نصوص

سنة من كتابة الأعمدة الصحافيّة تكفيني/ إيلينا فيرانتي

16 ديسمبر 2025

ترجمة وتقديم: لطفيّة الدليمي

جرّبت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي Elena Ferrante، مؤلّفة الرباعية النابولية، كتابة مادة صحافية أقرب إلى عمود أسبوعي في صحيفة “الغارديان” البريطانية ذائعة الصيت. وقد وفّرت لها الصحيفة كلّ أسباب الدعم والانتشار، ومن ذلك مثلًا نشر مادتها الأسبوعية كل يوم سبت، وهو يوم عطلة أسبوعية يُغري معظم الناس بالقراءة. لم تتحمّل فيرانتي الكتابة أكثر من عام واحد (هو عام 2018)، وأنهت ذلك الالتزام الأسبوعي بكتابة مقالة أخيرة أبدت فيها السبب الذي دفعها إلى التوقّف عن الكتابة للصحيفة، وسوّغت ذلك السبب بأنّها اعتادت مكابدة القلق والترقّب والانتظار عقب نشر كلّ رواية جديدة لها، وهو ما يحصل كلّ بضع سنوات تكون خلالها منصرفة للكتابة من غير ضغوط معيقة؛ أمّا الكتابة الأسبوعية في صحيفة عالمية فكانت أشبه بكابوس لم تعُد تطيق تبعاته؛ إذ ما إن يُنشَر لها عمودٌ جديدٌ حتى تقع فريسة عبأين اثنين: ملاحقة ردّات أفعال القرّاء على مقالتها، والتفكير بمقالتها الجديدة في الأسبوع اللاحق. ليس ثمة من فسحة للاستجمام الذهني والاسترخاء النفسي أبدًا مع أيّ شكل من أشكال الفعاليات الثقافية الأسبوعية المكتوبة للصحافة.

ارتأيتُ أن أترجم المقالات القصيرة التالية لفيرانتي، وهي أقرب لأعمدة قصيرة منشورة في “الغارديان”. غايتي أن أضع القارئ في قلب المشغل الذي يعيشه الروائيّ، والأفكار التي تتزاحم في عقله، وهو يعيشُ يومه منكبًّا على عمله الروائي الروتيني، أو متطلّعًا في أحوال العالم الذي نعيشه، أو مدقّقًا في تفاصيل وجودية أو فلسفية لطالما أشغلت عقل الكائن البشري قديمًا وفي العالم المعاصر.

1. هذا هو عمودي الأخير بعد عام أرعبني وألهمني*

كتابتي كلّ سبت في هذه الصحيفة تعني كشفًا دائمًا لشظايا من ذاتي؛ لكنّني مدينةٌ لكم، يا قرّائي.

ها قد انتهى التمرينُ هنا: منحتُ نفسي عامًا وانتهى العام. لم يسبق لي أن عملت كهذا، وتردّدتُ كثيرًا قبل أن أجرّبه. كنت أخشى الموعد النهائي الأسبوعي. كنت أخشى الاضطرار إلى الكتابة حتى لو لم أشعر بالرغبة الملحّة في ذلك. كنت أخشى الحاجة إلى النشر دون دراسة كلّ كلمة بدقّة. في النهاية، انتصر الفضول.

حاولت مواجهة التحدّي بتخيّل أن لديّ 52 سؤالًا لأجيب عليها بواسطة العمود الأسبوعي في هذه الصحيفة. ظننتُ أنّ هذا شيءٌ أعرفه؛ إذ اعتدتُ لسنواتٍ أن أجيب على أسئلة الصحافيين. وهكذا تابعتُ العمل بجد؛ لكن عليّ أن أعترف الآن بحقيقة واضحة: على الرغم من لطف محرريّ الشديد، كنت أخشى دائمًا عدم النجاح في المهمة التي توليتُها، أو إهانة القرّاء بتهوّر، أو فقدان الثقة بنفسي والاستسلام. لحسن الحظ، كان قلقُ النشر يتخفّف بعيش متعة الكتابة. اليوم، أستطيع أن أقول بثقة تامة: حتى لو لم أعُد أعيش هذه التجربة، فقد كانت مفيدة جدًا لي، وأنا ممتنّةٌ لهذه الصحيفة لمنحي هذه الفرصة الطيّبة.

سبق لي في رواياتي المكتوبة أن تناولتُ موضوعاتٍ تهمّني، وأودّ – إن توفّرت لي الإرادة والوقت – أن أطوّرها في سياق آليات سردية واقعية. أعتقدُ أنني لم أذكر سوى شعور واحد من بين المشاعر التي تثير اهتمامي، وذلك فقط لأنّه دعم كتابي الأخير، وبدا لي من المبالغة العودةُ إليه: أتحدّث هنا عن موضوعة عدم المساواة، وعن الكوارث التي يسبّبها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لا بدّ لي من القول إنّ كل شيء في هذه الأوقات بات مدعاةً لقلقي؛ لكنّ تعرّض غالبية البشر – نساءً وأطفالًا ورجالًا – لآثار عدم المساواة بطرق مختلفة، يبدو لي أنّه جوهرُ كلّ المشاكل التي نعاني منها. إنّ عدم المساواة، قبل كل شيء، يولّد هدرًا هائلًا للعقول والطاقات الإبداعية، والتي إذا تمّ تدريبها واستخدامها، فمن المرجّح أن تجعل من تاريخنا مختبرًا نشطًا لإصلاح الضرر الذي تسبّبنا فيه حتى الآن – أو على الأقل السيطرة على آثاره بدلًا من قائمة لا تُطاق من الأهوال.

أودّ أن أشكر كلّ من تحلّى بالصبر لترجمة أعمدتي إلى الإنكليزية (إشارة إلى مترجمة عمود فيرانتي الأسبوعي في الغارديان آن غولدشتاين Ann Goldstein. المترجمة)، والتحقّق من تماسكها، واقتراح الحذف والإضافة، ووضع العناوين، ورسمها بخيال وذكاء وروح دعابة. أودّ أن أشكر بشكل خاص كلّ من تكرّم بقراءتها. قبل ذلك، كنت معتادة على إيقاع نشر الكتب، وعلى تماسك الرواية واستقلاليتها. إذا ما وُجدت كتبي في المكتبة فكان ثمّة دومًا قرّاءٌ لها، ولبرهة كنت أشعر بقلق كوني مؤلّفتها؛ لكنّني بعد ذلك واصلت حياتي، غالبًا لسنوات، مبتعدة قدر الإمكان عن عذاب النشر الجديد. كتابةُ هذا العمود جعلتني أشعر بالتوتّر كل سبت. كان انكشافًا دائمًا لشظايا من ذاتي، ولم أستطع تحرير نفسي من إحداها قبل أن أفكّر في الأخرى. لحسن الحظ، نعم، كان هناك قرّاءٌ – مرحّبون أو معادون بحق. أنا مدينةٌ لهم جميعًا، قليلين كانوا أو كُثرًا. هؤلاء الذين تفاعلوا مع هذه اللمعات الوجيزة من أفكاري، موافقين أو معارضين.

2. موهبة الكاتب تشبه شبكة الصيد، حيث تُلتقط التجارب اليومية التي يمكن أن تُثقّف**

إنّها لوظيفةٌ عريقةٌ للأدب فقدت رواجها مع الزمن، ربّما لقربها الخطير من المجالين السياسي والأخلاقي. أعني فكرة أنّ أحد أهداف النص هو الإرشاد. على مدى الخمسين عامًا الماضية، أقنعنا أنفسنا – بحكمة – بأنّ متعة النص وقدرته على الإدهاش متلازمان مع أسلوبه. هذا صحيح تمامًا: النصّ، أيّ نصّ، يتشكّل من كلمات، وكلّما كانت الكلمات مختارة ومترابطة بشكل جميل كان النص أكثر إغراءً وتشويشًا لجسد القارئ. لكنّ الكلمات، حتى وهي تُبهجنا، تصنع رؤانا للعالم. هي تخترق أجسادنا وعقولنا، وتتدفّق فيها وتغيّرها، مثقّفة نظرتنا ومشاعرنا، بل وحتى مواقفنا من مختلف القضايا. إلى جانب المتعة المبتغاة في كلّ نصّ، فإنّ الأسلوب، وفقًا لتقليد أدبي متوارث وعريق، يحرّكنا ويعلّمنا.

نقع في حبّ نصّ ما – جزئيًا في الأقل – بسبب الطريقة التي يُطلعنا بها على المعلومات دون قصد؛ أي بسبب ثراء التجارب الحية والصادقة التي تنتقل من الكاتب على نحو مباشر إلى حياة القارئ. ليس الأمر مجرد اختيار دقيق للمفردات، أو استعارات، أو تشبيهات لا تُنسى. المهمّ هو كيفية انخراط الكاتبة (أتحدّث هنا عن نفسي) في التراث الأدبي – لا بقدرتها على تنظيم الكلمات فحسب، بل بأفكارها، ومخزونها الشخصي من الأمور الملحّة التي عليها أن تُرويها. الموهبة الفردية تشبه شبكة صيد تلتقط التجارب اليومية، وتجمّعها بوساطة التخييل المبدع، وتربطها بأسئلة جوهرية حول الحالة الإنسانية.

إذن، الأسلوب هو كل شيء، ولكن بمعنى محدّد: كلّما كان قويًا، تعاظمت المادة التي يحملها لدروس الحياة الشاملة. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنني لا أشير إلى الروايات التي تستخدم الأدب لمعالجة موضوعات حيوية معاصرة: الجوع في العالم، وخطر الفاشية الجديدة، والإرهاب، والصراعات الدينية، والعنصرية، والجنسانية، والرقمنة وآثارها، وما إلى ذلك. ليس لديّ أيّ اعتراض على هذه الكتب؛ بل أنا متشوّقة لقراءتها. قد تكون القصص الآسرة مليئة بالعلوم أو علم الاجتماع الذي يسلّط الضوء على الكوارث المختلفة التي تُهدّد الكوكب، حيث تُنشَر الأيديولوجيات، وتُدعَم الأطروحات وتُوظّف في المعارك السياسية. ولكن عندما أتحدّث عن التعليم لا أقصد هذا النوع من الكتب. لا أفكّر في أدب تعليمي أو أخلاقي. أنا فقط أحاول القول إنّ كلّ عمل قيّم هو أيضًا نقلٌ للمعرفة المباشرة – معرفة غير متوقّعة يصعب اختزالها في شكل غير أدبي. أعني التعلّم المصحوب بالمتعة، التعلّم الذي يغيّرنا داخليًا على نحو مدهش تحت تأثير الكلمات الصادقة والمشحونة بالشعور.

3. هل يولد الكتّاب العظماء أم يُصنعون؟ كلاهما؛ ولكن لا بدّ أن يحالفهم الحظّ أيضًا***

لم يحقّق النقاش القديم حول الموهبة تقدّمًا كبيرًا بقدر ما أعلم. الأمر لم يزل كما كان في العالم القديم: هناك من يقول إنّ الشعراء يولدون، لا يُصنَعون، وهناك من يزعم أنّ الميل الفطري مفيد، ولكنّه غير كافٍ، وأنّك إذا أردت تحقيق شيء جيّد فلا بدّ من تنميته.

أنا أنتمي إلى صفوف أولئك الذين يعتنقون الفكرة الثانية، وهي قديمة قدم شيشرون. الموهبة غير كافية: إذا لم تحظَ الموهبة بالرعاية اللازمة فإنها تنتهي، في أفضل الأحوال، إلى اختراع العجلة (إشارة إلى تدوير الأفكار وعدم تحقّق الأصالة الإبداعية. المترجمة). أولئك الذين يشعرون أنّ لديهم موهبةً فنّية عليهم التزامٌ بعدم تبديدها بالرضا بما يتدفّق من قلوبهم. الإصغاء إلى القلب أمر حسن؛ ولكن لكي لا يُهدر المرء إبداعه من الأفضل له التعلّم من التقاليد، والتدرّب على التقنيات المناسبة التي تطوّرت على مرّ الزمن. لن ينفعنا أن نسلك حيث تهبّ الرياح ونمضي في المسالك المطروقة؛ بل أن نختار نماذج، وأن نسلك نسقًا شعريًا سليمًا نستمدّ منه الطاقة والطموح.

هل يعني هذا أنّ كلّ من يمتلك موهبة بسيطة وشهادة من مدرسة أو أكاديمية ما تشهد على تعليم جيّد ناله، مقدّرٌ له أن يحقّق إنجازات عظيمة؟ أخشى أن الجواب هو: لا. هذا يعني فقط أنّ من يشعر بحاجة ماسّة لإضفاء شكل مناسب على تجربته الخاصة له الحق والواجب في ذلك – إن كان في مستطاعه القيام به – دون أن يصبح ذلك الشخص المملّ الذي شدّ رداء هوراس متوسّلًا إليه أن يقرأ قصائده.

الفنّانون (الكتّاب منهم بالطبع) العظماء لا يولدون، وربما لا يُصنَعون. هناك شيء أكثر غموضًا يتدخّل دون سابق إنذار، ويؤثّر على الموهبة، سواء كانت خامًا أم مصقولة، بطريقة مدهشة دائمًا. هذا هو الحظ. الكاتب، للأسف، لا يكفيه أن يمتلك الموهبة فحسب، ولا امتياز وثقافة القدرة على رعايتها وصقلها فحسب. يجب أن يكون الكاتب محظوظًا أيضًا. لا بدّ أن يكون محظوظًا بمثل هذا الحظّ الذي نميل به لتبرير نجاح غيرنا حين لا نجد تفسيرًا أكثر إهانة لنا لو علمنا. ولكن بأي معنى؟ يمكننا أن نعمل طوال حياتنا بانضباط وذكاء ومهارة لنرسم معالم عالمنا، ولكن دون أن نحقّق إنجازًا كبيرًا. الحظ هو ذلك الإنجاز – تلك اللحظة المذهلة التي يتحوّل فيها عملنا الفردي، وإن كان محدودًا للغاية، من رحلة عادية إلى العالم الآخر إلى “الكوميديا الإلهية”، ومن مغامرة بحرية روتينية ويومية إلى “موبي ديك”.

للأسف، لا شيء يضمن لنا – لا النقد، ولا النجاح، ولا حتى أنفسنا – أنّ ذلك الإنجاز المفاجئ كان موجودًا بالفعل أو دائمًا. مستقبل أيّ عمل أكثر غموضًا على الدوام من مستقبلنا. علينا أن نستسلم لهذه الحقيقة، ونعمل بتفانٍ عنيد طوال حياتنا، دون أن نطلب المزيد.

إحالات:

* هذا العمود منشور في صحيفة “الغارديان” بتاريخ 12 كانون الثاني/ يناير 2019. العنوان الأصلي للعمود باللغة الإنكليزية هو:

Elena Ferrante: this is my last column, after a year that has scared and inspired me

** هذا العمود منشور في صحيفة “الغارديان” البريطانية في 5 كانون الثاني/ يناير 2019. العنوان الأصلي للعمود باللغة الإنكليزية هو:

Elena Ferrante: A writer’s talent is like a fishing net, catching daily experiences that can educate

*** هذا العمود منشور في صحيفة “الغارديان” البريطانية في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2018. العنوان الأصلي للعمود باللغة الإنكليزية هو:

Elena Ferrante: ‘Are great artists born or made? Both – but they must also get lucky’

    المترجم: لطفيّة الدليمي

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى