إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

سلاح وطائفية وشرعية في سورية الجديدة/ حسين عبد العزيز

23 ديسمبر 2025

تبدو العلاقة بين السلاح والطائفية والشرعية علاقة مترابطة ومحكمة اليوم في سورية: بات حمل السلاح بمثابة مدخل وحيد لفرض الامتثال السياسي لدى الآخر، وباتت الطائفية والإثنية عنواناً وحيداً للتعاضد الهُوياتي، وأصبحت الشرعية تُحَدد ذاتياً لا موضوعياً في سياق وطني.

لم يمض يومان على تحرير دمشق في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، حتى تم حل آخر حكومة للنظام السوري السابق برئاسة محمد الجلالي، وتشكيل حكومة جديدة من لون واحد (إسلامي) استمر نحو أربعة أشهر. خلال هذه الفترة عملت السلطة الجديدة بسرعة لفرض هيمنتها وشخوصها على مفاصل الدولة.

قبل ذلك، كانت “قوات سوريا الديمقراطية” قد حققت نجاحات عسكرية كبيرة مكنتها من السيطرة على مساحات واسعة في الشمال والشمال الشرقي من سورية، ما أنتج فيضاً من المشاعر القومية لم يعرفها الأكراد منذ عقود طويلة، وأنتج وعياً سياسياً لا يقبل إلا بإعادة ترتيب جديد للنظام السياسي في سورية.

على الخط نفسه ـ وإن بصورة أكثر عنفواناً وأقل قوة وتأثيراً، ظهرت مخاوف درزية منذ الأيام الأولى التي أعقبت تحرير دمشق من هُوية السلطة الجديدة، وعلى أثر ذلك رفض الدروز مطالبة السلطة بتسلم السلاح. وبعد أحداث يوليو/ تموز الماضي، نشأ وعي سياسي زائف (ميتا واقعي) لدى تيار درزي في السويداء، تراوح مطالبه بين الانفصال والحكم الذاتي، ونشأ معه نوع من التعاضد الهُوياتي.

في حالة قوات سوريا الديمقراطية أصبح تسليم السلاح من دون اتفاق سياسي ضامن كعملية انتحار جماعي، وفي حالة “الحرس الوطني” التابع للهجري ارتبط تسليم السلاح بمطالب سياسية غامضة، ما يظهر منها حتى الآن هو الاستمرار في القطيعة التامة مع دمشق على أمل الحصول إما على حكم ذاتي أو انفصال تام. إذاً، نحن أمام حالتين مختلفتين تمام الاختلاف: الأولى (قسد) تحتفظ بالسلاح لا من أجل فرض شرعية سياسية خاصة بها، وإنما من أجل فرض شروطها السياسية ـ الوطنية على العاصمة. أما الحالة الثانية، حالة الهجري، فهي تراوح بين حالة الحركات المسلحة الانفصالية التي لا تسلم بسلطة الدولة (سلطة الشرع) وتسعى إلى الانفصال، وبين حالة تهدف إلى تغيير نظام الحكم.

هكذا، أصبح السلاح عنواناً رئيساً للعمل السياسي كما هو حال السلطة التي فرضت تقعيداً معيناً للسياسة، وأصبح التعاضد ما قبل الوطني نواة الاتحاد الاجتماعي لدى جميع الأطراف، وأصبحت الشرعيات السياسية مختلفة ومتضادة: فريق (السلطة) يفسر طبيعة الأزمات بسبب وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة التي يُناط بها وحدها احتكار العنف، وفرقاء آخرون يرون سبب الأزمة في عملية تحييدهم عن المراكز السياسية، أو مطالبتهم بتقديم الامتثال السياسي للدولة، باعتبارها وحدها التي تمتلك صفة الشرعية.

أنتج هذا الوضع سرديات وشرعيات عدة: تنظر “الدولة” السورية إلى نفسها كصانعة للسلام، فيما الآخرون هم الذين يهدّدون هذا السلام والوئام الاجتماعي وفق رؤيتها.

مقاربة يتم قلبها عند الأطراف الأخرى التي ترى أن السلطة الجديدة هي التي تهدد السلام المجتمعي بمحاولتها فرض الهيمنة من طرف واحد، وما السلاح إلا الأداة الوحيدة الكفيلة بدفع الآخر للبحث عن حلول وسطى، أو الحيلولة دون قضاء طرف على آخر عسكرياً، كما هو الحال في بلدان عدة، أقربها لبنان والعراق. وفي مجتمع، كالمجتمع السوري، لا يُمكن فيه إجراء فصل بين ما هو سياسي وما هو هُوياتي، وتغيب فيه نخب حقيقية مؤمنة بقيام دولة المواطنة بغض النظر عن الانتماءات الأقوامية الفرعية، يُصبح الحل معقداً للغاية. وفي هذا الوضع، تزايد التطييف السياسي بشكل حاد، وباتت لغة “الأنا” مقابل “الآخر” من مفردات اللغة والسلوك اليومي، إما صراحةً أو بشكل مضمر وموارب.

تجارب تاريخية

يُخبرنا المنطق السياسي وتجارب التاريخ العديدة أن عملية توحيد السلاح ضمن مؤسسة الدولة لا يمر عبر المسار الأمني، وإنما عبر المسار السياسي، فدون التوصل إلى اتفاق يقيم نظاماً سياسياً تعددياً يُرضي الأطراف جميعاً، تصبح عملية نزع السلاح من الأطراف المحلية مقدمة للحكم الاستبدادي على مستوى الداخل، وللعنف العسكري على مستوى الخارج.

أتاح تدمير الرئيس العراقي صدام حسين الأسلحة الكيميائية الفرصة لشن هجوم عسكري أميركي عام 2003.

قبلت أوكرانيا ما بعد الاتحاد السوفييتي تدمير أسلحتها النووية، لكن هذه الخطوة جعلتها ضعيفة جدا أمام روسيا التي شنت حرباً عليها عام 2014 انتهت باقتطاع شبه جزيرة القرم من السيادة الأوكرانية.

في ليبيا عام 2003، ثم سورية عام 2013، تم تدمير السلاح الكيميائي في البلدين، وبذلك أصبح النظامان ضعيفين ولا يشكلان تهديداً عسكرياً، وأصبحت مسألة القضاء عليهما مسألة مرتبطة بمسار التطورات الإقليمية والدولية، أي مرتبطة بالظروف المناسبة.

على المستوى الداخلي، ثمّة أمثلة تاريخية عديدة، كان تسليم السلاح فيها سبباً في ارتكاب المجازر: في الهند عام 1857 اندلعت ثورة عارمة ضد السياسات المحلية لشركة الهند الشرقية، وبعد إخماد الثورة، أجبرت بريطانيا المتمردين على تسليم سلاحهم مقابل وعدهم بالحصول على حكم ذاتي. لكن بعد تسليم الثوار السلاح، لم تكتف بريطانيا بالتراجع عن وعودها فحسب، بل نقلت السيطرة على الهند من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني مباشرة، وحلت جيش البنغال ـ الأقوى بين الجيوش الهندية الثلاثة ـ فدخلت البلاد بعدها تحت الحكم المباشر لبريطانيا.

في تسعينيات القرن الماضي، وبعد اتفاقات جزئية لنزع سلاح بعض الفصائل الشيشانية المقاتلة ضد الجيش الروسي، ضعفت المقاومة الشيشانية، ما دفع موسكو إلى إنهاء المقاومة بالكامل، وتم قصف العاصمة غروزني. … في 1994 وبعد استسلام آلاف المدنيين من التوتسي لمليشيات الهوتو بعد وعود بالحماية لهم، تم الغدر بالتوتسي فنفذت مليشيات الهوتو إبادة جماعية بحق التوتسي أدت إلى مقتل 800 ألف شخص. وفي منتصف التسعينيات أيضا ارتكب جيش جمهورية صرب البوسنة إبادة جماعية ضد المسلمين البوشناق في سربرنيتسا بالبوسنة والهرسك. وفي 16 إبريل/ نيسان 1993، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 819، طالب فيه بأن “تعامل جميع الأطراف المعنية مدينة سربرنيتسا والمناطق المحيطة بها كمنطقة آمنة وجب أن تكون خالية من أي هجوم مسلح أو أي عمل عدائي آخر”. وبعد يومين، وصلت مجموعة من أفراد قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة إلى المدينة، وفي شهر مايو/ أيار تم التوصل إلى اتفاق لتجريد منطقة سربرينيتسا من السلاح، وافق على أثرها الجنرال سيفير خليلوفيتش والجنرال راتكو ملاديتش على تسليم القوات البوسنية أسلحتها وذخائرها إلى قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة، يعقبها فوراً سحب الأسلحة والوحدات الثقيلة الصربية من المنطقة. لكن في السادس من يوليو/ تموز 1995، شن الجيش الصربي هجوما على سربرنيتسا، ارتكبت فيه مذبحة وصفت بالإبادة الجماعية.

بعد وقفها إطلاق النار عام 2011، وإلقاء سلاحها بشكل أحادي عام 2017، أعلنت منظمة “إيتا” الباسكية الانفصالية في إسبانيا حل نفسها وإنهاء جميع أنشطتها الساعية للحصول على استقلال إقليم الباسك، شمالي إسبانيا. وفي عام 2018، وصلت منظمة “إيتا” الباسكية الانفصالية إلى نقطة تحول حاسمة، حيث أعلنت عن حلها النهائي وإنهاء جميع أنشطتها في مايو. كان الغرض من هذا التحول نقل الصراع من المستوى العسكري المؤلم إلى المستوى السياسي، لكن الحكومة الإسبانية رفضت أي خطوة إضافية نحو الحكم الذاتي، واستمرت في عملية اعتقال النشطاء. وكان تسليم منظمة “إيتا” سلاحها سبباً رئيساً في فقدانها أحد أهم أوراق القوة لديها، وبالتالي وضعها تحت رحمة الحكومة الإسبانية.

وفي ناميبيا مطلع الألفية الثانية، أدى نزع السلاح بدون اتفاق سياسي شامل إلى فراغ مؤسسي جزئي وعقبات في إعادة الإدماج الاقتصادي للمقاتلين. وفي جنوب أفريقيا ما بعد الأبارتهايد، لم يكن ثمة خوف من السلاح الموجود لدى البيض (أصحاب السلطة تاريخياً) ولا لدى “رمح الأمة”، الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي، لأنه جرى التوافق على إقامة نظام ديمقراطي ـ ليبرالي قائم على المواطنة انتهى بتوحيد السلاح في المؤسسة العسكرية وحدها.

لا تعني هذه الأمثلة بالضرورة أنها ستتكرر في الحالة السورية في حال سلمت “قوات سوريا الديمقراطية” و”الحرس الوطني” التابع للهجري، فخطاب السلطة في دمشق يتنافى مع هذه التجارب التاريخية، لكن السياسة والمصالح الجماعية لا تقوم على النوايا والضمانات، بقدر ما تقوم على الوقائع والاتفاقات الثنائية وتنفيذها التدريجي.

الحلول

بينت دراسات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن التوافق السياسي والأمني أصبح مطلباً أساسياً لتطبيق عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بدلا من أن يكون الأمر على العكس، أي أن عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج تتطلب توافقاً سياسياً في المقام الأول، وإحراز تقدم متزامن على جبهة التنمية الاقتصادية وسيادة القانون والعدالة الانتقالية.

في الحالة السورية، لا تنجُم التعقيدات من الأرض، أي من الواقع العسكري المعقد، وإنما تنجم من التنافر السياسي للنخب الفاعلة ذات السلطة، فالأمر لم يعد يتعلق في حالة “قسد” على سبيل المثال، بالكيفية التي ستجري فيها عملية الدمج العسكري، هل هي عملية دمج كامل في الجيش السوري ككيان عسكري قائم بذاته وإن كان تحت لواء الجيش، أم سيتم تفريق قوات “قسد” وتشتيتها داخل الجيش؟ أم هل سيتم اعتماد المقاربة الدولية التي تحمل اسم “الأمن الهجين”، وهي مقاربة تقوم على تصنيف القوى الفاعلة عسكرياً كجيوش تشكلت مناطقياً، على أن تكون مرتبطة بسلطات قيادية مركزية أو إقليمية، ما يؤدي في الواقع إلى إنشاء هيكل عسكري ثنائي؟

يمكن تجاوز هذه التفاصيل بسهولة، ويبدو أن الطرفين قطعا شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، ولهذا فالإشكال ليس عسكرياً، بل سياسياً، لأن “قسد” تربط التوافق العسكري بالتوافق السياسي على شكل الحكم، وهو أمر تُظهره خطابات السلطة في دمشق وسلوكها بأنه مستحيل التحقق في المدى المنظور.

هنا، ترتكب السلطة السورية خطأً استراتيجياً كبيراً حين تقوم بفصل المستوى السياسي عن المستوى العسكري في بلد يشهد انقساماً إثنياً وطائفياً حاداً، وهو خطأ يمتد أيضاً إلى الفصل بين السياسي والطائفي، بمعنى أنه لا يُمكن معالجة المخاوف الطائفية بمعزل عن السياسية، وبمعزل عن سياسة وطنية لا طائفية ما زالت مفقودة على الأرض، سواء على مستوى خطاب الجمهور العريض للسلطة الذي ما زال يستخدم عبارات طائفية، أو على مستوى الانفلات الأمني ـ المرتفع أحياناً والمنخفض أحياناً أخرى ـ تجاه الأقليات.

وفق المعطيات القائمة، تبدو عملية نزع السلاح هي الأقل أهمية مقارنة بالتطييف السياسي، ذلك أن السلاح في حالة “قسد” لم يشكل إلى الآن أي تهديد للوحدة الوطنية، ولم تنخرط في عمليات ذات طابع إثني ـ باستثناء بعض المناوشات هنا وهناك مع قوات الأمن السوري وهي عمليات محض عسكرية لا تأثير اجتماعياً لها ـ وفي الحالة الدرزية بقي السلاح بعد أحداث يوليو الماضي في حالة سكون.

وإذا كانت عملية تشكيل منظومة سياسية يشارك فيها الجميع تبدو بعيدة التحقق وفق كلام الشرع في منتدى الدوحة، حين أكد أن الانتخابات ستجرى بعد انتهاء الفترة الانتقالية (أي بعد أربع سنوات)، فعلى الأقل ضرورة إصدار قانون يُجرم الطائفية والتطييف باعتباره خطوة أولى للتخفيف من الاحتقان القائم: لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في سورية منصة للتطييف والتلاحم الوشائجي داخل كل مكون اجتماعي.

خاتمة

اقترن نشوء الدولة الحديثة بالاحتكار الشرعي للعنف في المجتمع كما كتب ماكس فيبر، وهذه السمة هي التي ميزت الدولة عن غيرها من المقاطعات والمدن في فترة الحداثة المُبكرة داخل أوروبا. لكن الدولة، في الوقت ذاته، قد تشكل مصدراً للتهديد بسبب رغبتها وحدها في احتكار أدوات العنف، في ظل بيئة سياسية منقسمة عمودياً. ولذلك، ما يميز الدولة الحديثة في عصرنا، أو دولة ما بعد الحداثة الأولى، هو العمل على إيجاد حياة مشتركة بين مكونات المجتمع، وتحقيق المصالح المشتركة للجميع، أفراداً وجماعات، إلى جانب احتكار أدوات العنف واحتكار شرعية استخدام هذه الأدوات.

وما زالت سورية إلى الآن تعيش تقريباً تناقضات مرحلة ما بعد الاستقلال، وهي تناقضات ذكرها عبد الفتاح ماضي في كتابه “الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية ـ العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في إطار وصفه للواقع السياسي للدول العربية بعد الاستقلال: الأول، نشأت الدولة العربية من دون عقيدة سياسية متسقة مع ثقافة مجتمعاتها وتراثها. الثاني، طبيعة السلطة داخل هذه الدول، فلئن رفع الحكام شعارات تكوين الدولة على النمط المؤسسي الحديث، فإنهم، وعلى النقيض تماماً، أقاموا سلطات قهرية مستبدّة، تعمل لمصالح ضيقة ومرتهنة في بقائها على تحالفات مع قوى داخلية وخارجية معادية لتمكين الشعوب وثقافتها، كما سيطرت أقليات عائلية أو حزبية أو عسكرية على السلطة والثروة.  … قد لا يكون تطابق الحالة السورية تطابقاً تاماً مع مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن الأكيد أن الدولة السورية الجديدة لم تتجاوز هذين التناقضين.

ولعل كلمات المفكر العربي عزمي بشارة ذات دلالة بليغة في التمييز بين منطقي الدولة والسلطة، حين كتب “يصعب إيجاد فرق آخر بين الدولة ومجرد السلطة غير تحول المحكومين إلى مواطنين، فمؤسسات ‎الدولة هي عموماً مؤسسات الحكم، ويصعب التمييز بين الأمرين، أي الدولة ومجرد الحكم من دون عنصر المواطنة التي نشأت معها الرموز الوطنية غير المرتبطة بنظام الحكم”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى