إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

في ضرورة وساطة عربية بين السوريين/ مالك ونوس

20 ديسمبر 2025

بعد مرور سنة على سقوط النظام السوري، وعشرة أشهر على توقيع “اتفاق 10 مارس”، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسلطة الجديدة في دمشق، وبعد إلغاء قانون قيصر، بموجب النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني لعام 2026 التي أقرّها مجلس الشيوخ الأميركي أخيراً، صار لزاماً على السلطة في دمشق الالتفات إلى الشأن الداخلي أكثر، من أجل البت في ملفاتٍ لا يمكن لهذه السلطة أن تضع البلاد على سكّة التعافي من دون معالجتها والوصول إلى حلول لها. وبينما بدا من السنة المنصرمة أن موضوع المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، في السويداء ومناطق شرق الفرات وشمال شرقه، يزداد تعقيداً، بسبب زيادة الشروخ بين رموزها وأركان الحكم، والقطيعة الكبيرة بين الطرفين، لذلك يجدر التساؤل بشأن أسباب تأخر العرب عن لعب دور الوساطة بين هذه الأطراف، وهو دور سيبقى الوضع من دونه على هذه الحال، ويصبح عدم إيجاد الحلول عاملاً مفجّراً لنزاعات مستقبلية، سياسية وعسكرية، لا تعرف تداعياتها.

ويأتي هذا التساؤل، وربما الاستغراب، لأن الدور العربي برز لافتاً في سورية ما بعد سقوط الأسد، عبر احتضان الدول العربية، خصوصاً دول الخليج العربي، الحكومة السورية منذ اليوم الأول الذي تلا السقوط، وتقديمها المساعدات الفنية والمالية والسياسية الكبيرة لها، لإعانتها على اجتياز الفترة الانتقالية من دون إرهاصات ومطبّات. لكن عدم شروع السلطة بحل المشكلات التي تواجهها البلاد، والأزمات الموروثة من عهد الأسد، وكذلك اندفاعة العنف الطائفي في جرمانا والساحل والسويداء، إضافة إلى استمرار العقوبات الغربية، كانت جميعها بمثابة الألغام التي أوقفت أي تقدُّمٍ على صعيد المشكلات بالمجمل، ومنها موضوع السويداء و”قسد”. من هنا، يمكن التخمين أن دوراً عربياً للوساطة بين الأطراف الثلاثة، كان يمكن له أن يُوصِلَ إلى قطعِ شوطٍ كبير على طريق حل المشكلات العالقة، بدلاً من الانسداد الحالي الذي يمكن له أن يستمر ويتفاقم أكثر، إذا لم تُسرع هذه الدول للعب ذلك الدور.

ويأتي هذا الطرح، بناءً على نجاحات كثيرة أحرزتها الدبلوماسية العربية من خلال الوساطة في حل النزاعات في أكثر من مكان. وكان من جديد هذه النجاحات، نجاح الدبلوماسية القطرية في الوصول إلى اتفاق السلام في الكونغو الذي وُقّع في الدوحة، في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وقبل هذا بسنوات طويلة، سُجِّلَ للدبلوماسية السعودية نجاحٌ في توصل أطراف الحرب في لبنان إلى توقيع اتفاق الطائف، سنة 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية التي استمرّت 15 سنة. وقد وضع الاتفاق الأسس لإصلاحٍ سياسي، كان له التأثير الكبير على الحياتين السياسية والتشريعية، للفترة اللاحقة، من ناحية التأكيد على مبدأ التعايش المشترك بين أبنائه.

وفي 2008، برز دور قطر من خلال “اتفاق الدوحة” الذي أنهى الأزمة السياسية التي استمرت ما يقارب السنتين بين الأطراف اللبنانية، وشلت الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد وكادت أن تؤدي إلى نزاع طائفي. ولدينا الدور القطري في المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ودورها في المحادثات بين حماس ودولة الاحتلال لوقف الحرب على غزة. ودور الكويت في حل الخلاف بين قطر وبعض الدول الخليجية ومصر. وكذلك دور عُمان في التوصل للاتفاق النووي بين إيران وبعض الدول الغربية سنة 2015، هذا الاتفاق الذي ألغاه الرئيس دونالد ترامب. ولا ينسى نجاح الوساطة الجزائرية بين الأطراف الفلسطينية، عقوداً. ودور الجزائر في حل نزاعات سياسية وأخرى مسلحة، منها النزاع المسلح في مالي الذي استمر عقوداً عبر ثلاث اتفاقات بين الأطراف المتنازعة في سنوات 1991 و2006 و2015. وقبل ذلك، دورها الوسيط في حل أزمة الرهائن الأميركيين المستعصية في إيران سنة 1980.

تأتي الحاجة الملحة هذه الأيام إلى دور عربي، للشروع في التسوية السياسية وتحقيق المصالحة الوطنية، بين أطراف الخلاف في العاصمة والمناطق، بسبب تعثر المفاوضات بينها، وبسبب خروج الخلاف من الأروقة الرسمية إلى المجال الشعبي، ما أحدث حالة من الشقاق على نطاق واسع بين أبناء البلاد. وهو ما برز سافراً في ذكرى إطلاق عملية ردع العدوان، خلال مسيرات دعم الوحدة الوطنية التي دعا إليها الرئيس أحمد الشرع، والتي شهدت هياجاً طائفياً غير مبرّرٍ، لم يوفر الطائفتين العلوية والدرزية والكرد بالشتائم والألفاظ المسيئة. وهو ما يعكس احتقانا طائفياً وقومياً، سببه الرئيس بقاء ملفات كثيرة عالقة، خصوصاً في ظل عدم وجود تحسن في الأوضاع المعيشية، وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، وعدم المضي في موضوع العدالة الانتقالية، وعدم الشروع في إعادة البناء، وغياب أي خطة في هذا المجال، في ظل الحاجة الملحة لإعادة بناء المساكن تسهيلاً لعودة النازحين واللاجئين. ويؤدّي هذا كله إلى رمي المسؤوليات جزافاً، والبحث عن حلولٍ غير صحيحة، سيؤدي المضي بها إلى توليد مشكلات أخطر، ومنها عمليات التغيير الديمغرافي في بعض أحياء العاصمة وريف حماه وحمص.

لا بد أن أطراف الخلاف في السويداء وفي مناطق قسد، يراقبون تعثر السلطة في مهمّاتها، وغياب المنهج لديها والخطط في إدارة البلاد، ولجوئها إلى حلول غير نافعة، وهروبها إلى الخارج للحصول على القوة والشرعية وإهمال العامل الداخلي، ما يجعلهم يصرون أكثر على شروطهم في موضوع اللامركزية لإدارة مناطقهم، وفي موضوع الجيش، وإعادة النظر في الإعلان الدستوري، وموضوع مجلس الشعب وانتخاباته، وغيرها من مسائل تعدّ خلافية إلى درجة كبيرة. كما تضاف إلى هذا الأمر القضايا التي استجدت بعد المجازر في السويداء، وما أفرزته من آلام وتبعات، والتي تحتاج لتحقيق قانوني مستقل، أو ربما عربي أو دولي لتحديد المسؤوليات وإنزال العقوبات وفتح ملف التعويضات، وهو الأمر اللازم لجبر الخواطر قبل أي مصالحة.

وتأتي أهمية الوساطة العربية وضرورتها، لإبقاء الخلاف داخل البيت السوري أو العربي، ولتقديم ضمانات، وقطعاً للطريق على أي وساطة غربية أو أميركية، قد تضع ألغاماً أو تُضمِّن الاتفاقات بنوداً على شكل ألغام، إذا ما تصاعد الخلاف ووصل إلى نزاع مسلح، أو حرب طائفية تتوفر أسبابها الكاملة بشكل واضح، وهو وضوح يضع كثيرون أياديهم على أعينهم لكي لا يتبيَّنوه.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى