تساعد على إصلاح أو توسعة الإنتاج المحلي للنظام البائد من الغاز والنفط أو مشتقاته، ومن يقدّم الطائرات أو قطعها أو الخدمات المرتبطة بالطيران لأهداف عسكرية في سورية. كذلك فرض عقوبات على بشار الأسد وعائلته، وأركان نظامه من سياسيين وعسكريين وأمنيين، والمسؤولين عن السجون، ورؤساء الفروع الأمنية.
وصدرت في عام 2020 حزمة ثانية من العقوبات شملت 10 كيانات داعمة للأسد، من بينها فرق في جيشه وكيانات اقتصادية وعدة أشخاص، من بينهم ابنه الأكبر (حافظ) “بسبب تصاعد أهميته في عائلة الأسد”. وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في حينه إلى أن أطفالاً بالغين “يواصلون قيادة الأعمال باسم آبائهم الخاضعين للعقوبات”.
في ذكرى مجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد في عام 2013، صدرت في أغسطس/ آب 2020 حزمة ثالثة من عقوبات “قيصر”، شملت ستة من المسؤولين العسكريين والحكوميين كانوا مقربين من بشار الأسد. والحزمة الرابعة جاءت في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه استهدفت 13 كياناً وعدداً من الأشخاص الذين كانوا من أركان النظام البائد ويعملون بصفة واجهة لبشار الأسد وزوجته أسماء الأسد للتحكم في الاقتصاد السوري. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 صدرت الحزمة الخامسة من عقوبات قانون قيصر وشملت مسؤولين عسكريين سوريين وأعضاءً في البرلمان وكيانات تابعة للنظام السوري، وأفراداً سوريين ولبنانيين اتهمتهم وزارة الخزانة الأميركية بدعم إنتاج النفط السوري لتمويل نظام الأسد.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو آنذاك إن قرار فرض هذه العقوبات اتخذ تحية لضحايا القصف الذي تعرضت له مدينة دوما السورية في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 من جانب “قوات بشار الأسد التي تدعمها إيران وروسيا”، و”أدى إلى مقتل أكثر من 70 مدنياً سورياً”. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020 صدرت حزمة سادسة من العقوبات ضيقت الخناق أكثر على النظام البائد وشملت البنك المركزي السوري و20 شخصية وكياناً اقتصادياً جديداً.
وخلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تراجع زخم فرض عقوبات جديدة في إطار قانون “قيصر”، بعدما فرض في منتصف 2021 عقوبات على ثمانية سجون وخمسة مسؤولين أمنيين سوريين لـ”تعزيز مساءلة الكيانات والأفراد الذين ساهموا في استمرار معاناة الشعب السوري”، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أنتوني بلينكن. كذلك صدرت عقوبات أخرى شملت قياديين في فصائل المعارضة في حينه، إلا أنه لم يتضح ما إذا كانت في إطار “قيصر”، أو من خارجه.
مسار الإلغاء
القانون الذي أخذ سنوات حتى أُقر وظل مثلها ساري المفعول احتاج إلى نحو عام حتى يتصدع ويتلاشى. عملياً، بدأ مسار إلغاء هذا القانون مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف العام الجاري أمراً تنفيذياً لإنهاء العقوبات على سورية لـ”إزالة عقبة من أمام التعافي الاقتصادي”، وتعزيز ودعم مسارها نحو الاستقرار والسلام. كذلك أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً عاماً لتخفيف بعض العقوبات المفروضة على سورية وسمح الترخيص بالمعاملات المالية المحظورة، ورفع بشكل فعّال العقوبات، وأتاح تمكين الاستثمار ونشاط القطاع الخاص في سورية.
وللكونغرس وحده سلطة إلغاء القوانين في الولايات المتحدة، لذا احتاج رفع “قيصر” إلى عدة أشهر من المداولات ما بين المشرعين الأميركيين الذين اقتنعوا أخيراً بأن مساعدة سورية بما يتساوق مع رؤية الإدارة الأميركية في منحها فرصة للاستقرار والازدهار وبناء شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لا تتأتى إلا برفع قانون “قيصر”.
تعليقاً على إلغاء “قيصر”، يرى السفير والدبلوماسي السوري السابق بسام العمادي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن هذه الخطوة “تعني اكتمال الانفتاح الأميركي على السلطة الجديدة في سورية لإعطائها الفرصة لتقوم بما هو متوقع ومطلوب منها”. وبرأيه، فإن إلغاء قانون العقوبات يمكن أن يلعب دوراً في حلحلة ملفات داخلية “إذا استطاعت السلطة الجديدة الاستفادة من الانفتاح الغربي وإنهاء العقوبات بالعمل على إصدار منظومة من القوانين تحمي الاستثمار وتشجعه ليعود ذلك بالفائدة على الاقتصاد ويأتي بالخير على الشعب السوري”. واعتبر أن “الاعتماد على الكفاءات لإعادة بناء الدولة بدلاً من التركيز على عناصر الهيئة (هيئة تحرير الشام)، فقط، سيكون عاملاً فاعلاً في إعادة الثقة للمستثمرين السوريين والعرب والأجانب، ويعطيهم الثقة بأن السلطة تسير قدماً في إعادة بناء الدولة”.
من جانب آخر، يُتوقع ألا تتأخر النتائج الإيجابية على الاقتصاد السوري نتيجة إلغاء هذا القانون، بما أن ذلك يعني فتح الباب أمام تدفق الاستثمارات وبدء مرحلة إعادة الاعمار. وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إلغاء قانون “قيصر” سيؤدي إلى تغيّر بصيغة “تدريجية” في الاقتصاد السوري”، مضيفاً: “يؤدي رفع العقوبات بشكل كامل إلى تحوّل جذري في سلوك الفاعلين الاقتصاديين من حالة الترقب السلبي إلى الانخراط الإيجابي”. ورجح المغربل ارتفاع التحويلات الخارجية “نتيجة لخفض درجة المخاطر المرتبطة بإرسال الأموال إلى سورية وتحسّن القدرة على استخدام القنوات المصرفية النظامية”. وأشار إلى أن الآثار الإيجابية لهذا الإلغاء تطاول كل القطاعات في سورية، وبخاصة الزراعة والصناعة والنفط، حيث يصبح الوصول إلى “تقنيات حديثة متاحاً” أمام الحكومة السورية والمستثمرين السوريين.
العربي الجديد
———————————–
فورين بوليسي: بعد عام واحد.. العقوبات الأمريكية تخنق تعافي سوريا
نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا أشارت فيه إلى أن العقوبات الأمريكية، ولا سيما “قانون قيصر”، باتت تعرقل تعافي سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتُضعف قدرة الدولة الجديدة على إعادة الإعمار، ومحاربة الإرهاب، وبناء مؤسسات مستقرة. ويدعو المقال إلى رفع العقوبات بالكامل عن سوريا، معتبرا أن اغتنام هذه اللحظة التاريخية يخدم مصلحة السوريين والولايات المتحدة على حدّ سواء، بدل خنق بلد منهك يواجه تحديات وجودية.
قبل عامٍ من هذا الشهر، أنجز السوريون ما بدا لعقود، ضربًا من المستحيل. فبعد نحو أربعة عشر عامًا من حربٍ مدمّرة، ونصف قرن من الحكم الاستبدادي، أسقطوا نظام بشار الأسد، وفتحوا صفحة جديدة في تاريخ بلدهم. لكن الإرث الذي تركه النظام كان فادحًا: أكثر من نصف مليون قتيل، وثلاثة عشر مليون نازح، ومنظومة قمع قامت على التعذيب والإخفاء القسري، واقتصاد منهار إلى حدٍّ غرق فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر.
تقول المجلة: “في أغسطس/ آب الماضي، زرنا دمشق ورأينا بأعيننا آثار الحرب الأهلية. غير أننا لمسنا، خلال لقاءاتنا مع الرئيس أحمد الشرع، وأعضاء حكومته، وقادة سياسيين ومجتمعيين من مختلف الطوائف والأعراق، أمرًا بالغ الدلالة: إحساسًا عامًا بأن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية قد لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لإعادة بناء الدولة، وإعادة توجيه سوريا والمنطقة نحو مسار أكثر استقرارًا وإنسانية”.
إلا أن هذه الفرصة باتت اليوم مهدَّدة، لا بالحرب، بل بالعقوبات الأمريكية. فقد فُرضت هذه العقوبات في الأصل للضغط على نظام الأسد كي يتوقف عن قمع شعبه. أما اليوم، فهي تعاقب بلدًا يتكوّن من ضحايا ذلك النظام، شعب يحاول الوقوف مجددًا على قدميه. وإذا لم يتغيّر المسار، فإن التضحيات الهائلة التي قدّمها السوريون، والتقدّم الذي انتزعوه بشق الأنفس، قد يُهدران.
لماذا يهمّ ذلك أمريكا؟
ما سيؤول إليه الوضع في سوريا يهمّ السوريين قبل أي أحد، لكنه يهمّ الولايات المتحدة أيضًا. فبعد عقود كانت فيها سوريا حليفًا لخصوم واشنطن، ومصدرًا لعدم الاستقرار، وحاضنة للإرهاب، تمتلك اليوم فرصة حقيقية لأن تصبح دولة مستقرة وفاعلة في النظام الدولي. وسيعود ذلك بالنفع على التجارة الأمريكية، وعلى الأمن القومي، وعلى استقرار شركائنا الإقليميين من إسرائيل وتركيا إلى الأردن ولبنان والعراق، وفق المجلة.
لكن إعادة بناء بلد مزّقته الحرب ليست مهمة سهلة ولا رخيصة. فالتنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، لن تنتظر طويلًا. وكذلك لن تتردد جهات خبيثة مثل إيران وروسيا في استغلال أي فراغ. ففي نهاية الأسبوع الماضي فقط، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن تنظيم الدولة قتل ثلاثة أمريكيين في سوريا، وهو دليل واضح على أن التهديد لم يختفِ.
وفي الوقت ذاته، يواجه السوريون واقعًا قاسيًا: بنية تحتية مدمّرة، وانعدامًا واسعًا للأمن الغذائي، ونقصًا في الرعاية الصحية، ومخاطر جسيمة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، واقتصادًا معزولًا عن العالم بفعل نظام عقوبات شامل. وتقدّر الأمم المتحدة أن كلفة إعادة الإعمار ستتجاوز 200 مليار دولار على مدى سنوات طويلة.
العقوبات… عائق أمام ما نطالب به
إذا كانت سوريا الجديدة مطالَبة بالقضاء على تنظيم الدولة، وتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية، ووقف تجارة المخدرات، وبناء مؤسسات أمنية ومدنية تحمي جميع المواطنين على قدم المساواة، فإنها تحتاج إلى أدوات وقدرات حقيقية للقيام بذلك.
ولهذا السبب، يقول كاتبا المقال -أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري- من الداعمين لإلغاء “قانون قيصر”. قد نختلف في ملفات كثيرة، لكننا نتفق على أن هذا القانون، في صيغته الحالية، بات يضرّ بالهدف الذي أُنشئ من أجله. ونثمّن في هذا السياق الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب، بما في ذلك منح إعفاءات مؤقتة من العقوبات.
لكن الإعفاءات القصيرة الأجل، الممتدة لستة أشهر فقط، لا تكفي. فلا المستثمرون من القطاع الخاص، ولا الشركاء الإقليميون، يمكنهم المجازفة بضخ رؤوس أموال حقيقية في ظل هذا القدر من عدم اليقين. ولهذا، فإن على الكونغرس أن يتحرّك الآن لإلغاء “قانون قيصر” بالكامل.
إن رفع العقوبات المُنهِكة لن يكون “مكافأة مجانية”، بل شرطًا أساسيًا لتمكين السوريين من تحقيق ما نطالبهم به. وقد أظهر الانخراط الدبلوماسي الذي يقوده المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، السفير توماس باراك، كيف يمكن للتواصل المستدام أن يحقق نتائج ملموسة. أما الاستمرار في خنق الاقتصاد، فهو ببساطة مطالبة بلدٍ منهك بالمستحيل.
نافذة تاريخية لا ينبغي إضاعتها
في العام الثاني من سوريا الجديدة، سيكون من الضروري منع نشوء أوليغارشية جديدة، أو استبدال ديكتاتورية طائفية بأخرى. والولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ سياسي واقتصادي، قادرة على لعب دور حاسم في توجيه هذا المسار، من خلال أدوات نستخدمها يوميًا مع دول غير خاضعة للعقوبات: دعم المجتمع المدني، بناء قدرات الشرطة المدنية، إعادة دمج اللاجئين العائدين، وتعزيز العدالة الانتقالية والحوار الوطني.
كما يجب أن نساعد سوريا على مقاومة إغراء اللجوء إلى شركاء بديلين، مثل الصين وروسيا، بحثًا عن حلول سريعة لكنها غير موثوقة. وينبغي أن تعمل واشنطن جنبًا إلى جنب مع شركائها الإقليميين لتوفير رأس المال والخبرة، وأن تكون الولايات المتحدة وشركاتها، الشريك التجاري والدبلوماسي والأمني المفضل على المدى الطويل.
عندما تتغيّر الوقائع على الأرض، يجب أن تتغيّر السياسات. ولدينا اليوم نافذة تاريخية لإلغاء “قانون قيصر”، والمساهمة في جعل واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشةً واستقطابًا أكثر استقرارًا، وأكثر توافقًا مع قيمنا ومصالحنا.
تمتلك سوريا إمكانات هائلة. وتحقيقها يتطلب عملًا جماعيًا، وشجاعة سياسية، ورؤية بعيدة المدى، من أجل مصلحة سوريا، ومن أجل مصلحتنا جميعًا. وبعد كل ما عاناه السوريون، لا يستحقون أقل من ذلك.
—————————–
هل يسهم رفع قانون قيصر في توحيد الجغرافيا السورية؟/ باسل المحمد
2025.12.18
شكّل تصويت مجلس الشيوخ الأميركي، مساء أمس الأربعاء، لصالح موازنة الدفاع الوطني لعام 2026، والتي تضمّنت ملحقًا يقضي بإلغاء قانون قيصر المفروض على سوريا، محطة مفصلية في مسار العقوبات التي كبّلت البلاد لسنوات، وجاء إقرار المشروع بأغلبية 77 صوتًا مقابل 20، في خطوة تُمهّد عمليًا لإنهاء أحد أكثر القوانين تأثيرًا على الاقتصاد السوري ومفاصل الدولة.
ومع تصويت مجلسي النواب والشيوخ لصالح الموازنة، بات توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإجراء الأخير لاستكمال المسار، وهي خطوة وصفها رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم بأنها “بروتوكولية” ومتوقعة خلال أيام، ما يعكس تحوّلًا واضحًا في المقاربة الأميركية تجاه الملف السوري بعد مرحلة طويلة من العزل والعقوبات.
غير أن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدوده القانونية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى ما يمكن أن يتركه من أثر مباشر على الداخل السوري، في ظل واقع جغرافي منقسم وسلطات أمر واقع متباينة.
فهل يفتح رفع قانون قيصر الباب أمام تعزيز شرعية الحكومة السورية، وتنشيط الاستثمار، وإعادة ربط المناطق السورية ضمن مسار اقتصادي وإداري واحد؟ أم أن العقوبات لم تكن سوى عامل واحد في معادلة أكثر تعقيداً لتوحيد الجغرافيا السورية؟
تنمية تعزّز الشرعية الداخلية
لا يقتصر رفع عقوبات قانون قيصر على كونه خطوة اقتصادية بحتة، بل ينطوي على أبعاد سياسية واجتماعية أعمق، تتصل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالتنمية الاقتصادية ـ بحسب مراقبين ـ عندما تكون تدريجية وملموسة، تتحول إلى أحد أهم مصادر الشرعية الداخلية، عبر استعادة ثقة المواطنين بقدرة الدولة على تلبية احتياجاتهم، وبسط دورها بوصفها الإطار الجامع لإدارة الموارد وتحقيق الاستقرار.
وفي هذا السياق أكدت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان صادر عنها في تشرين الثاني الماضي حول رفع العقوبات المفروضة على سوريا؛ أن الهدف من هذه الخطوة هو منح السوريين فرصة حقيقية للانتعاش الاقتصادي، ودعم الاستقرار، وتمكين مؤسسات الدولة من أداء وظائفها الأساسية، مشددةً على أن تخفيف القيود الاقتصادية يهدف إلى الحد من الفوضى، وتقليص اقتصاد الظل، وتهيئة بيئة تسمح بإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر استدامة.
من جانبه يرى الباحث السياسي بسام سليمان أن نتائج رفع قانون قيصر لن تكون فورية، لكنها ستظهر بوضوح على المدى المتوسط، موضحًا أن تنمية اقتصادية تدريجية ستسهم في تعزيز الشرعية الداخلية للحكومة السورية، وستدفع أطرافًا كانت بعيدة عن مسار بناء الدولة إلى الالتفاف حول هذا المسار، عندما تلمس نتائج ملموسة على الأرض.
ويضيف سليمان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن وجود دولة تعمل على تحقيق مسار تنموي حقيقي، وتراعي احتياجات الناس وتوجهاتهم، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع دور الفواعل ما دون الدولة، موضحًا أن السكان، حتى في المناطق التي تسيطر عليها هذه الفواعل، سيبدؤون بالتساؤل عن جدوى استمرارها في ظل غياب التنمية والانتعاش الاقتصادي.
وبحسب سليمان، فإن رفع قانون قيصر يشكّل خطوة محورية في مسار بناء الدولة، وإنهاء اقتصاد الحرب، وتقليص نفوذ القوى الخارجة عن إطار الدولة، لصالح سلطة تستند إلى التنمية بوصفها مصدراً للشرعية والاستقرار.
تأثير سياسي غير مباشر
تنظر الحكومة السورية إلى رفع قانون قيصر باعتباره خطوة نحو تعزيز التعاون الدولي وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي، مما يمهّد لتحسين المناخ السياسي والأمني في أجزاء متعددة من البلاد بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
ويرى اقتصاديون أن رفع العقوبات يفتح آفاقًا جديدة للتعامل الاقتصادي ويخفّف من الضغوط التي كانت تعيق إعادة الإعمار واستقرار المناطق المختلفة في سوريا، وهو ما يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين الجهات الفاعلة داخل البلاد ومع شركائها الإقليميين والدوليين.
في هذا السياق يوضح الباحث أحمد قربي، مدير وحدة التوافق في مركز الحوار السوري، أن تأثير رفع العقوبات على توحيد الجغرافيا السورية هو تأثير غير مباشر بطبيعته، مشيراً إلى أن رفع قانون قيصر يمثّل رسالة سياسية واضحة من الولايات المتحدة والعالم الغربي والعربي لدعم الحكومة السورية، لكن الدول عادة لا تتخلى عن جميع أوراقها دفعة واحدة، وحتى واشنطن لن تتخلى عن قسد بهذه السهولة.
ويقول قربي لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر قد يسهم في زيادة الضغوط السياسية على كل من قسد وجماعة الهجري، لكنه يستبعد أن يقود ذلك بشكل مباشر إلى توحيد الجغرافيا السورية، لعدة أسباب أبرزها: أن الإشكاليات الجغرافية القائمة ليست مرتبطة أساسًا بملف العقوبات، فضلًا عن وجود فواعل مستقلة عن هذا السياق، وعلى رأسها إسرائيل، التي تمارس دورًا مؤثرًا في سوريا سواء رُفع قانون قيصر أم لا، بل وكانت من الجهات التي سعت سابقًا إلى الإبقاء عليه.
ويوافق الباحث في مركز جسور الباحث قربي في هذا الرأي بالقول: إن رفع قانون قيصر بشكل كامل سيكون باباً رئيسياً ومهماً لفتح أبواب تؤثر بشكل إيجابي في حل الأزمات منها أبواب الاستثمار وتعافي الاقتصاد.
ويستدرك علوان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا بالقول: ولكن توحيد الجغرافيا السورية يظل رهين مسارات سياسية وأمنية أعمق، تتجاوز ملف العقوبات الاقتصادية، وتحتاج إلى توافقات داخلية وضمانات إقليمية ودولية، في حين يبقى رفع قانون قيصر عاملًا مساعدًا ومكمّلًا، لا أكثر في هذا المسار المعقّد.
امتحان للحكومة قبل توحيد سوريا
لا يفتح رفع قانون قيصر الباب تلقائيًا أمام توحيد الجغرافيا السورية، بقدر ما يضع الحكومة السورية أمام اختبار عملي لقدرتها على الانتقال من مرحلة كسر العزلة إلى مرحلة بناء دولة مستقرة، فإلغاء العقوبات يشكّل فرصة سياسية واقتصادية مهمة، لكنها تبقى فرصة مشروطة بإصلاحات ملموسة تسبق الحديث عن نتائج كبرى على مستوى وحدة البلاد.
وبحسب النص التشريعي الكامل لمشروع موازنة الدفاع الأميركية، تنص الفقرة (أ) على إلغاء كامل العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر لعام 2019، في حين تضع الفقرة (ب) آلية رقابة سياسية وأمنية لاحقة تُلزم الرئيس الأميركي بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس لمدة أربع سنوات، تتضمن تقييمًا علنيًا وغير سري، مع ملحق سري عند الحاجة، حول التزام الحكومة السورية بجملة من المعايير، أبرزها: مكافحة تنظيم داعش والتنظيمات المصنفة إرهابية، احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية، إبعاد المقاتلين الأجانب عن مواقع القرار، مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية.
من جانبه يؤكد السياسي السوري–الأميركي أيمن عبد النور أن رفع قانون قيصر يُعدّ خطوة مفصلية في مسار استقرار سوريا وإعادة بنائها، لكنه لا يمثل نهاية الطريق، مشددًا على أن نجاح هذه الخطوة مرهون بالتزام الحكومة السورية بتنفيذ البنود الثمانية الواردة في قرار الكونغرس الأميركي المتعلق بآلية إلغاء القانون ومتابعته.
ويشير عبد النور، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن المستثمرين قد يبدون ترحيبًا مبدئيًا بإلغاء قانون قيصر، لكنهم لن يغامروا بالدخول إلى السوق السورية ما لم تتوافر بيئة استثمارية حقيقية وواضحة، موضحًا أن هذه البيئة تبدأ بوجود محاكم تجارية مستقلة، وغرف تحكيم دولية، وبنية طاقة مستقرة بأسعار تنافس دول الجوار، إضافة إلى يد عاملة فنية مؤهلة وبنية تحتية قادرة على استيعاب المشاريع الكبرى.
كما يشدد على ضرورة اعتماد سياسات نقدية ومالية شفافة ومعلنة، وإعلام حر، وضمانات أمنية فعلية، معتبراً أن توفير هذه الشروط هو المدخل الحقيقي لجذب الاستثمارات، وليس مجرد رفع القيود القانونية.
في النهاية يمكن القول إن رفع قانون قيصر ليس مكسبًا نهائيًا بقدر ما هو مرحلة اختبار لجدية الحكومة السورية في بناء دولة قادرة ومقبولة داخليًا وخارجيًا، فقبل الانتقال إلى ملف توحيد الجغرافيا، يبقى التحدي الحقيقي في ترسيخ مؤسسات فاعلة، وبيئة اقتصادية آمنة، وحوكمة شفافة، تضمن أن ما بعد قيصر لن يكون مجرد رفع عقوبات، بل بداية مسار استقرار مستدام.
تلفزيون سوريا
——————————
نظرة في إلغاء قانون قيصر من جهتين/ موفق نيربية
16 – ديسمبر – 2025
رحّب السوريون بحرارة بالتصويت على إلغاء القانون الأمريكي، الذي أُطلق عليه الاسم الرمزي» قانون قيصر» في الأسبوع الماضي، والصادر في عام 2019، في ذروة أزمة النظام وبداية نهايته، التي كان لذلك القانون دور مهم فيها. إلغاء القانون لا يحرّر أيدي السلطة المؤقّتة الجديدة من قيوده ويساعدها على عملية الخروج من الحفرة العميقة، التي ترك نظام الأسد سوريا فيها وحسب، بل سيساعد أيضاً على تحسين الظروف المعيشية الخانقة، التي يمرّ بها السوريون.
فقد فقدت سوريا ثلثي ناتجها الوطني بعد عام 2010، وخسرت الليرة السورية حتى وصل الدولار إلى ما يقارب 300 ضعف من قيمته خلال الفترة ذاتها، كما وصلت أعداد المواطنين تحت خط الفقر إلى أكثر من 90% من مجمل عديد الشعب، منهم 25% في حالة العوز والعجز الشديد. وحين عاد قسم من النازحين واللاجئين إلى قراهم وأحيائهم، لم يجدوا إلّا الركام مكان بيوتهم، فأعادوا نصب الخيام بقربه بانتظار ترميم شيء ممّا كان.
بالطبع حصل بعض التحسّن من حيث توفّر المواد التموينية والغاز والكهرباء، ومن حيث الدخل والتقاعد، بمساعدة مباشرة من قطر والسعودية وتركيا خصوصاً، ولكنّ ذلك ما زال بعيداً عن ما كان الوضع سابقاً، فكيف به عن ما ينبغي أن يكون.
وقد تمّ إلغاء قانون قيصر في صلب قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، وجاء على أربع فقرات فقط، ثلاثٍ منها تكاد تكون من جملة واحدة، والفقرة (ب) الأساسية التي احتلّت معظم جسم القرار، نصّت على وجوب تقديم الرئيس الأمريكي لتقرير أولي بعد 90 يوماً، ثمّ تقرير دوري كلّ 180 يوماً، لمدة أربع سنوات، ربّما كانت تتوافق مع عمر الحكومة الانتقالية كما حدّده «الإعلان الدستوري» الذي أصدره الشرع، بما صدر من تحفّظات واعتراضات عليه.
جاءت الفقرة (ب) لتذكر ما يحتويه ذلك التقرير، ويلتزم بتقديمه الرئيس، وعدّدت نقاطاً تسعاً، على الحكومة السورية الالتزام بها حتى يرى الكونغرس الإجراء المناسب، منها ما يتعلّق بالقضاء على «داعش» و»القاعدة» بالشراكة مع الولايات المتحدة، وبعزل المقاتلين الأجانب من المناصب العليا، وبمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وبتصنيع المخدّرات وتوزيعها. إلّا أن الفقرات الأكثر أهمّية هي الأرقام (3) و(4) و(5) و(7)، وأهمّيتها تلك، لا تنبع إلّا من كونها أساساً موضوعياً بين شروط الاتّجاه الذي ستسير فيه البلاد.
تنص تلك الموادّ على التزام الحكومة السورية «بحقوق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، بما في ذلك ما يتعلق بحرية العبادة والمعتقد، وتسمح بتمثيل عادل ومنصف في الحكومة، بما في ذلك الوزارات والبرلمان (الفقرة 3)» وعلى أنه «يُلاحق قضائيًا وبشكل نشيط أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليا منذ 8 ديسمبر 2024، بمن فيهم المسؤولون عن مذبحة الأقليات الدينية (الفقرة 7)»، وعلى أنه « لا تتخذ أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك دولة إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات أمنية دولية، حسب الاقتضاء (الفقرة 4)، وكذلك «تُتخذ خطوات ملموسة وذات مصداقية لتنفيذ اتفاقية 10 مارس 2025، كما تم التفاوض عليها بين حكومة سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك تدابير اندماج قوات الأمن والتمثيل السياسي بشكلٍ متناسب بالحجم والمستوى (الفقرة 5)».
ينبغي الإضاءة على السبب الذي من أجله تشكّل الفقرات المذكورة أساساً موضوعياً للاتّجاه، الذي ستسير عليه البلاد، بغضّ النظر عن تلبيتها الضرورية للشروط الأمريكية التي ستكرّر التفتيش عن حالتها مراراً. ذلك يتعلّق بالطرف الآخر، لكن هناك ظروفاً موضوعية تبعث على الالتزام بتلك الشروط، بل وتعميقها حتى أسسها.
لن تستقيم حالة البلاد وتستقرّ على مسار صحّي إلّا مع إعادة البناء التي تحتاج أعمالها إلى حالة من سيادة القانون لا لبس فيها والتزام بحماية حقوق الإنسان، حتى تشعر الأطراف التي ستنجز تلك العملية بالأمان والحماية، وحتى تُحاصر مزارع الفساد التي يمكن أن تزدهر.. وقد بدأت. ذلك بدوره غير ممكن إلّا في حالة طمأنينة الناس إلى حكومتهم، ومشاركتهم فيها من خلال جوهر القرار 2254، وتمكين القضاء الوضعي المدني والجزائي من العمل باستقلال كافٍ. قد يكون ذلك وغيره في إطار «إعادة بناء» الدولة ذاتها. لكنّ ذلك يحتاج أيضاً إلى حلّ مشكلة الأمن والتعايش، من خلال حماية الأقليات والدخول في مسار يجعلها تشعر بالمشاركة في دولتها، وتطبيق العدالة الانتقالية بشكل مؤسساتي وحديث معروف الأسس، ليشمل جرائم النظام السابق، والانتهاكات الخطيرة التي حدثت بعد انهياره. وكلّ ما ورد في النقاط المذكورة أعلاه يمكن أن يكون من بين عوامل الضغط السياسي على السلطة المؤقّتة في الزمن المقبل. ولعلّ مسألة الأقلّيات من أخطرها، بعد ما مرّ بالبلاد من أزمات دامية تخصّ الأقلّيتين الدينيتين من الدروز والعلويين.
فلا تزال القضية الدرزية حية وساخنة جداً، من خلال ارتفاع الحالة الصدامية مع قوى على الأرض، مسلحة ودينية واجتماعية، اندفعت باتجاه الحدود القصوى تحت تأثير بشاعة المجزرة التي ارتُكبت في الماضي، وقطعت الحدود أيضاً عندما دخل عاملان من الجهة الإسرائيلية: دروز إسرائيل، وحكومتها اليمينية المتطرّف صاحبة المصلحة، ليس بأصوات الدروز بمقدار ما بإضعاف سوريا، أو المساعدة على تفتيتها، أو تقسيمها لو أمكن ذلك.
كما أن مسألة العلويين، الذين ذهبت روح الانتقام والثأر- والتطرّف الديني- حد تنفيذ مجزرة أيضاً بحقهم، من قبل أطراف وأفراد محسوبين أو قريبين من السلطة بغضّ النظر عن تحليل المسؤولية من كونها مباشرة أو غير مباشرة. ولطالما كانت تلك الشريحة غير القليلة من الشعب السوري فريسة للقلق الأقلّوي حتى عندما كان منها – طائفياً ونظرياً على الأقل- حاكم البلاد وسلطانها، فكيف وقد أصبحت مكشوفة أمام الغضب والروح الانتقامية من أولياء دم ضحايا الأسد ذوي الأعداد الهائلة، وقسم منهم تداخله نوازع تكفيرية أيضاً، وبالتكفير يستوي العلويون مع الدروز أيضاً. وتبقى القضية الكردية يتراوح وجودها بين الطاولة والميدان، من دون تقدّم واضح منذ توقيع اتفاق العاشر من مارس، رغم عدة محادثات واعدة تحوّلت إلى حالة صمت وانتظار لتغيير ما في الظروف المحيطة وعواملها الخارجية على الأقل. في حين لا يبدو على الحكومة الانتقالية أنّها نظرت في الرسالة الواضحة بين سطور الفقرة (ب ـ 5) عند النصّ على إعطاء تفسير لجدول أعمال التفاوض على نَسَق يربط الاندماج الأمني والتمثيل السياسي بصفة التناسب، ولكن بلفظ محدد يقول إن هذا التناسب يتعلّق بالحجم والمستوى، وهو تعبير يدعم الطرفين، لكنه أقرب إلى التفسير الكردي للاتفاق.
ذلك كلّه جزء من مشكلة لا تبدو السلطة على استعدادٍ كافٍ لمواجهتها، وهي ما زالت للأسف بعيدة عن مشاركة الآخرين بتحمّل المسؤوليات، وتتحمّل وحدها إرثاً متراكماً من الخلل والفوضى، مع آنّها تحقّق نجاحاً خارجياً لافتاً، وبعض الخطى الأوّلية باتّجاه حلحلة الوضع الاقتصادي والمعيشي، خصوصاً الآن مع إلغاء قانون قيصر، وهو من أسباب حالة الضغط والضيق الواضحة. رغم ذلك يبقى جوهر الخلل موضوعيّاً وبنيوياً، ويحتاج إلى جهود جبّارة.
ربّما تحتاج تطبيقات الإلغاء إلى ثلاثة أشهر حتّى تبدأ مفاعيلها بالظهور، تُضاف أيضاً إلى الوقت المتاح لإعادة النظر وتصحيح السياسات، ضمن إطار ما تتيحه القوى الخارجية من تحديد للبرامج، كما ورد في جسم الفقرة (ب) من قرار الإلغاء، وكان بين توجّهات القوى الإقليمية والدولية، ويحتاجه الشعب السوري المُنهك.
كاتب سوري
القدس العربي»
———————————–
لا فضل للأميركيين على سورية في عقوبات قيصر/ دلال البزري
18 ديسمبر 2025
يعود الفضل الأصلي إلى فريد المذهان، واسمه الحركي قيصر. هو رقيب أول في الشرطة العسكرية السورية في عهد بشار الأسد. خاطرَ بحياته منذ 11 عاماً، عندما قرّر تصوير آثار التعذيب الشامل الذي كانت تمارسه هذه الشرطة بحق السجناء السياسيين. عامين؛ منذ انطلاق الثورة وحتى هروبه من سورية عام 2013، محمّلاً بخمسة وخمسين ألف صورة صحيحة غير مفلْترة، لسجناء قضوا رمياً بالرصاص أو تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للمخابرات السرّية. ضحايا يُعرفون بالأرقام، يحملون في أجسامهم آثار هذا التعذيب من تشوّهات، وجروح، ونزيف، وهزال، ونزيف، وبتر أعضاء، وحتى رصاص.
بعد ذلك بستة أعوام، أصدر الكونغرس الأميركي “قانون حماية المدنيين في سوريا”، المعروف بقانون قيصر. ولم يدخل هذا القانون حيز التنفيذ إلا بعد عام من صدوره، أي إننا لا نعرف كم من آلاف الضحايا سقطوا خلال تلك السنوات الفاصلة بين هروب قيصر وسقوط بشار.
وكان الغرض من هذا القانون العقابي اقتصادياً ومالياً، بلسان الكونغرس: “إرغام السلطة الحاكمة في دمشق على التوقف عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، وقبول انتقال سياسي يحترم دولة القانون وحقوق المدنيين”. تتضمّن هذه العقوبات: تجميد الأصول، ومنع التعامل بالدولار، ومحظورات قطاعية (نفط، بناء، تكنولوجيا)، ومنعاً من السفر. وهي تستهدف “شخصيات النظام”، من بشار الأسد، الى زوجته أسماء، إلى رامي مخلوف، ونذيز جمال الدين، ونادر القلعي، وخالد الزبيدي، وغيرهم. كذلك المؤسسات العامة، مثل المصارف وغيرها، من شبكات الكهرباء والماء والبريد.. إلخ، وكل شركة أو كيان غير سوري تعامل معها، فضلاً عن “مؤسّسات خاصة” يديرها مستثمرون تابعون للنظام (القطان، مروج الشام، شركة آدام وإنترسيكشن)، ناهيك عن “شخصيات” أخرى تتمتع بالمزايا نفسها… ولا مجال هنا لتعدادها، ولكنها تبدو للعين المجرّدة شبكية، متعدّدة الوظائف، ومعروفة بصلتها العميقة ببشار وأخيه ماهر، وتقاسمها الغنائم معهما.
الآن هل حقّقت عقوبات قيصر مرماها بردع بشار أو بإفقاره؟ كلا. من وقت صدورها وحتى سقوطه، بقي بشار على منهجه، ولم يتنوّع أسلوبه، نظراً إلى الستاتيكو الذي بلغته سورية بعد أولى سنوات الجمر، من انقسام ومناطق نفوذ وتهجير.
أما اقتصادياً، فإن العقوبات أفقرت الشعب السوري. بنتيجتها، انخفضت العملة السورية، ومعها الاستثمارات، خصوصاً المنتجة منها، فانعكس ذلك على الأسعار والعمل والإيرادات، واستحالت إعادة الإعمار وبناء البنى التحتية واستيراد المواد الحيوية والتجهيزات الطبية، فانتشر الفقر على نطاق واسع وسط الشعب السوري.
عكس “شخصيات النظام” من رجال أعمال “كبار” ومخابرات: لم يفقروا، إنما زادت ثرواتهم، فهذه الثروات بالأساس مخفية ومحمية، مهربة إلى الخارج. موضوعة في شركات وهمية صورية، يملكها وسطاء، ومسجلة في أمكنة لا يسري عليها القانون. فيما العقوبات تستهدف الأصول المعروفة أو المعلنة. وما ساعد على هذا الإثراء أن العقوبات سمحت بخروج المنافسين الاقتصاديين لتلك “الشخصيات”. وزادت قيودها على الاقتصاد، واشتعل التهريب، وتصريف الدولار خارج الإطار المصرفي.
النتيجة: ازدهار اقتصاد الحرب، والاحتكار، وتوسع السوق السوداء، وتحكم “الشخصيات” بالعملة الصعبة، فكان أكبر الرابحين من العقوبات هم الشخصيات نفسها، وفي مقدّمتهم بشار وأخوه، وأكبر الخاسرين هم الشعب السوري. وهذا أمر مكرَّر وقديم، شاهدناه قبل أكثر من 35 عاماً في العراق؛ فبعد الاجتياح العراقي الكويت عام 1990، دفع جورج بوش الأب، الأمم المتحدة إلى اعتماد قرار مجلس الأمن 661، القاضي بفرض عقوبات على العراق، بما يشبه عقوبات قيصر، زائد فرض الحظر على تصدير نفطه الوافر. دول الغرب الكبرى وقتها أيّدت العقوبات، ومعها السعودية والكويت، وجميعهم “احترم” تطبيقها. ونادراً ما يطبق قرار صادر عن الأمم المتحدة، خصوصاً ما يتعلق منه بالشرق الأوسط.
كما في سورية كذلك في العراق، أفقرت العقوبات الشعب العراقي؛ فانخفض الناتج المحلي الإجمالي ومعه العملة الوطنية، وارتفعت نسبة التضخم، وتراجعت الخدمات العامة، وانتشرت ظاهرة تجويع الأطفال وموتهم، وتدهور تعليمهم ومستوى حياة آبائهم. فقر ونقص حاد بالدواء ودمار البنى التحتية. وفي السنوات الأربع الأولى لهذه العقوبات، توفي مئات الآلاف من العراقيين، وبقي صدّام حسين يعيث خراباً، انهار اقتصاد العراق، ولكن قبضته على موارد البلاد ازدادت، من نفط وعملة صعبة واستيراد، و”شخصياته” صارت تحتكر تجارة السلع الحيوية التي أصبحت نادرة، ولا تستثمر إلا في مشاريعه الخاصة، تركب السيارات الفارهة، وتعمّر القصور النادرة، وتستورد أغلى البضائع الفاخرة. ولم تنتهِ العقوبات ضد العراق إلا بعد الغزو الأميركي له عام 2003.
يحصل الأمر نفسه في لبنان. لم يشعر بالعقوبات الأميركية أحد. موجهة ضد “شخصيات” حُسبت فاسدة مؤيدة أو موالية لحزب الله، وكأنها وحدها الفاسدة، وكأنها هي وحدها المستفيدة من حزب الله أو الغافلة عنه. العقوبة عُرفت باسم “قانون ماغنيتسكي”، طالت نبيه برّي، وجبران باسيل، وعلي حسن خليل، ويوسف فنيانوس، وحسان دياب، وغيرهم من الأقل شهرة، لكن أهمهم مهندس انهيار الاقتصاد اللبناني رياض سلام، الذي نالته العقوبة قبل عامين، بتهمة أقل بكثير مما ارتكبه. لماذا مهم؟ لأنه الوحيد الذي دخل بسببها إلى سجن “ذهبي”، وخرج منه متَبرِّئاً من حزب الله. والأهم أنه دفع كفالة خروجه، بمبلغ سرقه من اللبنانيين بفضل “هنْدساته” المالية: 14 مليون دولار وخمسة مليارات ليرة لبنانية.
كما في سورية والعراق، على اختلاف الأشكال، كذلك في لبنان. رياض سلامة أفقرَ اللبنانيين هو وصحبه، واستطاع أن يشتري حريته بأموالهم، وهذا يعني أن العقوبات عليه وعلى صحبه فشلت في هدفها المعلن، أي معاقبة الفاسدين. والنتيجة اطمئنان “الشخصيات” الفاسدة على أموالها، بل زيادتها، وإفقار اللبنانيين الشامل، فهجرة شبابه بالجملة بحثاً عن لقمة العيش.
فشل الأميركيون في غالبية العقوبات التي فرضوها على بقع من العالم. ضد كوبا، وكوريا الشمالية، وروسيا، والصين. ونجحوا جزئياً في إيران (اتفاق نووي)، وليبيا القذافي (اتفاق نووي أيضاً)، وصربيا. ونجحوا كلياً مع جنوب أفريقيا، ولكن هذه الأخيرة كانت أصلاً مهيأة داخلياً وعالمياً لإلغاء نظام الفصل العنصري.
يتساءل المرء. هل أميركا غبية إلى هذه الدرجة، لا تتعلم من دروسها؟ أم أن الذكاء يخون الأقوياء، عكس ما نتصوّر؟. … ربما هذا الهوى العقابي، ليس دليل غباء، إنما دليل استغباء واستقواء.
خذْ آخر الكلام: إلغاء قانون قيصر بحق سورية أُلحِق بطلبات من الكونغرس تلزمه بالمراجعة كل 180 يوماً، لمدة أربع سنوات، أي إنه وضع شروطاً قبل إقرار عقوبات أخرى، وهي: مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إبعاد المقاتلين الأجانب، حماية الأقليات العرقية والدينية، مكافحة غسل الأموال، ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان، وقف تهريب الكبتاغون، والشرط الأهم، بنصه الحرفي: “ولا تتخذ (سورية) أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبرّرة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل”. يعني أن الكونغرس يسمح بالعودة عن إلغاء العقوبات، بل بفرض عقوبات جديدة إذا لم تستجب الحكومة السورية لهذه الطلبات الآنفة. والأرجح أن هذا البند حجر الزاوية الذي يرتئيه ترامب لبناء شرق أوسط جديد يسوده “السلام الخالد”.
العربي الجديد
———————————–
ما بعد “قيصر”.. هل تخلّت واشنطن عن ازدواجية الخطاب واقتربت من الواقعية السياسية؟/ باسل الحاج جاسم
ديسمبر 18, 2025
على امتداد عقود طويلة، ظلت العلاقة السورية-الأميركية محكومة بمدّ وجزر، تتراوح بين المواجهة الصريحة والقطيعة الباردة، وبين لحظات نادرة من الانفراج التكتيكي سرعان ما تطوى تحت ضغط الحسابات المتغيرة، لكن منذ سقوط نظام الأسد، قبل عام، يشهد الإقليم تياراً مختلفاً، لا يشبه مراحل الماضي المرهقة، وما بدا في أشهره الأولى مجرد تبدل في النبرة الأميركية، تحوّل في الفترة الأخيرة إلى خطوات ملموسة، كان أبرزها تصويت مجلس النواب الأميركي على إلغاء قانون “قيصر”، أحد أشد أدوات الضغط التي أثقلت السوريين منذ سنوات.
اثنا عشر شهراً فقط مرّت على هذا التحول السوري المفصلي، لكنّها كانت كافية لتكشف أن واشنطن بدأت تتخلى عن ازدواجية لغتها التقليدية، وتقترب أكثر من خطاب واقعي يعترف بحقّ السوريين في إعادة بناء دولتهم على أسس وطنية، بعيداً عن مقاربات الأمن الضيقة التي حكمت سياستها منذ 2011.
تلك السنوات التي رفعت خلالها الولايات المتحدة شعارات كبرى حول دعم تطلعات الشعب السوري، من دون أن تترجمها إلى مسار فعلي يخفف معاناته أو يدعم مشروعاً وطنياً جامعاً.
التحوّل الراهن لا يعني انقلاباً شاملاً في السياسة الأميركية، لكنّه يحمل دلالات لا يمكن تجاهلها، فاللغة الأميركية أصبحت أوضح، والمواقف أكثر صراحة، والأهم أن واشنطن بدأت تراجع قناعاتها التي جعلتها لعقد كامل تراهن على ميليشيا أمر واقع لا تمتلك امتداداً وطنياً، ولا تعبّر عن السوريين بقدر ما تعبر عن حسابات أميركية آنية.
وتحت ذريعة محاربة الإرهاب، وازنت الولايات المتحدة بين دعم المعارضة اللفظي من جهة، وتعزيز نفوذ مجموعات ذات مشروع انفصالي من جهة أخرى، فكان أن أُنهكت المعارضة الوطنية، وتعمق التشظي داخل المجتمع السوري، في وقت تمددت فيه تلك القوى الانفصالية، التي لا تؤمن بوحدة الأرض ولا بطبيعة الجمهورية العربية السورية.
اليوم تغير الإطار، ولم تعد واشنطن تنشغل بفرض شروط مسبقة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ولا تتعامل مع دمشق الجديدة بوصفها ملفاً أمنياً يمكن تأجيله، بل صارت تتعامل مع القيادة السورية الحالية بقدر من الشرعية الواقعية، وتستمع إلى مخاوفها، وتبدي استعداداً لفتح صفحة مختلفة.
أما تصويت مجلس النواب لإلغاء “قيصر”، فيعكس للمرة الأولى انتقالاً من الأقوال إلى الأفعال، فالقانون الذي شكل رمزاً للعقاب الجماعي، كان منذ صدوره ورقة ضغط سياسية أكثر منه أداة لتحقيق الاستقرار أو دعم الحل السياسي، وإلغاؤه، إذا اكتمل مساره في المؤسسات الأميركية، سيكون خطوة مفصلية نحو كسر الحلقة العقابية التي عطلت أي محاولة لإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي.
التصريحات الأميركية في الأشهر الأخيرة تؤكد هذا المسار، فوزير الخارجية يتحدث عن دعم استقرار سوريا الموحدة ذات السيادة، ومسؤولو البيت الأبيض يشيرون إلى مراجعة شاملة لنظام العقوبات بما يراعي الواقع الإنساني وضرورات المرحلة الانتقالية، وهذا الخطاب لا يشبه لغة السنوات الماضية التي اكتفت بإعلان خطوط حمراء دون فعل، ولا تشبه أيضاً المقاربة التي حملت السوريين إلى دائرة مغلقة، نظام يرفض الإصلاح، ومعارضة منهكة، ومليشيات انفصالية تتوسع تحت مظلة دولية.
قد يرى البعض في هذا التحول خطوة ظرفية، فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية، من الحرب في غزة إلى التنافس الدولي المتصاعد، وقد يراها آخرون انعطافاً حقيقياً في منهج واشنطن تجاه سوريا.
لكن بغض النظر عن النيات، فإن المؤكد أن ما جرى خلال عام من الوضوح السياسي يفوق في مصداقيته معظم ما صدر عن الولايات المتحدة في العقود الأخيرة من غموض وتردد.
وإذا كانت واشنطن قد أدركت أخيراً أن استقرار سوريا لا يبنى على رعاية كيانات منفصلة عن سياقها الاجتماعي، ولا على مقاربة أمنية منفصلة عن مسار الدولة، فإن على دمشق أيضاً إدراك أن اللحظة الحالية تحمل فرصة لا تهدر.
فالعلاقة بين البلدين قد لا تصل إلى مستوى التحالف أو التفاهم العميق، لكن يمكن البناء عليها لتأسيس علاقة متوازنة قوامها الاحترام المتبادل وعدم الإقصاء الدبلوماسي.
هذه لحظة يمكن لسوريا أن تعيد فيها تموضعها الخارجي، وتثبت أنها شريك قادر على التفاهم، لا مجرد طرف في نزاع طويل.
غير أن هذه النافذة ليست مفتوحة على الدوام، فالقرار الأميركي، مهما بدا ثابتاً في الوقت الراهن، يظل رهين تبدلات السياسة الداخلية الأميركية وتوازناتها الدولية.
وقد يتغير المزاج السياسي في أي وقت، أو تعود واشنطن إلى خطاب العصا والضغوط إذا تغيرت الحسابات، لذلك فإن الاستفادة من هذا الانفتاح تحتاج إلى رؤية سورية واضحة، تعيد تنظيم البيت الداخلي، وتعزز المؤسسات الوطنية، وتفتح المجال لعلاقات خارجية أكثر توازناً.
في لحظة نادرة كهذه، يبدو أن أمام السوريين فرصة لالتقاط أنفاسهم والبدء بخطوات واقعية نحو التعافي، والرهان اليوم هو على تحويل هذا التحول الأميركي من محطّة عابرة إلى مسار مستمر، ولو بحدوده الدنيا، أما تأجيل الاستفادة منه، أو التعامل معه بوصفه ضمانة دائمة، فقد يعيد البلاد إلى الدائرة التي أنهكتها لسنوات.
يبقى القول: إن كسب الوقت، والبناء سريعاً على هذا الوضوح الأميركي غير المألوف، لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية لسورية الدولة ولسورية الشعب، قبل أن تغلق النافذة ويعود المشهد إلى متاهته السابقة.
الثورة السورية
—————————
يُقدَّر بـ600 مليون دولار حتى اللحظة… اقتصاد التبرّعات السوري وتبييض الأموال والصور/ عدي عبدالله
الخميس 18 ديسمبر 22025
بعد عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي، ومع دخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة تقودها الحكومة الحالية منذ نحو عام، يُفترض أنها تمهّد لاستقرار مختلف، لا يزال الواقع المعيشي في سوريا نموذجاً لاقتصاد منهَك.
ففي هذه المرحلة الانتقالية، حيث تواجه شريحة واسعة من السكان شبح الفقر وتتآكل مقومات العيش الأساسية، برزت -خاصةً خلال الأشهر الأخيرة- موجة واسعة ومتنامية من حملات التبرعات الكبيرة التي عمّت مدناً ومحافظات مختلفةً، وجُمعت فيها مبالغ وصلت إلى ملايين الدولارات، كان آخرها حملة “فداء حماة” وما أثارته من تساؤلات حادّة حول مصادر هذه الأموال ومسارات إنفاقها.
هذا التناقض الصارخ بين الانهيار المعيشي للأغلبية والقدرة المالية الظاهرة لفئة محدودة من “أثرياء الحرب وما بعدها”، يكشف عن تحولات أعمق في بنية الاقتصاد السياسي السوري. فظهور هذه الأموال -وغالباً خارج الأطر الرسمية- يشير إلى حجم الثروة المتراكمة في اقتصاد الظلّ، وإلى فاعلين قدامى وجدد يسعون إلى إعادة موضعة أنفسهم أو اكتساب شرعية اجتماعية وسياسية في لحظة يغيب فيها الدور المؤسسي والرقابي.
يقدّم هذا التقرير قراءةً نقديةً لهذا الواقع، مفككاً لغز هذه الملايين: هل تعكس هذه الأموال اقتصاد ظلّ أو شبكات ريعيةً متناميةً؟ وكيف تُستخدم التبرعات كأداة لتبييض الصورة وتعزيز النفوذ في ظل الفراغ المؤسسي؟ وماذا تقول ردود فعل المواطنين المتشككة عن فجوة الثقة في مرحلة ما بعد النزاع؟
تمدّد اقتصاد الظلّ
لفهم التناقض سابق الذكر، لا بدّ من العودة إلى الجذور والبحث في طبيعة الثروات التي تكشفت عنها حملات التبرعات، ومدى ارتباطها بتحوّل البنية الاقتصادية في البلاد.
لا يمكن قراءة هذه التبرّعات بمعزل عن الواقع الهيكلي للاقتصاد السوري. ففي وقت تعيش فيه شريحة كبيرة من السوريين تحت خط الفقر، تكشف هذه المبالغ الضخمة، بحسب الباحث في الاقتصاد السياسي، محمد العلبي، عن فجوة اقتصادية هائلة بين الأغلبية الفقيرة وطبقة ضيّقة تتركز في يدها معظم الثروة ومنفصلة فعلياً عن الواقع المعيشي للأغلبية.
يفسّر العلبي هذا المشهد، بأنّ الاقتصاد السوري تحوّل خلال سنوات الحرب وما بعدها إلى ريع وشبكات، حيث تراكمت الثروة أساساً عبر قنوات الاستيراد المحتكر، وتهريب المحروقات، المخدرات، والسلع، والمضاربات العقارية، والاستفادة من قرب سياسي أو أمني من مراكز القرار، لا عبر نشاط إنتاجي طبيعي.
في هذه البيئة، تصبح القدرة على الإعلان عن “تبرّع بملايين” تعبيراً عن وجود كتلة رأسمال متمركزة حول أشخاص قلائل، وحجم التبرعات المعلَنة يكشف أنّنا إزاء ثروة “منفصلة اجتماعياً” عن المجتمع؛ ثروة لم تُبنَ بالتراكم التدريجي عبر الاقتصاد المنظم، بل تشكلت بخطوات سريعة في ظل الفوضى، خاصةً تلك التي ترتبط بالفصائل العسكرية أو بأثرياء الحرب، سواء في مناطق سيطرة النظام سابقاً أو في مناطق المعارضة. هؤلاء يحاولون اليوم أن يظهروا في الفضاء العام بلبوس “العمل الخيري”.
من زاوية المخاطر المالية على البيئة الاستثمارية، يرى الباحث الاقتصادي ومدير منصة “اقتصادي”، يونس الكريم، أنّ تدفّق مئات الملايين من الدولارات عبر قنوات غير رسمية هو مؤشر واضح على انزلاق الاقتصاد نحو ما يسمّى بـ”اقتصاد الظلّ القوي”، ومع غياب أي تشريعات اقتصادية لأكثر من تسعة أشهر، بات هذا الاقتصاد يُعامَل وكأنه الاقتصاد الرسمي للدولة؛ رؤوس الأموال تتحرك خارج الأطر القانونية والمؤسساتية.
ويرفع الكريم، مستوى التحذير مشيراً إلى أنّ هذه التدفقات تثير “شكوكاً جدّيةً حول احتمال وجود عمليات غسيل أموال واسعة النطاق”. تتفاقم المشكلة في مرحلة التحوّل وغياب الرقابة، حيث “تسعى الحكومة الحالية إلى استقطاب هذه الأموال دون مساءلة عن مصادرها، وهو ما صرّح به مسؤولون علناً”.
هذا الترحيب الرسمي، بحسب الكريم، لا يقتصر تأثيره على التوازن الداخلي، بل “يعزز المخاوف لدى الشركاء الماليين الأجانب”، فغياب الضوابط القانونية يضعف الثقة الدولية، ويجعل التمويل الخارجي محفوفاً بالمخاطر ويهدد فرص جذب الاستثمارات التي تُعدّ شرطاً أساسياً لأيّ مشروع جادّ لإعادة الإعمار، وتالياً يهدد الاستقرار المالي للبلاد عموماً.
رقابة غائبة وفراغ قانوني
يجد هذا النمط من العمليات غير الخاضعة للتدقيق، غطاءً في الفراغ القانوني وغياب الرقابة الفعالة. يرى المحامي والناشط في الشأن العام، أنس جودة، أنه من الناحية الدستورية، كان من المفترض أن يعالج الإعلان الدستوري لعام 2025 فجوة الرقابة على المال العام، لكنه لم يُنشئ أي جهاز مستقل للمراجعة المالية، ولا ديوان محاسبة، ولا هيئة شفافية، ما أبقى الإشراف الفعلي رهناً بالقوانين القديمة.
الإطار العام المنظّم للتبرعات هو “قانون الجمعيات” رقم 93 لعام 1958، الذي يمنح وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سلطة الإشراف على التبرعات عندما تمرّ عبر جمعيات مرخّصة. إلا أنّ هذا القانون لا يغطّي الحملات الفردية أو العشائرية التي أصبحت اليوم الشكل الأكثر انتشاراً.
في المقابل، أوجدت السلطة الانتقالية إطاراً خاصاً هو صندوق التنمية السوري (مرسوم 112 لعام 2025)، الذي يتمتع بالشرعية القانونية، لكنه يعمل خارج الرقابة: لا تدقيق مستقلّاً، ولا رقابة برلمانية، أو التزام بنشر البيانات المالية. هكذا، تصبح الجهة الرسمية الوحيدة الموكلة نظرياً الإشراف على التبرعات نفسها خارج الإشراف الفعلي، ما يجعل الشرعية القانونية موجودةً شكلاً لكن بلا مضمون رقابي حقيقي.
فـ”قانون الجمعيات” لا يعترف بأيّ حملة تُقاد من شخص طبيعي خارج كيان مسجّل، والقانون يشترط وجود جمعية أو مؤسسة مرخصة، لجنة مالية، وحسابات رسمية. لكن الإطار الخاص المتمثل في “صندوق التنمية”، منح غطاءً قانونياً فضفاضاً للحملات التي تُدار بـ”التنسيق” مع لجان محلية أو شخصيات مجتمعية، حتى لو لم تكن كياناتها القانونية موجودة.
بهذا، يتحول القانون إلى مظلّة شكلية تُتيح لشخصيات نافذة -دينية أو عشائرية أو فصائلية- إدارة ملايين الليرات والدولارات دون كيان قانوني واضح. ويذكر جودة، أمثلةً في تجارب مشابهة مثل العراق ولبنان وليبيا، حيث أدى هذا النوع من “الشرعية غير المكتملة” إلى تفكك منظومات الإغاثة وتحوّل المال إلى أداة نفوذ يفوق تأثيره أي سلطة رسمية. وهذا تماماً ما يتكرر في سوريا اليوم.
تبييض أموال أو تبييض صور؟
ما دام التفسير الاقتصادي يؤكد أنّ التبرّعات هي عرض لثروات غير منتجة، فإنّ السؤال التالي يتعلق بوظيفة هذه المبالغ، والدور الحقيقي الذي تلعبه هذه الحملات في المشهد الاجتماعي والسياسي، بعيداً عن العمل الخيري.
لا يمكن النظر إلى حملات التبرعات في السياق السوري على أنها مجرد استجابة إنسانية؛ إذ تتفق التحليلات على أنّ وظيفتها الأساسية في المرحلة الحالية هي وظيفية سياسية واجتماعية مرتبطة بالصراع على النفوذ وإعادة التموضع السياسي.
يشير الخبيران الاقتصاديان، الكريم والعلبي، في حديثهما إلى رصيف22، إلى أنّ هذه الأموال تُستخدم، في جوهرها، كاستثمار سياسي مباشر أكثر مما هي مبادرات تنموية. ويُبيّن الكريم، أنّ التبرعات الكبيرة تعمل غالباً كأداة لإظهار الولاء للسلطة وتعزيز شرعيتها، لا كمدخل لتأسيس اقتصاد منتج أو خدمات مستدامة. وهذا ما يفسّر -بحسبه الكريم- لماذا لا يُتوقّع أن تترك هذه الأموال أثراً جوهرياً على حياة الناس، حتى لو خُصّص جزء منها لتحسين خدمات عامة كالكهرباء أو الصحة أو الطرق؛ إذ تبقى هذه الخطوات أقرب إلى مظاهر سياسية وإعلامية مؤقتة لا ترتقي إلى مستوى مشاريع تنموية طويلة الأمد.
من هنا، تصبح الحملات أقرب إلى أدوات لإعادة التموضع السياسي وتلميع الصورة، بدل أن تكون مدخلاً لتحسين فعلي في بنية الاقتصاد أو حياة السكان.
قوانين هشّة
أما العلبي، فيقدّم زاويةً مكمّلةً، إذ يرى أنّ دخول حملات التبرع إلى المجال العام بهذا الحجم، ومن خارج أي رقابة أو حوكمة، يجعل أثرها يتجاوز البعد الإنساني ليصل إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي. فالمتبرّع الكبير لا يوزّع المال فحسب، بل يبني شبكة ولاءات اجتماعية وسياسية، ويفرض حضوراً في السوق بوصفه “راعياً” أو “منقذاً”. وفي غياب تنظيم واضح، يمكن لهذه الحملات أن تُعمّق اختلال توزيع الثروة، وتكرّس تفاوتاً اجتماعياً، حيث يصبح وصول بعض الفئات إلى المساعدات والفرص مشروطاً بالانتماء المحلي للجهات المتبرعة، فيما تُهمَّش المناطق الأقل حظاً أو الأقل قدرةً على جذب مموّلين أو رؤوس أموال.
كما يشير العلبي، إلى أنّ ضخّ مبالغ كبيرة في قطاعات محددة، من خارج أي تخطيط رسمي، قد يؤدي إلى تشوّه الأسعار المحلية، خصوصاً في مجالات البناء والإسكان، بما يجعل “العمل الخيري” أداةً لتعزيز نفوذ فئة اقتصادية معيّنة وإعادة ضبط ميزان القوة في الأسواق لصالح المناطق التي تمتلك قدرةً أعلى على جمع التبرّعات.
وفي بيئة تتقاطع فيها الثروة بالسياسة والريع، يرى العلبي أنّ التبرعات قد تصبح قناةً مثاليةً لإعادة تدوير الأموال ذات الأصل الملتبس، أو لإعادة تقديم أصحاب هذه الأموال للرأي العام كـ”فاعلي خير” بدلاً من أن يُنظر إليهم كمنتفعين من اقتصاد الحرب.
للتمييز بين العمل الخيري الحقيقي ومحاولات تبييض الصورة أو الأموال، يقترح العلبي ثلاثة مؤشرات أساسية: مستوى الشفافية في الإفصاح عن مصادر التمويل، وجود هيكل مؤسسي واضح يخضع لتدقيق مستقل، وغياب العلاقة بين التبرع والحصول على امتيازات اقتصادية أو سياسية لاحقة. كما يشدد على ضرورة النظر إلى استدامة هذا النشاط: هل هو مبنيّ على رؤية تنموية طويلة المدى أو أنه حملات ظرفية تتزامن مع أزمات سمعة أو متغيّرات سياسية؟
تبرّعات خارج الرقابة؟
بعد التحذيرات من إمكانية استغلال التبرعات لتبييض الصورة أو تدوير الأموال، ننتقل إلى سؤال أساسي آخر عن الإشراف القانوني على كيفية جمع مبالغ ضخمة دون نشر تقارير مالية؟ وما هو الإطار الذي يجب أن يحكم إدارتها؟
يشرح جودة، لرصيف22، أنّ غياب التقارير المحاسبية في أي حملة تبرّعات يُعدّ، من الناحية القانونية البحتة، مخالفةً لواجبات الأمانة المالية ويطعن بشرعية الحملة نفسها. لكن في السياق السوري، يتحول هذا الغياب إلى وضع شبه طبيعي، لأنّ الإطار الدستوري لا يُلزم بنشر البيانات أصلاً، ولأنّ “صندوق التنمية”، بوصفه الجهة الرسمية الأعلى، لا يصدر تقاريره المالية ولا يعلن تفاصيل حول حجم الأموال الواردة أو المصروفة.
ونتيجةً لذلك، تصبح الحملات التي تعمل “تحت مظلته”، متمتعةً بشرعية شكلية، لكنها خالية من أي شفافية فعلية.
هذا النمط ليس جديداً. ما حدث في هايتي بعد زلزال 2010، قدّم مثالاً واضحاً على كيف يسمح ضعف الإطار القانوني بتجميع مئات الملايين دون أثر ملموس. غير أنّ الحالة السورية تبدو أكثر هشاشةً، لأنّ المجتمع نفسه لا يمتلك أدوات أو مؤسسات يمكنها مساءلة هذه الكيانات أو مراجعة أدائها.
وانطلاقاً من هذا الخلل البنيوي، يوضح جودة، أنّ إدارة أيّ أموال عامة أو تبرّعات تتطلب، في الحد الأدنى، ثلاث ركائز: وجود كيان قانوني مرخص، حسابات مالية منفصلة عن الأنشطة الأخرى، وتدقيق دوري يصدر عن جهة مستقلة. وبرغم أنّ “قانون الجمعيات” يضع هذه المبادئ بوضوح، إلا أنه يبقى إطاراً عاماً لا يشمل الحملات الكبرى التي تعمل ضمن “الإطار الخاص” للصندوق. فالصندوق ذاته لا ينشر موازناته ولا يخضع لتقارير مراجعة مُعلنة، ما يجعل إدارة التبرعات قانونيةً شكلاً ولكن ناقصة جوهرياً.
وتؤكد التجارب المقارنة أنّ هذا النمط من الإدارة ينتج اقتصاداً موازياً غير قابل للرقابة، بحسبه. ففي العراق، على سبيل المثال، ضاعت مليارات الإعمار برغم وجود قوانين صارمة، فقط لأنّ الرقابة كانت غائبة. وفي سوريا، يتكرر المشهد بصورة مصغّرة: إدارة تبدو نظاميةً من الخارج، لكنها بلا شفافية حقيقية.
ومن وجهة نظر جودة، يتعمّق الخلل أكثر عند النظر إلى غياب الإطار القانوني الناظم للنشر والإفصاح، إذ يصبح التدقيق مستحيلاً عملياً، حتى لو كانت عملية جمع التبرعات قانونيةً من حيث الشكل. وتجارب مثل لبنان بعد الحرب الأهلية تؤكد النتيجة ذاتها: عندما تُحجب البيانات عن الجمهور، تتحول التبرعات إلى مساحة مثالية للاستخدام السياسي أو الريعي، دون أي قدرة على المساءلة أو التحقق.
وفي السياق نفسه، ومع غياب النشر العلني وتلاشي أدوات التدقيق، تمتدّ آثار الخلل إلى المجال الاجتماعي كله. فبينما يتوسّع نفوذ المال السياسي والاقتصاد غير الرسمي، يبقى المواطن العادي، المؤشّر الأصدق على ما يجري خلف الأرقام. فردود الفعل الشعبية تعكس فجوة ثقة متراكمة خلّفها حجب المعلومات لسنوات طويلة. وعندما يُعلَن عن مئات الملايين دون شرح لمساراتها أو الجهات التي تديرها، يصبح الشكّ موقفاً عقلانياً لا انفعالاً، في بلد اعتاد أهله أنّ ما يُخفى أهم مما يُعلن. وهكذا تُقرأ موجة التبرعات اليوم: لا كعلامة تعافٍ، بل كمرآة لاختلالات المرحلة وأسئلتها المؤجَّلة.
أزمة الثقة
يمثّل التشكيك الشعبي الواسع تجاه حملات التبرعات التي كشفت عن ثروات ضخمة ومفاجئة، إحدى النتائج المركزية التي تكشفها المعطيات الواردة في هذا التقرير. فهذه الظاهرة، التي تناولها الخبراء اقتصادياً وسياسياً وقانونياً، تنعكس اجتماعياً على شكل أزمة ثقة عميقة ببنية توليد الثروة وبالفاعلين في مرحلة التحوّل.
هنا يوضح العلبي، أنّ غياب الشفافية المالية يضعف تلقائياً ثقة المجتمع بهذه الحملات، ويحوّل التبرّعات إلى فضاء رخو وغير مستقر. ويرى أنّ ردود الفعل الشعبية المتشككة ليست انفعالات عاطفيةً، بل استجابة عقلانية لبيئة معلومات غير متكافئة: مواطن بدخل محدود يشاهد أرقاماً خياليةً تُعلَن بلا أي مسار واضح لتوليدها. يترجم ذلك في السلوك الاقتصادي اليومي: تفضيل الادّخار على الاستثمار، التوجه نحو الهجرة، والعزوف عن المبادرات الجماعية، وهي مؤشرات تقوّض أيّ محاولة لإعادة البناء على أساس داخلي.
ويشدّد الكريم على أنّ “حملة التبرعات الأخيرة أظهرت فجوةً حقيقيةً بين المجتمع وهذه المبادرات”. فالقضية، كما يقول، ليست اقتصاديةً فقط، بل تتعلق بيقين شعبي بأنّ الأموال لا تُوجَّه نحو التنمية أو بناء الدولة، بل تُستخدم لتعزيز نفوذ الطبقة الحاكمة، ومشاركة شخصيات مرتبطة بالسلطة أو باقتصاد الحرب في الحملة زادت شكوك الناس ومنحتها شرعيةً اجتماعية.
تبرز الفجوة بحدّة، في شهادة أبي أحمد (اسم مستعار من حماة)، الذي يبيع أحياناً أثاثاً من منزله لتأمين أساسيات عيشه، بينما يسمع عن تبرّعات بملايين الدولارات من شخصيات مثل والد “أبو عمشة”، والأخير عُيّن قائداً لـ”الفرقة 25” التابعة للجيش السوري الجديد، ويملك سجلّاً حافلاً بالانتهاكات والسطو على موارد المدنيين.
يشير أبو أحمد في حديثه إلى رصيف22، إلى مفارقة تتمثّل في أنّ هذه العائلات كانت تعيش في ظروف مادية مشابهة لعموم الناس قبل الحرب.
الأمثلة لا تتوقف عند “أبو عمشة”: أسماء أخرى مثل الداعية العرعور، الذي أعلن عن تبرّع بمليارات، تجعل السؤال الشعبي مشروعاً: من أين جاءت هذه الثروات؟ ولماذا الآن؟ يخلص أبو أحمد إلى أنّ ما يحدث ليس كرماً، بل “محاولة لتبييض الشيك الأسود”.ٍ
هذه القناعة الشعبية، وفقاً لجودة، لا يمكن تفكيكها في ظل غياب الشفافية القانونية التي تعرقل المساءلة.
وفي ظلّ هذا الانفصال المزمن بين القانون وممكناته، تتخذ حملات التبرّع طابعاً استعراضياً أكثر منه اقتصادياً، لتتكشّف عند مقارنتها بالمعطيات الفعلية هشاشة الواقع الذي يُفترض أن تعالجه.
عمق الأزمة
تبرز الهوّة الصارخة بين الأرقام المعلنة في حملات التبرع وبين الواقع الاقتصادي المتهالك الذي يعيشه السوريون اليوم، إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أنّ نحو 90% من السكان باتوا تحت خط الفقر في عام 2025، بينما يقدّر البنك الدولي أنّ 27% منهم يعيشون في فقر مدقع، أي ما يقارب 5.7 ملايين شخص. وتؤكد المؤسسة السورية للدراسات والأبحاث (SCPR)، في تقريرها لعام 2024، اتّساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة إلى حدّ جعل الدخل الشهري عاجزاً عن تغطية الحد الأدنى.
في هذا المناخ الذي تُختبر فيه هشاشة الحياة اليومية، تبدو إعلانات التبرّعات اليوم بمئات الملايين أشبه بصدمة جماعية، لا من حيث حجمها فحسب، بل من حيث تعارضها الجذري مع بنية اقتصاد محلي لا ينتج بطبيعته هذا النوع من الثروة. فالمبالغ المعلنة ـالتي بلغ مجموعها المتداول نحو 601 مليون دولار عبر الحملات المختلفة في شتى المحافظات السورية والتي لا تزال مستمرةًـ تتجاوز في واقع الأمر حجم السيولة المتوافرة في السوق المحلية، وفق تقديرات اقتصادية داخلية، ما يجعل السؤال الأكثر إلحاحاً: من أين يأتي هذا المال؟ إذ يصعب تفسيره ضمن اقتصاد منخفض الإنتاج، شبه مشلول صناعياً، ويعاني شحّاً في الاستثمار بعد أربعة عشر عاماً من الحرب.
لفهم هذا التناقض، لا بد من تذكُّر السياق التاريخي لظهور طبقة “الأثرياء الجدد” التي تشكّلت منذ 2012، في كلٍّ من مناطق سيطرة المعارضة والنظام السوري السابق، من رحم اقتصاد الحرب القائم على الريع والعنف. فالثروات التي راكمتها هذه الشبكات لم تتولد من نشاط اقتصادي طبيعي، بل من مسارات موازية جرى توثيقها في دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية مثل مركز “كارنيغي للشرق الأوسط”، والمعهد الألماني للشؤون الدولية (SWP).
تحاول هذه الفئات في الوقت الراهن، إعادة إنتاج نفسها في صورة “رعاة خير” من خلال حملات التبرعات الضخمة، بما يشبه عملية تبييض لثروة الحرب وتأسيس رأس مال رمزي جديد يتيح لها البقاء في المشهد العام.
وهكذا، يغدو مشهد التبرّعات ليس مجرد تدفّق مالي غير متوقع، بل مرآة دقيقة تُظهر التعايش القاسي بين ثروات تراكمت في الظل وفقر واسع يطحن غالبية السكان، في مفارقة تلخص عمق الأزمة البنيوية التي يواجهها المجتمع السوري اليوم.
شهادات الخبراء الثلاثة، يونس الكريم، محمد العلبي، وأنس جودة، تكشف عن جوهر واحد للمشكلة: تبرّعات ضخمة تتحرك داخل فراغ مؤسسي يسمح بتسييسها أكثر مما يتيح توظيفها اقتصادياً. وإلى جانب هذا الاستخدام السياسي، برز بُعدٌ ديني-أيديولوجي يحمّل هذه الحملات وظيفةً أخرى تتجاوز الإغاثة، في اتجاه تعزيز نفوذ عقائدي موازٍ للنفوذ المالي والسياسي. بهذا تتعقّد الصورة أكثر، ويزداد القلق من تحوّل التبرعات إلى أدوات تشكيل القوة بدل أن تكون رافعةً اقتصاديةً واجتماعيةً، فيما يُترك المجتمع وحده لمهمة طرح الأسئلة ورصد المسارات الغامضة لهذه الأموال.
وبهذا، تبدو موجة التبرّعات أقرب إلى مرآة تُظهر خلل البنية أكثر مما تعكس قوة المجتمع، إذ تكشف هشاشة المؤسسات وغياب المساءلة، وتترك الأسئلة معلّقةً حول الجهة التي تُراكم النفوذ فعلاً.
في النهاية، ما لم يُستعَد إطار واضح للشفافية والرقابة، ستظلّ هذه التبرعات تملأ الفراغ نفسه الذي أنتج الأزمة، بدل أن تكون مدخلاً لحلّها.
رصيف 22
—————————–
ملف الكهرباء في سوريا.. متى تتحول “خطط الطوارئ” إلى واقع مستقر؟/ وفاء عبيدو
2025.12.16
بعد سقوط النظام لم تكن الكهرباء مجرّد خدمة عامة يُعاد تشغيلها، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر الوعود التصاقا بحياة السوريين اليومية، وإلى اختبار مبكر لقدرة الحكومة الجديدة على إحداث فرق ملموس في تفاصيل العيش.
فسنوات طويلة من التقنين القاسي والانقطاع شبه الدائم، جعلت من التيار الكهربائي حلما مؤجّلا، تُقاس به جدّية أي وعود حكومية لتحسين الواقع المعيشي والاقتصادي.
وفي الأسابيع الأولى التي تلت التحرير، بدا المشهد مختلفا نسبيا؛ ساعات التغذية الكهربائية ارتفعت، التقنين خفّ حدّته في عدد من أحياء دمشق وريفها، وعاد الأمل تدريجيًا إلى البيوت التي اعتادت العتمة، ترافق هذا التحسّن مع خطاب رسمي يتحدّث عن خطط طوارئ، وإصلاحات في قطاع الطاقة، وقرارات برفع تعرفة الكهرباء باعتبارها خطوة “ضرورية” لضمان الاستدامة وتحسين الخدمة.
لكن هذا التحسّن لم يدم طويلًا فقبل أيام قليلة من ذكرى التحرير، عاد التيار الكهربائي ليتراجع بشكل ملحوظ في عدة أحياء من دمشق وريفها، لتعود معها ساعات الانقطاع الطويلة.
وتتصاعد شكاوى السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة مربكة؛ تعرفة أعلى ووعود مستمرة مقابل خدمة غير مستقرة تعيد إنتاج مشهد الكهرباء ما قبل التحرير، وإن بوجوه مختلفة.
وبين الوعود الحكومية وواقع الشبكة المتهالكة، وبين الحديث عن إصلاحات بنيوية والضغط المتزايد على المواطنين، يفتح ملف الكهرباء في سوريا بعد سقوط النظام أسئلة جوهرية حول إدارة المؤسسات، وحدود الممكن في بلد أنهكته الحرب، وما إذا كان التحسّن الذي شهده السوريون مجرّد هدنة مؤقتة، أم خطوة أولى تعثّرت قبل أن تكتمل.
الكهرباء ساعة وصل مقابل ساعات انتظار
من قلب الأحياء السكنية في دمشق، تبدو صورة الكهرباء اليوم أقرب إلى حالة من الترقب والارتباك، حيث لا جدول واضح ولا مؤشرات ثابتة على تحسن مستدام.
ناتالي وهي من سكان مساكن برزة، أوضحت في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن واقع الكهرباء في منطقتها شهد تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن التغذية باتت تصل بمعدل ساعة واحدة كل ست ساعات “إذا جاءت أصلًا”، على حد تعبيرها.
وتضيف قاىلة “بررنا هذا التراجع بالضغط الحاصل على الشبكة الكهربائية نتيجة التحضيرات لاحتفالية ذكرى التحرير”، إلا أن الوضع بحسب ناتالي ما يزال يسير بالوتيرة نفسها حتى اليوم من دون أي تحسن ملموس.
وتلفت ناتالي إلى أن المشكلة لا تقتصر على قلة ساعات التغذية، بل تمتد إلى غياب أي توقيت واضح أو جدول ثابت، إذ تتبدل ساعات الوصل والقطع بين أربع ساعات وساعة واحدة أو أكثر أو أقل، بشكل عشوائي يربك تفاصيل الحياة اليومية للسكان، وقالت “والله احترنا ما عاد في وقت معروف، وما عم نعرف إذا الوضع عم يتحسن أو رجع مثل قبل”.
وتتابع حديثها بنبرة تحمل قدرًا من القلق والتساؤل، متوقفة عند قرار رفع تعرفة الكهرباء الذي روج له على أنه خطوة لتحسين الخدمة، مضيفةً “قالوا زادوا التكلفة لتتحسن الكهرباء، أول كم يوم صار الوضع منيح بعدين رجع”.
وتختم ناتالي بالتحذير من أن العودة إلى أنماط الإدارة السابقة في التعامل مع ملفات المواطن والحياة المعيشية قد تعني إعادة إنتاج مشكلات عدة للمواطن، حتى بعد كل الوعود التي أُطلقت مع مرحلة ما بعد السقوط.
ساعة وصل لا تكفي.. انقطاع الكهرباء يفتح أزمة مياه
في أحد أحياء المزة لا يقاس انقطاع الكهرباء بعدد الساعات فقط، بل بما يخلفه من أزمات متداخلة تمس أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها المياه.
عائدة وهي من سكان الحي تقول لموقع تلفزيون سوريا إن الكهرباء باتت تأتي إلى منزلها بمعدل ساعة واحدة كل ست ساعات، وهو واقع بدأ قبل أيام قليلة من ذكرى التحرير، بعد فترة كانت فيها التغذية أفضل نسبيًا وأكثر انتظامًا.
وتوضح أن هذا التراجع انعكس مباشرة على توفر المياه، إذ غالبًا ما تصل في أوقات يكون فيها التيار الكهربائي مقطوعًا، ما يحول دون ضخها وتخزينها، ويضعها أمام مشكلة مزدوجة يصعب التعامل معها.
وتضيف عائدة “يعني من وين بدنا نلاقيها؟ كهرباء مقطوعة ومياه ما عم نقدر نعبي لان بذات وقت قطع الكهربا ما صدّقنا قلنا الحمد لله الوضع عم يتحسّن، بس المعاناة مابتخلص”.
وتشير إلى تضارب التبريرات التي تقدم للسكان، بين ضغط على الشبكة أو ظروف الطقس أو أسباب غير واضحة، مؤكدة أن السؤال الأبرز يبقى لماذا تراجع الوضع فجأة بعد الحديث المتكرر عن تحسن ملموس في الخدمة؟.
وفي الوقت الذي تتراكم فيه هذه الشكاوى، تعلن الحكومة عن خطوات إصلاحية على مستوى قطاع الطاقة، فقد أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، توقيع الوثيقة النهائية لمشروع إصلاح خطوط الربط الكهربائي مع البنك الدولي، مؤكدًا أن التمويل سيكون على شكل منحة لا قرض، في خطوة تعد مؤشرًا على انفتاح تدريجي في علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية.
ويعد هذا المشروع الذي تبلغ قيمته 146 مليون دولار، من أبرز برامج إعادة تأهيل البنية التحتية الكهربائية، إذ يهدف إلى دعم جهود وزارة الطاقة في تحسين كفاءة الشبكة وزيادة قدرتها على تلبية الطلب، في بلد ما تزال شبكاته الكهربائية تعاني من أعطال وتآكل واسع النطاق.
وفي حين تراهن الجهات الرسمية على هذه المشاريع متوسطة وطويلة الأمد، ينتظر السكان حلولًا أقرب تعيد للكهرباء انتظامها، وتخفف من الأعباء اليومية التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الوعود.
من التحسّن المؤقت إلى الواقع اليومي
وفي أحياء دمشق القديمة حيث يفترض أن تكون الخدمات أكثر استقرارًا بحكم الكثافة السكانية والحيوية التجارية، لا يبدو واقع الكهرباء مختلفًا كثيرًا.
ضرار من سكان منطقة باب شرقي، قال في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن التيار الكهربائي في منطقته ينقطع لنحو ست ساعات متواصلة، مقابل ساعة أو ساعة ونصف فقط من التغذية، وغالبًا لا تكتمل حتى الساعتين.
موضحًا أن هذا النمط من التقنين بات شبه ثابت، ما يجعل التخطيط لأبسط شؤون الحياة اليومية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويضيف ضرار أن ما يجري في باب شرقي لا يعد استثناءً، مشيرًا إلى أن أصدقاءه في أحياء مختلفة داخل دمشق يؤكدون أنهم يواجهون الواقع نفسه، في حين تحظى مناطق أخرى بتغذية أفضل نسبيًا، تصل إلى أربع ساعات قطع مقابل ساعتين وصل، وقال “الظاهر إنو نفس الوضع بكل الشام، بس التفاوت بين المناطق عم يزيد الإحساس بعدم العدالة”.
ولا يخفي ضرار شعوره بخيبة الأمل معتبرًا أن التحسن الذي شهده التيار الكهربائي لفترة قصيرة لم يكن سوى “ومضة عابرة”، مضيفًا “ضحكوا علينا كم يوم، إجت الكهرباء منيحة وبعدين انتزعت، بس يلا منضل متفائلين لنشوف”.
ورغم تأكيده أن الأمل بالتغيير لا ينقطع، إلا أنه ينتقد بشدة غياب الأفعال الملموسة، متسائلًا عن جدوى الوعود المتكررة من دون نتائج حقيقية، وختم حديثه قائلاً “السلطة اللي بتقعد بمكان وتكتفي بالحكي عم تضحك على الناس مو معقول هيك، لازم يكون في فعل مو بس قول”.
وفي شهادة أخرى من دمشق قال عمار مغربية، وهو من سكان منطقة دمر، إن منطقته شهدت انقطاعًا شبه كامل للكهرباء منذ مساء أمس عند الساعة الخامسة، أي لما يقارب أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، وأضاف “ما عدنا نعرف إذا الوضع تحسّن أو ساء، إذا في عطل أو تقنين… الصورة مو واضحة”.
وأشار عمار إلى أن واقع الكهرباء في ريف دمشق لدى أقاربه يبدو أفضل نسبيًا مقارنة بالعاصمة، مؤكدًا أن التفاوت بين مناطق دمشق نفسها بات أكثر وضوحًا، مع وجود أحياء تشهد تقنينًا أشد قسوة من غيرها.
وبين تحسن مؤقت سرعان ما تراجع ووعود لم تترجم بعد إلى واقع ثابت، تبقى الكهرباء بالنسبة لسكان دمشق معيارًا يوميًا لصدق التغيير الموعود، وملفًا مفتوحًا على أسئلة أكبر من ساعات الوصل والقطع، بانتظار أفعال تُنهي زمن الوعود المؤجّلة.
“العدالة بتوزيع الكهرباء”
يختلف واقع التغذية الكهربائية من منطقة إلى أخرى داخل سوريا، سواء من حيث عدد ساعات الوصل أو انتظامها، إذ يعكس هذا التفاوت تباينًا في ظروف الشبكة الكهربائية بين المحافظات، ويشكّل أحد أبرز ملامح المشهد الحالي للقطاع.
في حلب حي الأعظمية، أوضح جودت لموقع تلفزيون سوريا أن الكهرباء حتى بعد التحرير تصل إلى منطقته بمعدل ساعة واحدة فقط خلال اليوم، مشيرًا إلى أن الأحياء الشعبية تعاني من إهمال واضح في الصيانة والاستجابة للأعطال، وأضاف أن أي خلل في الشبكة قد يُترك لأيام من دون معالجة، مستشهدًا بمنزل جده الذي لم يحصل على كهرباء نظامية منذ ثلاثة أيام متواصلة.
أما في إدلب، فقد قال حذيفة إن واقع الكهرباء شهد تراجعًا حادًا بعد أن كان أفضل بكثير، موضحًا أن التيار كان يصل سابقًا على مدار اليوم تقريبًا، قبل أن يتحوّل اليوم إلى تقنين قاسٍ، وقال “كانت الكهربا تجي 24 ساعة، أما هلق صارت ساعتين الصبح، وساعتين العصر، وساعتين بنص الليل وعم نعاني كتير منها”.
في المقابل تبدو الصورة مختلفة في طرطوس، حيث أشار يزن إلى أن وضع الكهرباء في منطقته يُعد جيدًا مقارنة بمناطق أخرى، موضحًا أن التيار يصل عادةً من نحو التاسعة أو العاشرة مساءً وحتى العاشرة صباحًا، ما يوفّر ساعات وصل طويلة ومستقرة نسبيًا.
وفي درعا، يصف حازم واقع الكهرباء بإيجابية لافتة، قائلًا “الحمد لله عنا الكهربا جيدة جدًا، ما منحس إنها قطعت، الوضع صار أحسن وملحوظ”، في شهادة تعكس تحسّنًا واضحًا في التغذية الكهربائية مقارنة بمراحل سابقة.
يعكس هذا التفاوت الحاد بين المحافظات والمناطق تساؤلات متزايدة حول معايير توزيع الكهرباء، وأولويات إدارة الشبكة، وقدرة المؤسسات المعنية على تحقيق حدٍّ أدنى من العدالة الخدمية، في مرحلة يُفترض أن تُبنى فيها الثقة على أساس المساواة والاستجابة السريعة لاحتياجات الناس.
وزارة الطاقة توضح
وفي ردها على التساؤلات المتزايدة حول أسباب تراجع التغذية الكهربائية والتفاوت بين المناطق، قدّمت وزارة الطاقة توضيحاتها.
عبد الحميد سلات مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، أوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن منظومة الكهرباء تمر حاليًا بمرحلة انتقالية حساسة ضمن خطة إصلاح شاملة، تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرّضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن التحسن النسبي الذي سجل عقب التحرير كان نتيجة عودة عدد من مجموعات التوليد إلى الخدمة بشكل إسعافي، إلا أن استمرار التشغيل أظهر الحاجة الملحة لإجراء أعمال صيانة عميقة وإصلاحات جذرية في بعض المحطات والمولدات وشبكات النقل.
وأضاف سلات أن هذه الأعمال الفنية استدعت إيقاف بعض الوحدات مؤقتًا لإعادة تأهيلها أو استبدال تجهيزاتها، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ساعات التغذية الكهربائية في عدد من المناطق، لافتًا إلى أن الزيادة الكبيرة في الأحمال، نتيجة عودة السكان والنشاط الاقتصادي، ولا سيما في دمشق وريفها وعدة محافظات أخرى فرضت ضغطًا إضافيًا على الشبكة، في وقت ما تزال فيه القدرة الإنتاجية أقل من حجم الطلب الفعلي.
وأكد سلات أن هذا التراجع في التغذية يعد مؤقتًا، ومتصلاً بإجراءات فنية ضرورية تهدف إلى ضمان عودة التيار الكهربائي بشكل أكثر استقرارًا واستدامة خلال المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بالتفاوت في ساعات التغذية بين المناطق، أوضح أن وزارة الطاقة تعتمد في توزيع الكهرباء على معايير فنية وتشغيلية بحتة، في مقدمتها جاهزية الشبكات والمحطات في كل منطقة، والقدرة الاستيعابية لخطوط النقل والتحويل، ومستوى الأعطال وحجم الضرر في البنية التحتية، إضافة إلى طبيعة الأحمال الحيوية، مثل المشافي، ومحطات المياه، والأفران، والمرافق الخدمية الأساسية.
مبينًا أن اختلاف واقع الشبكات الكهربائية من منطقة إلى أخرى هو السبب الرئيسي وراء تفاوت ساعات التغذية، إذ لا تزال بعض المناطق تعاني من أضرار كبيرة في محطات التحويل وخطوط النقل، ما يحد من قدرتها على تحمّل فترات وصل أطول، في حين تتمتع مناطق أخرى بشبكات أكثر جاهزية تسمح بتغذية أفضل نسبيًا.
أما في دمشق وريفها فأشار سلات إلى أن الكثافة السكانية العالية وحجم الاستهلاك الكبير يفرضان ضغطًا مضاعفًا على الشبكة، ما يستدعي أحيانًا اعتماد برامج تقنين مختلفة للحفاظ على استقرار المنظومة ومنع حدوث أعطال واسعة النطاق.
وختم سلات بالتأكيد على أن الوزارة تسعى إلى تحقيق عدالة تدريجية في توزيع الكهرباء قدر الإمكان، بالتوازي مع استمرار أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، بما يضمن تحسنًا متوازنًا في مختلف المحافظات خلال المرحلة المقبلة.
تلفزيون سوريا
—————————-
سوريا.. نحو “عدالة انتقالية اقتصادية”؟/ مازن الشاهين
العدالة الاقتصادية ومحاربة شبكات الفساد… نحو “عدالة انتقالية اقتصادية”؟
2025-12-17
في المجتمعات التي تمرّ بصراعات أو أزمات اقتصادية طويلة، لا يكون الفساد مجرد خلل إداري أو استغلال نفوذ، بل يتحوّل إلى نظام موازٍ تحكمه شبكات متداخلة، من رجال أعمال مرتبطين بالسلطة، ومؤسسات اقتصادية تموّل ميليشيات أمنية أو عسكرية، وشبكات احتكار وإتاوات، ومنظومات مالية غير رسمية. وعلى مدى سنوات طويلة، بقيت العدالة الانتقالية مفهوماً مرتبطاً بانتهاكات حقوق الإنسان والحروب وتصفية آثار النزاعات، غير أن العالم بدأ يرى شكلاً جديداً من العدالة يفرض نفسه بقوة على الدول الخارجة من الأزمات، وهي “العدالة الاقتصادية”. فالفساد لم يعد مجرد سلوك فردي، بل منظومة متجذّرة تُنتج ظلماً بنيوياً يسرق التنمية ويعمّق الفقر، وهو ما دفع اقتصاديين للتساؤل: هل نحتاج إلى “عدالة انتقالية اقتصادية” لكشف الحقيقة الاقتصادية، ومحاسبة الفاسدين، واسترداد المال العام، وإصلاح المؤسسات، كما حدث في تجارب العدالة الانتقالية التقليدية؟ وإذا كانت العدالة الانتقالية ضرورة للمصالحة السياسية والاجتماعية بعد النزاعات، فهل نحتاج إلى “عدالة اقتصادية انتقالية” لمعالجة الضرر الاقتصادي المتراكم، وضمان مستقبل عادل للأجيال القادمة؟
وماذا عن تجربة جنوب أفريقيا التي قدّمت نموذج “الحقيقة مقابل الاعتراف”، والذي يمكن تطبيقه اقتصادياً عبر السماح لكبار الفاسدين بالكشف عن ثرواتهم مقابل تسويات مالية؟
خبراء اقتصاد وقانونيون يلفتون إلى أن الفساد لا يقتصر تأثيره على الخسائر المالية المباشرة، بل يخلق اقتصاداً موازياً مفضَّلاً للمقرّبين، يحظى بامتيازات غير مستحقة، ويؤكدون أن غياب عدالة اقتصادية انتقالية حقيقية يقوّض أي إصلاح سياسي، لأن المواطنين الذين لا يرون تغييراً ملموساً في مستوى معيشتهم لن يثقوا في الخطاب الرسمي عن “محاربة الفساد”.
من العدالة الانتقالية إلى العدالة الاقتصادية:
تأسست العدالة الانتقالية كمنظومة قانونية وأخلاقية لتضميد جراح المجتمعات بعد الصراعات، عبر المساءلة والاعتراف والتعويض. لكن ماذا لو طُبّق المنهج ذاته في المجال الاقتصادي؟
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور علي الرشيد: في هذه الحالة، لا يعود الفاسد مجرد مخالف للقانون، بل منتهكاً لحق جماعي في التنمية، وتصبح محاربة الفساد عملية مصالحة مجتمعية واقتصادية، تهدف إلى استرداد الثروات المنهوبة، وإصلاح المؤسسات المالية، وإعادة توزيع الفرص بشكل عادل. ويضيف أن تحقيق العدالة الاقتصادية يبدأ حين يعتبر المجتمع الفساد ظاهرة منظَّمة لا فردية، تتطلب تفكيراً شبيهاً بلجان العدالة الانتقالية.
ويرى الرشيد، في تصريح لـ”963+”، أنه إذا كانت العدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم التكرار، فإن تطبيق منطق مشابه في الاقتصاد يعني طرح أسئلة جوهرية: من استفاد من المال العام؟ من استحوذ على الدعم والمناقصات؟ ما حجم الثروات التي تكوّنت عبر نفوذ سياسي غير مشروع؟ وهذا يتطلّب تشكيل لجان حقيقة اقتصادية تراجع العقود والصفقات الكبرى، وتكشف للرأي العام كيف صُنعت الثروات، ومن نهب المال العام، وملاحقات قضائية لا تقف عند “كبش فداء صغير”، بل تصل إلى من اتخذ القرارات ووفّر الحماية السياسية لشبكات الفساد.
كما يتطلّب ذلك وضع آليات واضحة لاسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة توجيهها إلى مشاريع تنموية في المناطق الأكثر تهميشاً، باعتبار ذلك شكلاً من أشكال التعويض الجماعي، وإجراء إصلاح تشريعي ومؤسسي يضمن شفافية الصفقات وقابلية تتبع الإنفاق العام، لمنع إعادة إنتاج المنظومة نفسها. ويشمل ذلك إعادة هيكلة القطاع العام، لا عبر الخصخصة العشوائية، بل من خلال إلغاء الامتيازات غير المشروعة، وإصلاح الدعم، وكسر الاحتكارات، وإصلاح قطاع الطاقة.
ويؤكد الرشيد أن أي خارطة طريق نحو عدالة اقتصادية انتقالية يجب أن تمرّ بثلاث مراحل رئيسية: كشف الحقيقة الاقتصادية عبر تدقيق شامل في الصفقات العمومية والممتلكات المجهولة ومسارات الإنفاق العام، ثم المساءلة والمحاسبة بتفكيك شبكات النفوذ التي تحمي الفساد، وأخيراً إعادة الثقة والتعويض عبر سياسات شفافية مالية، وإصلاح النظام الضريبي، وتمكين الفئات المحرومة. فالعدالة الاقتصادية ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل مشروع وطني لإعادة توزيع الكرامة والفرص. وحين يصبح استرداد المال العام فعلاً يعادل استرداد الذاكرة الوطنية، يمكن القول إننا دخلنا مرحلة العدالة الانتقالية الاقتصادية.
الفساد كعنف اقتصادي
يصف الدكتور عدنان السعدون، الخبير في الاقتصاد المؤسسي، الفساد في دول ما بعد الصراع بأنه شكل من أشكال العنف، فيقول: “نحن لا نتعامل مع فساد أفراد، بل مع نظام موازٍ يملك سلطة أكبر من الدولة أحياناً. لذلك، لا تكفي الأدوات التقليدية، بل نحن بحاجة إلى منهجية تشبه العدالة الانتقالية”.
وفي تصريح لـ”963+”، يضيف السعدون: البداية يجب أن تكون بكشف الحقيقة الاقتصادية: من راكم الثروات؟ ومن حصل على الامتيازات؟ وكيف انهارت المؤسسات؟ ففي عالم تتشابك فيه السلطة بالمال، تتحول فيه الأزمات إلى فرص للإثراء السريع، يصبح السؤال ملحّاً: هل يمكن لأي دولة أن تنهض دون عدالة اقتصادية؟ وهل يكفي إسقاط “الفاسدين الصغار” بينما تبقى الشبكات الكبرى محمية؟
ويشير إلى أن الفساد غالباً ما يكون عابراً للحدود، ولا يمكن تفكيكه دون متابعة الحسابات السرية في الخارج، والتعاون الدولي وتبادل المعلومات المالية. فالعدالة الاقتصادية هنا ليست مجرد إصلاح، بل تأسيس لعقد اجتماعي جديد، لأن الفساد لا يسرق المال فقط، بل يقوّض الثقة ويمنع تكافؤ الفرص ويقتل الأمل في التعافي الاقتصادي.
هل العدالة الانتقالية الاقتصادية ضرورة للسلم الأهلي؟
تقدّم الدكتورة مها الخولي، الباحثة في الاقتصاد السياسي، شرحاً واضحاً بالقول إن الفساد يخلق ظلماً طبقياً لا يقل خطورة عن انتهاك الحقوق، إذ يمنح فئة محدودة احتكار السوق، ويغلق الأبواب أمام آلاف الشباب. وتشدد على ضرورة عدم تسييس العملية، لأن تحويل مكافحة الفساد إلى انتقام سياسي يُجهض العدالة قبل أن تبدأ. كما تؤكد أن المستثمر الجاد لا يدخل سوقاً تحكمه الرشاوى والوساطات، وأن نجاح العدالة الاقتصادية يُقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات النظيفة.
وتوضح الخولي، في تصريح لـ”963+”, أن تفكيك شبكات الفساد يؤدي إلى عودة الإنتاج، وتحسن العملة، وارتفاع القدرة الشرائية، فالعدالة الاقتصادية شرط للنمو لا ميزة إضافية. وتضيف أن استرداد الأموال المنهوبة لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل عبر تسويات مالية مقابل الإفصاح الكامل عن مصادر الثروة، وهو نهج استردت عبره دول كثيرة مليارات الدولارات.
البعد الاجتماعي.. العدالة الاقتصادية ضرورة إنسانية:
تربط الدكتورة سهام العبود، الخبيرة في الاقتصاد الاجتماعي، بين الفساد والفقر بشكل مباشر، معتبرة أن الفساد جريمة بحق الفقراء، إذ تُنهب الأموال فتنقص التجهيزات عن المدارس، والأدوية عن المشافي، والصيانة عن الطرق. وتؤكد أن الأموال المستردّة يجب أن تُوجَّه لتحسين الخدمات العامة ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وترى العبود، في تصريح لـ”963+”، أن العدالة الاقتصادية شرط جوهري لإعادة بناء الدول بعد الأزمات، وأنها ليست قانوناً فقط، بل إرادة سياسية، ودعماً شعبياً، وإعلاماً حراً، ومؤسسات مستقلة. وإذا كانت العدالة الانتقالية قد داوت جراح الحروب، فإن العدالة الاقتصادية تعالج جراح الفساد والفقر.
وتضع العبود أدوات عملية لتحقيق “عدالة اقتصادية انتقالية”، أبرزها: تشكيل هيئة مستقلة لكشف الثروات المشبوهة، وإقرار تصريح ذمة مالية شامل وعلني، وتأسيس محاكم مالية خاصة، وإنشاء صندوق سيادي للتعويضات الاقتصادية يموَّل من الأموال المستردّة وغرامات الفساد والدعم الدولي، ويُصرف في دعم المشاريع وفرص العمل والخدمات الأساسية.
وتختم بالقول: إن الدول التي تفتح دفاتر الحقيقة وتكسر الاحتكارات وتسترد الأموال، تعيد كتابة تاريخها بيديها، أما الدول التي تؤجّل العدالة، فستواجه انهيارات قاسية، لأن الفساد الذي لا يُحاسَب يتكاثر، والظلم الاقتصادي إذا تُرك بلا علاج يتحوّل إلى نار تأكل كل شيء. فالعدالة الانتقالية الاقتصادية ليست خياراً إصلاحياً، بل خيار وجودي، فإما أن تُبنى الدول على أساس العدالة، أو تبقى معلّقة بلا مستقبل.
+963
———————————–
انفراج المعابر لم ينعكس على المستهلك السوري
دمشق – هناء غانم
الخميس 2025/12/18
تشهد المعابر التجارية السورية المحررة زيادة واضحة في حركة الشاحنات، في مؤشر على بدء استعادة جزء من النشاط التجاري الذي تراجع لسنوات.
وترافق ذلك مع تراجع ملموس في تكاليف الاستيراد وتحسن في البيئة اللوجستية، إلا أن هذه التطورات لم تنعكس بشكل كامل على أسعار السلع ضمن أسواق التجزئة، وفق ما تظهره جولات ميدانية وآراء مختصين.
شفافية سعرية
من غرفة تجارة دمشق، يؤكد رجل الأعمال محمد الحلاق في حديثه إلى “المدن” أن فتح المعابر وإلغاء الرسوم الموازية أسهما في جعل التكاليف أكثر وضوحًا، مشيرًا إلى أن الرسوم الجمركية تحتسب اليوم على أساس الوزن بدل القيمة، ما أدى إلى انخفاض يتجاوز 30 في المئة في تكلفة استيراد عدد من المواد.
وأوضح الحلاق أن تراجع أسعار المازوت وتحسن انسيابية الطرق خفّضا بدورهما كلفة النقل، مضيفًا: إن المستورد بات لديه قدرة أعلى على توقع التكاليف، مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت تغيرات مفاجئة في الرسوم وإجراءات العبور.
انسيابية أعلى
الباحث والخبير في الشؤون السياسة والاقتصادية باسل كويفي يرى في حديثه مع “المدن” أن إلغاء الجمارك الموازية وتعزيز الرقابة الأمنية أسهما في تسريع عمليات العبور، لكن هذا التحسن لم ينتقل بعد إلى السوق، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل داخل المدن واحتفاظ بعض التجار بهوامش الربح.
وقد رصدت جولات ميدانية انخفاض أسعار الجملة، بينما بقيت أسعار التجزئة ثابتة، مع استمرار نظام البيع “على الدفتر” الذي يضيف 10-15 في المئة على الأسعار النهائية. ويشير خبراء إلى أن السوق الداخلية بحاجة إلى إجراءات لضبط حلقات التسعير وضمان وصول الانخفاض إلى المستهلك.
ويشير تجار جملة إلى وجود حركة أفضل في المعروض، إلا أن مستوى الطلب لا يزال محدودًا بسبب تراجع القدرة الشرائية، ما يعزز حالة الحذر في تسعير السلع.
المعابر غير الشرعية باقية
ولا تزال المعابر غير النظامية مع لبنان وتركيا تحديًا رئيسيًا، إذ تسمح بمرور سلع مدعومة وخروج بضائع مخالفة للمواصفات، ما يؤدي إلى خسائر جمركية ويزيد من تأثير اقتصاد الظل، وفق كويفي.
وتظهر الجولات الميدانية وجود حركة نشطة على بعض المسارات غير المنظمة، ما ينعكس اضطرابًا في تسعير مجموعة من السلع، خصوصًا تلك التي تتأثر بتفاوت تكاليف النقل والجمركة بين المسارات الرسمية وغير الرسمية.
بين المعبر ورفّ المتجر
وهنا يرى الحلاق أن تحسين أداء المعابر خطوة مهمة نحو استعادة استقرار سلاسل التوريد، لكن المرحلة الحالية تتطلب معالجة حلقات التسعير داخل السوق. معتبرًا أن غياب آلية واضحة تربط أسعار المعبر بأسعار البيع بالتجزئة هو السبب الرئيس في تأخر انعكاس الانخفاض.
من جهته يشير الخبير الاقتصادي كويفي إلى ضرورة تفعيل مجموعة من الإجراءات لضمان انتقال تأثير انخفاض التكلفة إلى المستهلك، أبرزها: مراجعة نظام التسعير في حلقات الجملة والتجزئة، وتعزيز الرقابة على هوامش الربح والأهم دعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على المواد المستوردة مؤكداً على ضبط المعابر غير النظامية وتوحيد الإجراءات الجمركية.
بالمحصلة نستطيع القول أن المؤشرات إيجابية لكنها تحتاج إلى منظومة مكتملة، وأنه على الرغم من التحسن الملحوظ في حركة المعابر وانخفاض تكاليف الاستيراد، يبقى الاقتصاد السوري في مرحلة انتقالية، حيث يعتمد نجاح الانفراج على ضبط المعابر غير النظامية، وتعزيز المنافسة، وتفعيل الرقابة على التسعير لضمان انتقال أثر الانخفاض من المعابر إلى رفوف الأسواق، وصولًا إلى المستهلك النهائي.
ما يبقى بانتظار اكتمال الحلقة، من خلال ضبط سلاسل التوريد وتعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، بما يسمح بتحويل الانفراج عند الحدود إلى أثر فعلي داخل الأسواق
——————————-
سوريا لتصدير 1.5 مليون طن من الفوسفات خلال عام 2026
دمشق: «الشرق الأوسط»
17 ديسمبر 2025 م
وقعت «المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية» في سوريا، الأربعاء، اتفاقية تعاون مع شركة «ترياق» التابعة لمجموعة «ALIXIR GROUP» الصربية، بحضور وزير الطاقة السوري محمد البشير.
وقالت المؤسسة، في بيان صحافي، إن الاتفاقية تنص على استثمار وتصدير نحو 1.5 مليون طن من الفوسفات خلال عام 2026، بما يُعزز دور قطاع الفوسفات في دعم الاقتصاد الوطني وفتح آفاق جديدة للتعاون مع الشركاء الدوليين.
وأشارت إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود المؤسسة لتطوير قطاع الثروة المعدنية، وتوسيع فرص الاستثمار، وتعزيز حضور سوريا في الأسواق العالمية عبر شراكات استراتيجية قائمة على الشفافية والجدوى الاقتصادية.
————————————
العدل السورية تحذر: عقوبات صارمة لمن يتعدى على الشبكة الكهربائية
2025.12.16
شدّدت وزارة العدل السورية على ضرورة إعطاء دعاوى التعدي على الشبكة الكهربائية الاهتمام اللازم، والعمل على فرض عقوبات رادعة بحق مرتكبيها بأسرع وقت ممكن، لمنع تكرار هذه الجرائم، حفاظاً على استمرارية هذا المرفق الحيوي والمهم.
وأكدت الوزارة في تعميم نشرته عبر معرفاتها الرسمية، اليوم الثلاثاء، أن على القضاة المعنيين التشدد في تطبيق أحكام القوانين النافذة، وفرض العقوبات الرادعة بما يحقق الردع العام، ويسهم في القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، مع الإسراع في حسم القضايا المرتبطة بها.
وزارة العدل
ونبهت الوزارة على ضرورة قيام إدارة التفتيش القضائي ورؤساء العدليات والمحامين العامين بمراقبة حسن تطبيق التعميم، وإعلام الوزارة بأي مخالفة قد تُسجّل.
تعرفة جديدة للكهرباء في سوريا
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الطاقة بدء تطبيق تعرفة كهربائية جديدة، موزعة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة، وذلك ضمن خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة.
كما أكدت الوزارة أن الحكومة تستعد لإطلاق خطة شاملة تشمل تعديل تعرفة الاستهلاك المنزلي وفق نظام الشرائح، مع إضافة شريحة خاصة بالمؤسسات الحكومية.
ووفق مصادر حكومية، فإن تعديل التعرفة يعتمد على نظام شرائح يهدف إلى دعم الفئات ذات الدخل المحدود، كما يلي:
الشريحة الأولى (ذوو الدخل المحدود): حتى 300 كيلواط شهرياً بسعر مدعوم، تتحمل الحكومة 60% من الكلفة، موجهة للأسر الفقيرة واحتياجاتها الأساسية، بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط.
الشريحة الثانية (أصحاب الدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة): أكثر من 300 كيلواط، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط.
الشريحة الثالثة (المعفون من التقنين): وتشمل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج الكهرباء على مدار الساعة، بسعر 1.700 ليرة سورية للكيلو واط.
الشريحة الرابعة (المعامل ذات الاستهلاك العالي): مثل معامل الصهر، بسعر 1.800 ليرة سورية للكيلو واط.
————————————
سوريا تبحث مع فرنسا والبنك الدولي تطوير قطاع الزراعة
بحثت سوريا، في اجتماعين منفصلين مع ممثلين عن فرنسا والبنك الدولي، سبل تطوير قطاع الزراعة الذي يواجه تحديات كبيرة.
وبحسب قناة “الإخبارية السورية” الرسمية، عقد وزير الزراعة أمجد بدر أمس الأربعاء اجتماعًا مع القائم بأعمال سفارة باريس في دمشق جان باتيست، ووفد من الوكالة الفرنسية للتنمية” إيه إف دي” (AFD)، لبحث سبل تطوير القطاع.
وخلال اللقاء، أشار بدر إلى أن القطاع الزراعي يواجه تحديات كبيرة في ظل محدودية الموارد وتضرر البنى التحتية، إضافة إلى التغيرات المناخية. ولفت إلى الحاجة الملحة لترشيد استخدام المياه، ودعم مشاريع الري الحديث، وتسوية التربة بالليزر، وأهمية التوجه نحو الزراعة الذكية، وفق ما نقلت القناة.
من جانبه، شدد القائم بأعمال السفارة الفرنسية على حرص بلاده على دعم القطاع الزراعي في سوريا عبر وضع إستراتيجيات تتوافق مع أولوياته. في حين أوضحت آن إيسامبير نائبة مدير الوكالة الفرنسية للتنمية في لبنان أن الوكالة تولي اهتمامًا خاصا بدعم قطاعات الزراعة، والعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة في إطار سياسة فرنسا للتنمية والتضامن الدولي.
كما شهد أمس الأربعاء مباحثات عبر تطبيق “زووم” بين الفريق الفني لوزارة الزراعة السورية والبنك الدولي، لبحث سبل وضع خطة لدعم أولويات تطوير القطاع، بحسب وكالة الأنباء السورية (سانا).
وركز الاجتماع الذي شارك فيه باسل السويدان نائب وزير الزراعة ومسؤولة القطاع الزراعي بالبنك الدولي إيزابيل ليو، على ضرورة إعادة تأهيل مشاتل ومعاصر الزيتون وتنمية زراعة الفستق الحلبي ومناقشة تحديات الثروة الحيوانية، إضافة إلى إدخال تقنيات الزراعة الذكية والمائية.
وأوضحت ليو أن العمل جارٍ حاليا على إعداد دراسات فنية لتحديد نقاط القوة والضعف لضمان استمرارية المشاريع وتوفير مدخلات الإنتاج. واتفق الجانبان على عقد اجتماعات فنية دورية للوصول إلى الصيغة النهائية لوثيقة المشروع التنفيذي، بما يسهم في جعل الزراعة قطاعًا محوريا يدعم إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.
وتأتي هذه المباحثات استكمالًا للقاء عقده الوزير بدر يوم 11 ديسمبر/كانون الأول الجاري مع وفد من البنك الدولي برئاسة المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط جان كريستوف كاريه، لبحث تعزيز التعاون المشترك وتحديد أولويات إستراتيجية للنهوض بقطاع الزراعة في البلاد.
المصدر: الصحافة السورية + وكالة الأناضول
—————————-
========================



